حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

نبذة مختصرة

حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ونماذج من رسائله، وشهادات علماء الحرمين له : تتكون هذه الرسالة من الفصول التالية:
الفصل الأول: حال العالم الإسلامي قبل دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب.
الفصل الثاني: حقيقة دعوة الإمام المجدِّد محمد بن عبدالوهاب.
الفصل الثالث: في بيان الجانب السياسي لدعوة الإمام.
الفصل الرابع: في بيان الإمام لعقيدته التي يدين الله بها ومنهجه في الدعوة إلى الله تعالى.
الفصل الخامس: من البراهين على صحة دعوة الإمام، وأنها تجديد لدين الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

تأليف

عبد الرحمن بن حماد العمر


 المقدمة:

الحمدُ لله الذي أرسل رسولَه بالهُدى ودِين الحق؛ ليظهرَه على الدِّين كله ولو كَرِه المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا، ورضي الله عن صحابته، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

أما بعد:

فإنَّ خير الكلام كلامُ الله تعالى، وخيرَ الهَدي هديُ محمد ﷺ‬ وشرَّ الأمور مُحْدَثاتها، وكلَّ مُحْدَثة بِدعة، وكلَّ بدعة ضلالة.

ولا يخفَى أنَّ الله - سبحانه وتعالى - بعث رُسلَه - عليهم الصلاة والسلام - لدعوة الناس إلى عبادته - تعالى - وحدَه لا شريك له، وترْك الشرك به - سبحانه - قال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36].

 وكلَّما تفشَّى الشرك في مجتمع، وطُمِستْ فيه معالِمُ الحق، بعث الله - سبحانه وتعالى - رسولاً يجدِّد دين الله - تعالى - بدعوة الناس إلى توحيد الله - تعالى - وطاعته، حتى أكملَ الله دِينَه، وأتمَّ على المؤمنين نِعمتَه ببعَثة خاتم المرسَلين، ورسول الله إلى الناس أجمعين، نبينا محمَّد - عليه الصلاة والتسليم - وتَرَك ﷺ‬ في أمَّته القرآن العظيم، وسُنَّته المطهَّرة، وأوصاهم بالتمسُّك بهما، والدعوة إليهما، فقال: ((تركتُ فيكم ما إن تمسكتُم به لن تضلُّوا؛ كتاب الله وسُنَّتي)).

وبيَّن - عليه الصلاة والسلام - أنَّ أمَّته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فِرْقة، كلُّها في النار إلا واحدة؛ وهي مَن كان على مثل ما هو عليه وأصحابُه، وبيَّن ﷺ‬ أنَّ ذلك الافتراق إنما هو نتيجةُ الانصراف عن كتاب الله - تعالى - وسُنَّة رسوله ﷺ‬ إلى الآراء والأهواء، وما جاءتْ به شياطين الإنس والجن مِن زُخرف القول وباطله، الصادِّ عن صراط الله المستقيم.

وبيَّن ﷺ‬ أنَّ مِن نتائج ذلك الانصرافِ عن وحي الله - تعالى - انطماسَ معالِم الدِّين، وظهورَ الشرك والبدع، والتفرُّق بين المسلمين واقتتالهم، وانتشارَ الفساد والظلم، وظهور الفِتن، فلا يَسْلَم من ذلك إلاَّ الطائفة المنصورة الناجية؛ أهل السنة والجماعة، المتمسِّكون بالكتاب والسُّنة اعتقادًا وقولاً وعملاً.

وبشَّر ﷺ‬ : أنَّ الله - سبحانه وتعالى - لن يتركَ دِينه وعِبادَه بعدَ موت خاتم المرسلين، وانقطاع الوحي باكتمال الدِّين، لن يتركَهم يشيع بينهم الشرك والشر بلا داعٍ إلى الحق، وناصِر له، بل إنَّ الله - سبحانه - سيبعث على رأس كل مائة سَنة مَن يُجدِّد لهذه الأمة أمرَ دِينها، فكان المجدِّد لدين الإسلام في القرن الثاني عشر الهجري في جزيرة العرب، وما لحق بها وما وصل إليه نورُ التجديد منها من بلاد العالم، هو: الإمام محمَّد بن عبدالوهاب - قدَّس الله رُوحه، ونوَّر ضريحَه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرَ الجزاء، وجمعنا به مع نبيِّنا محمد ﷺ‬ ، وعلى آله وصحْبه وسلَّم في دار النعيم، آمين.

وهذا الكتاب المبارَك يُبيِّن حقيقةَ دعوة هذا الإمام، وأنها أشبهُ بدعوة الرسول ﷺ‬ لكونها دعوةً إلى توحيد الله - تعالى - والتمسُّك بكتابه وسُنَّة نبيِّه ﷺ‬ في أمَّة تفشَّى فيها الشرك والجهل والظلم، كما يتَّضح في الفصول الآتية:


 الفصل الأول حال العالم الإسلامي قبل دعوة الإمام محمَّد بن عبدالوهاب

1 - في العقيدة:

بلغتْ غُربةُ الإسلام ذروتَها في العقيدة في أوَّل القرن الثاني عشر، وما سبقه من القرون في الجزيرة العربية، وفي عامَّة بلدان المسلمين، والمكان الذي يوجد فيه الموحِّد يعيش فيه غريبًا خائفًا، لا يستطيع أن يقول كلمةَ الحقّ، وانتشر الجهلُ، وكثرتْ طوائف الضلال وطُرقها، وصار لكلِّ طريقة أو طائفة شيخٌ وأتباع يَدْعون إليها، وتَرَك أكثرُ الناس طريقةَ خاتم المرسلين محمَّد ﷺ‬ وصاروا يَكْتفون في اتِّباعه ﷺ‬ بالصلاة والتسليم عليه، والإقرار اللَّفْظي برسالته، ذلك الإقرار المنقوض؛ باتِّخاذهم في الواقع رسلاً غيرَه يُعظِّمونهم، ويتبعونهم فيما يَشْرَعونه من عبادات مبتدَعة، واعتقادات فاسدة.

 بل إنهم بذلك الاتباع لغيرِ الرسول ﷺ‬ وبشِرْكهم في عبادة الله - تعالى - بدعائهم الأموات والغائبين، وذبْحِهم ونذْرِهم لهم، واتخاذهم وسائطَ عند الله، واعتقادهم أنهم يعلمون الغيب، ويُدبِّرون الأمور، هم بهذا قد نقضوا معنى شهادة ألاَّ إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، التي ينطقون بها، ويعتقدون أنهم بذلك النُّطق وبالصلاة والصوم والحج موحِّدون لله - تعالى - متَّبعون لرسوله ﷺ‬ وهم في الحقيقة مشرِكون بالله، قد صَدَق عليهم قولُ الله - تعالى - في النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: 31]، الآية، وقوله - تعالى - في المشركين: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].

ومن أمثلةِ الشِّرْك الأكبر والوثنية المنتشرة في جميع أنحاء العالَم، المتمثلة في قبور الصالحين، بل وفي قُبور طواغيت يَدْعُون أيَّام حياتهم إلى الشِّرْك وعبادة الصالحين باسم التوسُّل إلى الله، والتقرُّب إليه، كما هي حال مشركي الجاهلية الأولى، فلمَّا ماتوا ظنَّهم الجُهَّال صالحين، فاتخذوا قبورَهم أوثانًا، كما فُعِل بقبور البعض من آل البيت والصحابة والتابعين، باتِّخاذ قبورهم أوثانًا تُعبد من دون الله، كما بَنَوْا عليها المساجد والقِباب، وأوْقدوا عليها السُّرُج، وألْقوا عليها الستور، وجعلوا لها السَّدَنة، وصارتِ الفِئام من الناس تأتي إليها من أماكنَ بعيدة؛ يحجُّونها كما يُحجُّ البيت الحرام، ويطوفون بها كما يطوفون بالكعبة، ويسألون أهلَها الحوائج، وكشْفَ الكروب، ويذبحون لها وينذِرون، ففي مكَّة اتَّخذوا قبرَ خديجة - رضي الله عنها - وثنًا يُعبد، بل اتخذوا غارَ حراء ومكانَ المولد كذلك.

وفي المدينة طافوا بقبر المصطفى ﷺ‬ واستغاثوا به، وأنزلوا به حوائجَهم، وكأنَّه لم يقل: ((إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعنْ بالله) وكأنَّه لم يقل: ((إنَّه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله))!

 وفعلوا هذا الشرك بقبور فاطمة وأمَّهات المؤمنين، وكبار الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين - بالبقيع والشهداء.

وفي مصر عَبَدوا البدويَّ وغيره، وفي الشام عُبِد مَن اشتهر مِن الأخيار هناك، وفي العراق عبدالقادر الجيلاني - رضي الله عنه - وأقامتِ الرافضةُ أكبرَ وثنية في النجف وكرْبلاء بما فعلوا بقبور الحُسين بن علي - رضي الله عنه - ومَن معه مِن آل البيت مِن أفعال شركيَّة يؤذونهم بها، ويؤذون رسول الله ﷺ‬ ويؤذون الله - عزَّ وجلَّ - ولا يقدرونه حقَّ قدْرِه، - سبحانه وتعالى - عمَّا يُشرِكون.

ومِن شِرْكهم عند تلك القبور: الطوافُ بها، ودعاء أهلها، والذبْح لهم، والنذْر لهم، والحجُّ إليها مِن الآفاق، كما يحجُّ البيت الحرام، وبالنياحة حولَها، واعتقاد النفع والضرِّ بأهلها، وأنهم يعلمون الغيب، ويُصرِّفون الأمور، إلى غير ذلك من الشِّرْك الأكبر، الذي يقصر دونه شرْكُ أهل الجاهلية الأولى.

وهكذا في اليمن وغيره؛ اتُّخذتِ الأوثان وعُبدتْ من دون الله، وفي نجد عُبِدتِ القبور والأشجار والأحجار، وكَثُر الكهَّان والطواغيت والسَّحرة، كما كثروا في كلِّ مكان، وفي مقدمة الأوثان التي تُعبد من دون الله قبر زيد بن الخطاب - رضي الله عنه - وأرضاه - في اليمامة، فقد بُنيت عليه قُبَّةٌ مشرِفة، وصار وثنًا يُعبد، وقصدَه الناس من كلِّ مكان، وكانوا يَطوفون به، ويَطلبون منه الحوائج، وكان الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمة الله عليه - في بداية دعوته يأتي إليه ويُسلِّم عليه، وعلى مَن معه مِن شهداء موقعة اليمامة سلامَ السُّنة المشروع في زيارة القبور، ويقول لِمَن يسمعهم يدعون زيدًا: "أسألوا الله، فإنَّه خيرٌ من زيد"، لا يملك من الإنكار عليهم غير ذلك، وليس له منهم مجيب.

2 - في التفرق والاختلاف:

وتفرَّق الناسُ في أمر دِينهم، وصار التمذهُبُ فريضةً لازمة، ولزوم المذهب - جملةً وتفصيلاً - أمرًا لازمًا، وتقديمُ قول إمام المذهب المنسوب إليه ولو لم يقلْه مقدَّمًا على قول الرسول ﷺ‬ بحُجَّة شيطانيَّة، هي النفي لصحته، ولو كان في "الصحيحين"! أو تأويله بغير معناه، محتجِّين بأنَّ إمام المذهب لم يأخذْ به، وهو أعلم بالحديث من غيره، متجاهلين قولَ كل إمام: "إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي"، وقوله: "خذوا مما أخَذْنا منه - يعني: القرآن وسُنة النبي ﷺ‬ فإنَّنا نقول القول اليوم، ونرجِع عنه غدًا"، وقول الإمام مالك - رحمه الله - وبمعناه قد قالوا جميعًا: "إذا خالَفَ قولي قول رسول الله ﷺ‬ فاضربوا بقولي عُرْض الحائط".

فاعتقد العامَّة، بل وبعض علماء المذاهب المتعصِّبين، الذين قلَّ فَهمُهم لكتاب الله وسُنة نبيه ﷺ‬ وضَعُف إيمانهم به، واتِّباعهم للرسول ﷺ‬ اعتقدوا العِصمةَ للأئمَّة والكمال، والأئمةُ يتبرَّؤون من ذلك، ومنزَّهون عن ادِّعائه لأنفسهم، أو الرِّضا بنسبة العصمة والكمال إليهم؛ لأنَّ ذلك خاصٌّ بالرسول ﷺ‬ وتبع ذلك التفرقَ والتعصبَ المذهبيَّ التفرُّقُ في الدِّين، حتى الإمامة في الصلاة، فصار أتباعُ كلِّ مذهب لا يصلُّون خلفَ إمام مذهب غير مذهبهم، إلاَّ مَن عصَم الله، وتطوَّر الأمر حتى جُعِلتْ في مكة والمدينة مقاماتٌ لكلِّ مذهب في الحرمَين، وصارتْ تقام الفريضةُ الواحدة أربعَ مرَّات، إذا صلى الإمام على المذهب الفلاني أقام الصلاة الإمامُ الآخر بِمَن خلفه من أتباع مذهبه، وصار الأكثرون يعتقدون عدمَ صِحَّة الصلاة خلف إمام ليس على مذهبهم، فصدَّهم الشيطانُ عن قوله - تعالى -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

3 - في القضاء:

وأما ما يتعلَّق بالحُكم والقضاء، فقد صار إصدارُ الأحكام، وفصْلُ الخصومات في أكثر الأماكن بالجزيرة العربية، وخاصَّة في البوادي وتهامة، إلى الطواغيتِ مِن الكهَّان، وبعض شيوخ القبائل الذين يَحْكمون بالأعراف، والأهواء والشعوذة والدَّجَل، وفي الحواضر يقضي أكثرُ القُضاة بالرِّشْوة والجَهْل، فضاعتِ الحقوق، وانتشر الظلم.

4 - في الاقتصاد:

وفي الاقتصاد عمَّ الفقر بسبب الحروب، وقطْع الطُّرُق، وفُقدان الأمْن، الأمر الذي شغل الناسَ عن العمل في التجارة برًّا وبحرًا، وعن الإنتاج الكافي في الحقول، وعن الرعي في البراري، فأهل القرية أحيانًا لا يستطيعون الاتصالَ بالقُرى المجاورة لهم لشراء ما يحتاجونه ممَّا لا يوجد لديهم، وهو متوفِّر في تلك القرى أو بعضها، وخصوصًا ما هو ضروري كالتمْر والبُر، حتى ارتفعتْ قيمة الوزنة أو الصاع في القرية أو القرى التي يَقِلُّ فيها إلى ثلاثة حمران أو أربعة، أو عشرة ريالات فرنسي تقريبًا، لَمَّا جاء الريال الفرنسي، بينما يباع في القُرى التي يتوفَّر فيها خمس الوزنات أو خمسة الآصع بأحمر أو بريالين فرنسي أو ثلاثة.

5 - في الولاية والسياسة:

تشتَّتِ الجزيرةُ العربية عامَّة، وأقاليم نجد خاصَّة، وصار في كلِّ قرية أناسٌ من أهلها يتصارعون على حُكمها، ويقتل بعضُهم بعضًا، واستقلَّت كلُّ قرية عن جاراتها، وصار لها أميرٌ وأسوار، وحصون تحارِب مِن ورائها القرى المجاورة، ومَن يطوف بها ممَّن يخافونه، وصارتِ السلطةُ والكلمة في القرى والبوادي لِمَن غلب، وأكل القويُّ الضعيف، وعمَّت الحروب والفتن، وانقطعت السُّبل، وعمَّ الخوف والسَّلْب والنهب، حتى سَئِم الناس حياتَهم، وهاجَر بعضُهم إلى العراق والشام، ومصر وغيرها.

ولم يكنْ لحُكم الدولة العثمانية آنذاك أثرٌ في نجد، بل قد أهملتْها إن كانت تعرفها، ولم تُقِم حاكمًا فيها يجمع شملها، ويؤمِّن سُبلَها؛ لأنَّ أمراءها في مكة والمدينة والطائف فقط، وسيطرتهم على زمام الأمور في تلك البلدان محدودة، وقاصرة على المدن، ولم يستطيعوا حِفظَ الأمن خارجها لا في الطرق ولا بين القبائل، ولم ينشروا الحُكم بالشريعة الإسلامية، فيما يتعلَّق بالعقيدة في الأماكن التي يَحْكُمونها، بل إنَّ الجهل والشرك منتشرٌ انتشارًا عظيمًا بإقرار من الحكَّام ابتداءً من البلاد التركية نفسها إلى أبعد بلد تحكمها الدولة العثمانيَّة؛ لأنَّ هذا الشرك المتمثِّل في البناء على القبور والطواف بها، ودعاء أهلها، والنذر لهم، عقيدةٌ لهم لا يرونه شركًا، وإنما يرونه وسيلةً وزُلْفى يتقرَّبون بها إلى الله - تعالى - نعوذ بالله مِن عمى البصيرة.

ولِمَا تقدَّم ذِكْرُه من فُشوِّ الشرك، والجهل والمعاصي، وفساد القضاء، والكساد الاقتصادي، وفقدان الأمن، وعدم وجود حاكم يحكُم بشرع الله، ويجمع شتاتَ الأمة - لِمَا تقدَّم، قامتْ دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمةً مِن الله - سبحانه - للبلاد وأهلها في أمْر دِينهم ودنياهم، وهيَّأ الله لها بعد الصبر والابتلاء ناصرًا نصَرَها، وهو الأمير محمَّد بن سعود، أمير بلد الدِّرعية، وتمَّتِ البيعة بينه وبين الإمام على نصْر دِين الله، وإزالة الشِّرْك، وهدْم معالمه أولاً بالدعوة والبيان، ثم بالقوَّة والسِّنان لِمَن أبَى وقام في وجه الحق، تأسيًا بالرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 فصارتْ دعوة الإمام - رحمة الله عليه - وتجديدُه لدين الله، أشبهَ بدعوة خاتم المرسَلين نبيِّنا محمَّد ﷺ‬ وهذا سِرُّ نجاحها، فقد أمضى الفترة الأولى من دعوته في دعوة الناس إلى توحيد الله - تعالى - بالكلمة والرِّسالة، متنقلاً بين بلدان نجد، كلما وجد طريقًا آمنًا، أو رفقة مأمونة، وكان قبل ذلك يدعو إلى توحيد الله - تعالى - في مكَّة والمدينة، ثم في العراق، ثم في الأحساء (هَجَر)، حينما كان يتنقَّل بين هذه الأمصار يطلب العِلم على أشهر علمائها، السائرين على طريقة السَّلَف الصالح، في العقيدة والمنهج والعمل، ومنهم كِبار علماءِ المذاهب الأربعة، المعروفين بحُسْن اعتقادهم وصلاحهم، لا يفرِّق بين مذهب ومذهب مِن مذاهب أهل السُّنة، بل يأخذ عن كلِّ عالِم من مسائل العلم ما دلَّ عليه النصُّ من الكتاب العزيز، أو السُّنة الصحيحة.

ومِن جملة ما رُوي عنه في إنكاره الشِّرك والبدع: أنَّه لَمَّا وقف هو وشيخه محمد حياة السِّندي - من كبار علماء المدينة الموحِّدين، وصاحب الحاشية المشهورة على صحيح الإمام البخاري، المتوفَّى سنة 1165 - يُسلِّمان على الرسول ﷺ‬ وسمعَا كلماتِ الشرك من الزوار، ومنها الاستغاثة بالرسول ﷺ‬ وطلبُ الحاجات منه، استنكرَا ذلك وضاقَا به، فقال الشيخ محمد حياة السِّندي لتلميذه محمَّد بن عبدالوهاب: ما تقول فيما ترى وتسمع؟ فأجابه قائلاً: أقول ما قاله نبيُّ الله موسى - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم -: ﴿إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 139]، فسَرَّه هذا الجواب.


 الفصل الثاني حقيقة دعوة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب

لكلِّ دعوى حقيقة، وحقيقةُ دعوة الإمام قد صرَّح بها في كتبه ورسائله ومكاتباته، وردوده وفتاويه، فلم يَخْفَ منها شيء، ولم يلتبسْ منها شيء، بل هي كالشمس في رابعة النهار، دعوة صريحة واضحة إلى الدِّين الحنيف الذي بعث الله به خاتمَ المرسلين محمدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 فهي دعوةٌ إلى عبادة الله وحدَه لا شريك له، دعوةٌ إلى الرجوع إلى القرآن الكريم وسُنة خاتم المرسلين، وتحكيمهما والرِّضا بحُكمهما، والتسليم لذلك، دعوةٌ إلى الكُفْر بالطاغوت، والإيمان بالله تعالى، دعوةٌ إلى اتباع الرسول ﷺ‬ والاهتداء بهديه، وترْك اتِّباع الهوى والرأي والتقليد الأعمى، دعوةٌ إلى التحابِّ في الله بين المسلمين، والاجتماع بينهم على طاعته وترْك التفرُّق، دعوةٌ إلى السَّمْع والطاعة لولاة أمور المسلمين في غير معصية الله سبحانه، دعوةٌ إلى العِلم بدِين الله، والتفقُّه فيه، وأخْذ ذلك من القرآن العظيم والسُّنة النبوية الصحيحة، وتلقِّي ذلك من العلماء الموحِّدين المحقِّقين، حتى يَعرفَ المسلم دِينَه بأدلته من الوحيَين، لا مِن مشائخ الطرق الضالِّين، ولا مِن أهل الأهواء الزائغين المفسدين.

ودعوةُ الإمام محمد بن عبدالوهاب امتدادٌ لدعوة شيخ الإسلام الإمام أحمد بن عبدالحليم بن تيمية - قدَّس الله رُوحَه، ونوَّر ضريحه، وجزاه عن الإسلام والمسلِمين أفضلَ الجزاء - ذلك الإمام الذي نصَر الله به السُّنَّة، وقَمَع به البِدعة، وصبر على الأذى في سبيل الله، حتى مات سجينًا في قلعة دمشق على يدِ الظالمين من المشرِكين والمبتدعين من الوُلاة وعلماء السُّوء - رضي الله عنه - وأرْضاه، آمين.

وكان عبدالوهاب والدُ الإمام محمَّد، عالمًا وقاضيًا في بلده، ولديه كُتبٌ مِن بينها بعض مؤلَّفات شيخ الإسلام ابن تيمية، كغيره مِن علماء زمانه، وكان الإمام محمَّد في بداية طلبه العِلم عن والده، ومعلِّمي بلده يقرأ فيها، فأُعجِب بها، وتأثَّر بها؛ لأنَّه وجد فيها العقيدةَ الصحيحة، والفِقهَ في الدِّين حقًّا، وجد فيها الحقَّ الموافق لفطرة الله، التي فَطَر الناس عليها، وجدَها تربط العبدَ مباشرةً بربِّه - سبحانه وتعالى - بدون واسطة، وتُحرِّره من رقِّ العبودية للمخلوق إلى عِزِّ العبودية للخالق - عزَّ وجلَّ.

ومَن قرأ مؤلفاتِ الإمام محمد بن عبدالوهاب، وخاصَّة في العقيدة، وجد أنها مُتَّفقة تمامًا مع ما كَتَبه شيخُ الإسلام أحمد بن تيمية، مِن بيان عقيدة أهل السُّنة والجماعة، ومع ما دعا إليه من إخلاص الدِّين لله تعالى، ومتابعة رسوله محمَّد ﷺ‬ بمعرفة معنى الشهادتين، والعمل به، وبيان ذلك بالأدلَّة من الكتاب والسُّنَّة، وبيان الشِّرْك الأكبر والأصغر، وأمثلة ذلك، وكشْف شُبهات المشركين، وبيان البِدع؛ كبيرِها وصغيرِها، وكشْف شبهات المبتدعين.

وفيما يأتي بيانٌ لمعالِم هذه الدعوة المباركة، التي هدَى الله إليها شيخَ الإسلام الإمام محمد بن عبدالوهاب، وأمدَّه بنصْرِه وتوفيقه، حتى ظهرتْ، وعمَّ نفعها، وهدى بها خلقًا كثيرًا، هذه المعالِم براهينُ تدل على صحتها، وأنَّها تجديدٌ لدِين الإسلام الذي بعث اللهُ به خاتمَ المرسَلين نبيَّنا محمدًا - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، ورضي الله عن أصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.


مذهب الإمام محمد بن عبدالوهاب

لم يَدَّعِ الإمامُ محمد بن عبدالوهاب لنفسه مذهبًا خاصًّا، كما يَرمِيه به خصومُه بأنَّه صاحب مذهب خامس، ولكنَّه حنبليُّ المذهب، كما صرَّح بذلك عن نفسه، رغمَ توفُّر شروط المجتهد المطلَق فيه.

وهو يدعو إلى ما دعا إليه الأئمَّة الأربعة، ومَن سار على نهْجِهم من أهل الحديث، وعلماء الإسلام المهتدين بهُدى الله - تعالى - في كلِّ زمان، من اتباع الحق، والأخذ بما دلَّ عليه الدليل، ولو خالف المذهب، قائلاً بما قاله كلُّ واحد من أئمة المذاهب الأربعة، ومَن على نهجهم: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، فهو مُتَّبع لا مبتدع، ملتزِم طريق السلف الصالح من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان.

ومؤلَّفاتُ الإمام في الفِقه وفتاويه في المسائل الفرعية، جميعها على المذهب الحنبلي، ومَنِ اطَّلع عليها، أو على بعضها، أدركَ ذلك، ومنها: "آداب المشي إلى الصلاة"، و"شروط الصلاة وأركانها وواجباتها ومستحباتها"، و"مختصر الإنصاف"، و"الشرح الكبير"، وهو مجلَّد ضخْم يشمل جميعَ أبواب الفِقه، و"مختصر زاد المعاد"، و"الفتاوى"، وغير ذلك، وله مفردات في الفروع أخَذَ فيها بالراجح، ولم يتعصَّب للمذهب؛ لِمَا صرَّح به بأنَّ المذهب الحق للأئمة الأربعة وغيرهم من أئمَّة أهل السُّنَّة، هو ما دلَّ عليه الدليلُ من القرآن أو السُّنة الصحيحة.


عقيدة الإمام

بيَّن الإمام محمَّدُ بن عبدالوهاب عقيدتَه التي يَدين بها، ويدعو إليها في خُطبه ومجالس دروسه، وسطَّرها بيده في كُتبه العقدية مثل: "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد"، و"كشف الشبهات"، و"مسائل الجاهلية"، و"مختصر سيرة الرسول ﷺ‬ "، و"خطب الجمعة"، ورسائله الكثيرة التي كَتَبها للعامَّة والخاصة، مثل: "ثلاثة الأصول"، و"القواعد الأربع"، و"نواقض الإسلام العشرة"، و"ستة الأصول"، وغير ذلك.

وكذلك في رسائله التي كَتَبها إلى كثير من علماء الأمصار، والحكَّام والأعيان، والتي تضمَّنتْ إلى جانب بيان عقيدته، الردَّ على مخالفيه، وتفنيد أكاذيبهم ضدَّه، والتي ننقل بعضًا منها بعد هذا الفصل - إن شاء الله.

وفيما يلي أذكر بالمعنى بإيجاز ما جاء في كتب الإمام ورسائله، مِن بيان عقيدته في صفات الله تعالى، وبيان بعض ما يقع فيه المنتسِبُون إلى الإسلام مِن شِرْك في الربوبية، وأنَّه شِرْك في الألوهية، وبيان معنى الشهادتين، ومعنى العبادة، وزيارة القبور الشرعية، والشركية، والبدعية، وكشْف شبهات المشركين والمبتدعين، وبيان معنى ولاية الله تعالى، وأوليائه، وأنواع الشِّرْك والنفاق، وغير ذلك من مسائلَ في التوحيد.

ففي الصفات: بيَّن أنه على معتقد السَّلف الصالح، وهو إمرارها كما جاءتْ بدون تأويل ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، على حدِّ قوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، مع الاعتقاد بأنها حقٌّ على حقيقتها، على الوجه اللائق بالله - عزَّ وجلَّ.

وفي توحيد الربوبية: بيَّن أنَّ مَن نسب إلى أحد من الناس، ولو كان نبيًّا أو ليًّا، فضلاً عمَّن دونهما، أو لشيءٍ من الكواكب أو الملائكة أو الجنّ، أنه يدبِّر الكون، أو يقول للشيء: كن، فيكون، أو أنَّ له شركًا مع الله في الخَلْق والتدبير، فإنَّه مشرِك كافر بالله - تعالى - في ربوبيته وإلوهيته، ولو صلَّى وصام وحجَّ، ونطق بالشهادتين، وزعم أنه مسلم، وبيَّن في "كتاب التوحيد"، وغيره أمثلةً من الشرك الأصغر في الربوبية، إلى جانب أنها شرْك في الألوهية، مثل: قول الإنسان: مُطِرْنا بنَوْء كذا وكذا، ومثل: سبّ الدهر، وسبّ الريح أو البرد والحرّ، ونحو ذلك.

أمَّا توحيد الألوهية، فهو الذي وقع الشِّركُ فيه عند الأوَّلين في الجاهلية والآخِرين المنتسبين إلى الإسلام، وهو الذي مِن أجْله أرسل الله الرسل؛ ولذا صار بيانُ الإمام على التفصيل مبتدئًا ببيان معنى الشهادتين كما يأتي.

معنى لا إله إلا الله: بيَّن - رضي الله عنه - في مواضعَ كثيرة بكلام واضح مفصَّل - يفهمه العاميُّ والمتعلِّم - معنى كلمة التوحيد، وما يناقضها، ومِن ذلك البيان: أنَّ معنى (لا إله إلا الله)؛ أي: لا إله حقٌّ إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنَّها دلَّت على نفي وإثبات؛ فقول (لا إله) نفي، وإبطال لجميع ما يُعبد من دون الله، وأنَّ جميع الآلهة التي تُعبد باطلة، رغمَ اتخاذ المشركين لها وكثرتها، سواء أكانت هوى متبعًا، أو دُنيا مؤثَرة، أو نبيًّا أو وليًّا، أو مَلَكًا أو جنًّا، أو تشريعًا مخالِفًا للإسلام، أو شمسًا أو قمرًا، أو كوكبًا أو شجرًا، أو حجرًا أو صنمًا، أو طاغوتًا بشريًّا، يُحلِّل ما حرَّم الله، ويحرِّم ما أحلَّ الله، أو غير ذلك من الآلهة التي يعبدها المشركون، والتي ذكرها الله - سبحانه - في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ‬ فبيَّن - رحمة الله عليه - أنَّ الجزء الأول من شهادة الحق ينفي وجودَ إله حق، وليس نافيًا لوجود آلهة باطلة، كما يزعمُه مَن قَلَّ فَهْمُهم في التوحيد، وفي أدلَّة القرآن والسُّنة، فصاروا يفسِّرون خبر (لا) المحذوف بكلمة (موجود)، فإذا قيل لهم: إنكم تؤلِّهون مَن تستغيثون بهم، وتنذرون لهم مِن الأموات والغائبين وغيرهم، أجابوا بقولهم: نحن نقول: لا إله إلا الله، ولا يوجد إلهٌ غير الله، وقصْدُهم بذلك توحيد الربوبية؛ أي: لا ربَّ يخلق ويرزق، ويحيي ويميت إلاَّ الله، ففهموا أنَّ توحيد الله - تعالى - هو الإقرارُ بوحدانيته في الربوبية، وفاتَهُم أنَّ المشركين الذين قاتلهم رسولُ الله ﷺ‬ يقرُّون بما أقرُّوا به من توحيد الربوبية، ولكنَّهم كفروا لَمَّا لم يوحِّدوا الله في ألوهيته وعبادته.

وبيَّن معنى الجزء الثاني مِن كلمة التوحيد، وهو (إلا الله) أنَّه إثبات الألوهية لله وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ لفظ الجلالة (الله) بدلٌ من خبر (لا) المحذوف، وهو: حق، وبيَّن معنى الإله بأنَّه المعبود، وبيَّن معنى العبادة بأنَّها أنواعٌ كثيرة أعظمُها الدعاء، وهو طلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله سبحانه، مثل: شِفاء المريض، وإنزال المطر، والرزق والولد... إلخ، ومن أعظم أنواعها: الذبْح، وهو تعظيم المذبوح له بسَفْك دمِ الذبيحة له، ولو كانت دجاجةً أو أقلّ، وتقريب القربان للمعظَّم من الخلق، ولو ذبابًا، أو النذر له، كما هي حال كثيرٍ من المشركين المنتسبين إلى الإسلام، الذين ينذِرون النذورَ لغير الله من الأولياء أو غيرهم.

ومن العبادة: التوكُّل، فمَن توكَّل على غير الله، أو قال: أنا في حسبك، فقد ألَّهه وعَبَده، وهكذا مَن اعتقد في أحد أنه يعلم الغيب، أو يُدبِّر الكون مهما كانتْ منزلته، فإنَّه قد ألَّهه وعَبَده، بل وجعله شريكًا مع الله - تعالى - في الربوبية أيضًا.

ومِن أعظم أنواع العبادة: الصلاة بما فيها من سُجود وخشوع، فمَن صلَّى لغير الله، أو سجَدَ له أو ركع له، أو خشع له في وقوفه بيْن يديه خشوعَ الواقف بيْن يدي الله؛ تعظيمًا لهذا المخلوق، فقد عَبَدَه بذلك.

أمَّا سجود التحية الذي لا يُراد به العبادة، وكذا الرُّكوع، فهو جائزٌ في شرْع مَن قبلنا، منهي عنه في شرْعِنا؛ لحديث: ((لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها)).

معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: وبيَّن معنى شهادة أنَّ محمدًا رسول الله بأنها: طاعتُه فيما أمَر، وتصديقُه فيما أخْبَر، واجتناب ما نهى عنه وزَجَر، وألاَّ يُعبدَ اللهُ إلا بالشَّرْع الذي جاء به؛ وهو القرآن والسُّنة، ومحبته فوق محبَّة النفس والأهل، والمال والولد، والناس أجمعين، وتحقيق ذلك باتِّباعه والتأسِّي به ﷺ‬ وألاَّ يَتخذ العبدُ متبوعًا له غير النبي ﷺ‬ كما هي حالُ الضلاَّل الذين يتَّبعون مشائخ الطُّرق الضالَّة، الذين يشرعون ما لم يأذنْ به الله - تعالى - من البِدع في الدِّين، بل ويَدْعُون إلى الشرك بالله باسمِ التوسُّل إلى الله، وطلب الشفاعة والزُّلْفى إليه، والنبيُّ ﷺ‬ وآلُ بيته، وصحبُه، ومَن تبعهم بإحسان بريئُون من أولئك؛ لأنَّهم اتبعوا شركاءَ شَرَعوا لهم من الدِّين ما لم يأذن به الله، ولأنهم لم يُحقِّقوا قولَه - تعالى -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31] الآية.

وبيَّن - رضي الله عنه - أنَّ تحكيم شرْع الله - تعالى - والرِّضا بحُكمه، والتسليم لذلك، أمرٌ لازم لتحقيق الشهادتين، وشرْط لصحَّة إسلام العبد، وأنَّ تَرْك ذلك أو عدم الرِّضا به والتسليم، أو استحلال الحُكم بغير ما أنزل الله، ولو فُضِّل الحُكمُ بما أنزل الله على الحُكم بشَرْع غيره، فإنَّ ذلك كفرٌ بالله، وناقضٌ من نواقض الإسلام، التي بينها في رسالة خاصة.

كشف الشبهات: وكَشَف الإمام - رضي الله عنه - شبهاتِ المشركين والمبتدعين في كتبه وردوده، التي كتَبَها، ومنها كتابه: "كشف الشبهات"، ومن أمثلة ذلك ردُّه على مَن قال: إنَّ مشركي الجاهلية يعبدون الأصنام، ولا يقولون: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، ونحن نوحِّد الله، ونؤمن برسوله ﷺ‬ ونَدين بالإسلام، وإنما نستغيث بالأنبياء والصالحين الذين قال الله عنهم: ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: 62] الآية، وننذر لهم توسُّلاً بهم عند الله لا عبادة لهم، فكيف تجعلُنا مشركين؟!

 ردَّ عليهم بأنَّ مشركي الجاهلية يؤمِنون بتوحيد الربوبية الذي تؤمنون به، وهو أنَّ الله - سبحانه - ربُّهم الذي خلقهم ورزقهم، ويحييهم ويميتهم، وأنَّه مالك الملك، ومدبِّر الأمور، وأنَّ آلهتهم التي يعبدونها مملوكةٌ لله، لا تملك مِن ذلك شيئًا، وإنما عبدوهم لكي يقرِّبوهم إلى الله زُلْفى، ويشفعوا لهم، وبيَّن لهم أنَّ تلك الأصنام التي هي بعضٌ من معبودات المشركين ليستْ هي المعبودةَ لذاتها، وإنما المعبود الأشخاص الذين ترمز إليهم مِن الأنبياء، مثل: عيسى - عليه السلام - والصالحين، مثل: مريم - عليها السلام - وودّ وسُواع، ويَغُوث ويَعُوق، ونَسْر، وأهل فضل وإحسان، مثل: اللاَّت، وشياطين كامنة تحت أحجار وأشجار تردُّ عليهم وتخاطبهم، مثل: العُزَّى، فلا فرقَ بين تلك الأصنام، وبين تلك القبور والأضرحة، التي يعكف عليها المشرِكون المنتسبون إلى الإسلام؛ لأنَّهم يدعون أهلها، فيطلبون منهم الشفاعةَ، وشفاءَ المريض، وردَّ الغائب، والرزق والولد، وإنزال المطر، وتفريج الكروب، ويطلبون منهم أن يكونوا وسائطَ عند الله في قضاء حوائجهم، ومغفرة ذنوبهم، مُحتجِّين بحُجَّة مشركي الجاهلية: هؤلاء شفاؤنا عند الله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].

 فبيَّن - رحمه الله - أنَّ عقيدة مشركي الجاهلية والمشركين المنتسبين إلى الإسلام وحُجَّتهم سواء، وأنهم جميعًا متَّفِقون في صرْف العبادة لغير الله، مِن دعاء وذبْح ونذْر، وغير ذلك، وإنما اختلفوا في التسمية فقط، فأهلُ الجاهلية يعرِفون معنى لا إله إلا الله؛ بأنَّه لا معبود بحقٍّ إلا الله، ويعرفون معنى (إله) بأنَّه المعبود، ومعنى العبادة، بأنها الدعاء والذبح، والنذر والصلاة... إلخ؛ لذا اعترفوا بأنَّهم مشرِكون لَمَّا عبدوا غير الله.

ومشرِكو هذه الأزمان من المنتسبين إلى الإسلام، لا يَعرِفون مِن معنى كلمة التوحيد إلاَّ توحيد الله - تعالى - في ربوبيته، ولم يعرفوا معناها الحقَّ الذي عرَفه المشركون؛ وهو توحيدُ الله - تعالى - في ألوهيته وعبادته، وذلك لأنَّهم لم يعرفوا معنى الإله بأنَّه المعبود، ولم يعرفوا معنى العبادة، وأنَّ بعضَها الدعاء والذبْح والنذر، ولم يعرفوا معنى الشِّرْك بأنه صرفُ شيء من العبادة لغير الله، وإنما يَرَوْن أن الشرك هو عبادة الأصنام، وأن يقول الإنسان لشيء غير الله إنَّه إلهي، أما إذا سمَّاه وسيلةً، أو واسطة، أو شفيعًا، أو نحو ذلك، فليس له بإلهٍ ولا معبود، ولو صرف له العبادة بأن دعاه أو ذبح له أو نذر له أو سجد له، بل ولو ادَّعى له علم الغيب وتدبير الكون، كما هي حالُ أكثر الرافضة، وضلاَّل طوائف الصوفية الذين يَدَّعون ذلك لمعبوديهم مِن دون الله - تعالى - وآل البيت - رضي الله عنهم - وكل وليٍّ حقًا لله - تعالى - بريئون من أولئك وعبادتهم، كما تبرَّأ عيسى - عليه الصلاة والسلام - من النصارى الذين اتَّخذوه وأُمَّه إلهَين من دون الله، وجعلوه ابنًا لله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

وبيّن أنَّ (لا إله إلا الله محمَّد رسول الله) لا تنفع قائلَها إلا إذا عَرَف معناها، وعمل بها بإخلاص العبادة لله تعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ‬ كما قال - تعالى -: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256].

أما مَن أشرك مع الله - تعالى - أحدًا، ولو كان نبيًّا أو وليًّا، فضلاً عن غيرهما، بأنْ دعاه، أو ذبح له، أو نذر له، أو جعله واسطة بينه وبين الله - تعالى - يدعوه ويرجوه، ويتوكَّل عليه، فإنَّه لا ينتفع بنطقه بالشهادتين، ولا بانتسابه إلى الإسلام، ولا بصلاته وصيامه وحَجِّه؛ لأنَّ عمل المشرك حابطٌ بنصِّ القرآن والسنة، قال - تعالى -: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88]، وقال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65].

ولكنَّه لا يُكفِّر الجاهل الذي يقع في هذا الشركِ من الناطقين بالشهادتين، المؤدِّين لبقية أركان الإسلام الذين لا يرضَوْن بهذا لو عرفوا أنَّه شِرْك، حتى يقيم عليه الحجَّة بالبيان له، فمَن بيَّن له، وذَكَر له الأدلة على شرْكه ولم يقبل؛ اتِّباعًا للهوى، أو لِمَا وجد عليه الآباء ومشائخ الضلال، كما هي حالُ أهل الجاهلية، كفَّرَه، وأفتى بقِتاله حتى يوحِّد الله - تعالى - ولا يشرك به شيئًا؛ امتثالاً لأمر الله - تعالى - ورسوله ﷺ‬ وتأسيًا برسوله ﷺ‬ في قِتال المشركين المعاندين.


أولياء الله تعالى

 وبيّن الإمام - رضي الله عنه - أولياء الله تعالى؛ بأنهم الذين آمنوا وكانوا يتَّقون، وفي مقدِّمة ذلك توحيدُهم لله - تعالى - وإخلاص الدِّين له، واتباعُ رسوله محمد ﷺ‬ وأمرُهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحبُّهم في الله وبُغضُهم فيه، وبراءتهم من الشرك وأهله، سواء عُرِفوا بسبب علمهم وإحسانهم ودعوتهم إلى الله، وجهادِهم في سبيله، كالخلفاء الراشدين، وبقيَّة العشرة المشهود لهم بالجَنَّة، وأهل بدر وبيعة الرضوان، وغيرهم ممَّن شهد لهم النبي ﷺ‬ وفي مقدمتهم أمهاتُ المؤمنين وأئمَّة آل البيت، ومَن أتى بعد الصحابة من أئمة التابعين ومَن تبعهم بإحسان، أو لم يَعْرِفوا؛ لكونهم أتقياءَ أخفياء، متعفِّفين قائمين بما يجب عليهم من الفرائض والمستحبَّات، كما هي حالُ الأولياء المعروفين، وهؤلاء الذين لم يعرفوا مِن أولياء الله - تعالى - منهم الذي وصَفَه النبي ﷺ‬ بقوله: ((رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذِي طِمْرَين، مدفوع بالأبواب، لو أقْسَم على الله لأبرَّه))، كأُوَيس القرني - أفضل التابعين، - رضي الله عنه.

وردَّ على مَن استدلَّ على جواز الاستغاثة بالموتى والتوسُّل بهم، بقوله - تعالى -: ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62]، وبقوله - تعالى -: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]، ونحو ذلك: بأنَّ ولاية الله - تعالى - تنفع صاحبَها فقط، فهو الذي لا خوفَ عليه ولا هو يحزن؛ لإيمانه بالله تعالى، وذلك بمعرفته له - سبحانه - وعبادته مخلصًا له الدِّين، وبمعرفة رسوله ﷺ‬ ومتابعته، وأدائه لأركان الإسلام وواجباته ومستحبَّاته، على الوجه الصحيح، وإيمانه ببقية أركان الإيمان، وبإحْسانه في عبادته للخالق ومعاملته للخلق.

 ولا يصحُّ بحالٍ أن يُتَّخذ صلاحُه وسيلةً لعبادته، بدعائه والنذر له، واتخاذه واسطةً عند الله تعالى؛ لأنَّ هذا عينُ الشرك، وهو عمل اليهود والنصارى والمشركين الأوَّلين، وقد أبطل الله - سبحانه وتعالى - هذه المعتقداتِ الفاسدةَ في مواضعَ كثيرة من القرآن الكريم، مثل قوله - سبحانه -: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101]، وقوله: ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88 - 89]، وقوله ﷺ‬ : ((ليس لعربيٍّ فضْلٌ على أعجميٍّ، ولا لأعجميٍّ فضْلٌ على عربيٍّ إلا بالتقوى، كلُّكم لآدمَ، وآدمُ مِن تراب) وقال: ((سلمانُ منَّا آل البيت) ولَمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] صَعِد النبي ﷺ‬ فوقَ الصفا بمكة، ونادى عشيرتَه الأقربَ فالأقرب، قائلاً: ((يا فاطمة بنتَ محمَّد، أنقذي نفسَك من النار، لا أُغني عنك من الله شيئًا، يا صفيَّة عمَّة رسول الله، أنقذي نفسَك من النار، لا أُغني عنك مِن الله شيئًا، وما زال يُنادي: يا آل فلان، يا آل فلان، أنقذوا أنفسَكم من النار، لا أُغني عنكم مِن الله شيئًا))، بل قد أعلن براءتَه من بعض قرابته لَمَّا عصَوُا الله ولم يتبعوه، فقال: ((ليس آل فلان بأوليائي، إنَّما ولييُّ الله وصالِح المؤمنين)).

 ومعلومٌ أنَّ نبي الله نوحًا - عليه الصلاة والسلام - لم يملكْ لابنِه نفعًا ولا ضرًّا لَمَّا كَفَر بالله، وأنَّ إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - تبرَّأ من أبية آزرَ لَمَّا كفر بالله، وهكذا نوح ولوط - عليهما الصلاة والسلام - تبرَّأا من امرأتيهما.

وبذلك يتبيَّن أنَّ الذي يُقدِّس الإنسان عند ربِّه عملُه الصالح، وهو عبادة الله - تعالى - مخلصًا له الدِّين، واتباع رسوله ﷺ‬ وأنَّ ذلك هو الوسيلة التي تُقرِّبه إلى الله سبحانه، وليس قُرْبَه من نبيٍّ أو وليّ، أو طلبه الشفاعة منهما، أو التوسُّل بهما.


التوسل المشروع والتوسل المبتدع

وبيّن - رضي الله عنه - أنَّ التوسُّل المشروع هو التوسُّلُ إلى الله - تعالى - بأسمائه الحسنى وصفاتِه العُلا، كما أرشد الله - سبحانه - إلى ذلك في كتابه العزيز بختمه الآياتِ بأسمائه المناسبة لِمَا سبقها، فإذا سأل الداعي ربَّه المغفرة والرحمة توسَّل إليه - سبحانه - باسميه الغفور والرحيم، فيقول: ((اللهمَّ اغفر لي وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرحيم))، وهكذا، ويتوسَّل إليه بأسمائه وصفاته بدعائه بها، كأنْ يقول: ((يا حيُّ يا قيوم، برحمتك أستغيث)).

ويتوسَّل إلى الله - سبحانه - بأعماله الصالحة، كتوسُّل الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فانطبقتْ على بابه الصخرة وسدَّتْه، فلم يستطيعوا الخروج، فتوسَّل كلُّ واحد منهم إلى الله - سبحانه - بأرْجَى عمل عمله لله، فتوسَّل أحدُهم ببرِّه لوالديه، والآخر بأمانته، والثالث بعفَّته عن الزِّنا خوفًا من الله، بعد أن قَدَر عليه، فكشَف الله عنهم الصخرةَ، وخرجوا يمشون.

أما التوسُّل إلى الله - تعالى - بذوات المخلوقِين، ولو كانوا أنبياءَ أو أولياء، فإنه بدعةٌ لا يجوز، ولا مناسبة له؛ لأنَّ صلاحه لنفسه.

 أمَّا ما ورد من طلب الدعاء من الحيِّ الحاضر، وطلب الناس الشفاعة من الأنبياء، حتى ينتهوا إلى نبيِّنا ﷺ‬ يومَ القيامة، فإنَّ ذلك طلب من حيٍّ حاضر في أمْر يقدر عليه، ولذلك فإنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - لم يتوسَّلوا بالنبي ﷺ‬ بعد موته، وإنما توسَّلوا بحبِّهم واتِّباعهم له، ولَمَّا استغاث عمرُ - رضي الله عنه - قال في دعائه: اللهمَّ إنَّا كنَّا إذا أجدبنا نتوسَّل إليك بنيِّنا فتسقينا، وإنَّا نتوسَّل إليك الآن بعمِّ نبيِّنا، فاسقنا، قم يا عباسُ فادعُ الله، فقام العباس - رضي الله عنه - يدعو وهم يُؤمِّنون.

 فتبيَّن بهذا أنَّ مراد عمر - رضي الله عنه - بقوله: نتوسَّل إليك بنبيِّنا؛ أي: بدعائه يوم أن كان حيًا، فلمَّا مات لم يتوسلوا بذاته، وهو أكرم الخلق على الله سبحانه، وإنما توسَّلوا بحي حاضر يدعو؛ ولذا أمر العباس أن يدعو الله أن يسقيهم، فعرف بذلك أن مراده التوسل بدعاء العباس وليس بذات العباس.

وردَّ على استدلال المشركين من المنتسبين إلى الإسلام بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64]، بأنَّ ذلك في حياته - عليه الصلاة والسلام - يوم أن كان حيًّا يدعو الله، ويستغفره لأمَّته، وكذا فإنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - ومَن تبعهم بإحسان، لم يأتِ أحدٌ منهم إلى قبر النبي ﷺ‬ يدعوه، أو يطلب منه شيئًا ألبتة، إنما إذا أتَوْا إليه يسلِّمون ثم ينصرفون، بل إنهم ينهون مَن يرونه يُطيل الوقوف، أو يقول شيئًا عندَ القبر غير السلام المشروع.

 ومن ذلك: أنَّ علي بن الحسين - رضي الله عنه - لما رأى رجلاً يقف عند فرجة تطل على قبر النبي ﷺ‬ ناداه وقال: ماذا تقول؟ فقال: إني أسلم وأصلي على رسول الله ﷺ‬ فقال: إني سمعت أبي عن جَدِّي يقول: ((صلُّوا عليَّ، فإنَّ صلاتكم تبلُغني حيث كنتم))، فأنت يا هذا، ومن بالأندلس سواء، ونهاه - رضي الله عنه - عن إطالة الوقوف والزيادة على السلام.

وبيَّن الإمام - رحمة الله عليه -: أنَّ كلَّ ما يحتجُّ به المشركون والمبتدعون لتصحيح شِرْكهم بالله، المتمثِّل في دعائهم الأموات، ونذرهم لهم، ونحو ذلك، فإنَّما هي أحاديثُ مكذوبة، أو تأويلات باطلة، أو حكايات ومنامات أملاها الشيطان - أعاذنا الله منه.


شفاعة الأنبياء والصالحين حق، ولكنَّها لا تُطلب إلاَّ مِن الله تعالى

وبيَّن - رحمة الله تعالى عليه - : أنَّ شفاعة الأنبياء والصالحين، والأفراط والشهداء حقّ، ولكنَّها لا تُطلب إلا من الله تعالى، فيقول العبد: اللهم شفِّعْ فيَّ رسولك ﷺ‬ اللهمَّ لا تحرمني شفاعتَه، اللهمَّ شفِّعْ فيَّ عبادك الصالحين، اللهمَّ شفِّعْ في أفراطي، ونحو ذلك، ولا يطلبها من الميِّت؛ لأنها حق لله تعالى، كما قال - سبحانه -: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44]، ولا تحصل إلاَّ بإذنه سبحانه، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، ولا يشفع الشافعون إلاَّ لِمَن رضي الله قولَه وعمله، وهم أهلُ التوحيد لله تعالى، كما قال - تعالى -: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 28].

وبيَّن أنَّ طلب الناس يومَ القيامة الشفاعةَ من الأنبياء، حتى ينتهوا إلى نبيِّنا ﷺ‬ فيقول: ((أنَا لها))، وطلبهم الاستغفارَ والدعاء منه في حال حياته، إنما هو طلبٌ من حيٍّ حاضر قبلَ الموت، وبعد البعث، أما الميت فلا يُطلب منه شيء ألبتة، مع إيماننا بأنَّ حياة النبي ﷺ‬ البرزخية أكملُ من حياة الشهداء، ولكنَّها حياة لا يعلم معها شيئًا عن أحوال أهل الدنيا، بل قد انقطع فيها العملُ، إلاَّ ما يصل إلى الميِّت مِن علم يُنتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو دعاء المسلمين وصلاتهم.

 وأما حديث سماعِه ﷺ‬ سلامَ المسلِم ورده عليه، فهو خاصٌّ بردِّ السلام، إن صح، وأما الاستغاثة به ونحو ذلك فهو شرْك بالله، دلَّ القرآنُ والسُّنةُ وإجماعُ الأمة على تحريمه، وبراءة المصطفى ﷺ‬ وكل عبدٍ صالح من ذلك.


إمامته - رضي الله عنه - في حبِّ الرسول ﷺ‬ وآل بيته، وصحابته، ومَن تبعهم بإحسان

وردَّ قولَ خصومه: بأنَّه وأتباعَه يُبغضون الرسول ﷺ‬ والصالحين، وينتقصونهم حقَّهم بنهيه ومَن ناصره عن الغلوِّ فيهم وعبادتهم بالاستغاثة بهم، والنذر لهم، وبناء القِباب على قبورهم وسترها، والطواف بها، إلى آخِرِ ما يفعلونه بها من أعمال جاهليَّة باطلة، ردَّ عليهم بأنَّ صنيعَهم هذا مع رسول الله ﷺ‬ وآل بيته، ومع أيِّ عبد من عباد الله الصالحين، هو عينُ المحاربة لله - سبحانه - ولرسوله ﷺ‬ وآل بيته، وعباد الله الصالحين، وهو عينُ الأذى لهم، وهم بريئون ممَّن يصنع ذلك معهم، ومُبغِضون له، وشفاعتهم حرامٌ عليه بنصِّ القرآن الكريم والسُّنة المطهَّرة؛ لأنَّه عَبَدَهم من دون الله، ومَن رضي أن يُعبد من دون الله فهو مِن رؤوس الطواغيت.

ومن كان الشِّرْك صنيعَه مع رسول الله ﷺ‬ وآل بيته وعباد الله الصالحين، فإنَّ الله بريء منه ورسولُه، وآلُ بيته، وكلُّ عبد صالح في السماء والأرض، وإذا حُشِر الناس يومَ القيامة يكونون لهم أعداءً، كما يكون المسيح عيسى بن مريم - عليه السلام - عدوًّا للنصارى، الذين اتخذوه وأمَّه إلهَين من دون الله، قال – تعالى -: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: 6]، وقال - تعالى - عن عيسى - عليه الصلاة والسلام - : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 116 - 117].

وبيَّن - رضي الله عنه - : أنَّ أحبابَ الله - تعالى - وأحبابَ رسوله ﷺ‬ وآل بيته، وعباد الله الصالحين، هم الدَّاعون إلى توحيد الله وإخلاص الدِّين له، واتباع رسوله ﷺ‬ وامتثال أمره، واجتناب نهيه، ومنع ما نهى الله عنه ورسوله، وهدْم تلك المساجد والمشاهد والقباب، التي بُنيت على تلك القبور، وصيرتها أوثانًا تُعبد من دون الله، فبيَّن أنَّ محبَّة الله - سبحانه - ومحبَّة رسوله ﷺ‬ وآل بيته وأوليائه إنما تتحقَّق باتباع الرسول ﷺ‬ لا بعبادته وعبادة مَن دونه، قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31].

ويرى - رضي الله عنه - أنَّ حبَّ الرسول ﷺ‬ وآل بيته وأصحابه من المهاجرين والأنصار ومَن اتبعهم بإحسان، فرضُ عيْن على كل مسلم، لا يؤمن إلاَّ بذلك، ويرى أنَّ هذه المحبَّة في الله - عزَّ وجلَّ - تابعةٌ لمحبَّة الله - تعالى - وليست حبًّا مع الله كمحبَّة المشركين للأنداد، ومِن بينهم هؤلاء المشركون المنتسبون إلى الإسلام، فإنَّ حبَّهم للرسول ﷺ‬ وآل بيته وأوليائه، ليس حبًّا في الله يدعوهم إلى الإخلاص لله، ومتابعة رسوله ﷺ‬ وإنما هو حبٌّ مع الله يدعوهم إلى اتخاذهم أندادًا من دون الله، بالاستغاثة بهم، والنذر لهم، واتخاذهم وسائطَ عند الله، وذلك لأنَّ الحبَّ في الله توحيدٌ، وهو أوثق عُرَى الإيمان، وهكذا البُغض فيه سبحانه؛ لأنها محبَّة تابعة لمحبَّة الله، ومِن أجْلِه، وهي دون محبَّة العبادة التي لا تصلح إلا لله وحدَه لا شريك له.

أما الحبُّ مع الله، فإنَّه شرْك بالله؛ لِمَا فيه من التسوية بين المخلوق والخالق في ذلك، وعلامةُ الحبِّ مع الله ما يصاحبه من الشِّرْك به سبحانه، وهو الغلوُّ في تعظيم المحبوب إلى درجة صرْف حقِّ الله له، بدعائه، والذبْح له، والنذر له، والطواف بقبره، والتوجُّه إليه بالرجاء والطلب؛ كما يطوف الإنسان بالكعبة ويتوجَّه إلى الله - تعالى - برجائه وطلبه، وهذا شرْك المشركين في الجاهلية، فقد وصَفَه الله - سبحانه - بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165] الآية.

وشِيعة النبي ﷺ‬ وآل بيته - رضي الله عنهم - حقًّا، هم أهل السنُّة والجماعة، المتَّبِعون للرسول ﷺ‬ وهم المحبُّون لله ولرسوله، وآل بيته، ولأصحابه الكرام، والذين يترضَّوْن عنهم جميعًا، ويَكفُّون عما شَجَر بينهم، ولا يشركونهم مع الله.

أما شيعةُ الزور من الرافضة وغيرهم، فالرسولُ ﷺ‬ وآل بيته بريئون منهم؛ لعبادتهم لهم من دون الله، وسبِّهم لأصحاب رسول الله ﷺ‬ الذين مدَحَهم الله في كتابه في كثير من الآيات، مثل قوله – سبحانه -: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] الآية، وقوله – سبحانه -: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، وقوله - تعالى - في المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8]، وقوله - سبحانه - في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]، وقوله - تعالى - في التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين: ﴿وَالَّذِينَ جاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]، نسأل الله - تعالى - أن يجعلَنا منهم، آمين.

ومع هذا، فإنَّ الإمام يرى أنَّ محبَّة النبي ﷺ‬ التي هي دون محبَّة الله - تعالى - وتابعة لها، يرى أنَّه يجب أن تكون فوقَ محبة النفس والأهل، والولد والمال، والناس أجمعين، ويرى أنَّ بُغض النبي ﷺ‬ أو بُغض دِينه، أو بَعْض دِينه نفاقٌ اعتقاديٌّ يُخرج صاحبَه من مِلَّة الإسلام، ويخلِّده في النار، ويرى أنَّ الصلاة على النبي ﷺ‬ متأكِّدة عند ذِكْره، ويرى أنها رُكن من أركان الصلاة في التشهُّد الأخير، كما صرَّح بذلك في كتابه: "آداب المشي إلى الصلاة"، ويرى أنَّ في الإكثار منها فضلاً عظيمًا، كما دلَّتْ على ذلك الآيات والأحاديث.


زيارة القبور الشرعية والبدعية والشركية

وبيَّن - رضي الله عنه - : أنَّه لا يَمنع زيارةَ القبور الشرعية، بل يفعلها ويدعو إليها؛ عملاً بقوله ﷺ‬ : ((كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور، ألاَ فزوروها، فإنَّها تُذكِّرُكم الآخرة) وبيّن أنها التي يَقصِد بها الزائر ثلاثةَ أمور: الأول: سلامه على الميِّت أو الأموات، ودعاؤه لهم، ولو كان الميِّت أفضلَ منه؛ لأنَّ الميِّت قد انقطع عملُه، وينتفع بدعاء الحي.

 الثاني: تذكُّر الزائر الآخرةَ، والاستعداد للموت.

 الثالث: إحسان الزائر لنفسِه، لكي ينالَ أجْر زيارته إن شاء الله.

الزيارة البدعية:

أما الزيارة البدعيَّة، فهي من أجْل أن يتبرَّك الزائر بالميِّت، أو من أجْل أن يدعوَ الله لنفسه عندَ قبره، ظنًّا منه أنه محلُّ إجابة، وهذه الزيارة بِدعة محرَّمة؛ لمخالفتها لقول الرسول ﷺ‬ وفعله، وهي على هذه الصِّفة وسيلةٌ إلى الشرْك، ولا يرى جوازَ شدِّ الرِّحال إلى القبور؛ لنهي النبي ﷺ‬ عن ذلك، ومنه ما ثَبَت في "الصحيح": أنَّه ﷺ‬ قال: ((لا تُشدُّ الرِّحال إلاَّ إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) أي: لا يسافر المسلِم إلى مكان من أجْلِ عبادة الله - تعالى - فيه سوى هذه المساجد الثلاثة؛ ولذا كَرِه السلف الصالح أن يَقصِد الإنسان بزيارته المدينةَ قبرَ النبي ﷺ‬ قبل وصوله إليها، ويقول: أنا قاصِد الرسول، وإنما السُّنة أن يقصِد زيارةَ المسجد النبويِّ للصلاة فيه، ثم بعدما يؤدِّي تحيةَ المسجد يأتي القبرَ الشريف، ويُسلِّم على المصطفى ﷺ‬ وعلى صاحبيه؛ لأنَّه صار حاضرًا، ولم يشدَّ الرحل لزيارة القبر ابتداءً، أما ما يوجد مِن نيَّة زيارة القبر بعدَ الوصول إلى المسجد، فهذه لا مانعَ منها، بل إنها مشروعة.

الزيارة الشركية:

أما زيارة القبور من أجْل الاستغاثة بأهلها، وطلب الحاجات منهم، والتوسُّط بهم عند الله، وما ينضمُّ إلى ذلك من طواف بها، وذبْح على أعتابها، وتقديم النذور لها، فهذه زيارةٌ شِركيَّة محضة، وهي زيارة مشركي الجاهلية، والمشركين المنتسبين إلى الإسلام، وفاعلُها مأزورٌ غير مأجور، بل مشرِك بالله كافِر به، يُستتاب، فإن تاب ووحَّد الله، وإلاَّ قُتِل؛ لأنَّه كافر بالله، والنبيُّ ﷺ‬ والأولياءُ حقًّا بريئون ممن يفعل ذلك، أمَّا مَن يرضى بذلك، ويرى حِلَّه ومشروعيته، فهو طاغوتٌ مشرِكٌ بالله، مِن الدعاة إلى النار - والعياذ بالله.


تحريم بناء المساجد على القبور والبناء عليها وسترها وإنارتها

وبيَّن الإمام - رضي الله عنه - السُّنة في القبور: بألاَّ يُزادَ على ترابها، ولا يُبنَى عليها، ولا تُجصَّص، ولا تُلْقى عليها الستور، ولا تُبخَّر، ولا يُكتب عليها، إلا حجرًا ونحوه يوضع عندَ رأس القبر؛ ليكونَ علامةً يعرف به، كما فعل ﷺ‬ ذلك بقبر عثمان بن مظعون، وقال: ((أعرِفُ به قبر أخي))، وذلك لِمَا ثبت في الأحاديث الصحيحة من نهيه ﷺ‬ عن ذلك، وقد شَدَّد ﷺ‬ في بناء المساجد عليها، ولَعَن مَن فعل ذلك، وبيَّن أنه هَديُ اليهود والنصارى، وأنَّ من يفعل ذلك شرارُ الخلق يوم القيامة، وذلك لِمَا في هذا الصنيع من ذرائع الشرك، والغلو الذي نهى الله عنه.

كشف شبهة وجود قبر النبي ﷺ‬ وصاحبيه في المسجد

أما وجودُ قبر النبي ﷺ‬ داخل المسجد، فذلك لا حُجَّة فيه لأحد، للأمور الآتية:

الأول: أنَّه كان خارجَ المسجد في عهد الخلفاء الراشدين وصَدْر خلافة بني أُمية، وإنَّما الذي أدخله الوليدُ بن عبدالملك لَمَّا بنَى المسجد ووسَّعه، وهو تصرُّف أنكره السلف، لكنَّهم تركوه خشيةَ الفِتنة.

الثاني: أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يُدفَن في المسجد، وإنما دُفِن في بيته الذي مات فيه - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - وهو حُجرة عائشة، وكان خارجَ المسجد، وكان ذلك بناءً على ما ثبت عنه ﷺ‬ : ((أنَّ الأنبياء يُدفَنون حيث ماتوا)).

الثالث: لكي يكون على مقربةٍ من الصحابة - رضي الله عنهم - حتى لا يأتي زنديقٌ أو مشرِك أو غيرهما، فيعبده جهلاً، أو ليُضلَّ الناس، أو يعبث به بنبشه، ونحو ذلك، ولذا نرى أنَّ عليَّ بن الحسين - رضي الله عنه - انتهر الرجل الذي رآه يُطيل الوقوفَ عنده، كما تقدَّم بيان ذلك.

ويرى الإمام محمد بن عبدالوهاب: أنَّه يجب احترامُ المسلِم ميتًا، كما يجب احترامه حيًّا، وأنَّ كسْر عظمه ميتًا ككسر عظمه حيًّا، وأنه لا يجوز الجلوسُ على قبر المسلِم، ولا التبوُّل في المقبرة، ولا المشي فيها بالنِّعال، إلاَّ لضرورة، كوجود شوك أو حرّ، أو نحو ذلك.


الشرك الأكبر والأصغر

وقد بيَّن في رسائله أنواعَ الشرك الأكبر بأدلتها: وهي شرْك دعاء غير الله تعالى، وشرْك الطاعة؛ وهو طاعةُ الرؤساء وعلماء السوء في تحريم ما أحلَّ الله، أو تحليل ما حرَّم الله، أو الحُكم بغير ما أنزل الله، وشِرْك المحبَّة مع الله، وقد تقدَّم بيانُ هذه الأنواع، وشرْك الإرادة والقصْد، وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وبيَّن الفرق بيْنه وبيْن الشِّرْك الأصغر؛ بأنَّ الأكبر يُخرِج صاحبَه من مِلَّة الإسلام، ويُحبِط جميعَ حسناته، ويخلد صاحبه في النار إذا مات ولم يَتُب ويخلص دِينَه لله - عزَّ وجلَّ.

أما الشِّرْك الأصغر، فهو ما دون الأكبر، وهو الذي لا يُخرِج صاحبَه من ملة الإسلام، لكنَّه أعظم الكبائر، ولا يغفره الله إلا بالتوبة؛ لقوله – تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، لكن صاحبه لو عُذِّب لم يخلد في النار، وهو يُبطِل العملَ الذي يَدخُله فقط؛ لقوله ﷺ‬ فيما يرويه عن ربِّه – - عزَّ وجلَّ - في الحديث القدسي: ((أنا أغْنَى الشركاء عن الشِّرْك، مَن عمِل عملاً أشرك معي فيه غيري تركتُه وشِركَه) ومثاله: الرِّياء القليل، كتزيين الرجل صلاتَه لِمَا يرى من نظر آخر، أو زيادته في الصَّدقة لكي يُمدح، أو أن يطلب الرجل وظيفةَ الأذان أو الإمامة من أجْل الوقف أو الراتب، لا رغبةً في الأجْر، أو أن يحجَّ عن الغَيْر من أجْل المال، لا رغبة في الحجّ، والفرْق في ذلك ما ذكره شيخُ الإسلام ابن تيمية - رضي الله عنه - وهو إباحة الأخْذ لِمَن أخذ ليحجَّ أو يؤذِّن أو يؤمّ الناس لحبِّه لذلك العمل الديني، وهو أهْلٌ له، أما مَن صلى بالناس، أو أذَّن، أو حجَّ لكي يأخذ، فهذا مِن الشرْك، وأخْذ المال عليه حرام.

ومن أمثلة الشرك الأصغر أيضًا: الحَلِف بغير الله، لقوله ﷺ‬ : ((مَن حَلَف بغير الله فقدْ أشرك أو كفر) ومن أمثلته: قول: "ما شاء الله وشئت يا فلان"، و"لولا الله وأنت"، والتوحيد أن يقول: "ما شاء الله ثم شئت"، "لولا الله ثم أنت"؛ لأنَّ "واو العطف" تقتضي التسوية، و(ثم) تقتضي الترتيب والتعقيب.

 ومن أمثلته: التطيُّر والتشاؤم كما هي عادة أهْل الجاهلية، ومنها: تعليقُ التمائم، ولبْس الحلْقة؛ خوفًا من العَيْن أو المرض، وقد بيَّن - رضي الله عنه - هذه الأمورَ وغيرها مُفصَّلة، مقرونةً بالأدلَّة من القرآن والسنة في كتبه ورسائله، وخصوصًا في كتابه المشهور: "كتاب التوحيد الذي هو حق لله على العبيد".


النفاق الاعتقادي والعملي

وبيَّن النِّفاقَ الاعتقاديَّ الذي يخرج صاحبه من ملَّة الإسلام، ويُخلِّده الله به في النار إذا لم يتب؛ وهو: بُغض الرسول ﷺ‬ أو بغضه دِينَ الرسول ﷺ‬ أو بعضه، أو المسرَّة لانخفاض دِين الرسول ﷺ‬ أو الكراهية لانتصار دِين الرسول ﷺ‬ كما هي حالُ المنافقين في عهْد الرسول ﷺ‬ وحال الماسونيِّين والعلمانيِّين في زماننا هذا.

وبيَّن النِّفاق العملي، الذي لا يخرج صاحبه من ملَّة الإسلام؛ لسلامة قلْبه من النفاق الاعتقادي، وإنما يقع فيه شهوةً وطمعًا، أو خوفًا دون الإكراه؛ وهو الكَذِب، وإخلاف الوعد، والفجور في الخُصومة.


رد البدع وكشف شبهات المبتدعين

وبيَّن الإمام - رضي الله عنه - البِدعَ الصُّغْرى، التي دون البِدع المكفِّرة أو الكبيرة، وبيَّن تحريمها، وأنَّ الإصرار عليها بعدَ العِلم بتحريمها يُصيِّرها من الكبائر، وذلك مثل بدعة عِيد مَوْلد الرسول ﷺ‬ الذي أحدثه الفاطميُّون الضلاَّل، ومن قلَّد اليهود والنصارى من المجاورين لهم، وما يحصل في ذلك الاحتفال مِن اعتقادات ومقالات شركيَّة، وأفعال محرَّمة ومكروهة، والذين يُقيمون تلك الاحتفالاتِ بعِيد مولد الرسول ﷺ‬ هم مِن أبعد الناس عن سُنَّته، والاهتداء بهديه باطنًا وظاهرًا، يَدَّعون حبَّ الرسول ﷺ‬ ويَنقُضون ذلك بمخالفته، وعدم التأسِّي به، فأكثرُهم لا يصلُّون، ولا يُحكِّمون شريعتَه، ولا يحبُّون أولياءه، بل يعادونهم، ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ويَحلِق أكثرُ رجالهم اللِّحَى، ويُسبلون الثِّياب، وتتبرَّج بالزينة أكثرُ نسائهم أمامَ الرجال، بل إنَّ بعضهنَّ يتهتكنَ فيظهرن أمامَ الرِّجال كاسياتٍ عاريات، وتخلو الواحدةُ منهنَّ بالرجل الذي ليس مَحْرمًا لها، ويتشبَّه أولئك العصاة بأعداء الله، فليس لهم في الحقيقة نصيبٌ من اتِّباع الرسول ﷺ‬ وحبِّه إلا الادِّعاء، فهو بريء منهم، ومِن صَنيعهم وسِيرتهم.

أما أولياء الله - سبحانه - المحبُّون لله ولرسوله حقًّا، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون، وآل البيت والصحابة، ومَن تَبِعهم بإحسان، فإنَّهم لم يقيموا احتفالاً بعيد الموْلد، وإنما هم في عيد وفَرْحة به ﷺ‬ في كلِّ يوم، بل في كلِّ لحظة مؤكِّدين ذلك ومصدِّقينه باتِّباعه ﷺ‬ وتحكيم شريعته، والدعوة إلى ذلك، وحبِّ عباد الله الصالحين، وبُغضِ أعدائه، والجهاد في سبيله.

وهكذا بدعة المحمل في الحج؛ وهو ما تفعله بعضُ الدول قديمًا وحديثًا، من احتفال التوديع والاستقبال لحاجِّهم، وما يصحب ذلك من ضرْب بالطبول والموسيقى؛ وهي المعازِف التي حرَّمها رسولُ الله ﷺ‬ ونهى عنها.

ونهى - رضي الله عنه - عن البِدع التي أحْدَثها الصوفيُّون في الأذكار والصلاة والأذان، وغير ذلك، وبين أنَّها ضلالاتٌ ومنكرات تُبعِد عن الله ورسوله ودِينه، وأنَّ فاعلها مأزورٌ غير مأجور؛ لأنَّها تشريع لم يأذنْ به الله - سبحانه وتعالى - بل لأنَّها مُحدَثات، ورثها أصحابها عن اليهود والنصارى والمشركين، وما لم يرثوه عنهم منها أحْدثوه من عند أنفسهم لَمَّا زيَّن لهم الشيطان ذلك.

ومن تلك البدع؛ بدعة التبرُّك بالأشخاص والآثار، وهي إما شِرْك أو وسيلة إليه، بحسب مقاصِد فاعليها، ومعلومٌ بالنص والإجماع أنَّ الذي يبارك هو الله وحده، وأنه لا يعطي البركةَ إلاَّ هو سبحانه، فهو المتبارَك المبارِك.

وأما تبرُّك الصحابة - رضي الله عنهم - بشَعْر النبي ﷺ‬ ورِيقه وثيابه؛ فهذا خاصٌّ به ﷺ‬ في حياته، أما بعد موته ﷺ‬ فلم يتبرَّكوا بشيءٍ من آثاره غير ما بقي محفوظًا، كشَعْره أو ملابسه، أمَّا الأماكن التي صلَّى فيها في أسفاره، أو التي تعبَّد فيها قبل بَعْثته كغار حراء، أو مكان مولده ﷺ‬ فلم يقصدوا شيئًا من ذلك للتبرُّك به، أو التعبُّد فيه، بل إنَّ أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - لَمَّا رأى أفرادًا في السفر يقصدون شجرةً يصلُّون تحتَها، سألهم عن سبب ذلك، فقالوا: إنَّ رسول الله ﷺ‬ صلَّى تحتَها، فأمر - رضي الله عنه - بقطعها؛ سدًّا لذريعة الشرك، لعلمه بأنَّ الله - سبحانه وتعالى - ورسوله ﷺ‬ أمر باتِّباع الرسول ﷺ‬ في هديه وسُنَّته بطاعة أمره، واجتناب نهيه، ولم يأمرْ بتتبُّع آثاره، بل إنَّ رسول الله ﷺ‬ لَمَّا بُعِث لم يذهب - ولو مرَّة - إلى غار حراء، وخاصَّة بعدما نزلتْ عليه سورة المدثِّر، بل استقرَّ في مكة يدعو الناس إلى الله ليلَ نهارَ، حتى هاجر إلى المدينة.

ومِن البدع التي أحدثها الجُهَّال: بدعة المآتِم واستئجار مَن يقرأ القرآن للميِّت، وصنع الطعام مِن ميراثه، وقراءة الفاتحة له عندَ قبره، وقراءة الفاتحة بعدَ الدعاء بصِفة دائمة.

 ومنها: إحياء ليلة النِّصْف من شعبان، وصيام يوم النِّصْف منه، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، إلى غير ذلك.

وردَّ شُبهَ المبتدعين بالدليل من القرآن والسنة والإجماع، فمِن القرآن قوله – تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة: أنَّ دِين الإسلام كامل، والذي يأتي بشيء من العبادات زائدًا عمَّا شرعه الله - سبحانه - في كتابه أو سُنة نبيِّه ﷺ‬ يقول بلسان حاله: إنَّ هذا الدِّين ناقصٌ، وكماله بدعتُه التي ابتدعها، فهو في الحقيقة يتَّهم الإسلام بالنقص.

 وقال الله – تعالى -: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] الآية، والشاهد منها: أنَّ المبتدع لم يمتثلْ أمر رسول الله ﷺ‬ باتِّباع سُنته، والاكتفاء بما ثَبَت من قوله أو فعله أو تقريره، ولم يَنتهِ عن مُحْدثات الأمور، التي نهى عنها بقوله: ((عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين مِن بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار))، وقوله - عليه وعلى آله الصلاة والسلام -: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردّ) وفي رواية: ((مَن أحْدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ))، وهما في "الصحيح".

وأمَّا احتجاج المبتدعين بقوله – تعالى -: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27] الآية، فمردودٌ بأنَّ شرع مَن قبلنا ليس شرعًا لنا إذا أتى شرعُنا بخِلافه، وقد ثبت في القرآن والسُّنة النهيُ عن الابتداع في الدِّين، وأنه ضلالة، وقال رسول الله ﷺ‬ : ((لا رَهبانيةَ في الإسلام))، بالإضافة إلى أنَّ الإسلام كاملٌ لا نقصَ فيه، وناسخٌ لِمَا قبله، ويردُّ احتجاجهم بقوله ﷺ‬ : ((مَن سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة، كان له أجْرُها وأجْرُ مَن عمِل بها... الحديث)) بأنَّ مراد النبي ﷺ‬ بيِّنٌ واضح، وهو الدلالة على الخير، والتأسِّي بالرسول ﷺ‬ في فعْله والدعوة إليه؛ بأن يكون العبد قدوة في ذلك، لقوله ﷺ‬ : ((مَن دلَّ على خير، فله مِثل أجْر فاعله))، ومعلوم أنَّه لا خير إلاَّ دلَّ رسولُ الله ﷺ‬ أمَّتَه عليه، وله مِثْل أجر فاعليه إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيء، والدالُّ عليه مِن أمَّتِه له مِثْل أجور مَن دلَّهم، وعملوا به، دون أن ينقص مِن أجورهم شيء.

والسُّنَّة المشار إليها في هذا الحديث؛ هي الصَّدقة التي شَرَعها الله في جميع كُتبه، ودعا إليها رسولُ الله ﷺ‬ وليستِ البدعةَ التي نهى عنها، وذلك أنَّه ﷺ‬ لَمَّا دخل عليه في المسجدَ طائفةٌ من فقراء المسلمين الأعراب مجتابي النمار، يسترون بها عوراتِهم، رحمهم، وقام في أصحابه خطيبًا، وحثَّهم على الصدقة، فتتابعوا - رضي الله عنهم - كلٌّ بما يقدر عليه، حتى أتى أحدُهم بصُرَّة من الدنانير تكاد تَعجز عنها يدُه، فقال ﷺ‬ عندما رآها هذا الحديث، فدلَّ على أنَّ مراده: مَن صار قدوةً في الخير، وليس مَن ابتدع بدعة؛ لأنَّ الصدقة مشروعة لم يَسُنَّها ذلك الصحابي - رضي الله عنه - هذا مِن وجه.

 والوجه الثاني: أنَّ النصوص المتقدِّمة في النهي عند البِدعة، والدالة على كمال الإسلام تدلُّ على تحريم السُّنَّة المبتدعة، وكلام الله - تعالى - وكلام رسوله ﷺ‬ لا يتناقض، ولا يُضرَب بعضُه ببعض، بل يُجمع بين النصوص بما هو معروف من طرق الجَمْع عند أهل الأصول.

ويردُّ احتجاجهم بقول عمر - رضي الله عنه - في صلاة التراويح: "نعمتِ البدعةُ هذه": بأنَّ مراد عمر - رضي الله عنه - معروفٌ لدى جميع الصحابة - رضوان الله عليهم - وهو أنَّ صلاة التراويح سُنَّة سنَّها رسول الله ﷺ‬ وذلك أنَّه - عليه الصلاة والسلام - صلى بالناس ثلاث ليال، ولم يخرج عليهم في الرابعة، وذَكَر السبب في عدم خروجه؛ وهو خشيةُ أن تُفرض عليهم، فعُلِم بذلك أنَّ مدح أمير المؤمنين ذلك بكلمة "نعمت البدعة" إنما هو إنكارٌ على مَن وصفها بأنها بدعة، وهذا أسلوبٌ معروف في كلام العرب، فلو عَرَض إنسان سِلعةً طيِّبة للبيع، ولم يُعطَ فيها الثمن الذي تستحق، وقيل له: هل فيها عيْب؟ فإنه يجب بقوله: عيبها أنها رخيصة، أو طيِّبة سليمة، وأمثلة ذلك كثيرة في كلام العرب.

ويردُّ على شُبهة صيامه ﷺ‬ يومَ الاثنين معلِّلاً ذلك بأنَّه يوم وُلِد فيه، وصيامه يوم عاشوراء شكرًا لله إذ نجَّى نبيَّه موسى ﷺ‬ ومَن معه، ونحو ذلك بأنَّ هذا تشريعٌ في وقته قبلَ ختْم الوحي، والذي سَنَّه إنما هو رسول الله ﷺ‬ وقد أمرَنا الله ورسوله باتباعه، أما بعدَ موته ﷺ‬ بعد أن أكمل لهم دِينَه، فليس لأحد أن يبتدعَ عبادة لأنَّه استحسنها.

وتردُّ شبهتهم بأنَّ الصحابة جمعوا القرآن في مصحف واحد: بأنَّ هذا بأمر الرسول ﷺ‬ فهو الذي أَمَر كُتَّابَ الوحي بكتابة القرآن، وجَمْعُه بعد وفاته في مصحف واحد إكمالٌ لأمره بكتابته، إذ لا يُعقل أن يأمر بكتابته، ولا يأمر بجمعه تيسيرًا لقراءته وحِفظه، وأمره ﷺ‬ بكتابته متضمنٌ لجَمْعِه وحفظه.

ويردُّ على احتجاجهم ببدعة المنائر والمحاريب في المساجِد، واستحسان ذلك بين المسلمين: بأنَّ الأذان فوقَ الأماكن العالية، كأسطُح البيوت القريبة من المسجد مشروعٌ، وكان ذلك يُفعل في عهْد النبي ﷺ‬ فهو سُنَّة، وبناء منارة للأذان لكي يصلَ صوتُ المؤذِّن إلى أبعد ما يمكن، ليس ببدعة؛ لأنَّ البدعة ما ليس له أصْل في الشَّرْع.

وأما المحاريب؛ فإنها على قِسمين: فالذي بقدر ما يتميَّز به موقفُ الإمام وتوسطه في المسجد، وتُعرَف به قِبلة المسجد، فالأصلُ في ذلك المشروعية، أما ما أحْدَثه البعضُ من تعميق المحاريب، وإخراجها عن المسجد على هيئةٍ غير مقبولة شرعًا، ودخول الإمام فيها، فهذه مِن المبتدَعات، وقد نبَّه الفقهاءُ على ذلك بقولهم: ويُكرَه إمامته في الطاق ونحوه؛ لأنَّه يختفي عن ميمنة وميسرة الصفوف، وخصوصًا الأول.


ردُّه على مَن قال: إنكم تكفرون المسلمين

وردَّ قول خصومه بأنَّه يُكفِّر المسلمين: بأنه لا يكفِّر مسلمًا، وإنما يكفِّر مَن كَفَر بالله - تعالى - وقام الدليلُ من الكتاب والسُّنة على كُفْره بإجماع العلماء من كلِّ مذهب من مذاهب أهل السنة، كما هو مبيَّن في كتب الفقه المعتبرة، وذلك برِدَّتِه عن الإسلام صراحة، أو بارتكابه ناقضًا من نواقضه المجمَع عليها، ثم إنه لا يكفِّر مَن ارتكب ناقضًا جهلاً أو نسيانًا، حتى يدعوَه إلى التوبة، ويقيمَ عليه الحُجَّة بالبيان له، فإن لم يتب بعدَ إقامة الحُجَّة عليه كفَّره، وأفتى بإقامة حدِّ الرِّدَّة عليه، وجهاده إن كانوا جماعةً ممتنعة، كما هو فِعْلُ رسول الله ﷺ‬ وخلفائه الراشدين مع المرتدين.


وفيما يلي النواقض العشرة التي أفردها في رسالة مستقلة

الأول: الشِّرْك في عبادة الله، قال الله – تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، وقال – تعالى -: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72]، ومنه الذبْح لغير الله، كمَن يذبح للقبر أو للجِنّ.

الثاني: مَن جعل بينه وبين الله وسائطَ، يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكَّل عليهم، كَفَر إجماعًا.

الثالث: مَن لم يكفِّر المشركين، أو يشكّ في كفرهم، أو صحَّح مذهبهم، كَفَر.

الرابع: مَنِ اعتقد أنَّ غير هَدي النبي ﷺ‬ أكملُ من هديه، أو أنَّ حُكمَ غيره أحسنُ مِن حُكمه، كالذي يفضِّل حُكمَ الطواغيت على حُكمه، فهو كافِر، وقد بيَّن في مواضعَ أخرى: أنَّ مَن استحلَّ الحُكمَ بغير ما أنزل الله يكفر، ولو قال: إنَّ حُكمَ الله ورسوله هو الأفضل، وهذا مما اتَّفق عليه أهلُ العلم، أما مَن حكم بغير ما أنزل الله، لشهوةٍ أو رِشوة أو هوى، مع اعتقاده تحريم ذلك، وأنَّ الحق هو في الحُكْم بما أنزل الله تعالى، فهو الفاسِق الظالِم.

الخامس: مَن أبغض شيئًا ممَّا جاء به الرسول ﷺ‬ ولو عَمِل به، كفر.

 وقد وضَّح في رسالته أنواعَ النفاق الاعتقادي وغيرها، والمراد بالبُغْض هنا بغض النِّفاق والكراهة لدِين الله، وليس الكراهةَ الناتجة عن الكَسَل أو التعب مع إيمان القلب بالله ورسوله ودِينه، وحبه لذلك، والمراد بقوله: ولو عمل به؛ أي: عمل نفاقًا ورِياء، وهو غير مؤمِن بذلك، ولا محب له.

السادس: مَن استهزأ بشيء مِن دين الإسلام، أو ثوابه أو عقابه، كَفَر.

والدليلُ قولُه تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65، 66]، وذلك بعد عِلْمه بأن ما استهزأ به مِن الدِّين، أما إذا لم يعلم فلا يكفر، إلاَّ بعدَ البيان له، واستتابته فلم يتب.

السابع: السِّحْر؛ ومنه الصَّرْف والعطف، وما يُفعل للإضرار، فمَن فعله، أو رضي به، كَفَر، والدليلُ قوله – تعالى -: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102].

الثامن: مُظاهرةُ المشركين - أو الكافرين عمومًا - ومعاونتهم على المسلِمين مختارًا، والدليلُ قولُه – تعالى -: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51].

التاسع: مَنِ اعتقد أنَّ بعض الناس يسعه الخروجُ عن شريعة محمَّد ﷺ‬ كما وَسِع الخَضِر الخروجُ عن شريعة موسى - عليه الصلاة والسلام - فهو كافِر.

العاشر: الإعراضُ عن دِين الله تعالى؛ لا يتعلَّمه ولا يعمل به، والدليل قوله – تعالى -: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22].

ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازِل والجاد، والخائِف إلاَّ المكره، وكلُّها من أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر وقوعًا، فينبغي للمسلِم أن يَحذرَها، ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجِبات غضبه، وأليم عِقابه.

وبيِّن في جملة من رسائله لتعليم العامَّة: الأصول الثلاثة التي يجب على كلِّ عاقل أن يعرفها، وأن يعمل بها، وهي معرفة الله تعالى، ومعرفة نبيِّه محمد ﷺ‬ ومعرفة ما يلزم من دِين الإسلام بالأدلَّة.


دعوة الإمام العلماء وطلاب العلم إلى معرفة دين الإسلام بأدلته ونهيه عن التقليد الأعمى

وبيَّن - رحمة الله تعالى عليه - حقيقةَ دعوته، والأصول التي يدعو إليها، كما دعا إليها القرآنُ والسُّنة، مما له تعلُّق بأحوال الأمَّة الإسلامية، عقيدةً وسياسةً واجتماعًا، وغير ذلك، فقال: مِن أعْجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاَّب، سِتَّة أصول بيَّنها الله - تعالى - في كتابه بيانًا واضحًا للعوام فوقَ ما يظن الظانُّون، ثم بعد هذا غَلِط فيها أذكياءُ العالَم، وعقلاءُ بني آدم إلاَّ أقل القليل:

الأصل الأول: إخلاص الدين لله - تعالى - وحدَه لا شريك له، وبيان ضِدِّه الذي هو الشِّرْك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتَّى بكلام يفهمه أبلدُ العامة، ثم صار على أكثرِ الأمَّة ما صار، أظهر لهم الشيطانُ الإخلاصَ في صورة تنقُّص الصالحين، والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشركَ بالله في صورة محبَّة الصالحين واتباعهم.

الأصل الثاني: أَمَر الله بالاجتماع في الدِّين، ونهى عن التفرُّق، فبيَّن الله هذا بيانًا شافيًا تفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرَّقوا واختلفوا قَبلَنا فهلكوا، وذكر أنَّ الله أمر المسلمين بالاجتماع في الدِّين، ونهاهم عن التفرق فيه، ويزيده وضوحًا ما وردتْ به السنة من العجب العجاب في ذلك، ثم صار الأمر إلى أنَّ الافتراق في أصول الدِّين وفروعه هو العِلم، والفِقه في الدِّين، وصار الأمر بالاجتماع لا يقوله إلاَّ زنديق أو مجنون!

الأصل الثالث: أنَّ مِن تمام الاجتماع السمْعَ والطاعة لمن تأمَّر علينا، ولو كان عبدًا حبشيًّا، فبيَّن النبي ﷺ‬ هذا بيانًا شائعًا ذائعًا بكلِّ وجه من أنواع البيان شرعًا وقدرًا، ثم صار هذا الأصلُ لا يُعرف عند أكثر من يدَّعي العلم، فكيف العمل به؟!

الأصل الرابع: بيان العلم والعلماء، والفِقه والفقهاء، وبيان مَن تشبَّه بهم وليس منهم، وقد بيَّن الله - تعالى - هذا الأصل في أوَّل سورة البقرة من قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 40] إلى قوله قبل ذكْر - إبراهيم - عليه السلام - : ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: 122] الآية، ويزيده وضوحًا ما صرَّحتْ به السُّنة في هذا الكلام الكثير البيِّن الواضح للعامِّي البليد، ثم صار هذا أغربَ الأشياء، وصار العلم والفقه هو البدعَ والضلالات، وخيار ما عندَهم لبس الحق بالباطل، وصار العلم الذي فرَضَه الله - تعالى - على الخَلْق ومدحَه لا يتفوَّه به إلاَّ زِنديق أو مجنون، وصار مَن أنكره وعاداه، وصنَّف في التحذير منه، والنهي عنه هو الفِقيهَ العالم!!

الأصل الخامس: بيان الله - سبحانه - لأوليائه وتفريقه بينهم، وبين المتشبِّهين بهم من أعداء الله، والمنافقين والفجَّار، ويكفي في هذا آيةٌ في "آل عمران"، وهي قوله – تعالى -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31] الآية، وآية في "المائدة"، وهي قوله – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54] الآية، وآية في "يونس"، وهي قوله – تعالى -: ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62، 63].

 ثم صار الأمرُ عند أكثر من يدَّعي العلم، وأنَّه من هُداة الخلق، وحفَّاظ الشرع، إلى أنَّ الأولياء لا بدَّ فيهم من ترْك اتباع الرسل، ومَن تَبِع الرسل فليس من أولياء الله! يا ربَّنا، نسألك العفو والعافية، إنَّك سميع الدعاء.

الأصل السادس: ردّ الشبهة التي وضعَها الشيطان في ترْك القرآن والسُّنة، واتباع الآراء والأهواء المتفرِّقة المختلفة؛ وهي - أي: الشبهة التي وضعها الشيطان - هي أنَّ القرآن والسنة لا يعرفهما إلاَّ المجتهدُ المطلَق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافًا، لعلَّها لا توجد تامَّة في أبي بكر وعمر، فإن لم يكن الإنسانُ كذلك، فليعرض عنهما فرضًا حتمًا، لا شكَّ ولا إشكالَ فيه، ومَن طلب الهُدى منهما، فهو إما زِنديق وإما مجنون؛ لأجْل صعوبتهما! سبحان الله وبحمده.

 والأمر بردِّ هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتَّى، بلغتْ إلى حدِّ الضروريات للعامَّة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 187]، ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: 7 - 11].


 الفصل الثالث في بيان الجانب السياسي لدعوة الإمام دعوة الإمام إصلاح، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، لا خروج على الخِلافة.

وأمَّا قيام الإمام محمَّد بن عبدالوهاب، والأمير محمد بن سعود، وذريتهما من بعدهما بالدعوة إلى الله تعالى، ونشْر توحيده ببلاد نجد، ثم بما وصلتِ الدعوة إليه بعدَ ذلك من البلدان بعدَ فتْح مكة والمدينة، وما يتبعهما والأحساء، وبلاد عسير وتهامة، وبلاد عمان، وتجهيز الجيوش لنشْر دِين الله ومحاربة الشِّرْك وأهلِه المعاندين الرافضين لقَبول الحق، هذا القيام لنصْر دِين الله وتجديده، ليس خروجًا على الخِلافة العثمانية، ولا تفرُّدًا بالسلطة، كما زَعَمه الجهَّال والمغرِضون، وإنما هو تجديدٌ للدِّين الإسلامي، وإصلاح للأوضاع الفاسدة، وأمرٌ بالمعروف ونهي عن المنكر، وهذا واجبٌ على كلِّ مسلم أن يقوم به داخلَ بيته وخارجَه على الوجه الشرعي، عملاً بالآيات والأحاديث الموجِبة لذلك، وهي أكثرُ من أن تحصَر، وهو عملٌ يجب على الدولة العثمانية والأشراف الحاكمين في مكة والمدينة والطائف، وغيرهم من الرؤساء والولاة أن يقوموا به، ولَمَّا لم يُوفَّقوا للقيام به، كان من الواجب المحتَّم عليهم أن يشكروا الإمامَ محمد بن عبدالوهاب، وأمراءَ آل سعود على القِيام به، وأن يناصروهم، علمًا أنَّ الإمام والأمير في بداية دعوتهما وجهادهما لم يُندِّدَا بالدولة العثمانية، ولم يتعرضَا لها، لأمرين:

الأول: أنَّ دعوتهما إصلاحية خالصةٌ لله - تعالى - موافقة لسُنَّة نبيِّه ﷺ‬ يُراد بها نصرُ الدين، وإصلاح الأوضاع الفاسدة، ونشْر الأمن والمحبَّة، والاجتماع بعد الفُرْقة والخوف والشحناء.

والأمر الثاني: أنَّ الدولة العثمانية لم تأتِ لهما على بال، ولم يكن في حسبانهما أنها ستناهِض الحقّ؛ لأنها كما - سبق ذكره - بعيدةٌ كل البعد عن نجد وأهل نجد، ولا تدري ما يدور فيه، وليس لها والٍ عليه.

فلمَّا نصر الله دينَه، وصارتْ كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، بسبب دعوة هذا الإمام، ورفعتْ راية الجهاد لدِين الله - تعالى - وفتح الموحِّدون مكة والمدينة وغيرهما، تحرَّكتِ القوى السياسية، وتحرَّك أهل الشرك والبِدع من علماء السوء في مكة وغيرها، وأوْصلوا الأكاذيبَ، وقول الزور ضدَّ الإمامَين إلى السلطان في تركيا، ووصفوا الشيخَ بأنه صاحبُ مذهب خامس، وأنه مُبغِض للرسول ﷺ‬ وللصالحين، بحجَّة أنه ينهى عن دعائهم والتوسُّط بهم عندَ الله، ويأمر بهَدْم البناء الذي على قبورهم، ووصفوه والأميرَ بأنهما خارجانِ عن الولاية العامَّة.

وعندئذ كتب الشيخ الإمام، وكتب أبناؤه مِن بعده، وكتب الأمراءُ من آل سعود، وخصوصًا الأمير العالِم عبدالعزيز بن محمَّد بن سعود، أحد كبار تلامذة الإمام محمد بن عبدالوهاب، كتبوا دعوتَهم الإصلاحية إلى الحُكَّام الأتراك، وأمرائهم في مصر وغيرها، وإلى الأعيان من العلماء والوجهاء في الحجاز، وبيَّنوا أنَّهم لا يريدون إلاَّ أداء الواجب الذي أوجبَه الله عليهم، وهو تعليمُ الناسِ أمرَ دِينهم، وخصوصًا معنى الشهادتين الذي جَهِلوه، ووقعوا بسبب الجهل به في الشِّرْك، واتباع غير الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.

ولكنَّ الغالب على الدولة العثمانية، وعلى أكثر سلاطينها وأمرائها فسادُ العقيدة، والوقوعُ في الشِّرْك والبِدع والمعاصي، بل ويُشجِّعون على نشْر الشرك والبدع، باسم التوسُّل إلى الله، وطلَبِ الشفاعة، وإكرام الصالحين، بل وكانوا يبنون القِبابَ والمساجد على القبور، ويجعلون لها السَّدنة، ويكتبون عليها وعلى واجهات المساجد عباراتِ الشرك الأكبر، مثل: دعاء الرسول ﷺ‬ والاستغاثة به، ووصْفه ببعض صفات الله، كما هو موجودٌ في الكتابات التي كتبوها في واجهات المسجد النبويِّ بعد عمارتهم له، والتي طمَسَها الموحِّدون فيما بعد.

 هذا بالإضافة إلى تقليدهم النصارى في زخرفة المساجد كما تزخرف الكنائس؛ جهلاً منهم بسُنَّة النبي ﷺ‬ في ذلك، بالإضافة إلى السماح بالبِدع، وترْك علماء السوء والسَّحَرة والكهنة يعيثون في الأرض فسادًا في الاعتقاد والمال، وغير ذلك.

لهذا الفساد السائدِ في معتقَد أكثر ولاة الدولة العثمانية وأمرائهم في مصر والحجاز وغيرهما، لم يقبلوا نصائحَ الإمام محمد بن عبدالوهاب وأبنائه العلماء، وأنصارهم مِن أمراء آل سعود، ولم يَقْبَلوا بيانَهم لأسباب دعوتهم الإصلاحية المحضة، بل طلبوا منهم أن يرجعوا عن ذلك، ولا يمنعوا الشِّرْكَ والبِدع، وهدَّدوهم بالحرب، وحينئذ، وبعد أن أقاموا الحُجَّة على مَن أعلن المحادَّة لله - تعالى - من سلاطين آل عثمان وأمرائهم في مصر وغيرها، أفتى الإمامُ ومَن بعدَه مِن العلماء الأعلام من أهل التوحيد مِن أبناء الشيخ وغيرهم، بوجوب الاستمرارِ في الدعوة إلى توحيد الله - تعالى - ومحاربة الشرْك، والعمل على نشْر الأمن، والحُكم بما أنزل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الله، ورَفْع راية الجهاد لمحاربة مَن يصدُّ عن سبيل الله، كائنًا من كان.

هذا هو السبب الحقيقيُّ للخلاف بين الإمام محمَّد بن عبدالوهاب وأبنائه وعلماء نجد وأمراء آل سعود الأوائل مِن جهة، وبين السلطنة العثمانية وأمرائها في مصر والحجاز وغيرهم مِن جهة آخرى، فهو خِصامٌ في الله، قائم بين الموحِّدين لله - تعالى - المتَّبِعين لرسوله محمد ﷺ‬ وبين المشركين بالله، الداعين إلى الشِّرْك به، واتباع مشائخ الضلال، ولكن الجهال من الكتَّاب والقاصرين في العِلم الذين يعيشون في بلاد الشرك ويألفونه؛ لأنهم تربَّوْا عليه، وَوجدوا عليه آباءَهم وعلماءهم، إلا مَن عصم الله، هم الذين يُضلِّلون الإمام محمد بن عبدالوهاب، ويصفون دعوتَه وقيام دولة التوحيد خروجًا على الخِلافة، ظنًّا منهم أنَّ الخلافة الإسلامية هي التسمِّي بالإسلام، وأداء شعائره الظاهرة، كالنُّطق بالشهادتين، والصلاة والصيام، والزكاة والحج، والقضاء وجهاد الكفار، وحماية بلاد المسلمين منهم فقط، ولم يعلموا أنَّ معرفة معنى الشهادتين، والعمل به بتحقيق التوحيد لله - تعالى - في جميع أنواع العبادة التي أعظمُها الدعاء والذبْح والنذر، والتوكُّل والمحبَّة، والرغبة والرهبة، والتوبة والإنابة، والخشية والخشوع، وبتحقيق المتابعة لرسول الله ﷺ‬ لم يعلموا أنَّ تحقيق هذين الأصلين العظيمين هو الأصلُ والأساس للإسلام، وأنَّه لا إسلامَ إلاَّ بذلك، ولا قيمةَ لصلاة المشرك وصيامه وحَجِّه وجهاده؛ لأنَّ عمله حابط بالشرك، والدليل قوله – تعالى -: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]، وقوله – تعالى -: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88].

وإذا قامتْ دولةٌ مهما كانت قويَّة، وتنتسب إلى الإسلام، وتدعو إليه، وتظهر الولاء والنصرة للمسلمين، وتقاتل باسمِ الجهاد في سبيل الله، ولكنَّها مشرِكة بعبادة زعمائها من العلماء والحكَّام، بتقديسهم وطاعتهم في تحريم ما أحلَّ الله أو تحليل ما حرَّم الله، وذلك بما يبيحونه، بل ويأمرون به في خُطبهم ومؤلَّفاتهم من الاستغاثة بالرسول، وبالأئمَّة من آل البيت - رضي الله عنهم - وغيرهم، واتِّخاذهم وسائطَ عند الله، يطلبون منهم الشفاعةَ، وقضاء الحوائج، وتفريجَ الكروب، ويَنذرون لهم، بل منهم مَن يذبح لهم، ويبنون على قبورهم المساجد والقِباب ويطوفون بها، كل ذلك باسمِ التوسُّل بهم عند الله، وأن يقرِّبوهم إلى الله زُلْفى، كما هي حال مشركي الجاهلية الأولى مع آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وبما يدعو أولئك الزعماءُ إليه من البِدع المنكرة، كإقامة المآتِم والنياحة فيها، وإقامة الأعياد المبتدَعة، مستدلِّين على ذلك الشرك وهذه البدع باتِّباع المتشابه ابتغاءَ الفِتنة، وابتغاءَ تأويله، ويفترون على الله الكَذِب بتأويل النصوص بغير معانيها، ومصادمة النصوص الكثيرة الصريحة بها، والمصرِّحة بأنَّ ما يقولونه ويفعلونه مع الأموات والغائبين من دعائهم واتِّخاذهم وسائطَ عند الله، والطلب منهم - شرْكٌ عظيم بالله، إذا قامت دولةٌ مشركة كما سبق وصفُها، فليستْ في الحقيقة دولةً إسلاميَّة، وإنما هي دولة شرك وخُرافة، والدين الإسلامي منها براء، حتى توحِّدَ الله، وتتوب إليه مِن شركها وضلالها.

وقد نصر الله - سبحانه - دِينَه، وقامتْ دولة التوحيد بقيادة الإمام المجدِّد محمد بن عبدالوهاب، وأمراء الدور الأول للدولة السعودية، وهم محمَّد بن سعود، وابنه عبدالعزيز، وحفيده سعود، ولم تستطعْ قوى الشرك النيلَ منها، وكانت لهم السيطرةُ على الجزيرة العربية بما في ذلك بلاد الحرمَين وأطراف الشام والعراق، وقد أطال الله عُمرَ الشيخ الإمام، حتى شاهدَ هذا الانتصار والانتشار لدعوة الحق، التي هداه الله إليها، ورأى الوافدين من طلاَّب العِلم الصحيح، الموروث عن المصطفى ﷺ‬ يَفِدون من أكثر أنحاء العالَم إلى الدرعية عاصمة دولة التوحيد؛ لتلقِّي العلم بالقرآن والسُّنة، وصارتِ الدرعيةُ أكبرَ بلد عِلمي شرعي وسياسي إسلامي، وأكبر مركز تجاري في الشرْق الأوسط آنذاك.

 وكان الشيخ الإمام يُكثِر في آخر عمرِه من هذا الدعاء: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15]، وتوفاه الله راضيًا مرضيًّا عن عمر يُقارِب 92 عامًا.

وفي الدور الثاني من أدوار الدولة السعودية، وبعدَ وفاةِ الإمام والأمراء الثلاثة الذين بهم انتهى الدول الأول، وقع أكثرُ الناس في الترَف، وانشغلوا بالدُّنيا، وشُغِلوا عن الجِهاد في سبيل الله، وتَبِع ذلك ما تَبِعه مِن فسق العصاة، فكان ذلك سببًا في تسلُّط الأعداء على أهل نجد عامَّة، والأمراء والعلماء خاصَّة، وأمرتِ الدولة العثمانية حاكمَها في مصر محمد علي أن يُجهِّز الجيوش؛ لإخضاع الدِّرعية، وما يتبعها من الأقاليم، وأمدتْه بمزيد من الجنود الأتراك والعتاد الحربي، بما في ذلك المدافِع والبنادق الحديثة، وتتابعتِ الحملات والوقائع بين أمراء آل سعود والغُزاة، حتى انتهت بالجيوش التي قادَها إبراهيم باشا، وحاصر بها الدرعية سِتَّة أشهر دون طائل، رغم ما رمَى أسوارها ومساكنها به مِن قذائف المدافِع الفُولاذية الهدَّامة، والتي أُتِي إلى الشيخ الجليل عبدالله بن الإمام محمد بن عبدالوهاب، وكان كفيفَ البصر، أتي إليه بعدد منها ليلمسَها، وقالوا له: انظر كيف يَرمي هؤلاء الأعداء المشرِكون المسلمين بالقذائف، فصار يلمسها، ويقول: سبحان الله، ما أكبر هذا الثمرَ وما أثقلَه!! فقال له: ليس هذا ثمرًا، وإنما هو قُلل حديد تَرمي بها المدافع، فردَّ عليهم بقوله: إنها ثمرُ المعاصي، هذا مِصداق قول الرب - عزَّ وجلَّ - في الحديث القُدسي: ((مَن عصاني وهو يعرفني سلطتُ عليه مَن لا يعرفني)).

وانتهى الحِصار باحتلال الدرعية نتيجةَ خيانة أحد الحاقدَين الفُسَّاق، الذي دلَّ جنود إبراهيم باشا على المدخل الخفي إلى البلد، وقبل الاحتلال حصلتْ معركةٌ عظيمة، قادها الأميرُ عبدالله بن سعود عند مدخل الدِّرعية، فكان في مقدمة المقاتلِين، حتى استُشِهد - رحمة الله عليه - وقتل إبراهيم باشا بعضًا من أعيان العلماء، أشهرهم العلاَّمة المجاهِد سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، صاحب كتاب "تيسير العزيز الحميد بشرح كتاب التوحيد" لجَدِّه الإمام المجدِّد، وصاحب المؤلَّفات القيِّمة النافعة، وكان قبل قتْله يدعو إبراهيم باشا ومَن حوله من قوَّاد جيشه وجنده، إلى التوحيد وطاعةِ الله، فأمر إبراهيم باشا أن تُضرَب الموسيقى والطبل والعُود أمامَه، فأنكر ذلك، وكان غيورًا لا تأخُذه في الله لومةُ لائم، ثم أمر به في النهاية أن يجعل غرَضًا يرميه الجنود، حتى مات شهيدًا إن شاء الله، تغمَّده الله برحمته، وأسكنه فسيح جناته، وكان عمره ثلاثًا وثلاثين سَنَة، ثم أمر إبراهيم باشا بإحضار والدِه عبدالله المتقدِّم ذكرُه، فقال له: قتلْنَا ولدَك يا عجوزة، فردَّ عليه قائلاً: لو لم تقتلْه مات، ولكن الله - سبحانه - أكرمَه بالشهادة، وعندَ الله تجتمع الخصوم، وأخذ معه مَن أخذ من الأمراء والعلماء إلى مصر، ثم أرسل أعيانهم إلى إسطنبول في تركيا، فقتل بعضهم هناك، وبقي البعض في السجن، وتمكَّن الأميرُ الإمام تركي بن عبدالله بن محمَّد آل سعود من الفرار من الدرعيَّة بعد أن نجَّاه الله من القوم الظالمين، وأعاد الله - سبحانه - به مجدَ الإسلام وعزَّه في بلاد نجد بعدَ تلك النكبة، وما نتج عنها من عودة الأوضاع السيِّئة إلى ما كانتْ عليه قبلَ التجديد، إلا ما بقي من نور التوحيد، واتَّخذ الرياضَ عاصمةً له، وأمَّن الله به السبل، وحَقَن الدماء، وخلفه ابنُه البطل فيصل الذي مكَّنه الله من الفرار من سِجن الأتراك في مصر، وكان مع مَن قُبِض عليهم في الدرعية، واستعاد ملكَ أبيه ممن اغتالوه، وحَكَّم شريعة الله في الناس، وأكرم العلماء، وجهَّز الجيوش لنشْر الدِّين والأمن، حتى دانتْ له البلاد، واستتب الأمن، ولَمَّا آل الأمر إلى أبنائه، وحصل الخلافُ بينهم زال الحُكم عنهم، وانتهى الدور الثاني من أدوار الدولة السعودية.


الدور الثالث لدولة التوحيد، وفيه يجدِّد الله دينه في الجزيرة العربية في القرن الثالث عشر

ثم أشرقتْ على نجد شمسُ الأمن والاجتماع بعدَ الفرقة والخوف، بظهور الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود، مؤسِّس الدولة السعودية القائمة، وغِرَّة دورها الثالث الميمون، وكان قد مرَّ على الناس فترةٌ من الزمن قلَّ فيها العلم والتعليم، وساءتِ الأوضاع، وكثرتِ الفِتن في بلاد نجد، وعاد الشِّرْك والبدع إلى بلاد الحرمَين وغيرها، لسوء عقائد حُكَّامها، ومَن لهم الكلمةُ من علمائها.

فلمَّا استتب الأمر في نجد، وقامتْ دولة التوحيد بقيادة الإمام عبدالعزيز، بعث الله - سبحانه - في نجد والخرمة ورنيه صحوةً إسلامية بين الحضر والبدو، ولبّى الإمام عبدالعزيز اقتراحًا للعلماء وكِبار طلبة العلم الدعاة إلى الله، مضمونُه أن يجعل للبدو هجرًا يستوطنونها، ويُصلُّون فيها الجُمُعة والجماعة، ويتلقَّوْن فيها العِلمَ الواجبَ على الأعيان معرفتُه، فأسَّس - رحمة الله عليه - عشراتِ الهجر لكلِّ قبيلة هجرها على مياهها، وهبَّتْ على القلوب ريح الإيمان، وحب الهجرة إلى الله ورسوله، فتجمَّع البدو كلٌّ في هجرته، وبنوا المساكن المتواضعة، وصار الفِقه في الدِّين وتعلُّم القرآن وتلاوته وطاعة الله - تعالى - شغلَهم الشاغل، ولذَّةَ حياتهم، وصاروا يجتهدون في قيام الليل، وحضور الدروس، ودراسة سِيرة الرسول ﷺ‬ وأصحابه، واجتهدوا في اتِّباع الرسول ﷺ‬ ومعرفة هديه في العِبادة والمعاملة، وفي اللِّباس والمأكل والمشرب، وغير ذلك، وحُبِّب إليهم الجهاد، والاستشهاد في سبيل الله، حتى صار نوال الشهادة هي منيةَ الكثيرين منهم، الأمر الذي دفعَهم إلى استئذان الإمام في الجِهاد، ففتحوا الحجاز، ودخلوا مكَّة مُحرِمين ملبِّين بالعمرة، وقد أغمدوا سيوفَهم بعد حروب هائلة، استُشِهد فيها منهم خلقٌ كثير، وأبلى الباقون بلاءً حسنًا، وفتحوا المدينةَ وجدة والطائف، وبلاد عسير وتهامة، وغيرها، وخافهم الغربُ والشرق، وكان ذلك نِعمةً أنعم الله بها على المسلمين عامَّة، وعلى تلك البلاد التي فتحوها خاصَّة؛ لأنَّهم أزالوا ما بها من معالِم الشِّرْك والوثنية، وعيَّن فيها الإمامُ عبدالعزيز القضاةَ الشرعيِّين، وأرسل إليها الدُّعاةَ والمرشِدين، وكان التفرُّق في الحرمَين في الصلاة، واتِّخاذ إمام لكلِّ مذهب في مقام خاصٍّ به أمام الكَعْبة المشرَّفة قد عاد، فجمع الإمام عبدالعزيز المسلمين على إمام واحد، وكانتِ الوثنية قد عادتْ إلى مكة والمدينة والطائف وغيرها، بما أُعِيد من بناء القِباب على القبور، والطواف بها، والاستغاثة بأهلها، وتقديم النذور لهم، وغير ذلك مِن الشركيات والبدع.

وقد سلك الإمامُ عبدالعزيز في إزالة تلك الأوثان القائمة على قبر أمِّ المؤمنين خديجة - رضي الله عنها - وغيرها، وعلى قبور آل البيت - رضي الله عنهم - في البقيع، وعلى قبور شهداء أُحد وغيرهم - رضي الله عنهم - مسلكَ الحِكمة، حيث أمر رئيس القضاة بمكة أن يُعِدَّ بيانًا بتحريم هذه الأفعال، وأنها شِرْك بالله - تعالى - وإلحادٌ في الحرم، مع ذكر الأدلَّة على ذلك، وأن يجمع كبارَ علماء الحرمين، ويقرأ عليهم ذلك البيان، ويمهلهم أيامًا؛ ليردُّوا عليه، أو على شيء منه ردًّا شرعيًّا صحيحًا، وبعد المهلة أعلنوا جميعًا أنَّ البيان حقّ، وأنَّ إزالة تلك الوثنية والبِدع حقّ، وكتبوا بذلك بيانًا وقَّعوا عليه جميعًا، وكانوا سبعةَ عشرَ شخصًا، ونُشِر البيانان على الملأ، وهُدِمت معالِم الشرك والوثنية، ودُعِي إلى توحيد الله - تعالى - على منابِر الحرمَين وغيرهم، وأقيمتِ الحدود، وأمنت الطرق، وصار الحجَّاجُ يأتون من كلِّ فجٍّ عميق، برًّا وبحرًا وجوًّا، لا يخافون إلاَّ الله - سبحانه وتعالى - وجلس علماءُ التوحيد والسُّنة لطلاَّب العلم في الحرمين وغيرهما، وعيَّن الإمام للحسبة رجالاً يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويُلزمون الفسَّاقَ بإجابة داعي الله - تعالى - إذا أذن للصلاة، فلا بيع ولا شِراء، وكانوا قبل ذلك لا يُجيبون الداعي، ولا يرى الرائي تمييزًا بين وقت الصلاة وغيره، إلاَّ في المساجد، فصار الإمامُ عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل وإخوانُه في الله المجاهدون لإعلاء كلمة الله تعالى، صاروا مجدِّدي دِين الإسلام في القرن الثالث عشر، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرَ الجزاء، وجمعَنا بهم في دار كرامته، آمين.

وبعدَ هذا البيان الموجَز المبارك عن حقيقة دعوة الإمام المجدِّد محمد بن عبدالوهاب، وبيانه للشِّرْك ومظاهره والبدع، وكشْفه لذلك كلِّه بالدليل من كتاب الله - تعالى - وسُنَّة نبيِّه ﷺ‬ ذلك البيان الذي جاء في مؤلَّفاته ورسائله - بعدَ هذا ندعُ الإمام يتحدَّث بنفسه، مبيِّنًا عقيدته وحقيقةَ دعوته من خلال بعضٍ من رسائله وردوده، التي جاءتْ ضمنَ المجلد الخاص برسائل الإمام الشخصية في مجموعة مؤلَّفات الإمام، وذلك في الفصل التالي.


 الفصل الرابع في بيان الإمام لعقيدته التي يَدين الله بها ومنهجه في الدعوة إلى الله تعالى

رسالة الشيخ إلى أهل القصيم لَمَّا سألوه عن عقيدته

بسم الله الرحمن الرحيم

أُشْهِد اللهَ ومَن حضرني من الملائكة، وأُشهدكم أنِّي أعتقد ما أعتقدتْه الفرقة الناجية؛ أهل السنة والجماعة، من الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، والبعْث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيرِه وشرِّه، ومن الإيمان بالله: الإيمانُ بما وصَفَ به نفسَه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ‬ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقدُ أنَّ الله - سبحانه وتعالى - ليس كمِثلِه شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصَف به نفسَه، ولا أحرِّف الكلم عن مواضعه، ولا أُلْحِد في أسمائه وآياته، ولا أُكيِّف، ولا أُمثِّل صفاته تعالى بصِفات خلقه؛ لأنَّه - تعالى - لا سميَّ له ولا كُفؤَ له، ولا نِدَّ له، ولا يُقاس بخَلْقه، فإنَّه - سبحانه - أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثًا، فنزَّه نفسه عمَّا وصَفَه به المخالِفون من أهل التكييف والتمثيل، وعمَّا نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 180-182].

والفرقة الناجية وسطٌ في باب أفعاله - تعالى - بيْن القدرية والجبرية، وهم في باب وعيد الله بين المُرجِئة والوعيدية؛ وهم وسطٌ في باب الإيمان والدِّين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجِئة والجهمية، وهم وسطٌ في باب أصحاب رسول الله ﷺ‬ بين الروافض والخوارج.

وأعتقدُ أنَّ القرآن كلام الله، منزَّل غيرُ مخلوق، منه بدأ وإليه يعود؛ وأنَّه تكلَّم به حقيقةً، وأنزله على عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبيْن عباده نبيِّنا محمَّد ﷺ‬ وأُومن بأنَّ الله فعَّال لِمَا يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلاَّ عن تدبيره، ولا مَحيدَ لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خُطَّ له في اللَّوْح المسطور.

وأعتقد الإيمان بكلِّ ما أخبر به النبيُّ ﷺ‬ ممَّا يكون بعد الموت، فأومن بفِتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقومُ الناس لربِّ العالمين حُفاةً عُراةً غرلاً، تدنو منهم الشمس، وتُنصَب الموازين، وتوزن بها أعمالُ العباد، فمَن ثقُلتْ موازينه، فأولئك هم المفلحون، ومَن خفَّت موازينه، فأولئك الذين خَسِروا أنفسَهم في جهنَّمَ خالدون، وتُنشر الدواوين، فآخذٌ كتابَه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله.

وأومن بحَوْض نبيِّنا محمَّد ﷺ‬ بعَرصة القِيامة، ماؤه أشدُّ بياضًا من اللَّبَن، وأحلى من العسل، آنيتُه عددَ نجوم السماء، مَن شَرِب منه شربةً لم يظمأْ بعدها أبدًا، وأومن بأنَّ الصراط منصوبٌ على شَفير جهنم، يمرُّ به الناس على قدْر أعمالهم.

وأومن بشفاعة النبي ﷺ‬ وأنه أوَّل شافِع، وأوَّل مشفَّع، ولا يُنكر شفاعةَ النبي ﷺ‬ إلا أهلُ البدع والضلال، ولكنَّها لا تكون إلاَّ مِن بعد الإذن والرِّضا، كما قال – تعالى -: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]، وقال – تعالى -: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ [البقرة: 255]، وقال – تعالى -: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: 26]، وهو لا يرضى إلاَّ التوحيد؛ ولا يأذن إلاَّ لأهله، وأمَّا المشرِكون، فليس لهم مِن الشفاعة نصيب؛ كما قال – تعالى -: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: 48].

وأومن بأنَّ الجَنَّة والنار مخلوقتان، وأنهما اليومَ موجودتان، وأنهما لا يفنيان، وأنَّ المؤمنين يرَوْن ربَّهم بأبصارهم يومَ القيامة، كما يَروْن القمر ليلةَ البدر لا يضامون في رؤيته.

وأومن بأنَّ نبيَّنا محمدًا ﷺ‬ خاتم النبيِّين والمرسَلين، ولا يصحُّ إيمانُ عبدٍ حتى يؤمنَ برسالته، ويشهد بنبوته، وأنَّ أفضل أمته أبو بكر الصِّدِّيق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم عليٌّ المرتضَى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشَّجَرة أهل بَيْعة الرِّضْوان، ثم سائر الصحابة - رضي الله عنهم - وأتولَّى أصحابَ رسول الله ﷺ‬ وأذكر محاسنَهم، وأترضَّى عنهم، وأستغفر لهم، وأكفُّ عن مساويهم، وأسكتُ عما شجر بينهم، وأعتقدُ فضلهم؛ عملاً بقوله – تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ جاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]، وأترضَّى عن أمهات المؤمنين، المطهَّرات من كلِّ سوء، وأُقِرُّ بكرامات الأولياء، وما لهم من المكاشفات، إلا أنَّهم لا يستحقُّون من حقِّ الله - تعالى - شيئًا، ولا يُطلب منهم ما لا يقدر عليه إلاَّ الله، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجَنَّة ولا نار، إلا مَن شهد له رسول الله ﷺ‬ ولكنِّي أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء، ولا أكفِّر أحدًا من المسلمين بذنب، ولا أُخرِجه من دائرة الإسلام، وأرى الجِهاد ماضيًا مع كلِّ إمام برًّا كان أو فاجرًا، وصلاة الجماعة خلفَهم جائزة، والجهاد ماضٍ منذ بعث الله محمدًا ﷺ‬ إلى أن يُقاتِل آخرُ هذه الأمة الدجَّال، لا يبطله جَوْرُ جائر، ولا عدل عادل، وأرى وجوبَ السمع والطاعة لأئمَّة المسلمين، برِّهم وفاجرِهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومَن ولي الخِلافةَ واجتمع عليه الناس، ورَضُوا به، وغلبهم بسيفه، حتى صار خليفةً وجبتْ طاعتُه، وحرُم الخروج عليه، وأرى هجرَ أهل البِدع ومباينتهم، حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأَكِلُ سرائرهم إلى الله، وأعتقدُ أنَّ كل محدثة في الدِّين بدعة.

وأعتقد أنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجَنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهو بِضْع وسبعون شُعبة، أعلاها شهادةُ ألاَّ إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطَّريق، وأرى وجوبَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما تُوجِبه الشريعةُ المحمدية الطاهرة.

فهذه عقيدةٌ وجيزة، حررتُها وأنا مشتغِل البال؛ لتطَّلِعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل.


بسم الله الرحمن الرحيم

من محمَّد بن عبدالوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، نصَر الله بهم سيِّدَ الأنام، وتابعي الأئمَّة الأعلام، سلامٌ عليكم ورحمةُ الله وبركاته، وبعد:

جرى علينا من الفِتنة ما بلَغَكم، وبلغ غيرَكم، وسببه هدمُ بنيان في أرضنا على قبور الصالحين، فلمَّا كَبُر هذا على العامَّة؛ لظنِّهم أنه تنقيصٌ للصالحين، ومع هذا نهيناهم عن دعواهم، وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله، فلمَّا أظهرْنا هذه المسألة، مع ما ذَكرْنا من هدْم البنيان على القبور، كبُر على العامة جدًّا، وعاضدَهم بعضُ مَن يدَّعي العلم لأسباب أُخرَ، التي لا تخفَى على مثلكم، أعظمها اتِّباع هوى العوام[1]، مع أسباب أُخَرَ، فأشاعوا عنَّا أنا نسُبُّ الصالحين، وأنَّا على غير جادَّة العلماء، ورفعوا الأمرَ إلى المشرِق والمغرب، وذكروا عنَّا أشياء يَستحي العاقلُ مِن ذكرها، وأنا أُخبركم بما نحن عليه (خبرًا لا أستطيع أن أكذب)[2]، بسبب أنَّ مثلكم لا يروّج عليه الكذب أناس متظاهرون بمذهبهم عندَ الخاص والعام.

 فنحن - ولله الحمد - متَّبعون غيرُ مبتدِعين، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وبريء من البهتان الذي أشاعه الأعداءُ أنِّي أدَّعي الاجتهاد، ولا أتبع الأئمة، وهذا العداء ضدَّنا لما أمرناهم بهدْم البناء على القبور، وترْك دعوة الصالحين.

 وتعلمون - أعزَّكم الله - أنَّ المطاع في كثيرٍ من البلدان لو تبيَّن بالعمل بهاتين المسألتَين أنها تكبُر على العامة، الذين درجوا هم وإياهم على ضدِّ ذلك، فإن كان الأمر كذلك؛ فهذه كتبُ الحنابلة عندَكم بمكة - شرَّفها الله - مثل "الإقناع"، و"غاية المنتهى"، و"الإنصاف"، اللاتي عليه اعتماد المتأخِّرين، وهو عند الحنابلة كـ "التحفة"، و"النهاية" عند الشافعية، وهم ذكروا في باب الجنائز هدْمَ البناء على القبور، واستدلُّوا عليه بما في "صحيح مسلم" عن عليٍّ - رضي الله عنه - : أنَّ رسول الله ﷺ‬ بعَثَه بهَدْم القبور المشرِفة، وأنَّه هدَمَها، واستدلُّوا على وجوب إخلاص الدعوة لله، والنهي عمَّا اشتهر في زمنهم مِن دعاء الأموات بأدلَّة كثيرة، وبعضهم يحكي الإجماعَ على ذلك، فإن كانت المسألةُ إجماعًا فلا كلام، وإن كانتْ مسألةَ اجتهاد، فمعلومكم أنَّه لا إنكارَ في مسائل الاجتهاد، فمَن عمل بمذهبه في محلِّ ولايته لا يُنكَر عليه، وما أشاعوا عنَّا من التكفير، وأنِّي أفتيتُ بكُفْر البوادي الذين يُنكرون البعثَ والجنة والنار، وينكرون ميراثَ النساء، مع عِلمهم أنَّ كتاب الله عند الحضر، وأنَّ رسولُ الله ﷺ‬ بعث بالذي أنكروا، فلمَّا أفتيتُ بكُفرهم، مع أنهم أكثرُ الناس في أرضنا، استنكر العوامُّ ذلك، وخاصَّتُهم الأعداء ممَّن يدَّعي العلم، وقالوا: مَن قال: لا إله إلا الله، لا يكفر، ولو أنكروا البعث، وأنكروا الشرائع كلَّها، ولَمَّا وقع ذلك من بعض القُرى، مع علمهم اليقين بكُفر مَن آمن ببعض الكتاب وكَفَر ببعض، حتى إنهم يقولون: مَن أنكر فرعًا مجمعًا عليه كفر، فقلتُ لهم: إذا كان هذا عندكم فيمَن أنكر فرعًا مجمعًا عليه، فكيف بمَن أنكر الإيمانَ باليوم الآخر، وسبَّ الحضر وسفَّه أحلامهم إذا صدَّقوا بالبعث؟!

 فلمَّا أفتيتُ بكُفر مَن أنكره من البوادي، ومِن أهل القرى، مع علمه بما أنزل الله، وبما أجمع عليه العلماء، كثرتِ الفِتنة، وصدَّق الناس بما قيل فينا من الأكاذيب والبهتان، وبالجملة هذا ما نحن عليه، وأنتم تعلمون أنَّ مَن هو أجلُّ منا لو تبيَّن في هذه المسائل قامتْ عليه القيامة، وأنا أُشهد الله وملائكته، وأشهدكم على دِين الله ورسوله أني مُتَّبع لأهل العلم، وما غاب عني من الحق وأخطأتُ فيه فبيِّنوا لي، وأنا أشهد الله أني أقبلُ على الرأس والعَيْن، والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.


بسم الله الرحمن الرحيم

من محمَّد بن عبدالوهاب إلى مَن يصل إليه من علماء الإسلام، آنس الله بهم غربةَ الدِّين، وأحيا بهم سُنَّة إمام المتقين، ورسولِ ربِّ العالمين، سلامٌ عليكم معشرَ الإخوان، ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

فإنه قد جَرَى عندنا فِتنةٌ عظيمة، بسبب أشياء نهيتُ عنها بعضَ العوام من العادات التي نشؤوا عليها، وأخذَها الصغير عن الكبير، مثل عبادة غير الله، وتوابع ذلك من تعظيمِ المشاهِد، وبناءِ القِباب على القبور، وعبادتها واتِّخاذها مساجد، وغير ذلك ممَّا بيَّنه الله ورسوله غايةَ البيان، وأقام الحُجَّة، وقطع العذر، ولكن الأمر كما قال ﷺ‬ : ((بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بدأ))، فلمَّا عظَّم العوام قطْعَ عاداتهم، وساعدهم على إنكار دِين الله بعضُ مَن يدَّعي العلم، وهو مِن أبعد الناس عنه - إذ العالِم مَن يخشى الله - فأرضى الناس بسخط الله، وفتح للعوام بابَ الشرك بالله، وزيَّن لهم، وصدَّهم عن إخلاص الدِّين لله؛ وأوهمهم أن ترك الشرك من تنقيص الأنبياء والصالحين، وهذا بعينه هو الذي جَرَى على رسول الله ﷺ‬ لَمَّا ذَكَر أنَّ عيسى - عليه السلام - عبدٌ مربوب، ليس له مِن الأمر شيء، قالت النصارى: إنَّه سبَّ المسيح وأمَّه، وهكذا قالتِ الرافضة لمن عرف حقوقَ أصحاب رسول الله ﷺ‬ وأحبَّهم، ولم يَغْلُ فيهم، رمَوْه ببُغض أهل بيْت رسول الله ﷺ‬ وهكذا هؤلاء، لَمَّا ذكرتُ لهم ما ذكره الله ورسوله، وما ذكره أهلُ العلم من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدِّين لله، والنهي عن مشابهة أهل الكتاب مِن قبلنا في اتِّخاذ الأحبار والرُّهْبان أربابًا من دون الله، قالوا لنا: تنقصتُم الأنبياءَ والصالحين والأولياء، والله - تعالى - ناصرٌ لدينه ولو كره المشركون، وها أنا أذكُر مستندي في ذلك، من كلام أهل العِلم من جميع الطوائف، فرَحِم الله مَن تدبَّرها بعين البصيرة، ثم نصر اللهَ ورسولَه، وكتابه ودِينه، ولم تأخذْه في ذلك لومةُ لائم.

فأمَّا كلام الحنابلة، فقال الشيخ تقيُّ الدين - رحمه الله - لما ذكر حديث الخوارج: "فإذا كان في زمنِ النبي ﷺ‬ وخلفائه ممَّن قد انتسب إلى الإسلام مَن مَرَق منه، مع عبادته العظيمة، فيُعلم أنَّ المنتسب إلى الإسلام والسُّنَّة قد يمرق أيضًا، وذلك بأمور، منها: الغلوُّ الذي ذمَّه الله تعالى، كالغلوِّ في بعض المشائخ كالشيخ عدي، بل الغلو في عليِّ بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكلُّ مَن غلا في نبيٍّ أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يدعوَه من دون الله بأن يقول: يا سيِّدي فلان، أغِثْنِي، أو أجِرْني، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك؛ فكلُّ هذا شرْكٌ وضلال، يُستتاب صاحبُه، فإن تاب وإلا قُتِل، فإنَّ الله أرسل الرسل ليعبدَ وحده، لا يُجعل معه إلهٌ آخَرُ، والذين يجعلون مع الله آلهةً أخرى مثل الملائكة أو المسيح، أو العزير أو الصالحين، أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلُق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: ﴿هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]، فبعث الله الرسل تنهى أن يُدعَى أحدٌ من دون الله، لا دعاء عِبادة، ولا دعاء استغاثة"؛ انتهى.

وقال في "الإقناع" في أوَّل باب حُكم المرتد: "إنَّ من جعل بينه وبين الله وسائطَ يدعوهم فهو كافرٌ إجماعًا".

وأما كلام الحنفية، فقال الشيخ قاسم في شرح "درر البحار": "النذر الذي يقع من أكثرِ العوام، بأن يأتيَ إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً: يا سيِّدي، إن رُدَّ غائبي، أو عُوفي مريضي، أو قُضِيتْ حاجتي، فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا، باطلٌ إجماعًا، بوجوه، منها: أنَّ النذر للمخلوق لا يجوز، ومنها: أنه ظنَّ الميِّت يتصرَّف في الأمر، واعتقاد هذا كُفْر... إلى أن قال: وقد ابتُلي الناس بذلك، ولا سيَّما في مَوْلد الشيخ أحمد البدوي".

وقال الإمام البزازي في "فتاويه": "إذا رأى رقص صوفية زماننا هذا في المساجد مختلطًا بهم جهَّال العوام، الذين لا يعرفون القرآن والحلال والحرام، بل لا يعرفون الإسلامَ والإيمان، لهم نهيقٌ يُشبِه نهيقَ الحمير، يقول: هؤلاء لا محالةَ اتَّخذوا دِينَهم لهوًا ولعبًا، فويلٌ للقُضاة والحكَّام حيث لا يُغيِّرون هذا مع قدرتهم".

وأما كلام الشافعية، فقال الإمامُ محدِّث الشام أبو شامة - وهو في زمن الشارح وابن حمدان - في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث": "لكن نبيِّن من هذا ما وقع فيه جماعةٌ من جهَّال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف من المنتسبين إلى الفَقْر، الذي حقيقتُه الافتقار من الإيمان، من مؤاخات النساء الأجانب، واعتقادهم في مشائخَ لهم، وأطال رحمه الله الكلام، إلى أن قال: وبهذه الطُّرق وأمثالها كان مبدأَ ظهور الكُفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومِن هذا ما قد عمَّ الابتلاء به مِن تزيين الشيطان للعامَّة تخليقَ الحِيطان والعمد، وسرج مواضعَ مخصوصة، في كلِّ بلد يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممَّن شُهِر بالصلاح، ثم يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاءَ لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي ما بين عيون وشجر وحائط، وفي مدينة دمشق - صانها الله من ذلك - مواضعُ متعدِّدة، ثم ذكر - رحمه الله - الحديثَ الصحيح عن رسول الله ﷺ‬ لَمَّا قال له بعضُ مَن معه: اجعل لنا ذاتَ أنواط، قال: ((الله أكبر! قلتُم والذي نفس محمَّد بيده كما قال قوم موسى: اجعلْ لنا إلهًا كما لهم آلهة))"؛ انتهى كلامه - رحمه الله.

وقال في "اقتضاء الصراط المستقيم": إذا كان هذا كلامه ﷺ‬ في مجرَّد قصْدِ شجرة لتعليق الأسلحة، والعكوف عندها، فكيف بما هو أعظمُ منها؛ الشرك بعَيْنه بالقبور ونحوها؟!

وأما كلام المالكية، فقال أبو بكر الطُّرْطوشي في كتاب "الحوادث والبدع" لما ذكر حديث الشجرة ذات أنواط: "فانظروا - رحمكم الله - أين ما وجدتم سدرة أو شجرة، يقصدُها الناس، ويُعظِّمون مِن شأنها، ويرجون البُرء والشفاء لمرضاهم مِن قِبَلها، فهي ذاتُ أنواط فاقطعوها، وذكر حديث العِرباض بن سارية الصحيح، وفيه قوله ﷺ‬ : ((فإنَّه مَن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمور، فإنَّ كل بدعة ضلالة) قال في "البخاري" عن أبي الدرداء: أنَّه قال: والله ما أعرِفُ مِن أمر محمد شيئًا، إلا أنهم يصلُّون جميعًا، وروى مالك في "الموطأ" عن بعض الصحابة أنَّه قال: ما أعرِفُ شيئًا مما أدركتُ عليه الناس إلاَّ النداء بالصلاة، قال الزهري: دخلتُ على أنس بدمشق وهو يبكي، فقال: ما أعرِف شيئًا مما أدركتُ إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعتْ، قال الطرطوشي - رحمه الله -: فانظروا - رحمكم الله - إذا كان في ذلك الزمن طُمِس الحق، وظهر الباطل، حتى ما يُعرَف من الأمر القديم إلاَّ القِبلة، فما ظنُّك بزمانك هذا؟! والله المستعان".

وليعلم الواقف على هذا الكلام من أهل العلم - أعزَّهم الله - أنَّ الكلام في مسألتين:

الأولى: أنَّ الله - سبحانه - بعث محمدًا ﷺ‬ لإخلاص الدِّين لله، لا يُجعل معه أحدٌ في العبادة والتألُّه، لا مَلَكٌ ولا نبيٌّ، ولا قبر ولا حجر ولا شجر، ولا غير ذلك، وأنَّ مَن عظَّم الصالحين بالشرك بالله، فهو يشبه النصارى، وعيسى - عليه السلام - بريء منهم.

والثانية: وجوب اتِّباع سُنَّة رسول الله ﷺ‬ وترْك البِدع، وإن اشتهرتْ بين أكثر العوام، وليعلم أنَّ العوام محتاجون إلى كلام أهل العِلم من تحقيق هذه المسائل، ونقْل كلام العلماء، فرحِم الله مَن نصر اللهَ ورسولَه ودِينَه، ولم تأخذْه في الله لومة لائم، والله أعلم، وصلَّى الله على محمد، وآله وصحبه وسلَّم.


بسم الله الرحمن الرحيم

من محمَّد بن عبدالوهاب إلى مَن يصل إليه مِن المسلمين، سلامٌ عليكم ورحمةُ الله وبركاته (وبعد).

أُخبركم أني - ولله الحمد - عقيدتي ودِيني الذي أَدين الله به مذهبُ أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمَّة المسلمين، مثل الأئمَّة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينتُ للناس إخلاصَ الدين لله، ونهيتُهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبَد الله به مِن الذبْح والنذر، والتوكُّل والسجود، وغير ذلك ممَّا هو حقُّ الله الذي لا يشركه فيه مَلَك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، وهو الذي دعتْ إليه الرسل من أوَّلهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهلُ السنة والجماعة، وأنا صاحِب منصب في قريتي مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعضُ الرؤساء؛ لكونِه خالف عادةً نشؤوا عليها، وأيضًا ألزمتُ مَن تحت يدي بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتُهم عن الرِّبا وشُرْب المسكِر، وأنواع من المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدحُ في هذا وعيبه؛ لكونه مستحسنًا عندَ العوام، فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمرُ به من التوحيد، وما نهيتُهم عنه من الشِّرْك، ولبسوا على العوام أنَّ هذا خلافُ ما عليه الناس، وكبرتِ الفتنة جدًّا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورَجِله[3].

فنقول: التوحيدُ نوعان، توحيد الربوبية: وهو أن الله - سبحانه - متفرِّد بالخَلْق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حقٌّ لا بد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام، بل أكثرُ الناس مقرُّون به، قال الله – تعالى -: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31]، وأنَّ الذي يُدخِل الرجلَ في الإسلام هو توحيدُ الإلهية، وهو ألاَّ يَعبد إلاَّ اللهَ، لا مَلَكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسَلاً، وذلك أنَّ النبي ﷺ‬ بُعِث والجاهليةُ يعبدون أشياءَ مع الله، فمِنهم مَن يعبد الأصنام، ومنهم مَن يدعو عيسى، ومنهم مَن يدعو الملائكة، فنهاهم عن هذا، وأخبرهم أنَّ الله أرسله لِيُوَحَّد، ولا يُدْعَى أحد، لا الملائكة ولا الأنبياء، فمَن تبعه ووحَّد الله، فهو الذي يشهد ألاَّ إله إلا الله، ومَن عصاه ودعا عيسى والملائكة، واستنصرهم والْتجأ إليهم، فهو الذي جَحَد لا إله إلا الله، مع إقراره أنَّه لا يخلق ولا يرزق إلاَّ الله، وهذه جملةٌ لها بسطٌ طويل، ولكن الحاصل أنَّ هذا مُجْمع عليه بين العلماء.

فلمَّا جرى في هذه الأمَّة ما أخبر به نبيُّها ﷺ‬ حيث قال: ((لتتبعنَّ سَنَنَ مَن كان قبلكم حذوَ القُذَّة بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه))، وكان من قبلهم - كما ذكر الله عنهم -: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]، وصار ناسٌ من الضالين يدعون أناسًا من الصالحين في الشدَّة والرخاء، مثل عبدالقادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم أهلُ العلم من جميع الطوائف؛ أعني: على الداعي، وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم، وبيَّن أهلُ العلم أن هذا هو الشرك الأكبر؛ عبادة الأصنام، فإنَّ الله - سبحانه - إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليُعبدَ وحده، ولا يُدْعى معه إلهٌ آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل الشمس والقمر، والصالحين والتماثيل المصوَّرة على صورهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تُنزِل المطر، أو تُنبِت النبات، وإنما كانوا يعبدون الملائكةَ والصالحين، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب تنهى عن أن يُدْعى أحدٌ من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء الاستغاثة.

واعلم أنَّ المشركين في زماننا قد زادوا على الكفَّار في زمن النبي ﷺ‬ بأنَّهم يَدْعون الملائكةَ والأولياء والصالحين، ويريدون شفاعتَهم والتقرُّب إليهم، وإلاَّ فهم مُقرُّون بأنَّ الأمر لله، فهم لا يدعونها إلا في الرخاء، فإذا جاءتِ الشدائد أخْلصوا لله، قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: 67] الآية.

واعلم أنَّ التوحيد: هو إفرادُ الله - سبحانه - بالعبادة، وهو دِينُ الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده، فأوَّلُهم نوح - عليه السلام - أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين: ودّ وسُواع، ويَغُوث ويَعُوق ونَسْر، وآخِر الرسل محمد ﷺ‬ وهو الذي كسَّر صُورَ الصالحين، أرسله الله إلى أناس يتعبَّدون ويحجُّون، ويتصدَّقون ويَذكُرون اللهَ كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائطَ بينهم وبين الله - تعالى - يقولون: نريد منهم التقرُّبَ إلى الله - تعالى - ونريد شفاعتَهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين.

 فبعث الله محمدًا ﷺ‬ يُجدِّد لهم دِينَ إبراهيم، ويخبرهم أنَّ هذا التقرُّب والاعتقاد محض حقِّ الله - تعالى - لا يصلح منه شيء لا لملَك مقرَّب، ولا نبيٍّ مرسل، فضلاً عن غيرهما، وإلاَّ فهؤلاء المشركون يشهدون أنَّ الله هو الخالِق وحده لا شريك له، وأنَّه لا يخلق ولا يرزق إلا هو، ولا يُحيي ولا يُميت إلا هو، ولا يدبِّر الأمر إلا هو، وأنَّ جميع السموات السبع ومَن فيهن، والأرَضين السبع ومَن فيهن، كلهم عبيده، وتحت تصرُّفِه وقهْره، فإذا أردتَ الدليل على أنَّ هؤلاء المشركين الذي قاتلهم رسولُ الله ﷺ‬ يشهدون بهذا، فاقرأْ قوله - تعالى -: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31]، وقوله - تعالى -: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 84 - 89]، وغير ذلك من الآيات الدالاَّت على تحقُّق أنهم يقولون بهذا كلِّه لم  يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ‬ وعرفتَ أنَّ التوحيد الذي جحدوه هو توحيدُ العبادة الذي يسمِّيه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يَدْعُون الله - سبحانه وتعالى - ليلاً ونهارًا، خوفًا وطمعًا، ثم منهم مَن يدعو الملائكة لأجْل صلاحهم وقُرْبهم من الله - عزَّ وجلَّ - ليشفعوا لهم، ويدعو رجلاً صالحًا مثل اللاَّت، أو نبيًّا مثل عيسى، وعرفتَ أنَّ رسول الله ﷺ‬ قاتلهم على ذلك، ودعاهم على إخلاص العبادة لله وحدَه، كما قال - تعالى -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]، وقال - تعالى -: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [الرعد: 14]، وعرفتَ أنَّ رسول الله ﷺ‬ قاتلهم؛ ليكونَ الدِّينُ كلُّه لله، والذبْح كلُّه لله، والنذر كلُّه لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادة كلها لله، وعرفتَ أنَّ إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يُدخِلْهم في الإسلام، وأنَّ قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يُريدون شفاعتَهم والتقرُّب إلى الله - تعالى - بهم هو الذي أحلَّ دِماءَهم وأموالهم؛ عرفتَ حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله، فإنَّ الإلهَ عندَهم هو الذي يُقصَد لأجْل هذه الأمور، سواء كان مَلَكًا أو نبيًّا أو وليًّا، أو شجرة أو قبرًا أو جنيًّا، لم يريدوا أنَّ الإله هو الخالِق الرازق المدبِّر، فإنهم يقرون أنَّ ذلك لله وحده كما قدَّمتُ لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيِّد، فأتاهم النبي ﷺ‬ يدعوهم إلى كلمةِ التوحيد، وهي لا إله إلا الله، والمراد مِن هذه الكلمة معناها، لا مجرَّد لفظها، والكفَّار والجهَّال يعلمون أنَّ مراد النبي ﷺ‬ بهذه الكلمة هو إفرادُ الله بالتعلُّق، والكفر بما يُعبَد من دونه، والبراءة منه، فإنه لَمَّا قال لهم قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: أجَعَل الآلهة إلهًا واحدًا، إنَّ هذا لشيء عجاب.

فإذا عرفتَ أنَّ جهَّال الكفَّار يعرفون ذلك، فالعجب ممَّن يدَّعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عَرَفه جهَّالُ الكفَّار، بل يظنُّ أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلْب بشيء من المعاني، والحاذِق منهم يظنُّ أنَّ معناها لا يخلق ولا يرزق، ولا يُحيي ولا يُميت، ولا يدبِّر الأمرَ إلاَّ الله، فلا خيرَ في رجلٍ جهَّالُ الكفَّار أعلمُ منه بمعنى لا إله إلا الله.

فإذا عرفتَ ما قلتُ لك معرفةَ قلْب، وعرفتَ الشرك بالله، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] الآية، وعرفتَ دِينَ الله الذي بعث به الرسل من أوَّلهم إلى آخرِهم الذي لا يَقبل الله من أحد دِينًا سواه، وعرفتَ ما أصبح غالبُ الناس فيه من الجهْل بهذا، أفادك فائدتين:

الأولى: الفرح بفضل الله وبرحمته، قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، وأفادك أيضًا: الخوف العظيم، فإنَّك إذا عرفتَ أنَّ الإنسان يكفر بكلمة يُخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يُعذَر بالجَهْل، وقد يقولها وهو يظنُّ أنها تُقرِّبه إلى الله، خصوصًا إن ألْهمَك الله ما قصَّ عن قوم موسى، مع صلاحِهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138]، فحينئذٍ يعظُم خوفُك وحِرْصُك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.

واعلم أنَّ الله - سبحانه - مِن حِكمته لم يبعث نبيًّا بهذا التوحيد إلاَّ جعل له أعداءً، كما قال - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112].

وقد يكون لأعداءِ التوحيد علومٌ كثيرة، وكتب وحُجج، كما قال - تعالى -: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: 83]، فإذا عرفتَ ذلك، وعرفتَ أنَّ الطريق إلى الله لا بدَّ له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعِلم وحُجَج، كما قال - تعالى -: ﴿وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 86] الآية، فالواجبُ عليك أن تعلم من دِين الله ما يصير لك سلاحًا تُقاتل به هؤلاء الشياطين، الذين قال إمامهم ومقدمهم لربِّك - عزَّ وجلَّ - : ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16، 17]، ولكن إذا أقبلتَ على الله، وأصغيتَ إلى حُجج الله وبيناته، فلا تَخفْ ولا تحزن، إنَّ كيد الشيطان كان ضعيفًا، والعامي من الموحِّدين يغلب ألفًا من علماء هؤلاء المشركين، كما قال - تعالى -: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 173]، فجُند الله هم الغالبون بالحُجَّة واللِّسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسِّنان، وإنما الخوف على الموحِّد الذي يسلك الطريقَ وليس معه سلاح، وقد منَّ الله علينا بكتابه، الذي جعله تِبيانًا لكلِّ شيء، وهدًى ورحمةً وبشرَى للمسلمين، فلا يأتي صاحبُ باطل بحُجَّة، إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبيِّن بطلانها، كما قال - تعالى -: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33]، قال بعضُ المفسرين: هذه الآية عامَّة في كل حُجَّة يأتي بها أهلُ الباطل إلى يوم القيامة.

والحاصل أنَّ كلَّ ما ذُكِر عنَّا من الأشياء غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشِّرْك، فكله من البهتان.

ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين: أني لَمَّا بينتُ لهم كلامَ الله وما ذكر أهلُ التفسير في قوله - تعالى -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: 57] الآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، وما ذَكَر الله من إقرار الكفَّار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس: 31] الآية، وغير ذلك.

 قالوا: القرآن لا يجوز العملُ به لنا ولأمثالنا، ولا بكلام الرسول، ولا بكلام المتقدِّمين، ولا نطيع إلاَّ ما ذكَرَه المتأخِّرون، قلت لهم: أنا أخاصِم الحنفي بكلام المتأخِّرين من الحنفية، والمالكيَّ والشافعيَّ والحنبليَّ، كل أخاصمه بكتب المتأخِّرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم، فلما أبوا ذلك نقلتُ كلامَ العلماء من كلِّ مذهب لأهله، وذكرتُ كل ما قالوا بعدما صرحتُ بالنهي عن الدعوة عندَ القبور والنذر لها، فعرفوا ذلك وتحقَّقوه، فلم يَزِدْهم إلا نفورًا.

وأما التكفير، فأنا أكفِّر مَن عَرَف دين الرسول، ثم بعدما عرَفَه سبَّه، ونهى الناس عنه، وعادَى مَن فعله، فهذا هو الذي أكفِّر، وأكثرُ الأمَّة - ولله الحمد - ليسوا كذلك، وأما القِتال فلم نقاتلْ أحدًا إلى اليوم إلاَّ دون النفس والحُرْمة، وهم الذين أتَوْنا في ديارنا، ولا أبقوا ممكنًا، ولكن قد نقاتل بعضَهم على سبيل المقابلة، وجزاء سيِّئة سيِّئة مثلها، وكذلك مَن جاهر بسبِّ دِين الرسول بعدما عرف، فإنَّا نُبيِّن لكم أنَّ هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وأنَّ الواجبَ إشاعتُه في الناس، وتعليمه النساء والرجال.

فرحِمَ الله مَن أدَّى الواجب عليه، وتاب إلى الله، وأقرَّ على نفسه، فإنَّ التائب من الذنب كمَن لا ذنبَ له، ونسأل الله أن يهديَنا وإيَّاكم لِمَا يحبه ويرضاه.


وله - قدَّس الله رُوحَه -:

بسم الله الرحمن الرحيم

الذي يعلم مَن وقف عليه مِن الإخوان المتبعين محمدًا ﷺ‬ : أنَّ ابن صباح سألني عمَّا يُنسَب إليَّ، فطلب مني أن أكتبَ الجواب فكتبتُه:

الحمد لله رب العالمين، أما بعد:

فما ذكره المشرِكون على أني أنهى عن الصلاة على النبيِّ، أو أني أقول لو أنَّ لي أمرًا هدمتُ قُبَّة النبي ﷺ‬ أو أني أتكلَّم في الصالحين، أو أنهى عن محبَّتهم، فكل هذا كذب وبهتان، افتراه عليَّ الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموالَ الناس بالباطل، مثل أولاد شمسان، وأولاد إدريس، الذين يأمرون الناس ينذرون لهم، وينخونهم، ويندبونهم، وكذلك فقراء الشيطان الذين ينتسبون إلى الشيخ عبدالقادر - رحمه الله - وهو منهم بريء كَبَراءة عليِّ بن أبي طالب مِن الرافضة، فلما رأوني آمرُ الناس بما أمرَهم به نبيُّهم ﷺ‬ ألاَّ يعبدوا إلا الله، وأنَّ مَن دعا عبدَالقادر فهو كافر، وعبدالقادر منه بريء، وكذلك مَن نَخَا الصالحين أو الأنبياء، أو ندَبهم، أو سجد لهم، أو نذر لهم، أو قصدَهم بشيء من أنواع العبادة، التي هي حقُّ الله على العبيد، وكلُّ إنسان يعرِف أمر الله ورسوله لا يُنكر هذا الأمر، بل يُقِرُّ به ويَعرِفه، وأما الذي ينكره، فهو بين أمرين:

 إن قال: إنَّ دعوة الصالحين واستغاثتهم والنذر لهم، وصيرورةَ الإنسان فقيرًا لهم أمرٌ حسن، ولو ذَكَر الله ورسوله أنَّه كُفْر، فهو مصرٌّ بتكذيب الله ورسوله، ولا خفاءَ في كفره، فليس لنا معه كلام، وإنما كلامنا مع رجل يؤمِن بالله واليوم الآخر، ويحبُّ ما أحبَّ الله ورسولُه، ويُبغِض ما أبغض الله ورسوله، لكنَّه جاهلٌ قد لبستْ عليه الشياطين دِينَه، ويظنُّ أنَّ الاعتقاد في الصالحين حقّ، ولو يدري أنه كُفْر يدخل صاحبه في النار ما فَعَله، ونحن نبيِّن لهذا ما يُوضِّح له الأمر، فنقول:

 الذي يجب على المسلِم أن يتَّبع أمر الله ورسوله، ويسأل عنه، والله - سبحانه - أنزل القرآن، وذَكَر فيه ما يُحبُّه ويُبغضُه، وبيَّن لنا فيه ديننا، وكذلك محمد ﷺ‬ أفضل الأنبياء، فليس على وجه الأرض أحدٌ أحبَّ إلى أصحابه منه، وهم يحبُّونه على أنفسهم وأولادهم، ويعرفون قَدْرَه، ويعرفون أيضًا الشرْك والإيمان، فإن كان أحدٌ من المسلمين في زمن النبي ﷺ‬ قد دعاه، أو نذر له، أو ندبه، أو أحد من أصحابه جاء عندَ قبره بعدَ موته يسأله أو يندبه، أو يدخل عليه للالْتِجاء له عندَ القبر، فاعرفْ أنَّ هذا الأمر صحيحٌ حسن، ولا تُطعني ولا غيري، وإن كان إذا سألت إذا أنه ﷺ‬ تبرَّأ ممَّن اعتقد في الأنبياء والصالحين، وقتَلهم وسَبَاهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، وحَكَم بكفرهم، فاعرفْ أنَّ النبي ﷺ‬ لا يقول إلاَّ الحق، والواجبُ على كلِّ مؤمن اتباعُه فيما جاء به.

 وبالجملة، فالذي أُنكِره الاعتقاد في غير الله ممَّا لا يجوز لغيره، فإن كنتُ قلتُه من عندي فارمِ به، أو مِن كتاب لقيته ليس عليه عملٌ فارمِ به كذلك، أو نقلتُه عن أهل مذهبي فارمِ به، وإن كنتُ قلتُه عن أمر الله ورسوله، وعمَّا أجمع عليه العلماءُ في كل مذهب، فلا ينبغي لرجل يؤمِن بالله واليوم الآخر أن يُعرِض عنه لأجْل أهل زمانه، أو أهل بلده، وأنَّ أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه.

واعلم: أنَّ الأدلة على هذا من كلام الله وكلام رسوله كثيرة، لكن أنا أمثِّل لك بدليل واحد يُنبِّهك على غيره، قال الله - تعالى -: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: 56، 57] الآية.

 ذكر المفسِّرون في تفسيرها: أنَّ جماعة كانوا يعتقدون في عيسى - عليه السلام - وعزير، فقال - تعالى -: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، ويَرْجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي.

 فيا عباد الله، تفكَّروا في كلام ربِّكم - تبارك وتعالى - إذا كان ذكر عن الكفَّار الذين قاتلهم رسولُ الله ﷺ‬ أنَّ دِينهم الذي كفرهم به هو الاعتقادُ في الصالحين، وإلاَّ فالكفَّار يخافون الله ويرجونه، ويحجُّون ويتصدَّقون، ولكنَّهم كفروا بالاعتقاد في الصالحين، وهم يقولون: إنما اعتقدْنا فيهم ليُقرِّبونا إلى الله زُلْفى، ويشفعوا لنا كما قال - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، وقال - تعالى -: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18].

 فيا عباد الله، إذا كان الله ذَكَر في كتابه أنَّ دِين الكفَّار هو الاعتقاد في الصالحين، وذكر أنهم اعتقدوا فيهم، ودعوهم وندبوهم لأجْل أنَّهم يقرِّبوهم إلى الله زُلْفى، هل بعد هذا البيان بيان؟ فإذا كان مَن اعتقد في عيسى ابن مريم مع أنَّه نبيٌّ من الأنبياء، وندبه ونخاه، فقد كَفَر، فكيف بمن يعتقدون في الشياطين، كالكلْب أبي حديدة، وعثمان الذي في الوادي، والكلاب الأُخَر في الخرج، وغيرهم في سائر البلدان، الذين يأكلون أموالَ الناس بالباطل، ويصدُّون عن سبيل الله، وأنت يا مَن هداه الله، لا تظنَّ أنَّ هؤلاء يحبُّون الصالحين، بل هؤلاء أعداءُ الصالحين، وأنت والله، الذي تحبُّ الصالحين؛ لأنَّ مَن أحبَّ قومًا أطاعهم، فمَن أحب الصالحين وأطاعهم لم يعتقدْ إلاَّ في الله، وأما مَن عصاهم ودعاهم يزعُم أنَّه يحبُّهم، فهو مثل النصارى الذين يدعون عيسى، ويزعمون محبته، وهو بريءٌ منهم، ومثل الرافضة الذين يَدْعون عليَّ بن أبي طالب، وهو بريء منهم، ونختم هذا الكتابَ بكلمة واحدة، وهي أن أقول:

 يا عبادَ الله، لا تُطيعوني وتفكَّروا، واسألوا أهْل العلم من كلِّ مذهب عمَّا قال الله ورسوله، وأنا أنصحكم: لا تظنُّوا أنَّ الاعتقاد في الصالحين مثلُ الزِّنا والسرقة، بل هو عبادةٌ للأصنام، مَن فَعَله كَفَر، وتبرَّأ منه رسولُ الله ﷺ‬ يا عبادَ الله، تفكَّروا وتذكَّروا، والسلام.


وله أيضًا - قدَّس الله رُوحَه، ونور ضريحه - رسالة إلى أهل المغرب هذا نصُّها:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد ألاَّ إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، مَن يطع الله ورسوله فقد رَشَد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولن يضرَّ إلا نفسَه، ولن يضرَّ الله شيئًا، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

فقد قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]، وقال - تعالى -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]، وقال - تعالى -: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وقال - تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

فأخبر - سبحانه - أنه أكمل الدِّين، وأتمَّه على لِسان رسوله ﷺ‬ وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا مِن ربِّنا، وترْك البدع والتفرُّق والاختلاف، فقال - تعالى -: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3]، وقال - تعالى -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]، والرسول ﷺ‬ قد أخْبر بأنَّ أمَّته تأخذ مأخذَ القرون قبلها، شِبرًا بشبر، وذِراعًا بذِراع، وثبت في الصحيحين، وغيرهما عنه ﷺ‬ : أنَّه قال: ((لتتبعنَّ سَننَ مَن كان قبلكم حذوَ القُذَّة بالقذة، حتى لو دخلوا حُجر ضبٍّ لدخلتموه) قالوا: يا رسولَ الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمَن؟))، وأخبر في الحديث الآخَرِ أن أمَّته ستفترق على ثلاث وسبعين فِرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: مَن هي يا رسول الله؟ قال: ((مَن كان على مثل ما أنا عليه اليومَ وأصحابي)).

إذا عُرِف هذا، فمعلومٌ ما قد عمَّت به البلْوى من حوادث الأمور، التي أعظمها الإشراك بالله، والتوجُّه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكُربات التي لا يقدر عليها إلا ربُّ الأرض والسموات، وكذلك التقرُّب إليهم بالنذور، وذبْح القُربان، والاستغاثة بهم في كشْف الشدائد، وجلْب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلُح إلا الله، وصَرْف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصَرْف جميعها؛ لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا كما قال - تعالى -: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: 2، 3]، فأخبر - سبحانه - أنه لا يرضى من الدِّين إلاَّ ما كان خالصًا لوجهه، وأخبر أنَّ المشركين يدعون الملائكةَ والأنبياء والصالحين ليقرِّبوهم إلى الله زُلْفى، ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي مَن هو كاذب كَفَّار، فكذَّبهم في هذه الدعوى وكفَّرهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: 3]، وقال - تعالى -: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الْأَرْضِ - سبحانه وتعالى - عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18]، فأخبر أنَّ من جعل بينه وبين الله وسائطَ يسألهم الشفاعة، فقد عبدَهم، وأشرك بهم، وذلك أنَّ الشفاعة كلَّها لله، كما قال - تعالى -: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44].

فلا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه، كما قال - تعالى -: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، وقال - تعالى -: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه: 109]، وهو - سبحانه - لا يرضى إلاَّ التوحيد، كما قال - تعالى -: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]، وقال - تعالى -: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 22: 33]، فالشفاعة حقٌّ، ولا تُطلب في دار الدنيا إلاَّ من الله - تعالى - كما قال - تعالى -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]، وقال: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106].

 فإذا كان الرسولُ ﷺ‬ وهو سيِّد الشفعاء، وصاحِب المقام المحمود، وآدم فمَن دونه تحت لوائه، لا يشفع إلاَّ بإذن الله، لا يشفع ابتداءً، بل: ((يأتي فيخر ساجدًّا، فيحمده بمحامدَ يُعلِّمه إيَّاها، ثم يقال: ارفعْ رأسك، وقُلْ يُسمع، وسلْ تُعط، واشفع تُشفَّع، ثم يحد له حدًّا فيدخلهم الجنة))، فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء؟!

وهذا الذي ذكرْناه لا يُخالِف فيه أحدٌ من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلفُ الصالح من الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة وغيرهم، ممَّن سَلَك سبيلهم، ودرج على منهجهم.

وأما ما صَدَر من سؤال الأنبياء والأولياء الشفاعةَ بعدَ موتهم، وتعظيم قبورهم ببناء القِباب عليها، والسرج والصلاة عندها، واتخاذها أعيادًا، وجَعْل السدنة والنذور لها، فكلُّ ذلك مِن حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي ﷺ‬ وحذَّر منها، كما في الحديث عنه ﷺ‬ : أنه قال: ((لا تقوم الساعة حتى يلحقَ حيٌّ من أمَّتي بالمشركين، وحتى تَعْبُد فِئامٌ من أمَّتي الأوثان))، وهو ﷺ‬ حَمَى جناب التوحيد أعظمَ حماية، وسدَّ كلَّ طريق يوصل إلى الشِّرْك، فنهى أن يُجصَّص القبر، وأن يُبنى عليه، كما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث جابر، وثبت فيه أيضًا: أنَّه بعث عليَّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأمَرَه ألاَّ يدع قبرًا مشرِفًا إلا سوَّاه، ولا تمثالاً إلا طَمَسه، ولهذا قال غيرُ واحد من العلماء: يجب هدمُ القبب المبنية على القبور؛ لأنَّها أُسِّست على معصية الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.

فهذا هو الذي أوجب الاختلافَ بيننا وبين الناس، حتى آل بهم الأمرُ إلى أن كفَّرونا، وقاتلونا واستحلوا دماءَنا وأموالنا، حتى نصَرَنا الله عليهم، وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناسَ إليه، ونقاتلهم عليه بعدما نُقيم عليهم الحُجَّة من كتاب الله وسُنَّة رسوله، وإجماع السلف الصالح من الأئمَّة، ممتثلين لقوله - سبحانه وتعالى - : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39]، فمَن لم يُجب الدعوة بالحُجَّة والبيان، قاتلْناه بالسيف والسنان، كما قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: 25]، وندعو الناس إلى إقامِ الصلاة في الجماعات على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحَجِّ بيت الله الحرام، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، كما قال - تعالى -: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41].

فهذا هو الذي نعتقد ونَدِين اللهَ به، فمَن عمل بذلك، فهو أخونا المسلِم، له ما لنا وعليه ما علينا.

ونعتقد أيضًا: أنَّ أمَّة محمد ﷺ‬ المتبعين لسُنَّته لا تجتمع على ضلالة، وأنَّه لا تزال طائفةٌ من أمَّته على الحقِّ منصورة، لا يضرُّهم مَن خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتيَ أمر الله وهم على ذلك، وصلَّى الله على محمَّد.

افترى عليَّ أمور لم أقلْها، ولم يأت أكثرُها على بالي:

فمنها: قوله: إني مُبطِل كتب المذاهب الأربعة، وإني أقول: إنَّ الناس من ستمائة سَنة ليسوا على شيء، وإني أدَّعي الاجتهاد، وإني خارجٌ عن التقليد.

 جوابي عن هذه المسائل: أنَّ أقول: سبحانك هذا بُهتانٌ عظيم، وقبله من بهت محمدًا ﷺ‬ أنَّه يسبُّ عيسى ابن مريم، ويسب الصالحين، فتشابهتْ قلوبهم بافتراء الكذب، وقول الزور، قال - تعالى -: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: 105] الآية.

 بهتوه ﷺ‬ بأنه يقول: إنَّ الملائكة وعيسى وعزيرًا في النار، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101].

وأما المسائل الأُخر، وهي أني أقول: لا يتمُّ إسلام الإنسان حتى يعرفَ معنى لا إله إلا الله، وأنى أُعرِّف مَن يأتيني بمعناها، وأني أكفِّر الناذر إذا أراد بنذره التقرُّبَ لغير الله، وأخذ النذر لأجْل ذلك، وأنَّ الذبح لغير الله كُفْر، والذبيحة حرام، فهذه المسائل حقٌّ، وأنا قائل بها، ولي عليها دلائلُ من كلام الله وكلام رسوله، ومن أقوال العلماء المُتَّبَعين، كالأئمَّة الأربعة، وإذا سهَّل الله - تعالى - بسطتُ الجواب عليها في رسالة مستقلَّة - إن شاء الله تعالى.

ثم اعلموا وتدبَّرُوا قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6] الآية.


بسم الله الرحمن الرحيم

من محمَّد بن عبدالوهَّاب إلى مَن يصل إليه من الإخوان المؤمنين بآيات الله، المصدِّقين لرسول الله، التابعين للسواد الأعظم من أصحاب رسولِ الله، والتابعين لهم بإحسان، وأهل العِلم والإيمان، المتمسِّكين بالدِّين القيِّم عند فساد الزمان، الصابرين على الغُرْبة والامتحان، سلامٌ عليكم، ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

فإنَّ الله - سبحانه - بعَث نبيَّكم ﷺ‬ على حين فتْرة من الرُّسل، وأهل الأرض مِنَ المشرق إلى المغرب قد خرجوا عن مِلَّة إبراهيم، وأقبلوا على الشرك بالله، إلا بقايا مِن أهل الكتاب، فلمَّا دعا إلى الله ارتاعَ أهلُ الأرض من دعوته، وعادَوْه كلُّهم؛ جُهَّالُهم، وأهلُ الكتاب؛ عُبَّادُهم وفسَّاقهم، ولم يتبعْه على دِينه إلا أبو بكر الصِّدِّيق، وبلال، وأهل بيته ﷺ‬ خديجة وأولادها ومولاه زيد بن حارثة، وعلي -رضي الله عنهم.

 قال عمرو بن عَبَسَة: لَمَّا أتيتُ النبي ﷺ‬ بمكة قلت: ما أنت؟ قال: ((نبيّ)). قلت: وما نبيّ؟ قال: ((أرسلني الله) قلت: بأيِّ شيء أرسلك؟ قال: ((بصِلة الأرحام، وكَسْر الأوثان، وأن يُعبدَ اللهُ لا يُشرَك به شيءٌ) قلت: مَن معك على هذا؟ قال: ((حرٌّ وعَبْد))، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، فهذا صِيغةُ بُدُوِّ الإسلام، وعداوة الخاصِّ والعام له، وكونه في غاية الغُرْبة؛ ثم قد صحَّ عنه ﷺ‬ أنَّه قال: ((بدأ الإسلامُ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ))، فمَن تأمَّلَ هذا وفَهِمه، زالتْ عنه شُبهاتُ شياطين الإنس، الذين يجلبون على مَن آمن برسول الله ﷺ‬ بخَيل الشيطان وَرَجِله، فاصبروا يا إخواني، واحمدوا الله على ما أعطاكم مِن معرفة الله - سبحانه - ومعرفة حقِّه على عباده، ومعرفة ملَّة أبيكم إبراهيم في هذا الزمان، التي أكثر الناس منكر لها؛ اضْرَعوا إلى الله أن يَزيدكم إيمانًا ويقينًا وعلمًا، وأن يُثبِّت قلوبَكم على دينه، وقولوا كما قال الصالحون الذين أثْنى الله عليهم في كتابه: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].

واعلموا أنَّ الله قد جَعَل للهداية والثبات أسبابًا، كما جعل للضلال والزَّيْغ أسبابًا، فمِن ذلك أنَّ الله - سبحانه - أنزل الكتاب، وأرسل الرسول؛ ليبيِّن للناس ما اختلفوا فيه، كما قال - تعالى -: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: 64].

 فبإنزال الكتاب، وإرْسال الرسول، قَطَع العُذْر، وأقام الحُجَّة، كما قال - تعالى -: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165].

 فلا تغفلوا عن طلب التوحيد وتعلُّمه، واستعمال كتاب الله، وإجالة الفِكْر فيه، وقد سمعتُم مِن كتاب الله ما فيه عِبْرة، مثل قولهم: نحن موحِّدون، نعلم أنَّ الله هو النافع الضار، وأنَّ الأنبياء وغيرهم لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا، لكن نريد الشفاعة، وسمعتُم ما بيَّن الله في كتابه في جواب هذا، وما ذكر أهلُ التفسير وأهلُ العلم، وسمعتُم قول المشركين: الشِّرْك عبادة الأصنام، وأما الصالحون فلا، وسمعتُم قولهم: لا نريد إلاَّ مِن الله، لكن نريد بجاههم، وسمعتُم ما ذكر الله في جواب هذا كلِّه، وقد منَّ الله عليكم بإقرار علماء المشرِكين بهذا كلِّه، سمعتم إقرارَاهم أنَّ هذا الذي يُفعل في الحرمين والبصرة، والعراق واليمن أنَّ هذا شرْك بالله، فأقروا لكم أن هذا الدين الذي ينصرون أهله ويزعمون أنهم السواد الأعظم أقرُّوا لكم أنَّ دِينهم هو الشِّرْك؛ وأقرُّوا لكم أيضًا أنَّ التوحيد الذي يسعَوْن في إطفائه، وفي قتْل أهله وحبسهم، أنَّه دِينُ الله ورسوله، وهذا الإقرارُ منهم على أنفسهم مِن أعظمِ آيات الله، ومِن أعظم نِعم الله عليكم، ولا يَبْقى شبهةٌ مع هذا إلاَّ للقلْب الميِّت، الذي طَبَع الله عليه، وذلك لا حيلةَ فيه.

ولكنَّهم يجادلونكم اليوم بشُبهة واحدة، فاصغوا لجوابها، وذلك أنَّهم يقولون: كل هذا حق، نشهد أنه دِين الله ورسوله، إلاَّ التكفير والقِتال، والعجب ممَّن يخفَى عليه جوابُ هذا، إذا أقرُّوا أنَّ هذا دين الله ورسوله، كيف لا يُكفِّر مَن أنكره، وقَتَل مَن أمر به وحبَسَهم؟! كيف لا يُكفِّر مَن أمر بحبسهم؟! كيف لا يكفِّر مَن جاء إلى أهل الشِّرْك يحثُّهم على لزوم دِينهم، وتزيينه لهم، ويحثُّهم على قتْل الموحِّدين، وأخذ مالهم؟! كيف لا يكفر وهو يشهد أنَّ الذي يحثُّ عليه أنَّ الرسول ﷺ‬ أنكره، ونهى عنه، وسماه الشرك بالله، ويشهد أنَّ الذي يُبغضه ويُبغض أهله، ويأمر المشركين بقَتْلهم هو دِينُ الله ورسوله؟!

واعلموا أنَّ الأدلَّة على تكفير المسلِم الصالح إذا أشرَك بالله، أو صار مع المشركين على الموحِّدين ولو لم يُشرِك، أكثرُ من أن تُحصر من كلام الله، وكلام رسوله، وكلام أهل العِلم كلهم.

وأنا أذكر لكم آيةً من كتاب الله، أجمع أهلُ العِلم على تفسيرها، وأنَّها في المسلمين، وأنَّ مَن فعل ذلك، فهو كافِر في أيِّ زمان كان، قال - تعالى -: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] إلى آخِر الآية، وفيها: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ [النحل: 107]، فإذا كان العلماء ذَكروا أنَّها نزلت في الصحابة لَمَّا فتنَهم أهلُ مكة، فكيف بالموحِّد في زماننا، إذا تكلَّم في البصرة أو الأحساء، أو مكة أو غير ذلك؛ خوفًا منهم، لكن قبلَ الإكراه؟ وإذا كان هذا يكفر، فكيف بمَن صار معهم، وسَكَن معهم، وصار مِن جملتهم؟ فكيف بمَن أعانهم على شِرْكهم وزيَّنه لهم؟ فكيف بمَن أمر بقتل الموحِّدين، وحثَّهم على لزوم دِينهم؟!

 فأنتم - وفَّقكم الله - تأمَّلُوا هذه الآية، وتأمَّلُوا مَن نزلت فيه، وتأملوا إجماعَ العلماء على تفسيرها، وتأملوا ما جَرَى بيننا وبيْن أعداء الله، نطلبهم دائمًا الرجوعَ إلى كُتبهم التي بأيديهم في مسألة التكفير والقِتال، فلا يجيبوننا إلاَّ بالشكوى عند الشيوخ وأمثالهم، واللهَ أسأل أن يُوفِّقكم لدينه، ويرزقَكم الثباتَ عليه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


ومنها رسالة أرسلها إلى عبدالله بن عيسى مطوع الدرعية قال فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمَّد بن عبدالوهاب إلى عبدالله بن عيسى، سلامٌ عليكم ورحمةُ الله وبركاته، أما بعد:

فقد قال ابن القيم في "أعلام الموقعين"[4]: "﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: 50]، فقسم الأمر إلى أمرين، لا ثالث لهما: إمَّا الاستجابة للرسول، وإما اتِّباع الهوى، وذكَر كلامًا في تقرير ذلك... إلى أن قال: ثم أخبر - سبحانه -: أنَّ مَن تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول، فقد حكَّم الطاغوت، وتحاكم إليه؛ يعني: الآيات في النساء ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: 60].

 قال: والطاغوتُ كلُّ ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود، أو متبوع، أو مُطاع، فطاغوتُ كلِّ قوم مَن يتحاكمون إليه، غير الله ورسوله، أو يتبعونه على غير بصيرة مِن الله، أو يُطيعونه فيما لا يعلمون أنَّه طاعة لله، فهذه طواغيتُ العالَم إذا تأملتَها وتأملتَ أحوال الناس معها، رأيتَ أكثرهم ممَّن أعرض عن طاعة الله ومتابعة رسوله، إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يَسْلكوا طريقَ الناجين من هذه الأمَّة، وهم الصحابة ومَن تبعهم، قال الله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53]، والزبر الكتب؛ أي: كل فِرقة صنَّفوا كتبًا أخذوا بها وعملوا بها، دون كُتب الآخَرين، كما هو الواقع سواء، وقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] قال ابن عبَّاس: تَبيضُّ وجوهُ أهل السُّنة والائتلاف، وتسودُّ وجوهُ أهل الفُرْقة والاختلاف"؛ هذا كله كلام ابن القيم.

وقال الشيخ تقي الدين في كتاب "الإيمان" قال الله - تعالى -: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31] الآية، وفي حديث عدي بن حاتم: أنَّه قال للنبي ﷺ‬ : ((إنَّا لسْنا نعبدهم، قال: ((أليس يُحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرِّمونه، ويُحلُّون ما حرَّم الله فتحلُّونه؟) قلتُ: بلى، قال: ((فتلك عبادتهم))؛ رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما.

وقال أبو العالية: إنَّهم وجدوا في كتاب الله ما أُمِروا به، وما نهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارَنا بشيء، فما أمرونا به ائتمرْنا، وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، ونبذوا كتاب الله وراءَ ظهورهم[5]؛ انتهى كلام ابن تيمية.

فتأمَّل هذا الكلام بشراشر قلْبِك، ثم نزِّلْه على أحوال الناس وحالك، وتفكَّرْ في نفسك، وحاسِبْها بأيِّ شيء تدفع هذا الكلام، وبأيِّ حُجَّة تحتجُّ يوم القيامة على ما أنت عليه، فإن كان عندك شُبهة فاذكرها، فأنا أُبينها - إن شاء الله تعالى - والمسألة مثل الشمس، ولكن مَن يهدي الله فلا مضل له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وإن لم يتَّسعْ عقلك لهذا فتضرَّعْ إلى الله بقلْب حاضر، خصوصًا في الأسحار، أن يهديَك للحق، ويريَك الباطل باطلاً، وفرَّ بدِينك، فإنَّ الجنَّة والنار قُدَّامك، والله المستعان، ولا تستهجنْ هذا الكلام، فواللهِ ما أردتُ به إلا الخير، وصلى الله على محمد وآله وسلم.


بسم الله الرحمن الرحيم

ومنها رسالة أرسلها جوابًا لعبدالله بن سحيم مطوع أهل المَجْمَعة حين سأله عن الكتاب الذي أرسله عدوُّ الله سليمان بن محمد بن سحيم مطوع أهل الرياض، وكانت رسالةً أرسلها إلى أهل البصرة والحسا يُشنِّع فيها على الشيخ بالكذب والبهتان، والزور والباطل، الذي ما جرى، وما كان قصدُه بذلك الاستنصارَ بكلامهم على إبطال ما أظهره الشيخ مِن بيان التوحيد، وإخلاص الدعوة لله، وهَدْم أركان الشرك، وإبطال مناهِج الضلال والإفك، ورام هذا أن يرتقيَ إلى ذلك بأسباب، ويستدعي من كلِّ معاند مكابِر الجواب، فإنَّ الله - تعالى - بفضله قد أزال اللبس والحجاب، وكشف عن القلوب ظلماتِ الرَّيْن والاحتجاب، وهذا نصُّ الرسالة.

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمَّد بن عبدالوهاب إلى عبدالله بن سحيم، وبعد:

ألْفَيْنا[6] مكتوبك، وما ذكرتَ فيه من ذِكْرك وما بلغك، ولا يخفاك أنَّ المسائل التي ذكرتَ أنها بلغتكم في كتاب من العارض، جملتها أربع وعشرون مسألة، بعضها حقّ، وبعضها بُهتان وكَذِب، وقبل الكلام فيها لا بدَّ من تقديم أصل، وذلك: أنَّ أهل العلم إذا اختلفوا، والجهَّال إذا تنازعوا، ومِثْلي ومثلكم إذا اختلفْنا في مسألة، هل الواجبُ اتباع أمْر الله ورسوله وأهل العلم؟ أو الواجب اتِّباع عادة الزمان، التي أدركْنا الناس عليها، ولو خالفتْ ما ذكَرَه العلماء في جميع كتبهم؟

 وإنما ذكرتُ هذا - ولو كان واضحًا - لأنَّ بعض المسائل التي ذكرتَ أنا قلتُها، لكن هي موافقة لِمَا ذكَرَه العلماء في كتبهم، الحنابلة وغيرهم، ولكن هي مخالِفة لعادة الناس التي نشؤوا عليها، فأنكرها عليَّ[7] لأجْل مخالفة العادة، وإلاَّ فقد رأَوْا تلك في كتبهم عيانًا، وأقرُّوا بها، وشهدوا أنَّ كلامي هو الحق، لكن أصابهم ما أصاب الذين قال الله فيهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89] الآية.

وهذا هو ما نحن فيه بعينه، فإنَّ الذي راسلكم هو عدوُّ الله ابن سحيم، وقد بيَّنتُ ذلك له فأقرَّ به، وعندنا كُتب يدِه في رسائل متعدِّدة أنَّ هذا هو الحق، وأقام على ذلك سِنين، لكن أنكر آخِرَ الأمر لأسباب، أعظمُها البغي أن يُنزِّل الله من فضله على مَن يشاء من عباده، وذلك أنَّ العامة قالوا له ولأمثاله: إذا كان هذا هو الحقَّ فلأيِّ شيء لم تنهَوْنا عن عبادة شمسان وأمثاله، فتعذَّروا أنكم ما سألتمونا، قالوا: وإن لم نسألْكم، كيف نشرك بالله عندكم ولا تنصحوننا؟! وظنوا أن يأتيهم في هذا غضاضة، وأنَّ فيه شرفًا لغيره، وأيضًا لَمَّا أنكرْنا عليهم أكْلَ السحت والرِّشا، إلى غير ذلك من الأمور، فقام يدجِّل عندكم وعند غيركم بالبُهتان، والله ناصرٌ دينَه، ولو كره المشرِكون، وأنت لا تستهوِنْ مخالفةَ العادة على العلماء، فضلاً عن العوام، وأنا أضرِب لك مثلاً بمسألة واحدة، وهي مسألة الاستجمار ثلاثًا فصاعدًا غير عظم ولا رَوَث، وهو كافٍ مع وجود الماء عندَ الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إجماعُ الأمَّة لا خلاف في ذلك، ومع هذا لو يفعله أحدٌ لصار هذا عند الناس أمرًا عظيمًا، ولنهوا عن الصلاة خَلْفه، ويدعوه مع إقرارهم بذلك ولكن لأجْل العادة.

إذا تبيَّن هذا، فالمسائل التي شنّع بها، منها ما هو من البهتان الظاهر، وهي قوله: إني مبطلٌ كتب المذاهب، وقوله: إني أقول: إنَّ الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وقوله: إني أدعي الاجتهاد، وقوله: إني خارج عن التقليد، وقوله: إني أقول: إن اختلاف العلماء نِقْمة، وقوله: إني أُكفِّر مَن توسَّل بالصالحين، وقوله: إنِّي أُكفِّر البُوصِيري؛ لقوله: يا أكرمَ الخلق، وقوله: إني أقول: لو أقْدِر على هدْم حجرة الرسول لهدمتُها، ولو أقدر على الكعبة لأخذتُ ميزابها، وجعلت لها ميزابًا من خَشَب، وقوله: إني أنكر زيارةَ قبر النبي ﷺ‬ وقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدَين وغيرهم، وإنِّي أُكفِّر مَن يحلف بغير الله، فهذه اثنتا عشرة مسألة، جوابي فيها أن أقول: "سبحانك هذا بهتان عظيم".

ولكن قبله مَن بهت النبي محمدًا ﷺ‬ أنَّه يسبُّ عيسى ابن مريم، ويسبُّ الصالحين "تشابهتْ قلوبهم"، وبهتوه بأنَّه يزعم أنَّ الملائكة، وعيسى وعزيرًا في النار، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101] الآية، وأما المسائل الأُخر، وهي أني أقول: لا يتمُّ إسلام الإنسان حتى يعرِف معنى لا إله إلا الله، ومنها أني أُعرِّف مَن يأتيني بمعناها، ومنها أني أقول: الإله هو الذي فيه السر، ومنه تكفير الناذر إذا أراد به التقرُّبَ لغير الله، وأخذ النذر كذلك، ومنها: أنَّ الذبح للجنِّ كُفْر، والذبيحة حرام، ولو سمَّى الله عليها إذا ذَبَحها للجِنّ، فهذه خمس مسائل كلها حقٌّ، وأنا قائلها.

ونبدأ بالكلام عليها؛ لأنَّها أمُّ المسائل، وقبل ذلك أذكر معنى (لا إله إلا الله)، فنقول: التوحيد نوعان:

 توحيد الربوبية، وهو: أنَّ الله - سبحانه - متفرِّد بالخَلْق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حقٌّ لا بُدَّ منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام؛ لأنَّ أكثر الناس مُقِرُّون به، قال الله - تعالى -: ﴿قلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31].

 وأنَّ الذي يُدخِل الرجلَ في الإسلام هو توحيدُ الألوهية، وهو: ألاَّ يعبد إلا الله لا مَلكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسَلاً، وذلك أنَّ النبي ﷺ‬ بُعِث وأهل الجاهلية يعبدون أشياءَ مع الله، فمنهم مَن يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة، فنهاهم عن هذا، وأخبرَهم أن الله أرسله ليُوحَّد ولا يُدْعى أحد من دونه، لا الملائكة ولا الأنبياء، فمَن تبعه ووحَّد الله، فهو الذي شهد ألاَّ إله إلا الله، ومَن عصاه، ودعا عيسى والملائكة، واستنصرهم، والتجأ إليهم، فهو الذي جَحَد (لا إله إلا الله)، مع إقراره أنَّه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، وهذه جملةٌ لها بسط طويل، لكن الحاصل أنَّ هذا مُجْمَع عليه بين العلماء.

 ولَمَّا جرى في هذه الأمَّة ما أخبر به نبيُّها ﷺ‬ حيث قال: ((لتتبعُنَّ سَنَن مَن كان قبلكم حذوَ القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحْر ضبٍّ لدخلتموه))، وكان مَن قبلهم - كما ذكر الله عنهم -: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]، فصار ناسٌ من الضالِّين يدعون أناسًا من الصالحين في الشِّدَّة والرخاء، مثل عبدالقادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعديّ بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، فأنكر عليهم أهلُ العلم غايةَ الإنكار، وزجروهم عن ذلك، وحذَّروهم غاية التحذير والإنذار، من جميع المذاهب الأربعة في سائرِ الأقطار والأمصار، فلم يحصل منهم انزجارٌ، بل استمرُّوا على ذلك غايةَ الاستمرار.

وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك، فحاشاهم من ذلك، وبيَّن أهلُ العلم أنَّ أمثال هذا هو الشرك الأكبر، وأنت ذكرتَ في كتابك، تقول: يا أخي، ما لنا واللهِ دليلٌ إلا من كلام أهل العلم، وأنا أقول: كلام أهل العلم رضي، وأنا أنقلُه لك، وأنبهك عليه، فتفكَّرْ فيه، وقم لله ساعةً، ناظرًا ومناظرًا مع نفسك ومع غيرِك، فإن عرفتَ أنَّ الصواب معي، وأنَّ دين الإسلام اليوم من أغربِ الأشياء؛ أعني: دين الإسلام الصِّرْف الذي لا يمزج بالشرك والبدع، وأمَّا الإسلام الذي ضده الكُفْر، فلا شكَّ أنَّ أمَّة محمد ﷺ‬ آخرُ الأمم، وعليها تقوم الساعة، فإنْ فهمتَ أنَّ كلامي هو الحق، فاعمل لنفسك.

 واعلم أنَّ الأمر عظيم، والخطب جسيم، فإن أَشْكل عليك شيء، فسفرك إلى المغرب في طلبه غيرُ كثير، واعتبر لنفسك حيث قلتَ لي فيما مضى: إنَّ هذا هو الحق الذي لا شكَّ فيه، لكن لا نقدر على تغييره، وتكلمتَ بكلام حسن، فلمَّا غربَلك الله بولد المويس، ولبَّس عليك، وكتب لأهل الوشم يستهزئ بالتوحيد، ويزعم أنَّه بدعة، وأنه خرج من خراسان، ويسبُّ دِين الله ورسوله لم تفطن لجهلِه، وعظم ذنبه وظننتَ أنَّ كلامي فيه من باب الانتصار للنفس، وكلامي هذا لا يغيرك، فإنَّ مرادي أن تفهمَ أنَّ الخطب جسيم، وأنَّ أكابِرَ أهل العلم يتعلَّمون هذا ويغلطون فيه، فضلاً عنَّا وعن أمثالنا، فلعله إنْ أَشكل عليك تواجهني.

 هذا إن عرفتَ أنه حقٌّ، وإن كنتَ إذا نقلتُ لك عبارات العلماء عرفتَ أني لم أفهمْ معناها، وأنَّ الذي نقلتُ لك كلامهم أخطؤوا، وأنهم خالفهم أحدٌ من أهل العلم، فنبهني على الحق، وأرجِع إليه - إن شاء الله تعالى.

فنقول: قال الشيخ تقي الدين: "وقد غَلِط في مسمى التوحيد طوائفُ من أهل النظر، ومن أهل العبادة، حتى قلبوا حقيقته، فطائفةٌ ظنَّت أنَّ التوحيد هو نفي الصِّفات، وطائفةٌ ظنوا أنه الإقرار بتوحيد الربوبية، ومنهم مَن أطال في تقرير هذا الموضع، وظنَّ أنَّه بذلك قرَّر الوحدانية، وأنَّ الألوهية هي القدرة على الاختراع، ونحو ذلك، ولم يعلم أنَّ مشرِكي العرب كانوا مُقرِّين بهذا التوحيد، قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: 84] الآيات، وهذا حقٌّ، لكن لا يخلص به عن الإشراك بالله الذي لا يغفره الله، بل لا بدَّ أن يخلص الدين لله، فلا يعبد إلا الله، فيكون دِينُه لله، والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب... وأطال - رحمه الله - الكلام.

وقال أيضًا في "الرسالة السنية"، التي أرسلها إلى طائفةٍ من أهل العبادة ينتسبون إلى بعض الصالحين، ويَغلُون فيهم، فذكر حديث الخوارج، ثم قال: فإذا كان في زمن النبي ﷺ‬ وخلفائه الراشدين ممَّن ينتسب إلى الإسلام مَن مَرَق منه، مع عبادته العظيمة، فليعلم أنَّ المنتسِب إلى الإسلام قد يمرق من الدِّين، وذلك بأمور، منها: الغلو الذي ذمَّه الله، مثل الغلو في عدي بن مسافر أو غيره، بل الغلو في عليِّ بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكلُّ مَن غَلاَ في نبي أو صحابي، أو رجل صالِح، وجعل فيه نوعًا من الإلهيَّة، مثل أن يقول: يا سيِّدي فلان، أغثني، أو أنا في حسبك، ونحو هذا، فهذا كافِر، يُستتاب، فإن تاب وإلاَّ قُتِل، فإنَّ الله - سبحانه - إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليُعبدَ، ولا يدعى معه إلهٌ آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل الشمس والقمر، والصالحين والتماثيل المصوَّرة على صورهم لم يكونوا يعتقدون أنها تُنزِل المطر، وتُنبِت النبات، وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث اللهُ الرسل، وأنزل الكتب تنهى أن يُدعَى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة... وأطال الكلام - رحمه الله.

 فتأمَّل كلامه في أهل عصره مِن أهل النظر الذين يدَّعون العلم، ومِن أهل العبادة الذين يدَّعون الصلاح.

وقال في "الإقناع" في "باب حكم المرتد" في أوله: فمَّن أشرك بالله، أو جحد ربوبيتَه أو وحدانيته... إلى أن قال: أو استهزأ بالله أو رسله، قال الشيخ: أو كان مبغضًا لرسوله أو لِمَا جاء به اتفاقًا، أو جعل بينه وبين الله وسائطَ، يدعوهم ويتوكَّل عليهم، ويسألهم، كَفَر إجماعًا... إلى أن قال: أو أنكر الشهادتين أو إحداهما.

 فتأمَّلْ هذا الكلام بشراشر قلبك، وتأمَّلْ هل قالوا هذا في أشياء وُجِدتْ في زمانهم، واشتد نكيرهم على أهلها، أو قالوها ولم تقع، وتأمَّل الفرق بين جحْد الربوبيَّة والوحدانية، والبغض لِمَا جاء به الرسول.

وقال أيضًا في أثناء الباب: ومَن اعتقد أنَّ لأحد طريقًا إلى الله غير متابعة محمَّد ﷺ‬ أو لا يجب عليه اتِّباعه، أو أنَّ لغيره خروجًا عن اتباعه، أو قال: أنا محتاجٌ إليه في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون عِلم الحقيقة، أو قال: إنَّ مِن العلماء مَن يسعه الخروجُ عن شريعته، كما وسع الخَضِرَ الخروجُ عن شريعة موسى، كَفَر في هذا كله، ولو تعرف مَن قال هذا الكلام فيه، وجزم بكفرهم، وعلمت ما هم عليه من الزُّهْد والعبادة، وأنَّهم عندَ أكثر أهل زماننا من أعظم الأولياء، لقضيتَ العجب.

وقال أيضًا في الباب: ومَن سبَّ الصحابة، واقترن بسبِّه دعوى أن عليًّا إله، أو نبي، أو أنَّ جبريل غلط، فلا شكَّ في كُفْر هذا، بل لا شكَّ في كفر مَن توقَّف في تكفيره، فتأمَّل هذا إذا كان كلامه هذا في علي، فكيف بمَن ادَّعى أنَّ ابن عربي أو عبدالقادر إله؟!

 وتأمل كلام الشيخ في معنى الإله الذي تألهُه القلوب، واعلم أنَّ المشركين في زماننا قد زادوا على الكُفَّار في زمن النبي ﷺ‬ بأنهم يَدْعون الأولياء والصالحين في الرخاء والشدة، ويطلبون منهم تفريجَ الكربات، وقضاء الحاجات، مع كونهم يدعون الملائكة والصالحين، ويُريدون شفاعتَهم والتقرُّبَ بهم، وإلا فهم مُقرُّون بأن الأمر لله، فهم لا يدعونهم إلا في الرخاء، فإذا جاءتْهم الشدائد أخلصوا لله، قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: 67] الآية.

وقال أيضًا في "الإقناع" في الباب: ويحرُم تعلُّم السِّحر، وتعليمه، وفعله، وهو عقْد ورُقى، وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثِّر في بدن المسحور، أو قلْبه، أو عقله، ومنه ما يَقْتُل، ومنه ما يُمرِض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطْأَها، ومنه ما يبغِّض أحدهما للآخر، ويحبِّب بين اثنين، ويَكفُر بتعلُّمه وفعله، سواء اعتقد تحريمه أو إباحته، فتأمَّل هذا الكلام، ثم تأمَّل ما جرى في الناس، خصوصًا الصَّرْف والعطف، تعرف أنَّ الكفر ليس ببعيد، وعليك بتأمُّل هذا الباب في "الإقناع" وشرحه تأمُّلاً جيِّدًا، وقِفْ عند المواضع المشكلة، وذاكر فيها كما تفعل في باب الوقف والإجارة، يتبيَّن لك - إن شاء الله - أمرٌ عظيم.

وأما الحنفية فقال الشيخ قاسم في شرح "درر البحار": النذر الذي يقع مِن أكثر العوام، وهو أن يأتي إلى قبر الصلحاء، قائلاً: يا سيِّدي فلان، إن رُدَّ غائبي، أو عُوفي مريضي، أو قُضيتْ حاجتي، فلَكَ كذا وكذا، باطلٌ إجماعًا؛ لوجوه منها: أنَّ النذر للمخلوق لا يجوز، ومنها ظنَّ أنَّ الميِّت يتصرَّف في الأمر، واعتقادُ هذا كُفْر، إلى أن قال: إذا عُرِف هذا، فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها، ويُنقل إلى ضرائح الأولياء، فحرامٌ بإجماع المسلمين، وقد ابتُلي الناس بهذا، لا سيَّما في مولد أحمد البدوي، فتأمَّل قول صاحب "النهر"، مع أنه بمصر ومقر العلماء، كيف شاع بين أهل مصر ما لا قُدرةَ للعلماء على دَفْعه، فتأمل قوله مِن أكثر العوام، أتظنُّ أنَّ الزمان صلح بعدَه؟

أما المالكية، فقال الطُّرْطُوشي في كتاب "الحوادث والبدع": روى البخاري عن أبي واقدٍ الليثي، قال: "خرجْنا مع رسول الله ﷺ‬ إلى حُنين ونحن حديثو عهد بكُفر، وللمشركين سِدرة يَعكُفون حولَها، وينوطون بها أسلحتَهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررْنا بسِدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعلْ لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال: الله أكبر! هذا كما قال بنو إسرائيل لموسى: "اجعلْ لنا إلهًا كما لهم آلهة، لتركبنَّ سَنَن مَن كان قبلكم))، فانظروا - رحمكم الله - أينما وجدتُم سِدرة يقصدها الناس، وينوطون بها الخِرقَ، فهي ذات أنواط، فاقطعوها.

 وقال ﷺ‬ : ((بدأ الإسلامُ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطُوبَى للغرباء؛ الذين يَصْلحون إذا فَسَد الناس) ومعنى هذا: أنَّ الله لَمَّا جاء بالإسلام، فكان الرجل إذا أسلم في قبيلته غريبًا مستخفيًا بإسلامه، قد جفاه العشيرة، فهو بينهم ذليل خائف، ثم يعود غريبًا؛ لكثرةِ الأهواء المضلَّة، والمذاهب المختلفة، حتى يبقى أهلُ الحق غرباءَ في الناس؛ لِقِلَّتِهم، وخوفهم على أنفسهم.

وروى البخاري عن أمِّ الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: "واللهِ ما أعرف فيهم مِن أمر محمَّد إلاَّ أنهم يُصلُّون جميعًا"، وذلك أنه أنكر أكثر أفعالِ أهل عصره.

 وقال الزهري: دخلتُ على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يُبكيك؟ فقال: ما أعرِف فيهم شيئًا ممَّا أدركتُ إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعت"؛ انتهى كلام الطرطوشي.

فليتأمَّل اللبيبُ هذه الأحاديث، وفي أيِّ زمان قيلت، وفي أي مكان، وهل أنكرَها أحدٌ من أهل العلم، والفوائد فيها كثيرة، ولكن مرادي منها ما وقع من الصحابة، وقول الصادق المصدوق، إنه مثل كلام الذين اختارهم الله على العالَمين لنبيِّهم: اجعل لنا إلهًا، يا عجبًا! إذا جرى هذا من أولئك السادة، كيف يُنكَر علينا أنَّ رجلاً من المتأخرين غَلِط في قوله: يا أكرمَ الخَلْق؟! كيف تعجبون مِن كلامي فيه، وتظنونه خيرًا وأعلمَ منهم؟!

 ولكن هذه الأمور لا عِلمَ لكم بها، وتظنُّون أن من وصف شركًا أو كفرًا، أنَّه الكفر الأكبر المخرِج عن الملَّة، ولكن أين كلامُك هذا من كتابك الذي أرسلتَ إليَّ قبل أن يُغربِلَك الله بصاحب الشام، وتذكر وتشهد أنَّ هذا هو الحق، وتعتذر أنك لا تقدِر على الإنكار، ومُرادي أن أبيِّن لك كلامَ الطرطوشي، وما وقع في زمانه من الشِّرْك بالشجر، مع كونه في زمن القاضي أبي يعلَى، أتظنُّ الزمان صلح بعده؟!

وأما كلام الشافعية، فقال الإمام مُحدِّث الشام أبو شامة في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، وهو في زمن الشارح وابن حمدان: وقد وقع مِن جماعة من النابذين لشريعة الإسلام المنتمين إلى الفقر الذي حقيقتُه الافتقار من الإيمان مِن اعتقادهم في مشايخَ لهم، ضالِّين مُضلِّين، فهم داخلون تحت قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21] الآية.

وبهذه الطُّرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومِن هذا القسم ما قد عمَّ الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامَّة تخليقَ الحيطان والعمد، وإسراجَ مواضع في كلِّ بلد يحكي لهم حاكٍ أنَّه رأى في منامه أحدًا ممَّن شهر بالصلاح، فيفعلون ذلك، ويظنُّون أنهم يتقرَّبون إلى الله، ثم يجاوزون ذلك إلى أن يعظم وقْعُ تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشِّفاءَ لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي بيْن عيون وشجر، وحائط وحجر، وفي دمشق صانَها الله من ذلك، مواضِع متعدِّدة كعوينة الحمى، والشجرة الملعونة خارجَ باب النصر، سهَّل الله قطعَها، فما أشبَهها بذات أنواط!

 ثم ذكر كلامًا طويلاً، إلى أن قال: أسألَ الله الكريم معافاته من كلِّ ما يخالف رضاه، ولا يجعلنا ممَّن أضلَّه، فاتخذ إلهَه هواه، فتأمَّل ذِكْره في هذا النوع، أنَّه نبْذ لشريعة الإسلام، وأنَّه خروج على الإيمان، ثم ذَكَر أنه عمَّ الابتلاء به في الشام، فأنت قلْ لصاحبكم: هؤلاء العلماء من الأئمَّة الأربعة ذكروا أنَّ الشرك عمَّ الابتلاء به وغيره، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، وذكروا أنَّ الدِّين عاد غريبًا، فهو بيْن اثنتين: إما أن يقول: كلُّ هؤلاء العلماء جاهلون، ضالُّون مضِلُّون، خارجون، وإما أن يدَّعي أنَّ زمانه وزمان مشايخه صَلَح بعدَ ذلك، ولا يخفاك أني عثرتُ على أوراق عند ابن عزاز، فيها إجازاتٌ له من عند مشايخه، وشيخ مشايخه رجلٌ يقال له عبدالغني، ويُثنون عليه في أوراقهم، ويسمُّونه العارف بالله، وهذا اشتهر عنه أنَّه على دين ابن عربي، الذي ذكر العلماء أنه أكفرُ مِن فرعون، حتى قال ابن المقري الشافعي: مَن شكَّ في كفر طائفة ابن عربي فهو كافِر، فإذا كان إمامُ دِين ابن عربي والداعي إليه هو شيخَهم، ويُثنون عليه أنَّه العارف بالله، فكيف يكون الأمر؟!

 ولكن أعظم من هذا كلِّه ما تقدَّم عن أبي الدرداء وأنس وهما بالشام، ذلك الكلام العظيم، واحتجَّ به أهلُ العلم على أنَّ زمانهم أعظم، فكيف بزماننا؟!

 وقال ابن القيِّم - رحمه الله - في "الهدي النبوي" في الكلام على حديث وَفْد الطائف لَمَّا أسلموا، وسألوا النبي ﷺ‬ أن يتركَ لهم اللاَّت لا يهدمها سَنة، ولما تقدَّم ابن القيم على المسائل المأخوذة من القصة، قال: ومنها: أنَّه لا يجوز إبقاءُ مواضِع الشرك والطواغيت بعدَ القُدرة على هدْمها وإبطالها يومًا واحدًا، فإنها شعائرُ الشِّرْك والكفر، وهي أعظمُ المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة ألبتة، وهذا حُكم المشاهِد التي بُنِيت على القبور، التي اتُّخِذت أوثانًا تُعبَد من دون الله، والأحجار التي تُقْصد للتبرُّك، والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاءُ شيء منها على وجه الأرض مع القُدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللاَّت والعُزَّى، ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شِركًا عندها وبها، والله المستعان.

ولم يكن أحدٌ من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنَّها تخلق وترزق، وإنما كانوا يفعلون عندَها وبها ما يفعله إخوانُهم من المشركين اليومَ عند طواغيتهم، فاتَّبع هؤلاء سَننَ مَن قبلهم، وسلكوا سبيلهم شِبرًا بشبر، وذِراعًا بذراع، وسلكوا سبيلهم حذوَ القُذَّة بالقُذَّة، وغلب الشِّرْك على أكثر النفوس؛ لِغَلبة الجهل، وخفاء العلم، وصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسُّنَّة بدعة، والبدعة سُنَّة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمستِ الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلَّ العلماء، وغلب السفهاء وتفاقم الأمر، واشتدَّ البأس، وظهَر الفساد في البرِّ والبحر بما كسبت أيدي الناس؛ انتهى كلامه.

وقال أيضًا في الكلام على هذه القصَّة، لَمَّا ذكر أنَّ النبي ﷺ‬ أخذ مالَ اللاَّت وصرفه في المصالح: ومنها: جواز صَرْف الإمامِ الأموالَ التي تصير إلى هذه الطواغيت في الجهاد، ومصالِح المسلمين، فيجب عليه أن يأخذ أموال هذه الطواغيت التي تُساق إليها، ويصرفها على الجُند والمقاتلة، ومصالِح الإسلام، كما أخذ النبي ﷺ‬ أموالَ اللاَّت، وكذا الحُكم في وقْفها، والوقف عليها باطل، وهو مال ضائِع، فيصرف في مصالح المسلمين، فإنَّ الوقف لا يصحُّ إلا في قُرْبة، وطاعة الله ورسوله، فلا يصحُّ على مشهد، ولا قبر يُسرج عليه ويُعظَّم، وينذر له، ويُعبد مِن دون الله، وهذا مما لا يخالِف فيه أحدٌ من أئمَّة الدِّين، ومَن اتَّبع سبيلهم؛ انتهى كلامه.

فتأمَّل كلامَ هذا الرجل، الذي هو مِن أهل العلم، وهو أيضًا من أهل الشام، كيف صرَّح أنه ظهر في زمانه فيمَن يدَّعي الإسلام في الشام وغيره عبادةُ القبور والمشاهد، والأشجار والأحجار، التي هي أعظمُ من عبادة اللاَّت والعُزَّى أو مثله، وأنَّ ذلك ظهر ظهورًا عظيمًا، حتى غلب الشركُ على أكثر النفوس، وحتى صار الإسلام غريبًا، بل اشتدتْ غُربتُه.

 أين هذا من قوْل صاحبكم لأهل الوشم في كتابه، لَمَّا ذكروا له أنَّ في بلدانكم شيئًا من الشِّرْك يأبى الله أن يكون ذلك في المسلمين، وكلام هؤلاء الأئمَّة من أهل المذاهب الأربعة أعظمُ وأعظم، وأطمّ مما قال ابن عيدان وصاحبه في أهل زمانهما، أفَتَرى هؤلاء العلماء أَتَوْا فِرية عظيمة، ومقالة جسيمة؟

فهذا ما يسَّر الله نقلَه من كلام أهل العلم على سبيل العجلة، فأنت تأمله تأمُّلاً جيدًا، واجعل تأمُّلَك لله، مستعيذًا بالله من اتِّباع الهوى، ولا تفعلْ فعلك أوَّلاً، لَمَّا ذكرتُ لك أنك تتأمَّل كلامي وكلامه، فإن كان كلامي صحيحًا لا مجازفة فيه، وأنَّ شاميَّكم لا يعرف معنى لا إله إلا الله، ولا يعرف عقيدةَ الإمام أحمد، وعقيدة الذين ضربوه، فاعرفْ قدرَه، فهو بغيره أجهل، واعرفْ أنَّ الأمر أمرٌ جليل، فإن كان كلامي باطلاً، ونسبتُ رجلاً من أهل العلم إلى هذه الأمور العظيمة بالكَذِب والبهتان، فالأمرُ أيضًا عظيم، فأعرضت عن ذلك كلِّه، وكتبت لي كتابًا في شيء آخر، فإن كان مرادك اتِّباع الهوى - أعاذنا الله منه - وأنك مع ولد المويس كيف كان، فاترُكِ الجواب، فإنَّ بعض الناس يذكرون عنك أنك صائرٌ معه لأجْل شيء من أمور الدنيا، وإن كنتَ مع الحق، فلا أعذرك مِن تأمُّلِ كلامي هذا، وكلامي الأول، وتعرضهما على كلام أهل العلم، وتحررهما تحريرًا جيدًا، ثم تتكلَّم بالحق.

إذا تقرَّر هذا، فخمس المسائل التي قدَّمتُ جوابها في كلام العلماء، وأضيف إليها مسألة سادسة، وهي: إفتائي بكفر شمسان وأولاده ومَن شابههم، وسميتهم طواغيت، وذلك أنَّهم يدعون الناس إلى عبادتهم مِن دون الله عبادةً أعظم من عبادة اللاَّت والعُزَّى بأضعاف، وليس في كلامي مجازفةٌ، بل هو الحق؛ لأنَّ عباد اللاَّت والعزَّى يعبدونها في الرَّخاء، ويُخلِصون لله في الشِّدَّة، وعبادة هؤلاء أعظمُ من عبادتهم إيَّاهم في شدائد البرِّ والبحر، فإن كان الله أوقع في قلبك معرفةَ الحق والانقياد له، والكفرَ بالطاغوت والتبرِّي ممَّن خالف هذه الأصولَ ولو كان أباك أو أخاك، فاكتبْ لي وبشِّرْني؛ لأنَّ هذا ليس مثل الخطأ في الفروع، بل ليس الجهل بهذا - فضلاً عن إنكاره - مثلَ الزنا والسرقة، بل واللهِ، ثم واللهِ، ثم واللهِ إنَّ الأمر أعظم، وإن وقع في قلْبك إشكالٌ فاضرع إلى مقلِّب القلوب أن يهديَك لدِينه، ودِين نبيِّه.

وأما بقية المسائل: فالجوابُ عنها ممكن إذا خلصنا من شهادة ألاَّ إله إلا الله، وبيننا وبينكم كلامُ أهل العلم، لكنَّ العجب من قولك: أنا هادم قبور الصحابة، وعبارة "الإقناع" في الجنائز: يجب هدمُ القِباب التي على القبور؛ لأنها أُسِّست على معصية الرسول، والنبي ﷺ‬ صحَّ عنه أنه بعث عليًّا لهدم القبور، ومثل صاحب كتابكم لو كتب لكم أنَّ ابن عبدالوهاب ابتدع؛ لأنَّه أنكر على رجل تزوَّج أخته، فالعجب كيف راج عليكم كلامُه فيه؛ وأما قولي: إنَّ الإله الذي فيه السِّرُّ، فمعلوم أنَّ اللغات تختلف، فالمعبود عندَ العرب والإله الذي يسمونه عوامُّنا السيد، والشيخ، والذي فيه السِّر، والعرب الأولون يسمُّون[8] الألوهية ما يُسمِّيها عوامنا السر؛ لأنَّ السر عندهم هو القدرةُ على النفع والضر، وكونه يصلح أن يُدْعَى ويُرْجى ويُخاف، ويُتوكَّل عليه، فإذا قال رسول الله ﷺ‬ : ((لا صلاةَ لِمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، وسئل بعض العامة ما فاتحة الكتاب؟ ما فُسِّرت له إلا بلغة بلده، فتارة تقول: هي فاتحة الكتاب، وتارة تقول: هي أم القرآن، وتارة تقول: هي الحمد، وأشباه هذه العِبارات التي معناها واحد، ولكن إن كان السرُّ في لغة عوامنا ليس هذا، وأنَّ هذا هو الإله في كلام أهل العلم، فهذا وجه الإنكار، فبيِّنوا لنا، والحمد لله رب العالمين.

وفي سنة 1184هـ أرسل الشيخ محمَّد بن عبدالوهاب والإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود إلى والي مكة الشيخ عبدالعزيز الحصين، وكتَبَا إلى الوالي المذكور رسالةً هذا نصُّها:

بسم الله الرحمن الرحيم

المعروض لديك، أدام الله أفضلَ نِعمه عليك، حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد - أعزَّه الله في الدارين، وأعزَّ به دِينَ جَدِّه سيد الثقلين.

إنَّ الكتاب لَمَّا وصل إلى الخادم، وتأمَّل ما فيه من الكلام الحسن رَفَع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف، لَمَّا كان قصدُه نصرَ الشريعة المحمدية ومَن تبعها، وعداوةَ مَن خرج عنها، وهذا هو الواجبُ على وُلاةِ الأمور، ولما طلبتم مِن ناحيتنا طالب علم امتثلْنا الأمر، وهو واصلٌ إليكم، ويجلس في مجلس الشريف - أعزَّه الله - هو وعلماء مكة، فإن اجتمعوا فالحمدُ لله على ذلك، وإن اختلفوا أحضرَ الشريف كُتبَهم وكُتَب الحنابلة، والواجب على الكلِّ منَّا ومنكم: أنَّه يقصد بعلمه وجهَ الله، ونصرَ رسوله، كما قال – تعالى -: ﴿إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81] فإذا كان سبحانه قد أَخَذ الميثاق على الأنبياء إن أدركوا محمدًا ﷺ‬ على الإيمان به ونُصْرته، فكيف بنا يا أُمَّته؟

 فلا بدَّ مِن الإيمان به، ولا بدَّ مِن نُصْرته، لا يكفي أحدُهما عن الآخر، وأحقُّ الناس بذلك وأولاهم به أهلُ البيت الذي بعثه الله منهم، وشرَّفهم على أهل الأرض، وأحقُّ أهل البيت بذلك مَن كان مِن ذريته ﷺ‬ والسلام.


 الفصل الخامس من البراهين على صحة دعوة الإمام - رحمة الله تعالى عليه - وأنها تجديدٌ لدِين الإسلام الذي بَعَث الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم

وأَختِمُ هذا البيان الموجَز المبارك عن حقيقة دعوة الإمام محمَّد بن عبدالوهاب - رضي الله عنه - بذِكْر بعض البراهين الدالَّة على صحتها، وأنَّها الحق الذي دعَا إليه القرآن والسنة:

البرهان الأول: أنَّها مستمدَّة من مُحْكَم القرآن وصريحِه، ومما صحَّ عن رسول الله ﷺ‬ فلا أمْرَ فيها ولا نهي إلا بدليله.

البرهان الثاني: ظهورها وانتشارها على الوجه الصحيح، المؤيَّد بالحق، أشبه بظهور وانتصار دعوةِ الرسول ﷺ‬ وما قيام الدولة السعودية وانتصارها وبقاؤها، إلاَّ لأنها نصرتْ هذه الدعوة، وأزالتْ معالِم الشرك والتفرُّق في الجزيرة عامَّة، وفي مكة والمدينة خاصَّة، فقد هَدَمتِ القباب والقبور التي تُعبد من دون الله، وحافظتْ على قبر المصطفى ﷺ‬ وحمتْه من المشركين الذين يُؤذونه، ويُحاربون الله ورسولَه بالطواف بقبره، وقبور آل بيته وأصحابه، والاستغاثة بهم، وحاربتِ الكهَّان والسحرة، وحَكمتْ بما أنزل الله، وأبطلتْ سلوم القبائل المخالِفة لشرع الله، وكذا العادات والتقاليد الجاهلية المحرَّمة في كل أنحاء المملكة، ومنعتْ وسائل التفرِقة بين المسلمين التي هي نتيجةُ الجهل، والتعصُّب المذهبي الباطل، حتى وصل الأمر بالناس في عهْد الحكومات السابقة لآل سعود إلى أن جعلوا في المطاف أمامَ الكعبة أربعة مقامات، لكلِّ مذهب مقام، وصارتْ تُقام في المسجد الحرام أربعُ جماعات، لكلِّ مذهب جماعة وإمام، حتى بلغ الأمر ببعض جهَّال المتعصِّبين إلى إبطال صلاة مَن يصلي خلفَ إمام على غير مذهبه.

ومعلومٌ أنَّ أي دعوة مهما كانتْ تقوم على غير دين الإسلام الحق، فلن يُكتَب لها النجاح، وظهورُ دعوة الإمام ظهورُ الحق، وليس الظهورَ الباطل المزيَّف المؤقَّت، الناتج عن الدعايات الباطلة، وعن الإغراء للضعفاء والجهَّال، أو التهديد والاستعباد، كما هي حال أنظِمة المذاهب الهدَّامة، والفرق الضالَّة.

البرهان الثالث: الدال على صحَّة دعوة الإمام، وأنها امتدادٌ لدعوة خاتم المرسلين ﷺ‬ وتجديد لها: أنَّه - رضي الله عنه - دعا خصومَه المكذِّبين له المحادِّين له - حسدًا وكبرًا - من علماء الضلال، الداعين إلى الشِّرْك والبدع، دعاهم إلى المباهلة، كما دعا رسولُ الله ﷺ‬ وفدَ نصارى نجران إلى ذلك، فلم يباهلوه؛ لعِلمهم أنَّه على الحق، وأنَّهم على الباطل.

البرهان الرابع: شهادةُ المئات من علماء الأمصار المنصِفين من كلِّ مذهب من المذاهب الأربعة، وأهل الحديث بأنَّها دعوةُ حق، والإشادة بها ومدحها، والدعوة إليها، ومِن ذلك ما قاله الإمام محمد بن الأمير الصنعاني - صاحب "سبل السلام"، و"تطهير الاعتقاد"، وغيرهما من المؤلَّفات المهمَّة النافعة - في مدحها، ومَدْح صاحبها، وذلك بقصيدته الدالية المشهورة، التي منها:

سَلاَمِي عَلَى نَجْدٍ وَمَنْ حَلَّ فِي نَجْدِ                وَلَوْ كَانَ تَسْلِيمِي عَلَى الْبُعْدِ لاَ يُجْدِي

أَلاَ يَا صَبَا نَجْدٍ مَتَى هِجْتَ مِنْ نَجْدٍ          فَقَدْ زَادِنِي مَسْرَاكَ وَجْدًا عَلَى وَجْدِ

قِفِي تَسْأَلِي عَنْ عَالِمٍ حَلَّ سُوحَهَا            بِهِ يَهْتَدِي مَنْ ضَلَّ عَنْ مَنْهَجِ الرُّشْدِ

مُحَمَّدٌ الْهَادِي لِسُنَّةِ أَحْمَدٍ                  فَيَا حَبَّذَا الْهَادِي وَيَا حَبَّذَا الْمَهْدِي

وَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ               يُعِيدُ لَنَا الشَّرْعَ الشَّرِيفَ بِمَا يُبْدِي

وَقَدْ أَنْكَرَتْ جُلُّ الطَّوَائِفِ قَوْلَهُ        بِلاَ صَدَرٍ فِي الحَقِّ مِنْهُمْ وَلا رَدِّ

وأورد فيما يلي البيانَين اللَّذين كتبهما رئيسُ القضاة بمكة المكرَّمة، وعلماء الحرمَين في القرن الثالث عشر، ووقَّعوا عليهما بأختامهم، داعين فيهما إلى ما دعا إليه الإمامُ محمد بن عبدالوهاب، ومؤيِّدين دعوتَه، وأنها الحق، وذلك لأنَّ هذا البيان شهادةُ حق من علماء الحرمَين لهذه الدعوة المباركة، المنصورة بنصر الله - سبحانه وتعالى.

مناظرة بين علماء مكة وعلماء نجد:

قال محرِّر "أم القرى"، في العدد الثاني منها، الصادر في يوم الجمعة الموافق 15/5/1343هـ:

ذكرْنا في غير هذا المكان، من هذا العدد: أنَّ علماء نجد، وعلماء البلد الحرام، طلبوا الاجتماعَ بعضهم مع بعض؛ ليشرح كلُّ فريق ما عنده من العقائد لأخيه، وقد اجتمعوا للمداولة في ذلك صباح الاثنين من هذا الأسبوع، فدار الحِوارُ بينهم في المسائل الأصولية من العقائد، ولم يختلفوا في أصْل من أصولها، ووقع الجدالُ في المسائل الفرعية، ثم اتفقوا على نشر البيان الآتي:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعده:

مِن علماء حرم الله الشريف، وأئمَّته الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي، والشيخ عمر باجنيد أبي بكر، والشيخ درويش عجيمي، والشيخ محمد مرزوقي، والشيخ أحمد بن علي النجار، والشيخ جمال المالكي، والشيخ عباس المالكي، والشيخ حسين بن سعيد بن محمد بن سعيد عبدالغني، والشيخ حسين مفتي المالكية، والشيخ عبدالله حمدو، والشيخ عبدالستار، والشيخ سعد وقاص، والشيخ عمر بن صديق خان، والشيخ عبدالرحمن الزواوي، إلى مَن يراه مِن علماء الحكومات الإسلاميَّة، وملوكهم وأمرائهم، أما بعد:

فقد اجتمعْنا - نحن المذكورين - مع مشايخ نجد حين قدومهم إلى الحرم الشريف، مع الإمام عبدالعزيز - حفظه الله - وهم الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف، والشيخ عبدالله بن حسن، والشيخ عبدالله بن عبدالوهاب بن زاحم، والشيخ عبدالرحمن بن محمد بن داود، والشيخ محمد بن عثمان الشاوي، والشيخ مبارك بن عبدالمحسن بن باز، والشيخ إبراهيم بن ناصر بن حسين، فجرى بيننا وبين المذكورين والمحترمين مُباحَثة، فعرضوا علينا عقيدةَ أهل نجد، وعرْضنا عليهم عقيدتنا، فحصل الاجتماعُ بيننا وبينهم، بعد البحث والمراجعة في مسائل أصولية:

 منها: أنَّ مَن أقرَّ بالشهادتين، وعمل بأركان الإسلام الخمسة، ثم أتى بمكفِّر ينقض إسلامَه؛ قولي أو فعلي أو اعتقادي، أنَّه يكون كافرًا بذلك، يُستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلاَّ قُتِل، ومنها: مَن جعل بينه وبين الله وسائطَ مِن خَلْقه، يدعوهم في جلْب نفع، أو دَفْع ضرّ، أو يقربونه إلى الله زُلْفى، أنَّه كافر، يَحِلُّ دمُه وماله، ومَن طلب الشفاعة من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله، أنَّ ذلك شرك، فإنَّ الشفاعة مِلْك لله، ولا تطلب إلاَّ منه، ولا يشفع أحد إلا بإذنه، كما قال - تعالى -: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِ﴾ [البقرة: 255]، وهو لا يأذن إلا فيمَن رَضِي قوله وعمله، كما قال - تعالى -: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]، وهو لا يرضى إلا بالتوحيد والإخلاص.

 ومنها: تحريم البناء على القبور وإسراجها، وتحرِّي الصلاة عندها، أنَّ ذلك بدعة محرَّمة في الشريعة.

 ومنها: أنَّ مَن سأل الله بجاهِ أحدٍ مِن خلقه، فهو مبتدِع، مرتكبٌ حرامًا.

 ومنها: أنه لا يجوز الحلف بغير الله، لا الكعبة، ولا الأمانة، ولا النبي، ولا غير ذلك؛ لقول النبي ﷺ‬ : ((مَن حَلَف بغير الله، فقد أشرك)).

فهذه المسائل كلها لَمَّا وقعتِ المباحثة فيها، حصل الاتفاق بيننا وبين المذكورين، ولم يحصل خلافٌ في شيء، فاتفقت بذلك العقيدةُ بيننا - معاشر علماء الحرم الشريف - وبين إخواننا علماء أهل نجد.

نسأل الله أن يوفِّق الجميعَ لِمَا يحبُّه ويرضاه آمين، وصلى الله على نبينا محمَّد، وآله وصحبه، وسلَّم.


خطاب رئيس القضاء

هذا هو الخطاب الذي ألقاه الشيخ عبدالله بن بليهد

رئيس القضاء في الاجتماع الذي عُقِد بين علماء نجد وعلماء مكة المكرمة

بسم الله الرحمن الرحيم

بعدَ حمْد الله، والثناء عليه بصِفات كماله، والصلاةِ على النبي ﷺ‬ وصحبه وآله:

 إنَّ الله أرسل رسولَه محمدًا بالهُدى ودِين الحق، وأنزل عليه الكتاب تِبيانًا لكل شيء، فدعَا الناس إلى ما خُلِقوا له من عبادة الله - تعالى - وحدَه لا شريك له، وكذلك جميع الرسل جاؤوا بذلك، كما قال - تعالى -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13].

 وأصل دِين جميع المرسَلين وأساسه هو التوحيد، وهو ثلاثة أنواع:

توحيد الربوبية: وهو الإقرار بأنَّ الله هو الخالِق الرازق، المدبر لجميع الأمور، وهذا قد أقرَّ به غالبُ الكفار.

وتوحيد الأسماء والصفات: وهو إثبات ما وصف الربُّ - تعالى - وسمَّى به نفسَه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ‬ من الأسماء الحُسنى، والصِّفات العلى، إثباتًا يليق بجلاله وعظمته، ويختصُّ به من غير تحريف ولا تعطيل، ومِن غير تكييف ولا تمثيل، وجميع أصحاب المقالات مِن الفرق الإسلامية متَّفِقون على إثبات هذه المقدِّمة، وهي أنَّ الله - تعالى - موصوف بصفات الكمال، منزَّهٌ عن صفات النقص، وإنما اختلفوا فيما هو كمال وما هو نقص، أو يلزم منه النقص، فمِنهم مَن ظنَّ أن وصف الباري - تعالى - بما وصف به نفسَه يلزم منه التجسيم والتشبيه، فنفَى ما أثبته الله - تعالى - لنفسه، وعطَّل أسماءه وصفاتِه، وألْحد فيها، ومنهم مَن أثبت ذلك، وغلاَ في الإثبات، حتى شبَّه صفاتِ الباري - تعالى - بصفات خَلْقه.

 وهَدَى الله - تعالى - أهلَ السُّنة، الذين هم الفُرقة الناجية، وهم الوسط في فِرق الأمَّة، كما أنَّ الأمَّة وسطٌ بين سائر الأمم، إلى القول بما دلَّ عليه الكتاب والسنة، ومضى عليه سلفُ الأمة، من إثبات جميع ما وصف به - تعالى - نفسَه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ‬ من الأسماء الحُسنى، والصِّفات العُلى، وإمرارها كما جاءتْ، وهذا هو طريقُ النجاة.

ومِن ذلك: الإيمان بما أخبر به - تعالى - في كتابه، وتواتَر عن رسوله ﷺ‬ وأجْمع عليه سلفُ الأمَّة، من أنَّ الله - سبحانه - فوقَ سماواته، على عرْشِه، عليٌّ على خلقه، وهو - سبحانه - معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون.

ومما نعتقده، ونَدين اللهَ به: أنَّ الدين والإيمان قولٌ وعمل، قول القلْب واللِّسان، وعمل القلْب واللِّسان والجوارح، وأنَّ الإيمان يزيد وينقص، يَزيد بالطاعة، ويَنقص بالمعصية، ومع ذلك لا نُكفِّر أهلَ القِبلة بمجرَّد المعاصي، ولا نسلب الفاسِقَ الملِّيَّ اسمَ الإيمان بالكلية، ولا نخلده في النار، كما يقوله المعتزلة، ولا نكفِّره بالكبائر كما قاله الخوارج، ونقول: هو مؤمِن بإيمانه، فاسق بكبيرته، أو مؤمِنٌ ناقص الإيمان، أو مسلِم، وليس بمؤمِن، كما يقوله بعضُ أهل السُّنَّة، ونعتقد وجوبَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على ما جاءت به الشريعة، كما صحَّت بذلك الأخبارُ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

ونعتقد إقامةَ الحجِّ والجهاد، والجُمَع والأعياد مع الأمراء، أبرارًا كانوا أو فُجَّارًا، ونَدين بالسمع والطاعة لهم في غير المعصية، عدلوا أو جاروا، ما أقاموا الصلاة، ونُحافِظ على الجماعة، ونَدين الله بالنُّصح للأئمَّة خاصة، وللأمة عامة، ونبرأ إلى الله مِن طريق الخوارج والمعتزلة، الذين يرَوْن الخروجَ على الأئمة بمجرَّد الجور، أو المعصية.

والنوع الثالث: توحيدُ العبادة، وهو مقتضى شهادة ألاَّ إله إلا الله، فإنَّ (لا إله إلا الله) تقتضي إفرادَ الله بالعبادة، والكفرَ بما يُعبد سواه، وهذا هو معنى النفي والإثبات في هذه الكلمة، وهو الذي فَهِمه كفَّارُ قريش لَمَّا دعاهم النبي ﷺ‬ إلى قول (لا إله إلا الله)، كما قال - تعالى - مخبرًا عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]، وقال - تعالى -: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: 35 - 36]، فعرفوا أنَّ (لا إله إلا الله) تقتضي ترْكَ كلِّ مألوه - أي: معبود - من دون الله، وهو الذي دلَّت عليه (لا إله إلا الله) من إخلاص العبادة لله وحْده، وترْك عبادة ما سواه، كائنًا مَن كان، هو حقيقة التوحيد الذي دعتْ إليه جميعُ الرسل، وهو حقُّ الله على جميع عباده، كما قال النبي ﷺ‬ في الحديث الصحيح: ((فإنَّ حقَّ الله على العِباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا))؛ وهو في الصحيحين.

والعبادة: اسمٌ جامِع لِمَا يحبُّه الله - تعالى - ويرضاه، مِن الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، كالحبِّ والدعاء، والخوف والرجاء، والتوكُّل، وغير ذلك من أنواع العبادة التي يجب إخلاصُها لله تعالى، وتخصيصه بها دون ما سواه، فمَن صَرَف من ذلك شيئًا لغير الله، سواء كان مَلَكًا أو نبيًّا أو وليًّا، أو غيره، فقد عبَدَه بذلك، وجعله شريكًا لله في عبادته، كما قال - تعالى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165]، وقال عن المشركين أنَّهم يقولون وهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97 - 98]، ومِن المعلوم أنَّهم لم يسووهم به في الخَلْق والرزق والتدبير، وإنما سووهم في الحبِّ والتعظيم، وهذا هو حقيقةُ الشرك.

 وكذلك مَن دَعَا غيرَ الله دعاءَ عبادة، أو دعاءَ استعانة في شِدَّة أو رخاء، فقد عبده بذلك، وجعله شريكًا لله في عبادته، فإنَّ الدعاء مخُّ العبادة، وسواء دعاه لجلْب النفع، أو دفْع الضرّ، أو دعاه لطلب الشفاعة منه، أو ليقرِّبه إلى الله، أو دعاه تقليدًا لآبائه وأسلافه، أو غير ذلك، والأدلَّة على ذلك في كتاب الله كثيرةٌ جدًّا، منها قوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106]، وقال - تعالى -: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117]، فهذا نصٌّ في كُفْر داعي غير الله، وقوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 13، 14]، فهذا صريح أنَّ دعاءَ غيرِ الله شِرْك، وقال - تعالى -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]، إلى غير ذلك من الآيات الدالَّة على هذا المعنى.

فإن قال قائل: إنَّ مَن يدعو النبي ﷺ‬ أو غيره من الأولياء، لا يعتقد أنَّه يملك نفعًا أو ضرًّا، ولا يطلب ذلك منه، وإنَّ قوله عند قيامه، أو دخوله أو خروجه، أو غير ذلك من أحواله: يا رسولَ الله، أو يا فلان، إن أراد به طلبَ النَّفع، ودَفْع الضرِّ فهو شِرْك، وإن كان بحُكم العادة، أو التقليد، أو لمجرَّد التعظيم، أو أنه يشفع له عندَ الله، أو يقرِّبه إلى الله، فهذا ليس بشرك.

فيقال: إنَّ شرك المشركين الذين بُعِث فيهم النبي ﷺ‬ هو بتعلُّقهم على الأنبياء والصالحين لطَلِب القُربة والشفاعة، كما قال – تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: 3]، فكذَّبهم وكفَّرهم مع قولهم: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقال - تعالى -: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الْأَرْضِ - سبحانه وتعالى - عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18]، فسبَّح نفسَه - سبحانه - عن شَرْكهم، مع قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عندَ الله، فدلَّ على أنَّ دعاءهم لطلب الشفاعة شِرْك، وذلك أنَّ مُلْكَ الشفاعة بيد الله، كما قال – تعالى -: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ [الزمر: 44]، ولا يشفع أحدٌ عنده إلاَّ بإذنه، كما قال – تعالى -: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، فإذا ثَبَت أنَّ ملك الشفاعة بيده، وأنه لا يشفع أحدٌ عنده إلاَّ بإذنه، فحينئذٍ تعيَّن أن نطلبها منه سبحانه، فنقول: اللهمَّ لا تَحرِمْنا شفاعة نبيِّك، أو شفِّعْه فينا، أو نحو ذلك.

فأمَّا دعاء النبي ﷺ‬ لطلب الشفاعة منه، فهو شِرْك كما تقدَّم؛ لأنَّ الدعاءَ عبادة، وقد صَرَفها لغير الله، فيكون ذلك شركًا في العبادة، وكذلك دعاؤه ليقرِّبه من الله، فإنَّ التقرُّب إلى الله لا يكون إلاَّ بطاعته، كما قال – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]؛ أي: بطاعته، قاله المفسِّرون، وكذلك مَن يدعو غيرَ الله بحُكم العادة، أو التقليد لآبائه وأسلافه، كحال المشركين الأولين، فإنَّ الله - تعالى - أخبر عن جميع الأُمم المخالِفةِ للرُّسُل بقولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22]، وأخْبر عن قوم إبراهيم أنَّه لَمَّا قال لهم: هل يسمعونكم إذ تَدْعون، أو ينفعونكم أو يَضرُّون، لم يقولوا: إنَّهم ينفعون أو يضرُّون، بل قالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 74]، فتبيَّن بما قررْناه: أنَّه لا فَرْق بين مَن يدعو غير الله معتقدًا فيه النفعَ والضرّ، أو أنه شفيعٌ له عند الله، أو أنه يقرِّبه إلى الله، أو أنَّ ذلك بحُكم العادة والتقليد، ولن يجد أحدٌ إلى التفريق بين ذلك سبيلاً أصلاً.

ومما يَزيد ذلك وضوحًا: أنَّ قول القائل عند قيامه وقعوده وسائر حركاته: يا ألله، استعانةً به، وذلك عبادةٌ بلا ريب، ولا يُنازِع فيه أحدٌ، فإذا قال ذلك في مخلوق كائنًا مَن كان، فقد صَرَف تلك العبادةَ لغيره، وأيضًا فإنَّه مِن المتقرِّر عند أهل العلم: أنَّ الكافر إذا أقرَّ بالشهادتين حُكِم بإسلامه، وإن ادَّعى أنه لم يقصِدْ حقيقة الإسلام لم يُقبَل منه، بل يُلزم بحُكم ما أقرَّ به، فكذلك إذا تكلَّم بالشِّرْك لَزِمه حُكمُه وإن ادَّعى غير ذلك، ولا فَرْق بينهما، وهذا واضح.

فأمَّا تعظيمُ القبور بالبِناء عليها، وإيقاد السُّرُج، وغير ذلك ممَّا أحدث فيها، كبناء المساجد والقبب عليها، وعبادة الله عندَها بالصلاة، وغيرها، فهو مُحرَّم؛ لِمَا ورد عن النبي ﷺ‬ من النهي الصريح، ولَعْن فاعل ذلك، كما في حديث عائشة مِن قوله ﷺ‬ : ((لَعْنة الله على اليهود والنصارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد))؛ وهو في الصحيحين، والأحاديث في ذلك يطول ذِكْرُها، ومنها: حديث علي بأنه ﷺ‬ بَعَثه لهدْم القبور المشرِفة، وقال: ((لا تَدَعْ تِمثالاً إلاَّ طمستَه، ولاقبرًا مشرِفًا إلاَّ سويتَه)).

فأمَّا زيارة القبور فهي ثلاثةُ أنواع: شرعية، وبدعية، وشركية.

فالشرعية: هي التي القصْدُ منها تذكرةُ الآخرة، والدعاء للميِّت، واتباع السُّنَّة.

والبدعية: هي التي القصْد منها عبادةُ الله عند القبور، كما يفعله كثيرٌ من الناس؛ لظنِّهم أنَّ للعبادة عندها مزيةً على العبادة في المساجد، التي هي أحبُّ البِقاع إلى الله، وقد صحَّ عن النبي ﷺ‬ في عِدَّة أحاديث النهيُ عن الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد.

والشركيَّة: هي التي القصْدُ منها تعظيمُ القبور ودعاؤها، أو الذبْح لها، أو النذر لها، أو غير ذلك من العبادات التي لا تَصلُح إلا لله، فهذا حقيقةُ الشرك، والأدلَّة عليه كثيرة جدًّا، وقد تقدَّم بعضُها، ولكن لغلبة الجَهْل، وخفاء العلم، وبُعْد العهد بإرشاد النبوَّة، التبس الأمر على أكثرِ الناس، وخفي عليهم ما هو في غاية الوضوح؛ لضَعْف البصائر، وغلبة العوائد، كما قال عمرُ بن الخطَّاب - رضي الله عنه - : "إنما تُنقض عُرَى الإسلام عُروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام مَن لا يعرف الجاهلية"، فإنَّ مَن لم يعرف الشرك، وما ذمَّه القرآن وعابه، وَقَع فيه وهو لا يدري.

ومثله قول ابن مسعود - رضي الله عنه - : كيف أنتم إذا لبستْكم فتنة يربو فيها الصغيرُ، ويهرم عليها الكبير، وتُتَّخذ سُنَّةً يجري الناس عليها، فإذا غُيِّر منها شيء قيل غُيِّرت السُّنة؟ قيل: متى ذلك يا أبا عبدالرحمن؟ قال: إذا كَثُر قُرَّاؤكم، وكثرتْ أموالكم، وقلَّ أمناؤكم، وتُعلِّم لغير الدِّين.

إذا عُرِف ذلك، فمعلومٌ أنَّ كل واحد منَّا مأمور بأن يُصدِّق الرسول ﷺ‬ فيما يُخبر به، ويُطيعه فيما يأمر به وما ينهى عنه، ولا سبيلَ إلى ذلك إلاَّ بعد معرفة أمرِه وخبره، ولا يكون ذلك إلاَّ بالعِلم النافع الموروث عن الرسول ﷺ‬ ولم يوجبِ الله من ذلك على الأمَّة إلا ما فيه صلاحُها في معاشها ومعادها، وبإهمال ذلك تتعطَّل مصالحها، وتفسد أمورُها، فما خراب العالَم إلاَّ بالجهل، ولا عمارته إلاَّ بالعلم، وإذا ظهر العِلم في محلَّة أو بلد قلَّ الشرُّ في أهلها، وإذا خفِيَ العلم ظهر الشرُّ والفساد، ومَن لم يعرفْ ذلك فهو ممن لم يجعل الله له نورًا، قال بعضُ العلماء: لولا العلمُ كان الناس كالبهائم، وقال: الناس إلى العِلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأنَّ الطعام والشراب يُحتاج إليه في اليوم مرَّتين أو ثلاثًا، والعلم يُحتاج إليه في كلِّ وقت؛ لأنَّ العلم بمنزلة الرُّوح، بل قد سمَّاه الله - تعالى - في كتابه رُوحًا، كما قال - تعالى -: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: 2]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]، فأخبر - سبحانه وتعالى - أنَّ الوحي الذي أنزله على رسوله رُوحٌ تحصل به الحياة، ونورٌ يحصل به الإضاءة، ومَن فَقَد هذه الرُّوح فهو ميِّت، ومَن فقد هذا النور، فهو في ظلمة، ولهذا لَمَّا خفي العلم عن كثير من الناس لم يُفرِّقوا بين ما هو حقٌّ لله، وما هو حقٌّ للمخلوق، فإنَّ حق الله هو العبادة، وأما المخلوق فليس له في العِبادة شيء، وأكملُ المخلوقين وأفضلهم نبيُّنا محمد ﷺ‬ وقد وَسَمه - سبحانه - بالعبودية في أشرفِ مقاماته في القرآن، في مقام التحدِّي، وفي مقام الإسراء، وفي مقام الكفاية، وفي مقام الدعوة، قال - تعالى -: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: 23]، وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: 1]، وقال - تعالى -: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]، وقال ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: 19]، وقال ﷺ‬ : ((ما أُحِبُّ أن ترفعوني فوقَ منزلتي التي أنزلني الله) وقال: ((لا تُطْروني كما أطرتِ النصارى ابنَ مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ الله ورسولُه))، فحقُّ النبي ﷺ‬ محبَّتُه المقدَّمة على محبَّة النفس، والولد والوالد، والأهل والمال، وتصديقُه وطاعته.

وكذلك أولياء الله تَجِب محبتُهم، والإقرار بفضائلهم على اختلاف مراتبهم، وما يُجريه اللهُ على أيديهم من الكرامات، وخوارق العادات، ولا يُنكِر كراماتِ الأولياء إلا أهلُ البِدع، لكن يجب أن يُفرَّق بين أولياء الله وغيرهم، فإنَّ أولياء الله هم المتَّقون العاملون لله بطاعته، كما قال - تعالى - في وصفهم: ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62 - 63]، فمَن كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا ليس إلاَّ، فأما ما يفعله ويدَّعيه كثيرٌ من الناس، الذين هم في الحقيقة من أولياء الشيطان لا مِن أولياء الرحمن، وما يدعونه من الدَّعاوى الكاذِبة، فنفس دعواه أنَّه يفعل كذا وكذا كافية في بيان حاله، وأنَّه ليس من أولياء الله، كما هو مبيَّن وموضَّح في كتب أهل الحقّ، فيجب أن يُفرَّق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ لأنَّ ذلك مما الْتبس فيه الأمرُ على كثير من الناس، والحمد لله أوَّلاً وآخِرًا، وصلَّى الله على سيِّدنا محمد، وآله وصحبه، وسلَّم.


نداء عام

من علماء بلد الله الحرام إلى أمتنا الكريمة

لشعبنا النبيل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فقد آن لنا أن نرفعَ صوتَنا عاليًا، في هذا الجوِّ الهادئ، الذي يُسمع فيه صدَى الحق بسائق قوله - تعالى -: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]، وقوله - تعالى -: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]، وقوله ﷺ‬ : ((الدِّين النصيحة) قالوا: لِمَن يا رسولَ الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم) وقوله: ((مَن عَلِم علمًا فكتمه، أُلْجِم يومَ القيامة بلِجام من النار)).

ونحن على يقينٍ مِن أنَّ وظيفتنا هذه عظيمة، وموقفنا أمامَ الله أعظم، وأنَّ هذه الحياة لا تَزِن عند الله جَناحَ بعوضة، ولا تُغني عن الآخرة فتيلاً، وأنتم عندنا كأنفسنا التي بين جنبينا، نُحبُّ لكم من الخير ما نحبُّه لها، ونُبغِض لكم من الشرِّ ما نبغض لها؛ لذا لا نُلقي عليكم إلاَّ ما نَدين الله به، ونعتقده حقًّا صراحًا، لا مراء فيه؛ لنبرأَ إلى الله بأداء ما علمنا، غيرَ مكرهين، ولا مدفوعين بغَرَض شخصي، وإنما الحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع، وفي بلاغنا هذا ذِكرَى للذاكرين، وهُدى للمستبصرين، والله يتولَّى هُدانا أجمعين.

الحمدُ لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتديَ لولا أن هدانا الله، لقد جاءتْ رسل ربنا بالحق، والصلاةُ والسلام على سيِّدنا محمد، الحائز على رُتبة لا يمكن أن تُلْحَق، وعلى آله وصحبه، والداعين إلى طريق الحق، صلاةً وسلامًا دائمَين متلازمَين ما الليلُ غسق، والقمر اتَّسق.

أما بعد: فإنَّا نعتقد أنَّ الله واحدٌ في ربوبيته، واحدٌ في ألوهيته، واحدٌ في أسمائه وصفاته، فلا خالقَ ولا رازق، ولا محيي ولا مميت، ولا مدبِّر للأمور سواه، ولا معبودَ بحقٍّ في الوجود إلاَّ هو، وهذا معنى لا إله إلا الله، له الأسماء الحسنى، والصفات العُليا، كما أثبَتَها لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله، بلا تكييف ولا تحريف، ولا تمثيل ولا تعطيل.

وأنَّ الله - سبحانه وتعالى - فوقَ سماواته على عرشه، علاَ على خلقه، وهو - سبحانه - معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، قال - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]، وقال - تعالى -: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 16 - 17]، وقال - تعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، قال فيها مالك: "الاستواء معلوم، والكَيْف مجهول، والإيمانُ به واجب، والسؤال عنه بِدعة"، وقال ﷺ‬ للجارية: ((أين الله؟)) فقالت: في السماء، قال: ((مَن أنا؟) قالت: أنت رسولُ الله، قال: ((أعْتِقها، فإنها مؤمنة)).

 ونعوذ بالله مِن أن نظنَّ أنَّ السماء تُقلُّه أو تُظلُّه، فهو الذي يمسك السمواتِ والأرضَ أن تزولاَ، وقد وسع كرسيُّه السمواتِ والأرض، ولا يَؤودُه حِفظُهما، وهو العَليُّ العظيم.

ونعتقد أنَّ عبادة غيرِ الله شِرْك أكبر، وأنَّ دعاء غير الله من الأموات والغائبين، وحبَّه كحب الله، وخوفَه ورجائه، ونحو ذلك شِرْك أكبر، وسواء دعاه دعاءَ عبادة، أو دعاءَ استعانة في شِدَّة أو رخاء، فإنَّ الدعاء مخُّ العبادة، وسواء دعاه لجلْب النفع، أو دفع الضرّ، أو دعاه لطلب الشفاعة، أو ليُقرِّبه إلى الله، أو دعاه تقليدًا لآبائه أو أسلافه أو لغيرهم، والأدلَّة على ذلك في كتاب الله كثيرة جدًّا، منها: قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: 117] الآية، وإنَّ اعتقاد أنَّ لشيء من الأشياء سلطانًا على ما خرج عن قدرة المخلوقين شِرْكٌ أكبر، وأنَّ مَن عظَّم غير الله مستعينًا به فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله، كالاستنصار في الحرْب بغير قوَّة الجيوش، والاستشفاء من الأمراض بغير الأدوية التي هدانا الله لها، والاستعانة على السعادة الأُخروية أو الدنيوية بغير الطرق والسُّنن، التي شَرَعها الله لنا يكون مشرِكًا شرْكًا أكبر.

وأنَّ الشفاعة مِلْك لله وحده، ولا تكون إلا لِمَن أَذِن الله له ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]، ولا يرضى الله إلا عمَّن اتبع رُسلَه، فنطلبها من الله مالكِها، فنقول: اللهمَّ شفِّع فينا نبيَّك مثلاً، ولا نقول: يا رسولَ الله، اشفعْ لنا، فذلك لم يَرِدْ به كتابٌ ولا سُنَّة، ولا عمل سلف، ولا صدر ممَّن يُوثَق به مِن المسلمين، فنبرأ إلى الله أن نتخذ واسطةً تُقرِّبنا إلى الله، أو تشفع لنا عنده، فنكون ممَّن قال الله فيهم، وقد أقرُّوا بربوبيته، وأشركوا بعبادته: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]، وحَكَى الله عنهم قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، أو نكون ممَّن قلَّدوا آباءهم في أصْل الدِّين، فكانوا أضلَّ من الأنعام، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22]، فوصفهم بقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: 44]؛ إذ عطَّلوا تلك المواهبَ التي أُودعتْ فيهم، ولو خلوا بأنفسهم برهةً أطلقوا فيها لتلك المواهِب سراحَها، لأدركتْ من آيات الله ما يُرشِدهم إلى سواء السبيل.

ونتوسَّل إلى الله؛ أي: نتقرَّب إليه بطاعته، وهو معنى الوسيلة في القرآن، ونطلب الوسيلةَ لرسول الله ﷺ‬ كما ورد في الحديث الصحيح: ((مَن قال حين يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاةِ القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثْه المقام المحمود الذي وعدتَه، إنك لا تخلف الميعاد، حلَّتْ له شفاعتي) وورد تفسير هذه الوسيلة في حديث: ((سلُوا الله لي الوسيلة، فإنها درجةٌ في الجنة لا تَنبغي إلا لعبد مِن عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد))، وأمَّا التوسل بالنبي ﷺ‬ في قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : "اللهمَّ إنَّا كنَّا إذا أجدبْنا توسلنا إليك بنبيِّنا فتسقينا، وإنَّا نتوسَّل إليك بعمِّ نبيِّنا، فاسقنا"، فتوسَّل بدعائه ﷺ‬ وهو خاصٌّ بحال حياته، ولهذا عدَل عمر - رضي الله عنه - بعد مماته ﷺ‬ إلى التوسُّل بدعاء عمِّه العباس، والتوسُّل بالنبي ﷺ‬ يومَ القيامة يكون بشفاعته، وأما التوسُّل بمعنى غير ذلك، فليس بشرعي.

وزيارتنا القبور، دُعاءٌ للموتى، وادِّكار للآخرة، وحسبُنا أن نلقي عليهم ما كان النبي ﷺ‬ يُعلِّمه أصحابه ليقولوه إذا زاروا القبور: ((السلام عليكم أهلَ الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدِمين منَّا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهمَّ لا تحرِمْنا أجْرَهم، ولا تفتِنَّا بعدهم)).

 واعلموا أنَّ زيارة القبور على ثلاثة أنواع: شرعية، وبدعية، وشركية.

فالشرعية: هي التي يُقصَد بها تذكُّر الآخرة، والدعاء للميِّت، واتباع السُّنة.

والبدعية: هي التي يُقصَد بها عبادةُ الله عندَ القبور، كما يفعله جَهلةُ الناس؛ لظنِّهم أنَّ للعبادة عندها مزيةً على العبادة في المساجد، التي هي أحبُّ البِقاع إلى الله، وقد صحَّ عن النبي ﷺ‬ في عِدَّة أحاديثَ النهيُ عن الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد.

والشركية: هي التي يُقصَد منها تعظيمُ القبور ودعاؤها، أو الذبح لها، أو النذر لها، أو غير ذلك من العبادات التي لا تصلح إلا لله، فهذه حقيقةُ الشرك، والأدلَّة عليه كثيرةٌ جدًّا، وقد تقدَّم بعضُها.

والبناء على القبور بِدْعة، وقد أرسل النبي ﷺ‬ عليَّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - فأمرَه ألاَّ يدع قبرًا مشرفًا إلا سوَّاه بالأرض، وأخرج مسلم في "صحيحه" عن أبي الهَيَّاج الأَسِدي: أنه قال: قال لي عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - : "إني لأبعثك على ما بعثني به رسولُ الله ﷺ‬ : ألاَّ تدعَ تمثالاً إلا طمستَه، ولا قبرًا مشرِفًا إلا سوَّيته".

والحلف بغير الله منهيٌّ عنه، ويكفي أن نَسرُدَ عليكم شيئًا مما ورد فيه، قال ﷺ‬ : ((مَن حَلَف بغير الله فقد أشْرك) وفي لفظ: ((فقد كَفَر))، وقال ﷺ‬ : ((مَن كان حالِفًا فيحلفْ بالله))، وقال - عليه السلام - : ((لا تحلِفوا بآبائكم، فإنَّ الله ينهاكم أن تحلِفوا بآبائكم)).

فليحذر الذين يُخالفون عن أمره ﷺ‬ ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].

ونعتقد أنَّ أفضل المخلوقين وأكملهم نبيُّنا محمد ﷺ‬ قد وصَفَه الله بالعبودية في أشرف المقامات، وورد عنه ﷺ‬ أنه قال: ((ما أُحِبُّ أن ترفعوني فوقَ منزلتي التي أنزلني الله) وورد: ((لا تُطْروني كما أطرتِ النصارى ابنَ مريم، إنما أنا عبدٌ فقولوا: عبدُ الله ورسولُه)).

والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، يَزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القِبلة بمجرَّد المعصية، ولا نسلب الفاسِقَ الملِّيَّ اسمَ الإيمان بالكلية، ولا نخلِّده في النار كما تقول المعتزلة، ولا نُكفِّره بالكبائر كما تقول الخوارج، وإنما نقول هو مؤمِن بإيمانه، فاسِقٌ بكبيرته.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على ما جاءت به الشريعة واجب.

ونعتقد إقامةَ الحج والجهاد، والجمع والأعياد مع الأمراء، أبرارًا كانوا أو فُجَّارًا، ونَدين بالسمع والطاعة لهم في غير معصية، عدلوا أو جاروا، ما أقاموا الصلاة، ونحافِظ على الجماعة، ونَدين اللهَ بالنصح للأئمَّة خاصة، وللأمَّة عامَّة، ونبرأ إلى الله مِن طريق الخوارج والمعتزلة، الذين يرَوْن الخروج على الأئمة بمجرَّد الجور والمعصية.

فهذا الذي نَدِين اللهَ به ونعتقده، وندعوكم إليه، وحسبُنا فيه كتابُ الله، وسُنَّة رسوله، وسلف الأمة الذين شَهِد لهم رسولُ الله بالخير، قال ﷺ‬ : ((تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلُّوا؛ كتاب الله وسُنَّتي) وقال: ((خيرُ القرون قرني، ثم الذين يلونهم))، فتمسَّكوا بدِينكم، فهذا زمانٌ القابضُ فيه على دِينه كالقابض على الجمر، زُهِيتْ فيه الحياة بزخرفها، وثَمَلَتِ الناس بنشوتها، وكثر الدخيل في الإسلام، وأوقع في القلوب الضعيفة ما أوقع مِن الأوهام، وتحقَّق فيه قولُ ابن مسعود - رضي الله عنه - : "كيف أنتم إذا لبستْكم فِتنةٌ يربو فيها الصغير، ويهرم عليها الكبير، وتُتخذ سُنَّة يجري الناس عليها، فإذا غُيِّر منها شيء، قيل: غُيِّرت السُّنَّة؟ قيل: متى ذلك يا أبا عبدالرحمن؟ قال: إذا كثُر قُرَّاؤكم، وقلَّ فقهاؤكم، وكثرت أموالُكم، وقلَّ أُمناؤكم، وتُعلِّم لغير الدِّين").

ومعلومٌ أنه كلما تقادم عهدُ أمَّة بنبيِّها ألقى الشيطان في أفرادها تعاليمَ تظنُّ فيما بعدُ أنها من الدِّين، والدِّينُ منها براء، يريد بذلك إماتةَ السُّنة، وطمْسَ معالمها.

عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: خطَّ رسولُ الله ﷺ‬ خطًّا بيده، ثم قال: ((هذا سبيل الله مستقيمًا))، ثم خطَّ خطوطًا عن يمين ذلك الخطِّ وعن شماله، ثم قال: ((هذه السُّبُل، ليس فيها سبيلٌ إلا عليه شيطان يدعو إليه) ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].

وقال ﷺ‬ : ((عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين مِن بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ بدعة ضلالَة)).

وورد عنه ﷺ‬ : أنَّ أمته ((ستفترِق على ثلاثِ وسبعين فِرْقة كلُّها في النار إلاَّ واحدة))، وفي حديث عنه ﷺ‬ أنه قال: ((هم مَن كان على مِثْل ما أنا عليه وأصحابي)).

وقال: ((لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحقِّ ظاهرين، لا يضرُّهم مَن خالفهم، ولا مَن خذلهم، حتى تقومَ الساعة)).

نسأل الله أن يجعلنا منهم، وألاَّ يُزيغَ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهبَ لنا من لَدُنه رحمة، إنَّه على كلِّ شيء قدير، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد النبي الأُمِّي، وعلى آله وصحبه أجمعين.



[1] في "الدر السنية" (الهوى).

[2] في "الدرر السنية" (1/42) حذف ما بين القوسين.

[3] صدر هذه الرسالة مذكور في رسالة الشيخ إلى السويدي عالم من أهل العراق

[4]  في المخطوطة "على قوله"، وفي المصورة "في قوله تعالى".

[5] في الأصل جاءت العبارة هكذا: "لقوله: ونبذوه وراء ظهورهم"، والتصحيح من المصورة.

[6] في المخطوطة : "لفانا" ومعناها وصلنا.

[7] في المخطوطة والمصورة زيادة "من أنكرها".

[8] في المصورة (يسمونه).

رأيك يهمنا