رسالة إلى المتقاعدين

نبذة مختصرة

في هذه الرسالة محاولة لإشاعة الفكر العملي لأولئك الإخوة الذين أُحيلوا إلى التقاعد؛ للفت نظرهم للعمل في المجالات الخيّرة النافعة دينًا ودنيا.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

رسالة إلى المتقاعدين

تأليف الفقير إلى الله تعالى

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين


من هدي النبوة

 قال رسول الله ﷺ‬: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» [رواه مسلم في صحيحه].

قال رسول الله ﷺ‬: «ألا أخبركم بخياركم». قالوا: بلى. قال: «خياركم أطولكم أعمارًا وأحسنكم أعمالاً» [رواه الحاكم عن جابر].

قال ﷺ‬: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله» [رواه أحمد والترمذي, عن عبدالله بن بشر، ورمز السيوطي لصحته].


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون{ [آل عمران: 102].

}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا{ [النساء: 1].

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{ [الأحزاب: 70-71].

 أما بعد...

فإن المتأمل والناظر في ديننا الإِسلامي بعين التدبر والتعقل والتفكر يجد أنه دين حوى ما يحتاج إليه المسلم في معاشه ومعاده, وما يقيم دنياه وآخرته, وقد جعل الله حياة المسلم بل صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين لا شريك له وذلك في قوله سبحانه آمرًا نبيه ﷺ‬ والأمة تبع له في ذلك: }قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ{ [سورة الأنعام، الآيتان 162-163]. هكذا الحياة في الإِسلام عمل وجد وكفاح وجهاد وبذل وعطاء حتى الممات, والمتأمل لسيرة النبي ﷺ‬ وسيرة صحبه الكرام وأتباعه بإحسان يجد ذلك ظاهرًا جليًا. ومن نعمة الله سبحانه على المسلمين أنه جعل الأجر والخير في العمل الباقي الذي تقوم به الحياة ويكون به عمار الكون مهما كان العمل مادام أن به صلاح البلاد والعباد ومتمشيًا مع كتاب الله وهدي نبيه ﷺ‬. فكل إنسان في هذا الوجود مهما قلَّت درجته يحصل بعمله الخير للفرد وللجماعة؛ لاسيما إذا كانت النية خالصة لله سبحانه، فعن أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». الحديث متفق عليه.

ولنضرب لذلك نماذج وأمثله يقول رسول الله ﷺ‬: «إن الله تعالى يدخل بالسهم ثلاثة نفر صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به ومنبله». رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وقال: صحيح الإِسناد.

ويقول ﷺ‬ في شأن التاجر: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء». رواه الترمذي وقال حديث حسن([1]) غريب والدارقطني وابن ماجه. والمزارع يقول فيه ﷺ‬: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له صدقة». والعامل على اختلاف مرتبته إذا أتقن عمله، يقول ﷺ‬: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» رواه البيهقي عن عائشة. والمعلم والمربي المحتسب تعلمًا وتعليمًا له أجرٌ عظيم, يقول ﷺ‬ فيما رواه أبو هريرة t: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة». رواه مسلم. وقال ﷺ‬: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» رواه الترمذي وقال حديث حسن.

إذًا لا توقف عن العمل ولا خمول ولا كسل. ولكن المسلم في هذا العصر تربطه بالأعمال الدنيوية نظمٌ تجعل العمل لِسنَّ معينة وبعده يحال إلى التقاعد وهو في صحة جيدة؛ وفي فكر مستنير ناضج والأمة في حاجة إليه وإلى فكره وتجاربه وخبراته, وحيث إن كثيرًا من الناس مع الأسف الشديد ينظر إلى التقاعد بأنه خلود إلى الراحة وطريق إلى الكسل. وما علم أولئك أنهم بهذه النظرة سيتأثرون فكريًّا وصحيًّا ودينيًّا ودنيويًا؛ لأنهم يظنون أنهم ببلوغهم سن التقاعد عاجزين عن العمل بل الصحيح العكس من ذلك فالكثير منهم في ذروة النضج والمعرفة والإِدراك والفهم والوعي, ويمكن أن يساهموا في ركب الحياة تعليمًا وتوجيهًا وإرشادًا وإشرافًا وإنتاجًا واستشارة, لا سيما وأن غير المسلمين لا يتركون فرصة إلا عملوا لها واستفادوا منها؛ يقول عمر t فيما يروى عنه: أشكو إلى الله ضعف المؤمن، وجلد الفاجر، وعجز الثقة. وما جمع في هذه الرسالة هو في الحقيقة محاولة لإشاعة الفكر العملي لأولئك الإخوة الذين أحيلوا إلى التقاعد للفت نظرهم للعمل في المجالات الخيرة النافعة دينًا ودنيا. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذه الرسالة وأن تكون تذكيرًا لعالم, أو تنبيهًا لغافل, أو تعليمًا لجاهل. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن أهتدى بهداه إلى يوم الدين.

كتبه الفقيه إلى عفو ربه

محمد بن علي العرفج

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين


بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد.

يشكل التقاعد نقطة تحول هامة في حياة الفرد، خصوصًا بعد فترة طويلة من ممارسة عمل معين ملأ عليه حياته، وأعطاه دوره ومكانته الاجتماعية؛ فالعمل ليس مهمًا من حيث توفير دخل ثابت للفرد وأسرته فقط, وإنما له دوره النفسي الهام. فالعاطل عن العمل حتى لو توفر له الدخل المادي المناسب يعاني من عدم الإحساس بالكفاءة وأهميته الاجتماعية، وقد يرافق ذلك ازدياد في المشاكل الأسرية داخل الأسرة، وأن في التقاعد معنى ضمنيًا بأن المجتمع بدأ يستغني عن الفرد وخدماته, ومن ثم فإن وجوده سيكون بعد ذلك عالة على غيره. لذلك فقد أثبتت الدراسات النفسية والطبية أن مستوى الانحدار في الصحة الجسمية والنفسية يكون أشد سرعة في السنوات اللاحقة للتقاعد منها في السنوات التي سبقت التقاعد. وهناك عدة عوامل تؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد سن التقاعد في أي دولة ما؛ من أهم هذه العوامل:

أولاً: متطلبات العمل وما إذا كان الشخص عند سن معينة يستطيع أداء ذلك العمل أم لا؟

ثانيًا: مدى توفر طاقات شابة أخرى تنتظر مكانها في العمل.

وبالتالي فإن تقاعد شخص معين سيعطي الفرصة لأشخاص آخرين أكثر قوةً ونشاطًا. ولا شك أن العامل الأول سيختلف من عمل إلى عمل، أما الثاني فسيختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر. وإذا نظرنا إلى هذين العاملين في مجتمع المملكة العربية السعودية فإننا نجد أننا كثيرًا ما نستعين بخبرات أجنبية في بعض الأعمال ممن يكونون بلغوا سن التقاعد أو تجاوزوه، في حين أن المواطن بحال على التقاعد عند وصوله للسن المحدد للتقاعد. وهذا ناتج عن النقص في بعض الطاقات البشرية في بعض المجالات؛ لذلك فإني أتقدم بالاقتراحات التالية والتي هي حصيلة بعض الدراسات النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية في مجال مرحلة الشيخوخة.

أولاً: رفع سن التقاعد في المملكة العربية السعودية في بعض الأعمال التي لا تتطلب مجهودًا عضليًّا كبيرًا، والتي للخبرة فيها أهمية كبيرة ولا سيما إذا كان هناك نقص في العاملين في ذلك المجال أو التقاعد معهم، بالإضافة إلى ما يستلمون من رواتب التقاعد بدلاً من التقاعد مع خبرات خارجية.

ثانيًا: الاستعانة بالمتقاعدين ممن لهم خبرة طويلة وهامة في بعض المجالات على شكل استشارات في بعض الأعمال.

ثالثًا: دراسة إمكانية أن يكون التقاعد تدريجيًّا حتى يتسنى للفرد التكيف مع أوضاعه الجديدة.

رابعًا: إتاحة الفرصة لكبار السن في المشاركة في بعض الأعمال ذات الطابع الخيري، كمساعدة المراجعين، أو المرضى، أو الأطفال، وغير ذلك على سبيل التطوع حيث لا يتقاضون عليها أجرًا والتي سيبدي كثير من المتقاعدين الاستعداد للعمل فيها لو أتيحت لهم الفرصة إذ أن لها مردودها النفسي الإيجابي عليهم.

وأخيرًا فهناك الكثير من الدراسات التي ينبغي أن نستفيد منها في هذا المجال لنفيد هذه الفئة ويستفيد المجتمع من ورائها كذلك.

والسلام عليكم ورحمة الله

د. عمر بن عبدالرحمن المفدي.

قسم علم النفس – جامعة الملك سعود.


رسالة إلى المتقاعدين

لقد أنعم الله علينا وعليكم بالنعم الوافرة الظاهرة والباطنة، وأعظمها نعمة الإسلام، ونعمة الحياة، ونعمة الصحة والعافية، ونعمة العقل والسمع والبصر، ونعمة الأمن والاستقرار في هذا الوطن العزيز، ونعمة الأرزاق من المطاعم والمشارب والملابس وغيرها، ونعمة الفراغ؛ فقد أتيحت لنا الفرصة للعمل الصالح القاصر والمتعدي، قال الله تعالى: }أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ{ [سورة فاطر، الآية 37].

قال ابن عباس والمحققون: معناها أولم نعمركم ستين سنة ويؤيده قوله ﷺ‬: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة» رواه البخاري، معناه: لم يترك له عذرًا إذ أمهله هذه المدة. وقوله تعالى: }وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ{ [سورة فاطر الآية 37].

هو رسول الله ﷺ‬ وقيل الشيب. وقال تعالى عن بعض خواص خلقه: }حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ{ [سورة الأحقاف الآية: 15]. أي حتى إذا بلغ كمال قوته وعقله ورأيه وبلغ أربعين سنة قال رب ألهمني أن أشكر نعمتك بالقيام بطاعتك وذكرك وحسن عبادتك، فقد أنعمت عليّ وعلى والدي بالإِسلام والصحة والتوفيق للأعمال الصالحة الخالصة الموافقة للسنة وهذا ما يرضاه الله من عبده، وأصلح أولادي إني رجعت إليك بالتوبة وإني من المستسلمين لك المنقادين لطاعتك وفيها إرشاد إلى التوبة ومحاسبة النفس بعد بلوغ هذا السن، ونقل أن أهل المدينة كان إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة وجاء في الحديث الذي رواه الحاكم وصححه: «اغتنم خمسًا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك». ففي الشباب قوة ونشاط، فإذا شاب الإِنسان ضعفت قوته ونشاطه، وفي الصحة قدرة على العمل الصالح والعبادة المتنوعة. فإذا مرض الإِنسان عجز عن العمل وفي الأعمال الدنيوية شغل شاغل عن عبادة الله، فإذا تقاعد الإِنسان تفرغ للعبادة, وفي الحياة ميدان فسيح لعبادة الله وطاعته والدعوة إليه, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا من ثلاث؛ كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم, وهي؛ الصدقة المستمرة نفعها كالوقف والوصية, والعلم النافع الذي عمل به الإِنسان وعلمه ودعا إليه وصبر عليه, والولد الصالح البار بوالديه الذي يدعو لهما فيستجيب الله لهم بسبب صلاحه وتربيته الصالحة.  

فينبغي للمسلم أن يحمد الله ويشكره على نعمه الظاهرة والباطنة بالاستعانة بها على طاعته والثناء عليه بها ليزيده من فضله فالشكر مفتاح المزيد, وقد قال ﷺ‬: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» رواه البخاري, فهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين لا يقومون بواجبهما, ومن لا يقوم بما أوجبه الله عليه فهو مغبون, وسوف يتحسر الإِنسان على الأيام والساعات التي تمر به وهو في غفلة عن عبادة الله وذكره, قال ﷺ‬: «من قعد مقعدًا لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله تره، ومن اضطجع مضطجعًا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله تره» رواه أبو داود, [والترة: النقص].

وأوقات الإِنسان محدودة, وأنفاسه معدودة, وسوف يسأل عنها, ويحاسب عليها, ويجزى على ما عمل فيها من خير أو شر, قال ﷺ‬: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه, وعن شبابه فيما أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه, وعن علمه ماذا عمل فيه» رواه الطبري والبزار بإسناد صحيح, فليعد الإِنسان لنفسه جوابًا صحيحًا على هذه الأسئلة عن طريق محاسبته لنفسه فيما قال أو فعل أو سمع أو نظر أو تكلم أو مشى, وقد قال الله تعالى: }إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً{ [الإِسراء: 36]. وقال تعالى: }فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [الحجر: 92].

فينبغي للمسلم أن يستغل أوقاته فيما يقربه إلى ربه، فيحافظ على الفرائض، ويردفها بالنوافل، وأن يكون قدوة حسنة للآخرين في جميع المجالات وأن يقوم بوظيفة الدعوة إلى الله والوعظ والإرشاد بقدر استطاعته، قال الله تعالى: }قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي{ [سورة يوسف الآية 108]. وقال تعالى: }ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{ [سورة النحل، الآية 125]. وفي هذه الآيات بيان لأسلوب الدعوة الناجحة، وقال تعالى: }وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ{ [سورة فصلت، الآية 33].

فهنيئًا لمن وفقه الله لطاعته وطاعة رسوله والدعوة إليه، فالدعوة إلى الله عن علم وبصيرة هي طريقة اتباعه، وهي سفينة النجاة من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهلك، قال الله تعالى: }فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ{ [سورة الأعراف، الآية 165]. وقال عليه الصلاة والسلام: «مثل القائم في حدود والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرَّوا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا» رواه البخاري.

والقائم في حدود الله تعالى معناه: المنكر لها القائم في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود ما نهى الله عنه، ومعنى "استهموا": اقترعوا، وقال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» رواه مسلم، وقال: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حُمُرَ النعم» متفق عليه. فينبغي للمسلم أن يختم حياته القصيرة بهذه المهمات التي تسعده، ويبقى له أجرها وذخرها عند الله تعالى، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، وسهل في بلوغ رضاك سُبلنا، وخذ إلى الخيرات بنواصينا، واجعلنا هداة مهتدين برحمتك يا أرحم الراحمين يا حي يا قيوم ياذا الجلال والإِكرام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الشيخ عبدالله بن جارالله الجارالله

 إلى إخواني المتقاعدين من حملة العلم

§      إخواني الأعزاء:

أبعث إليكم بهذا الخطاب لا لأسلوكم على ما فقدتم من منصب ومقام وتقدير معنوي نتيجة بعدكم عن المراكز الرسمية! ولكن لأواسيكم أو أعزيكم على ما فقدتم من الأجر والثواب نتيجة الابتعاد عن ميدان العمل والإنتاج!!

§      إخواني الأعزاء:

إن فكرة التقاعد فكرة أجنبية دخيلة على الإِسلام، فمقتضى الإِسلام العلم من المهد إلى اللحد والعمل مدى الحياة، لأنها قصيرة جدًا بالنسبة الحياة المؤمن بالدار الآخرة، ثم إنها مزرعة للآخرة، فيحرص المؤمن على الجد والتحصيل خلالها للازدياد الدائم، وقد قال الرسول ﷺ‬ ما معناه أو نصّه: «ما أنا والدنيا إلا كقائل قال في ظل شجرة ثم رحل»، إذًا القعود مع النساء أو التقاعد مع الأطفال لمن كانت جنته في دنياه، يرتاح قليلاً ولو بتعذيب نفسي استعدادًا للعذاب الأكبر بالدار الآخرة، إذ يبقى آخر عمره بين تأنيب الضمير وعذاب النفس والهزل والقطيعة من الناس، والنفور من الأقارب، إذ يترك وحيد الدار والمقام لا أمر له ولا نهي.

وإن فعل فلا سمع ولا طاعة بعد أن كان صاحب الحول والطول والسيادة في الأسرة أو في الحياة بصفة عامة، يتجرع بقية أيامه بين الحسرة والندامة، وقد يجوع ويظمأ ولا مطعم ولا مسقي مع وجود الماء والطعام بالقرب منه إذ مالت عنه الأنظار وصمّت عنه الآذان وغفلت عنه القلوب ولا عطف ولا رحمة، أما المؤمن الحق فإن حياته كلها عطاء، يزداد نموًّا وإنتاجًا بالشيب، يزداد وقارًا، وبالكثير يزداد احترامًا؛ فكلما طال عمره ازدادت خبرته واستصاب رأيه، وكلما كبر سنه ازداد عملاً وجهادًا ومتى وهن عظمه ازداد بذلاً وإنفاقًا يقضي حياته عزيزًا سعيدًا لا تلين له قناة ولا ينكسر له جانب، إذ الإِحالة على التقاعد النظامية لا تعتبر إحالة على التقاعد حقيقة، بل هي انتقال من ميدان إلى آخر، ومن عمل، إلى عمل ربما يكون أفضل وأجدى، إذ ينطلق من قيود الرسميات ونطاقها الضيق إلى ميدان أرحب وأوسع مجالاً، إلى مجال الفكر والإبداع إلى شحذ الهمم وأعمالها، إلى مكان التقرير والتنفيذ، فلا يحده قيد أو يمنعه قرار، إلى عمل يجزى عليه جزاءً أوفى وأفضل من الترقيات والمكافآت إلى مجتمع رواده يحبونه لله حبًّا ثابتًا، لا لأجل مصلحة دنيوية تزول، إلى عمل تبقى آثاره مدى الدهر إلى سجل الخالدين.

لعلك يا أخي في تعطش إلى العلم بهذا الميدان أعمال الخير التي تحقق هذه الصفات والأجور العالية إن لم تكن قد حققتها وعلمتها بالنقلة أو خضتها بالتجربة إنه ميدان الصالحات، ميدان الإحسان والحسنات، ميدان البذل والعطاء علمًا وعملاً طاقةً وجهدًا وجسمًا إنه ميدان الخدمة لله وحده، خدمة وفقًا لمنهجه، لا بالانطواء أو الانزواء أو الاختفاء، وإن كان على عبادة خاصة فتعلمون حالة العابد الزاهد الذي أمر الله جبريل أن يبدأ به بالخسف، حينما أمره أن يخسف بقرية كذا، وقال إن فيها فلانًا عبدك الزاهد العابد، فقال عزَّ وجلّّ به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه غضبًا لي وتمشيًا مع هذا فإن الانعزال وإن كان على عبادة لا يجوز ما دام في الإِمكان الإِصلاح والخدمة العامة للإِسلام والمسلمين إذًا لا بد من خوض غمار الحياة، فإن كنت قد بدأت بها فحبًا وكرامةً، وازدد بذلاً وتضحيةً وعطاءً، وإن كنت ما زلت تتنفس الصعداء بعد الإِحالة على التقاعد فشمر عن ساعديك، وضع لك منهجًا تسير بموجبه, وإن كنت قد غلب عليك الوهن وممن أرخى للكسل خطامه فحاول وشدَّ المئزر من جديد, والعمل مع الأمة وأنت تعرف أن الأمة في هذا الزمن بالذات في أشد الحاجة إلى علم العلماء وعمل العاملين, فكل جوانب الخير شاغرة, وجوانب الشر مزدحمة, فلقد تكالبت عليها الأعداء أممًا وشعوبًا, تنهشها وتتقاطعها كما تنهش الكلاب جيفها, فميدان التبليغ للإِسلام شاغر والدعاة قليل, خيم الجبن على الكثير منهم, والتربية ضائعة إلا عند القليل, والإِعلام ضالٌ إلا من هداه الله, والتوجيه منحرف إلا ما يشاء الله وكل الثغرات قد ملئت بأصحاب الشرّ المتكاتفين ضد الخير في كل مجال لهدم الإِسلام, بل لقد أصبح الإِسلام وأهله هو الشبح المخيف لهم, فحينًا يصفونهم بالتطرف, وحينًا بالغلو, وحينًا بالهوس, وحتى الكتاب الإِسلامي والشريط الإِسلامي يعتبرونه مهددًا لأمنهم فيمنعونه, والكثير منا يتقاعد وينزوي مع النساء والأطفال أو العاجزين, ويجرد نفسه من المسؤولية والواجب بهذا التقاعد، بل يبريها من المسؤولية حتى لا تحاسب, وهو يعلم أن الحساب عند من لا تخفى عليه خافية, فلا تجدي دونه الأعذار والتلفيقات, فلابد من العمل بجد وإخلاص, وكل جانب من جوانب الحياةيحتاج إلى جهدٍ وبذلٍ وعطاءٍ بالنسبة لكم قد بدأ, فانتهى دور الرسميات وبدأ دور الحركات, ففكر بحرية تامة في ميادين الإِسلام وما يمكن أن تسهم فيه إسهامًا فعالاً فاسلكه وبه أبدع, والمهم أن تحس بأحاسيس أمتك وتعيش آلامها ومصائبها وأحزانها وأفراحها, وتعترك معها في مشارق الأرض ومغاربها, فتذكر إخوتك الذين يقاسون آلام الجوع والعرى في أفريقيا وغيرها, والذين يجاهدون في فلسطين وأفغانستان والفلبين وأرتريا وغيرها, وما يتكبدونه من مشاق وآلام ومصائب, وما يعانيه أولئك الأيتام المشردون الذين ذهب آباؤهم وأهلوهم ضحايا في الجهاد, وبقوا عرضة للكفر والتنصير, فالشيوعية تنهب منهم لتربيهم دهريين, والنصرانية تأخذهم إلى محاضنها لتنصيرهم, وهكذا يعمل أصحاب الكفر ليلاً ونهارًا.. ونحن متقاعدون وغافلون غير مهتمين إلا بواجبات الطعام والملابس وحكايات وأخبار ساذجة لا تصلح إلا للأطفال وسذجة الناس, وكأننا أصبحنا من سقط المتاع أو حثالات البشر التي لا تقع فيها إلا لذاتها فهل من يقظة؟ هل من وعي؟ هل من صحوة؟ هل من إحساس؟ أم قد تبدلت جميع الحواس بصدور القرار بالإِحالة, إذ فقدت المطبلين والمنافقين والمتعلقين والمخادعين فشعرت بالحسرة والندامة وكأنك فقدت المجتمع. 

لا ولم تفقد سوى قشوره وحثالاته ورعاعه.. أما جوهره وخياره فستظهر لك حينما تباشر ميدان العمل الشريف, العمل لله لا العمل المدنس بالدينار والدرهم القذر, الذي يعلم الله وحده مصدره أحلال أم مكتسب أم ربا.. حينما تباشر ميدان الله لخدمة عباد الله.. سترى العجب العجاب.. سترى وجوهًا نيرة ورجالاً خيرة, تحبك لله وفي الله لا لمقصد دنيوي أو غرض زائل, هنا تجد المحبة الطيبة, والصحبة الصالحة, والعمل المثمر, والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة, تزرع نباتك بيدك, وترث نتاجك بعينك, وتجنبي ثمار عملك عاجلاً وآجلاً.

فلا تتوان يا أخي أو تأخذك الحيرة والتردد, فاسمع نداء الله: }وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ{ [سورة التوبة, الآية105] واسلك منهجه وحقق خلافته, في أرضه, فسدَّ أي ثغرة من ثغراته, أو ساهم في ذلك بإمكانياتك المادية والمعنوية العلمية والعملية.. المهم أن تعمل على التأثير في الحياة بخير أن تترك لك بصمات تخلد ذكراك بالحسنى, وأن لا تترك فرصة تضيع, أو دقائق تذهب سدى أو تنفق ريالاً في غير محله من أعمال البناء أن تعرف ويعرف غيرك مكانك في الحياة لا مع القواعد, فالمؤمن خير كله, ويفيض بالخير على غيره, وإن كان على فراشه نصحًا وإرشادًا علمًا وعملاً وتعليمًا وتوجيهًا, وغير ذلك من وسائل العطاء والإِفاضة إلى أن يلقى ربه وهو في جهاد بسنانه وجنابه, بلسانه وبنانه, بماله وقلمه, بجهده وكافة أعماله.. بل حتى بعد مماته, فتبقى آثاره ووصاياه وأسباله وأوقافه تسهم في بناء الأمة الإِسلامية, وينال منها الأجر والثواب, فإن كنت عرفت الطريق وسلكته فذلك الذي نرجوه لك, ونرجو لك العون والقبول، وإن كنت ما زلت حائرًا فما عليك إلا أن تتصل بأقرب من ترى من أهل الخير، ليدلك أو يؤازرك أو يأخذ بيدك إلى الميدان والعمل، واعلم أن المرء قليلٌ بنفسه، كثير بإخوانه، وأن العمل التعاوني الجماعي خير وأجدى للأمة الإِسلامية من الأعمال الانفرادية التي قد تتحطم أو تنكمش لسبب بسيط، أما العمل الجماعي فيظل دائم العطاء لأن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، والعمل مع الجماعة وإن قلَّ يعطي نتيجة أعلى وأفضل من الانفراد، والرأي على الرأي يولد رأيًا ثالثًا، وكذلك الأعمال تتكاثر بالتجمع وتعطي ثمارًا أعلى وأجدى.

قد يتعلل البعض ويقول: إني قد أسهمت في أول حياتي بما استطعت وكفى، لا سيما وهم الذين أحالوني على التقاعد، إذًا لا حول لي ولا قوة.. ويكفى أن أجلس مع عائلتي وأولادي، وإذا كان لي ثمة جهد صرفته لهم، وقد يكون لديهم شبه خادم أو سائق أو أي عمل يمكن أن يؤديه أحد الأولاد، بينما هو حامل علم وفكر يمجده، والبعض يصبح عالة حتى على أهله، يأخذون في خدمته وهو قاعد بكامل قواه وغير ذلك.

ومثل هذه التعليلات والأعذار لا يسلكها إلا عجزة الناس لا في الجسم ولكن في الرأي والبصيرة ممن قد أصابه الوهم، فأرخى قواه للكسل، وخيم الذل والجبن عليه فاستصعب مواجهة الحياة من جديد، وغلبت عنده نفسه، فأصبح يخاف الموت وهو يقتل نفسه يخاف الأمراض وهو يمرض نفسه بعمله، يرى القط في صورة أسد يرى الهجوم عليه، كل شيء يتراءى له خطر أو هو موت محقق، فما يملك أن يتوارى في منزله بين نسائه وأطفاله وما علم أن الموت سيدركه حتمًا.

فإن أدركه في ساحة الجهاد أو على فراش الذل فهو مدركه لا محالة، لكن أيهما أفضل أن يفوز بالحسنى أو بالخسران المبين؟

§      إخواني الأعزاء:

إن لكم في سيرة رسول الله ﷺ‬ وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم خير زاد في هذا السبيل, فانظروا هل تقاعد منهم أحد, أو تقاعس عن العمل أو الجهاد في سبيل الله, أم خاض ميادين الحياة حتى النهاية؟ كان أحدهم يخوض المعارك وهو فوق الثمانين من عمره, بل ويصرع الفرسان في المبارزات, أين نحن من هؤلاء, من سن الستين نصف مع العجائز في مجالسها, ونضحي في فرشها, ونبيت على غير عمل, ونصبح كذلك, أليس من العيب أن نمضي زمنًا دون أعمال تذكر؟ أليس من العار أن يمضي يوم واحد بدون عمل ملموس؟ بل حتى الساعات والدقائق ويجب أن لا تمضي إلا بفائدة, فهي من العمر ضياع إذا ذهبت بدون فائدة, فعلينا أن ندرك ذلك ونحسب لكل أمر حسابه فنحافظ على الزمن, والجهد والعلم, والعمل, والمال, فلا نصرف إلا في الخير ولأجل الخير.

§      إخواني الأعزاء:

ساهموا بالعلم ولو بالقليل, والعمل والمال كذلك, ولا تحقروا من ذلك شيئًا وإن كان قليلاً.. فاليد مع اليد بركة وأول الطريق خطوة, والنار تبدأ من شرارة.. المهم استغلال الوقت والجهد بقدر الطاقة, فالأمة في أمس الحاجة إلى أي مساهمة في خدمتها في المجالات الإِسلامية, التي مُلئت بأعداء الدين, الذين تكالبوا من كل جانب.. ما بين عدو صريح, وعميل مستتر, وصنيعة عمياء, وببغاوات لا تعي ما تردد, وغير ذلك من حثالات البشر, التي أخذت تنهش في جسم الأمة الإِسلامية, ومبادئها, ومعتقداتها, وكل ناحية من أعمالها دون رادع أو حائل أو مدافع, إذًا مساهمتك سيكون لها أثرٌ في أي جانب من جوانب الحياة متى أخلصت النية لله وحده, وعقدت العزم على العمل لخدمة الأمة, وتوكلت على الله حقَّ توكله, وطلبت العون والسداد منه فلن يخيبك الله بل سينصرك, وتحقق خيري الدنيا والآخرة, وتنال حسن الختام ما دمت سخرت بقية هذا العمر لخدمة الله ودينه وعباده.. كما تنال الأجر والثواب إن شاء الله تعالى.

وما أعتقد إلا أنك قد قرَّرت من الآن بدء الطريق والسير فيه حتى النهاية, فثبت الله خطاك, وأعانك على تحقيق علاك, ووفقك لما يحبه ويرضاه, كما أرجو للأمة الإِسلامية العزَّة والكرامة وسيادة الأمة فوق الأمم لإِعلاء كلمة الله فوق أرضه, وإعادة الخلافة الإِسلامية لهذه الأمة وما ذلك على الله بعزيز, إنه سميع مجيب, وبالإِجابة جدير, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

سعود بن محمد العوشن


بسم الله الرحمن الرحيم

 الأمر بالعمل ووجوبه وفضل كسب الرجل بيده والغدو في طلب الرزق

الحمد لله الذي أمر عباده بالعمل, ونهاهم عن العجز والكسل, وصلى الله على عبده ورسوله, حيث أمر أمته بالعمل للدنيا والآخرة, وختمها بقوله: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه», وقوله: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير, احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن»,وعلى آله وأصحابه وسلم، أما بعد: فإن الداعي إلى هذا الكتاب الحث على العمل في المصالح العامة التي أمر بها دين الإِسلام مما هو في القرآن وثابت في السنة, وثمرته للمسلم غنيمة عاجلة, وأجر آجل, ومن الأوامر الكريمة بطلبهما قوله تعالى: }فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ{ [سورة الجمعة: الآية 10]. وقوله تعالى: }لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ{ [سورة البقرة, الآية 198]. وقوله تعالى: }وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا{ [سورة النبأ, الآية 11]. وقوله تعالى: }وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ{ [سورة الإِسراء الآية 72]. وقوله تعالى: }وَخُذُوا حِذْرَكُمْ{ [سورة النساء الآية 102]. وقوله تعالى: }وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا{ [سورة البقرة الآية 127]. وقوله تعالى: }فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ{ [سورة آل عمران, الآية 97]. وقوله تعالى لنبيه نوح عليه السلام: }وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا{ [سورة هود, الآية 38]. إلى قوله: }وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ{ [سورة هود, الآية 38]. وقوله تعالى: }وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ{ [سورة الأنبياء, الآية 80]. وقوله تعالى عن نبيه شعيب فيما قاله لنبيه موسى عليهما السلام: }إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ{ [سورة القصص, الآية 27]. إلى قوله: }فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ{ [سورة القصص, الآية 29]. إلى غير ذلك من الآيات, ومن السنة ما رواه البخاري في صحيحه قال: باب (كسب الرجل وعمل بيده), حدثنا إبراهيم بن موسى, وساق الإِسناد إلى المقدام t عنه عن رسول الله ﷺ‬ قال «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من عمل يده. وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».

وقال: حدثنا يحيى بن موسى وساق الإِسناد إلى أبي هريرة t، عن رسول الله ﷺ‬ قال: «إن داود عليه السلام كان لا يأكل إلا من عمل يده », وساق الإِسناد إلى أبي هريرة t قال: قال رسول الله ﷺ‬: «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه»، وقال حدثنا عبدالله بن يوسف, أخبرنا مالك, عن أبي الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة t، أن رسول الله ﷺ‬ قال: «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه», وقال: حدثنا وهيب, حدثنا هشام, عن أبيه, عن الزبير بن العوام t، عن النبي ﷺ‬ قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه», حدثنا عبدالله, وساق الإِسناد إلى حكيم بن حزام, وذكر الحديث بتمامه, وفيه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى»([2]).


 كلام العلماء في فضل العمل والنهي عن العجز والكسل

قال علي([3]): حديث المقدام وحديث أبي هريرة أن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده؛ قوله ما أكل أحد, زاد الإِسماعيلي من بني آدم قوله: طعامًا خير من أن يأكل من عمل يده, وفي رواية الإِسماعيلي من كدِّ يده والمراد بالخير ما يستلزم العمل باليد من الغني عن الناس, ولابن ماجة, من طريق عمر بن سعيد، عن خالد بن معلان عنه: ما كسب الرجل أطيب من عمل يده, ولابن المنذر: ما أكل رجل طعامًا قط أحل من عمل يده, وفي فوائد ابن هشام بن عمار عن بقية حدثني عمر بن سعيد بهذا الإِسناد مثل حديث الباب, وزاد: من بات كالاً من عمله بات مغفورًا له, وللنسائي من حديث عائشة: أن أطيب ما أكل الرجل من كسب يده, وفي الباب من حديث سعيد بن عمر, عن عمه عند الحاكم,ومن حديث رافح بن خديج عند أحمد, ومن حديث عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده عند أبي داود إلى قوله: أن يأكل من عمل يده، وهو صريح في الحصر, بخلاف الذي قبله, ووقع في المستدرك عن ابن عباس سنده: وكان داود زرادًا, وكان آدم حراثًا, وكان نوح نجارًا، وكان إدريس خياطًا وكان موسى راعيًا، وفي الحديث فضل العمل باليد, وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره, والحكمة في تخصيص داود بالذكر, أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة، لأنه كان خليفة في الأرض, كما قال تعالى, وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل, ولهذا أورد النبي ﷺ‬ قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه, من أن خير الكسب عمل اليد, وهذا يعد تقرير أن شرع من قبلنا شرع لنا, ولاسيما إذا ورد في شرعنا مدحه وتحسينه, مع قوله تعالى: }فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ{ [سورة الأنعام, الآية 90]. وفي الحديث أن التكسب لا يقدح في التوكل, وإن ذكر الشيء بدليله أوقع في نفس السامع، قلت: إن التكسب ركن من أركان التوكل, وترك العمل والأسباب مذموم شرعًا, وفرَّق النبي ﷺ‬ بين المؤمنين, أحدهما قوي, والآخر ضعيف, وصفتهما واحدة, وزاد القوي بمحبة الله له([4]) كما ثبت في صحيح مسلم, قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير, قالا: حدثنا عبدالله بن إدريس, عن ربيعة بن عثمان, عن محمد بن يحيى بن حبان, عن الأعرج, عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله ﷺ‬: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل».

قال: وقوله باب كسب الرجل وعمله بيده, عطف العمل باليد على الكسب من عطف الخاص على العام, لأن الكسب أعم من أن يكون عملاً باليد أو بغيرها, وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب, فقال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة, والتجارة, والصنعة, والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة, قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة, لأنها أقرب إلى التوكل, وتعقبه النووي بحديث المقدام الذي في هذا الباب, وأن الصواب أطيب الكسب ما كان بعمل اليد, قال: فإن كان زارعًا فهو أطيب المكاسب، لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد ولما فيه من التوكل, ولما فيه من النفع العام للآدمي

وللدواب, ولأنه لا بد فيه في العادة أن يؤكل منه بغير عوض, قال: قلت وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد, وهو مكسب النبي ﷺ‬ وأصحابه, وهو أشرف المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله, وخذلان كلمة أعدائه, والنفع الأخروي, قال: وقال النووي: من لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل لما ذكرنا, وهو مبني على ما بحث فيه من النفع المتعدي بالزراعة, بل كل ما يعمل باليد, فنفعه متعدي لما فيه من تهيئة الأسباب لما يحتاجه الناس, والحق أن ذلك مختلف المراتب, كما يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص, والعلم عند الله تعالى، قال: وقال ابن المنذر: إنما يفضل العمل باليد على سائر المكاسب إذا نصح العامل، كما جاء مصرحًا به في حديث أبي هريرة t، ومن شرطه أن لا يعتقد أن الرزق من الكسب، بل من الله تعالى بهذه الواسطة، ومن فضل العمل باليد الشغل بالأمر المباح عن البطالة واللهو([5]).

 التحذير من العجز والكسل وبيان مضرته في الدنيا وسوء عاقبته في الآخرة

ومن فضائل العمل أنه محمود في الكتاب والسنة والعرف والعادة، وله ثمار حسنة في الدنيا والآخرة، والعجز والكسل مذموم في الكتاب والسنة والعرف والعادة، وله ثمار سيئة فى الدنيا والآخرة، وكل من النوعين الغالب عليه أن يكون وراثيًا، وتركة يقسمها الأبناء، بعد الآباء وكل يعتنق نصيبه منها، سواء كان كيسًا أو عجزًا، فالوارث من الكيس هو العامل في أمر دينه الذي خلق له، وفي أمر دنياه الذي أمر أن لا ينساه، ويزيد فيما يحتاجه المسلمون من مآكل ومشارب وملابس، ومراكب وأقوات وغير ذلك، ويبدأ منها بالأهم ثم الذي يليه، فنعم هذا القليد والاتباع، والعامل فيه مأجور مطلقًا، والتقليد الثاني مذموم، وهو البقاء على الحالة التي يجد الوالد عليها أسلافه، من جهل وظلام وعجز وكسل ومسكنة واتكال، ويكون ابن ساعته التي هو فيها، ويومه الذي هو منه، ولا ينظر إلى غده بشيء من أمر دينه ولا دنياه، ويظن أن ذلك راحة وسعادة، فكانت له طبعًا لا يغلب، وفطرة لا تقاوم، ويلد له هذا الحبل مقت من أرشده إلى فضيلة، أو نهاه عن رذيلة، ولا يبالي أأساء أم أحسن، فحري أن يكون نادمًا على ما فاته، وعلى الآباء نصيبهم منه، حين يتبرأ الذين اتُّبعوا، من الذين اتَّبعوا حيث وجد الولد أباه عاجزًا اتكاليًّا إلا عن الأكل والشرب، والقيل والقال، ثم يقلده الولد أو يلتمس أدنى من هذه الدرجة الرذيلة، وتفسيرها عندهما بالتوكل، فهذه نظرة جوفاء خالية من الفهم السليم، وصل بها صاحبها إلى غاية هي الترف، إذا كان ممن توفرت عنده المادة، وتهيأت له بعض الوسائل، وإذا كان من النوع الثاني، فقد استبدل بعز العمل ذل السؤال وهو أنه جعل يده السفلى مستكينة تحت أيدي المحسنين، وكانت صفته خفض الجناح للمسؤولين، والتأخر عن ركب الإنسانية الكريمة العاملة بما أصيب به تفكيره، وتقليده وطاعة نفسه الأمارة بالسوء من رواسب الآراء الخاطئة، التي أعاقته عن الحرية، وجعلته يعيش عالةً على غيره، ويعلق أمله بغير خالقه، ويخلد إلى العجز، قال الله تعالى: }وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{ [سورة النحل، الآية 76]. فكسل الآباء وعجزهم، لا يقتصر ضرره عليهم بل يتعدى إلى ذريتهم كما قص الله عنهم في كتابه: }إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ{ [سورة الزخرف، الآية 23]. فكثير من الأمم الغابرة لم يهلكها إلا تقليد آبائها الخاطئ، قال رسول الله ﷺ‬: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» فالولد يقلد أباه بالاعتقاد والعمل ينطبع ذلك في قلبه في غضاضته وخلوه وقبوله لأول ناعق.

ومنه قول الشاعر:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا([6])

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



([1]) متفق عليه.

([2]) من كتاب فضل العمل وقيمته في أجر المسلم وغنيمته للشيخ أحمد بن ناصر بن غنيم – رحمه الله – ص4-6.

([3]) يعني الحافظ ابن حجر في فتح الباري.

([4]) أكثر من الضعيف وكلا المؤمنين يحبهما الله.

([5]) المصدر السابق، ص12- 15.

([6]) المصدر السابق، ص100-130.

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا