العذاب الأدنى حقيقته ، أنواعه ، أسبابه

نبذة مختصرة

هذا البحث يتناول بيان حقيقة العذاب الأدنى الوارد ذكره في قوله تعالى:(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) .كما يوضح أنواعه وأسبابه.
وتضمن هذا البحث بيان أن هذا العذاب الأدنى ، وأنه واقع في الأمم السابقة، ومتوعد به العصاة من هذه الأمة، وأن أنواع هذا العذاب كثيرة منها ما يكون في الحياة الدنيا، ومنها ما يكون في القبر، وأن هذا النكال متنوع، فتارة يكون زلزالا مدمرا، وتارة يأتي على هيئة ريح عاتية، وتارة ثالثة يكون مرضا عضالا، وتارة رابعة يكون خسفا ومسخا... إلى آخر صور هذا العذاب .
كما تبين في هذا البحث أن أسبابه متعددة يأتي على رأسها الكفر بالله، والشرك، وترك الصلاة، ثم اللواط، والزنى، والإحداث في الدين، والنميمة ...إلى آخر هذه الأسباب المذكورة في ثنايا البحث .
ومن خلال هذا البحث اتضح أنه كلما كان السبب خاصا كان العذاب والنكال خاصا، وكلما كان السبب عاما كانت العقوبة عامة، وما ربك بظلام للعبيد.
وظهر في هذا البحث أن هذا العذاب المتوعد به ليس خبرا ماضيا، بل هو حق على حقيقة، وهو وعيد متحتم الوقوع أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على بعض صوره أنها ستقع قبل يوم القامة إذا توافرت أسبابها، وبين في صور أخرى أنها مقبلة لا محالة، فويل لمن أدركها!.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 العذاب الأدنى حقيقته ، أنواعه ، أسبابه

تأليف

د محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

م2009 - ھ1430

بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد لله الذي أرسل رُسُله رحمةً بالخلق، ودعوةً إلى الحق، وإرشادا إلى الهدى، وتحذيرا من الردى، ووعدوهم بالحسنى، وخوفوهم من سوء العقبى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قضى وقدّر، وشرع وأمر؛ فكان تقديره غاية الكمال وعين الحكمة، وكان في شرعه تمام المنة، وسابغ النعمة، فله الحمد على حكمته وحكمه، وله الشكر على نعمته ومنته، وأشهد أن محمدا رسول الله ﷺ‬ ، أدى الرسالة، ونصح للأمة، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، ودعا إلى أعظم مطلب، وحذر من شر منقلب، وسار على منهج رباني، مقتفيا أثر أولئك الأخيار الذين قيل له عنهم:)أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ(.([1]) فبشّر كما بشروا، وأنذر كما أنذروا؛ إذ هم جميعا قالوا لأقوامهم: إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، فمن صدقهم واتبع النور الذي جاءوا به؛ سَلِمَ ونجا، ومن كذبهم وتنكب طريقهم؛ خاب وخسر، وأدركه العذاب في الدنيا والآخرة.

وإن الناظر في القرآن الكريم والسنة النبوية يجد من ذلك شيئا كثيرا، يجد مسيرة طويلة وتاريخا عظيما لما بين الرسل وأقوامهم من التبشير والإنذار، ومن النصر أو العذاب والهلاك والتدمير، ففي خبر كل نبي ورد ذكره في القرآن تجد انتصاره واضحا جليا، وإهلاكا لقومه عاجلا ماحقا.

 وتجد هذا العذاب العاجل الماحق يوصف في القرآن بأنه (عذاب الخزي) في الدنيا، فما بالك بالعذاب التام يوم القيامة، كما في قوله تعالى:) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ(([2])، وتارة يوصف بأنه عذاب دون العذاب الأكبر، كما في قوله تعالى: )كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(([3])، وتارة ثالثة يوصف بأنه العذاب الأدنى، كما في قوله جل ثناؤه: ) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(([4]). وهذه الآية الأخيرة – آية السجدة – استوقفتني كثيرا، وتأملت ما دلت عليه، ودفعني ذلك إلى البحث في القرآن الكريم عن نظائرها، وعن أسباب هذا العذاب الأدنى، وعن أنواعه؛ فكان هذا البحث الذي بين يدي القارئ، اجتهدت فيه أن يكون محققا لغرضه، وافيا بمقصده، يبين للقارئ أسباب العذاب فيجتنبها، ويستعرض بعض الشبه التي قد تعرض في هذا الباب فيفندها، ويورد بعض التساؤلات التي تتردد في الأذهان فيجيب عليها .

وقد قسمت هذا البحث إلى مقدمة، وتمهيد، وأربعة مباحث، أما المبحث الأول فكان بيانا لحقيقة العذاب الأدنى، وأما المبحث الثاني فيتناول آية السجدة ونظائرها في القرآن الكريم، وأما المبحث الثالث فيتضمن أسباب العذاب ، وخصصت المبحث الرابع لأنواع العذاب ، أجارنا الله وإياك من العذاب في الدنيا والآخرة .

فأسأل الله أن يجعل هذا البحث من العلم الخالص النافع، الذي يكون نورا وزادا في الدنيا والآخرة، فإن وفقت فيه فمن الله، وإن كانت الأخرى فمن النفس المطبوعة بطابع النقص والضعف، ومن الشيطان الذي يسول القبيح ويأمر به ويزيّنه، والحمد لله أولا وآخرا، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة وهدى للعالمين  

                                                 د/ محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

                                                          جامعة الملك سعود

                                                كلية التربية قسم الدراسات الإسلامية

                                                           7/2/1426هـ

تمهيد

إن التاريخ البشري مليء بالعبر والدروس، وإن المتأمل لحياة البشر على هذه البسيطة يجد أنها صراع بين الحق والباطل، وأنها تعيش بين مد وجزر فيما يتعلق بطاعتها وعصيانها وقربها وبعدها عن ربها، وتبعا لذلك فإنها يتنزل عليها النصر، أو يحل بساحتها العذاب، بحسب طاعتها أو عصيانها، وهذا العذاب يعم ويخص ويحيط، وقد يعاجل ويباغت، وقد يمهل الله العاصي – سواء كان فردا أو أمة – ويحل بأمة لتكون عبرة لغيرها، وينزل بآخرين نكالا لهم وتخويفا لغيرهم؛ لعلهم يرجعون... وهذا وغيره يجعل بعض الكتاب في مثل هذه الأزمنة التي ظهر فيها الجهل، وتتابعت فيها الفتن، وتكاثرت فيها المثُلات – يفسر هذه الأحداث تفسيرا طبعيا على أنها تفاعلات طبعية، وانزلاقات في القشرة الأرضية، لا ارتباط بينها وبين سلوك الناس وتصرفاتهم، وقربهم وبعدهم عن ربهم، وعن الصراط المستقيم،([5])  كما تدفع البعض أحيانا إلى التساؤل حول الإمهال والإملاء والمباغتة والإنظار، ومن هذه الأسئلة:-

- هل عدم العقوبة دليل على رضى الله عنهم ؟.

- لماذا تفلت الدول المتغطرسة([6]) من العذاب، بينما يحل العذاب على الدول المسلمة؟.

- متى يكون العذاب خاصا، ومتى يكون عاما؟.

- إذا وقعت العقوبة شملت الصالح والطالح والمحسن والمسيء فما مصير الصالح ؟.

- إذا كان الرسول ﷺ‬ بعثه الله رحمة للعالمين فكيف يقول المسلم : إن الآيات التي يسلطها على الكافرين تعد عذابا لهم ؟!. فأين رحمة المسلم لغيره من بني البشر؟!.

- ما الفرق بين الابتلاء للمؤمنين والعذاب للمعاندين؟.  

هذه الأسئلة وغيرها سيكون عليها مدار البحث في المبحث التالي وفي المباحث اللاحقة.

 المبحث الأول حقيقة العذاب الأدنى

حقيقة العذاب الأدنى

كثيرا ما يذكر الله في كتابه الكريم العذاب الأكبر، ويتوعد بالعذاب الشديد، فتتداعى على الذهن أسماء هذا العذاب كالحميم والزقوم والغسلين، وتنبعث في القلب صور السلاسل والأغلال والسرابيل والأصفاد، وترد على الفكر مشاهد الحساب والوزن والمساءلة والسوْق إلى الجحيم ... إلى آخر ما هنالك من مشاهد وصور ومواقف وعرصات، ترتعد منها قلوب الذين يخشون ربهم، وتوجل منها نفوس عمرت بطاعة الله، ولعمر الحق إن هذا الوعيد لكاف في ردع النفوس عن الهوى، وزجرها عن الردى.

ولكن تتقحم النفوس في شهواتها، وترتع في مراتع الغي، وتتجاوز الحدود الإلهية، فتجد أن الله سبحانه وتعالى يتوعد المعاندين والمفسدين بعذاب دون عذاب أكبر - لعل النفوس ترجع عن غيها، وتفيق من سكرتها - فيبين أنما أحلّه بالمعاندين من المثلات والنكال في الحياة الدنيا هو من العذاب الأدنى، فقال عز من قائل: ) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(([7]). 

فما العذاب الأدنى ؟ وما حقيقته؟ ولماذا ينزل؟ ومتى ينزل؟ ولماذا ينزل على قوم وينجو منه آخرون؟.

فالعذاب:هو النكال والعقوبة يقال: عذبته تعذيبا وعذابا.([8])

وفي هذه الآية الكريمة التي عليها مدار البحث جاء لفظ الأدنى، للتعبير عن العذاب الدنيوي، ولفظ الأدنى يقابله الأقصى، والأكبر يقابله الأصغر, فما الحكمة في مقابلة الأدنى بالأكبر في سياق الآية هذه الكريمة؟ قال الفخر الرازي عفا الله عنه موضحا الحكمة من ذلك:(حصل في عذاب الدنيا أمران: أحدهما أنه قريب، والآخر أنه قليل صغير , وحصل في عذاب الآخرة - أيضا- أمران: أحدهما أنه بعيد، والأخر أنه عظيم كثير , لكن القرب في عذاب الدنيا هو الذي يصلح للتخويف به , فإن العذاب العاجل و إن كان قليلا قد يحترز منه بعض الناس أكثر مما يحترز من العذاب الشديد إذا كان آجلا , وكذا الثواب العاجل قد يرغب فيه بعض الناس، ويستبعد الثواب العظيم الآجل، وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح للتخويف به هو العظيم والكبير، لا البعيد لما بيّنا، فقال في عذاب الدنيا  )العذاب الأدنى( ؛ ليحترز العاقل عنه، ولو قال: )لنذيقنهم من العذاب الأصغر ( ما كان يحترز عنه؛ لصغره وعدم فهم كونه عاجلا، وقال في عذاب الآخرة: الأكبر؛ لذلك المعنى , ولو قال: دون العذاب الأبعد الأقصى لما حصل التخويف به، مثل ما يحصل بوصفه بالكبر , و بالجملة فقد اختار الله تعالى في العذابين الوصف الذي هو أصلح للتخويف من الوصفين الآخرين فيهما، لحكمة بالغه). ([9])

أما حقيقة العذاب الأدنى: فهو كل عذاب عذب الله به أمة من الأمم أو فردا من الأفراد، في دار الدنيا أو في دار البرزخ،([10]) وسواء أكان هذا العذاب عاما كعذاب قوم نوح، أم كان خاصا، كما حصل لقارون، وسواء كان حسيا كالغرق والخسف والمسخ والزلزلة والصيحة، أم كان معنويا، كطمس الأبصار، والختم على القلوب، والطبع عليها، وعدم إجابة الدعاء، وتسليط الشياطين، وسواء أكان هذا الذنب تطاولا على الخالق كالشرك، وتكذيب الرسل، أم كان تعديا على المخلوقين كقتل المستضعفين، والتطفيف في الموازين، وقد يعجل الله العقوبة ويباغت بالذنب قال تعالى:) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ(([11]). وقال سبحانه وتعالى: )أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ(([12]) .

  وقد يجمع الله على المعاندين عذاب الدنيا وعذاب البرزخ، كما قال الله سبحانه وتعالى مخبرا عن قوم فرعون وأنه سلط الله عليهم الطوفان والجراد والقمل:)فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ(([13]). وقال جل ثناؤه عن عذابهم في قبورهم:)النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(([14]) فالنار التي يعرضون عليها غدوا وعشيا؛ إنما يعرضون عليها وهم في قبورهم، كما سيأتي تفصيله، إن شاء الله .

وقد يتأخر العذاب الدنيوي، ويظن المغرور أنه على خير؛ خاصة إذا رأى نعم الله متوالية عليه، ومننه مترادفة إليه، ولا يعلم أن ما بينه وبين عذاب الله إلا كلمح البصر، كما وقع لقوم لوط عليه السلام حينما كذبوه وخالفوا أمره، فدعا ربه عليهم؛ فإذا المراسيم الإلهية تتنزل بهلاكهم (فو الله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السحر وطلوع الفجر؛ وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها ورفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب، ونهيق الحمير، فبرز المرسوم الذي لا يرد، من عند الرب الجليل، على يدي عبده ورسوله جبرائيل، بأن يقلبها عليهم، كما أخبر به في محكم التنزيل، فقال عز من قائل:) فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ(([15])  فجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالا وسلفا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين).([16])  

وقد يؤجل العذاب إلى الدار الآخرة؛ زيادة في النكال: )وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(([17]). ويحسب الكافر أن ما يملي له الله خير لنفسه)وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(.([18]) ويظن من لا خلاق له ولا علم عنده أنهم على هدى مستقيم؛ لما يرى من تمتعهم بالحياة، وسلامتهم من النكال، ولا يعلم أن ما هم فيه من متاع الحياة إنما هو من تعجيل جزائهم على أعمالهم، قال تعالى:)وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ(.([19])  قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:( فجوزوا من جنس عملهم، فكما متعوا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي؛ جازاهم الله تبارك وتعالى بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات المتتابعة، والمنازل في الدركات المفظعة). ([20]) وقال تعالى موضحا أن ما يرزقون في هذه الحياة من المال والبنين وسعة العيش؛ إنما هو من المسارعة لهم في جزاء أعمالهم: )أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ(([21])    

ويتنزل التوجيه القرآني تسلية للنبي ﷺ‬ وللمؤمنين ألا يحزنهم تمتع الذين كفروا، ولا يغرنهم تقلبهم في البلاد ) لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(.([22]) وما ربك بظلام للعبيد؛ فهؤلاء قوم عملوا للحياة ، ونذروا أنفسهم للحياة، رغبوا أن تكون حسناتهم في هذه الحياة ؛ فكان الجزاء من جنس العمل قال تعالى:)مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(([23]).

ويقول الشيخ محمد العثيمين رحمه الله:(إن كثيرا من الناس اليوم يعزون المصائب التي يصابون بها - سواء كانت المصائب مالية اقتصادية, أو أمنية سياسية - يعزون هذه المصائب إلى أسباب مادية بحتة, إلى أسباب سياسية أو أسباب مالية أو أسباب حدودية. و لا شك أن هذا من قصور أفهامهم، و ضعف إيمانهم، وغفلتهم عن تدبر كتاب لله وسنة رسوله ﷺ‬ ، إن وراء هذه الأسباب  أسبابا شرعية , أسبابا لهذه المصائب أقوى و أعظم تأثيرا من الأسباب المادية، لكن قد تكون الأسباب المادية وسيلة لما تقتضيه الأسباب الشرعية من المصائب و العقوبات. قال تعالى:) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (([24]).

وهذه العقوبات التي ذكرنا طرفا منها – وسيأتي تفصيلها – يلاحظ القارئ أن بين الذنب وبين العقوبة تناسبا عظيما، فإذا منع العباد زكاة أموالهم؛ منعوا القطر من السماء، وإذا تركوا التحاكم إلى كتاب الله؛ جعل الله بأسهم بينهم، وإذا طلب كثرة المال من طريق الربا، محق الله أمواله، وقد قال ابن  ابن القيم رحمه الله:(فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه، وأوفقها للعقل، وأقومها بالمصلحة،...إلى أن يقول: وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رفعت العقوبات القدرية أو خففتها، ولا يكاد الرب تعالى يجمع على عبده بين العقوبتين إلا إذا لم يف أحدهما برفع موجب الذنب). ([25])   

ويقول أيضا: (والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوع: إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما، وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت، وعقوبات يوم عود الأجسام في الدار الآخرة، فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة؛ لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصحى أحس بالمؤلم، فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق علي النار، والكسر على الانكسار، وقد تقارن المضرة الذنب، وقد تتأخر عنه إما يسيرا وإما مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أن يقارنه، وكثيرا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقيبه، ولا يدري أنه يعمل، وعمله على التدريج شيئا فشيئا، كما تعمل السموم والأشياء الضارة حذو القذة بالقذة).([26])   

وبعد بيان حقيقة العذاب، يتبقى في هذا المبحث مسائل، في بسطها وتناولها الإجابةُ على الأسئلة التي وردت في التمهيد، وهذه المسائل هي :-

المسألة الأولى : هل عدم العقوبة الدنيوية دليل على الرضى عن العاصي ؟.

سبق الحديث في صدر هذا المبحث عن حقيقة العذاب وأنه قد يعجّل وقد يؤخر، وقد يجمع على المعاند عذاب الدنيا، وعذاب البرزخ، وعذاب الدار الآخرة، وقد تعجل له طيباته في الدنيا، ويدخر له العذاب كاملا في الدار الآخرة ، وإذا كان ذلك كذلك فإن عدم حلول العقوبة العاجلة على العاصي ليس دليلا على رضى الله عليه؛ بل هذا من مكر الله بأعدائه،كما قال تعالى:) نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ(([27]) قال ابن القيم رحمه الله:( فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم، وأنساهم أنفسهم كما قال تعالى:) نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ( فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين:-

إحداهما: أنه سبحانه نَسِيَه.

والثانية: أنه أنساه نفسه.

ونسيانه سبحانه للعبد، إهماله وتركه، وتخلّيه عنه، وإضاعته، ونسيانه، فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم. وأما إنساؤه نفسه: فهو إنساؤه لحظوظها العالية، وأسباب سعادتها وفلاحها وإصلاحها وما يكملها، بِنَسْيه ذلك كله جميعه، فلا يخطر بباله، ولا يجعله على ذكره، ولا يصرف إليه همّته، فيرغب فيه، فإنه لا يمر بباله حتى يقصده ويؤثره، وأيضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها، فلا يخطر بباله إزالتها وإصلاحها، وأيضا فينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها، فلا يخطر بقلبه مداواتها، ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول بها إلى الفساد والهلاك، فهو مريض مثخن بالمرض، ومرضه مترام به إلى التلف، ولا يشعر بمرضه، ولا يخطر بباله مداواته، وهذا من أعظم العقوبة للعامة والخاصة؛ فأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه، وضيعها؟). ([28])

هذا من وجه، ومن وجه آخر ليعلم العبد أن كل شيء عنده سبحانه وتعالى بقدر كما قال جل ثناؤه:) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَار(([29]) قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله عند تفسير هذه الآية:( يخبر تعالى عن جهل المكذبين لرسوله، المشركين به، الذين وُعِظُوا فلم يتعظوا، وأقيمت عليهم الأدلة فلم ينقادوا لها؛ بل جاهروا بالإنكار، واستدلوا بحلم الله الواحد القهار عنهم، وعدم معاجلتهم بذنوبهم، أنهم على حق، إلى أن يقول: وكل شيء عند بمقدار لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه) ([30]) واستدل القرطبي رحمه الله لهذا المعنى بقوله تعالى:) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(([31]) . وقال - بعد أن ذكر شيئا من حكم خلق السموات والأرض في ستة أيام - :( وحكمة أخرى خلقها في ستة أيام؛ لأن لكل شيء عنده أجلا. وبيّن بهذا ترْك معاجلة العصاة بالعقاب؛ لأن لكل شيء عنده أجلا، وهذا كقوله:)وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُون. بعد أن قال:)وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا( )([32]).

ومن وجه آخر أيضا فأن للعذاب أجلا مسمى وميقاتا معلوما لا يتأخر عنه ولا يتقدم، فانظر كم لبث نوح عليه السلام في قومه يدعوهم ليؤمنوا، وهم يكذبونه ويتهمونه، قال تعالى:) فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا( ([33]) ، وكم أقام موسى عليه السلام يدعو فرعون وقومه، ولما استيأس من استجابتهم دعا عليهم؛ فقال الله له:) قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا( ([34]). قال ابن جرير رحمه الله:(قال ابن جريج: يقولون إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة. وقوله:) وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ(  يقول: ولا تسلكان طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فتستعجلان قضائي، فإن وعدي لا خُلف له، وإن وعيدي نازل بفرعون، وعذابي واقع به وبقومه)([35]). وأقامالرسول ﷺ‬ بمكة ثلاثة عشر عاما يحاور قومه، ويجادلهم، ويدعوهم، ويقيم لهم الآيات والبراهين، وهم يقابلون ذلك كله بالإنكار والتكذيب حتى نزل بهم العذاب العاجل في يوم بدر.

المسألة الثانية : لماذا تفلت الدول المتغطرسة الظالمة من العقوبة، وتحل العقوبات بالدول المسلمة؟!

والجواب عن هذا السؤال من وجوه :-

الأول : أن الدول الظالمة تحل فيها المثلات كما تحل بغيرها، فاضطراب الأمن ، والعجز الاقتصادي، وتفشي الأمراض، والفياضانات المدمرة، والحرائق المروعة، والحروب الطاحنة، كل ذلك يحدث فيها، فقد خاضت هذه الدول حروبا راح ضحيتها الآلاف من أبنائها، فكم فقدت أوربا من مئات الآلاف في الحربين العالميتين، وكم فقدت أمريكا وروسيا من جنودها في السنوات الأخيرة، من خلال الحروب التي شنتها على بعض الدول المستضعفة؛ فخرجت منها خاسئة حسيرة، تجر أذيال الهزيمة، وكذلك من العذاب الذي يصبه الله عليهم تفَرّق الدول وذهاب ريحها وتمزقها، فلقد كانت الإمبراطورية العظمى (بريطانيا) لا تغيب عنها الشمس، وكان الاتحاد السوفيتي مكونا من عشرات الدول فإذاهما مشردان على موائد الدول، تمارس عليهما الظغوط التي كانا يمارسانهما على من دونهما، أفلم يكن في زوالهما عبرة وآية؟ فكم شردا وتجبرا، ومارسا الطغيان والظلم.

الثاني: أن الدول التي تظلم وتتعدى ولا تنزل بها المثلات ينبغي أن ينظر إليها من باب الإملاء والإنظار والمكر، وتأخير العذاب إلى يوم القيامة؛ ليذوقوا العذاب الأليم كاملا غير منقوص، قال تعالى: )فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ(([36]). وقال تعالى:) وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(([37]) فقد لا يشاهد المتعجل العذاب، ويظن أن تقلبهم في البلاد خير لهم.

الثالث: أن الدول المتقدمة قد تتخذ من الاحتياطات ما تخفف به وقع هذه الكوارث، ولكنها لا تستطيع أن تمنعها، كما لا تستطيع أن تعلم بها قبل وقوعها، وما تتوصل إليه في هذا الشأن ليس بسبب دينها – فقد تركته وراءها ظهريا – بل لأنها بذلت الأسباب التي تحقق لها ذلك، ولو بذلها غيرها لتحقق له مثل ما تحقق لهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل لهذا الكون سننا ونواميس، من عمل بها وصل من خلالها إلى ما رُتّب عليها .

الرابع : أن من يقع عنده مثل هذا الإشكال فلأنه حصر نظره في فترة زمنية واحدة فيما يحل على هذه الدول، ونظر إلى كارثة واحدة، ولم ينظر إلى التاريخ البشري وما تتابع فيه من الآيات والنذر، ألم يقل الله سبحانه وتعالى:) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى ( ([38]) . وقال تعالى:) وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ(([39]) .

الخامس : أن العذاب إذا نزل على المسلمين فهو رحمة بهم، وتكفير لخطاياهم، وتذكير لهم لعلهم يرجعون إلى ربهم، فيعبدونه حق عبادته، قال الشيخ السعدي رحمه الله :( يعصونه فيدعوهم إلى بابه، ويجرمون فلا يحرمهم خيره وإحسانه، فإن تابوا إليه فهو حبيبهم، لأنه يحب التوابين، ويحب المتطهرين،وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم، يبتليهم بالمصائب؛ ليطهرهم من المعايب) ([40]). وبين سبحانه وتعالى أن ما يبتلي به عباده المؤمنين إنما هو سبيل بشارة لهم، وسبب مغفرة ورحمة لهم، وصلاة عليهم، فقال عز من قائل: ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (([41]). وقال جل ثناؤه:) وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (([42]). وقال تعالى:) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (([43]).

المسألة الثالثة : متى يكون العذاب خاصا ، ومتى يكون عاما ؟! وإذا وقعت العقوبة شملت الصالح والطالح، والمحسن والمسيء، فما مصير الصالح ؟.

إن الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة، والأمر الرشيد، حكمه العدل، وقوله المبحث، حرم الظلم على نفسه، وجعله بيننا محرما، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، حجة على الخلق، وشرع التوبة، وأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لئلا يتنزل العذاب على عامة الأمة، قال سبحانه وتعالى:  )فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(([44]

قال ابن جرير الطبري رحمه الله:( وما كان ربك - يا محمد -  ليهلك القرى التي أهلكها - التي قص عليك نبأها – ظلما، وأهلها مصلحون في أعمالهم غير مسيئين، فيكون إهلاكه إياهم -  مع إصلاحهم في أعمالهم وطاعتهم ربهم -  ظلما، ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله، وتماديهم في غيهم، وتكذيبهم رسلهم وركوبهم السيئات). ([45])

 فإذا انتهكت محارم الله، وعصيت أوامره، واستعلن بالفواحش؛ حلّ العذاب، ونزل النكال، وحاق بالمفسدين سوء أعمالهم، فيرسل الله عذابه ونقمته على المعاندين، كما قال تعالى مخبرا عن حال ثمود:) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(([46] وقال جل ثناؤه في بيان خبر لوط مع قومه: )وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ ( ([47]). فانظر كيف عمهم العذاب، وأنجى الله سبحانه وتعالى، بمنه وكرمه أولياءه وحزبه المفلحين، وسألت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها : هل ينزل العذاب وفي الأمة الصالحون؟ قائلة: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟. فأجابها الذي لا ينطق عن الهوى،قائلا: (نعم إذا كثر الخبث!!) ([48])       

وبين النبي ﷺ‬ أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنهم وإن هلكوا مهلكا واحدا، فإن الله يبعثهم على نياتهم، فقال رسول الله e:( يغزو جيش الكعبة، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض؛ خسف بأولهم وآخرهم. قالت عائشة: يا رسول الله! وفيهم سواهم، ومن ليس منهم؟. قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم).([49])

فيكون العذاب حينئذ عاما إذا كان الفساد عاما، وينجي الله المتقين، ويكون النكال خاصا إذا كان المنكر خاصا غير مستعلن، كما قال عز من قائل في خبر قارون:) فخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ( ([50]).

المسألة الرابعة : إذا كان الرسول ﷺ‬ بعث رحمة، فكيف يقول المسلم: إن الآيات التي يسلطها الله على الخلق تعّد عذابا لهم؟! فأين رحمة المسلم لغيره من البشر؟! .

من كمال رحمة الله سبحانه وتعالى بخلقه أن أرسل إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب، فكانت رسالات الرسل تجمع بين الدلالة على الخير، والتحذير من الشر، ترغيبا وترهيبا، بشارة ونذارة، قال تعالى:) رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(([51]).

وكانت رسالتهم هداية للناس ورحمة، قال تعالى عن موسى عليه السلام -كما قال عن غيره-: )وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً ( ([52]). وقال عز من قائل عن عيسى عليه السلام: )وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ( ([53]).  

 ومع كونهم أرسلوا رحمة للعالمين، فكل رسول قال لقومه: إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، فهذا نوح عليه السلام يقول كما أخبر الله عنه:)يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(([54]) . وهذا شعيب يقول لقومه: )يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيط (.([55]) وكذلك هود خاف على قومه فقال:) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( ([56]). ودعا الخليل أباه إلى الله، وخوفه مما يعلم، فقال: )يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(.([57]) وهذا إمام الأنبياء والمرسلين ﷺ‬ يخاف عذاب ربه، إن هو عصاه، ويأمره ربه أن يقول لقومه - كما ذكر الله عنه-:) قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(([58]). ويأمر قومه بالاستغفار، ويخبرهم أنهم إن تولوا عن طاعة ربهم فإنه يخاف عليهم العذاب الكبير، فقال عز من قائل:) وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (([59]).

فكل الأنبياء – ما عدا الخليلين – عليهم السلام لما كُذّبوا دعوا على قومهم بالعذاب وبالاستئصال، فقال نوح عليه السلام، كما أخبر الله عنه:) وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا(([60]). وقال جلّ ثناؤه عن موسى عليه السلام :)وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ(. ([61])

وأخبر النبي ﷺ‬ أن الله سبحانه وتعالى جعل لكل نبي دعوة مستجابة، وأن كل نبي تعجل دعوته، وأنه ﷺ‬ من رحمته بأمته ادخر دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة، فعن أنس عن النبي e قال:( كل نبي سأل سؤلا، أو قال: لكل نبي دعوة قد دعا بها؛ فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ([62]) وفي رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله e:( لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا). ([63])      

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :(ومحمد وإبراهيم أفضل الرسل؛ فإنهم إذا علموا الدعوة حصل المقصود، وقد يتوب منهم من يتوب بعد ذلك، كما تاب من قريش من تاب، وأما حال إبراهيم فكانت إلى الرحمة أميل، فلم يسع في هلاك قومه لا بالدعاء، ولا بالمقام ودوام إقامة الحجة عليهم، وقد قال تعالى:)وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ (([64])....والخليلان هما أفضل الجميع، وفي طريقتهما من الرأفة والرحمة ما ليس في طريقة غيرهما).([65])

فنبينا محمد ﷺ‬ رحمة للعالمين من كل وجه، باعتبار ما حصل من الخير العام به، وما حصل للمؤمنين به من سعادة الدنيا والآخرة، وباعتبار أنه في نفسه رحمة، فمن قَبِلَها وإلا كان هو الظالم لنفسه، وباعتبار أنه قمع الكفار والمنافقين، فنقص شرهم، و عجزوا عما كانوا يفعلونه بدونه.([66])

فالرسول ﷺ‬ رحمة للخلق في دعوته وفي سلمه وفي حربه، يقول ابن القيم رحمه الله:( وأما نبي الرحمة فهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين؛ فرحم به أهل الأرض كلهم مؤمنهم وكافرهم، أما المؤمنون فنالوا النصيب الأوفر من الرحمة، وأما الكفار: فأهل الكتاب منهم عاشوا في ظله وتحت حبله وعهده، وأما من قتله منهم هو وأمته فإنهم عجلوا به إلى النار، وأراحواه من الحياة الطويلة التي لا يزداد بها إلا شدة العذاب في الآخرة).([67])

والعذاب والنكال الذي توعدت به الرسل أقوامهم لم يكن مجرد تهديد ووعيد؛ بل إذا تنكبت الأقوام عن الصراط، وعاندت المرسلين، واستكبرت على رب العالمين؛ فحينئذ يحق القول، وينزل بهم ما كان أنذرهم إياه رسولهم، كما قال تعالى:) فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(.([68])

وبين سبحانه وتعالى أن هذا العذاب الذي يصيب به أعداءه، إنما هو عذاب خزي لهم في الحياة الدنيا، وهو عذاب هوان لهم، قال تعالى:) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( ([69]). وأخبر الحق سبحانه وتعالى أن هذا العذاب المهين مستمر لكل من استكبر وطغى، فقال جل ثناؤه:)وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ( ([70])  

والرسول ﷺ‬ لم يكن بدعا من الرسل، فكما خاف على قومه المعاصرين له، وأنذرهم وخوّفهم؛ فقد خوف اللاحقين من أمته، وحذرهم من المعاصي والذنوب عموما، وحذرهم من معاص معينة محددة بعينها، وأخبرهم بما يترتب عليها من العذاب العاجل،([71])  فإخباره ﷺ‬ أمته، وتحذيره إياها لا يتعارض مع كونه أرسل رحمة للعالمين، فمن كمال رحمته إنذاره، ومن كمال رحمته أنه سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة بعامّة، ، حيث قال ﷺ‬ :(سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)([72]). بل لما بلغ به الأذى من قومه ما بلغ، وجاءه ملك الجبال يستأذنه في أن يطبق عليهم الأخشبين، قال مقالته الرحيمة المشهورة:( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا).([73])

ومن واجبه إبلاغ أمته بما ينتظرها، إن هي خالفت الأوامر الربانية، ومن كمال رأفته ورحمته أن يبين لأمته أسباب العذاب الذي يوشك أن يقع بها .

وحَمَلَة رسالته يقتدون بهديه، ويستنون بسنته، فيبشرون بما بشر به من سعة رحمة الله، وعظيم مغفرته،وفرحه بتوبة عبده، وينذرون بما أنذر به من أسباب الهلاك المترتب على مقارفة الذنوب والمعاصي. ولو لم يفعلوا لكان ذلك خيانة منهم لأمتهم، ومعصية لرسولهم ﷺ‬ .

فإذا وقع ما حذر منه الرسول ﷺ‬ ، فهذا مصداق نبوته ﷺ‬ ، ثم إذا قام العلماء بواجب التنبيه والتذكير فلا يتجه إليهم اللوم والتعنيف بسبب تحذيرهم وإنذارهم، ولا يعدّ عملهم هذا من باب الشماتة بمن وقعت عليهم هذه الأحداث، كما لا يعدّ قولهم هذا تزكية لأنفسهم ومجتمعهم، بل الجميع عرضة للخطأ، وعرضة لنزول العذاب إذا قارفوا أسبابه، وتعرضوا لما يسخط الجبار، سبحانه وتعالى .

المسألة الخامسة: ما الفرق بين الابتلاء للمؤمنين والعذاب للمعاندين؟.

ينبغي أن يُعلمَ أن الدنيا دار كبد وبلاء، قال تعالى:) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (([74]). وقال سبحانه وتعالى:) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(([75]). وقال سبحانه وتعالى:) وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ( ([76])  وأخرج أبو جعفر ابن جرير الطبري بسنده  عن عبد الله بن عمر عن النبي e أنه تلا هذه الآية: )لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً( قال:( أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله).([77]) فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعبدوه؛ وابتلاهم بالحسنات والسيئات، بالخير والشر؛ لينظر أيهم أحسن عملا، فمن أحسن فله الحسنى وزيادة، ومن أساء فله السوء بما قدمت يداه، وقد يبتلي الله الصالحين بالبلاء؛ رفعة لدرجاتهم، وتمحيصا لسيئاتهم، وليقتدي فيهم غيرهم، بالصبر والشكر على أقدار الله، قال تعالى:) الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(([78]). وأخرج الحاكم في المستدرك عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: سألت رسول الله e من أشد الناس بلاء؟ قال:(النبيون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، إن كان صلب الدين اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء على العبد حتى يدعه يمشي على الأرض ليس عليه خطيئة).([79])

 وبوّب البخاري رحمه الله في صحيحه بقوله: باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول، وأورد فيه حديث عبد الله قال: دخلت على رسول الله e - وهو يوعك - فقلت يا رسول الله! إنك لتوعك وعكا شديدا؟! قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك بأن لك أجرين، قال: أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى - شوكة فما فوقها - إلا كفّر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها).([80])  

قال ابن حجر رحمه الله: ( ووجه دلالة حديث الباب على الترجمة من جهة قياس الأنبياء على نبينا محمد e، وإلحاق الأولياء بهم لقربهم منهم، وإن كانت درجتهم منحطة عنهم، والسر فيه أن البلاء في مقابلة النعمة، فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاؤه أشد، ومن ثم ضوعف حد الحُرِّ على العبد، وقيل لأمهات المؤمنين: )يَانِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ(.([81]) قال ابن الجوزي: في الحديث دلالة على أن القوي يحمّل ما حمل، والضعيف يرفق به، إلا أنه كلما قويت المعرفة بالمبتلي هان عليه البلاء، ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء، وأعلى من ذلك درجة من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه؛ فيسلم ولا يعترض، وأرفع منه من شغلته المحبة عن طلب رفع البلاء، وأنهى المراتب من يتلذذ به؛ لأنه عن اختياره نشأ، والله أعلم). ([82])                                                                                                   

وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله متى يعرف العبد أن هذا الابتلاء امتحان أو عذاب ؟ إذا ابتلى أحد بمرض أو بلاء سيء في النفس أو المال , فكيف يعرف أن ذلك الابتلاء امتحان أو غضب من عند الله ؟!.

فأجاب: الله عز وجل يبتلي عباده بالسراء والضراء، وبالشدة والرخاء, وقد يبتليهم بها لرفع درجاتهم، وإعلاء ذكرهم، ومضاعفة حسناتهم كما يفعل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والصلحاء من عباد الله, كما قال النبي ﷺ‬ : ( أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)([83]) , وتارة يفعل ذلك سبحانه بسبب المعاصي و الذنوب, فتكون العقوبة معجلة، كما قال سبحانه:) وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ(([84]).فالغالب على الإنسان التقصير، وعدم القيام بالواجب، فما أصابه فهو بسبب ذنوبه وتقصيره بأمر الله, فإذا ابتلي أحد من عباد الله الصالحين بشيء من الأمراض أو نحوها؛ فإن هذا يكون من جنس ابتلاء الأنبياء والرسل، رفعا في الدرجات، وتعظيما للأجور، وليكون قدوة لغيره في الصبر والاحتساب، فالحاصل  أنه قد يكون البلاء لرفع الدرجات، وإعظام الأجور، كما يفعل الله بالأنبياء وبعض الأخيار, وقد يكون لتكفير السيئات كما في قوله تعالى :)  مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ(([85]). وقول النبي ﷺ‬ :(ما أصاب المسلم من هم و لا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه حتى الشوكة يشاكها )([86] وقوله ﷺ‬ : (من يرد الله به خيرا يصب به )([87]). وقد يكون ذلك عقوبة معجلة بسبب المعاصي، و عدم المبادرة للتوبة كما في الحديث عنه ﷺ‬ أنه قال : ( إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا , وإذا أراد الله بعبده الشر  أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة ) خرجه الترمذي وحسنه). ([88])

ونخلص من هذه المسألة إلى الحقائق التالية:-

1-                أن الحياة الدنيا دار كبد وعناء، وليست دار نعيم وهناء خالص لا شائبة فيه.

2-                أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعبدوه فابتلاهم بالحسنات والسيئات لينظر أيهم أحسن عملا .

3-                أن الله تعالى - وله الحكمة البالغة - يبتلي المؤمنين ؛ رفعة للدرجات، وتعظيما للأجور.

4-                أن الله جل ثناؤه يبتلي عباده؛ ليميز الخبيث من الطيب، وليتميز المؤمن من المنافق، قال تعالى:) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(. ([89])  

5-                أن ما يقدره الله سبحانه وتعالى - على العباد والبلاد - فله فيه جل ثناؤه الحكمة البالغة، والأمر الرشيد، قال تعالى:)وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ(([90])  

6-                أن الله سبحانه وتعالى - وهو الغني الحميد - أرسل الرسل وأنزل الكتب، وأقام الحجة على الخلق، فمن تنكب عن الصراط ، وخالف المنهج، فنزل به ما توعّد به؛ فقد أحقّ العذاب على نفسه ) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ(.([91])

7-                أنه ما من مصيبة تنزل في الناس أو تحل في الديار والبلاد إلا وهي مقدرة مكتوبة في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى، قال تعالى:) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  (.([92]

8-                أنه ما من وصب ولا نصب يصيب العبد أو بلاء عام يصيب الأمة إلا بسبب ما كسبته أيديهم، قال تعالى:) وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ(([93]).

وبعد بيان حقيقة العذاب الأدنى يحسن بنا أن نقف على الآية الكريمة التي كانت سببا في بحث هذا الموضوع، وما دلت عليه، وننظر في نظائرها ودلالاتها، فنسأل الله الإعانة والتوفيق .

 المبحث الثاني آية السجدة ونظائرها

آية السجدة ونظائرها

سبق الحديث في مقدمة هذا البحث أن آية السجدة هي التي دفعتني إلى ارتياد هذا البحث، وسبر غوره، واستكمال جوانبه، وفي هذا المبحث سأورد هذه الآية ونظائرها، وأبين المعاني التي اتفقت فيها، وأستجلي العبر التي اشتملت عليها، وإنما قدمت آية السجدة، وإن كان الأولى أن يقدم عليها غيرها؛ بسبب تقدمها في الورود في القرآن الكريم، لأن آية السجدة هي الآية الصريحة في هذا الشأن، فأقول مستعينا بالله :-

أولا : آية السجدة قال تعالى:} وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{.([94]) هذه الآية هي مدار البحث، وبيان المراد بالعذاب الأدنى في هذه الآية ييسر فهم المراد من نظائرها في القرآن الكريم، ويعزز ما أشرت إليه في صدر هذا البحث.

اختلف أهل التفسير في معنى العذاب الأدنى الذي وعد الله أن يذيقه هؤلاء الفسقة على أربعة أقوال:-

 القول الأول : أن المراد به مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها في الأنفس والأموال مما يبتلي الله بها العباد حتى يتوبوا. فممن قال بهذا القول: ابن عباس, وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب رضي الله عنهم،([95])  وأبو العالية، والضحاك، والحسن، وإبراهيم النخعي، وعلقمة، وعطية، ومجاهد، وقتادة، رحمهم الله. ويرى أصحاب هذا القول: أن ما مضى من البطشة ([96]) واللزام ([97]) والدخان ([98]) ، وما أصاب كفار قريش من القتل والسبي يوم بدر - أنها من هذا العذاب المشار إليه؛ إذ هي من مصائب الدنيا. ([99])

 وقال السيوطي في تفسيره : أخرج ابن مردويه عن أبي إدريس الخولاني رضي الله عنه قال سألت عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن قول الله: ) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ(  فقال: سألت رسول الله e عنها. فقال: هي المصائب والأسقام والأنصاب، عذاب للمسرف في الدنيا دون عذاب الآخرة. قلت: يا رسول الله! فما هي لنا؟ قال زكاة وطهور). ([100]) .

    القول الثاني : المراد به عذاب القبر. وهو مروي عن البراء بن عازب وأبي عبيدة ومجاهد . ([101])

 وقال ابن القيم رحمه الله :( وقد احتج بهذه الآية جماعة منهم عبد الله بن عباس على عذاب القبر، وفي الاحتجاج بها شيء؛ لأن هذا عذاب في الدنيا يستدعى به رجوعهم عن الكفر، ولم يكن هذا مما يخفى على حبر الأمة وترجمان القرآن، لكن من فقهه في القرآن ودقة فهمه فيه، فَهِمَ منها عذاب القبر؛ فانه سبحانه أخبر أن له فيهم عذابين: أدنى، وأكبر، فأخبر أنه يذيقهم بعض  الأدنى ليرجعوا، فدل على أنه بقى لهم من الأدنى بقية يعذبون بها بعد عذاب الدنيا، ولهذا قال:)مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى( ولم يقل: ولنذيقنهم العذاب الأدنى فتأمله، وهذا نظير قول النبي:( فيفتح  له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها. ولم يقل: فيأتيه حرها وسمومها. فإن الذي وصل إليه بعض ذلك، وبقي له أكثره، والذي ذاقه أعداء الله في الدنيا بعض العذاب، وبقي لهم ما هو أعظم منه).([102])

القول الثالث:  المراد به الحدود.وممن قال بهذا القول ابن عباس رضي الله عنهما. ([103])

القول الرابع :  المراد به السيف. وهو مروي عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: هو القتل بالسيف، كل شيء وعد الله هذه الأمة من العذاب الأدنى إنما هو السيف. ([104])

 ويرى ابن جرير رحمه الله أن أولى الأقوال في ذلك أن يقال:( إن الله وعد هؤلاء الفسقة المكذبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى أن يذيقهموه دون العذاب الأكبر، والعذاب: هو ما كان في الدنيا من بلاء أصابهم، إما شدة من مجاعة، أو قتل، أو مصائب يصابون بها، فكل ذلك من العذاب الأدنى، ولم يخصص الله تعالى ذكره إذ وعدهم ذلك أن يعذبهم بنوع من ذلك دون نوع، وقد عذبهم بكل ذلك في الدنيا بالقتل والجوع والشدائد والمصائب في الأموال فأوفى لهم بما وعدهم).([105])

ثانيا : نظائر الآية :

الآية الأولى: ) وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(([106]).

 معنى هذه الآية متفق مع الآية السابقة في أن الله سبحانه وتعالى يأخذ عباده المكذبين بأنواع العقوبات؛ لعلهم يرجعون، ففي هذه الآية يذكر الله جل ثناؤه أنه أرسل إلى الأمم السابقة المكذبة رسله فكذبوهم فأخذهم بالبأساء والضراء، فما المراد بالبأساء والضراء؟ وهل النكال الوارد في هذه الآية مماثل لما ورد في الآيات الأخرى؟.                                                           

فلننظر إلى ما قاله المفسرون في معنى هذه الآية فنجد أن المفسرين اختلفوا في المراد بالبأساء والضراء على أقوال، كما اختلفوا في المراد بالعذاب الأدنى:-

القول الأول : البأساء الفقر، وبه قال عبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي العالية والحسن في أحد قوليه، ومرة الهمداني وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل ابن حيان وابن جريج.([107]) خرج الحاكم في المستدرك :عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في قول الله عز وجل }وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْس{ ([108])قال عبد الله: البأساء الفقر، والضراء السقم، وحين البأس قال حين القتل). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ([109]).

القول الثاني : البأساء  البؤس، وبه قال مجاهد وقتادة.([110])

  القول الثالث: البأساء البلاء، وبه قال الحسن.([111])

 القول الرابع : البأساء  الخوف من السلطان، وبه قال سعيد بن جبير.([112])

  أما المراد بالضراء فقد ذكر المفسرون من معانيها ما يلي :-

 1ـ السقم، وقد قال أيوب عليه السلام } أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{.([113]) وبه قال عبد الله بن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومرة الهمداني وأبو مالك والضحاك والحسن ومجاهد والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان.([114])

2 ـ البلاء والشدة، وبه قال سعيد بن جبير. ([115])

الآية الثانية: قوله عز شأنه وتعالى سلطانه:) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ(.([116])سبق الحديث في الآية السابقة على المعنى المراد من قوله تعالى: ) إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء( مما أغنى عن إعادته هنا. لذا سأقتصر على بيان المعنى المراد من قوله تعالى: ) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لايَشْعُرُونَ(. فأقول: تكاد تتفق عبارات المفسرين على معنى الحسنة والسيئة المذكورتين في الآية الكريمة، فقد فسروا السيئة بالشدة، والشر، وما يستكره في هذه الحياة، وما يسوء. وفسروا الحسنة بالرخاء، والمال، والعدل، والولد، وما أحبوا في هذه الحياة الدنيا، وممن قال بذلك ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة ومجاهد وابن زيد. ([117])

وبين ابن كثير رحمه الله الحكمة من تبديل السيئة بالحسنة فقال: ( يقول تعالى مخبرا عما اختبر به الأمم الماضية، الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء، يعني بالبأساء: ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، والضراء ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك؛ لعلهم يضرعون أي يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم، وتقدير الكلام: أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا فما فعلوا شيئا من الذي أراد منهم، فقلب عليهم الحال إلى الرخاء؛ ليختبرهم فيه، ولهذا قال:) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ( أي حولنا الحال من شدة إلى رخاء، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية، ومن فقر إلى غنى؛ ليشكروا على ذلك فما فعلوا ... وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء، ويصبرون على الضراء، كما ثبت في الصحيحين: (عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له).([118]) فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء، ولهذا جاء في الحديث (لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله ولا فيم أرسلوه).([119])  

الآية الثالثة : قوله تعالى:) وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(.([120])  

قال أبو جعفر ابن جرير الطبري رحمه الله: يقول جل ثناؤه (اختبرناهم بالرخاء في العيش، والخفض في الدنيا، والدعة والسعة في الرزق، وهي: الحسنات التي ذكرها جل ثناؤه، ويعني بالسيئات: الشدة في العيش والشظف فيه، والمصائب والرزايا في الأموال؛ليرجعوا إلى طاعة ربهم، وينيبوا إليه، ويتوبوا من معاصيه). ([121])

وجاء عند ابن أبي حاتم وابن كثير والسيوطي رحمهم الله أن المراد بالحسنات: الخصب والرخاء والعافية. وأن المراد بالسيئات: الجدب والبلاء والعقوبة. ([122]) وهو كما يلاحظ القارئ معنى مقارب لما ورد عند ابن جرير، وهو نفس المعنى الذي أشارت إليه الآية السابقة.

الآية الرابعة: قوله تبارك وتعالى:)أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ(([123]).

هذه الآية خالفت الآيات السابقات من وجوه نذكر منها :

الوجه الأول: ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقات أنه يبتليهم بالبأساء والضراء، وبالحسنات والسيئات، ولم يحدد سبحانه وتعالى لذلك زمنا؛ بل جعل العمر كله ميدانا للابتلاء، وفي هذه الآية نبههم المولى إلى أنهم يتعرضون للاختبار في كل عام مرة أو مرتين، ومع ترادف البلاء، وتوالى النقم، إلا أنهم في غيهم سادرون، قال ابن جرير رحمه الله:(أولا يرى هؤلاء المنافقون أن الله يختبرهم في كل عام مرة أو مرتين، بمعنى: أنه يختبرهم في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين، ثم لا يتوبون، يقول: ثم هم - مع البلاء الذي يحل بهم من الله، والاختبار الذي يعْرِضُ لهم -  لا ينيبون من نفاقهم، ولا يتوبون من كفرهم، ولا هم يتذكرون بما يرون من حجج الله، ويعاينون من آياته فيتّعظوا بها؛ ولكنهم مصرون على نفاقهم).([124])

الوجه الثاني : ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات المتقدمات أنه يبتليهم بالخير والشر، وبالحسنات والسيئات، ولكن في هذه الآية ذكر أنه يفتنهم في كل عام مرة أو مرتين، فما المراد بالفتنة ([125])في هذه الآية؟.

اختلفت أقوال المفسرين في المراد بها على أربعة أقوال:ـ

القول الأول: هو ما يشيع المشركون من الأكاذيب على رسول ﷺ‬ وأصحابه رضي الله عنهم فيفتن بها الذين في قلوبهم مرض. وهذا القول رواه أبو الضحى عن حذيفة t  حيث قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين فيضل بها فئام من الناس كثير.([126]) وروى مثله ابن مردويه عن أبي سعيد. ([127])

 القول الثاني: هو الجهاد والغزو. وبه قال قتادة والحسن في قوله تعالى:)يُفْتَنُون فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ(. قال: يبتلون بالغزو في كل عام مرة أو مرتين.([128])

 القول الثالث: هو السنة والجوع وبه قال مجاهد. ([129]

القول الرابع: هو المرض، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال بكار بن مالك. وأخرج أبو الشيخ عن العتبي قال: إذا مرض العبد ثم عوفي فلم يزدد خيرا؛ قالت الملائكة عليهم السلام: هذا الذي داويناه فلم ينفعه الدواء. ([130])

  قال ابن جرير رحمه الله بعد أن ساق هذه الأقوال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله عجّبَ عبادَه المؤمنين من هؤلاء المنافقين، ووبخ المنافقين في أنفسهم بقلة تذكّرِهم، وسوء تنبّههم لمواعظ الله التي يعظهم بها. وجائز أن تكون تلك المواعظ الشدائد التي ينزلها بهم من الجوع والقحط، وجائز أن تكون ما يريهم من نصرة رسوله على أهل الكفر به، ويرزقه من إظهار كلمته على كلمتهم، وجائز أن تكون ما يظهر للمسلمين من نفاقهم، وخبث سرائرهم بركونهم إلى ما يسمعون من أراجيف المشركين برسول الله e وأصحابه، ولا خبر يوجب صحة بعض ذلك دون بعض من الوجه الذي يجب التسليم له، ولا قول في ذلك أولى بالصواب من التسليم لظاهر قول الله: وهو أو لا يرون أنهم يختبرون في كل عام مرة أو مرتين بما يكون زاجرا لهم، ثم لا ينزجرون ولا يتعظون). ([131])

الآية الخامسة: قال تعالى:) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ(.([132]

 اختلف المفسرون في المراد بالعذاب الوارد في هذه الآية على أقوال منها :-

القول الأول : أن المراد به عذاب خاص أرسله الله على قريش حين كذبوا رسوله ﷺ‬  فدعا عليهم ، ولذا ذكر ابن جرير رحمه الله أن هذه الآية نزلت على رسول الله e حين أخذ الله قريشا بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله e، وأخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال جاء أبو سفيان إلى النبي e فقال: يا محمد! أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز - يعني الوبر والدم - فأنزل الله هذه الآية. ([133])       

القول الثاني: أن المراد به جور السلطان ونقمته، وقال الحسن في معنى هذه الآية:(إذا أصاب الناس من قبل السلطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحميّة، ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية).([134])

القول الثالث: أن المراد به الجوع والجدب  وهو مروي عن ابن جريج ([135])  ومجاهد.([136])

القول الرابع: أن المراد به المصائب والشدائد، وهو ما فسر به ابن كثير رحمه الله هذه الآية.([137])

وهذه الأقوال لا تخرج عما فسرها به ابن كثير؛ فالجوع والجدب وجور السلطان كلها من المصائب والشدائد، وسواء كان الجوع خاصا بقوم قريش، أم كان عاما لكل من خالف وعصى؛ فكله داخل تحت العذاب الذي توعد به المعاندين والمستكبرين .

الآية السادسة: قال تعالى: } وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ{. ([138])  

في الآية السابقة ذكر الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، أنه أخذ أعداءه بالعذاب، وفتح عليهم باب عذاب، وتنوعت اجتهادات المفسرين في بيان العذاب الذي أنزله الله على هؤلاء المكذبين، وإن كانوا اتفقوا على أن سبب النزول هو مجيء أبي سفيان إلى الرسول ﷺ‬ يشكو إليه ما أصاب قريشا من الجوع والجهد .

فما المراد بالعذاب المذكور في هذه الآية؟ وهل هو مختلف عن العذاب المذكور في الآية السابقة أم لا؟ فأقول اختلف أهل التفسير في ذلك على أقوال منها:-

 القول الأول:  هو عذاب القبر. وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما. فقد روى قتادة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: إنكم لتجدون عذاب القبر في كتاب الله }وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ{. ([139]) وهو قول البراء – أيضا - كما أخرجه ابن جرير.([140])                     

القول الثاني: هو الجوع.  أو الجوع لقريش في الدنيا. وهو مروي عن مجاهد عن طريق ابن أبي نجيح.([141])       

القول الثالث: هي المصائب التي تصيبهم في الدنيا من ذهاب الأموال والأولاد. وهذا مروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم  إلى أن قال: فهي للمؤمنين أجر وثواب عند الله، ومصائبُ هؤلاء عجلهم الله إياها في الدنيا.([142])

وبعد أن أورد ابن جرير رحمه الله هذه الأقوال، وجمع بينها، وبيّن القول الجامع لها قال: (والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذابا دون يومهم الذي فيه يصعقون، وذلك يوم القيامة، فعذاب القبر دون يوم القيامة؛ لأنه في البرزخ؛ والجوع الذي أصاب كفار قريش، والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة، ولم يخصص الله نوعا من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة دون نوعٍ، بل عمّ فقال: }وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ{. فكل ذلك لهم عذاب، وذلك لهم دون يوم القيامة، فتأويل الكلام: وإن للذين كفروا بالله عذابا من الله دون يوم القيامة، ولكن أكثرهم لا يعلمون بأنهم ذائقوا ذلك العذاب).([143])

ويوضح ابن كثير غفلة المنافق عن ابتلاء الله له بالمصائب والنكبات، فيقول:( إن المنافق إذا مرض وعوفي، مثله في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أرسلوه، وفي الأثر الإلهي: كم أعصيك ولا تعاقبني. قال الله تعالى: يا عبدي! كم أعاقبك وأنت لا تدري). ([144])

   وبعد استعراض هذه الأقوال في بيان المراد بالعذاب في هذه الآية، ومقارنته بالمراد بالعذاب الوارد في الآية السابقة؛ نجد أن المراد بالعذاب في الآيتين يكاد يكون متفقا، عدا أنه ذكر من جملة العذاب المتوعد به في آية الطور – عذاب القبر.

وبعد أن استعرضنا هذه الآيات الكريمات يتبين لنا أنها من نظائر قوله تعالى: }وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{. وأن الألفاظ القرآنية التي تضمنتها للدلالة على المراد هي الألفاظ التالية :

1 ـ العذاب .

2 ـ السيئة والحسنة، أو السيئات والحسنات .

3 ـ الفتنة .

4 ـ البأساء والضراء .

ويتضح من تدبر هذه الآيات، والنظر في أقوال أهل العلم أن معاني هذه الألفاظ القرآنية لا تكاد تخرج عن مصائب الدنيا: من الهلاك، والشدة، والشر، والبؤس، والسقم، والسيف، وشظف العيش، والرزايا، والفقر، والجوع، والجهاد، والغزو، وفتنة المنافقين بأقوالهم ، والحدود، وعذاب القبر.

وإذا علمنا أن هذه المصائب والنكبات وأنواع العذاب هي مما يعاقب الله به عباده إذا عصوه أمره، وخالفوا شرعه، فما الأسباب الجالبة للعذاب الدنيوي؟ .

إن المتتبع لآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول الكريم ﷺ‬ يقف على عبر عظيمة، ودلالات كثيرة، مما قصه الله ورسوله ﷺ‬ علينا من أخبار الأمم الماضية، أو مما حذرنا الله ورسوله ﷺ‬ من الوقوع فيه من أصناف المنكرات التي تستنزل غضب الله ومقته، وفي المبحث التالي نستنبط من دلالات النصوص ما وقفنا عليه من أسباب العذاب الذي حُذّرنا منه؛ علها تكون عبرة لنا؛ لئلا نقع فيها، فتنزل بنا عواقبها الوخيمة، أجارنا الله منها .   

 المبحث الثالث الأسبــاب

                                                              الأسباب

قال تعالى:}ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{([145])  فالله سبحانه وتعالى قد جعل لكل شيء سببا، فللخير أسباب، وللشر أسباب، فمن بذل للخير أسبابه أوشك أن يدركه، ومن سعى إلى الشر واتخذ له أسبابه ؛ نزل ببابه، وضرب حوله أطنابه.     

   والأسباب التي ورد الشرع الحنيف بذكرها، وبين أن المتلبس بها حري أن تنزل به عواقبها، وتحيط به آثارها، تنقسم إلى قسمين :-

أسباب تجلب العذاب في الدنيا .

أسباب تجلب العذاب في القبر .

ومن هذه الأسباب ما يلي : ـ

 أولا: تكذيب الرسل

خلق الله الخلق لعبادته؛ ومن أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأيدهم بالآيات الحسية والمعنوية، وأيدهم بالبراهين القاطعة، والحجج الدامغة، سواء منها ما كان مبثوثا في هذا الكون الفسيح، أو كان مستقرا في نفوس الخلق } سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ{([146]). ووعد المؤمنين بهم بالنعيم المقيم في الدنيا والآخرة، وتوعد المخالفين بالعذاب والنكال في الدنيا والآخرة، وأخبر الحق سبحانه وتعالى عما حل بالأمم السابقة فقال عن قوم نوح } فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ فأنجيناه {([147]). وقال عن قوم إبراهيم }فكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ{([148]). وقال سبحانه وتعالى عن العذاب الذي أرسله على قوم فرعون لما كذبوا موسى u :} فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ {([149]). فهذا العذاب أرسله الله عليهم في حياتهم الدنيا، ثم قال تعالى عن العذاب الذي أعده لهم في قبورهم وما سيلاقونه من شديد العقاب:}وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ{([150]).

 والعذاب المترتب على تكذيب الرسل لا يزال متوعدا به من كذب وعصى قال تعالى: }أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ{([151]). وقال عز من قائل:} قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ{([152]).

وتلك سنة ماضية لا تتخلف، ووعيد حق لا يتأخر قال تعالى: }وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (76) سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً{([153]). وقال عز من قائل: } وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً{([154]

وبين النبي ﷺ‬ أن الله إذا أراد رحمة أمه قبض نبيها قبلها؛ ليكون لها فرطا وسلفا، وإذا أراد هلاك أمة عذبها ونبيها حي؛ لتقر عينه بهلكتها، فقد روى مسلم عن أبي موسى t  عن النبي e قال:(إن الله عز وجل إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه، وعصوا أمره).([155]

 ثانيا : ترك الصلاة

شرع الله الصلاة صلة بين العباد وربهم، وجعل مثوبتها الفلاح في الدنيا والآخرة، فقال تعالى:)قَدْ َفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (.([156])  يناجي فيها العبد ربه، ففي الحديث القدسي يقول الرب سبحانه وتعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد:)الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال: )  الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ(. قال الله تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال:)مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ(. قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي. فإذا قال:)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(. قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال:) اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(. قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل).([157])

وجعلها طهارة لأبدانهم وأردانهم من الذنوب والآثام، قال تعالى :) وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ(([158]) وفي الصحيحين عن أبي هريرة t أنه سمع رسول الله e يقول:(أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم، يغتسل فيه كل يوم خمسا، ما تقول ذلك يبقي من درنه؟. قالوا: لا يبقي من درنه شيئا. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا).([159])

والصلاة كما تنقي العبد من الذنوب وآثارها، فهي تنهى المسلم من مقارفة الفواحش والآثام، قال جل ثناؤه:) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ(.([160]) فمن تهاون بها وضيعها فهو متوعد بأشد أنواع العذاب في الدنيا والآخرة، قال تعالى :) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(. ([161]) والصلاة من أعظم الذكر.

 وأخبر النبي ﷺ‬ أمته بالعذاب الذي يلقاه في قبره المتهاون بالصلاة، ففي الصحيح عن سمرة بن جندب t قال: كان رسول الله e - يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه -: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص. وإنه قال ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق. وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما سبحان الله! ما هذان؟ قال قالا لي: انطلق انطلق ... إلى أن قال: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر؛ فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة ).([162]) هذا عذابه في قبره، أما يوم القيامة فقد ذكر الله تعالى شيئا من عذاب تاركي الصلاة، فقال عز من قائل: )فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(.([163]) وقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه:) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ(.([164])

 ثالثا :منع الزكاة

الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام ، وهي قرينة الصلاة، جمع الله بينها وبين الصلاة في آيات كثيرة تزيد على عشرين موضعا في كتاب الله، كما في قوله تعالى: }وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِين{([165]) ، وجعل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة علامة على إسلام العبد لله، فقال تعالى: }َفإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين{([166]) ، وقاتل الصديق t من فرق بين الصلاة والزكاة، وأقره على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، وما ذاك إلا لعظيم مكانتها في هذا الدين .

فإذا كانت الزكاة بهذه المكانة فلا غرو أن رتب الشارع العقوبات العظيمة على من منعها، ومن تأمل العذاب المترتب على منع الزكاة أدرك تمام الحكمة الإلهية في المناسبة بين الذنب وبين العقوبة، فإذا كان من معاني الزكاة البركة والنماء ، فإن من عقوبة منعها منع المطر الذي تنمو به الخيرات، وتخرج الأرض بركتها، ومن عقوبتها – أيضا - أن يبتلى الناس بالسنين وهي الجدب والقحط، فلما منعوا فضول أموالهم؛ شدد الله عليهم في أرزاقهم، قال ابن القيم رحمه الله :( وتأمل حكمة الله في حبس الغيث عن عباده وابتلائهم بالقحط إذا منعوا الزكاة وحرموا المساكين؛ كيف جوزوا على منع ما للمساكين قِبَلَهم من القوت بمنع الله مادة القوت والرزق وحبسها عنهم، فقال لهم بلسان الحال: منعتم الحق فمنعتم الغيث، فهلا استنزلتموه ببذل ما لله قِبَلكم).([167])

  يدل لذلك ما رواه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله e :(ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر). وقال الحاكم:هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.([168])

وورد عند الطبراني بلفظ قال رسول الله e :(ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين).([169])  وأخرجه المنذري في الترغيب و الترهيب وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات والحاكم والبيهقي في حديث إلا أنهما قالا: (ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر).  وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ورواه ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث ابن عمر.. ([170])

وعن عبد الله بن عمر أن رجلا قال للنبي e: (أي المؤمنين أفضل؟ قال أحسنهم خلقا. قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم له استعدادا؛ أولئك الأكياس، ثم قال النبي e: خمس خصال يا معشر المهاجرين! أن تنزل بكم، أعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن فشت في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم، وما منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا المطر، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخذوا فيما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم).([171])

فهذه الأحاديث دالة على أن الأمة إذا منعت الزكاة منعت القطر، وإذا منعت حق الضعيف منعها الله سبب الخير والنماء.

 رابعا: ترك الجهاد

شرع الله الجهاد لإعلاء كلمته، والدفاع عن دينه، فقال تعالى: }وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ {([172]) ، وجعله ذروة سنام الإسلام، فعن معاذ بن جبل t قال: كنا مع رسول الله e في غزوة تبوك فقال لي:(إن شئت أنبأتك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه. قال: قلت أجل يا رسول الله! قال أما رأس الأمر فالإسلام، وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد). قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ([173])

وبين النبي ﷺ‬   مكانة الجهاد في هذا الدين، فعن أبي هريرة أن رسول الله e سئل أي العمل أفضل؟ فقال: (إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال حج مبرور).([174])

وكما بين الرسول ﷺ‬  مكانته، وأنه ذروة سنام هذا الأمر؛ فقد بين العاقبة المترتبة على تركه، وأنها على سبيل المقابلة، فلما كان الجهاد سبيل العز والسؤدد؛ كان تركه سبيل الذلة والمسكنة، فعن ابن عمر t قال: سمعت رسول الله e يقول:( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم).([175]

وأخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق نجدة بن نفيع قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله عز وجل:}إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا{([176])  قال: استنفر رسول الله e حيا من أحياء العرب فتثاقلوا؛ فأمسك عنهم المطر، وكان عذابهم). قال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.([177])

 خامسا : ظهور  الفاحشة

خلق الله خلقه لعبادته، وحرم عليهم معصيته، فقال تعالى:}وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا {([178]). ونهاهم عن المعاصي والآثام ما ظهر منها وما بطن فقال جل ثناؤه:} وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ{ ([179]) . وقال عز من قائل:}قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ {([180]) .  وحذر نبينا ﷺ‬ أمته من مغبة مقارفة الفواحش، وبين أنها سبيل هلكة، وأن الأمة متى ما استعلنوا بها أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده، كما أخبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله e فقال:( يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا).([181]) إلى آخر الحديث .

  وعن بريدة قال قال رسول الله e:( ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم. ولا ظهرت فاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت. ولا منع قوم قط الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر). ([182])

وعن ميمونة زوج النبي e قالت: سمعت النبي e يقول:( لا تزال أمتي بخيرٍ متماسك أمرها، ما لم يظهر فيهم ولد الزنى، فإذا ظهروا خشيت أن يعمهم الله بعقاب).([183])

وروى هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده عن ميمونة زوج النبي e بلفظ:( لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا؛ فيوشك أن يعمهم الله عز وجل بعقاب).([184])

  وبعد أن أورد ابن حجر هذا الحديث وعزاه إلى المسند من طريق عائشة قال: (سنده حسن. ثم قال: ففي هذه الأحاديث أن الطاعون قد يقع عقوبة بسبب المعصية). ([185])

فتضمنت هذه الأحاديث أن الأمة إذا انتشرت فيها الفاحشة وأعلنت بها فلتنتظر الطاعون، والأمراض التي لم تكن معروفة في أسلافهم، كما جاء ذلك في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفي حديث بريدة، ورد الوعيد الشديد بأن يسلط عليهم الموت، وفي حديث ميمونة رضي الله عنها نصب النبي الكريم ﷺ‬ لأمته علامة ، وهي فشو ولد الزنا؛ فإذا ظهر فيهم فقد أوشك أن يتمزق جمعهم، وأن يتفرق شملهم، وأوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده .

وبعد ذكر الأدلة على أن الفاحشة سبب للعذاب الدنيوي، يحسن بنا أن ننظر ما قاله أهل اللغة في معنى الفاحشة، فقد قال الفيروز أبادي في قاموسه:(الفاحشة: الزنى، وما يشتد قبحه من الذنوب، وكل ما نهى الله عز وجل عنه، والفحشاء: البخل في أداء الزكاة، والفاحش البخيل جدا، والفحش عدوان الجواب، ومنه لا تكوني فاحشة لعائشة. رضي الله عنها. ([186])

وقال ابن منظور في لسان العرب:(الفاحشة: القبيح من القول والفعل، وجمعها الفواحش، و أفحش عليه في المنطق أي قال الفحش، والفحشاء اسم الفاحشة ... و الفحش الاسم، ورجل فاحش ذو فحش، وفي الحديث: (إن الله يبغض الفاحش المتفحش). فالفاحش: ذو الفحش والخنا من قول وفعل، والمتفحش الذي يتكلف سب الناس ويتعمده، وقد تكرر ذكر الفحش والفاحشة والفاحش في الحديث: وهو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي.([187])

وعرفها الجرجاني في التعريفات بقوله:(الفاحشة هي التي توجب الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة).([188])

وقد وردت لفظة الفاحشة والفحشاء في القرآن الكريم بمعان متعددة: ففي قوله تعالى: } إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء {([189]) وفي قوله تعالى : } الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء {([190]) - يراد بها عموم المعاصي والآثام، وفي قوله تعالى: }وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ{([191]) فيراد بها الزنى، وفي قوله تعالى: }وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون {([192]) فالمقصود بها هنا جريمة اللواط. فنستخلص من ذلك أنه إذا ظهر الزنى أو اللواط في أمة فقد استنزلت غضب الله ومقته عليها.

 سادسا:نقض العهد

أمر الله بالوفاء بالعهد، وحرم نقضه، وأثنى على الذين يوفون بعهدهم، فقال تعالى:} وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ{([193]) ، وقال جل ثناؤه: }مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ{([194]) ، وذمّ سبحانه وتعالى الذين ينقضون العهد والميثاق فقال سبحانه: }الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون{([195])، وبين سبحانه وتعالى أنه أحلّ عقوبته بأهل الكتاب لما نقضوا عهدهم، فقال عز من قائل: }فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً... إلى قوله: فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا {([196]) وقال تعالى: }فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ{ ([197]) .

وبين النبي ﷺ‬ أن هذه الأمة متوعدة بالعذاب إذا نقضت عهدها، وحري أن ينزل بها النكال كما نزل بالأمم السابقة التي هددها ربها بالعذاب إذا نقضت عهدها؛ فأذاقها العذاب جزاء نقضها، فعن عبد الله بن عمر:(قال أقبل علينا رسول الله e فقال: يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن:وذكر منها: ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم).  ([198])

وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله e:( ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم) . ([199])

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e : (خمس بخمس، قالوا: يا رسول الله! وما خمس بخمس؟ قال ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم. وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر. ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت. ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين. ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر).([200])

ففي هذه الأحاديث رتب الشارع أنواعا من العذاب على نقض العهد؛ ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما ورد الوعيد بتسليط العدو على الأمة إذا نقضت العهد، ولم يرد ما نوع هذا التسلط، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما جاء التهديد بأن يسلط العدو على الأمة، فيأخذ بعض ما في أيديها، وفي حديث بريدة ورد التخويف بانتشار القتل فيما بينهم .

فقد يقول قائل: فما المراد بالعهد الذي ورد بشأنه ما ورد من الثناء لمن وفى به، والنكال لمن نقضه؟

وقبل الحديث عن نقض العهد، يناسب أن نتعرف على معنى العهد لغة واصطلاحا.

 فأما معناه لغة، فقد عرفه الرازي في مختار الصحاح بقوله: (العهد: الأمان، واليمين، والموثِق، والذمة، والحِفَاظُ، والوصية، و عهد إليه من باب فهم، أي أوصاه، ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة.) ([201])

 ومعناه اصطلاحا: (العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال. هذا أصله ثم استعمل في الموْثِق الذي تلزم مراعاته.) ([202])

وقال ابن منظور : (العهد كل ما عوهد الله عليه، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد، وأمر اليتيم من العهد، وكذلك كل ما أمر الله به في هذه الآيات، ونهى عنه.)([203])

وأورد الراغب الأصفهاني في مفرداته معنى العهد، ثم بين معاني العهد في القرآن الكريم فقال: (العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال، وسمي المَوثِق الذي يلزم مراعاته عهدا... وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به في الكتاب وبألسنة رسله، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور). ([204])

وبعد هذا البيان لمعناه اللغوي والاصطلاحي، يحسن بنا أن نتعرف على ما قاله المفسرون في معنى العهد في القرآن الكريم ، وما المراد به؟ .

اختلف المفسرون في معنى العهد في قوله تعالى: }الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِه{([205]) كما أنهم ـ أيضا ـ لم يتفقوا على معنى العهد في الآيات الأخرى؛ فمنهم من قال: إن معنى العهد في قوله تعالى: }الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِه{  هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ‬ ، ونقضهم ذلك تركهم العمل به.

 ومنهم من قال: هو ما أخذه الله عليهم في التوراة، من العمل بما فيها، واتباع محمد e إذا بعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم عِلْم ذلك عن الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه.

 ومنهم من قال: عهده إلى جميع خلقه في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها، الشاهدة لهم على صدقهم، قالوا: ونقضُهم ذلك تركهُم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبُهم الرسلَ والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق.

ومنم من قال: هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الذي وصفه في قوله: }وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ{([206])  الآيتين، ونقضُهم ذلك تركُهم الوفاء به. ([207])

وقال ابن كثير:( قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى }الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِه{ إلى قوله :) أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(  قال: هي ست خصال من المنافقين إذا كانت فيهم الظُهرَة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض. وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا).([208])

 سابعا: الربا

حرم الله الربا على هذه الأمة، كما حرمه على من سبق، فقال جل ثناؤه:} فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا { ([209]) ، وقال سبحانه وتعالى :} وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا{([210])

 وحذر أكلة الربا من عقوبات متنوعة في الدار الدنيا، وفي دار البرزخ، وفي الدار الآخرة، فأما عقوبة الدنيا فهي محق البركة، ولزوم الفقر، قال تعالى: } يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ{([211]) . وقال عثمان بن عفان t: (ما استحل قوم الربا إلا ضربهم الله بالفقر والحاجة). ([212])

 وأما عقوبة البرزخ فحسْب المرابي تلك الصورة البشعة التي أخبر النبي ﷺ‬ أنه رأى المرابي يتقلب فيها، وهي فيما أخرجه البخاري رحمه الله عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال النبي e:( رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج؛ رمى الرجل بحجر في فيه، فردّه حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر، فيرجع كما كان، فقلت ما هذا؟... فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا!). ([213])

وأما عقوبة الدار الآخرة فقد تضمنها قوله تعالى:} الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ{([214]) قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونا يُخنق) ([215]) ، وقال قتادة في تفسير هذه الآية: (وتلك علامة أهل الربا يوم القيامة، بُعثوا وبهم خبل من الشيطان). ([216])  وقال ابن كثير رحمه الله: ( أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياما منكرا). ([217])

وهناك عقوبتان مشتركتان بين الدنيا والآخرة، أما العقوبة الأولى ففي قوله تعالى:} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ{([218]) . فهذا وعيد شديد وتهديد أكيد لأكلة الربا في الدنيا والآخرة، ويقال للمرابي يوم القيامة: خذ سلاحك للحرب. كما روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ([219]) .

أما العقوبة الثانية فهي الطرد والإبعاد عن رحمة الله كما صح الخبر بذلك عن سيد البشر ﷺ‬ أنه لعن آكل الربا، فقد أخرج البخاري رحمه الله عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه اشترى غلاما حجاما، فقال:(إن النبي e نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن آكل الربا وموكله، والواشمة والمستوشمة، والمصور). ([220])

ولما طلب المرابي زيادة المال بغير حق عاقبه الله بمحق بركة ماله، وكذا لما طلب الفقير سدّ خلته بطريق حرام ضربه الله بالفقر، وكذا لما كان المرابي يتخبط ذات اليمين وذات الشمال وهو نهِمٌ لا يشبع؛ عوقب يوم القيامة بأن يقوم من قبره يتخبط كالمصروع، وحيث كان يهيم في أودية الدنيا بحثا عن المال المحرم تقلب في نهر من الدم في حياته البرزخية، ومع هذه العقوبات التي توعده الله بها فهو متمادٍ في جشعه، مغرق في طمعه؛ لعنه الله، وآذنه بحربه .

 ثامنا: عدم التنزه من البول

أمر الله عباده بكل ما فيه طهارة أبدانهم، وزكاة أرواحهم؛ إتماما للنعمة، ودفعا للنقمة، قال تعالى: }يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ... إلى قوله: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{ ([221] وقال جل ثناؤه:}إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ{ ([222]). وجعل ذلك مغفرة لخطاياهم، وكفارة لسيئاتهم، فعن أبي هريرة أن رسول الله e قال:(إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه، خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء؛ حتى يخرج نقيا من الذنوب). ([223])

ولما كانت الطهارة بهذه المثابة كان التفريط فيها، وعدم التنزه من ضدها يحلّ بصاحبه العقوبة الأخروية التي وردت بها الأحاديث الصحيحة، فعن ابن عباس قال: مر النبي e بقبرين، فقال: ( إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله! لم فعلت هذا؟. قال: لعله يخفف عنهما، ما لم ييبسا). ([224])

وعن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه إلى النبي e قال:(عامة عذاب القبر من البول). ([225])

وعن أنس بن مالك قال: مر سول الله ﷺ‬  بقبر؛ فنفرت بغتله الشهباء، فأخذ القوم، فقال: خلوا عنها؛ فإن صاحب القبر يعذب؛ فإنه لا يستنزه من البول).([226])

 تاسعا : الإحداث في الدين

أتم الله الدين، وأكمل النعمة، وختم الرسالات بمحمد ﷺ‬ ؛ فكل ابتداع في الدين، واستدراك على الشرع ؛ فهو افتراء على الله؛ وما ذاك إلا لأن المبتدع والمحدث يزعم بلسان حاله أو مقاله أن في الشرع نقصا يستدعي الإكمال، أو أن فيه خلالا يستوجب الاستدراك.

والمراد بالمحدثات: ما أُحْدِث، وليس له أصل في الشرع. ويسمى في عرف الشرع بدعة. وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة. ([227]

ولذا كان أئمة السنة متوافرين على إقامة السنة ورفع شعارها، وعلى ذم البدع وإنكارها؛ أخذا من توجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فقد قال تعالى:} إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ{ ([228] وقال رسول الله ﷺ‬ :(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ([229]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:( وكان أئمة السنة والجماعة كلما ابتدع في الدين بدعة أنكروها ولم يقروها؛ ولهذا حفظ الله دين الإسلام، فلا يزال في أمة محمد طائفة هادية مهدية ظاهرة منصورة، بخلاف أهل الكتاب، فإن النصارى ابتدعوا بدعا خالفوا بها المسيح، وقهروا من خالفهم ممن كان متمسكا بشرع المسيح، حتى لم يبق حين بعث الله محمدا من هو متمسك بدين المسيح إلا بقايا من أهل الكتاب) ([230]). وقال الشاطبي في الاعتصام محذرا من البدع والمحدثات، ومبينا عظيم مغبتها: (فليتق الله امرؤ ربه، ولينظر قبل الإحداث في أي مزلة يضع قدمه في مصون أمره، يثق بعقله في التشريع، ويتهم ربه فيما شرع، ولا يدري المسكين ما الذي يوضع له في ميزان سيئاته، مما ليس في حسابه، ولا شعر أنه من عمله، فما من بدعة يبتدعها أحد فيُعمل بها من بعده إلا كتب عليه إثم ذلك العامل زيادة إلى إثم ابتداعه أولا، ثم عمله ثانيا.وإذا ثبت أن كل بدعة تبتدع فلا تزداد على طول الزمان إلا مضيا حسبما تقدم، واشتهارا وانتشارا؛ فعلى وزان ذلك يكون إثم المبتدع لها، كما أن من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة - وأيضا - فإذا كانت كل بدعة يلزمها إماتة سنة تقابلها، كان على المبتدع إثم ذلك أيضا، فهو إثم زائد على إثم الابتداع؛ وذلك الإثم يتضاعف تضاعف إثم البدعة بالعمل بها؛ لأنها كلما تجددت في قول أو عمل تجددت إماتة السنة كذلك) ([231]).

والقرآن الكريم يدل على أن على مبتدعها إثم من عمل بها إلى يوم القيامة قال تعالى:}لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ{ ([232])، فهم يحملون وزر الضلال والإضلال، ويدل لذلك - أيضا - قوله عليه الصلاة والسلام:( ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء). ([233])   

ولما كان الإحداث في الدين والابتداع بهذه الهوة السحيقة من الضلال والهلاك فقد حذر منه الشارع أيما تحذير، وتوعد عليه بالعقوبات العاجلة والآجلة، ومن هذه العقوبات ما يلي :-

1-                أن يسلط الأشرار على الأخيار فيسومونهم سوء العذاب، كما روى أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله e:( لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته ما لم تحدثوا أعمالا تنزعه منكم، فإذا فعلتم ذلك؛ سلط الله عليكم شرار خلقه فالتحوكم كما يلتحى القضيب).قال الحاكم في المستدرك هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ([234])

وقال ابن منظور: (هو من لحوت الشجرة إذا أخذت لحاءها وهو قشرها...واللحاء ما على العصا من قشرها، ولحاء كل شجرة قشرها، واللحاء: قشر كل شيء، ولحوت العود ألحوه، وألحاه إذا قشرته، والتحيت العصا، ولحيتها التحاء ولحيا إذا قشرتها).([235])

2-                اللعن، وألا يقبل منه صرف ولا عدل، فقد أخرج البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه قال:( ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي e المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل).([236])

 واللعن فى اللغة: هو الإبعاد والطرد.

 وفى الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى.([237]) والمراد بلعنة الملائكة والناس: أي تلعنهم، فكما أن العالم يستغفر له كل شيء، فكذلك العصاة تلعنهم كل دابة على وجه الأرض، وقيل المراد به : المبالغة في الإبعاد عن رحمة الله. والمراد باللعن هنا: العذاب الذي يستحقه على ذنبه في أول الأمر، وليس هو كلعن الكافر ([238])

3-                الذلة في الدنيا، والعذاب في الآخرة قال تعالى:}إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ{([239]).قال الشاطبي رحمه الله معلقا على هذه الآية:( فهو عموم فيهم، وفيمن أشبههم من حيث كانت البدع كلها افتراء على الله حسبما أخبر في كتابه في قوله تعالى:}قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاء عَلَى اللَّهِ{([240]). فإذا كل من ابتدع في دين الله فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي في عزه وجبريته، فهم في أنفسهم أذلاء)([241]).

4-                أن المبتدع يحمل وزره ووزر من تبعه يوم القيامة قال تعالى:}لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ{ ([242]).

 عاشرا :عدم الحكم بما أنزل الله

         أنزل الله الشرع المحكم ؛ ليتحاكم الناس إليه كما قال تعالى: }كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ{.([243]) وبين سبحانه وتعالى أنه يحكم ولا معقب لحكمه، فقال جل شأنه: } وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ{([244])، وأرشد عباده إلى أن أمره يدلهم إلى خير طريق وأقوم سبيل، فقال جل ثناؤه: }إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ{([245] وأمرنا أن نرجع إليه عند التنازع فقال سبحانه وتعالى:} فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ{([246])، وجعل التحاكم إلى شرعه علامة على الإيمان،  فقال سبحانه: } فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا{([247])، ونبه المؤمنين إلى أنه لا يسوغ لهم أن ينتقوا من شرع ربهم ما يوافق أهواءهم، ويتخلوا عما فيه عنتهم ومشقتهم، ومخالفة أهوائهم، فقال تعالى: }وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ{([248])، وأمر نبيه بالتحاكم إلى شرعه، فقال سبحانه: } وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ{([249]). 

        فإذا شرع الحكيم لعباده حكما، وتنكبوا عن صراطه، وخالفوا أمره، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ فحينئذ يتعرضون لعذاب الله، وينزلون بأنفسهم مقت الله وغضبه، كما أخبر الصادق المصدوق حينما أنذر أمته مغبة المخالفة، فقال: (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم).([250]) فلما تركوا ما جعله الله سبيلا لائتلاف قلوبهم، وصلاح شأنهم؛ عاقبهم الله بضد ذلك، وهو أن يجعل بأسهم بينهم، فنعوذ بالله من الخذلان .

 حادي عشر : النميمة

شرع الله لعباده كل ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وحرم عليهم كل ما فيه فساد أولاهم وأخراهم؛ ليعيش المسلم مع إخوانه في سلام ووئام، وجعل من الكبائر المحرمة والجرائم المعجلة العقوبة ، كل ما يتناقض مع هذه الغاية النبيلة، ومن هذه الجرائر النميمة ، وهي كما قال الغزالي: (النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه). وقال ابن حجر في الفتح: (ولا اختصاص لها بذلك بل ضابطها: كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو غيرهما، وسواء كان المنقول قولا أم فعلا، وسواء كان عيبا أم لا)([251]).

وقد وردت نصوص من القرآن والسنة تحرم هذه الفعلة، وتبين عاقبتها، فمن ذلك قوله تعالى:} وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ{([252]). وقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: } هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ{([253])        

وصح عن النبي ﷺ‬ من حديث حذيفة t قال سمعت النبي e يقول: (لا يدخل الجنة قتات).([254])

وفي حديث ابن عباس السابق:(وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله! لم فعلت هذا؟. قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا).([255])

فتضمنت هذه النصوص العذاب المترتب على هذا العمل، إذ دلت الآيات وحديث حذيفة على أن النمام لا يدخل الجنة، وأنه متوعد بالنار ما لم يتب، كما تضمن حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه متوعد بعذاب القبر، ما لم يتب أيضا.

 ثاني عشر : كثرة الخبث

أمر الله عباده المؤمنين بعمل الصالحات، ووعدهم على ذلك الأمن في الدنيا، والفوز في الأخرى، وحذرهم من مخالفة أمره والوقوع في نهيه ومعصيته، وكما رتب على الطاعة الأجر في الدنيا والآخرة؛ فقد رتب على المعصية العذاب في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: }وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا{([256] وقال جل ثناؤه:} ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{([257]).

فإذا عمّ الذنب عمّ العذاب، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب بنت جحش رضي الله عنهن أن النبي e دخل عليها فزعا يقول: (لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها. قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟. قال: نعم إذا كثر الخبث!!) ([258])  وقد سئل ابن وهب عن قوله في هذا الحديث: إذا كثر الخبث. فقال: أولاد الزنى. ([259])

وأخرج ابن عبد البر في الاستذكار من طريق منذر الثوري عن الحسن بن محمد قال حدثتني امرأة من الأنصار قالت دخلت على أم سلمة زوج النبي e فبينا أنا عندها إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم بكلام لم أفهمه، فسألت أم سلمة بعد خروجه، فقالت: (إن الفساد إذا فشا في الأرض ولم يتناه عنه أرسل الله بأسه على أهل الأرض. قالت: قلت يا رسول الله! وفيهم الصالحون؟ قال: نعم، وفيهم الصالحون، يصيبهم ما أصابهم، ويقبضهم الله إلى رحمته ورضوانه ومغفرته.) ([260])

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (كان يقال: إن الله تبارك وتعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم).([261])

فلما شاع فيهم الذنب ولم ينكروه، ولم تتمعر وجوههم من رؤيتهم له؛ عمهم العذاب، واستحقوا مقت الله وعذابه .

 ثالث عشر: الكذب

الكذب خلة ذميمة، لا يلجأ إليه ويتحراه إلا من ضعف دينه، وقلّ عقله، وما ذاك إلا لأن الكاذب لا يكذب إلا لينال من خلاله مطمعا، أو ليدفع عنه مزعجا، أو ليستر به نقصا، ويواري به ضعفا، ولو كمل إيمانه، وتم له عقله؛ لأيقن أن الله قد كتب كل شيء وقدره، فلن يستجلب العبد بالكذب مالم يقدر له، ولن يدفع عن نفسه بالكذب ما قدر عليه،ولن  ينال به حمدا، ولن يدفع به ذما؛ بل هو طريق يستجلب به العبد سخط الله ومقته عليه.

وكلما كان الكذب أعظم أثرا، كانت عقوبته أكبر وأعظم، فأعظم الكذب الكذب على الله، حيث جعله الله أعظم من الشرك، فقال سبحانه وتعالى:) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (.([262])    

وكتب الله جلّ في علاه على المفترين عليه الخسارة في الدنيا والآخرة، فقال تعالى:) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ(.([263]) وتوعد النبي ﷺ‬ من كذب عليه متعمدا أن يتبوأ مقعده من النار، فقال ﷺ‬:( من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار).([264]) كما بين النبي ﷺ‬ أن من امتهن الكذب وتحراه فإنه يختم له بخاتمة السوء، فقال النبي e :( إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا).([265])  

كما أخبر النبي ﷺ‬ عن عقوبة الكذب الواسع الانتشار، فقال ﷺ‬ في ذلك الخبر الطويل العظيم: (فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، قال: وربما قال أبو رجاء فيشق، قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال قلت: سبحان الله! ما هذان؟. إلى أن قال: وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه؛ فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق).([266]) فهذا من علامات نبوته ﷺ‬ حيث أخبر عن هذا النوع من الكذب الذي يعظم أثره، ويبلغ الآفاق، ولعل أوضح وسيلة لهذا الكذب الواسع، الكذب في وسائل الإعلام ومواقع الشبكة المعلوماتية (الأنترنت) .

ففضحت هذه النصوص الكذاب، وبينت سوء عاقبته في الدنيا والآخرة، وأن الكذب منه ما هو أعظم من الشرك، ومنه ما يورد صاحبه النار، ويختم لملازمه بخاتمة السوء، ومنه ما يلقى صاحبه هذا العذاب البشع في قبره حيث يشرشر شدقه وفمه ومنخراه بكلوب من حديد .

وبعد هذا الذكر الموجز لأسباب العذاب الدنيوي وما قد يترتب عليه من العذاب الأخروي يحسن بنا أن نقف على أنواع العذاب الذي توعد الله به من خالف أمره، وتنكب عن صراطه المستقيم .

 المبحث الرابع أصناف العذاب

أصناف العذاب

استعرضنا طرفا من أسباب العذاب في المبحث السابق، وهذا أوان الحديث عن العذاب المترتب على هذه الذنوب والمعاصي التي هي أسباب لهذا النكال، بل هي الجالبة والموجبة له.

وكما تنوعت الجرائر بسبب تنوع دواعيها في النفس البشرية، إذ جميعها يرجع إلى أصلين: ترك مأمور، وفعل محظور، وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه أبوي الجن والأنس بهما، وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلى ظاهر على الجوارح، وباطن في القلوب، وباعتبار متعلقة إلى حق الله وحق خلقه([267])  .

وقد تفاوتت درجات الذنوب بسبب اختلاف مفاسدها وما ينتج عنها؛ ولذا تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة، ولله الحكمة البالغة فقد يعم بالعذاب، وقد يؤجله، وقد يصبه على صاحبه، وهو لا يشعر، ويظن أنه منعم، وهو مستدرج، قال تعالى:﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾([268]) وقال جل ثناؤه: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(([269]).          

وقال سبحانه وتعالى : ﴿ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا(([270]) .

فنخلص من هذا إلى أن العذاب متنوع متفاوت، ومعجل ومؤجل، وخاص وعام، قد يعم العذاب كالزلزلة، وقد يخص كعذاب القبر والحمى والأمراض. وفيما يلي بيان لبعض أنواعه التي وردت في القرآن والسنة .

 الأول : الهلاك العام

إذا فشا الذنب؛ عمت العقوبة، وهلك المذنبون، وشمل العذاب العامة والخاصة، وما ذاك إلا لأن المذنب انتهك محارم الله، وجاهر بمعصيته بين ظهراني قومه، وهم قادرون على الإنكار، فلم يأخذوا على يديه؛ فأحلوا عليهم عقوبته ومقته، قال تعالى:)أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ( ([271]) وروى البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي e استيقظ من نومه وهو يقول:( لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه - وعقد سفيان بيده عشرة – قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث).([272])

وروى الإمام أحمد والطبراني في المعجم عن العرس بن عميرة قال: قال رسول الله e:(إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره ولا تغيره، فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة).([273])

وإذا نزل العذاب فلا ينجو منه إلا المصلحون قال تعالى: ) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ( ([274]) أما من اقتصر نفعهم على أنفسهم ولم يغاروا على حرمات الله ويغضبوا لغضبه؛ فيشملهم العذاب ثم يبعثهم الله على ما ماتوا عليه فقد روى الطبراني في المعجم الأوسط عن جابر t قال قال رسول الله e:( أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها. قال: إن فيه عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين. قال: اقلبها عليه وعليهم؛ فإن وجهه لم يتمعر لي ساعة قط).([275])

وهذا العذاب العام ورد ذكره في القرآن كثيرا، فمن ذلك قوله تعالى:)حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ(([276]) وقال جل ثناؤه موضحا عاقبتهم بعد نجاة نوح ومن معه: ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ(([277]) وقال سبحانه وتعالى ) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا( ([278]) وقال عز من قائل:) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ(([279]).

وهذا العذاب أصناف كثيرة متعددة سيأتي تفصيلها فيما يلي، إن شاء الله .

 الثاني : الغرق

وأول أمة عاقبها الله بالغرق أمة نوح، قال تعالى: )ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ(([280] فجاءها الماء من فوقها ومن تحتها قال تعالى:) حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ(([281]) ، كما أهلك الله به فرعون وقومه ) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ( ([282] ولما أعرضت سبأ أرسل الله عليهم المطر المدمر قال تعالى:) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ(([283]) ولا يزال هذا العذاب يتكرر في كل عصر: فتارة أمواج عاتية، وتارة فيضانات عارمة، وثالثة سيول وأمطار غزيرة.

 الثالث : الريح

 أهلك الله بها قوم عاد، قال جل ثناؤه:) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَر عَاتِيَةٍ( ([284] وقال تعالى:) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ(([285] ونصر بها رسوله محمدا ﷺ‬ يوم الأحزاب فقال سبحانه وتعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا(([286])، وتوعد بها المخالفين الذين إذا أحاطت بهم الشدائد دعوا الله مخلصين له الدين، فإذا ذهب الخوف وحل الأمن؛ كفروا بربهم، قال تعالى:) أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا(([287]). وعن عائشة زوج النبي e أنها قالت: (ما رأيت رسول الله e مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله! أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا؛ رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية. قالت: فقال: يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا:) هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا()([288]).

 الرابع : الزلازل

 جاءت الأحاديث النبوية مصرحة بأن الزلازل تقع في هذه الأمة عقوبة لها على بعدها عن ربها، وتنكبها عن صراطه المستقيم، فعن أبي هريرةt  قال: قال النبي e:( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج - وهو القتل، القتل- حتى يكثر فيكم المال، فيفيض)([289]), وبين النبي ﷺ‬ أن من رحمة الله بهذه الأمة أنه إذا أراد أن يعاقبها على ذنوبها عجل لها العقوبة، فعن أبي موسى t قال: قال رسول الله e:( أمتي هذه أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل)([290]).

وقد كانت أول ما كانت في الإسلام على عهد عمر t فأنكرها، وقال: (أحدثتم! والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم). رواه ابن عيينة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن صفية قالت: زلزلت المدينة على عهد عمر حتى اصطكت السرر، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:(ما أسرع ما أحدثتم، والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم). ([291]) فانظر إلى عظيم فقه هذا الخليفة الراشدt فلما رأى أنه حدث في الكون حدث لم يعهده، علم أن الأمة أحدثت حدثا استوجبت أن يغير الله عليها . وقال الإمام ابن القيم رحمه الله موضحا الحكمة من ذلك:( فتحدث فيها – أي الأرض - الزلازل العظام، فيحدث من ذلك لعباده: الخوف، والخشية، والإنابة، والإقلاع عن معاصيه، والتضرع إليه، والندم، كما قال بعض السلف - وقد زلزلت الأرض - :إن ربكم يستعتبكم)([292]). وقال كعب: (إنما زلزلت الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي؛ فترعد فرقا من الرب عز وجل أن يطلع عليها. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أما بعد ،فان هذا الرجف شيء يعاتب اللهُ عز وجل به العبادَ). ([293])

 الخامس : الصيحة

 ومن الأقوام الذين عذبوا بالصيحة قوم صالح، وذلك بسبب كفرهم وعتوهم، وعقْرهم الناقة، قال تعالى:) فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ(([294])، وجاء في السنة ما يوضح ذلك، فعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما مر النبي e بالحجر قال:( لا تسألوا الآيات؛ فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فأخذتهم الصيحة فأهمد الله من تحت السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله، قيل من هو؟ قال: أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه([295])  وقال ابن كثير:(وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وهو على شرط مسلم)([296]). 

وذكر ابن كثير رحمه الله كيف حلّ بقوم ثمود العذاب، فقال:(وأصبح ثمود يوم الخميس - وهو اليوم الأول من أيام النظرة - ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليه السلام، وأصبحوا في اليوم الثاني - من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة - ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث - من أيام المتاع وهو يوم السبت - ووجوههم مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد، وقد تحنطوا، وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه - عياذا بالله من ذلك - لا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا كيف يأتيهم العذاب؟ وأشرقت الشمس؛ جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس في ساعة واحدة )فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (. أي صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد لا صغير ولا كبير، لا ذكر ولا أنثى، قالوا: إلا جارية كانت مقعدة، واسمها كلبة ابنة السلق - ويقال لها الذريعة، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام - فلما رأت ما رأت من العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حيا من الأحياء فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها، ثم استسقتهم من الماء فلما شربت ماتت.)([297])

ومن القرى التي أُخِذَ أهلها بالصيحة القرية الوارد ذكرها في قوله تعالى:)وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28) إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ(([298] قال المفسرون: (بعث الله تعالى إليهم جبريل عليه الصلاة والسلام فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة؛ فإذا هم خامدون عن آخرهم، لم تبق بهم روح تتردد في جسد).([299])

 السادس : وقوع البأس فيما بينهم

 بين سبحانه وتعالى أن مما توعد به عباده أن يسلط بعضهم على بعض، وأن يلبسهم شيعا يقتل بعضهم بعضا، قال تعالى:)قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ(([300])، وأخبر سبحانه وتعالى أنه جعل بأس اليهود فيما بينهم، فقال عز من قائل: )بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى(([301]).

   ومن رحمة الرسول ﷺ‬ بأمته أن سأل ربه أن لا يجعل بأس أمته فيما بينها؛ فمُنِعَ إياها لحكمة عظيمة لا نعلمها، فالحمد لله على قضائه وأمره، فقد روى الإمام مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله e أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا، فقال ﷺ‬ :( سألت ربي ثلاثا، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)([302]).

واخرج ابن جرير رحمه الله من طريقه عن أبي العالية في قوله:)قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ( الآية. قال: (فهن أربع، وكلهن عذاب، فجاء منهن اثنتان بعد وفاة رسول الله بخمس وعشرين سنة، فأُلْبِسوا شيعا، وأذيق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان فهما لا بد واقعتان يعني الخسف، والمسخ) ونقل مثل ذلك عن أبي بن كعب t ([303]) .

ولما وقف عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم على ما غنمه المسلمون من الفرس، فلما رأوه كشطوا الأنطاع عن الأموال، فرأى عمر t منظرا لم ير مثله، رأى الذهب فيه والياقوت والزبرجد واللؤلؤ يتلألأ، فبكى عمر بن الخطاب، فقال له أحدهما: والله ما هو بيوم بكاء، ولكنه يوم شكر وسرور. فقال: إني والله ما ذهبت حيث ذهبت، ولكنه والله ما كثر هذا في قوم قط إلا وقع بأسهم بينهم. ثم أقبل على القبلة، ورفع يديه إلى السماء، وقال:(اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا) فإني أسمعك تقول:)سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ( ([304]).  ويقول الشيخ محمد العثيمين رحمه الله:( إن الله لم يجعل عقوبة الأمة على معاصيها وذبوبها كعقوبة الأمم السابقة , لم يجعلها بالهلاك العام المدمر للأمة كما حصل لعاد حين أهلكوا بالريح العاتية سخرها عليهم  سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فترى القوم فيها صرعى، كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقيه . لم يجعلها كعقوبة ثمود الذين أخذتهم  الصيحة والرجفة؛ فأصبحوا في ديارهم جاثمين . ولم تكن كعقوبة قوم لوط الذين أرسل الله عليهم حاصبا من السماء؛ فجعل الله ديارهم عاليها سافلها. إن الله بحكمته ورحمته لهذه الأمة جعل عقوبتهم على ذنوبهم ومعاصيهم أن يسلط بعضهم على بعض؛ فيهلك بعضهم بعضا، ويسبي بعضهم بعضا). ([305])

 السابع : الطاعون

ذكر النبي ﷺ‬ أن الطاعون من العقوبات التي أرسلها الله على بعض الأمم السابقة عقوبة لها على تمردها وعصيانها، ففي الحديث الصحيح عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله e في الطاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله e: (الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه).([306])

ونقل عبد الرزاق عن قتادة في قوله تعالى:) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ(  قال: فروا من الطاعون، ) فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ(([307])  ليكملوا بقية أيامهم ([308])

وذكر ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى:) فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ(([309]) أن المراد بالرجز الطاعون، وعزز قوله بما روى عن النبي e في الطاعون أنه قال: إنه رجز عذب به بعض الأمم الذين قبلكم). ([310])

وقال أيضا عند تأويل قوله تعالى:)وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ (([311]) : (اختلف أهل التأويل في ذلك الرجز الذي أخبر الله أنه وقع على هؤلاء القوم، فقال بعضهم: كان ذلك طاعونا. وممن قال بذلك ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير، رحمه الله.  ([312])

وقال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: الرجز العذاب، وبعد أن استعرض ابن جرير هذه الأقوال قال: وأولى القولين بالصواب في هذا الموضع، أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن فرعون وقومه أنهم لما وقع عليهم الرجز - وهو العذاب والسخط من الله عليهم -  فزعوا إلى موسى بمسألته ربه كشف ذلك عنهم، وجائز أن يكون ذلك الرجز كان الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم؛ لأن كل ذلك كان عذابا عليهم، وجائز أن يكون ذلك الرجز كان طاعونا، ولم يخبرنا الله أي ذلك كان، ولا صح عن رسول الله e بأي ذلك كان خبر، فنسلم له). ([313])

ولئن كان هذا المرض عذابا على من كان قبلنا؛ فهو رحمة لمن أصيب به من هذه الأمة، فمن مات فيه فهو شهيد؛ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله e:(ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل. قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد).([314])

وقد عصم الله منه مدينة رسوله ﷺ‬ فلا يدخلها، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله e: (على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال).([315])

 الثامن :  عذاب القبر

ومن أصناف العذاب الأدنى عذاب القبر، وعذاب القبر قد يعم الأمة كلها، كما في قوله تعالى:)وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(([316])، وقد يتناول أصنافا من الناس وقعوا في معصية واحدة، فتماثلت عقوبتهم في حياتهم البرزخية، فمن ذلك ما رواه البخاري رحمه الله عن سمرة بن جندب t قال: كان رسول الله e-  يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه - :( هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر ها هنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما سبحان الله! ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق... ([317]) إلى آخر الحديث، وذكر فيه الرسول ﷺ‬ أنواعا من المعاصي وعقوباتها في الحياة البرزخية، فمن ذلك: الذي يأخذ القرآن ويرفضه، وترك الصلاة، وأكل الربا، والكذب الذي يبلغ الآفاق، والزنى. وجاء في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن من الذنوب التي يعذب أصحابها في قبورهم النميمة، وعدم التنزه من البول، إلى آخر ما جاء في الأحاديث التي تذكر عذاب القبر، وقد ذكرت فيما مضى شيئا من أنواع المعاصي، فلا موجب للتكرار.

وسئل شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله عن أسباب عذاب القبر فقال:(المسألة التاسعة: وهي قول السائل ما الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور؟ جوابها من وجهين: مجمل، ومفصل، أما المجمل فإنهم يعذبون على جهلهم بالله، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه، فلا يعذب الله روحا عرفته وأحبته وامتثلت أمره، واجتنبت نهيه، ولا بَدَنا كانت فيه أبدا؛ فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على عبده، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار، ثم لم يتب، ومات على ذلك؛ كان له من  عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذب. ثم ذكر الجواب المفصل، وفصل فيه أنواع الذنوب، ثم قال: فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم بحسب كثرتها وقلتها، وصغيرها وكبيرها، ولما كان أكثر الناس كذلك كان أكثر أصحاب القبور معذبين، والفائز منهم قليل، فظواهر القبور تراب، وبواطنها حسرات وعذاب، ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشة مبنيات، وفي باطنها الدواهي والبليات، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور)([318])

 التاسع :المسخ

 من أصناف العذاب الأدنى: المسخ، وهو: تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها.([319])  أو هو كما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: (تشويه الخَلْقِ والخُلُقِ، وتحويلهما من صورة إلى صورة. قال بعض الحكماء: المسخ ضربان: مسخ خاص يحصل في العينة وهو مسخ الخَلْق، ومسخ قد يحصل في كل زمان ومكان، وهو مسخ الخُلق؛ وذلك بأن يصير الإنسان متخلقا بخُلق ذميم من أخلاق بعض الحيوانات، نحو أن يصير في شدة الحرص كالكلب، وفي الشره كالخنزير)([320]).

ولقد عذب الله به بعض الأمم السابقة، فمسخ بعضهم قردة وخنازير؛ بسبب مخالفة الأمر والاحتيال عليه، قال تعالى:) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ(([321]). وقال تعالى:)واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (165)  فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ(([322]).

ذكر ابن جرير، وابن كثير، وغيرهما عند تفسير هذه الآية أنهم لما لم ينتهوا عن فعلهم قال الناهون لهم: (يا أعداء الله! والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبّحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب، ونادوا فلم يجابوا، فوضعوا سلما، وأعلوا سور المدينة رجلا، فالتفت إليهم، فقال: أي عباد الله! قردة - والله - تعادى، تعاوى، لها أذناب، قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: أي نعم!) ([323])

فالآية مصرحة بأن الله عاقب هذه الأمة بالمسخ جزاءً لها على عتوها وتمردها، وهو مسخ حقيقي حوّل الله صورهم من الصورة الآدمية إلى الصورة الحيوانية، وكلام المفسرين على هذه الآية شاهد على هذا .

وأمر الله نبيه ﷺ‬ أن يحذّر أهل الكتاب – إذا كذبوه وخالفوا أمره - أن يحل بهم ما حل بأسلافهم، قال تعالى:) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ(.([324])

وهذا العذاب البئيس الذي أحلّه الله بالسابقين ؛ توعد الله به اللاحقين المخالفين من هذه الأمة، فقد أخرج البخاري رحمه الله عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري- والله ما كذبني- سمع النبي e يقول:( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم يعني الفقير لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدا، فيبيّتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة). ([325])

وفي الصحيحين عن أبي هريرة t عن النبي e قال:( أما يخشى أحدكم، أو ألا يخشى أحدكم، إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار). ([326])

ففي هذين الحديثين الوعيد الشديد بالمسخ والتحويل إلى هذه الصورة البشعة، ففي الحديث الأول الوعيد على مقارفة المعصية واستحلالها، وفي الثاني الوعيد على المخالفة للأمر الشرعي والتقصير في أداء العبادة على الوجه المشروع.

وقد يتساءل متسائل: هل المسخ المذكور يراد به المسخ المعنوي أو الحسي؟ فأقول: أورد ابن حجر رحمه الله أقوال العلماء في ذلك، ورجح حمل الحديث على ظاهره وقال :(قال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية، أو هما معا، وحمله آخرون على ظاهره؛ إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك، وسيأتي في كتاب الأشربة الدليل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة، وهو حديث أبي مالك الأشعري في المغازي؛ فإن فيه ذِكْر الخسف، وفي آخره ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة، ويقوي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد:( أن يحول الله رأسه رأس كلب) فهذا يبعد المجاز؛ لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار، ومما يبعده أيضا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل، وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلا: فرأسه رأس حمار، وإنما قلت ذلك؛ لأن الصفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور، فلا يحسن أن يقال له: يخشى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدا، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة).([327])

وورد عن النبي ﷺ‬ حديث يحدد بعض الأماكن التي يكون فيها الخسف والمسخ والقذف، فعن أنس بن مالك أن رسول الله e قال له:(يا أنس! إن الناس يمصرون أمصارا، وإن مصرا منها يقال له: البصرة أو البصيرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسباخها وكلاءها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها؛ فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير).([328]

وجاء عن النبي ﷺ‬ أحاديث تحدد علامة حلول المسخ، وذلك إذا فشت المعاصي والذنوب وتكاثرت، وتغيرت معايير الناس، وتبدلت أحوالهم، فمن ذلك ما رواه الترمذي عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله e:(إذا اتخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكْرِمَ الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا، وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع)، وروى أيضا عن عمران بن حصين t أن رسول الله e قال: (في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف. فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله! ومتى ذاك؟ قال: إذا ظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور). ([329])

وروى ابن ماجه في سننه عن سيار عن طارق عن عبد الله عن النبي e قال:( بين يدي الساعة مسخ وخسف وقذف). ([330])

وروى أبو نعيم في أخبار أصفهان بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ‬: (ليبيتن أقوام من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو؛ فيصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير). ([331]) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :(فظهر بهذا أن القوم الذين يخسف بهم ويمسخون، إنما يفعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد الذي استحلوا به المحارم بطريق الحيلة، فأعرضوا عن مقصود الشارع وحكمته في تحريم هذه الأشياء، ولذلك مسخوا قردة وخنازير، كما مسخ أصحاب السبت بما تأولوا من التأويل الفاسد الذي استحلوا به المحارم، وخسف ببعضهم كما خسف بقارون؛ لأن في الخمر والحرير والمعازف من الكبر والخيلاء ما في الزينة التي خرج فيها قارون على قومه، فلما مَسَخوا دين الله مسخهم الله، ولما تكبروا عن الحق أذلهم الله، وقد جاء ذكر المسخ والخسف عند هذه الأمور في عدة أحاديث).([332])

وقال ابن القيم رحمه الله: (وتأمل حكمته تعالى في مسخ من مسخ من الأمم في صور مختلفة مناسبة لتلك الجرائم، فإنها لما مسخت قلوبهم وصارت على قلوب تلك الحيوانات وطباعها اقتضت الحكمة البالغة أن جعلت صورهم على صورها؛ لتتم المناسبة، ويكمل الشبه، وهذا غاية الحكمة. إلى أن قال: وأما الأخبار التي تكاد تبلغ حد التواتر بمسخ من مسخ  منهم عند الموت خنزيرا فأكثر من أن تذكر ها هنا، وقد أفرد لها الحافظ ابن عبد الواحد المقدسي كتابا) ([333])

ولأن هذا الأمر مما قد تستثقله بعض النفوس وتستبعده؛ فقد أكثرت النقول فيه؛ إقامة للحجة، وبيانا للمحجة ، وقطعا لأصل الشبهة . وما تركته من النصوص وكلام أهل العلم أكثر من ذلك، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق .

 العاشر : الخسف

وهو من العقوبات العظيمة الفظيعة التي عاقب الله بها بعض العباد والبلاد، فقال تعالى ذكره مخبرا عما حلّ بقارون ومن معه:)فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ(([334]).

وأخبر النبي ﷺ‬ عن ذلك الرجل الذي غره ماله ولباسه، فجر ثوبه كبرا وخيلاء ؛فخسف الله به الأرض، ففي الصحيحين عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أن النبي e قال:( بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء؛ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)([335])

وأمر الله نبيه ﷺ‬ أن يقول للمشركين الذين يدعون مع الله آلهة أخرى، فيخلصون العبادة لله في الضراء، ويشركون معه آلهة أخرى في السراء:) أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً(([336]) وقال تعالى: )قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ(([337]). قال ابن زيد في قوله ) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ(. قال: كان ابن مسعود t  يصيح - وهو في المجلس أو على المنبر -  ألا أيها الناس! إنه نزل بكم إن الله يقول: ) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ( ، لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحدا، ) أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ( لو خسف بكم الأرض أهلككم ولم يبق منكم أحدا، ) أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ(، ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث. ([338]) وقال أبو مالك، وسعيد ابن جبير، ومجاهد، رحمهم الله جميعا أن المراد بقوله ) أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ( أن يخسف بكم الأرض . ([339])

وحين أخبر النبي ﷺ‬ قومه بقيام الساعة والبعث بعد الموت كذبوه، واستهزؤا به، واستبعدوا ذلك، قال سبحانه وتعالى:) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء(([340]

ويقول تعالى ذكره:) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ(([341]). قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله :(هذا تخويف من الله لأهل الكفر والتكذيب وأنواع المعاصي، من أن يأخذهم بالعذاب على غرة، وهم لا يشعرون: إما أن يأخذهم بالعذاب من فوقهم، أو من أسفل منهم بالخسف وغيره، وإما في حال تقلبهم وشغلهم وعدم خطور العذاب ببالهم، وإما في حال تخوُّفهم من العذاب). ([342])   

وهذا الوعيد الذي تهدد الله به المشركين والمخالفين، بين النبي ﷺ‬ أنه سيكون في آخر هذه الأمة؛ إذا ظهرت فيهم المعاصي والآثام، ولم ينكروها، كما في حديث أبي أمامة t عن النبي e قال:( يبيت قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو؛ فيصبحون قد مسخوا خنازير، وليخسفن بقبائل فيها، وفي دور فيها، حتى يصبحوا فيقولوا: خسف الليلة ببني فلان، خسف الليلة بدار بني فلان، وأرسلت عليهم حصباء حجارة كما أرسلت على قوم لوط، وأرسلت عليهم الريح العقيم، فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم؛ بشربهم الخمر، وأكلهم الربا، ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وقطيعتهم الرحم، قال: وذكر خصلة أخرى، فنسيتها) قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ([343])

وأخبر النبي ﷺ‬ عن وقوعه وتحققه، وأقسم على ذلك، وسئل الرسول ﷺ‬ متى يكون ذلك؟ وهل له من علامة؟ فقال:(والذي بعثني بالحق، لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع بهم الخسف والمسخ والقذف. قالوا: ومتى ذلك يا نبي الله! بأبي أنت وأمي؟ قال: إذا رأيت النساء قد ركبن السروج، وكثرت القينات، وشهد شهادات الزور، وشرب المسلمون في آنية أهل الشرك الذهب والفضة، واستغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء)([344]).

وأخبر النبي ﷺ‬ - أيضا - عن جيش يغزو الكعبة فيخسف الله بهم الأرض، ففي صحيح ابن حبان عن عائشة t قالت: قال رسول الله e:( يغزو جيش الكعبة، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض؛ خسف بأولهم وآخرهم. قالت عائشة: يا رسول الله! وفيهم سواهم، ومن ليس منهم؟!. قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم).([345])  

ولذا كان النبي ﷺ‬ يستعيذ بالله منه؛ عبودية لله، وإرشادا لأمته ﷺ‬ كما نقل ذلك ابن عمر رضي الله عنهما حيث يقول: لم يكن رسول الله e يدع هؤلاء الكلمات حين يصبح وحين يمسي: (اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وأمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي). يعني الخسف قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ([346])

وهذه الخسوف التي أخبر عنها النبي ﷺ‬ ليست هي الخسوف العظمى التي تكون بين يدي الساعة، بل هي من العلامات العشر الكبرى التي تسبق قيام الساعة، كما في خبر حذيفة بن أسيد الغفاري قال اطلع النبي e علينا، ونحن نتذاكر، فقال:( ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم).([347])

وهذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مخبرة عما سلف وكان من الخسوف التي أهلكت من حلت بدارهم، ومؤذنة بخسوف مقبلة تباغت أهل اللهو والمجون، فتأخذهم على حين غرة، فينادون ولات حين مناص، ومنبئة عن خسوف عظيمة هي إحدى العلامات العشر الكبرى التي تكون إرهاصا لقيام الساعة...وهذه الآيات العظيمة – أعني الخسوف – لا تنكرها العقول، ولا تستعظمها النفوس، وهي أحداث جسام تهتز لها الأرض، وتضطرب من هولها، وتلتهم ما فوقها، ولعمر الحق إن ذلك لأمر عظيم جلل، وإن مسخ الإنسان وتحويل صورته إلى صورة أخرى، أهون من الخسف بالبقاع والبلاد، والكل هين على الله كما قال تعالى في شأن إعادة الخلق يوم القيامة:)وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُو أَهْوَنُ عَلَيْهِ(([348]). ومع ذلك تجد من يستعظم المسخ، ويحاول أن يؤوله، ويزعم أنه مسخ معنوي يمسخ فيه الخُلق ولا تتغير الصورة الخلْقية، والكل هين على الله، والكل جاء فيه الخبر عن الله وعن رسوله ﷺ‬، والكل حادث وواقع فيما مضى، ومتوعد به فيما بقي، فنسأل الله أن يجنبنا أليم سخطه، وعظيم عقابه.

 الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبمنه وكرمه تتوالى المكرمات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، شهادة عبد يطلب مغفرة ذنبه، ويرجو رحمة ربه، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد

فقد تبين من خلال هذا البحث حقيقة العذاب الأدنى، وأنه واقع في الأمم السابقة، ومتوعد به العصاة من هذه الأمة، وأن أنواع هذا العذاب كثيرة منها ما يكون في الحياة الدنيا، ومنها ما يكون في القبر، وأن هذا النكال متنوع، فتارة يكون زلزالا مدمرا، وتارة يأتي على هيئة ريح عاتية، وتارة ثالثة يكون مرضا عضالا، وتارة رابعة يكون خسفا ومسخا... إلى آخر صور هذا العذاب .

كما تبين لنا أن أسبابه متعددة يأتي على رأسها الكفر بالله، والشرك، وترك الصلاة، ثم اللواط، والزنى، والإحداث في الدين، والنميمة ...إلى آخر هذه الأسباب المذكورة في ثنايا البحث .

ومن خلال استعراض هذه الأسباب اتضح أنه كلما كان السبب خاصا كان العذاب والنكال خاصا، وكلما كان السبب عاما كانت العقوبة عامة، وما ربك بظلام للعبيد.

وظهر لنا أن هذا العذاب المتوعد به ليس خبرا ماضيا، بل هو حق على حقيقة، وهو وعيد متحتم الوقوع أقسم النبي ﷺ‬  على بعض صوره أنها ستقع قبل يوم القامة إذا توافرت أسبابها، وبين في صور أخرى أنها مقبلة لا محالة، فويل لمن أدركها!.

وينبغي لطلبة العلم الشرعي الإحاطة بأسباب هذا العذاب، ومعرفة أنواعه، وتحذير الأمة من الوقوع في أسبابه؛ لئلا تستجلب غضب الله ومقته، وعلى أئمة المساجد وأرباب المنابر ورجال الإعلام توعية الأمة بنحو ذلك، وإرشادهم إلى ما يحقق لهم السلامة من مغبة هذه الأهوال العظام والمخاطر الجسام ، أليست إسرائيل ومن معها يبنون استراتيجياتهم العسكرية والسياسية على أوهام وخرافات تضمنها الكتاب المحرف المعتمد لديهم؟ وهو كله أوهام وأساطير، أفلا يكون أرباب الرسالة الخالدة والوحي المحفوظ أولى بالاستفادة من هذه الإرشادات النبوية والأخبار الإلهية؟!

وفي ختام هذا البحث أسأل الله أن يكون هذا البحث خالصا لوجهه سبحانه، نافعا لكاتبه، مفيدا لمن استرشد به، وأن يجزي خيرا كل من أعان على إظهاره بهذه الصورة التي لا تخلو مما طبع عليه البشر من النقص والضعف .

وأصلي وأسلم على إمام المتقين، وقدوة الخلق أجمعين، والحمد لله رب العالمين .



([1] ) سورة الأنعام الآية 90.

([2] ) سورة فصلت الآية 16 .

([3] ) سورة القلم الآية 033

([4] ) سورة السجدة الآية 21 .

([5] ) انظر مثلا الصحف الصادرة بعد أي حدث عظيم كزلزال (بام) في إيران، وزلزال شرق آسيا، وما أعقبه من طوفان (تسونامي) .

([6] ) الغطريس : الظالم المتكبر. والغطرسة: الإعجاب بالنفس والتطاول على الأقران والتكبر .ترتيب القاموس المحيط ، مادة غطرس، 3/402. ولقد اكتفيت بذكر المعلومات التامة عن الكتاب في قائمة المراجع عن ذكرها في الهوامش .

([7] ) سورة السجدة الآية 21 .

([8] )لسان العرب ، مادة عذب ،1/583، وانظر ترتيب القاموس 3/176.

([9] ) مفاتيح الغيب 25/158 .

([10] ) سيأتي بيان ذلك عند بيان المراد من آية السجدة، وإيراد قول عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما .

([11] ) سورة الأعراف الآيتان 95،94.

([12] ) سورة الأعراف الآيتان 98،97.

([13] ) سورة الأعراف الآيتان 134،133.

([14] ) سورة غافر الآية 46.

([15] ) سورة هود الآية 82.

([16] ) الجواب الكافي 121.

([17] ) سورة الأنعام الآية 176.

([18] ) سورة الأنعام الآية 178.

([19] ) سورة الأحقاف الآية 30.

([20] ) تفسير القرآن العظيم 4/161.

([21] ) سورة  المؤمنون الآيتان 56،55.

([22] ) سورة الأنعام الآيتان 197،196.

([23] ) سورة هود الآيتان16،15.

([24] ) أثر الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع ،9. والآية 41.

([25] ) الجواب الكافي 77

([26] ) الجواب الكافي 81-82.

([27] ) سورة التوبة الآية 67.

([28] ) الجواب الكافي 71-72.

([29] ) سورة الرعد الآيات6-8.

([30] ) تيسير الكريم الرحمن 414.

([31] ) سورة الأعراف الآية 54.

([32] ) الجامع لأحكام القرآن 7/219. والآيات 36-38 من سورة ق .

([33] ) سورة العنكبوت الآية14 .

([34] ) سورة يونس الآية 89.

([35] ) جامع البيان1/161-162،وانظر تفسير القرآن العظيم2/430، والدر المنثور 4/385، والجامع لأحكام القرآن 8/376.

([36] ) سورة الزخرف الآيتان 42،41.

([37] ) سورة الأنعام الآية 178.

([38] ) سورة طه الآية 128.

([39] ) سورة الأنبياء الآية  11.

([40] ) تيسير الكريم الرحمن413-414.

([41] ) سورة البقرة الآيات 155-157.

([42] ) سورة الأنفال الآية 17.

([43] ) سورة آل عمران الآية 152.

([44] ) سورة هود الآيات115-117.

([45] ) جامع البيان 12/140.

([46] ) سورة فصلت الآيتان 17-18.

([47] ) سورة النمل الآيات 54-57.

([48]) رواه البخاري في صحيحه واللفظ له 3/1221، ح3168, ومسلم 4/2007، ح 2880.

([49] ) صحيح ابن حبان ، ح 6755 ، 15/155. وانظر صحيح مسلم ،ح2884، 4/2210.

([50] ) سورة القصص الآية 81.

([51] ) سورة النساء الآية 165.

([52] ) سورة هود الآية 17.

([53] ) سورة مريم الآية 21.

([54] ) سورة الأعراف 59.

([55] ) سورة هود الآية 84.

([56] ) سورة الشعراء الآية 135.

([57] ) سورة مريم الآية 45.

([58] ) سورة  الأنعام 15.

([59] ) سورة هود الآية 3.

([60] ) سورة نوح الآية 26.

([61] ) سورة يونس الآيتان 88-89.

([62] ) صحيح البخاري ح 5946، 5/2323، واللفظ له، وصحيح مسلم ح 199،1/ 189 .

([63] ) صحيح مسلم ح 199،1/ 189 .

([64] ) سورة إبراهيم الآيتان 12-13.

([65] ) النبوات ، 29-30.

([66] ) مجموع الفتاوى 17/516.

([67] ) زاد المعاد 1/95-96.

([68] ) سورة العنكبوت 40.

([69] ) سورة فصلت الآيتان 16-17.

([70] ) سورة الأنعام الآية 93.

([71] ) انظر المبحث الثالث من هذا البحث ، حيث ورد فيه عدد من الذنوب والمعاصي التي تترتب عليها عقوبات دنيوية عاجلة .

([72]) صحيح مسلم ،ح2890،4/2216 .

([73] ) صحيح البخاري ح3059،3/1180، وصحيح مسلم ح1795،3/1420.

([74] ) سورة البلد الآية 4.

([75] ) سورة الملك الآية 2.

([76] ) سورة هود الآية 7.

([77] ) جامع البيان 12/5.

([78] ) سورة العنكبوت 1-3.

([79] ) المستدرك ،ح 121،1/99.

([80] ) صحيح البخاري، ح5324،5/2139.

([81] ) سورة الأحزاب الآية 30.

([82] ) فتح الباري 10/112.

([83] ) سبق تخريجه .

([84] )سورة الشورى الآية 30.

([85] ) سورة النساء  الآية 123.

([86] ) صحيح البخاري، ح 5318، 5/2137.

([87] ) المصدر السابق، ح 5321، 5/ 2138.

([88] ) مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ، إعداد عبد الله بن محمد الطيار 2/478-488. والحديث في سنن الترمذي ،ح2396، 4/601.

([89] ) سورة الأنفال الآية 37.

([90] ) سورة القمر الآيتان 4-5.

([91] ) سورة فاطر الآية 45.

([92] ) سورة الحديد الآية 22.

([93] ) سورة الشورى الآية 30.

([94] ) سورة السجدة الآية 21.

([95] ) رواه مسلم 4/2157.

([96] ) إشارة إلى قوله تعالى:) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ( سورة الدخان الآية 16.  

([97] ) إشارة إلى قوله تعالى:) فَقَد كَذَّبْتُمْ فَسَوْف يَكُون لِزَامًا( سورة  الفرقان الآية 77. أي يكون عذابا لازما لهم نتيجة تكذيبهم، وهو ما وقع للكفار قريش في بدر من القتل والأسر، انظر تفسير البغوي 3/380، وشرح النووي على صحيح مسلم 17/143.

([98] ) هو الدخان الوارد في قوله تعالى:) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (10) ( سورة الدخان الآية 10.

([99] ) تفسير الطبري 21/108ـ109. وانظر تفسير الثوري 1/240. وتفسير عبد الرزاق الصنعاني 3/110. والدر المنثور 6/554.

([100] ) الدر المنثور 6/554.

([101] ) تفسير الطبري 21/110.و الدر المنثور 6/554. وتفسير ابن كثير 3/463.

([102] ) /  الروح 1/76.

([103] )  تفسير الطبري 21/109.والدر المنثور 6/554. وتفسير ابن كثير 3/463.

([104] ) انظر تفسير الطبري 21/109.

 ([105] )  المصدر السابق 21/110

([106] ) سورة الأنعام الآيتان 42-43.

([107] ) انظر تفسير ابن أبي حاتم ج:4 ص:1288. وتفسير الطبري 2/98،99.والدر المنثور 1/410.وتفسير ابن كثير 1/252.والمصنف لابن أبي شيبة 7/164.

([108] ) سورة البقرة الآية 177.

([109] )  المستدرك على الصحيحين ج:2 ص:299 .

([110] ) انظر تفسير ابن أبي حاتم ج:4 ص:1288. وتفسير الطبري 2/98.

([111] ) تفسير ابن أبي حاتم ج:4 ص:1288.

([112] ) تفسير ابن أبي حاتم ج:4 ص:1288.

([113] ) سورة الأنبياء الآية 83.

([114] ) تفسير ابن أبي حاتم ج:4 ص:1289. وتفسير الطبري 2/98. والدر المنثور 1/410. وتفسير ابن كثير 1/252. والمصنف لابن أبي شيبة 7/164.

([115] ) تفسير ابن أبي حاتم ج:4 ص:1289.

([116] ) سورة الأعراف الآيتان 95-94.

([117] ) انظر تفسير الطبري 9/7. وتفسير الصنعاني 2/233. وتفسير ابن أبي حاتم 5/1526. والدر المنثور 3/505. وتفسير ابن كثير 2/234.

([118] ) صحيح مسلم ،ح2999، 4/2295.

([119] ) تفسير ابن كثير 2/234.

([120] ) سورة الأعراف 168.

([121] ) تفسير الطبري ج:9 ص:104

([122] ) انظر تفسير ابن أبي حاتم 5/1606. وتفسير الطبري 9/104. وتفسير ابن كثير 3/436. والدر المنثور 3/593.

([123] ) سورة التوبة . 126

([124] ) تفسير الطبري 11/73. وانظر التحرير والتنوير 11/67.

([125] ) ترد الفتنة في القرآن الكريم على معان متعددة، فتارة ترد ويراد بها إدخال الإنسان في النار، كقوله تعالى:) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ( . وتارة يسمى ما يحصل عنه العذاب فتنة كقوله:) أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ (، وتارة تأتي بمعنى الاختبار، كقوله جل ثناؤه )وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا وتأتي بمعنى الشرك كقوله سبحانه: ) وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (. انظر المفردات 372، مادة فتن .

([126] ) انظر  تفسير الطبري 11/74. وتفسير ابن أبي حاتم 6/1916.

([127] ) انظر  الدر المنثور 4/325.

([128] ) انظر تفسير الصنعاني ج:2 ص:291 . وتفسير الطبري 11/73. وتفسير ابن أبي حاتم 6/1915، 1916، والدر المنثور 4/325، وتفسير ابن كثير 2/404، وتفسير القرطبي 8/299. وتفسير الرازي 16/184.

([129] ) انظر تفسير الطبري ج:11 ص:74 . وتفسير ابن أبي حاتم 6/1915. والدر المنثور 4/325. وتفسير ابن كثير 2/404، وتفسير القرطبي 8/299، وتفسير الرازي 16/184.

([130]) الدر المنثور 4/352.انظر تفسير القرطبي 8/299. تفسير الرازي 16/184.

([131]) تفسير الطبري 11/74.

([132] ) سورة المؤمنون الآيتان 76-77.

([133] ) تفسير الطبري ج:18 ص:44 . وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى النسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني،والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل 6/111.

([134] ) تفسير الطبري 18/45 وانظر الدر المنثور 6/111.

([135] ) تفسير الطبري 18/45.

([136] ) الدر المنثور 10/611.

([137] )  تفسير ابن كثير 3/252،253. وانظر تفسير الطبري 18/44.

([138] )سورة الطور الآية 47.

([139] ) تفسير الطبري 27/36،37. وانظر تفسير الصنعاني 3/248.

([140] )  تفسير الطبري 27/37.

([141] ) تفسير الصنعاني 3/248. وتفسير الطبري 27/37. والدر المنثور 7/636.

([142] ) تفسير الطبري 27/37.

([143] )تفسير الطبري ج:27 ص:37

([144] ) تفسير ابن كثير ج:4 ص:246        

([145] ) سورة الروم الآية 41 .

([146])سورة فصلت الآية 53 .

([147])سورة الشعراء الآيتان 119-120 .

([148])سورة الشعراء الآيتان94-95 .

([149])سورة الأعراف الآية 133 .

([150])سورة غافر الآيتان 45-46 .

([151])سورة النحل الآيات45-47 .

([152])سورة الأنعام الآية65 .

([153])سورة الإسراء الآيتان 71-72 .

([154])سورة فاطر الآيات 41-43.

([155])صحيح مسلم 4 /1791.

([156] ) سورة المؤمنون الآيتان 1-2.

([157] ) صحيح مسلم ، ح 395، 1/297.

([158] ) سورة هود الآية 114.

([159] ) متفق عليه، صحيح البخاري ،ح 505، 1/197، وصحيح مسلم ، ح667، 1/462.

([160] ) سورة العنكبوت الآية 45.

([161] ) سورة طه الآية 124.

([162] ) صحيح البخاري،ح 6640، 6/2583- 2585.

([163] ) سورة مريم الآية 59.

([164] ) سورة الماعون الآيتان 4-5.

([165] ) سورة البقرة الآية 43.

([166] ) سورة التوبة الآية 11.

([167] ) مفتاح دار السعادة 1/315 .وفي هذه الصفحة وما بعدها أورد المؤلف رحمه الله وقفات جميلة في بيان التناسب بين الذنوب والعقوبات الإلهية .

([168] ) المستدرك على الصحيحين ج:2 ص:136، وشعب الإيمان للبيهقي 3/196.

([169] ) المعجم الأوسط ج:7 ص:40.  

([170] ) الترغيب والترهيب 1/309.

([171] ) شعب الإيمان ج:7 ص:351 . والمستدرك 4/583،كما أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد عن عطاء عن ابن عمر 5/317. وسنن ابن ماجه 2/1332. والاستذكار 5/94.

([172] ) سورة الحج الآية 78 .

([173] ) رواه الحاكم في المستدرك 2/86 ، والإمام أحمد في مسنده 5/231، ورواه الترمذي في سننه 5/11، وابن ماجه في سننه 2/314.

([174] ) رواه البخاري في صحيحه 1/18ح26 .

([175] ) سنن أبي داود، واللفظ له،3/274.و السنن الكبرى 5/316. والمعجم الكبير12/432، وقال الألباني رحمه الله: وهو حديث صحيح لمجموع طرقه، سلسلة الصحيحة 1/16.

([176] ) سورة التوبة الآية 39.

([177] ) المستدرك على الصحيحين ج:2 ص:114.

([178] ) سورة النساء الآية 36 .

([179] ) سورة الأنعام الآية 151.

([180] ) سورة الأعراف الآية 33 . 

([181] ) سبق تخريجه.

([182] ) قال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير رجاء بن محمد وهو ثقة 7/269، سنن اللبيهقي 3/346،9231.

([183] ) المعجم الكبير24/23 .

([184] ) المسند 6/333 .

([185] ) فتح الباري10/192 .

([186] ) القاموس المحيط، مادة فحش، 1/774.

([187] ) لسان العرب ، مادة فحش، 6/325 .

([188] ) التعريفات 1/211 .

([189] ) سورة البقرة الآية 169 .

([190] ) سورة البقرة الآية 268.

([191] ) سورة النساء الآية 15 .

([192] ) سورة النمل الآيتان 55،54. 

([193] ) سورة البقرة الآية 177 .

([194] ) سورة الأحزاب الآية 23 .

([195] ) سورة البقرة الآية 27 .

([196] ) سورة النساء الآيات 155-161 .

([197] ) سورة المائدة الآية 13 .

([198] ) سبق تخريجه.

([199] ) سنن البيهقي3/346، المستدرك 2/136.

([200] )  المعجم الكبير 11/45 .

(1 ) مختار الصحاح ، مادة عهد.

( 2  ) التعريفات 1/204.

(3 ) لسان العرب 3/311.

(4 ) المفردات في غريب القرآن ، مادة عهد ، ص350.

(5 ) سورة البقرة الآية 27 .

(1 ) سورة الأعراف الآية 172 .

(2 ) انظر جامع البيان في تأويل آي القرآن 1/182-184، الجامع لأحكام القرآن 1/246، تفسير القرآن العظيم1/66، فتح القدير1/117،التحرير والتنوير1/370.

([208] ) تفسير القرآن العظيم1/67 .

([209] ) سورة النساء الآيتان 160-161 .

([210] ) سورة البقرة الآية 275 .

([211] )سورة البقرة الآية 276 .

([212] ) الفردوس بمأثور الخطاب4 /59 .  

([213] ) صحيح البخاري 2/734، ح1979.

([214] ) سورة البقرة الآية 275 .

([215] ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف 6/562، وابن جرير في تفسيره 5/40.

([216] ) المصدر السابق 5/40 .

([217] ) تفسير القرآن العظيم 1/326 .

([218] ) سورة البقرة الآيتان 278-279 .

([219] ) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره2/550، والطبري في تفسيره 5/39 .

([220] ) صحيح البخاري 5/2223،ح ، 5617 واللفظ له ، وصحيح مسلم 3/1218، 1597.

([221]) سورة المائدة الآية 6 .

([222]) سورة البقرة الآية 222.

([223]) صحيح مسلم 1/215، ح 244 .

([224])  رواه البخاري في صحيحه 1/464ح 215 ،واللفظ له،  ومسلم في صحيحه 1/240 ح 292

([225] ) المستدرك 1/293 ، وسنن الدار قطني1/127 .

([226] ) الأحاديث المختارة 6/202 .

([227]) فتح الباري 13/253.

([228]) سورة الأعراف الآية 152 .

([229]) متفق عليه من حديث عائشة، صحيح البخاري ح 2550، 2/959 ، وصحيح مسلم ح 1718 ، 3/ 1343 .

([230])  الجواب الصحيح 4/342 .

([231])الاعتصام 1/ 122.

([232]) سورة  النحل الآية25  .

([233]) صحيح مسلم 2/705 ح 1017 .

([234] )  المستدرك 4/548، والمسند1/458، 5 /247، ومسند الربيع 1/38.ومصنف ابن أبي شيبة 7/526،والمعجم الأوسط 8/239،والمعجم الكبير17/262، ومسند الطيالسي1/86، ومسند أبي يعلى8/438. وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح. 5/193.

([235]) لسان العرب، مادة لحا 15/242،241.

([236])صحيح البخاري ح 1771، 2/661، واللفظ له، وصحيح مسلم ح 1366، 2/994 .

([237]) شرح صحيح مسلم للنووي 2/67 .

([238]) فتح الباري 4/84 . وانظر تفسير ابن كثير 1/200.

([239]) سورة الأعراف الآية 152 .

([240]) سورة الأنعام الآية 140 .

([241])الاعتصام 1/126

([242]) سورة  النحل الآية25  .

([243])سورة البقرة الآية 213.

([244])سورة الرعد الآية 41.

([245])سورة الإسراء الآية 9.

([246]) سورة النساء الآية59.

([247])سورة النساء الآية65.

([248])سورة الأحزاب الآية36.

([249])سورة المائدة الآية49.

([250] ) المستدرك 4/583. وسنن ابن ماجه ج:2 ص:1332  ، و السنن الكبرى 2/346.

([251]) فتح الباري 10/473.

([252])سورة الهمزة الآيات1-4 .

([253])سورة  القلم الآية 11 .

([254]) متفق عليه من حديث حذيفة ، صحيح البخاري ح 5709 5/2250 ، وصحيح مسلم ح 105 1/101.

([255]) سبق تخريجه .

([256])سورة الإسراء الآية 16 .

([257]) سورة الروم الآية 41 .

([258]) رواه البخاري في صحيحه، واللفظ له 3/1221، ح3168, ومسلم 4/2007، ح 2880.

([259]) الاستذكار 8/583.

([260]) الاستذكار 8/583.

([261]) الموطأ 2/991 .

([262] ) سورة الأعراف الآية 33.

([263] ) سورة يونس الآية 69.

([264] ) متفق عليه، صحيح البخاري، ح108، 1/52، وصحيح مسلم ،ح 2،1/10.

([265] ) صحيح البخاري واللفظ له، ح5743،5/2261, وصحيح مسلم ،ح 2607،4/2012.

([266] ) سبق تخريجه.

([267]) الجواب الكافي ص 86 .

([268] ) سورة المؤمنون الآيتان 56،55.

([269]) سورة آل عمران الآيات 176-178 .

([270] ) سورة العنكبوت الآية 40 .

([271] ) سورة النحل ، الآيات : 45 – 47 .

([272] )صحيح البخاري 6650، ج 6/2589 . وصحيح مسلم ح 2880، ج42207، واللفظ له.

([273] ) المعجم الكبير ج:17 ص:138 ،والمسند 4/192.والآحاد والمثاني 4/387 .

([274] )سورة هود الآية 117.

([275] ) العجم الأوسط ح 7661، ج 7/336 .

([276] )سورة هود الآية 40 .

([277] ) سورة الصافات الآية 82 .

([278] )  سورة الإسراء الآية 17 .

([279] ) سورة يونس الآية 13 .

([280] )سورة الصافات الآية 82 .

([281] )سورة هود الآية 40 .

([282] )سورة طه الآية78 . 

([283] ) سورة سبأ الآية 17 .

([284] ) سورة  الحاقة الآية 6 .

([285] ) سورة الأحقاف الآية 24 .

([286] ) سورة الأحزاب الآية 9 .

([287] ) سورة الإسراء الآية 69 .

([288] ) صحيح البخاري ح 978،ج 1/،350 وصحيح مسلم ح899،ج 2/616 .

([289] ) صحيح البخاري،ح 989، ج1/ 350 .

([290] ) المسند 4/418،410، وسنن أبي داود 4/105، والمستدرك 4/491، ومسند أبي يعلى 13/261.

([291] )  سنن البيهقي 3/342.

([292] ) مفتاح دار السعادة 1/221 .

([293] ) الجواب الكافي 1/30 .

([294] ) سورة الأعراف الآيتان 78،77 .

([295] ) المستدرك   2/  371،351 ، و صحيح ابن حبان 14/ 77 ،

([296] )تفسير القرآن العظيم 2/228 .

([297] ) المصدر السابق 2/230 .

([298] ) سورة يس الآيتان 29،28 .

([299]) تفسير القرآن العظيم 3/570 .

([300]) سورة الأنعام الآية 65 .

([301]) سورة الحشر الآية 14 .

([302]) صحيح مسلم ،ح2890،4/2216 .

([303]) تفسير الطبري 7 /226، وانظر الدر المنثور 3/283. والمسند 5/134.

([304]) الأم 4/157 . والآية 182 من سورة الأعراف .

([305] ) أثر المعاصي على الفرد والمجتمع ،11.

([306] ) صحيح البخاري ح 3286، 3/1281، واللفظ له وصحيح مسلم ح 2218، 4/1738 .

([307] ) سورة البقرة الآية 243.

([308] ) نفسير الصنعاني 1/97.

([309] ) سورة البقرة الآية 59 .

([310] ) تفسير الطبري 1/305.

([311] ) سورة الأعراف الآية 134 .

([312] ) المصدر السابق 9/40-41 .

([313] ) المصدر السابق 9/41.

([314] ) صحيح مسلم ح 1915، 3/1521، واللفظ له، وصحيح البخاري ح5400، 5/2165.

([315] ) صحيح مسلم ح1379، 2/1005، واللفظ له، وصحيح البخاري ح 5399، 5/2165.

([316] ) سورة غافر الآيتان 45-46.

([317] ) صحيح البخاري ح6640، 6/2585 .

([318] ) الروح لابن القيم 1/77 - 79 .

([319] ) التعريفات للجرجاني، ص 225 .

([320] ) المفردات، ص 468، مادة مسخ .

([321] ) سورة البقرة الآية 65 .

([322] ) سورة الأعراف الآيات 163-166 .

([323] ) تفسير القرآن العظيم 2/259، وانظر جامع البيان 6/69.

([324] ) سورة المائدة الآية 60.

([325] ) صحيح البخاري ،ح5268،5/2123.

([326] ) صحيح البخاري واللفظ له ،ح659، 1/245، وصحيح مسلم ،ح427،1/230.

([327] ) فتح الباري 2/184.

([328] ) سنن أبي داود ،ح4307، 4/113. ومشكاة المصابيح ،ح5433،3/19.

([329] ) سنن الترمذي ،ح 2211، و2212، 4/495 .

([330] ) سنن ابن ماجه، ح4059،2/1349، وقال الألباني : وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد، رجاله ثقات رجال مسلم، غير سيار هذا، إلى أن قال: ثم إن للحديث شواهد كثيرة تشهد لصحته عن عائشة، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسهل بن سعد، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وسعيد بن راشد . سلسلة الأحاديث الصحيحة ح1787، 4/392.

([331] ) المصدر السابق،ح 1604، 4/135.

([332] ) الفتاوى الكبرى 3/129-130.

([333] ) مفتاح دار السعادة 1/254-255 . وانظر منهاج السنة النبوية 1/485. لم يذكر ابن القيم اسم الكتاب، وذكر اسمه ابن تيمية في المنهاج فقال: وسماه (النهي عن سب الأصحاب).

([334] ) سورة القصص الآية 81 .

([335] ) صحيح البخاري ،ح3297،3/1285، وصحيح مسلم ،ح2088، 3/1653.

([336] ) سورة الإسراء الآية 68.

([337] ) سورة الأنعام الآية 65 .

([338] ) جامع البيان 7/220 .

([339] ) المصدر السابق 7/220 . وانظر تفسير ابن أبي حاتم 4/1311.

([340] ) سورة سبأ الآية 9.

([341] ) سورة النحل الآيات 45-47.

([342] ) تفسير السعدي 441.

([343] ) المستدرك على الصحيحين ،ح 8572، 4/560 .

([344] ) المستدرك على الصحيحين ،ح8349، 4/483.

([345] ) صحيح ابن حبان ، ح 6755 ، 15/155. وانظر صحيح مسلم ،ح2884، 4/2210.

([346] ) المستدرك على الصحيحين ،ح 1902، 1 / 698 . وأحمد في المسند 2/25. ورواه ابن حبان في صحيحه،ح961 ، 3/241. وابن أبي شيبة في المصنف،ح 29278، 6/35 .

([347] ) صحيح مسلم ،ح 2910، 4/2225 .

([348] ) سورة الروم الآية 27 .

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا