تيسير لمعة الاعتقاد

نبذة مختصرة

هذا شرح متوسط على كتاب لمعة الاعتقاد لابن قدامة – قَصَدَ الشارح منه تقريب معانيها، وتوضيح غامضها، والتدليل لمسائلها كتاباً وسنة ومعقولاً، مع ذكر شبه بعض الفرق المنحرفة عن طريق السلف، والرّد عليها على سبيل الإيجاز وتحرير بعض عبارات ابن قدامة والسلف الصالح من قبله، كالإمام أحمد - رحم الله الجميع - والتي كانت متكأً لبعض الناس في الطعن على عقيدة السلف بأنّها عقيدة المفوّضة، فجلّى الشارح هذه العبارات، ووجهها توجيهاً حسناً يوافق جملة اعتقاد ذين الإمامين المقتفيين طريق السلف الصالح يرحمهم الله، شريعةً وعقيدة.
هذا وَقَد شمل الشرح تبعاً للأصل الكلام في جزءٍ كبير من الكتاب - يقرب من النصف أو يزيد - على توحيد الأسماء والصفات، وبيان الواجب اعتقادهُ حيالها، مع ذكر النصوص الدّالة عليها كتاباً وسنّة. ثم بعد ذلك تحدّث الشارح - تبعاً لأصل الكتاب المشروح - عن قضايا متفرقات من معتقد أهل السنة والجماعة في باب القدر، ورؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، والحديث عن باب الإيمان، وأقوال أهل العلم فيه، ثم بيان عقيدة أهل السنة في الإسراء والمعراج وأشراط الساعة، والقبر وما يكون فيه، والبعث، والحشر، والميزان، والحوض، والصراط، والشفاعة، ثم الكلام على مذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة، وقولهم في التكفير والتبديع، مع تسمية بعض الفرق المخالفة لمعتقد أهل السنة والجماعة والسلف الصالح، وذكر بعض بدعهم في الاعتقاد.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 تيسير لمعة الاعتقاد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده , وبعد :

فهذا شرح مختصر للمعة الاعتقاد للإمام ابن قدامة – رحمه الله – سميته :

(( تيسير لمعة الاعتقاد)).

وهو شرح متوسط , يقرب معانيها , ويوضح غامضها , ويدلل لمسائلها , حرصت فيه على البعد عن مناقشات المتكلمين – إلا عند الحاجة الماسة – لأن هذه لها مواضعها وكتبها المتخصصة .

والذي دفعني إلى إخراج هذا الشرح أمران :

أحدهما : حرص الإخوة في دار الوطن على ذلك , حيث نقلوه من الأشرطة , حيث كان الشرح في الأصل دروساً ألقيت على طلبة جامعة الملك سعود بالرياض في المسجد , وقد قام الإخوة في دار الوطن بنقل ما في الأشرطة وطباعتها , وعزو الآيات وتخريج الأحاديث , فجزاهم الله خيراً .

الثاني : أن الأشرطة – كما هو معلوم – يكثر فيها التكرار , كما أن اللسان يند فيها فقد يسبق إليه ما ليس في القلب من المعنى المراد , مما يجعل الأشرطة بصفة عامة تحتاج إلى مزيد تحرير ما لم تكن قد سجلت نقلاً وقراءة مما هو مكتوب ومحرر قبل ذلك .

فأحببت أن أصحح العبارات ؛ ليكون هذا المطوع بديلاً عن تلك الأشرطة لمن أراد الاستفادة .

وأنا أعلم أنه قد سبقني إلى شرح هذا المتن العقدي مشايخ فضلاء , وما هذه المشاركة المتواضعة إلا جهد المقل , وأسأل الله تعالى أن يرزقني وإياهما الإخلاص في الأقوال والأعمال , وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  وآله وصحبه وسلم .

                                                         وكتبه

                       عبد الرحمن الصالح المحمود

*****

 مقدمة الشارح

إن الحمد لله نحمده وستعينه ونستغفره , ونعوذ با لله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل لـه , ومن يضلل فلا هادي لـه , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

أما بعد

فهذا شرح متوسط على رسالة من رسائل السلف – رحمهم الله تعالى – في العقيدة , وهو كتاب (( لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد )) للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى , وقبل أن أبدأ الشرح أحب أن أقدم لـه بمقدمتين :

إحداهما : أتقدم بالشكر للإخوة الذين كانوا ممن اقترح هذا الموضوع (1) , لحرصهم على مثل هذه الشروح العلمية في العقيدة , ومن ثم فإنني أقول للإخوة الذين كانوا – بعد الله – سبباً في ظهور مثل هذا الشرح :

جزاكم الله خيراً , ووفقكم , وسدد خطاكم , وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن أخلص في أعماله لربه , وممن وفق فيها , حتى نصبح في جميع أمورنا على منهاج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

المقدمة الثانية :حول مؤلف هذه الرسالة , فإن مؤلفها هو الإمام الفقيه أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي الصالحي , وهذا الإمام اشتهر لدى العلماء بأنه صاحب المغني ؛ لأن كتابه المغني في الفقه يعتبر أوسع موسوعة في مذاهب العلماء وأقاويلهم في مسائل الشريعة الإسلامية , فإنه جمع – رحمه الله تعالى – في هذا الكتاب العظيم الفريد في بابه علماً جماً , من ذكره لأقاويل الصحابة , وأقاويل كبار التابعين وتابعيهم وذكره لأقوال الأئمة الأربعة : الشافعي , وأبي حنيفة , ومالك , وأحمد , بل وكبار أصحابهم رحمهم الله تعالى , واستقصى الروايات داخل مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى , ثم إنه اعتمد مع ذكر الأقوال ذكر الأدلة والتعليلات التي ذكرها الفقهاء , ثم لم يترك الخلاف هكذا دون أن يذكر الراجح لديه من مسائل الخلاف حيث كان يرجح ما يراه راجحاً , فصار كتابه الذي طبع في مجلدات عديدة بحق موسوعة من أهم موسوعات الفقه الإسلامي , ومرجعاً من أهم المراجع لدى العلماء من بعده وإلى عصرنا الحاضر , ومن ثم اشتهر رحمه الله تعالى بأنه صاحب المغني , فكأن شهرة كتابه (( المغني )) غطت على اسمه رحمه الله تعالى , فإذا قيل صاحب المغني انتقل هذا التعريف إلى هذا الإمام الجليل الذي سبق أن ذكرنا نسبه باختصار .

ولد هذا الإمام الجليل في شهر شعبان سنة 541 هجرية بفلسطين ببلدة تسمى ((جماعيل)) قرب نابلس وتوفي رحمه الله تعالى سنة 620 من الهجرة النبوية .

وقد تميز هذا العالم الجليل – فوق تميزه العلمي بكتابه (( المغني )) – بمختصراته الأخرى في الفقه , ككتابه (( المقنع )) الذي يعتبر للمتوسطين من طلاب العلم , و (( الكافي )) وهو فوق ذلك , وكذلك (( العمدة )) وهو للمبتدئين , إضافة إلى كتابه (( روضة الناظر )) في أصول الفقه , وهو كتاب مشهور , وغير ذلك من رسائله وكتبه ، ومنها هذا الكتاب الذي سنبدأ في شرحه المشتمل على أصول العقيدة الإسلامية الصحيحة .

أقول : إن هذا العالم الجليل فوق كونه عالماً بارعاً مصنفاً , قد تميز أيضاً بكونه إماماً مجاهداً , فقد اشتهر رحمه الله تعالى بمشاركاته في الجهاد في سبيل الله مع صلاح الدين الأيوبي – هو وجماعته المقادسة من إخوانه وأبناء عمومته رحمهم الله تعالى , فإن هذه الأسرة كانت مع صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى في جهاده , وشارك في المعارك التي دارت سنة 583 للهجرة ؛ مع الصليبيين وتحرير بيت المقدس منهم , وكان ابن قدامة رحمه الله تعالى وأفراد أسرته ممن لهم دور كبير جداً في جهاد الصليبيين .

إذن إمامنا إمام علم وإمام عمل وجهاد , وهؤلاء هم سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى , كانت صفاتهم تميزهم بهذا التميز , علمٌ مؤصّل معتمد على نصوص الكتاب والسنة , يصحبه عمل ودعوة وجهاد في سبيل الله .

بعد هاتين المقدمتين المختصرتين ننتقل إلى الكتاب الذي معنا والذي سماه المؤلف رحمه الله تعالى (( لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد )) ومعنى اللمعة : ما خالف بقية اللون , كأن يكون مثلاً اللون أسود , وتكون في بقعة بيضاء , فتسمى هذه البقعة البيضاء لمعة ، ولذا اشتهرت هذه الكلمة بأنها تطلق على لمعة الفرس التي تكون غالباً في الخيل ونحوه ، وتكون هذه اللمعة لمعة بيضاء ، وبقية الجسم إما أدهم أو قريباً من ذلك , المهم أنه اشتهر إطلاق هذا اللفظ على لمعة الفرس . أو أن اللمعة بمعنى البُلْغة من العيش .

وعلى هذا أو هذا فالشيخ رحمه الله تعالى قصد بكتابه حين سماه بلمعة الاعتقاد , أنه يحتوي على بلغة من الاعتقاد الصالح الصحيح أو أنه لمعة بيضاء

منيرة لصفائها وصحة دليلها لأنها عقيدة مستمدة من الكتاب والسنة , ومن ثم قال رحمه الله تعالى : (( الهادي إلى سبيل الرشاد )) .

ولاشك أن الاعتقاد الصحيح المبني على الأدلة الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , هادٍ لمن سلكه وسار عليه إلى سبيل الرشاد ؛ سبيل الرشاد في الدنيا , بأن يكون من اعتصم بهما ممن هدى ورشد واستقام في طريقه وابتعد عن سبل الضلال وأهل  الأهواء والبدع .

وهو أيضاً سبيل إلى الرشاد في الآخرة , حين يُهدي من مات على هذا التوحيد الصحيح إلى جنات النعيم , والفوز برضوان الله تعالى يوم القيامة .

أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً من أهل  الجنة , وممن وفق وهدي إلى سبيل الرشاد.

وعلى هذا فإن الشيخ رحمه الله تعالى لم يرد من رسالته هذه أن تكون كتاباً مفصلاً في الاعتقاد , وإنما أرادها لمعة تضيء الطريق , أو أرادها بلغة للسالك , بحيث إذا قرأها المسلم واستوعبها وفهمها , استقامت لديه معرفة العقيدة من جوانبها المتعددة , وهو رحمه الله تعالى حرص على ربْط عقيدته بالأدلة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , حتى تكون عقيدة صافية خالصة بعيدة عن شوائب عقائد أهل  الأهواء والبدع من المتكلمين والفلاسفة وأصحاب الفرق الضالة .

قال الشيخ الإمام العالم الأوحد أبو محمد موفق الدين عبد الله ابن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي الصالحي رحمه الله (1) :

بسم الله الرحمن الرحيم

بدأ الشيخ – رحمه الله تعالى – رسالته هذه بما يبدأ به المصنفون من أئمة الإسلام – رحمهم الله تعالى – فقال : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .

والكلام على البسملة منتشر في كافة شروح الكتب في جميع الفنون ؛ في اللغة , وفي النحو , وفي كتب العقائد , وفي الفقه وغيرها , لا يكاد مَنْ شرح كتاباً من هذه الكتب إلا وتكلم عن البسملة ؛ معناها , وما دلت عليه من أسماء الله - سبحانه وتعالى - : الله , الرحمن , الرحيم , وكذلك الكلام حول     قوله : (( بسم )) وبأي شيء يتعلق الجار والمجرور .

ونحن نشير إشارة مجملة فنقول : قال المؤلف رحمه الله تعالى : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) بسم : المعنى أبتدئ كتابي مستعيناً بالله تبارك وتعالى , فبسم : جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره أبدأ , ذلك بالنسبة لمن يؤلف كتاباً كإمامنا هنا , وإذا كان القارئ يقرأ القرآن وقال بسم الله الرحمن الرحيم , تكون بسم جاراً ومجروراً متعلقاً بمحذوف تقديره أقرأ بسم , وإذا كان الإنسان مثلاً يدخل بيته أو يدخل مكاناً ويقول بسم الله , يكون معناها أدخل هذا المكان بسم الله الرحمن الرحيم , أي مستعيناً بالله تبارك وتعالى .

ولفظ الجلالة (( الله )) الصحيح فيه أنه مشتق وليس بجامد ؛ لأن العلماء وأهل  اللغة اختلفوا في لفظ الجلالة (( الله )) فبعضهم قال : إنه علم جامد وغير مشتق , وبعضهم قال : إنه مشتق , ثم اختلفوا في الاشتقاق , هل هو من ألُه

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يَألَه فهو مألوه , أو من ألُهَ يَألَه فهو آلِه .

فذهب بعض المتكلمين إلى أنه من أله يأله فهو آلِه , أي إن الله يأله عباده فهو الذي خلقهم , وهو الذي يرزقهم إلى آخره .

وبناءً على هذا التفسير وقع خطأ كبير عند كثير من المتكلمين حين فسروا كلمة الشهادة : لا إله إلا الله , حيث فسروها بأن معناها : لا خالق إلا الله , بناءً على هذا الفهم في الاشتقاق , لكن القول الثاني هو الصحيح , أنها من ألُه يَأله فهو مألوه أي معبود , أي أن الله سبحانه وتعالى هو الله , أي هو المستحق للعبودية ومن ثم جاء تفسير كلمة الشهادة : لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله تبارك وتعالى , وهذا هو توحيد العبادة وهو الصحيح أيضاً في اشتقاق كلمة (( الله )).

و (( الرحمن الرحيم )) اسمان من أسماء الله تبارك وتعالى .

(( الرحمن )) : صيغة مبالغة خاص بالله سبحانه وتعالى , لا يوصف به مخلوق . و (( الرحيم )) : أيضاً اسم من أسمائه تبارك وتعالى , لكن قد يوصف المخلوق بأنه رحيم , واسمه تبارك وتعالى الرحمن والرحيم  دال على صفة الرحمة , وهو أي هذا الاسم وكذلك أيضاً اسم الله (( الرحمن )) نثبتهما لله تبارك وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته , من غير مشابهة للمخلوقين . ولابن القيم رحمه الله تعالى في أول كتاب ((مدارج السالكين )) كلام طيب جداً حول الفاتحة , وحول اسمه تعالى (( الرحمن الرحيم )) , فمن أراد الفائدة فليرجع إليه بتمامه فإن فيه فوائد جمة .

الحمدُ للِه المحمودِ بكلِّ لسانٍ , المعبودِ في كلِّ زمانٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد هذا يقول الشيخ رحمه الله تعالى : (( الحمد لله المحمودِ بكل لسان )) .

(( ال )) في (( الحمد )) للاستغراق . والمقصود بقول القائل (( الحمد لله )) ذكر أوصاف المحمود , والاعتراف بها , والثناء على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله.

وقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا : (( بكلِّ لسانٍ )) يدل على أمر مهم , وهو أن الله سبحانه وتعالى فطر جميع الخلق على حمده سبحانه وتعالى , والاعتراف له بالربوبية , ومن ثم فقوله (( المحمود بكل لسان )) يشمل لسان الحال , ويشمل أيضاً لسان المقال الذي يعم جميع المخلوقات كما قال تعالى :

((تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم)) [الإسراء: من الآية44] .

لسان الحال : فإن الله سبحانه وتعالى يحمده جميع المخلوقات .

ولسان المقال : فإنه سبحانه وتعالى المحمود على جميع الألسنة , فمهما اختلفت اللغات , فإن الله سبحانه وتعالى يحمده أهل  تلك اللغة بما علموا من أوصافه سبحانه وتعالى وبما هو أهل ه , وهذا من خصائص الألوهية والربوبية التي لاتكون لأحد إلا الله سبحانه وتعالى .

يقول رحمه الله تعالى (( المعبود في كل زمان )) أي أنه سبحانه وتعالى له العبودية. والعبودية قسمان :

القسم الأول : عبودية عامة شاملة , لا يخرج عنها أحد , تشمل جميع الخلق كما قال سبحانه : ((إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً))    [مريم: 93] , وهو سبحانه وتعالى معبود وتلك العبودية هي مقتضى الربوبية , فهو معبود عند جميع الخلق ؛ لأنه سبحانه وتعالى هو خالقهم

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورازقهم , وهو الذي أحياهم ثم يميتهم , وهو ربهم تبارك وتعالى الربوبية الكاملة , لهذا فإن هذه العبودية العامة الشاملة لا يخرج منها أحد , لا من إنس ولا من جن , ولا مؤمن ولا كافر , ولا من بشر ولا ملك , ولا من شمس ولا قمر , ولا من أرض ولا سماء , ولا من بحر ولا من هواء , فالكل عبيد لله سبحانه وتعالى , مسخرون له تبارك وتعالى , مطيعون له سبحانه شاؤوا أم أبوا .

وهذا مما دلت عليه النصوص الكثيرة , فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخلق , وهو الذي يأمرهم , وهو الذي يقدِّر لهم ما يشاء , وهم خاضعون لـه , حتى بني آدم , الذين أعطاهم الله سبحانه وتعالى عقولاً هم أيضاً في نشأتهم في هذه الأرض , وفي حياتهم فيها , بل وفي رزقهم , وأجلهم , وموتهم , وألوانهم ، وأطوالهم , وما يجري داخل أجسامهم من حركات القلب والدم والهضم إلى آخره , كل ذلك هم خاضعون فيه لله سبحانه وتعالى , فليس للإنسان إرادة في أن يختار كيفية معيشته , ولا كيفية نَفَسه , ولا كيفية ضخِّ الدم في عروقه , ولا كيفية قضاء حاجته , إلى غير ذلك , وإذا كان هذا في الإنسان العاقل المكلف , فكيف بغيره من المخلوقات ؟

هذه هي العبودية الشاملة التي لا يخرج عنها أحد .

القسم الثاني : العبودية الخاصة ؛ وهذه العبودية هي التي يتميز بها المؤمنون عن الكفار , فالمؤمنون هم الذين يعبدون الله تبارك وتعالى مخلصين لـه على وفق شريعته التي أمر بها على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام .

فقول المؤلف رحمه الله تعالى : (( المعبود في كل زمان )) قد يدخل فيه العبودية العامة , وقد يدخل فيه العبودية الخاصة بالمؤمنين .

الذي لا يَخْلو من علْمِهِ مكان , ولا يَشْغَلُهُ شأنٌ عن شأنٍ ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله : (( في كلِّ زمانٍ )) يشمل أيضاً كلِّ مكان , والمعنى أنه لا يخلو زمان أو مكان من وجود من يعبد الله سبحانه وتعالى , وهذا الذي علمناه من أخبار رسل الله الكرام ومما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق , لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم , حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى" (1) , وما قبل ذلك فإن الملائكة عباد لله , وآدم أهبط إلى الأرض وهو على التوحيد .

ثم يقول الشيخ رحمه الله تعالى : (( الذي لا يخلو من علمه مكان )) في هذا إثبات شمول علم الله سبحانه وتعالى , فلا يخلو من علمه أي مكان , سواء كان هذا المكان ظاهراً أو باطناً , في جوف البحار , أوفي جوف الأرض , أو تحت صخور الجبال , أو فيما هو ظاهر , فعلم الله سبحانه وتعالى قد أحاط بكل مكان , قال تعالى : ((وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)) [الأنعام:59] .

وعلمه سبحانه وتعالى أحاط بكل شئ : ((يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)) [غافر:19] .

قال : (( ولا يشغله شأن عن شأن )) وذلك لكمال صفاته جل وعلا , فالمخلوق لضعفه وقصور صفاته – فيما قد يكون عنده من بعض الصفات – لا يستطيع أن يشتغل بأكثر من عمل في وقت واحد , ويندر أن يجمع إنسان قواه

جلَّ عن الأشْبَاهِ والأنْدَادِ ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العقلية لتكون في عملين متكافئين في وقت واحد , وإنما غاية ما يحصل عن الإنسان أن يشتغل بعمل يُعمِل فيه ذهنه , ثم يشتغل بيده أو برجله بعمل آخر لا يحتاج إلى إعمال فكرٍ . أما ما عدا ذلك فلا يستطيع .

أما الله سبحانه وتعالى فقد وسع سمعه السموات والأرض , فيسمع في وقت واحد دعاء الداعين وأقوالهم , على اختلاف الزمان والمكان ومهما بلغت كثرة الداعين والسائلين , وهو سبحانه وتعالى كل يوم هو في شأن , ولا يشغله شأن عن شأن , فيغفر لهذا ، و يتوب على هذا , ويستجيب لهذا , ويرزق هذا , ويحيي هذا , ويميت هذا , سبحانه وتعالى وتقدس ؛ لأنه كامل الصفات , فلا يقاس بغيره .

وهذا هو حقيقة فهم أئمة أهل  السنة والجماعة رحمهم الله تعالى لأسمائه وصفاته , كانوا يفهمونها كما يليق بجلاله وعظمته دون مشابهة المخلوقين , ومن ثم فلا يحتاجون إلى تأويل .

أما أهل  الكلام الباطل فهم أولاً يقعون في التشبيه , فإذا سمعوا صفةً من صفات الله تبارك وتعالى ظنوا أنها كصفة فلان أو فلان من البشر , ثم يضطرون إلى التأويل للهروب من هذا التشبيه الذي توهموه , فيقعون في الجحود والتعطيل . أما أهل  السنة والجماعة فيثبتون لله الصفات كما يليق بجلاله وعظمته , ولا يحتاجون إلى تأويل , ولا إلى تحريف , ولا إلى تعطيل .

قال رحمه الله تعالى :(( جلَّ )) أي تقدس وتنزه (( عن الأشباه والأنداد )) الأشباه والشبيه هو المُشَابِه من بعض الوجوه دون بعض , وهو سبحانه وتعالى جل عن أن يشبه شيئاً من خلقه , لا في ذاته , ولا في أي صفة من

وتَنَزَّه عن الصَّاحِبةِ والأولادِ , ونَفُذَ حُكْمُه في جميعِ العبادِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صفاته تبارك وتعالى .

كما أنه أيضاً جل وتقدس عن الند والمثيل , سواء في الربوبية , أو في الألوهية , أو في صفة من الصفات , أو غير ذلك ، فهو الرب المعبود وحده لا شريك له .

قال : (( وتنزه عن الصاحبة والأولاد )) وهذا دلت عليه النصوص من القرآن والسنة في سورة الإخلاص وغيرها , فهو سبحانه وتعالى لم يتخذ صاحبة ولا ولداً , وفي ذلك نقض لما ادعاه المشركون حينما زعموا أن الملائكة إناث , وأنهم بنات الله , تعالى الله عن ذلك . أو النصارى حينما يقولون : إن المسيح ابن الله . أو اليهود حينما يقولون : إن العزيز ابن الله . والابن يحتاج إلى صاحبة , والله سبحانه وتعالى تنزه عن الصاحبة والولد , تعالى عما يقول هؤلاء جميعاً علواً كبيراً .

قال : (( ونفذ حكمه في جميع العباد )) الأصل في هذا الحكم النافذ في جميع العباد أنه حكمه القدري , فما شاء الله كان , وما لم يشأ لم يكن , وهذا الذي نفذ في الجميع المؤمن والكافر , فجميع العباد نفذ فيهم حكم الله سبحانه وتعالى , فهم جاءوا إلى هذه الدنيا بأمر الله , ويحيون بأمر الله , ويموتون بأمر الله , فحكمه فيهم نافذ وقد يدخل في عموم هذا الكلام : أن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يحكم بين العباد في الدنيا بشرعه وأمره وفي الآخرة بجزائه وحسابه . كما قال تعالى : ((أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)) [الأعراف: 54].

والخلق : هو (( التقدير )) , والأمر : هو نفاذ شرع الله سبحانه وتعالى , فهو سبحانه وتعالى الذي يحكم بين عباده , ويُشَرِّعُ لهم بما يشاء , فبما أنه سبحانه هو 

لا تُمَثِّلُُهُ العقولُ بالتَّفْكيرِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القاهر فوق عباده , وبما أن حكمه القدري ُّهو النافذ , فهو أيضاً سبحانه وتعالى الذي له الشرع والحكم بين عباده . قال تعالى : ((وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً)) [الكهف: 26] , وقال تعالى: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)[الأحزاب: من الآية36] , وقول سبحانه وتعالى : ((وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ{65} فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ)) [القصص: 65،66] , إلى أن قال تعالى بعد ذلك :        ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)) [القصص: 68] , يخلق ويختار , كقوله : ((أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ )) [لأعراف: 54] , فهو الذي ينفذ حكمه في جميع العباد قدراً , وهو الذي يجب أن ينفذ حكمه في جميع العباد أمراً وشرعاً .

قال رحمه الله تعالى : (( لا تمثله العقول بالتفكير )) أي أنه سبحانه وتعالى في ذاته وصفاته , لا يمكن أن تمثله أو تشبهه العقول بالتفكير , أي مهما بلغ العقل في فهمه وسعة خياله أو نحو ذلك , فلا يستطيع أن يمثل أو يشبه ذات الله , أو صفة من صفات الله تبارك وتعالى .

وكيف يستطيع عقل الإنسان القاصر الصغير أن يمثل ذاتَ الله أو صفةً من صفاته ؟ والله سبحانه وتعالى يقول عن نفسه في آية – هي مما يجب أن يقف عندها الإنسان دائماً وهو يتكلم عن صفات الله سبحانه وتعالى - : ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه))ِ         [الزمر: من الآية67] تصور هذا !! فأنى لهذا الإنسان الذي هو خلق صغير جداً يجري على هذه الأرض , وهذه الأرض بالنسبة لكون الله الشاسع لا تمثل إلا ذرة صغيرةجداً , ومع ذلك فإن الأرضين والسموات بكواكبها ومجراتها وسعتها كما قال الله سبحانه وتعالى:  ((وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه)) [ الزمر: 67]

 ولا تَتَوَهَّمُهُ القلوبُ بالتصويرِ , (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))    

  [الشورى: 11]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

, فكيف يأتي العقل ليمثِّل صفات الله سبحانه وتعالى ؟

فهو سبحانه وتعالى لا تمثله العقول بالتفكير .

وقوله : (( ولا تتوهمه القلوب بالتصوير )) ؛ الوهم : قوة من شأنها إدراك الجزئيات , والمعنى أن القلب مهما توهم , لا يمكن أن يصل إلى وَهَمٍ معين بتصوير ذات الله سبحانه وتعالى أو صفاته .

ولهذا قطع أئمة السلف رحمهم الله تعالى أن كيفية صفات الله سبحانه وتعالى لا تعرف , ولا يحاط بها , ولذا فإن أهل  السنة والجماعة يثبتون لله الصفات ، لكن الكيفية يكلون أمرها إلى الله ، كما قال الله تبارك وتعالى عن نفسه : ((لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ)) [الأنعام: من الآية103] ؛ أي أنه سبحانه وتعالى وإن كان يرى , حيث يراه المؤمنون يوم القيامة رؤيا عيانية حقيقية , إلا أنهم مع رؤيتهم له لا يدركونه , ولا يحيطون به سبحانه وتعالى .

وفرقٌ بين الرؤية وبين الإدراك , ولله المثل الأعلى فنحن الآن مثلاً نرى السماء , ونرى الشمس , ونرى القمر , لكننا لا نستطيع أن ندرك هذه المخلوقات , بل في الأرض نرى الجبل , إلا أننا لا نستطيع أن ندرك تفاصيل هذا الجبل ونحو ذلك , ولله المثل الأعلى , فالله يرى , ولكن مع ذلك لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير , فهو سبحانه وتعالى لا تتوهمه القلوب بتصوير معين , سواء كان هذا التصوير مما يتوهمه القلب أو العقل لصفة ذاتية لله سبحانه وتعالى , أو لصفة معنوية أو لصفة فعلية .

ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى قاعدة من قواعد أهل  السنة مستنبطة من

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتاب الله تبارك وتعالى : ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))

, وهذا هو منهاج أهل  السنة والجماعة , فقوله : (ليس كمثله شيء ) رد على المشبهة والممثلة , فهو سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء , فلا يماثل أحداً من خلقه , ولا تماثل صفاته صفات أحد من خلقه , ولذا قال : ليس كمثله شيء , و((شيء)) هنا تعم لأنها نكرة في سياق نفي بقوله (( ليس )) ؛ والكاف في قوله (( كمثله )) جاءت للتأكيد , والأصل فيه (( ليس مِثْلَهُ شيء )) , فأكدها بقوله (( ليس كمثلهِ شيء)) .

   وبعض العلماء قالوا : إن الكاف بمعنى (( مِثْل )) فيكون المعنى ((ليس مِثْلَ مِثْلِهِ شيءٌ)) قالوا وهذا من باب المبالغة أي : أنه إذا كان مثل المثل ليس كمثله سبحانه , فإن المِثْل من باب أولى .

وقوله تعالى : ((وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))  هذا لبيان إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى , فهو رد على المعطلة ؛ لأن قوله تعالى : ))وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(( اسمان لله دالان على صفتي السمع والبصر له تبارك وتعالى , و(( السميع البصير )) اسمان لله لا يمكن أن يثبتا إلا بإثبات ما دلاّ عليه وهو صفة السمع والبصر .

ولذا اقترح بعض المعتزلة على أحد خلفاء بني العباس في زمن تسلط المعتزلة أن يكتب على سترة الكعبة وكان مكتوباً عليها ((ليس كمثله شيء وهو السميع  البصير)) اقترح عليه أن يمحوها ويكتب (( ليس كمثله شيء وهو العزيز       الحكيم )).

فبعضهم يقول : ما الفرق بين السميع البصير والعزيز الحكيم ؟ ونقول : إن هذا المعتزلي لا مانع عنده من أن يثبت أن الله عزيز حكيم ؛ لأن هذين الاسمين قد يرجعهما إلى ربوبيته ونحو ذلك , لكنه أراد أن يمحو السميع البصير , حتى

له الأسماءُ الحسنى , والصفات العلى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى))

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ينفي ما دلا عليه من صفة السمع والبصر نظراً لتوهمه التشبيه .

قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( له الأسماء الحسنى )) الحسنى هي الحسنة , التي بلغت في الحسن غايته , وهذا قد ورد بنص القرآن قال تعالى: ((وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)) [لأعراف: 180] , فأسماؤه سبحانه وتعالى كلها حسنة ,  بالغة الكمال في الحسن , (( والصفات العُلَى )) أي أن له سبحانه وتعالى الصفات العالية الكاملة , ذات القَدْر والعظمة ؛لأنها صفةُ عظيم , فهي صفات كاملة .

ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يمثل في بداية هذه العقيدة لبيان منهاج السلف رحمهم الله تعالى , ببعض الصفات التي قد وقع فيها خلاف أو كلام أو نحو ذلك بين الفرق والطوائف , فقال : ))الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) [طـه:5] , وقد ساقها رحمه الله تعالى مساق المدح والثناء على الله سبحانه وتعالى , لأن السياق يدل على ذلك فقد قال رحمه الله : (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير , له الأسماء الحسنى والصفات العلى )) , ثم قال : (( الرحمن على العرش استوى )) فجمع رحمه الله تعالى بين الثناء على الله بما هو ثابت من صفاته , مثل صفة الاستواء على العرش , وسيأتينا إن شاء الله في أثناء هذا الشرح الكلام على صفة الاستواء ومدلولها .

والشيخ هنا إنما أراد أن يشير في هذه الآية إلى ما دلت عليه من صفات , لكن أيضاً أراد بيان منهاج السلف رحمهم الله تعالى في إثبات الصفات .

وأهل  السنة والجماعة يثبتون صفة الاستواء لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته ؛ لأن استواء الله على العرش , ورد في كتاب الله تبارك وتعالى في

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)) [طه:6] (( وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)) [طه:7]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سبعة مواضع , أما من فسره أو تأوله بالاستيلاء أو نحو ذلك , فتأويله باطل , وسيأتي إن شاء الله تعالى مناقشة ذلك .

ثم يقول الشيخ مستشهداً : ((لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)) [طـه:6] , وهذا لبيان كمال صفاته . له ما في السموات وما في الأرض , فهو مالك الملك . ولا أحد مِن المخلوقين يملك شيئاً , وحتى ملوك الدنيا يملكون ملكاً ناقصاً من جهتين : من جهة أنه ملك لا يستطيع هو أن يحوزه ويتصرف فيه كما يشاء . ومن جهة أخرى أن ملكه هذا ناقص ومنقطع لأنه إما أن يرحل هو عنه , أو يرحل عنه ملكُه . أما مالك الملك الذي له ما في السموات وما في الأرض , فهو الخالق له وهو المالك تبارك وتعالى .

قال : (( وَمَا بَيْنَهُمَا )) أي ما بين السموات والأرض : ((وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)) الثرى : هو التراب وهذا لبيان أن الله سبحانه وتعالى له كلُّ شيء , في العلو والسفل وما بينهما .

قال : ((وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)) [طـه:7] وهذا لبيان كمال الله سبحانه وتعالى في سمعه وعلمه . وقوله تعالى : ((وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ )) لبيان أن الجهر بالقول والعلانية عنده سواء , ولذا جاء التعليل بقوله : ((فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)) أي أخفى من السر , والسرُّ : قيل هو ما يُسره الإنسان لشخص آخر , فيقال : سارَّه بكذا , كلَّمه سراً بينه وبينه . فقوله تعالى : ))وَأَخْفَى(( أي أخفى من هذا السر الذي يكون بين اثنين .

وقيل : إن قوله : ((فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ )) أي ما يسره الإنسان في نفسه ,

أحَاطَ بكلِّ شيءٍ علماً , وقهر كلَّ مخلوقٍ عِزَّةً وحُكْماً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيكون معنى قوله تعالى : ((وَأَخْفَى)) أي ما هو أخفى من السر , أي مما يجهله الإنسان من نفسه هو , فإن الإنسان يسرُّ أمراً فيعلمه , لكن قد يكون في نفسه أمور هي أخفى مما يسره , فالله سبحانه وتعالى يعلمها , فكيف بما فوق السر من الجهر بالقول ؟ لاشك أن الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء كما قال تعالى : ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)). [المجادلة:7].

ولذا قال الشيخ هنا : (( أحاط بكل شيء علماً )) وهذا العموم المطلق هو مدلول هذه الآية ؛ أي : أن الله تعالى أحاط بكل شيء علماً : فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ويعلم السر وأخفى , فقد أحاط بكل شيء علماً تبارك وتعالى , وهذا نصُّ آية وهو قوله تعالى : ((لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)) . [الطلاق: 12] .

وقوله : ((بكل شيء)) , هذه نكرة في سياق النفي فتعمُّ , أي أن علمه أحاط بكل شيء , مهما دق أو صغر أو خفي , في ليل أو نهار , في داخل البحار , أو تحت الثرى أو أخفى من ذلك , قد أحاط الله بكل شيء تبارك وتعالى وتقدس .

قال : (( وقهر كل مخلوق عزة وحكماً )) ؛ أي أنه سبحانه وتعالى قهر الجميع عزة وحكماً ؛ لأنه سبحانه وتعالى هو العزيز وهو الحكيم ؛ العزيز في ملكه , الحكيم في خلقه وأمره وشرعه , فهو سبحانه وتعالى قهر كل مخلوق , وهذا واضح جداً , فالكل داخل تحت مشيئته سبحانه وتعالى , وقد سبق قبل

ووسعَ كلَّ شيءٍ رحمة ً وعلماً : ))يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً(( [طـه:110]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قليل أن بينا أن كل مخلوق سائر على ما يقدره الله سبحانه وتعالى , ولنضرب أمثلة بمن قد يُظَن أنهم أوتوا قدرة , كرجل أوتي قوة عضلية , أو أوتي قوة  مال ,

أو قوة سلطان , أو قوة في قيادة الجيش أو نحو ذلك من القوى .

انظر إلى حال هذا الإنسان بذاته , تجده فعلاً بالنسبة لربه مقهوراً ؛ يأتيه المرض فلا يستطيع أن يرده , يأتيه الهرم فلا يستطيع أن يوقفه , ويأتيه الموت فيعجز هو ومن في الأرض جميعاً عن أن يؤخروا أجله لحظة . إذن هو مقهور في كل ذلك , بل إنه مقهور في وجوده في هذه الأرض , حيث وجد بغير إرادة  منه , ولا تدخل في ولادته , ولا في تحديد لونه وطوله ونحو ذلك .

والأمر في ذلك واضح جداً , ولذا قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( ووسع كل شيء رحمة وعلماً )) أي أنه سبحانه وتعالى قهر عباده , ووسعهم برحمته , وسع كل شيء رحمة وعلماً , كما أنه وسعهم علماً فهو وسعهم رحمة , ورحمة الله سبحانه وتعالى امتدت ووسعت كل شيء , حتى البهائم , والحشرات , وحتى الكفار , لأننا نشاهد أن الكفار يرحم بعضهم بعضاً , ويرحمون أولادهم , والحيوانات كذلك , فرحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شيء , كما أن علمه تبارك وتعالى وسع كل شيء .

ثم يقول الشيخ مستشهداً :((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)) , وهذا مؤكد لما قلناه قبل ذلك , فهو سبحانه وتعالى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم , يعلم ما أمامهم مما سيعملونه , سواء عملوه بتخطيط منهم وإرادة , أو غير ذلك مما يقع لهم من مقدورات الله سبحانه  وتعالى المستقبلية , كما أنه

موصوفٌ بما وصفَ به نَفْسَهُ في كتابِهِ العظيمِ , وعلى لسانِ نبيِّه الكريمِ ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعلم ما خلفهم مما عملوه , أحصاه الله سبحانه وتعالى , وعلمه , وكتبه .

وعلى هذا فإن علم الله أحاط بكل شيء سابق ولاحق , والله تبارك وتعالى علم ما كان , وما يكون , وما لم يكن لو كان كيف يكون , كما قال تعالى عن الكفار في الدنيا وحينما يقفون بين يديه تبارك وتعالى يطلبون الرجعة . قال الله تعالى : ((وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ)) [لأنفال: من الآية23] , هذا في الدنيا . وقال عنهم في الآخرة : ((وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)) [الأنعام: 28] .  ولاتظنوا أن هذا من باب التقدير , بل هذا من باب العلم اليقيني , العلم الكامل لله تعالى : أن الكافر وهو واقف بين يدي الله يوم القيامة , يشاهد العذاب , ويوقن بالحقيقة التي لا مراء فيها , يرى الحقيقة بأم عينيه , البعث , والجزاء , والحساب , والنار , والجنة , قال الله عنه : ((وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)) أي أن هذا الكافر لوعاد إلى الدنيا , لعاد إلىكفره وشركه , فيقول :

ها قد قلنا لكم إن الأمر غير صحيح , ها نحن قد رجعنا إلى الدنيا مرة أخرى . فقوله تعالى: ((وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه)) هو من باب العلم , العلم بما لم يكن لو كان كيف كان يكون . فهو سبحانه وتعالى علم ما كان وما لم يكن .

ثم بدأ الشيخ رحمه الله تعالى , بذكر قاعدة من قواعد أهل  السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات , فقال رحمه الله تعالى عن الله : (( موصوفٌ بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم )) أي أنه تبارك

وكلُّ ما جاءَ في القُرآنِ , أو صحَّ عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجَبَ الإيمانُ به , وتلقيهِ بالتسليمِ والقبولِ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتعالى موصوف بما وصف به نفسه من صفات الكمال والجلال في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم .

 وهذا هو مذهب أهل  السنة والجماعة ؛ يصفون الله بما وصف به نفسه , أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم  , من غير أن يعطلوا الصفات أو يشبهوها , أو يحرفوها , أو يتأولوها تأ ويلاً يبعد بها عن معانيها اللائقة بالله , مع قولهم واعتقا دهم ويقينهم وإيمانهم بأن كيفية هذه الصفات لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى , وهذه هي قاعدة أهل  السنة والجماعة في هذا الباب :

إثبات الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى كما وردت في الكتاب والسنة , وكما يليق بجلال الله وعظمته . وهذه القاعدة هي التي سار عليها المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه هذا , وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر تفصيل ما ورد من أسماء الله تبارك وتعالى وصفاته , وبقية مسائل الاعتقاد .

ثم أوضحها رحمه الله تعالى ببيان أمر خطير ومهم جداً تميز به أهل  السنة والجماعة . فقال (( وكل ما جاء في القرآن , أو صحَّ عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن , وجب الإيمان به , وتلقيه بالتسليم والقبول , وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل )).

وهذا تفصيل لما أجمله المؤلف رحمه الله في بيان قاعدة أهل  السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات , وذلك بالاعتماد على القرآن أولاً , وعلى السنة ثانياً :

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولاً : إن كل ما جاء في القرآن العظيم فإننا نأخذ به في جميع مسائل الاعتقاد وعلى رأسها مسألة الأسماء والصفات , وقد يقول قائل : وأيضاً أهل الكلام والمعطلة يأخذون بما في القرآن . نقول : فَرْقٌ عظيم بين من يأخذ بما في القرآن , مفسراً للقرآن بالقرآن , ومفسراً للقرآن بسنة النبي  صلى الله عليه وسلم   , ومثبتاً لما ورد , وبين من يأخذ به ثم يعمل فيه تحريفاً وتأويلاً من أجل فواعد عقلية فاسدة .

 فالذي قال في قوله تعالى : ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)[طـه:5] :

 استوى بمعنى استولى , هو في الظاهر أخذ بالقرآن , لكنه في الحقيقة لم يثبت ما في القرآن على الوجه الذي يليق بالله سبحانه وتعالى , فحرَّف اللفظ والمعنى , عما دل عليه نص الآية من إثبات صفة الاستواء لله , وهذا هو التحريف والتأويل الباطل الذي منعه الأئمة رحمهم الله تعالى .

فأهل  السنة والجماعة يأخذون بما في القرآن , ويثبتونه على مقتضى ما عُرف من لغة العرب التي نزل بها القرآن , مضبوطة ومقيدة بالأدلة الأخرى من الكتاب ومن السنة , ومن فهم الصحابة رضي الله عنهم لهذه النصوص .

 أما أن يُنطلق إلى نصوص القرآن ثم يعمل فيها كلُّ إنسان بما يشاء , فهذا هو الذي فرّق الفرق , ولو تأملنا مذاهب المعتزلة والخوارج والمرجئة والرافضة وغيرهم لوجدنا كل واحد منهم يحتج بآيات القرآن , وليس معنى ذلك أن مذاهبهم صحيحة , لأنهم احتجوا بالقرآن , فإن الاحتجاج بالقرآن لابد أن يكون على منهاج صحيح , وعلى طريقة سليمة مؤصلة , ولا يكون همُّ المحتج بالقرآن أن يأخذ من النصوص ما يريد , ويدع منها ما لا يريد , بناءً على أهوائه , فإن هذا هو منهاج أهل  الأهواء .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فمنهاج أهل  السنة والجماعة – رحمهم الله تعالى – قائم على أسس صحيحة , وعلى أسس منضبطة في الاستدلال بنصوص الكتاب الكريم , وفي كيفية الاستدلال والفهم , ولذا قال : (( وكل ما جاء في القرآن )) أي من الأسماء والصفات , فنحن نثبته لله كما يليق بجلاله وعظمته ونسلم به . 

ثانياً : قال رحمه الله : (( أو صحَّ عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمـن )) أي ما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  فنحن نأخذ به في باب الاعتقاد , ومن ذلك إثبات الصفات لله تبارك وتعالى , وهذا هو بيت القصيد في منهاج أهل  السنة والجماعة ، وهو القضية الكبرى وأحد الأصول الكبار التي ميزت أهل  السنة والجماعة عن غيرهم من الطوائف , ألا وهو حجية خبر الآحاد في العقيدة. 

إن القول بأن خبر الآحاد إذا صح وتُلُقي بالقبول يفيد العلم , ويُحتَجُّ به في باب الاعتقاد , كما يحتج به في باب الأحكام هو الذي عليه جماهير السلف رحمهم الله تعالى وجماهير الأئمة , وقد أُلّفتْ في هذا الموضوع رسائل مطبوعة يحسن الرجوع إليها , فللشيخ الألباني رسالة سماها : (( وجوب الأخذ بأحاديث

الآحاد في العقيدة والردّ على شبه المخالفين )) , وللدكتور عمر الأشقر رسالة سماها : (( أصل الاعتقاد )) , وللشيخ سليم الهلالي أيضاً كتاب اسمه : (( الأدلة والشواهد في حجية خبر الواحد )) , وللشيخ ابن جبرين حفظه الله تعالى رسالة في حجية خبر الواحد , وإن كانت في أصول الفقه , إلا أنه أيضاً تطرق لقضية الاحتجاج به في أصول الاعتقاد . 

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأوسع من تكلم في ذلك على حد علمي , وأظن أن جميع هؤلاء استفادوا منه , ابن القيم رحمه الله تعالى في آخر (( مختصر الصوا عق )) . فإن المائة صفحة الأخيرة من مختصر الصواعق المرسلة , كلها في بيان هذه القضية , وتميز رحمه الله تعالى بأنه أصّل القضية من أساسها تأصيلاً قوياً ؛ أرجعها إلى قضية شهادة أن محمداً رسول الله وإلى قضية تبليغ الرسول لهذا الدين وإلى قضية أن هذا الدين كامل وباقٍ وإلى قضايا أخرى .

ثم ذكر عدداً من الأدلة الدالة على إفادته العلم , وعلى حجيته في باب الاعتقاد وفي غيره . وهذا الذي عليه جماهير الأئمة المتقدمين رحمهم الله تعالى , وهو الذي يجب أن نسوقه حينما نحكي الخلاف في هذه القضية , والذي دعاني إلى بيان هذه المسألة المهمة , هو ما اطلعت عليه في كتب أصول الفقه للأئمة المتأخرين .

وإن مما يؤسف له أن بعض من بحث هذه المسائل ممن كتب في أصول الفقه , اعتمد على كتب أصول الفقه التي ألفها أولئك الأئمة , فهؤلاء حكوا الخلاف بحسب ما يعلمونه هم , ولما كانت كتب أصول الفقه في غالبها مما كتبه أئمة الاعتزال أو الأشاعرة أو الماتريدية , تأثر مؤلفوها بخلفيتهم الكلامية في كثير من قضايا العقيدة , ومنها هذه القضية التي معنا , وهي حجية خبر الآحاد وإفادته العلم .

فغالب الكتب الكبار التي هي مراجع في هذا الباب , ألفها أئمة في علم الكلام , وأمثال ذلك : (( المعتمد في أصول الفقه )) وهو كتاب مطبوع

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 لأبي الحسين البصري وهو معتزلي . و(( المحصول )) في أصول الفقه للفخر الرازي وهو أشعري , و(( المستصفى )) للغزالي وهو أشعري , و(( البرهان )) في أصول الفقه للجويني وهو أشعري , و(( العدّة )) في أصول الفقه لأبي يعلى , وكذلك ((الإحكام في أصول الأحكام )) للآمدي وهما حنبليان , ولكنهما أيضاً مخلطان في هذا الباب , فبالنسبة للآمدي فهو أشعري جلد , وبالنسبة لصاحب (( العدة )) أبي يعلى فهو يميل كثيراً إلى مذهب الأشاعرة .

 وهكذا فكثير من كتب أصول الفقه ألفها أئمة , إما ما تريدية , أو أشاعرة , أو معتزلة . فلما حكى هؤلاء الخلاف في هذه القضية التي معنا , وهي حجية خبر الآحاد في العقيدة , حكوها بطريقة ينبغي أن يوفق عندها , حيث قالوا : اختلف العلماء في قضية إفادته العلم , ومن ثم في حجيته في العقيدة على قولين :

 فقال جماهير العلماء : إنها لا تفيد العلم , ولا يحتج بها في العقيدة .

والقول الثاني : رواية عن الإمام أحمد أنها تفيد العلم ويحتج بها في العقيدة .

ثم إن بعضهم وصل به الأمر أن يسخر من مذهب الإمام أحمد بن حنبل , في قوله إنها تفيد العلم , فقال : ويلزمه أن كلَّ خبر واحدٍ يفيد العلم .

يعني يلزمه أن أيّ شخص يأتيك بخبر , فإنه يفيد العلم . ولكن أحداً لم يقل بذلك ، وفرق بين أي واحد يأتيك بخبر ، وبين نَقْلِ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  , التي تروى بالأسانيد الصحيحة , والتي عنى بها علماء الإسلام في الجرح

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والتعديل وفي غيره من بيان وتوضيح لمسائل ما يسمى بعلم الحديث , ومن ثم تكلموا في الرجال , وتكلموا في لقاء هؤلاء , وصحة السماع والشذوذ والعلة إلى آخره .

 فرق بين الحديث المُصَفَّى ا لذي ينظر فيه الأئمة , فيقولون : هذا إسناد صحيح متصل , رواته عدول , ضابطون , ليس فيه شذوذ ولا عِلَّة .

 فهذا حكم لم يأت بسهولة , وإنما جاء من خلال دراسات ودراسات , فالبخاري رحمه الله لما اختار صحيحه اختاره من ألوف مؤلفة من الأحاديث والروايات . فهو انتقى منها أصحها , وكذلك الإمام مسلم , وكذا غيرهم ممن لم يلتزم الصحيح إذا درسنا أسانيدهم ومروياتهم , وتبين لنا صحتها .

 لذلك فنحن نقول كما قال كثير من الأئمة : إن الأحاديث الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول , أي لم ينتقدها العلماء الجهابذة , تفيد العلم ويحتج بها في العقيدة . فكيف يأتي من يعكس الأمر ويجعل قول الجمهور أنها لا تفيد العلم , ثم يجعل القول بأنها تفيد العلم ويحتج بها في العقيدة قولاً ضعيفاً هزيلاً . 

لذلك فإننا نقول : إن حكاية الخلاف في هذه المسألة التي معنا هي كما يلي :

أ- جماهير الأئمة أنه يفيد العلم , ويحتج به في باب العقيدة .

ب- وقال بعض العلماء : يفيد الظن ويحتجُّ به في العقيدة , مثل ما قاله ابن عبد البر رحمه الله تعالى , فخاف لفظاً لكنه انتهى في النهاية إلى النتيجة نفسها , وهو أنه يحتج بخبر الواحد في باب العقيدة .  

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ج- وبعضهم قال : لا يفيد العلم ولا يحتج به في باب العقيدة , وهذا قول كثير من المتكلمين .

لكن جماهير العلماء , وإجماع الصحابة , ويكاد أن يكون إجماعاً للتابعين رحمهم الله تعالى , حيث لا يكاد يكون لهم مخالف يقولون : إنها تفيد العلم ومن ثم يُحتجُّ بها في باب العقيدة , ولهذا لم يفرقوا في رواياتهم لهذه الأحاديث , بين أحاديث العبادة وبين أحاديث العقيدة .

إذن ما ابتدعه المبتدعة من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم حين قالوا : إنه لا يحتج بأحاديث الآحاد في باب العقيدة , معناه سلخ لجزءٍ كبيرٍ من نصوص الاعتقاد , ولا شك أن هذه المقالة مقالة باطلة . وليس هذا موضع تقصيلها .

فمنهاج أهل  السنة والجماعة , أن كل ما جاء في القرآن أوصحَّ عن المصطفى عليه الصلاة والسلام من صفات الرحمن , فإنه يجب الإيمان به , والتصديق به , ويجب تلقيه بالتسليم والقبول , فإذا صح الإسناد ، ولم يعترض عليه أحد من الأئمة , فإننا نأخذه ونتلقاه بالقبول ؛ لأن هذا الذي وصلنا عن طريق هؤلاء الأئمة العدول , هو المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  , ولو رددنا هذه  الأحاديث لكان ذلك مدخلاً لأن نردَّ أيضاً أحاديث الأحكام كما فعلت بعض الطوائف حيث قالت : ما دام حديث الآحاد محتملاً , فكيف نأخذ به في أمورنا كلها من العبادات والمعاملات وغيرها .

ولذا كان الأئمة رحمهم الله تعالى لا يفرقون بين هذا وهذا , حتى إنه لما قيل لإسحاق بن راهوية رحمه الله تعالى : حين حدّث بأحاديث النزول – وهي

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحاديث صحيحة جاءت في الصحيحين وغيرهما ، بل هي متواترة – كيف تروي : "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" ؟ كأن السائل يوهم أن فيها نوعاً من التشبيه , أو ما لا يليق بالله سبحانه وتعالى .

فانتهره إسحاق بن راهوية رحمه الله تعالى وقال : هذه الأحاديث والروايات , هي التي بها نحلِّلُ الدماء وبها نحرم , وبها نحلل الفروج وبها نحرم , وبها نحلل الأموال وبها نحرم , فكيف نأخذ بخبر الآحاد ونقطع به رقبة نفسٍ معصومة , ثم لا نأخذ به حين يأتي هذا الإسناد نفسه مخبراً عن صفة من صفات الله تبارك وتعالى ؟ لا شك أن هذا عين التناقض .

لذلك فالآئمة رحمهم الله تعالى أخذوا وعملوا بها , ولم يفرقوا بينها رحمهم الله تعالى , حتى إن بعضهم يصرح بلفظ الشهادة , فإذا ساق إسناداً , رواته كلهم عدول , ثقات أثبات وهو منصل الإسناد  , قال : أشهد بالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال هذا الحديث .

ولا شك أنها ليست شهادة على باطل ؛ لأنه بناها على علم , حيث وصل عنده إلى علم اليقين , أما إذا رفضنا هذه السنة , فمعناها أننا رفضنا جزءاً كبيراً من الشريعة , وهذا معنى قول الشيخ رحمه الله تعالى : (( وكُل ما جاء في القرآن , أو صحَّ عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن , وجب الإيمان به , وتلقيه بالتسليم والقبول , وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيـل )).

وقوله رحمه الله : (( وترك التعرض له بالردّ والتأويل والتشبيه والتمثيل ))

وتَرْك التعرضِ له بالردِّ والتأويلِ والتشبيهِ والتمثيلِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إشارة إلى منهج المخالفين لأهل  السنة والجماعة ؛ إذا جاءتهم  النصوص , حيث إنهم فيها على طرائق , فمنهم من يرد فيقول : حتى ولو جاء الدليل على هذه الصفة لله , أو على هذا  الأمر العقدي في كتاب الله , أو صح عن رسول الله   صلى الله عليه وسلم  فهو غير مقبول .

فرد عليهم الشيخ بقوله : (( وترك التعرض له بالردِّ )) فأهل  السنة والجماعة

يقبلون ولا يردون ما ورد من ذلك بل يقبلونه ويسلمون له , فالرد المذموم هو ردُّ النصِّ , أو رد ما دل عليه النص من صفة ونحوها .

وقوله : (( والتأويل )) أي ترك التعرض لـه بالتأويل , وهذا إشارة إلى رد الطريقة الثانية للمخالفين الذين لا يردُّون النص مباشرة , بل يسلمون لـه في الجملة , لكنهم يعملون في التأويل الباطل , والتأويل هو صرفُ اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به . هذا هو التعريفُ المشتهر عند كثير من أهل  أصول الفقه وغيرهم . ولكن لفظ التأويل الوارد في الكتاب والسنة وعند السلف الصالح رحمهم الله تعالى , يطلق على إطلاقين :

أحدهما : بمعنى التفسير ـ فيقول القائل : تأويل الآية كذا , أي تفسيرها كذا , وهذا منهج ابن جرير الطبري , فإنه كثيراً ما يقول في تفسيره : القول في تأويل قول الله تعالى : أي تفسير قوله تعالى .

الثاني : بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء , فتأويل صفات الله أي حقيقة صفات الله , وتأويل الرؤيا أي حقيقة الرؤيا , كما أخبر الله تعايَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ لى عن يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال :

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جَعَلَهَا رَبِّي حَقّا)) [يوسف: من الآية100] أي حقيقة الرؤيا التي رآها أولاً , تحققت من خلال ما جرى له مع إخوته .

ومن هنا فإن هذين المعنيين للتأويل الذين هما : التفسير أو حقيقة الشيء , هما المعنيان المشهوران المعروفان عند السلف الصالح . أما المعنى  الثالث للتأويل , وهو الذي ذكرته أولاً , وهو الذي قصده الشيخ هنا , فهو معنىً حدث بعد الافتراق الذي وقع في هذه الأمة , وهذا المعنى الثالث الذي هو صرف اللفظ من الاحتمال الرجح الظاهر إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به له حالتان :

الحالة الأولى : أن يكون الدليل صحيحاً والصارف عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح صحيحاً , ففي هذه الحالة يكون هذا التأويل صحيحاً .

الحالة الثانية : أن يكون التأويل لغير دليل , بل أحياناً يكون مخالفاً للدليل , وهذا هو التأويل الباطل ,  وهو الذي قصده الشيخ هنا حين قال : (( وترك التعرض له بالرد والتأويل )).

يقصد رحمه الله تعالى رد طريقة ومنهج المنحرفين في باب الأسماء والصفات وفي غيرها , الذين أوّلوا النصوص , بحيث يأتي بعضهم  مثلاً إلى قول الله تبارك وتعالى : ))الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(( [طه : 5 ] فيتأول النص الظاهر إلى معنىً آخر بعيد جداً , فيقول : استوى بمعنى استولى .

ويأتي إلى قول الله تبارك وتعالى : ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)) [المائدة: 64] فيقول : اليدان هما القدرة أو النعمة , أو القدرة والنعمة

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهكذا . فيأتي على كل صفة ثابتة فيتأولها إلى معان أخرى بعيدة لم يدل عليها النص , وإن دل عليها فهي دلالة ضعيفة جداً , وتأويله هذا مصادمٌ للنصوص الأخرى , ولمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في إثبات هذه الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته .

وعلى ذلك فإن السلف رحمهم الله تعالى يثبتون الأسماء والصفات لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته دون تأويل .

ولهذا قال بعد ذلك : (( والتشبيه والتمثيل )) أي دون التعرض لها بتشبيه , ولا تمثيل , وهذه إشارة إلى طريقة ثالثة لبعض المخالفين من أهل  البدع وهي الإثبات للصفات والنصوص الواردة فيها , لكن مع الوقوع في التشبيه .

والتشبيه : هو أن يجعل صفةً من صفات الله تعالى مُشْبِهةً لصفة من صفات المخلوقين , أو بالعكس بأن يجعل صفةً من صفات المخلوقين مُشبهة لصفة من صفات الله تعالى , والأول كقول بعض أهل  البدع : لله يد كأيدينا , والثاني كقول النصارى في عيسى حيث رفعوه وشبهوه بالخالق تعالى فعبدوه , تعالى الله عن قولهم جميعاً علواً كبيراً .

والتمثيل : أن يجعلها مماثلةً له . ولهذا فالفرق بين التشبيه والتمثيل ؛ أن التشبيه إنما يكون في بعض الأشياء , وقد لا يكون فيها جميعاً , أما التمثيل فإنه يكون في جميع الأشياء , فإذا قلت هذا مثل هذا , فأنت تقصد أنه مماثل له تماماً , لكن إذا قلت : هذا يشبه هذا , فأنت تقصد أن بينهما شبهاً , وبينهما أيضاً فرقاً .

وأهل  السنة والجماعة هم وسط بين أهل  التعطيل , الذين دخلوا في التأويل والتحريف لنصوص الصفات , وبين أهل  التشبيه والتمثيل , الذين

وما أَشْكَلَ من ذلك وَجَبَ ِإثباتهُ لفظاً , وتَرْكُ التعرضُ لمعناهُ , ونردُّ عِلْمَه إِلى قائِلِهِ , ونَجْعَلُ ُعُهْدَتَهُ على ناقِلِه ؛اتباعاً لطريقِ الراسخينَ في العلم , الذين أثنى اللهُ عليهم في كتابِه المبينِ بقوله سبحانه وتعالى : ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)) [آل عمران: 7]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شَّبهوا الله بخلقه , وشبهوا صفاته تعالى بصفات خلقه , ومنهجهم رحمهم الله تعالى وسط في ذلك  .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : ((وما أَشْكَلَ من ذلك وجب إثباته لفظاً , وترك التعرض لمعناه , ونردُّ علمَه إِلى قائله , ونجعل عُهدته لعى ناقله اتباعاً لطريق الراسخين في العلم , الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى:    (( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)) [آل عمران: 7] .

هذه العبارة للشيخ ابن قدامة فيها إشكال من جهة أنه قال: (( وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه )) وسيأتي بعد قليل نقل ابن قدامة عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى , أنه قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم  : "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا " (1) , و" إن الله يرى في القيامة " (2) . وما أشبه هذه الأحاديث : (( نؤمن بها , ونصدق بها , لا كيف , ولا معنى , ولا نردُّ شيئاً منها , ونعلم أن ما جاء به الرسول حقٌّ , ولا نردُّ على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  )) .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فقول الإمام أحمد هنا : (( لا كيف ولا معنى )) قد يظن البعض أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى ومثل ابن قدامة في العبارة السابقة من القائلين بالتفويض في باب الأسماء والصفات , أي إثبات ألفاظها فقط دون التعرض لإثباتها حقيقة , وإثبات ما دلت عليه من معنى يليق بجلال الله وعظمته .

ونقول : إن مذهب التفويض مخالفٌ لمذهب أهل  السنة والجماعة , ولم يقل به أحدٌ منهم . وإنما هو مذهب لطوائف انحرفت عن المنهج الصحيح لأهل  السنة والجماعة . وابن قدامة وكذا الإمام أحمد لم يقولوا بقول هؤلاء ؛ فإن قول الإمام

أحمد هنا : (( لا كيف )) صحيح أي لا نكيفها . وقوله (( لا معنى )) إنما يقصد به أننا لا نتعرض لمعناها بالتأويل والتحريف والتشبيه ونحو ذلك .

أي لا نُظهر لها معنىً يخالف ظاهرها الذي دلت عليه .

ولهذا قال الإمام أحمد بعد ذلك : (( ولا نردُّ شيئاً منها , ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ....)) فقد بيّن أن منهج السلف إثبات الصفات , وإثبات الصفات لله سبحانه وتعالى هو إثباتها لعى ما يليق بجلاله وعظمته , وإثبات المعنى الذي دلت عليه والذي دل عليه النص , وليس المقصود إثبات اللفظ فقط , دون  إثبات المعنى اللائق بالله تعالى .

وأهل  السنة والجماعة يردون على المتأولة , ويردون على الذين يمثلون صفات الله تعالى بصفات خلقه أو يكيفونها , كما أنهم يردون على المفوضة ،  لأنهم يثبتون ما ورد من صفات الله تعالى كما يليق بجلاله , ولنضرب مثلاً بصفة السمع أو بصفة العلم , فإن أهل  السنة والجماعة يعلمون معنى العلم ومعنى السمع , فيثبتون هذه الصفات لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله 

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعظمته , ولكنهم وهم يثبتون هذه الصفات , لا يتعرضون لتأويلها وتحريفها , كما فعل أهل  التحريف والتأويل ، وأيضاً لايكيفون هذه الصفة , فيقولون : إن كيفية الصفة كذا وكذا , أو يقولون : إنها تشبه صفة أحد من الخلق أو نحو ذلك.

ومن هنا فقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى : (( ولا معنى )) أي لا نقول إن لها معاني تخالف ظاهرها فنقع في التحريف والتأويل ونحو ذلك , وإنما نثبتها كما وردت ونثبت ما دلت عليه من معنى يليق بالله  تعالى.

والتفويض الصحيح إنما يكون لكيفية الصفة , لا لحقيقة الصفة وما دلت عليه من معنى , فكيفية صفات الله تعالى نفوضها إلى الله , لأننا كما أننا لا نعلم ذاته , فإننا أيضاً لا نعلم كيفية صفاته . أما الصفة نفسها , فإننا نثبتها لله سبحانه وتعالى ، فَنُفَرِّق بين العلم والقدرة ، وبين السمع والبصر ، وبين الحكيم والخبير وبين قوله تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)[طه : 5] ، وقوله تعالى : ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)) [المائدة : 64] ، وقولـه تعالى : .وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ} [الرحمن:27] ونحوها .

وهذا التفريق ؛  لأننا نعرف من معنى قوله تعالى: (( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)) معاني غير ما نعلمه من قوله تعالى : ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) وهكذا , إذن نخلص في هذه القضية إلى أن القول بأن السلف يثبتون ألفاظ نصوص الصفات فقط مجردة ويفوضون ما دلت عليه ولا يثبتون لها معاني ـ هو قول مردود بل هذا قول أهل  التفويض الذي قال في مذهبهم بعض السلف : إنه شر من مذهب المعطلة .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فمنهج أهل  السنة والجماعة , إثبات هذه الصفات حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته , دون تحريف ودون تشبيه ، فيثبتونها ويثبتون ما دلت عليه من المعاني . أما الكيفية , فهذه يفوضونها إلى الله سبحانه وتعالى ويقولون : إنه لا يعلم كيفية صفاته إلا الله سبحانه وتعالى .

وفي عبارة الشيخ ابن قدامة التي يقول فيها : (( وما أشكل من ذلك , وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه )) نقول : إن كان قد قصد ما قصده الإمام أحمد في عبارته التي سقناها وذكرنا معناها , فهو صحيح , وهو أن أهل  السنة والجماعة لا يتعرضون للمعاني التي هي معانٍ تأويلية فيها تحريف لما دلت عليه هذه الصفات بل يثبتونها ويثبتون ما دلت عليه كما يليق بجلال الله وعظمته .

أما إن كان  ما يفهم من  عبارة الشيخ أننا نثبت اللظ فقط ولا نتطرق للمعنى , ولا نفهم أي معنىً للصفة , فهذا هو التفويض المردود , والمعروف عن أهل  السنة والجماعة ـ  ومنهم ابن قدامة ـ رحمه الله تعالى ـ  فيما وصلنا من كتبه ورسائله ـ أنهم بعيدون جداً عن أهل  التفويض ؛ لأن مآل مذهب أهل  التفويض التجهيل للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ؛ لأن القائل إذا قال نفوض الصفات ، ونفوض ما دلت عليه من معاني ، يؤول به الأمر إلى أننا إذا قرأنا قول الله تعالى : ((وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم)) فلن نفهم شيئاً ؛ لأننا نقول في اسمه (( الغفـور)) و((الرحيم)) وما دل عليه هذان الاسمان من صفة : تثبت ألفاظهما ونفوض معانيهما .

وكذلك نقرأ على منهج أهل  التفويض قوله تعالى : ((وَهُوَ الْعَزِيزُ

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الْحَكِيم))  [العنكبوت: 42] ((وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [الملك: 1] , ((أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)) [الملك:14] , ((أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)) [النساء: 166] , ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) [طـه:5] , ))وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ (( [الرحمن: 27] , ((وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم)) [الفتح: 6] ، نقرأ هذه الآيات فلا نفقه منها شيئاً , لأننا نفوض المعنى .

فهذا المعنى الذي قصده هؤلاء , ينتهي بهم إلى التجهيل الذي قال فيه بعض العلماء : إنه شر من التعطيل , لأن معناه أن الرسول  صلى الله عليه وسلم والصحابة وأيضاً نحن , يجب علينا أن نتلو القرآن فما ورد منه متعلقاً بأسمائه وصفاته , فيجب أن نثبت لفظه فقط , دون أن نثبت لـه أي دلالة أو أي معنى , وهذا مذهب غالٍ مخالف  لمذهب السلف رحمهم الله تعالى ومعلوم أن الله تعالى أمرنا بتدبر القرآن كله ، ولم يستثن منه شيئاً .

أما حينما نثبت ما دلت عليه هذه النصوص من معاني كما هو منهج السلف ونقول بإثباتها لله كما يليق بجلاله وعظمته ، من غير تعطيل ومن غير تشبيه ، فإننا والحالة هذه ، نكون قد فهمنا ما دل عليه النص ، فنفهم من قوله تعالى : ((قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ)) [التحريم: 3] , إثبات اسمه تعالى (( العليم )) واسمه تعالى (( الخبير )) ، وما دل عليه هذا الاسم (( العليم )) من صفة العلم ، وما دل عليه أيضاً اسمه تعالى (( الخبير )) من علمه سبحانه وتعالى بما كان وما سيكون , وكونه تبارك وتعالى عالماً ببواطن الأمور وأسرارها مطلعاً على كل شيء , وهكذا في بقية النصوص.

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فمعنى ذلك أننا لانفوض المعنى , وإنما نثبت الصفة , ونثبت ما دلت عليه هذه النصوص من صفات ، كما يليق بجلاله تعالى وعظمته , ونفوض الكيفية لأنه لا يعلمها إلا الله .

أما القول بأن أهل  السنة والجماعة يثبتون مجرد لفظ الصفة فهذا غير صحيح , فمن يقول : أثبت (( العليم )) , لكن لا أدري ماذا يعني اسمه (( العليم )) , أثبت (( السميع )) ولا أدري ماذا يعني اسمه ((السميع )) , أثبت لله صفة

 (( الإرادة )) و(( القدرة)) و((الغضب)) و((الرضا)) ولا أدري ما معناها . نقول لـه : هذا تفويض لمعنى هذه الصفات , وهو يدلُّ على أنك لا تثبت النصوص , ولا ما دلَّت عليه , ولا شك أن الله سبحانه وتعالى أنزل علينا القرآن هدىً ورحمة وتبياناً لكل شيء , ومن المقطوع به من منهج الصحابة رضي الله عنهم , والسلف الصالح جميعاً , بل هو ضرورة لكلِّ مسلم , أنهم يفقهون ويعلمون حسب ما آتاهم الله سبحانه وتعالى من علم , فيفقهون ويعلمون نصوص الكتاب ونصوص السنة النبوية ويعملون بها ويتبعون ما دلت عليه , والاتباع لا يكون إلا عن علم , فحينما تأتي  آياتٌ في أسماء الله وصفاته , فإننا نتلوها ونعلم معناها , ونُفَرِّقُ بين هذه الآية وبين تلك الآية وهذا التفريق مقتضاه: أننا نثبت ما دلت عليه من معاني دون تحريف أو تشبيه , لأن أهل  السنة والجماعة يثبتونها كما يليق بجلال الله وعظمته , فلا يحرفون النصوص , ولا يؤولونها ولا يعطلونها عما دلت عليه , كما أنهم أيضاً في المقابل لا يمثلونها ، ولا يشبهونها بصفات المخلوقين وهكذا .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى بعد قوله سبحانه : ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا))

وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله : ((فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

: (( وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله :    ((فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ))[آل عمران: 7] , فجعل ابتغاء التأويل علامةً على الزيغ , وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم , ثم حجبهم عما أمَّلُوه , وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه (( )) .

هذه الآية من سورة آل عمران وهي قول الله سبحانه وتعالى : ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)) لا تعارض ما ورد من أن القرآن كله محكم كما قال تعالى :(( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُه)) [هود: 1] فهو كله متقن محكم , وما ورد من أنه كله متشابه كما في قوله تعالى : ((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ)) [الزمر: 23] ، لأنه يشبه بعضه بعضاً في الإحكام والإتقان , فهذا إحكام عام وتشابه عام يشمل القرآن كله .

وفي هذه الآية ـ آية سورة آل عمران ـ أخبر تبارك وتعالى أن في القرآن آيات محكمات , وفيه آيات متشابهات . فبين الله تبارك وتعالى في هذه الآية أن أهل  الزيغ وابتغاء الفتنة , يتبعون ما تشابه منه , ثم وضح سبب ذلك بقوله :

((ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه)).

ابتغاء الفتنة : أي إرادتها وإثارتها بين الناس لإ غوائهم وإضلالهم .

وابتغاء تأويله : أي تأويل النصوص لتوافق ما عندهم .

ثم قال تعالى: (( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه)) ومعروفة أقوال العلماء في

((زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه))

[آل عمران: 7]  فجعَلَ ابتغاء التأوِيلِ علامةً على الزيغِ , وقرنهُ بابتغاءِ الفتنةِ في الذمِّ , ثم حَجَبَهُم عمَّا أمَّلوه , وقطعَ أ طماعَهُم عما قَصَدوه بقوله سبحانه :       ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه)) [آل عمران: 7]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوقف هنا . فسواء كان الوقف على قوله : ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه)) أو على قوله  : ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) فإنه مبني على معنى التأويل في الآية .

  فإذا قيل : إن معنى التأويل في الآية هو التفسير : ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه)) أي تفسيره إلا الله , فحينئذ يجوز الوصل , فيكون المعنى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ؛ لأن الراسخين في العلم يعلمون تأويل وتفسير القرآن الكريم .

أما على المعنى الثاني المشهور عند السلف , وهو أن التأويل هو حقيقة الشيء , فيكون الوقف واجباً على قولهُ : (إِلَّا اللَّهُ) . ويكون المعنى (( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه)) أي وما يعلم حقيقة هذه الصفات , أو حقيقة ما أعد الله للمؤمنين في الآخرة , أو حقيقة ما أعد الله للكفار في النار إلا الله , ثم يقول : ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)) فيؤمنون ويسلمون بكل ما جاء عن الله تعالى .

وهنا مسألة مهمة جداً ينبغي أن نقف عندها وهي : ما هو المحكم والمتشابه في هذه الآية ؟ 

وللجواب على ذلك نقول : كثر خوض الناس في هذه المسألة , وخاصة من تعرض لمسائل علوم القرآن , وذلك حينما يتكلم بعضهم عن المحكم

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمتشابه في القرآن الكريم , فقلَّ من تعرض في كتبه للمحكم والمتشابه في علوم القرآن ولم يخطئ في فهم هذه الآية .

وعلى سبيل المثال : (( الإتقان )) للسيوطي , (( البرهان )) للزركشي , وغيرهما من الكتب التي تعرضت لعلوم القرآن , لما جاءوا إلى هذه الآية وتكلموا عن المحكم والمتشابه , أخذوا يعرضون للمتشابه ويمثلون له بالصفات لله تعالى , فيدخلون الصفات في باب المتشابه , ويجعلون المتشابه إما أن يفوَّض معناه , أي يفوض معاني هذه الصفات , وإما أن تُتأوَّل هذه الصفات إلى معانٍ أخرى لم تدل عليها , ولم يدل عليها سياق الآيات الكريمات , وهذا خطأ كبير شائع .

والحق أن الأسماء والصفات ليست من المتشابهات , وإنما هي من المحكم , ولهذا كثرت الآيات الدالة على هذه الصفات . لكن هذه الصفات فيما يتعلق بكيفيتها ؛ أي كيفية صفات الله سبحانه وتعالى , فهذا الذي نقول فيه لا يعلمه إلا  الله سبحانه وتعالى .

فنحن نفهم قوله تعالى : ((وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم)) [التحريم: 2], وقوله تبارك وتعالى: (( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)) [الانسان: 30] , وقولـه تعالى: (( وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَاب(( [آل عمران: 11] , و قوله تعالى: ((وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا   هُوَ)) [الأنعام: 59] , وغير ذلك من الآيات , ونفقه معناها ونفرق بين كل آية وآية وكل صفة وصفة , ونثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته , والله  تعالى خاطبنا بما نعلمه ونفهمه , وأمر بتدبر القرآن كله ,

ولم يستثن منه شيئاً .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقد يقول قائل : إذا كان الأمر كذلك . فأين المحكم والمتشابه الذي نصَّت عليه هذه الآية ؟ فنقول : الراجح أن التشابه المقصود في هذه الآية هو تشابهٌ نسبي يعرض لبعض الناس , وليس هناك آياتٌ بحدِّ ذاتها هي من المتشابه , لأن بعض الناس يظن أن هناك آيات هي بحدِّ ذاتها متشابهة وآيات هي محكمات .

فنقول : التشابه الذي ذكره الله سبحانه وتعالى هنا هو التشابه النسبي الذي يعرض للإنسان أحياناً , ويكون في بعض الآيات , فمنهج أهل  السنة والجماعة أننا نرد المتشابه إلى المحكم .

وسأضرب مثالاً ورد في سيرة الرسول  صلى الله عليه وسلم  ؛ وذلك أنه لما جاء نصارى نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، والتقى بهم , ودعاهم إلى الإسلام , احتجوا بآيات من القرآن على قولهم بالتثليث , حيث إنهم نصارى يقولون بثلاثة آلهة , فاحتجوا بمثل قوله تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))[الحجر:9] ,  وقوله تعالى : ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)) [القدر:1]  فقالوا : إنا ونحن إنما هما للجمع , وهذا دليل لنا على أن منزل القرآن جمع وليس واحداً ، فهو دليل على أن الله سبحانه وتعالى وتقدس كما يزعمون ليس إلهاً واحداً , وإنما هو ثلاثة آلهة : الأب والابن وروح القدس .

ففي هذه الآية نوع تشابه نسبّى , لكن هذا الاشتباه عرض لبعض الناس من النصارى وقد قادهم إليه الهوى وابتغاء الفتنة من أجل تصحيح عقيدتهم الشركية ,  لكن أكثر الناس لا يعرض لهم فيها اشتباه ؛ لأنهم يفهمون أن مثل هذا الجمع , قد يتكلم به الجمع , وقد يتكلم به المفرد الذي يعظم نفسه , كما يقول الأمير مثلاً : أمرنا ورأينا , وهكذا , فتكون دلالة الآية ليس فيها أي 

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اشتباه , فقوله تعالى : ((ِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) الجمع هنا للتعظيم , والذي نزل القرآن هو الله الذي لاإله إلا هو وحده لا شريك له .

ثم نقول لمن وقع له نوع اشتباه في هذه الآية مثلاً : الواجب عليك أن ترد المتشابه إلى المحكم . فلو قال : وما المحكم ؟ قلنا : هناك آيات ونصوص صريحة ليس فيها أي اشتباه , مثل قول الله سبحانه وتعالى : ((وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد)) [البقرة:  163] , وقوله : ((وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِد)) [المائدة: 73] .

فهذه النصوص صريحة صراحة تامة بأن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له , فإذا رددنا ذاك المتشابه إلى هذا المحكم , تبين لدينا المعنى الصحيح ولم نقع في خلط , لكن أهل  الزيغ والفتنة , يتبعون ما تشابه منه , فيأتي لمثل هذه الآية ويحتج بها على المسلم , ويقول : قوله تعلى : ((إِنَّا نَحْنُ)), إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ,((نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ )) دالة على أن الله أكثر من واحد , فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله .

فال تعالى : ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه)) فإذن التشابه الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في هذه الآية هو تشابهٌ نسبي , يعرض لبعض الناس , وقد يعرض للإنسان حينما يجهل معنى آية من آيات القرآن الكريم , يسمعها لكن لا يستطيع أن يحدد معناها ، فإذا تدبَّر معناها وعلمه بالرجوع إلى العلماء أو كتب التفسير تبين له أن هذه الآية ليس فيها أي اشتباه .

فالزائغون الذين حادوا عن منهج الرسل علهم الصلاة والسلام , وعن منهج أهل  السنة والجماعة , هم الذين يتبعون ما تشابه منه , ويتأولون

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النصوص , ليفتنوا الناس عن منهجهم ودينهم الحق , ولكي يتأولوا هذه النصوص تأويلات باطلة .

ولهذا لما فتح أهل  الكلام باب التأويل لنصوص صريحة , احتج عليهم فيها القرامطة والباطنية لتأويل نصوص أخرى مقطوع بها . فتجد القرامطة والباطنية والفلاسفة يتأولون النصوص , كما فعلت الفلاسفة في تأويل نصوص المعاد , فيقولون بإنكار المعاد , أو بأن المعاد إنما هو روحي وليس جسميّاً , كما فعلت الباطنية في تأويل نصوص العبادات كالحج والصيام والصلاة .

والمتأولة من أهل  الكلام يكفرون هؤلاء وهؤلاء ويقولون : القرامطة كفار , والفلاسفة كفار ؛ لأنهم ردوا النصوص القاطعة , وتأولوها تأويلات باطلة لم يدل عليها دليل . ولا شك أن من أنك المعاد أو أنكر حدوث العالم وقال بقدمه فهو كافر , ولا شك أيضاً أن من أنكر الحج أوالصيام فهو كافر .

لكن أولئك القرامطة والباطنية قالوا للمتكلمين : كيف تسمحون لأنفسكم بتأويل النصوص ولا تسمحون لنا ؟ لماذا تتأولون أنتم نصوصاً صريحة في القرآن دالة على صفاتِ الله وتقولون : منهجنا حق , وتأويلنا حق , ويجب التأويل لتلك النصوص إلى آخره ، ثم إذا تأولنا نحن نصوصاً أخرى مشابهة لها قلتم نحن كفار!!

ما الفرق بين تأويلنا وتأويلكم ؟ وكيف يصير تأويلنا كفراً وتأويلكم طاعةً  وعقيدةً صحيح؟ ألكم على تأويلكم أجران , ونحن لنا على تأويلنا وزران ؟

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فأدى ذلك إلى تسلط الفلاسفة والقرامطة وغيرهم على المتكلمين بسبب ما فتحوا من باب التأويل ؛ لأن فتح باب التأويل معناه ترك النصوص لكل من شاء أن يأتي لأي نص فيؤوله بأي معنى يوافق هواه ونحلته ولو كان بعيداً ويقول هذا هو المقصود والمراد من النص .

فتجد القرامطة والباطنية مثلاً يتأولون الصيام . ويقولون : إن الصيام هو حفظ أسرار الدعوة!! ويبنون ذلك على قولهم : إن في اللغة العربية صام .

يصوم : أي أمسك , والشاعر العربي يقول :

خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ           تحت العجاجِ وأخرى تعلك اللُّجُما 

أي خيل ممسكة وخيل غير ممسكة . فهذا معناه في اللغة العربية . فإذا أمرنا بالصيام فالصيام هو الإمساك , والإمساك عندهم هو الإمساك عن كشف أسرار الدعوة الباطنية . وعندهم أن هذا تأويل صحيح كما يزعمون .

فهذا التأويل الباطل الذي دخل منه هؤلاء ليؤلوا الصلاة , ويؤلوا الصيام , ويؤلوا الحج , ويؤلوا رؤوس العبادات وأركان الإسلام , ما دخلوا إلا لما رأوا المتكلمين من المعتزلة العقلانيين , وغيرهم ممن سلك مسلكهم , يعبثون بنصوص القرآن والسنة الصريحة ويتأولونها ففي قوله تعالى : ((اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)) قالوا : معناها (( استولى على العرش )) من أين جاءوا بهذا التأويل ؟ ولم يرد في اللغة العربية استوى بمعنى استولى , إلا ما جاء في بيت شعر لا يعرف قائله , ويقال إنه منحول لأجل هذه القضية :

قد استوى بشرٌ على العراق         من غير سيف أو دم مِهْراق

قال الإمامُ أبو عبدالله أحمدُ بنُ محمد بنِ حنبلٍ رضي الله عنه في قولِ النبيِّ  صلى الله عليه وسلم

: " إن الله ينزلُ إلى سماءِ الدنيا " . و" إنَّ الله يُرى في القيامة " وما أشبه هذه الأحاديث :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويأتي آخر لقوله سبحانه وتعالى : ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ)) [ص:57] هكذا هو بصيغة التثنية , فيأتي هذا المتأول ويقول : اليد هي القدرة أو اليد هي النعمة , فهذا تأويل بعيد ؛ لأن قوله تعالى : ((بِيَدَيّ)) لا يمكن أن يكون معناها : بقدرتيَّ أو بنعمتيَّ ولوجوه أخرى عديدة , فهو تأويل بعيد جدّاً , بل إن تأويل القرامطة للصيام أقرب من هذا التأويل .

ومن هنا كان تركيز السلف رحمهم الله تعالى في هذا الباب على ردِّ التحريف والتأويل ؛ لأن التأويل يفتح أبواباً كثيرة وعظيمة , من أبواب الفتنة والزيغ ؛ حيث يتلاعب المتلاعبون بنصوص كتاب الله تعالى وما صح من سنة رسوله  صلى الله عليه وسلم .

ولهذا نقل الشيخ رحمه الله تعالى كلام إمام أهل  السنة ؛ أبي عبدالله أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى في قول الرسول صلى الله عليه وسلم  : " إن الله ينزل إلى سماء الدنيا "(1) ,

و" إن الله يُرى في القيامة "(2) وما أشبه هذه الأحاديث موضحاً موقف أهل  الإيمان والسنة من  هذه النصوص .

ويلاحظ أن الإمام أحمد هنا استشهد بأحاديث , فيها دليل على إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى بالسنة الصحيحة , فنزول الله تعالى إلى سماء الدنيا

نؤمنُ بها , ونصدِّقُ بها لا كيفَ ولا معنى , ولا نردُّ شيئاً منها , ونعلَمُ أن ما جاء به الرسولُ حقٌّ , ولا نردُّ على رسولِ الله  صلى الله عليه وسلم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثابت , دلت عليه أحاديث صريحة صحيحة كثيرة , ونزوله كما يليق بجلاله وعظمته , هكذا يثبته أهل  أسنة والجماعة .

كذلك أيضاً رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة عياناً بأبصارهم , دلت عليها الأحاديث المتواترة(1) , وغيرها من الأحاديث التي قال عنها الإمام أحمد : ((نؤمن بها ونصدق بها لا كيف )) أي لا نكيفها؛ لأننا لا نعلم ذات الله تعالى فلا نكيف صفاته.

ثم قال : (( ولا معنى )) أي لا نتأولها إلى المعاني الأخرى الباطلة , فنأتي لها بمعان جديدة تخالف ما دلت عليه النصوص , ولهذا قال : (( ولا نرد شيئاً منها , ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ولا نرد على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  )).

ولما  كان أحد الأئمة وهو إسحاق بن راهوية عند ابن طاهر أمير خراسان , يحدث ويقرأ عليه الأحاديث , قرأ عليه بأسانيده أحاديث النزول بطرقها "إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر , فيقول : هل من سائل فأعطيه , هل من مستغفر فأغفر له , هل من تائب فأتوب عليـه "(2), فقال عبدالله بن طاهر ـ وفي إحدى روايات القصة أحد الجالسين ـ: كيف تحدث بهذه الأحاديث التي فيها : إن الله ينزل ؟! وهذا الإعتراض قد يقع لبعض من يسمع مثل هذه الأحاديث فلا يقبلها ,

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بل يستنكرها ثم يتأولها ويقول : إن الذي ينزل هو رحمته , أو أمره , أو ملك من الملائكة .

وإنما يقولون ذلك لأنهم يستثقلون مثل هذا الحديث , الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم  بطرق عديدة صحيحة , ويظنون أنه يلزم منه التشبيه , وأن نزول الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا كنزول المخلوقين .

فلما اعترض هذا الرجل أو هذا لأمير , وقال : كيف تحدث بهذه الأحاديث ؟ قال له إسحاق بن راهوية : يا أمير , هذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  نرويها ؛ بها نحرم الحرام , وبها نحلُّ الحلال , وبها نستحل الفروج , وبه تُقطع الرقاب . يعني نثبت بها الأحكام , فنفس الإسناد الذي نقطع به رقبة فلان شرعاً هو نفسه الإسناد الذي نحدث عن طريقه بمثل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  , فإذا رددنا مثل هذا لزم رد الشريعة الإسلامية من أولها إلى آخرها , ورد سنة الرسول صلى الله عليه وسلم  كلها .

وقد كان الأئمة رحمهم الله تعالى يروون هذه الأحاديث لا يفرقون بينها , ما دامت صحيحة الإسناد , ثابتة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  , فما دلت عليه من صفة فإنهم يثبتونها كما لودل عليها القرآن , فلا يفرقون بين القرآن والسنة في إثبات ذلك .

ومن ثم قال الإمام أحمد : (( ولا نردُّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم  )) . فما دام الإسناد ثابتاً , فإننا نؤمن به نصدق ونثبت هذه الصفات , كما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل , ومن غير تكييف ولا تمثيل .   

ولا نصف الله بأكثر مما وصَفَ به نفسَهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم قال : (( ولا نصف الله  بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية , ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) [الشورى:11] ونقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه )) .

قوله : (( ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه )) , هذا قيدٌ مهم في منهج أهل  السنة والجماعة , بمعنى أن الأسماء والصفات توقيفية ؛ إذ ليس كل معنى صحيح نثبته لله سبحانه وتعالى صفة بحجة أن معناه صحيح .

كما أنه لا يجوز أن نأتي إلى كل عبارة صحيحة ونقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : 

ثم نذكر هذه العبارة فلا نقول مثلاً : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : افعل الخير , وأحسن

إلى جارك إحساناً في الليل وفي النهار . فليس لنا لكون هذا المعنى صحيحاً أن نقول : لا يمتنع أن يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم  , فالمعنى ولو كان صحيحاً , لا يجوز أن ننسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  ما لم يثبت عنه بالإسناد الصحيح .

وكذلك أيضاً لا نأتي إلى صفة من الصفات وإن كان معناها صحيحاً

ونقول : هذه صفة يجوز أن نثبتها لله .

ومثال ذلك أن بعض الناس تعجبهم كلمة مهندس , ويقولون : إن فن الهندسة الآن يعتبر من الفنون الدقيقة الرائعة التي تدل على الإحكام والدقة إلى آخره , وإن هذا الكون بخلقه رائع وعظيم جداً  , فما المانع أن نقول : إن الله هو مهندس هذا الكون , فنجعل المهندس من أسمائه تعالى ومن صفاته هذه الصفة ؟

فنقول : هذا لا ينبغي وإن كان المعنى صحيحاً , لأنه لا يجوز لنا أن نصف الله إلا بما ورد.

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولكن بعض العلماء قال : يُتسأهل   في باب الإخبار , أي حينما تخبر أو تشرح أو تترجم ، فلا مانع من أن تأتي بكلمات صحيحة المعنى لا نقص فيها تنسبها إلى الله سبحانه وتعالى ولو لم ترد وذلك من باب الإخبار والشرح والتوضيح . فتقول : إن الله صنع هذا الكون مثلاً ؛ تريد أن تشرح أو توضح , ولكن لا يعني ذلك أن تقول : إن من أسمائه سبحانه وتعالى (( الصانع )) ما لم يثبت هذا الاسم , ونوضح هذا فنقول : في باب الإثبات , حينما تثبت لله اسماً من أسمائه أوصفة من صفاته , لابد أن يكون قد دل عليها الدليل من كتاب الله أو من سنة الرسول  صلى الله عليه وسلم  . وفي باب الإخبار قد يتسأهل  في ذلك , فيجوز وأنت تخبر أو توضح أو تشرح أو تترجم إذا كان كلامك يتعلق بالله سبحانه وتعالى أن تأتي بالعبارات اللائقة بالله تعالى وإن لم يكن ورد بها النصّ , شريطة ألا تثبتها لله اسماً من أسمائه أو صفة من صفاته .

فقول الإمام أحمد رحمه الله : (( ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه , بلا حد ولا غاية )) لتقرير منهج أهل  السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته , وهو أنهم يثبتون ما أثبته الله وأثبته رسوله صلى الله عليه وسلم  و من غير نقص ؛ سواء كان هذا  النقص بنفي أو تعطيل أو نحو ذلك , وبغير زيادة , فلا يأتون من عند أنفسهم بصفات ولو ظنوها عليا ، أو بأسماء ولو ظنوها حسنى , ليصفوا الله سبحانه وتعالى بها ، بل صفات الله سبحانه وتعالى عمادها التوقيف عل ما ورد ، حيث نثبت ما ورد إثباته , وننفي ما ورد نفيه , ونتوقف عما لم يرد إثباته ولا نفيه .

بلا حدٍّ ولا غاية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله : (( بلا حدٍ ولا غاية )) . مقصوده رحمه الله : أننا نثبت  لله سبحانه وتعالى هذه الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته , ونقول : إن صفاته ليس لها غاية , فليس لعلم الله - مثلاً - غاية ومنتهى , كما أنه ليس لكلام الله سبحانه وتعالى غاية ومنتهى .

فالله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم , يعلم ما كان , وما لم يكن لو كان كيف كان يكون , كما أن كلامه تعالى لا ينقضي كما قال تعالى : ((وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه)) [لقمان: 27] وفي الآية الأخرى : ((قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً)) [الكهف:109] . قال العلماء في تفسير هاتين الآيتين : إن العدد غير مراد , ولا يعني أنه لو جئنا بسبعة أبحر نفدت كلمات الله , بل لو جئنا بسبعة وسبعة وسبعة ما نفدت كلمات الله أبداً . ومعنى الآيتين : أننا لوقطَّعنا الأشجار التي على الأرض ، وبرينا غصونها وأعوادها لتتحول إلى أقلام , ثم تحول البحر إلى مدادٍٍ وحبر , وكتب بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله , ما نفدت كلمات الله أبداً ، وهذا من عظمة الله سبحانه وتعالى , فلكل مخلوق منتهى , أما الخالق سبحانه وتعالى فلا منتهى لأمره وعلمه , ولا لكلامه سبحانه وتعالى .

فإن ربنا تبارك وتعالى عظيم عظمة لا يمكن أن يتصورها مخلوق , ومهما تصور المخلوق فالله أعظم من ذلك . وأقرب مثالٍ على ذلك أننا إذا قلنا إن السموات والأرض كلها بمجراتها , وأفلاكها , في يد الرحمن  سبحانه وتعالى

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كخردلة في يد أحدكم , تبين جلال عظمة الله سبحانه وتعالى , وكيف أننا لا نستطيع ولن نستطيع أن نقدر الله حق قدره سبحانه وتعالى .

هذا معنى قول ابن قدامة أن صفاته نثبتها بلاحدٍّ ولا غاية , أي لا نجعل لصفاته منتهى ، فهو العظيم الذي لا عظيم فوقه سبحانه وتعالى .

ولكن كلمة الحدِّ هنا فيها إجمال , حيث ورد عن بعض السلف إثبات الحدِّ لله سبحانه وتعالى . فأين ورد إثبات الحد وما معناه ؟ وما هو القول الحق في هذه المسألة ؟

نقول : ورد إثبات الحد لله سبحانه وتعالى في باب الاستواء ، فقد سئل عبدالله بن المبارك رحمه الله تعالى : نثبت أن الله على العرش استوى ؟ قال : نعم ؛

نثبت أن الله على العرش استوى . قال السائل : بحدٍّ ؟ قال : بحدّ (1).

فما الذي قصده ابن المبارك وغيره من السلف من إثبات الحد لله ؟ الذي قصده هؤلاء هو أن يثبتوا الفارق بين المخلوق والخالق فنحن مخلوقون مربوبون , نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى فوقنا , ونصدق بأنه على العرش استوى استواء يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى . ولكن قد يخطر ببال بعض عوام الناس , أو ببال بعض الصوفية الحلولية , أو ببال بعض الذين يقولون : إن الله في كل مكان , قد يخطر ببالهم أن الله عظيم لا منتهى لعظمته , وإذا كان لا منتهى لعظمته في ذاته ، فمعنى ذلك : أننا مهما تصورنا شيئاً , فالله

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يمكن أن يكون أعظم من ذلك , بحيث يشمل حتى مخلوقاته ، والنتيجة أن لا يكون هناك فارق بين الخالق وبين المخلوق .

فأراد هؤلاء العلماء أن يقرروا البينونة بين الخالق والمخلوق ، حتى يردوا على الحلولية , وعلى الاتحادية , وعلى غيرهم من الصوفية , الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق ، وينكرون علو الله تعالى فوق خلقه وبينونيته لهم .

فقال هؤلاء الأئمة : نؤمن بأن الله على العرش استوى ، ونؤمن ببينونة الله لخلقه , وهذه البينونة مقتضاها كما أشار بعضهم ـ أن يكون هناك لله حدٌّ لا يعلمه إلا هو ، حتى نفصل بين الخالق وبين المخلوق ، ولهذا قال بعض السلف لما سئل: بحدٍّ ؟ قال : تعم بحد لا يعلمه إلا هو ، لإثبات وتقرير البينونة بين الخالق وبين المخلوق ، أما إذا أطلقنا هذا الأمر وقلنا : إن الله عظيم وبلا حد , فقد يتوهم متوهم أن هذه المخلوقات هي داخل ذاته سبحانه وتعالى أو أن الله حال في مخلوقاته , فأراد أن يبين هذه البينونة بين الخالق والمخلوق التي دلت عليها النصوص الكثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله  صلى الله عليه وسلم  , وهذا ما قرره بعض العلماء الخبيرين بمذاهب الصوفية والمتكلمين حين قال : التوحيد إفراد القديم عن المحدث , أي التمييز بين الخالق الأزلي والمخلوق المحدث حتى يتم تحقيق توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات .

وبعض السلف رحمهم الله تعالى قالوا : كلمة الحدّ هذه لم ترد لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ,  ومن ثم فنحن لا نثبتها , ولا نقول بحد

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإنما نقول : (( على العرش استوى )) , ونثبت لله الصفات , ونقف عند هذا .

إذن انتهينا إلى خلاصة مهمة في هذا الباب مفادها : أن من السلف من لم يطلق إثبات الحد لله ، وكأن عبارة ابن قدامة هنا موحية بهذا القول ، ولهذا قال: (( بلا حد ولا غاية )) لأن هذا اللفظ لم يرد ، لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

وبعض السلف أثبتوا الحد لله , لكنه حد لا يعلمه  إلا هو , وإنما أثبتوه للرد على الحلولية , وعلى كثير ممن ينكر علو الله سبحانه وتعالى واستواءه على العرش , وليثبتوا البينونة بين الخالق وبين المخلوق .

ونحن نقول : إن لفظ الحد من الألفاظ المجملة , فنستفسر من هذا الذي يثبت لفظ الحد : إن قصد به أن الله يحدُّه شيء فنقول : هذا باطل لأن الله سبحانه وتعالى قد أحاط بكل شيء , و الله سبحانه وتعالى لا يقدر قدره إلا هو .

وإن قصد بلفظ الحدِّ بيان البينونة بين الخالق والمخلوق , وأن الله تعالى العرش استوى , فنقول : المعنى الذي أثبتَّه صحيح , ولكن إثباتك للفظ الحدَّ لم يرد لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم , فنُلحق لفظ الحد بلفظ : الجسم , والجهة , والتحيز ونحو ذلك ونستفصل عن قائلها ؛ فإن أراد معنى صحيحاً قبلنا المعنى , وإن إراد معنى باطلاً رددنا الكل ، ونتوقف في إثبات هذه الألفاظ ، حتى ترد إلى كتاب الله , وإلى سنة رسوله  صلى الله عليه وسلم .

((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) [الشورى:11] , ونقولُ كما قال , ونصفُهُ بما وصَفَ به نفسَهُ , لا نتعدى ذلك , ولا يبلُغُه وَصْفُ الواصفين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ : (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) وهذه قاعدة مشهورة لأهل  السنة والجماعة : إثبات الصفات من غير تشبيه , ومن غير تعطيل .

(( ليس كمثله شيء )) ردٌّ على المشبهة , (( وهو السميع البصير )) ردٌّ على المعطلة .

ثم قال : ((ونقول كما قال , ونصفه بما وصف به نفسه , لا نتعدى ذلك ))

ثم قال : (( ولا يبلغه وصف الواصفين )) بمعنى أن الله سبحانه وتعالى هو العظيم , وهو ذو الجلال والإكرام , فإن الواصفين له مهما وصفوه لم يبلغوا المبلغ اللائق به سبحانه وتعالى , فإنه تبارك وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى ونحن إنما نعلم بعضاً  من هذه الصفات , ونعلم بعضاً من المعاني اللائقة بالله سبحانه وتعالى من هذه الصفات , ولا يستطيع العباد ,  البشر , القاصرون , أن يصلوا إلى وصف الله سبحانه وتعالىبكل وصف وبكل اسم ثبت له .

لا نستطيع أن نصل في ذلك إلى المبلغ والغاية ولهذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن لله سبحانه وتعالى أسماء استأثر بها تبارك وتعالى في علم الغيب عنده , كما قال صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور : (( أسألك بكل اسم هو لك , سميت به نفسك , أو أنزلته في كتابك , أو علمته أحداً من خلقك أو أستأثرت به في    

نؤمن بالقرآن كلِّه مُحْكمِه ومتشابِهِهِ , ولا نزيل عنه صفةً من صفاته لشناعة شَنِّعَتْ , ولا نتعدى القرآنَ والحديثَ , ولا نعلم كيف كُنْهَ ذلك إِلا بتصديقِ الرسولِ وتثبيتِ القرآنِ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

علم الغيب عندك )) (1) .

فلله أسماء وصفات استأثر الله بها , فمن أين لبشر أن يحيط بذلك ؟ لكن نثبت لله سبحانه وتعالى ما عَلِمْنَا مما ورد في الكتاب والسنة من أسمائه وصفاته كما يليق بجلاله وعظمته .

ثم قال : (( ونؤمن بالقرآن كلِّه ؛ محكمه ومتشابهه , ولا نُزيل عنه صفة من صفاته ؛ لشناعة شنعت , ولا نتعدى القرآن والحديث , ولا نعلم كيف كُنْهَ ذلك , إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت القرآن )) .

وهذا الكلام دل على عدة أمور :

دل على بعض الأمور التي سبقت , مثل أننا لا نكيف , ولا نعلم كنه الصفة , أي لا نعلم كيفية الصفة وحقيقة صفات الله سبحانه وتعالى ؛ لأن هذه الأمور لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى , ولكن نحن نثبت الصفات لله كما يليق بجلاله وعظمته , أما كيفيتها فلا يعلمها إلا الله .

وكذلك أيضاً ما سبق من أننا لا نتعدى القرآن والحديث فنثبت ما ورد فيهما , ولا نتعدى ذلك .

لكن نقف عند قوله : (( ولا نُزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت )) ؛

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي أنه إذا ثبت بالدليل من كتاب الله أو من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم صفة لله , فإننا نثبتها , ولا نرد هذه الصفة أو نتأولها لأجل تشنيع المخالفين , مثل أن يأتي قائل ويقول : إثبات الوجه واليدين والعين لله تجسيم , وتشبيه له بالمخلوقين , ومن أثبت لله الوجه واليدين فقد أثبت أبعاضاً فهو مجسم , فيشنع علينا عندما نثبت هذه الصفات بمثل هذه الشناعات , بأن هذا تشبيه لله بخلقه , أو تجسيم , ونحو ذلك .

 فمنهج أهل  السنة والجماعة ألا ننظر إلى تشنيع هؤلاء , فنثبت لله ما ثبت ولو شنعوا , فإذا جاءوا وقالوا : إثبات الوجه لله تجسيم , نقول : نحن نثبت لله الوجه , سمِّه تجسيماً , أو تشبيهاً ، سمِّه ما شئت فنحن لا نلتفت إلى قولك .

نحن نثبت لله اليدين كما يليق بجلاله وعظمته , وإذا سميت هذا تشبيهاً وتجسيماً فنحن لا نلتفت إليك , ولن نردّ الصفة لأجل تشنيعك علينا بأننا مجسمة , أو مشبهة , أو حشوية , أو نابتة , أو غير ذلك .

كما أننا مثلاً لا نردُّ محبة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل تشنيع الرافضة حينما يقولون : لا ولاء إلا ببراء , أي : من لم يبغض الصحابة فهو ناصبي .

نقول : حتى لو سميتمونا ناصبة فنحن لا يهمنا هذه الشناعة , فنحن نحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً .

وبالمقابل لو قال لنا ناصبي : لا تنبغي محبة آل البيت ؛ لأن محبة آل البيت رفضٌ . نقول : حتى لو شنعتم علينا وقلتم : إن محبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفضٌ فلن نخضع لقولكم , بل نحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة اللائقة

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بهم , ولو أنكم شنعتم وسميتم ذلك رفضاً , كما قيل :

إن كان رفضاً حبُّ آل محمد       فليشهد الثقلان أني رافضي

ويقول الآخر :

إن كان نصباً حبُّ صحب محمد    يشهد الثقلان أني ناصبي

يعني أن العبارات والشناعات لا تغير من حقائق الأمور , فنحبُّ أصحاب الرسول  صلى الله عليه وسلم ,  ونحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  , ولو أن هؤلاء سموه نصباً وأولئك سمَّوه رفضاً .

كذلك أيضاً نثبت لله الوجه , واليدين , والاستواء , والنزول , كما يليق بجلاله وعظمته , ولو أن المعطلة سمَّوا هذا تشبيهاً , أو سموه تجسيماً أو غير ذلك .

فلا ينبغي للمتمسك بمنهج أهل  السنة والجماعة أن يستسلم لتشنيع هؤلاء . ومثل

ذلك تماماً ما يفعله كثير من الناس اليوم ،إذا رأوا الشاب المسلم الملتزم قالوا : هذا متطرف , متزمت , أصولي , إلى آخره .

فلا ينبغي للإنسان أن يترك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم , أو أن يترك التمسك بما أوجب الله عليه , وأوجب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل شناعات هؤلاء , إذا كان الذي يرفع ثوبه فوق الكعبين يقال عنه : إنه متطرف , ويستهزئون به ويصفونه بشناعات حتى يترك هذه السنة , نقول لا ينبغي للمسلم أن يلبس ثوباً وينزله تحت الكعبين حتى تزول عنه هذه الشناعة ،وإنما يلتزم هدي الرسول صلى الله عليه وسلم  , ولو شنع المشنعون , وكذا الالتزام بكل سنة الرسول  صلى الله عليه وسلم  .

وهكذا فمسيرة أهل  الزيغ والضلال على مدار التاريخ متشابهة , منذ عهد

قال الإمام أبو عبدالله محمدُ بنُ إدريس الشافعيُّ , رضي الله عنه : آمنتُ باللهِ , وبما جاءَ عن اللهِ , على مرادِ اللهِ ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى ما شاء الله , في كل وقت يخترعون ألقاباً جيجة يشنعون بها على المتمسكين والمتشبثين بكتاب ربهم وبسنة رسولهم صلى الله عليه وسلم . والمؤمن الصادق الواثق من نفسه , الواثق من منهجه , هو الذي لا يعبأ بمثل هذه العبارات , ولا بمثل هذه الشناعات , بل يعتز بدينه اعتزازاً قوياً , والله سبحانه وتعالى مؤيده وناصره ومثبته .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي , رضي الله عنه : آمنت بالله , وبما جاء عن الله , على مراد الله , وآمنت برسول الله , وبما جاء عن رسول الله , على مراد رسول الله )).

هذه عبارة عظيمة للإمام الشافعي رحمه الله تعالى . ومعناها أنني أؤمن بالله تعالى وأؤمن بالرسول , وأؤمن أيضاً بما جاء عن الله في كتابه , أ و بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته على مراد ا الله ورسوله . والمعنى أنني آمنت بهما كما أراد الله تبارك وتعالى وأراد رسوله صلى الله عليه وسلم  ؛ وهذا منتهى الإيمان والتصديق والتسليم .

لكن قد يقول قائل : هل معنى ذلك التفويض وأنني آمنت بها لكن لا أعرف معناها ؟

نقول : لا . لأن الله لما أنزل علينا القرآن أراد منا أن نتلوه , وأن لانكون مثل أهل  الكتاب الذين )) لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيّ(( [البقرة: 78] أي تلاوة وقراءة , بل أراد الله منا التدبر , والتفهم , والتمعن في الآيات القرآنية ؟

وآمنتُ برسولِ اللهِ , وبما جاء عن رسولِ اللهِ , على مرادِ رسولِ اللهِ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولا شك أن الله تبارك وتعالى إنما أراد منا أن نقرأ القرآن , وأن نعرف معناه , وأن نفهمه , وأن نعمل به , وإلا فكيف نعمل بالقرآن ونحن لا نفقه معناه ؟ قال تعالى : ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) [محمد:24] , وقال : ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْل)) [المؤمنون: 68] , وقال : ((أَفَلا تَعْقِلُونَ)) [البقرة: 76]، وغيرها من الآيات .

إذن أمرنا بالتدبر , لما أنزل علينا في هذا القرآن وفيه أسماؤه وصفاته , ومن هنا فنحن نثبتها على ما أراد الله ؛ لأن سياقات هذه الآيات القرآنية دالة على ذلك .

فمثلاً حينما يقول الله سبحانه وتعالى : ((وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب)) [المائدة: 2] , فإن الله تبارك وتعالى لم يرد منا أن نثبت اللفظ ولا نفقه المعنى . ولو كان هذا هو المراد لما فقهنا آيات القرآن من أولها إلى آخرها ؛ لأن القرآن الكريم لا تكاد تخلو آية من آياته من التذكير بأسماء الله وصفاته , فإذا كنت لا تفهم معنى أن الله شديد العقاب , فمعنى ذلك أنك ما فقهت الوعيد الذي ترتب عليه مثل هذا النص , حينما نهاك الله سبحانه وتعالى عن مخالفه أمره .

كذلك أيضاً قوله : (( على مراد رسول الله )) فالرسول صلى الله عليه وسلم حدث أصحابه وقال لهم : (( ينزل ربنا ))(1) وقال ( إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)) (2) . فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة أن يؤمنوا وأن يثبتوا أن الله يُرى 

وعلى هذا درجَ السلفُ , وأئمةُ الخلفِِ رضي الله عنهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كما يُرى القمر , والتشبيه إنما هو للرؤية بالرؤية وليس المرئي بالمرئي , وهكذا بقية الصفات والواردة , وهذا معنى عبارة الشافعي رحمه الله تعالى التي هي نص في الرد على أهل  التفويض لأنه صرح بإثبات النص وإثبات المعنى , وقيده بمراد الله ومراد رسوله , ولا شك أن الله أراد في كتابه المعاني التي فهمها الرسول صلى الله عليه وسلم وفهمها أصحابه من بعده , وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أراد المعاني التي فهمهما أصحابه وبلغوها إلى من بعدهم .

ثم قال الشيخ : (( وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم )).

الخلف : له معنى لغوي , وله معنى إصطلاحي , كما أن السلف له معنى لغوي وله معنى اصطلاحي .

فالمعنى اللغوي للسلف والخلف , هو أن السلف من سبق , والخلف من لَحِق . فيقال : أولئك سلف , وهؤلاء خلف لهم. فمن تقدم سلف , ومن جاء بعدهم فهو لهم خلف , وهذا هو المعنى اللغوي .

لكن بعد الخوض والتفرق الذي وقع في الأمة الأسلامية , صار لكل من السلف والخلف معنى خاصّ به. هذا المعنى له دلالة اصطلاحية معينة , فصار السلف يدل على من سار على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه , سواء كان في عهد الصحابة , أوفي عهد التابعين أو من بعدهم وإلى عصرنا الحاضر , وصار لفظ الخلف يطلق على من حرَّف وغيرَّ وبدل .  فيقال : هذا من الخلف  أي أنه مغير لايسير على منهج السلف . فصارت [السلف] و [الخلف] كلمتين متقابلتين . فالخلف هم كل من ابتدع وتأول النصوص وأغرق عن منهج

كلُّهم متفقون على الإقرار , والإمرارِ ,  الإِثباتِ لما ورد من الصفاتِ , في كتاب الله وسنةِ رسوله من غير تعرض لتأويله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرسول صلى الله عليه وسلم  وأصحابه , سواء كان في الزمن الأول أي في عصر الابعين مثلاً , أو من بعدهم , أو في العصر الحديث , كل من ابتدع وتأول النصوص يقال عنه هو على منهج الخلف , وضدهم السلف .

فعبارة الشيخ حين قال هنا (( وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم )) , نقول : السلف سواء قصد بها المعنى اللغوي أو الاصطلاحي لي فيها إشكال .

أما المقصود بالخلف هنا فهو المعى اللغوي , أي الذين جاءوا بعد السلف .

وأئمة الخلف : أي الأئمة الذين جاءوا بعد السلف , وساروا على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى , ولم يقصد أن أئمة الخلف من أهل  البدع هذا منهجهم. وإنما قصده أئمة الخلف الذين جاءوا بعد أولئك السلف الصالح وصاروا أئمة يقتدى بهم .

ثم قال الشيخ رحمه الله : (( كلهم متفقون عل الإقرار والإمرار )) على الإقرار: أي الإقرار واليقين والإيمان والإثبات لتلك الصفات الواردة في كتاب الله , وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم  . والإمار : أي أنهم يمرونها , ولايتعرضون لتأويلها أو لتحريفها , قال : (( والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تعرضٍ لتأويله )) . هذا واضح المعنى وقد سبق بيانه . ولكن نقف عند قوله: (( والإمرار)) لأنه ورد عن جمهرة من السلف ؛ أنهم     

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سُئلوا عن الصفات فقالوا(( أمروها كما جاءت )) فهل هذا تفويض ؟ وهل معنى أمرّوها كما جاءت , أي أمروا لفظها دون التعرض لها ودون إأثبات ما دلت عليه من المعاني ؟

نقول : بعض المفوضة ظن أن مثل هذه العبارة دليل لهم على التفويض . لكن الصحيح أن السلف رحمهم الله تعالى أثبتوا الصفات , كما أشار الشيخ هنا , أثبتوا ما دلّت عليه , ثم إذا سئلو عن الصفات قالوا :(( أمروها كما جاءت )) أي لا تتعرضوا لتأويلها , كما تعرض لها أهل  التأويل , والدليل على ذلك أنه ورد عن السلف مثل هذه العبارة في غير الصفات .

فسئل الإمام أحمد عن أحاديث الوعيد كقوله صلى الله عليه وسلم  : "ثنتان في أمتي هما بهم كفـرٌ "(1) وقوله : " ولله لا يؤمن "(2)  , وقوله   "لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"(3)  . فقال رحمه الله تعالى: تمر كما جاءت .

 وسئل في بعض المرات عن أحاديث الفضائل , التي فيها الفضل العظيم

فقال (( تمر كما جاءت )) أي لا نتعرض لتأويلها , وتحريفها , والخوض فيها على غير المنهج الحق . فدل ذلك على أن كلمة (تمر كما جاءت ) ليست خاصة بصفات الله , حتى ياتي قائل ويقول : إن المقصود بإمرار صفات الله : التفويض , وإنما المقصود

وقد أُمرنا باقتفاءِ آثارهم , والاهتداءِ بمنارِهم , وحذرنا المحدثاتِ , وأخبرنا أنها من الضلالات , فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي , وسنةِ الخلفاءِ الراشجدين المهديينَ من بَعْدي , عَضُّوا عليها بالنواجذِ ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إمرارها بعدم العرض لها , بتحريف , أو تأويل , أو تعطيل أو نحو ذلك .

ثم قال الشيخ : (( وقد أمرنا باقتفاء آثارهم والاهتداء بمنارهم)) أي أمرنا بأن نقتدي بهؤلاء السلف رحمهم الله تعالى , وأن نهتدي بمناراتهم العالية المضيئة , التي أبرزوا من خلاله المنهج الحق والوسط , منهج السلف الصالح أهل  السنة والجماعة رحمهم الله تعالى ولذا قال : (( وحذَّرنا المحدثات , وأخبرنا بأنها من الضلالات . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ": عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديينَ من بعدي , عضوا عليها بالنواجذ , وإياكم ومحدثات الأمور , فإن كل محدثةٍ بدعة وكل بدعة ضلالة "(1) .

وهذا استشهاد من الشيخ رحمه الله تعالى بهذا الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم , فإن الرسول عليه والصلاة والاسلام أمر أمته باتباع السنة ، وحذرهم من البدع . ولهذا لما أمرهم أمرهم باتباع سنته , وباتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده .

ولو تأملت ما ورد عن الخلفاء الراشدين , لو جدته تطبيقًا عمليًا لما في كتاب الله وما في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم  . لم يقع منهم تحريف , أو تأويل , أو تغيير أو تبديل .

وما وقع من خلاف بين الصحابة إنما هو في باب الأحكام , وهذا واقع

وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ , فإِن كلَّ محدثةٍ بدعةٌ , وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حتى والرسول صلى الله عليه وسلم بين الصحابة , كما في قصة بني قريظة , لما أمرهم بألا يصلوا العصر غلا في بني قريظة فاختلف الصحابة .

لكن في باب إثبات الأسماء والصفات وفي باب العقائد . لم يقع في هذه العهود المفضلة بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أي اختلاف (1) ، ولهذا أمرنا باتباع هدي الخلفاء الراشدين ، وسنة الخلفاء الراشدين ، وذلك في باب العقيدة وفي باب المنهج .

ثم قال صلى الله عليه وسلم   : "وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محجثة بدعة ، وكل بدعة ضلالـة " . فحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمور المحدثة التي هي بدعٌ وضلالات .

والبدعة : هي أمر محدث في الدين , فيه مضاهاة لما ورد في الشريعة,  وإنما قلنا هذا حتى يخرج عن ذلك الأمور الحادثة التي هي من باب العادات , فلا تدخل في البدع المذمومة , كأن يأتي إنسان ويقول : كانوا يركبون الإبل في الزمن القديم , ونحن الآن نركب السيارت , فالسيارات بدعة ,  هذا ليس بصحيح ؛ لأن هذه الأمور هي من باب العادات , والأصل فيها الإباحة وإنما تضبط بقواعد الشرع العامة فقط , من خلال المقاصد ونحو ذلك .

لكن المقصود بالبدعة أن يبتدع الإنسان أمراً في الدين , سواء كان هذا في أمر عقدي , أو في أمر يتعلق بالعبادة والشرع , فهو بدعة وضلالة , فأولئلك الذين ابتدعوا في دين الله تعالى كأهل  الأهواء مثلاً , تجد كل واحد منهم ابتدع بدعاً كثيرة مخالفة لنص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم,  مثل بدع الجهمية في باب الصفات وفي باب القدر وفي باب الإيمان وبدع المعتزلة في باب 

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الصفات وفي باب القدر وفي  باب الإيمان ,  وبدع الروافض في باب الإمامة وفضائل أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرها وبدع القدربة وبدع المرجئة وغيرها .

هذه كلها بدع محدثة في  باب العقائد والمقالات , مخالفة لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام ,  ومثله أيضاً البدع العملية , مثل أولئك الذين يبتدعون أوراداً , أوأذكاراً , أو موالد أو غير ذلك . فهذه بدع عملية لأن صاحبها يريد أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذا العمل , فاخترع هذا الذكر بهذا الشكل,  وبهذه الكيفية وفي هذا الوقت ,  فهذه الأمور كلها تحول هذا الأمر إلى أمر بدعي . وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه البدع جميعاً حيث قال : " وكل بدعة ضلالة " , وهذا شامل للبدع الحقيقية التي اخترعها مبتدعها وأضافها إلى الدين والبدع الإضافية التي لها أصل في الشرع لكن أضاف إليها المبتدع وقتاً محدوداً أو كيفية ونحوها وجعلها كلها عبادة .

والمنهج الصحيح هو السير على منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهاج أصحابه,  وأن ذلك لا يتعارض أبداً مع مستجدات العصر,  بمعنى أنه لا يمكن أن يأتي زمان - مهما بلغ تطوره - نحتاج فيه إلى تغيير في شرع الله تعالى ؛ لأن الشرع كامل صالح لك زمان ومكان .

تتغير أمور الناس ويتغير شكل حياتهم,  وتتغير الوسائل,  لكن تبقى الأصول التي أمر الله بها , وأمر الله بها وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم,  وشرعها الله ، وشرعها رسوله صلى الله عليه وسلم لا تتغير ولاتتبدل أبداً.

وهذه هي الثوابت في دين الله تعالى التي لا تقبل التغيير أبداً . وأي تغيير فيها هو اتهام لهذه الشريعة بالنقص؛  سواء كان في باب العقائد والتصورات

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال عبدُالله بن مسعودٍ رضي الله عنه : (( اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم )) .

ونحو ذلك , أو في باب الشريعة وتطبيقها , أو في باب العبادات التي يتقرب بها العباد إلى ربهم سبحانه وتعالى , كل هذه الأمور مما جاءت به الشريعة كاملة , ولاتتغير أبداً , مهما اختلف الزمان,  ومهما تغير المكان وهذا واضح جداً والحمد لله تعالى .

ثم قال الشيخ : (( وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : (( اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم )) . أي أن الشريعة كاملة ومنهج السلف الصالح الذين طبقوا هذه الشريعة كان منهجاً كاملاً , فلستم بحاجة إلى أن تخترعوا أشياء .

ومع وضوح هذا فمن العجيب أن بعض المسلمين يظن أن الأمور لا تصلح إلى بأن يأتي هو بشيء جديد ، يريد به أن يزيد تعبيد الناس لربهم تبارك وتعالى .

تعالوا إلى باب الأذكار , لسنا بحاجة إلى أذكار التيجانية , ولا النقشبندية , ولا الأحمدية,  ولا غيرها من الطرق الصوفية . عندنا مما ثبت في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مئات الأذكار التي لو طبقناها , واخلصنا في تطبيقها لكنا أعبد الناس وأشدهم ذكراً لله , وهي شاملة لمختلف الأحوال التي تمر بالإنسان,  هناك أذكار؛  في الصباح,  في المساء , عقب الصلوا ت ، في القدوم,  في الركوب,  في السفر , في النوم , في الاستيقاظ ، حتى والإنسان في أخصّ خصوصياته مع أهل ه .

كل هذه الأمور ورد فيها أذكار ولسنا بحاجة إلى ذكرمبتدَع نأتي به ونحتج له ونقول : إن الناس انحرفوا وضلوا وابتعدوا عن دينهم فهم بحاجة إلى شيء يقربهم من ربهم.   لقد كفينا كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -، ورسول الله صلى الله عليه وسلم

وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كلاماً معناه :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد أكمل الله له الشريعة , وبلغها أتم البلاغ

ووصَلَنَا هذا كاملاً والحمد لله بأسانيد صحيحة , فلسنا بحاجة أبداً إلى أن يأتينا أناس يكملون لنا ديننا , وهذه الأمور المحدثة في الدين ما هي إلا بدع وضلالات؛  لأن فيها اتهاماً للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ما بلغ البلاغ المبين,  بل وفيها اتهام لربنا تبارك وتعالى وتقدس وتنزه , في أنه كما يدعي هؤلاء لم يكمل لنا

الشريعة .

فقول ابن مسعود - رضي الله عنه - : (( فقد كفيتم )) معناه أننا مكفيون بالكتاب وبما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم,  مكفيون بذلك التطبيق العملي من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام , فلسنا بحاجة إلى أن نأتي ببدع,  نزعم اننا نقرب الناس بها إلى ربهم تبارك وتعالى .

ثم نقل الشيخ أن قدامة رحمه الله تعل قولاً لعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه وهذا القول مروي في كثير من كتب السنة وغيرها .

ثم نقل الشيخ ابن قدامة رحمه الله تعالىقولاً لعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه وهذا القول مروي في كثير من كتب السنة وغيرها .

وعمر بن عبدالعزيز هو الخليفة الراشد والإمام العادل،وقد اشتهر هذا الخليفة بالعدل واشتهرت خلافته كذلك بأنها خلافة راشدة على منهاج النبوة .

وعلى الرغم من قصر مدة خلافته رضي الله عنه , إلا أنه حرص على أن يعود بالأمة إلى المنهج الحق والصدق في كثير مما انحرفت عنه , وإلا فالأمة الإسلامية في وقته كانت في غالب أمورها سائرة على المنهج الصحيح, لكن وقع شيء من الظلم وبعض الانحراف, خاصة لما نشأ التفرق والخلاف بين الطوائف والأحزاب ونحو ذلك , فأراد عمر بن عبدلعزيز أن يعود بالأمة إلى منهج الصواب,  ووفق في ذلك أيما توفيق .

(( قِفْ حيث وقف القوم , فإنهم عن علم وقفوا ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكان لهذا الخليفة جولات وصولات ومواقف رائعة في مواجهة أهل  الأهواء والبدع , حبذا لو أفردت ببحث أو دراسة لنرى كيف كانت مواقف عمر بن عبد العزيز من المخالفين من أهل  البدع وتعامله معهم .

وهذا النص الذي بين أيدينا ونقله ابن قدامة,  هو من أصول منهج عمر بن

 عبد العزيز رحمه الله تعالى في اتباع السنة وعدم  الابتداع في الدين , فماذا قال؟ قال رحمه الله تعالى موصياً أصحابه وإخوانه : (( قف حيث وقف القوم)). والمقصود بالقوم هنا : السلف الصالح من الصحابة والتابعين , الذين ساروا على منهاج النبوة رضي الله عنهم جميعاً. فلا تغيّر , ولا تبتدع , وإنما انظر ماذا قالوا فقل , وانظر أي موقف وقفوا,  فقف معهم , (( قف حيث وقف القوم )) ووقوفهم كان بالتزام السنة وترك البدعة .

ثم إنه رحمه الله تعالى علل ذلك بتعليل دقيقٍ جداً فقال : (( فإنهم عن علم وقفـوا )) وهذه العبارة عبارة منهجية في الصميم تبين منج أهل  السنة والجماعة , ((فإنهم عن علم وفقوا )) وليس عن عجز أو جهل .

وبعض المتكلمين المتأخرين الذين ابتدعوا الكلام إذا قيل لهم : إن السلف ما تحدثوا عن ذلك ولم يخوضوا فيما خضتم فيه من الكلام المذموم , قالوا : كانوا مشغولين بالجهاد , وهذا جواب المتأدبين معهم أما بعضهم فقد يتهم الصحابة ومن بعدهم بأنهم لم تكتمل عقولهم,  ومعرفتهم العقلية,  واطلاعهم على القضايا المنطقية , فهو يقول : لو اطلعوا على ذلك لتكلموا بهذا الكلام وخاضوا فيه كما خضنا .

وهذا القول غير صحيح إطلاقاً,  كما قال عمر بن عبد العزيز : (( فإنهم عن

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

علم وقفوا)) بمعنى أن السلف الصالح رحمهم الله تعالى سلكوا ذلك المسلك في باب الأسماء والصفات,  وغيره من أبواب العقائد عن قناعة منهجية علمية , وليس كما يزعم البعض أن هؤلاء السلف إنما يسمعون النصوص وينقلونا كما سمعوها فقط . بل أولئك السلف سمعوا النصوص , وفهوها , وعرفوا مدلولاتها , واثبتوها,  لأنهم كانوا ارجح الناس عقولاً , وأعظم الناس فهماً , وأكمل الناس ديناً وتقوى,  ومن ثم كان فهمهم أصح الأفهام,  وعلمهم أعمق العلم وأدقه بالنسبة لمن بعدهم .

وسبب ذلك أنهم لما جاءت ووردت إليهم هذه النصوص نظروا إليها النظر السليم ووزنوها بالميزان الصحيح , وعلموا إنما هي أمور إخبارية تتعلق بالله وأسمائه وصفاته , والخبر عن الله وأسمائه وصفاته مما لاتدخل في مجاله العقول,  فإن البشر مهما أعملوا عقولهم , فلا يمكن أن يصلوا إلى هذه الحقائق,  فلما كان الأمر كذلك , أحالوا في العلم بها إلى الخبر الصادق , فوجدوا أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيهما البيان فأثبتوها .

إذن المنهج الحق والمنهج العلمي الصحيح لأهل  السنة والجماعة ,  ليس هو بإعمال العقول القاصرة في كل شيء ,   ولا في إعمال العقل في كل الأمور وليس هذا دليل عمق الفهم ودقة التعبير والتحصيل كما قد يزعم البعض .

المنهج الصحيح هو أن تعطي كل ذي حق حقه , فإذا كان هناك خبر عن غائب , فأنت والحالة هذه يجب أن تأخذ الخبر من مصدره,  لأنه لامجال للعقل وحده بالنسبة لهذا الخبر الغيبي , مهما أعملت فكرك فيه , وهذه فضية منهجية,  لكن في مقابل ذلك نجدهم في المجالات الأخرى التي كان للعقل فيها مجال أعملوا عقولهم , وعمروا الدنيا,  وخططوا إدارياً , وعسكرياً , واقتصادياً , وسياسياً .

وببصرٍ نافذٍ كَفُّوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بل إن هناك كتابات مستقلة كتبت عن مناهج هؤلاء في الأمور السياسية والاقتصادية والعسكرية والإدارية , وكانت لهم في ذلك رؤى مستقلة ونظريات لا زالت تدرس إلى وقتنا هذا,  ومن هؤلاء عمر بن عبدالزيز صاحب هذا القول الذي نحن بصدد شرحه,  ومن قبل الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه وغيرهما-  رضي الله عنهم - .

ففي المجال الذي يفيد المسلم , وللعقل,  وللتفكيري فيه مجال,  فكّروا وأنتجوا فيما ينفع المسلمين . لكن المجال الذي ليس للعقل فيه دور كالخبر عن الله أسمائه وصفاته , وتشريعه في أبواب العبادات والأحكام وغيرهاوقفوا مع النصوص والوارده, ولم يدخلوا عقولهم فيها .

ومن هنا قال رحمه الله تعالى هذه العبارة العظيمة المحددة لمنهج أهل  السنة ((فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذكفوا )) . البصر : بصيرة العقل والقلب, نافذ ثاقب . وهو الذي يرى الحق ويبصره وقد ورد في الأثر حديث رواه البيهقي في الزهد وغيره : (( إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات )) (1) .

فهؤلاء عن بصر نافذ دقيق جداً وتبصر حقيقي منهجي كفوا عن الخوض في هذه الأمور,  فلم يخوضوا فيهاكما خاض المتأخرون حمين قالوا مرة نثبت هذا , ومرة لا نثبته أو قالوا: هذا مجاز , العقول خالفته أو ناقضته . نتأول

ولهم على كشفها كانوا أقوى , وبالفضل لو كان فيها أحرى ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا,  وهذا لا نتأوله, ما خاضوا في هذا , وإنما اثبتوا ماورد ووقفوا,  فهم رحمه الله تعالى عليهم ببصيرة وعقل كفوا علن الخوض فيها, لا عجزاً كما يدعي بعض المتكلمين الذين أشرنا إليهم قبل قليل,  وحنيما يُسألون عن اختلاف منهجهم عن منهج السلف الصالح السابق, يأتون بتلك العبارة المشهورة فيقولون مذهب السلف أسلم , ومذهب الخلف اعلم واحكم . وهذه عبارة خاطئة, بل إن مذهب السلف أسلم , وأعلم,  وأحكم. ومذهب الخلف ليس أسلم, ولا أعلم, ولا أحكم .

ثم قال رحمه الله تعالى : (( وَلَهُمْ على كشفها كانوا اقوى )).  أي أن أولئك السلف الصالح رحمهم الله تعالى لو أرادوا أن يخوضوا في تلك المسائل بعقولهم لا ستطاعوا أن يخوضوا فيها, وهذه الأمور التي ابتدعها المتأخرون لو كانت خيراً لسبق أولئك إليها ولو كان ماذكروه من معانٍ هي مما يليق بالله سبحانه وتعالى, لسبق أولئك إليها وكشفوها,  فإنهم كما سبق أن قررنا كانوا اعمق الناس فهماً , وأذكاهم , وأرجح الناس عقولاً رحمهم الله تعالى .

(( وبالفضل لو كان فيها أحرى )) : فإنهم كانوا أسبق إلى الفضل من غيرهم في جميع الأمور, ولهذا فإن كل من جاء بعدهم هو أقل فضلاً منهم, والرسول صلى الله عليه وسلم أعطى ذلك القرن الخيرية بقوله : (( خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم,  ثم الذين يلونهم )) (1) . فلا يمكن أن يكون القرن الذي نبتت فيه نابتة الافتراق والاختلاف والأقوال البدعية وغيرها, أفضل من القرن الذي كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلئن قلتم حَدَثَ بعدهم , فما أحدثه إلا من خالف هَدْيَهم , ورغِبَ عن سُنَّتهِم , ولقد وَصفَوا منه ما يَشْفِي,  وتكلمَّوا منه بما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولهذا فهم كانوا اسبق الناس إلى أنواع الفضائل من أولها إلى آخرها, وأسبق الناس إلى كل فضل وإلى كل خير .

ثم قال رحمه الله تعالى : (( فلئن قلتم : حدث بعدهم , فما أحدثه إلا من خالف   هديهم )) . وهذا صحيح , فهذه المور المحدثات المبتدعة , كلها مخالفة لهدي أولئك السلف الكرام رحمهم الله تعالى (( ورغب عن سنتهم )) فكل ما ابتدعه المتأخرون كما أشار عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى مخالف لهم, ومخالف لهديهم وسنتهم .ثم قال : (( ولقد وصفوا منه ما يشفي , وتكلموا منه بما يكفي )) قوله : (( وصفوا منه ما  يشفي )) فإن أولئك الصحب الكرام , نقلوا ما ورد من هذه الصفات ومسائل العقيدة كلها, وكل ما نقلوه إلى من بعدهم هو مما يشفي القلوب , فمن اقتصر على هديهم انشرح صدره وشُفي قلبه, ومن لم يقتصر على ذلك, بل ظنّ أنهم قصروا , فأعمل عقله , وأدخل نفسه في باب البدع والتأويلات الباطلة ونحوها , انتابته الأمراض المتعددة , وهذا بلا شك دليل على رسوخ السلف الصالح في العلم وتقدمهم فيه, وليست طرقتهم مضطربة كحال المتأخرين , بل من سلك سبيلهم كان أكثر اطمئناناً,  فهم رحمهم الله تعلى وصفوا لنا الدواء, وبلغونا ما يشفي,  وتكلموا بما يكفي من الكلام القليل المغني عن كلام كثير من المتأخرين .

ومع أن كلامهم رحمهم الله تعالى كان قليلاً,  إلا أنه كان مفيداً فصلاً ،

يكفي فما فوقَّهم مُحَسِّرٌ ، وما دونهم مُقصِّرٌ ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكان كلامهم مربوطاً بعمل ، بخلاف من كان بعدهم ، فقد كثر كلامهم ، وقل فقههم ، وتقلص عملهم ، فأًصبح كثير من المتأخرين يقولون ما لا يفعلون ، ويكثر كلامهم بلا فائدة .

ثم قال رحمه الله تعالى : (( فما فوقهم محسِّر ، وما دونهم مقصِّر )) . أراد رحمه الله تعالى أن يبين أن منهجهم وسط ، فمن أراد أن يغلو ، ويثبت غير ما أثبتوه ، ويظن أنهم أنقصوا بعض الحاجات ، فما زاده عنهم فليست زيادته إلا نقص وخروج عن طريقتهم المثلى ، ومن دونهم أي الذين قصروا ولم يأخذوا بجميع ما جاءوا به وإنما اكتفوا ببعضه ، ونحو ذلك فهؤلاء مقصرون .

ولفظة محسِّر هنا لها بعض المعاني اللغوية المناسبة للمعنى المقصود هنا ؛ فإن المقاتل الذي ليس عليه درع ، ولا على رأسه مغفر ، يسمى حاسر ، وجاء في قصة غزوة حنين أن رجلاً سأل البراء فقال لـه : (( يا أبا عمارة ، أكنتم فررتم يوم حنين ؟ فقال لـه البراء رضي الله عنه : لا والله ما ولَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه خرج شبان أصحابه وخفافهم حُسْراً ليس بسلاح ...)) (1)  . فالحُسرْ جمع حاسر هم الذين ليس معهم سلاح ، وليس عليهم دروع ، ولا على رؤوسهم المغافر التي يتقون بها ضرب السيوف .

ويقول سبحانه وتعالى : ((الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ* ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ)(الملك:3,4)

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومعنى حسير : أي كليل ، ضعيف من شدة النظر ، فإن الإنسان إذا نظر واستد نظره إلى شيء ولم ينته فيه إلى أمر ، رجع البصر حسيراً كليلاً ، لأنه لم يصل إلى غايته . وهذا واضح ، فالإنسان منا لو قال لـه قائل : انظر هناك على بعد عشرين كيلو متراُ في ذلك الجبل ، فإن فيه بقعة بيضاء هل يمكنك أن تراها ؟ فيأتي هذا الإنسان ينظر بالعين المجردة إلى الجبل فيرى الجبل ، ولكنه يريد أن ينظر إلى تلك البقعة البيضاء أو نحو ذلك ، فتجده ينظر ، وينظر ، ثم في النهاية يكلُّ بصره ، وهذا الكلال جاء من شدة الغلو في النظر والمبالغة فيه .

يقول عمر بن عبد العزيز  : (( فما فوقهم محسِّر )) أي من أراد أن يقول : أنا أفضل من الصحابة ، ويثبت ما لم يثبتوه ، ويعمل ما لم يعملوه ، فهو محسر منقطع يرجع كليلاً ، ولهذا قيل : (( إن المنبت لا أرضـاً قطـع ولا ظهراً أبقـى )) (1). حتى في باب العبادة ، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه ، لما عزم على الصيام أوصاه الرسول صلى الله عليه وسلم بما أوصاه به من العبادة ، ولكنه قال أنا أستطيع أكثر من ذلك وما زال يتدرج معه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى قال لـه : " صم يوماً وأفطر يوماً ، لا أفضل من صيام داود " (2).

وعبد الله بن عمرو في شبابه كان قوياً مستطيعاً . لكنه في أخر عمره قال : 

لقد قَصَر عنهم قومٌ فَجَفَوا ، وتجاوزهم آخرون فَغَلَوْا ، وإنهم فيما بَيْن ذلك لعلى هدًى مُستقيم )) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليتني أطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أن الأمر كله سنة ، لكنه لا يريد أن يتخلى عن أمر فارق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فالمهم أن الإنسان إذا غلا في الأمر ، كان مآله في النهاية إلى الضعف والعجز ، ولهذا فإن الغلو مردود والتقصير مردود ، لأن التقصير معناه التخلي عن بعض الأمور التي ورد بها الشرع ، ووردت بها أدلة في الكتاب والسنة .

كما أن الغلو فيها يؤدي إلى هذا أيضاً وهو ترك الاتباع الكامل ، والسلف رحمهم الله تعالى وسط في كل الأمور ، وسط في باب العبادات ، ووسط في باب المعاملات ، ووسط في باب الأحكام ، ووسط في باب العقائد ، ووسط بين جميع الطوائف ، فكل الطوائف إما غالية في هذا الباب أو مقصرة ، إما في إفراط وإما في تفريط .

فمنهج أهل  السنة والجماعة في هذا الباب وسط ، وهذا الذي أشار إليه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى . ولهذا قال شارحاً ذلك : (( لقد قَصَر عنهم قوم فجفَوْا )) فالجافي هو المقصر لأن الجافي هو الذي أعرض ، فكأنه أعرض عن بعض منهجهم ،    (( وتجاوزهم آخرون فغلوا )) فالمخالفون للسلف الصالح هم بين الجفاء والغلو وهذا تفسير للعبارة السابقة .

 ثم قال : (( وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم )) . أي أن أولئك السلف والصحب الكرام رحمهم الله تعالى كانوا بين ذلك على طريق مستقيم .

وقال الإمامُ أبو عمرو الأوزاعيُّ رضي الله عنه : (( عليك بآثار من سَلَفَ وإن رَفضَكَ الناسُ ، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقولِ )) .

وقال محمدُ بنُ عبد الرحمنِ الأذْرَميُّ(1) لرجلٍ تكلَّم ببدعةٍ ودعا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم نقل ابن قدامة رحمه الله كلمة الإمام الأوزاعي فقال : (( وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي )) الأوزاعي هو أحد الأئمة المشهورين ، ومن كبار الفقهاء ، وهو من أئمة التابعين الذين أناروا الدنيا بعلمهم وفقههم ، وقد توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وخمسين ومائة .

يقول رحمه الله : (( عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس )) وهذه وصية جميع الأئمة : أي الزم آثار السلف رحمهم الله تعالى وإن رفضك الناس ، أي وان ابتعد عنك الناس ، أو رفضوا منهجك ، أو رفضوا طريقتك فلا تعبأ بهم ، ما دمت سائراً على منهج السلف الصالح متبعاً لهم .

(( وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول )) . أي إياك أن تجعل معتمدك آراء الرجال ولو زخرفوه وحسّنوه بالعبارات المنمّقة وغيرها ، فإياك أن تعتمد عليها وتترك الكتاب والسنة ، وتعبير الأوزاعي بعبارة ( آراء الرجال ) فيه إلماح إلى معنى دقيق وهو أن آراء الرجال التي تأتي من عند أنفسهم لا تقبل ، أما آراؤهم التي بنوها على الكتاب والسنة أو أقوالهم التي تأتي شارحة وموضحة لمنهج السلف الصالح ، فإن الاطلاع عليها مما يعين على ذلك ، أما إذا كانت آراء الرجال وزخرفتهم للقول وتنميقهم لـه مخالفاً لما ورد في كتاب الله وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو مردود ولا كرامة .

ثم قال رحمه الله تعالى : (( وقال محمد بن عبد الرحمن الأذرميُّ لرجل

الناسَ إليها : (( هل عَلِمها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ ، أو لم يعلموها ؟ قال : يعلموها . قال : فشيءٌ لم يعْلَمْهُ هؤلاءِ ، أعَلمتَه أنتَ ؟ قال الرجلُ ، فإني أقولُ : قد علموها . قال : أفوسعَهم ألا يتكلموا به ، ولا يَدْعوا الناسَ إليه أم لم يَسَعْهم ؟ قال : بلى وَسِعَهم . قال : فشيءٌ وسع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعُك أنت ؟ فانقطعَ الرجلُ ، فقال الخليفةُ : _ وكان حاضراً _ لا وسَّعَ الله على من لم يسَعْهُ ما وسعهم )) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تكلّم ببدعةٍ ودعا الناس : هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها ؟ قال : لم يعلموها . قال فشيءٌ لم يعلَمْه هؤلاء علمته أنت ؟ فقال الرجل فإِني أقول : قد علموها .

قال : أفوسِعَهم ألا يتكلموا به ، ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم ؟ قال : بلى وسعهم . قال : فشيءٌ وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءَه لا يسعك أنت !! فانقطع الرجل ، فقال الخليفة : _ وكان حاضراً _ لا وسَّع الله على من لم يَسَعْهُ ما وسعهم )) .

هذا الأذرمي _ بالذال _ إمام مشهور اسمه عبد الله بن محمد بن إسحاق الجزري أبو عبد الرحمن الأذرمي ، تتلمذ على وكيع بن الجراح ، وسفيان بن عيينة وغيرهم ، روى عنه أبو داود ، والنسائي ، وعبد الله بن الإمام أحمد ، وأبو يعلى الموصلي وغيرهم .

وهذا العالم الفاضل له ترجمة في (( تهذيب التهذيب )) للحافظ ابن حجر .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيمن اسمه عبد الله . وقد أشار ابن حجر في تهذيب التهذيب إلى هذه القصة التي معنا . كما أن ياقوتاً الحموي في (( معجم البلدان )) لما تكلم عن مدينة أذرمة ترجم لهذا العلم وأشار إلى هذه القصة .

 وقول ابن قدامة : (( لرجل تكلم ببدعة )) هذا الرجل هو شيخ المعتزلة في وقته أحمد بن أبي دؤاد . والبدعة التي جرى حولها النقاش هي بدعة القول بخلق القرآن. ومنهج هذا الإمام في مناقشة أحمد بن أبي دؤاد منهج قوي جداً ، ولقد وُفق في أسلوب العرض والمحاجّة أيَّما توفيق .

وأحب أن أقف وقفة قصيرة هنا عند قضية القول بخلق القرآن فأقول : إن القول بخلق القرآن ، هي القضية التي جعلها المعتزلة عنواناً لبدعتهم ، فإن المعتزلة ينفون عن الله الصفات كلها ، ومما نفوه عنه صفة الكلام ، فلما كان مستقراُ في نفوس المسلمين أن هذا القرآن الذي معنا هو كلام الله قالوا : هذا القرآن مخلوق من المخلوقات المنفصلة عن الله سبحانه وتعالى ، فهو كما خلق السموات والأرض وبني آدم ، خلق هذا القرآن ، فلم تقم بالله سبحانه وتعالى صفة تليق بجلاله وعظمته هي صفة الكلام .

وهذه القضية نذكرها هنا ، لأنني سمعت في أكثر من مناسبة أن هذه القضية قضية جزئية ، ما كانت تستحق ذلك الاهتمام الذي حظيت به في تاريخ الأمة ، حتى إن البعض قال : إن هذه القضية ما كانت لتستحق أن تكون سبباً لتلك الفتنة الكبرى التي امتحن فيها المؤمنون امتحاناً شديداً ، وثبت الله إمام أهل  السنة أحمد بن حنبل وبعض العلماء رحمهم الله تعالى .

فأقول : إن هذه القضية قضية مرتبطة بمنهج المعتزلة العقلاني ، فالمعتزلة

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قدموا عقولهم في هذا الباب , ودخلوا من مدخل سَّموْه هم توحيداً , وذلك من خلال قضايا متعددة أبرزها قضيتان :

الأولى : أنهم قالوا : إن إثبات الصفات لله يلزم منه التجسيم . فقالوا : إن إخلاص التوحيد لا يكون إلا بنفي الصفات عن الله حتى لا نشبه الله بخلقه .

الثانية: إن المعتزلة ناقشوا النصارى في شركهم وقولهم بأن هناك ثلاثة آلهة . فقالوا للنصارى : أنتم مشركون , تقولون : الأب والابن وروح القدس , وهذا شرك بالله , والله واحد لاشريك لـه .

فقالت النصارى : نحن غير مشركين , نحن نقول هذه أقانيم لإله واحد ؛ الأب , الابن , روح القدس . ثلاثة تساوي إلهاً واحداً , نظرية رياضية لا يصدق بها حتى الأطفال , وقال هؤلاء النصارى للمسلمين : إذا كنتم تتهموننا بأننا نقول بثلاثة آلهة , فأنتم تقولون بسبعة أو بعشرة أو بأكثر . كيف ذلك ؟

قالوا : أنتم تقولون : الله , السميع , البصير , له الكلام , الإرادة , القدرة , وتقولون : هذه صفات لإله واحد وهذا شرك أكبر من شركنا ؛ لأنكم إذا قلتم: إن صفات الله أزلية مع الله إذا جعلتم مع الله غيره , فجعلتم مع الله أكـثر من إله (1) .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فبسبب هذا النقاش قالت المعتزلة : إن إخلاص التوحيد لا يتحقق إلا بأن ننفي عن الله جميع الصفات , لأننا لو أثبتنا لله أي صفة , وقلنا : إنها أزلية , أثبتنا مع الله إلهاً آخر وقلنا بتعدد القدماء .

فأدى بهم هذا إلى نفي جميع الصفات عن الله سبحانه وتعالى من خلال منهج عقلي باطل , وضربوا بالكتاب والسنة والنصوص عرض الحائط , وأعملوا فيها تأويلاً وتحريفاً وتعطيلاً , فلما وصلوا في الدولة العباسية , إلى مناصب كبرى ومنها وصول أحمد بن أبي دؤاد إمام المعتزلة وشيخهم وكبيرهم  إلى أن يكون قاضي القضاة والمقرب من الخليفة . أثر هذا القاضي المعتزلي على الخليفة حتى أقنعه بهذه البدعة بل وأقنعه بأنها هي الحق  الذي لا حق عغيره وأنه ينبغي أن يلزم الناس بها .

وبالفعل تبنت الدولة آراء المعتزلة وتولت قضية الاعتزال من خلافٍ بين أهل  السنة وبعض المخالفين , إلى أن تعلن الدولة قراراً حاسماً بأن هذه البدعة هي الحق , بل ويجبت على كل إنسان أن يقول الرأي الموافق للمعتزلة فنشأت فكرة القول بخلق القرآن . إذن هي ليست جزئية وإنما هي مسألة جُعلت عنوانًأ لقضية أكبر ؛ في باب الاعتقاد وفي باب المنهج ولهذا امتحنت الدولة ومن خلفها أئمة الاعتزال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ممن كانوا تحت سلطان المسلمين وكانت الدنيا كلها تقريباُ تحت سلطان المسلمين في ذلك الوقت , حيث اتسعت الفتوحات وبلغت حداً كبيراً في نهاية القرن الثاني . واستمر على هذا النهج مجموعة من الخلفاء ؛ المأمون , والمعتصم ,

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والواثق , يوصي بعضهم بعضاً , ويمحنون الناس على القول بخلق القرآن , وأصدروا قرارات لإلزام الناس بذلك , مثل أن من لم يقل بخلق القرآن إذا كان قاضياً في بلده , أو كان فقيهاً , أو كان إماماً فإنه يعزل , وحاربوا الناس في أرزاقهم , وهذا شيء مؤسف جداً , أن يتجه الأقوى إلى حرب الناس في أرزاقهم . والله هو الرزاق ذو القوة المتين .

وفي خضم هذه الفتنة قالوا : من لم يقل بهذه المقالة فيجب أن يعزل وقد اضطر بعض العلماء إلى التورية , فإذا سئل ما تقول في القرآن ؟ ورَّى في الإجابة حتى إن أحدهم سئل : ما تقول في القرآن ؟ فقال وهو يعدد بأصابعه : القرآن والتوراة والإنجيل والزبور ثم أشار بيده قائلاً : هذه مخلوقة يقصد يده .

أما الإمام أحمدبن حنبل رحمه الله فقد كانت الأنظار متجهة إليه في ذلك الوقت , لأن صمود هذا الإمام صار فيصلاً بين فضيتين كبريين . ومن هنا ثبت الله الإمام أحمدبن حنبل فصار الاسم والشهرة لـه , وإلا فهناك غيره من العلماء من وقف موقفه رحمه الله تعالى .

وقد امتحن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في هذه العهود ؛ فسجن , وعذّب , وضرب , ثمطلب منه مالإقامة الجبرية , ثم امتحن بالرخاء في عهد المتوكل . فالإمام أحمد بن حنبل الزاهد مر بشتى أنواع الابتلاء التي يمكن أن يمر بها مؤمن صادق وداعية صادق , ومع ذلك فهو رحمه الله تعالى لما سجن وضرب طلب منه بعض محبيه أن يوري حتى ينجو بنفسه وينفع الأمة بعلمه وحديثه , وكان ممن يعرفون فضل الإمام أحمد وعلمه وزهده وقدره , فهو الذي يحفظ مئات الألوف من الأحاديث النبوية ويحدث بها , فالناس أحوج ما

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يكونون إلى علمه فكيف يترك ليسجن ويضرب ويموت تحت التعذيب؟, فجاءه بعض الناصحين لـه وقالوا لـه : يإمام إن الناس يرون فيك فضلاً وعلماً , فأبقٍ على نفسك لا لنفسك وإنما للناس , فلو أنك ورَّيت كما ورَّى غيرك (1) لانتهت المشكلة , لكن الإمام أحمد وقد تحدد الأمر بالنسبة لـه , وعرف القضية بجميع أطرافها , فقد كان رحمه الله يفقه القضية بعمق , وكان يعلم أن الناس ينتظرون مقالة الإمام احمد , وانه لو قال بخلق القرآن ولو كان مورياً فلربما عذر نفسه أو عذره اثنان لكن الملايين من خلفه سيأخذون رأيه على ظاهره , ولهذا وهذه من الأشياء العجيبة في قصة الإمام أحمد بن حنبل كانوا إذا أرادوا أن يحاكموه بعد التعذيب لينطق بما يريدونه يجمعون الناس ومعهم الألام حتى يسمعوا مباشرة لأنه لو نقل للناس عن دار الخلافة في ذلك الوقت أن الإمام أحمد أجاب ما صدق أحد فكانوا يجمعون الناس من باب التوثيق ويدخلونهم قصر الإمارة ومعهم الأقلام ليسمعوا ماذا يقول الإمام أحمد ؟    

وبعد كل مرحلة من مراحل التعذيب يسألونه أمام الجماهير : ماذا تقول في القرآن ؟,  ولما جاء أحدهم إلى الإمام أحمد وهو في السجن وقبل لحظات من المحاكمة التي تتكرر من وقت لآخر,  قال له : يا إمام, لو أنك ورَّيت فأبقيت على نفسك , قال لهذا الرجل : انظر من خلفك . فنظر من خلفه فإذا ألوف قد جلسوا ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد . قال لـه الإمام أحمد : ياهذا , لوأن أحمد بن حنبل ورى ما يدري هؤلاء أن أحمد بن حنبل يقول بالتورية,  ومن يتحمل إثم إضلال هؤلاء وطنهم أن الإمام أحمد قال بخلق القرآن .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فثَّبته الله سبحانه وتعالى حيث كان يقول لهم : القرآن كلام الله منزل غير مخلوق, ائتوني بكتاب الله وبسنة رسوله , ائتوني بدليل,  ولو أردنا أن نستطرد ما جرى في تلك القصة لطال المقام؛ فإن فيها عبراً كثيرة, فإنهم حاولوا معه محاولات كثيرة , شملت المناقشات العلمية , فبحثوا عن الحجج والدلائل ليأتوا بها , وليقولوا للإمام أحمد يلزمك أن تقول بخلق القرآن , ولكنه رحمه الله أجابهم عن ذلك , ونقض كل الشبهات التي أتوا بها .

بل إنه رحمه الله تعالى قد ثبته الله سبحانه وتعالى حتى بنصائح من داخل السجن, وقد كان مسجوناً مع اللصوص وغيرهم . حتى إنه بعد الإفراج عنه كان يترحم على أحد السجناء اللصوص,  فقال لـه أحد أبناءه : يا أبت إنك كثيراً ما تترحم على هذا . فقال له : هذا أحد اللصوص الذين التقيت بهم,  كنت جالساً في السجن فأتاني أحد أصحابي يثبتني ويقول لي : يا إمام اثبت, فقلت لـه : إنني أخاف ألا أقوى على الضرب . فهو يخاف رحمه الله أن يلجئوه بالضرب إلى أن يقول غير الحق, فكان بجانبه أحد اللصوص يسمع الحوار , فقال لـه : يا إمام,  أثبت على الضرب , فوالله إنني لأثبت على الضرب وأنا على باطل أفلا تثبت على الضرب وأنت على الحق؟ فكان الإمام أحمد بن حنبل يدعو لهذا الرجل كلما ذكره؛ لأنه أعطاه درساً كبيراً , فإذا كان هذا يثبت على الضرب وهو على باطل, أفلا يثبت الإنسان على الضرب وهو على حق ؟.

والمهم :أن فتنة القول بخلق القرآن هي البدعة التي جعلها المعتزلة عنواناً لمنهج فكري عقدي في الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها, فليست قضية هينة, كما يتساءل البعض : لماذا كبرت هذه المشكلة ؟ ولماذا ضخمت ؟ ونحن نقول : والله لو لم يكن فيها إلا نفي صفة الكلام لله , والتي ابتدعها هؤلاء ,     

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكانت جديرة بأن يتحمل الإنسان في سبيل إثبات منهج أهل  السنة والجماعة فيها ما تحمل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى .

وبعد هذه المقدمة نأتي إلى قصة الشيخ الأذرمي التي أشار إليها المؤلف , وقصته هذه حكاها ابن الجوزي في ترجمة الإمام أحمد , وحكاها أيضاً الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام أحمد (1),  ورواها قبلهما الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمته للأذرمي نفسه (2) .

روى الخطيب البغدادي عن الخليفة المهتدي بالله أنه قال : ما زلت أقول إن القرآن مخلوق صدراً من أيام الواثق , حتى أقدم أحمد بن أبي دؤاد علينا شيخاً من أهل  الشام من أهل  أذنة , فأدخل الشيخ على الواثق مقيداً وهو جميل الوجه , تام القامة , حسن الشيبة,  فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق لـه, فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه , فسلم الشيخ فأحسن, ودعا فبلغ وأوجز,  فقال له الواثق : اجلس . فجلس,  وقال له ياشيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك عليه,  فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ابن ابي دؤاد يصبو ويضعف عن المناظرة, فغضب الواثق وعاد مكان الرقة له غضباً عليه وقال : أبو عبدالله  بن أبي دؤاد يصبو ويضعف عن مناظرتك أنت ؟ فقال الشيخ : هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك,  وائذن في مناظرته , فقال الواثق : ما دعوتك إلا للمناظرة . فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول (3) , قال : أفعل , فقال الشيخ : يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه , هي مقالة واجبة داخلة

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في عقد الدين فلا يكون الدين كاملاً حتى يقال فيه بما قلت ؟ قال: نعم . قال الشيخ : يا أحمد أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله إلى عباده هل ستر رسول الله شيئاً مما أمره الله به في أمر دينهم؟  فقال : لا , فقال الشيخ : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة إلى مقالتك هذه ؟ فسكت ابن أبي دؤاد, فقال الشيخ : تكلم فسكت,  فالتفت الشيخ إلى الواثق فقال : يا أمير المؤمنين واحدة , فقال الواثق : واحدة , فقال الشيخ : يا أحمد أخبرني عن الله عزوجل حين أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينـاً ))كان الله تعالى الصادق في إكماله دينه , أو أنت الصادق في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه . فسكت ابن أبي دؤاد , فقال الشيخ : أجب يا أحمد , فلم يجب , فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين اثنتان فقال الواثق : نعم اثنتان , قال الشيخ : يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جهلها؟ قال ابن أبي دؤاد : علمها,  قال : فدعا الناس إليها ؟ فسكت , قال الشيخ يا أمير المؤمنين ثلاث , فقال الواثق :  ثلاث . فقال الشيخ :يا أحمد فاتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن علمها وأمسك عنها كما زعمت,  ولم يطالب أمته بها؟  قال نعم . قال الشيخ:  واتسع لأبي بكر الصديق,  وعمر بن الخطاب , وعثمان , وعلي رضي الله عنهم؟  قال ابن أبي دؤاد : نعم ! فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق فقال : يا أمير المؤمنين قد قدمت القول أن أحمد يصبو ويضعف عن المناظرة , يا أمر المؤمينين إن لم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما زعم هذا أنه اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم,  ولأبي بكر , وعمر,  وعثمان,  وعلي,  فلا وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم-  أوقال فلا وسع الله عليك- , فقال الواثق : نعم إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما اتسع لرسول الله  صلى الله عليه وسلم وابي بكر وعمر وعثمان وعلي,  فلا وسع الله علينا , اقطعوا قيد الشيخ, فلما قطع القيد ضرب الشيخ بيده إلى القيد حتى يأخذه , فجاذبه الحداد عليه,  فقال الواثق : دع الشيخ يأخذه,  فأخذه فوضعه في كمه, فقال له الواثق:  ياشيخ لم جاذبت الحداد عليه؟  قال : لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين كفني , حتى أخاصم به هذا الظالم عندالله يوم القيامة, وأقول يارب سل عبد ك هذا لم قيدني وروع أهل ي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك عليّ , وبكى الشيخ فبكى الواثق , وبكينا,  ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله , فقال له الشيخ : والله يأمير المؤمنين لقد جعلتك في حل وسعة منأول يوم إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كنت رجلاً من أهل ه , فقال الواثق : لي إليك حاجة,  فقال الشيخ : إن كانت ممكنة فعلت.  فقال له الواثق تقيم قبلنا فننتفع بك وينتفع بك فتياننا,  فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني عنه هذا الظالم أنفع لك من مقامي عليك , وأخبرك بما في ذلك أصير إلى أهل ي وولدي فأكف دعاءهم عليك, فقد خلفتهم على ذلك . فقال لـه الواثق : فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك؟ قال :يا أمير مالمؤمنين لايحل لي أنا عنها غني, وذو مرة سوي, فقال سل حاجة , قال أتقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال : نعم قال : تأذن أن يخلى لي السبيل الساعة إلى الثغر, قال : قد أذنت لك , فسلم عليه وخرج . قال صالح بن علي قال المهتدي بالله:  فرجعت عن هذه المقالة,  وأظن أن الواثق قد كان رجع عنها منذ ذلك الوقت (1) .

وهكذا من لم يَسَعْه ما وسِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه والتابعين لهم بإحسانٍ , والأئمة من بعدهم , والراسخين في العلمِ , من تلاوةِ آياتِ الصفاتِ وقراءةِ أخبارِها , وإمرارِها كما جاءت , فلا وسَّع اللهُ عليه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والناظر في منهج هذا الإمام في المناظرة, يجده قد أتى بحجج قوية وإن كانت سهلة واضحة في الوقت نفسه , فإن أي إنسان يبتدع بدعة جديدة , يُسأل : أعلم هؤلاء الأخيار هذا القول أم لا ؟ فإذا كانوا لم يعلموه ,  فكيف تصبح أنت أيها المتأخرأعلم من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم , بل أعلم من الرسول عليه والصلاة والسلام ؟ ثم بعد ذلك لما زعم أنهم علموها . قال : هل دعوا الناس إليها ؟ وقد عُلم أنهم ما دعوا الناس إلى القول بخلق القرآن .

فلما تبين أنهم لم يدعوا إليها . قال له : ألا يسعنا ما وسع هؤلاء من السكوت, فانقطع الرجل , وأخرس المبتدع , وهذا من توفيق الله سبحانه وتعالى لهذا الإمام التقي الصالح - رحمه الله تعالى - .

والعبرة من هذه القصة في منهجية هذا الإمام وكيف أنه استطاع إسكات خصمه لا بحجج عقلانية,  وإنما بالحجة القوية والواضحة في عرضها,  وباعتماده على المنهج الصحيح في الاستدلال وهو الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح وخير القرون علماً وعملاً وتطبيقا, ً فاتسمت حججه بالمنهجية فكانت قوية ومؤثرة في ردّ هذه البدعة وافحام القائلين بها .

 قال الخليفة - وكان حاضراً - : لا وسع الله على من لم سعه ما وسعهم .

قالابن قدامة بعد ذلك : (( وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأصحابه والتابعين لهم بإحسان , والأئمة من بعدهم, والراسخين في العلم , من تلاوة آيات الصفات, وقراءة أخبارها, وإمرارها كما جاءت, فلا وسع الله عليـه )) وهذا من كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى تعليقاً على هذه الحادثة وتعميماً لمضمونها .

فما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون لهم بإحسان يجب السير عليه, وقوله     (( بإحسان )) هذا قيد ؛ لأنه قد يوجد في عهد التابعين من كان منحرفا, ًفهو وإن كان ممن يعيش في عصر التابعين,  إلا أنه إذا لم يتبع الصحابة رضي الله عنهم بإحسان,  وإنما غير وبدل , فهذا لا يتبع ولا يقتى به .

ثم قال : (( والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم )).

ولا شك أن من أعظم علامات الرسوخ في العلم أن يرجع الإنسان فيما لم يعلم إلى من يعلم , وكل من كان رسوخه في العلم أكبر فإنه يقول عن الشيء الذي لا يعلمه : لاأدري .

هذا الإمام مالك وهو الإمام المشهور , سئل عن أربعين مسألة,  فأجاب عن أربع , وقال عن ست وثلاثين منها :  لا أعلم . فالراسخ في العلم هو الذي يقف عند الخبر الصادق , والأدلة الصحيحة ويكل علم الغيب إلى عالمه,  ولا يدخل عقل فيما لا يستطيع إدراكه , وهذا لا شك من أعظم الرسوخ في العلم .

ثم قال: ((من تلاوة آيات الصفات )) يعني الواردة في القرآن العظيم ((وقراءة    أخبارها )) أي أخبار الصفات الواردة في سنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم , وهكذا كان الأئمة, كانوا يتلون القرآن ويعلمونه الناس,  وإذا مروا على آية من آيات

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصفات لا يعطلونها ولا شيبهونها,  وإنما يثبتونها كما جاءت على ما يليق بجلال الله وعظمته .

لكن جاء من بعدهم من وقف عند مثل قوله تعالى : )) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ))(الرحمن: من الآية27) وقوله : ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) (طـه:5) .   وقال : هذه الآية لو أثبتنا ظهاهرها لوقعنا في التشبيه ثم أعمل عقله فقال : استوى بمعنى استولى,  ووجهه بمعنى ذاته, وهكذا يعمل في آيات القرآن التأويل والتعطيل,  والأئمة من قبله كانوا يقرؤونها ويتلونا ويفسرونها ويثبتون معانيها اللائقة بالله بلا تأويل,  وكذلك أخبار الصفات, كان الأئمة يحدثون بالأحاديث ولا يفرقون بين أحاديث الأحكام وأحاديث الصفات وإنما يحدثون بها جميعاً .

وكانت مناهج الأئمة في تصنيف الحديث علىأقسام : منهم من صنف الحديث على الأبواب مثل ما فعل البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه , وغيرهم,  فهؤلاء بوَّبوا للصلاة,  والزكاة,  والإيمان , والقدر,  إلى آخره . ومنهم من ذكر الأحاديث حسب الأسانيد؛ إما حسب أسانيد الصحابة ,مثل مسند الإمام أحمد وغيره من المسانيد, أو حسب معجم شيوخه, مثل معجم الطبراني الصغير, المهم أنه إذا ذكرت اسانيد الصحابة كالإمام أحمد بن حنبل مثلاً,  فإنه يذكر كل مرويات هذا الصحابي , لا يفرق بين العقيدة ولا بين غيرها , فيقرؤونها ويروونها في كتبهم, ويحدثون بها لا يفرقون بين الأحاديث الواردة في العقبيدة أو ألأحكام او القصص أو غيرها .

ثم قال:(( وإمرارها كما جاءت )) ثم دعى عليه في الأخير فقال :(( فلا وسع 

فممَّا جاء من آيات الصفا قول الله تعالى : ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ )) (الرحمن: من الآية27)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الله عليه)). إمرارها كما جاءت سبق أن شر حناها,  أي أنهم يمرونها كما جاءت بالإثبات, يثبتونها, ويثبتون ما دلت عليه من معنى , لكن كيفية هذه الصفة يفوضونه,  ويفوضون علمها إلى الله سبحانه وتعالى .

وكما قلنا سابقاً , فإن عبارة أمروها كما جاءت, أو تمر كما جاءت ليست حجة لأهل  التقويض لأن الأئمة ذكروها حتى في غير الصفات, وقد سبق شرح ذلك .

ثم قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: )) فمما جاء من آيات الصفات قول الله تعالى : ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)) )).

والشيخ بعد أن ذكر مقدمة جليلة في منهج أهل  السنة والجماعة , بين فيها وجوب السير على منهاجهم , والتحذير من سلوك طريقة أهل  البدع المخالفة لطريقتهم, وذكر اقوال الأئمة ؛ كالأوزاعي, وعمر بن عبد العزيز, وقبلهم عبدالله بن مسعود رضي الله عنه,  وذكر بعد ذلك القصة التي وقعت في زمن الواثق في محنة القول بخلق القرآن, وكيف أن ذلك الشيخ استطاع بعون من الله وتوفيقه أن يرد على منهج المعتزلة في هذا الباب حيث إنه رد عليهم بمنهج أهل  السنة والجماعة , القائم على أن هذه الأمور المتعلقة بأسماء الله وصفاته,  لا يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان من القرون المفضلة قد جهلوها, ثم ياتي بعد ذلك افراخ القرامطة, والمتأثرون بالفلاسفة, والسائرون على المناهج العقلية, بتأويلات وتحريفات متعددة ليكونوا هم العالمين بها ,

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والأمر يتعلق بأمر غيبي , لا مجال للعقل فيه, ألا وهو إثبات أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته وما ورد في ذلك من أخبار , فبعد أن قدم الشيخ بهذه المقدمة , بدأ يذكر أمثلة للصفات فقال رحمه الله تعالى :(( فمما جاء من آيات الصفات )) .

ويلاحظ أن ابن قدامة لم يذكر بعض الصفات , مثل صفة العلم , والقدرة , والإرادة,  والحياة,  والسمع,  والبصر,  والكلام ؛ لأن هذه الصفات السبع ليس عليها خلاف في الجملة بين أهل  السنة والجماعة , من العلماء المنتسبين في ذلك الوقت على الإمام الشافعي , وأبي حنيفة, والإمام مالك أوحتى إلى الإمام أحمد بن حنبل من الأشعرية والماتريدية , حيث لم يكن بينهم خلاف في الجملة في إثبات هذه الصفات, ولهذا لم يستشهد بها ولم  يذكرها, وإلا فإن هذه الصفات هي من الصفات الثابتة لله سبحانه وتعالى, والشيخ أراد أن يذكر نماذج من الصفات التي وقع فيها الخلاف مع بعض  هؤلاء .

فذكر أولاً صفة الوجه لله تبارك وتعالى,  واستشهد لها بآية من القرآن , وهي قولع تعالى : ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ)) (الرحمن:27) , وقد وردت صفة الوجه في آيات كثيرة كقوله تعالى : ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه)) (القصص: من الآية88) وأيضاً ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك, فقد ورد في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه قول الله تعالى : ((قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ )) (الأنعام: من الآية65)قال(( أعوذ بوجهك )) ))أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ(( (الأنعام: من الآية65) قال ))أعوذ بوجهك )) فلما نزلت (( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً                 

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ )) (الأنعام: من الآية65) قال : (( هاتان أهون )) (1) .

فاستعاذ صلى الله عليه وسلم بوجه الله تعالى , كما ورد في الحديث المتفق عليه , عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه , حين زاره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض, وجرى بينهما ما جرى , قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها"  (2) .

المهم أن الأدلة من كتاب الله , ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم , دلت على أن الله سبحانه وتعالى له صفة الوجه, وصفة الوجه نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته,  لا نتأولها ولا نعطلها, ولا نشبهها,  ولا نكيفها , وإنما نثبتها كما أثبتها السلف الصالح رحمهم الله تعالى .

وأحب ونحن نتكلم عن صفة الوجه لله تعالى, أن أقف وقفة قصيرة تتعلق بتقسيم الصفات؛  لأن بعضهم يقول : صفة الوجه واليدين صفات خبرية , وصفة العلم والحياة والإرادة والقدرة والسمع والبصر,  صفات عقلية فيقولون هذه خبرية, وهذه عقلية .

وأحياناً يقولون : صفة الوجه واليدين والحياة والعلم والسمع والبصرصفات ذاتية,  وصفة الرضا والغضب والاستواء والمجيء والنزول والإتيان صفات فعلية, أي انه متعلقة بإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى .

وهذه التقسيمات لم تكن معروفة بهذا الشكل لدى السلف الصالح رحمهم الله تعالى , ولهذا تجدهم يثبتون جميع ما ورد من الصفات, دون أن

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يفرقوا بين صفة وأخرى, كما فعل ابن قدامة هنا حيث ذكر صفات عديدة لله سبحانه وتعالى,  دون أن يميز ويقول هذه خبرية وهذه عقلية وهذه ذاتية وهذه فعلية

ولهذا فإنني أنصح بقراءة كتاب التوحيد وهو آخر كتاب من صحيح البخاري رحمه الله تعالى . وهذا الكتاب عظيم جداً, ومن تأمل تبويب البخاري واستشهاده بالآيات , ثم ذكره الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , يرى في هذا الكتاب عجباً .

ومن تأمل تبويبات البخاري رحمه الله تعالى, يجد أنه لم يفرق بين اسم من أسماء الله ولا بين صفة من صفاته , فارجعوا إليه, إما إلى متنه أوارجعوا مع المتن إلى شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الله الغنيمان في مجلدين كبيرين,  وشرحه من الشروح الوافية والمهمة .

وهناك شروح أخرى قبله عليها ملاحظات مثل شرح ابن حجر في ((فتح الباري)), أو العيني في (( عمدة القاري)),  أو السيوطي الذي لخص الشرحين في (( إرشاد الساري)) أو غيرها من شروح البخاري فهذه يستعين بها الإنسان . لكن شرح الغنيمان لكتاب التوحيد جاء مبسوطاً على وفق منهج أهل  السنة والجماعة, مع المناقشة لمن أخطأ أو انحرف في هذا الباب.

المهم هو أن هذه التقسيمات إنما جاءت بعد ذلك, وإذا كان بعضها لـه حظ من المعنى,  فإن بعض الصفات فعلاً خبرية , مثل صفة الوجه أو اليدين,   لا يمكن أن نطلع عليها إلا بخبر الصادق,  وبعضها خبري عقلي , مثل صفة العلم لله سبحانه وتعالى,  والإرادة فإن هذه الصفت دلت عليها الأدلة من كتاب الله

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم,  وأيضاً دل عليها دليل العقل , لكن  العمدة في الإثبات أولاً إنما هو للنقل,  لأن هذه متعلقة بأسماء الله وصفاته,  ولا مانع بعد إثباتها بالنقل أن ندلل عليها بدليل عقلي,  إذا كان الاستدلال منهجياً وصحيحاً .

كذلك أيضاً التقسيم الآخر بأن هناك صفات ذاتية , مثل صفة الحياة لله سبحانه وتعالى , وصفات فعلية كالنزول والغضب,  هذا أيضاً قد يكون لـه حظ من المعنى , وقد دلت عليه النصوص , فإن بعض صفات الله سبحانه وتعالى تتعلق بمشيئته وإرادته, فاستواء الله على العرش مثلاً لها دلالتان ؛ دلالة العلو وهذه أزلية , لكن الدلالة الأخرى وهي الاستواء على العرش, هي من صفات أفعاله , ولهذا قال الله تبارك وتعالى : ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ))(الحديد: من الآية4) فاستواؤه تبارك وتعالى على العرش بعد خلقه لـه , ومثله نزوله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا,  ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء , كل هذا مما يتعلق بإرادته ومشيئته , وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر لذلك .

وصفة الوجه لله سبحانه وتعالى ثابتة نقف عندها, لأنها نموذج لبقية الصفات, فنحن نثبتها ولا نتأولها , والذين انحرفوا في هذا الباب تأولوا هذه الصفة قائلين : إن وجهه هو ذاته,  وقالوا في قوله تعالى : ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)) (القصص: من الآية88): يعني إلا ذاته, وهذا تأويل باطل ؛ لأننا نقول : دلالة الوجه على الذات لا شك فيها , ودلالة الصفة على الموصوف لا شك فيها, لكن أن يقال : إن معنى صفة الوجه لله سبحانه وتعالى هو ذاته , ولا تدل على أن لله وجهاً يليق بجلاله وعظمته , فنقول : هذا هو التأويل الباطل الذي لا دليل عليه, بل وردت نصوص تدل على إثبات هذه الصفة لله ويمتنع تأويلها

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالذات كما فعل هؤلاء, فيجب إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله وعظمته, وهذا هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى , يثبتون , ولا يتأولون , ولا يكيفيون, ولا يمثلون, فيثبتون هذه الصفة ؛ لأن الله أخبرنا بها وهو أعلم بنفسه, ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا بها , وهو أعلم بربه, ونقلها أصحابه من بعده, ومن ثم فنحن نسير على منهاجهم خاصة وأن سلف الأمة أجمعوا على ذلك .

وقد يقول قائل في قول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز : ((وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)) (البقرة: من الآية115), إن بعض المفسرين من السلف قال: أي قبلة الله, وظن هؤلاء أن هذا القول الوارد تأويل لهذه الصفة, واحتجوا بذلك على التأويل .

ولما ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى العقيدة الواسطية, وهي عقيدة جامعة لمسائل عظيمة, وخالفه من خالفه من أهل  الكلام, قال لهم شيخ الإسلام ابن تيمية: أنا أمهلكم ثلاث سنوات , فإن اتيتموني بكلمة واحدة في العقيدة الواسطية تخاف كلام السلف رحمهم الله تعالى , فإنني اعترف لكم بأنني مخطئ,  فبحث المخالفون لـه, ودعوه إلى مناظرة حول الواسطية , في قصة ومحنة طويلة جرت لـه رحمه الله تعالى , ولكن الشاهد فيما يتعلق بهذه المناظرة ما نحن بصدده وهو إثبات صفة الوجه لله سبحانه وتعالى .

يقول رحمه الله تعالى في مناظرته في الواسطية : فلما جلسنا - أي جلس الشيخ مع مخالفيه من أهل  الكلام , وغالبهم أشعرية رحمهم الله جميعاً - قالوا لي وكانوا فرحين : لقد وجدنا عن السلف تأويلاً .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال : فانقدح في ذهني ما أرادوه فقلت : لعلكم تقصدون قـول الله تعــالى: (( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)) قالوا : نعم نقصد هذه الآية فإن بعض السلف قالوا : فثم قبلة الله . فقال لهم شيخ الإسلام ابن تيمية : هذه الآية ليست من الصفات,  وما فسروه به بقولهم فثم قبلة الله حق؛ لأن الآية جاءت في سياق بيان القبلة : ((وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)) فأنما تولوا : أي أينما تتجهون بوجوهكم مطيعين لأمره وتعبدون الله سبحانه وتعالى مخلصين في صلاتكم,  فثم قبلة الله سبحانه       وتعالى .(1)

ولا شك أن سياق الآية دال على هذا, لكن يبقى في الكلام بقية ألا وهي أن شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع  آخر  من كتبه احتج بهذه الآية وأثبت منها صفة الوجه لله تبارك وتعالى فكيف ذلك ؟

نقول : الاحتجاج بهذه الآية على إثبات صفة الوجه لله صحيح لأن هذه الآية وإن سيقت مساق بيان القبلة , إلا أنه لا يعبر فيها بنسبة الصفة إلى  الله إلا ما صح أن يكون صفة لله . وعليه فقوله تعالى: ((  فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه)) . سياقها ومعناها يدل على القبلة , لكن لما قال :(وجه الله ) دل هذا على أن الله سبحانه وتعالى له وجه يليق بجلاله وعظمته .

ولهذا اختلف السلف رحمهم الله تعالى في بعض الصفات مثل صفة

وقوله تعالى : (( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ )) (المائدة: من الآية64) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(( الجنب )) الواردة في قوله تعالى: ((  أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه)) (الزمر: من الآية56)  فبعض السلف قال : نأخذ منها إثبات صفة الجنب لله , وبعضهم قال :سياق الآية يدل على أن المعنى : على ما فرطت في حق الله وطاعته, ولم تأت هذه الآية لبيان الصفة, وكلا القولين فيه حق؛ لأن الذين قالوا نثبت منها الصفة قالوا : نعم نحن معكم أن سياق الآية يدل على أن معناها ما فرطت في حق الله وطاعة الله , وهذا واضح الدلالة جداً, ولو أراد إنسان أن يشرح هذه الآية وقيل له : ما معنى قول تلك النفس في قول الله تعالى : ((أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه)) لفسرها بانها تتحسر على ما فرطت في الإيمان بالله , وطاعة الله,  من الصلاة , والعبادة وغير ذلك,  ويكون تفسيره صحيحاً .

لكن من قال إنه يؤخذ منها صفات . قال : إنه لا يأتي التعبير بالنسبة لله سبحانه وتعالى إلا بما يصحُّ أن يوصف الله به, ومن ثم قال : (( على ما فرطت في جنب الله )) تدل على المعنى الذي دل عليه سياق الآية, وأيضاً نستفيد منه أن لله جنباً يليق بجلاله وعظمته , ولا فرق بين الجنب , والساق , والقدم, والرجل , والوجه, واليدين , والعين, وهذه الصفات دلت عليها أدلة صريحة صحيحة, بعضها في كتاب الله وبعضها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( وقوله تعالى : ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)) (المائدة: من الآية64) )) . صفة اليدين لله سبحانه وتعالى أيضاً مما وردت ادلته نصاً في كتاب الله تبارك وتعالى مثل هذه الآية التي استشهد بها الشيخ, ومثل قول الله تبارك وتعالى : ((وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)) (الذريات:47) ومثل قوله تبارك وتعالى : ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )) (صّ: من الآية75 )           

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في أحد ألفاظ البخاري : "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة " أي لا ينقصها نفقة "سَحَّاء الليل والنهار "(1) . السحاء : كصيرة الصب .

فقوله : (( يد الله ملأى )) يدل على إثبات صفة اليد لله سبحانه وتعالى . وأيضاً حديث : " يقبض الله السموات بمينه, والأرضين بشماله "(2) على رواية مسلم. وأيضاً حديث الشفاعة حينما يأتي الناس إلى آدم ويقولون لـه : (( خلقك الله بيده ))(3) فهذه دالة على إثبات اليدين لله سبحانه وتعالى . والنصوص الواردة في مثل قوله تعالى: ((تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ )) (الملك: من الآية1) وحديث الشفاعة السابق (( خلفك الله بيده ) ) تدل على صفة اليد,  وقوله : ((مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا)) (يّـس: من الآية71) لا تعارض النصوص السابقة ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يتكلم عن نفسه وهو المعظم لنفسه,  والمعظم لصفاته, أو يقال : أقل الجمع اثنان فتتفق  آية ((مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا)) مع آية ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)) ,وآية ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )) .

والمخالفون لأهل  السنة والجماعة في هذا من المعتزلة وكثير من الأشعرية والماتريدية يقولون : إن اليد بمعنى القدرة , وأحياناً يفسرونها بمعنى النعمة .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقولهم هذا مخالف لمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى , لأنه تأويل لم يدل عليه دليل , والسلف رحمهم الله تعالى أثبتوا هذه الصفات , ومنعوا من تأويلها , وفي صفة اليدين لله ,جاءت النصوص دالة دلالة قاطعة,تمنع من التأويل, وإني - والله حتى هذه اللحظة-  أعجب كيف تجرأأولئك العلماء الفضلاء علىأن يتأولوا قوله تعالى : ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)) , وقوله تعالى : ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)) على غير ظاهرها اللائقة به تعالى,  لأنه نص صريح واضح,  وكل تأويل تأوله أولئك مثل قولهم : يداه : نعمتاه, ما خلقت بيدي : بنعمتيّ,  بقدرتيّ,  بيدي وقدرتي.  فهو تأويل يأباه سياق الآية ودلالتها؛ لأنها نص صريح في إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى, ولهذا فإنني أقول كما قال من سبقني من أهل  العلم : إن تاويلهم لهذه الآية لا وجه لـه حتى من دلالة اللغة العربية, وقد يكون لبعض تأولاتهم الأخرى وإن كان باطلاً وجه في اللغة العربية لكن تأويلهم لليدين لا وجه لـه إطلاقاً من اللغة العربية .

تأمل قول الله تبارك وتعالى : ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)), حيث جاء التعبير قاطعاً في هذه المسالة . فقال أولاً خلقت , فأضاف الفعل إلى نفسه , وعبر بلفظ الخلق,  والخلق له دلالته الخاصة, ثم قال : بيديّ وأضافها إلى نفسه , ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)), ثم جاء معبراً بلفظ التثنية, كل ذلك دال دلالة قاطعة على أن تأويل هذه الآية بالقدرة أو النعمة أو بهما باطل, وإذا تبين بطلان تأويلهم في هذه الآية ,

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله تعالى إِخبارا ً عن عيسى عليه والسلام أنه قال : ((تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  ))(المائدة: من الآية116) .

فهو دال أيضاً على بطلان تأويلاتهم الأخرى لأنه لا دليل عليها , حتى وإن كان لها وجه بعيد من اللغة , كما يدل على أن منهجهم في التأويل منهج غير صحيح.

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( وقوله تعالى إخبارً عن عيسى عليه السلام أنه قال :   ((تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ )) . وهذا في إثبات النفس لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته . ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في آية أخرى : ((وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)) (آل عمران: من الآية28) , وورد أيضاً في أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قوله في الدعاء : " سبحان الله وبحمده , عدد خلقه , ورضا نفسه , وزنة عرشه , ومداد كلماته " (1) .

وأيضاً ورد في الحديث الصحيح الآخر المشهور : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي,  وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا "(2) . فهذه الآيات والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم دالة على إثبات هذه الصفة , وأهل  السنة والجماعة يثبتونها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته .

لكن ينبغي ألا يفهم منها - كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - أن لله نفساً منفصلة عن الله سبحانه وتعالى كما يقال بالنسبة للمخلوق : إن لـه جسداً وله روح تسمى نفساً,  فيقولون : خرجت نفسه, يعني خرجت روحه .

وقوله سبحانه : ))وَجَاءَ رَبُّك(( (الفجر: من الآية22) وقوله : ((هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ))(البقرة: من الآية210) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فقول الله تعالى : ((وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ))   ((تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)). لا يفهم منهما أن لله صفة منفصلة عنه , كما قد يفهم بالنسبة للمخلوق , وهذا هو الذي تدل عليه النصوص,  فإن النفس هنا دالٌ على الصفة وعلى ذات الله سبحانه وتعالى التي لا تشبه ذوات المخلوقين .

ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر صفة أخرى فقال : (( وقوله سبحانه وتعالى : ((وَجَاءَ رَبُّك)), وقوله تبارك وتعالى : ((هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ)) )) .

وهاتان الآيتان دالتان على صفة المجيء والإتيان لله سبحانه وتعالى , وهما من الصفات الفعلية التي يتصف بها ربنا سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته . وأهل  السنة والجماعة يثبتون هاتين الصفتين , صفة المجيء,  وصفة الإتيان؛ لأن النصوص دلت عليهما من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم . قال الله تعالى : ((هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ )) , وفي آية أخرى : ))أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا (( (الأنعام: من الآية158) .

فقوله : ((يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ)) دليل على بطلان من تأول الإتيان والمجيء بمجيء أمره أو ملك ونحو ذلك؛ لأنه ميز بين إتيان الرب وإتيان الآيات, ولو كان إتيان الرب هو إتيان الآيات أو بعض عباد الله أو نحو ذلك كما يقول المتأولة , لما ذكره هنا وميزه , وهذا واضح الدلالة .

والمخالفون لمنهج أهل  السنة والجماعة يقولون : ((وَجَاءَ رَبُّك)) أي : وجاء أمر ربك ,    ((يَأْتِيَ رَبُّكَ))  أي ياتي أمر ربك , أو يأتي ملك من الملائكة أو غير ذلك, وهذا كله من باب التأويل الباطل, فإن هذه النصوص ومنها حديث الرسول  صلى الله عليه وسلم, قد

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دلت على أن الذي يأتي هو الله سبحانه وتعالى , وأن مجيئه وإتيانه كما يليق بجلاله وعظمته, لا يلزم منه لوازم النقص التي نعلمها عن المخلوقين .

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحديث الطويل المتعلق بيوم القيامة : (( حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين )) (1) . وهو نص صريح في أن الذي أتاهم هو رب العالمين سبحانه وتعالى, أما تأويلهم بأنه أمر ربك أو نحو ذلك فهو مخالف لهذه النصوص الصريحة , الدالة على أن الذي يتصف بها هو الله تبارك وتعالى .

بعض المتكلمين تأول مثل هذه الصفات الفعلية , وقال : لا يجوز إثباتها لله سبحانه وتعالى محتجاً بأن الصفات الفعلية التي هي المجيء , والإتيان, والاستواء, والنزول,  والغضب, والرضا ونحوها, يلزم منها حلول الحوادث بذات الله تعالى .

ومقصودهم بحلول الحوادث؛ أن كل جسم حلّت فيه الحوادث والتغيرات,

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سواء كانت هذه الحوادث , سقماً أو مرضاً أو نقصاً أ و نحو ذلك أو كانت أفعالاً , مثل حركة ومجيء ونزول وغير ذلك يكون حادثاُ .

فكل جسم حلَّت فيه هذه الأشياء فهو دليل على حدوثها , واستدلوا بذلك على حدوث العالم,  فقالوا : دليلنا على أن العالم حادث غير أزلي , وأن كلام الفلاسفة بأن العالم قديم باطل, هو أن هذا العالم فيه متغيرات , شمس , وقمر , وكوكب,  وأرض وإنسان وحيوان ونبات وأنها تتحرك وتتغير, فتغيرها وحلول الحوادث فيها يدل على أنها حادثة مخلوقة لله تعالى وليست أزلية .

وبعد أن قرروا هذه القاعدة واحتجوا بهذا الدليل وردوا به على الفلاسفة, وظنوا أنهم قصموا به ظهور الفلاسفة القائلين بقدم العالم, انتكس عليهم هذا الدليل لأنه دليل ضعيف . فقيل لهم : إذا قلتم : إن هذا الدليل صحيح, فقد دلت النصوص على أن الله سبحانه وتعالى أيضاً متصف بهذه الصفات, التي تسمونها أنتم حوادث , فالله لم يكن مستوياً على العرش,  فخلق العرش ثم استوى عليه, وهو ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا,  ويجيء يوم القيامة وهو تعالى يحب ويغضب ويرضى, وهذه يلزم منها التغيرات وحلول الحوادث, وهي من صفات الأجسام .

فلما اعترض عليهم بهذا الاعتراض قالوا : ننفي عن الله الصفات الفعلية ,فنفوها وردوا النصوص الكثيرة المتواترة , حتى يسلم لهم دليل حدوث الأجسام  إثبات حدوث العالم والرد على القائلين بقدمه , مع العلم أن هذه 

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القضية نشأت منذ زمن قديم قبل الأشاعرة والماتريدية؛ أي أنها نشأت منذ عهد ابن كلاب الذي كان سابقاً للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله . فإن ابن كلاب لما جاء كان الناس في عصره لعى طريقتين :

طريقة أهل  السنة والجماعة : يثبتون جميع الصفات دون أن يفرقوا فيها بين صفات الذات وصفات الفعل , الخبرية وغير الخبرية, صفات المعاني , وصفات الذات , لا يفرقون بينها بل يثبتون الجميع ؛ لأن منهجهم واحد, ولا فرق عندهم بين الصفات .

والقسم الثاني : هم الجهمية المعتزلة الذين ينفون عن الله جميع الصفات , لا يفرقون بين العلم والإرادة, والقدرة , والسمع, والبصر, والوجه, والاستواء , والنزول, واليدين , وغير ذلك . فينفون عن الله سبحانه وتعالى جميع الصفات .

ونظراً لأن ابن كلاب دخل في باب من أبواب علم الكلام, وهو الذي أشرنا إليه قبل قليل , وهو مسألة دليل حدوث العالم واقتناعه بذلك الدليل الباطل, فقد أتى بمذهب جديد , جمع فيه بين مذهب السلف ومذهب المعتزلة , فأثبت لله الصفات , لكن نفى عن الله ما يتعلق بمشيئته وإرادته, وسيأتينا - إن شاء الله تعالى - توضيح لذلك في إثبات صفة الكلام لله تبارك وتعالى, لكن المهم هنا أن أهل  السنة والجماعة رحمهم الله تعالى , يثبتون لله المجيء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته ويقولون : إنها صفات أفعال, فمجيئه إنما هو بمشيئته وإراته .

وقولـه : ((رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه)) (البينة: من الآية8) , وقوله : ((يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) (المائدة: من الآية54) وقوله في الكفار : ((وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم))          (الفتح: من الآية6) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن الصفات لله سبحانه وتعالى على اقسام ثلاثة :

النوع الأول : صفات ذاتية : يتصف الله بها أزلاً وأبداً, مثل صفات الحياة والعلم ونحوهما.

النوع الثاني: صفات فعلية : ليست أزلية وإنما هي متعلقة بإرادته ومشيئته , مثل استوائه على العرش, ومثل مجيئه يوم القيامة, ومثل نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر .

النوع الثالث : ما هو ذاتي وفعلي : مثل صفة الكلام لله سبحانه وتعالى , فالله متصف بصفة الكلام أزلاً , وهو أيضاً سبحانه وتعالى يتكلم إذا شاء متى شاء , فهو سبحانه وتعالى متصف بهذه الصفة منذ الأزل, وهو سبحانه وتعالى كلم موسى في ذلك الوقت ؛ أي بعد خلق موسى ووجوده , في ذلك المكان الذي ذكره الله سبحانه وتعالى بجانب الطور. وقبل ذلك لم يكلمه سبحانه وتعالى .

هذه الصفا ت التي ذكرناها قبل قليل ؛ صفة المجيء والإتيان, والصفات التي تليها, هي من صفات الفعل التي نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته , ونقول : هي متعلقة بمشيئته وإرادته .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( وقوله تعالى : ((رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه)) , وقوله تعالى : ((يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وقوله في الكفار : ((وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم)) )).

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صفة الرضا من الصفات التي يثبتها أهل  السنة والجماعة لله سبحانه وتعالى , وقد دلت عليها آيات كثيرة جداً .

وأيضاً ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم - أنه قال : " إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها , ويشرب الشربة فيحمده عليها "(1) . فالشاهد قوله : إن الله يرضى,  ومثله الحديث "إن الله يرضى لكم ثلاثاُ"(2) .

وأهل  السنة والجماعة يثبتون صفةالرضا كما يليق بجلال الله وعظمته,  وهي من صفات الأفعال, أي أن الله سبحانه تعالى يرضى عن عبده إذا شاء , وأخبر أنه يرضى عن عبده إذا فعل الطاعة.

وهذه الصفة, ومثلها صفة المحبة وغيرها, يثبتها أهل  السنة والجماعة رحمهم الله تعالى دون أن يتأولوها, ومن تاولها بأن المقصود بالرضا إرادة الإنعام, أو بالمحبة إرادة الإنعام ونحو ذلك, فهذا تأويل باطل لم يدل عليه دليل .

وأولئك تأولوا مثل هذه الصفة خوفاً من التشبيه , لأن الرضا أو المحبة صفة في المخلوق تدل على نوع من ميل القلب وانكساره فهي صفة ضعف ونقص وهذا الميل والانكسار إنما يليق بالمخلوق, والله تعالى منزه عن ذلك , ثم نفوا هذه الصفة وتأولوها بالإرادة ونهوها .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيقال لهم :نحن نثبت هذه الصفة وننزه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة صفات المخلوقين , و لكن ماذا تقول أنت إذاً في صفة ((الرضا)) و((المحبة )

فسيقول : إن الرضا يعني إرادة الثواب , والمحبة تعني إرادة الإنعام ونحو ذلك . فنقول لـه : لقدد فررت من شيء فوقت في مثله تما ماً ؛ لأنك قلت : إرادة الإنعام إرادة الثواب , فأنت أثبت لله سبحانه ((الإرادة )) ولا نعرف من الإرادة إلا ما هو من صفات المخلوقين, فهي ميل القلب إلى المراد,  إذا قيل : فلان يريد هذا هذا الشيء , أي أن قلبه يميل إليه , وهذا من صفات المخلوقين فيلزمك فيما فررت إليه نظير ما لزمك فيما فررت منه .

فأنت فررت من إثبات الرضا والمحبة, فيلزمك في الإرادة ما لزمك في المحبة,  فإن قلت : أنا اثبت الصفات السبع , ومنها صفة الإرادة , وقولي : إرادة الإنعام أثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته , ولا يلزم منها مشابهة المخلوفين .

نقول : ونحن نقول لك أيضاً في صفة الرضا وصفة المحبة , نحن نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته, ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين , وهكذا كل من تأول صفة من صفات الله تعالى , فإنه يلزمه فيما فرّ إليه نظير ما لزمه فيما فرّ منه , ولا يمكن أن ينفك عنه أي متأول أبداً , حتى المعتزلة الذين نفوا عن الله سبحانه وتعالى جميع الصفات خوفاً من تعدد القدماء .

فإذا قالوا : ننفي عن الله الصفات حتى نوحد الله , وحتى لا تقع فيما قاله النصارى من تعدد الآلهة : الأب , الابن , روح القدس إلى آخره نقول للمعتزلة : أنتم تنفون عن الله جميع  الصفات وتسمّون نفيكم هذا توحيداً ,

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتنزيهاً لله عن مشابهة المخلوقين , فماذا تقولون في الله : هل الله موجود أم غير موجود ؟ فإن قالوا : الله غير موجود . ظهر كفرهم وانتهى الكلام معهم- لأنهم على ذلك ينكرون وجود الله سبحانه وتعالى .

وإن قالوا : الله موجود-  وهم يقولون به - فإننا نقول لهم : والمخلوق أيضاً موجود , فإذا كنتم تفرون من تشبيه الله بخلقه, وتولون إننا ننفي عن الله الصفات حتى لا نجعل مع الله غيره ,فأنتم ملزمون بذلك أيضاً في صفة الوجود لله سبحانه وتعالى, فإن قالوا : نحن نقول : إن الله موجود,  لكن وجود الله ليس كوجود المخلوق الذي هو حادث ممكن الوجود, قابل للعدم, والله سبحانه وتعالى موجود  وجوداً يليق به, فهو وجودٌ  واجب أزلي, لا يبقل العدم .

فنقول لهم : لله وجود يخصه لا يشبه وجود المخلوقين , فكذلك قولوا في بقية الأسماء والصفات , لله إرادة لا تشبه إرادة المخلوقين , وله علم لا يشبه علم المخلوقين , وله سمع لا يشبه سمع المخلوقين وهكذا . وكُلُّ من سلك باباً من أبواب التأويل, فلا بد أن يتناقض قوله .

قال الشيخ هنا : (( وقوله : ((يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) (المائدة: من الآية54) )) , صفة المحبة وردت في أكثر من آية من كتاب الله سبحانه وتعالى , ووردت في أحاديث كثيرة , منها حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع علي بن ابي طالب رضي الله عنه , لما قال في خيبر (( لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله ))(1) , وبقية

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القصة معروفة ؛ حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب رضي الله عن . والشاهد منها قوله :(( ويحبُّه الله ورسوله )) فيه دليل على إثبات صفة المحبة لله تعالى على ما يليق به, وتأويلها بالإرادة ونحوها باطل كما سبق .

ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى قول الله تعالى في الكفار : ((وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم)) وهذا يدل على إثبات صفة الغضب لله سبحانه وتعالى , وأهل  السنة والجماعة يثبتونه كما يليق بجلاله وعظمته , والأدلة عليه من كتاب الله ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة معروفة , كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن الله كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي "(1) , وفي بعض الروايات : " سبقت غضبي "(2),  وهذا في الصحيحين وغيرهما, فهذه النصوص دالة على إثبات صفة الغضب لله كما يليق بجلاله وعظمته, وأهل  السنة لا يفرقون بين الغضب وغيره من الصفات .

لكن بعض أ هل الكلام قال : كيف نثبت لله صفة الغضب ونحن لا نعرف إلا غضب المخلوق , وهو غضب ناتج عن ضعف, حيث يغلي دم قلبه , ثم يتأثر ويحمر وجهه ويحتقن , ويبدأ يتفوه بكلمات تدل على غضبه , هذا هو غضب المخلوق, فكيف نثبت لله سبحانه وتعالى هذه الصفة ونحن لا نعقل ولا نفهم إلا صفة المخلوق ؟

والجواب على ذلك كالجواب عما سبق . نقول لهم : نحن نثبت لله صفة 

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله : ((اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّه)) (محمد: من الآية28) .

وقوله : ((كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُم)) (التوبة: من الآية46)

الغضب كما يليق بجلاله وعظمته,  ولا نقول : إن غضبه يشبه غضب أحدٍ من المخلوقين , كيف والمخلوقون أنفسهم يتفاوتون في غضبهم , فغضب مالك خازن النار ليس كغضب الواحد من الناس, فنحن نثبت لله الصفة كما يليق بجلاله وعظمته, ولا يلزم منها أن يكون غضبه مشابهاً لغضب المخلوقين .

فإذا قال المتأول لهذه الصفة : غضبه : إرادة الأنتقام.  نقول لـه كما قلنا في صفة المحبة : نحن لا نعلم من الإرادة إلا إرادة المخلوق التي هي ميله إلى الانتقام , فهذا الميل القلبي هل تثبته لله سبحانه وتعالى كما هو موجود في المخلوقين ؟

فسيقول : لا,  ولكني أثبت لله إرادة تليق بجلاله وعظمته, ولا يلزم إذا كان المخلوق لـه هذه الصفة أن تكون مشابهة لصفة الله سبحانه وتعالى.  فنقول : ونحن نقول في صفة كما يليق بجلاله وعظمته ولا يلزم منه أن يكون مثل غضب المخلوقين فيلزمك فيما فررت إليه نظير ما لزمك فيما فررت منه .

ومثله أيضاً الصفة التي ذكرها الشيخ في قوله تعالى : ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ ))(محمد: من الآية28) حيث استشهد بجزء من هذه الآية وهو قوله :  (( اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ)) حيث دلت على صفة السخط التي نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته, ونقول فيها :إن الله سبحانه وتعالى يسخط على أهل  المعاصي , ونقول هذه المعاصي هي مما يسخط الله سبحانه وتعالى.

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم : " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال في الدعاء المشهور (( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ))(1) . فهذا يدل على أن الله متصف بهذه الصفة كما يليق بجلاله وعظمته ولا نتأولها .

ومثله أيضاً قوله رحمه الله : وقوله تعالى : ((كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُم)) (التوبة: من الآية46) صفة من صفات الله تعالى تدل على أن الله سبحانه وتعالى يكره الأمور التي تغضبه كالمعاصي , كما أن الله كره انبعاث هؤلاء المنافقين وخروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد في سبيل الله؛ نظراً لما يترتب على خروجهم من الفساد والفتنة.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصفة قوله عليه الصلاة والسلام : "إن الله كره لكم ثلاث : قيل وقال , وكثرة السؤال , وإضاعة المال"(2) . وهذا في صحيح البخاري . فقوله : كره لكم يدل على إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته . ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى انتقل بعد ذلك إلى السنة,  فقال (( ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم " ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيـا " )) . قوله : ومن السنة , يدل على منهج الشيخ رحمه الله تعالى , وهو المنهج الموافق للسلف رحمهم الله تعالى حيث إنهم يحتجون بالسنة, وبأخبار

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآحاد في باب العقيدة, وقد سبقت الإشارة إلى هذا , فأهل  السنة والجماعة يثبتون لله ما أثبته لنفسه أثبته لـه رسوله صلى الله عليه وسلم,  فما اثبته رسوله من الصفات يثبتونه, ومن ذلك صفة النزول , التي دلت عليها الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم , والتي فيها : "أن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجيب له , من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر لـه حتى يطلع الصبح "(1) .

وصفة النزول لله سبحانه وتعالى,  إنما وردت في السنة,  والسلف رحمهم الله تعالى حدثوا بهذه الأحاديث ورووها , واثبتوا ما دلت عليه كما يليق بجلاله وعظمته , ولا تلزم منها اللوازم الباطلة الي توهمهما المخالفون لهم من المعطلة والمشبهة, وقد ألَّف العلماء رحمهم الله تعالى كتباً مستقلة في إثبات النزول لله تبارك وتعالى , وهذه الكتب دالة على عناية السلف بهذه الصفة , نظراً لأنها متواترة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولأن كثيراً من المتكلمين بل عامة المتكلمين تأوَّلوا هذه الصفة بتأويلات باطلة, مثل قولهم : إن الذي ينزل هو أمره أو رحمته, أو إن الذي ينزل ملك من الملائكة , وقد رد عليهم السلف رحمهم الله تعالى وبينوا أن هذه الأحاديث إنما دلت على إثبات صفة  النزول لله سبحانه وتعالى دون أن تشبه بصفات المخلوقين, ومن ثم فلا يجوز تأويلها . وأحب أن أقف وقفة مع صفة النزول لله سبحانه وتعالى فإن بعض الناس قد يخطر بباله خواطر تتعلق بهذه الصفة, ومنها كون جميع البلاد فيها

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثلث الليل الآخر , ومنها أن الله عظيم أكبر من المخلوقات,  فيكف ينزل إلى سماء الدنيا؟ 

والجوا ب على ذلك : أن هذه الخواطر إنما نشأت من توهم التشبيه , أي من توهم أن صفات الله مثل صفات المخلوقين,  وهذه هي العلة التي نفى بها المنحرفون صفات الله , فإذا تأول صفة الكلام, أوصفة الوجه, أو اليدين لله سبحانه وتعالى, أو نحو ذلك , فإنك تجده شبه أولاً حيث قرأ الآية, فلما قرأها لم يفهم منها إلا ما هو من صفات المخلوقين,  ثم إنه لما شبَّه صفة الله بصفات خلقه, واستقر هذا في ذهنه, فكّر فقرر أن هذا لا يليق بالله . فقال : إذاً نتأول هذه الصفة وننفيها عن الله سبحانه وتعالى لأن إثباتها يلزم منه التشبيه فوقع في التعطيل ثانياً . لكن لوأنه عندما وردت إليه نصوص الصفات عظم الله حق تعظيمه , ونزهه عن التشبيه لأثبتها منذ البداية , دون أن يكيفها , أو يشبهها بصفات المخلوقين , ولكان منذ البداية مثبتاً لها .

فمثلاً نقول فيما يتعلق بصفة النزول : إن الأوهام والخواطر التي تخطر بالبال,  إنما نشأت من قياس الله بخلقه أو تشبيه الله بخلقه فيظن الظان مثلاً أن الله سبحانه وتعالى يقال في نزو لـه مثل ما يقال عن كوكب من الكواكب : إذا كان بعيداً ثم نزل, حيث تصبح السماء فوقه ويكون في جو الأرض ونحو ذلك . وهذا خطأ ناشئ من أن الإنسان ما عظم ربه حق تعظيمه ولا فهم أن الله سبحانه وتعالى لا يقاس بخلقه, يقول الله تبارك وتعالى : ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ                               

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)) (الزمر: من الآية67) .

إذا كانت السموات مطويات بيمينه, وإذا كانت الأرض قبضته يوم القيامة, وإذا كانت السموات السبع والأرضون السبع في يد الرحمن كخردلة في يد أحدكم , إذن كيف يأتي إنسان ويفهم أنه إذا نزل تصبح السموات فوقه ؟ أو يصبح العرش فوقه ؟

إن نزول الله تبارك وتعالى هو نزول يليق بجلاله وعظمته , ولا يشبه نزول المخلوقين , ولا يبزم منه أن يكون العرش فوقه, أو السموات فوقه , بل الله سبحانه وتعالى ينزل كما يليق بجلاله وعظمته , ولا نعلم كيفية نزوله .

فإذا قال قائل : كيف ينزل ؟ نقول : كيف هو ؟ فسيقول : أنا لا أعرف ذاته .

نقول كذلك أيضاً : نحن لا نعرف كيفية صفاته سبحانه وتعالى . إذن فأي لازم باطل يظنه الظان فيما يتعلق بنزوله سبحانه  وتعالى هو غير لازم بالنسبة لله تبارك وتعالى . هذه مسألة .

والمسألة الثانية : مسألة اختلاف الليل والنهار ؛ فنقول : نحن نقطع يقيناً بأننا ونحن في هذا البلد حين يأتي ثلث الليل, فإن الله ينزل ونزوله يدل على قربٍ, كما أن نزوله سبحانه وتعالى عشية عرفة يدل على قربه تبارك وتعالى من أهل  عرفة, وهذا القرب هوكما يليق بجلاله وعظمته, لكن نثبته لله سبحانه وتعالى حقيقةً ولا نتـأوله, فنحن نقطع بأنه في ثلث هذا الليل ينزل ربنا , وكذلك أيضاً في البلد الآخر الذي سكون ثلث ليلهم الآخر بعد ساعة أو ساعتين , نقطع أيضاً بأنه سبحانه ينزل كما يليق بجلاله وعظمته , والله سبحانه وتعالى لا يقاس بخلْقه .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأيضاً فإنك لو تأملت في القضية الزمنية بالنسبة لليل والنهار تجدها محددة ومتعلقة بالشمس والأرض وما يتعلق بمجرَّاتها , وما فوق ذلك من عالم المجرات والسموات فلا نعلم عنه شيئاً,  ومن ثم فكون الإنسان يفهم هذا الفهم, ثم يأتي ليقيس , نقول: هذا فهم خاطئ ؛ لأنه فهم قاصر محدود غير معظم لله تبارك وتعالى .

ودعوني أضرب لكم مثالاً يُبيّن أن الله سبحانه وتعالى لا يقاس بخلقه؛  نحن جميعاً نعلم أن الإنسان منا متصف بصفة السمع والله سبحانه وتعالى متصف بصفة السمع كما يليق بجلاله وعظمته . تعالوا إلى صفتنا نحن ماذا نستطيع أن نسمع حينما تتعدد الأصوات ؟ كم صوت نستطيع أن نسمعه ؟

إذا تكلم أمام الواحد منها شخص واحد, فإنه يسمعه ويميز كلامه, أما إذا تكلم اثنان في وقت واحد بكلامين مختلفين , فإنه قد يسمعهما ويستطيع أن يميز كلام كل واحد منهما ولكن بصعوبة .

لكن لنفرض أن أمامه عشرة أشخاص كل منهم يتكلم بكلام في قضية مختلفة عن الآخر وفي وقت واحد , هل يستطيع الإنسان أن يميز كلام , كل واحد منهم ؟ الجواب : لا يستطيع ذلك ,بل إذا كان يمكنه  أن يميز صوت واحد منهم لرفعه صوته أو لقربه منه , فإنه لا يستطيع أن يميز بقية الأصوات .

لنفترض أن أمامه ألف شخص كلهم يتكلمون في وقت واحد وفي موضوعات مختلفة,  فمن المستحيل عليه أن يميز كلام كل واحد منهم ؛ لأن الإنسان يعجز عن ذلك تمام العجز .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكن الله تبارك وتعالى لـه الكمال المطلق في سماعه وإحاطته بجميع الخلائق . فإن الناس يجتمعون في يوم عرفة مثلاً وهم أكثر من مليون شخص,  يتكلمون بلغات مختلفة , فهذا يدعو, وهذا يسأل,  وهذا يصلي , وهذا يلبي , ومع ذلك يسمع الله تعالى كل واحد منهم ولا يعجزه كثرتهم أو تعدد لغتهم أو اختلاف مسائلهم سبحانه وتعالى .

وفي غير عرفات أيضاً يجلس ويصوم من غير الحجاج مئات الملايين من الناس , وبالنسبة للحجاج كلهم واقفون بعرفات, وكلهم قد رفعوا أكف الضراعة يدعون ربهم تبارك وتعالى بمختلف أنواع الدعاء وعلى اختلاف اللغات , ومع ذلك هل يغيب عنه شيء ؟ هل يغيب عن سمعه شيء ؟ إن الله تعالى يسمعهم جميعاً ويجيبهم واحداً واحداً دون أن يشغله سمع عن سمع تعالى وتبارك .

إذن لو جاء قائل وأدخل عقله في القضية وقال : كيف يسمع ربنا تبارك وتعالى ؟ وكيف يمكن أن يسمع هذه الأشياء كلها بمختلف اللغات من ملايين الأشخاص ؟ نقول : نعم ربنا سبحانه قادر على كل شيء . وهنا يظهر موطن العجز بالنسبة للمخلوق والكمال للخالق , فالله سبحانه وتعالى متصف بصفة السمع , وصفة السمع تليق به ولا تشبه صفات المخلوقين .

كذلك أيضاً لو قال قائل : كيف ينزل والكرة الأرضية يستمر الوقت فيها ؟ نقول : نعم ينزل ربنا تبارك وتعالى في ثلث الليل الآخر كما يشاء سبحانه, ونزوله سبحانه وتعالى ليس كنزول المخلوقين , كما أن ذاته سبحانه لا تشبه

وقوله (( يَعْجبُ ربُّك من الشابِّ ليست له صبوة )).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذوات المخلوقين , فهذا اللازم الذي ذكرتموه باطل لأنه مبني على تشبيه الله سبحانه وتعالى بخلقه .

وقد ورد في الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم " أن الله سبحانه وتعالى يحاسب العباد يوم القيامة في ساعة " وتصوروا كم عددهم ؟ لا يعلم عددهم إلا الله,  ومع هذا يحاسبهم في ساعة,  ويحاضر كل واحد منهم بمفرده محاضرة خاصة , يقرره تبارك وتعالى بذنوبه. كيف يتم هذا ؟بالنسبة لنا نحن البشر لا نستطيع أن نتصوره لعقولننا القاصرة,  ولكن نؤمن به ونصدق؛ لأنه من صفات العليم الخبير سبحانه وتعالى .

إذن أهل  السنة والجماعة يثبتون لله صفة النزول ويقولون : إن نزوله حقيقي يليق بجلاله وعظمته, ويعلمو ن ويوقنون وهم في ثلث الليل الآخر أن الله قريب منهم,  ومن ثم تتحرك قلوبهم وتدمع أعينهم, ويحسُّ الواحد منهم في هذا الوقت بقرب عظيم من ربه سبحانه وتعالى؛ لأنه يوقن بأن الله تبارك وتعالى كما أخبر عن نفسه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم قد قرب منهم, وأنه نزل تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته لا يشبه نزول المخلوقين, أما من لم يثبت هبذه الصفة على منهاج السلف فهو معطل ليس له منهذه العبادة والفضل العظيم من نصيب .

ثم قال الشيخ رحمه الله : (( وقوله : (( يعجب ربُّك من الشاب ليست لـه              صَبْوة )) )) (1) ومعنى الحديث أن الله سبحانه وتعالى يعجب من شاب, على

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوته ونشاطه, ورغباته وشهواته المتعددة,  لا تكون لـه صبوة, أي لا يكون لـه ذنب,  ولا يرتكب كبيرة , ولا معصية .

وهذه الصفة لله سبحانه وتعالى هي كما يليق بجلاله وعظمته . لكن هذا الحديث في حد ذاته تكلم فيه العلماء , فهو حديث رواه الإمام أحمد في المسند, والطبراني وغيره, لكنه ضغيف وإن قواه بعض العلماء كالسخاوي في كتابه المقاصد الحسنة.  ويغني عنه دليلان : أحدهما : في كتاب الله تعالى , والثاني : في صحيح البخاري .

فأما الذي في كتاب الله تعالى : فقول الله تبارك وتعالى : ((بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ)) (الصافات:12) على قراءة ضم التاء,  وهي قراءة سبعية صحيحة قرأ بها حمزة وخلف والكسائي,  ومن ثم فإنها قراءة صحيحة .

وأما الذي في السنة : فقد ورد في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قصة الصحابي الذي أعم هو وزوجه ضيفهم في الليل حين استضافوه وليس معهم من الطعام ما يكفي , فأطفأوا السراج وأوهموه أنهم يأكلون, وتركوا الضيف يأكل حتى شبع , ثم غدا هذا الصحابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال النبي صلى الله عليه وسلم له " لقـد عجـب ربـك أو ضحـك ربـك من فلان وفلانة "(1). فقوله : " عجب " نأخذ منه ومن الآية, ومن غيرها من الأحاديث إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى التي هي صفة العَجَب .

 والعَجَبُ والتعجُّب ينشأ أحياناً من الجهل,  مثل كون الإنسان يعجب من

وقوله : "يَضْحَكُ الله إلى رجلين قَتَلَ أحدهُما الآخَرَ ثم يدخلانِ الجنة ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صنعة, أو من قوة معينة لآلة أو شخص , وأحياناً يكون العجب لأمرٍ آخر , وهو كون هذا الشيء جاء على صفة غير معروفة وغير متوقعة , وإن كان الإنسان لا يجهلها .

أما بالنسبة لله سبحانه وتعالى فإننا نثبت لـه هذه الصفة كما يليق بجلاله وعظمته , ولا تقاس بصفة المخلوقين, وليس عجبه كعجب المخلوقين؛ عجب المخلوقين قد ينشأ أحياناً من الجهل, وأحياناً من قلة الفهم , لكن عجب ربنا سبحانه وتعالى هوصفة تليق بجلاله وعظمته , لا يترتب عليها جهل, ولا يترتب عليها عدم إدراك ومعرفة بهذا المتعجب منه , بل هي صفة تليق بجلاله وعظمته .

كما في الحديث السابق : صحابيان أطعما ضيفهما , وتركا نفسيهما , والله سبحانه وتعالى عليم بهما , مطلع عليهما , فيقول الرسول  صلى الله عليه وسلم: " عجب ربك من صنيعكما البارحة "-  وفي رواية : " ضحك ربك من صنيعكما البارحة " فعجبه سبحانه وتعالىليس ناشئاً عن جهل, وإنما هو عجب يليق بجلاله وعظمته .

وهذه الصفة نثبتها لله سبحانه تعالى كغيرها من الصفات , ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين .

كذلك أيضاً قول ابن قدامة : (( وقوله " يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر,  ثم يدخلان الجنة " ))(1) . فُسرِّ هذا الحديث بأن أحدهما مسلم والآخر كافر , فيقتل الكافر المسلم,  ثم إن الكافر يتوب إلى الله تعالى, ويدخل

فهذا وما أشْبَههُ؛ مِمَّا صَحَّ سَنَدُه , وعُدِّلت رواتُهُ نؤمنُ به , ولار نردُّه ولا نجحدُه,  ولا نتأولُه بتأويلٍ يخالفُ ظاهرَهُ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الإيمان والإسلام, ويحسن عمله , فيدخلان الجنة؛ القاتل والمقتول .

وصفة الضحك نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته وليس ضحكه سبحانه وتعالى كضحك المخلوقين , فلا نشبه , ولا نتأول , ولا نكيف, وإنما نثبت لـه هذه الصفة؛ لأن الذي أخبرنابها وأثبتها لـه هو أعلم الناس بربنا سبحانه وتعالى , وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم , فهذه الصفة يقال فيها مثل ما يقال في صفة السمع , أو القدرة , أو العلم , أوغيرها , نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته ؛ لأنها وردت في النصوص الصحيحة وصفاً لـه تعالى , وليست وصفاً لبعض مخلوقاته كما يتأوله أهل  التعطيل , مثل قول بعضهم : إن الضحك هو ضحك بعض مخلوقاته. أو غير ذلك من التأويلات فهي مخالفة للنصوص ولمنهاج السلف .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعُدِّلَتْ رواتـه )),  هذا قيدٌ مهم جداً؛ أي أننا لا نثبت الصفات من هذه الأحاديث , إلا إذا كانت هذه الأحاديث ثابتة بطرق صحيحة, رواتها عدول ثقات, ليس فيها انقطاع , وليس فها شذوذ , ولا علل, وإنما هي روايات صحيحة ثابتة .

ثم قال : (( نؤمن به )) وهذا منهج السلف الصالح , (( ولا نرده , ولا نجحده , ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره )) لا نرده كما رده بعض الذين يردون أخبار الآحاد ويقولون : لا نقبلها في باب العقيدة. وكذلك أيضاً لا نجحده , أي لا ننكر وننفي ما ورد منها ما ثبت بطرق صحيحة كما فعله بعض أهل  التعطيل والكلام , بل نثبت ما ورد ونقول به ونرويه .

ولا نشبهُهُ بصفاتِ المخلوقين,  ولا بسماتِ المحْدَثين . ونعلم أن الله سبحانهُ لا شبيهَ لـه ولا نظير (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) (الشورى: من الآية11)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكذلك أيضاً قال : (( ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره )) رد على من يقبل السنة لكنه يتأولها ؛ لأن بعض أهل  الكلام وبعض المؤولة يقبل السنة ويقول : لا نرد هذا الحديث بل نثبته ؛ لأنه وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم,  لكنه يتأوله ويصرفه عن معناه إلى معانٍ أخر تخالف ظاهره .

فإذا جاء الحديث دالاًعلى صفة من صفات الله سبحانه تعالى , فهو لا يرده رداً كاملاً , وإنما يرده رداً معيناً بمعنى أنه يتأوله ذلك التأويل الذي يؤدي إلى نقض ما دلّ عليه من معنى , وتحريف ما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أخرنا بهذا الحديث وأمثاله .

ثم قال بعد أن رد على أهل  التأويل : (( ولا نشبهه بصفات المخلوقين )) وهذا من أصول منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى يثبتون الصفة, ولا يشبهون الله سبحانه وتعالى بصفات المخلوقين , (( ولا بسمات المحدثين )) ألأي علامات المحدثين . والمحدثون : هم المخلوقون سواء كانوا بشراً, أو ملائكة, أ و نجوماً , أو حجارة, أو غير ذلك .

فأهل  السنة والجماعة لا يشبهون الله سبحانه وتعالى بشء مـن ذلـك قـال : (( ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير )) فلا شبيه لـه سبحانه وتعالى ولا نظير لـه,  ولا مثيل ولا ند,  قال سبحانه وتعالى - كما استشهد هنا-  )) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(( (الشورى: من الآية11) فنفى عن الله سبحانه

وكلُّ ما تُخُيِّل في الذهنِ أو خطر بالبالِ فإن الله تعالى بخلافِه . ومن ذلك قوله تعالى :   ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) (طـه:5)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 وتعالى المثل, وأثبت لله الصفات التي تليق به مستشهداً باسميه سبحانه وتعالى : السميع البصير , وهما دالان على صفة السمع وصفتة البصر لله سبحانه وتعالى.

وهذا هو منهج أهل  السنة  والجماعة رحمهم الله تعالى . وقد سبق بيان ذلك .

ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى قال : ((وكلُّ ما تُخُيِّل في الذهنِ أو خطر بالبالِ فإن الله تعالى بخلافِه)) وهذا لنفي التكييف, أي أن البشر لا يستطيعون أن يكيفوا ذاته ولا صفاته , وكل ما خطر بالبال أو توهمه الإنسان في صفة من صفات الله سبحانه وتعالى , فإن الله تبارك وتعالى لا شك هو بخلاف ذلك؛  لأن الله تعالى لا يعلم ذاته إلا هو , ولا يعلم صفاته أي حقيقة صفاته غإلا هو سبحانه وتعالى .

فأهل  السنة والجماعة لا يكيفون,  ومهما بلغت خيالات الإنسان ليثبت لله سبحانه تعالى ويكيف صفة من صفاته , فإن الإنسان لا يستطيع ذلك , بل الله سبحانه وتعالى أعظم وأجل مما خطر بالبال,  وهذا منهج أهل  السنة والجماعة .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( ومن ذلك قوله تعالى : ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ   اسْتَوَى)) )) الضمير في قوله : (( ومن ذلك )) عائد إلى ما سبق قبل قليل وخاصة قوله : (( وكل ما تُخُيل في الذهن أو خطر بالبال , فإن الله تعالى بخلافه وصفة الاستواء لله سبحانه وتعالى دل عليها قوله تعالى : ((الرَّحْمَنُ

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) , وآيات أخرى كثيرة .

وهذه الصفة قد يخطر ببال الإنسان أن استواء الله على العرش كاستواء المخلوق, أو أن الله محتاج إلى العرش كاحتياج الخلق أو احتياج الملك إلى سرير ملكه,  فقال هنا : ((ومن ذلك )) أي ومن ذلك الذي نثبته لله ولا يكون شبيهاً بصفات المخلوقين , ولا نتخيل ولانتوهم هذه الصفة بأي خيال أو بأي توهم,  لأن الله بخلاف ذلك - صفة الاستواء لله سبحانه وتعالى التي دل عليها (( قوله تعالى : ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ   اسْتَوَى)) .

وصفة الاستواء لله سبحانه وتعالى ثابتة جاءت في سبعة مواضع من القرآن الكريم دلت على إثبات صفة الاستواء على العرش منه قوله تعالى : ((وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ )) (هود: من الآية7),

كما وردت هذه الصفة في سورة الأعراف, وفي سورة طه , وفي سورة الحديد وفي غيرها .

وأهل  السنة والجماعة يثبتون لله تبارك وتعالى صفة الاستواء كما يليق بجلاله وعظمته,  وهي دالة على علوَّه تبارك وتعالى , وقد فسَّر السلف رحمهم الله تعالى الاستواء بقولهم : إن معنى استوى : علا , وارتفع , وهذه الصفة التي هي صفة الاستواء دالة على هذه المعاني, فإن الله تبارك وتعالى عال على خلقه, فهي دالة على صفة العلو لله سبحانه وتعالى التي هي صفة قائمة بالله أزلًاو أبداً,

 كما دل عليها السمع والعقل والفطرة , وهذا أحد الفروق بين الاستواء والعلو مع أن الاستواء أحد أدلة العلو .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كذلك أيضاً صفة الاستواء دالة على أن الله سبحانه وتعالى متصف بالصفات الفعلية,  أي أنه سبحانه وتعالى مستوٍ على العرش كما يليق بجلاله وعظمته , وان استواءه تبارك وتعالى من صفات فعله, ولهذا فإن استواءه بعد خلق السموات وبعد خلق العرش , كما يدل على ذلك التعبير بقوله (( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)) (الفرقان: من الآية59),  وكلمة ((ثم )) تتدل على التأخير, فإن الله سبحانه وتعالى ليس مستوياً على العرش في الأزل , وإنما استوى على العرش بعد خلق العرش وبعد خلق السموات والأرض كما قال : ((الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى    الْعَرْشِ)) (الفرقان: من الآية59) , وهذا الإثبات لهذه الصفة هو إثبات من غير تكييف,  ولا تمثيل , ومن غير تحريف , ولا تعطيل , وإنما هو إثبات لصفة الاستواء كما يليق بجلاله وعظمته .

أما المخالفون لأهل  السنة والجماعة فإنهم حرفوا وأوَّلوا فقالوا : صفة الاستواء يلزم منها مشابه الله للمخلوقين, فيلزم منه أن يكون الله سبحانه وتعالى شبيهاً بالمخلوق إذا جلس على كرسي أو نحو ذلك. فصاروا إلى التأويل وقالوا : معنى قول الله تبارك وتعالى : ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) : استوى بمعنى استولى .

ولكن اللغة العربية لا تسعفهم في هذا التأويل ولو بوجه بعيد ؛ حيث إن الاستواء في اللغة جاء معنى العلو والارتفاع على الشيء,  وهو نوعان : مطلق ومقيد , فالمطلق ما لم يتعد بحرف كقوله تعالى : ((وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى )) (القصص: من الآية14) فهذا مهناه : كمل وتم, والمقيد بإلى كقوله : ))ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 السَّمَاءِ)) (البقرة: من الآية29) ,أو بعلى كقوله : ((لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه)) (الزخرف: من الآية13) فهذه بمعنى  العلو والارتفاع بإجماع أهل  اللغة,  أو بالواو التي هي واو مع نحو قولك : استوى الماء والخشبة أي : ساواها .

فليس في اللغة العربة استوى بمعنى استولى . فما ضاقت بالمتكلمين المضايق اخترعوا بيتاً من الشعر نسبوه للأخطل النصراني ليس مشهوراً عنه ولا يوجد في ديوانه وهو    قوله :

قد استوى بشر على العراق     من غير سيف أو دم مهراقِ

قالوا : أن معنى قوله : قد استوى بشر على العراق, أن بِشْراً الأمير مَلَكَ العراق واستولى عليه فيكون الاستواء بمعنى الاستيلاء ,

وهذا التأويل الذي تأولوه لهذه الصفة الثابتة لله تأويل باطل لأمور منها :

أولا : إذا كان لفظ الاستواء, أي استواء الله علىا العرش ورد في القرآن العظيم في سبعة مواضع , فماذا لم يأت في موضع واحد منها يبين فيه أن استوى بمعنى استولى ؟

ثانياً : إن تأويلهم استوى بمعنى استولى , تأويل بعيد ومخالف لما تقتضيه اللغة العربية,  لأنه لم يرد في اللغة العربية هذا اللفغظ بهذا المعنى,  أما بيت الشعر الذي استشهدتم به فمن قاله ؟ وأين يوجد ؟ وإلى أي عربي ينسب؟ ليس عندهم جواب إلا : قيل وروي . ثم يوردون هذا البيت .

بل لو قاله أحد العرب أو أحد الشعراء المعروفين فإنه لا حجة فيه في مقابل أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثالثاً : إن قولكم استوى بمعنى استولى لا يصح في سياق الآية, لأنه لا يقال : استولى,  إلا إذا كان هناك مغالب, فإذا قلنا : استوى بشر على العراق بمعنى استولى عل العراق بيدل على أنه كان قبله حاكم آخر فغلبه واستولى عليه .

فإذا كان هذا صحيحاً فإن قوله تعالى : (( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)) إذا تأولوه بمعنى استولى عليه , يدل على أن العرش كان مملوكاً قبل ذلك لغير الله, ثم إن الله ملكه بعد ذلك واستولى عليه, فهل يمكن أن يقول بذلك عاقل ؟

فالقول بذلك يؤدي إلى أن يكون هناك مغالب لله تبارك وتعالى في ملكه,  فغلبه الله واستولى على هذا العرش منه , سواء قيل  أن العرش مخلوق معين, أوأنه هو الملك كما يدعي هؤلاء - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .

فلهذه كالأمور ولغيرها - وقد فصلها العلماء,  ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى حيث نقض هذا التأويل بأكثر من عشرة أوجه (1) - يتبين بها أن تأويل هؤلاء لا ستوى بمعنى استولى إنما هو تأويل باطل,  وزيادة زادوها , ولهذا شبهها بعض العلماء بزيادة بني إسرائيل من اليهود حين قال الله لهم: ((وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ)) (البقرة: من الآية58).  فأمرهم الله أن يدخلوا ساجيدن أي راكعين, وأن يقولوا : حِطَّة : أي حُطَّ عنا خطايانا, فعكس هؤلاء اليهود الأمر الإلهي وعصوا؛ حيث دخلوا من قبل أستاهم أي من خلفهم وهم يقولون : حنطةٌ في شعير . فَنُون اليهود زادوها في حطة,  ولام المتكلمين زادوها في استوى فقالوا : استوى بمعنى استولى , وهذا يدل على أن المنبع

وقوله : ))أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء(( (الملك: من الآية16) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قريب من بعضه , نسأل الله السلامة والعافية؛ فهو تحريف للكتاب , وتأويل لـه,  وبعد عما كان فيه السلف الصالح رحمهم الله تعالى .

والعرش في اللغة العربية سرير الملك,  وفي الاصطلاح : هو عرش الله تبارك وتعالى , وهو مخلوق عظيم جدا , خلقه الله تبارك وتعالى , وهو أعلى المخلوقات,  وهو سقفها,  وتحمل الملائكة,  كما قال الله تبارك تعالى :  )) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ (((غافر: من الآية7) , وكما قال ربنا عن يوم القيامة : ((وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ)) (الحاقة: من الآية17),  فهو عرش عظيم جدا, أعظم من السموات وما فيها , وهو أعلى المخلوقات وهو سقفها .

والله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه استوى على هذا العرش, استواءً يليق بجلاله وعظمته , لا يلزم من أي لازم باطل , فلا يلزم منه أن الله محتاج إلى هذا العرش , ولا أنه إذا عدم هذا العرش يسقط من عليه, تعالى الله عما يتوهمه المتوهمون علواً كبيراً , بل هو اسواء يليق بلجلاله وعظمته .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : وقوله تعالى : ((أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)) من هذه الآية وما بعدها من الأدلة ,

بدأ الشيخ يتحدث عن مسألة كبرى ؛ ألا وهي مسألة إثبات العلو لله سبحانه وتعالى,  وصفة العلو لله سبحانه وتعالى من القضايا الكبار في العقيدة الإسلامية التي قررها الأئمة سلفاً وخلفاً,  ومن القضايا الكبار التي خاض فيها المتكلمون قديماً وحديثاً .

وإن الإنسان ليصيبه أشد الحزن حينما يرى كثيراً من الناس, بل كثيراً من المنتسبين للعلم ممن لم يدرس ويتفهم عقيدة السلف الصالح , لايقر بهذه

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحقيقة الكبرى , قضية إثبات أن الله سبحانه وتعالى في جهة العلو في السماء وأنه فوق المخلوقات , فلقد ماج المتكلمون منذ القرن الأول وإلى عصرناالحاضر في هذه القضية التي جاء الدليل عليها في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بما يزيد على أكثر من ألف دليل .

وهذه حقيقة تدل على أهمية مدارسة منهج السلف الصالح , وتربية الأمة عليه,  وتنشئتهم على أصوله, ولكن عمي عن هذه الحقيقة ألوف مؤلفة ممن ينتسب إلى الإسلام , فمنذ القرون الأولى وإلى عصرنا الحاضر نشأ فئام ممن نهج منهج المتكلمين أو تأثر بهم , إذا سألته : عن علوالله , أو سألته بسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم حين سأل الجارية وقال لها ( أين الله ) (1) قالت : في السماء .

أقول إذا سألته أين الله ؟ إو إذا سألته : هل تقر بأن الله سبحانه وتعالىفي العلوفوق خلقه بائنٌ منهم ؟ قال لك : لا . لا يجوز أن تقول هذا, إنك إذا قلت هذا فأنت تشبه الله بخلقه, وتجسمه وتقول : إنه متحيز في مكان . هكذا يقولون. ولو سألت هؤلاء : ماذا تقولون ؟ تجدهم اختلفوا في بذلك على قولين :

بعضهم يقول : الله في كل مكان . وهذا قول لبعض المتكلمين .

وبعضهم يقول : الله لا داخل العالم ولا خارجه .

وأهل  السنة والجماعة وعلى رأسهم سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وصحابته من بعده , والسائرون على منهاجه يقولون : إن الله في السماء,  إن الله تبارك وتعالى بائن من خلقه فوق العالم , على العرش استوى استواء يليق بجلاله وعظمته .

مع العلم أن هذه القضية التي وقع فيها المخالفة من قبل المتكلمين والفلاسفة والمبتدعة-  تكاد تكون من المعلوم من الدين بالضرورة ؛ لأن من قرأ كتاب الله من أوله إلى آخره , ومن اطلع على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأقوال سلف الأمة - خاصة القرون المفضلة - علم علم اليقين ثبوت هذه الصفة لله ثبوتاً يقينياً لا مجال مع للشك والارتياب .

وهي من الأمور الظاهرة التي يميز فيها بين من ينهج منهج السلف الصالح , ومن ينهج نهج من خالفهم من المتكلمين فالأدلة صريحة في ذلك, ونحن هنا سنعرض لما ذكره الشيخ من أدلة, أما استقصاء الأدلة فيرجع فيها إلى الكتب التي ألفت في هذا الموضوع بالذات, ومنها : كتاب العلو لهذا الإمام الذي نشرح كتابه (( ابن قدامة )) , فإن لـه كتاباً مطبوعاً اسمه العلو , ومنها كتاب (( العلو )) أيضاً لشيخ الإسلام الإمام الذهبي رحمه الله تعالى , وقد اختصره الشيخ الإمام المحدث ناصر الدين الألباني في كتاب سماه (( مختصر العلو )) وخرج أحاديثه فجزاه الله خيراً وأثابه,  وغيرها من الكتب , ولا يكاد يخلو كتاب من كتب السنة ومن كتب العقيدة السلفة إلا وفيه تقرير للأدلة الدالة على أن الله سبحانه وتعالى في العلو .

وليست أدلة العلو مقتصرة على دلائل الكتاب والسنة, بل دلّت على ذلك الفطرة , فإن الله فطر عباده جميعاً - حتى ذلك الذي يقول : إن الله في كل

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مكان - فطر عباده جميعاً على انه سبحانه وتعالى في العلو,  وقد كان من مواقف السلف رحمهم الله تعالى العملية الاستدلال بدليل الفطرة على تقرير هذه القضية .

فقد ذكر أن أحد أئمة السلف دخل على الإمام  الجويني أحد الأشاعرة وهو يلقي درسه على المنبر يقرر فيه عقيدته الأشعرية, وما قرره إنكار أن الله في العلو, فكان هذا الشيخ يتكلم ويلقي درسه امام الناس ويقول : إن الله كان ولا مكان, وهو الآن على ما كان عليه , ويقرر نفي العلو عن الله سبحانه وتعالى, فقال له أحد الشيوخ الحاضرين واسمه الهمذاني : ياإمام - يخاطبه أمام الناس- دعنا من أقوالك, ومن حججك, ما هذه الحاجة التي يجدها كل واحد منا , ما أراد ربه قط إلا ورفع بصره إلى السماء, أجب عن هذه القضية الفطرية . قال : فنزل الإمام الجويني من المنبر وهو يقول : حيرني الهمذاني,  حيرني الهمذاني, وجلس بن أصحابه يبكي بكاءً شديداً , ومعلومٌ أنه في آخر أمره رجع وأبطل تأويل الاستواء بالاستيلاء, وبين أنه يجب إثبات هذه الصفات ومنع من تأويلها على تفصيل في مذهبه رحمه الله تعالى .

لكن المهم هو كيف أن الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى العباد عليها, دالة يقيناً على أن الله سبحانه وتعالى في العلو .

وقد جرى لشيخ الإسلام ابن تيمية موقف, آخر شبيه بهذا الموقف حيث ذكر - رحمه الله - قصته فقال :جاءني أحد مشايخ هؤلاء ممن ينفي علو الله سبحانه وتعالى , في حاجة , وتعمدت أن أنشغل عنه قليلاً, فكلمني في هذه الحاجة وأنا متشاغل عنه . فلما  انتظر قليلاً وسئم إذا بي ألمحه وهو يرفع بصره

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى السماء وزفر زفرة وهو يقول ( يالله ) . فنظرت إليه وقلت لـه : ماذاصنعت أنت موحد, مثبت للعلو ؟ يقول : فاعتذر مني . وكان هذا الموقف سبباً في توبته ورجوعه إلى مذهب السلف, فهو في لحظة ذهو ل عن هذا الذي كان يقررفيه أن الله ليس في السماء, بل في كل مكان , ولا داخل العالم ولا خارجه إلى آخره , وجد نفسه فطرياً يرفع بصره إلى السماء متوسلاً مستغيثاً بالله سبحانه وتعالى فدليل الفطرة دال على العلو, وكذلك أيضاً دلّ عليه دليل العقل كما بينه الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية ابن القيم وغيرهما , وذكره شارح الطحاوية, وسنعرض إلى شيء من ذلك بعد بيان ما ذكره الشيخ من الأدلة الشرعية الدالة على صفة العلو .

وأول دليل ذكره الشيخ هو قوله تعالى : ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) (طـه:5) , وهو من الأدلة الدالة على علو الله سبحانه وتعالى على خلقه, فآيات الاستواء السبعة كلها تدل على صفة العلو لله سبحانه وتعالى , كما سبقت الإشارة إليه .

الدليل الثاني : قال : (( وقوله تعالى ((أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء)) (الملك: من الآية16), ولا يقول عاقل : إن (( في )) هنا ظرفية , وان الله داخل في السماء ؛ لأن القول بأن الله داخل في السماء يلزم منه أن السماء فوقه, وأنها محيطة به , وهذا لا يقول به عاقل .

وهذه الآية من أدلة علو الله تعالى على جميع  مخلوقاته, ولها معنيان كل منهما صحيح :

أحدهما : أن السماء هنا يقصد بها العلو وليس مجرد السماء التي

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ربُّنا الله الذي في السماء تقدَّس اسمُك" .

نشاهدها وهي سماء الدنيا أو ما فوقها , فقوله : ((أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء)) أي أأمنتم من في العلو . والقول بأن السماء تعني مطلق العلو مستخدم كثيراً فتقول : طار الطائر في السماء , وحلقت الطائرة في السماء , وأنت لا تقصد أنها داخل السماء , بل تقصد أنها ارتفعت في العلو , ومن ذلك إنزال الله المطر من السماء , أي العلو , إذن قول : ((أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء)) أي العلو المطلق علاى جميع المخلوقات .

الثاني : أن تكون ((في )) بمعنى على, فقوله : ((أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء)) أي من على السماء , وقد جاءت في اللغة العربية بمعنى ((على )) كثيراً . يقول الله تعالى عن فرعون لما أراد أن يصلب السحرة المؤمنين قال: ((وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)) (طـه: من الآية71) فقوله : ((فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)) لم يقصد به انه سيضعهم في داخل تلك الجوع وإنما سيصلبهم على تلك الجذوع وهذا واضح ولله الحمد .

ثم قال الشيخ رحمه الله (( وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ربنا الله الذي في السماء تقدس        اسمك "(1) . هذا الحديث رواه أبو داود والإمام أحمد وغيره, لكنه حديث ضعيف ؛ لأن فيه راويا يقال لـه : زيادة الأنصاري , متكلم فيه وقد تفرد بهذا الحديث, ومن ثم فنحن حينما نتحدث عن مثل هذا الحديث نقول : هذا

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحديث ضعيف . وليس هو الدليل الوحيد على هذه المسألة حتى لا يأتي قائل ويقول : إنكم تحتجون لمذاهبكم بالأحاديث الضعيفة .

وهنا مسألة لا بد من بيانها تتعلق بهذا الأمر , فابن قداممة رحممه الله استشهد بحديث تكلم فيه العلماء وقالوا : ضعيف, فقد يدخل من هذا الباب بعض المخالفين لأهل  السنة وقول : إن كثيراً من كتب السنة التي ترواى بالأسانيد يذكرون أحياناً أحاديث ضعيفة, فكيف تذكر هذه الأحاديث في باب العقائد ؟ وكيف يتسأهل  في إيرادها ولاحتجاج بها ؟

 والجواب عن ذلك من وجوه .

الوجه الأول : أن هؤلاء العلماء لم يثبتوا هذه الصفة أو تلك بحديث ضعيف يكون هو العمدة في الباب, وإنما يثبتونها بالأحاديث الصحيحة أولاً,  فما أوردوه بعد من حديث ضعيف فإنه يتقوَّى بما ورد من الصحيح, وإن لم يتقوَّ فإن الصفة المقصودة ثابتة, لأن الدليل الصحيح دل عليها .

فليس إثبات العلو لله سبحانه وتعالى مقتصراً على هذا الحديث الذي معنا والذي استشهد به ابن قدامة رحمه الله وإنما هناك أحاديث أخرى كثيرة وصحيحة سيرد بعضها,  بل والأدلة من القرآن أكثر من ذلك .

الوجه الثاني : أن العلماء  إذا أوردوا تلك الأحاديث وهي ضعيفة, فإنهم يوردونها بالأسانيد وإيراداها بالأسانيد يرفع العهدة عنهم ويجعل العهدة على القارئ والمطلع

والمحذور أن يصحح حديثاً ضعيفاً أو أن يحتج به وحده مع ضعفه, لكن إذا أورده بالإسناد فقط ولم يحكم عليه فحينئذ يكون قد أعذر لنفسه , فعلى

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القارئ وطالب العلم أن ينظر في هذا الإسناد وأن يسأل أهل  الشأن إذا كان لا يستطيع التمييز بين الصحيح وغيره .

ولهذا نجد بعض من جمع الدواوين في الحديث كالبخاري ومسلم مثلاً أشترط أن لا يورد في كتابه إلا الصحيح , ليس في صحيح البخاري او صحيح مسلم إلاماهو صحيح .

أما ابو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والإمام أحمد فلم يشترطوا ذلك ؛ ولذلك ففي كتبهم الصحيح والحسن  والضعيف .

كذلك أيضاً كتب السنة الخرى  كالسنة لابن أبي عاصم , والسنة للخلال والسنة للالكائي والعلو للذهبي وغيرها , هذه الكتب وإن وردت فيها إلى جانب الأحاديث الصحيحة روايات ضعيفة , إلا أنهم أوردوها بالأسانيد فالعهدة على القارئ .

الثالث : أن إيرادها وإن كانت من طرق أحياناً ضعيفة إلا أن فيها فائدة كبرى , وهي أن هذه الرواية قد تتقوى بغيرها وقد تقوي غيرها, فأحياناً تكون الرواية ضعيفة , لكن ترد في كتاب آخر من كتب السنة أو الحديث  من طريق  آخر, فإذا جمعنا ذلك الطريق إلى هذا الطريق , تبين منه أنه حديث ثابت, وقد يكون هذا الحديث روي من طريق فيه رجل ضعيف , فيتبين من الرواية الخرى أنه مروي من طريق آخر عن غير هذا الراوي الضعيف فيصح أو يرتقي إلى درجة الحديث الحسن .

وكثير من الأحاديث إذا جمعت طرقها وفحصها العالم النحرير في علم

وقال للجارية : " أين الله ؟" قالت : في السماءِ , قال " اعْتِقْها فإنها مؤمنةٌ " رواه مالكُ بنُ انسٍ ومسلمٌ وغيرهما من الأئمةِ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحديث , تبين لـه أنها تتقوى فتصل إلى درجة الحسن أو تصل أحياناً إلى درجة الصحيح .

إذن إيراد هذه الأحاديث فيه فائدة . وتكتفي بهذه الأجوبة .

فقوله : "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك " هذا الحديث كما أشرنا قبل قليل وإن كان ضعيفاً , إلا أنه يواكب الأحاديث الدالة على أن الله سبحانه وتعالى في السماء.  قوله : (( الذي في السماء )) أي العلو. (( تقدس اسمك )) أي تنزه اسمك فهو كقوله تعالى : ((سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)) (الأعلى:1) .

ثم يقول ابن قدامة : (( وقال للجارية : (( أين الله ؟)) قالت : في السماء )) قال :     (( اعتقها فإنها مؤمنة ))(1) رواه مالك بن انس ومسلم وغيرهما من الأئمة))(2).

هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه ورواه الإمام مالك ورواه غيرهما وقد استقصى طرقه أحد الأخوة الفضلاء, فألف رسالة أو جزءاً حديثياً بعنوان ( أين الله ) ذكر فيه من رواه من الأئمة مع ذكر طرقه التي ورد بها . وهذا الكتاب جيد ومطبوع .

وقد تأول المتأولة هذا الحديث الصريح لأنه يخالف منهج المتكلمين في أمرين مهمين  جداً :

أحدهما : أنه يجوز السؤال عن الله بأين, وان هذا السؤال لا يلزم منه لازم

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باطل ؛ كالتجسيم أو المكان أو غير ذلك ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق وأعمهم بالله سأل بأين, وقال للجارية " أين الله ؟"

الثاني : أن الجارية اشارت بيدها أو براسها وقالت : في السماء,  فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " اعتقها فإنها مؤمنة "  إذاً هذا يدل دلالة صريحة قطعية على أن الله سبحانه وتعالى في العلو وأنه في السماء , وانه يسأل عنه بأين ولا يلزم من ذلك لازم باطل كما يدعي هؤلاء . والعجيب أيضاً أن المتكلمين خاضوا وتأولوا هذا الحديث الصحيح تأويلات غريبة جداً,  فبعضهم ضعف رواية (( أين )) وقال : الرواية الصحيحة : ((من الله )) فيقال لـه : أين وردت كلمة من؟ ومن الذي رواها ؟ والأئمة الجهابذة يروونها بالأسايند الصحيحة بلفظ (( أين )),  إن من المؤسف أن الواحد من هؤلاء يردُّ هذه الرواية الصحيحة ويرد الحديث خوفاً  من أن يدل عل بطلان ما يعتقده هو    ويقول به .

وبعضهم اجاب بجواب أعجب من هذا فزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصد حينما قال :      " اعتقها فإنها مؤمنة" إقرارها عل قولها بأن الله في السماء , وإنما إأراد أن يبين هل هي تعبد الأصنام أم تعبدالله, فسألها "أين الله " فقالت : في السماء , فدل على أنها لاتعبد هبل ولا العزى؛  لأنها لو كانت تعبد واحداً منهما لقالت : هبل او العزى في مكة أو في الطائف فما قالت : في السماء . دلَّ ذلك على أنها تعبد الله ولا تعبد الأصنام .

وهذا تأويل ضعيف جداً, ولا يمكن أن يقول عاقل : إن الرسول  صلى الله عليه وسلم   لما أتي بها كان يقصد هذا المعنى البعيد الذي لايدل عيه الفظ ولا السياق, فهذه

وقال النبُّي صلى الله عليه وسلم   لحصين : " كم إلهاً تَعْبُدُ ؟" قال : سبعة , ستة في الأرض وواحداً في السماءِ . قال : " ومن لرهبتك ورغبتك ؟" قال : الذي في السماء .

قال : "فاترك الستة, واعبد الذي في السماء, وانا أعلمُك دعوتين " فأسلم وعلّمه النبيُّ صلى الله عليه وسلم  أن يقول : اللهمَّ ألهمني رُشدي, وقني شرَّ نفسي .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تأويلات بعيدة لايليق بمن ينتسب إلى العلم أإن يلجا إليها خوفاً من إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وأثبته لـه رسوله صلى الله عليه وسلم ,  بل هي تمحلات اضطر إليها هؤلاء بسبب هذا الاعتقاد الباطل الذي اعتقدوه وهو توهمهم أن القول بان الله في السماء , يلزم منه أن الله محتاج إلى مكان, وأن المخلوقات تحوزه ونحو ذلك من اللوازم الباطلة التي    توهموها .

ثم قال الشيخ : ((وقال النبي صلى الله عليه وسلم  لحصين - وهو والد عمران بن حصين-  : " كم إلهاً تَعْبُدُ ؟" قال :سبعة, ستة في الأرض وواحداً في السماءِ . قال : " ومن لرهبتك ورغبتك " قال : الذي في السماء )).

ستة : يعني ستة اصنام  من أصنام الجأهل ية التي كانت موجود في مكة وغيرها وواحداً في السماء ؛ أي الله سبحانه وتعالى فهو يعبد هؤلاء جميعاً , فقال الرسول صلى الله عليه وسلم  (( من لرهبتك ورغبتك )) أي من الذي تعلم أنه يقدر على تحيق الخير الذي تريده , وكشف الضر الذي تخشاه وتريد زواله؟ من هو الذي ترغب وترهب إليه؟ فقال : الذي في السماء.  أي الله سبحانه وتعالى .

قال صلى الله عليه وسلم  له : " فاترك الستةَ واعبد الذي في السماء , وأنا أعلمُك

وفيما نُقل من علاماتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم  واصحابه في الكتب المتقدّمة انهم يسجدون بالأرضِ , ويزعمون أن إلههم في السماءِ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دعوتين )). فأسلم رضي الله عنه, وعلُمه النبيُّ صلى الله عليه وسلم  أن يقو ل " اللهمًّ ألهمني رشدي, وقني شر نفسي" (1) .

 وهذا الحديث رواه الترمذي وغيره, وحسنه ووجه الدلالة منه قوله : (( وواحداً في السماء )) وهو يدل على أنه يقصد بقوله : في السماء ؛ أن الله سبحانه وتعالى في العلو ولهذا قال (( من الذي لرغبتك ورهبتك)) قال : الذي في السماء ، وهذا دلٌّ على أن حصيناَ حتى قبل إسلامه كان يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى في السماء ، ولقد كانوا في الجأهل ية, يؤمنون بذلك , وهذا معروف ومشهور عند أهل  الجأهل ية, فهذا الحديث دال على إثبات العلو لله سبحانه وتعالى.

وكما أسلفنا في آية ((أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ )) فقوله في هذا الحديث : (( في السماء )) ليس معناه أن السماء تحيط به, أ و أنه داخل السماء , وإما المعنى (( في السماء )) أي في العلو , أو في السماء أي على السماء ,وكلا المعنيين صحيح.

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى (( وفيما نُقل من علامات النبيِّ صلى الله عليه وسلم  وأصحابه في الكتب المتقدّمة أنهم يسجدون بالأرضِ ، ويزعمون أن إلههم في السماءِ)).

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا الكلام مروي عن الصحابي عديِّ بن عميرة بن فروة العبدي, وقد رواه عنه بإسناده ابن قدامة في كتابه (( العلو ))(1) وكذلـك أيضاً الذهبي في كتـاب (( العلـو )) من طريقين أحدهما عن ابن قدامة .

وقال الذهبي عنه : هذا حديث غريب (2) , وقوله في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : إنهم يسجدون بالأرض . أي يسجدون على الأرض , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الخائص التي اختص بها مع أمته :"وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً "(3), ورواية ابن قدامة في العلو (( يسجدون على وجوهم)) , وكذا في العلو للذهبي , والمعنى كماسبق : يسجدون على وجوهم على الأرض .

والشاهد قوله (( ويزعمون أن إلههم في السماء )),  أي في العلو أو على السماء ، وقوله : يزعمون ، الزعم يرد بمعنى الظن ، وفيما يشك فيه ، وبمعنى الكذب، وبمعنى القول أو الخبر (4) وهو المقصود هنا, والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه يقولون ويخبرون بأن إلههم في السماء ، وقد ورد في إحدى النسخ الخطية المتقدمة للعلو اللذهبي لفظ الرواية الأولى - من غير طريق ابن قدامة – [ويعلمون ] بدل [ويزعمون ] كما نبه على ذلك المحقق وفقه الله تعالى ، وهي موافقة في المعنى لما ذكرناه .

وروى أبو داود في سننه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : " إِن ما بين سماءٍ إِلى سماءٍ مسيرة كذا وكذا-  وذكر الخبرَ إلى قوله : ذلك العرشُ , والله سبحانه فوق ذلك "(1)

فهذا وما أشبهه مما أجمعَ السلفُ رحمهم الله على نقل وقبوله , ولم يتعرضوا لردِّهِ ولا تأويِلِهِ , ولا تشبيههِ ولا تمثيلِهِ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( وروى أبو داود في سننه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : "إن ما بين سماءٍ إلى سماءٍ مسيرة كذا وكذا – وذكر الخبرَ إلى قوله : وفوق ذلك العرشُ ، والله سبحانه فوق ذلك " )). هذا الحديث رواه الترمذي وحسنه ورواه أيضاً ابن ماجه ، وبعض العلماء تكلموا في إسناده .

وهو أيضاً دال على إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى , ففيه وصف ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا خمسمائة عام, والشاهد قوله : (( وفوق ذلك العرش والله سبحانه فوق ذلك )) وهذا نص صريح أن فوق السموات العرش , وأن الله سبحانه وتعالى فوق العرش , وهذا دليل على إثبات علو الله تعالى على جميع المخلوقات .

قال الشيخ رحمه الله : (( فهذا وما أشبهه مما أجمعَ السلفُ رحمهم الله على نقله وقبوله,  ولم يتعرضوا لردِّهِ ولا تأويلِهِ , ولا تشبيهه, ولا تمثيلِهِ )) أي أننا نثبت صفة العلو لله سبحانه وتعالى وغيرها من الصفات, التي أجمع

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلف على نقلها وقبلولها وإثبانها دون أن يردوها أو يؤلوها تأويلات باطلة أو يشبهوها أو يمثلوها بصفات المخلوقين فهم وسط فيها بين أهل  التعطيل والتشبيه. 

بقيت الإشارة إلى أن أدلة العلو كثيرة منها : أحاديث النزول المتواترة , والآيات التي فيها ذكر العروج والصعود إلى الله كقوله تعالى : ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ))             (فاطر: من الآية10),  وقوله : ((تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه)) (المعارج: من الآية4) وغيرها كثير .

والنبي صلى الله عليه وسلم عرج به كما في الصحيحين وغيرهما إلى السماء أي : إلى الله سبحانه وتعالى ، حتى بلغ سدرة المنتهى ، وكلمه ربه تبارك وتعالى بغير واسطة .

فهذه الأدلة الكثيرة التي تزيد على ألف دليل ، دالة علىأن الله سبحانه وتعالى في العلو , ونحن نثبت ذلك ونقول : إن الله سبحانه وتعالى في العلو , فوق السموات , على العرش استوى ، وأنه سبحانه وتعالى فو ق خلقه بائنٌ منهم ، ومع ذلك لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه .

فقضية إثبات العلو لله سبحانه وتعالى من قضايا العقيدة التي  دلت عليها الأدلة الكثيرة المتواترة؛ أدلة الكتاب, وأدلة السنة, وأدلة الفطرة , وأدلة العقول, بل والإجماع,  فقد أجمع عليها سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى .

وقد سبق أن ذكرنا أن المخالفين لمذهب السلف في مسألة العلو يجيبون بأحد جوابين حينما يسألون عن علو الله سبحانه وتعالى ؛ بعضهم يقول : الله في كل

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مكان, وبعضهم يقول : إن الله  تعالى لا داخل العالم ولا خارجه .

والحقيقة أن هذين القولين باطلان تمام البطلان, أما القول بأن الله في كل مكان , فنقول في الردِّ على قائل ذلك : هل تثبت لله سبحانه وتعالى ذاتاً متصفة بالصفات أم لا ؟ فإن اثبت لله سبحانه وتعالى ذاتاً موجودة متصفة بالصفات, فيلزم من قولك أن ذات الله سبحانه وتعالى في كل مكان - وهذا قول الحلولية, بل إن قول النصارى بالحلول في المسيح فقط, وقول بعض الصوفية المشبهين للنصارى بالحلول في بعض الأشخاص, أو في بعض الأماكن - عدا من قال منهم بوحدة الوجود-  هو خير من قولك الذي يلزم منه الحلول العام لأن قولك : إن الله سبحانه في كل مكان , يلزم منه أن الله سبحانه وتعالى في السماء, وفي الأرض, وفي الجبال , وفي البحار , بل وفي ما ينزه الله سبحانه وتعالى عنه من أماكن القذر والوسخ ونحو ذلك , تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً .

أما إن كنت لا تثبت لله ذاتاً, فكأنك تقول :ليس هناك إله لـه ذات حقيقية , إنما هو شيء مثل الهواء أوالريح,  أو غير ذلك مما لايقوم بنفسه وليست لـه ذات مستقلة-  وهذا من أعظم الباطل - والخلاصة أن يقال لمن يقول : إن الله في كل مكان : إن  أثبتم لله ذاتاً متصفة بصفاتها , وأن الله تعالى عليم, خبير, فعال لما يريد, وهو على كل شيء قدير, يأخذ الكفار أخذ عزيز مقتدر, خلق السموات والأرض وما بينهما لزمت المباينة بين الله وخلقه ووجب القول بالعلو , وبطل قولكم هذا , وإن قلتم : إن هذه الذات في كل

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 مكان لزم منه الحلول الباطل , بل الحلول الذي هوأقبح من قول النصارى وأقوال بعض غلاة الصوفية . ونهاية هذا القول إما إلى إنكار وجود الله المتميز عن خلقه , أو القو ل بالحلول والاتحاد بين الخالق والمخلوق , وكل منهما باطل , فتبين بطلان هذا القول على كل تقدير , وأن الصواب إثبات البينونة بين الخالق والمخلوق ومن ثم علو الله تعالى على جميع خلقه وهذا هو الصواب الذي جاء به الرسل الكرام ودلت عليه الأدلة المنتوعة .

ونقول في  الرد على هؤلاء- وهو الدليل العقلي على العلو-  : إن الله سبحانه وتعالى لما خلق الخلق, هل خلقهم في داخل ذاته أو خارج ذاته ؟ إن قلتم خلقهم داخل ذاته,  فمؤدى ذلك أن يكون الله سبحانه وتعالى قد حلَّت فيه المخلوقات مما ينزه الله عنه أعظم تنزيه .

وإن قلتم : خلقهم خارج ذاته, فهذا هو الحق, كما قال السلف رحمهم الله تعالى : إن الله بائن من خلقه . وإذا كان خلقهم خارج ذاته, فلابد أن يكون عالياً عليهم, وهذا الدليل عقلي صحيح , ولا يمكن أن يجيبوا بأي جواب يخرج عن هذا الاستدلال , وبهذا استدل الأئمة رحمهم الله تعالى على بطلان مذاهب الحلولية , لأن مقتضى قول الحلولية عدم تنزيه الله سبحانه وتعالى ومثله قول من يقول : إن الله في كل مكان , أما مذهب السلف رحمهم الله تعالى فمقتضاه أن الله تعالى في العلو, على العرش استوى , بائن من خلقه, وهذا هو التنزيه اللائق بالله تعالى .

أما الجواب الثاني الذي يجيب به بعض نفاة العلو فيقول : إن الله لا داخل

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العالم ولا خارجه, وهذا الجواب يكثر عند من يشتغل منهم بالفلسفة والمنطق وعلم الكلام , وهو جواب أيضاً لايُعقل ؛ لأن القول بأنه لا داخل العالم ولا خارجه مستحيل , فالقول بأنه لا داخل العالم يقتضي أنه خارج العالم , والقول بأنه لا خارج العالم يقتضي أنه داخل العالم, ومن ثم فإما أن يقال : إن الله خارج العالم أو داخل العالم , ولا يمكن أن يتصورَّ الذهن أبداً أن يكون الله لا داخل العالم ولا خارجه,كم ا لا يمكن أن يتصور العقل أن يكون داخل العالم وخارجه ؛ لأن سلبب النقيضين كالجمع بين النقيضين كل منهما محال, فقول المتكلمين على شهرته لا شك في بطلانه ؛ لأنه يتضمن أمراً مستحيلاً , والحالتان المتصورتان أن يقال : إن الله داخل العالم, أويقال إن الله خارج العالم , أما القول بأنه لا داخله ولا خارجه فهذا أمرغير معقول, ثم يقال : القول بأنه داخل العالم باطل لأموركثيرة سبقت  الإشارة إلى بعضها, فلم يبق إلا أن الله خارج  العالم بائن من خلفه, وبهذا يتبين بطلان دعواهم تلك , وأن ما قاله السلف رحمهم الله تعالى مما هو مستدلٌّ عليه بالأدلة الكثيرة , هو المنهج الحق الصواب .

بقيت قضية أحب أن أشير إليها في مسألة العلو؛ لأن بعض الناس يسأل عنها في بعض المناسبات , ولأنه قد يحيك في النفس منها شيء, ألا وهي ما قد يقوله البعض من أن  الأرض كروية, فسواء كنت هنا, أوفي أوربا , أوفي أمريكا, أوفي اليابان , فإن السماء من فوقك, فمعنى ذلك أنك إلى أي جهة اتجهت فأنت تتجه إلى السماء, فهل هذا يخالف عقيدتنا في العلو ؟

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والجواب أن يقال :السماء والأرض ليس بينهما إلا جهتان فقط,  أما بالنسبة لنا ونحن على الأرض نعيش فيها ونعمرها فعندنا ست جهات, أمام وخلف ويمين وشمال وفوق وتحت, وعليه فبالنسبة للسماء والأرض , ليس هناك إلا جهتان فقط وهما الجهة العلوية والجهة السلفية .

يوضح ذلك اننا لوجئنا بواحد من الناس وعلّقناه في أحد الأسقف وجعلنا رأسه إلى أسفل ورجليه إلى أعلى فسنقول عنه السماء  فوقه والأرض تحته, وكذلك لو اضطجع أحدنا على شقه الأيمن أوالأيسر فإننا نقول أيضاً السماء فوقه والأرض تحته , فعلى كل حال سواء كان قائماً أو قاعداً, أو منقلباً فليس هناك إلا جهة العلو والجهة السفلية,  ولما كان من المقطوع به أن الله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في شيء من خلوقاته, وأنه فوق العالم كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة امتنع أن يكون تعالى داخل الجهة السفلية في الأرض, لأنه ليس هناك إلا هاتان الجهتان, فإذا بطلت الثانية ثبتت الأولى وهو المطلوب .

قد يقول قائل : إذن لو خرقنا في الأرض وانتهينا إلى الطرف المقابل  هل ننتهي إلى السماء ؟ نقول : نعم,  لو خرقت وانتهيت إلى الطرف المقابل, تخرج إلى الجهة المقابلة , وتتجه إلى السماء لأن الأرض كروية .

فلو قال : إذن معنى ذلك أنني إذا اتجهت إلى أي جهة كانت فأنا اتجه إلى الله سبحانه وتعالى ؟ نقول : ليس الأمر كذلك,بل ما دام ليس هناك إلا جهة ((فوق)) أو ((تحت)),  فأنت في أي مكان على الأرض إما أن تطلب الله فوق,

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 أو أن تطلبه تحت في الجهة التي تؤدي إلى مركز الأرض وما عدا ذلك فليس هناك جهة أخرى .

ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى فوق السموات, وأنه سبحانه وتعالى محيط بكل شيء , ومقتضى هذا أن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى فوقنا وأن نطلبه تعالى عند الحاجات في العلو من فوقنا, وهذا عام شامل لنا, وفي أي مكان كنا من الأرض , ولا يجوز غير  ذلك .

وهنا أحب أن أشير إلى مسألتين :

الأولى منهما : أنه قد يقول قائل: إذا اتجهت جهة الأمام - على قولكم - فأنا اتجه إلى جهة السماء . أو إذا اتجهت إلى جهة الأرض مخترقاً الأرض فأنا اتجه إلى جهة السماء .فهل يجوز أن أطلب الله من هذه الجهات مع اعتقادي أن الله في السماء ؟ نقول لـه : حينما تتطلب امراً هل تأتيه من أقرب الطرق إليه أم من أبعد الطرق ؟الإنسان مفطور على أن يأتيه من أقرب الطرق , فمثلاً من أراد الحج من الرياض لو قال : سأذهب إلى مكة عن طريق دمشق أولاً .

فنقول : إذا ذهبت إلى دمشق ثم اتجهتا إلى مكة وليس لك غرض إلا الذهاب إلى مكة فإنك ستصل إلى مكة, لكنك ستوصف بالجنون أو ضعف العقل ؛ لأن الذاهب إلى مكة يجب أن يذهب إليها , من أقرب الطرق إليها, ولما كان الله سبحانه وتعالى هو العليم الخبير الرؤوف الرحيم, وهو سبحانه

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 معبودنا وإلهنا الذي نألهه نحبه ونتوجه إليه, فإننا نبحث عن أقرب الطرق إليه,  وبحثنا عن أقرب الطرق إليه سبحانه وتعالى إنما يكون بأن نتجه إلى السماء في جهة العلو, فمن تطلبه متفلسفاً بطرق معينة فهو شبيه بالذي يريد أن يذهب إلى مكة من الرياض عن طريق المغرب أوعن طريق أفغانستان أو غير ذلك, بحيث يذهب إ لى هناك ثم يرجع مما لايفعله عاقل .

إذاً ونحن على الأرض نطلب ربنا في السماء وترفع إلى جهة العلو أكفنا وندعوه سبحانه وتعالى ونعلم أنه فوقنا . ولا يأتي إنسان ويتطلب ربه في جهة أخرى,  زاعما أنه يمكن أن يصل إليه بطرق أخرى بعيدة عن العقل والفطرة, وإنما يتطلبه من أقرب الطرق إليه,  وهذا واضح والحمد لله , علماً أن هذه المسألة لاترد عند نفاة العلو؛ لأن هؤلاء أصلاً  ينكرون أن يكون الله في السماء .

الثانية : أن القول بأن السماء محيطة بالأرض, لا يقتضي أن يكون الله بذاته كرياً محيطاً بمخلوقاته كما ادعى أهل  الضلال الذين يكيفون ذات الله سبحانه وتعالى . وإنما نقول : إن هذه الأرض ما هي إلا ذرة صغيرة في الكون تحيط بها ملايين المجرات وتحيط بها السموات , وفوق السموات عرش الرحمن سبحانه وتعالى, والله تعالى فوق العرش , وهو أعظم منها ولا يقدر قدره إلا هو .

وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أنه يقبض السموات بيمينه, قال تعالى : ((وَمَا

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَـةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّـاتٌ بِيَمِينـِهِ )) (الزمر: من الآية67) فإذا كانت هذه السموات وهذه المجرات وما يتبعها مطويات بيمينه سبحانه وتعالى فكيف يتصروعاقل أنه إذا كانت السماء تحيط بالأرض من كل جانب,  فعلى ذلك تكون ذات الله تعالى لها كيفية محددة وأنها تحيط بالمخلوقات كإحاطة ونحو ذلك , بل نقول : الله سبحانه وتعالى على العرش استوى, وهذه الأرض وما حولها كلها بالنسبة له سبحانه وتعالى سُفل,  ومن ثم فلا يلزم ذلك اللازم الباطل .

وقد ضرب بعض علماء السلف رحمهم لله تعالى مثالاً هذه المسألة يوضحها فقال : لو أن نسراً طار في السماء , وأمسك برجله حبة شعيرة فهذه الحبة تكون تحت هذا النسر وهو فوقها حامل لها, محيط بها , ومع ذلك فلا يقول عاقل إن هذا النسر على شكل تلك الحبة بل إن النسر على شكله والحبة على شكلها .

ولله المثل الأعلى فهو سبحانه قد أخبرنا أن السموات والأرضين كلها مقبوضة بيده تبارك وتعالى , إذن هي لا تساوي شيئاً كما ورد في الأثر : (( ما السموات السبع , والأرضين السبع , في يد الرحمن إلا كخردلة في يد احدكم ))(1).

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذن الفهم الخاطئ في هذا الأمر نشأ من قصور العقل, كما نشأ من التشبيه, حيث ظن أن الله مثل بعض المخلوقات من كوكب أو جبل أو فلك أو نحو ذلك, فتوهم تلك اللوازم الباطلة , ولو علم أن السموات بمجراتها وملايين المجرات التي أذهلت علماء الفلك , هي في يد الرحمن كخردلة في يد أحدنا لما تصور ذلك التصور الساذج, بل نؤمن بالله سبحانه وتعالى وبأسمائه وصفاته وعلوه على خلقه, واستوائه على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته ولا يخطر ببالنا أي شئ من هذه الخواطر الباطلة .

وقد أردنا بإثارة هذه القضية أن نزيل ما يعلق في اذهان البعض من الشبه التي قد يأتي بها من يقول بإنكار علو الله سبحانه وتعلى على خلقه .

فالإيمان الصحيح بالله واسمائه وصفاته وعظمته, يجعل الإنسان يعبد رباً عظيماً,  رحيماً,  قديراً, خبيراً, أحاط بكل شئ علماً, يعبد رباً على العرش استوى استواء يليق بجلاله وعظمته , يعبد رباً لا تساوي هذه المخلوقات بالنسبة له شيئاً .

وإذا آمن الإنسان بذلك ايقن يقيناً تاماً أن لا يمكن إلا أن يكون الله في جهة العلو , وأن أي اعتقاد سوى ذلك من حلولٍ كامل, أو حلول محدّدٍ بشخص أو مكان, أو قول : إن الله لا داخل العالم ولا خارجه أو نحو ذلك , ما هو إلا دوران حول أنواع من الكفر والضلالات, نسأل الله السلامة والعافية .

سئل مالك بن أنس الإمام رضي الله عنه فقيل : يا أبا عبدالله ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) (طـه:5) كيف استوى ؟

فقال : الاستواءُ غير مجهولٍ والكيفُ غير معقولٍ ،

 والإيمانُ به واجبٌ ، والسؤال عنه بدعةٌ ، ثم أمر بالرجل فأخرج

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم يقول الشيخ رحمه الله تعالى أيضاً )) سئل الإمام مالك بن انس رحمه الله تعالى.  فقيل يا أبا عبدالله ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) (طـه:5) كيف استوى)) .

الإمام مالك ولد سنة ( 93هـ) وتوفي سنة (179هـ) وقد عاصر رحمه الله بعض هذه البدع التي وجدت في الأمة, فدخل عليه في أحد الأيام رجل وهو في المسجد في الحلقة فقال: يا أبا عبدالله ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) كيف استوى ؟

 وفي هذه المسألة عندنا أمران :

الأمر الأول : أن السائل يعلم بأنه ورد في القرآن إثبات الاستواء , وأنه دل عليه قوله تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) .

الأمر الثاني : أن سؤاله إنما هو عن الكيفية, ومن ثم قال : كيف استوى ؟

وإنما نقرر هذين الأمرين أولاً؛ لأن جواب الإمام مالك فسره المخالفون لأهل  السنةوالجاعة تفسيراً خاطئاً .

فالإمام مالك قال (( الاستواءُ غير مجهولٍ, والكيفً غير معقولٍ )), وفي بعض الروايات أنه قال :(( الاستواء معلوم, والكيف مجهول )).

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فقوله : الاستواء غير مجهول-  إذا خوطب به أهل  اللسان العربي-  دل على أن المقصود أن الاستواء بمعناه المعروف معلوم لنا غير مجهول . لكن الشئ الذي لانعقله بل نجهله هو كيفية الاستواء ؛ لأننا  لا نعلم ذاته, فكذلك أيضاً لا نعلم كيفية صفاته سبحانه وتعالى .

ولأن قول الإمام مالك هذا ثابت عنه وهو لايروق لكثير ممن ينكرون استواء الله تعالى ويتأولونه بالاستيلاء , فإنهم  قاموا بتأويل هذا القول وصرفه عن ظاهره زاعمين أن الإمام مالك قصد بقوله هذا تفويض الاستواء فقالوا: معنى قول مالك رحمه الله : الاستواء معلوم-  أو غير مجهول - يعني مذكور في القرآن وهذا خطأ لأنه لو كان قصد الإمام مالك أن الاستواء مذكور في القرآن لكان كلامه لا معنى لـه؛  لأن السائل يعلم أن الاستواء مذكور في القرآن, وأشار إلى ذلك في سؤاله حين قال :يا أباعبدالله :        ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) كيف استوى ؟

فكيف يجيبه الإمام مالك رحمه الله بأن الاستواء مذكور في القرآن وهو يعلم ذلك , هذا مما ينزه عنه العامي, فكيف بالإمام العالم الذي يتصدى لأسئلة الناس المتنوعة في العقيدة والأحكام وغيرها ؟

والصحيح أن الإمام رحمه الله أراد بيان منهج السلف رحمهم الله تعالى في إثبات استواء الله تعالى على عرشه مستدلاً على ذلك بما خوطبنا به في اللسان العربي , فالاستواء معلوم, أي أن معانيه معلومة ومعروفة لأهل  اللسان العربي : علا , ارتفع , هذه هي الألفاظ الواردة عن السلف رحمهم الله تعالى .

 فالاستواء معلوم بهذه المعاني, أماكونه مذكوراً في القرآن فهذا أمر بدهي

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 يعلمه كل أحد حتى السائل نفسه . وكذلك قد ذكر السائل في سؤاله أن سؤاله إنما هو عن الكيفية حيث قال : كيف استوى ؟ فبين الإمام مالك أن الكيفية غير معقولة وهذا هو مذهب السلف رحمهم الله تعالى, يثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى إثباتاً حقيقياً ويثبتون ما دلت عليه من معاني, وينفون الكيفية فيقولون : إن الكيفية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

ثم قال : (( والإيمانُ به واجب )) أي الإيمان بإثبات الاستواء على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى واجب ولا يجوز تأويله,  (( والسؤال عنه بدعة )) أي السؤال عن كيفية الاستواء بدعة , وليس المقصود أن السؤال عن اثبات صفة الاستواء وغيره من الصفات الواردة بدعة , بل هذا يشبه ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا "(1) فليس معنى ذلك أننا لا نتكلم في الإيمان بالقدر,  ولا نتكلم عن فضل الصحابة وأحوالهم وجهادهم , وإنما المقصود انه إذا ذكر القدر وخاض فيه الخائضون بالباطل فامسكوا , وكلوا الأمر إلى الله سبحانه وتعالى,  لأن إثبات القدر أصل من الأصول التي دلت عليها الأدلة الصحيحة, بل هو ركن من أركان الإيمان , قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:"وتؤمن بالقدر خيره وشره ",  ولا يصح الإيمان إلا به ومن ثم فلا بد من معرفة معناه ومراتبه ودلائله من الكتاب والسنة .

وكذلك ليس معنى الحديث أن نكف عن الكلام في فضائل الصحابة

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومآثرهم وبطولاتهم, وإنما المقصود أنه إذا ذكر الصحابة بسوء وتُكلم فيهم بسوء وطُعن فيهم , كما هو ديدن كثير من أهل  البدع , فيجب علينا أن نمسك, وألا نخوض في ذلك , وأن نكل ما جرى بينهم إلى الله سبحانه وتعالى كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله    تعالى .

ثم أمر الإمام مالك بالرجل فأخرج . تأديباً لـه وتعليماً لأصحابه؛ لأن أهل  البدع يجب ألا يمكنوا من نشر بدعهم, وهذا منهج السلف الصالح .

وبعض الناس يظن أن فتح الحوار مع أهل  البدع هو المنهج العلمي والواقعي,  فتراه يدعو إلى فتح الحوار مع كل الطوائف,  والأمر ليس كذلك ؛ لأن إتاحة الحوار لطوائف المبتدعة واصحاب المذاهب الهدامة قديماً وحديثاً قد يفتح باباً لهم يلجون من خلاله لنشر بدعهم وضلالهم وشبههم بين عامة المسلمين , ولذلك كان السلف رحمهم الله مدركين تما م الإدراك لهذه القضية .

فعمر رضي الله عنه وأرضاه لم يترك صبيغ بن عِسْل يتكلم بالمتشابهات ويخوض فيها,  وإنما أتى لـه بعراجين النخل وضربه, حتى قال: والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب عني الذي أجد, وهذا التأديب ينفع في أغلب الأحيان إذا كانت الصولة والقوة لأهل  السنة, وهو معنى مشروعية الاحتساب على أهل  المنكرات والبدع .

لكن إذا انتشرت البدعة, وابتلي بها المسلمون ولم يكن للمسلمين من أهل السنة والجماعة قدرة على منعهم باليد والاحتساب عليهم فهنا يجب الرد عليهم ومناقشتهم وبيان ضلالهم وأغراضهم الخبيثة , لا أن نفتح معهم الحوار, وكأننا نقول لهم بلسان الحال : تعالوا انشروا بدعكم وشبهاتكم بكل

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 حرية بحجة فتح باب الحوار , لأننا نعلم جيمعاً أن كلام أهل  البدع وإن كان زائفاً إلا أن لـه بريقاً وفتنة , فقد يثير في نفوس بعض أهل  العلم شكوكاً فكيف بالمبتدئين من طلبة العلم, بل كيف بالعوام والنساء,  ولذلك كان السلف رحمهم الله تعالى لا يمكنون أحداً من أهل  البدع حتى من الجلوس معهم في مجالسهم , فقد روي أن طاووساً كان جالساً يوماً وعنده ابنه, فجاء رجل من المعتزلة فتكلم في شيء , فأدخل طاووس أصبعيه في أذنه وقال : يابني أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع من قوله شيئاً , فإن هذا القلب ضعيف .

ثم قال : يابني اشدد, فما زال يقول : اشدد, حتى قام الرجل .

وكان رجل يجلس في مجلس إبراهيم النخعي رحمه الله, فبلغ إبراهيم أنه دخل في الإرجاء , فقال له إبراهيم : إذا قمت من عندنا فلا تعد .

هكذا كان منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم في التعامل مع أهل  البدع وبخاصة في الزمن الأول عندما كانت الكلمة والصوت المسموع لأهل  السنة والجماعة .

فمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى قائم على البيان : بيان العقيدة الصحيحة , وبيان صفاء تلك العقيدة بالأدلة الصحيحة البعيددة عن شبه أهل  الكلام والفلسفة , ومن ثم فقد كانوا لا يخوضون في شيء من المجادلات والمناظرات, إلا عند الضرورة والحاجة, أو عندما يكون هناك خطر لا يمكن رده إلا بالنقد والرد كما فعل أئمة السلف رحمهم الله تعالى في القرن الثالث والرابع وما بعده .

ومن صفاتِ الله تعالى أنه متكلمٌ بكلامٍ قديم ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم بدأ الشيخ يتكلم عن إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى فقال : (( ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم) إطلاق لفظ القديم على الله وقع فيه خلاف, فبعض العلماء يرى أن الله سبحانه وتعالى لم يرد وصفه بالقدم؛ لأن القديم في اللغة العربية هو المتقدم على غيره ومن ثم قالوا :إن الأولى وصفه تعالى بالاسم الشرعي الوارد    ((الأول )) الذي ليس قبله شيء, ولكن ورد في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سنن أبي داود أنه كان يقول حين يدخل المسجد : ((أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم , وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ))(1)  فهذا يدل على أن القديم قد يستعمل أحياناً بمعنى الأزلي .

فقول الشيخ : (( أنه متكلم بكلام قديم )), أي (( أزلي )), وأهل  السنة والجماعة يثبتون لله سبحانه وتعالى صفة الكلام على ما يليق بجلاله وعظمته , لكنهم يقولون : إن كلامه تبارك وتعالى قديم النوع حادث الآحاد؛  لأن الكلام من صفات الأفعال , أي أنه تبارك وتعالى يتكلم إذا شاء متى شاء,  فهو سبحانه وتعالى متصف بصفة الكلام أزلاً, وهو سبحانه وتعالى يتكلم بإرادته ومشيئته .

فقول العلماء : إن كلامه سبحانه وتعالى قديم النوع حادث ا لآحا د :

قديم النوع : أي أن الله متصف بهذه الصفة أزلاً .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حادث الآحاد : أي أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء .

وهذه الصفة التي أثبتها السلف رحمهم الله تعالى أثبتها ألأشاعرة في الجملة, لأنهم يثبتون الصفات السبع ومنها صفة الكلام, لكن إثبات السلف رحمهم الله تعالى لها هو الإثبات الموافق للنصوص, أما إثبات أولئك لها فهو مخالف لما دلت عليه النصوص.

وحتى نبين مذهب السلف في كلام الله فإننا نذكر قول المعتزلة وقول الأشاعرة , لأن هذه القضية هي التي بني عليها القول بخلق القرآن .

فعند المعتزلة أن الله تعالى لا تقوم به صفة الكلام, وكلام الله شيء منفصل عنه فهو مخلوق , ولذلك قالوا : إن هذا القرآن الذي هو كلام الله تعالى من جنس مخلوقاته,  فكما أنه خلق السموات , والسموات منفصلة عنه, فكذلك أيضاً تكلم بالقرآن والقرآن مخلوق منفصل عنه, فجاءت مقالتهم الضالة المشهورة بخلق القرآن لأنهم لا يثبتون لله صفة الكلام التي تقوم به تبارك وتعالى . هذا مذهب المعتزلة .

والأشاعرة قالوا في مقابل ذلك : نثبت لله صفة الكلام , لكن الكلام الذي نثبته لله هو الكلام النفسي القائم بذاته ولا ينفصل عنه, فالله سبحانه وتعالى متصف بصفة الكلام أزلاً, وكلامه قائم بذاته , لكن الكلام عندهم هو المعنى القائم في النفس فقط , ومن ثم قالوا : إنه بغير حرف وصوت وقالوا : إنه لا يتكلم بإرادته ومشيئته هذا كلام   الأشاعرة .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالكلام عندهم هو المعنى القائم بالنفس, كخواطر النفس وما أشبه ذلك, لكن  ليس هناك كلام بحرف وصوت مسموع, ومن ثم قالوا بأنه لا يمكن أن ينقل أو يتلقى عن الله تبارك وتعالى .

فلما قال لهم أهل  السنة : إذن فما تقولون في هذا القول الذي يتلى ويحفظ ويكتب ؟ أنتم تقولو ن : إن كلام الله تعالى يقوم به ولا ينفصل عنه فما الذي في هذه المصاحف , وهل هو كلام الله ؟

قالوا : هذا القرآن الذي بين أيدينا ليس كلام الله, وإنما هو عبارة عن كلام الله أو حكاية عن كلام الله عبر عنه جبريل أو محمد صلى الله عليه وسلم - على اختلاف فيما بينهم في ذلك - وليس هو كلام الله حقيقة .

فانظر كيف أدى بهم مذهبهم وتأصيلهم الفاسد إلى مثل هذه الضلالات, وإذا كنا نطعن في المستشرقين وغيرهم لأنهم يزعمون أن القرآن كلام محمد صلى الله عليه وسلم,  فقد وجد في بعض متكلمي الأشاعرة من يقول بذلك .

كما أنه ليس هناك فرق بين قول المعتزلة وقول الأشاعرة في هذا القرآن الموجود بين أيدينا؛ فالمعتزلة يقولون : مخلوق, والأشاعرة يقولون : هو من كلام محمد أو جبريل أو غيرهما ؛ لأن القرآن العربي عندهم مخلوق, وهو كونه بهذه اللغة العربية , وكذا بالنسبة للتوراة باللغة العبرانية , والإنجيل باللغة السريانية , هذه الكتب كلها مخلوقة على زعمهم ؛ لأنها ليست هي كلام الله, وإنما كلام الله  هو المعنى القائم بذاته الذي لا ينفصل عنه, فليس

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 بين المعتزلة والأشاعرة في القرآن العربي خلاف في أنه مخلوق,  فالفريقان كلامهما في النهاية واحد وهو أن القرآن الذي بين أيدينا مخلوق, وهذا ما صرح به بعض متكلمي الأشاعرة كما في شرح المواقف وغيره .

أما أهل  السنة والجماعة - وهم الوسط بين الطائفتين - فقد وفقهم الله سبحانه وتعالى إلى القول الوسط لسيرهم على المنهاج الحق في هذه المسألة .

حيث قالوا : القرآن هو كلام الله تكلم به حقيقة, والله سبحانه وتعالى يتكلم إذا شاء متى شاء,  والقرآن من جملة كلام الله سبحانه وتعالى , فيثبتون صفة الكلام القائم بذاته,  ويثبتون الله أيضاً ما ورد الدليل على أنه كلام الله مثل هذا القرآن العظيم, ومن ثم فإن أهل  السنة والجماعة يقولون : إن الله متصف بصفة الكلام أزلاً, ا وإنه تبارك وتعالى كلَّم موسى في ذلك الوقت الذي وجد فيه موسى وفي هذا المكان , لما كان بجانب الطور, إذن هو سبحانه وتعالى يكلم عباده ويتكلم إذا شاء متى شاء .

وقد تخبط الفريقان المخالفان في مسألة تكليم الله لموسى,  فقالت المعتزلة : إن الذي تكلم هو الشجرة وبكلام مخلوق في الشجرة , وقالت الأشاعرة : إن موسى سمع كلام الله الأزلى القائم به تعالى , وهذا كله ضلال نشأ عن ضلالهم في مذهبهم في صفة الكلام لله تعالى كما سبق .

فأهل السنة يقولون : إن الله يتكلم , وكلامه سبحانه وتعالى تسمعه الملائكة ويبلغونه , وكلامه تبارك وتعالى قد يكتب في اللوح المحفوظ, وهذا

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 القرآن هو كلام الله مكتوب في المصاحف ؛ لأن الكلام إنما هو لمن تكلم به مبتدئاً لا لمن قاله مبلغا,  فالقارئ للقرآن مثلاً مع أنه يتلوه كلام الله بصوته, إلا أن ذلك ليس معناه أن القرآن هو كلام هذا القارئ, بل هو كلام الله تعالى وإن تكلم به غيره بصوته .

هب أن أحد من الناس أتى بصحيفة كتبت فيه معلقة امرئ القيس وأخذ يقرؤها فهل يقول عاقل إنه هو صاحب تلك المعلقة ؟ من البدهي أن يقال : إن صاحبها هو الشاعر امرؤ القيس, أما هذا القارئ فقد نقلها إلينا أوقرأها علينا أونحو ذلك؛ لأن الكلام ينسب لمن قاله مبتدئاً ومثله لما يقال عن متن  أو نظم في العقيدة ونحوها : هذه عقيدة فلان, والله سبحانه وتعالى تكلم بالقرآن, وهذا القرآن نقل إلينا وحفظه جبريل وتلقاه محمد صلى الله عليه وسلم وتلقاه الصحابة وكتبوه, فهو كلام الله سبحانه وتعالى حقيقة, محفوظ في الصدور,  ومكتوب في السطور, ومتلو بالألسن .

فالله سبحانه وتعالى متصف بصفة الكلام أزلاً , وهو يتكلم إذا شاء متى شاء , كلم آدم في وقت خلق آدم, وكلم موسى في وقت وجود موسى, وكلم محمداً صلى الله عليه وسلم في وقت وجود محمد ليلة المعراج, ويكلم أهل  الجنة يوم القيامة حينما يدخلون الجنة, ومن ثم فلا يأتي قائل ويقول : كلامه سبحانه وتعالى أزلي أو مخلوق وينفي كلامه بمشيئته , فمنهج أهل  السنة والجماعة إثبات أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء, وهذا هو الكمال .

وصفة الكلام إنما تكون كمالاً لله  تعالى إذا قامت به وتكلم بشيئته وإرادته

يسمعه منه من شاء من خلقه,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كما دلت على ذلك النصوص, ولله المثل الأعلى,

هب أنه يوجد بيننا ثلاثة رجال؛ أحدهم أخرس لا يتكلم, والثاني يتكلم ليلاً ونهاراً لا يسكت أبداً , والثالث عنده قدرة على الكلام, لكنه يتكلم بعقل إذا شاء متى شاء وحين تكون هناك حاجة للكلام , فلا شك أن هذا الأخير هو أكمل الثلاثة؛ لأن الأول أخرس والخرس صفة نقص . والثاني الذي يتكلم أبداً ولا يسكت قامت به صفة نقص وهي عد المشيئة والإرادة, أما الثالث الذي يتكلم إذا كان الكلام خيراً ويسكت إذا كان السكوت خيراً,  بمعنى أنه يتكلم إذا شاء متى شاء, فهذا بلا شك هو الأكمل .

هذا بالنسبة للمخلوق ولله المثل الأعلى الذي يقتضي أن كل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجه ثبت لمخلوق بالله أولى به, كيف وقد دلت النصوص الكثيرة على أن الله سبحانه وتعالى متصف بصفة الكلام , وأنه يتكلم إذا شاء متى شاء,  وان هذا من كماله سبحانه وتعالى, فمن كماله تبارك وتعالى أنه كلم موسى في هذا الوقت الذي كان فيه موسى بجانب الطور كلاماً سمعه موسى, عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .

أما القو ل بانه لا يتكلم ولا تقوم به صفة الكلام فهذا صفة نقص, وكذلك القولا بأنه لا يتكلم بمشيئته وإرادته ,هو أيضاً صفة نقص , والله سبحانه وتعالى منزه عن النقائص.  ثم قال ابن قدامة : (( يسمعه منه من شاء من خلقه )) فإذا أراد الله سبحانه

سمعَهُ موسى عليه السلام من غير واسطة,  ومن أذِنَ له من ملائكتِهِ ورسُلِهِ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتعالى كلم عباده وأسمعهم كلامه , ثم مثل الشيخ رحمه الله لذلك بقوله : (( سمعه موسى عليه السلام من غير واسطة)) وهذا صحيح , فقد دل القرآن العظيم على أن الله كلم موسى , وجاءت بصيغة التأكيد كما في قول تعالى : ))وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً (((النساء: من الآية164), ومع هذا الوضوح في إثبات صفة الكلام لله عز وجل , فإن بعض أهل  البدع بلغ به الأمر أن يقول : وددت أن أجد من يقرأ هذه الآية بنصب لفظ الجلالة حتى يثبت أن موسى هو لذي كلم ربه , يريد بذلك أن ينفي عن الله صفة الكلام , فقال لـه أحد أئمة القراء من أهل  السنة : هب أننا وجدنا من قرأها على هذا النحو أي بنصب لفظ الجلالة, فما ذا ستصنع بقوله تعالى, ))وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ (( (لأعراف: من الآية143) فبهت هذا المفتري؛ لأنها صريحة في أن الله تبارك وتعالى هو المتكلم .

فموسى إذن سمع كلام الله مباشرة,  وهو بجانب الطور في هذا الوقت , كما دلت الأدلة الأخرى على أن جبريل عليه السلام سمع كلام الله , وكذلك من أذن لـه من ملائكته ورسله, وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة ومنه ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم  وفيه : " ولكن ربنا إذا قضى أمراً سبح حملة العر ش, ثم يسبح أهل  السماء الذين يلونهم , حتى يبلغ التسبيح أهل  السماء الدنيا,فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش : ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم " (1).

وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه, ويأذن لهم فيزورونه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهذا يدل على أن جبريل والملائكة يسمعون كلام الله سبحانه وتعالى . إذن هو تبارك وتعالى يتكلم بكلام مسموع . وكذلك فإن رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم سمعوا كلامه كما في قصة موسى,  وكما في قصة محمد صلى الله عليه وسلم , فإن الله كلمه كفاحاً ليلة المعراج , وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما .

ثم قال : (( وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة )) وهذا أيضاً ورد في الصحيحين وغيرهما حيث وردت في ذلك,  أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم , منها أن الله عزوجل يقول لأهل  الجنة : " يا أهل  الجنة , فيقولون : لبيك وسعديك "(1) .إلى آخر الحديث . فهذا نص صريح في أن الله يخاطب أهل  الجنة ويكلمهم ويكلمونه, وهي أحاديث صحيحة صريحة, دالة دلالة قاطعة على هذه الصفة .

وقول المؤلف - رحمه الله - (( يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه )) يقولون : لبيك وسعديك (( ويأذن  لهم فيزورونه )). ورد هذا في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن أهل  الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم, ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم " (2).وهذا  

قال الله تعالى : ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً)) (النساء: من الآية164),

وقال سبحانه : ((يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي))(لأعراف: من الآية144)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رواه الترمذي وابن ماجه لكنه حديث ضعيف, إنما الثابت أن الله يكلم أهل  الجنة ويكلمونه , حيث ورد في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ثم ذكر الأدلة على ذلك فقال : (( قال الله تعالى : ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيما)), وقوله : تكليماً مصدر تأكيدي يدل على أن هذا التكليم إنما هو تكليم حقيقي, وقال سبحانه وتعالى : ((يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي)),وهذا يدل على أمرين :

الأمر الأول : أن الله كلمه بذلك وقال له : يا موسى إني اصطفيتك .

الأمر الثاني : أن الله اصطفاه برسالته, واصطفاه بكلامه, ولهذا سمي موسى كليم الله سبحانه وتعالى .

ولعل العلة-  والعلم عند الله سبحانه وتعالى - في تسمية موسى كليم الله, مع أن الله كلم محمداً صلى الله عليه وسلم وكلم آدم؛ أن الله كلمه على الأرض وهو على طبيعته البشرية, بخلاف تكليم الله لآدم فإنه كلمه وهو في السماء, وتكليم الله لمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه كلمه وقد عرج بروحه وجسده إلى السماء , أما تكليمه لموسى فهو على الأرض, وهذا فيه خصوصية لموسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم .

وقال سبحانه : ((مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ )) (البقرة: من الآية253),  وقال سبحانه : ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)) (الشورى: من الآية51) , وقال تعالى : ((فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّك)) (طـه: من الآية11-12)

وقال : ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي )) (طـه: من الآية14) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال سبحانه وتعالى : ((مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)) أي من رسل الله من كلم الله أي كلمه الله تعالى كموسى ومحمد وغيرهما عليهم الصلاة و السلام. وقال سبحانه وتعالى : ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ  أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ))        (الشورى: من الآية51)  فقد اشتملت هذه الآية على أنواع الوحي الثلاثة, ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً)) هذا أول الأقسام , وذلك بأن يلقي الوحي في قلب الرسول من غير إرسال ملك ولا مخاطبة منه شفاهةً .

والثاني: (( أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ )) أي يكلمه الله ويوحي إليه شفاهة, لكن من وراء حجاب كما حصل لموسى عليه والصلاة والسلام ولمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج حين فرض عليه الصلاة مباشرة دون واسطة , وهذا هو الشاهد من الآية . ثم قال عن الثالث : ((أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً )) يبلغ عن الله كلامه كجبريل-  عليه السلام - وقال سبحانه تعالى : ((فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى* إِنِّي أَنَا رَبُّك))  فلما أتاها : أي النار (( نودي )) والنداء إنما يكون بصوت , ولا يمكن أن يكونه النداء إلا بصوت, والذي نادى موسى وكلمه هو الله سبحانه وتعالى , وهذه الآية نص صريح في إثبات كلام الله لموسى, وأن كلامه له إنما هو بصوت سمعه موسى , ولهذا قال سبحانه وتعالى مبيناً أنه هو المتكلم لا غيره : ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي)).

وغير جائزٍ أن يقول هذا إلا الله . وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (( إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل  السماء كسلسلة على صفوان )) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن تكليم الله لموسى أنه قال له : ((إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ))(طـه: من الآية12) وأيضاً من تكليم الله له أنه قال له : ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي)).

ومع هذه النصوص الصريحة يأتي بعض الذين تأولوا صفة الكلام لله تعالى فيقول : إن هذا الكلام كلام ملك, جعله الله تبارك وتعالى واسطة بينه وبين موسى , ويقول بعضهم : إن الواسطة هي الشجرة , فهي التي سمع منها موسى هذا الكلام وهذا التأويل باطل ولا يمكن أن يقول به عاقل أبداً, إذ كيف يقول الملَكُ أو الشجرة : ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي)). لو كان هذا الكلام كلام الملك أو الشجرة لقال : إنه هو الله لا إله إلا هو فاعبده. أو إن ربك الله فاعبده , أما أن يقول : ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي)). فهذا نص صريح لا يمكن تأويله .

وقد ذكر هذا الدليل ابن قدامة نفسه فقال : (( وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله )) وهذا صحيح صريح لأنه لا يجوز أن يقول هذا الكلام أحد غير الله سبحانه وتعالى .

ثم ذكر ابن قدامة رحمه الله بعض الأدلة الأخرى في إثبات صفة الكلام لله تعالى , أن الله تعالى يتكلم متى شاء كيف شاء , فيكلم عباده بكلام حقيقي يسمعونه , ومن هذه الأدلة قوله : (( وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (( إذا تكل الله بالوحي سمع صوته أهل  السماء كسلسلة على صفوان )) )) إلى آخر الحديث فيسألون جبريل : ماذا

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال ربكم ؟ فيجيبهم بقوله : قال الحق وهو العلي الكبير سبحانه وتعالى .

وقد أورد الشيخ رحمه الله تعالى هذا الأثر موقوفاً فقال : (( وقال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه : إذا تكلم الله بالوحي )). وهذا الأثر روي موقوفاً على ابن مسعود بإسناد صحيح,  وروي أيضاً برواية أخرى مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

وهذه الرواية المرفوعة أيضاً واردة بإسناد صحيح, وممن رفعها : ابو داود رحمه الله تعالى في سننه (1) .

فكل من المرفوع والموقوف صحيح, لكن لما كان الموقوف أصح علقه البخاري في صحيح (2) .

وقد ذكر الشيخ الألباني هذا الحديث في (( سلسلة الأحاديث الصحيحة )) ثم قال حفظه الله (3) : (( والموقوف-  أي على ابن مسعود - وإن كان أصح من المرفوع,  ولذلك علقه البخاري في صحيحه فإنه لا يعل المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي كما هو ظاهر )) .

فلا يمكن أن يقوله ابن مسعود من عند نفسه, فيكون حكمه حكم المرفوع, وما دام روي مرفوعاً وموقوفاً فالأمر فيه واضح , وهو مم يحتج به عل كلا الحالين والحمد لله .

فقوله في هذا الحديث : (( إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل  السماء )).

وروي ذلك عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم . وروى عبد الله بن أنيسٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : "يحشرُ اللهُ الخلائقَ يومَ القيامةِ حًفَاةً عراةً غرلاً بُهْماً , فيناديهم بصوتٍ يسمعُه من بعُد, كما يسمعُه من قَرُب : أنا الملكُ أنا الديانُ " .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يدل على إثبات كلام الله وأن كلام الله مسموع , وهذا يرد على من قال بالكلام النفساني , أو أن كلام الله ليس بحرف ولاصوت, بل الذي عليه أهل  السنة والجماعة أن الله يتكلم وكلامه مسموع, وأن أهل  السماء يسمعون صوته وكلامه , وكذلك أيضاً لما كلم موسى وكلم محمداً وكلم آدم وغيرهم ممن كلمهم الله سبحانه وتعالى , سمعوا ذلك .

ثم قال : (( روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم )) كأن الشيخ هنا يشير إلى المرفوع وإلى الموقوف.  ثم قال : (( وروى عبد الله بن أنيس )) الجهني المدني المتوفى سنة 54  رضي الله تعالى عنه,  أحد الصحابة المعروفين المشهورين : (( عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحشر الله الخلائق يوم القيامة حفاةُ عراةً غرلا بُهْماً " )) .

يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة؛ أي ليس عليهم ما يغطون به أجسامهم من كساء أو لباس أو غطاء . حفاة : أي غير منتعلين . غرلاً : أي غير مختونين بُهماً : يعني طليقي الأيدي ليس معهم شيء ولا يحملون معهم أي شيء. وهذا لبيان أن الناس يبعثون من قبورهم ويحشرون إلى ربهم سبحانه وتعالى وهم على هذه الحالة من الفقر والضعف .

وقد جاء في قصة عائشة رضي الله عنها وأرضاها , حين قالت للرسول صلى الله عليه وسلم : يارسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ؟ فبين لها النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر أكبر وأعظم واشد من أن يهتموا بهذا. فقال : " يا عائشة الأمر اعظم من أن يهمهم ذلك " .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك,  أنا الديان "(1) . هذا هو الشاهد من هذا الحديث . والنداء كما نعلم لا يكون إلا بصوت, وهذا فيه إثبات أن الله سبحانه وتعالى يتكلم, وأنه تبارك وتعالى إذا نادى الخلائق يوم القيامة,  يناديهم بصوت يسمعونه جميعاً .

وهذا الحديث ذكره البخاري تعليقا (2) , ورواه الإمام أحمد , وأبو يعلى من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه,  وهو المشهور الوارد في قصة رحلة جابر بن عبد الله رضي الله عنه وارضاه , حين التقى بعبد الله بن أنَيسْ في مصر , حيث رحل إليه شهراً كاملاً,  ولهذا ذكره البخاري في كتاب العلم في الباب الذي عقده في  مسألة الرحلة في طلب الحديث, لكنه رحمه الله تعالى ذكره معلقاً .

وهذا الحديث رواه البيهقي والبخاري في الأدب المفرد , وهو حديث صحيح وإن كان البخاري رحمه الله تعالى علقه , ولما تعرض الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى لمسألة إثبات صفة الكلام لله وأنه بصوت, نقل كلام بعض الأشاعرة وتأويلهم للأحاديث الواردة في ذلك, وتضعيفهم لهذه الرواية, وان كلامه تعالى ليس بصوت, وبعد أن نقل كلامهم علق عليه بقول : (( وإذا

رواه الأئمةُ, واستشهدَ به البخاريُّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به, ثم إما التفويض وإنا التأويل)) (1) .

يريد أن إثبات الصوت لله تعالى ما دام ثبت بالأحاديث الصحيحة فإنه يجب قبوله.  وكأن ابن حجر رحمه الله تعالى يرد على أولئك الذين ضعفوا هذه الرواية بناء على مذهبهم في إثبات الكلام النفساني لله وانه ليس بحرف ولا صوت , فبحثوا عن على لهذا الحديث ووجدوا البخاري رواه معلقاً , فضعفوا هذه الرواية لهذا السبب .

اما ابن حجر وهو المحدث فقد غلب عليه هنا جانب الحديث فرد على أولئك وقال لهم : لا تتعرضوا لتضعيفه من أجل ذلك المعنى الكلامي الذي تريدونه , وإذا ثبت في الأحاديث الصحيحة أن  الله تعالى يتكلم بصوت فيجب أن تقولوا به , ثم بعد ذلك ابحثوا لـه عن التفويض أو التأويل, أما أن تضعفوا الحديث وتردوه لأجل أنه خالف ما عندكم فإن هذا لا يجوز, وموقف ابن حجر هذا عظيم جداً , مع انه رحمه الله تعالى ممن يميل إلى مذهب الأشاعرة  في كثير من المسائل, إلا انه وقف في هذا الموضع وقفة الإمام المحدث, وهذا هو الصحيح, وقوله بعد ذلك : (( ثم إما التفويض وإما التأويل )) لا يسلم له لأن كلا من التفويض والتأويل باطل .

وهذا الذي فعله ابن حجر من ناحية قبول الرواية الثابت هو الموقف الذي ينبغي وقوفه في كل مسائل الاعتقاد, وكون البخاري رحمه الله علق مثل هذه

وفي بعض الآثار أن موسى عليه السلامُ ليلةَ رأى النار فهالتْهُ وفزِعَ منها, ناداه ربُّه : (( يا موسى فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت : لبيك لبيك ؛ أسمعُ صوتَك , ولا أرى مكانك , فأين أنت ؟ فقال : أنا فوقك,  ووراءَك , وعن يمينك وعن شمالك )) فَعَلِمَ أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى,  قال : (( فكذلك أنتَ يا إلهي, أفكلامك أسمعُ أم كلا رسولِك ؟)) قال : (( بل كلامي يا موسى )).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرواية لا يطعن فيها؛ لأنها رويت عند غيره بأسانيد صحيحة , بل إن إثبات أن كلام الله بصوت وارد بأدلة كثيرة جداً , فالنداء والمناجاة والكلام والقول في كتاب الله تعالى كل ذلك يدل على إثبات الصوت لله سبحانه وتعالى , فلا يمكن أن يقول قائل : إن موسى عليه الصلاة والسلام سمع كلام الله بلا صوت, ومن قال غير ذلك فإنه قال ما لا يعقل ابداً .

ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى قال : (( وفي بعض الآثار أن موسى عليه السلامُ ليلة راى النار فهالتْهُ وفزِعَ منها , ناداه ربُّه : (( يا موسى فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت : لبيك لبيك-  ولبيك معناها استجابة بعد استجابة-  أسمعُ صوتك , ولا أرى مكانك, فأين أنت ؟ فقال : أنا فوقك , ووراءَك,  وعن يمينك وعن شمالك )), قال ابن قدامة : (( فَعَلِمَ أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى )) أي أن موسى علم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى فتيقن أن المكلم لـه هو الله تعالى,  فقال : (( فكذلك أنتَ يا إلهي,  أفكلامك أسمع أم كلام رسولك ؟ )) قال : (( بل كلامي ياموسى )) )) (1). انتهى الأثر .

هذا الأثر أثر إسرائيلي ضعيف لا يؤخذ به, وهو من رواية وهب بن منبه , ووهب بن منبه معروف برواية الإسرائيليات, وقد أورد هذا المقطع من قصة موسى السيوطي في تفسيره (( الدر المنثور)) في تفسير سورة (( طه)) الآية العاشرة , حيث ذكر أثراً طويلاً جداً بلغ صفحات, وذكر منه هذا , وقال السيوطي : أخرجه احمد في الزهد, وعبد بن حميد, وابن المنذر , وابن ابي حاتم عن وهب ابن منبه , فإذاً هذا الأثر هو من كلام وهب بن منبه , وهو أثر إسرائيلي لا يعتدّ به . والأولى بمثل هذا الأثر أن يُطرح ولا يؤخذ به .

والقضية التي أشار إليها ابن قدامة رحمه الله تعالى قد وردت لها ادلة اخرى في الأحاديث الصحيحة , مثل هذه الآثار الإسرائيلية لا حاجة إليها,  والله أعلم .

فصل

ومن كلامِ الله تعالى : القرآنُ العظيمٍ , وهو كتابُ الله المبين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم إن الشيخ ابن قدامة رحمه الله تعالى انتقل من الحديث عن إثبات كلام الله , وان الله تعالى يتكلم إذا شاء متى شاء , وان كلامه بحرف وصوت , إلى قضية أخرى متعلقة بكلام الله تعالى , ألا وهي القرآن العظيم الذي أوحاه الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم , وهو الذي بين أيدينا,  حفظه الله تعالى لنا,  ونحن نتلوه فقال :

فصل

(( ومن كلامِ الله تعالى : القرآنُ العظيمٍ)) فالله تعالى تكلم بالتوراة , وبالإنجيل , وبالزبور , وكلم أنبياءه, ومن كلامه أيضاً : القرآن العظيم قال : (( وهو كتابُ الله   المبين )) ولا شك أنه كتاب الله الذي أبان الله به المحجة , فهو مبين مفصل محكم, كما اخبرنا الله سبحانه وتعالى في آيات كثرة في وصف هذا القرآن العظيم, بأنه هدى,  ونور, وفرقان , ولا يكون هدى , ونوراً , وفرقاناً , وضياءً, إلا إذا كان بيِّن الدلالة , واضحاً, مبيناً, يقرؤه الجميع فيتعظون به , ويفهمونه على مختلف مستوياتهم والله تعالى يقول : ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر)) (القمر:17) .

فالقرآن يقرؤه الجميع؛ العامي والعالم وطالب العلم , ويتأثر الجميع بقراءته , ويفهمونه كل حسب علمه , صحيح أن في القرآن قضايا ومسائل واحكاماً لا يعلمها إلا العلماء الراسخون في العلم , لكن أيضاً فيه مواعظ

وحَبْلُه المتين, وتنزيلُ ربِّ العالمين , نزل به الرحُ الأمينُ على قلبِ سيد المرسلين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتذكير يفهمها الجميع حتى المرأة, والصغير , والعامي , وهذا من نعم الله سبحانه تعالىعلى عباده .

ثم قال الشيخ رحمه الله : (( وحَبْلُه المتين )) , ولا شك أن من اعتصم به واستمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى , واستمسك بهذا الدين القويم,  فهو حبل الله المتين وصراطه المستقيم وهذا واضح المعنى .

(( وتنزيل رب العالمين )) , كما ورد في آيات كثيرة : ((نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ   (الشعراء:193) ))إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(( , (القدر:1) ))إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ(( (الدخان: من الآية3) ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا)) (الكهف:1) إلى آخره .

قال : (( نزل به الروح الأمين )) الروح : هو جبريل والأمين : وصف به لأنه كان أمين وحي الله سبحانه وتعالى, ولا شك أنه أمين حق أمين عليه السلام , فإن الله سبحانه وتعالى استأمنه على هذا الوحي الذي أوحاه إلى رسله عليهم الصلاة والسلام .

قال: (( على قلب سيد المرسلين )) وهو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , كما ورد في الآيات والكريمات الدالة على أن الله أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم مليء بدلائل ذلك وإنما ذكر القلب هنا , لأن القلب هو الذي يعي, وهو موطن العلم والفهم ونزوله على قلبه شامل لجميع أنواع الوحي, وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر عن نفسه يأتيه الوحي فيغشاه منه غشيان عظيم يشبه الغيبوبة, فيفصم

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 عنه, فإذا به عليه الصلاة والسلام قد وعى كل ما أوحى إليه من ربه تبارك وتعالى.

والوحي كما تعلمون جميعاً كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم على صور متعددة (1) , لكن هذا هو الأكثر والأغلب .

وكان الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم إذا نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم الوحي يسترونه, فيضعون عليه ساتراً واحياناً يضعون عليه رداءً ؛ لأن الوحي يشتد عليه جداً , ولما نزل قول الله تعالى : ))لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ  اللَّه(( (النساء: من الآية95) , نزلت هذه الآية وفخذه على فخذ زيد بن ثابت, يقول : فجاء ابن أم مكتوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : كيف بنا ؟ لأنها أول ما نزلت ))لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه(( قال : فأنزل الله عليه في الحال والرسول يتلوها )) غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ((قال : وكانت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي,  فكادت فخذي أن تُرَض(2) , وهذا من شدة ثقل الوحي .

بلسانٍ عربيَّ مبين ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأحياناً ينزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته فتبرك الناقة, واحياناً تضع رقبتها على الأرض وتحكها في التراب حكاً من شدة ثقل الوحي .

والله سماه ثقيلاً فقال : ((إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)) (المزمل:5) فكان ثقيلاً حتى في تنزله, وكما نعلم فإن أول مرة نزل فيها الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم غطه فيها الملك غطة شديدة , حتى ظنه النبي صلى الله عليه وسلم الموت من شدة تلك الغطة (1).

فهكذا كان ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم , لكنه بعد أن ينتهي ويفصم عنه يكون صلى الله عليه وسلم قد وعى جميع ما نزل عليه, وقد كان بعض الصحابة يحرص على رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه, فقال بعض الصحابة لعمر بن الخطاب : أريد أن أرى الرسول وهو يوحى إليه , وفي يوم من الأيام كان يوحى إليه , قال فرفع الستار ونظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه وقد اشتد عليه الوحي عليه الصلاة والسلام.

إذا جبريل الروح الأمين نزل به على قلب سيد المرسلين , وهو سيد ولد آم عليه الصلاة والسلام, وسيد الأولين والآخرين قال تعالى: ((بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)) (الشعراء:195) .

وهذا واضح جداً كما ذكر الله سبحانه وتعالى ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) (يوسف:2) . فالله سبحانه وتعالى جعل هذا القرآن العظيم بلسان محمد وقومه الذي هو العربية .

مُنَزّل غير مخلوقٍ, منه بدأ وإليه يعودُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم قال رحمه الله : (( منزل غير مخلوق)) هذا هو مذهب أهل  السنة والجماعة, أن القرآن منزل , لأنه كلام الله , وأنه غير مخلوق, لا كما يقول المعتزلة كما بينا سابقاً .

(( منه بدا وإِليه يعود)) أي أن هذا القرآن منه بدأ أي من الله تعالى بدأ ؛ لأن الله هو الذي تكلم به , والشيء ينسب – كما بينا سابقاً – إلى من بدأ به , كما ضربنا على ذلك بمعلقة امرئ القيس , فهذه المعلقة نقلت إلينا منذ عهد الجأهل ية , وكثير من الناس يقرؤها ويكتبها ويشرحها , ومع ذلك فلا تنسب إلا إلى امرئ القيس ناظمها الأول,  لأن الكلام لمن قاله مبتدئاً .

كذلك أيضاً-  ولله المثل الأعلى - هذا القرآن العظيم هو كلام الله؛ لأنه سبحانه هو الذي ابتدأ الكلام, ومن هنا قال السلف رحمهم الله تعالى - كما قال ابن قدامة هنا -   (( منه بدأ)) لأنه هو الذي تكلم به , قال : (( واليه يعود)) أي إلى الله سبحانه وتعالى يعود القرآن ويرجع في آخر الزمان,  كما ورد بذلك عدد من الأحاديث والآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم , و عدد من الصحابة؛  منهم عبدالله بن مسعود , وأبو هريرة,  وهو مما لا يقال فيه بالرأي, وإنما له حكم الرفع .

فقد ورد ما يدل على أن هذا المصحف أو هذا القرآن يرفع في آخر الزمان, فيأتي يوماً من الأيام يرفع فيه من الأرض,  فيرفع من صدور الرجال , ويرفع من الكتب , ويرفع من المصاحف,  فيعود إلى ربه سبحانه وتعالى .

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومما ورد في ذلك الحديث الذي رواه الحاكم وصححه, ورواه ابن ماجه في سننه, وهو حديث صحيح يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم , " يَدْرُسُ الإسلام كما يدرس وشي الثوب". ومعنى يدرس : ينقرض , والمعنى : ينقرض الإسلام شيئاً فشيئاً , كما يدرس وشي الثوب, الوشي هي النقوش التي تكون على الثوب, فالثوب إذا كان جديداً كانت هذه النقوش زاهية, أما إذا تقادم عليه الزمن فإن هذا الوشي ينمحي شيئاً فشيئاً , فشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم اندراس الإسلام باندراس هذه النقوش التي على الثوب إذا طال به الزمن .

ثم قال صلى الله عليه وسلم "حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة,  وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة,  فلا يبقى في الأرض منه آية ".

وهذا هو الشاهد . ومعنى يسرى أنه يأتي يوم على كتاب الله تعالى , فيمحي ويرفع ويزال من صدور الرجال ومن الصحف والكتب حتى لا يبقى منه آية ويرفع إلى السماء . وهذا معنى قول : (( وإليه يعود ))-  كما سبق - .

ثم قال صلى الله عليه وسلم في بقية الحديث : "وتبقى طوائف من الناس : الشيخ الكبي, ر والعجوز يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله, فنحن نقولها "(1) هكذا رواه ابن ماجه,  وفي رواية الحاكم قال صلة بن زفر لحذيفة :

..................................................................................

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(( ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه, ثم ردَّها عليه ثلاثاً, كل ذلك يعرض عنه حذيفة, ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : ياصلة, تنجيهم من النار, تنجيهم من النار,  تنجيهم من النار )) قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم , ووافقه الذهبي.  وقال البوصيري : إسناده صحيح ورجاله ثقات.(1)

فالشاهد هنا أن هذا القرآن يسرى في آخر الزمان ولا يبقى منه آية في الأرض, وهذا معنى عوده إلى الله سبحانه وتعالى .

هناك جزئية تتعلق بهذا الحديث , وهي وإن كانت خارجة عن موضوع هذا الشرح إلا أنني أحببت أن أذكرها تماماً للفائدة , وهي أن من لا يرى كفر تارك الصلاة يحتج بهذا الحديث, ويقول : إن هؤلاء ما يدرون ما صلاة ولا صيام ولا حج ولا صدقة, وحذيفة يقول : تنفعهم لا إله إلا الله , فدل ذلك على أن من مات وهو يقول : لا إله إلا الله فهو من كأهل  الجنة, وأن تارك الصلاة لا يكفر .

والذي يظهر لي والله أعلم أن هذا الحديث ليس فيه حجة لمن قال بذلك؛ لأنه يحكي عن شيء يكون في آخر الزمان , حين تندرس أمور الإسلام وتنمحي شعائره فلا يكاد يعرفها أحد , حتى لا يعرف الناس إلا قول لا إله إلا الله, فإذا كانةا لا يعرفون ما الصلاة وما الصيام وما الحج فلا يحاسبون على ذلك لأنهم معذورون , فحالهم شبيه بمن أسلم وهو حديث العهد  بالإسلام , فلا يعرف ما أحكام الصلاة ولا غيرها ثم مات قبل أن يعرف شيئاً

وهو سورٌ مُحْكماتٌ ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من أحكام العبادات, فمثل هذا تنفعه شهادة أن لا إله إلا الله,  وأن محمدا رسول الله,  لكن لو أنه علم الصلاة وقامت عليه الحجة بها فعلى القول بأنه يكفر - وهو الصحيح  - لاتنفه لا إله إلا الله , بل لا بد أن يؤدي الصلاة ليكون مسلماً .

كذلك أيضاً هؤلاء الذين يأتون في آخر الزمان تندرس عندهم تلك الأمور العظام من أمور الإسلام , فإنهم في حكم غير المكلفين ولذلك تنفعهم كلمة التوحيد ولو قالوها تقليداً,  وعلى هذا فلا حجة في هذا الحديث لمن احتج به على عد م كفر تارك الصلاة .

وقد يستغرب بعض الناس أن تندرس أحكام الإسلام حتى لا يدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة , ولا يعرف الناس من الإسلام إلا قول لا إله إلا الله , ولا أرى أن هناك وجهاً للاستغراب , فهذا ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي خير شاهد على ذلك , فقد كان الإسلام منتشراً في كثير من جمهورياته , ولكن بعد أن أحكم الشيوعيون قبضتهم على تلك البلاد وحكموا شعوبها بالحديد والنار , اندرست كثير من شعائر الإسلام حتى أصبح كثيرمن الناس لا يعلمون عن الإسلام شيئاً إلا الاسم . فهذا دليل على إمكانية اندراس شعائر الإسلام في هذا العصر فكَيف بآخر الزمان ؟

ثم قال ابن قدامة رحمه الله (( وهو سور )),  مفرده سورة , والقرآن مشتمل على سور,  ولك سورة مشتملة على آيات,  وترتيب الآيات وفي المصحف وقف لم يكن اجتهاداً من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم , وإنما هو بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

وآياتٌ بينات , وحروفٌ وكلماتُ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اما ترتيب السور في المصحف فقد اختلف العلماء فيه : أهو ترتيب اجتهادي من الصحابة أم أن الأمر موقوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ في ذلك قولان .

والذي يترجح-  والعلم عند الله تعالى - أن ترتيبها أيضاً ليس عن اجتهاد من الصحابة وإنما بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم , وان الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يقرءوا القرآن وأن يرتلوه على العرضة الأخيرة التي عرضهاعليه فيها جبريل قبيل انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى .

فإن جبريل في رمضان الأخير الذي انتقل بعده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى عارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن مرتين , فلابد أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلَّغ اولئك الصحابة تلك العرضة الأخيرة , ومنها ترتيب سور القرآن .

(( وهو سور محكمات )) لأن القرآن كله محكم فهو كتاب أحكمت آياته (( وآياته   بينات )) واضحة الدلالات (( وحروف وكلمات )) ولا شك أيضاً أن القرآن حروف وكلمات , ومن قال إن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت فهو مخطئ بل كلام الله بحر ف, والقرآن حروف, وسيأتينا بعد قليل الأدلة الكثيرة التي تدل على أن هذا القرآن العظيم حروف .

أما أولئك الذين قالوا : إن الله يتكلم بغيرحرف ولا صوت , فلم يلتفتوا إلى تلك الأدلة الظاهرة, وإنما أدى بهم إلى مثل هذا القول اعتقادهم الفاسد أن كلام الله سبحانه وتعالى إنما هو الكلام النفسي القائم بذاته, حتى قال بعضهم : إن هذا القرآن العربي ليس كلام الله , وإنما هو عبارة أو حكاية عن كلام الله .

من قرأه فأعربه له بكلَّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ , له أوَّلٌ وآخر,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والصحيح أن كلام الله تعالى حروف وكلمات, تكلم الله سبحانه وتعالىبه. ثم ذكر الشيخ رحمه الله بعض الأدلة على ذلك فقال : (( من قرأه فأعربه لـه بكل حرف عشر حسنات ))(1) . لم يذكر الشيخ رحمه الله أن هذا حديث مرفوع, وهو حديث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم . عند الطبراني لكنه حديث ضعيف , وسيورد ابن قدامة فيما بعد حديثاً آخر في هذا المعنى .

وقد ورد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعرب القرآن, فإن من قرأ القرآن فاعربه لـه بكل حرف عشر حسنات , وكفارة عشر سيئات,  ورفع عشر درجات " لكن هذا الحديث أيضاً ضعيف لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم  , لكن ورد عن النبي  صلى الله عليه وسلم  حديث صحيح رواه الترمذي, وهو أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه,  أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة, والحسنة بعشر امثاله , لا اقول ألم حرف, ولكن ألف حرف, ولام حرف, وميم حرف".(2) فهذا الحديث الصحيح يغني عن الأول : (( من قرأه فأعربه )),  ومعنى أعربه : تلاه تلاوة صحيحة ولم يلحن فيه .

ثم قال ابن قدامة رحمه الله : (( له أول وآخر )) أي أن القرآن لـه أول وله آخر . فهو المفتتح بالحمد لله رب العالمين, والمختتم بقوله ((مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)) (الناس:6) 

وأجزاءٌ وأبعاض, متْلُوٌ بالألسنِة,  محفوظٌ في الصدور ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأجزاءٌ وأبعاض, متْلُوٌ بالألسنِة,  محفوظٌ في الصدور ,

(( وأجزاء وأبعاض )) . فالقرآن ثلاثون جزءاً,  نقول : معك جزء من القرآن , ويقول القائل : معي بعض القرآن,  معي سور منه , معي سورة كذا , معي من الآيات كذا وكذا, وهذا كله واضح .

وهو رد على من يزعم أن كلام الله واحد , كالأشعرية الذين يقولون : كلام الله واحد لا يتبعض ولا يتجزأ.  ويقولون : إن كلام الله هو نفسه القرآن والتوراة والإنجيل , لكن إن عبر عنه بالعربية صار قرآناً,  وإن عبر عنه بالعبرية صارتوراة , وإنه عبر عنه بالسريانية صار إنجيلاَ , وهذا خطأ؛ والقول بأن كلام الله واحد لا يتبعض, غير    صحيح .

وقد رد عليهم العلماء فقالوا : إذا قلتم إن كلام الله معنى واحد, فحين سمع موسى كلام الله, هل سمع كلام الله كله أو بعضه, فإنه قلتم : بعضه أبطلتم قولكم, وإن قلتم : كله كان قولكم باطلاً لأنه لا يعقل أن يكون موسى سمع كلام الله كله وكلام الله لا يتناهى : ((وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه(( (لقمان: من الآية27) ولا يعني العدد الحصر,  وإما حتى لو جاء سبعة وسبعة وسبعة ما نفدت كلمات الله, كما ردوا عليهم بالأدلة الدالة على تعدد الكلام كالآيات والأحاديث الدالة على أن لله كلمات , وحديث إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء, فجعل ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) (الاخلاص:1) جزءاً من اجزاء القرآن )) رواه مسلم , (1) كما ردوا علهم بالأدلة الدالة على أن القرآن بعضه أفضل من بعض وغيرها . ثم قال رحمه الله (( متلو بالألسنة )) فالمتلو بالألسنة هو كلام الله , لكن الألسنة التي تلت والصوت الذي تُلي به ينسب للمخلوق . فالكلام كلام

مسموعٌ بالآذان , مكتوبٌ في المصاحفِ, فيه محكمٌ متشابهٌ ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الباري, والصوت صوت القاري ؛ ولذا قال : (( محفوظ في الصدور )), فإذا قيل : فلان حافظ لكتاب الله تعالى فهذا المحفوظ هو كلام الله القرآن , لكن صدره وما في صدره من قلب وغيره مخلوق, لكن هذا المحفوظ في القلب والصدور هو كلام الله تعالى غير مخلوق . ثم قال رحمه الله : (( مسموع بالآذان )) فإذا سمع الإنسان القارئ يقرأ القرآن, فإنما يسمع كلام الله تعالى (( مكتوب في المصاحف )) فإذا كتب هذا المصحف على الأوراق فهذا المكتوب هو كلام الله . فكلام الله أينما تصرف وكيفما تصرف هو كلام الله,  وأما صوت القارئ,  وصدر الحافظ , وأذن السامع,  والمداد والحبر, والورق المكتوب به فهذه كلها مخلوقة, لكن كلام الله سبحانه وتعالى؛ كيفما تصرف هو كلام الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي تكلم به مبتدئاً كما سبق بيانه .

ثم قال : (( فيه محكم ومتشابه )) كما قال الله تعالى : ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ )) (آل عمران: من الآية7),  وقد سبق أن بينا أن القرآن كله محكم الإحكام العام , وكله متشابه أي يشبه بعضه بعضاً في هذا الإحكام العام , لكن فيه آيات محكمات وأخر متشابهات , والتشابه الخاص أمر نسبي بمعنى أنه قد يشتبه على بعض الناس ولا يشتبه على الآخرين, وقد وضحنا ذلك بأمثلته في بداية هذا الشرح , والحمد لله .

وناسخٌ ومنسوخٌ , وخاصٌ وعام,  وأمرٌ ونهيٌ ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) (فصلت:42)  قال تعالى : ((قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ ظَهِيراً)) (الاسراء:88) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم قال رحمه الله : (( وناسخ ومنسوخ )) وهذا هو الصحيح أن القرآن فيه ناسخ ومنسوخ والله تعالى قال : ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا))      (البقرة: من الآية106) والمنسوخ ثلاثة أقسام :

ما نسخت تلاوته وحكمه, وما نسخت تلاوته وبقي حكمه, وما نسخ حكمه وبقيت تلاوته . وتفصيل هذا في كتب علوم القرآن .

ثم قال : (( وخاصٌ وعام )) فهناك آيات خاصة ؛ خاصة بالنبي,  أو خاصة ببعض الأحوال , وفيه آيات تأتي للعموم وهذا واضح . (( وأمرٌ ونهيٌ )) وهذا أيضاً معلوم , وتفصيل ذلك في كتب أصول الفقه .ثم أخذ الشيخ يستدل على عظمة هذا القرآن وإعجازه بالآيات فقال : ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) أي ليس للبطلان إليه سبيل, لأنه منزل من عند الله , فلا يقر به أحد من شياطين الإنس ولا الجن لا بحذف ولا بإدخال ما ماليس منه, لا بزيادة ولا بنقص, فهو محفوظ في ألفاظه ومعانيه, وهو تنزيل من حكيم في خلقه وأمره,جميد على ماله من صفات الكمال . ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى (( قال تعالى : ((قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)) أي مظاهراً ومساعداً ومعاوناً, فلا يمكن أن يأتوا بمثل هذا  

وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا : ))لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ((       (سـبأ: من الآية31). وقال بعضهم : ))إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَر(( (المدثر:25) فقال الله سبحانه : ((سَأُصْلِيهِ سَقَر)) (المدثر:26) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القرآن, بل ولا يمكن أن يأتوا بسورة منه, ولا بآية وهذا التحدي للإنس والجن جميعاً لا يزال باقياً إلى آخر الزمان, ولن يتسطيعوا ذلك أبداً, هذه قريش مع كون الخلاف بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم  شديداً وهم أفصح العرب, وقد حرصوا كل الحرص على معاندته إلا انهم لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله, وكذا كل المكذبين وأعداء النبي والإسلام مع توافر عداوتهم وحرصهم على رد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  فلو أن عندهم أدنى تمكن وتأهل  لمعارضة القرآن لفعلوا ولكن هيهات .

ثم قال رحمه الله تعالى : (( وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا : ((لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ(( )), أي إن هذا المتلو بالأحرف العربية والكلام العربي هو كلام الله وهو يدل على أن الله تعالى تكلم به  بحرف وصوت,  ولهذا قال الكفار : ((لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ)), أي القرآن المعروف عندهم .

ثم قال رحمه الله : (( وقال بعضهم : ((إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَر)))) وقائل ذلك هم المشركون, وورد في بعض الروايات أن الذي قاله هو الوليد بن المغيرة؛ الذي زعم أن هذا القرآن سحر وأنه قول بشر كاذب سحار , ويدخل في هذا كل من زعم أنه قول أحد من البشر, فكذبهم الله سبحانه وتعالى ورد عليهم وتوعدهم الوعيد الشديد بقوله : ((سَأُصْلِيهِ سَقَرَ)) وهذا لبيان أن دعواه أنه قول البشر كذب , بل هو كلام الله سبحانه وتعالى, فمن العجب أن يأتي بعد ذلك من ينتسب إلى الإسلام فيقول : القرآن مخلوق . أو

وقال بعضُهمِ : هو شعرٌ,  فقال الله تعالى : ((وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)) (يّـس:69).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول : القرآن العربي ليس كلام الله بل هو كلام البشر .

وهذه الآيات تدل على أن هذا القرآن كلام الله منزل غير مخلوق, وهي نص صريح على أن الله تكلم به, وأنه كلام الله تعالى ولهذا رد الله على ذلك المشرك الباغي الذي قال : ))إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ)) فمن قال : إنه كلام الله, فهو القائل بالحق, ومن قال : إنه قول محمد وعبارته . فهو شبيه بالوليد بالمغيرة الذي قال : ((إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ)).  نسأل الله السلامة والعافية .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : وقال بعضُهم : هو شعر , فقال الله تعالى: ((وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)) (يّـس:69)؛ أي ما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم  الشعر,  وما ينبغي للرسول ولا يصلح لـه أن يكون شاعراً, وإنما هذا الذي بلغكم إياه كلام الله سبحانه وتعالى ووحيه وهو الذكر المبين .

فتسميتهم لـه بأنه شعر هو من الباطل والبهتان؛ لأن الشعر معروف بأوزانه وقوافيه والقرآن الكريم ليس على نسقه واوزانه, وقد رد الله عليهم تلك الفرية مبيناً أن القرآن ليس شعراً وإنما هو كلام الله حقيقة .

وهذا يدل أيضاًعلى أن العرب كانوا يفهمون من القرآن أنه كلمات وأحرف شبيهة بكلام العرب والشعراء, ولهذا قالوا هو شعر , فرد الله عليهم ببيان أنه ليس بقول شاعر , وأن الرسول لا ينبغي لـه أن يكون شاعراً,  فليس هو في طبعه ولا يحسنه ولا يحبه,  ولا تقتضيه جبلته عليه الصلاة والسلام, وما ورد في الصحيحين وغيرهما من إنشاده الشعر مثل قوله حين جرحت أصبعه : هل أنت

فلما نفى عنه أنه شعرٌ وأثبته قرآناً, لم يبق شبهةٌ لذي لبٍ في أن القرآن هو هذا الكتابُ العربيُّ, الذي هو كلماتٌ وحروفٌ وآياتٌ ؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحدٌ : إنه شعرٌ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلا أصبع دميت ... البيت , وإنشاده مع أصحابه أثناء حفر الخندق : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... الأبيات, فحق ثابت وبيانه من وجهين :

أحدهما : أن المقصود بالآية أن الرسول لا يقول الشعر أي لا ينظمه, وهذا لم يقع أبداً .

الثاني : وما ورد منه عن النبي صلى الله عليه وسلم  فإنما قاله ناقلاً عن غيره من غير قصد الشعر وهو قليل جداً .

والناقل للشعر لا يسمى شاعراً كما هو معلوم .

فيفهم من ذلك أن القرآن كلام الله, وانه كلمات , وحروف, وأن العرب فهموا منه هذا , ولم يعترضوا عليه, وإنما اعترضوا على أن يكون كلاماً لله سبحانه وتعالى, أما أولئك المتكلمون,فإنهم يقرون أنه من الله, لكن ينكرون أن يكون كلام الله , ولا شك أن كلامهم غير صحيح .

ثم قال رحمه الله تعالى : ((فلما نفى عنه أنه شعرٌ وأثبته قرآناً, لم يبق شبهةٌ لذي لبٍ في أن القرآن هو هذا الكتابُ العربيُّ, الذي هو كلمات وحروفٌ وآياتٌ؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحدٌ : إنه شعر )) .

وهذا واضح الدلالة من كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى, فهو تعليق جيد يبين أن هذا القرآن الكريم لو لم يكن كلمات وحروفاً فإنه لا يمكن أن يشبه بالشعر أو أن يوصم من يقوله بأنه شاعر,  فلما نفى الله عنه أن يكون شعراً دل

وقال عز وجلَّ : ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ )(البقرة: من الآية23) ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثلِ ما لا يُدْرى ما هو ولا يُعْقَل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على أنه مكون من كلمات وحروف وليس بشعر, وهذا واضح الدلالة جداً,  فالعرب على فطرتهم-  وان كانوا كفاراً - كانوا أفقه في مثل هذه المسائل من أولئك المتكلمين الذين خاضوا  فيها بلا علم .

ثم قال رحمه الله تعالى : (( وقال عز وجل : ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ))(البقرة: من الآية23), أي إن كنتم في شك من هذا القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم  فائتوا بسورة من مثل هذا القرآن,  وابتدعوا نبوة وديانة جديدة, وادعوا شهداءكم من دون الله واستعينوا بهم على دعواكم إن كنتم صادقين .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى معلقاً ((ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثلِ ما لا يُدْرى ما هو ولا يُعْقَل .)) أي : لا يمكن أن يتحدهم إلا بشيء يفهمونه ويسمعونه وهو من جنس ما يعهدون من الكلام , ولهذا افتتح الله السور بالحروف المقطعة تحدياً للعرب(1) كأنه يقول : ))الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ ِيهِ (( (البقرة:2,1)

وقال تعالى : ((وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي )) (يونس: من الآية15) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

. يا ايها العرب هذا القرآن هو من الحروف التي أنتم تتكلمون بها , وكلامكم كله يرجع إلى هذه الحروف , وهذا القرآن أيضاً هو متلو بهذه الحروف, ومع ذلك هو كتاب الله الذي لا ريب فيه, أنزله الله على عبده, وهنا في هذه الآية قال : ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه)) أي من مثل هذا القرآن العربي , وقطعاً لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن ياتوا بمثله .

فالشاهد هنا أنه لو لم يكن هذا القرآن المتلو هو كلام الله سبحانه وتعالى, بكلماته وحروفه لما صح في التحدي أن يقال لهم : ائتوا بسورة من مثله وهذا واضح جداً.

ثم قال : ((وقال تعالى : ((وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ)))) , أي إذا تتلى على هؤلاء المكذبين آيات الله القرآنية الواضحة المبينة للحق أعرضوا عنها, وتعنتوا بما حكى الله عنهم :((قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ))                    (يونس: من الآية15), أي جئنا بقرآن غيره من نمط آخر أو بدله من وضع إلى وضع آخر, فقال الله لنبيه رداً عليهم : ((قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي))       (يونس: من الآية15) لأن هذا وحي من الله سبحانه وتعالى وأنا عبد (1)

فأثبتَ أن القرآنَ هو الآيات التي تتلى عليهم )) وقال تعالى : ((بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ)) (العنكبوت:49)  وقال تعالى ((إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ)) (الواقعة:78).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مأمور ورسول مبلغ : ((إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَي)) (الأنعام: من الآية50) فهو صلى الله عليه وسلم  متبع غير مبتدع كما قال تعالى : ((فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ(( (القيامة:18) .           ثم قال الشيخ معقباً على هذه الآية:  (( فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم )) وهذا هو الشهد من إيراده لها,  وهو بيان مذهب أهل  السنة والجماعة في أن هذا القرآن هو هذه الآيات المشتملة على كلمات وحروف, ثم قال : وقال تعالى :  ((بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ)) )) والذين أوتوا العلم هم سادة الخلق وهم اولو الألباب وهم الرجال الكاملون, فإذا كان القرآن آيات بينات في صدور هؤلاء كان حجة على غيرهم ممن خالفهم من الجاحدين الظالمين,  والشاهد من الآية هنا الدلالة على أن هذا المحفوظ في الصدور هو كلام الله تبارك  وتعالى .

(( وقال تعالى : ))إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(( أي محفوظ لا تناله أيدي العابثين بل هو محفوظ من كل تبديل او تحريف او تغيير .

واختلف العلماء في هذا الكتاب المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون على قولين :

أحدهما : أن المطهرين هم الملائكة لأن الله طهرهم من الآفات والذنوب والعيوب,  والكتاب المكنون هو الكتاب الذي في السماء , وهو اللوح المحفوظ او الكتاب الذي بأيدي الملائكة الذين ينزلهم الله لوحيه ورسالته , 

بعد أن أقسم على ذلك .

وقال تعالى : ))كهيعص(( (مريم:1) ))حم (1) عسق(( (الشورى:2) وافتتح تسعاً وعشرين سورة بالحروف المقطعة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومعنى ( مكنون) : أي مستور عن اعين الخلق , محفوظ موقر .

الثاني : أن المقصود المطهرون من الحدث والجنابة, وعليه فالكتاب المكنون هو المصحف , قالوا : ولفظ الآية خبر بمعنى الطلب .

والراجح هو الأول لأنه قول الأكثر, ويدل عليه السياق حيث أخبر أن هذا القرآن في ذلك اللوح المحفوظ , وان ذلك اللوح المحفوظ لا يمسه إلا المطهرون وهم الملائكة,  لكن على القول الأول أنه المصحف, قد يمسه غير المطهر وقد يمسه المشرك,  فهذا يرجح أن المقصود بالآية هو المكتوب في اللوح المحخفوظ الذي لا قدرة لأهل  الخبث والشياطين عليه ولا على مسه , وهذا فيه إشارة إلى انه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر كما ورد في الحديث .

وهذا المكتوب في اللوح المحفوظ بحروفه وكلماته هو كلام الله سبحانه وتعالى .

ثم قال : (( بعد أن أقسم على ذلك )) يشير إلى قوله تعالى : ((فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ)) (الواقعة:78). حيث اقسم بالنجوم ومساقطها في مغاربها, ثم عظم هذا المقسم به لأن في النجوم والأفلاك آيات وعبرا عظيمة, وكل ذلك لبيان أهمية وعظمة المقسم عليه وهو القرآن وإثباته وأنه لا شك فيه فهو كلام الله حقا, وأنه في كتاب مكنون .

ثم قال : (( وقال تعالى: {كهيعص} )) في سورة مريم . وقال  ..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تعالى : ((حم (1) عسق)) في سورة الشورى (( وافتتح تسعاً وعشرين سورةً بالحروف المقطعة )) .

أراد الشيخ رحمه الله بهذا  الكلام أمرين :

أحدهما : أن قوله تعالى ((كهيعص)) حروف ومع ذلك فهي من كلام الله سبحانه وتعالى وداخلة في مسمى القرآن, وكذلك قوله : ((حم (1) عسق))  وكذلك الم وغير ذلك من الحروف المقطعة التي افتتح الله تعالى بها تسعاً وعشرين سورة من سور القرآن العظيم .

وذكر الله سبحانه وتعالى القرآن بعد كل حروف مقطعة بدا بها السورة في معظم المواضع (1) كما قال تعالى)) الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه(( (البقرة: من الآية2)   ((ص * وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر)) (صّ:1) ((نْ * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)) (القلم:1)  ))ق * وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ(((قّ:1) .

وذكر القرآن العظيم بعد هذه الأحرف المقطعة في غالب السور دليل على أن هذه الحروف هي كلام الله , وعلى أن المقصود - والعلم عند الله تعالى من هذه الحروف-  بيان إعجاز القرآن العظيم , وكأن الله تعالى يقول للمشركين : هذه هي نفس الحروف التي تتحدثون بها وتركبون منها كلامكم ومع ذلك فإن هذا القرآن العظيم من عند الله سبحانه وتعالى وانتم لا تستطيعون أن تأتوا بمثله, فهذا يدل على أن هذا القرآن حروف وكلمات وانه كلام الله تعالى

وقال النبي  صلى الله عليه وسلم  : " من قرأ القرآن فأعربَهُ فله بكلِّ حرف منه عشر حسنات , ومن قرأه ولحن فيه,  فله بكلِّ حرف حسنة " حديث صحيح .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حقيقة منه بداِ وإليه يعود-  كما سبق بيانه .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن موضوع القرآن : (( وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : " من قرأ القرآن فأعربَهُ فله بكلِّ حرفٍ منه عشر حسنات, ومن قرأه ولحن فيه , فله بكلِّ حرفٍ حسنة "(1) حديث صحيح)) .

نقول : قول ابن قدامة رحمه الله تعالى عن هذا الحديث : إنه حديث صحيح, غير مسلم حسب ما اطلعنا عليه من مصادر السنة , ولعل الشيخ رحمه الله تعالى اختلط عليه هذا الحديث بالحديث الآخر الصحيح الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم : " من قرأحرفاً من كتاب الله فله به حسنة , والحسنة بعشر أمثالها , لا أقول آلم حرف , ولكن ألف حرف, ولام حرف,  وميم حرف" وهذا الحديث رواه الترمذي وهو حديث صحيح (2).

وقال عليه السلام : " اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمونَ حروفَةُ إقامةَ السَّهم,  لا يجاوزَ تراقيهم , يتعجَّلون أجْرَهُ ولا يتأجَّلونه " .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما الحديث الذي أورده الشيخ هنا فقد رواه الطبراني وفي سنده رجال ضعتء ومن ثم فإن الحديث ضعيف, والشاهد منه أن هذا القرآن حروف وكلمات .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : وقال عليه السلام : " اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمونَ حروفَةُ إقامةَ السَّهم, لا يجاوزَ تراقيهم , يتعجَّلون أجْرَهُ ولا يتأجَّلونه " (1)هذا الحديث رواه الإمام أحمد وغيره وهو حديث صحيح الإسناد .

ومعنى (( يقيمون حروفه إقامة السهم )) يعني أنها إقامة صحيحة دقيقة فهم يقرأونه ويتلونه تلاوة طيبة جيدة مجودة, لكن هؤلاء لضعف إيمانهم (( لا يجاوز تراقيهم )) والترقوة هي الحلق ؛ أي لا يجاوز حلوقهم لأنهم لا يتلونه لله سبحانه تعالى , وإنما يتلونه ليقال : فلان قارئ , فلان مجود , فلان حسن القراءة , كما هو مشاهد في الأزمنة المتأخرة , حيث صار التنافس على القراءة وعلى تجويدها والمفاخرة في ذلك كبيراً,  ومن ثم وقع بعض هؤلاء القراء في أن أصبحوا يتعجلون القرآن ولا يتأجلونه .

ومعنى : ( يتعجلون أجره ) أي : ثوابه في الدنيا إما عن طريق أخذ الأجرة

وقال ابو بكر وعمر رضي الله عنهما : (( إعرابُ القرآنِ أحبُّ إلينا من حفظِ بعضِ حروفهِ )) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على تلاوته بحيث كون هذا هو هدفه من القراءة, وإما ليقال عن الواحد منهم في الدنيا : إنه قارئ مجود, ( ولا يتأجلونه ) أي لا يقرأون القرآن يقصدون به وجه الله سبحانه وتعالى, ويطلبون الأجر من الله تبارك وتعالى يوم القيامة؛ ليكون القرآن شفيعاً لهم ومحاجاً عنهم في تلك المواقف العصيبة كما قال : (( اقراوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ))(1).

وقد ذكر النبي  أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة وذكر منهم : ((ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن , فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته , وقرأت فيك القرآن قال : كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال : عالم, وقرأت القرآن ليقال : هو قارئ. فقد قيل , ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار))(2) والعياذ بالله .

ثم قال الشيخ رحمه الله : (( وقال ابو بكر وعمر رضي الله عنهما : (( إعرابُ القرآن احبُّ إلينا من حفظِ بعض حروفهِ )) أي أن كون الإنسان يعرب القرآن ويقرؤه ويتلوه تلاوة صحيحة احب إلى احدهم من أن يحفظه على خطأ في الإعراب, فتجده يخطئ اثناء القراءة ويلحن فيها فينصب الفاعل ويرفع المفعول,فالذي يتلوه-  ولو من غير حفظ - عن دراية وإتقان أحسن , ومن حفظه كله أو بعضه عن دراية وإتقان فهو الأحسن منهما , وهذا الأثر الوارد عن ابي بكر وعمر رضي الله عنهما رواه ابن الأنباري في كتابه المشهور في الوقف والابتداء , لكن إسناده إلى أبي بكر أو عمر

وقال عليٌ رضي الله عنه : (( من كفر بحرفٍ منه,  فقد كفر به كلَّهُ )).

واتفق المسلمون على عدِّ سور القرآنِ وآياته , وكلماتِهِ , وحروفِهِ , ولا خلاف بين المسلمين في أنَّ من جحد من القرآن سورةً , أو آيةً , أو كلمةً , أو حرفاً متفقاً عليه - انه كافر,  وفي هذا حجَّةُ قاطعةُ على انه حروفٌ .

ضعيف والشاهد تقرير الصحابة أن القرآن حروف .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم قال الشيخ : (( وقال عليٌ رضي الله عنه : (( من كفر بحرفٍ منه , فقد كفر به      كله )) )) . هذا الأثر الوارد عن علي بن ابي طالب مروي عنه بسند صحيح رواه عنه ابن ابي شيبة في المصنف, وأيضاً رواه عنه ابن جرير في مقدمة تفسيره , وهو اثر موقوف صحيح , وما دل عليه من الحكم مجمع عليه , وقد فسره الشيخ رحمه الله تعالى بعد ذلك فقال : ((واتفق المسلمون على عدِّ سور القرآنِ وآياته , وكلماتِهِ , وحروفِهِ , ولا خلاف بين المسلمين في أنَّ من جحد من القرآن سورةً , أو آيةً , أو كلمةً , أو حرفاً متفقاً عليه - انه كافر,  وفي هذا حجَّةُ قاطعةُ على انه حروفٌ .

اجمع العلماء على أن من كفر بحرف من القرآن متفقاً عليه , بين العلماء فهو كافر كمن انكر القرآن كله أو سورة من سوره, أو جزءاً من اجزائه, وهذه قضية واضحة جدَّاً شبيهة بقولنا : من كفر برسول ورد ذكره في القرآن مثلاً فقد كفر بجميع الرسل , فلو أن إنساناً آمن بالرسل جميعاً وصدق بهم واتبع محمد . ثم قال : أنا لا أؤمن برسالة نبي الله صالح , أو نبي الله هود, فإنه والحالة هذه يكون كافراً, بل هو كافر بجميع الرسل , لأن السبب الذي من أجله آمن ببقية الرسل موجود في صالح او في هود, فإذا كفر به فكانه كفر

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالبقية, وكذلك هنا : من كفر بحرف من كتاب الله تعالى مجمع عليه فقد كفر بالقرآن كله ؛ لأن السبب الذي من اجله آمن بهذه السورة أو ذلك الجزء من القرآن موجود في هذا الحرف الذي انكره , فإذا انكر هذا الحرف فكأنه أنكر القرآن كله , وهذا بإجماع المسلمن لم يخالف في ذلك أحد .

وقول الشيخ : (( واتفق المسلمون على عد سور القرآن )) حيث يقولون : في القرآن مائة واربع عشرة سورة , ويعددون آياته , ويعددون كلماته ,بل ويعددون حروفه , حتى ذكروا عدد حروف القرآن من أوله إلى آخره , وهذا كله دليل على أن القرآن حروف وكلمات, وهذه القضية هي التي أراد الشيخ أن يبين مذهب أهل  السنة والجماعة فيها وهي : أن القرآن كلام الله , وانه حروف وكلمات, كما أراد به الرد على المبتدعة من الأشعرية والماتريدية وغيرهم ممن سار على طريقتهم . وقوله : (( وفي هذا حجة قاطعة على انه حروف )) ختم الشيخ كلامه في مسألة القرآن بما اراد أن يقرره من مذهب أهل  السنة والجماعة في أن القرآن هو كلام الله تعالى وانه حروف وكلمات , وهذا بإجماع أهل  السنة والجماعة رحمهم الله تعالى .

وبهذا يكون الشيخ رحمه الله تعالى انهى الكلام في بعض المسائل المتعلقة بأسماء الله وصفاته حيث ركز على قضيتين كبيرتين :

إحداهما : قضية العلو لله تعالى .

والثانية : قضية إثبات كلام الله تعالى, ومنه الكلام في القرآن .

وبهذا يكون الشيخ قد انهى القضايا المتعلقة بالصفات .

فصل

والمؤمنين يرو ن الله تعالى في الأخرة بأبصا رهم , ويزورونه , ويكلِّمهم ويكلّمونه

ثم انتقل الشيخ إلى قضية أخرى لها علاقة بالصفات, لكنها قضية مستقلة فقال رحمه الله تعالى : ((والمؤمنون يرون الله تعالى في الآخرة بأبصارهم , ويزورونه , ويكلَّمهم ويكلّمونه )) .

وهي قضية رؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى في الآخرة . والمقصود بقولـه :             (( بأبصارهم )) بيان أنها رؤية حقيقية, وليست رؤية قلب, أو رؤية فؤاد , ولا رؤية تعقل وتفكر , وإنما هي رؤية عيانية بصرية , فالمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة , ويرون ربهم أيضاً في الجنة, نسأل الله العظيم الكريم من فضله .

وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الرؤية ويقررونها , وقد ذكروا هذه العقيدة وأدلتها في جميع كتب أهل  السنة والجماعة, بحيث يمكن أن نقول : لم يؤلف أحد في العقيدة قديماً وحديثاً إلا وذكر الرؤية, وأن المؤمنين يرون ربهم حيث دل على ذلك كتاب الله, وسنة رسوله , والأحاديث الواردة في الرؤية متواترة , وقد افرد لها بعض العلماء مؤلفات مستقلة :

فممن افرد لها كتاباً : الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى, فإن لـه كتاباً اسمه (( الرؤية )) وهو مطبوع . وأيضاً ممن أفرد لها كتاباً : الآجري,  فإنه كتب كتاباً اسمه (( التصديق بالنظر  إلى الله في الآخرة )) وهذا الكتاب طبع مستقلاً كما طبع ضمن كتابه الشريعة وغيرهم من العلماء .

وقبل أن نذكر الأدلة عليها نشير إلى أن الذين خافوا في باب الرؤية هم

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعتزلة , وسار على منهج المعتزلة : الرافضة , والزيدية والإباضية - إحدى طوائف الخوارج - فإنهم ينكرون الرؤية .

أما بالنسبة للغلاة من الجهمية والفلاسفة  وغيرهم فإنهم ينكرون مع الرؤية ما هو اكبر وأظهر مما هوة معلوم من مذاهبهم الغلية الفاسدة . أما بقية طوائف أهل  السنة المنتسبين إلى السنة فإنهم يثبتون الرؤية في الجملة, فيثبتها أهل  السنة والأشاعرة , والماتريدية , ويردون على المعتزلة في ذلك, إلا أن الأشاعرة والما تريدية وإن الفوا كتباً في إثبات الرؤية وردوا  بها على المعتزلة , إلا أن نفيهم لعلو الله سبحانه وتعالى أوقعهم في مأزق فيما يتعلق بإثبات الرؤية , حتى أن المعتزلة نفاة الرؤية قالوا لهؤلاء الأشاعرة : لا يمكن أن تصح الرؤية إلا بإثبات العلو , لأنها مستلزمة له أما إذا نفيتم علو الله واثبتم الرؤية,  وقلتم إنها بلا مقابلة فمعنى ذلك أنكم لم تثبتوا الرؤية حقاً وإنما أثبتم رؤية علمية وهذه لا نخالفكم فيها .

وما ذهب إليه الأشاعرة والماتريدية في هذه القضية مخالف لمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى, فإثباتهم للرؤية وإنكارهم للعلو تناقض , فهم إما أن  يثبتوا الرؤية , وأن المؤمنين يرون ربهم, ويرفعون إليه أبصارهم في الجنة, فيرونه ويكلمهم ويكلمونه , وبذلك يثبتو الرؤية والعلو جميعاً, أو يسلكوا مسلك المعتزلة الذين نفوا الأمرين جميعاً,  نفوا العلو لله سبحانه وتعالى , وعلى إثره نفوا رؤية الله سبحانه وتعالى وحملوها على الرؤية العلمية أو نحوها , مع العلم أن مذهبهم أعظم بطلاناً من مذهب من أثبت الرؤية ونفى العلو ووقع في النتاقص .

قال الله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (القيامة:23) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما أهل  السنة والجماعة فهم الذين وفقهم الله سبحانه وتعالى لسلوك المنهج الحق بإثبات الأمرين جميعاً .

وقول الشيخ هنا (( ويزورونه)) سبق إيراد الحديث الوارد في لفظ الزيارة, وانه حديث ضعيف ثم قال : (( ويكلمهم ويكلمونه )) أيضاً سبق الكلام عنه, وهو يدل على إثبات صفة الكلام والتكليم لله تعالى, وأنه  تكليم بشيئته وإرادته, وهذا رد على الذين يقولون : إن صفة الكلام هي الكلام النفسي, وان الله لا يتكلم إذا شاء متى شاء .

فكون المؤمنين يرون ربهم في الجنة , ويكلمهم ويكلمونه في ذلك الوقت, يدل على أن تكليم الله لهم إنما هو خاصٌ في ذلك الوقت أي يوم القيامة, فتكليمه لهم وهم في الجنة يدل على أن صفة  الكلام لله سبحانه وتعالى هي بإرادته ومشيئته وليس تكليمه لهم بالكلام الأزلي الذي هو المعنى القائم به , كما تدعيه الأشاعرة وغيرهم , وهذا واضح وقد سبق بيانه .

ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى الأدلة على إثبات الرؤية من كتاب الله تعالى فقال : ((قال الله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ناضرة من النضرة والنور والضياء, إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ أي تنظر إلى ربها سبحانه وتعالى , و هذه الرؤية هي الرؤية العيانية البصرية التي يثبتها أهل  السنة والجماعة .

وما تأوله المتأولة بقولهم : إن قوله تعالى : إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ المقصود إلى ثواب ربها ناظرة أي منتظرة, تأويل ضعيف جداً, لأن لفظ نظر إذا عدّي بإلى

وقال : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (المطففين:15) .

فلما حجبَ أولئك في حالِ السخطِ دلَّ على أن المؤمنين يرونه في حالِ الرضا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ, فإنه لا يكون إلا في باب النظر البصري العياني, خاصة وأنه نسب النظر إلى الوجوه التي فيها الأبصار. 

أما إذا عدي بفي فإنه يكون بمعنى التفكر كقوله تعالى : قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (يونس: من الآية101) وقوله تعالى : أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (لأعراف: من الآية185) فالمقصود بالنظر هنا التفكر , وإذا عدي بنفسه  كقوله تعالى : انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ (الحديد: من الآية13) كان بمعنى التوقف والانتظار؛ أما إذا عدي بإلى كما في قوله تعالى : انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ (الأنعام: من الآية99) كان المقصود بالنظر : البصر, أي انظروا إلى ذلك الثمر, وعلى ذلك فإن آية سورة القيامة نصٌ صريح في إثبات الرؤية وقد قال بتفسيرها بذلك جماهير السلف رحمهم الله تعالى, أما تأويلها بغير ذلك فهو تأويل باطل وبعيد .

ثم قال الشيخ : (( وقال تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ هذا في الكفار (( فلما حُجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا)) .

هذا الاستدلال والاستنباط من هذه الآية قال به عدد من علماء أهل  السنة ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فإنه احتج بهذه الآية على إثبات الرؤية , لأن الله تعالى يقول في سورة المطففين عن المشركين : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ

وإلا لم يكن بينهما فرق . وقال النبيُّ  : (( إنكم سترون ربكم كما تَرَوْن هذا القمر,  لا تضامّونَ في رؤيته )) حديث صحيح متفق عليه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (المطففين : 15) فذكر الله سبحانه وتعالى من ضمن عذابهم أنهم يحجبون عن ربهم تبارك وتعالى , وهذا الحجاب لو كان شاملاً للكفار وللمؤمنين, لما صار بالنسبة للكفار عذاباً وسخطاً من الله سبحانه وتعالى, ولم يكن هناك فرق بين المؤمنين والكفار, فالمؤمنون أيضاً عند نفاة الرؤية محجوبون عن ربهم , فما فائدة هذا التهديد والوعيد ؟

فاستنبط علماء أهل  السنة من هذه الآيةأن هؤلاء الكفار لما كانوا معاقبين بالحجاب , وانهم لا يرون ربهم سبحانه وتعالى, دل على أن المؤمنين الصادقين لا يحجبون عن ربهم سبحانه وتعالى , وإنما يرونه وينظرون إليه وينعمون بذلك أعظم النعيم , وهذا دليل قوي جداً .

ثم قال ابن قدامة رحمه الله : (( وإلا يكن بينهما فرق)) وهذا صحيح واستنتاج دقيق , دل عليه سياق الآيات ومدلولها ومعناها .

ثم قال الشيخ : ((  وقال النبي  : (( إنكم سترون ربكم كما تَرَوْن هذا القمر , لا تضامّونَ في رؤيته )) حديث صحيح متفق عليه .

وردت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله , عن عشرات من الصحابة , كلهم رووا أحاديث الرؤية , فهي أحاديث متواترة,  والنبي نوَّع الأدلة على ذلك فقال عليه والصلاة والسلام  (( إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر, ليس دونه سحاب)) . (1)

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوسأله بعض الصحابة : يارسول الله , هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قفال لهم رسول الله : (( هل تضار ون في القمر ليلة البدر؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : فإنكم ترونه كذلك )) وفي لفظ : قال : (( هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحواً ؟ قالنا : لا قال : فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما ))(1).

فالجميع يرون القمر ولا يضامون أي لا يجدون مشقة في رؤيته, وإن كانوا جميعاً , حيث إن الألوف المؤلف من الناس بل آلا ف الملايين لو اجتمعوا لرأوا القمر جميعاً,  دون مشقة؛  ومن ثم فإن النبي أثبت بهذه الأحاديث أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عياناً بأبصارهم, وقد ورد أن المؤمنين لا يجدون ألذَّ ولا أنعم ولا أطيب من رؤية الله تبارك وتعالى .

فالجنة فيها من النعيم الذي لم يخطر على بال أحد أبداً, فيه انهار من ماء , ومن خمر,  ومن لبن , ومن عسل , فيها قصور وحبور,  فيها طوبى :شجرة يسير الراكب فيها مسافة كذا وكذا فيها الحور العين : كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (الرحمن:58) فيها من ألوان النعيم ما لاعين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر, ومع هذا التنيم العظيم الذي يتقلب فيه أهل  الجنة , فإن الله تعالى يزيدهم عليها نعماًكثيرة :

منها الخلود, ورفع الخوف والحزن , ومنها الرضا , ومنها نزع الغل والحسد والبغضاء من القلوب كما قال تعالى : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (الحجر:47) .   ولكن أعظم تلك النعم جميعاً هي نعمة النظر إلى وجه الله الكريم نسأل الله الكريم , ألا يحرمنا من النظر إلى وجهه الكريم, فالنظر إلى الله تعالى في الجنة هو النعيم الذي لا نعيم فوقه وهو اللذة الكبرى, والمؤمن حقاً يشتاق إلى ربه لأنه يحبه , كما قال :(( من أحبَّ لقاء الله أحب الله لقاءه , ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه))(1).

والذي يحب لقاء الله هو الذي عمرّ آخرته بالأعمال الصالحة , وعمل بما أمره الله به , واجتنب ما نهى عنه, وهو الذي آثر الباقية على هذه الدنيا الفانية؛ حيث نظر إلى قصرها وحقارتها وندها وضيق عيشها وأحزانها فتضاءلت وصغرت في عينه فآثر عليها الدار الباقية .

فإذا جاء يوم القيامة أتاها آمناً مطمئناً , لأنه أطاع الله وعصى هواه وشيطانه , فينعم الله عليه بنعم جليلة على رأسها النعمة الكبرى , وهي النظر إليه وهذه الرؤية حق لا شك فيه كما قال : (( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر )) . فليس هناك شك في رؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى بأبصارهم في الجنة . فكيف لا يعمل الإنسان لهذا اليوم ؟ وكيف لا يعد له عدته ؟ أما يخشى العاقل أن يكون يوم القيامة من المحجوبين ؟

والرسول كان يقرب لأصحابه الغيبيات عن طريق ضرب الأمثال بالأمور المشاهدات , حيث شبه رؤية الله سبحانه وتعالى برؤية القمر , ولم يشبه الله سبحانه وتعالى بالقمر, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً بل شبه الرؤية

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالرؤية وذلك مفيد لعدة أمور :

أولها : سهولة الرؤية إذا أراد الله سبحانه وتعالى, حيث يقدر الله عباده المؤمنين بما لا يكونون قادرين عليه في الدنيا .

ثانيها : أن كثرة الناس وكثرة أهل  الجنة لا تمنع من رؤية الله سبحانه وتعالى , بل الجميع يرونه ولا يضامون ولا يضارون في رؤيته .

وثالثها : أن الرؤية بصرية حقيقية . ولهذا قال : (( كما ترون القمر ليلة البدر )) أو (( كما ترون القمر ليس دونه سبحاب )) أو (( كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب)) حتى يؤكد هذه الرؤية العينية البصرية .

ولا يعني هذا أن المؤمنين حين يرون ربهم يحيطون به , بل هو سبحانه وتعالى لا تحيط به الأبصار,تراه لكن لا تدركه ولا تحيط به , ولهذا قال سبحانه وتعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار (الأنعام: من الآية103) والمعتزلة احتجوا بهذه الآية على أن الله لا يرى,  والمعتزلة وهم أهل  اللغة فاتهم أن الرؤية غير الإدراك والدليل على ذلك أن أصحاب موسى لما لحقهم فرعون, وكانوا يرونه ويراهم , قالوا لما خشوا أن يلحق بهم فرعون : إِنَّا لَمُدْرَكُون (الشعراء: من الآية61), وقد كانوا يتراءون, فلو كان الإدراك بمعنى الرؤية لكان ما خافوه قد وقع, لأنهم يرونهم وفرعون وراءهم يتبعهم يريد اللحاق بهم وقتلهم, فلما قال موسى عليه الصلاة والسلام : كَلاَّ أي لا ندرك, دل على أن الإدراك غير الرؤية, ولو كان معنى كَلاَّ  أي لا نرى , لكان الكلام غير مطابق للواقع لأنهم كانوا يرونهم, ولهذا فإنهم مع أنهم كانوا يرونهم لم يدركوهم بإذن الله تعالى؛ لأن

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه البحر فانفلق ونجا موسى ومن معه وغرق فرعون وجنوده وهم ينظرون إليهم .

والفرق بين الأمرين في غاية الوضوح فإن الإنسان كثيراً ما يرى الشيء لكنه لا يدركه , وهذا مشاهد, فإننا نرى الشمس والقمر والنجوم والكراكب والجبال العظيمة والبحار والواسعة ومع ذلك لا ندركها, فقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار آية عظيمة دالة على الرؤية, كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى, فإنه قال في أحد مقاماته ومناظراته للخصوم : ((ما احتج النفاة بدليل إلا ودل على ضد قولهم )) فهذه الآية : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار احتج بها المعتزلة على نفي الرؤية وهي دليل على ضد قولهم , لأن قوله :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار نفي , والله سبحانه وتعالى لا يوصف إلا بالنفي الذي يتضمن مدحاً , فلو كان المعنى أنه لا يرى ابداً لم يكن ذلك مدحاً , لكن لما قال : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار دل على أن نفي الإدراك مع ثبوت الرؤية فيه أعظم المدح لله سبحانه وتعالى .

ومثلها الآية الأخرى لما قال موسى لربه: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي (لأعراف: من الآية143) فهذه الآية أيضاً احتج بها المعتزلة وقالوا : قوله : لَنْ تَرَانِي يعني أنني لا أرى لا في الدنيا ولا في الآخرة, وهذه الآية حجة عليهم من عشرة أوجه, ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية وذكرها شارح الطحاوية ابن ابي العز رحمه الله تعالى , ولكن أشير هنا إلى وجهين فقط,  ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وإلى شرح الطحاوية .(1)

الوجه الأول : أن الله تجلى للجبل كما قال تعالى : وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً (لأعراف: من الآية143) فإذا كان قد تجلى الله للجبل فاندك, فهو لدليل على أن الله قد يتجلى لبعض عباده فيرونه إذا شاء .

الوجه الثاني : أنه لا يليق بكليم الله سبحانه وتعالى موسى أن يطلب ما لا يمكن من الله سبحانه وتعالى, والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يخبره بأن هذا الطلب غير ممكن, أو قال : إنني لا أرى, أو أن رؤيتي غير ممكنة , بل أخبره بأنه لا يقوى عليها في الدنيا .

فالله سبحانه وتعالى - كما حكي إجماعاً من أهل  العلم-  لا يرى في الدنيا, وقد ثبت في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي أنه قال : (( إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ))(2).

حتى رسول الله مع وجود الخلاف المعروف في رؤيته لربه ليلة المعراج, فالرأي الراجح أنه لم ير ربه بأم عينيه, وإنما رآه فؤاد وبقلبه , أما بأم عينيه فلم يره . ولعل سبب ذلك أن الناس في هذه الدنيا لا يستطيعون أن يقووا على رؤية الله سبحانه وتعالى , لكن إذا كان في يوم القيامة وأحوالها التي تخالف كثيراً من أحوال الدنيا , فإن الله سبحانه وتعالى , يعطيهم من القوة ما يثبتون به ويقوون على رؤية الله سبحانه وتعالى , وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه الأدلة .

وهذا تشبيهٌ للرؤيةِ بالرؤيةِ لا للمرئيِّ بالمرئيَّ فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : ((وهذا تشبيهٌ للرؤيةِ بالرؤيةِ لا للمرئيِّ بالمرئيِّ,  فإِن الله تعالى لا شبيه لـه ولا نظير )) . وهذا استدراك وبيان من ابن قدامة حتى لا يظن ظان أن في قول النبي : (( إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر )) تشبيهاً لله بالقمر , بل النبي أراد تشبيه مطلق الرؤية , أي كما أنكم ترون القمر , فإنكم أيضاً ترون الله,  ولم يقصد تشبيه المرئي بالمرئي, ففيه بيان لوقوع الرؤية وأنها حقيقة, أما القمر فإنه لا يشبه الله ؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا شبيه لـه ولا نظير لـه من كأي خلق من مخلوقاته,  ويدل على ذلك حرف الكاف التي للتشبيه ثم مجيء (ما) المصدرية, الدالان على أن المقصود تشبيه الرؤية بالرؤية , وأيضاً ما ورد من سبب الحديث حيث سأل بعض الصحابة : كيف نرى ربنا ونحن جميع وهو واحد, فضرب لهم المثل برؤية القمر أو الشمس,  وهذا بين واضح والحمد لله .

* * *

فصل

ومن صفات الله تعالى أنه الفعَّالُ لما يريدُ , لا يكونُ شيءٌ إلا بإرادته, ولا يخرجُ شيءٌ عن مشيئتِهِ .

بعد هذا انتقل الشيخ رحمه الله تعالى إلى فصل آخر فقال : (( فصل . ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد )) وهذا ربط من الشيخ رحمه الله تعالى لمسألة القدر بمسألة صفات الله سبحانه وتعالى, ونحن نعلم أن من توحيد الله تعالى في ربوبيته واسماءه وصفاته الإيمان بالقدر, والمقتضي للإيمان بعلم الله , وكمال مشيئته وإرادته , والإيمان بأن الله هو الخلاق العليم , وأنه خالق كل شيء بالإيمان بالقضاء والقدر, ومراتبه مرتبط أعظم ارتباط بالإيمان بالأسماء والصفات , ولهذا قال رحمه الله تعالى : (( فصل ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد , لا يكون شيء إلا بإرادته, ولا يخرج شيء عن مشيئته )) .

فمن صفات كماله تبارك وتعالى أنه الفعال لما يريد, ومن صفات كماله تبارك وتعالى انه عليم احاط عمله بكل شيء , فعلم وما كان وما لم يكن لو كان كيف يكون,علم سبحانه وتعالى كل شيء مما سبق ومما سيأتي , وهذه أولى مراتب القدر الأربع .

المرتبة الثانية : مرتبة الكتابة : أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى قيام الساعة, ولهذا ورد في الحديث عن النبي أنه قال : (( لما خلق الله القلم قال له : اكتب , قال : ربي وما أكتب قال : اكتب ما هو كائن

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى يوم القيامة ))(1) وفي الحديث الآخر الصحيح أيضاً : (( قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخسين ألف سنة,  وكان عرشه على الماء))(2) رواه مسلم .

فهذه دالة على أن الله كتب ما هو كائن, وفي القرآن العظيم أيضاًأدلة على أن الله سبحانه وتعالى كتب ذلك ؛ قال تعالى :أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (الحج:70) والأدلة على إثبات الكتابة كثيرة جداً .

المرتبة الثالثة : من مراتب القدر : مرتبة المشيئة والإرادة, أي أن مشيئة الله الكونية القدرية شاملة ومحيطة بكل شيء,  فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن, فهو الذي شاء واراد كل ما هو موجود,  فكل ما يقع من خير وشر فالله سبحانه وتعالى اراده وشاءه كوناً , وهذه أيضاً أدلتها كثيرة جداً , قال الله تعالى :وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (التكوير:29) وقال تعالى :مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (الأنعام: من الآية39).

فقول الشيخ رحمه الله تعالى : (( ومن صفاته انه الفعال لما يريد)) أي أنه سبحانه وتعالى كما وصف نفسه في القرآن فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (البروج:16) فهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويختار, وليس لأحد من الخلق اختيار ولا

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مشيئة إلا ما كان منها داخلاً تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى , وهذه المشيئة الكونية هي المشيئة العامة النافذة .

وهنا احب أن انبه إلى أن قول الشيخ (( أنه الفعال لما يريد , لا يكون شيء إلا بإرادته ولا يخرج شيء عن مشيئته )) هو لبيان أن الإرادة والمشيئة هنا بمعنى واحد,  وقصد بالإرادة الإرادة الكونية ؛ وهناك فروق بينهما؛ حيث إن المشيئة لم ترد في كتاب الله تعالى إلا كونية, أما الإرادة , فقد وردت في كتاب الله تعالى وفي السنة على قسمين :

القسم الأول : الإرادة القدرية الكونية التي هي مرادفة للمشيئة, وهذه الإرادة الكونية الشاملة, وهي المقصودة هنا في كلام الشيخ .

القسم الثاني : الإرادة الدينية الشرعية , وهذه الإرادة الشرعية مختصة بما بحبه الله ويرضاه من أمور الشرع , ولهذا فإن الله تعالى يريد من الصلاة والتوحيد والعمل الصالح , ولا يريد منا ترك الصلاة ولا الشرك ولا العمل الطالح المخالف لأمره سبحانه وتعالى .

وهذه الإرادة الدينية هي التي نقول فيها : هذا يريده الله أي يريده شرعاً, وهذا لا يريده الله أي لا يريده شرعاً, لأنه من المعاصي , ودليل ذلك من كتاب الله تعالى قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (البقرة: من الآية185) فهذه الإرادة في هذه الآية المقصود بها : الإرادة الشرعية ولا مدخل لها هنا في باب القضاء والقدر , وإنما لها علاقة من  طريق سنعرض له فيما بعد إن شاء الله تعالى.

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما النوع الثاني من الإرادة وهي التي قصدها الشيخ هنا , فهي الإرادة المرادفة للمشيئة , وهي الإرادة الشاملة لكل شيء, فكل شيء يقع في هذا الوجود , من الكفار والمنافقين والمؤمنين, والمعاصي والطاعات وغير ذلك, كله هو بإرادة الله الكونية وبمشئته العامة,  وسيوضح ذلك الشيخ إن شاء الله تعالى بعد قليل .

فهو سبحانه الفعال لما يريد , كما انه تعالى لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون   (الانبياء:23) فهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما, وهو الذي خلقنا واوجدنا وكلفنا وأنزل علينا كتباً وأرسل إلينا رسلاً, وليس لنا إرادة في ذلك وإنما الإرادة الكاملة لله سبحانه وتعالى,  فهو سبحانه وتعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهذا يدل على تفرده بالربوبية .

فتفردُه تعالى بالخلق والإرادة والتدبير, هو مقتض لربوبيته سبحانه وتعالى , وأنه وحده الرب الخالق المنعم المتفضل, ولهذا قال الشيخ هنا : (( لا يكون شيء إلا بإرادته )) أي إرادته الكونية, (( ولا يخرج شيء من مشيئته )) كما قال تعالى : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (التكوير:28) .

فالإنسان لـه مشيئة لكنه لا يستطيع أن يخرج عن مشيئة الله القدرية النافذة ,  ولهذا قال : (( ولا خرج شيء عن مشيئته )),  وقوله هنا رحمه الله تعالى : ((شيء)) لبيان العموم , حتى يدخل في ذلك المكلَّفون من البشر,  وغير

وليس في العالم شيءٌ يخرُجُ عن تقديرِهِ , ولا يصُدُرُ إلا عن تدبيرِهِ ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المكلفين من الحيوانات, أو من الجمادات أو غير ذلك,  حيث لا يخرج شيء عن مشيئته,  ولما خلق الله سبحانه وتعالى السموات والأرض قال لهما : ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (فصلت: من الآية11) فالكل لا يخرج عن ربوبيته وتقديره ؛ ولهذا نجد الكفار وغير الكفار على حدٍّ سواء في خضوعهم لهذه المشيئة القدرية, فهم جميعاً يوجدون , ويخلقون ويعيشون, وهم في أشكالهم ألوان أبدانهم , وطولهم وقصرهم وحياتهم وموتهم وارزاقهم ومعايشهم وامراضهم وشفائهم وغيرها من أحوال حياتهم لا يملكون منها شيئاً , والذي يتصرف فيهم كما يشاء,  ولا يخرج أحد منهم عن مشيئته وإرادته هو الله سبحانه وتعالى الخلاق العليم .

ثم قال الشيخ رحمه الله : (( وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره)) فتقديره سبحانه وتعالى الكوني لا يخرج عنه احد, فكل ما جرى , وكل ما هو جارٍ الآن , وكل ما سيجري فهو بتقدير الله سبحانه وتعالى , ومن ثم فإن الإيمان بالقضاء والقدر أساس إيمان العبد بربه تبارك وتعالى , قال الشيخ : (( ولا يصدر إِلا عن تدبيره )) فهو المدبر لك شيء يجري؛  أما ما يزعمه بعضهم من أن الملائكة, أو بعض الخلق, ومن ولي أو رسول أو نجم أو غير ذلك, لـه تدبير فكل ذلك باطل , بل التدبير لله سبحانه وتعالى وحده .

وما دخل الشرك في عبادة النجوم والكواكب وعبادة الأولياء والقبور وغيرها إلا حينما ظن البعض وتوهم أن بعض هؤلاء يملك من تدبير الأمور شيئاً,  حيث تجد بعض الناس في حال فقره أو مرضه أوة إصابته بضرر في نفسه أو بدنه أو أهل ه أو هجوم عدو عليه أو على بلده يظن أن هناك من المخلوقات

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من يملك شيئاً, فيتعلق بساحر, أو بكاهن, أو بولي, أو بصاحب قبر, وبعضهم يتعلق بالنجوم ومنازلها ؛ فمن كان مولده في نجم الثور أو نجمه نجم العقرب يتعلق بذلك وينظر ماذا يقول المنجم عن أحواله,  وسروره وأحزانه في أثناء فصول السنة .

والتعلق بالنجوم وعبادتها هو مذهب الفلاسفة الدهرية , الذين يقولون: إن الله ليس متصفاً بصفات , ولا يعلم ما الخلق عاملون , وليست لـه إرادة ولا تدبير , والله سبحانه وتعالى كما يزعمون بعيد عن الخلق, لا يعلم ماذا يصنعون, ومن ثم فلا جزاء ولا حساب ثم زعم هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أن التدبير للعقول والأفلاك والنجوم,  فتعلقت نفوسهم بها وزينوا عبادتها من دون الله تعالى, وقلدهم بعض المسلمين وتعلقت نفوسهم بهذه النجوم والأفلاك , وهذا من الشرك بالله وهو شرك في باب العبودية والربوبية .

أما من أخلص لله بالتوحيد من المؤمنين , فإنهم يوقنون أن الله هو المدبر كماقال تعالى عن نفسه :يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ        (الرحمن:29) فهو سبحانه وتعالى كل يوم هو في شأن فيغفر ذنباً ويقبل توبة ويشفي مريضاً, ويعين ضعيفاً,  وينصر مظلوماً, ويزيل ملكاً, ويقيم آخر, يفعل ما يشاء ويختار,  ويدبر في خلقه كما يشاء وهو العليم الخبير, وهو بكل شيء محيط . فهذا هو الإيمان بالقضاء والقدر المقتضي لكمال الإيمان بالربوبية المقتضي لكمال تحقيق الألوهية والبعد عن الشرك بجميع أنواعه .

أما التعلق بغير الله تعالى فمنشؤه اعتقاد أن هذه المخلوقات من نجم او ولي او غيرها , إما أن له علماً بالغيب , أو أن له تدبيراً , وكل ذلك كفر بالله سبحانه وتعالى.

ولا محيد لأحدٍ عن القدرِ المقدورِ ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن هنا كان اعتصام المؤمن بعقيدة الإيمان بالقضاء والقدر يعصمه من أمور كثيرة,  على رأسها أمران :

أحدهما : عصمته في باب توحيد الربوبية الذي هو أساس وعمدة توحيد الألوهية. 

والثاني : عصمته في مسيرته في الحياة , بألا يقع عنده تعارض بين القضاء والقدر والأمر والشرع , كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( ولا محيد لأحدعن القدر المقدور )) فإن الجميع لا محيد لهم عما حُدّ وخُطَّ لهم في القدر المقدور , كما قال النبي لابن عباس وهو يوصيه : (( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك , ولو اجتمعوا على أن يضروك بشي لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك,  رفعت الأقلام وجفت الصحف)) وقال عبادة بن الصامت الصحابي الجليل رضي الله عنه لابنه في مرض الموت : (( واعلم يابني انك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما اصابك لم يكن ليخطئك , وان ما اخطأك لم يكن ليصيبك )) .

فلا يكون المؤمن شاكراً صابراً إلا إذا رضي بالقضاء والقدر, فإن أصابته سراء شكر,  لأنه علم أن هذا من الله أن الشر يثبت النعم ويديمها ويرفع الدرجات,  وان أصابته الضراء علم انه قضاء وقدر فيصبر فيؤجر على ذلك, وليس ذلك إلا للمؤمن كما قاله الرسول .(1) فالفلاسفة ضلوا في باب القضاء والقدر كله, ومنه ضلالهم في الإرادة

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمشيئة حيث زعموا أن العالم وجد دون إرادة الله تبارك وتعالى , حيث زعموا أن الله علة موجبة لا إرادة له ولا اختيار .

والذي عليه أتباع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام-  أن الله سبحانه خلق هذا العالم واوجده بإرادته ومشيئته,  وانه تبارك وتعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء , وكل ما سواه فهو مخلوق كائن بعد أن لم يكن .

وهذه هي القضية الأولى في باب العقيدة هي مرتبطة بصفتين أساسيتين لله سبحانه وتعالى يثبتهما أهل  السنة على ما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى وكماله وعظمته

الأولى: أن الله عالم متصف بصفة العلم قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً              (الطلاق: من الآية12) فهو علم أزلاً ما الخلق عاملون, وهو سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما سيكون , كما أنه تعالى يعلم ما لم يكن لوكان كيف يكون, كما قال تعالى عن الكفار في يوم القيامة انهم يطلبون الرجعة ويقولو: لو ارجعتنا إلى الدنيا لآمنا ولا هتدينا , قال تعالى عنهم :  وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ (الأنعام: من الآية28)

وليس هذا من باب التقدير وإنما هو من باب العلم اليقيني لله سبحانه وتعالى ؛ فلو أنه تعالى رد هؤلاء إلى الدنيا مرة أخرى لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والشرك مع رؤيتهم وييقينهم باليوم الآخر,  لأنهم شاهدوه مشاهدة عيان , فهذا من باب العلم الإلهي الكامل ؛ أنه يعلم ما كان وما لم يكن , ويعلم سبحانه وتعالى ما لم يكن لو كان كيف يكون .

والثانية : صفة المشيئة والإرادة , فهو سبحانه وتعالى ما شاء كان وما لم

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يشأ لم يكن , ومن ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى - كما سبق - : (( ومن صفاته أنه الفعال لما يريد )) والفعال لما يريد هو الذي ليس لقدرته حد فهو على كل شيء قدير كما أن مشيئته وحده هي النافذة , فهو يفعل ما يشاء ويختار .

ومن ذلك أنه سبحانه وتعالى خلق هذا العالم وأوجد الناس على هذه الصفة وهذه الحالة التي أرادها تعالى,  وابتلاهم واختبرهم , فهو سبحانه وتعالى الذي خلق آدم كما قال : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة: من الآية30) وهو سبحانه وتعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (الملك: من الآية2).

فوجود هذا العالم على هذه الصفة , ووجودنا نحن البشر على هذه الصفة بإرادته سبحانه وتعالى, ولو أنه تبارك وتعالى أراد غير ذلك لكان, فلو أراد سبحانه وتعالى أن يجعل الناس كلهم مهتدين مستقيمين مؤمنين لا يعصون الله أبداً لوقع ذلك , كما قال تبارك وتعالى مخاطباً رسوله  : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَأهل ينَ (الأنعام: من الآية35) وقال تعالى :وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً (هود: من الآية118) .

فوجود الخلق على هذه الصفة وهذا الابتلاء والامتحان من حيث اختلاف أعمارهم , واختلاف أرزاقهم , واختلاف الوانهم , واختلاف أديانهم , كل ذلك بإرادة الله سبحانه وتعالى وهذه هي قضية القدر الأولى؛ أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أراد أن يوجد الناس على هذه الحالة ولو شاء لما وجدوا, ولو شاء لأوجدهم على حال غير هذه الحال ولو شاء لجعلهم كلهم مؤمنين مهتدين.

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذن وجود الخير وا لشر , والطاعات والمعاصي , والمؤمنين والكفار هو بإرادة الله سبحانه وتعالى , وهو سبحانه وتعالى خلق ذلك وقدره لحكم عظيمة . ولهذا يقول الشيخ هنا : (( لا يكون شي إلا بإرادته ولا يخرج شيء عن مشيئته )) .

فكل ما يقع ويجري فهو بإرادة الله سبحانه وتعالى الكونية ومشيئته , كما قال سبحانه وتعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً (هود: من الآية 118) .

وقال تعالى : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (التكوير:29) وقال تعالى :مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (الأنعام: من الآية39) وقال :فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ             (الأنعام: من الآية125), وهذه هي الإرادة الكونية.

وكذلك أيضاً ما وراء ذلك من وجود المخلوقات وإحيائها وموتها وأرزاقها , وكذلك وجود هذه الدنيا وهذه الأكوان, والبعث بعد والموت , كل ذلك بإرادة الله , ليس لمخلوق فيها إرادة أبداً , وهذه القضية الكونية يسلم بها الجميع, وقلما يوجد إنسان ينكرها , حتى من الكفار .

ولقد كان مشركو الجأهل ية يؤمنون بالقدر, ويصدقون بأن هناك أقداراً , وكذلك أيضاً يعلم كثير من الكفار اليوم أن هذه الأمور مقدرة قدرها الله سبحانه وتعالى, وأكبر دليل على ذلك أنهم قطعوا الأمل في أشياء , علموا أن الله سبحانه وتعالى قدرها وكتبها على الجميع, فمن ذلك الموت الذي كتبه الله على الجميع , حيث إن الخلق مهما بلغ طبُّهم وتقدمهم العلمي فقد يئسوا من

ولا يتجاوزُ ما خُطَّ في اللوح المسطورِ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محاولة أن يبقى الإنسان مخلداً فلا يموت, أو يبقى زمناً طويلا يختلف عن الزمن العادي يالنسبة لأعمار الناس , فهذا دليل على اليقين بأن هذا الأمر كتبه الله سبحانه وتعالى على الجميع فلا فكاك منه, ومن ثم صاروا يفكرون في أمور أخرى تتعلق بالصحة أو الرفاهية مما هو من جملة الأسباب الموجودة .

ولذا قال الشيخ رحمه الله : (( وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره)) فلا يخرج في هذا العالم شيء إلا وقد قدره الله سبحانه وتعالى ؛ وجود السموات , والكواكب , ووجود هذه الأرض ببحارها, وجبالها وحيواناتها وأشجارها ووحوشها ورياحاها, بساكنيها من البشر وغيرهم إلى آخره , كل ذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى , ولا يخرج شيء عن تقديره تبارك وتعالى التقدير الكوني السابق الذي لايخرج عنه أحد , فلا يصدر شيء في هذا الكون إلا عن تدبيره سبحانه وتعالى .

والإنسان وإن كان يفعل ويتحرك ويريد,  وله إرادة ومشيئة وقدرة إلا أنه لا يخرج في مجموع ذلك عن تدبير الله سبحانه وتعالى وإرادته وقدرته, ولهذا قال : (( ولا محيد عن القدر المقدور )) أي : أن كل إنسان لا يستطيع أن يحيد عما قدره الله سبحانه وتعالى وكتبه عليه, وهذا يعلمه كل إنسان من حياته, فكم من أمور أراد الإنسان أن يمنعها فما استطاع لأن الله سبحانه وتعالى كتبها عليه وقدرها وكم من أمور أراد إيجادها فلم يستطع ؛لأن الله لم يردها , وهذا الأمر يتساوى فيه الجميع ؛ المؤمنون والكفار .

ثم قال الشيخ مبيناً المرتبة الثالثة من مراتب القدر وهي الكتابة : (( ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور )) فقد ثبت أن الله سبحانه وتعالى لما خلق

أراد ما العبادُ فاعلوه , ولو عَصَمهم لما خالفوه , ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

القلم أمره أن يكتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة , فكل ما يقع من أفعال العباد مكتوب عند الله سبحانه وتعالى, بل كل ما يجري من حركات الجمادات وغيرها فإنه مكتوب في اللوح المحفوظ,  حتى الشجرة إذا سقطت منها ورقة بسبب الريح أو بسبب يبسها أو غير ذلك فسقوطها في كتاب مبين , كما قال تعالى:وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (الأنعام:59) أي أية حبة,  وأي رطب, أو يابس من أي شيء كان , وأي ورقة تسقط فهو في كتاب مبين,  فكيف بأفعال العباد , وأقوالهم,  وحركاتهم , ومجيئهم , وذهابهم إلى غير ذلك؟ ذلك كله مكتوب مسطر , وهذه هي المرتبة الثالثة التي هي مرتبة الكتابة.

ثم قال رحمه الله تعالى : (( أراد ما العباد فاعلوه, ولو عصمهم لما خالفوه , ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه )) هذه قضية مسلمة , حيث إن كل ما يعمله العباد فالله أراده كوناً , والإرادة هنا في قوله : (( أراد ما العباد فاعلوه)) هي الإرادة الكونية, فكل ما يعمله العباد ووقع منهم فإن الله سبحانه وتعالى أراده وقدره كوناً وشاءه , فأفعال العباد الواقعة منهم هي مرادة لله سبحانه وتعالى إرادة كوينة .

ولو عصمهم الله أي لو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعصمهم عن العصيان والمخالفة لما خالفوه , والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى خلق الملائكة وجعلهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (التحريم: من الآية6) .

خلق الخَلْقَ وأفعالهم ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصاروا كما اراد الله لهم, يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (الانبياء:20) فهم يطيعونه ليلاً ونهاراً ولا يعصونه أبداً؛ لأن الله أراد منهم ذلك , فلو أراد الله سبحانه وتعالى من البشر كوناً أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه , ولم يبق منهم عاص,  كما قال سبحانه وتعالى في الآية التي ذكرناها قبل قليل : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَأهل ينَ (الأنعام: من الآية35), لكنه سبحانه خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن    عملاً .

 ثم قال الشيخ مبيناً المرتبة الرابعة من مراتب القدر وهي مرتبة الخلق : (( خلق الخلق وأفعالهم)) أي أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء , كما قال تعالى في أكثر من آية :   اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (الرعد: من الآية16) فالله سبحانه وتعالى خالق جميع هذه المخلوقات لا شريك لـه سبحانه وتعالى في خلقه, ويدخل في ذلك العباد , وأفعالهم . والشيخ يقرر بذلك مذهب أهل  السنة والجماعة , ويرد على المعتزلة الذين يقولون: إن الله خالق , لكن يستثنون من خلقه أفعال العباد فيقولون : العباد هم الذين يخلقون أفعالهم , والله لا يخلق أفعال العباد, وهذا أحد جوانب ضلال المعتزلة في باب القدر حين أنكروا مرتبة الخلق بالنسبة لأفعال العباد, والجانب الثاني الذي ضلوا فيه أنهم أنكروا مرتبة الإرادة والمشيئة حيث جعلوا للعبد إرادة مستقلة عن إرادة الله حتى قالوا : إذا اختلفت إرادة الله وإرادة العبد فالذي يقع هو إرادة العبد . فقول الشيخ هنا : (( خلق الخلق وأفعالهم )) هو مذهب أهل  السنة والجماعة كما قال تعالى :وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون (الصافات:96) وقال تعالى : اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء (الزمر: من الآية62) فيدخل في ذلك أفعال العباد .

وقَدَّرَ أرزَاقهم وآجَالهم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبهذا يكون الشيخ رحمه الله أشار إلى مراتب القدر الأربع التي عليها مدار القدر,  وكلها مرتبطة بقضية الربوبية :

فالمرتبة الأولى : مرتبة العلم الأزلي المحيط بكل شيء .

والمرتبة الثانية :مرتبة المشيئة النافذة التي لا يخرج عنها أحد .

والمرتبة الثالثة: مرتبة الكتابة لك شيء في اللوح المحفوظ .

والمرتبة الرابعة : مرتبة الخلق وأنه تعالى خالق كل شيء , ويدخل في ذلك العبادة وأفعالهم .

ومجموع هذه المراتب هو الذي يؤمن به أهل  السنة والجماعة ويقررونه ويقولون : إن الإيمان بالقضاء والقدر الذي هو من أركان الإيمان, والذي نصَّ عليه النبي في حيث جبريل حيث قال : (( وتؤمن بالقدر خيره وشره)) مقتضٍ للإيمان بهذه المراتب الأربع , وإثباتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته .

ثم قال رحمه الله : (( وقدر أرزاقهم وآجالهم )) , فالله سبحانه وتعالى كتب رزق كل عبد وأجله , كما في حديث ابن مسعود الصحيح؛ حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق : (( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نظفة,  ثم يكون علقة مثل ذلك,  ثم يكون مضعة مثل ذلك, ثم يرسل إليه الملك , ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه, وأجله , وعمله, وشقي أو سعيد)).(1)

يهدي من يشاءُ رحمتِهِ, ويضلُّ من يشاءُ بحكمتِهِ , لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (الانبياء:23) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فقوله : (( بكتب رزقه)) أي فلا يأخذ الأنسان في هذه الدنيا إلا ما كتب له من الرزق ولن يموت عبد حتى يستكمل رزقه,  وقوله : (( وأجله)) أي أن أجله إذا جاء لا يتقدم عنه ولا يتأخر كما قال تعالى :فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (لأعراف: من الآية34) ولن يموت أحد حتى يستكمل أجله المقرر لـه.

فلكل إنسان أجل محدد , حتى الذي قتل ظلماً وعدواناً قد انتهى أجله خلافاً للمعتزلة الذين يقولون : إن المقتول لو لم يقتل لعاش, وأهل  السنة يخالفونهم ويقولون : المقتول مات بأجله , ويقولون: الأسباب مختلفة , هذا أجله ينتهي وهوعلى فراشه,  وذاك أجله ينتهي بالمرض , وهذا أجله ينتهي بالكبر, وهذا أجله ينتهي بالسقوط من علو , وهذا أجله ينتهي بأن يعتدي عليه معتد فيقتله , ولكل واحد منهم أجل محدد لا يتأخر عنه ولا يتقدم .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : ((يهدي من يشاء برحمته, ويضل من يشاء بحكمته , لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ))  وهذا لبيان قضية مهمة جداً متعلقة بالقدر ألا وهي أن الله سبحانه وتعالى عدل لا يظلم العباد, ولا بدّ للعبد أن يستيقن ذلك؛ لأن الظنون والشكوك قد تهجم أحياناً على ذهن العبد وتثير عنده الشبهات, ومن ذلك مثلاً ما قد يخطر على البال من شبهة أنه إذا كان لك ما يفعله العباد جميعاً مكتوباً ومسطراً قبل أن يفعلوه فلماذا يعذب هؤلاء وينعم هؤلاء ؟

فنقول كما قال ابن قدامة رحمه الله (( يهدي من يشاء برحمته)) فهو الذي

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 يمن على عباده ويتفضل عليهم , فمن هداه الله ووفقه للهداية  فهذه منة من الله , وقد يمن الله سبحانه وتعالى بما هو أخص من ذلك, مثل مَنِّه سبحانه وتعالى على الرسل بإرسالهم . قال تعالى :أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (النساء:54) فهو سبحانه وتعالى الذي اختار هؤلاء الرسل, واصطفاهم برسالاته , فإذا منَّ الله سبحانه وتعالى على رسوله بالرسالة فلايجوز لإنسان أن يعترض ويقول : لماذا اخترت محمد بن عبدالله  واصطفيته للرسالة ولم تختر فلاناً أو فلاناً . كما قال بعض المشركين :وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (الزخرف:31)  فرد الله عليهم بقوله :أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّك (الزخرف: من الآية32).

فاصطفاء الله لرسله منةمنه عليهم وفضل ونعمة, ومن ثم يجب عليهم أن يشكروه وأن يعترفوا له بهذه المنة, وكذلك يجب على الخلق أن يشكروا ربهم على منته عليهم بإرسال الرسل إليهم, ونحن اليوم ينبغي لنا أن نحمد الله سبحانه وتعالى أن جعلنا مسلمين واصطفانا بالإسلام على أمم الأرض جميعاً , من يهود ونصارى وملاحدة ووثنيين ومجوس , مع أن أعداد هؤلاء تفوق أعداد المسلمين مرات عديدة , ولكن الله عز وجل (( يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته)), فالله سبحانه وتعالى هدى أهل  طاعته إلى صراطه المستقيم برحمته, وأضل أهل  معصيته بحكمته , وهو سبحانه وتعالى لا يظلم أحدا كما قال سبحانه :وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (الكهف: من الآية49) .

 حيث إن الله سبحانه وتعالى أقام الحجة علىعباده , فأعطاهم الاختيار والإرادة والمشيئة والقدرة , وأقام عليهم الحجة الرسالية , فمنهم من استخدم

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذه النعم فيما ينبغي أن تستخدم فيه , فقاده ذلك إلى الإيمان بالله واتباع رسله , ومنهم من أجاب داعي الهوى والنس والشيطان وعطل هذه النعم فاستحق أن يكون من الهالكين .

فمما يجب أن يُقطع به أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يظلم أحداً ؛ لأنه ليس بحاجة إلى الخلق بل هو الغني عنهم الغنى التام كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة , وهذا أحد مقتضيات تنزيهه عن الظلم في جميع الأحوال والمقامات ,حتى في مقام إضلاله من يشاء, فإن ذلك ليس ظلماً لهؤلاء , بل هو سبحانه أضلهم بعدله,  وشاء أن يوجد أهل  الضلال وأهل  الإيمان ولو شاء لجمعهم على الهدى, ولكن حكمته اقتضت أن يكونوا منقسمين, فمنهم شقي ومنهم سعيد .

وليس من الضروري أن تكون هذه الحكمة معلومة لنا, فقد تكون احياناً سراً من الأسرار لم يطلع الله سبحانه وتعالى عليه احداً, فهو سبحانه لـه الربوبية التامة كما أن له الإرادة المطلقة , لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (الانبياء:23) وقد نتلمس في بعض الأحيان شيئاً من حكم الله سبحانه وتعالى في ذلك ,مثل أن يقال : إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق واوجدهم على هذه الحالة لتظهر آثار العبودية وآثار الطاعة , وأيضاً لتمييز عباد الله المؤمنين من غيرهم , ونحن نجزم بأن الله سبحانه وتعالى لا يخلق شراً محضاً لا خير فيه, وإنما الذي يخلقه الله سبحانه وتعالى هو الشر النسبي الذي كون شراً لبعض الناس لكن هو خير لبعضهم الآخر .

فهذا إبليس مثلاً, معروف بأنه شر ومع ذلك خلقه الله عز وجل لحكمة أرادها,  وخلقه أيضاً ليبتلي به عباده وليميز المطيع من العاصي, فلو لم يخلق

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 إبليس لما كان هناك إغواء وابتلاء , ولما كان هناك فضل للطائعين والعابدين والمستغفرين بالأسحار والتائبين النادمين, فلما خلق الله إبليس واعطاه قدرة على الإغواء والتزيين, فأطاعه قوم وعصاه اخرون , دل ذلك على إمكانية عصيان داعي الشيطان وإلا لما استطاع هؤلاء الأبرار أن يعصوه ويطيعوا ربهم, ودل ذلك أيضاً على استحقاق هؤلاء الذين أطاعوا إبليس للعذاب واستحقاق اولئك للنعيم .

وهناك من مخلوقات الله تبارك وتعالى ما قد تخفى حكم خلقها على بعض الناس كالعقارب والأفاعي, فربما لا يظن انه لا خير في خلق هذه المخلوقات ولا حكمة فيها, ولكن المؤمن لا يرى ذلك بل يسلم بأن كل ما خلقه الله سبحانه وتعالى إنما هو لحكمة بالغة وإن كان لا يعلمها, ونحن قد نلمس الحكمة من خلق هذه الحيوانات , فقد يكون فيها شيء من الأدوية والشفاء من بعض الأمراض, وقد تكون سبباً في موت إنسان ليكون شهيداً فقد ورد في اللديغ عن النبي أنه من أصناف الشهداء فقال : (( واللديغ شهيد ))(1) وهكذا .

فما يوجد شيء خلقه الله سبحانه وتعالى إلا وله فيه حكمة . ومما يحضرني في ذلك أن أحد الوعاظ دخل على أحد خلفاء بني العباس, فلما دخل عند تسلط ذباب على الخليفة, وارد هذا الذباب يقع على أنف الخليفة,فيطرده ,ثم يرجع مرة ثانية ويطرده وهكذا حتى ضاق منه, فقال لهذا

قال الله تعالى :إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (القمر:49) وقال تعالى : {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرا (الفرقان: من الآية2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الواعظ : لماذا خلق الله الذباب؟- يعني ما هي الحكمة من خلق الذباب؟-  فاستحضر هذا الواعغ إجابة لطيفة فقال لـه : خلقه الله ليذل أو يرغم به أنوف الجبابرة , والله سبحانه وتعالى ذكر شيئاً من الحكمة في خلق الذباب فقال تعالى :يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (الحج:73) فهذا بنص القرآن من حكم خلق الذباب , حيث إن الله سبحانه وتعالى جعله مثلاً يضرب به على بطلان عبودية غير الله, حيث تحداهم بعجزهم عن خلق الذباب بل وبعجزهم أن يأخذوا حقاً لهم سلبه منهم الذباب, وهكذا الأمر في بقية ما خلقه الله سبحانه وتعالى,  فهو سبحانه وتعالى يضل من يشاء عدلاً منه لكنه لا يجبر العباد .

ثم قال المؤلف :  قال الله تعالى :إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ )) . فذكر بعض الأدلة من القرآن على القضاء والقدر, فهو سبحانه وتعالى , يخلق المخلوقات ويوجدها حسب تقديره سبحانه وتعالى فهو الذي قدرها سابقاً بعلمه , ثم بما كتب سبحانه وتعالى في اللوح المحفظ,ثم إنها تقع بشيئته وتوجد حسبما قدره تبارك وتعالى .

(( وقال تعالى :وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)) أي أنه خلق الأشياء كلها , وقدرها تقديراً, فجرت المقادير على ما قدر وخلق, وهذا أحد التفسيرين في الآية, ومن أجله أورد ابن قدامة هذه الآية في القدر . والمعنى الثاني فيها : أن الله خلق كل شيء فسواه وهيأه دون خلل أو تفاوت, وهذا أمر

وقال تعالى :مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا (الحديد: من الآية22) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مشاهد فيما يخلقه الله سبحانته وتعالى ويقدره من آياته في الكون والأنفس والآفاق,  وإذا نظرنا إلى كلام الأطباء مثلاً في خلق الإنسان وفي خلق كل جزئية من جزئياته رأينا عجباً, وإذا نظرنا إلى كلام الفلكيين في هذه الأكوان وبعدها ومسافاتها وضوئها إلى آخره رأينا عجباً, وإذا نظرنا إلى هذه الأرض وتربتها وما يتعلق بالزراعة ووسائل الحياة فيها وجدنا عجباً, وإذا نرنا إلى البحار , والجبال , والشمس , والقمر , والليل , والنهار رأينا عجباً,  فالله سبحانه وتعالى خلق كل شيء فقدره تقديراً؛ ولذا فالعباد لا يملكون من الأمر شيئاً إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ (فاطر: من الآية41) .

فهل يملك البشر مع هذا التقدم العلمي العظيم في كل مجالات الحياة ,شيئاً من امر تدبير هذا الكون؟ إنهم لا يملكون شيئاً بل إن أموراً تجري على خلاف ما يشتهون ومع ذلك لا يستطيعون وفقها أو تأجيلها, مع انهم يرصدون لها كل الإمكانات بالوسائل التقنية الحديثة التي تعمل على كشف كنهها, ولكنهم مع ذلك كله لا يستطيعون تغيير شيء من نظام هذه المخلوقات المقدر من الخالق الواحد تعالى .

ومن الأمثلة على ذلك الزلازل التي وضعوا لها شتى الأجهزة المتطورة الحديث,  ومع ذلك يفجأون بالزلزال يقلب عليهم بيوتهم وجسورهم ونحو ذلك .

فهذا الكون يجري بتقدير الله سبحانه وتعالى كما قال سبحانه وتعالى :مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نَبْرَأَهَا (الحديد : 22) فما من شيء يحدث في الأرض ولا في السماء , في البر او البحر او الجو في كتاب وهذا يجعل الإنسان المؤمن يسلم ويرضى بالقضاء والقدر, فما من مصيبة كالأمراض والجوائح والموت والزلازل والعواصف والبراكين وغير ذلك إلا وقد كتبها لله سبحانه وتعالى من قبل خلق الإنسان, وهذا يدل على أن الإيمان بالقضاء والقدر يقتضي الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى قدر هذه الأشياء قبل أن توجد, والإيمان بهذا يعطي الإنسان راحة نفسية تامة؛ لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه , وما أخطأه لم يكن ليصيبه, وأن الأمة لو اجتمعت على دفع شيء مما قدره الله سبحانه وتعالى عليه ما استطاعت كما قال النبي لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما : (( يا غلام إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك , احفظ الله تجده تجاهك , إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله , واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءئ قد كتبه الله لك,  ولو اجتمعت على أن يضروك بشيءئ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك , رفعت الأقلام وجفت الصحف )).(1) ونحن نحزن ونتألم ونتأثر بحدوث كثير من الأمور التي تجري علينا وهي من قضاء الله سبحانه وقدره الذي لا يتغير ولا يتبدل, بل إن الإنسان قد يتأثر للأمور اليسيرة ويزداد حزن الإنسان وتأثره إذا تعلق الأمر برزقه أو وظيفته , أو أولاده , ونحو ذلك .

وقال تعالى : {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} (الأنعام: من الآية125).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولكن العاقل هو الذي يسلم ويرضى بقضاء الله وقدره , ويعلم أن ما وقع  من حوادث او أمراض أو فقد محبوب هو من الأمور التي أرادَّها الله سبحانه وقدرها والتي لا راد لها , فإذا علم ذلك اطمأن قلبه وارتاح فؤاده , فلا يأسف على ما فات ؛ لأنه لو جَمَع الدنيا كلها واجتمع الخلق كلهم على أن يغيروا هذا الأمر ولو كان صغيراً لم يستطيعوا ؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أراده وقدره .

ثم قال المؤلف رحمه الله : وقال تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وهذه هي الإرادة الكونية الشاملة التي هي بمعنى المشيئة , فتشمل الخير والشر فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ أي : ييسره لـه وينشطه ويفتح على قلبه, فإذا شرح الله صدره للإسلام استجاب وآمن واهتدى .

وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً وجعل الصدر ضيقاً حرجاً - شديد الضيق - وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى ولا يخلص إليه شيء مما ينفعه من الإيمان ولا ينفذ فيه, إنما يكون بذنب العبد كإعراضه عن قبول الحق أو تكبره عليه كما قال تعالى عن الكفار : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (الصف: من الآية5) وقال :وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (لأنفال:23) .

فالله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يظلم العبد, لكنه سبحانه وتعالى يمنع عنه الهدى لظلم العبد نفسه, وهذا عدل منه تبارك وتعالى, ولو أنه تعالى أراد هداية الجميع لما وجد كافر أصلاً ولا عاص أبداً,  لكنه لحكمة أرادها سبحانه

وروى ابن عمر أن بجريل عليه السلام قال للنبيُّ : ما الإيمان ؟ قال : (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر , وبالقدر خيره وشره)) فقال جبريل : صدقت . انفرد مسلم بإخراجه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتعالى جعل الناس فريقين كما قال تعالى :الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (الملك: من الآية2).

ثم قال المؤلف رحمه الله : وروى ابن عمر أن جبريل عليه السلام قال للنبي : ما الإيمان ؟ , قال : (( أن تؤمن بالله , وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)) فقال جبريل : صدقت . انفرد مسلم بإخراجه .))(1) .

وهذا دليل الإيمان بالقضاء والقدر من السنة النبوية , فإنه جعل الإيمان بالقضاء والقدر ركناً من أركان الإيمان ؛ ولذا لا يستقيم إيمان عبد إلا بأن يؤمن بالقضاء والقدر , كما قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في صحيح مسلم : (( والذي يحلف به عبدالله بنعمر لا يؤمن أحدهم حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه, أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ))(2) أي يؤمن بالقضاء والقدر , وأن كل ما جرى له فهو بقضاء الله وقدره .

 وكذلك أيضاً قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه في مرض موته وهو يوصي ولده :(( يابني : إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك,  وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك )) . فالإيمان لايتحقق إلا بالإيمان بالقضاء والقدر والتصديق به وان الله

وقال النبيُّ : (( آمنت بالقدر خيره وشَرِّه , وحلوهِ ومُرِّهِ ) .

ومن دعاء الذي علَّمه الحسنَ بن علي يدعو به في قنوت الوتر : (( وقني شرَّ ما قضيت)) . ولا نجعل قضاء الله وقدرَه حجَّةَّ لنا في ترك أوامره, واجتناب نواهيه , بل يجبُ أن نؤمن ونعلمَ, أن لله علينا الحجة بإِنزال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سبحانه وتعالى لـه الربوبية التامة, وأن ربوبيته مقتضية لأن يكون هو المدبر , الخالق , الرازق , ماشاء كان وما لم يشأ لم يكن .

 ( وقال النبي ) في الحديث الذي رواه الطبراني وغيره : (( آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره )) (1) فكل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره سواء كان مما يحبه الإنسان أو مما يبغضه , خيراً كان أو شراً حلواً, كان أو مراً أراده الإنسان أم لم يرده, فمشيئة الله نافذة , وقدره لا مَرَدَّله .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( ومن دعاء النبي الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر : (( وقني شر ما قضيت)) )) (2) هذا الحديث الصحيح يدل على أن كل ما قضاه الله سبحانه وتعالى فهو بقدر سواء كان خيراً أم شراً ومن ثمّ شرع للعبد أن يقول ((اللهم قني شر ما قضيت)).

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في

الكتب , وبعثة الرسل, قال الله تعالى : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (النساء: من الآية165) . ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما امر ونهى إلا المستطيعَ للفعل والتركِ , وانه لم يجبر احداً على معصية ولا اضطره إلى ترك طاعة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ترك أوامره واجتناب نواهيه, بل يجب أن نؤمن ونعم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل؛ قال الله تعالى :لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل       (النساء : 165) ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما امر ونهى إلى المستطيع للفعل والترك , وانه لم يجبر احداً على معصية ولا اضطره إلى ترك طاعة)).

هذا الكلام المؤصل المتين لـه أهمية كبيرة فيما يتعلق بالإيمان بالقدر في كل وقت وخاصة في هذه الأيام التي كثرت فيها البدع وتنوعت الشبهات, حتى كثر الخوض في باب القضاء والقدر على وجه باطل .

وينبغي أن يعلم أن اكبر مشكلة في قضية القضاء والقدر هي الزعم بان هناك تناقضاً بين القدر والشرع , فالمؤمن الحق هو الذي يؤمن بقضاء الله وقدره , ويؤمن بأمره وشرعه ولا يجعل بينهما تعارضاً , كما دل على ذلك قوله تعالى :أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (لأعراف: من الآية54) فالخلق : هو القضاء والقدر , والأمر :هو الشرع,  فمن جعل بينهما تعارضاً وتناقضاً وتصادماً فهو الذي وقع في شبهة القضاء والقدر ومن آمن وصدق بهما من المؤمنين فلا يقع في شيء من ذلك , ولا يخطر ببال الواحد منهم أن بينهما تعارضاً, فلا يقول الواحد منهم : إذا كان كل شيء بقضاء الله وقدره فكيف يأمرني وينهان؟ وإذا

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت المعصية مقدرة عليّ فكيف يعاقبني عليها؟ فإن هذه مقالة التائهين الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر إيمانا حقيقياً . ذلك الإيمان الذي يقتضي أن القضاء والقدر من الله سبحانه وتعالى , وكذلك الشرع هو من الله سبحانه وتعالى , فكيف يكون هناك تعارض بينهما ومصدرهما واحد ؟

وأكبر دليل واقعي على عدم التعارض أو التناقض بين القدر والشرع أنك لو تأملت حياة ملايين المسلمين ومنهم من يعيشون في هذا العصر , لوجدت أنهم يعيشون حياة طبيعية مستقرة هادئة دون أن يكون عندهم شعور بالتصادم بين القضاء والقدر والأو امر الشرعية .

تجد الواحد من هؤلاء - حتى العامي - مؤمناً بالقضاء والقدر , وان كل ما يجري ويقع في هذا الكون إنما هو بقضاء الله وقدره , ثم تجده بعد ذلك ممتثلاً لأمر الله وشرعه , وإذا فعل طاعة حمد الله وشكره وزاد في الطاعة ، وإذا فعل معصية علم أنها معصية وأنه هو الذي فعلها ، وعلم أنه المستحق للعقوبة، فتاب إلى الله واستغفر وحاول أن يبدل بتلك السيئة حسنة,  فيغفر  الله لـه ويتوب عليه , وهكذا تستمر حياة هؤلاء بهذه السهولة واليسر والإيمان والاطمئنان .

فلم نسمع أن احداًمن آبائنا أو اجدادنا وسلفهم الصالح كانت عنده هذه المشكلة؛  مشكلة الصراع  بين القد روالشرع , بين القضاء والقدر وامر الله وشرعه,  وهذا يدل على أن الإيمان بالقضاء والقدر والإيمان بالشرع لا يتولد عنه ما يتوهمه البعض من مشكلة القضاء والقدر .

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذه قضية أولية , ينبغي أن نعلمها وان نسلم بها ويمكن توضيحها من خلال عدة    أمور :

الأمر الأول :تلازم وتوافق الأدلة التي أتت بالإيمان بالقضاء والقدر وأتت بوجوب الطاعة في الشرع, وأيضاً من الناحية الواقعية ,فإن المؤمنين أتباع الرسل من صحابة رسول الله والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا وهم مئات الملايين ,كلهم يؤمنون بالقضاء والقدر, ويعلمون أن كل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره , ويصدقون بالشرع, ولا يخطر ببالهم تعارض وتنازع بين القضاء والقدر والأمر الشرع .

الأمر الثاني : أن جَعْل القضاء والقدر حجة على ترك الشرع  والأمر والنهي شبهة شيطانية,  والدليل على أنه شبهة شيطانية أن صحابها يقع في نتاقض عجيب لأنه يُوجدُ التعارض بين القضاء والقدر والشرع فيما بينه وبين الله لا فيما بينه وبين الخلق, فتجد الواحد من هؤلاء يحتج على المعاصي بالقضاء والقدر,  فإذا ترك الصلاة احتج بالقضاء والقد روإذا فعل الفاشة احتج بالقضاء والقدر, ولكنه لا يستعمل هذا المبدأ في أموره ومصالحه الخاصة .

 فلو اعتدى عليه معتد أو سرق ماله سارق أيقول : إنه سرق مالي بقضاء الله وقدره,  فيسكت عنه ويعذره, أم يرفع امره إلى الجهات المختصة ويطالب باسترداد ماله ومعاقبة هذا السارق ؟

 معلوم انه يلجأ إلى الأمر الثاني دون الأول , فتجده يجتهد في البحث عن السارق, ويستعين على ذلك بغيره من الشرط ونحوهم , ويطالب بإنزاله أشد

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العقوبات بهذا السارق , بل لوجاء إليه السارق وقال : يا أخي ارحمني أنا سرقت بقضاء الله وقدره , وهو مكتوب عليّ قبل أن أخلق, وأنا تائب , فإنه لا يقبل منه شيئاً من ذلك, بل يطالبه بردّ حقه وإنزال العقوبة به .

وهذا يدل على أن هذا الصنف من الناس لا يحتج بالقدرفيما يتعلق بمصلحة نفسه فيما بينه وبين العباد , وإنما يحتج به فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى , ولذا لوجاء شخص إلى أحد هؤلاء وضربه على وجهه مثلاً , فهل يرضى ويسلم ويقو ل : ما ضربني إلا بقضاء الله وقدره, أم أنه يقوم إلى هذا الشخص الذي ضربه ويأخذ منه حقه أو أكثر من حقه .

وكذلك لو اعتدى أحدهم على عرضه فلا تجده في هذه الحال يعول على القضاء والقدربل إنه قد يقتل هذا المعتدي .

وكذلك لو اعتدى شخص على ابنه أو أخيه فقتله, ثم جاء واحد أو أكثر من أهل  القاتل وقالوا لـه : عليك أن تسامحه لأنه فعل ذلك بقضاء الله وقدره ,تجده لا يعير لكلام هؤلاء أدنى اهتمام ولا يرضى إلا بالقصاص العادل .

والسؤال المنطقي المنصف في مثل هذه الحالات هو : لماذا تكيل  الأمور بمكيالين ؟

 إذا كانت المسألة بينك وبين العباد تحولت إلى قدري تنكر القدر, وإذا كانت بينك وبين الله تحولت إلى جبري تقول : أنا مجبور !! كما قال بعض السلف : أنت عند الطاعة قدري تفخرعلى ربك تقول : أنا فعلت, وأستحق جزيل الثواب , وعند المعصية جبري , تقول : يارب أنا مجبور , ما ذنبي, وكيف أعذب وأعاقب ؟!

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهذا يدل على أن الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي هم منتاقضون تناقضاً عظيماً, والذي دعاهم إلى ذلك شبهة شيطانية دافعها الهوى والإسراف على النفس في الفسق والعدوان, وإلا فإذاكان الإنسان عقلاً فالمفترض فيه إذا احتج بالقدر فيما بينه وبين الله, أن يحتج به فيما بينه وبين العباد سواء بسواء, أما أن يعامل الله بطريقة ويعامل العباد بطريقة اخرى , فهذا يدل على الهوى واستحواذ الشيطان عليه , وهذا لبيان نتاقض هذه الفئة وإلا فالمؤمن الحق لا يحتج بالقدر فما صدر عنه من الذنوب والمعاصي وظلم العباد وإنما يحتج به عند المصائب فقط .

وبعد ذكر هذين الأمرين المهمين ننتقل إلى أمر ثالث مهم :

الأمر الثالث : قيام الحجة على العباد , حيث إن الشيخ رحمه الله بعد أن بيّن أنه لا يجوز لنا الاحتجاج بالقضاء والقدر على ترك الأوامر وفعل النواهي, وأن من فعل ذلك فلا يلومن إلا نفسه . قال : (( ولله علينا الحجة )) وهذه الحجة قد قامت على العباد من وجوه عديدة أهمها ما يلي :

أولاً : أن العبد لا يحاسب ولا يجازى إلا بعد التكليف, وهو البلوغ والعقل, فالاإنسان المجنون لا يسأل ولا يكلف, وغير البالغ أيضاً لا يسأل ولا يكلف, وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده .

ثانياً : أن الله سبحانه وتعالى رتب التكليف على القدرة والإرادة التي بها يفعل العبد , فإذا عدمت القدرة أو أكره العبد على فعل شيء فإنه لا يحاسب ولا يعاقب.

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالله عز وجل أعطى العبد إرادة وأعطاه قدرة, فالإنسان إذا فعل معصية فإنما يفعلها بإرادته وقدرته وهو يستطيع أن لا يفعلها, وكذلك إذا فعل طاعة فإنه يفعلها بإرادته وقدرته ولو شاء لم يفعلها , فهو يخرج من جيبه الصدقة ويتصدق بها بإرادته وقدرته , وهو يقول الليل يناجي ربه بإرادته وقدرته, وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويترك المحرمات ويفعل المأمور ات كل ذلك بإرادته وقدرته , وكذلك المعاصي التي يفعلها غير مكره عليها هو يفعلها بإرادته وقدرته, ومن ثم فهو في الجميع مستحق للثواب أو العقاب .

ثالثاً :أن الله سبحانه تعالى لا يعاقب العباد إلا بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب وقيام الحجة , فالشخص أو الأمة الذين لم يبلغهم رسول ولا كتاب لا يحاسبون , فالحجة تقوم على العبد إ‘ذا بلغته الرسالة كما قال تعالى :لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (النساء: من الآية165) فبإرسال الرسل وإنزال الكتب تقوم الحجة على العباد .

فكل هذه الأمور تدل على سعة رحمة الله عز وجل بعباده , فهو سبحانه وتعالى لا يحاسب صغيراً دون البلوغ , ولا يحاسب مجنوناً أو معتوهاً ولا يحاسب من كان مكرها لا قدرة لـه ولا إرادة , ولا يحاسب من لم تقم عليه الحجة الرسالية , فلا يحاسب إلا بالغاً عاقلاً حراً مختاراً, قد أقيمت عليه الحجة ووضحت لديه المحجة .

الأمر الرابع : أن المتأمل فيما يقع على الإنسان في هذه الحياة يجده منقسماً إلى قسمين:

القسم الأول : ما يقع على الإنسان بلا إرادة منه .

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والقسم الثاني : ما يقع من الإنسان بإرادة منه , كأن يتكلم بإرادته, أو يبطش بإرادته,  أو يمشي بإرادته, أويفعل بإرادته ونحو ذلك .

فالقسم الأول لا يحاسب عليه الإنسان, فكون الإنسان ولد في يوم كذا , وكونه قصيراً او طويلاً وكونه أبيض أو أسود أو أحمر, كل ذلك لا يحاسب عليه الإنسان, كذلك أيضاً ما يجري عليه في هذه الحياة بدون إرادته؛ من أمراض تمنعه من الطاعات احياناً , أو ما يجري عليه من مصائب او نحو ذلك, كل ذلك لا يحاسب عليه الإنسان؛ لأنه يقع عليه بلا إرادة منه .

أما القسم الثاني وهو ما يفعله الإنسان بإرادته, فهذا القسم هو مناط التكليف , وبه يحاسب الإنسان على ما يصدر منه قولاً كان او فعلاً .

الأمر الخامس : أن الزعم بأن هناك تعرضاً بين الشرع والقدر ما هو إلا وهم؛ لأن الإنسان لا يعلم المقدور إلا بعد أن يفعله, أما قبل ذلك فهو جأهل  به , فليس هناك احد يعلم ماذا يخبئ له قدر الله تبارك وتعالى من خير او شر , من طاعة او معصية , من إيمان أو كفر , من تقى أو فجور, فالإنسان لا يعلم الشيء إلا بعد أن يفعله, أما ما في المستقبل, فإنه لا يعلم عنه شيئاً , وهذه قضية مسلم بها حتى عند الجأهل يين . قال الشاعر الجأهل ي :

واعلم علم اليوم والأمس قبله     ولكنني عن علم ما في غدٍ عمي

فهو يعلم ماذا حدث اليوم بعد أن حدث وتحقق , (( الأمس قبله)) لأنه أيضاً حدث وتحقق, ولكنه لا يعلم المغيبات التي لم تحدث ولم تتحقق لأنها مستقبلية مجهولة .

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالواجب علينا في مسألة الشرع والقدر أن نتبع الشرع, ولا نعترض عليه بالقدر ؛ لأن الاحتجاج بالقدر حجة إبليس وطوائف الكفار, وهي حجة باطلة لا وزن لها عند الله تعالى يوم القيامة , فهذا إبليس يقول :قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (لأعراف:16) فهو مقر بالأمرين لكنه يجعل ذلك منتاقضاً , وقال المشركون لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا(الأنعام: من الآية148) ومع ذلك فلا تنفعهم هذه الحجة ولا تنجيهم يوم القيامة من عذاب السعير.

أما المؤمنون الصادقون فهم المؤمنون المصدقون بالقدر, المطيعون المتبعون للشرع,  قال تعالى :وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (محمد:17) فقد أرادوا الهدى فوفقهم الله تعالى لطريق الهداية وزادهم من فضله .

فعلى العاقل أن ينظر في أوامر الله تعالى فيؤديها ويأتمر بها , وفي نواهي الله سبحانه وتعالى فيجتنبها ويبتعد عنها ويحذرها , فإذا فعل طاعة فليحمد الله عليها ويسأله الثبات على ذلك, وإذا فعل معصية فليتب إلى الله تعالى وليجعل اللوم على نفسه الأمارة بالسوء, وليستدرك ما فات؛ لأننا جميعا سنحاسب يوم القيامة على أفعالنا ولاخيار لنا في هذا الحساب, فقد بين الله لنا الطريق , ووضح لنا دينه وشرعه , المشتمل على الأوامر والنواهي .

فالواجب علينا أن نفعل الطاعة وان نترك المعصية وان نلجأ إلى الله عز وجل في كل أمورنا؛ حتى يوفقنا لطريق الطاعة ويبعدنا عن طريق العصيان .

الأمر السادس : وهو أمر مهم في هذا الباب لابدّ منه وله الأثر الكبير على النفس , وهو تنزيه الله عن الظلم وان الله عز وجل لا يظلم احداً شيئاً كما قال تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (النساء: من الآية40) وقال سبحانه :وَمَا رَبُّكَ       

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد (فصلت: من الآية46) وقال :وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (الكهف: من الآية49) وقال تعالى في الحديث القدسي: (( إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا )).(1)

فالذي يدعي تعارضاً من الشرع والقدر, إنما هو في حقيقة الأمر يصف الله تبارك وتعالى بالظلم؛ لأنه يقول : كيف يحاسبني على المعصية وقد قدرها عليَّ, أي انه مظلوم والعياذ بالله , حتى قال بعضهم مستهزئاً بالخالق تبارك وتعالى :

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له        إياك إياك أن تبتل بالماء

فهذه زندقة لا تصدر إلا عن ملحد لا يؤمن بالله ورسوله .

فالواجب علينا ألا نلتفت إلى هؤلاء وشبههم الشيطانية , وان نقتفي طريق سلف هذه الأمة وساداتها, فنفعل المأمورات, نترك المحظورات, نحلُّ الحلال ونأخذ به,  ونحرم الحرام ونجتنبه , وفي كل الحوال نسأل الله الهداية والتثبيت .

فالعاقل لا يجعل القدر حجة لـه على معاصيه, كما أنه لا يتكل على القدر في معاشه ورزقه وحياته , وإنما يفر من قدر الله إلى قدر الله , وكل إنسان يفعل ذلك في حياته اليومية المتعلقة بطعامه, وشرابه, ولباسه , وسيره وتنقله , فلا تجد أحداً يعتمد على القدر في تلك الأمور, وإنما تجده يحاول الانتقال من أقدار الله التي لا تروقه, إلى أنواع أخرى من أقدار الله التي يشعر معه بالارتياح والطمأنينة .

فمثلاً إذا أصاب الإنسان جوع, والجوع قدر من أقدار الله , فهل يقول : إن

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا الجوع بقدر الله ولو شاء الله لأطعمني , أم تراه يلجأ إلى البحث عن الطعام وهو أيضاً من قدر الله , فيفر من قدر الله في الجوع إلى قدر الله في الطعام والشبع, وكذلك الأمر في مسألة الشراب واللباس والنكاح وغير لك, وهذا شامل لجميع الناس .

والفرق بين المؤمن والكافر , والمطيع والعاصي أن المؤمن بالله ينازع القدر بقدر آخر على وفق الشرع أما الكفر أو العاصي فإنه ينازع القدر بأيِّ قدر كان .

فإذا أصيب المؤمن بقدر الفقر مثلاً , وهو يريد أن يتخلص منه , فإنه ينازع هذا القدر بقدر آخر شرعي , فتراه يلجأ إلى العمل الحلال والكسب الطيب المباح , والتجارة الشرعية , ويسأل الله أن يوفقه في عمله, فيسعى إلى أن يكون غنياً بقدر شرعي . أما غير المؤمن إذا أراد أن يتخلص من قدر الله في الفقر فإنه يلجأ إلى أي قدر بقطع النظر عن كونه شرعياً أم غير شرعي,  فتجده يسرق وينهب ويختلس ويأخذ الرشوة ويأكل أموال الناس بالباطل ويتعامل بالربا وبالمعاملات المحرمة غير الشرعية, وهذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن في صورة التعامل مع أقدار الله سبحانه وتعالى .

فالمؤمن ينازع القدر بالقدر , لكن على وفق شرع الله , وهذه هو مقتضى التلازم بين الشرع والقدر , الذي به تستقيم حياة الإنسان ؛ لأنه بتسليمه بالقضاء والقدر والإيمان به , وإيمانه بحكمته سبحانه وتعالى , ثم إيمانه بأن الله عدل لا يظلم,  وان الله غني عن العالمين , وتكامل هذه الأمور عنده يصير عابداً لله ,

قال الله تعالى :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا (البقرة: من الآية286) .

وقال تعالى :فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم (التغابن: من الآية16) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خائفاً راجياً, يفعل الطاعات ويرجو من الله أن يتقبلها ويثيبه عليها, وإذا وقع في ذنب فإنه لا يحتج على ربه لأنه لا حجة لـه عليه , وإنما يعترف بذنبه وتقصيره, ثم يستبدل بتلك المعصية طاعة وقربة,  فهذه هي حال المؤمنين المستقيمين .

ثم قال الشيخ رحمه الله : (( ويعلم أن الله ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك )) كما بينا لكم سابقاً, أما غير المستطيع مثل المكره او فاقد الإرادة او المجنون,  فهذا لا يحاسب ولا يؤمر والا ينهى لأنه غير مكلف . قال : (( وانه لم يجبر احداً على معصية,  ولا اضطره إلى ترك طاعة )) وهذا مقطوع به , فلم يجبر الله احداً على شيء كما تدعي فرقة الجهمية ومن وافقهم الذين زعموا أن العبد مجبور ي جميع اموره . ومذهبهم باطل مخالف للأدلة الشرعية كما سبق , كما انه مخالف للعقول ولواقع الناس وحالهم كما هو مشاهد .

ومن الأدلة على بطلان دعوى الجبر قول الله سبحانه وتعالى :لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (التكوير:28) فكل إنسان له مشيئة, لكن مشيئة العباد خاضعة لمشيئة الله ؛ لأن الله لوشاء لجعل الناس كلهم مهتدين كما قال : فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (الأنعام: من الآية149) .

وقد رد المؤلف على هذا المذهب فقال : (( قال الله تعالى :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وقال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم )).

وقال تعالى : الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ (غافر: من الآية17).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولو تأملنا ما كلف الله به عباده من الأوامر والناهي لوجدنا انه سبحانه وتعالى لم يكلفهم ملا يطيقون, وإنما كلفهم ما يستطيعونه؛ ولذا جاءت التكاليف الشرعية على أحسن نظام . ففي الصلاة مثلاً يجب على الإنسان أن يصلي قائماً , ولكنه قد لا يطيق القيام لمرض او نحوه , فرخص لـه في القعود اثناء الصلاة كما قال النبي لعمران بن الحصين رضي الله عنه : (( صل قائماً , فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى   جنب ))(1) , والإنسان الذي لا يستطيع الحج , لا يجب عليه الحج , والذي لا يستطيع الصيام لا يجب عليه الصيام, بل يفطر ثم يقضي إذا كان يستطيع القضاء في ايام أخر,  أما إذا كان لا يستطيع مطلقاً لكبر اومرض مزمن فلا يجب عليه القضاء وإنما عليه الإطعام.

فأحكام الله سبحانه وتعالى وتشريعاته كلها على قدر وسع الإنسان كما قال تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (الحج: من الآية78) وقال سبحانه :    يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر (البقرة: من الآية185) .

ثم قال المؤلف : ((وقال تعالى : الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْم)) وقوله : بما كسبت أي كسبته هي , التي فعلته وهذا الذي عليه أهل  السنة والجماعة وهو أن افعال العباد تنسب إلى العباد انفسهم, ولا يجوز أن نقول : إذا كان الله هو خالق العباد وافعالهم فإن أفعال العباد تنسب إلى الله ؛ لأن الله سبحانه وتعالى اوجد وقدر الأسباب ومسبباته ,

فدلَّ على أن للعبدِ فِعْلا َوكَسْباً , يُجْزىَ على حسنِهِ بالثوابِ, وعلى سيئِهِ بالعقابِ , وهو واقعٌ بقضاءِ اللهِ وقدرِه )) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالشمس خلقها الله , وإذا تحركت الشمس وجرت فالله تعالى هو الذي خلق حركتها ومع ذلك إذا تحركت الشمس فلا يقول احد : إن الله هو الذي تحرك, وإنما يقال : الشمس تحركت , والشمس وحركتها مخلوقان لله تعالى .

وكذلك أيضاً من ناحية العبد , فالله تعالى خلق العبد وفعله, ولكن العبد هو الذي يفعل بإرادته وقدرته دون أن يجبره أحد على فعل او ترك , ولذلك كان الصحيح أن افعال العباد من طاعة او عصيان تنسب إليهم لا إلى الله تبارك وتعالى, وإن كان العباد وافعالهم مخلوقين لـه تعالى .

وهذا هو المعنى الدقيق الذي غفل عن المعتزلة والجبرية؛ لأن الجبرية ظنوا أن كل ما يفعله العبد ما دام مخلوقاً لله فيجوز أن ينسب إلى الله, وهذا باطل, والمعتزلة ظنوا أن العبد مستقل بفعله فهو الذي يخلق الفعل لتوهمهم أن القول بان الله خالق افعال العباد يقتضي جواز نسبة افعالهم إلى الله, وهذا باطل أيضاً , وأهل  السنة والجماعة اتخذو منهجاً وسطاً فقالوا :ينبغي أن نفرق بين صفة تقوم بالله , وبين ما هو من مخلوقات الله ومفعولاته المنفصلة عنه,  فأفعال العباد من مخلوقات الله المنفصلة عنه فتنسب إلى اصحابها , والكل خلق لله سبحانه وتعالى .

قال المؤلف : (( فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً , يجزى على حسنه بالثواب , وعلى سيئه بالعقاب , وهو واقع بقضاء الله وقدره)) وهذا هو المنهج الصحيح في فهم ما يتعلق بالعبد وإثبا ت الفعل لـه حقيقة, وأنه كاسب لأفعاله محاسب عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر ولا يظلم ربك احداً, وينبغي أن

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعلم أن الكسب الذي ذكره ابن قدامة هو الكسب المذكرو في القرآن في مثل قوله تعالى : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (البقرة: من الآية286) وقوله :  كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (المدثر:38) , وليس الكسب المنسوب إلى الأشاعرة , والذي أنكره عليهم الأئمة لأنه في الحقيقة ميل إلى الجبر ونفي لقدرة العبد, أو نفي لتأثيرها, ومن ثم فما ادعوه من التوسط بين الجبرية الجهمية المعتزلة بالكسب لا حيقية لـه .

فالعبد عند السلف فاعل لفعله حقيقة وهو كاسب لـه , وإن كان العبد وفعله مخلوقين لله تعالى الذي هو خالق كل شيء .

* * *

فصل

والإيمانُ قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن أنهى كلامه في باب القدر : ((والإيمان)) فبدأ يعرض لمسألة من أهم مسائل العقيدة الا وهي : تعريف الإيمان, لأن النبي بين معنى الإيمان في حديث جبريل لما سأله عن الإيمان فقال : (( أن تؤمن بالله , وملائكته , وكتبه , ورسله , واليوم الآخر , وتؤمن بالقدر خيره وشره))(1).

وقد اجاب عن الإسلام فقال : (( أن تشهد أن لا إله إلا الله , أن محمدا رسول الله , وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة , وتصوم رمضان, وتحج البيت)).

فهنا فسر الإيمان بالأمور الباطنة , وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة , هذا في حديث جبريل , لكن في حديث آخر وهو في صحيح البخاري وغيره قال الرسول لوفد عبدالقيس : (( آمركم بالإيمان بالله وحده , أتدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله,  واني رسول الله , وإقام الصلاة,  وإيتاء الزكاة , وان تؤدوا خمس ما غنمتم )) (2).

ففي هذا الحديث فسر الإيمان بالأعمال الظاهرة ؛ فسره بالصلاة والزكاة

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 وتأدية خمس الغنيمة, وفي حديث شعب الإيمان قال الرسول : (( الإيمان بضع وستون )) هذه رواية البخاري , وفي رواية مسلم : (( بضع وسبعون شعبة, أعلاها قول لاإله إلا الله,  وأدنهاها إماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان )).(1)

فقوله : (( وادناها إماطة الأذى عن الطريق )) الإماطة عمل ظاهري متعلق بالجوارح,  ومع ذلك فهي إيمان كما بين رسول الله . وقول لا إله إلا الله وهو أعلى شعب الإيمان , هو أيضاً عمل ظاهري متعلق بقول اللسان .

وبين هاتين الشعبتين بضع وسبعون شعبة, فأركان الإيمان كلها داخلة في شعب الإيمان , وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره , وكذلك أركان الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج , ويدخل في ذلك أيضاً كل الأعمال الصالحة ؛ كالحياء وصلة الأرحام والجهاد في سبيل الله والصبر والإحسان إلى الجار, وستر عورات المسلمين وتفريج كرباتهم وقضاء حوائجهم وغير ذلك.

فشعب الإيمان إذن غير مختصة بأعمال القلوب, بل تدخل فيها الأعمال الظاهرة . وهذا الذي انطلق منه أهل  السنة والجماعة حينما عرَّفوا الإيمان, بما قال الشيخ هنا : (( فصل : والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان)) .

فالإيمان قول باللسان : وأساسه أن ينطق الإنسان بالشهادتين,  ويدخل

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ذلك ما ينطق به الإنسان من أنواع الذكر مثل : سبحان الله, والحمدلله , ولا إله إلا الله,  والله أكبر , هذا نطق باللسان . وهكذا بقية الأذكار التي ينطق بها الإنسان بلسانه .

ثم قال : (( وعمل بالأركان)) الأركان هنا الجوارح,  فعمل الأركان كالصلاة , والحج , والزكاة, والركوع, والسجود, والدعاء , وإعانة الضعفاء والمحتاجين, والجهاد في سبيل الله, فكل ما تفعله بيدك من طاعة الله فهو عمل , وكل ما تمشي إليه برجلك فهو عمل وكل ما تعمله بجسدك فهو عمل بالأركان .

(( وعقد بالجنان)) أي ما يعتقده الإنسان بالجنان وهو القلب, أي اعتقاد القلب,  واعتقاد القلب هنا يشمل أمرين : يشمل تصديقه أي أن يصدق الإنسان بقلبه , ويشمل اعمال القلوب مثل الخوف, والرجاء, والتوكل, والرغبة , والرهبة , المحبة وغيرها . فتعريف أهل  السنة والجماعة للإيمان يشمل اموراً ثلاثة : يشمل نطق اللسان , واعتقاد القلب, وعمل الجوارح , وعن التفصيل يقال : الإيمان يشمل خمسة امور :

1-      قول اللسان وهو نطقه بالشهادتين.

2-      وعمل اللسان وهو ذكره لله, ونطقه بلسانه بكل خير .

3-      وقول القلب وهو تصديقه .

4-      وعمل القلب من المحبة والخوف والرجاء .

5-      وعمل الجوارح في البدن من اليدين والرجلين وبقية اجزاء البدن .

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبعض السلف رحمهم الله تعالى قالوا : الإيمان قول وعمل . ولم يشيروا إلى اعتقاد الجنان لفظاً, ولكن هذا التعريف صحيح أيضاً؛ لأن القول قول اللسان, العمل عمل الجوارح وعمل القلوب, والأدلة من الكتاب والسنة متواترة دالة على صحة تعريف أهل  السنة للإيمان .

والذين انحرفوا في باب الإيمان, إنما كان ضلالهم بسبب قصرهم الإيمان على بعض ما يشتمل عليه كما فعلت المرجئة بأصنافهم, أو غلوهم بجعلهم جميع شعب الإيمان شرطاً في صحته كما فعلت الوعيدية من الخوارج والمعتزلة.

فمن المرجئة طائفة قالت : إن الإيمان قول باللسان فقط, أي أن من قال : لا إله إلا الله, يكون مؤمناً دون النظر إلى اعماله وقلبه, فمادام أنه قال : لاإله إلا الله . فهو مؤمن حقاً, وهذا مذهب الكرامية اتباع ابن كرام السجستاني .

وعلى قول هؤلاء يكون المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر مؤمناً؛ لأنه يقول : لاإله إلا الله, وهذا مخالف للنصوص الدالة على كفر المنافقين وان قالوا    ونطقوا .

وهناك طائفة اخرى قالت : إنما الاعتبار بمعرفة القلب , فالإيمان عندهم هو المعرفة فمن عرف الله , وعرف الرسول فهو مؤمن, وهذا قول الجهمية ومن وافقهم , وهذا قول باطل لأنه يلزم منه أن كل من عرف الله فهو مؤمن ولو ارتكب كفراً,  وإبليس كان عارفاً بالله لكنه كفر بالإباء والاستكبار حين طلب منه ربه السجود لآدم , فأبى واستكبر وكان من الكافرين. وكذلك فرعون كان عرفاً بالله, قال تعالىعنه وعن قومه : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ (النمل: من الآية14) وقال له موسى : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ (الاسراء: من الآية102) .

إذن فتعريف الجهمية للإيمان بانه المعرفة . تعريف باطل لأنه يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون مؤمنين , لأنهما عارفان بالله .

فرقة اخرى قالت : الإيمان هو التصديق , وهذا مذهب جمهور الأشعرية والماتريدية , فيقال لهم :ليس هناك فرق بين التصديق والمعرفة التي قال بها الجهمية , وإبليس وفرعون كانا مصدقين , واليهود في زمن النبي كانوا مصدقين في قلوبهم أن محمداُ رسول الله , ومع ذلك فلاشك في كفرهم جميعاً.

وما ذكره اصحاب هذا القول : من الفرق بين المعرفة والتصديق هو فرق ضعيف جداً واكثر العقلاء لا يدركونه , ثم إن فرعون كان مصدقاً, بل الله سبحانه وتعالى سمى تصديقه يقيناً فقال : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ              (النمل: من الآية14) واليقين تصديق جازم , ومع ذلك كانوا كفاراً وإن كانوا مصدقين, فكيف تقولون :  إن الغيمان هو التصديق فقط دون امور اخرى لا بدَّ منها في الإيمان؟

ومرجئة الفقهاء : ابوحنيفة واصحابه رحمهم الله تعالى قالوا : الإيمان هو قول باللسان واعتقاد بالقلب فقط , ولم يدخوا العمل في مسمى الإيمان .

فيقال لهم : إن النصوص الصريحة الصحيحة دلت على دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان , فتعريفكم ناقص,  وأنت - رحمكم الله - وان أو جبتم العمل لكن أخرجتموه عن مسمى الإيمان, إلا أن إخراجكم لـه مخالف للنصوص الصحيحة الصريحة.

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقابل طوائف المرجئة طائفة جعلوا الإيمان قول اللسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح لكن قالوا : إن من ترك شيئاً من عمل الجوارح - بارتكاب كبيرة او ترك واجب-  فهو خاج من الإيمان مخلد في النار , وهذا انحراف كبير وضلال مبين وقع فيه الوعيدية من الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم وكلامهم باطل من وجوه كثيرة جداً منها أن الأدلة دلت على أن القاتل والزاني واشارب الخمر مؤمنون وإن أقيمت عليهم الحدود الواردة في حقهم, ولو كانوا كفاراً بهذه الكبائر لوجب قتلهم على كل حال , وهنا مناقض لنصوص الكتاب والسنة .

 فهؤلاء كلهم على تفاوت فيما بينهم انحرفوا في تعريف الإيمان , والتعريف الصحيح هو ما ذكره أهل  السنة والجماعة وعبر عنه الشيخ هنا , من إدخال العمل في مسمى الإيمان وإدخال أعمال القلوب في مسمَّى الإيمان وكذلك قول اللسان , ويتعلق بهذا مسألة اخرى من مسائل الإيمان دلت عليها النصوص ألا وهي أن الإيمان يزيد وينقص .

ولكلُّ من ذكرناه سابقاً من طوائف المرجئة يقولون : الإيمان لايزيد ولا ينقص؛  لأن الإيمان عندهم مجرد التصديق ولا تفاوت بين المصدقين , وهذا خطأ لأننا لو تأملنا لأمر لوجدنا انه في باب التصديق يتفاوت الناس فيه, وبيان ذلك أن الناس لا يتفاوتون إذا كان الأمر متعلق بالإخبار عن حاضر , مثل ذلك: إذا أمسكت بيدي كتاباً وجعلت ارفعه أمام جمع من الناس قائلاً : هذا كتاب , فكل واحد من هذا الجمع إذا رآه علم انه كتاب ؛ لأنه امر حاضر قريب , فتصديق كل واحدٍمن هؤلاء متساوٍ مع تصديق الآخرين في هذه

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحالة, وكذا تصديق الناس بكون الشمس طالعة إذا كانوا يرونها .

أما إذا تعلق الأمر بخبر عن غائب , فإن الناس يتفاوتون في تصديقه , فمثلاً إذا جاء شخص إلى جمع من الناس وقال لهم : حدث حادث في مكان كذا وكذا , ومات على إثر هذا الحادث عدد كذا وكذا , ففي هذه الحالة قد يصدق بعض الناس وبعضهم قد لا يصدق , وحتى الذين صدقوا هذا الخبر تجدهم متفاوتين في درجة التصديق , فمن الناس من يصدق ولكن مع وجود علامات استفهام تدور في باله , ومنهم من يصل تصديقه إلى درجة اليقين؛ لأن الأمر يتعلق بأمر غيبي فيكون الاختلاف في درجة التصديق امراً وارداً,  كما أن التدرج في زيادة التصديق او نفصه امر لا شك فيه.

 واغلب مسائل الإيمان إنما هي خبر عن غائب كما هو معلوم .

فلو كان الإيمان هو التصديق فقط كما قالت المرجئة,  فإن التصديق أيضاً يتفاوت , فليس تصديق هذا بالله مساوياً لتصديق ذاك , وليس تصديق فلان بالملائكة مساوياً لتصديق فلان , وكذلك الرسل , والكتب واليوم الآخر .

فإذا جئنا لأعمال الجوارح فالناس أيضاً يتفاوتون فيها تفاوتاً ظهراً, فهذا إنسان مصدق لكنه لا يعمل اعمالًا صالحة , وهذا مصدق وفي نفس الوقت صوام , قوام, أمار بالمعروف, نهاء عن المنكر , صاحب خير وأعمال صالحة , فلا يتساوى هذا مع هذا في الإيمان أبداً.

إذن تصديق القلب يتفاوت الناس فيه,  واعمال الجوارح من الطاعات والإيمان يتفاوت الناس فيها,  ومن ثم دلت الأدلة الصحيحة على أن الإيمان

يزيدُ بالطاعة وينقصُ بالعصْيان قال الله تعالى : {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} (النمل:14) . وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة (البينة:5) . فجعل عبادة الله وإخلاصَ القلب , وإِقام الصلاة كُلّه من الدين .

وقال رسول الله : ((الإيمانُ بضعُ وسبعون شعبة,  أعلاها : شهادة أن لا إله إلا الله , وادناها إماطةُ الأذى عن الطريق )) فجعلَ

يزيد وينقص , ولهذا قال الشيخ هنا : (( يزيد الطاعة وينقص بالعصيان)) ثم ذكر الدلة على تعريف الإيمان , ثم على زيادته ونقصانه فقال : قال الله تعالى:وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي ملة ابراهيم الحنيفية التي هي صدق الإخلاص في العبادة لله سبحانه وتعالى, والبعد عن كل شرك , وإقامة الصلاة وايتاء الزكاة خالصة لله تعالى , ودين القيمة هو الدين المستقيم الموصل إلى رضوان الله والجنة .

قال الشيخ : (( فجعل عبادة الله وإخلاص القلب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين)) وإذا كان من الدين فهو من الإيمان , فالدين والإيمان كل منهما يدخل فيه قول اللسان واعتقاد القلب والإخلاص لـه , ويدخل فيه اعمال الجوارح من اقامة الصلاة وايتاء الزكاة والحج وغيره . وهذا أيضاً دليل صريح في هذا الباب على دخول الأعمال في مسمى الإيمان , وهو دليل على زيادة الإيمان ونقصانه , حيث يتفاوت الناس في هذه الأعمال .

ثم قال الشيخ : (( وقال رسول : (( الإيمان بضع وسبعون شعبة 

القول َوالعملَ من الإيمان . وقال تعالى : فَزَادَتْهُمْ إِيمَانا (التوبة: من الآية124).

وقال : لِيَزْدَادُوا إِيمَانا (الفتح: من الآية4) .

وقال رسول الله : (( يخرجُ من النار من قال : لا إله إلا الله, وفي

أعلاهاشهادة أن لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))(1) فجعل القول والعمل من الإيمان)) جعل القول فقال : أعلاها قول لاإله إلا الله , والعمل قال : وادناها إماطة الأذى عن الطريق , فدل هذا على أن الإيمان قول وعمل خلافاً للمرجئة , كما أن قوله : ( أعلاها) وقوله : (أدناها) يدل على زيادة الإيمان ونقصانه صراحة,  حيث افاد أن للإيمان أعلى وأدنى .

ثم اخذ الشيخ بعد أن دلل على تعريف الإيمان وأنه قول اعتقاد وعمل يدلل على زيادته ونقصانه بالأدلة الصريحة - مع أن الأدلة السابقة فيها دلالة على ذلك كما سبق-  فقال : (( وقال تعالى : فَزَادَتْهُمْ إِيمَانا إشارة إلى قوله تعالى : وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً               (التوبة: من الآية124) فنزول الآيات والسور القرآنية تزيد الإيمان وهذا يدل على الزيادة, وإذا قبل الزيادة فهو قابل للنقصان . وقال : لِيَزْدَادُوا إِيمَانا في سورة الفتح  هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (الفتح: من الآية4) وهذا أيضاً دال على زيادة الإيمان فإن إنزال السكينة وهي السكون والطمانينة والثبات في اوقات المحن والشدائد مما يزيد في إيمان المؤمنين وثقتهم بنصر الله لهم , كما حصل في الفتح الذي هو صلح الحديبية ((وقال رسول الله : (( يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة (حَبَّة البر) و

قلبه مثقالُ برةٍ او خردلةٍ من الإيمان )) فجعله متفاضلاً (1)

أوخردلة ( معروفة وهي الهباءة في الهواء ) أو ذرة من الإيمان )) فجعله متفاضلاً)).

والدليل من الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه قوله : (( وفي قلبه مثقال برة)) فهو نص على نقصانه حتى يصير إلى هذا القدر الصغير وقد ورد في بعض روايات هذا الحديث : (( يخرج من النار من كان في قبله أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان))(2) وقوله أدنى وأدنى هنا : دليل على النقصان في الإيمان , وفي هذا رد على من زعم أن الإيمان يريد ولا ينقص والصواب أنه إذا كان يزيد فهو ينقص , والحديث صريح في النقصان .

والأدلة على ذلك من سنة الرسول كثيرة كقوله عليه الصلاة والسلام : (( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا)) فقوله (( أكمل)) : يدل على الزيادة والكمال. كما أن الرسول وصف النساء في الحديث الصحيح بأنهن ناقصات عقل ودين, وعلل ذلك بتركهن الصوم والصلاة اثناء الحيض . وهذا يدل على أن الإيمان ينقص ويدل على أن الإعمال من الإيمان؛ لأن المرأة إذا تركت الصلاة والصوم فترة الحيض أحدث ذلك نقصا في إيمانها ولكنها لا تأثم بذلك؛ لأنه امر كتبه الله تعالى على بنات آدم جميعاً.

 فُيستدل بهذا الحديث على نقصان الإيمان لكن ليس بلازم أن يترتب على هذا النقصان إثم , مثل لإنسان الذي يقوم الليل فنقول : زاد إيمانه, ثم بعد فترة إذا ترك قيام الليل نقول : نقص إيمانه , لكن نقصه لنقص الطاعة لا لفعل المعصية, فرفع الإثم عنه لكونه ترك نافلة وسنة لا يعني أن إيمانه لم ينقص عما كان عليه من لكمال السابق والله اعلم .

فصل

ويجبُ الإيمان بكلِّ ما اخبر به النبيُّ , وصح به النقلُ عنه , فيما شاهدناه او غاب عنَّا نعلم أنه حقٌّ وصدقٌ, وسواءٌ في ذلك ما عقلناه وجهلناهُ ولم نَطَّلعْ على حقيقة معناه .

ثم انتقل رحمه الله تعالى إلى ذكر عدد من المسائل المتعلقة بالإيمان افتتحها بذكر هذه القاعدة العامة فقال : (( فصل : ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا أنه حق وصدق وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه )).

وهذه مسألة كبرى من مسائل الإيمان, وهي الإيمان بكل ما أخبربه الرسول , ونحن قد عرضنا لهذه المسألة عندما قال الشيخ (( ويجب أن نصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله )) وقلنا : إن كل ما جاء به الرسول في باب الصفات وغيره فهو حق يجب الإيمان به .

فذكر الشيخ هذا الأصل هناك في باب الصفات وذكره هنا في باب الإيمان,  ومقتضاه أن كل ما ورد به النص الصحيح عن النبي من الخبر المشاهد او الغيببي سواء كان هذا الغيب سابقاً او سيأتي , فنحن نؤمن به ونصدق بشرط الثبوت , بأن يكون الحديث صحيحاً ولهذا قال : بكل ما أخبر به النبي وصح به النقل عنه فيما شاهدناه او غاب عنا)) فما اخبرنا به الرسول مما شاهدناه , مثل ما شاهده الصحابة في وقتهم , او شاهده من جاء بعدهم او نشاهده نحن من بعض اخباره ومعجزاته , (( او غاب عنا )) مثل

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 خبره عن الله, أو عن الملائكة , أو عن السموات والكرسي والعرش , ومثل خبره عن عذاب القبر ونعيمه ومثل خبره عن اشراط الساعة التي تكون في أخر الزمان , ومثل خبره عن اليوم الآخر وماذا يكون فيه من الحساب والميزان والصراط , ومثل خبره عن أهل  الجنة وأهل  النار, كل هذه الأمور إذا صح الحديث بها فنحن نؤمن به نصدق .

وهذه مسألة إيمانية بدهية , لكن المؤسف حقاً هو انه وجد في المسلمين من يستهين بحديث الرسول عليه السلام ولا يصدق ما جاء به, ولعظمة هذا لأمر وخطره على الأمة حذر منه الرسول عليه الصلاة والسلام حين اخبر عن وقوعه في هذه الأمة فقال : (( يوشك رجل متكئ على اريكته ياتيه الأمر من امرنا فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله فما جاء من شئ دل عليه كتاب الله اخذنا به ))(1) وقال : الرسول عليه الصلاةوالسلام : (( ألا وإِني اوتيت القرآن ومثله معه))(2) , أي السنة, والسنة مشتملة على البيان للقرآن وعلى الأحكام , وهو وحي يوحى من الله تعالى , والله سبحانه وتعالى أخبر أنه أنزل القرآن ليبينه الرسول عليه الصلاةوالسلام فقال تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (النحل: من الآية44) .

ولا يمكن أن نعمل بالقرآن إلا بالسنة , فكثير من نصوص القرآن عامة, وقد جاءت السنة بتخصيصها وبيانها , ولو لم نعمل بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام لوقعنا

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أعظم الضلال والإلحاد؛ كما هو مذهب القرآنيين , وهم طائف ضالة تركت العمل بالسنة واكتفت على زعمهم بالقرآن, وحجتهم في ذلك أن الحديث فيه صحيح وضعيف, ويلزمهم على مذهبهم ترك الكتاب والسنة. الكتاب والسنة جميعاً فمثلاً ربنا سبحانه وتعالى يقول :وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (المائدة: من الآية38) .

كيف نعمل بالآية ؟ ومن هو السارق ؟ هل السارق الذي سرق حبة شعير, أو السارق الذي سرق درهماً, او الذي سرق ثلاثة دراهم أو الذي سرق مليون درهم كلهم سرق . فإذا اخذنا بالعموم سنقطع كل سارق حتى ولو كان امراً دون النصاب,  أو كان أمراً تافهاً جداً .

ثم إذا جئنا لننفذ القصاص لقوله : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ما هي اليد ؟ هل اليد من الكف ؟ أو من المرفق ؟ أو من الكتف ؟ هل يمكن أن ننفذ هذا الحكم الشرعي إلا ببيان الرسول عليه الصلاة والاسلام ؟ وكذلك الأمر في بقية الأحكام الشرعية .

فالأحكام الشرعية والأخبار الغيبية التي وردت صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام ناخذ بها, ونفعل بمافيها من أخبار ونعمل بمافيه من حكم وتشريع ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام مبلغ عن ربه سبحانه وتعالى وما جاء به حق وصدق , فإذا جاء الخبر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وصح عنه فليزمنا الأخذ به والعمل بمقتضاه ,مثل حديث الذباب , فهو حديث صحيح رواه البخاري وغيره وعمل به الأئمة ومع ذلك يأتي أناس فيردون هذا الحديث لأنه يخالف ما قاله بعض الأطباء على زعمهم , ولم يثبت أن هذا الحديث خالف شئ من الأبحاث العلمية بل

مثل حديثِ الإسراء والمعراجِ , وكان يقظة لا مناماٍ ,

على العكس من ذلك أثبتت الأبحاث أن في أحد جناحي الذباب داءً وفي الآخر دواء , كما ورد في بتض الدراسات العلمية الجطبية حول هذا الحديث نشرت منذ زمن طويل .

 وعلى فرض أن هذا الحديث يخالف ما عليه بعض الأطباء او بعض الأبحاث الطبية,  فإنه لايجوز لنا ردُّه لهذا السبب؛ لأن كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام مقدمان على كل شئ , فإذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام((إذا وقع الذباب في اثناء الحكم فلنغمسه ثم لينزعه, فإِن في احد جناحيه داء وفي الآخر شفاء )) .

قلنا : سمعنا واطعنا ولانردُّ كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام , وهكذا في بقية الأمور التي يخبر عنها الرسول , ولكون هذا اصلاً من أصول أهل  السنة والجماعة مثل لـه الشيخ هنا بامثلة من الغيبيات فقا ل (( مثل حديث السراء والمعارج )) (1) , والإسراء والمعراج كمان يقظة لا مناماً , هذا مذهب أهل  السنة و الجماعة, والرسول اسري به من  بيت المقدس والإسراء هو السير ليلاً,  فسري من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .

والمعراج: مفعال من العروج, وهي الآلة التي يصعد بها,  والله اعلم يكيفيتها, والمقصود به عروجه ,  أو العروج به الى  السماء . وأهل  السنة والجماعة يقولون إنه كان يقظة , وكان بروحه وجسده , هذا هو الصحيح , وهو معجزة من معجزات الرسول .      

فإِن قريشاً انكرتْهُ وأكبرتْهُ, ولم تنكر المناماتِ

وجاء الإسراء قبل المعراج حتى يستد لـه عملياً على صدق الرسول عليه والصلاة والسلام في ذلك ؛ لأن الله قادر على أن يعرج به من المسجد الحرام إلى السماء, لكن لو عرج به إلى السماء من مكة, ثم اخبر الرسول قومه بذلك وقال : (( إنه قد عرج بي إلى السماء )), لقال المشركون : هذا من جنس زعمك أنه ينزل عليك فهو أمر غيبي لا يمكن أن نستدل به على صدق ما تقول فكان من حكمة الله أن جاء الإسراء إلي بيت المقدس قبل العروج به إلى السماء .

ولهذا لما اعترض المشركون تركز اعتراضهم على الإسراء به إلى بيت المقدس دون المعراج؛ لأنها حادثة محسوسة معلومة لهم في مسافاتها وزمن قطعها بوسائلهم التي كانت موجودة عندهم , حيث يرون أنها لا يمكن أن تتم في ليلة واحدة , ولهذا لمَّا أخبرهم الرسول بذلك استعظموه, فانكرته قريش واكبرته وقالت : هذا شيئ لا يمكن أن يتم ولا يمكن أن يقع-  وبقية القصة معروفة- .

لكن الرسول أخبرهم عن اشياء دلت على أن هذا وقع فعلاً , أخبرهم عن العير وماذا جرى لها, ومتى ستقدم , بل وأخبرهم عن تفاصيل دقيقة تتعلق ببيت المقدس , وهم يقطعون ويجزمون بأن الرسول لم يذهب إلى فلسطين .

وقد ورد أنه حين سأله المشركون عن تفاصيل هذا البيت رفعه الله سبحانه وتعالى إلى النبي وصار كأنه ينظر إليه فوصفه وصفاً دقيقاً , بما لايدع مجلاً للشك أن الرسول ذهب إلى هذا المكان ورآه بأم عينيه .

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقد فهم المشركون وهم كفار من قول الرسول إنه أسري به, ثم عرج به إلى السماء أن ذلك كان يقظة لامناماً , وانه كان بجسده وروحه.  ولو كان الرسول اخبرهم أن الإسراء والمعراج كان مناماً لما انكرته قريش ؛ لأنها لم تكن تنكر المنامات , كما قا ل المؤلف رحمه الله تعالى .

بقي إشكال , وهو أنه ورد في بعض روايات الإسراء أن الرسول قال : ثم استيقظت وفي بعض الآثار أنه كان مناماً وقد أجاب العلماء عن ذلك بأنه لا يبعد؛ لأن الرسول كان يرى الرؤيا ثم تقع مثل فلق الصبح فقد يكون الرسول رأى الإسراء والمعراج , ثم بعد ذلك وقعت حقيقة, فما أخبر به الرسول المشركين إنما هو إخبار عن الإسراء بروحه وجسده يقظة وليس مناماً, ولو لم يكن كذلك لم يكن معجزة ولا انكرته قريش كما سبق .

أما عن كيفية ذلك فهذا علمه عند الله سبحانه وتعالى . فالرسول أخبرنا عن البراق, وعن شيء من وصفه وعن شيء من سرعته , وأخبرنا عاما جرى لـه في السموات , وكيف استفتح كل سماء, وكيف التقى ببعض الأنبياء , وكيف أنه بلغ سدرة المنتهى , وسمع صريف الأقلام, وكيف أنه رأى جبريل على حقيقته, وكيف أن الله كلمه في السماء وخاطبه مباشرة بدون واسطة, وفرض عليه الصلوات الخمس إلى آخره , فنؤمن ونصدق بجميع ذلك .

وهذا مثال فقط ذكره الشيخ في بداية هذه المسألة الكبرى؛ وهو الإيمان بكل ما صح عن رسول الله ولهذا قال : (( وكان يقظة لا مناما فإن

ومن ذلك أن مَلَكَ الموتِ لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبضَ روحَهُ لَطَمَهُ فَفَقَأ عَيْنَهُ , فرجَعَ إلى ربِّه فردَّ عليه عينَهُ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قريشاً انكرته وأكبرته ولم تكن تنكر المنامات )) .

ثم قال الشيخ : (( ومن ذلك)) أي من الأخبار الغيبية التي نصدق بها (( أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فردَّ عيه عينه )) .(1)

وهذه أيضاً حادثة كانت مثار اعتراض من بعض المتقدمين حيث قالوا : كيف يفقأ موسى عين ملك الموت وهو ملك ؟ وكيف يليق هذا بموسى رسول الله وكليمه ؟

 وفي العصر الحديث أيضاً وجد من المستشرقين والملاحدة ومن أذنابهم ممن ينتسب إلى المسلمين من يعترض بنفس الاعتراض ويقول : كيف يقع هذا من موسى , ثم يرد هذا الحديث ويكذب به لأجل ذلك , بينما هذا الحديث حديث ثابت متفق عليه رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد بأسانيد صحيحة لا شك فيها, ولذلك لم يتكلم أحد برد هذا الحديث من جهة إسناده ورواته , وإنما اعترض عليه من يعترض على خبر الرسول بعقله ورأيه القاصر, وأهل  السنة والجماعة يؤمنون بهذا الحديث , ويصدقون بما جاء به, وهو أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ليقبض روحه فقأ موسى عينه, ثم إن الله سبحانه وتعالى ردَّ على ملك الموت عينه , وجاء إلى موسى مرة اخرى كما هو معروف

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في بقية الحديث وقال : (( إن الله يقول لك : تعال إلى ثور وامسح على جلده , فلك بكل شعرة من جلده سنة من عمرك , فقال موسى : وبعد ذلك؟ قال : الموت قال : الآن إذن)) .

فأهل  السنة والجماعة يصدقون بذلك , أما الكيفية فعلم ذلك عند الله سبحانه وتعالى , وعندنا على ذلك شواهد من السنة , فقد كان جبريل يأتي إلى رسول الله في صورة بشر, وكان يأتيه أحياناً في صورة دحية الكلبي ؛ الرجل المشهور , حتى إنه كان يدخل على الرسول فيقول الصحابة لبعضهم : دخل عليه دحية بينما هو جبريل .

وكذلك جاء جبريل إلى الرسول على صورة رجل غير معروف لدى الصحابة قال عمر - رضي الله عنه - : (( بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب, شديد سواد الشعر, لا يرى عليه اثر السفر, ولا يعرفه منا أحد)),  وفي بعض الروايات أن الرسول لم يعلم أنه جبريل إلا بعد نهاية الأسئلة, وفي كتاب الله تعالى خبر دخول الملائكة على إبراهيم - عليه السلام ولم يعرفهم فأوجس منهم خيفة,  وكذا دخولهم على نبي الله لوط عليه السلام - .

فالشاهد أن جبريل كان يأت يفي صورة بشر فما الذي يمنع أن يكون ملك الموت أتى موسى عليه السلام في صورة بشر ففقأ عينه , هذا أولاً .

وثانياً : لما دخل على موسى ألا يحتمل أن يكون موسى نظر فإذا ببيته رجل غريب , ونحن نعلم أن من طلع على بيت أحد ففقأ عينه-  كما في

ومن ذلك اشراط الساعة.

الحديث-  فعينه هدر(1) , أي لا شيء عليه , فإذا وجد إنسان رجلاً غريباً في بيته؟ الا يغضب لمحارمه ويهجم عليه بما يستطيع؟

 فإذا كان الملك أتى على صورة بشر فيكون فقأ عينه لهذا السبب أو لغيره , فلما جاءه في المرة الثانية,  وقال لـه: أنا ملك الموت استمع إليه واختار أن يقبض روحه عاجلاً .

فالحاصل أن الخبر إذا ورد بالأسانيد الصحيحة فنحن نؤمن به ونصدق ولا نعترض عليه ولا نقيم الشبهات لرده بل نقبل ونسلم ونقول : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا     (آل عمران: من الآية7) .

ثم قال الشيخ : (( ومن ذلك أشراط الساعة)) أي من الأمور التي صحت بها الأخبار ونحن نصدق بها أشراط السعة وأشراط الساعة علاماتها وهي قسمان : قسم منه أشراط صغرى بعيدة, والقسم الثاني أشراط كبرى قريبة , فالصغرى هي الأشراط الصغيرة التي أخبر عنها الرسول , مثل موته عليه الصلاة والسلام , ومثل فتح بيت المقدس والنار التي خرجت في الحجاز , وغيرها من أشراط الساعة الكثيرة المدونة في كتب الاشراط وغيرها .

اما الأشراط الكبرى فمثل التي تأتي في آخر الزمان كخروج الدجال , وظهور يأجوج ومأجوج ونزول عيسى ابن مريم وخروج الدابة, وطلوع    

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشمس من مغربها , والدخان,  والنار التي تخرج من اليمن, والخسوفات الثلاثة , فهذه اشراط كبرى.

 وسميت الأشراط الصغرى بعيدة لبعدها عن يوم القيامة فهي يبعيدة عنه نسبياً , وسميت الأشراط الكبرى قريبة لقربها من يوم القيامة؛ فقد ورد أن الأشراط الكبرى تأتي متتابعة وياتي بعدها قيام الساعة .

وأشراط الساعة كثيرة تكلم عنها العلماء, وذكروها في كتبهم, ونحن نؤمن بما صح منها , مثل ما ورد في صحيح مسلم : (( لا تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجاً وانهاراً))(1) وكذلك ما ورد أن نهر الفرات ينحسر عن جبل من ذهب, ويقتتل الناس عليه(2), وكذلك ما ورد من فتح روما , وفتح القسنطينية(3) ومثل ما ورد أنه في آخر الزمان يكثر النساء ويقل

مثلُ خروجِ الدجَّالِ ,

الرجال , حتى يكون الرجل قيماً لخمسين امراة .(1)

وينبغي أن يعلم أن هذه الأشراط ليست كلها سيئة , كما يعتقد بعض الناس أن أشراط الساعة كلها فتن وبلاء , وهذا خطأ فإن الأشراط ليست كلها فتناً,  بل الرسول أخبرنا عما سيجري , فبعضها فتن, وبعضها ليس بفتن ففتح البلاد كالقسطنطينية وروما من قبل المسلمين ليس بفتن , ودخول الإسلام كل بيت حتى لا يدع بيت مدر ولا وبر إلا دخله, ليس بفتن, بل هو من اعظم المبشرات.

ثم مثل الشيخ رحمه الله عل اشراط الساعة بأمثلة سريعة فقال : (( مثل خروج الدجال )) والدجال وردت الأحاديث المتواترة عن النبي في خروجه وهو دجال كذاب,  ورد في صفته عن النبي أنه يخرج في آخر الزمان , وأن الله يفتن به الناس,  وأن أكثر أتباعه من اليهود, وأنه يفتن به كثير من النساء وضعفة العقول,  وأنه يجوب الأرض , وأن الله يؤيده بخوارق يفتن بها بعض الناس , فيأمر السماء أن تمطر, ويأمر الأرض أن تنبت , ويأمر الخربات أن تخرج كنوزها من تحت الأرض .

ويأتي للرجل الذي يكذب به لا يصدقه , فيقول الدجال للناس : أرأيتم إن قتلته واحييته اتصدقوني؟ فيقولون : نعم, فيأتي بهذا الرجل الذي يقول لـه: أنت كذاب, ويقطع رأسه حتى إذا جرى أمامه, أمر الرأس بأن يرجع وأن يحيى من جديد فيعود ويحيى من جديد وفي ذلك فتنة عظيمة للناس .

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما هذا الرجل الذي قطع راسه فلا يفتن بذلك , فبعد أن يقتله الدجال ثم يحييه بأمر الله , يقول لـه الدجال : أتؤمن بي ؟ فيقول هذا الرجل : لا والله ما ازددت فيك إلا يقيناً, أنت الكذاب , فيطلبه مرة اخرى فيعجز عنه,  فهذه فتنة عظيمة؛ ولهذا ورعن النبي أنه حذر أصحابه ذات يوم من الدجال حتى قالوا : ما زال يحذرنا حتى ظنناأنه على أطراف المدينة, وقال عليه الصلاة والسلام(( ما من نبي إلا وقد حذر امته من المسيح الدجال ))(2) .

وقد وردعن النبي أنه قال: (( من سمع منكم بالدجال فلْيَنْأ عنه ))(3) وهذا النهي لحكمة , وهو شبيه بنهيه عن الذها ب إلى الكاهن والساحر لأنهما فتنة ,فلا يجوز إتيانهما لذلك, فربما إذا ذهبت إلى أحدهما خدعك بزخرف قوله وفعله ودعواه معرفة أسرارك التي اخبرته بها الشياطين , بل ربما صدقته ووقعت في حبائله وشركه , وصرت خادماً لـه في الكفر والضلال؛ قال الرسول : (( من اتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد(3))) وقال أيضاً : (( من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبلله صلاة اربعين

ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتُلُه ,

يوماً))(1) , فهذا في الكاهن العراف . اما الدجال فأمره أشد , ومن ثم قال الرسول :    (( من سمع منكم بالدجال فينأ عنه)) ثم بين الرسول سبب ذلك , فقال : (( فوالله إن الرجل لياتيه, وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه؛ لما يبعث به من الشبهات)) . يسمع به الرجل أولاً فيقول : نعم هذا هو الدجال, أشهد أنه الكذاب الذي أخبرنا عنه رسول الله , وتكون عنده الأدلة اليقينية بأنه الكذاب , لكنه إذا أتى إليه ربما يفتن به ؛ لأنه أوتي القدرة على فعل الخوارق فيقول للسماء أمطر ي فتمطر, وللأرض أنبتي فتنبت,  وللأرض أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها, يقطع رأس رجل ويعيده مرة ثانية, فإذا شاهد هذه الأمور لربما خدع به فآمن به وصدقه, لهذه الفتن العظيمة حذر الرسول منه كما حذر من الذهاب إليه .

وإذاخرج الدجال يخرج معه اليهود , ويقتله عيسى ابن مريم في النهاية ؛ ولهذا قال المؤلف : (( ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتله)) أي نؤمن بأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام ينزل في آخر الزمان وانه يقتل الدجال .

فنزول عيسى ابن مريم يكون بعد خروج الدجال ومعه اليهود حيث يقاتلهم عيسى ومعه المؤمنون من أمة محمد فإذا اقبل عليه ذاب الدجال , كما يذوب الملح في الماء , ثم إن عيسى يقتله ويريح المسلمين من شره .

وقد ورد في القرآن آيات فيها إشارات لنزول عيسى عليه السلام كقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَة (الزخرف: من الآية61) وقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ أهل 

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ (النساء: من الآية159)  ووردت أحاديث متواترة عن النبي أنه سينزل في آخر الزمان, وأن نزوله سيكون شرقي مدينة دمشق على المنارة اليضاء , فينزل عليه السلام - متكئاً كما ثبت في الحديث(1) - على ملكين يقطر راسه كأنما خرج من ديماس , وهو الحمام , فينزل وقد اجتمع المسلمون , معهم المهدي الذي يأتي في آخر الزمان , وقد حضرت صلاة العصر , فيقولون له : صل بنا فيأبى , ويصلي عيسى خلف المهدي تكرمة لهذه الأمة, وصلاته معهم العصر دليل على اتباعه لشريعة محمد , ثم يتولى عيسى قيادة الأمة وإمامتها ويمكث سنين , فيحكم بالقرآن , ويقتل الدجال كما سبق , ويقتل الخنزير, ويكسر الصليب اي أنه يبطل دعوى النصارى في أن عيسى عليه السلام صلب, ويضع الجزية, ومعنى وضع الجزية أنه لا يقبل من أهل  الكتاب من اليهود والنصارى إلا الإسلام الذي جاء به نبينا محمد أو السيف .

فقبل نزول عيسى لأهل  الكتاب أحكام ثلاثة: إما الإسلام وإما السيف إذا قاتلو أو رفضوا الإسلام والجزية, وإما الجزية عن يد وهم صاغرون , إما إذا نزل عيسى في آخر الزمان فليس هناك إلا الإسلام أو السيف لأنه في هذا اليوم ليس هناك ما يمكن أن يقولوه أو يدعوه من شبهة الكتاب؛ فهذا نبيهم المرسل إليهم قد جاء يأمر بطاعة محمد لأن الله أخذ على الأنبياء جميعاً

وخروج يأجوجَ ومأجوجَ

وفيهم عيسى العهد والميثاق لئن بُعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولهذا قال الرسول : ((والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني))(1) .

فالرسل يصدق بعضهم بعضاً , ومن ثم فإن عيسى يحكم بالقرآن ولا يحكم بالإنجيل,  لأن الإنجيل حتى لو قيل : إنه غير محرف لنزول النبي الذي أوحي إليه به فهو منسوخ بالقرآن , وعيسى عليه السلام يؤمن بهذا النسخ لأنه يؤمن برساله محمد الخاتمة,  ولذلك فهو يصلي صلاة المسلمين في آخر الزمان ولا يحكم إلا بالقرآن ولا يقبل - حتى ممن ينتسب إليه من النصارى - إلا اتباع محمد , ومن ثم فإنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويحكم بشريعة محمد .

وقد ورد أنه يحج أو يعتمر فقال عليه الصلاة والسلام (( ليهلن عيسى ابن مريم بفجَّ الروحاء(2) حاجاً أو معمراً أو لَيَثْنِيَنَّهما ))(3) فخبر الدجال حق وصدق نؤمن به ونصدقه, وكذلك خبر نزول عيسى ابن مريم وما فيه من أحداث حق نؤمن به .

وأيضاً فمن أشراط الساعة كما قال الشيخ : ((خروج يأجوج ومأجوج )) وهما طائفتان عظيمتان من بني آدم,  ورد أنهم يخرجون في آخر الزمان وقد

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورد ذكرهم في قصة ذي القرنين , حينما وضع السد وأنه إذا جاء يوم القيامة وقرب الزمان دك وتهدم , كما قال تعالى : فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً (الكهف: من الآية98).

وقد ورد أن عددهم كبير , وأنهم يفسدون في الأرض, فيأكلون الطعام , ويشربون المياه, ويعظم البلاء بهم وذلك في وقت وجود عيسى ابن مريم بين أظهر المسلمين , فيأتي المسلمون إلى عيسى ويقولون : ياعيسى انظر ما ذا فعل يأجوج وماجوج , فادعُ عليهم فيدعو الله سبحانه وتعالى أن يخلص المؤمنين من شرهم , فيرسل الله عليهم النغف وهو مرض يتكون بسببه دود صغير يأكل الأجسام فيموتون جميعاً ويصبحون وقد امتلأت الرض من جثثهم, فتنتن أجسامهم, ويتأذى المسلمون بذلك, فيأتون عيسى فيدعو ربه سبحانه وتعالى, أن يرفع هذا الأذى , ففي بعض الروايات وردت أنه ياتي سيل عظيم فيكنس جثثهم من الأرض,  ويريح الله المسلمين من شرهم , وفي بعضها أنه تاتي طيور فتأكل اجسادهم وتريح المسلمين من شرهم . إلى آخر التفاصيل الواردة في شانهم .

فالحاصل أن يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى , وهم فتنة عظيمة لأنهم يفسدون في الأرض ويقضون على الأخضر واليابس, فيأتون على البحيرة فيشربون ماءها حتى كأن لم يكن بها ماء أبداً, فنحن نؤمن بذلك ونصدقه ونعتقد أنه سيحدث قبل قيام الساعة . ويأجوج ومأجوج أيضاً طائفة من بني آدم لأنه ورد في الحديث الصحيح

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن النبي لما قال: (( يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم : ياآدم اخرج بعث النار فيقول يا رب وما بعث النار؟ فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون )) فقا ل : (( فهذا يوم يجعل الولدان شيباً وتضع كل ذات حمل حملها, وترى الناس سكارى وما هم بسكارى )).

فهذا يوم يشيب فيه المولود حينما يسمع الخلائق هذا الحكم ؛ تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة . فاشتد بذلك على صحابة رسول الله لما سمعوا به فقالوا : يا رسول الله أينا ذلك الرجل ؟ فقال : (( أبشروا ،فإن من يأجوج ألفاً ومنكم رجل ))(1) .

فدل ذلك على أنهم من بني آدم . وورد من وصفهم أن نعالهم الشعر, وأنهم صغار الأنوف, صغار الأجسام , كأن وجوههم المجان المطرقة أي مستديرة .

وبعض الناس اليوم يقول : إن ياجوج ومأجوج هم أهل  الصين . وإن سور الصين هو السور الذي بناه ذو القرنين , ويقول : إن أهل  الصين سيكثرون وسيكون منهم هذا الإفساد , ولكن ليس هناك دليل على ذلك فالله أعلم , فنحن نؤمن بخروج يأتجوج ومأجوج ونصدق به إلا أنه ليس لدينا دليل على تحديدهم بصورة قطعية ثم إنه ليس بيننا وبين الصين سور يحجزنا عنهم , بل التنقل بيننا وبينهم حاصل .

فالقول بأنهم أهل  الصين قول لا يتوافق مع النصوص الواردة في ذلك

 وخروج الدابَّةِ. 

فما يظهر, ونقو ل : ما دام الأمر قد وردت به الأدلة من كتاب الله تعالى أو سنة رسول الله , فإننا نصدق بذلك ونؤمن به قال تعال :وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (الاسراء: من الآية85) .

فهي دابة عظيمة تخرج قبل قيام الساعة وتخاطب الناس وتسم كل واحد في وجهه هذا كافر وهذا مؤمن , حتى لا تخفى حال أحد , على أحد فيُعرف المؤمن من الكافر كما في حديث أبي أمامة مرفوعاً : (( تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم , ثم يُعَمَّرون فيكم حتى يشتري الرجل البعي رفيقول : ممن اشتريته ؟ فيقول : اشتريته من احد المُخطَّمين ))(1).

فكل شيء يكون ظاهراً ولا يستطيع احد أن يخفي حاله على أحد .

وفي حديث أبي هريرة أن النبي قال: (( تخرج الدابة معها خاتم سليمان بن داود وعصا موسى بن عمران عليهما السلام , فتجلو وجه المؤمن بالعصا (2) , وتخطم انف الكفر بالخاتم(3),  حتى إِن أهل  الحواء(4)

وطلوع الشمسِ من مغربها,  واشباه ذلك مما صحَّ به النقلُ.

ليجتمعون فيقول هذا : يا مؤمن ويقول هذا : يا كافر ))(1).

فهذا - والله أعلم-  إنما يكون بعد طلوع الشمس من مغربها وانقطاع التوبة. فهذه الدابة نؤمن بها ونصدق بخروجها, أما صفة هذه الدابة ؛ ونوعها, ولونها , وشكلها , فكل ذلك علمه عند الله سبحانه وتعالى .

فنحن نؤمن بخروج الدابة وأنها تكلم الناس وتخاطبهم وتسمهم .كذلك أيضاً من أشراط الساعة (( طلوع الشمس من مغربها)) كما قال تعالى :يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً (الأنعام: من الآية158) .

وقد فسر ذلك حديث النبي الصحيح : (( إن الشمس في آخر الزمان تطلع من المغرب , وإذا طلعت من المغرب ورآها الناس آمنوا أجمعون فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً )).

فالتوبة باقية حتى تطلع الشمس من مغربها ,فإذا طلعت الشمس من مغربها ورآها الناس انقطعت التوبة, وهذه آية كونية عظيمة .

ثم قال رحمه الله : (( واشباه ذلك مما صحَّ به النقل)) مثلما ورد عن النبي من الخسوفات الثلاثة ؛ خسف في المشرق , وخسف في المغرب , وخسف في وسط جزيرة العرب.

وعذابُ القبرِ ونعيمهُ حقٌ .

فعلامات الساعة الكبرى كثيرة ,منها - كما سبق - طلوع الشمس من مغربها , وخروج الدابة , وخرووج يأجوج ومأجوج, ونزول عيسى , وخروج الدجال وأيضاً من الآيات : الدخان وغيره من آيات الله سبحانه وتعالى في آخر الزمان, وأيضاً من الآيات الكبرى : النار التي تخرج وتحشر الناس , فقد ورد أن النار تخرج في آخر الزمان من جهة اليمن فتحشر الناس وتبيت معهم إذا باتوا فإذا جاء الليل واشتد عليهم الإعياء ناموا , فإذا ناموا نامت معهم,  وإذا أصبحوا حشرتهم حتى يجتمعوا عند المحشر فعليهم تقوم الساعة .

ولهذا ثبت عن النبي أنه قال : (( لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق))(1) فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا من ذلك .

 ثم قال الشيخ : (( وعذاب القبر ونعيمه حق )) عذاب القبر ونعيمه دلت عليه الأدلة القرآنية, ودلت عليه أيضاً أحاديث الرسول قال الله تعالى عن فرعون وقومه : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (غافر:46)  فالمراد بقوله : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا عذاب القبر لأنه قال بعد ذلك : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا الآية, فدل ذلك على أن العذاب الأول إنما يكون في البرزخ قبل قيام الساعة .

أما الأدلة من السنة على عذاب القبر ونعيمه فهي كثيرة جداً ثابتة وصحيحة ؛بل متواترة , كحديث البراء بن عازب رضي الله عنه (2) في الموت , حينما ذكر النبي الموت وشدته وكيفية خروج روح المؤمن والكافر في

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حديث طويل , وفيه أن المؤمن يفسح لـه في قبره وينعم فيه, ويفتح لـه باب إلى الجنة , ويأتيه من نعيمها وروحها وريحانها , إلى آخره .

أما الكافر والعياذ بالله فإنه يفتح له باب الى النار وياتيه من سموهمها وحميمها .

كذلك أيضاً من أدلة عذاب القبر حديث النبي لما مر على قبرين فقا ل :       (( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛  أما أحدهما فكان يمشي بين الناس بالنميمة , وأما  الآخر فكان لا يستتر من بوله))(1) فهذا دليل على عذاب القبر ونعيمه .

وعذاب القبر ونعيمه من الأمور الغيبية التي نؤمن ونصدق بها, وعقيدة أهل  السنة والجماعة أن هذا العذاب والنعيم يكون على الروح والجسد معاً, وهذا أيضاً امر غيبي نؤمن به ونسلم ولا اعتراض على ذلك بإنسان اكلته السباع وتحول إلى طعام في بطونها ثم أخرجته بولاً وروثاً فيقول : كيف يعذب هذا في قبره أو ينعم؟

فنحن نؤمن أن كل أحد سيحاسب في قبره ويأتيه ملكان ويسالانه عن ربه ودينه ونبيه وإنه بحسب إجابته سيعذب أو ينعم حتى ولو لم يدفن في قبرحتى ولو أكلته السباع أو أحرق في النار , ومن الأمم من تتعمد إحراق اتباعها كما هو موجود عند الهندوس وغيرهم حتى أنه لما ماتت إنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند, قام ولدها بإحراقها تبعاً لطقوسهم الوثنية , وقد اكلتها النار فلم يبق منها إلارفات ومع ذلك فنحن نؤمن بأنها ستحاسب في قبرها وهذا من الأمور الغيبية التي نصدق بها ولا نعلم كيفيتها ؛ لأن أمور البرزخ تختلف عن

وقد استعاذَ  النبيُّ منه , وأمر بهِ في كلَّ صلاةٍ , وفتنةُ القبرِ حق, وسؤال منكرٍ ونكيرٍ حقٌ.

أحوال الحياة الدنيا, ولله تعالى على كل شيئ قدير .

ثم قال الشيخ رحمه الله (( وقد استعاذ النبي منه)) وهذا في الأحاديث الصحيحة أنه كان يستعيذ دبر كل صلاة من عذاب القبر , ومن المسيح الدجال (1), وأمر بذلك كما ثبت  في الحديث(2).

ثم قال الشيخ رحمه الله : (( وفتنة القبرحق , وسؤال منكر ونكير حق )) ورد عن النبي  أن هذه الأمة تفتن في قبورها وهذه الفتنة هي فتنة السؤال , فكل إنسان سيسأل في قبره ويقال لـه : من ربك ؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فالمؤمن يجيب إجابات صحيحة والكافر والمنافق يقولان : هاه هاه لا أدري يقول الله تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ (ابراهيم: من الآية27) .

فالثبات في الدنيا يؤدي إلى الثبات عند السؤال في القبر والى الثبات يوم القيامة وسؤال منكر ونكير أيضاً حق وقد ورد عن النبي أنهما يسألان العبد فيوفق الله تعالى الذين آمنوا لحسن الإجابة, ويضل أهل  الزيغ والضلال فيقول الواحد منهم: هاه هاه لاأدري.

والبعثُ بعد الموتِ حقٌ.

وتسمية الملكين احدهما منكر والآخر نكير ورد في حديث رواه الترمذي وغيره(1) , ومن ثم فلا مانع من أن نقول : يأتيه ملكان أحدهما منكر والآخر نكير.(2)

وهنا مسألة هي أنه ورد في بعض الأحاديث أن الشهيد في سبيل الله إذا مات لا يفتن في قبره(3) , وورد أيضاً أن المرابط في سبيل الله إذا مات وهو ماربط لا يفتن في قبره(4) فهؤلاء يستثنون  من فتنة القبر نسأل الله الكريم من فضله .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( والبعث بعد الموت حق )) البعث لغة:

الإرسال وفي الاصطلاح : إحياء الناس وبعثهم من قبورهم يوم القيامة للحساب والجزاء, وهذا البعث حق, قد وردت أدلته الصريحة في كتاب الله وفي سنة رسوله .

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واحب أن أنبه هنا إلى أن الأدلة القرآنية على إثبات البعث بعد الموت كثيرة جداً ومستوفاة, وهي أكثر مما ورد من الأحاديث النبوية , ولقد تنوعت أدلة القرآن الشرعية العقلية على إثبات البعث بعد الموت , منها الاستدلال على البعث بإحياء الأرض الميتة - كما قال سبحانه:وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى (فصلت: من الآية39) وهذا التمثيل ورد في آيات كثيرة جداً في القرآن , فمن يقدر على إحياء الأرض بعد موتها , يقدر أيضاً على بعث الأجساد بعد موتها .

وهناك دليل آخر وهو أن الذي قدر على البدء قادر على الإعادة بطريق الأولى فالله عز وجل خلق الإنسان من عدم فهو قادر على إعادته مرة أخرى قال تعالى :       وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ (يّـس: من الآية79) وهذا دليل عقلي واضح جداً أن الذي أحياها أول مرة قادر على أن يعيدها مرة أخرى .

ولهذا قال تعالى آية اخرى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (الروم: من الآية27) مع العلم أن هذا بالنسبة لله تعالى سواء فإن كلا الأمرين هذين عليه تعالى فلا فرق بين الأمرين عنده كما قال تعالى : مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ (لقمان: من الآية28) .

كذلك أيضاً من الأدلة الاستدلال بخلق الشيء الكبير على الشيء الصغير كما قال تعالى :لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (غافر:57) . وقال :أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ (يّـس: من الآية81) فمن استطاع أن يخلق هذه السموات على ارتفاعها وعظمتها,  وهذه الأرض على اتساعها وتنوعها , أفلا يستطيع أن يخلق هذا البشر الضعيف المهين؟

وكذلك جاءت الأدلة بشواهد عينية, فالنوم مثلاً دليل يستدل به على البعث كما قال تعالى : فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى                (الزمر: من الآية42) كذلك أيضاً قصة الناس الذين ماتوا فأحياهم الله , مثل أصحاب الكهف, ومثل الرجل الذي مر على قرية وقال : أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ (البقرة: من الآية259) إلى آخره .

فالحاصل أن الأدلة القرآنية على عقيدة البعث كثيرة جداً وهي ادلة شرعية عقلية صريحة فإثبات قدرة الله سبحانه وتعالى على البعث ؛ ولهذا قال أهل  السنة والجماعة : ((والبعث بعد الموت حق)) والإيمان بالبعث واليوم الآخر أحد أركان الإيمان . 

بقي هنا مسألة وهي أن المتقرر لدى أتباع الرسل جميعاً أن البعث والحشر والعذاب والنعيم وما يتعلق بذلك إنما هو الأرواح والأجساد خلافاً للفلاسفة , الذين يرون أن البعث يكون فقط الأرواح وليس للأجساد, وهذه عقيدة الفلاسفة كافة ومنهم فلاسفة الإسلام المعظمون عند كثير من الناس ,

وذلك حينَ ينفخُ إسرافيلُ عليه السلام في الصور .

فإنهم ينكرون بعث الأجساد ويقولون : إن مسألة البعث والعذاب والنعيم تتعلق بهذه الروح فقط ولا دخل للجسد فيها .

والروح عندهم أزلية, وهي أيضاً لا تفنى ولا تبيد أبداً , بل تنعم بعد موت صاحبها عن كان خيرّاً , وتعذب إن كان شريراً أما أن يكون هناك بعث حقيقي للأجساد وحشر,  ونشر , وميزان ونعم محسوس في الجنة من فواكه , وأنهار , وقصور,  ونساء وحور, وعذاب محسوس في النار , من سلاسل وحميم وأغلال وسعير فإنهم لا يقرون بهذا كله وينكرونه نسأل الله  السلامة العافية .

أما المسلمون من أتباع الرسل فيؤمنون بان البعث يكون للأرواح وللأجساد كما مر في مسألة عذاب القبر ونعيمه وأنه يكون للروح والجسد معاً بحسب الحالة التي مات عليها الشخص, إن كان صالحاً فهو من المنعمين في قبورهم وإن كان فاجراً فهو من المعذبين في قبورهم وهذه المسائل بابها واحد .

ثم قال الشيخ : (( وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور)) .

إسرافيل : هو أحد الملائكة المعروفين الوارد ذكرهم في السنة , والصور : هو القرن,  والمقصود به هنا قرن لا يعلم قدره إلا الله سبحانه وتعالى , ينفخ فيه إسرافيل إذا اذن الله سبحانه تعالى له بذلك للبعث بعد الموت وقيام الساعة .

فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (يّـس: من الآية51) أي يخرجون من

(فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) (يّـس: من الآية51)

القبور إلى ربهم يسرعون للحساب وللجزاء.

واختلف العلماء في عدد النفخات, فالوارد مؤكدا أن هناك نفختين :

نفخة الفزع ونفخة البعث , وبعضهم يجعلها ثلاثة؛ نفخة الفزع , ونفخة الصعق , ونفخة البعث , لكن الشيء المؤكد الذي دلت عليه الدلة أن هناك نفخة يفزع منها الناس جميعاً, ويموت فيها من كان حياً على وجه الأرض .

وهذا معنى قيام الساعة الوارد في قول الرسول : (( لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)) فمعنى قيام الساعة هنا : بدايتها وهي النفخة الأولى التي يفزع فيها الجميع فيموتون , فيمكثون ما شاء الله وقد مات الجميع فلا يبقى أحد حياً إلا الواحد القهار , وحينئذ يأخذ الله السموات بيمينه والأرضين بشماله , ويهزهن ويقول : (( أنا الملك أنا الجبار أين ملوك الأرض؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد,  فيجيب نفسه سبحانه : لله الواحد القهار)) .

ثم تأتي النفخة الثانية التي هي نفخة البعث, حينما ينفخ إسرافيل في الصور كما قال تعالى :وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (الزمر:68).

فالنفخة الثانية تكون للبعث بعد الموت , حينما يقوم اللناس لرب العالمين للحساب وللجزاء ولهذا قال المؤلف مستشهداً بهذه الآية :فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ(يّـس: من الآية51) وذلك بعد النفخة الثانية حيث يخرج

وحشرُ الناسُ يومَ القيامة حفاةً عراةً غُرلاً بُهْماً,

الناس من قبورهم إلىا المحشر, (( ويحشر الناس يوم القيامة)) أي يُجمعون لمكان الحشر يوم القيامة((حفاة)) غير منتعلين, ((عراة)) الأجسام, (( غرلاً)) غيرمختونين((بهماً)) ليس معهم شيء من أمتعتهم وغيرها .

فيحشرون يوم القيامة ويجمعون في صعيد واحد,  وتكون أرض المحشر مستوية,  شبهها رسول الله بأنها كقرص نقي , والنقي : هو الدقيق المنخول, وقرصه يكون أبيض مائلاً إلى الحمرة فيجتمع الخلائق أولهم وآخرهم على تلك الحال : حفاة, عراة , غرلاً حتى قالت عائشة للرسول : يارسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال : (( الأمر أكبر وأشد من أن يهمهم ذلك))(1) .

ومثال هذا في الدنيا , لو أنه حدث اليوم زلزال في مكان ما , وبدأت البيوت تتهدم وتتساقط وخرج الناس رجالاً ونساءً مذعورين ,هل يفكر الإنسان في إمراة خرجت كاشفة وجهها وشعرها , أو حتى لو كانت بثياب البيت ؟ لا يفكر الإنسان إلا في نجاة نفسه , فكيف إذا كان الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى والعين شاخصة إلى السماء , والقلوب قد بلغت الحناجر , والأمر جدّ خطير يتعلق بمصير الإنسان وخلود إما نعيم أبدي أو عذاب أبدي لا شك أن الإنسان لن يفكر في هذه الأمور أي تفكير , لأن الحالة والهول والشدة أكبر من ذلك بكثير.

فيقفون في موقفِ القيامةِ , حتى يشفع فيهم نبيُّنا محمدٌ .

(( فيقفون في موقف القيامة)) وهو المحشر , ((حتى يشفع فيهم نبينا محمد )) وهذا بيان للشفاعة العظمى والكبرى المسماة بالمقام المحمود , وهي أن الناس يقفون في العرصات على هذه الحالة عراة, حفاة , غرلاً , بهماً وتدنو الشمس منهم, فيعرقون ويشتد كربهم .

فيطالب الجميع - المؤمن والكافر - بفصل القضاءوذلك لما هم فيه من شدة الكرب وطول اليوم, فيتشاورون فيما بينهم أن أبحثوا عن وسيلة إلى ربكم تخلصنا مما تحن فيه , فيبحثون عمن يشفع لهم عند الله تبارك وتعالى فيذهبون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى موسى ثم إلى عيسى كل واحد من هؤلاء يعتذر عن الشفاعة, وكل منهم يوجه الناس على النبي الذي بعده , حتى يقول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام : اذهبوا إلى محمد عبد غُفر لـه ما تقدم من ذنبه وما تأخر .

فيأتون إلى الرسول ويقولون : اشفع لنا إلى ربك فيقول النبي : (( أنا لها)), ثم يسجد تحت العرش ويلهمه الله سبحانه وتعالى بمحامد لم يلهمها من قبل,  فيقول الله لـه بعد ذلك : (( يا محمد ارفع رأسك وسل تُعْطَه واشفع تشفع))(1) وحيئنذ يحمده الخلائق على هذا المقام ثم ينزل الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء .

والمقصود هنا أن الشفاعة العظمى التي هي المقام المحمود

ويحاسبُهم اللهُ تبارك وتعالى .

خاصة بنيبنا محمد , أما أنواع الشفاعات الأخرى فستاتي قريباً إن شاء الله تعالى .

 قال الشيخ : (( ويحاسبهم الله تبارك وتعالى)) فبعد الشفاعة يحاسب الله الخلائق على أعمالهم , فتحصى على العبد كل أعماله وأقواله وتصرفاته ويحاسب على ذلك كله ؛ ولهذا ورد في الحديث عن النبي أنه كان يدعو ويقول : (( اللهم اجعل حسابي يسيراً))(1) لأن الله تعالى أخبر عن ذلك فقال :فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (الانشقاق:8) .

وقال في الحديث الآخر : ((من نوقش الحساب عذِّب) قالت عائشة : ألم يقل الله تعالى : فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً فقال لها : (( إنما ذلك العرض, ولكن من نوقش الحساب عذِّب))(2) فكل من نوقش الحساب فقد استحق العذاب ؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( لن يدخل أحد الجنة بعمله)) قالوا : ولا أنت يارسول الله ؟ قال : (( ولا أنا, إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل))(3).  

وتنصبُ الموازينُ .

ثم قال الشيخ : (( وتنصب الموازين )) . أي توضع الموازين لتوزن بها الأعمال, وقد قيل : إنه ميزان واحد, وقيل: إنها موازين متعددة , كما قال تعالى :وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَة (الانبياء: من الآية47) .

والثابت عن النبي أن هذا الميزان ميزان حقيقي لـه كفتان , وأنه توزن به الأعمال,  ولو كانت أعراضاً من الإيمان والمحبة الصدق والخوف والكلمة الطيبة ونحوها لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير فهو قادر على أن يجعل العراض كالعيان توزن فيؤتى بإيمان الإنسان وصدقه وإخلاصه وحبه لله وحبه للرسول , وغيرها من اعمال القلوب واعمال الجوارح,  وتوزن كلها ويشهاهدها الإنسان وهي توزن ولهذا ورد أن لا إله إلا الله التي شهدها العبد صدقاً من قلبه تكتب في بطاقة وتوضع في كفة الميزان(1) , وكذلك أيضاً ورد أن العباد أنفسهم يوزنون كما في حديث النبي أنه قال: (( يؤتى بالرجل العظيم السمين من أهل  الدنيا يوم القيامة فلايزن عد الله جناح بعوضة))(2) .

ولما تعجب الصحابة من دقة ساقي عبدالله بن مسعود وضحكوا , قال رسول الله : (( تعجبون من دقة ساقيه ؟ لهما عندالله أثقل من جبل أحد ))(3).

وتنشرُ الدواوين , وتتطايرُ صحائفُ الأعمال إلى الأيمان والشَّمائل

{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيرا}

فالصحيح أنه ميزان حقيقي, وأنه توزن به الأعمال كلها , وأيضاً يوزن به العاملون,  هذا هو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة .

(( وتنشر الدواوين)) : جمع ديوان , والديوان هو الصحيفة التي كتبت فيها الملائكة وأحصت فيها أعما ل العباد, ومن ثم فإن لكل شخص ديواناً تكون قد أحصيت فيه أعماله وتنشر أمام صاحبه يوم القيامة.

قال: (( وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل)) أي : بعد الحساب , والموازين, ونشر الدواوين, تتطاير الصحف التي هي نتائج ذلك الحساب وتلك الدواوين, فأما من أوتي كتابه بيمينه فهو الناجي السعيد نسأل الله الكريم من فضله , ومن أوتي كتابه بشماله من وراء ظهره فهو الخاسر الشقيان - نسأل الله السلامة والعافية - .

وفي ذلك اليوم العظيم اليوم الذي لا شك فيه أبداً ولا ريب يتبين من هو الخاسر ومن هو الرابح لأن موازين الآخرة ونتائج حسابها أبدية سرمدية فإما أن يسعد العبد سعادة لا يشقى بعده أبداً وإما أن يشقىشقاوة لايسعد بعدها أبداً فالربح الحقيقي والخسران الحقيقي إنما هو في ذلك اليوم, أما موازين الدنيا وخساراتها في جاهها , ومناصبها,  وأموالها, وشهاداتها , فكلها أمور لا تساوي شيئاً أمام هذا الموقف العظيم , وليس بيننا وبين قربنا من ذلك الموقف إلا الموت وكل منا لايدري متى اجله .

ثم استشهد الشيخ بالآيات كقوله تعالى :فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً

وَيَنْقَلِبُ إِلَى أهل هِ مَسْرُوراً (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يدعوثبوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (الانشقاق:12) . والميزانُ لـه كفتانِ ولسانٌ , توزن به الأعمال .

أي من أعطاه الله الكتاب باليمين فهذا هو الذي يُحاسب حساباً يسيراً كما سبق          وَيَنْقَلِبُ إِلَى أهل هِ مَسْرُوراً أي إلى أهل ه وبيته في الجنة مسروراً أعظم سرور, بنجاته من النار , وبفوزه بالجنة ورضا الرحمن.

          وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وقد ورد في الأدلة الأخرى أنه يعطى كتابه بالشمال, فقيل : يجمع بينهما بأنه يعطى بشماله من وراء ظهره , ويحتمل أن هذه الفئة قسمان منهم من يعطى بشماله ومنهم من يعطى كتابه من وراء ظهره زيادة في تبكيته وذله والله اعلم.

قال : فَسَوْفَ يدعوثبورا أي يدعو على نفسه بالويل والثبور والهلاك , كما يتمنى أن يكون تراباً, قال الله تعالى :يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً (النبأ:40) فهو يدعو بالهلاك والثبور على نفسه متمنياً أنه لم يكن شيئاً وأنه لم يخلق ولكن لانها ساعة ندم ولهذا قال تعالى : وَيَصْلَى سَعِيراً حيث لاينفعه صراخه,  ولا دعاءه بالويل والثبور, وإنما تذهب به ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون تذهب به إلى نار جهنم فيصلى بها وتسعر وتوقد به .

ثم قال الشيخ : (( والميزان لـه كفتان ولسان)) وقد سبق بيان ذلك, فكفتا الميزان معروفتان, واللسان الذي في الوسط يحفظ توازن الكفتين معروف

فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} (المؤمنون:103) .

ولنبينا محمد حوضٌ في القيامة,ماؤه أشدُّ بياضاً من اللبن , وأحلى من العَسَل,  وأباريقُهُ عدد نجوم السماءِ , من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً.

أيضاً (( توزن به الأعمال)) ثم احتج بقوله تعالى : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ  خَالِدُونَ(المؤمنون : 102, 103) فهذه هي نتيجة الحساب ؛ من ثقلت موازينه فهو الرابح وهو المفلح الناجي من النار الفائز بالجنان .

ومن خفت موازينه نسأل الله العافية فهوالخاسر؛ لأنه في يوم القيامة ليس هناك إلاطريقان لا ثالث لها, ما ليس هناك إلا طريق النجاة - نسأل الله الكريم من فضله - أوطريق الخسران الذي يعقبه الخلود في نار جهنم .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : ((ولنبينا محمد حوضٌ في القيامة , ماؤه أشدُّ بياضاً من اللبن وأحلى من العَسَل , واباريقُهُ عدد نجوم السماءِ , من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً)) .

وهذا الحوض للنبي وردت فيه أحاديث كثيرة في الصحيحين وفي غيرهما,  وهي أحاديث كثيرة مفصلة وما ورد في وصفه هو أيضاً ثابت في الأحاديث الصحيحة , وأحب أن أشير إلى أن حوض النبي موجود الآن فقد ورد في صحيح البخاري أن النبي قال : (( وإِني والله لأنظر إلى حوضي الآن )).(1)

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كذلك أيضاً ورد في حديث حسن عند الترمذي وغيره أن لك نبي حوضاً لكن حوض النبي أكبرها واكثرها وارداً.  نسأل الله الكريم من فضله , وقد ورد أن الأنبياء يتباهون أيهم أكثر وأرداً, يقول الرسول (( أن لكل نبي حوضاً, وإنهم يتباهون أيهم اكثر واردة,  وإِني أرجو أن أكون أكثرهم واردة يوم القيامة ))(1) . وحوض النبي وفي العرصات يُصَبُّ فيه من ماء الكوثر الذي في الجنة فنهر الكوثر الوارد في القرآن يصبُّ منه ميزابان إلى حوض النبي في العرصات , ولما كان من الجنة كان من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً.

ومن المعلوم أن الناس يشتد عليهم الكرب في الموقف, وتدنو الشمس من الرؤوس بقدر ميل, ويعرق الناس عرقاً شديداً منهم من يصل العرق إلى كعبيه, ومنهم من يصل الى ركبتيه, ومنهم من يصل إلى حقويه ومنهم من يلجمهم العرق إلجاماً وليس هذا أمراً سهلاً فيشتد بالناس العطش ويكثر الخوف والفزع, فيا بشرى من أكرم بحوض رسول الله وأقبل عليه ثم شرب من يد رسول الله شربة لم يظمأ بعدها أبداً , ولا شك أنها بشرى عظيمة فنسأل الله الكريم من فضله ونعوذ به من أن نكون ممن غير وبدل فيذاد عن حوض رسول الله فيمنع من الشرب في ذلك الموقف العظيم.

والصراطُ حقٌ .

يجوزُهُ الأبرارُ , ويزلُّ عنه الفجَّار .

وما ذكره الشيخ من كون ماء الحوض أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل,  وكثرة باريقه التي يشرب بها , كل ذلك ثابت في احاديث الحوض الصحيحة .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( والصراط حق )) الصراط هو جسر ممدرد على متن جهنم , عليه كلاليب من نار , كشوك السعدان, تخطف الناس .

وهذا الصراط المنصوب على متن جهنم يمر عليه الجميع قال تعالى :وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (مريم:71) فالجميع يمر عليه ثم كما قال الشيخ : (( يجوزه الأبرار ويزل عنه الفجار)) وهذه خلاصة ما يجري حينما ينصب الصراط على متن جهنم وإلا فالوارد في الأحاديث الصحيحة أنه إذا نصب الصراط على متن جهنم يعبر منه الناس على قدر أعمالهم فمنهم من يعبر الصراط كالبرق , ومنهم كالريح,  ومنهم كأجاود الخيل, ومنهم كأجاود الرجال , ومنهم من يمشي مشياً , ومنهم من يخطو خطوة ويعثر أخرى , فهم في المرور على درجات .

أما بالنسبة للكافر والمنافق فإنه إذا أراد أن يعبر نالته تلك الكلاليب التي على الصراط فتزل به قدمه, فيكردس في نار جهنم نسأل الله السلامة والعافية ونسأله النجاة من النار قال العلماء : إن الصراط نؤمن به ونصدق لورود الأدلة الصحيحة فيه, خلافاً لمن أنكر ذلك من المعتزلة وغيرهم من أهل  البدع.

ويشفعُ نبيُّنا محمد فيمن دَخَلَ النار من امتهِ من أهل  الكبائر.

ثم يقول الشيخ أيضاً وقد عرض لمسائل اليوم الآخر كلها باختصار  (( ويشفع نبينا محمد فيمن دخل النار من أمته من أهل  الكبائر)) .

أي أن النبي يشفع إلى ربه تبارك وتعالى في أهل  الكبائر من أمته أن يخرجوا من النار,  وقد ورد عن النبي في حديث صحيح أنه قال : (( شفاعتي لأهل  الكبائر من أمتي)) (1)  كما ورد أيضاً شفاعته لمن مات وهو يقول : لاإله إلا الله .

وهذه الشفاعة يثبتها أهل  السنة والجماعة وينكرها المعتزلة والخوارج وغيرهم,  فإن المعتزلة والخوارج يقولون: إن من مات من أهل  الكبائر فقد استحق الوعيد بالنار,  فلا بدّ أن يدخل النار ولا يخرج منها أبداً ولهذا قالوا بتخليد أهل  الكبائر في نار جنهم ولا شك أن قولهم باطل مردود بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة عن رسول الله , والتي فيها بيان أن الرسول , والملائكة , وبقية الأنبياء , والصالحين والشهداء يشفعون لبعض أهل  الكبائر .

 لكن هذه الشفاعة لا تكون إلا بشرطين :

الشرط الول : ( الإذن بالشفاعة) بان ياذن الله سبحانه وعالى بها .

الشرط الثاني: الرضا عن الشافع والمشفوع لـه,  فلا بد من الإذن من الله ولا بد من الرضا عن الشافع والمشفوع لـه,  ومن ثم يشفع رسول الله والملائكة بل ورد أن الشهيد يشفع لسبعين من أهل  بيته. نسأل الله الكريم من فضله .

فيخرجون بشفاعَتهِ بعدما احترقوا وصاروا فَحْماً وحُمْماً,  فيدخلون الجنة بشفَاعِته.

وورد أن الفرد الذي يموت صغيراً يشفع لوالديه عند الله تعالى يوم القيامة . فيشفعه فيهما ويدخلها به الجنة .

وهؤلاء الذين يشفع لهم على درجات :

منهم من يكون قد أمر به الى النار, فيشفع له قبل دخوله النار أن يدخل الجنة .

منهم من يدخل النار ويعذب فيها حتى يحترق ويصير فحماً وحمماًسودا ثم يشفع لهم النبي والأنبياء فيخرجون بهذه الشفاعة ويوضعون في نهر الحيوان , حتى ينقون ويحيون مرة أخرى , ويدخلون الجنة برحمة الله سبحانه وتعالى , ولهذا قال المؤلف : (( فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحمماً )) أي سوداً (( فيدخلون الجنة بشفاعته)) .

كما أن من أنواع الشفاعة الشفاعة لأناس تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيدخلون الجنة .

ومنها الشفاعة لأناس من أهل  الجنة أن ترفع درجاتهم فيها, وهذه الأنواع عامة , وهناك شفاعات خاصة بنينا محمد وهي:

الشفاعة العظمى , بين الخلائق لأجل فصل القضاء. والشفاعة لأهل  الجنة أن يدخلوا الجنة , وهاتان الشفاعتان هما المقام المحمود , كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة,  والشفاعةلأبي طالب بتخفيف العذاب عنه - كما سياتي - .

ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعاتٌ قال الله تعالى :وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (الانبياء: من الآية28) .

ثم قال الشيخ: (( ولسائر الأنبياء )) وسائر هنا بمعنى بقية أي ولبقية الأنبياء              (( والمؤمنين والملائكة شفاعات )) , وهذه الشفاعات قد دلت عليها النصوص من القرآن والسنة , قال تعالى:وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ أي أن هؤلاء الملائكة لا يشفعون إلا لمن رضي الله عنه, وهم من خشيته وخوفه سبحانه وتعالى مشفقون .

وقال تعالى عن الكفار :فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (المدثر:48) أي أن الكفار لا ينالون الشفاعة لأن من شرط الشفاعة التي تقتضي إخراج المعذب من النار أن يكون مسلماً, فالكافر لا شفاعة لـه , أما شفاعة النبي لأبي طالب فتلك شفاعة خاصة لا بإخراجه من النار وإنما بتخفيف العذاب عنه ومع ذلك فإن أبا طالب يعذب في النار, ولا يظنُّ أن أحد من أهل  النار اشد عذاباً منه, فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي قال : (( أهون الناس عذاباً في النار من يوضع تحت أخمص قدميه جمرتان من نار))(1) , وفي حديث آخر أن أباطالب ذكر عند النبي فقال : (( لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة,  فيجعل في ضحضاح (2) من نار,  يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه))(3) . فهذه شفاعة خاصة بأبي طالب تنفعه في تخفيف العذاب عنه , أما الخروج

ولا تنفع الكافرَ شفاعةُ الشافعين .

والجنةُ والنارُ مخلوقتان لا تفنيانِ .

من النار فلا(1) فكل من مات على الكفر - نسأل الله السلامة والعافية- فإنهم لا يخرجون منها أبداً,  ولهذا قال الشيخ  : (( ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين)) .

وممَّا يؤمن به أهل  السنة والجماعة ما ذكره الشيخ هنا بقوله : (( والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان )) وهذا هو مذهب أهل  السنة والجماعة, أن الجنة والنار مخلوقتان الآن لقوله تعالى : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران: من الآية133) .

بالنسبة للجنة وقوله:أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (البقرة: من الآية24) بالنسبة للنار والإعداد يقتضي أنهما موجودتان الآن .

ولما ثبت أيضاً من الأحاديث الصحيحة أن النبي قال : (( دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب ...)) إلى آخر الحديث(2) وقوله: (( اطلعت على النار فرأيت أكثر أهل ها النساء))(3)فهذا كله يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن .

فالجنةُ مأوى أوليائه, والنارُ عقابٌ لأعدائهِ, وأهل  الجنة فيها مخلدون . والمجرمون فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (الزخرف:75) .

ومما يؤمن به أهل السنة والجماعة أيضاً أن الجنة والنار باقيتان لا تفنيان ولا تبيدان , خلافاً للجهمية وغيرهم الذين يقولون بفناء الجنة والنار , وخلافاً لمن قال بأن النار تفنى ؛ ولهذا فإن الجنة والنار باقيتان وأهلهما فيهما خالدون أبد الآباد كما وردت في ذلك الأدلة الصريحة من كتاب الله تعالى والأدلة الصحيحة من سنة رسوله . قال الشيخ : (( فالجنة مأوى أوليائه)) أي مصير ومكان لأوليائه (( والنار عقاب لأعدئه, وأهل  الجنة فيها مخلدون, والمجرمون فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ فهذا العذاب دائم مستمر لا يفتر أبداً, ولهذا جاء في الآيات أن أهل  النار يدعون ربهم : وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (الزخرف:77) وفي آية أخرى : ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ (غافر: من الآية49) ومع هذا لا يستجاب لهم .

فهو عذاب دائم كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَاب (النساء: من الآية56) وهم في هذا العذاب مبلسون , ولهذا ورد أنهم ينادون ويدعون ربهم طالبين الخروج من النار, فيرد الله عليهم بهذا الجواب الذي هو غاية في التبكيت وقطع أمل النجاة :قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (المؤمنون:108) فعذابهم دائم لا يفتر ولا ينقطع وهم مبلسون قد سكتوا وانقطعت حجتهم وأيسوا من رحمة الله تعالى . 

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أهل النار فيها مخلدون , وأهل الجنة في الجنة مخلدون أبد الآباد, ومن أعظم نعيم الجنة الخلود فيه , ولهذا تجد في كتاب الله تعالى كثيراً ما يوصف نعيم الجنة بأنه نعيم دائم , وبأن أهله خالدون فيه أبداً لأنه والحالة هذه تنقطع الأخزان وينقطع الخوف .

انظر إلى الواحد من الناس في الدنيا إذا جاءه نعيم وفرح به , تجد أعظم ما يدره عليه خوفه من زواله, فالغني إذا استوى له غناه, والملك إذا استوى له ملكه يكدر عليه ما يخالفه من زوال غناه وملكه أو في زواله هو عن غناه وملكه.

لكن أهل الجنة مخلدون وهم في نعيم مقيم, في مقعد صدق عند مليك مقتدر, قد أحل الله عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبداً فهم والحالة هذه في نعيم دائم لا يفنى ولا يبيد نسأل الله الكريم من فضله .

فمذهب أهل  السنة والجماعة أن أهل الجنة مخلدون وأهل النار مخلدون ولتقرير خلود الطائفتين يؤتى يوم القيامة بالموت في صورة كبش أملح فيذبح , كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي في البخاري غيره أنه يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ويقال لأهل  النار : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم ؛ لأن كل إنسان رأى الموت,  ويقال لأهل الجنة : هل تعرفونه فيقولون : نعم نعرفه , فيذبح هذا الكبش بين الجنة والنار, ثم يقال: (( يا أهل  الجنة خلود ولا موت , وياأ هل النار خلود ولاموت)) (1) .

ويؤتى بالموت في صورة كبشٍ أملحٍ , فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال : (( يا أهل  الجنة خلودٌ ولا موت , ويا أهل  النارِ خلودٌ ولا موت)).

وهذه كلها حقائق إيمانية عقدية دلت عليها الأدلة الثابتة الصريحة من كتاب الله سبحانه وتعالى , وسنة رسول الله   وحقائق اليوم الآخر الكبرى يجب أن يتدبرها المؤمنون ؛ لأنها تورث الخشية والانكسار والذل للعزيز الجبار,  وتورث أيضاً المتابعة والانقياد التام للنبي وقد كان السلف الصالح يربون أولادهم ونسائهم وأطفالهم على معرفة أشراط الساعة ؛ لأن معرف اشراط الساعة تقرب الإنسان إلى الله وتقطع عنه طول امله في البقاء في هذه الدنيا والتعلق بها .

فالحديث عن أشراط الساعة وعن اليوم الآخر يختصر الدنيا كلها من خلال تلك الأحداث الكونية العظيمة , والأحداث والأهوال العظام, وما يتبعها من قيام الساعة وفزع الناس والحساب, والجزاء والصراط والموازين وتطاير الصحف والشفاعة والجنة والنار, إلى آخر هذه الأمور العظيمة والتي هي حقائق لا شك فيها .

فيجب علينا أن نتعلم وأن نتدارس تلك الأمور وأن نكون على بينة منها وأن نعلم  الصحيح مما روي في ذلك من غير الصحيح ونربي على ذلك أنفسنا وأهلنا وعموم المسلمين لعلَّ ذلك يدفعنا إلى الا ستعداد لهذا اليوم العظيم .

والإيمان باليوم الآخر وما يتبعه من الموت وأشراط الساعة له آثار عظيمة في حياة المسلم منها :

.............................................................................. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

-        قصر الأمل في هذه الدنيا وعدم التعلق بها , وعدم جعلها غاية , كما هو حال الكفار والذين لا يؤمنون بيوم الحساب.

- ترك الظلم بجميع أنواعه, وخاصة ما يتعلق بحقوق الآخرين , في أبدانهم وأعراضهم وأموالهم وغيرها فالمؤمن يعلم أن صاحب الحق إن لم يستطع أخذ حقه لأي سبب من الأسباب في الدنيا, فهو آخذ حقه لامحالة يوم تؤدى الحقوق كلها إلى أهلها , حتى بين البهائم كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح .

-        الإكثار من الأعمال الصالحات بشتى أنواعها, الظاهر والخفي لأن المؤمن يعلم ا لله علام الغيوب وأنه سيجازيه يوم القيامة أعظم الجزاء .

-        تعديل الموازين في هذه الدنيا, فنزن الرجال والأعمال بميزان الآخرة لا بموازين الدنيا المادية .

- الإيمان باليوم الآخر لا يولد الكسل , بل هو أعظم دافع لشغل الوقت بما ينفع المسلمين في أمور دينهم ودنياهم .

-        الرضا والطمأنينة بكل ما يجري على العبد؛ لأنه يعلم أن الدنيا زائلة وأن الحياة الحقيقية الخالدة إنما هي في الآخرة .

* * *

فصل

ومحمدٌ خاتمُ النبيين, وسيدُ المرسلين ,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد أن تكلم الشيخ رحمه الله تعالى عن بعض القضايا المتعلقة بالشفاعة والحوض والميزان وغير ذلك, قال : (( فصل : ومحمد رسول الله خاتم النبيين وسيد      المرسلين )) وهذا في بيان بعض حقوقه وما يجب لـه , وهو يتعلق بقضيتين اثنتين بالنسبة للرسول :

 إحداهما : ما هو الواجب على كل مسلم بالنسبة لهذا الرسول ؟

والثانية : ما هي خصائص الرسول التي تميز بها عن غيره من الأنبياء ؟

أما الأولى : فهي القضية الإيمانية المرتبطة بشهادة أن محمد رسول الله , وهذه الشهادة تقتضي عدة أمور هي-  بإختصار شديد- :

أولها : الإيمان والتصديق بأن محمد بن عبدالله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي هو رسول الله .

ثانيها : تصديقه في كل ما أخبر به.

ثالثها : طاعته في كل ما أمر به.

رابعها: إجتناب ما نهى عنه وزجر.

خامسها: ألا يعبد الله إلا بما شرع.

سادسها : الإيمان بعموم رسالته إلى الإنس والجن جميعاً.

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سابعها: الإيمان بأنه بلغ البلاغ المبين, فما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه.

ثامنها:الإيمان بأنه خاتم النبيين ولا نبي بعده, فمن اعتقد أن هناك نبياً بعده وأن نبوته صحيحة, فقد انتقضت عليه شهادة أن محمد رسول الله فالرسول هو خاتم النبيين وقد سبق بيان أن نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان لا يتعارض مع   هذا .

تاسعها: محبته , وهي محبة واجبة,  يجب تقديمها على ممحبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين , كما ثبت عن النبي أنه قال : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده, ووالده , والناس أجمعين))

عاشرها: وجوب التحاكم إليه عند التنازع والرضا والتسليم لحكمه .

هذه أهم القضايا التي تجب على كل مسلم تجاه هذا النبي الكريم ,  وهي من مقتضيات شهادة أن محمد رسول الله .

وهناك خصائص كثيرة لنبينا تكلم العلماء عنها وأفردوا لها مؤلفات , وقد أشار المؤلف إلى بعضها .

فمن خصائصه أنه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين فلا نبي بعده كما سبق في ذكر مقتضيات الشهادة لـه بالرسالة.

ومن خصائصه أنه سيد المرسلين, وسيد الأولين والأخرين, ومن المعلوم أن أفضل الرسل هم أولو العزم, والقول الصحيح أنهم خمسة هم المذكورون في قول سبحانه وتعال :وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ

لا يصحُّ إيمانُ عبدٍ حتى يؤمن برسالتِهِ , ويشهدَ بنبوتِهِ, ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعتِهِ .

وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (الأحزاب: من الآية7) . وأفضل هؤلاء الخمسة محمد ؛لهذا فهو أفضل الأنبياء والرسل .

ولما كان الأنبياء والرسل هم أفضل الأمم , والرسول هو أفضل الرسل,  فالرسول هو سيد ولد آم كما خبر بذلك وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام .

ثم قال الشيخ : ((لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته)) أي يؤمن بأنه رسول الله ويصدقه ويتبعه فيما جاء به - كما سبق - (( ويشهد بنبوته )) أي يشهد انه نبي يوحى إليه من الله سبحانه وتعالى .

ثم قال : (( ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته )) أي لا بد من الإيمان بهذه الخصيصة لـه, وهي أنه صاحب الشفاعة العظمى والمقام المحمود وقدسبق بيانها,  ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى :وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (الاسراء:79) قال كثير من المفسرين : المقام المحمود هنا هو الشفاعة العظمى, حينما يطلب الخلائق جميعاً فصل القضاء بينهم في العرصات فيبحثون عن شفيع لهم عند الله سبحانه وتعالى , فيأتون آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى إلى أن ينتهوا إلى رسول الله فيأذن لله له بالشفاعة .

كما ورد أن المقام المحمود هو استفتاح الجنة,  وان النبي هو الذي يستفتح باب الجنة فيفتح لـه , وأن خازن الجنة حينما يقرع عليه الرسول بابها يقول : من؟ فيقول: محمد . فيقول : لقد أمرت بألا أفتح لأحد قبلك.

ولا يدخل الجنةَ أمةٌ إلا بعد دخول أمتِهِ , صاحب لواءِ الحمدِ ,

فيفتح للنبي ويدخل وتدخل أمته, وقد ورد عن النبي أنه قال(( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة))(1) والمعنى اننا آخر الأمم وجوداً, ولكننا يوم القيامة نسبق الأمم جميعاً في دخول الجنة . نسأل الله الكريم من فضله , قال الشيخ رحمه الله في ذلك :      (( ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته ))

ثم قال الشيخ : (( صاحب لواء الحمد)) لواء الحمد ورد بيان شيء من معناه في حديث الرسول الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله : (( أنا سيد ولد آم يوم القيامة ولا فخر, وبيدي لواء الحمد ولا فخر,  وما من نبي يومئذ - آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي,  وانا أول من تنشق عنه الأرض ولا        فخر ))(2) وهذا الحديث بتمامه رواه الترمذي وهو حديث صحيح, وقد ورد أوله :     (( أنا سيد ولد آدم)) وآخره : (( أنا أول من تنشق عنه الأرض)) في صحيح        مسلم (3).

لكن ما يتعلق بالموضوع هنا وهو قوله : (( وبيدي لواء الحمد ولا فخر, وما من نبي يومئذ - آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي )) هو من رواية الترمذي . ومعنى اللواء للرسول أنه يكون هو قائد المرسلين وقائد الأمم, فهو عبارة عن الشهرة وانفراد ه بالحمد على رؤوس الخلائق, ومن علامات هذه القيادة الشفاعة العظمى, ومن علاماتها : استفتاحه عليه الصلاة والسلام الجنة ودخوله وأمته الجنة أول الداخلين ويحتمل أن يكون لحمده لواء حقيقي يوم 

والمقامِ المحمودِ , والحوض المورودِ , وهو إمامُ النبيين وخطيبُهم .

وصاحبُ شفاعتهم . أمتُه خيُر الأممِ .

القيامة يسمى لواء الحمد , واللواء هو الراية(1) , (( والمقام المحمود)) هو الشفاعة العظمى واستفتاح الجنة .

ثم قال: (( والحوض المورود)) وقد سبق أن لكل نبي حوضاً إلا أن حوض نبينا هو أكبرها وأكثرها وارداً.ثم قال الشيخ : (( وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم)) وقد ورد هذا في حديث حسن رواه ابي بن كعب رضي الله عنه عن النبي أنه قال : (( إذا  كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر))(2) .

فهو الإمام وهو الخطيب وهو صاحب الشفاعة يوم القيامة حيث يقوم مقام يحمده عليه جميع الخلائق عليه الصلاة والسلام.

ثم قال الشيخ : (( أمته خير الأمم )) فأمة النبي هي خير الأمم ونبيها خير النبيين وأفضلهم .

فهذه الأمة أكثر الأمم دخولاً الجنة , ومن ثم تميزت هذه الأمة بعدد من الفضائل والخير العميم , فكانت خير الأمم جميعاً, ولو لم يكن من خيريتها إلا أن عددها أكبر, وعدد الدخلين إلى الجنة من أهلها أكبر وهم الآخرون السابقون يوم القيامة , لكان كافياً لبيان خيريتها وأفضليتها .

وأصحابُه خيرُ أصحاب الأنبياءِ عليهم السلام,

ولهذا قال : ((وأصحابه خير أصحاب الأنبياء عليهم السلام)),  وهذا أيضاً من خيرية هذه الأمة , فأصحاب النبي هم أفضل صحابة نبي.

ولهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من الفضل العظيم ما يجب أن يجفظه كل مسلم ويثني عليهم به يحترمهم ويبجلهم .

 وقد ثبت عن النبي أنه قال : (( خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم))(1) كما ثبت عنه قوله : (( لا تسبوا أصحابي , فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً, ما بلغ مُدِّ أحدهم ولا نصيفه ))(2) وغيرهما من الأحاديث الكثيرة الواردة في فضائل الصحابة-  رضي الله عنهم جميعاً - , وهي دالة على فضلهم وبذلهم إذ وفقوا مع النبي وجاهدوا معه في جميع المواقف ومنها ساعة العسرة , وتحملوا في سبيل الله تبارك وتعالى صنوف الأذى والعذاب والتنكيل ثم كان جهادهم في الفتوحات الإسلامية ونقل الرسالة والإرث النبوي إلى من بعدهم حتى وصلت إلينا هذه الدعوة بيضاء نقية .

ومن أعظم فضائل الصحابة أنهم صحبوا النبي ورأوه, ومن المعلوم أن الصحابي هو من لقي النبي وأجتمع به مؤمناً به وما على ذلك فيخرج بذلك من لقيه وهو كافر ثم لم يجتمع به بعد ذلك ولو آمن,  ويخرج أيضاً من لقيه وهو مومن ثم ارتد ومات كافر ويخرج أيضاً من عاصره ولكن لم يلقه.

وأفضل أمته أبوبكر الصديق .

وهؤلاء الصحابة لهم أفضلية الصحبة التي لا يشاركهم بفيها أحد ممن جاء بعدهم مهما بلغ عمله, وهذا لا يتعارض مع حديث : (( فإن من ورائكم أيام الصبر,  للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم . قالوا : يا رسول الله : منا أو منهم؟ قال: بل منكم))(1) لأنه قد يأتي بعد الصحابة ؛ من هو أكثر عملا من بعض آحاد الصحابة ولكن هذا العمل كله لا يبلغه درجة الصحبة ؛ لأن ذلك الصحابي نال أفضلية خاصة اسمها درجة الصحبة لا يبلغها ولا ينالها إلا من كان صحابياً.

أما من جاء بعدهم ولو عمل ما عمل فإنه لا ينال هذه الدرجة فهي منزلة عظيمة وهي درجة تشريف وفضل وأجر عظيم عند الله لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى , ومن ثم لا ينالها إلا من كان صحابياً أما من جاء بعدهم فقد يكون لـه من العمل العظيم ما ينال به أجراً كثيراً عند الله سبحانه وتعالى ولكنه لا يبلغ درجة الصحابي بحال.

ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى بدا يقرر مسألة مهمة جداً تتعلق بأصحاب النبي وعقيدة أهل السنة فيهم, فإن عقيدة أهل السنة فيهم هي الترضيِّ عنهم جميعاً وأن الله رضي عنهم بنص كتابه , وأن منهم المهاجرين ومنهم الأنصار, وأن بعضهم أفضل من بعض بنص القرآن الكريم قال تعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى (الحديد: من الآية10) فدل على أن بعضهم

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أفضل من بعض, لكن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لهم حق الصحبة ولا يجوز أن ننتقص أحداً منهم , بل يجب أن نترضى عنهم كلهم ونعرف فضلهم جميعاً .

وقد أبتدا الشيخ بقضية من القضايا الكبار في منهج أهل السنة والجماعة , إلا وهي قضية الإمامة بعدالرسول فأهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى يقولون ما قاله الشيخ هنا : (( وأفضل أمته أبو بكر الصديق)) واسمه عبدالله بعثمان رضي الله عنه وارضاه شهرته تغني عن التعريف به.

فأبوبكر الصديق رضي الله عنه هو أفضل الأمة على الإطلاق عند أهل السنة والجماعة وعندهم أيضاً أنه هو الإمام الحق بعد رسول الله .

ولكن كيف ثبتت له الإمامة؟

اختلف العلماء في ذلك , فبعضهم قال: ثبتت لـه بالنص مثل قول الرسول :          (( اقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر))(1) ومثل قول الرسول للمرأة التي سألته وواعدها من العام القابل حيث قالت : إن لم أجدك يارسول الله ؟ قال: (( إن لم تجديني فأتي أبا بكر )) (2).

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومثل قوله : (( مروا أبابكر فليصل بالناس ))(1) , ومثل قوله : (( يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر))(2) ومثل حديث القليب , حين دلى عليه رجليه في القليب فجاء أبو بكر وجلس عن يمينه, ثم جاء عمر وجلس عن شماله ففسرَّ ذلك بخلافتهم(3) . إلى آخره .

وبعض العلماء قالوا : إن خلافة أبي بكر رضي الله عنه وارضاه إنما ثبتت بمبايعة الصحابة له بعد توجيه النبي وإشارته عليهم أن يختاروه .

وهذا القول الثاني هو الصحيح , والدليل عليه حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه لما قيل لـه بعد أن طعن : استخلف فقال: إن أستخلف فقد أستخلف من هوخير مني,  يعني أبابكر لأن أبا بكر أستخلف عمر وأن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني , يعني رسول الله فهذا دليل على أن الرسول لم يستخلف نصاً .

والدليل الثاني أنه لو كان الرسول قد نص على أبي بكر لما تخلف الصحابة عن مبايعته لحظة, ولما كان هناك حاجة إلى أجتاماع السقيفة ولما جرى فيها كلام, ولبايعوا أبا بكر دون أدنى تردد, ولكن الصحابة فهموا من

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنابته بالصلاة وفهموا من بعض أحاديثه, وفهموا من كونه معه في جميع أحواله العامة , ومن كونه وزيره رضي الله عنه, أن الرسول كان يحب أن يكون هو الخليفة من بعده , وأنه اشار إلى ذلك إشارات خفيّة فهمها عمر وبقية الصحابة حين عللوا ببعضها لما بايعوه في دار السقيفة .

ثم أن الرسول عزم على أن يكتب كتاباً ولكن الصحابة اختلفوا واشتد اللغط فقال لهم : (( قوموا))(1) , وهذه الكتابة يحتمل أن تكون كتابة تتعلق ببعض الأحكام مثل الأحكام الجدَّة والعوْل والعقل والأسير وغير ذلك من الأحكام التي تمنى الصحابة أن يكون قد بلغهم عن الرسول  منها علماً , ويحتمل أنه أراد أن يكتب كتاباً يوصي فيه بأن يكون أبو بكر هو الخليفة من بعده .

وهنا ملحوظة مهمة : وهي أن بعض المبتدعة من الرافضة زعموا أن الرسول إنما اراد أن يكتب بالخلافة والوصية لعلي فقال عمر : حسبنا كتاب الله فاختلف الصحابة,  فغضب النبي وقال : (( قوموا عني)) (2)  وفي لفظ : (( دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه))(3) . فقال هؤلاء الرافضة : أن هذه مؤامرة مدبرة , وأن الرسول قد أراد أن يكتب بالوصية لعلي , لكن لما علم الصحابة أنه سيكتب لعلي قاموا بهذا اللغط وفعلوا هذا الفعل لأجل الا يكتب الرسول .(4)

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهذه فرية سخيفة , ويدل على سخفها أن الرسول بدأ معه المرض يوم الأربعاء واشتد عليه يوم الخميس,  ثم أن النبي توفي في يوم الاثنين , فإذا كانوا قد اختلفوا عليه في تلك الساعة وهو لم يمت فيها , بل بقي حياًعدة أيام فلوكان الرسول عازماً على أن يولي علياً أو غيره لما ردَّه عن ذلك اختلافهم في تلك الساعة ولسارع إلى الكتابة في وقت آخر ولا يمكن أن يكتم الرسول شيئاً واجباً عليه وهو مما ينفع الأمة من بعده , وقد فطن بعض الرافضة المتأخرين لضعف دعوى إخوانهم فقالوا : من تأمل قضية الإمامة رأى أن الأحق بها أبو بكر لكن صاحب المشكلة عند هذا الرافضي الخبيث هو صاحب القبر يعني الرسول , حيث كان يوصي بأبي بكر ويقول :(( مروا أبابكر فليصل بالناس)) .

فهذا إقرار من بعضهم بأن اختيار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لأبي بكر بان يكون خليفة من بعده , كان أختياراً موافقاً لرغبة وأشارة رسول الله .(1)

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قيل : لم لم يكتب الرسول كتاباً صريحاً ينص فيه على خلافة أبي بكر؟ فالجواب ما قاله بعض العلماء : لم يكتب الرسول لأبي بكر كتاباً لأنه علم أن  الصحابة لن يعدلوا به غيره, فلما علم ذلك لم يكتب لهم كتاباً.(1)

وهذا ما حصل ففي اجتماع السقيفة جرى بين الأنصار والهاجرين من حوار, ثم بويع أبو بكر , وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه لم يكن مترقباً للخلافة ولا طالباً لها , والدليل أنه رضي الله عنه تكلم في اجتماع السقيفة وأحسن الكلام , وتكلم مع الأنصار وقال : أن العرب لا تدين

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلا لهذا الحي من قريش , ثم قال : واني قد رضيت لكم أحد هذين فبايعوه : عمر بن الخطاب أو أباعبيدة .

فهذا الكلام يقوله أبو بكر نفسه, فقام عمر ب الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وقال : لقد رضيك رسول الله لديننا - يقصد الصلاة - افلا نرضاك لدنيانا؟ مدَّ يدك,  فبايعه عمر وبايعه المسلمون وأجمعوا على مبايعته حتى علي رضي الله عنه وأرضاه كان من المبايعين لـه(1) وأن كان ورد في بعض الروايات أنه تاخر قليلاً جبراً لخاطر فاطمة رضي الله عنها, لأنها رضي الله عنها وارضاها ظنت أن لها ميراثاً من رسول الله فطلبته من أبي بكر , فابى أبو بكر رضي الله عنه أن يعطيها هذا الميراث لوجود نص عنده , وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال(( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة))(2) .

فهي رأت أن لها ميراثاً,  وأبو بكر رأى أن ميراث رسول الله هو لعموم

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المسلمين , فلما لحقت فاطمة رضي الله عنها بأبيها , بايع علي رضي الله عنه وأرضاه .

 وفي بعض الروايات أنه بايع قبل ذلك - كما سبقت الإشارة إليه- ويحتمل أنه بايع مرتين, فتكون الثانية مؤكدة الأولى .(1)

فعلى كلا القولين بايع علي رضي الله عنه أبا بكر وعاش مع أبا بكر وعمر وعثمان وزيراُ لهم ومؤيداً وناصحاً وقاضياً لهم , حتى كان عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول : قضية ولا أباحسن لها يعني هذه قضية كبرى فمن لها غير أبي الحسن على بن أبي طالب رضي الله عنه .

وكانوا إخوة متآخين في الله , حتى لما جرى بينهم ما جرى فقد كانوا كلهم مجتهدين في ذلك , ولذلك لما سئل علي رضي الله عنه وأرضاه وقد جرى من الفتن بينهم ما جرى قال: إني والله لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله سبحانه وتعالى فيهم :    إخواناً على سرر متقابلين ( الحجر : 47), لكن الذي أفسد بين المؤمنين وفرق بينهم وسبَّ صحابة نبيه هم اولئك المارقون الضالون الذين افتروا على الصحابة الكذب والبهتان من الرافضة والخوارج ونحوهم .

ثم عمرُ الفاروقُ , ثم عثمانُ ذو النورين , ثم عليٌّ المرتضى.

لما روى عبدُالله بن عمر ر ضي الله عنهما قال: كنا نقول – والنبيُّ حيٌّ : أبو بكر ثم , عمر ثم عثمان, ثم علي , فيبلغ ذلك النبيَّ فلا ينكره .

فأفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر, ثم ((عمر الفاروق)), وعمر بن الخطاب هو الخليف بعد أبي بكر باستخلاف أبي بكر لـه, ثم ببيعة المسلمين جميعاً , فهو خليفة بإجماع المسلمين , ((ثم عثمان ذوالنورين)) وعثمان رضي الله عنه تولى الخلافة بعد ما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه, حيث إنه لما طعن جعل الأمر شورى في ستة, وبعد أن تشاوروا اجتمعوا على عثمان رضي الله عنه, وبايعه جميع الصحابة وعلى رأسهم علي رضي الله عنهم أجمعين .

ثم قال : (( ثم علي المرتضى )) أي الخلافة من بعد عثمان لعلي رضي الله عنه وأرضاه بإجماع المسلمين, لم يخالف في ذلك أحد .

وهؤلاء الأربعة كل واحد منهم لـه من الفضل العظيم ما ذكرته كتب الفضائل وعلى رأسها الصحيحان : البخاري ومسلم فكل واحد منهما أفرد في صحيحه كتاباً عن فضائل الصحابة ابتدأه بذكر فضائل هؤلاء الأربعة فكل واحد منهم لـه من المنزلة والمكانة عند أهل السنة والجماعة ما ترغم به أنوف الروافض والنواصب وغيرهم .

ثم قال الشيخ : ((لما روى عبدالله بن عمر ر ضي الله عنهما قال: كنا نقول والنبي حي: ابو بكر ثم عمر,  ثم عثمان,  ثم علي , فيبلغ ذلك

وصحَّت الروايةُ عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال : خير هذه الأمة بعد نبيها ابوبكرٍ ثم عمر,  ولو شئتُ لسميتُ الثالث)).

النبي فلا ينكره)).(1)

هذا الحديث رواه الطبراني وأبو يعلى الموصلي وغيره وهو أثر مشهور, لكن الإشكال في عبارة المصنف في قوله: ((ثم علي)) , لأن الثابت عن هذا الصحابي أنه قال :       (( كنا نخاير بين أصحاب النبي فنقول : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان)) ولم يرد ذكر علي.

ولهذا ففي بعض نسخ لمعة الاعتقاد أتت الرواية بدون قوله : ثم علي ولعلها أرجح.

وهذا الحديث يدل على فضل هؤلاء الخلفاء بتقرير النبي , وأن هذا كان مشهوراً بين الصحابة , معروفاً لا ينكره أحد , فتباً لمن طعن فيهم أو في بعضهم والله المستعان .

ثم قال الشيخ : ((وصحت الرواية عن علي رضي الله عنه انه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها ابوبكر ثم عمر ولو شئت لسميت الثالث)).(2),  ورد في بعض الروايات أنه قيل له : ثم أنت فقال علي رضي الله عنه وأرضاه تاواضعاً : وهل أنا

وروى أبو الدرداء عن النبي أنه قال : (( ما طلعت الشمسُ ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر)) .

إلا رجل من المسلمين . وقد أجمع العلماء على تقديم أبي بكر ثم عمر ثم قال جماهير أهل السنة : إن الأفضل من بعد عمر عثمان ثم علي.

وهناك فريق - وهم قليل جداً من أهل  السنة - قالوا : علي أفضل من عثمان. والقول الصحيح في هذه المسألة أن عثمان أفضل من علي ولهذا ورد عن بعض السلف رحمهم الله تعالى أنهم قالوا : من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار : لأنهم هم الذين أختاروه وقت الشورى وقدموه على علي كما في قصة مداولة عبد الرحمن بن عوف بالخلافة, حيث أخذ يستشير الصحابة و غرهم ثم قال عند البيعة : يا علي لقد رأيت الناس لا يعدلون بعثمان تعال ياعثمان امدد يدك أبايعك فبايعه فدل على أن الغالبية العظمى من أصحاب النبي كانوا يقدمون عثمان على علي رضي الله عنهم جميعاً وهذا هو الراجح.

وينبغي التفريق هنا بين مسألة التفضيل ومسألة الخلافة, بالأولى هي التي وقع فيها الخلاف اليسير بن السلف, أما الخلافة فلم يقع بينهم خلاف في تقديم عثمان على علي , ومن قدم علي فيها فهو مبتدع .

ثم قال الشيخ رحمه الله : وروى أبو الدرداء عن النبي أنه قال: (( ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من ابي بكر))(1)

وهو احق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبيِّ ؛ لفضله وسابقتهِ, وتقديمِ النبيِّ لـه في الصلاة على جميع الصحابة رضي الله عنهم , وإجماع الصحابةِ رضي عنهم علىتقديمه ومبايعتِهِ , ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة.

ثم من بعده عمر رضي الله عنه لفضله , وعهدِ أبي بكرٍ إِليه , ثم عثمانُ رضي الله عنه , لتقديم أهل الشورى له , ثم علي رضي الله عنه لفضله , وإِجماع أهلِ عصره عليه.

وهذا الذي ذكره الشيخ مما رواه أبو نعيم في الحلية وغيره, وهو يدل على فضل الصديق, وهناك أحاديث أخرى كثيرة أصح منه إسناداً موجودة في كتب الصحاح والسنن والمسانيد وفي كتب الفضائل وهي مشهورة متواترة .

ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى قضية الخلافة بعد ذكر الفضلية فقال: (( وهو- أي أبوبكر الصديق-  وهو أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي لفضله وسابقته, وتقديم النبي له في الصلاة على جميع الصحابة رضي الله عنهم , وإجماع الصحابة رضي عنهم علىتقديمه ومبايعته, ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة)) .

وهذه أدلة قوية مختصرة ذكرها الشيخ رحمه الله متتابعة : فضله ,سابقته في الإسلام , تقديمه في الصلاة , إجماع الصحابة عليه, ما كان الله ليجمع هذه الأمة على ضلالة,  فهذا يدل على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه هو الأحق بالخلافة بعد     النبي .

قال الشيخ : (( ثم من بعده عمر رضي الله عنه لفضله وعهد أبي بكر

وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون والأئمةُ المهديون, الذين قال فيهم رسول الله :        (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, عَضُّوا عليها بالنواجذ)).

وقال : (( الخلافة بعدي ثللاثون سنة)) فكان آخرها خلافة علي رضي الله عنه.

إليه)) . حيث بايعه جميع الصحابة , لم يتخلف عن ذلك أحد (( ثم عثمان رضي  لله عنه)) فهو الأحق بالخلافة عند أهل السنة والجماعة (( لتقديم أهل  الشورى لـه , ثم علي رضي الله عنه)) فهو الإمام الرابع(( لفضله وإجماع أهل عصره عليه)) . فهذا ترتيب الخلفاء الراشين الأربعة في الإمامة, وهو محل إجماع أهل السنة والجماعة, ولم يخالف فيه إلا أهل البدع .

ثم قال الشيخ : (( وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون, الذين قال فيهم رسول الله : (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي , عضوا عليها بالنواجذ)) (1) فهؤلاء الأربعة هم المهديون, وهم الذين  يجب أن نتبع سنتهم وطريقتهم وأن نتمسك بها أشد التمسك رضي الله عنهم جميعاً .

ثم قال الشيخ : (( وقال : (( الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ))(2))) .

هذا حديث صحيح رواه أحمد وأبو دواد وغيرهما من حديث سفينة مولى

ونشهدُ للعشرة بالجنة , كما شهِدَ لهم النبيِّ فقال : (( أبو بكر في الجنة , وعمرُ في الجنة , وعثمانُ في الجنة, وعليُّ في الجنة , وطلحة في الجنة .

 والزبير في الجنةِ , وسعدٌ في الجنةِ , وسعيدٌ في الجنة, وعبدالرحمن ابن عوف في الجنة , وابو عبيدة بن الجراح في الجنة )) .

رسول الله , فالخلافة ثلاثون سنة, آخرها خلافة علي رضي الله عنه أرضاه؛ لأن نهاية خلافة علي والحسن كانت عام إحدى واربعين , والرسول انتقل إلى الرفيق الأعلى سنة إحدى عشرة من الهجرة .

ثم قال الشيخ بعد ذلك : (( ونشهد للعشرة بالجنة)), وهذا أيضاً مما يختص به أصحاب النبي , فإن هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة لهم من الفضل ماهو معروف ((كما شهد لهم النبي فقال)) في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه :   (( أبو بكر في الجنة , وعمر في الجنة , وعثمان في الجنة,  وعلي في الجنة )) هؤلاء الخلفاء الأربعة , (( وطلحة - وهو ابن عبيدالله - في الجنة , والزبير بن العوام في الجنة , وسعد بن أبي وقاص - في الجنة,  وسعيد - وهو ابن زيد بن عمروا بن نفيل في الجنة,  وعبدالرحمن بن عوف في الجنة , وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة )) (1)

وهو أمين هذه الأمة, والزبير هو حواري رسول الله,  ولكل واحد من هؤلاء العشرة فضائل كثيرة موجودة في كتب السنة.

وكلُّ من شهدَ لـه النبيُّ بالجنة شهدنا لـه بها , كقوله : (( الحسنُ والحسين سيدا شبابِ أهلِ  الجنةِ )) وقوله لثابت بن قيس: (( إِنه من أهلِ  الجنةِ )).

ثم قال الشيخ مقرراً قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة : (( وكل من شهد لـه النبي بالجنة شهدنا لـه بها )) فأهل السنة والجماعة يشهدون بالجنة لمن شهد لـه الرسول,  أما من لم يشهد لـه الرسول فإنه يُشهد لـه شهادة عامة فنقول : كل من مات من المؤمنين فهو من أهل الجنة , نرجو له الخير لكن لا نشهد بان فلاناً بعينه في الجنة إلا لمن شهد له الرسول مثل العشرة, ومثل ما أورده الشيخ هنا في قوله : (( كقوله: (( الحسن والحسين)) وهما ابنا علي رضي الله عنهم جميعاً (( سيدا شباب أهل  الجنة )) (1) فنشهد لهما رضي الله عنهما وأرضاهما أنهما من أهل الجنة .

(( وقوله لثابت بن قيس : إنه من أهل  الجنة )) وهذا أيضاً ثبت بالحديث الصحيح,  وثابت بن قيس هذا كان جهوريَّ الصوت , فلما نزل قول الله تعالى :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (الحجرات:2) خاف أن يكون هو المقصود بالآية فقال : انا جهوري الصوت وارفع صوتي فأخاف أن عملي قد حبط , فبقي في بيته وقال : والله لا أخرج منه حتى يرضى عني رسول الله أو أموت .

وفي إحدى الروايات عند ابن جرير الطبري ابن أبي حاتم وغيرهما أنه حبس نفسه في غرفة الفرس وأمر زوجته بأن تضرب مسماراً على ضبة الباب

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 وقال : والله لأبقين في هذا المكان حتى يرضى عني رسول الله أو أموت .

فلما أخبر النبي بما جرى لهذا الصحابي الجليل قال : (( أخبروه وبشروه وقولواله : إنك من أهل  الجنة ))(1) . فلما بشر بذلك مَا استطاع أن يخرج إلا بكسر الضَّبَّة , لأنه كان قد سمر الباب بشدة,  فخرج إلى النبي وفاز بهذه البشارة العظيمة .

 ومثل أيضاً : عكاشة بن محصن(2) , وخديجة بنت خويلد , فإن النبي شهد لها بالجنة(3) ومثلها الرميصاء رضي الله عنها وأرضاها فإن النبي سمع لها صوتاً في الجنة فقال : من هذا؟ فقيل : هذه الرميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك رضي الله عنه(4) , وهي التي تزوجها أبو طلحة فكان مهرها الإسلام, خطبها وهو مشرك فقالت : لا أقبل بك وأنت على الشرك لكن إن أسلمت فيكفيني ذلك مهراً فأسلم أبو طلحة وتزوجها فكان مهره الإسلام . وغيرهم ممن شهد لهم النبي بالجنة فاننا نشهد لهم بذلك.

ولا نجزمُ لأحدٍ من أهل  القبلة بجنةٍ ولا نار, إلا من جزم لـه الرسولُ .

ولا نشهدُ لمعينٍ لا بجنةٍ ولا بنارٍ, إلا لمن ورد به النصُّ , لكن نرجو للمحسنِ ونخافُ على المسئ ِ.

ثم قال الشيخ : (( ولا نجزم لأحد من أهل  القبلة بجنة ولا نارٍ إلا من جزم له الرسول )) أي لا نجزم لأحد من أهل القبلة بأنه من أهل الجنة أو النار إلا من جزم لـه الرسول .

أما أهل الجنة ممن يجزم لهم بالجنة فقد سبق الكلام عنهم, وأما أهل النار فإننا نجزم بالنار لأبي لهب بن عبد العزى, ونجزم لزوجته بأنها من أهل النار لورود النص القرآن بذلك , كما نجزم مثلاً أن عمرو بن لحي هو من أهل النار, لقول النبي :     (( رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار))(1).

فمن ورد فيه النص القرآن أو شهد لـه النبي بأنه من أهل النار فنشهد له أنه من أهلها , نسأل الله السلامة والعافية.

ثم قال الشيخ : ((ولا نشهد لمعين لا بجنة ولا بنار إلا لمن ورد به النص , لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسئ)) أي كما أننا لا نجزم فلا نشهد, والشيخ رحمه الله غاير بين الجزم والشهادة ومدلولهما متقارب أن كانت الشهادة أقوى في المعنى , وعلى كل فما ذكره المؤلف هو منهج أهل السنة والجماعة لكن نرجو للمحسن إن شاء الله أنه من أهل الجنة ونخاف على المسئ من عذاب الله تعالى

ولا تكفر أحداً من أهل  القبلةِ بذنبٍ, ولا نخرجه عن الإسلام بعملٍ .

أما الشهادة العامة فنطلقها ونقول : كل من مات على الإيمان نشهد أنه من أهل الجنة , وكل من مات على الكفر نشهد أنه من أهل  النار , وأما المعين فإننا لا نقطع له بجنة ولا بنار, إلامن ذكر في القرآن أو السنة مصيره لاحتمال أن يكون قد تاب دون أن يعلم أحد بذلك لكن إذا رايت مثلاً كافراً او كفاراً فبشرهم بالنار وأنت تقطع أنهم من أهل  النار إن ماتوا على كفرهم .

ثم أنتقل الشيخ رحمه الله تعالى إلى مسألة كبرى من مسائل الإيمان وهي مسأل التكفير فقال : ((ولا نكفر أحداً من أهل  القبلة بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل)) أي بعمل كبيرة دون الكفر .

وهذا هو منهج أهل  السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحداً من أهل  القبلة بالذنوب, ولا يخرجونهم من الإيمان بعمل كبيرة - كالزنا والسرقة وشرب الخمر-  كما فعلت الخوارج, ولا يحكمون بخلودهم في النار كما فعلت الخوارج والمعتزلة وغيرهم .

 لكن ينبغي أن نعلم أنه ليس معنى ذلك أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون أحداً بأي ذنب مهما كان , وإنما المقصود بذلك الكبائر التي هي دون الشرك والكفر بالله تعالى .

فمن ارتكب مكفراً فهو ذنب, وأهل السنة والجماعة يكفرونه, كمن سبّ الله تعالى أوسجد لصنم وهو يعلم, أو أنكر ماهو معلوم من الدين بالضرورة, أو كان منافقاً أو ارتكب غير ذلك من نواقض الإسلام فأهل السنة والجماعة يقطعون بأن هذه الذنوب مكفرة لصاحبها .

ونرى الحجَّ والجهاد ماضيين مع كلَّ إِمامٍ , برّاً كان أو فاجراً,

فمقصودهم في قولهم : لا نكفر أحداً من أهل  القبلة بذنب أنهم لا يكفرون مرتكب الكبيرة دون الشرك بالله , مثل آكل الربا, والزاني, والسارق, وشارب الخمر , والعاق لوالديه , إلى آخره - ما لم يكن مستحلاًلها - فهؤلاء إذا ماتوا وهم على التوحيد فإنهم عند أهل السنة والجماعة في الدنيا غير كفار, ولهذا تقام عليهم الحدود ويورثون ويدفنون في مقابر المسلمين .

وكذلك يقول أهل السنة والجماعة : إنهم يوم القيامة تحت مشييئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم وقد يشفع لهم ولا يخلدون في النا رولو دخلوها هذا هو منهج أهل السنة والجماعة .

أما الخوارج فعندهم أن كل من ارتكب كبيرة فهو كافر في الدنيا حلال الدم والمال ويكون يوم القيامة مخلداً في نار جهم والإباضية وهي طائفة من الخوارج قالوا : هو في الدنيا كافر كفر نعمة ، وفي الآخرة مخلد في جهنم ، والمعتزلة قالوا : إذا ارتكب كبيرة من هذه الكبائر خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر فهو بمنزلة بين المنزلتين أي إننا لا نستحل دمه وماله أما في الآخرة فهو خالد مخلد في نار جهنم , وهذا كله مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة .

وقابل هؤلاء المرجئة فقالوا : مرتكب هذه الكبائر مؤمن كامل الإيمان وهو في الآخرة غير معرض للوعيد بل هو من أهل الجنة بلا عقاب . وأهل السنة في هذه المسألة وسط بين هؤلاء وهؤلاء .

ثم انتقل الشيخ رحمه الله تعالى إلى مسألة أخرى تتعلق بالإمامة فقال : ((ونرى الحج والجهاد ماضيين مع كل امام بر كان أو فاجر)) وهذا تقرير لمذهب أهل السنة والجماعة في أن السمع والطاعة واجبة للإمام الشرعي, سواء كان برّاً أو فاجراً , وطاعته إنما هي في المعروف أي في غير معصية, فإذا

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة , وأن طاعته واجبة ولو كان فاجراً, أي ولو كان مرتكباً لكبيرة , أو كان ظالماً, أو كان ممن يؤثر نفسه بالأموال ؛ لأن هذه الأمور التي هي من قبيل الظلم والفسق والفجور عند أهل السنة والجماعة لا ترفع طاعة هذا الإمام بل تظلُ طاعته واجبة في غير معصية الله سبحانه وتعالى , وهذا قد دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن النبي كقولـه : (( اسمع وأطع وأن ضرب طهرك وأخذ مالك)).(1)

بل أمر بالطاعة عند الاستئثار بالأموال ونحوها, فعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال : فيما أخذ علينا أن بايعنا عل السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا,  وعسرنا ويسرنا, وأثرة علينا , وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفر بواحاً عندكم من الله فيه برهان .(2)

وكذلك ورد عن النبي أنه لما قيل لـه : أفلا نقاتلهم؟ قال : (( لا ما صلوا )) (3) . فدل هذا على أن الإمام يجب لـه السمع و الطاعة, ولا يجوز الخروج عليه إلا أن يترك الصلاة , أو يأمر بترك الصلاة أو أن ياتي بكفر بواح ظاهر , عندنا من الله سبحانه وتعالى فيه برها ن وهذ هو منهج الجماهير من أهل  السنة والجماعة رحمهم الله تعالى .

          وينبني على هذا لأصل أن الحجّ والجهاد عند أهل السنة والجماعة ماضيان مع الإمام سواء تولى الإمامة باختيار المسلمين لـه أو بخلافة من قبله أو تسلط بالقوة وحكم بين الأمة بكتاب الله وسنة رسوله , فالسمع والطاعة

وصلاةُ الجمعةِ خلفهم جائزة .

واجبة لـه , وهذه الحالة الثالثة ذكرها كثير من السلف,  ففي هذه الحالات الثلاث يجب له السمع والطاعة , بشرط أن يحكم الأمة بالكتاب والسنة , وكذلك الحج معه ولوكان فاجراً , فيجب خروج المسلمين معه أو مع نائبه للحج وعدم ترك هذه الفريضة بسبب فسق الإمام أو فجوره,  وقد كان الخلفاء من قديم الزمان يقودون الحج أو يرسلون من ينوب عنهم في قيادة الحجيج ووحدة الأمة في تحديد يوم عرفة, يوم العيد, ولا يترك الأمر لاختلاف الناس والطوائف.

وكان هذا مومجوداً في زمن الدولة الأموية والعباسبة وما بعدهما, والمؤرخون بالحوليات إذا وصلوا إلى شهر الحج قالوا : وحج بالناس فلان فيذكرون من حج بالناس سواء كان الخلفة او من ينوب عنه .

فالحج مع البرو الفاجر ماض, وكذلك أيضاً الجهاد في سبيل الله ولهذا قا ل علي رضي الله عنه وأرضاه : لابد لهذه الأمة من  إمامة برة أو فاجرة , قالوا : يا أمير المؤمنين قد عرفنا البرة فما الفاجرة؟ قال : الفاجرة حتى تحمي البيضة, وتقيم الحدود .

فيجب خروج المسلمين مع الإمام للجهاد ولو كان فاجراً, مادام مجاهداً في سبيل الله للكفار وللمشركين , فيجب أن يكون المؤمنون معه وتحت لوائه مطيعين مادام الإمام يحكم بالكتاب والسنة, ولم ينتقض إسلامه بكفر بواح ظاهر عندنا من الله سبحانه وتعالى فيه برهان فإننا نسمع له نطيع نحج ونجاهد معه أو مع من ينوب عنه .

ثم قال الشيخ : (( وصلاة الجمعة خلفهم جائزة ))وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة, أن الصلاة خلفهم جائزة ولو كانوا فجاراً , فيصلي خلف الإمام ولوكان يُعلم أنه يؤخر الصلاة أو أنه يشرب الخمر ونحو ذلك فالصلاة خلفه جائزة وقد ورد عن النبي (( انه قال : (( يصلون لكم فإن اصابوا فلكم وإن اخطأوا فلكم

قال أنسٌ : قال النبيِّ : (( ثلاثٌ من أصل الإِيمان : الكفُّ عمن قال : لا إله إلا الله ولا نكفرُهُ بذنب سبق , ولا نخرجُه من الإسلام بعمل,  والجهادُ ماضٍ منذ بعثني اللهُ   عز وجل , حتى يقاتل آخر أمتي الدجال , لا يبطله جَوْر جائرِولا عدلُ عادلٍ, والإيمانُ بالأقدار )) رواه أبو داود .

وعليهم )) (1),  وكان ابن عمر وأنس بن مالك يصليان خلف الحجاج.(2)

ثم قال الشيخ : (( قال أنس : قا ل النبي(( ثلاث من أصل الإيمان؛ الكف عمن قال : لاإله إلا الله )))) الكف عنه يعني عدم الاعتداء على دمه وماله عرضه مادام أظهر الدين , فنأخذه بظاهر حاله ؛ فإن أن باطنه كظاهره فالحمدلله , وإن لم يكن كذلك فإننا نحكم عليه بظاهره والله يتولى باطنه إلا أن يظهر لنا زندقة أو كفر وردة فيجب أن نقيم عليه حد الردة .

(( ولا نكفره بذنب سبق , ولا نخرجه من الإسلام بعمل, والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله عز وجل , حتى يقاتل آخر أمتي الدجال, لا يبطله جور جائر,  ولاعدل عادل , والإيمان بالأقدار )) (3)هذا الحديث رواه أبوداود في سننه,  وهوحديث ضعيف , ضعفه المنذري (4) وغيره وسبب تضعيفه أن فيه أحد الرواة وهو يزيد بن أبي نشبة مجهول كما قال الحافظ ابن حجر (5) وغيره .

 وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً إلا أن فيه من مسائل الإيمان أشياء منها :الإيمان بالأقدار, والجهاد ماض, ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب مالم

ومن السنة تولّي أصحاب رسول الله ومحبتُهم وذكرُ محاسنهم , والترحمُ عليهم , والاستغفارُ لهم , والكفُّ عن ذكرِ مساوئهم وما شجَرَ بينهم .

يستحله,  والكف عمن قال : لا إله إلا الله, وهذه الأمور دلت عليها أدلة أخرى , وقال بها أئمة أهل السنة والجماعة, والشاهد قوله : (( لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل)) أي أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة , فهو قائم في شرع الله واجب على المسلمين القيام به , وإذا كان لا يبطله جور جائر ولا عد ل عادل من المسلمين فلا يبطله نظام أو قانون دولي مهما أجمعت عليه دول الكفر .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ومحبتهم, وذكر محاسنهم , والترحم عليهم, والاستغفار لهم )) وهذه من حقوق أصحاب النبي , فيجب توليهم , ونصرتهم , والذبُّ والدفاع عنهم , ومحبتهم , والترضي عنهم جميعاً , وذكر ماحسنهم حين يذكرون لأنهم نقلة كتاب الله ونقلة سنة رسول الله إلينا ولهذا نستغفر لهم جميعاً ونترضى عنهم جميعاً ونترحم عليهم جميعاً .

 ومن أهم ما يتعلق بحقوقهم ما قاله الشيخ هنا : (( والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم)) وهذا أصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة ؛ خلاصته : أن ماجرى بينهم رضي الله عنهم وأرضاهم خاصة في وقعتي الجمل وصفين فيجب أن نعتقد أن هؤلاء الصحابة كلهم كانوا مجتهدين, صحيح أن بعضهم أقرب إلى الحق من بعض وأن علياً كان هو الإمام حق وهو الأفضل كما سبق في ترتيب الخلفاء الراشدين في إلمامة والأفضلية, فهو افضل ممن جاء بعده , لكن لا يجوز لنا في مقابل ذلك أن نطعن في بقية الصحابة ؛ في عائشة أو في الزبير, أو في طلحة, أو في

 واعتقادُ فضلهم, ومعرفَةُ سابقتهم . قال الله تعالى :وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (الحشر:10) .

معاوية أو في عمرو بن العاص,  رضي الله عنه جيمعاً.

بل يجب أن نكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم, ونقول كما قال أحد العلماء : تلك دماء طهر الله منها أيدينا فنحن نطهر منها ألسنتنا, فنترضى عنهم جميعاً, ونعتقد أنهم مجتهدون, ومن اجتهد منهم فأصاب فله أجران , ومن اجتهد منهم وأخطأ  فله اجر واحد, وكلهم لهم الفضل ولهم الصحبة المنزلة العالية الرفيعة ولا يجوز سبهم ولا الطعن عليهم فضلاً عن القول بردتهم أو غير ذلك من مقالات غلاة الروافض والنواصب؛ ولهذا قال الشيخ هنا : (( واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم)) فلهم الفضل ولهم السابقة فهم أصحاب النبي وهم حواريُّوه وهم نقلةسنته قال الله تعالى : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ( الحشر : 10).

وهذه الأية في سورة الحشر جاءت بعد ذكر المهاجرين والأنصار حيث ذكر الذين هاجروا وذكر الذين تبوء ووالدار والإيمان ثم ذكر الذين جاؤوا من بعدهم وأنهم يقولون :وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ( الحشر : 10).

 ولماكانت هذه الآيات في الفيء كما في الآيات السابقةمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أهل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ (الحشر: من الآية7) إلى آخره ثم قال :لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ (الحشر: من الآية8) ثم قال :وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ         (الحشر: من الآية9) ثم قال :وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِم (الحشر: من الآية10) قال الإمام مالك رحمه الله 

وقال تعالى :مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ     (الفتح: من الآية29) وقال النبيُّ : )) لا تسبوا اصحابي , فإن أحَدَكم لو أنفق مثل احدٍ ذهباً, ما بلغَ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفَهُ)).

وغيره : من كان في قلبه غل على أصحاب رسول الله أو سبّهم فليس لـه من الفيء شيء , وهذا اجتهاد منه رحمه الله , لأن الآية كانت في الفيئ(1).

ثم قال الشيخ : ((وقال تعالى :مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (الفتح :29) )) وهذا أيضاً بيان لوصف أصحاب النبي وثناء عليهم في كونهم مع نبيهم موصوفين بهذه الصفات الجليلة المذكورة في هذه الآية . فكيف يليق أن يطعن فيهم طاعن وهذه مناقبهم؟ ثم قال وقال النبي عليه الصلاة والسلام ))لا تسبوا أصحابي,  فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً, ما بلغ مد أحدهم ولا        نصيفه)) (2) )) رواه البخاري.

وهذا الحديث ور د في المفاضلة بين صحابيين , ومع هذا قال النبي للصحابي المتأخر : (( لا تسبوا أصحابي)) قال العلماء : فإذا كان هذا في المفاضلة بين صحابيين , فما الشان في المفاضلة بين الصحابة ومن بعدهم؟ فجاء الحديث على أن من بعدهم لا يبلغ مد أحدهم لا نصيفه أقوى وأكبر وهذا ظاهر الدلالة لمن تأمله ومن ثم أحتج بهذا الحديث عامة أئمة السنة على فضل الصحابة جميعاً وتحريم سب أحد منهم سواء كان متقدماً في إسلام أو متاخراً. ولاشك أن الطعن في الصحابة مفتاح الزندقة كما هو ظاهر في الطاعنين فيهم قديماً وحديثاً .

ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله , أمهات المؤمنين المطهَّرات المبرّءات من كلِّ سوء, أفضلهن خديجَةُ بنت خويلد وعائشةُ الصديقةُ بنتُ الصديق , التي برَّأها الله سبحانه وتعالى في كتابِهِ , زوجُ النبيِّ في الدنيا والآخرة .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى أيضاً : (( ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله أمهات المؤمنين المطهرات المبرءات من كل سوء )) وأزواج النبي أُلِّف فيهن وفي مناقبه مؤلفات, وهن معروفات : إحدى عشرة زوجة من أزواج النبي , فنترضى عنهن جميعاً , نؤمن بأنهن زوجات النبي في الدنيا وفي الجنة رضي الله عنهن جميعاً,  فلايجوز الطعن فيهن  ولا سبهن , بل هن امهات المؤمنين وهن الطاهرات المطهرات المرءات من كل عيب .

قال الشيخ :( أفضلهن خديجة بن خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق, التي برأها الله سبحانه وتعالى في كتابه, زوج النبي في الدنيا والآخرة) فأفضل نساء النبي خديجة وعائشة, وقد سئل النبي من أحب الناس إليك قال : ((عائشة ) قيل : من الرجال ؟ قال: (( أبوها)) .(1)

كما قد ورد في فضل خديجة أحاديث,  ولهذا قال العلماء : إن خديجة أيضاً متقدمة في الفضل, وكان النبي يعرف لها فضلها وسبقها حتى كانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها لا تغار من أحد من ازواج النبي وهن موجودات ما كانت تغار من خديجة ؛ لكثرة ذكر النبي لها ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يكرم صواحبها وقريباتها , أتته امرأة عجوز فبشَّ لها رسول الله بشاشة لفتت انتباه عائشة رضي الله عنها فسألت الرسول : (( من هذه العجوز ؟

..................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فقال : (( أن هذه كانت تأتتينا أيام خديجة )) رضي الله عنهن جميعاً, فخديجة لها فضل,  وعائشة لها فضل, والعلماء في المفاضلة بينهما على قولين,  وقد جمع بينهما شيخ الإسلام ابن تيمية جمعاً حسناً, فذكر أن خجديجة لها فضل السبق إلى الإسلام ومؤازرة النبي بنفسها ومالها , وعائشة لها فضل البقاء مع رسول الله حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى ,  فكان لها فضل العلم وتعليمه ونشره . فسبحان من جمع لنبيه بن هذين القمرين النيّرين  المزهرين .

لكن عائشة-  لوجود من طعن فيها-  تتميز  بأنه يجب الترضي عنها , والإيمان بأنها زوجة النبي في الدنيا والآخرة , وتبرئتها مما برأها الله سبحانه وتعالى منه في كتابه العزيز , فمن  طعن فيها بع نزول الآيات البينات فهو  مرتد بإجماع المسلمين .

وسب عائشة وقذفها دين عامة الرافضة , حيث أنهم إلى الآن يقذفون عائشة , والواحد منهم إذا غضب على ابنته, وقد وقعت في خطأ أو ذنب فإنه يشتمها ويضربها , لكن إذا أراد أن يبلغ أقصى ما يريد من عقوبة بالنسبة لها قال لها : يا عائشة او ياعويَّش , فحينئذ تبكي بكاءً مراً طويلاً لأنه شبهها بأم المؤمنين عائشة وهذا منه-  عليه من الله ما يستحق-  اتهام لعائشة بما برأها الله سبحان وتعالى منه وهو يدل على أن هؤلاء الرافضة يربون أولا دهم على اتهام عائشة وقذفها وبغضها فمن أتهمها بعد نزول القرآن بما برأها الله سبحانه وتعالى منه فهو مرتد لا شك في ردته خارجٌ عن دين الإسلام .

وبالنسبة لمن سب أصحاب النبي فهذا السب على درجات ؛ فإن كان سبُّ الصحابة لدينهم وإيمانهم أو قال بردتهم , فهذا لا شك ي كفره وردته .

أما إذا سبَّ بعضهم لشخصه كأن يقول : هو بخيل او جبان, أو يريد ملكاً ونحو ذلك , فهذا يجب تزيره وتأديبه حتى يقلع ويتوب عن ذلك .  أما شتم 

فمن قذفها بما بَرَّأها اللهُ منه , فقد كفر باللهِ العظيم .

ومعاويةُ خالُ المؤمنين , وكاتبُ وحي الله , أحدُ خلفاء المسلمين رضي الله عنهم .

الصحابة مطلقاُ أو لعنهم أو تقبيحهم ونحو ذلك , فهذا لا يقع إلا ممن كان مرتداً خارجاً عن دائرة الإسلام , كحال الرافضة.

قال الشيخ : (( فمن قذفها )) أي عائشة , (( بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم )) كما سبق بيانه ثم قال: (( ومعاوية خال المؤمنين)) وأنما ذكر الشيخ معاوية لأن كثيراً من الرافضة ولامذتهم قديماً وحديثاً يطعن في هذا الصحابي الجليل,  نظراً لما جرى بينه وبين علي رضي الله عنه في يوم صفين .

ومعاوية رضي الله عنه كاتب الوحي,  وهو صحابي مات على الإيمان, وهو مجتهد فيما جرى بينه وبين علي , صحيح أن علياً أولى منه بالحق لكن معاوية مجتهد أراد الخير للمسلمين , لهذا فنحن نترضى عنه لا يجوز لنا أن نطعن فيه ولا أن نسبه ومن طعن فيه وسبه فحكمه حكم الساب لأصحاب النبي .

قوله : ((خال المؤمنين)) لأنه كان اخاً لأم حبيبة زوج النبي وهي حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها وعن أبيها وعن أخيها .

بقي أن يقال : هل يطلق على مثل معاوية رضي الله عنه أنه خال المؤمنين؟ صنيع الشيخ هنا يدل على أنه يرى جواز الإطلاق, من كان أخاً لزوجة من زوجات النبي فيصح أن يلقب بأنه خال المؤمنين؛ لأن زوجات النبي هن أمهات المؤمنين, وبعض العلماء لا يرى هذا الإطلاق ،والأمر فيه واسع .

قال عنه : (( وكاتب وحي الله )) ثبت أن معاوية من كتاب الوحي، ولوكان فيه مافيه ما ائتمنه الرسول على أعظم أمر (( أحد خلفاء المسلمين رضي الله

ومن السنةِ السمعُ والطاعةُ لأئمةِ المسلمين وامراء المؤمنين برّهم وفاجرهم .

ما لم يأمروا بمعصية الله , فإنه لاطاعة لأحدٍ في معصية الله تعالى . ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناسُ, ورضوا به,  أوغلبهم بسيفه,حتىصار خليفة, وسُمي أمير المؤمنين, وجبت طاعته , وحرمت مخالفته والخروجُ عليهِ , وشقُّ عصا المسلمين .

عنهم أجمعين)), ولا شك في ثبوت خلافته وإمامته وطاعته بعد مبايعته بذلك عندما تنازل   لـه الحسن بن علي - رضي الله عنهم - في عام الجماعة, وقد أجمع الصحابة في عهده على خلافته ووجوب السمع له والطاعة.

ثم قال الشيخ أيضاً: (( ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين برهم وفاجرهم)) وقدسبق بيان ذلك (( ما لم يأمروا بمعصية الله فإنه لا طاعة لأحد )) سواء كان خليفة, أو أميراً من الأمراء, أو أباً أو غير ذلك, فإنه لا طاعة لأحد (( في معصية الله تعالى)) .

ثم قال الشيخ أيضاً : ((ومن ولي الخلافة, واجتمع عليه الناس,  ورضوا  به , أوغلبهم بسيفه , حتى صار خليفة, وسمي أمير المؤمنين , وجبت طاعته,  وحرمت مخالفته , والخروج عليه,  وشق عصا المسلمين) أي وحرم شق عصا المسلمين بإيجاد الفرقة والاقتتال بينهم, وهذا بشرطي :

أحدهما: أن يحكم بينهم بالكتاب والسنة.

الثاني: الا يقع منه كفر بواح .

هذا الذي أشار إليه من صور ثبوت الخلافة ووجوب السمع والطاعة هو ما ذكره أئمة السنة والجماعة رحمهم الله تعالى, الذين يقولو ن : إن الخلافة تثبت, إما بالمبايعة

ومن السنةِ : هجرانُ أهلِ البدعِ, ومباينتُهم, وتركُ الجدالِ والخصوماتِ في الدين, وتركُ النظرِ في كتبِ المبتدعةِ , والإِصغاء إلى كلامهم.

العامة, أو بعهد من سبقه إليه , أو بأن يتغلب بسيفه, فإذا تغلب بسفه وحكم بينهم بالكتاب والسنة , فإنه تجب طاعته والسمع له,  ويحرم الخروج عليه.

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( ومن السنة : هجران أهل  البدع,  ومباينتهم , وترك الجدال والخصومات في الدين )) هجران أهل البدع ومباينتهم من منهج أهل  السنة والجماعة, لأن أهل  البدعة سواء كانت بدعهم عقدية؛ مثل الخوارج والمعتزلة وغيرهم, أو عملية ؛ مثل المتصوفة الذين يبتدعون في الأوراد والأذكار ونحوها, فإن هجران هؤلاء من منهج أهل  السنة لأن هجرهم ردع لهم وتأديب لغيرهم وهو من الولاء والبراء , وقد يؤدي في النهاية إلى أن يرتدعوا عما هم فيه من بدعة.

وترك الجدال والخصومات في الدين أيضاً من منهج أهل السنة وهو يقصد بذلك المجادلات التي لا يقصد بها وجه الحق وكذلك الخصومات في دين الله سبحانه وتعالى , وهي ديدن أهل  الفلسفة والكلام والبدع .

أما ما كان منها من قبيل المناقشات العلمية والردود الطيبة بالأسلوب الطيب فإن هذا قد وقع بين أصحاب النبي وردَّ بعضهم على بعض مع حبهم لبعض وكذلك أيضاً فيمن جاء بعدهم من التابعين والأئمة فهذا لا شيء فيه لكن الجدال الباطل والخصومات الباطلة هي المنهي عنها .

وكذلك أيضاً بالنسبة لأهل  البدع : من لم يرتدع منهم بهجره ومباينته, وخيف من شره وشر بدعته على المسلمين , فإن الواجب الرد عليه ونقض بدعته , كما فعل أئمة أهل السنة والجماعة فيما بعد , ولهذا قال الشيخ هنا ((و)) أي ومن السنة أيضاً : (( ترك النظر في كتب المبتدعة, والإصغاء إلى كلامهم)) لأن هؤلاء

.................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المبتدعة أحياناً يوردون شبهاً, ويميلون إلى ما تشابه من نصوص الكتاب والسنة. فإذا قرأ الإنسان كتبهم, واطلع عليها , وسمع كلامهم ربما تأثر بذلك.

والأصل أن تربى النفوس, ويربى الطلبة على العقيدة الصافية, والأصل أيضاً ألا يمكن لأهل البدع فلا يسمح لهم بالحوار والمناقشة وشرح بدعهم ونشرها بين الناس ؛ لأن البدعة لها بريق إذا ظهرت وانتشرت عن طريق المحاورات والمناظرات او الكتب  والأشرطة,  فإن ذلك قد يؤدي إلى وقوع بعض الناس في شراكها.

فمنهج أهل السنة والجماعة عدم السماح للمبتدعة بأن يقولوا ما يشاؤون , وعدم فتح الحوار معهم , لأن الحوار الذي يتساوى فيه الطرفان المتحاوران مشعر بأنه قد يكون الحق معهم, والأمر واضح جلي في أنهم مبطلون , فهذا النوع من الحوار لا يكون بين حق وباطل فلا نأتي إلى اليهودي ونقول لـه : تعال نتحاور معك أمام العالمين وأمام الناس جميعاً مما يفهم منه تساوي الطرفين واحتمال أن يكون الحق مع أحدهما , بل نقول لليهودي: أنت مبطل من أول الطريق, وللنصراني : أنت مبطل من أول الطريق , ويكون الحوار معه ببيان الحق ودعوته إليه فقط .

أما الحوار الذي يكون في مسائل الاجتهاد بين علماء المسلمين وفقهائهم فهو الحوار الذي يفيد وينفع أما أن يؤتى إلى أهل الباطل ويقال لهم : تعالوا للحوار والذي يفوز منا يكن الحق معه وكأنها مباراة سباق أو كرة فهذا خطأ ولم يفعله السلف رحمهم الله تعالى .

فإن السلف - رحمهم الله - لم يفتحو باب الحوار, وإنما ناقشوا وردوا فردوا على المبتدعة في زمن محنة القول بخلق القرآن وردوا على القدرية وعلى الرافضة وعلى الخوارج وعلى المرجئة وعلى كافة أهل البدع, لكنهم لم يفتحوا باب الحوار معهم بالطريقة التي يريدها مبتدعة هذا الزمان .

.................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفرق بين هذا هذا , ومن ثم إن من الواجب على الشباب , وعلى المبتدئين في طلب العلم أن يحصنوا أنفسهم اولاً بالعلم النقي الصافي من عقيدة السلف الصالح والمنهج  المؤصل المنقول من الكتاب والسنة الصحيحة ومناهج أئمة أهل السنة والجماعة , ثم يأخذون بعد ذلك ما يحتاجون إليه حينما تنتشر بدعة,  أو حينما يظهر خطر شبهة أو نحو ذلك بطرق سليمة, بمناهج سليمة ومن علماء موثوقين .

أما أن ياتي مبتدئ في الطلب لبحث في كتب الفلاسفة أو في كتب المتكلمين ويقول : ليس عليَّ خطر في ذلك, فيقرأ فيها . وربما يمكث في قراءتها سنين طويلة فهذا  يخالف عليه أن يتشرب شبهة أو بدعة كما هو حاصل.

ونحن سبق أن ذكرنا مثالاً مهماً جداً وهو أن النبي ورد عنه أنه قال : (( من سمع منكم بالدجال فلينأ عنه))(1)  فالدجال يؤيده الله بخوارق؛ فتنة للناس , يأمر السماء فتمطر , ويأمر الأرض فتنبت, ويأمر الخربات تأتي بكنوزها, ويقتل الرجل ويعيده , فالرسول نهىعن إتيانه والذهاب إليه ؛ لأنه إذا ذهب إليه واستمع إلى حديث ورأى خوارقه, ربما وقع في الفتنة وآمن به وصدقه كما في الحديث .

ونفس الأمر بالنسبة لمن يتعاطون كتب الفلسفة والكلام, فيقول أحدهم : عقيدتي قوية , ليس عليَّ خوف, أقرأ كيفما شئت في كتب الفلسفة,  والمنطق وفي كتب المفكرين اليساريين والشيوعيين والملاحدة , ثم لا يزال به يقرأ ويقرأ حتى يتأثر وقد يصل الأمر ببعضهم إلى الإلحاد وتكذيب بعض قطعيات الشريعة , وغالبهم يضعف إيمانهم ويقينهم بالقرآن والسنة . وهذه من الآثار الخطيرة بالنسبة للفلسفة وعلم الكلام حيث إنها قد لا تصل

وكلُّ محدثةٍ بدعة,  وكلُّ متسمٍ بغير الإسلام فهو مبتدعٌ؛  كالرافضةِ .

بالإنسان إلى الإلحاد والكفر بالله , إلا أنها قد تضعف إيمانه وثقته بالكتاب والسنة,  ولهذا تجد هؤلاء المتشبعين بكتب الفلسفة وعلم الكلام وأهل البدع وكتب الفكر الغربي بكل مدارسه الإلحادية يغلب على الكثير منهم الاستهانة بالقرآن والسنة؛ فالقرآن عندهم ما هو إلا مواعظ تصلح للعامة, والسنة ما هي إلا أمور دينية تصلح الإعراب والجهلة ليس فيها حقائق علمية, أما العلم واليقين والمعرفة عند هؤلاء فلا تستقى إلا من كتب أولئك الفلاسفة والملاحدة قديماً وحديثاً والعلم واليقين والوصول إلى الحقائق عند هؤلاء لا يوصل إليه عن طريق الكتاب والسنة, تعالى الله عما يقول المبطلون علواً كبيراً ولهذا قال الشيخ : (( والإصغاء إلى كلامهم)) وكلمة الإصغاء تدل على الاستماع مع الاهتمام بما يقولون,  وهو ما لا يستحقه علمهم الباطل والناقص , كما أن الإصغاء لهم خطر على صاحبه المغي كما سبق.

ثم قال : (( وكل محدثة في الدين بدعة)) كل محدثة بدعة بنص حديث الرسول (1) ثم قال : (( وكل متسم بغير الإسلام فهو مبتدع)) هذا تعريف عام للسمة العامة للبدع وأهلها , وتفصيل معنى البدعة وضابطها وأنواعها في الكتب التي فصلت ذلك  كالاعتصام للشاطبي وغيره.

أما المؤلف فقد اكتفى بذكر أمثلة لرؤوس أهل البدع فقال : (( كالرافضة)) وقد سبق أن ذكرنا شيئاً من أصولهم , وكثير منها أصول كفرية تخرجهم عن دائرة الإسلام , منها : أعتقادهم العصمة في الأئمة وأنهم يعلمون المغيبات , وكذلك عبادتهم لأئمتهم ودعاؤهم والاستغاثة بهم وطلب مختلف الحاجات منهم والحج إلى قبورهم, كذلك أيضاً اعتقادهم بردة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم إلا ثلاثة وسبهم وشتمهم للشيخين خاصة, 

والجهمية , والخوارج,

وتنقصهم من عائشة أم المؤمنين واتهامها , وغيرها من ضلالاتهم المشهورة.

ثم قال الشيخ : (( والجهمية)) وهم أتباع الجهم بن صفوان, وهذا الجهم قتله سَلْم بن أحوز بعد أن ظهرت زندقته, فهو من المبتدعة الذين أقيم فيهم حكم الله , والجهمية لهم ضلالات كثيرة , ومن أعظم ضلالاتهم : إنكار الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى, والقول بالجبر , وأن العبد لا قدرة لـه ولا إرادة, وإنما يتحرك في أفعاله كما تتحرك أوراق الشجر حينما تحركها الرياح.

ومن ضلالاته أن الإيمان هو المعرفة,  فعنده أن من عرف الله فهو مؤمن, وهذا مذهب إرجائي غال ؛ لأن فرعون كان يعرف الله, وإبليس كان يعرف الله فعلى مذهبهم يكون فرعون وإبليس وغيرهم من الملاحدة والطواغيت الذين عرفوا الله مؤمنين, ولهذا صارت الجهمية من غلاة المرجئة, وقد اجتمع في هؤلاء الجهمية ثلاث جيمات :

جيم التجهم: الذي هو نفي الصفات, وجيم الإرجاء , وجيم الجَبر فهم جبرية جهمية مرجئة.

ثم قال الشيخ : (( والخوارج )) وهم المارقة , الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه , وأجمع المسلمون على قتالهم, وأهم ما يميزهم في عقيدتهم : تكفيرهم لمرتكب الكبيرة, حيث إن كل من ارتكب كبيرة فهو عندهم كافر في الدنيا مخلد في نار جهنم.

كما أنهم كفروا عثمان في آخر خلافته, وكفروا علياً , وكفروا الزبير , وعائشة,  وطلحة, ومعاوية وعمرو بن العاص,  وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم, وهؤلاء هم الخوارج المارقون الذين أخبر عنهم

والقدريةِ, والمرجئةِ,

رسول الله ووردت فيهم أحاديث كثيرة متواترة .

ثم قال الشيخ : ((والقدرية)) وهم نفاة القدر الذين نفوا عن الله القدر وقالوا : إن الإنسان مستقل عن الله سبحانه تعالىفي الإرادة, ومستقل بفعله فهوخالق لفعله,  وهؤلاء هم المعتزلة الذين أنكروا مرتبتي المشيئة والخلق .

والمعتزلة لهم أصولهم الخمسة المعروفة, ومنها العدل الذي ضمنوه نفي القدر, ولذلك سمُّوا قدرية, وقد روي في الحديث الذي يحسنه بعض العلماء بطرقه : (( القدرية مجوس هذه الأمة))(1) شبهوا بالمجوس كما سبق أن شرحنا في باب القدر, لأنهم يقولون أن الله خالق ويقولون أن العبد خالق لفعله فاشبهوا المجوس في قولهم بخالقين.

ثم قال الشيخ : (( والمرجئة )) وهم الذين يؤخرون الأعمال عن الإيمان فلا يدخلونها فيه, فكل من لم يدخل الأعمال في مسمى الإيمان فهو مرجئ, وهؤلاء المرجئة على درجات : فغلاتهم الجهمية يقولون : إن الإيمان هو المعرفة فقط, ومن المرجئة: الكَرَّامية الذين يقولون : إن الإيمان هو قول اللسان فقط فكل من قال بلسانه فهو مؤمن فالمنافق عندهم مؤمن وهذا باطل وإن كانوا يقولون : إن المنافق الذي لايوافق قلبه لسانه يكون يوم القيامة مخلداً في النار .

ومن المرجئة: الأشعرية والماريدية الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق فقط.

ومن المرجئة: مرجئة الفقهاء رحمهم الله تعالى الذين يقولون : إن الإيمان

والمعتزلةِ,

قول وتصديق, فهؤلاءكلهم يقال عنهم مرجئة, لأنهم لم يُدخلوا العمل في مسمى الإيمان.

ثم قال : (( والمعتزلة)) وهم الذين بدأت حركتهم باعتزال واصل بن عطاء خلقة الحسن البصري رحمه الله تعالى, لماجاء الكلام حول مرتكب الكبيرة , فقال واصل بن عطاء خلافاً لأهل السنة والجماعة : لا أقول هو مؤمن لا أقول هوكافر, لكن في منزلة بينهما , فاعتزل حلقة الحسن البصر فسمُّوا معتزلة.

والمعتزلة اشتهروا بعد ذلك بأصولهم الخمسة : الأول: العدل وهو الذي سبق بيانه قبل قليل , وهو إنكار القدر؛ أي إنكار المرتبة الثالثة والرابعة من مراتب القدر : مرتبة المشيئة, ومرتبة الخلق , ونسبتهما إلى العبد, الثاني: التوحيد وهو نفيهم لجميع الصفات عن الله سبحانه وتعالى , وهو الأصل الثاني عندهم , حيث إنهم يثبتون الأسماء وينفون الصفات, لكن إثباتهم لأسماء لم ينفعهم, لأنهم انقسموا حيالها إلى قسمين :

قسم منهم قال : إنها اعلام محضة لا تدل على معاني ولا صفات.

والقسم الثاني منهم قالوا : إن الله عليم بلا علم , سميع بلا سمع , بصير بلا بصر , فكان مؤدى قولهم أيضاً : نفي الصفات عن الله سبحانه وتعالى.

الثالث من أصولهم : القول بالمنزلة بين المنزلتين في مرتكب الكبيرة , حيث قالوا أنه في الدنيا لا مؤمن ولا كافر, فهو على - زعمهم - خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر.

الرابع : إنفاذ الوعيد وهو أن من مات من أهل الكبائر من غير توبة فلابد أن ينفذ فيه الوعيد , فيكون مخلداً في نار جهنم .

والكرامية, والكُلابيةِ,

الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر,  وهو الأصل الخامس الذي ضمنوه جواز الخروج على أئمة الجور, وقالوا : إنه يجوز الخروج على الإمام إذا كان جائراً .

هذه أصول المعتزلة الخمسة التي اشتهروا بها , وأضافوا إلى ذلك أموراًكثيرة,  منها إنكار الشفاعة وقدسبق بيانه, ومنها إنكار رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة , وقد سبق أيضاً الإشارة إلى مذهبهم في ذلك.

ثم قال : (( والكرامية)) هم أتباع محمد بن سعيد بن كراَّم وأشهر أقواله إثبات الصفات مع غلو في إثباتها وأيضاً من أصوله : أنه مرجئ في باب الإيمان فإنه يقول: إن الإيمان هو قول اللسان فقط , لكنه قال: إن المنافق الذي يقول بلسانه وإن قلنا عنه في الدنيا مؤمن , إلا أنه إذا مات فهو يوم القيامة مخلد في النار فوافق أهل السنة والجماعة  في الحكم عليه في الآخرة, وخالفهم في اسمه في الدنيا فسماه مؤمناً , وهذا باطل - كما سبق بيانه- .

(( والكلابية)) وهم أتباع عبدلله بن سعيد بن كُلاب, الذي نفى بعض الصفات وأثبت بعضها, وقبل ابن كلاب كان الناس على طريقتين :

المعتزلة ينكرون جميع الصفات, وأهل السنة يثبتون جميع الصفات, فجاء عبد الله بن سعيد بن كلاب بشُبه عقلية وردت عليه, فأثبت لله بعض الصفات ونفىعن الله البعض الآخر, أثبت لله مثل صفة العلم, والقدرة, والإرادة , والسمع, والبصر, والكلام,  ومثل الوجه , واليدين , والعينين,  وغير ذلك , ونفى عن الله ما يتعلق بشيئته وإرادته,  مثل صفة النزول, والضحك, والعجب , والرحمة , والمحبة, وغير ذلك , أي أنه في الجملة يتأول الصفات الفعلية,  ويثبت لله الصفات الذتية.

وحجته في ذلك أنه يلزم من إثبات الصفات الفعلية حلول الحوادث في

والسالمة نظائرهم.  فهذه فرقُ الضلالِ وطوائفُ البدعِ , أعاذنا الله منها .

وأما النسبةُ إلى إمامٍ في الفروع كالطوائفِ الأربع فليس بمذمومٍ, فإن الاختلاف في الفروع رحمةٌ.

الرب تعالى, ولذا نجده أثبت الاستواء صفة ذات تدل على العلو,  ومنع من تأويله بالاستيلاء لكن لم يثبته صفة فعل لله تعالى بناء على هذا الأصل,  وأهل  السنةوالجماعة ردوا على كلابية وعلى من جاء بعدهم وأخذ باصل مذهبهم تفرقهم بين الصفات كما في الرسالة التدمرية وغيرها من كتب شيخ الإسلام.

وسارعلى منهجه في باب الصفات الأشاعرة والماتريدية,  وإن كان متأخرو الأشاعرة وكذلك أيضاً متأخرو الماتريدية قد زادوا بعد عنه وعن مذهب السلف الصالح في باب الصفات.

ثم قال: (( والسالمة)) نسبة إلى ابي عبد الله محمد بن احمد بن سالم البصري المتوفي سنة297هـ, وإلى ابنه أبي الحسن احمد بن محمد بن سالم المتوفي سنة360هـ , وقد تتلمذ الأب على سهل التستري, والسالمية يغلب عليهم التصوف والدفاع عن الصوفية, وفيهم إثبات مع غلو كزعمهم أن الله يتجلى عياناً لأوليائه في الدنيا , وغيرها من البدع وأشهر من تتلمذ عليهم وحفظ مقالاتهم أبو طالب المكي خاصة في كتابه المشهور (( قوت القلوب)) .

ثم قال الشيخ : (( ونظائرهم, فهذه فرق الضلال وطوائف البدع أعاذنا الله منها)) لكنها متفاوتة فمنها طوائف قد تصل فيها البدع إلى الكفر , ومنها ما لا تصل إلى حدِّ الكفر إلا أنها بدع ونحن ننكر البدع ونتبرأ من هذه الفرق كلها ولا نسمي أنفسنا بهذه التسميات, وإنما نربط أنفسنا بكتاب الله وبسنة رسوله .

ثم قال الشيخ  رحمه الله تعالى : (( وأما بالنسبة إلى إمام في الفروع

والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم , مثابون في اجتهادهم , واختلافُهم رحمةٌ واسعةٌ , واتفاقُهم حَجَّةٌ قاطعةٌ.

نسأل الله أن يعصِمَنا من البدع والفتنة,  ويحيينا على الإسلام والسنة , ويجعلنا ممن اتبع رسول الله في الحياة , ويحشرنا في زمرتِهِ بعد المماتِ برحمتِهِ وفضلهِ آمين.

كالطوائف الأربع )) المالكية, والشافعية, والحنابلة, والحنفية (( فليس بمذموم فإن الاختلاف في الفروع رحمة)) لم يرد في ذلك حديث صحيح, لكنه قول صحيح وهو أن الله تعالى رحم هذه الأمة بالتوسعة عليها.

والصحابة كانوا يجتهدون ويختلفون, فالانتساب إلى المذهب المالكي أو الشافعي أو الحنيفي أو غير ذلك فيه بدعة , إنما يكون بدعة إذا تحول إلى تعصب ورفض للدليل الحق, أو إذا تحول إلى تنقص للأمة الاخرين, أو شحناء وبغضاء بين المؤمنين فإنه حينئذ يكون مذموماً.

ثم قال الشيخ : ((والمختلفون فيه محمدون في اختلافهم,  مثابون في اجتهادهم , واختلافهم رحمة واسعة,  واتفاقهم حجة قاطعة)) . ما اتفق عليه المسلمون وأجمعوا عليه فهو حجة بشروط الإجتماع المعروفة, وما اختلفوا فيه فإننا نترحم على الجميع,  لكن الواجب علينا أن نتبع من كان معه الدليل .

ولو أن الإنسان انتسب إلى المذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي ثم رأى في مسألة من المسائل أن الدليل مع القول الآخر أو المذهب الآخر,  فالواجب عليه أن يتبعه .

ثم دعا الشيخ رحمه الله تعالى بهذا الدعاء العظيم : (( نسأل الله أن يعصمنا 

.................................................................................ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من البدع والفتنة , ويحيينا على الإسلام والسنة, ويجعلنا ممن اتبع رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحياة , ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله آمين)).

ونحن أيضاً ندعو معه بهذا الدعاء ونقول: اللهم إنا نسألك أن تعصمنا من البدع والفتنة , وأن تحيينا على الإسلام والسنة , وأن تجعلنا ممن يتبع رسول الله في الحياة , وأن تحشرنا في زمرته بعد الممات, برحمتك يا أرحم الراحمين, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , وصلى الله وسلم علي نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

***

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا