خطر الجريمة الخلقية

نبذة مختصرة

خطر الجريمة الخلقية : في هذه الرسالة بيان أضرار الزنا وما يلحق به وفوائد غض البصر وأهم الطرق لمكافحة الزنا والتحذير منه.

تنزيــل

تفاصيل

 خطر الجريمة الخلقية

جمع وتحقيق الفقير إلى الله تعالى

عبد الله بن جار الله آل جار الله


بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده رسوله ﷺ‬ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

فقد حفظ الإسلام الأنساب فحرم الزنا ووسائله من النظر المحرم إلى النساء، وإلى العورات وما يثير الفتنة والكلام المحرم مع النساء والسماع المحرم إلى أغاني الحب والغرام ونحو ذلك لما في الزنا من انتشار الأمراض وانتهاك الأعراض واختلاط الأنساب فينسب الولد إلى غير أبيه ويرث من غير أقاربه فيحصل بذلك من الظلم والمفاسد ما الله به عليم قال الله تعالى: ]وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً[ [الإسراء: 32] والنهي عن قربانه أبلغ من مجرد النهي عنه، أي لا تحوموا حوله ولا تعملوا الوسائل الموصلة إليه كالنظر المحرم والكلام المحرم، والسماع المحرم، ولحفظ الأنساب وجب جلد الزاني البكر مائة جلدة مع تغريبه عن بلده الذي واقع فيه الجريمة لمدة سنة قال تعالى: ]الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ [النور: 2] أي لا ترحموهما في إقامة الحد الذي شرعه الله وليحضر الجلد جماعة من الناس ليشتهر ولينزجر الناس ويرتدعوا عن الزنا، كما يجب رجم الزاني المحصن المتزوج بالحجارة حتى يموت بالآية المنسخ لفظها الباقي حكمها وبالسنة الصحيحة.

والجلد والرجم بعد ثبوت الزنا بأربعة شهداء أو بإقراره على نفسه أربع مرات أو بظهور الحمل من الزنا في المرأة، ونظرا لخطورة الجريمة الخلقية على الأفراد والجماعات والذكور والإناث وكثرة الفواحش رأيت من واجبي جمع ما تيسر من ذكر أضرار الزنا واللواط وعقوبتهما العاجلة والآجلة في الدنيا والآخرة تحذيرا منهما ومن سوء عاقبتهما وقد قرن الزنا بالشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله.

فذكرت في هذه الرسالة أضرار الزنا وما يلحق به وفوائد غض البصر وأهم الطرق لمكافحة الزنا والتحذير منه ومن أسبابه، وأنه من كبائر الذنوب المتوعد عليها بالوعيد الشديد المرتب عليها الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة والتحذير من عمل قوم لوط ووعيد من فعل ذلك وعقوبته وما يلحق بذلك، ونصيحة للشيخ صالح الخريصي في التحذير من هذه الجريمة وختمت الرسالة بالحث على التوبة إلى الله الذي يتوب على من تاب وهو التواب الرحيم وهي مستفادة من كلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ‬ وكلام المحققين من أهل العلم.

أسأل الله تعالى أن ينفع بها وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

المؤلف


 التحذير من الزنا وأسبابه

الحمد لله الذي حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وحذر من قربانها والأسباب الموصلة إليها رحمة بعباده وصيانة لهم عما يضرهم في دينهم ودنياهم، أحمده على إحسانه وأشكره على لطفه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا أما بعد:

فيا عباد الله اتقوا الله تعالى واعلموا أن من أعظم الفواحش التي حرمها الله في كتابه وعلى لسان رسوله فاحشة الزنا، قال تعالى: ]وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً[ [الإسراء: 32] فمفسدة الزنا من أعظم المفاسد وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب وحماية الفروج وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وبنته، وأخته، وأمه، وفي ذلك خراب العالم وكانت مفسدة الزنا تلي مفسدة القتل في الكبر، ولهذا قرنت جريمة الزنا بجريمة القتل في الكتاب والسنة قال الله تعالى: ]وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ[ [الفرقان: 68] فقرن الزنا بالشرك وقتل النفس، جعل الجزاء ذلك العذاب المضاعف المهين، ما لم يتب العبد من ذلك ويعمل صالحا.

وقال سبحانه: ]وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً[ [الإسراء: 32] فأخبر عن فحشه في نفسه، والفاحش هو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول، ثم أخبر عن عاقبته في المجتمع البشري بأنه ساء سبيلا فإنه سبيل هلكه وبوار وافتقار في الدنيا، وسبيل عذاب في الآخرة وخزي ونكال، ومما يدل على فحشه وشناعته ما رتب الله عليه من الحد الصارم قال تعالى: ]الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ [النور: 2] وهذا حد الزاني البكر الذي لم يتزوج أما حد الزاني الثيب وهو الذي قد تزوج ووطئ زوجته ولو مرة في العمر فإنه يرجم بالحجارة حتى وقد علق سبحانه فلاح العبد على حفظ فرجه من الزنا لا سبيل إلى الفلاح بدونه قال تعالى: ]قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ[ إلى قوله: ]وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ[ [المؤمنون: 1-7].

فهذه الآيات تتضمن ثلاثة أمور:

الأمر الأول: أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين.

الأمر الثاني: أن من لم يحفظ فرجه فهو من الملومين.

الأمر الثالث: أن من لم يحفظ فرجه فهو من العادين، ففاته الفلاح وقع في اللوم، واتصف بالعدوان.

عباد الله: إن الله كما بين شناعة الزنا وسوء عاقبته في الدنيا والآخرة فقد وضع السدود المنيعة التي تحول بين العباد وبين تلك الجريمة الشنعاء وتقيهم شر مخاطرها متى التزموا بإقامة هذه السدود والحواجز.

وهذه الحواجز هي:

أولا: إقامة الحد على الزاني: يجلد البكر وتغريبه أي نفيه من البلد لمدة عام كامل ورجم الثيب بالحجارة حتى يموت، وقد حث سبحانه على الصرامة في إقامة حد الزنا وعدم الرأفة في أخذ الفاعلين بجرمهما وعدم تعطيل الحد أو الترفق في إقامته تراخيا في دين الله، وأمر بإقامته في مشهد عام يحضره طائفة من المؤمنين فيكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين ونفوس المشاهدين.

ثانيًا: وأمر سبحانه بغض البصر فقال: ]قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ[ [النور: 30، 31].

فلما كان مبدأ الوقوع في الزنا من قبل البصر جعل سبحانه الأمر بغضه مقدما على الأمر بحفظ الفروج، فإن كل الحوادث مبدؤها من النظر كما أن معظم النار مبدؤها من مستصغر الشرر، تكون نظرة، ثم خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة فمن أطلق نظرة إلى ما حرم الله أورد نفسه موارد الهلاك، وقد قال ﷺ‬ «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليس لك الثانية»([1]) يعني النظرة الأولى، التي وقعت بدون قصد، وقال ﷺ‬ «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس» رواه الإمام أحمد، من غض بصره أورث الله قلبه حلاوة العبادة إلى يوم القيامة، كما جاء في الحديث وكما أشارت إليه الآية الكريمة: ]ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ[.

ثالثا: كما أمر الله نساء المسلمين بالحجاب وهو ستر وجوههن وأجسامهن عن الرجال صيانة لهم وللرجال من الوقوع في الفاحشة قال تعالى: ]وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ[ [النور: 31].

وقال تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ[ [الأحزاب: 59].

وقال تعالى: ]وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ[ [الأحزاب: 53] وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كنا مع النبي ﷺ‬ محرمات فإذا مر بنا الرجال سدلت إحدانا خمارها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه([2]).

عباد الله: إن دعاة السفور اليوم ينادون بهدم هذا السد وأن تخرج المرأة إلى المجتمع بلا حجاب محادين لله ولرسوله يريدون للمجتمع السقوط في مستنقعات الرذيلة لأنهم يستوردون تشريعهم من كفرة الغرب لا من وحي الله ]بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً[ [الكهف: 50] وأن المرأة التي هتكت الحجاب استجابة لهذه الدعاية قد استبدلت طاعة الله بمعصيته، ورضاه بسخطه، وثوابه بعقابه، فأساءت إلى نفسها وأساءت إلى مجتمعها وأطاعت المخلق في معصية الخالق.

رابعا: ومنع الإسلام خلو الرجل بالمرأة التي ليست من محارمه، لأن ذلك مدعاة إلى إغراء الشيطان لهما بالفاحشة مهما بلغا من التقوى والدين، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ‬ قال: «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» .

فمن خلا بامرأة لا تحل له فقد عصى الله ورسوله وعرض نفسه للفتنة، سواء خلا بها في بيت أو مكتب، كما يفعل تلاميذ الغرب ومقلدوهم من تشغيل المرأة مع الرجل وخلوته بها في العمل وفي المكتب والمتجر، وكذا ركوب المرأة مع الرجل الأجنبي في السيارة خاليين كما يفعل بعض أصحاب سيارات الأجرة، وبعض أصحاب الثروة والترف الذين يجعلون لنسائهم سائقين أجانب تركب إحداهن مع السائق وحدها يذهب بها حيث شاءت، وكذا ما يفعل بعضهم من جعل خادم في البيت من الرجال الأجانب يخلو مع المرأة.

وقد قال ﷺ‬ في الحديث الثابت في الصحيحين: «إياكم والدخول على النساء» فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت» والحمو هو قريب الزوج كأخيه وابن أخيه وابن عمه، فإذا كان قريب الزوج ممنوعا من الدخول على امرأته مع أنه قد يكون ذا غيرة عليها وعلى فراش قريبه، فكيف بالأجنبي الذي يدخل على المرأة بصفة خادم أو سائق ولا يغار على حرمة صاحب البيت؟

خامسا: وحرم الإسلام سفر المرأة بدون محرم: لأن في ذلك ضياعا لها وغيابا عن الرقيب من أوليائها والغيورين عليها، وهي المرأة الضعيفة التي سرعان ما تخضع لافتراس الذئاب البشرية رغبة أو رهبة، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها»، وفي الصحيحين أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي ﷺ‬ يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» فقال له رجل يا رسول الله: إن امرأتي خرجت حاجة وإني كُتبت في غزوة كذا وكذا، قال: «انطلق فحج مع امرأتك».

إن المرأة التي تسافر وحدها اليوم إلى الأقطار النائية للدراسة، أو التدريس، أو لزيارة أهلها، أو للاجتماع بزوجها أو غير ذلك من الأغراض، قد خرجت على هذه التعاليم النبوية ولم تكن تؤمن بالله واليوم الآخر الإيمان الذي يردعها عن مخالفة الرسول اتباع ما جاء به، رضي أدعياء المدنية الغريبة أم سخطوا.

سادسا: وحرم الإسلام تبرج النساء: وهو خروجهن بثياب الزينة والطيب لأن ذلك مدعاة لصرف الأنظار المريبة إليهن ووسيلة إلى وقوع الفاحشة قال تعالى: ]وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى[ [الأحزاب: 33] وقد خالف كثير من نساء المسلمين اليوم هذه الآية الكريمة فصرن يلبسن أفخر ثياب الزينة ويتطيبن بأفخر الطيب عند الخروج إلى الأسواق أو غيرها وكفى بذلك إثما مبينا.

وإذا كان خروج المرأة إلى المسجد للعبادة مشروطا بترك الزينة والطيب فكيف بخروجها إلى غير المسجد؟ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن تفلات» رواه أحمد وأبو داود والشافعي ( وتفلات) يعني غير متزينات، وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها» .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كاسيات بلباس يصف البشرة ويبدي بعض تقاطيع أبدانهن كالعضد والعجيزة فهن كاسيات بلباس عاريات حقيقة.

عباد الله: ومن دواعي الزنا سماع الأغاني: وقد كثرت وتنوعت وسهل الحصول عليها في هذا الزمان وامتلأ بها كثير من بيوت المسلمين وسياراتهم وافتتن بسماعها كثير من الرجال والنساء والأطفال وقد ورد عن كثير من السلف تسمية الغناء (رقية الزنا).

قال الإمام ابن القيم: فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حر أصبح به عبدا للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدل به اسما قبيحا بين البرايا، وكم من ذي غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بين المطارف والحشايا، وكم من معافى وتعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا، وكم جرع من غصة وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة. وغموم متوقعة وهموم مستقبلة ([3]).

فاتقوا الله أيها المسلمون وتجنبوا الوسائل المؤدية إلى هذه الجريمة القبيحة ]وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ [النور: 31].


 من أضرار الزنا

قال الله تعالى: ]وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً[ [الإسراء: 32] وقال تعالى: ]وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ[ [الفرقان: 68-70] فانظر كيف قرن الزنا بالشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله.

وقال تعالى: ]الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ[ [النور: 2] قال العلماء هذا عذاب الزاني والزانية في الدنيا إذا كانا غير متزوجين، فإذا كان متزوجين أو قد تزوجا فإنهما يرجمان بالحجارة حتى يموتا، وفي الحديث الصحيح: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»([4]) وفي الحديث الآخر: «من زنا أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه»([5]) وأعظم الزنا الزنا بالأم والبنت والأخت وذوات المحارم.

وفي الحديث: «ومن وقع على ذات محرم فاقتلوه»([6]) والزنا يجمع خلال الشر كلها ومن ذلك.

1- قلة الدين.

2- ذهاب الورع.

3- فساد المروءة.

4- قلة الغيرة.

5- غضب الرب.

6- سواد الوجه وظلمته.

7- ظلمة القلب وطمس نوره.

8- الفقر اللازم.

9- ذهاب حرمة فاعله وسقوطه من عين ربه ومن أعين عباده.

10- أنه يسلبه أسماء المدح من العفة والبر والعدالة والثقة ويكسوه أسماء الذم كاسم الفاجر والخائن والفاسق والزاني.

11- أن الزاني يعرض نفسه للعذاب في تنور من نار، أعلاه ضيق وأسفله واسع الذي رأى النبي ﷺ‬ فيه الزناة والزواني يعذبون([7]).

12- أنه يفارقه الطيب ويستبدل به الخبيث الذي وصف الله الزناة به.

13- وحشة يضعها الله في قلب الزاني.

14- قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له.

15- أن الناس ينظرونه بعين الخيانة ولا يأمنه أحد على حرمته وولده.

16- ضيق صدر الزاني وحرجه.

17- أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن.

18- أن الزنا يجرِّؤه على عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام، وكسب الحرام، وظلم الخلق، وإضاعة أهله وعياله.

19- أن هذه المعصية محفوفة بالمعاصي فهي لا تتم إلا بأنواع المعاصي قبلها ومعها وبعدها، فهي تجلب شرور الدنيا والآخرة.

2- وجوب الحد على الزاني البكر مائة جلدة وتغريب عام عن وطنه، ورجم الزاني الثيب (الذي قد تزوج) بالحجارة حتى يموت.

21- في الزنا ضياع الأنساب.

22- انتهاك الأعراض.

23- انتشار الأمراض الخطيرة وفشو الطاعون وانتشار الأمراض التناسلية المستعصية للعلاج غالبا وأهونها مرض الزهري.

24- تعريض المحارم للوقوع بالفاحشة فكما تدين تدان.

25- الإفلاس يوم الحساب من الأعمال الصالحة.

26- إنه يعرض الزاني الخائن يوم القيامة على الذي زنى بامرأته ليأخذ من حسناته ما يشاء وسوف لا يبقى للخائن حسنة.

27- شهادة الجوارح عليه من اليد والرجل والجلد والسمع والبصر واللسان ]يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ [النور: 24]([8]).

تنبيه هام: ويلتحق بالزنا في العذاب والفضيحة والعار في الدنيا الآخرة بل هو أشنع منه، عمل قوم لوط وهو إتيان الذكران من العالمين في أدبارهم، وقد لعن فاعله ثلاث مرات في حديث رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي والنسائي قاله ابن حجر الهيثمي في الزواجر: فالواقع بالزنا، واللواط مجرم فاسق ظالم خبيث متعد حدود الله، وإذا أنكر تحريمه فهو كافر بالله العظيم إلا أن يتوب فمن تاب تاب الله عليه.

فوائد غض البصر: من أسباب الزنا واللواط إطلاق النظر إلى العورات وإلى النساء الأجنبيات اللاتي لسن من محارم الرجل ، وكذلك النظر في الصور وإلى الأمرد الحسن بشهوة، وقد أمر الله المؤمنين والمؤمنات بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأخبر أن ذلك أطهر لقلوبهم وأزكى لأعمالهم، وفي غض البصر منافع كثيرة وفوائد عديدة منها:

1- أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في الدنيا والآخرة

2- طهارة القلب وزكاة النفس والعمل ]قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا[ [الشمس: 9].

3- أنه يمنع وصول أثر السهم المسموم، فإن النظر سهم مسموم من سهام إبليس.

4- تعويض من غض بصره بحلاوة الإيمان في القلب، ففي الحديث (من غض بصره عن محاسن امرأة عوضه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه) ([9]).

5- حصول الفراسة الصادقة التي يميز بها بين الحق والباطل.

6- أنه يخلص القلب من ألم الحسرة، فإن من أطلق بصره دامت حسرته.

7- أنه يورث القلب سرورا وفرحا ونورا وإشراقا أعظم من اللذة الحاصلة بالنظر.

8- أنه يخلص القلب من أسر الشهوة، فإن الأسير هو أسير هواه وشهوته.

9- أن غض البصر يقوي العقل ويزيده ويثبته، وإرسال النظر لا يحصل إلا من خفة العقل وعدم ملاحظته للعواقب، وبالله التوفيق([10]).


 أهم الطرق لمكافحة الزنا

1- منع التبرج وإلزام القادمين بتنفيذ التعليمات الدينية نحو محارمهم كستر الوجه والنحر والساقين وما يثير الفتنة كالملبس المعري (المظهر للعورة، لكونه قصيرا أو شفافا، أو ضيقا).

2- حماية الأخلاق الكريمة بردع السفهاء عن التعدي على النساء أو ملاحقتهن في جميع الميادين ولا سيما في الأماكن التي يرتدنها للشراء أو النزهة.

3- عدم سماح ولي المرأة لها بالخروج إلا لما تقتضيه الضرورة وبصحبة محرم لها إن أمكن، وعدم إدخال أجنبي عليها كأخ الزوج وغيره من الأجانب.

4- الحيلولة لئلا يخلو رجل بامرأة إلا مع محرم لها متحجبة متسترة وذلك في الحالات الضرورية كمراجعة الطبيب أو للتحقيق مع المرأة أو الخروج مع السائق أو شراء أشياء لا يتمكن عليها الولي وتضطر لحضورها من مجوهرات أو أقمشة أو ساعات.

5- عدم السماح لأصحاب الدكاكين التي يرتدنها النساء بوضع المختصرات الداخلية ولا سيما لبائعي الأقمشة أو الساعات أو المجوهرات أو الخياطة أو من المحلات المحظورة شرعا مع إيقاع أشد العقوبات على المخالفين.

6- منع الخادم أو السائق أو من هو في حكمهما ممن بلغوا وشعروا بالرغبة للنساء من الاختلاء بالمرأة مهما بلغ من الثقة وخاصة الخروج بها، ومن سمح بهذا فهو مخالف للهدي الإسلامي وليس كل واحد من هؤلاء معصوم والقصص القرآنية توحي بهذا لما يترتب عليه من الأمور الخطيرة بعكس ما عليه دعاة الإباحية والتحلل.

7- نشر مبادئ الفضيلة ومنع وسائل الغرام والتحلل واللهو والغناء ومضاعفة الجهود بتذكير الناس في دينهم وآخرتهم إذاعة وصحافة وتوجيها في جميع المجالات مع تنشئة الناس على الشجاعة والرجولة والشهامة والغيرة والمروءة، وتحذيرهم من السلوك السيئ من مجارات المرأة بطبيعتها الموهوبة في لبس الذهب والميوعة وإزالة شعر الوجه.

8- تعيين الثقة بصحبة أهله لمن يتولى جلب العائلات أو ترحيلهن. أو السفر بهن أو الاتصال بهن ومراقبتهم.

9- إبعاد سجون النساء عن أماكن الحراس وتوجيههن لدينهن مع تعيين الثقة الطاعن بالسن بصحبة أهله ليتولى الأبواب والاتصال ومراقبته.

10- المبادرة إلى تقليل المهور، وإقامة الحد على الزاني إذا ثبت زناه ([11]).


 الزنا من أعظم المفاسد

وما كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وصيانة الحرمات وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وبنته وأخته وأمه.

وفي ذلك خراب العالم، كانت تلي مفسدة القتل في الكبر، ولهذا قرنها الله سبحانه بها في كتابه ورسوله ﷺ‬ في سنته قال الإمام أحمد: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئا أعظم من الزنى، وقد أكد سبحانه حرمته بقوله: ]وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ[ [الفرقان: 68] فقرن الزنا بالشرك وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك الخلود في النار في العذاب المضاعف المهين، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح([12] وقد قال تعالى: ]وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً[ [الإسراء: 32].

فأخبر عن فحشه في نفسه وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول، حتى عند كثير من الحيوانات، كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال: «رأيت في الجاهلية قردا زنى بقردة، فاجتمع القرود عليهما فرجموهما حتى ماتا» ثم أخبر عن غايته بأنه ساء سبيلا ([13]) فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا، وسبيل عذاب في الآخرة وخزي ونكال، ولما كان نكاح أزواج الآباء من أقبحه خصه بمزيد ذم فقال: ]إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً[ [النساء: 22] وعلق سبحانه فلاح العبد على حفظ فرجه منه، فلا سبيل له إلى الفلاح بدونه فقال: ]قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ[ [المؤمنون: 1-7].

وهذا يتضمن ثلاثة أمور: أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين وأنه من الملومين، ومن العادين ففاته الفلاح واستحق اسم العدوان، ووقع في اللوم فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك، ونظير هذا أنه ذم الإنسان وأنه خلق هلوعا لا يصبر على شر ولا خير، بل إذا مسه الخير منع وبخل، وإذا مسه الشر جزع، إلا من استثنى بعد ذلك من الناجين من خلقه فذكر منهم. ]وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ[ [المؤمنون: 5- 7] وأمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم مطلع عليها ]يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ[ [غافر: 19].

ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج فإن كل الحوادث مبدؤها من النظر، كما أن معظم النار مبدؤها من مستصغر الشرر تكون نظرة ثم تكون خطرة ثم خطوة، ثم خطيئة ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربع أحرز دينه: اللحظات والخطرات، واللفظات والخطوات([14]).

فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، ويلازم الرباط على ثغورها، فمنها يدخل عليه العدو، فيجوس خلال الديار، ويتبر ما علا تتبيرا([15]).


فصل

وهذا كله ذكرناه مقدمة بين يدي (تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج) وقد قال ﷺ‬: «أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج» ([16])، وفي الصحيحين عنه ﷺ‬: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» وهذا الحديث في اقتران الزنى بالكفر وقتل النفس نظير الآية التي في سورة الفرقان، ونظير حديث ابن مسعود.

بدأ رسول الله ﷺ‬ بالأكثر وقوعا، ثم بالذي يليه، فالزنى أكثر وقوعا من قتل النفس، وقتل النفس أكثر وقوعا من الردة، نعوذ بالله منها وأيضا فإنه انتقال من الأكبر إلى ما هو أكبر منه مفسدة ومفسدة الزنى مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رءوسهم بين الناس وإن حملت من الزنى، فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنى والقتل، وإن أبقته حملته على الزوج، فأدخلت على أهلها وأهله. أجنبيا ليس منهم، فورثهم وليس منهم ورآهم وخلا بهم وانتسب إليهم وليس منهم إلى غير ذلك من مفاسد زناها، وأما زنى الرجل فإنه يوجد اختلاط الأنساب أيضا، وإفساد المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد، ففي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين وإن عمرت القبور في البرزخ والنار في الآخرة فكم في الزنى من استحلال محرمات، وفوات حقوق ووقوع مظالم؟

ومن خاصيته: أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه ، وثوب المقت بين الناس.

ومن خاصيته أيضا: أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته، ويجلب الهم والخزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان، فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته، ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها، ولو بلغ العبد أن امرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت، وقال سعد بن عبادة، رضي الله عنه، لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح ([17]) فبلغ ذلك رسول الله ﷺ‬ فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» متفق عليه.

وفي الصحيحين أيضا عنه ﷺ‬ «إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه».

وفي الصحيحين عنه ﷺ‬ «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه».

وفي الصحيحين في خطبته ﷺ‬ في صلاة الكسوف أنه قال: «يا أمة محمد والله إنه لا أحد أغير من الله، أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا» ثم رفع يديه فقال: «اللهم هل بلغت؟».

وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله وظهور الزنى من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال: لأحدثنكم حديثا لا يحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي ﷺ‬ يقول: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنى، ويقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» .

وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنى يغضب الله سبحانه وتعالى ويشتد غضبه فلا بد أن يؤثر في الأرض عقوبة قال عبد الله بن مسعود ما ظهر الربا والزنى في قرية إلا أذن الله بإهلاكها، ورأى بعض أحبار بني إسرائيل ابنا له يغمز امرأة فقال. مهلا يا بني فصرع الأب عن سريره فانقطع نخاعه ([18]) ويكفي في قبح الزنا أن الله سبحانه وتعالى مع كمال رحمته شرع فيه أفحش القتلات وأصعبها وأفضحها، وأمر أن يشهد عباده المؤمنون تعذيب فاعله، ومن قبحه أن الله فطر عليه بغض الحيوان البهيم الذي لا عقل له، كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال: رأيت في الجاهلية قردا زنى بقردة، فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا، وكنت فيمن رجمهما.


 الزنا يجمع خلال الشر كلها

قال في روضة المحبين: والزنا يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين وذهاب الورع، وفساد المرءوة وقلة الغيرة، فلا تجد زانيا معه ورع، ولا وفاء بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله، فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء وعدم المراقبة وعدم الأنفة للحرم وذهاب الغيرة من القلب من شعبه وموجباته، ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمه وعياله، ولو تعرض رجل إلى ملك من الملوك بذلك لقابله أسوأ مقابلة، ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين، ومنها ظلمة القلب وطمس نوره، وهو الذي أوجب طمس نور الوجه، وغشيان الظلمة له، ومنها الفقر اللازم، وفي أثر يقول الله تعالى: «أنا الله مهلك الطغاة ومفقر الزناة» ومنها أنه يذهب حرمة فاعله ويسقط من عين ربه ومن أعين عباده المؤمنين.

ومنها أنه يسلبه أحسن الأسماء، وهو اسم العفة والبر والعدالة، ويعطيه أضدادها كاسم الفاجر والفاسق والزاني والخائن.

ومنها أن يسلبه اسم الإيمان كما مر، فيسلب اسم الإيمان المطلق دون مطلق الإيمان، وسئل جعفر بن محمد رضي الله عنهما عن هذا الحديث فخط دائرة في الأرض وقال: هذه دائرة الإيمان ثم خط دائرة أخرى خارجة عنها وقال: هذه للإسلام فإذا زنى العبد خرج من هذه ولم يخرج من هذه، ولا يلزم من ثبوت جزء من الإيمان له أن يسمى مؤمنا، كما أن الرجل يكون معه جزء من العلم ولا يسمى به عالما فقيها، وكذلك يكون معه شيء من التقوى ولا يسمى متقيا ونظائره.

قال ابن القيم: فالصواب إجراء الحديث على ظاهره، ولا يتأول بما يخالف ظاهره يعني حديث «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن».

قلت: وكنت سألت في سنة سبع وثلاثين ومائة وألف هل يكون الزاني في حال تلبسه بالزنا وليا لله تعالى، قلت: لا فعظم ذلك على بعض الطلبة والمدرسين، ومضى رجل من الإخوان إلى أحد الأعيان فذكر له القصة وحرف بعض تحريف، وكان ذلك الكبير من أشياخي، فلما حضرت لصلاة الظهر في جامع بني أمية وفرغت من الصلاة وانصرفت إلى نحو المدرسة أرسل إليَّ الشيخ وقال لي: بلغني عنك مقالة ساءتني فقلت له: لا ساءك الله بمكروه ما هي؟ فذكر لي القضية، فقلت: سبحان الله المصطفى يسلبه اسم الإيمان وأنتم لا تسلبونه اسم الولاية، فلا بد من حل كلام المعصوم على أحد أمرين، إما أن يكون إيمان الزاني قد ارتفع عنه كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره، وكان عليه كالظلة، وعند البيهقي: إن الإيمان سربال سربله الله من يشاء، فإن زنى العبد نزع منه سربال الإيمان، فإن تاب رد عليه، أو يكون إيمانه ناقصا، وعلى الحالتين فليس هو وليا في تلك الحالة، فرضي الشيخ بما قلت ودعا لي وانصرف والله أعلم ([19]).

ومنها أنه يفارقه الطيب المتصف به أهل العفاف، ويتبدل به الخبث المتصف به الزناة في قوله تعالى: ]الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ[ [النور: 26] وقد حرم الله الجنة على كل خبيث بل جعلها مأوى الطيبين قال تعالى: ]الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ[ [النحل: 32] ]وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ[ [الزمر: 73] والزناة من أخبث الخلق، وقد جعل الله جهنم دار الخبث وأهله، فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب وجعل الخبيث بعضه فوق بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم، فلا يدخل النار طيب كما لا يدخل الجنة خبيث.

ومنها: أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن، وإذا كان الله سبحانه عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه من لبسه في الآخرة يوم القيامة، فلأن يمنع من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا من التمتع بالحور العين يوم القيامة أولى، بل كل ما ناله العبد في الدنيا، فإن التوسع من حلاله يضيق من حظه يوم القيامة بقدر ما يتوسع فيه فكيف بالحرام ([20])؟!


قال الإمام الذهبي في كتاب الكبائر:

 الكبيرة العاشرة: الزنا ([21])

وبعضه أكبر من بعض قال الله تعالى: ]وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً[ [الإسراء: 32] وقال تعالى: ]وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ[ [الفرقان: 68-70].

وقال تعالى: ]الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ [النور: 2].

قال العلماء: هذا عذاب الزانية والزاني في الدنيا إذا كان عزبين غير متزوجين فإن كانا متزوجين أو قد تزوجا ولو مرة في العمر فإنهما يرجمان بالحجارة إلى أن يموتا كذلك ثبت في السنة عن النبي ﷺ‬ ([22]).

وثبت ([23]) عن رسول الله ﷺ‬ أنه قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» وقال ﷺ‬ «إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان كالظلة على رأسه، ثم إذا أقلع رجع إليه الإيمان» ([24]).

وقال ﷺ‬ «من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه» ([25]) وفي الحديث النبوي قال رسول الله ﷺ‬ «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذاب، وعائل مستكبر» ([26]).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله تعالى؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» فقلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك»([27]) يعني زوجة جارك فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك ]وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ[ [سورة الفرقان:68-70].

فانظر رحمك الله كيف قرن الزنا بزوجة الجار بالشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله عز وجل، إلا بالحق، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين.

وفي صحيح البخاري في حديث منام النبي ﷺ‬ الذي رواه سمرة بن جندب وفيه أنه ﷺ‬ جاءه جبريل وميكائل قال: «فانطلقنا فأتينا على مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع فيه لغط وأصوات قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضئوا -أي صاحوا من شدة حره- فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني -يعني من الرجال والنساء- فهذا عذابهم إلى يوم القيامة» ([28]) نسأل الله العفو والعافية.

وعن عطاء ([29]) في تفسير قوله تعالى عن جهنم ]لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ[ قال: أشد تلك الأبواب غما وحرا وكربا وأنتنها ريحا للزناة الذين ركبوا الزنا بعد العلم، وعن مكحول ([30]) الدمشقي قال: يجد أهل النار رائحة منتنة فيقولون ما وجدنا أنتن من هذه الرائحة فيقال لهم: هذه ريح فروج الزناة، وقال ابن زيد ([31]) أحد أئمة التفسير: إنه ليؤذي أهل النار ريح فروج الزناة، وفي العشر الآيات التي كتبها الله لموسى عليه السلام «لا تسرق ولا تزني فأحجب عنك وجهي» فإذا كان الخطاب لنبيه موسى عليه السلام هكذا فكيف بغيره؟

وأعظم الزنا الزنا بالأم والأخت وامرأة الأب وبالمحارم وقد صحح ([32]) الحاكم «من وقع على ذات محرم فاقتلوه» وعن البراء أن خاله بعثه رسول الله ﷺ‬ إلى رجل عرس بامرأة أبيه أن يقتله ويخمس ماله، فنسأل الله المنان بفضله أن يغفر لنا ذنوبنا إنه جواد كريم.


ثم قال الذهبي:

الكبيرة الحادية عشرة: اللواط ([33])

قد قص الله عز وجل علينا في كتابه العزيز قصة قوم لوط في غير موضع من ذلك قوله تعالى: ]فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ[ أي من طين طبخ حتى صار كالآجر ]مَنْضُودٍ[ أي يتلو بعضها بعضا ]مُسَوَّمَةِ[ أي معلمة بعلامة تعرف بها أنها ليست من حجارة أهل الدنيا ]عِنْدَ رَبِّكُ[ أي في خزائنه التي لا يتصرف في شيء منها إلا بإذنه ]وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ[ [هود: 82، 83] ما هي من ظالمي هذه الأمة إذا فعلوا فعلهم أن يحل بهم ما حل بأولئك من العذاب.

ولهذا قال النبي ﷺ‬ «أخوف ما أخاف عليكم عمل قوم لوط» ([34]) ولعن من فعل فعلهم ثلاثا فقال: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط» ([35]) وقال ([36]) عليه الصلاة والسلام «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وقال ابن عباس رضي الله عنهما ينظر أعلى بناء في القرية فيلقى منه ثم يتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط.

وأجمع المسلمون على أن التلوط من الكبائر التي حرم الله تعالى: ]أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ[ [الشعراء: 165، 166].

وقال تعالى في آية أخرى مخبرا عن نبيه لوط، عليه السلام، ]وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ[ [الأنبياء: 74] وكان اسم قريتهم سدوم وكان أهلها يعملون الخبائث التي ذكرها الله سبحانه في كتابه كانوا يأتون الذكران من العالمين في أدبارهم ويتضارطون في أنديتهم مع أشياء أخر كانوا يعملونها من المنكرات.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عشر خصال من أعمال قوم لوط، تصفيف الشعر، وحل الإزار، ورمي البندق، والقذف بالحصا، واللعب بالحمام الطيارة، والصفير بالأصابع، وفرقعة الأكعب، وإسبال الإزار، وحل أزر([37]) الأقبية، وإدمان شرب الخمر، وإتيان الذكور، وستزيد عليها هذه الأمة مساحقة النساء للنساء.

وقال ([38]) ﷺ‬ «لا ينظر الله إلى رجل أتى ذكرا، أو امرأة في دبرها» وقال أبو سعيد الصعلوكي، سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل الخبيث.

والنظر بشهوة إلى المرأة والأمرد زنا لما صح ([39]) عن النبي ﷺ‬ أنه قال: «زنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا اليد البطش، وزنا الرجل الخطا، وزنا الأذن الاستماع، والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه».

قال الشاعر:

كل الحوادث مبدؤها من النظر

ومعظم النار من مستصغر الشرر

والمرء ما دام ذا عين يقلبها

في أعين الغير موقوف على الخطر

كم نظرة فعلت في قلب صاحبها

فعل السهام بلا قوس ولا وتر

يسر ناظره ما ضر خاطره

لا مرحبا بسرور عاد بالضرر

وكان يقال: النظر بريد الزنا، وفي الحديث «النظر سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركه لله أورث الله قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى يوم القيامة» ([40]).


فصل

في عقوبة من أمكن من نفسه طائعا، عن خالد ([41]) بن الوليد رضي الله عنه أنه رأى في بعض النواحي رجلا ينكح في دبره فاستشار أبو بكر الصحابة رضي الله عنهم في أمره فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن هذا ذنب لم يعمله إلا أمة واحدة قوم لوط وقد أعلمنا الله تعالى بما صنع بهم، أرى أن يحرق بالنار، فكتب أبو بكر إليه أن أحرقه بالنار فأحرقه خالد رضي الله عنه.

فصل

ويلتحق باللواط إتيان المرأة في دبرها وذلك مما حرم الله تعالى ورسوله قال الله عز وجل: ]نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ[ [البقرة: 223] أي كيف شئتم مقبلين ومدبرين في صمام واحد أي موضع واحد، وسبب نزول هذه الآية أن اليهود في زمن النبي ﷺ‬ كانوا يقولون: إذا أتى الرجال امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فسأل أصحاب رسول الله رضي الله عنهم النبي ﷺ‬ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم ]نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ[ مجيبة أو غير مجيبة غير أن ذلك في صمام واحد أخرجه مسلم ([42]).

وفي رواية «اتقوا الدبر والحيضة» وقوله (في صمام واحد) أي في موضع واحد وهو الفرج لأنه موضع الحرث أي موضع مزرع الولد، وأما الدبر فإنه محل النجو وذلك خبيث مستقذر وقد روى ([43]) أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ‬ أنه قال: «ملعون من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها».

فمن جامع امرأته وهي حائض، أو جامعها في دبرها فهو ملعون وداخل في هذا الوعيد الشديد، وكذا إذا أتى كاهنا وهو المنجم ومن يدعي معرفة الشيء المسروق ويتكلم على الأمور المغيبات فسأله عن شيء منها فصدقه.

وكثير من الجهال واقعون في هذه المعاصي وذلك من قلة معرفتهم وسماعهم للعلم، ولذلك قال أبو الدرداء، كن عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامس فتهلك، وهو الذي لا يعلم ولا يتعلم ولا يسمع ولا يحب من يعمل ذلك، ويجب على العبد أن يتوب إلى الله من جميع الذنوب والخطايا ويسأل الله العفو عما مضى منه في جهله والعافية فيما بقي من عمره، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة إنك أرحم الراحمين.


نصيحة

بقلم فضيلة الشيخ صالح بن أحمد الخريصي تقبل الله منه:

من صالح بن أحمد الخريصي إلى من يراه ويسمعه من إخواننا المسلمين وفقني الله وإياهم لقبول النصيحة وعصمني وإياهم من أسباب الخزي والفضيحة وجنبني وإياهم الأعمال السيئة إنه جواد كريم رءوف رحيم آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد. فهذه نصيحة رسمتها على وجه الإعذار والإنذار خوفا من معرة الكتمان حين الوقوف بين يدي العزيز الجبار ]لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ[ [الأنفال: 42] فمن تاب وأناب فإن الله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، ومن أصر وتمادى فلا يأمن غضب رب الأرض والسموات الذي لا تقوم له الجبال الصم الشوامخ الراسيات، فأقول وبالله التوفيق ومنه أستمد العون والتحقيق: إن الله تبارك وتعالى ذكر قصة قوم لوط في غير آية من كتابه وشدد فيها وغلظ أمره قال الله تعالى: ]أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ[ [الأعراف: 80] ثم أكد ذلك بأن صرح بما تشمئز منه القلوب وتنبو عنه الأسماع وتنفر منه الطباع أشد نفرة وهو إتيان الرجل رجلا مثله فقال: ]إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ[ [الأعراف: 81] والإسراف هو مجاوزة الحد، وقال تعالى: ]وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ[ [الأنبياء: 74] ثم أكد عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال: ]إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ[ [الأنبياء: 74] وسماهم مفسدين في قول نبيهم ]رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ[ [العنكبوت: 30]، وسماهم الظالمين في قول الملائكة لإبراهيم ]إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ[ [العنكبوت : 31].

ولما جادر فيهم خليله إبراهيم قال له: ]يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَـدْ جَـاءَ أَمْرُ رَبِّـكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ[ [هود: 76] والآيات في ذلك معلومة فهذه الكبيرة العظمة والفاحشة الشنعاء ليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدتها وهي التي تلي مفسدة الكفر ولم يبتل الله بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من العالمين، لهذا عاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم وجمع عليهم أنواعا من العقوبات، من الإهلاك وقلب ديارهم، وخسفها بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم، وعذبهم وجعل عذابهم مستمرا فنكل بهم نكالا لم ينكله أمة سواهم، وما ذاك إلا لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عملت عليها وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم وتعج الأرض إلى ربها وتكاد الجبال تزول عن أماكنها.

 وقد وردت السنة بتحريم هذه الكبيرة والوعيد عليها فعنه ﷺ‬ أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به»([44]) وعند الترمذي «أحصنا أو لم يحصنا» وعن ابن عباس في البكر يعمل عمل قوم لوط قال: يرجم، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط»([45]) وفي الحديث أيضًا: «وإذا كثرت اللوطية رفع الله يده عن الخلق فلا يبالي في أي واد هلكوا»([46]) وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ‬ قال: «لعن الله سبعة من خلقه من فوق سبع سمواته» وردد اللعنة على واحد منهم ثلاثا ولعن كل واحد منهم لعنة تكفيه فقال: «ملعون من عمل عمل قوم لوط، معلون من ذبح لغير الله، ملعون من أتى شيئا من البهائم، ملعون من عق والديه، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من غير حدود الأرض، ملعون من ادعي إلى غير مواليه»([47]) وروى الطبراني والبيهقي عن أبي هريرة «أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخطه قيل يا رسول الله من هم؟ قال: المتشبهون من الرجال بالنساء، والمشتبهات من النساء بالرجال، والذي يأتي البهيمة، واللوطي».

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن اللواطي إذا مات من غير توبة مسخ في قبره خنزيرًا وقد قيل: إن في هذه الأمة قوما يقال لهم اللوطية وهم ثلاثة أصناف: صنف ينظرون ، وصنف يصافحون وصنف يعملون ذلك العمل الخبيث.

وقال بعض التابعين: ما أنا بأخوف على الشاب الناسك من سبع ضار من الغلام الأمرد يقعد إليه.

وحرم كثير من العلماء الخلوة بالأمرد في نحو بيت ودكان، وما ذاك إلا لخوف الوقوع بهذه الفاحشة العظمى لأن الوسائل والذرائع لها حكم الغايات، وفي الحديث «النظر سهم مسموم من سهام إبليس من تركه من مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه»([48]).

ودخل سفيان الثوري رحمه الله الحمام وناهيك به معرفة وعلما وزهدا وتقى فدخل عليه صبي حسن الوجه فقال: «اخرجوه عني أخرجوه عني، فإني أرى مع كل امرأة شيطانا، ومع كل صبي بضعة عشر شيطانا» فهؤلاء هم أرباب القلوب الحية الخائفون أن تزل قدم بعد ثبوتها، ومما روي في عقوبة اللواط والوعيد المترتب عليه أن عيسى عليه السلام مر في سياحته على نار تتوقد على رجل فأخذ ماء ليطفئها عنه، فانقلبت النار صبيا، وانقلب الرجل نارا، فتعجب عيسى من ذلك، وقال: يا رب ردهما إلى حالهما في الدنيا لأسألهما عن خبرهما فأحياهما الله عز وجل فإذا هما رجل وصبي فقال لهما عيسى عليه السلام «ما خبركما وما أمركما؟ فقال الرجل: يا روح الله إني كنت في الدنيا مبتلى بحب هذا الصبي فحملتني الشهوة أن فعلت به الفاحشة فلما مت ومات الصبي صير الله الصبي نارا يحرقني مرة وصيرني نارا أحرقه أخرى، فهذا عذابنا إلى يوم القيامة» نعوذ بالله من أليم عقابه، ونسأله العافية من عذابه.

فلهذا أجمعت الأمة على تحريم هذه الفاحشة العظيمة وعقوبة فاعلها لكن اختلفوا في كيفية قتله فروي عن الصديق رضي الله عنه أنه حرق رجلا يعمل عمل قوم لوط بالنار بعدما استشار من اجتمع عنده من الصحابة، ثم أحرقهم ابن الزبير في زمانه، ثم أحرقهم هشام بن الوليد في زمانه، ثم أحرقهم خالد بن عبد الله القسري في زمانه بالعراق، وروي أن سبعة أخذوا في زمن ابن الزبير في اللواط، فسأل عنهم فوجدوا أربعة قد أحصنوا فأمر بهم فأخرجوا من الحرم ورجموا بالحجارة حتى ماتوا، وحد الثلاثة، وقال ابن عباس: يرمى من شاهق من البلد منكسا، ثم يتبع الحجارة.

وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى كلاما يناسب للمقام أحببنا نقله إتماما للفائدة وتحذيرا من هذه الكبيرة قال رحمه الله.

فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد ولأن يقتل المفعول به خير له من أن يؤتى فإنه يفسد فسادا لا يرجى له بعده صلاح أبدا،ويذهب خيره كله وتمص الأرض ماء الحياء من وجهه فلا يستحي بعد ذلك، لا من الله ولا من خلقه وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم في البدن، وقد اختلف الناس هل يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين: سمعت شيخ الإسلام رحمه الله يحكيهما والذين قالوا لا يدخل الجنة احتجوا بأمور منها أن النبي ﷺ‬ قال: «لا يدخل الجنة ولد زنا» ([49]).

فإذا كان هذا حال ولد الزنا مع أنه لا ذنب له في ذلك ولكنه مظنة كل شر وخبث وهو جدير أن لا يجيء منه خير أبدا لأنه مخلوق من نطفة خبيثة، وإذا كان الجسد الذي تربى على حرام، النار أولى به، فكيف بالجسد المخلوق من نطفة الحرام، قالوا والمفعول به شر من ولد الزنا وأخزى وأخبث وأوسخ وهو جدير أن لا يوفق لخير وأن يحال بينه وبينه، وكلما عمل خيرا قيض الله ما يفسده عقوبة له، وقل أن ترى من كان كذلك في صغره إلا هو في كبره شر مما كان، ولا يوفق لعمل صالح ولا لعلم نافع ولا لتوبة نصوح، والتحقيق في هذه المسألة أن يقال: إن تاب هذا المبتلى بهذا البلاء وأناب ورزق توبة نصوحا وعملا صالحا، وكان في كبره خيرا منه في صغره، وبدل سيئاته بحسنات، وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات، وغض بصره، وحفظ فرجه عن المحرمات، وصدق الله في معاملته، فهذا مغفور له وهو من أهل الجنة لأن الله يغفر الذنوب جميعا، وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب حتى الشرك بالله وقتل أنبيائه وأوليائه والسحر والكفر وغير ذلك فلا تقصر عن محو هذا الذنب.

وقد استقرت حكمة الله عدلا وفضلا أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد ضمن الله تعالى لمن تاب من الشرك وقتل النفس والزنا أنه يبدل بسيئاته حسنات وهذا حكم عام لكل تائب من ذنب.

اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، إذا تقرر ذلك عرف عظم هذه الفاحشة التي تشمئز منها القلوب وتقشعر منها الجلود، وأن أهلها ومتعاطيها على خطر عظيم من عذاب الله عز وجل العاجل والآجل كما قال تعالى: ]فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ[ [هود: 82، 83] قال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة والله ما أجار منها ظالما بعد فجعلهم آية للعالمين وموعظة للمتقين وسلفا لمن شركهم في أعمالهم من المجرمين وجعل ديارهم بطريق السالكين كما قال تعالى: ]وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ[ [الحجر: 76، 77] وأمر جبريل عليه السلام فأدخل جناحه تحت مداينهم فاقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم جعل عاليها سافلها، وأمطرت عليهم حجارة من سجيل، وكانت فيما ذكر أربع قرى، وقيل خمس فيها أربع مائة ألف وما يتبعها من الضواحي قلبها عليهم، وقد روي عنه ﷺ‬ أنه قال: «سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال، ونساؤهم بالنساء، فإذا كان ذلك فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجيل» ثم تلا رسول الله ﷺ‬ ]وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ[ وفي رواية عنه ﷺ‬ «لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحل هذه الأمة أدبار الرجال كما استحلوا أدبار النساء، وتصيب طوائف من هذه الأمة حجارة من ربك» فلما عتوا وتمردوا واستمروا على العمل الخبيث أخذهم أمر الله وهم نائمون وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، تقلبوا على تلك اللذات طويلا فأصبحوا بها يعذبون، رتعوا مرتعا وخيما فأعقبهم عذابا أليما، فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم، وبكوا على ما أسلفوه فجرت دموع الدم، ويقال لهم وهم إلى العذاب يسحبون ]ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ[ [الزمر: 24]، ]اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[ [الطور: 16] فاتقوا الله عباد الله: ]وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ[ [البقرة: 281] ]وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ [النور: 31] وخذوا على أيدي سفهائكم وذودوهم عن مراتع الهلكة، فإنكم مسئولون أمام الله عز وجل عنهم، والله على ما نقول وكيل وحسبنا الله ونعم الوكيل.

اللهم حبب إلينا الإيمان زينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.

اللهم صل وسلم على عبدك، ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ([50]).


 الحث على التوبة

فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى في أنفسكم وبادروا بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى والرجوع والإنابة إليه، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ورحمته فالتوبة إلى الله تعالى واجبة على كل مسلم من كل ذنب سواء كان صغيرا أو كبيرا فالرسول ﷺ‬ وهو أكرم الخلق على الله وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم والليلة مائة مرة ([51]) فكيف بنا ونحن غارقون في الآثام؟ فيجب أن تتأسى بهذا النبي الكريم، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك فقال: ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[ [الأحزاب: 21] كما أوجب علينا الاستغفار والتوبة بقوله تعالى: ]وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ[ [هود: 90].

وفي الحديث: «إن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده إذا تاب»([52]).

وصح عن النبي ﷺ‬ أنه قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها»([53]) قال تعالى: ]وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ [النور: 31].


ويشترط لصحة التوبة شروط:

الأول: الإقلاع عن الذنب.

الثاني: الندم على ما فات.

الثالث: العزم على ألا يعود.

الرابع: إذا كان الحق لآدمي فيستبرئه بأن يمكنه من استيفاء حقه منه أو يستبيحه ([54]).

والله المسئول أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يأخذ بأدينا إلى سبيل النجاة والسلامة، وأن يوفقنا وإياكم للتوبة النصوح والعمل الصالح، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ([55]).




([1]) رواه أحمد والترمذي وأبو داود، وقال الترمذي: حسن غريب.

([2]) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.

([3]) من خطب الدكتور صالح الفوزان (1/ 235).

([4]) رواه البخاري ومسلم.

([5]) رواه الحاكم من حديث أبي هريرة ورمز السيوطي لصحته.

([6]) رواه الحاكم وصححه.

([7]) في حديث رواه البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب.

([8]) انظر: روضة المحبين لابن القيم ص358-361.

([9]) رواه الطبراني والحاكم من حديث حذيفة، وقال: صحيح الإسناد.

([10]) انظر روضة المحبين لابن القيم ص90-102 والجواب الكافي له ص205-208.

([11]) انظر: خطر الجريمة الخلقية للشيخ يوسف المطلق.

([12]) العمل الصالح في هذه الآية وأمثالها: هو الذي يصلح به ما أفسد في نفسه وغيره بزناه وغيره من الشرك والفسوق فالعمل الصالح في توبة الزاني هو المبالغة في العفاف والدعوة إليه، ومحاربة الزنى وكل ما يقرب منه، والعمل الصالح في توبة المشرك هو محاربة الشرك بكل أنواعه والدعوة إلى التوحيد والعمل الصالح في التوبة من ترك الصلاة هو المحافظة على الصلاة لوقتها ومحاربة تارك الصلاة وهكذا والله الموفق.

([13]) أي ساء سبيلا إلى قضاء الوطر بين الذكر والأنثى لما ينتج من العواقب الوخيمة في هدم المجتمع وفي تعريض الجسم، والخلق والعقل، والأنساب والدين، والدنيا والآخرة وقد يسر الله السبيل الحسنى، لقضاء هذا الوطر بالنكاح الشرعي فما أطيبه وأهنأه من سبيل.

([14]) لحظات الأعين، وخطوات القلوب، ولفظات اللسان، وخطوات الأقدام.

([15]) من كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم ص172-174.

([16]) رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه.

([17]) بضم الميم وفتح الفاء، يقال: أصفحه بالسيف أي ضربه بعرضه دون حده.

([18]) المصدر السابق: 186-187.

([19]) هذا القول للشيخ محمد السفاريني قاله في كتابه غذاء الألباب شرح منظومة الآداب.

([20]) انظر: روضة المحبين لابن القيم 358-361 وانظر غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للشيخ محمد السفاريني (2/ 436-437).

([21]) كتاب الكبائر للإمام الذهبي 54 المشتمل على سبعين كبيرة.

([22]) في الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم انظر: بلوغ المرام 255.

([23]) رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة.

([24]) رواه أبو داود والترمذي والبيهقي من حديث أبي هريرة قاله المنذري وقال المصنف في صغراه: هذا على شرط البخاري ومسلم.

([25]) رواه الحاكم من حديث أبي هريرة أفاده المنذري.

([26]) رواه مسلم والنسائي من حديث أبي هريرة.

([27]) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([28]) رواه البخاري في حديث طويل.

([29]) عطاء إما ابن أبي رباح اليماني، نزيل مكة أحد فقهاء التابعين وأئمتهم المتوفي سنة 114 هـ إما ابن يسار المدني أحد الأعلام من فقهاء التابعين مات سنة 97 هـ أو 103 هـ.

([30]) ثقة من فقهاء التابعين بالشام روى عنه الأوزاعي وغيره مات سنة 113 هـ.

([31]) هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم جده أسلم مولى أسلم وعبد الرحمن ضعيف في الحديث من قبل حفظه توفي سنة 182 هـ.

([32]) قال المصنف في الصغرى: والعهدة عليه أي على الحاكم في هذا التصحيح.

([33]) المصدر السابق «كتاب الكبائر» ص59.

([34]) رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن غريب والحاكم وقال: صحيح الإسناد اهـ منذري.

([35]) رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي وإسناده حسن.

([36]) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه كلهم من رواية عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس وعمرو هذا احتج به الشيخان وغيرهما وقال ابن معين: ثقة ينكر عليه حديث عكرمة عن ابن عباس يعني هذا اهـ منذري في ترهيبه.

([37]) بضم الهمزة وسكون الزاي كذا ضبطه في المنجد وقال هو معقد الإزار اهـ والمراد هنا والله أعلم محل معقد الإزار من الأقبية.

([38]) رواه ت، س، حب في صحيحه.

([39]) رواه البخاري ومسلم وأبو داود بنحو مما هنا.

([40]) رواه ابن أبي الدنيا ومن طريقه البيهقي بسند جيد قاله المنذري في تهيبه.

([41]) رواه الطبراني بمعناه والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

([42]) مجيبة أي باركة والتجيبة الانكباب على الوجه.

([43]) رواه أحمد وأبو داود قاله المنذري.

([44]) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي.

([45]) رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن.

([46]) رواه الطبراني.

([47]) رواه الطبراني في الأوسط والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.

([48]) رواه الطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

([49]) ذكره ابن القيم في الجواب الكافي بدون ذكر من أخرجه ص189 قال في التعليق والحديث واه لا تقوم به حجة.

([50]) انظر: ما ورد في قوم لوط وجريمة اللواط في كتاب الكبائر للإمام الذهبي 54-59 وفي الجواب الكافي لابن القيم 189-200 وفي روضة المحبين لابن القيم 362-372 وفي الترغيب والترهيب للمنذري 4/ 64-68.

([51]) كما في الحديث الذي رواه مسلم.

([52]) كما في الحديث الصحيح متفق عليه.

([53]) رواه مسلم.

([54]) انظر: رياض الصالحين ص12.

([55]) من رسالة نصح وإرشاد للضبيعي وابن عبيد بتحقيق المؤلف.

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا