الرؤيا وما يتعلق بها

نبذة مختصرة

الرؤيا وما يتعلق بها : جمعت في هذه الرسالة ما تيسر من ما يتعلق بالرؤيا من آداب الرؤيا الصالحة وضدها وما يتعلق بها من أنواع التعبير الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمستنبط من القرآن الكريم.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 الرؤيا وما يتعلق بها

تأليف جماعة من العلماء

جمع الشيخ

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله

بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإن علم تعبير الرؤيا علم عظيم مهم ورد في القرآن العظيم والسنة المطهرة ومبناه على حسن الفهم والعبور من الألفاظ والمحسوسات والمعنويات أو ما يناسبها بحسب حال الرائي وبحسب الوقت والحال المعلقة بالرؤيا وقد أثنى الله على يوسف بن يعقوب عليهما السلام بعلمه بتأويل أحاديث الأحكام الشرعية والأحاديث المتعلقة بتعبير الرؤيا والفرق بين الأحلام التي لا تأويل لها مثل ما يراه من يكفر في شيء ويطيل تأمله لبعض الأمور فإنه كثيراً ما يرى في منامه من جنس ما يفكر فيه في يقظته فهذا النوع الغالب عليه أنه أضغاث أحلام لا تعبير له وكذلك ما يلقيه الشيطان على روح النائم من المرائي الكاذبة والمعاني المتخبطة فهذه أيضاً لا تعبير لها ولا ينبغي للعاقل أن يشغل بها فكره. وأما الرؤيا الصحيحة فهي إلهامات يلهمها الله للروح عند تجردها عن البدن وقت النوم، وأمثال مضروبة يضربها الملك للإنسان ليفهم بها ما يناسبها( ).

ولأهمية تعبير الرؤيا في حياة الإنسان فقد جمعت في هذه الرسالة ما تيسر من ما يتعلق بالرؤيا من آداب الرؤيا الصالحة وضدها وما يتعلق بها من أنواع التعبير الوارد عن النبي والمستنبط من القرآن الكريم، وأن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان، وتحريم الكذب في الرؤيا بأن يقول رأيت في منامي كذا وكذا وهو كاذب وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك، ولا ينبغي أن يؤول الرؤيا إلا عالم أو طالب علم لأنها إذا أولت وقعت كما ورد في الحديث الذي رواه الحاكم وصححه أهل السنن.

وقد أرشدنا رسول الله ودلنا على (قاعدة مهمة) عندما يرى الإنسان في منامه شيئاً يسره أو يكرهه وهي أنه إذا رأى ما يسره فليحمد الله عليه وليستبشر به وأن يحدث به من يحب. وإذا رأى ما يكره فليستعذ بالله من الشيطان ومن شر هذه الرؤيا وأن ينفث عن يساره ثلاثا، ويتحول عن جنبه الذي كان عليه، ولا يحدث بها أحداً فإذا فعل ذلك فإنها لا تضره، وهي تقع على ما تفسر به كما تقدم وكما يأتي كما ذكر في هذه الرسالة أقسام تأويل الرؤيا للإمام البغوي ورسالة في تعبير الرؤيا لابن القيم رحمهما الله تعالى.

أسأل الله تعالى أن ينفع بها وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 باب الرؤيا وما يتعلق بها()

قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ( ).

(1) الروم /23. ومن آياته: دلائل قدرته ومظاهر ألوهيته، ووحدانيته. منامكم: نومكم، وذلك لما فيه من إذهاب الشعور حتى يصير النائم كالميت ثم يستيقظ فيعود إليه شعوره، وفي ذلك دليل على كمال قدرة الله تعالى.

1-      وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات" قالوا: وما المبشرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة" رواه البخاري.

الحديث رواه البخاري في كتاب التعبير (باب المبشرات).

أفاد الحديث: أن من الرؤى ما هو حق يطلع بها الله المؤمن على ما سيكون من خير أو شر، وذكر المبشرات خاصة خرج على الأغلب أو اكتفاء بها عما يقابلها من المنذرات. لا وحي لأحد بعد وفاة النبي .

2-      وعنه أن النبي قال: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة" متفق عليه، وفي رواية: "أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً".

الحديث رواه البخاري في التعبير (باب القيد في المنام) ومسلم في أول كتاب الرؤيا.

لغة الحديث: اقترب الزمان: اقترب انتهاء أمد الدنيا. لم تكد: لم تقارب.

أفاد الحديث: أن الله يؤنس المؤمن ويواسيه بما يريه من الحقائق وذلك عند فساد الزمان، ويزداد صدق الرؤيا بصدق حديث صاحبها، قال المهلب: رؤيا الأنبياء حق، ورؤيا المؤمنين يغلب فيها الصدق، لعدم تمكن الشيطان من قلوبهم، ورؤيا الفاسقين والكافرين يغلب عليها الكذب، لسيطرة الشيطان على نفوسهم، وأن الرؤيا الحق جزء من النبوة باعتبارها إعلاماً من الله لبعض المؤمنين وهم في حالة النوم.

3-      وعنه قال: قال رسول الله : "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة -أو كأنما رآني في اليقظة- لا يتمثل الشيطان بي" متفق عليه.

الحديث رواه البخاري في التعبير (باب من رأى النبي في المنام) ومسلم في الرؤيا (باب قول النبي : من رآني في المنام فقد رآني).

لغة الحديث: سيراني في اليقظة: قال بعضهم سيرى تصديق رؤياه في اليقظة.

أفاد الحديث: أن من رأى النبي في المنام فسوف يراه في اليقظة يوم القيامة وهذا تبشير لصاحب الرؤيا، أ, فكأنما رآه في اليقظة وهذا تبشير يدل على إكرام صاحب هذه الرؤيا، ولا يرى رسول الله في المنام إلا من كان في قلبه حب له والتزام لهداه. إن رؤيا الرسول في المنام حق وليست من قبيل الأضغاث، لأن الشيطان لا يتخيل للإنسان بشكل النبي . وهذا من خصوصياته على الأصح.

4-      وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي يقول: "إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله تعالى فليحمد الله عليها وليحدث بها"، وفي رواية: "فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره" متفق عليه.

الحديث رواه البخاري في كتاب التعبير (باب الرؤيا الصالحة من الله) ومسلم في أول كتاب الرؤيا.

أفاد الحديث: أن الإنسان إذا رأى رؤيا حسنة فليضفها إلى الله تعالى وليحمد الله تعالى على أن رأى ما يسره، ولا بأس إن حدث بها لأنها تبعث على التفاؤل والتفاؤل مطلوب. وإذا رأى رؤيا سيئة فليضفها إلى الشيطان لأنها غالباً من وساوسه، ولا يحدث بها، لأنها تبعث على التشاؤم والتشاؤم ممنوع فليستعذ بالله وليعتمد عليه فإنها لا تضره.

5-      وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال النبي : "الرؤيا الصالحة" وفي رواية "الرؤيا الحسنة من الله والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئاً يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثاً وليتعوذ من الشيطان، فإنها لا تضره" متفق عليه.

"النفث" نفخ لطيف لا ريق معه.

الحديث رواه البخاري في التعبير (باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً) وأبواب أخرى وبدء الخلق (باب صفة إبليس وجنوده) ومسلم في أول كتاب الرؤيا.

لغة الحديث: الحلم: الرؤيا، فهما أي الحلم والرؤيا في الأصل بمعنى واحد، لكن غلب في اصطلاح الشرع تخصيص الرؤيا بما يراه من الخير، والحلم بما يراه من الشر.

أفاد الحديث: استحباب النفث عن يساره والتعوذ من الشيطان إذا رأى رؤيا شر، وذلك طرداً للشيطان واحتقاراً له وعدم التفات إلى ما يخيله له فليس بضار أحداً فيما يوسوسه إلا بإذن الله.

6-      وعن جابر رضي الله عنه عن رسول الله قال: "إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه" رواه مسلم.

الحديث رواه مسلم في أول كتاب الرؤيا.

أفاد الحديث: استحباب التحول عن جنبه الذي كان عليه حين الرؤيا تفاؤلاً بتحول الحال من الرؤيا القبيحة إلى الرؤيا الحسنة، وتخصيص الشمال بالنفث أو البصاق إشعاراً إلى جهة الشيطان.

7-      وعن أبي الأسقع واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يرى عينه ما لم تر، أو يقول على رسول الله ما لم يقل" رواه البخاري.

الحديث رواه البخاري في المناقب (الأنبياء)، (باب نسبة اليمن إلى إسماعيل).

لغة الحديث: الفرى: جمع فرية بكسر الفاء، وهي الكذبة. يدعي: ينتسب إلى غير أبيه. يرى عينه: يكذب فيما يدعي أن عينه رأته.

أفاد الحديث: أن الانتساب إلى غير الأب كبيرة لأن فيها تضييعاً للأنساب وإدخالاً على الأسر ما ليس منها، وهذا يترتب عليه محاذير شرعية كثيرة. وأن الكذب في الرؤيا كبيرة، لأنه كذب على الله في أنه أراه كذا وهو لم ير ما يقول، بخلاف الكذب في اليقظة فإنه كذب على المخلوق، فهو وإن كان حراماً لكنه دون الكذب على الله. وأن الكذب على رسول الله كبيرة أيضاً، لما يترتب على ذلك من تضليل الناس في الدين.

 الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب. وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من الشيطان، ولينفث عن شماله ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً فإنها لن تضره" متفق عليه.

أخبر في هذا الحديث: أن الرؤيا الصالحة من الله، أي: السالمة من تخليط الشيطان وتشويشه، وذلك لأن الإنسان إذا نام خرجت روحه، وحصل لها بعض التجرد الذي تتهيأ به لكثير من العلوم والمعارف. وتلطفت مع ما يلهمها الله، ويلقيه إليها الملك في منامها. فتتنبه وقد تجلت لها أمور كانت قبل ذلك مجهولة، أو ذكرت أموراً قد غفلت عنها، أو تنبهت لأحوال ينفعها معرفتها، أو العمل بها، أو حذرت مضاراً دينية أو دنيوية لم تكن لها على بال، أو اتعظت ورغبت ورهبت عن أعمال قد تلبست بها، أو هي بصدد ذلك، أو تنبهت لبعض الأعيان الجزئية لإدخالها في الأحكام الشرعية.

فكل هذه الأمور علامة على الرؤيا الصالحة، التي هي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. وما كان من النبوة فهو لا يكذب.

فانظر إلى رؤيا النبي في قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الأنفال: 43] كم حصل بها من منافع واندفع بها من مضار.

وكذلك قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: 27] كم حصل بها من زيادة إيمان، وتم بها من كمال إيقان، وكانت من آيات الله العظيمة.

وانظر إلى رؤيا ملك مصر، وتأويل يوسف الصديق لها، وكما تولى التأويل فقد ولاه الله ما احتوت عليه من التدبير، فحصل بذلك خيرات كثيرة، ونعم غزيرة، واندفع بها ضرورات وحاجات، ورفع الله بها يوسف فوق العباد درجات.

وتأمل رؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما الأذان والإقامة، وكيف صارت سبباً لشرع هذه الشعيرة العظيمة التي هي من أعظم الشعائر الدينية.

ومرائي الأنبياء والأولياء والصالحين - بل وعموم المؤمنين وغيرهم معروفة مشهورة، لا يحصى ما اشتملت عليه من المنافع المهمة والثمرات الطيبة وهي من جملة نعم الله على عباده، ومن بشارات المؤمنين، وتنبيهات الغافلين، وتذكيره للمعرضين، وإقامة الحجة على المعاندين.

وأما الحلم الذي هو أضغاث أحلام، فإنما هو من تخليط الشيطان على روح الإنسان، وتشويشه عليها وإفزاعها، وجلب الأمور التي تكسبها الهم والغم، أو توجب لها الفرح والمرح والبطر، أو تزعجها للشر والفساد والحرص الضار.

فأمر النبي عند ذلك أن يأخذ العبد في الأسباب التي تدفع شره وأن لا يحدث به أحداً، فإن ذلك سبب لبطلانه واضمحلاله، وأن يتفل عن شماله ثلاث مرات.

وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الذي هو سبب هذا الحلم والدافع له، وليطمئن قلبه عند ذلك أنه لا يضره، مصداقاً لقول رسوله ، وثقة بنجاح الأسباب الدافعة له.

وأما الرؤيا الصالحة، فينبغي أن يحمد الله عليها، ويسأله تحقيقها، ويحدث بها من يحب ويعلم منه المودة، ليسر لسروره، ويدعو له في ذلك. ولا يحدث به من لا يحب، لئلا يشوش عليه بتأويل يوافق هواه، أو يسعى - حسداً منه - في إزالة النعمة - عنه.

ولهذا لما رأى يوسف الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر ساجدين له، وحدث بها أباه قال له يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف: 5].

ولهذا كان كتم النعم عن الأعداء - مع الإمكان - أولى إلا إذا كان في ذلك مصلحة راجحة.

واعلم أن الرؤيا الصادقة تارة يراها العبد على صورتها الخارجية، كما في رؤيا الأذان وغيرها، وتارة يضرب له فيها أمثال محسوسة، ليعتبر بها الأمور المعقولة، أو المحسوسة التي تشبهها، كرؤيا ملك مصر ونحوها، وهي تختلف باختلاف الرائي والوقت والعادة، وتنوع الأحوال( ).

 آداب الرؤيا الصالحة

يستحب لمن رأى رؤيا صالحة ثلاثة أشياء:

-        أن يحمد الله عليها.

-        وأن يستبشر بها.

-        وأن يتحدث بها لمن يحب دون من يكره.

روى البخاري، من حديث أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي يقول: "إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان( )، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره"( ).

وروى مسلم من حديث أبي قتادة الآتي:

"فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر، ولا يخبر إلا من يحب"( ).

 آداب الرؤيا المكروهة

روى الشيخان، عن أبي سلمة قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت النبي يقول:

"الرؤيا الحسنة من الله فإذا رآى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب. وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، وليتفل ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً، فإنها لا تضره"( ).

وروى مسلم من حديث جابر، عن رسول الله قال:

"إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه"( ).

وقد تقدم حديث أبي هريرة من طريق مسلم: "إذا اقترب الزمان لم تحد رؤيا المسلم تكذب" وفيه: "فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس".

فحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا المكروهة

ستة أشياء:

1-      الاستعاذة بالله من شرها، وهي مشروعة عند كل أمر يكرهه المؤمن.

2-      الاستعاذة من الشيطان، لأنها منه، وأنه يخيل بها لقصد تحزين الآدمي والتهويل عليه كما تقدم.

3-      التفل( ) عن اليسار، طرداً للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة وتحقيراً واستقذاراً، وخصت به اليسار، لأنها محل الأقذار ونحوها، والتثليث للتأكيد.

4-      التحول عن الجنب الذي كان عليه، ولعل هذا للتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها والله أعلم.

5-      الصلاة، لما فيها من التوجه إلى الله واللجأ إليه، ولأن في التحريم بها عصمة من الأسواء، وبها تكمل الرغبة، وتصح الطلبة، لقرب المصلي من ربه عند سجوده.

6-      ألا يحدِّث بها أحداً، ولا يفسرها لنفسه لأن الرؤيا تقع على ما تعبر به، ولكي لا تحدث تأثيراً في النفوس( ).

 الرؤيا تقع على ما تفسر به

أخرج الحاكم من حديث أنس قال: قال رسول الله :

"إن الرؤيا تقع على ما تعبر( )، ومثل ذلك رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحاً أو عالماً( ).

وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن أبي رزين العقيلي، عن النبي قال:

"الرؤيا على رجل طائر( )، ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت، قال الراوي وأحسبه قال: ولا يقصها إلا على وادٍ( ) أو ذي رأي"( ).

روى الدارمي عن عائشة زوج النبي قالت كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف، فكانت ترى رؤيا كلما غاب زوجها وقلما يغيب إلا تركها حاملاً، فتأتي رسول الله - - فتقول: إن زوجي خرج تاجراً فتركني حاملاً، فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت، وأني ولدت غلاماً أعور، فقال رسول الله خير يرجع زوجك عليك، إن شاء الله تعالى صالحاً، وتلدين غلاماً براً - فكانت تراها مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك تأتي رسول الله فيقول ذلك لها، فيرجع زوجها وتلد غلاماً، فجاءت يوما كما كانت تأتيه ورسول الله غائب، وقد رأت تلك الرؤيا فقلت لها: عم تسألين رسول الله يا أمة الله؟.

فقالت: رؤيا كنت أراها فآتي رسول الله - - فأسأله عنها، فيقول خيراً، فيكون كما قال، فقلت: فأخبريني ما هي؟ قالت حتى يأتي رسول الله - - فأعرضها عليه كما كنت أعرض، فوالله ما تركتها حتى أخبرتني، فقلت والله لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلاماً فاجراً، فقعدت تبكي، فقال لها: ما لها يا عائشة؟ فأخبرته الخبر وما تأولت لها، فقال رسول الله - - مه يا عائشة إذا عبرتم للمسلم الرؤيا، فاعبروها على خير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها، فمات والله زوجها ولا أراها إلا ولدت غلاماً فاجراً( ).

وعن سعيد بن منصور، عن عطاء قال: "وكان يقال: الرؤيا على ما أولت"( ).

هذه الأحاديث صريحة بأن الرؤيا بقع على ما تفسر به، ويمكن أن يقال:

إن الله إذا قدر أن تقع الرؤيا فإنه سبحانه يقدر للعابر أن يفسرها على وفق ما ستقع.

ومن ثم أرشدنا رسول الله إلى أن لا نقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح، وفي رواية إلا على واد أو ذي رأي، وفي أخرى: ولا يحدث بها إلا لبيباً أو حبيباً.

قال ابن العربي: أما العالم فإنه يؤولها على الخير مهما أمكنه، وأما الناصح فإنه يرشد إلى ما ينفعه ويعينه عليه، وأما اللبيب - وهو العارف بتأويلها - فإنه يعلمه بما يعول عليه في ذلك أو يسكت، وأما الحبيب فإن عرف خيراً قاله، وإن جهل أو شك سكت.

ومما لا شك فيه أن ذلك مقيد بما كان التعبير مما تحمله الرؤيا ولو على وجه، وليس خطأ محضاً من كل وجه.

وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام البخاري عندما قال: "باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب" ثم ساق حديث الرجل الذي رأى في المنام ظله وعبرها أبو بكر..( ).

قال أبو عبيد وغيره: معنى قوله "الرؤيا لأول عابر" إذا كان العابر الأول عالما فعبر فأصاب وجه التعبير، وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب في تعبير المنام، ليتوصل بذلك إلى مراد الله فيما ضربه من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإذا لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبر بما عنده ويبين ما جهل الأول. ( ).

 أقسام تأويل الرؤيا

قال البغوي: واعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقساماً، فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب، أو من جهة السنة، أو من الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد والقلب.

فالتأويل بدلالة القرآن، كالحبل يعبر بالعهد، لقوله سبحانه وتعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ [آل عمران: 103] والسفينة تعبر بالنجاة، لقوله سبحانه وتعالى: فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ [العنكبوت: 15] والخشب يعبر بالنفاق لقوله عز وجل: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون: 4] والحجارة تعبر بالقسوة لقوله جل ذكره: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 34] والمرض بالنفاق، لقوله تبارك وتعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة: 10] والبيض يعبر بالنساء، لقوله سبحانه وتعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: 49] وكذلك اللباس، لقوله سبحانه وتعالى: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ [البقرة: 187] واستفتاح الباب يعبر بالدعاء لقوله سبحانه وتعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا [الأنفال: 109] أي: تدعوا والماء يعبر بالفتنة في بعض الأحوال لقوله عز وجل: لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [الجن: 17،16] وأكل اللحم النيء يعبر بالغيبة، لقوله سبحانه وتعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا [الحجرات: 12] ودخول الملك محلة، أو بلدة، أو داراً تصغر عن قدره، وينكر دخول مثله مثلها يعبر بالمصيبة والذل ينال أهلها، لقوله تبارك وتعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا [النمل: 34].

وأما التأويل بدلالة الحديث كالغراب، يعبر بالرجل الفاسق، لأن النبي سماه فاسقاً، والفأرة تعبر بالمرأة الفاسقة، لأن النبي سماها فويسقة. والضلع يعبر بالمرأة، لقوله : "إن المرأة خلقت من ضلع أعوج"( ) والقوارير تعبر بالنساء، لقوله "يا أنجشة رويدك لا تكسر القوارير"( ).

والتأويل بالأمثال كالصائغ يعبر بالكذب، لقولهم: أكذب الناس الصواغون. وحفر الحفرة يعبر بالمكر، لقولهم: من حفر حفرة وقع فيها. قال الله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43]، والحاطب يعبر بالنمام، لقولهم لمن وشى: إنه يحطب عليه، وفسروا قوله سبحانه وتعالى: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد: 4] بالنميمة، ويعبر طول اليد بصنائع المعروف، لقوله: فلان أطول يداً من فلان ويعبر الرمي بالحجارة والسهم بالقذف، لقولهم رمى فلاناً بفاحشة، قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور: 4]، ويعبر غسل اليد باليأس عما يأمل، لقولهم: غسلت يدي عنك.

والتأويل بالأسامي، كمن رأى رجلاً يسمى راشداً يعبر عن الرشد، وإن كان يسمى سالماً يعبر بالسلامة.

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله : "رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب".

هذا حديث صحيح( ).

قال ابن سيرين: نوى التمر: نية السفر، وقد يعبر السفرجل بالسفر إذا لم يكن في الرؤيا ما يدل على المرض لأن أوله سفر، والسوس بالسوء، لأن أوله سوء، إذا عدل به عما ينسب إليه في التأويل.

والتأويل بالمعنى كالأترج يعبر بالنفاق، لمخالفة باطنه ظاهره، إن لم يكن في الرؤيا ما يدل على المال، وكالورد والنرجس يعبر بقلة البقاء إن عدل به عما ينسب إليه لسرعة ذهابه، ويعبر الآس بالبقاء، لأنه يدوم. حكي أن امرأة سألت معبراً بالأهواز: إني رأيت في المنام كأن زوجي ناولني نرجساً وناول ضرة لي آساً، فقال: يطلقك ويتمسك بضرتك، أما سمعت قول الشاعر:

ليس للنرجس عهد

                   إنما العهد للآس

وأما التأويل بالضد والقلب، فكما أن الخوف في النوم بالأمن، لقوله سبحانه وتعالى: وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: 55] والأمن فيه يعبر بالخوف، ويعبر البكاء بالفرح إذا لم يكن معه رنة، ويعبر الضحك بالحزن - إلا أن يكون تبسماً، ويعبر الطاعون بالحرب، والحرب بالطاعون، ويعبر العجلة في الأمر بالندم، والندم بالعجلة، ويعبر العشق بالجنون، والجنون بالعشق، والنكاح، بالتجارة، والتجارة بالنكاح، وتعبر الحجامة بكتبة الصك، وكتبة الصك بالحجامة، ويعبر التحول عن المنزل بالسفر، والسفر بالتحول عن المنزل.

ومن هذا القبيل أن العطش في النوم خير من الري، والفقر خير من الغنى، والمضروب والمجروح، والمقذوف أحسن حالاً من الضارب والجارح، والقاذف.

وقد يتغير حكم التأويل بالزيادة والنقصان، كقولهم في البكاء: إنه فرح، فإن كان معه صوت ورنة، فهو مصيبة، وفي الضحك: إنه حزن، فإن كان تبسماً، فصالح وكقولهم في الجوز: إنه مال مكنوز، فإن سمعت له قعقعة، فهو خصومة، والدهن في الرأس زينة، فإن سال على الوجه، فهو غم، والزعفران ثناء حسن فإن ظهر له وزن، أو جسد، فهو مرض، أوهم، والمريض يخرج من منزله ولا يتكلم فهو موته، وإن تكلم برأ، والفأر نساء، ما لم تختلف ألوانها، فإن اختلفت ألوانها إلى بيض وسود، فهي الأيام والليالي، والسمك نساء إذا عرف عددها، إن كثر فغنيمة.

وقد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي كالغل في النوم مكروه، وهو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر، وكان ابن سيرين يقول في الرجل يخطب على المنبر يصيب سلطاناً فإن لم يكن من أهله يصلب، وسأل رجل ابن سيرين قال: رأيت في المنام كأني أؤذن قال تحج، وسأله آخر، فأول بقطع يده في السرقة، فقيل له في التأويلين، فقال: رأيت الأول على سيماء حسنةٍ، فأولت قوله سبحانه وتعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج: 27] ولم أرض هيئة الثاني، فأولت قوله عز وجل ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف: 70].

وقد يرى الرجل في منامه فيصيبه عين ما رأى حقيقة من ولاية أو حج أو قدوم غائب أو خير أو نكبة، فقد رأى النبي الفتح، فكان كذلك، قال الله سبحانه وتعالى لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ [الفتح: 27].

عن خزيمة بن ثابت عن عمه أن خزيمة رأى فيما يرى النائم، أنه سجد على جبهة النبي ، فأخبره فاضطجع له وقال: صدق رؤياك" فسجد على جبهته( ).

وقد يرى الشيء في المنام للرجل، ويكون التأويل لولده أو قريبه أو سميه، فقد رأى النبي في النوم مبايعة أبي جهل معه، فكان ذلك لابنه عكرمة، فلما أسلم، قال عليه السلام "هو هذا"( ) ورأى لأسيد بن العاص ولاية مكة، فكان لابنه عتاب بن أسيد ولاه النبي مكة( ).

 رسالة في تعبير الرؤيا

للإمام ابن القيم رحمه الله()

قد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدراً وشرعها ويقظة ومناماً، ودل عباده على الاعتبار بذلك، وعبورهم من الشيء إلى نظيره، واستدلالهم بالنظير على النظير، بل هذا أصل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من أنواع الوحي، فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس، ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على الدين؟ فما كان فيها من طول أو قصر أو نظافة أو دنس فهو في الدين كما أول النبي القميص بالدين والعلم، والقدر المشترك بينهما أن كلا منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس، فالقميص يستر بدنه والعلم والدين يستر روحه وقلبه ويجمله بين الناس.

ومن هذا تأويل اللبن بالفطرة لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة، وأن إذا خلي وفطرته لم يعدل عن اللبن فهو مفطور على إيثاره على ما سواه، وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله عليها الناس.

ومن هذا تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض كما أن البقر كذلك، مع عدم شرها وكثرة خيرها وحاجة الأرض وأهلها إليها، ولهذا لما رأى النبي بقراً تنحر كان ذلك نحراً في أصحابه.

ومن ذلك تأويل الزرع والحرث بالعمل؛ لأن العامل زارع للخير والشر، ولابد أن يخرج له ما بذره كما يخرج للباذر زرع ما بذره، فالدنيا مزرعة، والأعمال البذر، ويوم القيامة يوم طلوع الزرع للباذر وحصاده.

ومن ذلك تأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين والجامع بينهما أن المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا ثمر، فهو بمنزلة الخشب الذي هو كذلك؛ ولهذا شبه الله تعالى المنافقين بالخشب المسندة لأنهم أجسام خالية عن الإيمان والخير، وفي كونها مسندة نكتة أخرى، وهي أن الخشب إذا انتفع به جعل في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً فارغاً غير منتفع به جعل مسنداً بعضه إلى بعض، فشبه المنافقين بالخشب في الحالة التي لا ينتفع فيها بها.

ومن ذلك تأويل النار بالفتنة لإفساد كل منهما ما يمر عليه ويتصل به، فهذه تحرق الأثاث والمتاع والأبدان، وهذه تحرق القلوب والأديان والإيمان.

ومن ذلك تأويل النجوم بالعلماء والأشراف، لحصول هداية أهل الأرض بكل منهما، ولارتفاع الأشراف بين الناس كارتفاع النجوم.

ومن ذلك تأويل الغيث بالرحمة والعلم والقرآن والحكمة وصلاح حال الناس.

ومن ذلك خروج الدم في التأويل يدل على خروج المال، والقدر المشترك أن قوام البدن بكل واحد منهما.

ومن ذلك الحدث في التأويل يدل على الحدث في الدين، فالحدث الأصغر ذنب صغير والأكبر ذنب كبير.

ومن ذلك أن اليهودية والنصرانية في التأويل بدعة في الدين، فاليهودية تدل على فساد القصد واتباع غير الحق، والنصرانية تدل على فساد العلم والجهل والضلال.

ومن ذلك الحديد في التأويل وأنواع السلاح يدل على القوة والنصر بحسب جوهر ذلك السلاح ومرتبته.

ومن ذلك الرائحة الطيبة تدل على الثناء الحسن وطيب القول والعمل، والرائحة الخبيثة بالعكس، والميزان يدل على العدل، والجراد يدل على الجنود والعساكر والغوغاء( ) الذين يموج بعضهم في بعض، والنحل يدل على من يأكل طيباً ويعمل صالحاً، والديك رجل عالي الهمة بعيد الصيت، والحية عدو أو صاحب بدعة يهلك بسمه، والحشرات أوغاد الناس( )، والخلد( ) رجل أعمى يتكفف الناس بالسؤال، والذئب رجل غشوم ظلوم غادر فاجر، والثعلب رجل غادر مكار محتال مراوغ عن الحق، والكلب عدو ضعيف كثير الصخب والشر في كلامه وسبابه، أو رجل مبتدع متبع هواه مؤثر له على دينه، والسنور العبد والخادم الذي يطوف على أهل الدار، والفأرة امرأة سوء فاسقة فاجرة، والأسد رجل قاهر مسلط، والكبش الرجل المنيع المتبوع.

(ومن كليات التعبير) أن كل ما كان وعاء للماء فهو دال على الأثاث، وكل ما كان وعاء للمال كالصندوق والكيس والجراب فهو دال على القلب، وكل مدخول بعضه في بعض وممتزج ومختلط فدال على الاشتراك والتعاون أو النكاح، وكل سقوط وخرور من علو إلى أسفل فمذموم، وكل صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يجاوز العادة وكان ممن يليق به، وكل ما أحرقته النار فجائحة وليس يرجى صلاحه ولا حياته، وكذلك ما انكسر من الأوعية التي لا ينشعب مثلها؛ وكل ما خطف وسرق من حيث لا يرى خاطفه ولا سارقه فإنه ضائع لا يرجى، وما عرف خاطفه أو سارقه أو مكانه أو لم يغب عن عين صاحبه فإنه يرجى عوده، وكل زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان والذكر واللحية واليد والرجل فزيادة خير، وكل زيادة متجاوزة للحد في ذلك فمذمومة وشر وفضيحة، وكل ما رئي من اللباس في غير موضعه المختص به فمكروه كالعمامة في الرجل والخف في الرأس والعقد في الساق، وكل من استقضى أو استخلف أو أمر أو استوزر أو خطب ممن لا يليق به ذلك نال بلاء من الدنيا وشراً وفضيحة وشهرة قبيحة، وكل ما كان مكروهاً من الملابس فخلقه أهون على لابسه من جديده، والجوز مال مكنوز، فإن تفقع كان قبيحاً وشراً، ومن صار له ريش أو جناح صار له مال، فإن طار سافر، وخروج المريض من داره ساكتاً يدل على موته ومتكلماً يدل على حياته والخروج من الأبواب الضيقة يدل على النجاة والسلامة من شر وضيق هو فيه وعلى توبة، ولاسيما إن كان الخروج إلى فضاء وسعة فهو خير محض، والسفر والنقلة من مكان إلى مكان انتقال من حال إلى حال بحسب حال المكانين، ومن عاد في المنام إلى حال كان في اليقظة عاد إليه ما فارقه من خير أو شر، وموت الرجل ربما دل على توبته ورجوعه إلى الله، لأن الموت رجوع إلى الله، قال تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ( ) والمرهون مأسور بدين أو بحق عليه لله أو لعبيده، ووداع المريض أهله أو توديعهم له دال على موته.

وبالجملة فما تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها، وكذلك من فهم القرآن فإنه يعبر به الرؤيا أحسن تعبير، وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة القرآن، فالسفينة تعبر بالنجاة، لقوله تعالى: فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ( ) وتعبر بالتجارة، والخشب بالمنافقين والحجارة بقساوة القلب، والبيض بالنساء، واللباس أيضاً بهن، وشرب الماء بالفتنة، وأكل لحم الرجل بغيبته، والمفاتيح بالكسب والخزائن والأموال، والفتح يعبر مرة بالدعاء ومرة بالنصر، وكالملك يرى في محلة لا عادة له بدخولها يعبر بإذلال أهلها وفسادها، والحبل يعبر بالعهد والحق والعضد، والنعاس قد يعبر بالأمن، والبقل والبصل والثوم والعدس يعبر لمن أخذه بأنه قد استبدل شيئاً أدنى بما هو خير منه من مال أو رزق أو علم أو زوجة أو دار، والمرض يعبر بالنفاق والشك وشهوة الرياء، والطفل الرضيع يعبر بالعدو، لقوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا( ) والنكاح بالبناء، والرماد بالعمل الباطل، لقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ( ) والنور يعبر بالهدى، والظلمة بالضلال. ومن هنا قال عمر بن الخطاب لحابس بن سعد الطائي وقد ولاه القضاء، فقال له: يا أمير المؤمنين إني رأيت الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم بينهما نصفين، فقال عمر: من أيهما كنت؟ قال مع القمر على الشمس، قال كنت مع الآية الممحوة، اذهب فلست تعمل لي عملا، ولا تقتل إلا في لبس من الأمر، فقتل يوم صفين، وقيل لعابر رأيت الشمس والقمر دخلا في جوفي، فقال تموت، واحتج بقوله تعالى فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ( ) وقال رجل لابن سيرين: رأيت معي أربعة أرغفة خبز فطلعت الشمس، فقال تموت إلى أربعة أيام، ثم قرأ قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا( ) .

وأخذ هذا التأويل أنه حمل رزقه أربعة أيام، وقال له آخر: رأيت كيسي مملوءاً أرضة، فقال أنت ميت، ثم قرأ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ( ) والنخلة تدل على الرجل المسلم وعلى الكلمة الطيبة، والحنظلة تدل على ضد ذلك، والصنم يدل على العبد السوء الذي لا ينفع، والبستان يدل على العمل، واحتراقه يدل على حبوطه، لما تقدم في أمثال القرآن، ومن رأى أنه ينقض غزلاً أو ثوباً لعبيده مرة ثانية فإنه ينقض عهداً وينكثه، والمشي سوياً في طريق مستقيم يدل على استقامته على الصراط المستقيم، والأخذ في بنيات الطريق يدل على عدوله عنه إلى ما خالفه، وإذا عرضت له طريقان ذات يمين وذات شمال فسلك أحدهما فإنه من أهلها، وظهور عورة الإنسان له ذنب يرتكبه ويفتضح به، وهروبه وفراره من شيء نجاة وظفر، وغرقه في الماء فتنة في دينه ودنياه، وتعلقه بحبل بين السماء والأرض تمسكه بكتاب الله وعهده واعتصامه بحبله، فإن انقطع به فارق العصمة إلا أن يكون ولي أمراً فإنه قد يقتل أو يموت.

فالرؤيا أمثال مضروبة يضربها الملك الذي قد وكله الله بالرؤيا ليستدل الرائي بما ضرب له من المثل على نظيره، ويعبر منه إلى شبهه، ولهذا سمي تأويلها تعبيراً، وهو تفعيل من العبور، كما أن الاتعاظ يسمى اعتباراً وعبرة لعبور المتعظ من النظير إلى نظيره، ولولا أن حكم الشيء حكم مثله وحكم النظير حكم نظيره لبطل هذا التعبير والاعتبار، ولما وجد إليه سبيل، وقد أخبره الله سبحانه أنه ضرب الأمثال لعباده في غير موضع من كتابه، وأمر باستماع أمثاله، ودعا عباده إلى تعقلها، والتفكير فيها، والاعتبار بها، وهذا هو المقصود بها والله أعلم وصلى الله على محمد.

رأيك يهمنا