عثرات الطريق

نبذة مختصرة

عثرات الطريق : فإن الطريق إلى الدار الآخرة طويلة وشاقة.. لا تخلو من عثرة وغفلة.. ومن تأخر وزلة..
ولكل مسلم ومسلمة عثرة يعقبها استغفار وتوبة ورجوع وأوبة..
من عثرات الطريق إهمال الطاعات وإضاعة النوافل وإتيان المحرمات والمكروهات.. وعلم على ذلك.. إضاعة الأعمار والأوقات.
والعثرات قلت أو كثرت تكون هاوية يصعب صعودها والخروج منها على من لم يتجهز ويستعد ويستنفد الوسع..
وربما تكون هذه العثرات فاتحة خير وطريق توبة.. وبداية انطلاقة للوصول إلى النهاية.. هناك حيث تغرب شمس الدنيا ويبدأ إشراق الآخرة.. في جنات عدن وروح وريحان.
وفي هذه الرسالة بيان بعض العثرات مع كيفية علاجها.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 عثرات الطريق

عبد الملك القاسم

المجموعة الأولى


الإهداء

إلى من رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ‬ نبيًا ورسولاً.

إلى حفيدة عائشة وحفصة وفاطمة..

***

إلى من صبرت ... وإن طال المسير..

وجاهدت .. وإن تراجع الكثير

***

إلى جوهرة في جبين الأمة.. وجمانة في قلب كل مسلم..

إلى من اعتلت هامات المجد.. أمًّا وأختًا وزوجة..

***

إلى مربية الأجيال وملهمة الرجال وأم الشهداء والأبطال..

إلى من قصدت بعملها وجه الله والدار الآخرة.


 المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد..

فإن الطريق إلى الدار الآخرة طويلة وشاقة.. لا تخلو من عثرة وغفلة.. ومن تأخر وزلة..

ولكل مسلم ومسلمة عثرة يعقبها استغفار وتوبة ورجوع وأوبة..

من عثرات الطريق إهمال الطاعات وإضاعة النوافل وإتيان المحرمات والمكروهات.. وعلم على ذلك.. إضاعة الأعمار والأوقات.

والعثرات قلت أو كثرت تكون هاوية يصعب صعودها والخروج منها على من لم يتجهز ويستعد ويستنفد الوسع..

وربما تكون هذه العثرات فاتحة خير وطريق توبة.. وبداية انطلاقة للوصول إلى النهاية.. هناك حيث تغرب شمس الدنيا ويبدأ إشراق الآخرة.. في جنات عدن وروح وريحان.

جمعنا الله وإياكم في تلك المنازل وغفر لنا ولكم الزلات والمثالب.. وجعلنا ممن إذا أذنب استغفر وإذا زل ثاب وتاب.

وهذه هي المجموعة الأولى من عثرات الطريق آملاً أن لا تكون اليتيمة في يد القارئ.

جعل الله أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

عبد الملك بن محمد القاسم


العثرة الأولى

والجوع يطوي البطون في شهر رمضان المبارك.. طاعة لله وقربة .. آذنت شمس النهار على الرحيل..

اجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار العامرة.. وعيون الأبناء تلاحق والدتهم لترى ماذا تحمل من أصناف الطعام وألوان الشراب؟!

لم يبق إلا ثوان.. غسلت الأيدي وشمرت السواعد.. ثم ارتفع صوت المؤذن يعلن رحيل اليوم العاشر من أيام الشهر المباركة.

أسرع الجميع يتسابقون فلا تسمع إلا أصوات الأيدي تلامس الأطباق!!

قطع السكون صوت جرس الباب.. وعلامات الاستفهام في العيون.. من يطرق في مثل هذا الوقت؟!

أسرع أحد الأبناء ممن لم يصم إلا نصف النهار أو أقل.. وسأل: من بالباب؟!

جاء الصوت وقد أضعفه الجوع ولفه الحياء.. أنا فلانة جارتكم!!

هرول مسرعًا إلى أمه ليخبرها.. مفاجأة تجمع أطراف الخوف!!

ماذا أتى بها في هذا الوقت؟! هل حدث مكروه لها أو لأحد أبنائها؟!

تذكرت أن زوجها غائب منذ فترة طويلة!!

فتحت الباب .. ورحبت بالجارة وسألتها.. خيرًا إن شاء الله.. ما بك؟!

طأطأت رأسها وقالت على استحياء: نبحث عن إفطار.. عن طعام!!

أبنائي يتضاغون جوعًا.. وأنا لا أزال صائمة!!

جذبتها إلى الداخل .. تفضلي..

خرج الزوج لصلاة المغرب مع الجماعة وحانت منه التفاتة ليرى منزل جارتهم.. فإذا به لا يفصل بين الجوع والشبع.. والنعمة والفقر.. سوى جدار واحد.. ثم سأل نفسه: هذه جارتنا لم تأت إلا من حاجة.. كيف لا نتفقدها؟! لم نسأل عنها؟! لم نزرها؟!

سأل نفسه: لماذا لم تطرق سوى بابنا؟! هل لأننا أقرب البيوت لبيتها؟! أم لأننا من بلد آخر وتخشى أن يعرف قومها وأهلها ما بها من الحاجة والعوز؟!

أختي..

هناك كثير مثل هذه الأسرة.. بيوت متعففة لا يعلم من أين تأكل وتشرب؟

ألا نخاف من العقوبة الإلهية ونحن ننام وجارنا المسلم جائع وقريبنا مهموم وأختنا في أمس الحاجة؟!

حدثني قريب لنا ذهب لإجراء بحث في إحدى الجمعيات الخيرية أنه وجد أسماء عوائل معروفة يأخذ أبناء عمومتهم وأقاربهم الصدقات والتبرعات من الجمعية.. وذكر اسم أكثر من عائلة يكفي ما لدى أغنيائهم من زكاة عام واحد أن تعف أسر أقاربهم طوال حياتهم.

أختي المسلمة:

والمادة تضرب بسهامها في قلوبنا نخشى أن يتحول مجتمعنا المسلم إلى مجتمع مادي لا يعرف الأخ أخاه، ولا القريب قريبه.. ولا الجار جاره.

إذا لم نبحث عنهم ونعرفهم في وقت الشدة والكربة فمتى نبحث عنهم؟!

إذا ابتسمت لهم الدنيا وأرسل الله لهم الخيرات؟! آنذاك نعرفهم!!

لا يا أخية: حولك أيتام.. وقربك أرامل.. وتحت عينيك محتاجين.

تفقدي أمرهم وسدي حاجتهم.. ربما بدعوة منهم لا تشقين أبدًا.

ما بعد العثرة:

قال شقيق بن إبراهيم: بينما نحن ذات يوم عند إبراهيم بن أدهم إذ مر رجل فقال إبراهيم: أليس هذا فلان؟

فقيل: نعم، فقال لرجل أدركه، فقل له: قال لك إبراهيم لم لم تسلم؟

فقال له، فقال: والله إن امرأتي وضعت وليس عندي شيء، فخرجت شبه المجنون، قال: فرجعت إلى إبراهيم فقلت له، فقال: إنا لله.. كيف غفلنا عن صاحبنا حتى نزل به هذا الأمر؟

وقال: يا فلان ائت صاحب البستان فتسلف منه دينارين فادخل السوق فاشتر له ما يصلحه بدينار وادفع الدينار الآخر إليه، فدخلت السوق فأوقرت([1]) بدينار من كل شيء وتوجهت إليه فدققت الباب، فقالت امرأته: من هذا؟ قلت: أنا أردت فلانًا، فقالت: ليس هو هاهنا، قلت: فمري بفتح الباب وتنحي.

قال: ففتحت الباب، فأدخلنا ما على البعير وألقيته في صحن الدار وناولتها الدينار، فقالت: على يدي من بعث هذا؟ فقلت: قولي على يد أخيك إبراهيم بن أدهم، فقالت: اللهم لا تنس هذا اليوم لإبراهيم. [صفة الصفوة: 4/155].


العثرة الثانية

لا تسعني الدنيا ... ولا أخبئ فرحتي.. أخفيت ابتسامة عريضة يلونها الخجل وأنا أسمع أعز صديقاتي تحدثني عن أخيها.. يريدك زوجة له!!

قلت في نفسي: متى يجتمع لي أعز صديقة.. وزوجي أخ لها.

أثنت على خلقه وعلى أدبه.. وقالت وهي تضحك: ستعيشين كأميرة في القرون الوسطى..

سيحملك على كفوف الراحة.. وسيغدق عليك أنهار المحبة..

تسارعت الأحداث.. والفرحة أعمت البصر والبصيرة.. لم أسأل عن شيء.. ولا حتى المهر.. ولا أين سأسكن؟!

ولم ندقق في عمله.. وأين يعمل؟!

يكفي أنه أخ لأعز صديقة وأغلى أخت.. بدأت أرسم معها تصميم الفساتين واستشيرها في ألوان الأقمشة.. وحتى الذهب سألتها عنه.. بل حتى أثاث المطبخ.. بل سألتها عن ما يحب وما يكره.. وما هي أغلى هدية تقدم له؟!

والدلي.. أصابه ذهول من تصميمي وحرصي على هذا الزوج.. وكلما رآني دعا لي بالتوفيق.. فأنا وحيدته من البنات.

اختار أفضل الأماكن وأغلى الفنادق.. واحتار في هديته التي سيقدمها إليَّ..

أما أنا فحلم عشته في الليل والنهار.. عاطفة هوجاء تحركني.. تقتلع جذور التفكير من قلبي.. مندفعة في تصرفاتي وفي حديثي عنه.. وعن أخته..

وفي ليلة الزواج.. وعيني لا تستقر من الفرح.. بدأت ألمحه عن قرب وقلبي يحدثه بما فيه من المحبة..

ولكن بدأت رويدًا رويدًا.. أرى الحلم كابوسًا.. والفرحة دمعة.. والسعادة وهمًا...

تطغى عليه الهواجس.. ويبدو مهمومًا.. ويسهر كثيرًا.. وتقلب عينيه بدأ يخيفني!!

في داخلي صوت يرتفع.. وأنا أرى زميلتي .. تقول.. لا تدققي.. ولا تفكري.. يكفي أنه أخي!!

ولكني يومًا.. فكرت.. لم أتزوج زميلتي.. بل تزوجته..

رفعت سماعة الهاتف.. فإذا صوت أبي يطير من الفرح.. ولكن أتاه صوتي المتعب.. ونبراتي المجهدة..

لا أريده إنه مدمن مخدرات!!

كيف.. ؟ صوت أبي القوي.. بدأ ينهار وهو يقول.. أين أنت الآن؟!

أيام فإذا السعادة وهم.. وإذا الفرح غم.

وإذا بي أقول.. كيف ترضين يا صديقتي -السابقة- أن تكذبي عليّ؟!

لو تقدم لك أترضين؟!.. كيف تخدعينني؟!

أختي المسلمة: كثيرات يخطبن لأقاربهن أو إخوانهن يسبغن المدح والثناء والصفات الحميدة!! وأنه .. وأنه!! وهي كلها أو بعضها كلمات كاذبة وعبارات خاطئة.. تضلل المسكينة وأهلها..

أختي المسلمة: لو كذب عليك طفل صغير لتضايقت من كذبه وسوء تربيته..

ما بالك تكذبين على الناس؟! وهل ترضين ذلك لابنتك؟ هل تقبلينه لمسلمة!!

ما بعد العثرة:

جاءت أخت الربيع بن خثيم إلى بني له، فانكبت عليه، فقالت: كيف أنت يا بني؟ فقال الربيع: أرضعتيه؟ قالت: لا، قال: ما عليك لو قلت يا ابن أخي، فصدقت!!

[كتاب الصمت: 255].


العثرة الثالثة

أختي.. كاميرات تليفزيونية مسلطة عليك في كل مكان.. تبث حديثك وهمسك مع زوجك.. بل وهمومك وآلامك .. وطموحك وفرحك.. بل أن هذه الكاميرات تنقل أدق التفاصيل في مخدعك مع زوجك.

هذه الكاميرات التليفزيونية تنقل هذا كله إلى آذان المستمعين.. ولكن عبر لسانك أنت!!

بعض النساء خاصة حديثات عهد بالزواج، لا تحلو المجالس لهن حتى وإن كان الحديث لأقرب القريبات وأخص الصديقات إلا بالحديث عن الزوج.

قال لي وقلت له.. وأخبرني وأخبرته.. واشترى لي قطعة ذهب بكذا.. وأسورة بكذا.. وذهب بي إلى المكان الفلاني ويريد أن يذهب بي إلى المكان العلاني!!

ثم ينطلق لسانها بضحكة ممجوجة.. تعدد كلمات المحبة التي بثها إليها وعبارات اللطف والود معها وتختم الضحكة بقولها: إنه لن يصبر عني دقيقة واحدة!!

وفي مجلس آخر تتحدث عن نومه وعلى أي جنب ينام.. وكيف يتقلب في نومه.. أدق التفاصيل.. وأوضح الأوصاف!!

وتسترجع شريط الزواج وكيف واجهتها تلك المشكلة.. وكيف تصرفت وماذا عملت .. وماذا قال.. و..

ثم تأتي الضحكات ممن يستمعن طربًا.. ومن قلة عقلها يسخرن عجبًا..

وبعض الزوجات -ممن يستظرفن أنفسهن- تطلق لسانها بضحكات متتالية تروي مواقف مع زوجها لا يجوز بثها شرعًا.. ولا ذوقًا!!

وهناك من تطلق لسانها في تعداد مزايا وصفات زوجها.. وأخرى عيوبه ومساوئه.. وكلا الأمرين مذموم.. غيبة أو نميمة أو حديث لا فائدة من ورائه.. أو حتى إن كان زوجك صاحب عمل أخلص فيه لله ولا يرغب في معرفة أحد به لماذا تهتكين ستره.. وتكدرين إخلاصه..

أختي: حديث خص أذنيك به.. لماذا أطلقت لسانك به.. ثم انظري إلى من أعرنك آذانهن إنهن إحدى امرأتين: إحداهن فرحة مستبشرة بالسعادة لهذه المتزوجة ولكنها في داخل نفسها تتمنى هذا الزوج لابنتها أو أختها أو قريبتها..

وأخرى تقيس الأمر على زوجها وتردد في نفسها.. ما سمعت كلمة طيبة، ولا رأيت لحظة سعيدة.. ولا أعرف همسًا يطرف الأذن بل صراخًا ونكدًا.

فتكوني -أختي- بحديثك وسيلة هدم ومعول فساد لهذه البيوت.

أختي الشابة: بثثت سرك وسر زوجك إلى من لا يقدم لك شيئًا ولا يؤخر.. بل ربما تكوني في أعينهن صاحبة نعمة يحسدنك عليها وتصيبك سهام عيونهن.. والأذن تسمع كثيرًا من ذلك..

كما أنك ستكونين أنت وزوجك حديث المجالس فيروى حديثك عند زوج فلانة التي سمعت الحديث وتصبحين في المجالس حكاية تروى وقصة تحكى.. وماذا قلت وماذا قال؟!

وهذا ليس حديث المرأة المسلمة التي تريد أن تحافظ على زوجها وعلى نعمة ربها.

أختي المسلمة: ما يجري في ليلتك الأولى أو شهرك الأول من طرائف وأحاديث يصل إلى بيوت كثيرة وتسمعه آذان الرجال وتتحدث به ألسنة النساء!!

هل تقبلين بذلك وترضين بهذا؟!

ستقولين لا.. وألف لا..

أختي.. من أخبرهن؟!

إنها الكاميرات التليفزيونية التي في منزلك.

تحدثين قريبتك أو أخص صديقاتك وهي تحدث أختها أو زوجها.. وتستمر الرواية ويتسلسل الحديث ليدخل بيوتًا كثيرة..

هل ترضين بذلك؟!

أمسكي عليك لسانك!!

ما بعد العثرة:

قال عطاء بن رباح: إن من كان قبلكم كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد منها، أتنكرون أن عليكم حافظين، كرامًا كاتبين، عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، أما يستحيي أحدكم لو نشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره، وليس فيها شيء من أمر آخرته؟! [السير: 5/86].


العثرة الرابعة

بكامل زينتها.. وبغطاء خفيف تصلحه كلما سقط عن وجهها.. سارت خطوات عجلى في حديثة المنزل.. ثم نادت بصوتها «بيتر» إنه السائق!

أتى مسرعًا يظهر الذل والخضوع بين يديها.. ووقف على بعد خطوات منها.. ماذا تطلبين؟! ماذا تريدين؟!

مدت يدها ببضع ريالات نحوه.. جعلته يتقدم خطوات حتى أخذ منها المبلغ وطلبت منه شراء حليب لطفلها.. وأعادت اسم الحليب مرة أخرى.

أسرع السائق خارجًا وقفلت عائدة.. ويدها تصلح الغطاء.

يطرق الباب ابن العم.. تهب مسرعة تفتح له الباب وتصافحه .. وهي بادية الشعر والنحر.. كاشفة الوجه.. إلا من وشاح خفيف.. تتبادل الحديث معه وصوت الضحكات يتعالى .. والأسئلة تتوالى.

يستقر في وسط المنزل وتقدم له الشاي والقهوة.. حتى يأتي زوجها أو أخيها!!

طرق على الباب .. تسمع صوتًا ضعيفًا.. تسير فإذا هو أخ الزوج.. تمد يدها نحوه تصافحه.. يسأل عن أخيه؟!

إنه غير موجود.. ولكن بنت (حاتم الطائية) يغلب عليها الكرم وتصر على أن يدخل..

تتبسط معه.. والخمار يتحرك عن مكانه.. تؤانسه بالمحادثة.. فلا بد من ذلك مع الضيف ومن أولى بذلك من الحمو؟!

عباءتها على كتفها.. تغلق باب السيارة مع السائق متجهة إلى محل الخياطة.. أمامها في المحل خمسة رجال.. ولكنها لا تبالي..

ترفع غطاء وجهها .. وتظهر مفاتن جسمها.. النحر باد والصدر مفتوح.. تتحدث معه وكأنها تحدث والدتها أو جدتها.. هذا من هنا .. وهذا كذا..

وحين ألقت بكل المعلومات المطلوبة بتفصيل دقيق غطت وجهها والتفتت إلى الشارع.

لم يكن في الطريق سوى رجل واحد طاعن في السن على بعد مائة متر.. ورغم ذلك عفافًا وحياء وتدينًا غطت وجهها!!

وهي تدخل إلى محل بيع العطور.. أطلقت العنان لحاسة الشم أن تميز الأجود والأفضل.. ثم أرهفت السمع للبائع وهو يقول: هذا للسهرة.. هاتي يدك لأضع عليها عينة!! ثم هذا للحفلات!!

تتوالى الضحكات معها.. هاتي يدك الأخرى.. فهذه لن تميزي بها الروائح بعد العينات التي وضعتها..

تسلم يدها الأخرى.. ويستمر حديث الهزل وعرض العطور وشم الروائح .. وهي في دلال وغنج.. هذا يصلح.. هذا رائحته قوية.. وهذا مثير.. ثم تطلق تنهدًا.. هذا عطر هادئ!!

ناولته يدها في استسلام وهدوء.. بدأ البائع يختار لها المقاس المناسب فهو بائع ذهب ومجوهرات.. يده اليسرى تمسك بمعصمها لكي لا تتحرك اليد ويمينه تمسك بقطعة الذهب يحاول إدخالها في يدها.. ثم مرة أخرى الخاتم في أصبعها..

تتكرر التجربة.. واليد مستسلمة في دعة وحبور.

أقلقها وأقض مضجعها اختيار قطعة أخرى من القماش لكي ترسم منها لوحة تشكيلية على جسمها..

حملت القطعة الأولى وذهبت إلى السوق.. وشرحت حالتها المهمومة.. وما تعانيه من طول البحث..

قالت للبائع: اشتريت هذه القطعة وأبحث عن أخرى تناسبها..

أخذ الحماس البائع وظهر الانفعال على قسمات وجهه.. وبدأ يقلب طرفه في وجهها وجسمها.. ويركز على لون بشرتها.. وأخيرًا اهتدى إلى تلك القطعة..

هرول مسرعًا وتناولها .. ثم قدمها إليها..

قالت بصوت ضعيف تكالب عليه الحزن هذه لونها فاتح ..

قال بضحكة خبيثة: أنت لونك أبيض ويناسبك هذا اللون.. لو كنت سمراء لاخترت لك هذا.. ثم هذا النوع من القماش موضة الشابات!!

زالت الهموم.. وبانت الأسارير على وجهها.. وأظهرت الفرح بضحكة تصم الأذن..

دخلت محل بيع الملابس النسائية.. ثم أخذت تنظر يمنة ويسرة.. تقلب الطرف .. وتلمس باليد.. وتتحسس بالأصابع.. وعندما وجدت ما يناسبها أخذته إلى البائع..

بكم هذا؟!

قال: بكذا.

قالت: لا.. أنت تبيع بسعر غالٍ.. لا بد أن تخفض لنا .. نشتري منك دائمًا..

خفض مبلغًا كبيرًا.. وهي تحاول معه مرة بعد أخرى!! تلين الحديث وتستجدي البائع..

وأخيرًا ألقت بآخر أوراقها أمامه.. وهي تقول: ولأجلي بكم تبيعه؟!

يسقط الحياء وتباع العفة.. ولأجلها يوافق؟!

أصون عرضي بمالي لا أدنسه

لا بارك الله بعد العرض في المال

أختي المسلمة:

لا ترضين بجهنم يوم القيامة موطنًا.. ولا بلهيب النار متنفسًا، ما بالك تلقين نفسك فيها راضية..

ثم .. وأنت صاحبة الفطرة الطيبة.. من أمرك بالحجاب؟! إن لم يكن الله ورسوله أمرك بالحجاب فلا طاعة!!

أختي الحبيبة:

أراك تعصين رب الأرض والسموات.. إن شاء أبدل فرحك حزنًا وهمًا.. وعافيتك مرضًا وسقمًا.. وسعادتك شقاء ونكدًا..

هل تستطيعين رد ذلك؟! أم هل تملكين من الأمر شيئًا؟!

من أباح لك أن تجعلي الحجاب قسمين.. فئة من الرجال يحل لهم رؤية الوجه والشعر والنحر -وهم أجانب- وآخرين لا يحل لهم ذلك؟!

أختي المسلمة:

لن يقف معك السائق يوم القيامة.. ولا البائع .. لا ولا ابنك ولا زوجك!!

ستقفين وحيدة ذليلة.. أرهقتك الذنوب والمعاصي وكبلتك الخطايا والعثرات.. تنظرين يمنة فلا ترين إلا روح وريحان وجنة نعيم..

وتنظرين يسرة فلا ترين إلا لهب جهنم ودخانها وفحيح عقاربها ودوابها..

ألا فاختاري!!

حدثني قريب لنا أن امرأة عجوزًا طاعنة في السن.. أصابها ألم في أذنها.. -وألم الأذن شديد لا يطاق- ولما أتي بالطبيب على رفض منها.. وعدم موافقة.. وأصبحت أمام الأمر الواقع.. أخرجت أذنها وغطت باقي وجهها كاملاً.. فلم يظهر إلا الأذن فقط.

تعجب الطبيب من فعلها واستغرب صنيعها وقال: يا أمي.. أنا طبيب.. اكشفي عن وجهك..

قالت له وهي واثقة من طاعة ربها: أنت لا تريد إلا أذني.. أخرجتها لك!!

ما بعد العثرة:

قال حاتم الأصم: من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار فهو مغتر لا يأمن الشقاء:

الأول: خطر يوم الميثاق حين قال: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي». فلا يعلم في أي الفريقين كان؟!

الثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث.. فنادى الملك بالشقاوة والسعادة، ولا يدري أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟!

الثالث: ذكر هول المطلع.. فلا يدري أيبشر برضا الله أم بسخطه؟!

الرابع: يوم يصدر الناس أشتاتًا فلا يدري أي الطريقين يسلك به؟!

[جامع العلوم والحكم: 71]


العثرة الخامسة

ترقب الفتاة فارس الأحلام بعين يرتسم الأمل فيها.. تحيط به غشاوة من المثاليات.. بعيدًا عن الواقع والمشاهد.. فتتخيل الخيالات وتتمنى الأمنيات.. وتبلغ بها الأحلام الوردية عنان السماء.. فتسير فوق غمامة بيضاء.

كلما تقدم لها خاطب تراجعت.. لم تكتمل الشروط!! هذا فيه كذا!! وهذا ينقصه كذا!!

ويتقدم لها من يرتضى في دينه وخلقه.. ولكنها تعيده كسير الخاطر.. مهموم النفس.. لقلة ذات اليد.. أو لنقص في تعليمه أو لزيادة سنتيمترات في طوله!!

وتستمر في الرفض .. ترد حاضرًا وتحلم بغائب!! ويسير بها قطار العمر يأخذ أيامها ويسري بلياليها..

تفيق فإذا بمن في سنها قد أنجبن.. وأصبحن ربات بيوت وأمهات أطفال.. وهي لا تزال عند رأيها.. باقية عند شروطها.. مصرة على مطالبها!!

سنوات تمر.. ويتحول الربيع إلى خريف.. والنضارة شحوب.. فإذا سيل من التنازلات يقبل.. فترضى بمن هو أقل دينًا وخلقًا وتعليمًا.. وسنوات أخر.. فإذا بها تتنازل عن أمور أكبر.

وما ذاك كله إلا أنها في أول الأمر لم تطع حديث الرسول ﷺ‬: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه».

والرسول -أختي الكريمة- جمع لك في هذين الشرطين أهم مقومات الحياة الزوجية السعيدة.. الدين والخلق.. وهما أمران متلازمان لتكوين حياة مستقرة.. ترفرف السعادة فوقها.. وتنثر المودة عطرها..

وسبرت حلم فتاة الأحلام.. فوجدت أن جميع الشباب في مرحلة الزواج أحوالهم المادية متقاربة ومراتبهم الوظيفية متدانية.

لم يتقدم شاب لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره يملك ملايين الريالات أو بمرتبة وزير. بل غالب الشباب يقدم على الزواج وهو طالب لا يملك من حطام الدنيا شيئًا .. ولا ضير في ذلك.. ولم نسمع أن طالبًا تزوج ومات من الجوع هو وزوجته.. بل أنها ربما كانت مشجعة ومساعدة له في إتمام دراسته.

وأمثلة الواقع في هذا كثيرة مشاهدة.. والبعض يؤكد أن من أسعد سنوات زواجه هي سنوات التحصيل بجوار زوجته.. تعينه وتشد أزره.

بقي -أختي الحبيبة- أن يكون الأمر واقعًا في نظرك.. بعيدًا عن الأحلام.. فلا تبحثي عن المظاهر البراقة.. ولا تجري خلف سراب المادة..

إذا جاءك من ترضين دينه وخلقه.. فلا تترددي..

ستبنين معه طريق الحياة.. وتسيرين وإياه

لا تترددي لقلة ماله أو جاهه..

كثيرات جمعن المال.. ولبسن الذهب.. ولكنهن لم يرين السعادة .. ولم يلبسن المودة..

ألبسك الله لباس التقوى .. وبلغ نفسك ما ترضى..

ما بعد العثرة:

روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنها قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه وناضحه، فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته وأسوسه، وأدق النوى لناضحه، وأعلفه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن، وكنت أنقل النوى على رأسي من ثلثي فرسخ، حتى أرسل إليَّ أبو بكر بجارية فكفاني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني!! [الإحياء: 2/67].


العثرة السادسة

احتدم الأمر وارتفعت الأصوات وتبعها نحيب وبكاء.. ثم سكن كل شيء.. فإذا بها قد طلقت!!

أحداث متلاحقة.. وأصوات متداخلة.. ثم أعقبها صحوة العقل.. وسكون الندم..

أختي المسلمة:

لكل إنسان رجل أو امرأة عيب وفي كل مخلوق نقص.. والمرأة المسلمة العاقلة تعامل كل إنسان على هذا المبدأ.. وزوجها أول الناقصين.. فهي لم تتزوج رجلاً كاملاً -ولا يوجد أحد كذلك- بل الكمال لله وحده..

ولكنها بفطنتها وذكائها تتلمس مواضع الغضب والانفعال فتتجنبها.. وتبصر أرض المحبة والمودة فتسير إليها..

الزوج كالطفل الصغير .. يضحك ويبكي.. يصرخ ويغضب.. لكن النتيجة مختلفة.. فالطفل انفعالات لا يبقى لها أثر.. أما الزوج فربما كانت كلمته هدم للأسرة وتفريق للشمل..

أختي:

المرأة المسلمة تحتسب لوجه الله كل عمل تقوم به في منزلها سواء لزوجها أو لأطفالها.. وبتوفيق من الله وبهدوء أعصابها تستطيع أن تجعل من الرجل الذي أمامها يسير في اتجاه ترسمه بمحبتها .. وتجمله بابتسامتها..

الكلمة الحلوة تسبقها.. والمحبة الصادقة تتقدمها..

هناك الكثيرات .. بسبب فهم خاطئ أو تصور ناقص يأخذها العجب والكبرياء وتدعي أن لها كذا وكذا.. ويجب أن تكون كذا وكذا..

لا شك -أختي- بوجود حقوق لك وحقوق عليك.. ولكن لو نظرت قليلاً بعين امرأة مسلمة عاقلة.. أن الصبر له ثمن وثمنه الجنة.. لاحتسبت عند الله ما تكرهينه إذا كنت تطيقين ذلك.

ثم بطوعك واختيارك.. لو تنازلت عن بعض ما تحبين .. وتنازل هو كذلك عن بعض ما يحب .. لسارت سفينة الأسرة على بحور من الأمن والطمأنينة.

الرجل -أختي- له نفحات سعادة ولحظات استرخاء .. لك أن تختاري منها الوقت المناسب وتعرضين عليه ما تحبين وما تكرهين بأسلوب لبق وكلمة طيبة يسبقها إظهار للمحبة وتعداد للمحاسن وفرح بالسعادة.. فربما كان من كرام الرجال لكنه غافل عن الأمر.. وربما أخذت الدنيا من وقته فلم يتفرغ لما تحبين ولم يعثر على ما تطلبين؟

دعيه يسمع منك وأنت تعطرين الكلمة الحلوة بهمسة حانية.. وابتسامة مشرقة..

دعيه يسمع.. ولا تنتظري الجواب.. يكفي منك مجرد عرض الأمر عليه.

أختي: سيفاجئني صوتك وأنت ترددين.. هذا ضعف وتنازل.. بل هذا إهدار لكرامة المرأة.. بل هذا .. وهذا؟!!

اهدئي أخية.. إني سائلك .. لو كان هذا النقص فيك أنت -وكل فيه نصيب من ذلك- وطلب منك بصوت مرتفع وصراخ مرتفع.. فيه من القسوة والغلظة الشيء الكثير هل ترضين ذلك؟!

أم إذا أتتك كلمات طيبة وثناء على حسن خلقك وتفقدك لما يحب.. ثم أردف -جمعك الله وإياه في جنات عدن- ولكنك تنسين .. كذا.. وتغفلين عن كذا..

أختي المسلمة:

ما تحبين لنفسك انظريه في غيرك وقدميه لهم. ومن أولى من زوجك بهذا؟!

ما بعد العثرة:

روي أنه جاء رجل إلى عمر يشكو إليه خلق زوجته، فوقف ببابه ينتظره، فسمع امرأته تستطيل عليه بلسانها وهو ساكت لا يرد عليها، فانصرف الرجل قائلاً:

إذا كان هذا حال أمير المؤمنين فكيف حالي؟!

فخرج عمر، فرآه موليًا، فناده: ما حاجتك؟

فقال: يا أمير المؤمنين، جئت أشكو إليك خلق زوجتي واستطالتها عليّ، فسمعت زوجتك كذلك، فرجعت وقلت: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته فكيف حالي؟

فقال عمر: تحملتها لحقوق لها عليّ.

[أخبار عمر: علي وناجي الطنطاوي]


العثرة السابعة

تنفست الصعداء وهي تغلق باب السيارة بجوار زوجها.. لم تدعه يكمل سؤاله عن أقاربه..

قالت: كأنني في امتحان شفهي!!

أتيت زائرة مسلمة.. فإذا بالسهام تنطلق نحوي.. أسئلة متلاحقة.. واستجواب متصل.. هذا كيف؟ وهذا ما هو؟ وأنت أين تدرسين ومن يدرس معك.. وما أسماء زميلاتك؟

ومن أين اشتريت هذا الفستان وبكم؟ وهل خفض لك البائع أم لا؟ ومن دفع الثمن؟

لم أجد لحظة التقط الأنفاس فيها.. كأفواه المدافع مصوبة نحوي.. ثلاثة مدافع.. ما إن تهدأ الأولى حتى تتبعها الثانية.. ثم الصغرى منهن!!

قدموا لي شايًا ولكنه أخذ بحظه من البرودة.. لانشغالي بالإجابة والتوضيح..

أختي:

بعض النساء .. وحتى الرجال.. يرون أن معرفة خصوصيات الناس من الفراسة والنبوغ.. ولو سألته في أمر عام لتهرب.. قلة أدب وسوء صنيع!!

من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.. وما يهمك إن علمت أو لم تعلمي.. وما دخلك بأشيائها الخاصة.. وسبر أغوارها.. يكفي حديث السلام والسؤال العام ويكفي عن الأسئلة حديث المؤانسة وتطييب الخاطر.

أما أن تكون المجالس مجالس تتتابع فيها الأسئلة وتتلاحق فيها الاستفسارات.. فهذا أمر لا يطاق.. وربما كان فيه تنفير عن تتابع الزيارات وفقدان الألفة والمحبة..

أختي المسلمة:

ضعي نفسك مكانها .. لو بادلتك الأسئلة.. لربما تهربين بجواب عام أو تكذبين أو تقاطعين السؤال وتظهرين التضايق والامتعاض!!

من حسن الأدب وإكرام الضيف.. مراعاة خاطره وعدم إحراجه..

ولكن هناك اليوم كثيرًا من النساء تعودت ألسنتهن على كثرة الأسئلة.. والتعمق في الاستفسار.. أسئلة دقيقة.. لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا سألت عنها!!

أختي: ما تفعلينه من تتبع الناس ومعرفة خواص أمورهم هو إشغال للذهن وإثارة للهم والغم.. فإن من راقب الناس مات هما.

لك سنوات تسألين وتستقصين.. بماذا خرجت .. وماذا استفدت؟!

ما بعد العثرة:

قال رجل من بني تميم: جالست الربيع بن خثيم عشر سنوات فما سمعته يسأل عن شيء من أمور الدنيا إلا مرتين، قال مرة: والدتك حية؟ وقال مرة: كم لكم مسجدًا. [حلية الأولياء: 2/110].


العثرة الثامنة

في زاوية من زوايا المدرسة.. بعيدًا عن مسامع الأخريات يبدأ همس الحديث وهي مستمعة..

أحداهن قالت.. إنه يحبني.. ويريد أن يتزوجني.. وأخرجت من حقيبتها هدية صغيرة.. هذه منه!!

وتحدثت الأخرى عن غضبه وغيرته عليها.. وسؤاله.. كيف تذهبين للسوق بمفردك؟!

أما هي فمستمعة تستعذب الحديث وتستعجب الفعل!! ثم بدأت معهن تذوب في تلك المستنقعات وتضيع في تلك المتاهات.. واتفقت الاثنتان ووجهتا الحديث نحوها.. نبحث لك عن «صديق».. تحادثينه بالهاتف.. تحبينه ويحبك!!؟

تطردين الملل والسأم من حياتك.. فقط مكالمة .. حديث لا يتجاوز الهاتف!!

أيام فإذا هي تعاني من الهموم ساعة ومن الأماني والفرح ساعة أخرى..

بدأ سيل الهواجس والخواطر ينحدر بتفكيرها ولاحظت مدرستها ذلك.. وسألتها: ما بك؟!

ولكنها بررت ذلك بأمر في منزلها.. ومشاكل في أسرتها.. أيام فإذا قلبها معلق بالشاب.. ما قال فعلت.. وما أمر أتت. وما نهى تركت..

أقل من شهر وإذا به قد رآها مرتين عن بعد.. ثم طلب المزيد!!

رجعت يومًا إلى عقلها ووثبت إلى رشدها.. فإذا بجهاز التسجيل يهددها.. والصور تفضحها.. ماذا تفعل وهو يهدد بالفضيحة وينذر بالعار..

إذا لم أرك أرسلتها لوالدك!! وهي تبكي كالطفلة وتترجى عواطفه وتخوفه بالله..

ولكنه يقول لها: لا تلوميني في أي تصرف فأنا محب ولا أصبر عنك. ولدي الاستعداد لعمل أي شيء في سبيل قربك.. إني أحبك!!

أصوات الذائب تعوي في ليل العفة والحياء.. انقلب الحمل المحب الوديع إلى ذئب مفترس ينهش بأنيابه امرأة مسلمة ويطوق بخسته رقاب الفضيلة!!

أختي الحبيبة:

أرأيت ذل المعصية وهوان العاصي.. كل حين تسمعين مثل هذا وأشد.. بل إن بعضهن قتلن بسبب مكالمة هاتفية..

وسمعت بأذني أن إحداهن استعدى عليها «من أسلمت زمامها له» ثلاثة رجال من رفقائه لفعل الفاحشة بها.. وهددها بالفضيحة إن لم تقبل!!

أختي المسلمة:

منزلق المكالمات الهاتفية -القاتلة- منزلق خطير وهاوية لا قرار لها.. فمن إضاعة الوقت وإشغال النفس إلى انتشار الاسم بين الناس والفضيحة بين المسلمين.

وليت الأمر مقصور على ذلك على سوءه فحسب بل هذا بعض ما ينالها في الدنيا.. وهناك في الآخرة الجزاء والحساب..

أيتها الأم المسلمة: ابنتك سواء كبرت في السن أو لا تزال في سن المراهقة يجب أن تحاط بالعناية والتوجيه..

هذا رسول الله ﷺ‬ يسأل يومًا ابنته فاطمة رضي الله عنها زوجة علي بن أبي طالب بقوله: «من أين أقبلت؟» لم تغضب رضي الله عنها وهي أم كبيرة في السن عاقلة في التصرف.. ولم تقل ما شأنه.. يتدخل في شئوني؟ بل قالت: «أتيت من أهل ذاك البيت أعزيهم».

أختي المسلمة:

ما يضيرك لو تفقدت ابنتك وأختك وصديقتك.. لماذا نفسر النصيحة والتوجيه أنه تدخل في الخصوصيات.. وأنه تضييق على البنات.. وشك في تصرفاتهن؟!

كوني قريبة منها.. دعيها تبث همومها ومشاكلها لك خير من أن تبحث عن غيرك.. دعيها تحكي أمانيها وترسم أحلامها وأنت تسمعين.. كوني لها الأم والصديقة والأخت..

أختي الحبيبة:

قال الله -جل وعلا-: }وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا{ لو تأملت الآية لوجدت أن الله -جل وعلا- يحذر من القرب من دواعي الزنا ومن وسائله وحبائله ولم يقل سبحانه (ولا تزنوا).. لأن الزنا لا يقع فجأة.. بل له مقدمات وإرهاصات.. ولا شك أن من أشد وسائله وأسهل حبائله المكالمات الهاتفية.

ما بعد العثرة:

روي أن النبي ﷺ‬ لما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر قاعد أسفل منه، يبايعهن بأمره، ويبلغهن عنه، فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة خوفًا من رسول الله ﷺ‬ أن يعرفها، لما صنعت بحمزة، فقال رسول الله ﷺ‬: «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئًا». فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئًا، فقال رسول الله ﷺ‬: «ولا تسرقن» فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أنا أصبت من ماله هنات؟ فقال أبو سفيان: وما أصبت فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ‬ وعرفها، فقال: وإنك لهند؟ قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك.

فقال: ولا يزنين.

فقالت: أوتزني الحرة يا رسول الله؟ [الحديث].


العثرة التاسعة

إنصات عجيب في المجلس.. إحداهن فاغرة فاها والأخرى وضعت يدًا على يد.. والثالثة تقدمت بوجهها إلى الأمام..

جميع الحاضرات يشتركن في الحرص الشديد على أن لا يفوتهن شيء مما تذكره المتحدثة.. التي أتمت حديثها بشواهد عدة فقالت:

فلانة ذهبت له والحمد لله شفيت مما بها.. وفلانة زوجها لا يطيقها.. الآن لا يستطيع فراقها.. وفلانة التي.. وفلانة..

وعندما انتهى حديثها.. سألن بصوت واحد: أين مكانه؟! وكيف نصل إليه؟!

وبدأت كل واحدة تحكي ما بها..

قالت إحداهن: ظهري لا أنام منه الليل.. والأخرى شكت ألمًا في قدميها.. أما المرأة الكبيرة فقالت: حظ ابنتي تعيس.. دائمًا في مشاكل هي وزوجها.. مسكينة.. ثم ترحمت عليها وأردفت ربما أنه وضع شيء بينهما؟!

أسبوع فإذا الحي قد شد عصا الترحال إليه.. من كان يؤلمها ظهرها.. تحول الألم إلى بوح لكل ما في قلبها.. زوجها لا يريدها.. تريده أن يحبها.. ولا يتزوج عليها!!

من تزوجت من شهر أو من سنة ولم تحمل.. تريد الإنجاب .. بحثت عن الطريق .. فاتجهت إليه؟!

صور عجيبة ومطالب مختلفة..

أسبوع آخر فإذا مدرسات وطالبات الحي قد نقلن الأمر إلى الجامعة والمدرسة فتقاطرت عليه أخريات كل منهم تريد أن ترى حظها وبختها!!

أختي: أما سمعت عن هذا!! أما حدثتك امرأة بهذا!!

قبل هذا كله أين العقيدة الصحيحة.. وكيف تغرس في النفوس؟ كيف يهون الأمر ويسهل الذهاب؟ بل كيف تتحول مجالس المسلمات إلى ذكر هذه الموبقات؟!

الكثيرات يطرقن تلك الأبواب أكثر مما يطرقن أبواب المستشفيات!! أما قراءة القرآن وهي الرقية الشرعية فالكثيرات لا يتذكرون ذلك!!

بل إن النادرات الموفقات هن اللاتي يحافظن على أورادهن من القرآن في الصباح والمساء!!

بل علمت أن بعض النساء يزرن هؤلاء المشعوذين كل شهر أو شهرين.. يرين ما استجد ويسمعن ما ظهر!!

أين العقيدة الصحيحة.. وأين التوحيد.. أين هؤلاء النساء من حديث الرسول ﷺ‬: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد».

ما بعد العثرة:

قال الحسن رضي الله عنه: ما ضربت ببصري ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي، حتى أنظر أعلى طاعة أو على معصية؟ فإن كانت طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت. [جامع العلوم والحكم].


العثرة العاشرة

تثاقلت بوالدي الأيام.. وبدأ المرض يوهن جسمه النحيل.. حتى ساقه إلى الموت..

منذ أن توفي وقوافل المعزين تتقاطر.. هناك من نعرفه والكثير لا نعرفهم.. هذه هي صورة المجتمع المسلم.. مجتمع تواد ورحمة.. ومن أحوج من المصاب إلى لمسة حانية وتعزية صادقة؟! تطيب بها نفسه ويهدأ لها خاطره.

في تلك الأيام التي امتلأت بالأحزان وفاضت بالدموع ونحن أطفال صغار حولها.. كانت والدتي تخفي الدمعة خشية أن نراها.. على الرغم من محبتها وعاطفتها نحو والدي.. إلا أنها آثرت أن لا تعين الحزن على البقاء والدمعة على السقوط.

هاتفنا أخي المسافر للدراسة .. وأطال الحديث مع والدتي وأصر على أن يأتي وقال لها: ليس عندكم أحد .. وأخي الآخر صغير السن..

ولكن صوت والدتي تحول إلى قوة صوت رجل قارب الأربعين من عمره مكتمل الصحة والنشاط لا أثر للحزن فيه.. وليس هناك مكان لدمعة في عينه.. يجب أن تبقى وتتم تعليمك .. يجب أن تنهي دراستك..

وعندما سمع أخي تلك القوة تدفعه إلى ساحات العلم قال لها: سآتي هذه الأيام فقط.

قالت: هذه الأيام انتهت لا تأتي!!

بعد أن انقطع صوت أخي.. خطت والدتي إلى غرفتها خطوات أضعفتها السنين وأرهقتها المصيبة..

هناك .. تحولت تلك القوة إلى ضعف.. وذلك البأس إلى دموع..

أسمع نشيجها خلف الباب يصل إلى مسامعي كصوت إنسان مخنوق.. وهي تحاول أن لا يرتفع البكاء.. ولا يسمع الصوت.

تتابع بكاؤها .. وبكيت لحالها..

زوج أمي في القبر.. وابن في أقصى الأرض وحولها أطفال صغار..

لم يصبها الضعف ولم ينل منها الوهن.. رغم أنها كانت كذلك في داخل نفسها.. ولكنها آثرت أبنائها وأخفت الدمعة.. دفعت بأخي إلى ساحات الرجال..

سنوات قليلة فإذا بوالدتي تدفن بجوار أبي.. وشهور بعدها فإذا بأخي قادم يحمل شهادته بيده.. وعندما قدم يحمل ذلك الفرح.. فقد ذلك الحنين ولم ير تلك الأم..

أختي المسلمة:

الكثيرات الآن من الأمهات توصي ابنها أن لا يجهد نفسه في الدراسة أو العمل. وكأن الأمة بحاجة إلى الضعف والوهن.. لم تر أن الأمة بحاجة إلى الرجال!!

أختي.. هؤلاء الرجال من أين يقبلون؟! ومن أي البيوت يخرجون؟!

إنهم يسيرون عبر عين الأم.. وخلف توجيهاتها منذ أن كانوا صغارًا..

تشاركين -أختي المسلمة- في وضع لبنة في المجتمع وتستقبلين أيامك وترين كيف حال هذه اللبنة؟! وأين مكانها في ذلك البناء؟! وهل هي عامل ضعف وثغرة يدخل منها إلى الإسلام؟! أم هي ركن حصين وقناة لا تلين ولا تتأثر مع مرور الأيام وتطاول السنين؟!

أختي المسلمة: أنت ترسمين مستقبل الأمة.. وتنفذيه.. هلا أريت الأمة منك خيرًا!!

ما بعد العثرة:

قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق، فقصدناها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام.

قالت: وما أنتم؟ قلنا: قوم ضالون عن الطريق، أتيناكم فأنسنا بكم..

فقالت: يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا مسحًا، فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها إلى أن رفعتها..

فقالت: أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس بابني، فوقف الراكب عليها، فقال: يا أم عقيل، أعظم الله أجرك في عقيل..

قالت: ويحك مات ابني؟ قال: نعم..

قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر.

فقالت: انزل فاقض ذمام القول، ودفعت كبشًا فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت.

فقالت يا هؤلاء: هل فيكم من أحد يحسن من كتاب الله شيئًا؟ قلت: نعم.

قالت: اقرأ علي من كتاب الله آيات أتعزى بها..

قلت: يقول الله عز وجل في كتابه: }وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{.

قالت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا، قالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات ثم قالت: «إنا لله وإنا إليه راجعون» عند الله احتسب عقيلاً، تقول ذلك ثلاثًا، اللهم إني فعلت ما أمرتني به فانجز لي ما وعدتني. [تسلية أهل المصائب: 194]


العثرة الحادية عشرة

وحرارة الشمس تلفح وجهه المتعب بعد يوم شاق من العمل المتواصل.. قابلته زوجته بابتسامة عريضة وترحيب متتابع.

لا يزال الشهر الأول للزواج يلقي ظلاله..

جلس وهو يتصبب عرقًا على كرسي في صالة المنزل..

ثم سألها: المكان حار.. لماذا لم تفتحي مكيف الصالة قبل أن آتي؟!

قالت وهي تهمس في أذنه: رفضت أمك؟ وأطعتها!!

قال بصوت هادئ لا يسمع: هذه امرأة كبيرة.. أنت تعريفين ذلك!!

فتح لها باب الشكوى والتذمر من أمه..

امرأة كبيرة.. عجوز.. لا تفهم.

وأخذ يردد على مسامعها الكلام ذاته.. وهي كل يوم تأتي بجديد.. حتى تضايق من والدته.. وبدأ يرى أن تصرفاتها هي الخطأ.. وما تفعله زوجته هو الصواب!!

من أضاء لها الضوء الأخضر وطمأنها بأنه يعرف أن هذه التصرفات غير صحيحة بل يبرر لها ذلك..

ألقى جميع التهم على والدته.. وبهمسة من زوجته فيها الكلمة الطيبة والتودد.. كانت الأم هي مصدر النكد وتكدير الحياة!!

قالت لزميلتها: أبشرك بدأ يبحث عن منزل.. نأخذ راحتنا فيه.. ثم أتبعتها بضحكة ممجوجة .. وهل أنا موكلة بعجوز؟

قرر الزوج -المسكين- الهروب من الجحيم كما قالت له زوجته..

استأجر منزلاً منفردًا وترك الأم ذات الثمانين عامًا وحيدة.. تقاسي الوحدة وينال منها الخوف..

تسآءلت أخته: أليس من البر بك أيتها الزوجة أن يبر بأمه؟ غدًا تصبحين عجوزًا.. بل ربما يجري عليك شيء من أقدار الله فتصبحين عمياء أو عرجاء.

بين عشية وضحاها تتحولين إلى امرأة مقعدة.. هل سيصبر عليك زوجك وأنت انتزعت الوفاء من قلبه انتزاعًا.. ليصد عن أمه!!

أختي: إن سار بك الزمن سنوات عديدة غدوت عجوزًا وجدة.. هل ترضين أن يفعل بك ما تفعلين بوالدته؟!

أم ربته وغذته وعلمته خمسة وعشرون عامًا أو تزيد ثم أنت في شهرين أو أقل تظهرين له الحب والمودة بشكل زائف وتقطعين علائق الرحم؟!

أية إنسانة أنت.. وأي الرجال هو؟

أنت امرأة غلبك الهوى وحب الذات.. حرمت نفسك دعوة من هذه الأم..

وهو رجل قدم عاجلاً على آجل .. من ضحى بأمه اليوم.. غدًا ربما تكون الضحية أنت؟!

أختي المسلمة: ألا تفرحين حينما يزور أقاربك ويرحب بهم ويظهر لهم مشاعر الود والمحبة.. لماذا تكرهين أعز الناس عنده.. وأقربهم إلى قلبه؟!

لقد أخطأ اليوم وربما عاد إلى صوابه غدًا وكرهك بل وأكثر من ذلك..

ستسمعيني صوتك .. لست ملزمة شرعًا بخدمتها!!

هدئي أختي من غضبك.. هذا من حسن الصنيع ومن جميل المودة.. أن تحبين ما يحب وتسهرين على راحة من يحب.. كيف وأنت تجمعين الحسنات في حسن التعامل وفي صدق الوفاء لمن تحبين؟!

سيهدأ صوتك قليلاً وأنا أرى أنك تحتسبين الأجر في عملك وخدمتك لها..

ولكن يعاودني سؤالك الآخر والدته عصبية وتثور في وجهي.. تصرخ لأتفه الأسباب!!

أختي المسلمة: كم عمرها وكم ستصبرين عليها إن كتب الله لها حياة؟!

ثم انك يومًا -إن عشت- ستكونين مثلها.. هل نتركك ونلقي بك؟!

وقبل ذلك هي امرأة مسلمة.. ألا تخدمين مسلمة؟!

أما أنت -أخي الزوج-: أمك ثم أمك ثم أمك.. لا تقدم رغبة امرأة على رغبات من أرضعتك .. وسهرت لراحتك.. وضحت لأجلك..

وزوجتك ليست ملزمة بخدمة أمك بل إن هذا من الإحسان إليها وإليك.. فلا تنهرها ولا تجبرها..

ولكن بلين الكلام وحسن الثناء تأكد أنها ستهتم بها إذا علمت أن ذلك يفرحك ويزيد من محبتك لها..

إنها -أختي المسلمة- دروب خير لمن أرادت المزيد.. وعثرات لمن استهوتها الشياطين..

ما بعد العثرة:

عن ابن عون: أن أمه نادته فأجابها، فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين.

[سير أعلام النبلاء: 1/366].


العثرة الثانية عشرة

التفتت إلى والدتها بطرف العين وهي تولي مسرعة.. أنا مشغولة .. أسمع محاضرة..

تبعتها الأم بعينين زائغتين.. ووقع أقدامها يختفي.. قامت الأم بكل صعوبة.. ومشقة.. وأدت العمل وهي مرهقة مريضة.. ويصل إلى سمعها الضعيف صوت المسجل وحديث الشيخ ينبعث من غرفة ابنتها الشابة..

تعبت من الوقوف.. استراحت على الأرض قليلاً وأنفاسها تتلاحق.. ولكنها بعزيمة وإصرار أتمت العمل.. قالت في نفسها.. محاضرة مهمة تسمعينها.. وأنا أمك العجوز لا تلبين طلبي ولا تساعدينني في حاجتي!!

مسحت الحزن وجلست في المساء مع ابنتها تحدثها كأن شيئًا لم يكن.. وفي نهاية الحديث قالت الأم: تركت لك ما تبقى من العمل.. لا تنسين أن تقومي به..

قالت الابنة وهي تنهض مسرعة: يا أمي.. لدي إعداد محاضرة غدًا في الكلية..

تنهدت الوالدة.. وقالت بصوت فيه مرارة الألم: كل يوم محاضرة.. وكل يوم شريط.. أليس لوالدتك حق؟!

فرحت أنك بدأت تسمعين الأشرطة.. ولكن فرحي لم يتم.. وسروري لم يكتمل..

طاعة أمك أولى من سماع الأشرطة ومن الإعداد للمحاضرة..

فرحتي .. يا بنية.. لم تتم!!

هرولت الابنة مسرعة بعد أن سمعت حديث والدتها وصدى الآية يملأ جوانحها: }فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا{ عادت وبيدها الأشرطة .. وقالت: هذه هنا في المطبخ، نسمعها سويًا.. ولن أتركك بعد اليوم..

طاعتك واجبة في غير معصية وبرك أتقرب به إلى الله..

أعذريني عن تقصيري وسامحيني على تفريطي.. هذا حماس الشباب.. يسير في طريق مهم ويترك الأهم.. بحسن نيته وقلة فهمه..

ومن الآن -يا والدتي- لن أتركك وحيدة أبدًا.. أبدًا..

لن تغضبي -إن شاء الله- مني بعد اليوم.. لن أدع الغير يتحدث أننا لا نبر والدينا.. سأكون الصورة الحسنة التي ترفع الرأس وتفرح الأم..

أختي المسلمة:

جعل الله لك مواطن الخير تحت نظرك.. لماذا تنظرين بعيدًا..؟!

ما بعد العثرة:

قال أبو الليث: كان بعض الصالحين لا يأمر ولده مخافة أن يعصيه في ذلك فيستوجب النار.

[البركة في فضل السعي والحركة: 97]


العثرة الثالثة عشرة

وهي في المرحلة الدراسية الثانوية.. كفراشة متحركة تنبض بالحياة والحركة.. تشارك في النشاطات المدرسية والاجتماعية.. نالت محبة الجميع.. وكسبت ود مدرساتها وصداقة زميلاتها.. تحفظهن القرآن وتعلمهن التجويد.. صاحبة طاعة وعبادة.. تصوم الأيام البيض .. ويومي الاثنين والخميس من كل أسبوع..

لا تزال شابة لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها.. ولكنها الأقدار إذا أتت والأعمال إذا انتهت .. وهل الموت يعرف العمر.. أو ينظر في تاريخ الميلاد؟!

حادث لأفراد أسرتها.. لم يمت في حادث الطريق السريع إلا هي.. ماتت مباشرة.. وتلقى الجميع النبأ كالصاعقة!!

أمس فقط كانت تتحرك معنا ونسمع صوتها ونرى جسمها.. واليوم لا يزال كرسيها في الفصل وطاولتها.. بل وبعض من أوراقها.. بل جدولها اليوم لتقرأ القرآن مجودًا على بعض الطالبات..

ماتت ولن تعود!! سافرت ولن ترجع!!

نادت المدرسة إحدى الطالبات.. اجلسي على هذا الكرسي.. لن تعود أسماء إليه!!

ترددت الطالبة وكأنها تخشى أن تأتي لتسأل عن كرسيها وطاولتها.. ولكن المدرسة أصرت والدمعة تخفيها عن طالباتها.. هل تعتقدين انها ستعود وتبعث من جديد في هذه الدنيا؟! ماتت.. هذا قضاء الله وقدره.

ولكن ماذا نقدم لها إن كنا نحبها؟! خاصة أنها توفيت وهي شابة لا ميراث لها ولا أبناء ولا تملك من الدنيا شيئًا..

تحولت تلك الكلمات إلى حركة دائبة في المدرسة.. تسامعت بها المدرسات والطالبات ونادت مدرسة العلوم الدينية.. نبني لها مسجدًا..

بدأت خطوات بناء وقف باسمها..

شهورًا فإذا بالمسجد يرتفع والبناء يكتمل.. والأذان يصدع..

أختي:

هذه هي الرفقة الصالحة والمحبة الخالصة..

إن رحلت بجسمها فلم ترحل بمحبتها وذكر الخير عنها .. هذا مثال التعاون على الطاعة والخير في الدنيا.. دعاء وتصدق وترحم..

إن زللت قومناك وإن أخطأت صوبناك وإن ظللت ناديناك..

هؤلاء هن أهل الصلاة وحفظ القرآن..

إن دعون لك فالرحمة قريبة.. وإن احتجت عونًا فالمسارعة أكيدة..

هناك في الجانب الآخر.. ماذا ترين؟!

رفيقات السوء يسعين لانحرافك .. وإضاعة وقتك..

لا تستفيدين خيرًا ولا تتعلمين علمًا.. بل تمهد لك المزالق وتسوي لك دروب الضلال.. وتغرين بالانحراف والزلات..

حذار -أختي- أنت جوهرة ثمينة وزجاجة إذا انكسرت لا يبرأ جرحها ولا يعاد سبكها..

تجنبي -حفظك الله- مواطن الشبه وصديقات السوء.. وتجهزي لأمر أنت عنه غافلة!!

ما بعد العثرة:

كان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول: وأين مثل الأخ الصالح؟ أهلك يقتسمون ميراثك ويتنعمون مما خلفت، وهو منفرد بحزنك، مهتم مما قدمت وما صرت إليه، يدعو لك في ظلمات الليل وأنت تحت أطباق الثرى. [الإحياء: 2/202].


العثرة الرابعة عشرة

حدثني أحد الإخوة الذين سافروا للدعوة في مناطق أوزبكستان وهي مناطق أفغانية متاخمة لأراضي الاتحاد السوفيتي -سابقًا- أن من أجمل ما رأى في تلك البلاد لباس المرأة المحتشم فلا يرى منها وجهًا ولا شعرًا ولا يدًا ولا رجلاً.

بل والأعجب من ذلك أن الرجل إذا أقبل من أول الطريق تقوم المرأة إذا كانت جالسة .. تفسح له الطريق وتصرف وجهها نحو الجدار حتى يمر الرجل.

أما إذا كانت تسير فإنها تتوقف وتحول وجهها نحو الجدار حتى يتجاوزها الرجل وكل ذلك سترًا وحشمة..

أتم حديثه.. وهو يرى نساء تلك القرية.. ويحكي فرحه بهذا العفاف والستر..

تألمت لحال كثير من فتياتنا.. جزء من أوقاتهن في الأسواق بل إن الكثيرات لا يتركن الذهاب للأسواق كل أسبوع وبدون حاجة تذكر..

ثم أين الاحتشام والحجاب الذي أمر الله به؟! إحداهن عباءتها على كتفها.. والأخرى تلبس لباسًا ضيقًا.. والثالثة وضعت فتحة في أسفل ثوبها يبين عن مفاتنها..

أهذا هو الحجاب؟!

ثم.. هناك مخالطة الرجال ومزاحمتهم ولين القول لهم.. هناك تعرض الفتن على القلوب فالشيطان ينصب رايته في الأسواق..

أختي:

ما الحاجة الضرورية التي سمحت للمرأة بترك بيتها والذهاب للأسواق.. لو طرقت أبوابًا أخرى لأعانها الله.. فبإمكانها الذهاب للأسواق النسائية فتشتري ما تريد دون مضايقات ولا فتن.

وحتى وإن كان المعروض فيها أقل.. فيكفي أنها مقابل ذلك تحافظ على دينها..

كما أن هناك بعض الحاجات يستطيع الزوج أو الأخ شراءها دون الحاجة إلى ذهابك للأسواق..

بل العجب -ورأيت بأم عيني- امرأة تشتري الخبز من المخبز

أختي المسلمة:

ليكن همك في هذه الدنيا المنافسة على الطاعة لا على الفساتين والحلي.. فأنت جوهرة يزينك الإيمان ويجملك العفاف..

وإن اضطررت للذهاب فعليك بالحشمة واللباس الساتر وعدم التعطر، وابتعدي عن لين القول مع البائعين..

والمرأة المسلمة إذا انتهت حاجتها خرجت مسرعة وكأنها تخرج من مكان تتخطفها السهام.. وترى أنها قد تصاب فيه بمقتل.

أختي المسلمة:

رأينا وسمعنا من لا تذهب إلى الأسواق إلا مرات معدودة في السنة ولا تلبس كل يوم جديدًا.. ولا تبحث عن الموضة والأزياء..

ولكنها في قلب زوجها تزداد حسنًا وجمالاً كل يوم.. فهي صافية النفس قريرة العين.. تبحث عن طاعة الله ثم طاعة زوجها وراحته..

بينما الأخرى تجري وتلهث غائبة عن زوجها.. ما سمعت بمحل جديد إلا هرعت له .. وما علمت بتخفيض إلا سارعت إليه.. تفكيرها منحصر طوال اليوم فيمن ألقى إليها كلمة في السوق.. أو في فستان رأته وحذاء لبسته..

أي حياة -أخية- وأنت تلهثين وخلف الموديلات تجرين.. ونسيت إلى أين تسيرين؟

ما بعد العثرة:

قال أبو عياش القطان: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها منيبة، وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها وتعجب من عبادتها على حداثتها..

فبينا الحسن ذات يوم جالس إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت..

فوثب الحسن فدخل عليها فلما نظرت الجارية إليه بكت، فقال لها: يا حبيبتي ما يبكيك؟

قالت له: يا أبا سعيد التراب يحثى على شبابي ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد أنظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي قبرًا واسعًا وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أجهز إلى مكة لطال بكائي، كيف وأنا أجهز إلى ظلمة القبور ووحشتها وبيت الظلمة والدود.

[صفة الصفوة: 4/29]


العثرة الخامسة عشرة

أولى الإسلام عناية فائقة بتربية وتنشئة الطفل المسلم.. فهذا رسول الله ﷺ‬ يقول: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر...».

لو تأملنا الحديث الشريف لوجدنا حسن التربية والعناية بالوقت في تنشئة الطفل..

فالطفل يدعى إلى الصلاة ويؤمر بها وهو في سن السابعة.. وتستمر معه الدعوة بالترغيب والتشجيع لمدة ثلاث سنوات متتالية.

في كل يوم يقال له خمس مرات.. هيا يا بني إلى الصلاة .. أما سمعت الأذان؟!

انظري -أختي- كم عدد المرات التي يؤمر فيها بالصلاة قبل أن يعاقب.. وكم عدد المرات التي يشجع فيها قبل أن يؤنب؟!

إنها تزيد عن خمسة آلاف دعوة للصلاة في هذه السنوات الثلاث المتتالية.. يكون الطفل فيها قد تعود على الصلاة والاستجابة للأذان.. ولاحظ المصلين وتعلم ما يقولون وعرف الطريق إلى المسجد..

إنه يأخذ في هذه السنوات الثلاث أكثر من خمسة آلاف درس عملي.. يتكرر كل يوم خمس مرات حتى لا ينساه.. ولا يضيع منه شيء.. وحتى يملأ عليه حياته ويكون جزءًا من وقته .. فما أن يصلي الظهر حتى يترقب أذان العصر.. وهكذا..

تأملي -أختي- لو أردنا أن نغرس صفات حميدة وسجايا طيبة في أطفالنا.. فلا عذر يبرر التقصير .. هناك متسع من الوقت.. خلال عشر سنوات من عمر الطفل يستطيع المنزل أن يخرج رجالاً تربوا التربية الإسلامية الصحيحة.. وتعلموا ما يهمهم من أمور دينهم.. بل وحفظوا الكثير من القرآن إن لم يكن جله أو كله..

وهناك الكثير ممن جعل لأبنائه نصيبًا في كل مكان وفي كل وقت.. ففي السيارة مثلاً تبدأ الأم والأب في مراجعة ما حفظ الأطفال من القرآن.. وتعليمهم ما يحتاجون إليه.. ويعرفهم الأب بالمناطق التي يرونها والأشياء التي يسألون عنها.. ويقص عليهم القصص ويؤانسهم بالكلام الطيب.. ويجعل من وقتهم معه وقت تعلم وتربية.. وإذا طال الطريق أخرجت الأم لهم شريطًا للأطفال تسمعهم إياه.. فيه قصص وطرائف وقراءة للقرآن بصوت أطفال مثلهم.. يستعذبون الصوت ويستمعون في هدوء..

والأم المسلمة تستقطع جزءًا من وقتها عند النوم لتقص عليهم قصص الأنبياء والصالحين ترويها لهم وتعطر أسماعهم الصغيرة بمواقفهم وجهادهم..

أختي المسلمة:

ترى معادن البيوت على وجوه الأطفال.. فالطفل عنوانك الخارجي في مظهره ومخبره.. في أدبه وسلوكه..

والأم المكتملة الوعي .. الناضجة التفكير.. المحتسبة لأجر التربية.. تحدث ابنها وكأنها تحدث إنسانًا مدركًا فاهمًا.. لا أن تطرده أو تسكته وتنهره إذا سأل.. وكأنه أتى بجريمة أو معصية.. فحق السؤال -أيتها الأم- مبذول له ولغيره..

أختي:

ألا تنتظرين أن يكون ابنك رجلاً تفتخرين به؟!

ألا ترجين من الله أن يجعله من عباده الصالحين؟!

لماذا تبخلين عليه بالمعلومة .. وتبخسين حقه وتعليمه؟!

إنها مسئولية الأم المسلمة.. وأية مسئولية؟!

إذا كانت المرأة -كما يقال- نصف المجتمع فإنها تخرج للمجتمع النصف الثاني!!

وانظري -أختي المسلمة- كيف سيكون النصف الثاني؟!

ما بعد العثرة:

رأى مالك بن دينار رجلاً يسيء صلاته فقال: ما أرحمني لعياله، فقيل له: يسيء هذا صلاته وترحم عياله..

قال: إنه كبيرهم ومنه يتعلمون!!


العثرة السادسة عشرة

تدفع بعض النساء أزواجهن إلى كرههن من سوء خلق وسلاطة لسان.. فهي تعدد مثالبه وعيوبه ونقائصه..

بل وربما عيرته بعيب خلقي فيه من عور أو عرج أو قصر..

وأحيانًا يمتد السوء لتنال منه في عامة حياته فتعيره بالفقر وقلة العلم..

فلا هي كانت الزوجة المشجعة له ولا هو سلم منها.. ولكنها الزوجة المحقرة المرذلة..

ذكر أن امرأة سليطة اللسان سيئة الخلق.. لا تدع زوجها يهدأ له بال في منزله ولا يستقر له قرار في بيته..

كلما دخل أو خرج عددت عيوبه ونقائصه ورمته بألوان السباب والشتائم..

ولما تعب من سوء صنيعها وأرهقته سلاطة لسانها.. هددها بالزواج من امرأة ثانية ينشد عندها الراحة والطمأنينة.. ولكنها أطلقت ضحكة قوية وتركت للسانها العنان..

من يريدك؟ أنت فقير مسكين؟ لو تقدمت إلي مرة أخرى لن أقبلك!!

أنت .. وأنت..

تعجب منها وهو يسأل نفسه: لو لم أكن زوجها لا يجوز لها أن تقول هذا!! يكفي أنني مسلم.. والغنى والفقر من الله.. والخلقة من الله!!

عندما تطاول همه واشتدت كربته.. وأخبر أحد أصدقائه بالأمر كاملاً.. وكان ذا علم واطلاع على المشاكل العائلية والقضايا الاجتماعية..

هون عليه الأمر.. وقال له: تأتي إليَّ بعد يومين.. وإذا به قد أحضر له عقد نكاح باسمه على امرأة مجهولة.. ذكر اسمها فقط وثنى باسم والدها وجدها دون ذكر اسم العائلة..

وقال له: اذهب وأره زوجتك.. وأخبرها أنك قد عقدت على ابنة حلال شابة.. وعدد لها من الصفات الكثير.. وأن دخولك بها سيكون قريبًا..

وإن كذبت ولم تصدق فأرها ما بيدك..

أسرع الخطى .. وطرق الباب لتستقبله كالعادة..

ما الذي أتى بك مبكرًا؟!

أخذ مكانه بهدوئه المعتاد وبروده الزائد..

وبدأ يتحدث بفرح وعلامات البشر على وجهه.

فقالت له: ما بك اليوم في فرح.. وروائح العطور تفوح من ملابسك؟!

أخبرها الخبر..

كذبته وقالت: من يريدك .. احمد الله أني صبرت عليك..

ترك لها المجال لتعدد العيوب والمثالب.. وعندما علم أنها لم تترك شيئًا إلا ذكرته.. أخرج من جيبه عقد النكاح..

وقال: خذي..

هالها الأمر.. ثم بكت كطفلة أمامه.. وعلمت منذ هذه اللحظة أنها أخطأت..

اعتذرت عن سقط الكلام وسيء الأخلاق.. ولكنها اشترطت طلاق الثانية!!

قال ببرودة أعصاب وبهدوء قاتل: أفكر!!

ما بعد العثرة:

قال يحيى بن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثًا:

إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه.

[تنبيه الغافلين: 1/178]


العثرة السابعة عشرة

مرض الأطفال لا يستغرب وكثرة شكواهم من تقلبات الجو أصبحت معروفة لكل أب وأم..

يومًا حملت طفلي وذهبت أنا وزوجتي إلى الطبيب.. قعدت على كرسي في مكان انتظار الرجال وذهبت زوجتي إلى مكان انتظار النساء.. لم يطل بنا المكوث.. أقل من عشر دقائق فإذا بنا بين يدي الطبيب..

وعندما قفلنا عائدين حدثتني زوجتي أنها قابلت امرأة في انتظار النساء.. بدأت تحدثها عن حالتها وتشتكي مرضها وأنها تعبت من زيارات الأطباء ومن مراجعة المستشفيات.. وروت قصتها مع المرض ثم عرجت على عدم طاعة الأبناء وعددتهم بالأسماء.. أحدهم لا يطيعها وهو نوام أكول.. وآخر في المنطقة الشرقية منقطع عنهم..

وختمت الحديث عن زوجته.. وأنها سليطة اللسان.. لا تحبها ولا تودها ولذلك زياراتهم متباعدة ومحادثتهم بالهاتف نادرة.. ولم تنس نصيب الزوج.. وأنها تتألم من مساء أمس ولم يأت بها إلا اليوم..

حديث طويل.. في دقائق معدودات..

تعجبت.. أتعرفك؟ قالت: لا.. بل ولم أسألها عن اسمها ولم تسألني.. بل هو حديث القلب.. بث للهموم والغموم.

سألت: ما الفائدة؟ هذه أسرار البيوت؟!

رأت زوجتي تعجبي واستغرابي من الأمر..

قالت: جزء من مجتمع النساء هكذا.. مجالس شكوى وساعات بث ما في الصدور والقلوب.. بل إن بعض النساء تحدثك بقصص وأحاديث تخجل من سماعها.. وكثير من النساء هذا ديدنهن.. الشكوى والتذمر قبل أن تسأل.. ثم الشرح والتوضيح يتبعه اللوم والعتاب..

ولو طال المجلس لأتاك حديث مفصل لكل شيء؟! ولا تنسى المتحدثة أن تعرج على رأي زوجها في السياسة والمجتمع و...؟!

يزيد عجبك وأنت تسمع من البعض أن البيت الفلاني به كذا وكذا من العيوب والنقائص والمشاكل..

وتعجب هذه أسرار البيوت من يتجرأ أن يتجسس عليهم ويتحسس أخبارهم ويأتي بكل دقيق وجليل.. بل وكل حديث.. وكلمة.. وكل طموح وأمنية؟!

ولكنك تفاجأ أن والدتهم أخبرت فلانة جارتهم أو أن ابنتهم أخبرت زميلتها أو أن زوجة ابنهم أعلمت بالخبر..

ليس الأمر -أختي- حالة فردية لا تقاس.. بل إن الملاحظ أن بعض النساء يتركن لألسنتهن الحديث بكل شيء.. وفي كل شيء.. حتى بعض الفتيات المتعلمات -هداهن الله- يسرن في الركب خاصة إذا كانت الشكوى من الزوج أو أهل الزوج فتراها تنثر عن الزوج كل مكنون.. عن كل ما باح لها من أسرار ومن آمال وطموحات.. فتفاجأ وأنت في مجلس عامر أن يسألك أحدهم بصيغة التقرير والتأكيد.. سفرك بعد خمسة أشهر؟ ولا تستعجب من أعلمه بهذا ومن أطلعه على هذا.. وحديثك لم يخرج من منزلك بل ربما تجد من يبارك لك بشراء الأرض أو السيارة .. ويطول تفكيرك وتتذكر أن هذا لم يكن على أرض الواقع.. بل مجرد نية نويتها.. وأفرحت بها زوجتك.. فتسأل من أعلمه..؟

إنه أنت -يا أخية-!!

كيف تجعلين ما استودعك من أسرار.. باب مفتوح وكتاب ملقى ولسان مطلق.. فهذه عثرة.. وأي عثرة.. بل ربما تكون سببًا في طلاق أو عدم ثقة أو كارثة تحل بزوجك؟!

ثم -يا أخية- ما الفائدة من ذلك؟!

شماتة الناس وتهكمهم على أخباركم والتندر بزلاتكم وتعداد عيوبكم.. فلا وجدت الدواء ولا سلمت من الداء..

ولو أن أحدًا تجسس عليكم وأشاع أسراركم لغضبت .. وقمت ثائرة.. تتوعدين وتنذرين!!

أختي الكريمة: أنت تقومين بهذا الدور طائعة مختارة وأنت تعلمين أن الناس بين ذام وحاسد.

ما بعد العثرة:

اجتمع قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟

فقال: هي أكثر من أن تحصى، والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب، ووجدت خصلة إن استعملها سترت العيوب كلها، قال: وما هي؟ قال: حفظ اللسان.

[الأذكار النبوية: 287]


العثرة الثامنة عشرة

تظن ويخطر في بالك أن بعض النساء من غفلتهن وطول سباتهن.. نسين اليوم الآخر.. والحساب والعقاب.. بل والجنة والنار.

فتصرفاتهن بلا ضابط .. وحركاتهن بلا رداع..

تناسب المسكينة.. صاحبة اللسان السليط والسفر والسفور.. ومحادثة الرجال وعاصية الزوج.. ومؤخرة الصلاة عن وقتها..

نسيت: }يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ{؟!

وتناست أنها سوف تدفن في حفرة ضيقة.. لا ماء ولا هاتف ولا كهرباء ولا شيء من وسائل الراحة.. بل روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار..

تفكرت يومًا في المقبرة وأنا انظر إلى تلك القبور المحفورة الجاهزة.. تنتظر القادم.. فإذا بمحمول ليس له قريب ولا معه صديق.. بل أتي به من المستشفى.. غريب في البلد.. وغريب في القبر..

وعندما هوت به يد عامل المقبرة داخل القبر لحظه بعض من حوله.. وذهبنا لنرى فإذا القبر ضيق عليه وبدا أن بعض أطرافه تلامس طرف القبر..

حملناه نبحث له عن قبر يزيد خمسة أو عشرة سنتيمترات عن هذا القبر.. وعندما وسدناه في القبر «الواسع».. تلك الحفرة الضيقة.. بدأنا نهيل عليه التراب.. تذكرت غربته عن وطنه.. يموت ويدفن وحيدًا..

ولكن عندما أجلت الطرف في تلك الأرض الفسيحة تأكدت أن هذه هي الغربة.. وهذا مكان الوحشة..

أختي المسلمة:

لو تذكرت المرأة التي تضع العباءة على كتفها وتبرز محاسنها أن هذه العباءة ستلف بها محمولة إلى المقبرة لتراجعت .. وأطاعت وامتثلت..

والمرأة عجوزًا أو شابة عندما تنزل في قبرها يغطى أعلى القبر بعباءتها خوفًا من انكشاف شيء من جسمها..

أختي:

وأنت ميتة غدًا لا حراك فيك.. يحرص أقاربك أن لا يرى منك شيء.. ما بالك اليوم في صحة وعافية تنادين الرجال بإغرائك.. ليرون وينظرون إليك..

أختي المسلمة:

قالوا لك.. إن المرأة تحب أن تراها أعين الرجال.. وتسمع كلمات الإعجاب.. وعبارات الثناء..

أختي قفي:

هذا فحيح الدواب وعواء الذئاب ليس لك.. هذا لساقطة من ساقطاتهم.. وفاجرة من فاجراتهم لفظها الزمن وعفى عليها الدهر..

والإعجاب والثناء البهيمي كما يقال يبث من الساقط إلى كل امرأة.. جميلة أو قبيحة.. دميمة أو متوسطة..

أختي المسلمة:

لا تهوين بوجهك في نار جهنم.. لا تفتنين بنعم الله التي منحك .. فهذه نعمة قد تتحول إلى نقمة إن عصيت الله بها..

وستسألين غدًا.. فماذا أعددت من جواب؟!

ما بعد العثرة:

عش ما بدا لك سالمًا

في ظل شاهقة القصور

يسعى عليك بما اشتهيـ

ـت لدى الرواح وفي البكور

فإذا النفوس تقعقعت

عن ضيق حشرجة الصدور

فهناك تعلم موقنًا

ما كنت إلا في غرور


العثرة التاسعة عشرة

عاطفة الأمومة غريزة أودعها الله سبحانه وتعالى في كل أنثى.. والطفلة الصغيرة تختلف عن أخيها فهي تختار من اللعب ما يكون على شكل عروس صغيرة تلاعبها وتنظفها وتمشط شعرها.. وهذه الأمومة المبكرة هي نداء الفطرة في المرأة الذي أودعه الله جل وعلا في قلبها وعاطفتها وتكوين جسمها..

وإذا كانت جميع الصغيرات يشتركن في محبة هذه اللعب والاهتمام بهما.. فما بالك إذا تجاوزت الطفلة سنين العمر وأصبحت أمًّا لطفل من لحم ودم تسمع صراخه وتستعذب ضحكاته.. ثم تراه يسير أمامها؟!

تبدأ المرأة مرحلة هامة في حياتها عندما تضع طفلاً وتصبح أمًا.. وهذا الاهتمام تشترك فيه كل النساء.. المؤمنة والكافرة.. والبرة والفاجرة.. ولكن أليس هناك ما يميز الأم المسلمة ويخصها بجوانب تنفرد بها وتفخر بها؟!

بلى.. إنها تحتسب كل عمل تقوم به لطفلها -في سبيل الله- فالتربية عمل ديني تطمع فيه بالأجر الجزيل والثواب العظيم إن هي أخلصت النية..

والأمر كذلك في احتسابها.. فقد جمع الله لها بين العاطفة والأجر والثواب..

فهي تؤدي عبادة تحتاج إلى إخلاص وصبر وتحمل مشاق وعناء وسهر.. تحتسب أجر تعليمه وتربيته وتنشئته.. وتنظر بعين المستقبل وهي تفعل ذلك كله، فربما يكون هذا الطفل الذي بين يديها.. عالم الأمة غدًا أو من رجال العلم والتأريخ والأدب أو من قواد المسلمين..

لو جعلت هذا نصب عينيها وأقنعت نفسها بأن هذا الطفل هو ذاك الرجل بعد سنوات، لأحسنت التربية ونمت فيه محاسن الأخلاق ودربته وعودته على نفحات الرجولة المبكرة.. وأرضعته محبة الإسلام وحب الجهاد في سبيل الله.

أختي المسلمة:

لو قلبنا صفحات التاريخ لوجدنا أن المعلم الأول في حياة أعلام الأمة هي الأم التي بدأت الخطوات الصغيرة بين يديها والكلمات المتعثرة تطرق أذنيها..

فأخذت تحوط هذا الصغير بعنايتها.. وضحت من أجله براحتها .. بل وربما سافرت به لطلب العلم في أحد الأقطار البعيدة..

تلك -أختي- هي أم الرجال وصانعة الأبطال..

أختي الكريمة:

الآن تبدلت الأمور وتغيرت الأحوال.. أصبح الطفل يستمد الضعف من أمه..

لقد أوحت إليه أنه زجاجة يخاف عليها أن تنكسر وغرست في نفسه الخوف والوهن حتى من الخيالات؟! فلم تختلف تربيته عن تربية أخته ولم يتميز برجولة وشدة.. بل طغى عليه النوم والراحة والنعومة والرقة..

- أم الرجال - ابنك كيف سيصبر غدًا على الغربة والسفر لطلب العلم..

بل هل غرست فيه خصال الخير والتضحية لهذا الدين..

وهل ألهم صفات القيادة والاعتزاز بالنفس.

بل سمعت كثيرًا عن أمهات ذرفن الدموع ورفعن الأصوات لسفر ابن لها تخرج من الجامعة.. وأرسل هناك ليعمل..

إنه على بعد خطوات منها.. يحادثها كل يوم ولا تبعد المسافة سوى القليل.

ماذا لو توجه للجهاد؟! ماذا لو استنهضت الأمة دينه ورجولته؟! وقال لها: يا أمي إني مجاهد.. ولبس كفنه وسار..

بل ماذا سيكون موقفها لو سمعت أنه استشهد؟!

-أختي- إنها عثرات متتالية لا تصيب والدته بمفردها.. أو الأسرة وحدها بل تصاب الأمة كاملة بتلك العثرات..

إذا أصبح رجلاً واهنًا.. ذا خور وضعف.. لم يجمع من العلم إلا أقله ومن الخلق إلا أندره.. ولم تعرف الرجولة إلى قلبه طريقًا..

ثم تصرخين في ذلك الزمن..

من للأعراض؟! من للأرامل؟! من للدفاع عن ديار المسلمين؟!

ما بعد العثرة:

قال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي: عرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عما خالفك، فأقول لا أسكت.

[تذكرة الحفاظ: 3/1184]


العثرة العشرون

تظن غالب النساء اليوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقتصر على الرجال فقط.. بل ومقتصر على هيئة رسمية لها وحدها صلاحية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وتناسين أن الله أمر كل مسلم ومسلمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو شعيرة عظيمة تدرأ بها المفاسد.. وينبه الغافل ويعلم الجاهل.. وتحيا بها الأمة من سباتها..

أختي المسلمة:

عد العلماء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الركن السادس من أركان الإسلام..

وهو واجب على كل مستطيع .. كل بحسب حاله وأقل حالاته الإنكار بالقلب.. وذلك أضعف الإيمان.

ومن تأمل في مجتمعنا المسلم ولله الحمد وجد أننا لم نصل إلى أضعف الإيمان في الإنكار بل إن الإنكار باللسان متيسر.. ولكن بالحسنى والكلمة الطيبة..

فالآمر ناصح.. والناصح محب ومشفق.. عليه أن يختار أطايب الكلام وأرفقه..

ولو قدم ثناء محقًا للمأمور بأن فيه كذا وكذا من الصفات الحميدة..

ثم أردف: وهنا خصلة من محبتي لك أحببت أن أنبهك إليها.. لكان ذلك خير وأقرب للقبول..

أختي المسلمة:

مجتمع النساء.. مجتمع عام تكثر فيه اللقاءات والمناسبات.. وتكثر فيه الهفوات والزلات..

حتى أنك تلحظين ذلك من نساء كبيرات ظاهرهن الخير.. ولكن ينقصهن العلم الشرعي في بعض الأمور.. فهذا واجبك..

تقدمي .. ولا تترددي.

في حفلات الزواج وفي المدارس وفي الزيارات العائلية..

حتى في الأسواق .. لك أن تأمري حتى الرجال.. إذا لم يكن هناك غيرك.. مع شروط الحشمة والحجاب..

أختي المسلمة:

هنا زوجك وأبناؤك.. لا بد أن تقيمي الشعيرة السادسة في بيتك ومن أولى بالنصح والإرشاد من أحبابك وأقربائك.

أختي الناصحة:

لا تترددي.. ولكن الرفق واللين عليك به.. فهي أختك وأمك.. وهي ابنة الإسلام..

لا تكوني أداة تنفير بغلاظة النصح والإنكار.. بل كوني المتحببة الناصحة المشفقة.. وكوني من أهل هذه الآية: }الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ{.

ما بعد العثرة:

قال الحسن لمطرف الحرشي: عظ أصحابك، قال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول؟ لود الشيطان أنه ظفر بهذه منكم، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر.


الخاتمة

وبعد، أختي المسلمة:

أرأيت كثرة العثرات وتتابع الزلات.. في كل مكان تذهبين إليه.. وفي كل وقت تستظلين به.. هناك ذنوب وخطايا وعيوب ورزايا..

ولكن -ولله الحمد والمنة- هناك الفرح والقبول وهناك جنات ونهر.. لمن قفل عائدًا ورجع تائبًا..

قال ﷺ‬: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فآيس منه، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد آيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح».

أختي المسلمة:

هُبي من غفلتك وانفضي تراب زلتك.. شمري عن همتك وشدي عزيمتك .. إلى جنة عرضها السموات والأرض.. فإنك تقبلين على رب رحيم كريم غفور.. وهل يرجى منه غير الصفح والعفو.

غفر الله لي ولك ولوالدينا ولجميع المسلمين.. وجعلنا ممن إذا أذنب استغفر وإذا زل تاب..

أختي المسلمة:

نادى مناد: }يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ{.

سمعنا فأطعنا ووعينا فأجبنا..

الله أقبل توبتنا واغفر حوبتنا وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين..



([1]) أوقر الدابة: حملها ثقيلاً.

رأيك يهمنا