الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه من آداب الطريق

نبذة مختصرة

الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه من آداب الطريق : كتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أجاب فيه عن سؤال ورد إليه عن حزب البحر لأبي الحسن الشاذلي، ثم بين ما في حزبه الآخر المسمى: حزب البر، من الأخطاء العقدية، والعبارات الملتبسة، والأدعية الممنوعة الباطلة، ثم أتبعه بنقد كلامه فيما صنفه في آداب الطريق في علم الحقيقة.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (15)

  الرد على الشاذلي في حزبيه، وما صنَّفه في آداب الطريق

(يطبع كاملا لأول مرة)

تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661 - 728) تحقيق علي بن محمد العمران إشراف بكر بن عبد الله أبو زيد دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

(المقدمة/1)


راجع هذا الجزء سعود بن عبد العزيز العريفي جديع بن محمد الجديع

(المقدمة/3)


مقدمة الطبعة الثانية (وخبر العثور على بقية الكتاب) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقد سبق لنا قبل ثمان سنوات مضت تحقيق هذا الكتاب، وكانت النسخة الخطية الوحيدة للكتاب آنذاك ناقصة من أولها نحو 10 ورقات تقديرًا ذهبت بمقدمة الكتاب كاملة وما بعدها. كما شرحناه في المقدمة. وقبيل أشهر قليلة وصلتني رسالة إلكترونية من شخص لا أعرفه تبشّرني بوجود هذا النقص (المقدمة مع أوائل الكتاب) في نسخة أخرى غير النسخة التي عندنا، فطِرتُ فرحًا بهذا الخبر الذي أتى بلا ميعاد ولا اجتهاد ولا سابق معرفة بمن وجدها. وسألني الأخ الفاضل (في رسالته) إن كنتُ أريد هذه النسخة؟! وتعجبّت منه يسألني هذا السؤال؟ فكتبت إليه: لا نريدها فقط بل نرحل إليها، ونَبذلُ فيها الثمنَ، وهل للعلم ثمن؟! فبادر جزاه الله خيرًا إلى إرسالها على البريد الإلكتروني سَمْحةً بها نفسُه، فإذا بها نسخة جيدة في (28 ورقة) محفوظة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي تكمل النقص الواقع في الكتاب، وهو نحو (14) ورقة، وتتفق مع النسخة الأولى في (14 ورقة) أخرى، تتضمن زيادات في مواضع متعددة، لكنها للأسف ناقصة نحو ثلثي الكتاب، وإن خَتَمها الناسخُ بما يوحي باكتمالها وعدم نقصها، كما شرحناه تفصيلًا عند وصف النسخة. فكان ذلك كله داعيًّا لإعادة طبع الكتاب من جديد لتحقيق هذا الجزء

(المقدمة/5)


الناقص من جهة، وحافزًا لإعادة النظر في نشرتنا الأولى قراءة وضبطًا من جهة أخرى، لتخرج طبعة مكتملةً للكتاب، مع زيادات وتصحيحاتِ النسخةِ الجديدةِ مما استدركناه على طبعتنا السابقة. فالحمد لله على توفيقه، ونسأله المزيد من فضله، والشكر للأخوين الفاضلين الكريمين: الأخ الذي عثر على النسخة (ولم أعرف اسمه)، والأخ الذي تواصل معي بخصوصها، وأرسلها إليَّ، وهو أبو ربيعة عارف الغيثي، جزاهما الله خيرًا وبارك فيهما. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وكتب علي بن محمد العمران تحريرا في 28 / ربيع الثاني / 1437 في مكة المكرمة

(المقدمة/6)


مقدمة التحقيق الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد. وأصلي وأسلم على مَن بعثه الله رحمة للعالمين، وحجة على الخلق أجمعين، من تمسَّك بغَرْزه نجى، ومن اقتفى أثره وسلك سبيله ولزم محجَّتَه هُدي إلى صراط مستقيم. ومَن تنكَّب سبيله وحاد عن منهجه أو استبدل به غيره تنازعَتْه الأهواءُ وتشعَّبت به السُبل. أما بعد؛ فهذا أثر عزيز من آثار الإمام العلامة أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمة الله عليه، خصصه هذه المرة لجواب سؤال وردَ إليه عن «حزب البحر» لأبي الحسن الشاذلي (ت 656)، ثم جاد الشيخُ (وجُودُه العلميُّ سابغ) ببيان ما في حزبه الآخر المسمّى «حزب البر» من الأخطاء العقدية، والعبارات الملتبسة، والأدعية الممنوعة الباطلة. ثم أَتْبَعَه بنقد كلامه فيما «صنَّفَه في آداب الطريق في علم الحقيقة». ولا يخفى أنّ أتْبَاعَ الطرق الصوفية قد استبدلوا الأدعيةَ المرتبة والأحزاب الصوفية المخترعة بما جاء في السنة المطهرة على لسان مَن لا ينطق عن الهوى، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ فوقعوا في مخالفة الشرع الحنيف، وفاتهم الخير العظيم. وقد نبَّه المؤلف على ذلك في مواضع من كتبه، قال: «المشروع للإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة، فإن الدعاء من أفضل العبادات، وقد نهانا الله عن الاعتداء فيه، فينبغي لنا أن نتّبع فيه ما شرَعَ وسَنَّ، كما أنه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات.

(المقدمة/7)


والذي يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره ــ وإن كان من أحزاب بعض المشايخ ــ الأحسنُ له أن لا يفوته الأكمل الأفضل وهي الأدعية النبوية؛ فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك وإن قالها بعض الشيوخ ... ومن أشد الناس عيبًا من يتخذ حزبًا ليس بمأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان حزبًا لبعض المشايخ ويدع الأحزابَ النبويةَ التي كان يقولها سيد بني آدم وإمام الخلق وحجة الله على عباده» (1) اهـ. وقال أيضًا: «وأما ما يفعله من يريد التقرب إلى الله من واجب ومستحب؛ فكلهم يأخذه عن الكتاب والسنة، فإنّ القرآن والحديث مملوء من هذا، وإن تكلم أحدهم في ذلك بكلام لم يسنده هو يكون هو أو معناه مسندًا عن الله ورسوله، وقد ينطق أحدهم بالكلمة من الحكمة فتجدها مأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ولكن كثير من أهل العبادة والزهادة أعرض عن طلب العلم النبوي الذي يُعرف به طريق الله ورسوله فاحتاج لذلك إلى تقليد شيخ. وفي السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ لكن يوجد في الكتاب والسنة من النصوص الدالة على الصواب في ذلك ما يفهمه غالب السالكين، فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد كلها منصوصة في الكتاب والسنة، وإنما اختلف أهلُ الكلام لمّا أعرضوا عن الكتاب والسنة، فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف. وهكذا طريق العبادة عامةُ ما يقع فيه من الاختلاف إنما هو _________ (1) «مجموع الفتاوى»: (22/ 525).

(المقدمة/8)


بسبب الإعراض عن الطريق المشروع، فيقعون في البدع، فيقع فيهم الخلاف» (1) اهـ. وقد كان للمؤلف - رحمه الله - نشاط كبير في تصحيح عقائد الناس والتحذير من البدع، وكشف تلبيساتهم على العوام، فوقع بينه وبين كثير من الصوفية على اختلاف طرقهم ومذاهبهم: نزاعاتٌ ومناظراتٌ وردود كثيرة، سواء في دمشق أو إبَّان إقامته بمصر (بين سنتي 705 - 712)، ومن أشهرها ما وقع مع زعيمهم ابن عطاء الله السَّكَنْدري (ت 709) ــ تلميذ أبي العباس المرسي (ت 686) أبرز أتباع أبي الحسن الشاذلي (ت 656) ــ. حتى بلغ الأمر أن استعدى ابنُ عطاء الله السلطةَ في ذلك الوقت على الشيخ، بحجة أنه يتكلم في مشايخ الطريقة. وفي إحدى المرات جمعَ ابنُ عطاء الله أكثر من خمس مئة من الصوفية والعوام، وطلعوا إلى قلعة الجبل حيث نائب السلطنة لشكاية الشيخ، والنيل منه، لكنهم لم يظفروا بطائل (2). وقد كتب شيخ الإسلام سلسلةً من حلقات النقد خصَّصها للصوفية وكتبهم وأفكارهم، فمنها: - نَقْد كتاب «فتوح الغيب» لعبد القادر الجيلاني. مطبوع. - ونَقَد «الرسالة القشيرية» في كتابه «الاستقامة». مطبوع. - ونَقَد كتابَ ابنِ العريف في التصوف «محاسن المجالس» بكتاب مستقل. ذكره ابن رُشيِّق. _________ (1) «مجموع الفتاوى»: (19/ 273 - 274). (2) انظر «الجامع لسيرة ابن تيمية» (ص 182، 214 - 215، 426).

(المقدمة/9)


- ونقد أبا إسماعيل الهروي وكتابه «منازل السائرين». - ونقد «المرشدة» لابن التومرت. طبع. - ونقد الحكيمَ الترمذي وكتابه «ختم الأولياء». - وكتب رسالة إلى أصحاب الشيخ عدي بن مسافر. طبع. - وكتب كثيرًا في الرد على ابن عربي وغيره من متفلسفة المتصوفة. طبع بعضها. - وكتب عن الأبدال والأوتاد والأقطاب عدة رسائل. طبع بعضها. - وكتب عن السماع رسائل عديدة. - وكتب عن الصوفية ونشأتها وطوائفها وأعلامها والرد عليهم، في كتب خاصة ورسائل كثيرة (1). ويأتي هذا الرد على أبي الحسن الشاذلي في أحزابه وطريقته في السلوك حلقةً جديدة في هذه السلسلة. وسنتكلم عن هذا الكتاب في المباحث التالية: _________ (1) انظر لهذه الكتب وغيرها «مجموع الفتاوى» المجلدين العاشر والحادي عشر، و «جامع المسائل»، و «جامع الرسائل»، وبعض هذه الكتب لم يطبع.

(المقدمة/10)


اسم الكتاب، وسبب تأليفه، ومتى ألَّفه * أما اسمه، فلم نجد ما يدلنا على تسمية المؤلف لكتابه، ولا سمَّاه اسمًا عَلَميًّا أحدٌ ممن ذكره من تلاميذه أو غيرهم، وليس في نسخة (م) اسم الكتاب؛ لأنه قد سقطت منها ورقة العنوان ومقدمة الكتاب، كما سيأتي. وأما الاسم المكتوب في النسخة الثانية (ت) وهو: «كتابٌ فيه جواب الشيخ الإمام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية الحنبلي - رحمه الله - للسائل عن «حزب البحر» المنسوب للشيخ أبي الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى» فليس اسمًا عَلَميًّا أيضًا، بل وصف لموضوع الكتاب وشرح له. أما مَن ذكروا الكتاب فلم يزيدوا على قولهم: إن ابن تيمية رد على الشاذلي في حزبه. قال ابن عبد الهادي تلميذه وهو يعدد كتب شيخه: «وجوابٌ على حزب أبي الحسن الشاذلي وما يشبهه» (1). وقال الصفدي: «وللشيخ تقي الدين ابن تيمية مصنَّف في الرد على ما قاله الشاذلي في الحزب» (2). ولذلك رأينا من المناسب أن يكون عنوان الكتاب: «الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق». * أما سبب تأليفه؛ فهو جواب على سؤال ورد إليه عن «حزب البحر» للشاذلي، وساقَ السائلُ الحزبَ كاملًا، وقد ذكر المؤلف أيضًا (ص 157) في أثناء كلامه أن بعض الطلاب سألوه عن هذه الأحزاب وما تضمنته من الأدعية، وأن جوابه كان بسبب سؤالهم، قال: «ولولا أنه قد اشتهر فسادُ قولِ هؤلاء (أي _________ (1) «العقود الدرية» (ص 90). (2) «الوافي بالوفيات»: (22/ 214).

(المقدمة/11)


أصحاب الحلول) للسائلين عن هذه الأحزاب لبسطنا فيه الخطاب» اهـ. * أما تاريخ تأليفه، فلم نجد نصًّا بذلك، لكن إذا علمنا أن تاريخ كتابة نسخة (م) كان في سنة (723). كما صرّح به ناسخها أيوب العامري ــ وهو من المعتنين بنسخ كتب المؤلف كما سيأتي ــ أي أنها نُسِخت قبل وفاة المؤلف بخمس سنوات؛ فأصبح يقينًا أن المصنف كَتَبه قبل هذا التاريخ. أما تحديد تاريخ تأليفه، فيغلب على الظن أنَّه ألَّفه بمصر إبَّان إقامته هناك بين سنتي (705 - 712) في سَوْرة احتدام الصراع بينه وبين طوائف المبتدعة، خاصة الصوفية بأنواعهم، وكان منهم أتباع الشاذلي كابن عطاء الله السَّكَندري الصوفي الشاذلي (ت 709) صاحب كتاب «لطائف المنن» في مناقب الشاذلي وتلميذه المرسي. كما ذكرنا قبل قليل. وكان غرض المؤلف من هذا الجواب: بيان الحق ونصيحة الخلق ممن لا يعرفون ما في هذه الأحزاب من الأدعية الباطلة المحرمة. وأشار الشيخ أيضًا أنه تصدّى لهذا الرد لأن بعض الناس قد يجبن عن الكلام في هذه الأحزاب خوفًا من عواقب ذلك (1). وذلك يوحي بسطوة شيوخ التصوّف على العوام، وتأثيرهم الكبير على السلطة، فيخشى من يتصدّر للرد عليهم من عواقب ذلك، لكن تلك الأراجيف لم تنفق عند شيخ الإسلام في قوته وثبات عزيمته وحرصه على نفع الناس وإصلاح عقائدهم وسلوكهم. * * * * _________ (1) انظر (ص 239) من الكتاب.

(المقدمة/12)


إثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه الكتاب ثابت النسبة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية بأمور: 1 - أن هذا الكتاب ذكره جماعة من تلاميذ شيخ الإسلام وغيرهم، منهم: أ- ابن عبد الهادي (ت 744)، ذكره في ترجمة شيخه «العقود الدرية» (ص 90). ب - ابن الوردي (ت 749)، ذكره في «تاريخه»: (2/ 201). ج - الصفدي (ت 764)، ذكره في «الوافي بالوفيات»: (22/ 214) في ترجمة الشاذلي. د - ابن الملقّن (ت 807) في «طبقات الأولياء» (ص 459). هـ- الشعراني في «طبقات الصوفية الكبرى»: (2/ 4). 2 - أن الكتاب منسوب للشيخ في نسخة (ت) كما في الورقة الأولى منها، وعقب السؤال. 3 - أن موضوعات الكتاب تتوافق مع ما قرره شيخ الإسلام في كتبه الأخرى، وقد أشرنا إلى ذلك في مواضع كثيرة من هوامش الكتاب. 4 - أسلوب الشيخ المعروف لا يختلف في هذا الكتاب عن باقي كتبه الثابتة عنه. 5 - كثيرًا ما كان يحيل المصنف على كتبه الأخرى لاستكمال بحث أو مسألة بقوله: «وقد بسطناه في موضع آخر»، أو نحوها من العبارات التي درج ابن تيمية على استعمالها، وقد أحلنا على كتبه في عموم تلك المواضع.

(المقدمة/13)


6 - أن المؤلف قد ذكر الشاذليَّ في عددٍ من كتبه ناقدًا إياه بنحو ما ذكره هنا، كما في «الفتاوى»: (2/ 96)، (10/ 713)، (14/ 358 - 359 و 365)، و «درء التعارض»: (5/ 353)، و «الرد على البكري» (ص 427)، و «الاستقامة»: (2/ 130 - 131). 7 - أن شيخ الإسلام ذكر في هذا الكتاب (ص 204) قاضي اليهود الذي أسلم على يديه بقوله: «ولقد سألني قديمًا عبد الله (1) الذي كان قاضي اليهود ودعوته إلى الإسلام وبينتُ له أعلامه حتى أسلم وحَسُن إسلامه ... » ثم ذكر قصته معه. وقد ذكر المؤلف هذه القصة في مواضع من كتبه بنفس هذا السياق أو نحوه. انظر: «مجموع الفتاوى»: (2/ 359)، (13/ 187 - 188). 8 - أن ناسخ نسخة (م) أيوب العامري من تلاميذ شيخ الإسلام المعروفين بنسخ كتبه، وهو ممن صَحِب الشيخَ أبا عبد الله بن رُشَيِّق ــ تلميذ شيخ الإسلام وناسخ كتبه ــ وترافق معه في نسخ كتب الشيخ ومقابلتها، كما سيأتي عند الحديث عنه (2). * * * * _________ (1) كذا، وصوابه «عبد السيد» كما في «الفتاوى» في المواضع المذكورة، ومصادر ترجمته. انظر «البداية والنهاية»: (18/ 10، 148)، و «الدرر الكامنة»: (2/ 476). (2) (ص 36 - 37).

(المقدمة/14)


تقسيم موضوعات الكتاب أجاب المؤلف على هذا السؤال عن «حزب البحر» من وجهين: الوجه الأول: مقدمة تأصيلية طويلة من (ص 3 - 37) تكلم فيها عن القواعد الضابطة للعبادات بأنواعها من صلوات وأذكار وغيرها، ومتى تكون العبادة مشروعة، ومتى تكون ممنوعة، وتكلم عن ما إذا اجتمع إلى فعل العبادة تخصيص وقت معين لها لم يحدده الشارع، وعن ما إذا اجتمع إلى ذلك وقوع ألفاظ وعبارات لم يأت بها الشارع أو دخل فيها عبارات غير مشروعة ... إلى غير ذلك من الأحوال والأوصاف التي قد تطرأ على العبادات التي لم يشرعها الشرع الحنيف، أو كان أصلها مشروعًا وأضاف إليها الناس ألفاظًا أو أفعالًا أو أوقاتًا لم تأت في الشريعة. واستطرد المؤلف كعادته في ذِكر بعض ما يناسب المسألة، وذِكر أمثلة كثيرة لعبادات مخترعة أو مختلف فيها. وتكلم على الكتب التي جَمَعت الأدعية وما فيها من أحاديث ثابتة وغير ثابتة، وعلى أحزاب المشايخ وما يقع فيها من ألفاظ خارجة عن الشرع بل قد تخرج إلى الكفر. ثم ذكر الشاذلي وأثنى عليه وأنه من خير هؤلاء الشيوخ (أصحاب الأحزاب) ومن أفضلهم معرفة وحالًا وأتبعهم للشريعة وتعظيمًا للكتاب والسنة وتحريضًا على متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - = وأنه مع ذلك فلابدّ من عرض كلامه على الكتاب والسنة سواء قاله هو أو مَن هو أكبر منه، وضرب لذلك أمثلة، ثم تكلم عن موقف المسلم من هذه الأحزاب، وهل تستعمل في الأذكار أم

(المقدمة/15)


لا؟ وما الموقف من أصحابها، وخلص إلى أن الحزب المسؤول عنه وقع فيه ما هو منكر في نفسه من كلمات ودعوات، وأنه يُنكر مطلقًا سواء اتخذ لقراءته وقت محدد أو لا. وأشار إلى قضية الإنكار على مثل هؤلاء وضوابطها وما يترتب عليها. وذكر قبل ذلك البدعة والتحذير منها، وتقسيمها إلى حسنة ومذمومة وما فيه. ثم تكلم عن مسألة اجتماع المدح والذم في الشخص الواحد، والخلاف في وقوعها في الفعل الواحد، وتحرير مذهب أهل السنة في ذلك. الوجه الثاني من الجواب: وذكر فيه ثلاثة أمور: الأول: نقد ما وقع في «حزب البحر» من أخطاء، وهو الحزب المسؤول عنه أصالةً، ويبدأ من (ص 38) إلى (ص 96). وذَكَر شيخ الإسلام أن هذا الحزب هو أمثَل أحزاب الشاذلي وأقلّها خطأً. وقد ذكر عليه عشرة أوجهٍ من النقد. الثاني: نقد ما وقع في «حزب البر» ويسمّى «الحزب الكبير» من أخطاء، ويبدأ من (ص 97) إلى (ص 157). وهذا الحزب شرّ من «حزب البحر» كما قال المصنف: «ففيه من الأمور المنكرات والدعوات المحرمات ما يتعيَّن النهيُ عنه ... » اهـ. وقد ناقش المصنف فيه قضايا عديدة أهمها: ارتباط كلام صاحب الحزب بمتصوّفة الفلاسفة أصحاب الوحدة كابن عربي وغيره. وقد جرى المؤلف في نقده هذين الحزبين على حسب ترتيبهما. الثالث: نقد ما صنَّفه الشاذلي في آداب الطريق في علم الحقيقة، وهو يبدأ من (ص 158) إلى (ص 238). وقد بدأه بنقل كلام الشاذلي كاملًا في ست

(المقدمة/16)


صفحات كاملة. ثم ينقل عباراته فقرةً فقرة ويردّ عليها. ثم عقد فصلًا من (ص 239) بيَّن فيه إنصافه للرجل، وأنه لم يحَمِّل كلامَه ما لم يحتمله. * * * *

(المقدمة/17)


أبرز الملحوظات التي أخذها المؤلف على الشاذلي في هذه الأحزاب 1 - أن فيها الكثير من العبارات والأدعية التي لا يجوز الدعاء بها، لما فيها من المحاذير الشرعية، والاعتداء في الدعاء: كما في (ص 114)، والتناقض (ص 100)، ووضع الآيات في غير مواضعها (ص 93). ولم يكتف المؤلف ببيان أخطاء الشاذلي، بل كان يضع العبارات الشرعية البديلة، التي تؤدِّي الغرضَ المقصود، إما من أدعية الكتاب والسنة، أو من العبارات البديلة التي لا محذور فيها. 2 - أن الشاذليّ وغيره ينقلون من كتب الصوفية المتفلسفة عباراتٍ مخالفة في حقيقتها لدين المسلمين من غير معرفةٍ منهم لذلك، قال المؤلف (ص 82): «وصاحب الحزب وأمثاله من المتأخرين ينظرون في كتب الصوفية التي فيها ما هو مبنيّ على أصول الفلاسفة المخالفين لدين المسلمين، فيتلقون ذلك بالقبول، ولا يعرفون حقيقته، ولا ما فيه من الباطل المخالف لدين الإسلام ... » اهـ. وقد نبَّه المصنف إلى ذلك في مواضع من الكتاب: (ص 21، 59 - 60، 141، 183). وقد جَهِد المصنف في ربط كلام الشاذلي بكلام فلاسفة المتصوفة كالغزالي في الكتب المضنون بها، وابن عربي، وإخوان الصفا في رسائلهم، وابن الطفيل، وابن الفارض، وغيرهم. وبيَّن المؤلف أن الشاذلي قد اتكأ على هذه الكتب، واعتمد بعض ما فيها من غير إدراكٍ منه لما تفضي إليه من الباطل، وذلك إحسانًا للظن به.

(المقدمة/18)


وخلص المؤلف إلى أن أحزاب الشاذلي ــ مع ثنائه عليه في الجملة ــ تتضمن ما يُنكر من الذِّكر والدعوات، فينبغي إنكار ما فيها مطلقًا، سواء أحْدِث لها اجتماع راتب أو لم يُحْدَث، وذلك بخلاف الأوراد والدعوات التي يكون جنسها سائغًا لا منكر فيه، فليس الدعاء بها منكرًا إذا فعله الشخص الداعي أو غيره ما لم يُتّخذ ذلك سنة راتبة. ولقد حاول علي سالم عمار الصوفي الشاذلي ــ صاحب كتاب «أبو الحسن الشاذلي: عصره ــ تاريخه ــ علومه ــ تصوفه» (1) ــ أن يردَّ عن الشاذلي ما أخذه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، في ثلاث مسائل ذكرها في كتابه، ولم يذكر من أين نقل كلام ابن تيمية حول الشاذلي إلا في الموضع الأول، فقد كان بواسطة كتاب «جلاء العينين» لنعمان الآلوسي، لكنه لم يوفَّق في ذلك. ومن اليقين عندي أنه لم يسمع بكتابنا هذا فضلًا عن أن يطَّلع عليه. أما المسائل التي ذكرها وحاول تخريج كلام الشاذلي فيها فهي: الأولى: في الإقسام بالمخلوق والتوسّل والتشفُّع به، وهذه ليست في كتابنا هذا. الثانية: في قول الشاذلي في حزب البحر: «نسألك العصمة في الحركات والسكنات ... ». الثالثة: في قوله في حزب البر: «وليس من الكرم أن لا تحسن إلا لمن أحسن إليك ... ». * * * * _________ (1) (1/ 249 - 266).

(المقدمة/19)


فصلٌ في كلام المؤلف على الشاذلي في كتبه أنصف المؤلفُ الشاذليَّ، فذكره في كتابنا هذا (ص 18) وأنه من خير مشايخ الصوفية وأكثرهم تعظيمًا للكتاب والسنة وتحريضًا على متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن أحزابه خير من غيرها وأقل منكرات مع ما وقع فيها من الألفاظ البدعية والعبارات المنكرة التي توجب إنكار قراءتها فضلًا عن الاجتماع لذلك واتخاذه سنة. وقد جاء ذكر أبي الحسن الشاذلي في عدد من كتب شيخ الإسلام في معرض النقد والتنبيه على ما وقع في كتبه من مخالفات، وعلى ما نُقل عنه من أحوال، فنذكر ما وقفنا عليه. قال في «مجموع الفتاوى»: (14/ 358 - 359): «وتارة يقولون: يُفعل هذا لأهل المارستان، أي العامة! كما يقوله الشيخ المغربي، إلى أنواع ليس هذا موضع بسطها. ومن يسلك مسلكهم غايته إذا عَظّم الأمر والنهي أن يقول كما نُقل عن الشاذلي: يكون الجمع في قلبك مشهودًا والفرق على لسانك موجودًا. ولهذا يوجد في كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية وأحزاب تستلزم تعطيل الأمر والنهي، مثل: أن يدعو أن يعطيه الله إذا عصاه أعظم مما يعطيه إذا أطاعه (1)، ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده أن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، بل أفضل منهم! ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما يوجد في أحزاب (2) الشاذلي. وقد بسط _________ (1) ينظر كتابنا هذا (ص 112 - 113). (2) في «الفتاوى»: «جواب»، وهو تحريف صوابه ما أثبت.

(المقدمة/20)


الكلام على هذا في غير هذا الموضع» (1). وقال أيضًا في «الفتاوى»: (14/ 365): «وصرح بعضهم بأنه يعلم كل ما يعلمه الله، ويقدر على كل ما يقدر الله عليه. وادَّعوا أن هذا كان للنبي ثم انتقل إلى الحسن بن علي ثم من الحسن إلى ذريته واحدًا بعد واحد حتى انتهى ذلك إلى أبي الحسن الشاذلي، ثم إلى ابنه! خاطبني بذلك من هو من أكابر أصحابهم» (2). وقال في «الرد على البكري» (ص 427): «وآخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى الفتيا، كان يقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر عليه الله، وإن هذا السر انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي. وقالوا: هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع». وقال في «درء التعارض»: (5/ 353): «ولهذا كان الأئمة منهم كالجنيد وأمثاله يتكلمون بالمباينة، كقول الجنيد: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم. وفي كلام الشاذلي والحرالي بل وابن برَّجان بل وأبي طالب وغيرهم، من ذلك ما يعرفه من فهم حقيقة الحق وفهم مقاصد الخلق». وقال في «مجموع الفتاوى»: (2/ 96) مشيرًا إليه: «ومن هؤلاء من _________ (1) هذا النقل من رسالة الحسنة والسيئة، وهذه الرسالة اختصر بعض النساخ مواضع منها فأدْخلت في «مجموع الفتاوى» على أنها رسائل مختلفة، فتكرر هذا الكلام عن الشاذلي، انظر «الفتاوى»: (8/ 232 و 14/ 226)، و «صيانة مجموع الفتاوى» (ص 70، 124 - 127). (2) ينظر كتابنا هذا أيضًا (ص 52).

(المقدمة/21)


يكون طلبه للمكاشفة ونحوها من العلم أعظم من طلبه لما فرض الله عليه، ويقول في دعائه: اللهم أسألك العصمة في الحركات والسكنات والخطوات والإرادات والكلمات؛ من الشكوك والظنون والإرادة والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب». وهذه نص عبارة الشاذلي في حزبه (1). * * * * _________ (1) انظره في صدر كتابنا هذا (ص 3) ورد المؤلف (ص 22) من قسم التحقيق.

(المقدمة/22)


موضوع الكتاب، وطريقة المؤلف فيه موضوع الكتاب إجابة لسؤال ورد لشيخ الإسلام عن «حزب البحر» لأبي الحسن الشاذلي، فكتب الشيخ هذا الجواب في تأصيل قضية الأدعية والأذكار والعبادات وما يشرع منها وما لا يُشرع إلى موضوعات أخرى متعلقة سبق تلخيصها، ثم تطرق إلى بيان ما في الحزب من المخالفات، ثم زاد إليه ما في «حزب البر» و «كلامه على آداب الطريق» من المخالفات العقدية والسلوكية، تتميمًا لمراد السائل، وَجُودًا بالعلم، فإن من الجود بالعلم ذِكْر ما لم يرد في سؤال السائل مما يفيده وينفعه، ولشيخ الإسلام في هذا الباب أيادٍ بيضاء، كما ذكر ابن القيم - رحمه الله - في «مدارج السالكين»: (2/ 293 - 295). وقد قسَّم جوابه إلى وجهين رئيسين ذكرناهما تفصيلًا فيما سبق (ص 15)، ومحتواهما باختصار: 1 - مقدمة في (37) صفحة. 2 - الرد على حزب البحر (ص 38 - 96). 3 - الرد على حزب البر أو «الحزب الكبير» (ص 97 - 157). 4 - الرد على كلامه في «آداب الطريق» (ص 158 - 238). 5 - فصل في إنصاف الشاذلي وعدم تحميل كلامه مالا يحتمل (ص 239 فما بعدها). أما طريقته في مناقشة ما في الحزبين، فقد سار على حسب ترتيب كل حزب، بنقل عبارات الشاذلي، ثم تعقُّبها وبيان ما فيها من أخطاء. أما ما

(المقدمة/23)


يتعلق بآداب الطريق فقد نقلَ من كلام الشاذلي ستّ صفحات كاملة، ثم أخذ في الرد عليها فقرة فقرة. وقد ركَّز المؤلف في نقده لحزبَي الشاذلي على أمرين سبقت الإشارة إليهما (ص 16 - 17). وهنا نشير إلى عدة أمور تبرز طريقته في الكتاب: الأول: كان هدف المؤلف هو نصيحة الخلق ببيان الحق الذي قد يخفى على كثير من الناس، قال (ص 190): «ولولا ما أوجبه الله نصيحةً للخلق ببيان الحق لما كان إلى بيان كلام هذا وأمثاله حاجة، ولكنْ كثيرٌ من الناس يأخذون الكلام الذي لا يعلمون ما اشتمل عليه من الباطل، فيقتدون بما فيه اعتقادًا وعملًا، ويَدْعون الناس إلى ذلك». الثاني: أنه لم يتوسّع في مناقشة القضايا العقدية التي يذكرها؛ لأن المقصود هو التنبيه على أخطاء الحزب، انظر (ص 89). الثالث: أنه إنما أراد التنبيه على بعض ما في الحزب من الأخطاء، لا تتبُّع عباراته كلها، انظر (ص 89)، وذكر (ص 143) أن في الحزب أمورًا منكرة لكنه انتقى البعض لينبِّه على غيره. الرابع: أن المؤلف حرَص في كتابه عند ذكره لما يُنتقد من كلام الشاذلي أن يذكر جميعَ ما يحتمله كلامه من المعاني، ثم يجيب عنها واحدًا واحدًا، ولا يتحامل عليه، قال في (ص 240): «فلهذا ولغيره نذكر ما تحتمله الكلمة من المعاني، لاحتمال أن يكون قَصَد بها صاحبُها حقًّا، ما لم يتبين مراده، فإذا تبين مراده لم يكن بنا حاجة إلى توجيه الاحتمالات». وانظر (ص 87، 163).

(المقدمة/24)


الخامس: أن المؤلف منصف في نقده، فهو يذكر في مواضع عديدة أن في كلام الشاذلي معانيَ صحيحة، أو تحتمل الصحة، ولا يزن الكلام بميزان يميل إلى جهة واحدة، كما في (ص 117، 147، 164، 239). قال (ص 164) بعد أن ساق كلامًا طويلًا: «هذا الكلام وإن كان في بعضه أمور صحيحة موافقة للكتاب والسنّة، ففيه أمور منكرة باطلة مخالفة لدين المسلمين ... ». السادس: أن المؤلف يصحِّحُ بعضَ الألفاظ المدخولة، ويأتي ببديل عن الألفاظ المنكرة أو الغامضة، ففي (ص 150) عند قول الشاذلي: (نسألك الفقر مما سواك والغنى بك حتى لا نشهد إلا إياك)، قال المؤلف: «هذه ألفاظ مجملة قد يُراد بها معنى فاسدٌ كما يراد بها معنى صحيحٌ، واللفظ الحسن أن يقال: نسألك الغنى عمّا سواك والفقر إليك». * * * *

(المقدمة/25)


ترجمة أبي الحسن الشاذلي (1) * اسمه: علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن تميم بن هرمز بن حاتم بن قصي بن يوسف أبو الحسن الشاذليّ، المغربيّ، الزّاهد، نزيل الإسكندريّة، وشيخ الطائفة الشّاذليّة. والشاذلي: بالشين والذال المعجمتين وبينهما ألف، وفي الآخر لام. وشاذلة: قرية بإفريقيّة. قال الذهبي: «وقد انتسب في بعض مؤلّفاته في التّصوُّف إلى عليّ بن أبي طالب، فقال بعد يوسف المذكور: ابن يوشع بن ورد بن بطّال بن محمد بن أحمد بن عيسى بن الحسن بن عليّ - رضي الله عنه -. وهذا نسبٌ مجهولٌ لا يصحّ ولا يثبُت، وكان الأولى به تركه وترك كثير ممّا قاله في تواليفه في الحقيقة». _________ (1) أهم مصادر ترجمته: «لطائف المنن»: (ص 75 - 89) لابن عطاء الله، «تاريخ الإسلام» (وفيات 656، ص 273 - 274)، «العبر»: (3/ 282)، «تذكرة الحفاظ»: (4/ 1438) جميعها للذهبي، «تاريخ ابن الوردي»: (2/ 200 - 201)، «الوافي بالوفيات»: (21/ 214)، «نكت الهميان» (213) للصفدي، «طبقات الأولياء» (458) لابن الملقن، «مرآة الجنان»: (4/ 140) لليافعي، «حسن المحاضرة»: (1/ 520)، «طبقات الصوفية»: (2/ 4) للشعراني، «الكواكب الدرية في تراجم الصوفية»: (2/ 470) للمناوي، «شذرات الذهب»: (5/ 278 - 279)، «كشف الظنون» (404، 662، 661)، «إيضاح المكنون»: (1/ 559، 2/ 96، 264)، «شجرة النور الزكية» (186) لمخلوف، «سلوة الأنفس»: (1/ 85)، «تاج العروس»: (14/ 372)، «الأعلام»: (5/ 120)، «معجم المؤلفين الصوفيين» (267)، وقد أفرده بالترجمة قديمًا وحديثًا جماعة سنذكرهم في آخر الترجمة.

(المقدمة/26)


وقد نقل كلام الذهبي مقرًّا له: الصفدي وابن الملقن وغيرهما. ولهذا قال عبد الله السكندري ــ وهو من المعتقدين في ولاية الشاذلي ــ: «لم يكن من أولاد الحسن بن علي من اسمه محمد له عقب، وإنَّ الذي أعقب من أولاد الحسن السبط: زيد الأبلج، والحسن المثنى، كما نصّ عليه غير واحد» (1). ولد سنة إحدى وسبعين (2) وخمسمائة بقبيلة الأخماش الغمارية، قرب سَبْتة. وببلدته نشأ وحفظ القرآن وطلب العلم، ورحل إلى فاس فقرأ على العلماء وقيل إنه كان يعد للمناظرة في العلوم! ثم تاقت نفسه للعبادة فتزهد وتنسك وجاهد نفسه وراضها وساح وجال ولزم الخلوة عن الناس. أخذ أولًا الطريقة بفاس عن محمد بن حرازم بن سيدي علي بن حرازم. ثم جعل يطلب القطب، فبلغ به المطاف إلى العراق فاجتمع بأبي الفتح الواسطي فقال له: تطلب القطب بالعراق وهو في بلادك؟ ! فرجع إلى المغرب فوُصِف له وليٌّ هناك وكان برأس الجبل فصعد إليه، وكان الشيخ عبد السلام بن مشيش، فأفاض عليه من العلوم وقال له: «طلعت إلينا فقيرًا _________ (1) ومن الغرائب زعمهم أنَّ عبد السلام بن مشيش شيخ الشاذلي لما لقي أبا الحسن الشاذلي ــ ولم يكن رآه قبل ذلك ــ قال له على وجه الكشف! : «مرحبًا بعلي بن عبد الله بن عبد الجبار ... » وساق نسبه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال له: «يا علي ارتحل إلى إفريقية واسكن بها بلدًا تسمى شاذلة، فإن الله يسميك الشاذلي، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس ويؤتى عليك بها من قبل السلطنة، وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد المشرق، وترث فيها القطبانية». انظر «درة الأسرار» (ص 23 - 24). (2) تحرف في كثير من المصادر إلى «تسعين».

(المقدمة/27)


من علمك وعملك فأخذت منا غنى الدنيا والآخرة»! ! وأخبره بما سيحدث له وأنه سوف يؤذى، وسيتكلم عليه الناس. فتركه وتوجه إلى الديار الشرقية فمر في طريقه على تونس وأقام بها مدة في (شاذلة) حيث نُسب إليها. ثم اتخذ رباطًا في جبل (زغوان)، وأخذ ينشر دعوته في بلدة (شاذلة) القريبة من رباطه، فسعى به أبو القاسم بن البراء قاضي الجماعة بتونس إلى السلطان أبي زكريا الحفصي فنفاه عن تونس، فانتقل إلى الإسكندرية. ولما قدم الإسكندرية كان بها أبو الفتح الواسطي ــ من أقطاب الصوفية ــ فوقف بظاهرها واستأذنه؟ فقال: طاقية لا تسع رأسين. فمات أبو الفتح في تلك الليلة! ولما شاع أمره وذاع صيته في بلاد المغرب وأصبح معروفًا وتصدّر للإرشاد؛ كثر خصومه ورموه بالعظائم وبالغوا في أذيته، حتى منعوا الناس من مجالسته وقالوا: إنه زنديق. ولما أراد السفر إلى مصر كتبوا إلى سلطان مصر مكاتبات: إنه سيقدم عليكم في مصر مغربي من الزنادقة أخرجناه من بلادنا حين أتلف عقائد المسلمين، وإياكم أن يخدعكم بحلاوة منطقه، فإنه من كبار الملحدين، ومعه استخدامات من الجن، فما وصل إلى مدينة الإسكندرية حتى وجد الخبر بذلك سابقًا على مقدمه، فبالغ أهل الإسكندرية في إيذائه، ثم رفعوا أمره إلى سلطان مصر وأخرجوا له مراسيم فيها ما يباح به دمه، فمد يده إلى سلطان المغرب وأتى منه بمراسيم تناقض ذلك فيها من التعظيم والتبجيل ما لا يوصَف! فتحيّر السلطان وقال: العمل بهذا أولى، وأكرمه ورده إلى الإسكندرية مكرمًا.

(المقدمة/28)


وكان الشاذلي ضريرًا، وهل أضرّ من صغره أم طرأ عليه بعد ذلك؟ اختلف في ذلك، وللصوفية من أتباعه فيه اعتقاد كبير. وسار إلى الحجّ فحج مرّات. قال الذهبي: وهو رجل كبير القدر، كثير الكلام على المقام. له شِعر ونثْر فيه مُتشابهات وعبارات يُتَكلّف له في الاعتذار عنها. قال: ورأيت شيخَنا عمادَ الدين (1) قد فتر عنه في الآخر، وبقي واقفًا في هذه العبارات، حائرًا في الرجل؛ لأنّه كان قد تصوّف على طريقته، وصَحِب الشيخ نجم الدين الأصبهاني نزيل الحرم، ونجم الدين صحب الشيخ أبا العباس المُرْسيّ صاحب الشاذلي». وللبوصيري صاحب البردة قصيدة في مدح أبي الحسن الشاذلي. وأثنى عليه المصنف (ص 18) فقال: «وأبو الحسن الشاذلي كان مِن خير هؤلاء الشيوخ وأفضلهم معرفةً وحالًا، وأحسنهم اعتقادًا وعملًا، وأتْبَعهم للشريعة، وأكثرهم تعظيمًا للكتاب والسنة، وأشدّهم تحريضًا على متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وله كلمات حَسَنة في مثل ذلك». * أشهر من تَلمَذَ له أو تأثر به: - أبو العباس المرسي صاحب سِرّ الشاذلي ــ كما يزعمون ــ وأبرز _________ (1) يعني الواسطي، ابن شيخ الحزّامين، الشيخ الزاهد المعروف (ت 711)، صاحب: «التذكرة والاعتبار» في ترجمة ابن تيمية والوصية به.

(المقدمة/29)


مريديه، دفين الإسكندرية، قال فيه شيخه الشاذلي: عليكم بأبي العباس، يأتي إليه الأعرابي يبول على ساقيه فيخرج من عنده عارفًا بالله! ! توفي سنة 686 (1). - أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله تاج الدين أبو الفضل الشاذلي السكندري، صَحِب أبا العباس المرسي ــ السالف ذكره ــ وصنف في مناقبه ومناقب شيخه، وكان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه، وهو ممن قام على شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية فبالغ في ذلك، وكان يتكلم على الناس، وله في ذلك تصانيف عديدة. توفي سنة (709) (2). * وفاته: توفي أبو الحسن الشاذلي بصحراء (عَيْذاب) بمصر في ذي القعدة، في طريقه للحج سنة ست وخمسين وستمائة. و(عَيْذَاب) ــ بالفتح ثم السكون وذال معجمة وآخره باء موحدة ــ بُليدة على ضفة البحر الأحمر، هي مرسى المراكب التي تقدم من عدَن إلى الصعيد، وكان منها المجاز إلى جدة (3). ولا يزال ضريحه موجودًا بها إلى الآن، وتقام عنده الكثير من البدع، وقد _________ (1) «لطائف المنن» (ص 91 - 115) لتلميذه ابن عطاء الله، و «طبقات الشعراني»: (2/ 12 - 20). (2) «الدرر الكامنة»: (1/ 92)، و «المنهل الصافي»: (1/ 106). (3) انظر «معجم البلدان»: (4/ 171)، و «الروض المعطار» (ص 423).

(المقدمة/30)


جُدِّد بناؤه مع غرفٍ للزوار في هذا العصر على يد بعض المصريين. وكل عام يجتمع الكثير من الصوفية الشاذلية في احتفال مولده في العشرة الأوائل من شهر ذي الحجة، حتى عيد الأضحى المبارك، وذلك في مقامه الموجود في صحراء (عيذاب) بالبحر الأحمر، وهو يبعد عن أسوان حوالي (390 كلم) (1). * بعض أقواله الباطلة واعتقادات الصوفية فيه: ومن عجائب الشاذلي قوله: قلت: يا ربِّ! لم سمَّيْتَني بـ «الشاذلي» ولستُ بشاذليّ؟ فقيل لي: يا علي ما سَمَّيْتُكَ بالشاذلي، وإنمَّا أنتَ الشاذُّ لي ــ يعني: المفرَد لخدمتي ومحبتي! وقال: إذا عَرضتْ لكم إلى الله حاجةٌ فتوسَّلوا إليه بالإمام أبي حامد، يعني الغزالي. وحكى الكوثري عن أبي الحسن الشاذلي أنه قال: أطلعني الله على اللوح المحفوظ؛ فلولا التأدُّب مع جدي رسول الله لقلت: هذا سعيد وهذا شقي (2)! ! ومن كلامه: لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يحدث في غد وما بعده إلى يوم القيامة! ! _________ (1) انظر موقع http: //www.aswannews.com على الشبكة العنكبوتية. (2) انظر «إرغام المريد شرح النظم العتيد لتوسل المريد برجال الطريقة النقشبندية» (ص 39).

(المقدمة/31)


وقيل للشاذلي: من شيخك ... ؟ فقال: أما فيما مضى فعبد السلام بن مشيش، وأما الآن فإني أُسقى من عشرة أبحر، خمسة سماوية، وخمسة أرضية! ! وغيرها من الأقوال الباطلة المنكرة التي يتعجب الإنسان السويّ من صدورها ممن يدعي العلم والمعرفة! وكيف تنطلي على العامة فضلًا عن أن تروج على أهل العلم والفضل! * تصانيفه: اختلفوا هل لأبي الحسن الشاذلي مؤلفات أم لا؟ ففريق يرى أن أبا الحسن لم يؤلف شيئًا، بدليل أنه سئل: هل لديك كتب؟ فقال: كتبي أصحابي! ومن العلماء من ذكر أنه ألَّف، ونقل من كتبه، ورد عليها، كابن تيمية والذهبي والصفدي, ومنهم من سمى طائفةً منها، وهذا ذِكْر بعضها: - الاختصاص من الفوائد القرآنية والخواص. - التسلي والتصبر على قضاء الإله من أحكام أهل التجبر والتكبر. - الأحزاب: حزب البحر، حزب البر (1)، حزب الحفظ والصون وسر تسخير عالم الكون، حزب الحمد في أوراد دائرة الأقطاب، حزب الطمس، حزب الشكاية، حزب النصر، حزب التفريج (2). - رسالة الأمين لينجذب لرب العالمين، مرتب على الأبواب. _________ (1) وقد شرحهما ــ خاصة الكبير ــ الكثير من الصوفية، ولها اختصاص عندهم! (2) وقد عدوا له أحد عشر حزبًا.

(المقدمة/32)


- السر الجليل في خواص «حسبنا الله ونعم الوكيل». - العذب السلسبيل في خواص «حسبنا الله ونعم الوكيل». ولعله السالف قبله. - مطالع الأنوار ومظاهر الأسرار. - وظيفة الاستغفار. وغير ذلك. * ومن الكتب المفردة في ترجمته: - دالية البوصيري في مدح الشاذلي. - المفاخر العلية بالمآثر الشاذلية، لأحمد بن محمد بن عباد. - درة الأسرار وتحفة الأبرار، لمحمد بن أبي القاسم بن الصباغ الحميري. - تعطير الأنفاس بمناقب سيدي أبي الحسن وسيدي أبي العباس، لعلي بن محسن الرميلي (ت بعد 1130). - تتميم الكلام على مناقب أبي الحسن الشاذلي، لإبراهيم الدسوقي فرغ منه في سنة (1290). * وقد كتب عن الطريقة الشاذلية العديد من الكتب، ومنها: - الطريقة الشاذلية وأعلامها، لمحمد درنيقة. - قضية التصوف (المدرسة الشاذلية)، لعبد الحليم محمود. - أبو الحسن الشاذلي، لعلي سالم عمار، في جزئين. - كنوز الجواهر النورانية في قواعد الطريقة الشاذلية. مخطوط.

(المقدمة/33)


- الطريقة الشاذلية، لمحمد الحاجي المعروف بعقبة. - مدخل إلى تاريخ العلوم بالمغرب المُسْلِم: (3/ 137 - 164)، لإبراهيم حركات. - معلمة التصوف الإسلامي: (2/ 62 - 70)، لعبد العزيز بن عبد الله. * * * *

(المقدمة/34)


وصف النسخ الخطية للكتاب نسختان، كلتاهما ناقصة: نسخة (م) من الأول، ونسخة (ت) من الآخر، لكنهما تكملان بعضهما. الأولى: منها صورة في معهد المخطوطات التابعة لجامعة الدول العربية رقم (161 - تصوف)، ولم أعرف أين أصلها. تقع النسخة في (105 ورقات) من القطع الصغير 18×13 في كل صفحة (17) سطرًا في كل سطر نحو تسع كلمات. تبدأ النسخة بورقة في ركنها الأيسر تمَلُّك، نصه: «هو المنعم، من كتب الفقير إليه سبحانه وتعالى إبراهيم ... زاده، غُفِر لهما»، وكتب التاريخ بالأرقام ولم يظهر بوضوح. وفي الصفحة التي تليها كتبت أربعة أسطر فيها فوائد متفرقة في تعريف الجَبْر، ومن هو أبو مجلز. ولم يظهر أكثرها. ثم يبدأ نص الكتاب من الصفحة التالية بقوله: «فصل الوجه الثاني: ما في هذا الحزب من المنكرات ... »، وفي الركن الأيسر للصفحة نفسها «ثانية في ذكر الحزب». وهذه التركينة تستمر كل عشر ورقات من الكتاب، فهذا يدل على أنه قد سقط من النسخة نحو جزء كامل من تجزئة الناسخ أي نحو ثماني ورقات أو أكثر، إما بفعل فاعل، أو بما يَعْرِض للمخطوطات من عوامل التلف والضياع. كما وقع فيها سقط آخر من (30 ب- 31 أ). والمخطوطة حالتها جيدة، كُتبت بعض فصولها وعناوينها بالمداد الأحمر فلم تظهر واضحة في التصوير. وقد وقع في بعض صفحاتها تشويش لعله من التصوير، وبعض البياضات في مواضع أخرى.

(المقدمة/35)


كما وقع خلل أيضًا في ترتيب بعض أوراقها؛ فكانت الأوراق (14 أ- 21 ب) ــ حسب ترقيم النسخة ــ مكانها الصحيح بعد (ق 2 ب)، وتكون الأوراق (3 أ- 13 ب) مكانها الصحيح بعد (ق 21 ب) حسب ترقيم النسخة. أما ناسخها، وتاريخ نسخها، فقد جاء في آخرها: «نجز يوم السبت السابع من شهر محرم من شهور سنة ثلاثة وعشرين وسبع مئة تعليق الفقير إلى رحمة ربه الكريم أيوب بن أيوب بن صخر بن أيوب بن صخر بن أبي الحسن بن بقاء بن مساور العامري بالشام المحروس بمدينة حمص المحروسة، والله أعلم». ثم كتب على جانب الصفحة: «بلغ المقابلة على أصله فصحَّ بحسب الطاقة، والله أعلم». * التعريف بناسخ المخطوط: يبدو أن ناسخ هذا الكتاب وغيره من الكتب التي وقفنا عليها بخطه من مؤلفات ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، كان من تلاميذ الشيخ الذين لم يكن لهم شهرة، وربما لم يكن من العلماء أو المشتغلين بالعلم المبرزين؛ بل كان من المحبين للشيخ المعتنين بكتبه ونسخها، بدليل إهمال الترجمة له حتى من أقرب المقرّبين من ابن تيمية وتلاميذه، كالبرزالي والذهبي وابن كثير وابن عبد الهادي والصفدي وابن شاكر والمقريزي وغيرهم. واسمه كما هو بخطه في نسختنا: «تعليق الفقير إلى رحمة ربه الكريم: أيوب بن أيوب بن صخر بن أيوب بن صخر بن أبي الحسن بن بقاء بن مساور العامري، بالشام المحروسة، بمدينة حمص المحروسة».

(المقدمة/36)


وفي مجموع آخر بخطه فيه رسائل لابن تيمية ذكر الناسخ (أيوب العامري) اسمَه مرارًا مطولًا ومختصرًا في (ق 54، 58، 69، 111، 179، 220). قال في الموضع الأخير: «ووافق الفراغ من تعليقه يوم الخميس سادس عِشْري شهر رجب من شهور سنة اثني (كذا) وثلاثين وسبع مئة. كتبه الفقير إلى رحمة ربه الكبير العبد الضعيف المقصر المخطئ المسيء: أيوب بن أيوب بن صخر بن أيوب بن صخر بن خالد بن وثيق بن أبي الحسن بن بقاء بن مساور العامري ... »، ثم ذكر تاريخ مقابلتها فقال: «قوبلت على أصلها فصحت عليها حسب الطاقة في مجالس آخرهن رابع عشر شهر شعبان سنة اثني [كذا] وثلاثين وسبعمئة». فقد نسخها بعد وفاة شيخ الإسلام ابن تيمية بأربع سنين. ولم أعثر على ترجمته في شيء من المصادر. وقد كان وقع في اسمه اشتباه في أول الأمر هل هو «أيوب» أو «ليون»؟ والنماذج من خطه تبين مدى هذا الاشتباه، لولا أن موضعًا من المجموع السالف ظهر فيه الاسم «أيوب» واضحًا لا لبس فيه. ويظهر من اسمه أنه عربيّ المحتِدِ، فهو عامري. ويظهر من ذِكره مكان النَّسْخ وهو مدينة حمص مع تباعد ما بين تاريخي النسخ (723 و 732) أنه من أهلها، ولا نعلم متى توفي، غير أنه كان حيًّا سنة (736) على حسب ما جاء في قَيْد النّسْخ في بعض رسائل المجموع المشار إليه. ويبدو أنه كان صديقًا للشيخ أبي عبد الله بن رُشَيِّق المغربي ناسخ كتب شيخ الإسلام والخبير بخطه؛ إذ ذَكَره في المجموع المشار إليه (ق 181) قال: «نقل من خط الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية،

(المقدمة/37)


بحضور ترجمانه ولسان قلمه الشيخ شمس الدين أبي عبد الله بن رُشيِّق، والمقابلة عليه، وهو ممسك بأصل الشيخ ــ رحمه الله ــ والشيخ سليمان (1) يقرأ، وذلك في ثالث شهر جمادى الأولى من سنة ست وثلاثين وسبع مئة». ويُفهم من بيتين كتبهما في بعض ما نسخَ أن حاله مثل حال ابن رُشيِّق في الإعواز وقلة ذات اليد، والبيتان هما: أيا قارئًا خطي سألتك دعوةً ... إلى الله في عبد مقرٍّ بذنبهِ عساه يسامحني ويغفر زلتي ... ويرزقني رزقًا مقيمًا بأهله وقد كان مهتمًّا بأخبار شيخ الإسلام، فقد ذكر في المجموع المشار إليه (ق 126): أن الشيخ المحدّث عبد الله الإسكندري حدَّثه غير مرة بقصته مع ابن تيمية لما رجع من الحج سنة (715)، وسؤال الشيخ عما قيل من عقيدة أهل كيلان. ويؤيد ما استظهرناه من كونه تلميذًا لأبي العباس ابن تيمية: ما كتبه على ظهر نسخته من (الحموية الكبرى) التي عنون لها بالقول: «المعارج الروحية القاصدة لمعرفة رب البرية، بالأدلة والنصوص القطعية والآثار السلفية، المودعة في الفتيا الحموية. إملاء الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية» وتاريخ الفراغ من نسخها السابع والعشرون من رجب (730)، وقوله في آخرها: « ... غفر الله له ولمن أجاب بها، ولمن تأملها، وأنصف فيها، وامتثل منها ما يجب، وأعرض عن الأهواء والريب، ولسائر المسلمين آمين آمين آمين». _________ (1) لم أتبين من هو.

(المقدمة/38)


وما قاله قبل كتاب «شرح حديث النزول الإلهي»، من تعبيرات المديح التي يغلب على الظن أنها كلمات هذا التلميذ المحبّ لشيخه، إذ كانت النسخة التي استنسخ منها بخط المؤلف قال: «مسألة: سئلها الشيخ الإمام شيخ الإسلام بقية السلف الكرام، قدوة الخلف، فريد عصره ووحيد دهره، العالم الرباني، المقذوف في قلبه النور الإلهي، موضح المشكلات، مزيل الشبهات بما أيده الله من فهم الآيات البيّنات والبراهين القاطعات، تقي الدين ... فأجاب عن أسرار الحديث، وأقوال العلماء، وأزاح كل مشكل، وأبان الحق في ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الجهابذة الأئمة، وبيّن في ذلك غلط الغالطين، وحذر فيه من زيغ الزائغين، ونفَّر من تشكيك الشاكِّين، وحث على سلوك طريق السلف الصالح، من الصحابة ومَن بعدهم من التابعين، وقوَّى جانب الاتباع وزيَّفَ أقوالَ أهل الأهواء والابتداع، في سائر الأزمان والدهور {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ} [النور: 40]» (1). ولا يفوتنا أن نشكر الشيخين جُديع الجديع وعبد العزيز البِدَاح؛ لسعيهما في تصوير هذه النسخة من المعهد المذكور أكثر من مرة. النسخة الثانية: محفوظة في دولة الإمارات العربية المتحدة، لجنة التراث والتاريخ (المكتبة) رقم 149 [217] تقع في 28 ورقة، وهي قطعة من أول الكتاب نحو خُمُسه، تبدأ من أول الكتاب وفيه السؤال المعروض على شيخ الإسلام ثم الجواب إلى قوله: «فانصرنا على القوم الكافرين» وهو ينتهي في _________ (1) وقد سبقني إلى التعريف بأيوب العامري (ناسخ هذا الكتاب) الأستاذُ البحّاثة أبو الفضل محمد بن عبد الله القونوي في أوراق أرسلها إليَّ جزاه الله خيرًا، فما أثبته مستفاد منه مع بعض الإضافات.

(المقدمة/39)


مطبوعتنا إلى (ص 103)، وهي تكمل النقص الواقع في النسخة (م) من أول الكتاب إلى قوله: «والوجه الثاني بيان ما في هذا ... » (ص 38) ثم تتفق معها إلى (ص 103). وخطها نسخيّ واضح، قليلة الخطأ، معتنى فيها بضبط ما يشكل في مواضع عدة، واضح على طررها أثر المقابلة. ويلاحظ على النسخة عدة أمور: الأول: أنها إلى ق 18 بخط، ثم من ق 19 إلى آخرها بخط مغاير، فهل تعاور على نسخها أكثر من ناسخ؟ أم أن الأوراق الأولى من المخطوط تعرضت للتلف فأعاد كتابة أوراقها ناسخ آخر متأخر؟ الذي يظهر الاحتمال الأول لقرائن: 1 - الورق فيما يظهر واحد لا يختلف في مقاسه ولا لونه ونوعه. 2 - أن أول النسخة وقع فيه من اهتراء الورق وتآكله وعبث الأرضة به ما يدل على قدمه، إذ لو كان حديثًا لما وقعت فيه كل تلك العيوب. 3 - على النسخة تصحيحات وإلحاقات ومقابلات بالأصل (ق 14) تدل على أنها قديمة، ويظهر لي أن هذه التصحيحات والمقابلات بخط ناسخ القطعة الثانية فالخط يشبهه جدًا وليس بخط ناسخ القطعة الأولى يقينًا. فمن المرجّح أن الناسخ الأول نسخ نصف (النسخة) (14 ق)، والناسخ الثاني نسخ باقيها وهي أيضًا (14 ق) ثم تكفّل بمقابلة النسخة كاملة. الأمر الثاني: في هذه النسخة زيادات متعددة في مواضع متفرقة منها، قد تبلغ نصف صفحة في بعض الأحيان، وكثير من الزيادات تكون في الآيات التي يستشهد بها المؤلف، فبينما تكتفي نسخة (م) بآيتين أو ثلاث تكون في

(المقدمة/40)


نسخة (ت) خمسًا أو ستًّا. ويكون مقابل هذه الآيات الزائدة في (م) عبارة «إلى غير ذلك من الآيات»، فهل هو اختصار من الناسخ أو هكذا كتبها المؤلف ثم بدا له الزيادة عليها في إخراج آخر؟ كلا الأمرين محتمل، وإن كنت أميل إلى الاحتمال الثاني بدليل الزيادات في النصوص التي أشرنا إليها قبل قليل. وهذا من فوائد هذه النسخة زيادة إلى كونها استدركت السقط الواقع في أول (م). الأمر الثالث: أن خاتمة النسخة تدل على اكتمالها وأنه لم يحدث فيها خرم من سقوط أوراق أو تلف أو نحوه، فقد ختمها بآخر آية في سورة البقرة، ثم قال: «سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين» في هامشها: «بلغت مقابلته على أصله». فلعل النسخة المنقول عنها لم يكن فيها إلا هذا القدر، والخاتمة المؤذنة بتمام النسخة من تصرف الناسخ. وكان من السائغ في النظر أن نظن أن نسخة (ت) كانت إلى تمام نقد المؤلف لحزب البحر وبه تمت النسخة، ثم ألحق ما يتعلق بحزب البر وآداب الطريق بعد ذلك، لكن النسخة (ت) لم تنته عند هذا الحد بل شرعت في نقد ما في الحزب الكبير (البر)، فمن الراجح أن النسخة الأم كانت ناقصة، فظن ناسخ (ت) تمام النسخة فختمها بما يؤذن باكتمالها. وفي تعليق في طرة إحدى أوراقها ما يدل على أنه قابلها بنسخة أخرى، ففي (ق 29) هامش: «وفي نسخة: لعبده أجلًا دون الموت». وقد يكون نقلها من طرة النسخة الأصل المنقول عنها. * * * *

(المقدمة/41)


منهج التحقيق للكتاب نسختان ناقصتان تُكَمّل إحداهما الأخرى، الأولى (م) ناقصة من أولها أكثر من عشر ورقات، والثانية (ت) ناقصة نقصًا كبيرًا فلم نجد منها إلا 30 ورقة من أول الكتاب، ولا يخفى ما يواجه المحقق من صعوبات إذا كانت عمدته نسخة فريدة، لاحتمال وقوع سقط أو بياض أو تشويش في النسخة أو تحريف، وكلّ ذلك وقع في كتابنا هذا، سواء في أوله حيث تنفرد به نسخة (ت) أو من أثنائه حيث تنفرد به نسخة (م)، أما القَدْر الذي اشتركت فيه النسختان فهو لا يتجاوز خمسين صفحة من المطبوع، إضافة إلى رداءة تصوير نسخة (م) عن طريق الميكروفلم الموجود بمعهد المخطوطات، وقد سلكت في إثبات نص الكتاب الخطوات الآتية: - أثبتّ النصَّ كما هو في نسخة (ت) و (م) فيما انفردت كل واحدة منهما به، إلا في الورقات التي اجتمعت للنسختين فإنا قد استفدنا منهما جميعًا على طريقة النص المختار، وأضفنا الزيادات التي في نسخة (ت) في مكانها مع التنبيه عليها، وأهملنا الاختلافات التي لا أثر لها في النص، ونبهنا على الإشكالات والتحريفات أو الأسقاط المحتملة في النسخة، وصححنا ما غلب على الظن من ذلك، مع الإشارة في الهامش إلى كل ذلك. وما لم نتمكن من إصلاحه أو كان غير محرر تركناه بياضًا أو أشرنا إلى احتمالات قراءته أو أثبتنا رسمه. وهي مواضع قليلة بحمد الله. - رجعت في النصوص التي ينقلها المصنف من أحزاب الشاذلي أو ما كتبه في آداب الطريق إلى أصولها، فرجعنا إلى أكثر من نسخة

(المقدمة/42)


مخطوطة ومطبوعة لحزب البحر، وإلى نسخة خطية وأخرى مطبوعة من حزب البر أو الحزب الكبير، وعدة مطبوعات في آداب الطريق، وقد أثبتنا الفروق المهمة في الهامش. - خرَّجت الأحاديث والآثار، وعزوت جميع نقول المؤلف من الكتب التي يصرح بها، أو التي يكتفي بعزوها إلى مؤلفيها، وعرَّفتُ بمن يحتاج إلى التعريف به من الأعلام والفرق ونحوها. - أحلت على كتب المؤلف الأخرى، سواء التي يشير إليها بقوله: «وقد بسطناه في غير هذا الموضع». أو نحوها من العبارات. أو لم يشر إليها، وكان في الإحالة زيادة فائدة للباحث. - كتبت مقدمة للكتاب عرَّفت فيها بالكتاب ومنهج المؤلف فيه ومتعلّقاته وغيرها من المباحث. وترجمت لأبي الحسن الشاذلي المردود عليه ترجمة مختصرة. - ختمت الكتاب بفهارس مفصلة؛ لفظية وعلمية. والحمد لله رب العالمين. كتبه في مكة المكرمة/في الثامن من رجب/ 1428 ثم أعدت النظر في التحقيق ومقدمته في 30/ربيع الثاني/1437

(المقدمة/43)


نماذج من النسخ الخطية وخط الناسخ

(المقدمة/45)


الصفحة الأولى من نسخة (م)

(المقدمة/47)


الورقة الأخيرة من نسخة (م)

(المقدمة/48)


نموذج من كتاب آخر بخط ناسخ (م) ويظهر اسمه جليا (أيوب بن أيوب. . .)

(المقدمة/49)


صفحة الغلاف من نسخة (ت)

(المقدمة/50)


الورقة الأولى من نسخة (ت)

(المقدمة/51)


الورقة التي بدأ فيها خط الناسخ الثاني لنسخة (ت)

(المقدمة/52)


الورقة الأخيرة لنسخة (ت)

(المقدمة/53)


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله وسلَّم على سيدنا محمد وآله وصحبه. ما تقول السادةُ من العلماء ــ رضي الله تعالى عنهم أجمعين آمين ــ في الحزب المنسوب إلى الشيخ أبي الحسن الشاذليّ - رضي الله عنه -، المعروف بـ «حزب البحر»، وهو الآتي ذكرُه بلفظه، هل معانيه جميعها صحيحة أم (1) لا؟ وهل في كلماته ما يجب ردُّه وإنكارُه أم لا؟ وهل وَضْع الأحزاب على هذه الصورة موافق لطريق السلف الصالح أم هذا أمر مبتدَع؟ وابْسطوا القولَ في ذلك مثابين إن شاء الله تعالى. والحزب المذكور: (يا عليُّ يا عظيم، يا حليم يا عليم، أنتَ ربي وعلمُك حسبي، فنعم الربّ ربي، ونعم الحَسْب حسبي، تنصر من تشاء وأنت العزيز الرحيم. نسألك العصمةَ في الحركات والسّكَنات والكلمات والإرادات والخَطَرات، مِن الشكوك والظنون، والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب، فقد {ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 11 ــ 12] فثبِّتنا، وانصرنا، وسخِّر لنا هذا البحر كما سخَّرت البحرَ لموسى، وسخّرتَ النارَ لإبراهيم، وسخرتَ الجبالَ والحديدَ لداود، وسخرتَ الريحَ والشياطينَ والجنَّ لسليمان، وسخِّر لنا كلَّ بحر هو لك في الأرض والسماء، والملك والملكوت، وبحر الدنيا وبحر الآخرة، وسخِّر لنا كلَّ شيء يا مَن بيده ملكوت [ت 2] كل شيء، {كهيعص} {كهيعص} {كهيعص}، انصرنا فإنك خير _________ (1) مطموسة في النسخة.

(1/3)


الناصرين، وافتح لنا فإنك خير الفاتحين، واغفر لنا فإنك خير الغافرين، وارحمنا فإنك خير الراحمين، وارزقنا فإنك خير الرازقين، واهدنا ونجِّنا من القوم الظالمين، وهب لنا ريحًا طيبةً كما هي في علمك، وانشرها علينا من خزائن رحمتك، واحملنا بها حمل الكرامة مع السلامة والعافية في الدين والدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. اللهم يسّر لنا أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا، والسلامة والعافية في ديننا ودنيانا، وكن (1) لنا صاحبًا في سفرنا، وخليفةً في أهلنا، واطمس على وجوه أعدائنا، وامسخهم على مكانتهم فلا يستطيعون المُضيَّ ولا المجيء إلينا {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ} [يس: 66 - 67]، {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 1 - 9]. شاهت الوجوه، شاهت الوجوه، شاهت الوجوه، {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111]، {طس}، {حم (1) عسق}، {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا} [الرحمن: 19 - 20]، {حم} {حم} {حم} {حم} {حم} {حم} {حم}، حُمَّ الأمرُ، وجاء النصر، فعلينا لا ينصرون. {(1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ _________ (1) الكلمة في النسخة مطموسة لم يظهر منها إلا حرف النون.

(1/4)


ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)} [غافر: 1 - 3]. {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} بابنا، {تَبَارَكَ} حيطاننا، {يس} سقفنا، {كهيعص} كفايتنا، {حم (1) عسق} حمايتنا، {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137]، ستر العرش مسبول علينا، وعين الله ناظرة إلينا، بحول الله لا يُقْدَر علينا، {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ ... قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 20 - 22]، {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ} [يوسف: 64]، {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196]، {حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129]، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) (1). * * * * * أجاب الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية الحراني الحنبلي رحمه الله تعالى: الحمد لله ربّ العالمين، الكلام على هذه المسألة من وجهين: أحدهما: أنه ليس لأحدٍ من الناس أن يجمع الناسَ على عبادات غير شرعية، لاسيما إذا جُعِلَت معتادةً كالصلوات الخمس، فمن جمعَ الناسَ على أذكار ودعوات وضعَها بعضُ الشيوخ، وجعلهم يعتادون التعبُّد بها، فهو من أهل البدع، ففي الأذكار والأدعية والعبادات الشرعية غُنيَةٌ عن البدع. _________ (1) هكذا ساق السائل نص الحزب، وهو كذلك في عدة نسخ خطية وقفتُ عليها، وفي نسخ أخرى من الحزب فيه زيادة نحو نصف صفحة.

(1/5)


وإذا كان العلماء كرهوا ما أُحْدِث من الصلوات المبتدَعَة التي يُجْتَمع عليها في أول رجب، وأول ليلة جمعة منه، وليلة سبع وعشرين من رجب، لاتفاق العلماء [ت 3] على أن الأحاديث المروية في فضل صوم رجب أو شيءٍ منه أو صلاة تختصّ به كلّها كَذِب موضوعة (1). كالأحاديث المروية في صلوات الأيام والليالي، وصلاة يوم عاشوراء ونحو ذلك؛ فإن ذلك كلَّه كذب موضوع باتفاق أهل العلم، وليس في عاشوراء شيء مشروع إلا الصّيام، وما يروى في الاكتحال والخضاب والاغتسال والصلاة المختصّة به والتوسعة على العيال= فأحاديث موضوعة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند علماء أهل الحديث، وإن كانت راجت على بعض الناس. وكذلك صلاة الألفية ليلة النصف من شعبان (2). فإذا كان العلماء المتبعون للسلف يكرهون مثل صلاة الرغائب والألفية ونحوهما؛ لما في ذلك من الاجتماع المعتاد الذي لم يشرعه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه الراشدون، وإن كان ما في ذلك من الذِّكْر مشروعًا، ولم يستحبّ هذه الصلوات المحدَثة أحدٌ من أئمة المسلمين، لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد ولا الثوري ولا إسحاق ولا غيرهم، فكيف بذِكْرٍ ودعاءٍ غير مشروع؟! _________ (1) ألَّف عدد من العلماء في بيان ما ورد في رجب من الأحاديث كالخلال، وابن دِحْية في «أداء ما وجب»، وابن رجب في «لطائف المعارف»، والحافظ ابن حجر في «تبيين العجب». وانظر «اقتضاء الصراط المستقيم»: (1/ 134 - 136)، و «الفتاوى»: (23/ 414 و 24/ 201 و 25/ 290 - 291). (2) ينظر «منهاج السنة»: (4/ 555 و 7/ 39)، و «الفتاوى»: (25/ 299 - 300).

(1/6)


بل الأئمة العلماء الكبار كرهوا صلاة التسبيح (1) وضعّفوا حديثها كالإمام أحمد وغيره، بل قد بيَّن بعضُهم أنه موضوع، ولم يستحبّها على الصفة المأثورة أحدٌ من علماء المسلمين، لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا الثوري ولا الأوزاعي ولا غيرهم، ولكن نُقِل عن ابن المبارك (2) أنه رخّص فيها على غير الصفة المأثورة، وذلك مِن فقه ابن المبارك؛ فإن فيها أنه يقول بعد السجدة الثانية قبل القيام: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر عشرًا». ومعلوم أن القعدة الطويلة في هذا الموضع مخالفة للصلاة المشروعة. وإنما تكلّم الناسُ في جلسة الاستراحة لما فيها من الحديث الصحيح (3)، _________ (1) حديث صلاة التسبيح رُوي عن عدد من الصحابة كلها ضعيفة، وأمثلها حديث ابن عباس أخرجه أبو داود (1297)، وابن خزيمة (1216)، والحاكم: (1/ 317). وأخرجه الترمذي (482)، وابن ماجه (1386) من حديث أبي رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للعباس به. وأخرجه أحمد (12207)، والنسائي (1299)، وابن خزيمة (850)، وابن حبان (2011)، والحاكم (1/ 255) من حديث أنس بن مالك. وقد ضعّف أحاديثَها الإمامُ أحمد والعُقيلي والترمذي وابن العربي المالكي وابن الجوزي وعدّها في «الموضوعات» (2/ 465 - 470). وضعّفها النووي في عامة كتبه، وتعقّب من قال بمشروعية صلاتها من الشافعية. وصحّح حديثها جمعٌ من العلماء. والأدلة تعضد عدم ثبوتها. ينظر «الفتاوى»: (11/ 579 و 20/ 31 - 32)، و «منهاج السنة»: (7/ 434)، و «البدر المنير»: (4/ 235 - 243)، وأفردها جماعة بالتأليف كالخطيب وابن الجوزي وابن ناصر الدين وابن طولون وغيرهم. (2) نقله الترمذي في «الجامع»: (2/ 348). (3) أخرجه البخاري (823).

(1/7)


وتنازعوا هل هي سنة راتبة أو تُفعَل للسنة إذا احتيج إليها لاحتمال أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها للحاجة لمّا بَدُن فلا تكون سنة، أو يكون فعَلَها لأنها من سنة الصلاة (1). وأما قعدة طويلة فلا تُشرَع، فرأى ابنُ المبارك - رحمه الله - أنه لا يمكن إثبات سنة في الصلاة بمثل حديث صلاة التسبيح. وأما سائرها فليس فيها ما يخالف الصلاةَ الشرعية، فتُفْعَل لكونها من الصلوات التي عُلِم أنها مشروعة لا لأجل الحديث الخاصّ فيها، فإن إثبات علم شرعيّ في إيجاب أو استحباب لابدّ له من دليل شرعي، لا يجوز إثباته بحديث لا تقوم به الحجة باتفاق العلماء، بخلاف ما عُلِم أنه مشروع ورُوِيَت أحاديث في الترغيب فيه، فهذه تجوز روايتها إذا لم يُعلَم أنها كذب كما تروى الإسرائيليات على هذا الوجه. وهذا معنى ما رُوي عن بعض الأئمة ــ أحمد وغيره ــ من التساهل في أحاديث الفضائل (2). فأما أن يقال: إن هذا مستحبّ من غير دليل شرعي يدلّ على استحبابه، فهذا لا يقوله عالم. فما ثبت أنه مشروع جاز أن يُروى فيه الحديث الذي [ت 4] لا يُعلَم أنه موضوع. وما لم يثبت أنه مشروع لا يجوز أن يقال: هو مستحبّ ولا واجب. والذين استحبوا من المتأخرين (3) من أصحاب الشافعي وأحمد رحمهم الله هذه الصلاة خفي عليهم ما علمه الأئمة الكبار من حال الحديث، _________ (1) ينظر «مجموع الفتاوى»: (22/ 451 - 452)، و «زاد المعاد»: (1/ 232 - 233). (2) ينظر «الكفاية» (ص 134) للخطيب، و «الجامع»: (2/ 122 - 123) له، و «المدخل إلى الإكليل» (ص 29) للحاكم. (3) رسمها: «المستأخرين».

(1/8)


فإن ألفاظ الحديث تدلّ على أنه موضوع. والمقصود أنه إذا كان مثل هذه الصلاة التي رَوى حديثَها أبو داود والترمذي، وصحَّحه بعضُ العلماء قد أنكره الأئمةُ وجمهورُ العلماء لئلا يعتقد الناس استحبابَ شيء لم يثبت في الشريعة، فكيف الظنُّ بما ليس له أصلٌ في الشريعة إذا أحدثه بعضُ الناسِ واتُّخِذ سنة؟! ومن العبادات عبادات تُشرَع أن تُفعَل على حال الانفراد دون الاجتماع، ومنها ما يُشرع الاجتماع عليه أحيانًا دون اتخاذ ذلك عادة؛ كما لو صلى الرجلُ التطوّعَ أحيانًا في جماعة، كصلاة الضحى وقيام الليل= جاز، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى بالليل مرةً بابن عباس - رضي الله عنهما - (1)، ومرة بحذيفة (2)، ومرة بغيرهما، وأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى بالنهار مرة بعِتْبان بن مالك ومَن في بيته (3)، ومرة بأنسٍ وأمه واليتيم (4). ولو جَعَل ذلك جماعةً راتبةً في المسجد يجتمعون كل يوم يصلون الضحى في المسجد جماعة كصلاة الظهر نُهِيَ عن ذلك. وقد كان جماعةٌ من عُبَّاد الكوفة على عهد عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يخرجون إلى ظاهر الكوفة يتواعدون على الاجتماع ويقولون بعضُهم لبعض: سبّحوا عشرًا، احمدوا عشرًا، كبّروا عشرًا، فخرج عليهم عبد الله بن _________ (1) أخرجه البخاري (117)، ومسلم (763). (2) أخرجه مسلم (772). (3) أخرجه البخاري (424)، ومسلم (33). (4) أخرجه البخاري (380)، ومسلم (658).

(1/9)


مسعود - رضي الله عنه - وقال: يا قوم لأنتم أهدى من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أو لأنتم على شعبةِ ضلالة! وأمرهم بالتفرّق فتفرّقوا وما منهم أحدٌ إلا وهو يكره أن يعرفه ابنُ مسعود في ذلك المجلس (1). يقول: إن كان هذا الاجتماع خيرًا واختصصتم به دون أصحاب محمد فأنتم أهدى منهم، وإن لم يكن خيرًا فأنتم على شعبة ضلالة. فإذا كان هذا في الاجتماع الراتب على الذِّكر المشروع جنسُه والصلاة المشروع جنسُها، فكيف بالاجتماع الراتب على ذكر محدَث مصنوع؟! وقد نصّ على هذا الأصل الأئمةُ، فذكروا أن الاجتماع غير المشروع إذا اتخِذَ سنةً راتبة كره ذلك. وهذا مأثور عن أحمد، وأظنه منقولًا عن مالك وغيره. والله سبحانه وتعالى قد شرع على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين من الأذكار والدعوات التي تُقال في اليوم والليلة، وتسمّى عملَ يومٍ وليلة، والتي تقال عند الأحوال العارضة= بما يحصِّل مقصودَ العابدين لرب العالمين. مثل ما يقال في الصلاة وأدبار الصلوات، وطَرَفي النهار، وعند النوم، وعند التعارّ من الليل، والانتباه آخر الليل، وفي صلوات الليل، وعند دخول المسجد والمنزل والخلاء، والخروج من ذلك، وعند الأكل والشرب واللباس، والركوب والنكاح، وعند السفر [ت 5] ودخول السوق، والقيام من المجلس، والوضوء، وما يقال عند الخوف، وعند الكرب، وعند الغمّ، وعند سماع صوت الدّيك والحمار والكلب، وعند المرض وعيادة المريض، وغير ذلك. _________ (1) أخرجه الدارمي (210)، وأبو طاهر في «المخلصيات» (1280).

(1/10)


ففي الأحزاب النبوية والأوراد الشرعية غُنْيَة لأهل الملة الحنيفية. وقد أفرد العلماء لذلك مصنفات، مثل كتاب «الدعاء» لابن خزيمة، و «الدعاء» لابن أبي عاصم والطبراني، و «الأدعية الصحيحة» للحافظ عبد الغني، والشيخ أحمد الإِرْبِلي (1). وصنفوا في عمل اليوم والليلة، مثل كتاب النسائي، وصاحبه ابن السُّنّي، وأبي نعيم الأصبهاني، والمَعْمَريّ، وكتاب أبي زكريا النووي. مع أن هذه (2) الكتب فيها أحاديث كثيرة موضوعة، والموضوع فيها الذي تداوله العلماء خير من أحزاب لم يتداولها إلا جُهّال! لأن الأحاديث الموضوعة التي يتداولها العلماء لا تكاد تشتمل على شرك أو كفر، بخلاف الأحزاب المبتدعَة، فإنه قد يكون في بعضها من الكفر والإلحاد ما يُناقض أصول الإسلام كالأحزاب السبعينية (3). ثم الأذكار والدعوات والعبادات الشرعية فيها من اتباع السنة واجتماع القلوب وحصول الأُلفة ما هو من أعظم رحمة الله لعباده. وأما الأحزاب المحدَثة، فإذا كان كل متبوع يصنع لنفسه ولأتباعه حزبًا أوجبَ هذا من البدع والتفرق والاختلاف والفساد ما لا يحصيه إلا الله تعالى. _________ (1) ضبطها في (ت): «الارْبُلّي»! ولم أجد هذه النسبة بهذا الضبط، ينظر «الأنساب»: 1/ 152). (2) النسخة: «هذا». (3) نِسْبةً لابن سبعين عبد الحق بن إبراهيم قطب الدين أبي محمد المرسي الصوفي (ت 669) له حزب الفتح والنور وتجلي الرحمانية بالرحمة في عالم الظهور، وله حزب الفرج والاستخلاص بسرّ تحقيق كلمة الإخلاص.

(1/11)


حتى الملاحدة أحدثوا لأنفسهم أحزابًا كابن سبعين وأتباعه، وضمّنوها من الكلمات المزخرفة ما يغرّ المستمعين، وهي من أعظم الكفر بالله تعالى ورسوله! والعبادات أغذيةُ القلوب وأدويةٌ لها، فليس لأحدٍ أن يخرج فيها عن سنة المرسلين الذين شرعوا الدين بإذن الله تعالى، فإن الإسلام مبنيّ على أصلين: أن لا يُعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع. كما قال الفُضيل بن عياض - رضي الله عنه - في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2]، قال: أخْلَصه وأصْوَبه (1). قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وقد قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]. فالعمل الصالح هو الواجب والمستحب، وذلك هو المشروع، وأن لا يشرك بعبادة ربّه أحدًا هو إخلاص الدين لله، ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول في دعائه: «اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا» (2). وقد قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ _________ (1) أخرجه الثعلبي في تفسيره: (9/ 356). (2) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص 97)، وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين»: (4/ 261).

(1/12)


بِإِذْنِهِ} [الأحزاب: 45 - 46]، فوصفه بأنه يدعو إليه بإذنه، بخلاف من (1) فإن هذين ضالّان كضلال المشركين والنصارى الذين يعبدون غير الله بغير إذن (2) الله، ولهذا ذم الله تعالى النصارى على الشرك والغلوّ وعلى البدع فقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، وقال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ [ت 6] أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 79 - 80]، فبيَّن أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابًا فهو كافر. وقال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171]، وقال تعالى: {تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} (3) [المائدة: 77]. وقال تعالى: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ} [الحديد: 27]. _________ (1) فوقها في (ت) ثلاث نقاط (00) ومقابلها في الطُّرة كلمة لم يظهر منها إلا حرف الظاء، وفي الكلام نقص ظاهر. (2) أكثر الكلمة مطموس، ولعلها ما أثبت. (3) قوله: {الْحَقِّ وَلَا} سقطت من النسخة.

(1/13)


وقد ثبت في «الصحيح» (1) عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في خطبته: «خيرُ الكلام كلامُ الله، وخيرُ الهدي هدي محمد، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة». والمراد بالبدعة: ما لم يقم دليل شرعي على أنه واجب أو مستحب، سواء فُعِلت (2) على عهده - صلى الله عليه وسلم - أو لم تُفْعَل، كإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وقتال الترك، لمّا كان مفعولًا بأمره لم يكن بدعة وإن لم يُفْعَل في عهده. وكذلك جَمْع القرآن في المصحف والاجتماع على قيام رمضان، وأمثال ذلك مما ثبت وجوبُه أو استحبابُه بدليل شرعي. وقول عمر - رضي الله عنه - في التراويح: «نِعْمَت البدعة» (3) أي هي بدعة في اللغة، لأن البدعة في اللغة ما فُعِل على غير مثال، كما قال تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9]، وليست بدعة في الشريعة، فإن كل بدعة في الشريعة فهي ضلالة كما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومن قال مِن العلماء: البدعة تنقسم إلى حسن وغير حسن، فمورد تقسيمه البدعة اللغوية. ومتى قال: «كل بدعة ضلالة» فمعنى كلامه البدعة الشرعية، ألا ترى أن علماء الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنكروا الأذان في غير الصلوات _________ (1) أخرجه مسلم (867) من حديث جابر - رضي الله عنه -. (2) «فَعَلَت» كذا ضُبط الفعل في (ت). (3) أخرجه مالك في «الموطأ» (301)، والبخاري (2010).

(1/14)


الخمس كالعيدين وإن لم يكن فيه نهيٌ خاص، وكذلك الصلاة عقيب السعي بين الصفا والمروة قياسًا على الطواف، وأمثال ذلك. فما تركه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع قيام المقتضي كان تركُه سنةً وفعلُه بدعةً مذمومة، ومعنى ذلك أنه إذا كان المقتضي التام موجودًا في حياته كوجوده بعد مماته. فما (1) ترَكَه كان تركُه سنةً وفِعله بدعة، بخلاف ما تركَه لعدم المقتضي، ووجود المقتضي بعد موته كجمع المصحف وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وما تركه لوجود المانع كالاجتماع في صلاة التراويح= يدخل في ذلك، فإن المقتضي التام يدخل فيه عدم المانع. وفي «السنن» والترمذي (2) الحديث الذي صححه الترمذي حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: «وعَظَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغةً ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودّع فما تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه مَن يَعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسّكوا بها وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلَّ بدعة ضلالة» وفي لفظ: «وكلّ ضلالة في النار». فأصل الدين الفاسد إما عبادة غير الله عز وجل، وإما عبادة تُفعَل بغير إذن الله تعالى، أو تحريم ما لم يحرّمه الله تعالى، أو تحليل ما حرّم الله تعالى. _________ (1) (ت): «وما» والمثبت مناسب للسياق. (2) أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2678)، وابن ماجه (43)، وأحمد (17142) وغيرهم. والحديث صححه الترمذي وابن حبان (5)، والحاكم: (1/ 95)، والضياء المقدسي، والمؤلف في «الاقتضاء»: (2/ 83)، و «جامع المسائل»: (3/ 81) وغيرهم. وله شواهد كثيرة.

(1/15)


ولهذا ذمّ الله تعالى المشركين بذلك في سورة الشورى (1)، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، ولهذا قال العلماء - رضي الله عنهم -: إن مبنى العبادات على التوقيف (2) والاتباع لا على الهوى والابتداع. [ت 7] وقد قال بعضهم كلمة جامعة: أن أصل كل شرّ هو معارضة النصّ بالرأي وتقديم الهوى على الشرع. ولهذا قال بعض السلف: الشريعة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق (3). وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: اقتصادٌ في سنة خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة (4). وكذلك قال أُبيُّ بن كعب - رضي الله عنه -: «ما عَبْدٌ (5) على السبيل والسنة ذَكَرَ الله خاليًا ففاضت عيناه، فاقشعرّ جلدُه من خشية الله تعالى، إلا تحاتّت عنه خطاياه كما تحاتُّ الورقُ اليابس من الشجر، وما مِن عَبْدٍ على السبيل _________ (1) في النسخة: «شورى». (2) في النسخة: «التوقف» والصحيح ما أثبت. وهذه القاعدة تكررت كثيرًا في كلام المؤلف. ينظر «الفتاوى»: (1/ 141، 334 و 22/ 510)، و «الرد على البكري»: (1/ 288)، و «الجواب الصحيح»: (5/ 7). (3) أخرجه من قول مالك بن أنس الهرويُّ في «ذم الكلام وأهله» (885)، والخطيب في «تاريخ بغداد»: (8/ 308) ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخه»: (14/ 9). (4) أخرجه المروزي في «السنة» (89)، والطبراني في «الكبير»: (10/ 207). (5) هكذا ضبطها في النسخة، وكان الوجه: «ما [من] عبدٍ» كما سيأتي، وكما في المصادر.

(1/16)


والسنة ذَكَر الله تعالى خاليًا، ففاضت عيناه من خشية الله تعالى، إلا لم تمسّه النارُ أبدًا، وإن اقتصادًا (1) في سبيلٍ وسنةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في خلافِ سبيلٍ وسنة، فاحرصوا أن تكون أعمالكم ــ إن كانت اقتصادًا أو اجتهادًا ــ على منهاج الأنبياء وسنّتهم» (2). ولهذا لا يوجد أحدٌ خرج في العبادات عن الطريق الشرعية إلا أوجب ذلك له أحوالًا فاسدة بحسب خروجه، فإن الأحوال النفسانية والشيطانية نتيجة الخروج عن متابعة الرسل، كما أن الأحوال الرحمانية نتيجة اتباعهم. ومن هذا الباب يصير من يصير من أرباب الأحوال الشيطانية معاونًا للكفار من المشركين وأهل الكتاب، كالخفير لهم بباطنه وتوجيهه، فإن ذلك نتيجة عباداته البدعية، كمن كسب مالًا خبيثًا فأنفقه في الظلم والفواحش. والأحوال نتائج الأعمال، والرجل العابد قد لا يكون له معرفة بالأذكار والدعوات الضارة والنافعة، حتى إن بعض مَن صنّف في الدعوات ضمَّن ذلك دعوة الكواكب، فجَعَل الإشراك بالله تعالى من جملة العبادات، والآخر صنّف حِزبًا ضمَّنه دعوة الجنّ والشياطين! وهذا وغيره رأيتُه بالديار المصرية، ورأيتُ من هذا الفنّ عجائب! وأصل ذلك الخروج عن الكتاب والسنة، فمتى خرج الناس عن ذلك تفرّقت بهم السُّبُل، كما في حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: خطّ لنا رسول _________ (1) النسخة: «اقتصاد»، والوجه ما أثبت. (2) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (87)، ومن طريقه اللالكائي: (1/ 59)، وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (261).

(1/17)


الله - صلى الله عليه وسلم - خطًّا، وخطّ خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذا سبيل الله، وهذه سُبُل، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (1) [الأنعام: 153]. وهذه الأحزاب قد يضعها مَن فيه إلحادٌ ونفاق أو جهل بأصول الإسلام، فيكون فيها من الكفر والنفاق ما يُنافي دين الإسلام كالأحزاب السبعينية، والأحزاب العبيدية، والأحزاب الجنيّة، ومثل كتاب الدعاء الذي فيه دعوة الكواكب. ومن هذا الباب العزائم والرُّقى التي فيها ما لا يُعرف معناه، أو يعرف أن فيها شركًا، فإنه لا يجوز الرُّقية بها بخلاف الرقية الموافقة للكتاب والسنة فإنها جائزة. وأشدّ من ذلك أحزابٌ وضعها جماعةٌ من الشيوخ الصالحين الذين ليسوا من جنس هؤلاء الملاحدة، ومع هذا ففيها ألوان من المنكرات (2). وأبو الحسن الشاذلي رحمة الله عليه كان مِن خير هؤلاء الشيوخ وأفضلهم معرفةً وحالًا، وأحسنهم اعتقادًا وعملًا، وأتْبَعَهم للشريعة، وأكثرهم تعظيمًا للكتاب والسنة، وأشدّهم تحريضًا على متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وله كلمات حَسَنة في مثل ذلك. _________ (1) أخرجه أحمد (4142)، والمروزي في «السنة» (5)، والنسائي في «الكبرى» (11109)، وابن حبان (6)، والحاكم: (2/ 318) وصححه. وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله أخرجه أحمد (15277)، وابن ماجه (11). (2) في النسخة: «النكرات».

(1/18)


مثل كلام قاله معناه: قد ضُمِنت لنا العصمةُ فيما جاء به الكتاب والسنة، ولم تُضمَن لنا العصمة في الكشف [ت 8] والإلهام، فإذا اتبعنا الكتاب والسنة كنّا مهتدين وإن لم نعرف حقيقة ذلك، وإذا (1) اتّبَعْنا كَشْفَنا وإلهامَنا خيف علينا أن نضلّ، أو كما قال. وهكذا المشايخ الصالحون الذين يُقتدى بهم في الدين كانوا على هذا المنهاج، كقول الشيخ (2) أبي سليمان الداراني: إنه لتمرّ بي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين: الكتاب والسنة (3). وقال أيضًا: ليس لمن أُلْهِمَ شيئًا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر، فإذا سمع فيه بأثر كان نورًا على نور (4). فالشيخ أبو سليمان ذكر الاعتصام بالكتاب والسنة في الواردات العلمية والعملية، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإن أفضل المحدَّثين هو عُمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كما ثبت في «الصحيحين» (5) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمر». وقال: «إن الله _________ (1) في النسخة: «وإذ». (2) النسخة: «شيخ». (3) أخرجه أبو عبد الرحمن السُّلمي في «طبقات الصوفية» (ص 78)، ومن طريقه القشيري في «رسالته»: (1/ 61). (4) ذكره المصنف في عدد من كتبه، ينظر «الفتاوى»: (10/ 694 و 11/ 585، 595)، و «جامع المسائل»: (4/ 57)، و «الاستقامة»: (2/ 95)، و «الصفدية»: (1/ 254). (5) أخرجه البخاري (3469) عن أبي هريرة، ومسلم عن عائشة (2398).

(1/19)


ضربَ الحق على لسان عمر وقلبه» (1). وفي الترمذي (2) عنه: «لو لم أُبْعَث فيكم لبُعِث فيكم عمر»، وفي اللفظ الآخر رواه أحمد وغيره: «لو كان بعدي نبيٌّ لكان عمر» (3). _________ (1) أخرجه أحمد (5145)، وعبد بن حُميد (857) وغيرهم من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - وإسناده حسن. وأخرجه أحمد (9213)، وابن أبي عاصم (1250)، وابن حبان (6889) وغيرهم من طرقٍ عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، وله شاهد أيضًا عند أحمد (21457)، وأبو داود (2962)، وابن ماجه (108) من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -. وإسناده حسن. (2) عزاه المؤلف إلى الترمذي في عدد من كتبه كما في «المنهاج»: (6/ 69 و 7/ 508)، و «الفتاوى»: (4/ 404 و 11/ 204) وغيرها. ولم أجده في الترمذي بهذا اللفظ، وإنما رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على «فضائل الصحابة» (676) عن عقبة بن عامر، وفي إسناده رجل مبهم، وقد خالف فيه محمدَ بنَ عبيد الكوفي الإمامُ أحمدُ في روايته عن أبي عبد الرحمن المقري بإدراج واسطة بين مشرح بن هاعان وعقبة بن عامر وبإبهامه لها، ومخالفته للفظ الحديث المعروف عن عقبة. ورواه ابن عدي في «الكامل»: (3/ 155 و 4/ 194) من حديث عقبة بن عامر من طريقين وضعَّفه، وذكر أن رشدين بن سعد قلب متنه. ورواه أيضًا من حديث بلال (3/ 216) وقال: إنه غير محفوظ، وأحد رواته كذاب، ورواه الديلمي في «مسند الفردوس» (5167) من حديث أبي هريرة، قال العراقي: وهو منكر. «المغني عن حمل الأسفار»: (2/ 833). وروي من حديث أبي سعيد الخدري وعصمة بن مالك، وأسانيدها ساقطة. وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (594، 595)، والشوكاني في «الفوائد المجموعة» (ص 336). (3) أخرجه الترمذي (3686)، وأحمد (17405)، والطبراني في «الكبير»: (17/ 298)، والحاكم: (3/ 85) وصحح إسناده. وقال الترمذي: حسن غريب.

(1/20)


ومع هذا فالواجب على أبي بكر وعمر وسائر الخلق الاعتصام بالكتاب والسنة ومتابعة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن يَزِنوا أقوالَهم وأعمالَهم الباطنة والظاهرة بالكتاب والسنة. وأبو بكر أفضل من عمر - رضي الله عنهما -، فإنه كان صِدّيقًا يتلقّى من النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتلقى من قلبه، وعمر كان مُحدَّثًا له إلهام وحديث إلهيّ لكن ليس معصومًا، بل عليه أن يعرضه على الكتاب والسنة. ومن كانت الواسطة بينه وبين الله عز وجل نورَ النبوة المحمدية كان أكمل ممن كان قلبُه واسطةً له في بعض الأمور لاحتياج قلبه إلى نور النبوّة، ولهذا كان أبو بكر يُبيِّن لعمر أشياء وقعت في قلبه، فيبيّن له فيها الصواب، فيرجع عمر إلى أبي بكر، كما رجع إليه عامَ الحديبية لما قال له: ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أوَليس عدوّنا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نعطي الدنيةَ في ديننا؟! فقال: إنه رسول الله، وهو ناصره، وليس يعصيه. قال: أفلم يَعِدْنا أنّا نأتي البيتَ ونطوف به؟ قال: بلى، فأخبرَكَ أنه يأتيه العامَ؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه تطوف به. رواه البخاري وغيره (1). وهذا الجواب أجابه به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سأله كما سأل أبا بكر. وهذا يدل على كمال معرفة أبي بكر - رضي الله عنه - وموافقته للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه أكمل في ذلك من عمر وغيره. وكذلك لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - ظنّ عمرُ - رضي الله عنه - أنه لم يَمُت، وقال: إن رسول الله لا يموت حتى يُدْبِرَنا، أي يكون آخرنا، حتى جاء أبو بكر - رضي الله عنه -، _________ (1) أخرجه البخاري (3182)، ومسلم (1785) من حديث سهل بن حُنيف - رضي الله عنه -.

(1/21)


فدخل فرآه فقبَّل بين عينيه - صلى الله عليه وسلم -، وقال: بأبي أنت، أما الموتة التي كَتَب الله عليك فقد مِتّها، والله لا يجمع عليك موتتين، ثم خرج فخطب الناسَ وقال: مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإنّ الله حيٌّ لا يموت. ثم قرأ هذه الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، فكأنّ الناس لم يسمعوها حتى تلاها أبو بكر - رضي الله عنه -، فلا يوجد إلا مَن يتلوها (1). وكذلك بيانه له لما توقَّف في قتال مانِعِي الزكاة، وغير ذلك (2). والمقصود هنا [ت 9] أنه إذا كان مثلُ عمر الذي هو أفضل الأمة بعد أبي بكر، وهو الملْهَم المحدَّث الناطق بالصواب، الذي لو كانت النبوّةُ ممكنةً بعد محمد لكانت له= مأمورًا (3) أن يردّ (4) ما يُلقى في قلبه إلى الكتاب والسنة، فغيرُه من الشيوخ والعلماء أولى بذلك، فإنه ليس بعده مثله. ولهذا قال الجُنيد - رحمه الله -: عِلْمُنا هذا مقيّد (5) بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلّم في عِلْمنا (6). _________ (1) أخرجه البخاري (1241، 3667 - 3668، 4452، 4453). (2) أخرجه البخاري (1399 - 1400)، ومسلم (20). (3) كتب فوقها في النسخة: «هذا خبر كان». (4) كتب فوقها في النسخة تعليقًا: «الصواب: أن يورد، ولكن هكذا في المنتسخ». وما في النسخة صحيح لا غبار عليه. (5) النسخة: «مقيدًا»، خطأ. (6) ينظر «حلية الأولياء»: (10/ 255)، و «الرسالة القشيرية»: (1/ 79).

(1/22)


وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَري: كل وَجْد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل (1). وقال: كل عمل على غير متابعة السنة فهو عفنُ النفس. يعني أنه اتباع الهوى (2). وقال أبو عثمان النيسابوري: مَن أمَّر الكتابَ والسنةَ على نفسه قولًا وعملًا نطق بالحكمة، ومَن أمَّر الهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة، لأن الله تعالى يقول: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} (3) [النور: 54]. وكلام المشايخ المقتدَى بهم في هذا (4) الأصل كثير، وإن كان أحدهم قد يجتهد فيخطئ فيُثاب على اجتهاده ويُغفر له خطؤه، فليس من شرط أولياء الله المتّقين أن يكونوا معصومين من الذنوب فضلًا عن الخطأ، بل قد قال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا} [الزمر: 33 - 35]، وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ _________ (1) ينظر «الإحياء»: (2/ 302). وذكره المؤلف في عدد من كتبه منسوبًا إلى التستري، وفي بعضها إلى أبي عمرو بن نجيد. ينظر «الفتاوى»: (11/ 210)، و «الدرء» (5/ 349). (2) لم أجده. (3) أخرجه البيهقي في «الزهد الكبير» (319)، والقشيري في «الرسالة»: (1/ 82). (4) النسخة: «هذه»، سهو.

(1/23)


الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)} [الأحقاف: 15 - 16]. وهذا متفق عليه بين أئمة الدين، كما قال مالكٌ وغيره من العلماء - رضي الله عنهم -: كلُّ أحدٍ من الناس يُؤخذ من قوله ويُترَك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فالرجل الصالح الحَسَن التعبُّد المجتهد في اتباع الكتاب والسنة إذا كان منه كلام أو دعاء أو ذِكْر فيه خطأ لم يُعاقب على ذلك، ولا يَسقط به ما يستحقّه من الموالاة والمحبة والحُرْمة، فإن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان، كما ذكره سبحانه في دعاء المؤمنين بقوله: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وقد ثبت في «الصحيح» (1) أن الله تعالى قال: «قد فعلت». ولا يجوز أن يُتَّبع أحدٌ في خطأ يتبيَّن أن الكتاب والسنة بخلافه، وما زال لأئمة (2) الصحابة والتابعين ــ الذين لهم في الأمة لسان صدق، وهم عند الأمة من أكابر أولياء الله المتقين ــ أقوالٌ خفيت عليهم فيها السنة، فلا يُتّبَعون فيها، ولا يُساء القول فيهم لأجلها، بل لابد من اتباع الحق وتعظيم أهل الإيمان والتقوى. وهذا أصلٌ مستقرّ بين أهل الإسلام. والذين لهم أحزاب أو أوراد أو أحوال فيها ما يخالف السنة إذا كانوا صالحين مجتهدين في طاعة الله ورسوله، ليسوا بدون المقلّد العامّي إذا قلّد بعضَ العلماء فيما أفتاه به، إن كان قول ذلك المفتي خطأ في نفس الأمر، _________ (1) أخرجه مسلم (126) عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. (2) في النسخة: «أئمة» والمثبت يستقيم به السياق.

(1/24)


فكيف بمن يكون مجتهدًا بحسب وُسْعِه في طاعة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وتحرِّي الحق واتباعه من المشايخ أهل العلم والدين؟! فهؤلاء من أحق الناس بأن يقال فيهم: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا [ت 10] لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]. مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بحسب الإمكان، وبيان السنة وخطأ ما خالفها في ذلك. وهذه الأحزاب المنقولة عن طائفة من المشايخ (1) فيها أمور مخالفة للسنة، فبيانها مع الترحّم على المشايخ والصالحين والاستغفار لهم مِن تمام الدين. وقد تنازع المسلمون في كثير من الأمور هل هو عبادة مشروعة أم لا، فمن اتقى الله ما استطاع وأصاب فله أجران، ومَن أخطأ فله أجر وخطؤه مغفور له، كتنازعهم في فعل التطوّعات ذوات الأسباب وقت النهي، كركعتي الطواف والمُعَادة مع إمام الحي وتحيّة المسجد وصلاة الكسوف، وكتنازعهم في صلاة الاستسقاء، وكتنازعهم في صلاة الكسوف بركوعين، وأمثال ذلك. وهكذا قد يبلغ بعضهم أحاديث في شيء من جنس العبادات، فيعتقده مستحبًّا فيفعله لذلك، كما يصلي كثير منهم صلاة التسبيح ويستحبُّها (2)، وكثير من المتأخرين يصلون صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب، _________ (1) بعده في النسخة: «الصالحين» لكنها مضروب عليها. (2) (ت): «وتسبيحها»، تصحيف.

(1/25)


والألفية في ليلة النصف من شعبان، وفي أول رجب أيضًا، وصلاة يوم عاشوراء (1)، وصلوات الأيام والليالي التي ذكرها أبو طالب وأبو حامد والشيخ عبد القادر وغيرهم. وآخرون يصلون صلاة أم داود (2)، إلى أمور أُخر يفعلها على وجه التعبُّد قومٌ من أهل الفضل والدين= فهؤلاء يثابون على حُسْن نيتهم وقصدهم العبادة وما فعلوه من المشروع، وما كان من غير المشروع الذي ظنوه (3) مشروعًا، فيغفر لهم خطؤهم فيه. فمن بُيِّنَتْ له السنة لم يكن له أن يعتقد ما يخالفها، ففي «الصحيحين» (4) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغه أن رجالًا من أصحابه يقول أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أُفْطِر، وأما الآخر فيقول: أقوم ولا أنام، ويقول الآخر: أما أنا فلا أتزوّج النساء، وأما الآخر فيقول: أنا لا آكل اللحم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لكنّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوّج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس منّي». بل قال عبد الله بن عمر: صلاة السّفَر ركعتان، من خالف السنةَ كفر (5). _________ (1) ينظر ما سبق (ص 6)، والتعليق عليه. (2) وهي صلاة في وسط رجب، ينظر «الاقتضاء»: (2/ 122) وقال: فإن تعظيم هذا اليوم لا أصل له في الشريعة أصلًا. (3) (ت): «ظنه» والمثبت أنسب للسياق. (4) أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401) من حديث أنس - رضي الله عنه -. (5) أخرجه الطبراني في «الكبير»: (13/ 301) من طريق أبي مالك الجنبي عن جميل بن زيد عن ابن عمر. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وأخرجه عبد بن حميد (829) والبيهقي: (3/ 140) قال البوصيري في «الإتحاف»: رجاله ثقات. وصححه ابن طاهر في «ذخيرة الحفاظ» (3400).

(1/26)


يقول: مَن اعتقد أن الركعتين لا تجزئ كفر. فليس لأحد أن يعتقد من المستحبّات ما لم يدلّ الدليل الشرعي على استحبابه. ومما ينبغي أن يُعرَف حتى لا يشتبه المعروف بالمنكر أن من الناس مَن يكون له حزبٌ لنفسه؛ كأعدادٍ من الركعات يصليها بمقدارٍ من القرآن يقرَؤها، وله أيضًا دعوات يدعو بها وأذكار يذكرها، فإذا كان جنس ذلك مشروعًا وليس فيه ما يُنهى عنه فليس هذا بمنكر إذا فعَلَه هو أو فعله غيره، لكن إذا جَعَل ذلك سنةً راتبةً للناس يجتمعون عليها اجتماعًا راتبًا= فهذا هو المنكر. وأما إن كان في الذِّكر والدعوات ما هو منكر في نفسه كالحزب المسؤول عنه وغيره، فهذا يُنكر مطلقًا. ففرقٌ بين ما يكون جنسه سائغًا ليس فيه منكر وإنما المنكر اتخاذُه سنة، وإحداث اجتماع راتب غير مشروع، وبين ما يكون فيه كلام هو في نفسه منكر. ثم ذلك الكلام له مراتب أيضًا. وهذا الذي صار في جنس العبادات من الأمور المشروعة وغير المشروعة والأحزاب ونحوها هو نظير ما صار في جنس الاعتقادات من الأمور المشروعة وغير المشروعة، فليس لأحدٍ أن يصنع للناس عقيدةً يدعوهم إليها ويذم ما خالفها إلا ما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -[ت 11] بيَّن للناس دينهم، وأكمل الله تعالى له ولأمته الدينَ عقائدَه وأعمالَه، فكما أنه ليس لأحدٍ أن يشرع عبادةً لم يأذن الله تعالى بها، فليس له أن يشرع اعتقادًا لم يأذن الله تعالى به.

(1/27)


فإن ما يُذكر من الاعتقاد إما أن يكون موافقًا لخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإما أن يكون مخالفًا، إذ ليس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك خبر مثل كثير من الصناعات والطب والحساب، فإن كان المذكور موافقًا لخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فينبغي أن يُذْكَر خبرُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلفظه ويُدعى إليه ولا يُدعَى إلى ما لم يبين أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر به. وإن كان مخالفًا لخبره لم يجز لأحدٍ أن يعتقده فضلًا عن أن يدعو إليه، فإنه باطل وكذب. وإن لم يكن مما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا ليس من الذي أمر الله باعتقاده لا إيجابًا ولا استحبابًا، فلا يكون من الدين، بل يكون كالصناعات والأمور العقلية المحضة كالطب والحساب. ولهذا ليس لأحدٍ أن يضيف الاعتقاد الذي يجب اتباعه إلى غير النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا إلى طائفة غير الصحابة. ولا يقول: إن اعتقاد فلان والطائفة الفلانية هو الحق دون اعتقاد فلان والطائفة الفلانية، إلا أن يبيّن أن ذلك هو الذي أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم -. وحينئذٍ فإضافته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أولى من إضافته إلى مَن هو دونه. وكثير من الناس أدخلوا في الاعتقادات ألفاظًا مجملةً تتضمّن مخالفة النصوص، فخرجوا عن السنة والجماعة مع ظنهم أن ذلك هو السنة والجماعة، وإنما اعتقاد أهل السنة: ما ثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والحديث الصحيح الثابت عنه، واعتقاد الجماعة: ما كان عليه أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون لهم بإحسان. وليس لكلّ مَن استحسن عبادةً بذوقه ووجده أن يجعلها من الشريعة والسنة إن لم تأت بها الشريعةُ والسنةُ، ولا لكلّ مَن رأى رأيًا بعقله ونَظَره أن

(1/28)


يجعله من الشريعة والسنة إن لم تأت بها الشريعةُ والسنةُ، بل على الخلق كلهم أن يعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا في الاعتقادات والأعمال في الأمور الخبرية والأمور الطلبية، وفي العلوم النظرية والعملية، وعلى كل أحد أن يفعل ما وجب عليه من العلم والعمل، فلا يكفيه قيامه بالعلم الواجب دون العمل به، ولا قيامه بالعبادة دون ما وجب عليه من العلم، ولا يكفيه العلم والعمل حتى يكون متبعًا في ذلك للكتاب والسنة، ولهذا قال مَن قال مِن السلف: الإيمانُ قولٌ وعمل ومتابعة للسنة. وقال بعضهم: لا ينفع (1) قولٌ إلا بعمل، ولا قولٌ وعملٌ إلا بمتابعة العلم، فالقول يتضمن العلم، والعمل يتضمن الإرادة (2). ولهذا لما سلك كثير من طلاب العلم طريقَ النظر والاستدلال دون العمل الواجب والاعتصام بالكتاب والسنة= وقعوا في بدع كثيرة كلامية مع الخروج عن الواجب في أعمالهم، فجمعوا بين بدعةٍ وفجور. ولما سلك كثير من أهل الإرادة والعبادة والزهادة طريقة العمل دون ما يجب عليهم من العلم ودون الاعتصام في ذلك بالكتاب والسنة= وقعوا في كثير من البدع الحالية مع الخروج عن الواجب أيضًا، فجمعوا بين بدعة وجهالة! فهؤلاء يشبهون الضالين وأولئك يشبهون المغضوب عليهم، ولهذا قيل: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما لكل مفتون، فالعالم الفاجر فيه [ت 12] شَبَهٌ من اليهود، والعابد الجاهل فيه شَبَهٌ من النصارى. قال سفيان بن عُيينة: كانوا يقولون: مَن فَسَد من علمائنا فيه شَبَهٌ _________ (1) (ت): «يقع»، والظاهر ما أثبتّ وهي على الصواب فيما سيأتي (ص 257). (2) سيأتي تخريج هذه الآثار (ص 70).

(1/29)


من اليهود، ومَن فسد من عبّادنا فيه شَبَهٌ من النصارى (1). وقد أمرنا الله تعالى أن نقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7]. وهذه جملة مختصرة يدخل تحتها أمورٌ كثيرة، مَن هداه الله تعالى لتفصيلها انتفع بذلك نفعًا كثيرًا، وعرف أن كثيرًا من العلماء والمشايخ يقع في كلامهم وأفعالهم ما لا يسوغ اتّباعُهم فيه، وإن كانوا مع ذلك من أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين. وقد عُلِم أن لجماعةٍ من الشيوخ أحزابًا، وهم في ذلك متفاوتون، فبعضهم لم يُحدِث فيها ذِكْرًا بل جمع ما ذَكَره غيره وهي من القرآن والحديث، فهذه لا تُنكر في نفسها وإنما يُنكر اتخاذ الاجتماع عليها سنة راتبة. وهذا أمر يختلف اجتهاد الناس فيه، فقد صار كثيرٌ مما لم يُشرع الاجتماع المعتاد عليه عادةً للناس، بل وُقِّف على ذلك وقوف كالقراءة والحديث وتدريس العلم وغير ذلك. وقد كثر هذا النوع في كثير من الأمصار، والمعروف والمنكر مراتب. فمن كانوا على طريقة فيها نوعٌ من الخطأ والبدعة، وفيها خير وصواب كثير لم يُنهوا عنها إلا أن يُنقلوا إلى خير منها، وإلا فما كان فيه خير كثير مع قليل من الشرّ خير مما هو شرٌّ كلُّه، والشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها _________ (1) ذكر المؤلف هذا القول عن سفيان في عدد من كتبه «الاقتضاء»: (1/ 79)، و «الاستقامة»: (1/ 100)، و «الفتاوى»: (1/ 197، 13/ 100، 16/ 567 وغيرها)، وعزاها في مواضع لبعض السلف. وذكره ابن القيم في «البدائع»: (2/ 440) وغيره، وابن كثير في «تاريخه»: (14/ 821) معزوّةً له.

(1/30)


وتعطيل المفاسد وتقليلها، فينبغي معرفة خير الخيرين وشرّ الشرين، فلا يُزالُ المنكرُ بما (1) هو أنكر منه، ولا يفوت الخير الكثير من الواجب والمستحب باشتماله على شرّ قليل. بل إذا كان النهي عن المكروه أو المحَرّم يستلزم تركَ واجبِ مصلحةٍ في الدين أعظم من مصلحة ترك ذلك المكروه والمحرم= لم يجز النهي عنه، كالغزو مع الأمراء الفجّار، فإنه يحصل به مصلحة الجهاد الواجب ودفع العدوّ ما لا يجوز تركه، فلا يُنهى عنه لما فيه من ظلم الولاة في بعض الأمور، بل يُعاونُ الناسُ ولاةَ الأمور وغيرهم على ما يفعلونه من البر والتقوى، ولا يعاونونهم على ما يفعلونه من الإثم والعدوان. وإذا كان ذلك البر والتقوى لكان الفساد أعظم (2) لم يُدفع الفساد القليل بفساد أكثر منه. ولهذا نظائر في أهل العلم والعبادة والإمارة، فكثير من الناس ينظر إلى جهة الذمّ التي في الفعل ولا ينظر إلى ما فيه من المدح، ومن هنا أخطأت الخوارج والمعتزلة ونحوهم حيث نظروا إلى سيئات المسلمين ولم ينظروا إلى حسناتهم، وقالوا: إن الشخص الواحد لا يجتمع في حقه الثوابُ والعقابُ والطاعةُ والمعصيةُ. وهذا خطأ عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أهل السنة، بل عندهم أن الشخص الواحد يكون مستحقًّا للثواب والعقاب، فيُحمَد من _________ (1) النسخة: «لما». (2) كذا في النسخة، والعبارة قلقة.

(1/31)


وجهٍ ويُذمّ من وجه، ويُحَبّ من وجه ويُبْغَض من وجه، ويدخل في الدعاء بالمغفرة والرحمة من وجه، ويدخل في الدعاء باللعنة من وجه، ويدخل النار فيقيم بها مدّة ثم يخرجه الله تعالى منها فيدخله الجنة. وهكذا النوع الواحد في الأعمال، كالسجود يكون تارة طاعة كالسجود لله تعالى، وتارة معصية كالسجود للصنم. ونازعَ في ذلك ابنُ الجُبّائي أبو هاشم، وجمهور الناس على تخطِئته، وهو كما لو قالوا بأن الفعل يختلف باختلاف النيات، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: [ت 13] «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (1). وهو زعم أن الاختلاف يقع في النية فقط، وأما العمل الظاهر فهو متماثل الأفراد، وهو خطأ، بل العمل الظاهر يختلف مدحُه وذمُّه وحُسْنُه وقُبْحُه باختلاف نيّة فاعله، فنفس السجود لله تعالى حَسَن محمود، وللشمس والقمر سيئٌ مذموم، قال تعالى: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ} [فصلت: 37]. وأما الفعل الواحد بعينه كصوم اليوم المعيّن والصلاة المعيّنة والدعاء المعيّن، فهل يكون محمودًا من وجه مذمومًا من وجه؟ وهل يستحق به فاعله الثواب من وجه والعقاب من وجه؟ وهل ذلك ممكن عقلًا أم لا؟ على قولين، فأكثر الناس على أن ذلك ممكنٌ عقلًا، وصار طائفة من _________ (1) أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907) من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.

(1/32)


أهل الكلام وبعضُ أهل الفقه إلى أنه ليس ممكنًا (1) عقلًا، وهو اختيار القاضي أبي بكر والرازي. ثم ادّعى بعضُ هؤلاء أنما صحَّحَتْه الشريعة من ذلك فإنما سقط الفرض عنده لا به. وأما غير هؤلاء من المعتزلة والمرجئة وغيرهم فأبطل ذلك شرعًا، ووافقهم بعضُ الفقهاء من أهل الظاهر وبعضُ أصحاب أحمد، وأما أحمد نفسُه وأئمة أصحابِه وسائر العلماء فقالوا: إن ذلك ممتنع عقلًا، بل الصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب والثوب الحرير وغير ذلك مما نهى الشارعُ عنه نهيًا عامًّا ولم يرد نهيٌ خاصّ عن فعل العبادة معه هل تبطل معه العبادة كما ورد فيه نهيٌ خاص كالصلاة عُريانًا، والصلاة في المكان النجس؟ هذا مما فيه نزاع معروف بين الفقهاء، وفيه قولان في مذهب أحمد وغيره. فالناسُ في هذا الأصل على أربعة أقوال: منهم مَن يقول: هذا النوع ممتنع عقلًا وشرعًا، ومنهم مَن يقول: هو جائز عقلًا وشرعًا، ومنهم مَن يقول: هو جائز عقلًا لكن الشارع منع منه، ومنهم مَن يقول: هو ممتنع عقلًا ولكن ما ورد به الشرع منه قلنا: سقط الفرض عنده لا به. وهذا أضعف الأقوال. والصحيح ما عليه الجمهور، وهو أنه يمكن في الجملة أن يُثاب الرجل على عملٍ من وجه ويُعاقب عليه من وجه، لكن هل يسقط الفرض بذلك فلا تجب الإعادة؟ هذه مسألة فقهية يُبْحَث فيها بالأدلة الفقهية، فإن الفقهاء الأربعة وغيرهم متفقون على أن من واجبات الحج ما إذا تركه لم يسقط الفرض بل عليه الحج، ومنها ما إذا تركه سقط فرض الحج وجبر ذلك بدم، _________ (1) (ت): «ممكن».

(1/33)


وكذلك واجبات الصلاة جمهورهم كأبي حنيفة ومالك وأحمد على أن من واجباتها ما إذا تركه سهوًا لم تلزمه الإعادة، بل يجبره بسجود السهو، بل وفي واجباتها ما إذا تركه عمدًا عند أبي حنيفة لا إعادة عليه، وكذلك عند أحمد، كالجماعة في أشهر القولين في مذهبه. فهذه مسائل تحتاج إلى أدلة خاصة، ومع هذا فإن أوجَبْنا الإعادة على الإنسان فلا ريب أنه يُثاب على ما فَعَله من الخير في العبادات التي وجبت إعادتُها، فإذا صلى وترك ركنًا عمدًا بحيث تجب عليه الإعادة فإنه يُثاب على ما فَعَله من الخير قبل ذلك، وكذلك الحج إذا أُمر بإعادته، كالذي يفوته الوقوف فإنه يُثاب على ما فعله أولًا. فهذا وهذا مما يبيِّن أن الفعل الواحد قد يُثاب عليه من وجه وإن كان يُذم عليه من وجه آخر، فكثير من العبادات التي جنسها مشروع وقد نُهي عن فعلها على وجه معيّن إذا فعلها الفاعل على ذلك الوجه ولم يعلم بالنهي= فإنه يُثاب على ما فعل من [ت 14] الخير، ولا يعاقب على ما أخطأ فيه. فالأحزاب التي ليس في دعواتها وأذكارها ما يخالف الشرع من هذا الباب، وأما ما كان في نفس أذكارها ودعواتها منكر كالحزب المسؤول عنه، فهذا يُنهى عنه بلا ريب. ثم مَن لم يعرف ما فيه من اللوم فإنه يُثاب على ما فيه من الذِّكْر المشروع، وأما الذِّكْر المنهيّ عنه فقد يحصل له ضرره وفساده كما تحصل الأحوال النفسانية والشيطانية لكثير من الناس. وهذا باب واسع، والمقصود هنا أن الشاذلي - رحمه الله - من خيار الشيوخ الذين في أحزابهم ما يُنْكَر في نفسه، وقد ذكرنا أن الشاذلي رحمة الله عليه من

(1/34)


خيار هؤلاء الشيوخ، ومع هذا فقد وقع في حزبه وغير حزبه كلمات منكرة توجب (1) منعَ الناس أن يقرؤوا هذا الحزب، فضلًا عن أن يجتمعوا عليه أو يتخذوا ذلك سنةً راتبةً لها أوقات معتادة ويظهروها في المساجد، فإن إظهار مثل ذلك في دار الإسلام من أعظم المنكرات، فكيف في المساجد؟! وإذا كان هذا في مثل حزب الشاذلي - رحمه الله - الذي هو أرجح من غيره، فكيف بما هو دونه؟! فهذا جواب عامّ في هذا الحزب وأمثاله مما يشبه ذلك من العبادات البدعية التي لم يشرعها الله ورسوله. ومن أمثل ذلك الحزب المتضمّن للمسبّعات الذي ذكره أبو طالب المكي في أول كتابه المسمّى بـ «قوت القلوب» (2) فإن هذا الكتاب فيه أمور جليلة القدر في الدين، مثل كلامه في مقامات العارفين من الصبر والشكر والرضا والخوف والرجاء والمحبّة، ونحو ذلك؟ ولهذا سماه «قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد». ولكن تسميته «قوت القلوب» مما أنكره طائفةٌ، وذكر بعضُهم أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فذكر له «قوت القلوب» فقال: لا تقل قوت القلوب، فإن قوتَ القلوب القرآنُ، ولكن قل: كتاب أبي طالب. وأجود ما في «إحياء علوم (3) الدين» لأبي حامد هو مما أخذه من كتاب أبي طالب، فإن أبا طالب كان أعلم منه بالحديث والآثار، وأعلم بأحوال _________ (1) في (ت): «يجب» وما أثبته يستقيم به السياق. (2) (1/ 19 - 20). (3) النسخة: «العلوم».

(1/35)


القلوب، ومع هذا ففي كتابه من الأحاديث والآثار الموضوعة والأقوال الضعيفة بل المردودة ما قد أنكره عليه كثيرٌ من أهل العلم والدين، حتى جرّد بعضُهم القولَ في ذلك، كالشيخ أبي البيان (1) في القول له في الاستدراكات على أبي طالب مواضعَ أجادَ فيها الشيخُ البيانَ رحمة الله عليهم أجمعين، وإن كانت الاستدراكات على «الإحياء» أكثر من ذلك لما فيه من المادة الفلسفية التي ليست في كتاب أبي طالب، مع ما فيه من الآثار الموضوعة والكلام المحدَث ما ليس في كلام أبي طالب. ومن المستدرك على أبي طالب المسبّعات التي ذكرها في أول كتابه وعزاها إلى حكايةٍ نُقلَت عن رَقَبة بن مصقلة (2) عن التيمي عن الخضر أنه نقلها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر فيها قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين وغيرهما سبع مرات، وذكر فيها ثوابًا جازف فيه. ولا ريب عند أهل العلم بالنقل أن هذه _________ (1) أبو البيان الدمشقي: نبا بن محمد بن محفوظ القرشي، من مشاهير مشايخ الصوفية (ت 551). ترجمته في «السير»: (20/ 326 - 327). وقد أشار المؤلف إلى استدراكاته على أبي طالب في «جامع المسائل»: (6/ 125)، و «الفتاوى»: (4/ 66). (2) في النسخة هكذا: «إلى رُقية حكاية نقلت عن رُقية بن مصقلة»! وهو تصحيف، ووضع الناسخ فوق «ابن» علامة تشبه الميم (م). والذي في «قوت القلوب»: (1/ 19) في إسناد هذه الحكاية: «روى ذلك سعيد بن سعيد عن أبي طيبة عن كرز بن وبرة ... أنه أسند له هذه الحكاية عن إبراهيم التيمي عن الخضر». وقد أخرجه من هذا الطريق ابنُ عساكر في «تاريخه»: (16/ 430). ولا ذِكر لرقبة بن مصقلة في إسناد هذه الحكاية. وقد جاء ذكر رقبة بن مسقلة ــ بالسين أو الصاد ــ في «قوت القلوب»: (1/ 83) لكن في أثر آخر في رؤيته لربّ العزة في النوم يقول: وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي فإنه صلى الغداة بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة.

(1/36)


الحكاية كذب لم يذكرها التيمي أصلًا، وليس في أئمة المسلمين من يعتمد في شيء من المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على مثل هذه الحكاية، ولا يَنْقُل أحدٌ منهم عن الخضر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا، ولو أراد أن يحتج في دين المسلمين بحديث ينقله عن الخضر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَعَظُم النكير عليه وتوجّه طعن أئمة الدين إليه، فإن دين المسلمين وفقهم الله تعالى لطاعته أجمعين محفوظ بنقل الثقات المعروفين الذين رآهم الناس وسمعوا كلامهم، لا بنقل مَن لم يُعرف وجوده، ولا سُمِع خطابه. وإنما ينقل مثل هذا جُهّال الشيعة الذين ينقلون دينهم عن المنتظر الذي لا وجود [ت 15] له، وجُهّال العُبّاد الذين ينقلون دينهم عن رجال الغيب وعن الخضر ونحو ذلك. وقد بسطنا الكلامَ على مسألة الخضر في غير هذا الموضع (1). والمقصود هنا أن المنقولات تحتاج إلى نقد ومعرفة، ففيها كذب كثير. كما يعتقد كثير منهم أن الحسن البصري رحمه الله تعالى صَحِب عليًّا - رضي الله عنه - وأنه سأله ما صلاح الدين؟ فقال: الورع، فقال: ما فسادُه؟ قال: الطمع. وقد أجمع أهل المعرفة بالنقل أن الحسنَ لم يَصْحَب عليًّا - رضي الله عنه -، ولا روى عنه شيئًا متصلًا، إنما يروي عن أصحابه كالأحنف بن قيس، وقيس بن عبادة (2) ونحوهما. وأما أحزاب أخر قد رأيتها منسوبةً إلى طائفة من الشيوخ ففيها ألوان لا يتسع لهذا (3) الجواب. _________ (1) ينظر «الفتاوى»: (1/ 249 و 4/ 337 و 27/ 97 - 101)، و «جامع المسائل»: (5/ 133 - 137) و (9/ 56 - 61). (2) النسخة: «عيادة». (3) كذا ولعلها: «لها هذا».

(1/37)


[م 2] فصل (1) والوجه الثاني: بيان (2) ما في هذا الحزب (3) من المنكرات، مع أنه أَمْثل مما هو (4) دونه من الأحزاب (5)، ونحن نُنبِّه على بعض ذلك، على ترتيب الحزب في ذلك: قوله (6): (وعلمُك حسبي). فإنَّ السنة أن يُقال: حسبيَ الله، أو الله حسبي، ونحو ذلك، كما قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59]. وفي «صحيح البخاري» (7) عن ابن عباس في قوله: «حَسبي الله ونِعْم _________ (1) «فصل» ليست في (ت)، ومن هنا تبدأ نسخة (م)، ينظر المقدمة. (2) من (ت). (3) تصحفت في (ت) إلى: «الجواب». (4) ليست في (ت). (5) قد يريد المؤلف أحزاب الشاذلي نفسه، فقد قدمنا أن له أكثر من عشرة أحزاب، وقد يريد أحزاب آخرين من مشايخ الصوفية. (6) ساق السائل نصّ الحزب برمته فلا نكرر العزو إلى نسخٍ مستقلة من الحزب كما كنا قد فعلنا في الطبعة الأولى. (7) رقم (4563). وفي «سنن أبي داود» (3627) من حديث عوف بن مالك «فإذا غلبك أمرٌ فقل: حسبي الله ونعم الوكيل» وفي إسناده ضعف، وفيه أيضًا (5081) من حديث أبي الدرداء: «من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله ما أهمّه ... » ورجاله ثقات وفي لفظه زيادة منكرة. وأما «الله حسبي» فجاءت في بعض الأحاديث كما هو عند البيهقي في «الدلائل»: (2/ 154).

(1/38)


الوكيل»: قالها إبراهيم حين أُلقيَ في النار، وقالها محمد حين قال له الناس (1): {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ}. وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64]. أي: الله حَسْبُك وحَسْبُ مَن اتبعك مِن المؤمنين، ومَن ظنَّ أن المعنى: أن الله ومَن اتبعك حسبُك، فقد غَلِط غلطًا عظيمًا (2). والحَسْب: الكافي، فالله هو كافي عبده، كما قال: {(35) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]. وأما مجرَّد العلم فليس بكافٍ للعباد، فإن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه، يعلم المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا، والغنيّ غنيًّا، والفقير فقيرًا، فمجرَّد علمه إن لم يقترن به إرادته للإحسان (3) إلى عبده ليفعل ذلك بقدرته لم يحصل للعبد نعمة، ولم تندفع عنه نقمة، فهو ــ سبحانه ــ يمنُّ بحصول (4) _________ (1) في (م): «قال لهم الناس» وكأنها جزء من الآية، وما في (ت) أحسن في السياق. (2) أطال المصنف في بيان هذا المعنى والانتصار له في غير موضع من كتبه، أوسعها في «منهاج السنة»: (7/ 201 - 206). وانظر «مجموع الفتاوى»: (1/ 293، 306، 3/ 107، 10/ 37، 154). (3) (ت): «إرادة الإحسان». (4) (ت): «سبحانه في حصول».

(1/39)


النعم واندفاع النِّقَم بعلمه وقدرته ورحمته. ولكنَّ قائل هذه الكلمة أخذها من أثرٍ (1) إسرائيلي لا أصل له، وهو ما يُروَى أن جبريل عَرَضَ لإبراهيم الخليل (2) لمَّا أُلقي في المنجنيق فقال: هل لك من حاجة؟ فقال: أمَّا إليك فلا، فقال: سَلْ، فقال: «حسبي من سؤالي علمُه بحالي» (3). ولهذا قال في الحزب الآخر (4): «واقْرُب مِني قُربًا تمحو به كلَّ حجاب محقته عن إبراهيم خليلك، فلم يحتج لجبريل رسولك، ولا لسؤاله منك». أما قوله في هذه الحكاية (5): «هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا»، _________ (1) (ت): «أمر»، تصحيف. (2) ليست في (ت). (3) ذكر هذا الأثر البغوي في «تفسيره»: (3/ 166 - 167) بصيغة التمريض، وقال المصنف في «مجموع الفتاوى»: (8/ 539): «وأما قوله: «حسبي من سؤالي علمه بحالي» فكلام باطل خلاف ما ذكره الله عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء من دعائهم لله ومسألتهم إياه، وهو خلاف ما أمر الله به عباده من سؤالهم له صلاح الدنيا والآخرة، كقولهم: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] ودعاء الله وسؤاله والتوكل عليه عبادة لله مشروعة بأسباب كما يقدره بها، فكيف يكون مجرد العلم مسقطًا لما خلقه وأمر به» اهـ. وذكر ابن عِرَاق في «تنزيه الشريعة»: (1/ 250) عن ابن تيمية أنه قال: موضوع. وانظر «كشف الخفاء»: (1/ 427 - 428)، و «السلسلة الضعيفة» (21). (4) أي «حزب البر»: (ق 5 أ). والعبارة في (ت): «في الحزب الكبير عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه لم يحتج إلى سؤاله منك، وفي الحزب الكبير أمور متعددة». (5) «في هذه الحكاية» من (ت).

(1/40)


فهذا (1) قد ذكره العلماء كأحمد وغيره (2)، وهو موافق للشريعة، فإنَّ كمال التوكل أن لا (3) يكون للمؤمن حاجة إلى غير الله، أي: لا يسألُ غيرَ الله ولا يستشرفُ بقلبه إلى غير الله (4). كما قال تعالى: {(6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ} [الشرح: 7 - 8]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «ما أتاكَ من هذا المال وأنتَ غير سائلٍ ولا مُسْتَشْرِف فخُذه، وما لا فلا تُتْبِعُه نفسَك» (5). وقال لابن عباس: «وإذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِن _________ (1) بين أسطر النسخة تعليقات بخط دقيق في تفسير عود الضمائر، فكتب عند (أما قوله): جبريل. وعند (فقال): إبراهيم. وعند (فهذا): جواب أمَّا. (2) ذكر المصنف رواية أحمد في «مجموع الفتاوى»: (10/ 259) قال: «ولهذا لما سئل أحمد بن حنبل عن التوكل فقال: قطع الاستشراف إلى الخلق، أي لا يكون في قلبك أن أحدًا يأتيك بشيء. فقيل له: فما الحجة في ذلك؟ فقال: قول الخليل لما قال له جبرائيل: هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا» اهـ. (3) «أن» ليست في (م). (4) ويؤيده ما في البخاري (4563) وغيره عن ابن عباس: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}. وانظر «مجموع الفتاوى»: (8/ 539). (5) أخرجه البخاري (1473)، ومسلم (1405) من حديث عمر - رضي الله عنه -. ووقع في (ت): «ولا مشرف» وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث عند ابن أبي شيبة (22406) والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (2/ 21).

(1/41)


بالله» (1). وقال أيضًا: «مَن يَستَعْفِف [م 3] يُعِفَّه الله، ومَن يَستغنِ يُغْنِه الله» (2). والمستعفُّ الذي لا يسأل بلسانه، والمستغني الذي لا يستشرف بقلبه. فإنَّ الغِنَى أعلى من العِفّة، وأغنى الغِنَى غِنى النفس، كما ثبت في «الصحيح» (3): «ليس الغِنَى عن كثرةِ العَرَض، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النفسِ». وفي الحديث الصحيح في صفة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون» (4) فمدحهم بترك الاسترقاء، ووصّى النبي - صلى الله عليه وسلم - طائفة من أصحابه _________ (1) أخرجه أحمد (2669) , والترمذي (2516)، والحاكم (3/ 541 - 542)، والبيهقي في «الشعب» (1043) وغيرهم من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - من طرق كثيرة. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال، وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم»: (1/ 460 - 461): «وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرقٍ كثيرة من رواية ابنه علي ومولاه عكرمة وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وعبيد الله بن عبد الله وعمر مولى غفرة وابن أبي مُلَيكة وغيرهم. وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرَّجها الترمذي. كذا قاله ابن منده وغيره» اهـ. وقال ابن رجب عن إسناد حنشٍ: «وهو إسناد حسن لا بأس به» اهـ. «نور الاقتباس» (ص 31). ووقع حديث ابن عباس في (ت) بعد حديث: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض». (2) أخرجه البخاري (1469)، ومسلم (1053) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. (3) أخرجه البخاري (6446)، ومسلم (1051) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (4) أخرجه البخاري (5705)، ومسلم (218) من حديث عمران بن حُصين، وأخرجاه من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -.

(1/42)


أن [ت 16] لا يسألوا الناسَ شيئًا، فكان السوط يسقط من يد أحدهم فلا يقول للآخر: ناولني إياه (1) (2). وأما قوله (3): «حسبي من سؤالي علمه بحالي»، فهذا ليس له إسناد معروف، بل الذي في «الصحيح» (4) أنه قال: «حسبي الله ونعم الوكيل»، لم يقل: «حسبي من سؤالي علمه بحالي» (5). وما نُقِل عن الأنبياء المتقدمين إن لم يكن ثابتًا بنَقْل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يُحتجَّ به في الدين باتفاق علماء المسلمين، لكن إذا كان موافقًا لشرعنا ذُكِرَ على سبيل الاعتضاد (6) لا على سبيل الاعتماد، وما ثبت بنَقْل نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن شَرْع من قَبْلنا (7) فيه نزاع معروف (8). وأيضًا: فإن مراسيل أهل زماننا عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - لا يُحتجُّ بها باتفاق العلماء، مع قُرب العهد وحفظ الملّة، فكيف بمراسيل أهل الكتاب التي ينقلونها عن الأنبياء، مع بُعد الزمان وكثرة الكذب والبهتان؟! _________ (1) سيأتي تخريجه. (2) من قوله: «وفي الحديث الصحيح ... » إلى هنا زيادة من (ت). (3) في (م) بجانبها بخط أصغر: إبراهيم. (4) تقدم أنه في البخاري (4563). (5) في (م): «ذلك اللفظ» بدلًا من عبارة «حسبي ... بحالي». (6) العبارة في (م): «وذكر على سبيل الاعتقاد ... » والصواب ما أثبت. (7) (ت): «تقدم». (8) انظر «المسودة» (ص 193 - 194)، و «مجموع الفتاوى»: (1/ 258)، و «الجواب الصحيح»: (2/ 436).

(1/43)


ثم إن هذا الأثر يقتضي أن إبراهيم اكتفى بعلم الربّ عن سؤاله، وهذا يقتضي (1) أن العبد لا يسوغ (2) له الدعاء اكتفاءً بعلم الربِّ بحاله، وهذا خلاف ما حكاه الله عن إبراهيم، وخلاف ما اتفقت عليه الأنبياء. قال الله تعالى: {(125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية إلى قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (3) [البقرة: 126 - 129]. فهذه دعوات (4) متعددة من إبراهيم، وقال تعالى عنه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35)} إلى قوله: {يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 35 - 41]، وقد ذكر الله تعالى عن الخليل أنه قال: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} [العنكبوت: 17]، ولم يقل: حَسْبُكم من ابتغاء الرزق عنده علمه بحالكم. ودعاؤه وسؤالُه مِن أعظم أنواع ابتغاء الرزق عنده (5). وأدعية إبراهيم في القرآن كثيرة. _________ (1) (ت): «لا يقتضي»، خطاء. (2) (ت): «يشرع». (3) قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ ... } إلى {الْحَكِيمُ} من (ت). (4) (م): «دعوة». (5) من قوله: «وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ... }.إلى هنا زيادة من (ت). وليس في (ت) العبارة في آخر الفقرة: «وأدعية إبراهيم في القرآن كثيرة».

(1/44)


وقد ذكر الله عن الأنبياء أنهم دعوه بمصالح الدين والدنيا والآخرة، ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة على الأمر بالدعاء، أمْرَ إيجابٍ أو أمر استحباب (1)، فكيف يقال: إن تركه مشروعٌ لِعِلْم الرب بحال العبد؟ ! والحكاية التي تُروى عن بعض الشيوخ: أن سائلًا قال له: تنزل بي الفاقة فأسأل؟ قال: تُذَكِّر ناسيًا أو تُعَلِّم جاهلًا؟ ! قال: فأجلِسُ وأنتظِر (2)؟ قال: التجربة عندنا شكّ، قال: فما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة (3) = إما أنها كَذِب من الناقل أو خطأ من القائل، وإلا فقد قال تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32]، وقال: {رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ} [الأعراف: 55]، وقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، وقال: {(13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ} (4) [غافر: 14]. _________ (1) انظر «الاستقامة»: (2/ 129) للمصنف. (2) (ت): «ولتنظر». (3) ذكر نحو هذه الحكاية القشيري في «الرسالة»: (1/ 305) وسياقها: «دخل جماعة على الجنيد فقالوا: أين نطلب الرزق؟ فقال: إن علمتم في أي موضعٍ هو فاطلبوه منه، قالوا: فنسأل الله تعالى ذلك. فقال: إن علمتم أنه ينساكم فذكِّروه، فقالوا: ندخل البيت فنتوكل [فننظر ما يكون]؟ فقال: التجربة شك، قالوا: فما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة». وانظر «الإحياء»: (4/ 291)، و «إتحاف السادة المتقين»: (9/ 497). ونقل الزبيدي في «الإتحاف»: (9/ 497) عن أبي الحسن الشاذلي في المعنى نفسه أنه قال: «إن كان ولابد من التدبير فدبِّروا أن لا تُدبِّروا». (4) هذه الآية ليست في (ت).

(1/45)


وفي الترمذي (1): «مَن لم يسألِ اللهَ يَغضَبْ عليه»، وفيه (2): «ليسأل _________ (1) (ت): «وفي الحديث»، وهو في «الجامع (3373). وأخرجه أحمد (9701)، وابن ماجه (3827)، والبخاري في «الأدب المفرد» (658)، والحاكم: (1/ 491)، والطبراني في «الأوسط» (2452)، والبيهقي في «الشعب» (1065)، وغيرهم من طريق أبي المليح عن أبي صالح عن أبي هريرة. قال الترمذي: «وروى وكيع وغير واحد عن أبي المليح هذا الحديث ولا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو المليح اسمه صبيح» اهـ. ونحوه عن الطبراني. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد فإن أبا صالح الخوزي وأبا المليح الفارسي لم يُذكرا بالجرح إنما هما في عِداد المجهولين لقلة الحديث» اهـ. وقال ابن كثير في «التفسير»: (7/ 3085) عن إسناد أحمد: «تفرَّد به وهو إسنادٌ لا بأس به». لكن تعقبه الحافظ ابن حجر في «الفتح»: (11/ 97) بقوله: «وهذا الخوزي مختلف فيه؛ ضعفه ابن معين وقوَّاه أبو زرعة، وظن الحافظ ابن كثير أنه أبو صالح السمان فجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه وليس كما قال، فقد جزم شيخه المزي في الأطراف (13/ 65) بما قلته» اهـ. وحسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2654). وأبو صالح الخُوزي هذا، لم يروِ عنه غير أبي المليح ــ وهو ثقة ــ وقال فيه ابن معين: ضعيف، وقال أبو زرعة الرازي: لا بأس به. وقال الحافظ: ليِّن الحديث. وقد تفرد برواية الحديث عن أبي هريرة وتفرد به عنه أبو المليح. (2) في (ت): «وفي الترمذي»، وليس في مطبوعات الكتاب، وقد عزاه إليه المزي في «تحفة الأشراف»: (1/ 107) وغيره. والحديث أخرجه أبو يعلى (3390)، ومن طريقه ابن حبان «الإحسان» (866)، والطبراني في «الأوسط» (5591)، وابن عدي في «الكامل»: (6/ 53)، والبيهقي في «الشعب» (1079)، والضياء في «المختارة» (1610، 1611) وغيرهم. من طريق قَطَن بن نُسير عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس مرفوعًا. ورواه عن جعفر مرسلًا: صالحُ بن عبد الله أخرجه الترمذي (كما في «التحفة»: =

(1/46)


أحدُكُم ربَّه حاجَتَه كلَّها، حتى في شِسْع نَعْلِه إذا انقطع، فإنه إن لم ييسِّره لم _________ = 1/ 107)، والقواريريُّ أخرجه ابن عدي (6/ 53)، والبيهقي في «الشعب» بعد (1079). قال الترمذي: «هذا حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت البناني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكروا أنسًا ــ ثم ذكر الطريق المرسلة وقال ــ: هذا أصح من طريق قطن عن جعفر بن سليمان» اهـ. وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا جعفر بن سليمان تفرد به قطن بن نسير ولا يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بهذا الإسناد» اهـ. وقال ابن عدي: «قال رجل للقواريري: إن لي شيخًا يحدث به عن جعفر عن ثابت عن أنس، فقال القواريري: باطل، وهذا كما قال» اهـ. وقال الضياء في «المختارة»: (5/ 11): «وقد ذكره علي ابن المديني من مناكير جعفر بن سليمان. قلت: ولا أعلم رفعه إلا قطن بن نسير» اهـ. لكن تابع قطنًا في رفعه سيَّارُ بن حاتم أخرجه البزار (6876) عنه عن جعفر مرفوعًا، وزاد فيه: «وحتى يسأله الملح». قال البزار: «لم يروه عن ثابت سوى جعفر». وقال الهيثمي في «المجمع»: (10/ 228): «رجاله رجال الصحيح غير سيَّار بن حاتم وهو ثقة». وحسَّنه الحافظ في «زوائد البزار» (2142). لكن سيَّارًا ضعفه غير واحد وله مناكير كما قال العقيلي والأزدي، فلعل هذا منها، والظاهر أن قَطَن بن نُسير سرقه منه، فقد قال ابن عدي في ترجمته: يسرق الحديث ويوصله! فهذه المتابعة لا تنفع بل تضر. واللفظ الذي ساقه المصنف بزيادة: «فإنه إن لم ييسره لم يتيسَّر» ليس في حديث أنس عند كل مَن أخرجه. بل هو في حديث أبي هريرة مرفوعًا ولفظه: «سلو الله ما بدا لكم من حوائجكم حتى شسع النعل فإنه إن لم ييسره لم يتيسر» أخرجه البيهقي في «الشعب» (1080) وقال عقبه: «إسناده غير قوي، وقد مضى ما هو أقوى منه. ورُوِي عن عائشة - رضي الله عنها - موقوفًا». والموقوف أخرجه أبو يعلى (4542) وابن السني (355).

(1/47)


يتيسَّر». وقال تعالى: {(6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ} (1) [الشرح: 7 - 8]. والنصوص بذلك كثيرة، وليس في الدعاء إعلامُ جاهلٍ ولا تذكير (2) غافلٍ، بل فيه إيمان العبد بقدرة الله ورحمته، وإخلاصُه له، وذُلُّه وخشوعه له، وهذا تحقيق التوحيد. وقد بُسِطَ الكلام على هذا في غير هذا الموضع (3)، وبُيِّنَ خطأ من قال: إن الدعاء [م 4] لا يجلب منفعةً، ولا يدفع مضرَّة، بل هو تعبُّد مَحْض (4). وما يذكرونه من الحديث الإلهي: «إن سألْتَنا ما لَكَ عندنا فقد اتَّهمتنا، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد اجترأتَ علينا» (5). فهذا من الأحاديث المكذوبة على الله. وكذلك بُيِّن (6) خطأ مَن قال: هو علامة وأمارة. وبُيِّنَ أن الصواب الذي اتفق عليه سلف الأمة: أن الدعاء من أعظم الأسباب في حصول المطلوب ودفع المرهوب، وقد جرَّب الناسُ أنَّ من لم يكن سائلًا [ت 17] لله سألَ _________ (1) الآيتان من (ت). (2) (م، ت): «تذكر»، والصواب ما أثبت. (3) انظر «مجموع الفتاوى»: (14/ 143). (4) «بل هو تعبد محض» ليست في (ت). (5) لم أجده، وقد ذكره في «شرح الحكم العطائية»: (1/ 124) عن الواسطي ولفظه: «إن سألتنا ما لك عندنا فقد اتهمتنا، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا، وإن رضيت أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك في الدهور». (6) من (ت).

(1/48)


خلقَه، فإن النفسَ مضطرة إلى من يُحَصِّل لها ما ينفعها، ويدفع عنها ما يضرها، فإن لم تطلب ذلك من الله طلبته (1) من غيره. ولهذا يُوجد من يحض على ترك دعاء الله، ومدح (2) من يفعله سائلًا للخلق، فيرغبون عن دعاء الخالق ويدعون المخلوقين، وهذا (3) حال المشركين. الموضع الثاني: قوله: (نسألَك العصمةَ في الحركات والسكنات (4) والكلمات والإرادات والخطَرات؛ من (5) الشكوك والظنون والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب). فهذا الدعاء ينافي حال من يقول: «علمُك حسبي»، فمن اكتفى بالعلم لم يسأل. ثم يُقال: هذا الدعاء لا يجوز لأحدٍ أن يدعو به، بل هو من الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله عنه بقوله: {رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} (6) [الأعراف: 55]. قال أبو مِجْلَز (7): «مِثْل أن يسال منازلَ الأنبياء». _________ (1) (ت): «يطلب ... طلبه». (2) (م): «يمدح». (3) (م): «هذه». (4) «والسكنات» سقطت من (م). (5) كتب تحتها في (م) بخط دقيق: «بيان الخطرات». (6) انظر «الاستقامة»: (2/ 130 - وما بعدها) للمصنف، و «بدائع الفوائد»: (3/ 853 - 856) لابن القيم. (7) أخرجه ابن جرير: (10/ 249)، وابن أبي حاتم: (5/ 1500). وأبو مِجْلَز ــ بكسر الميم وسكون الجيم ــ هو: لاحق بن حُميد بن سعيد السدوسي البصري، من التابعين (ت 106). ترجمته في «تهذيب الكمال»: (7/ 507). وعلى طرة النسخة ترجمة موجزة له بخط دقيق.

(1/49)


فإذا كان مَن دون الأنبياء ليس له أن يسأل منازَل الأنبياء، فكيف إذا سأل ما هو من خصائص الإلهية؟ ! ولا ريب أن رفعَ الأمور الساترة عن مطالعة الغيوب مطلقًا لا يحصل (1) لغير الله تعالى، فإنه عالِمُ الغيبِ والشهادة، وإنما أَطْلَعَ مَن شاء من خلقه على قليل مما يشاء (2) من علمه، كما قال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255]، وقال: {أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [الإسراء: 85]. وفي «الصحيحين» (3): «أن الخَضِرَ قال لموسى لما نَقَر العصفورُ نقرةً في البحر: ما نقصَ عِلْمي وعلمُك مِن علم الله إلا كما نقص هذا العصفورُ مِن هذا البحر». فإذا كان موسى الذي قال الله فيه (4): {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: 145]، والخضر الذي قال فيه: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] عِلْمُهما في القِلَّة بهذه النسبة، فكيف بمن هو دونهما (5)؟ ! _________ (1) (ت): «يُجْعَل». (2) (م): «على ما يشاء». (3) أخرجه البخاري (122)، ومسلم (2380) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -. (4) (ت): «عنه». (5) (ت): «من دونهما».

(1/50)


وقد قال تعالى لأفضل خلقه: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21)} إلى قوله: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} (1) [الجن: 21 - 27]، وقال له: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ [م 5] إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50]. ثم لو قُدِّر أنَّ هذا الدعاء يَسُوغ (2) أن يدعوَ به نبيٌّ ــ وإن كان هذا تقديرًا ممتنعًا ــ فهل يسوغ أن يُشرع (3) لآحاد العامَّة أن يدعو بهذا؟ وهل هذا إلا كمن يقول: اللهم اجعلني أعلمُ ما تَعْلَم، واجعلني مثلك؟! ولهذا كان طائفة من المنتسبين إلى الشاذلي يقولون: إنَّ الغَوثَ الفَرْدَ القطبَ الجامعَ يعلم ما يعلمه الله، ويَقْدر على ما يقدر عليه (4)!! ويقولون: _________ (1) سياق الآيات في (ت): {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} إلى قوله: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} الآية. (2) (ت): «يُشرع». (3) «أن يشرع» من (ت). (4) وقد نُقِل عن الشاذلي نفسه في أوصاف «الغوث الفرد ... » ما هو من صفات الألوهية، وما لا يمكن أن يكون في طاقة البشر. وقد وصف غير واحد من تلاميذ الشاذلي شيخَهم بذلك الوصف. انظر «لطائف المنن» (ص 76 وما بعدها) لابن عطاء الله السكندري، و «الطبقات الكبرى»: (2/ 4، 7) للشعراني، و «أبو الحسن الشاذلي»: (1/ 193) لعلي عمار. وقيل: إن الشاذلي ادعى هذه المنزلة ــ أي: الغوث الفرد القطب الجامع ــ لنفسه، فنُقِل عنه أنه قال: سألت الله أن يكون القطب الغوث في بيتي إلى يوم القيامة، فسمعت النداء: يا علي قد اسْتُجِيب لك! انظر «المفاخر» (ص 105)، ونحوه في «لطائف المنن» (ص 76). قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»: (27/ 102): «وأما إن قصد القائل بقوله: «القطب الغوث الفرد الجامع» أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن، لكن من الممكن أيضًا أن يكون في الزمان اثنان متساويان في الفضل وثلاثة وأربعة، ولا يجزم بأن لا يكون في زمان أفضل الناس إلا واحدًا، وقد تكون جماعة بعضهم أفضل من بعض من وجه دون وجه، وتلك الوجوه إما متقاربة وإما متساوية. ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان، فتسميته بـ «القطب الغوث الجامع» بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، وما زال السلف يظنون في بعض الناس أفضل أو من أفضل أهل زمانه ولا يطلقون عليه هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان» اهـ. وانظر «فتوى في الغوث والقطب والأبدال والأوتاد - ضمن جامع المسائل»: (2/ 71 وما بعدها).

(1/51)


إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هكذا، ثم انتقل ذلك السرُّ إلى الحسن بن علي، ثم انتقل إلى ذريته (1)، حتى انتهى إلى الشيخ أبي الحسن، ثم انتقل إلى ابنه (2). وكان بعضُ أعيان المدَرِّسين الذين قدموا إلى الشام يذكر ذلك ويبوحُ به لمن يجتمعُ به من أصحابه الفضلاء، حتى أخبروني بذلك، وكان هذا الشخص (3) يجتمع بي، فبينت له فسادَ هذا الكلام، وما فيه من الخروج عن دين الإسلام (4). _________ (1) (ت): «ذلك في ذريته». (2) ذكره أبو العباس المرسي عن شيخه الشاذلي، نقله عنه الشعراني في «طبقاته»: (2/ 14)، وذكر المصنف نحوه في «مجموع الفتاوى»: (27/ 103) و «الرد على البكري» (ص 207 - 208). (3) «هذا الشخص» ليست في (ت). (4) ذكر المصنف هذه الحادثة في «الفتاوى ــ زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور»: (27/ 103) عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا، وذكر أنه بيَّن له فساد قوله. وذكره في «الرد على البكري» (ص 208) عن آخر من (الصوفية) يباشر التدريس ويُنْسب إلى الفتيا، ولم يذكر أنه ناظره. ولما كان شيخ الإسلام ابن تيمية في مصر بين سنتي (705 - 712) وقع بينه وبين أنواع الصوفية والمبتدعة مناظرات ومنازعات كثيرة، ومن هؤلاء الذين نازعهم ونازعوه تاج الدين ابن عطاء الله السكندري (ت 709) تلميذ أبي العباس المرسي ــ المتقدم ذكره ــ وصاحب «لطائف المنن». انظر «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية» (ص 182، 214، 426، 477، 507، 537).

(1/52)


ولا ريب أن هذا القول شرٌّ من قول النصارى من بعض الوجوه، فإنَّ النصارى ادَّعوا هذا الغلوَّ في المسيح وحْدَه، فمن قال: إن كثيرًا من الناس يعلم ما يعلمه الله، ويَقْدر على ما يقدر الله عليه، فقد قال في كثيرٍ من الناس ما يضاهي قولَ النصارى في المسيح ابن مريم (1). ويحكون عن هذا الشيخ ــ أبي الحسن (2) ــ حكايات لا تخلو من شيئين: إما كذب من الناقل، أو خطأ من القائل، مثل قوله: ما من وليٍّ لله كان أو يكون إلى آخر الدهر إلا وأنا أعرفه، وأعرف اسمه، واسم أبيه، ومرتبته من الله (3). ونحو هذا الكلام الذي لا يجوز أن يدعيه أحدٌ من الأنبياء، فإن أفضل _________ (1) «ابن مريم» من (م)، وفي (ت): «عليه الصلاة والسلام». (2) «أبي الحسن» من (م). (3) في «لطائف المنن» (ص 91)، و «طبقات الشعراني»: (2/ 14) عن أبي الحسن الشاذلي أنه قال للناس: «عليكم بالشيخ أبي العباس ــ يعني المرسي تلميذه ــ فوالله إنه ليأتيه البدوي يبول على ساقيه، فلا يمشي إلا وقد أوصله إلى الله تعالى. ووالله ما من وليّ لله كان أو هو كائن إلا وقد أظهره الله عليه وعلى اسمه ونسبه وحسبه وحظه من الله تعالى عز وجل» اهـ.

(1/53)


الخلق وأكرمهم على الله [ت 18] محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف أمَّتَه يوم القيامة إلا بالسِّيما الظاهرة، كما في الحديث الصحيح لمَّا قيل له: كيف تعرف من لم يأتِ بعدُ (1) من أمتك؟ قال: «أرأيتم لو أن لرجل خيلًا غُرًّا (2) مُحَجَّلة في خيل دُهْم بُهْمٍ ألا يعرفُ خيلَه؟ » قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنكم تأتونَ يومَ القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من آثارِ الوضوء» (3). وقد قال الله تعالى في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (4): {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78]، وكلّ نبيٍّ وليٌّ لله، فإذا كان أعلم الخلق وأعلاهم قدرًا لا يعلم كلَّ نبيٍّ لله، فكيفَ يعلمُ غيرُه كلَّ وليٍّ لله؟ ! وقد قال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101]. والمنافقون كانوا يُظهرون الإسلام (5)، فإذا كان لا يميِّز فيمن يشاهده بين (6) مَن هو مؤمن ومَن هو منافق، فكيف (7) والعلم بالإيمان العام أيسر من العلم بالولاية الخاصة؟ ! فكيف يعلم كلَّ مَن كان ويكون إلى يوم القيامة من أولياء الله؟ ! _________ (1) (م): «بعدك». والمثبت من «الصحيح» وغيره، ولفظ النسائي (150)، وابن حبان (1046) وغيرهم: «من يأتي بعدك ... ». (2) (م): «لو كان لرجل خيل محجلة». و «بهم» ليست في (ت). (3) أخرجه مسلم (249) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (4) (م): «قال الله تعالى له». (5) (ت): «مظهرين للإسلام». (6) تصحفت «بين» في (م) إلى «من». (7) سقطت من (ت).

(1/54)


وقد قال تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ [م 6] وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]، فالمعرفة الأُولى بالسِّيما موقوفة على المشيئة، والثانية بلَحْنِ القول واقعة، وهذا إنما يكون فيمن سَمِع كلامَه. وقد كان أبو بكر وعمر ــ وهما أفضل هذه الأمة بعد نبيها ــ لا يعلمان كثيرًا من المؤمنين في حياتهما (1)، فكيف يعلم مَن بعدهما كلَّ من كان ويكون من الأولياء؟ ! وقد قيل لعمر - رضي الله عنه - في بعض المغازي: قُتِل فلانٌ وفلان وقوم لا يعرفهم أميرُ المؤمنين، فقال: إن لم يعرفهم عمر فإن الله يعرفهم (2). وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أسرَّ إلى حُذيفة في غزوة تبوك أسماءَ جماعة من المنافقين الذين أرادوا الفتكَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يعرفهم غير حذيفة. ولهذا كانوا يقولون: هو صاحب السرّ الذي لا يعلمه غيره (3). وكان عمر - رضي الله عنه - إذا مات ميت يقول: انظروا فإن صلى عليه حذيفة صلى عليه عمر (4). فهؤلاء السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار لا يميّزون بين _________ (1) «في حياتهما» ليست في (ت). (2) أخرجه ابن أبي شيبة (33753)، وابن حبان (4756)، وأصله في البخاري مختصرًا (3159). (3) كما جاء عن ابن مسعود في البخاري (3743، 3761)، و «المسند» (27538)، وابن حبان (6331). (4) ذكره في «أسد الغابة»: (1/ 468).

(1/55)


المؤمن والمنافق، فكيف يميّز غيرهم بين كل وليّ لله ومَن ليس وليًّا لله (1)؟! وأيضًا: فإنَّ العصمةَ من الذنوب مطلقًا لا تحصل لغير الأنبياء باتفاقِ (2) أهلِ العلمِ المعتبرين. والرافضةُ تدَّعي ثبوتَها للأنبياءِ والأئمَّةِ. والسلفُ وجمهورُ الخلف يُثبتونها للأنبياء، بمعنى أنهم لا يُقَرُّون على ذنب. وهم باتفاق المسلمين معصومون في تبليغ الرسالة عن أن يُقَرُّوا في ذلك على خطأ، فإن ذلك يناقض مقصودَ الرسالة. وأما ما لا ينافي الرسالة ولا الطاعة مثل الشك والظن أو الوهم في الأمور الدنيوية، ومثل النسيان في هذه الأمور وغيرها= فهذا لم يُعْصَم منه أحدٌ من البشر (3). بل قد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في تأبير النخل: «ما أُراه يُغني شيئًا» وتركوه فصار شِيْصًا، قال: «إنما ظننتُ ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظنِّ، ولكن إذا حدَّثتكم عن الله فلَنْ أكْذِبَ على الله». وفي لفظ: «أنت أعلمُ بأمرِ دنياكم، فأمَّا ما كانَ مِن أمرِ دينكم فإليَّ» رواه مسلم (4). _________ (1) من قوله: «وقد قيل لعمر ... » إلى هنا زيادة من (ت). (2) (ت): «بالاتفاق من». (3) ينظر «مجموع الفتاوى»: (10/ 292 - 297)، و (15/ 147 - 148)، و «كتاب النبوات»: (2/ 873 وما بعدها). (4) اللفظ الأول أخرجه مسلم (2361) من حديث طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه -. واللفظ الثاني أخرجه مسلم (2363) من حديث أنس - رضي الله عنه -، لكن ليس في روايته: «فأما ما كان من أمر دينكم فإليّ» وهو في رواية أحمد في «المسند» (12544)، وابن حبان (21) وغيرهما. وهو بنحوه من حديث رافع بن خديج عند مسلم (2362). وفي (ت): «والحديث في صحيح مسلم».

(1/56)


وكذلك في «الصحيحين» (1) أنه قال: «إنما أنا بَشَرٌ أنسى كما تَنْسَون، فإذا نَسيتُ فذكِّروني». وفي الترمذي وغيره (2) عنه أنه قال: «نَسِي آدمُ فنسِيَتْ ذرّيتُه، وجَحَد آدمُ فجحَدَتْ ذرّيتُه». وهو حديثٌ جيد. فإذا كان لم يُعْصَم أحدٌ من الأنبياء ولا غيرهم مِن مثل هذه الظنون والشكوك والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب، فكيف يُعْصَم غيرُهم منها (3)؟! وأيضًا: فإن قول القائل: «الظنون والشكوك والأوهام الساترة للقلوب» إما أن يجعلَها صفةَ توضيح، وإما أن يجعلها صفةَ تقييد (4). فالأول: أن يكون مراده [ت 19] العصمة من كلِّ شكٍّ وظنٍّ ووهم؛ لأن _________ (1) أخرجه البخاري (401)، ومسلم (571) من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -. (2) أخرجه الترمذي (3076)، والحاكم: (1/ 132)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى»: (1/ 11 - 12). قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجهٍ عن أبي هريرة»، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بالحارث بن عبد الرحمن ... » اهـ. وجوَّده المؤلف. (3) «الساترة ... الغيوب» من (ت)، و «فكيف ... منها» ليست فيها. (4) (ت): «صفةً بلا قيد ... صفةً بقيد».

(1/57)


ذلك يستر القلب عن مطالعة الغيب؛ لأن الشك والظن والوهم ينافي العلمَ ويضادّه، فالضدان لا يجتمعان، فعلى هذا التقدير يكون سؤاله: أن لا يشكَّ في شيء، ولا يظن ظنًّا، ولا يتوهَّم وهمًا. ومعلومٌ أنَّ هذا لم يقع لأحدٍ من البشر، بل ما من بشر إلا وقد يشكّ في أشياءَ كثيرة، ويظنّ فيها ويتوهم. وفي «الصحيحين» (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنَّكم تَختصمون إليَّ ولعلَّ بعضَكُم أن يكونَ ألحَنَ بحُجَّته مِن بعضٍ، وإنما أقضي بنَحوِ ما أسمعُ، فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذْهُ، فإنما أقطعُ له قطعةً من النَّار». وفي لفظ: «فأحْسَبه صادقًا» (2). وقد قال تعالى في قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79]، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا} [الجن: 25] وهذا شكّ. وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187] فكل المخلوقين يشكون متى تقوم الساعة، وقد سأله جبريل عن الساعة لما أتى في صورة الأعرابي فقال: «ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل» (3). _________ (1) أخرجه البخاري (2680)، ومسلم (1713) من حديث أم سلمة - رضي الله عنها -. (2) في «الصحيحين» أيضًا. (3) في حديث جبريل الطويل أخرجه البخاري (50)، ومسلم (9) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(1/58)


وقد رُميت أم المؤمنين بالإفك (1)، وبقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مدةً متوقفًا في الأمر حتى استشار عليًّا وأسامة - رضي الله عنهما - في فراق أهله، وسأل عنها بَرِيرة، حتى نزل الوحي ببراءتها، وإن كان الغالب والظاهر عنده - صلى الله عليه وسلم - براءتها - رضي الله عنها - لكن [نزل] الوحي وحصَّل اليقين. ونظير هذا كثير. فكيف يتصور أن يكون غير الرسول لا يحصل له شك ولا ظن ولا وهم أصلًا (2)؟! فإن أُريد [م 7] بذلك الظنّ والشكّ والوهم الساتر للقلوب عن مطالعة الغيوب دون غيرها= فمعلومٌ أنَّ مطالعة الغيب أعظم من العلم بالمشاهدات، فإذا كانت (3) المشاهدات التي يعلمها آحادُ الناس لم يُعصَم منها أحد من شكٍّ وظنٍّ ووهم، فكيف بالغيوب؟! لاسيما إن أراد (4) بالغيوب ما غاب عن مشاهدة البشر مطلقًا، وقد قال لأفضل الخلق: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} [الأنعام: 50]، وكذلك أخبر عن نوحٍ (5) أول الرسل. وأيضًا: فلو قُدِّر أن هذا ممكن ــ مع أن هذا تقديرٌ ممتنع ــ فليس هذا مما _________ (1) حديث الإفك أخرجه البخاري (2661)، ومسلم (2770) من حديث عائشة - رضي الله عنها -. (2) من قوله: «وقد قال تعالى في قصة ... » إلى هنا زيادة من (ت). (3) (م، ت): «كان». (4) (ت): «أريد». (5) (ت): «نوح الذي هو».

(1/59)


يُقَرِّب إلى الله، ولا أمرَ به أمْرَ إيجاب، ولا أمْرَ استحباب، فإنَّ مجرَّد كون الرجل يعلم ما غاب عن الشاهد لا يقرِّبُ العبدَ إلى الله، إنما يقرِّبه فِعْل الواجبات والمستحبات. ولهذا قد يَطَّلع الجنُّ والشياطين على ما لا يَطَّلع عليه (1) الصالحون، وكذلك الطيور والبهائم، فقد قال الهدهد لسليمان: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل: 22]، وقد أخبرَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «إن البهائمَ تسمعُ أصواتَ المعذَّبِين في قبورهم» (2)، ولهذا يُذْهَب بالبهائم إذا أصابها المغل إلى قبور الكفار والمنافقين، فإنه يحصل لها بسماع أصواتهم من الفَزَع ما يطلق بطونهم، فإن الفزعَ يطلق البطنَ (3). وأيضًا ففي «الصحيحين» (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن الجنازة إذا احتملها الرجال تقول: يا ويلها أن يُذهب بها، فيسمع صوتَها كلُّ شيء إلا الإنسان» (5). ولم تكن الجن والبهائم أفضل بذلك من الصالحين. والكُهَّان قد كانت الجنُّ تخبرهم بما تَسْترقه من السمع، ولم يكونوا بذلك خيرًا من الصالحين، بل هم من المذمومين لا الممدوحين، ونظائر _________ (1) «لا يطلع عليه» مطموسة في (ت). (2) أخرجه البخاري (6366)، ومسلم (586) من حديث عائشة - رضي الله عنها - بنحوه. (3) ينظر «مجموع الفتاوى»: (35/ 139)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (ص 270). (4) أخرجه البخاري (1314)، والنسائي (1909)، وأحمد (11372) من حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -. وليس في «صحيح مسلم». (5) من قوله: «ولهذا يُذهب ... » إلى هنا زيادة من (ت).

(1/60)


ذلك متعددة (1). ولكن هؤلاء الذين يقصدون [ت 20] بالعبادة العلوَّ في الأرض، والتشبُّه بالإله، كما يقوله المتفلسفة: إن الفلسفة هي التشبُّه بالإله على قدر الطاقة (2) = يقعون في أمور من هذا الباب، ولهذا يجعلون الشفاعة ليست سؤالًا لله، إنما هي فيضٌ يفيض على المتشفّع (3) لتعلق قلبه بالشافع (4)، كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله، ووقع بعضُ ذلك في كلام صاحب الكتب المَضْنون بها على غير أهلها (5)، وكذلك في كلام صاحب _________ (1) انظر «منهاج السنة»: (8/ 274 - 276)، و «فتوى في الغوث والقطب والأبدال والأوتاد- ضمن جامع المسائل»: (2/ 94 - 95). (2) نقل المصنف بعض نصوصهم في ذلك في «الصفدية»: (2/ 332 - 340) وردّ عليهم، فنقل نصوصًا لأبي البركات بن مَلَكا من كتابه «المعتبر في الحكمة»: (3/ 6)، وذكر أيضًا أن الغزالي في «المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» سلك هذا المسلك في كل اسم من أسمائه تبارك وتعالى، وسماه «التَّخَلُّق»، حتى في أسمائه التي ثبت بالنص والإجماع أنها مختصَّة بالله كالجبار والمتكبر والإله. وانظر «درء التعارض»: (2/ 355 وما بعدها)، و «بدائع الفوائد»: (1/ 288 - 289). (3) (م): «الشفيع». (4) انظر «مجموع الفتاوى»: (1/ 168، 245). وما سيأتي (ص 22) مع التعليق. (5) يعني أبا حامد الغزالي (ت 505). وهذا الكتاب ــ المضنون به على غير أهله ــ نفى جماعةٌ من العلماء ثبوتَه للغزالي كابن الصلاح كما في «طبقات الشافعية»: (1/ 263) له، والتاج السبكي كما في «طبقات الشافعية الكبرى»: (6/ 257) له، لكن شيخ الإسلام لما ذكر هذا النفي قال: «وأما أهل الخبرة به وبحاله فيعلمون أن هذا كله كلامه، لعلمهم بمواد كلامه ومشابهة بعضه بعضًا، ولكن كان هو وأمثاله ــ كما قدمت ــ مضطربين لا يثبتون على قول ثابت؛ لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يتشوَّفون به إلى طريقة خاصة الخلق ... »، ثم ذكر من رد عليه من العلماء. اهـ من «نقض المنطق»: (ص 55) .. وقال أيضًا في «النبوات»: (1/ 396 - 398) في بيان مسلك الفلاسفة: «وهو ما ذكره أبو حامد في «ميزان العمل» (ص 405 - 408) وهو أن الفاضل له ثلاث عقائد؛ عقيدة مع العوام يعيش بها في الدنيا كالفقه مثلًا، وعقيدة مع الطلبة يدرِّسها لهم كالكلام، والثالثة لا يطلع عليها أحد إلا الخواص، ولهذا صنف الكتب المضنون بها على غير أهلها، وهي فلسفة محضة سلك فيها مسلك ابن سينا» اهـ. لكنَّ الشيخ في «مجموع الفتاوى»: (13/ 238) بعد أن ذكر أقوال الناس في كتبه مال إلى كونه رجع عنها، فقال: «إن منهم من يقول: بل رجع عنها، وهذا أقرب الأقوال، فإنه قد صرَّح بكفر الفلاسفة في مسائل وتضليلهم في مسائل أكثر منها ... » اهـ. وانظر «مؤلفات الغزالي» (ص 151 - 155) لعبد الرحمن بدوي. وهذا الكتاب ــ أعني المضنون به ــ طبع أكثر من مرة.

(1/61)


هذا «الحزب» ما يوافق هذا (1)، ذكره في كتابه الذي صنفه في التصوف (2)، _________ (1) نقل ابن عياد في «المفاخر العلية» عن الشاذلي قوله: «الشفاعة هي انصباب النور على جوهر النبوة فينبسط إلى أهل الشفاعة من الأنبياء، والأولياء ... وتندفع الأنوار بهم إلى الخلق» اهـ. والمنقول عن الشاذلي أن له قولين في الشفاعة والوسيلة؛ قولًا للعامة من الناس وقولًا للخاصة من المحبوبين أهل الفناء. وهذا يوافق ما سبقت الإشارة إليه عن الغزالي والفلاسفة من تعدد العقائد. انظر «أبو الحسن الشاذلي»: (1/ 255 - 260) لعلي عمار. وانظر كلام الغزالي في الشفاعة في «المضنون به على غير أهله- رسائل الغزالي»: (4/ 104). (2) أثبت المصنف أن الشاذلي ألَّف بعض الكتب في التصوُّف، بل نقل منها كما سيأتي في هذا الكتاب، وكذا الذهبي في «تاريخ الإسلام» (وفيات 656، ص 273)، ونقل منها، والصفدي في «الوافي بالوفيات»: (21/ 214) و «نكت الهيمان» (ص 213). بينما نفى غيرُ واحد أنه وضع شيئًا من الكتب، بل نُقِل عنه أنه قال: كتبي أصحابي. انظر «لطائف المنن» (ص 23 - 24)، و «طبقات الشعراني»: (2/ 13)، و «أبو الحسن الشاذلي»: (1/ 118) لعلي عمار. أقول: وفي خزائن المخطوطات عدد من الكتب منسوبة إليه في التصوف والأدعية والأوراد لكن تحتاج إلى التثبت من نسبتها.

(1/62)


ذكره في الشفاعة (1). وهو وأمثاله يأخذون من أقوال صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها (2) مما يوافق أقوالَ الفلاسفة ولا يوافق دين الإسلام، وهؤلاء يجعلون الدعاء تأثير النفس الناطقة في العالم، لا يجعلون ذلك فعلًا يجيبُ الله به الداعي (3)، ولهم أصول فاسدة قد بُسِطَ الكلامُ عليها في غير هذا الموضع (4). _________ (1) العبارة في (ت): «هذا الحزب في الشفاعة ما يوافق هذا فهو وأمثاله ... »، وسقطت منها عبارة «ذكره في كتابه ... التصوف». (2) «على غير أهلها» من (ت). (3) قال المصنف في «مجموع الفتاوى- التوسل والوسيلة»: (1/ 167 - 168): «فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ــ أي الفلاسفة ــ ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه، كما أن ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم بل هم يزعمون أن المؤثر في حوادث العالم هو قُوى النفس أو الحركات الفلكية أو القوى الطبيعية فيقولون: إن الإنسان إذا أحبّ رجلًا صالحًا قد مات لاسيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت، فما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك، بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك. ومثَّلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة فإنه يفيض عل المرآة من شعاع الشمس، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة، وإن قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك المرآة فهكذا الشفاعة عندهم ... » اهـ. (4) سيأتي الكلام عليها في آخر هذا الكتاب. وتكلم عليها المصنف في عدد من كتبه كـ «بغية المرتاد» و «الرد على المنطقيين» وغيرهما.

(1/63)


وأيضًا: فإن كان سؤال العصمة مشروعًا فينبغي للعبد أن يسأل العصمةَ من الذنوب التي (1) توجب له سخطَ الله وعذابَه، فإنَّ ذلك ــ إن كان ممكنًا ــ أولى بالسؤال من عصمته من موانع العلم بالغيب، فإنّ هذا بدون تلك العصمة يضره ولا ينفعه (2)، وتلك العصمة بدون هذا تنفعه، فطلب ما لا (3) ينفع وترك ما ينفع من قِلَّة المعرفة بما يُطلب في الدعاء. وسببُ ذلك ما في النفوس من الكِبْر بالمكاشفات ومطالعة الغيوب، والله تعالى يعاقب هذا الضّرْب بنقيض قصده، كما قال تعالى: {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} [غافر: 56]. ولهذا يُحكى عن هؤلاء من المكاشفات (4) الباطلة ما يطولُ وصفُه، فإن أُحسِن الظنُّ بأحدهم حُمِل الأمرُ على أنه يتخيّل أمورًا لا حقيقةَ لها فيُخبِر بخياله (5)، أو أنَّ جنيًّا يلقي إليه ما يكون كذبًا. فإن أُسيء الظنُّ به قيل: إنه يتعمَّد الكذب، والكشفُ النفسانيُّ والشيطاني لابدَّ فيه من الكَذِب. ولهذا كان الكهَّان ــ وهم من أهل الكشف الشيطاني ــ يخلطون بالكلمة مئة كذبة (6). _________ (1) (م): «الذي». (2) (م): «يضر ولا ينفع». (3) «لا» سقطت من (م). (4) (م): «المكاشفين». (5) (م): «بحاله»، تصحيف. (6) انظر في الكلام على الكشف «الفتاوى ــ التوسل والوسيلة»: (1/ 171 - 178)، و «الفتاوى- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان»: (11/ 286 وما بعدها) وغيرها.

(1/64)


ومَن كان له خبرة بالحكايات المعروفة عن أصحاب هذا «الحزب» وأمثاله وعَى (1) من ذلك أمورًا (2). والواحد منهم يدَّعي في نفسه أنه مِثل النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أفضل منه، حتى إذا قيل له: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رأى سِدرة المنتهى كأنَّ ورقها آذانُ الفِيَلة، وكأنَّ نَبِقَها قِلالُ هَجَر (3)، يقول هو: رأيتُها أصغر من ذلك!! ومن يصحِّح قولَه يتأوَّلُ ذلك على أنه رآها من بعيد. وهذا من الباطل المحض، فإنَّ ذلك الموضع لم يصعد إليه غيرُ النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويقول أحدُهم: دخلتُ البارحةَ الجنةَ وأصابَ يدي من شوكِ شجرها، حتى يقول له المُنكِر عليه: شجرُ الجنة لا شوكَ فيه! إلى أمورٍ أُخَر من جنس هذه الحكايات، قد سمعتُها أنا وغيري من أتباع هؤلاء، ولولا أني أكره هَتِيْكَتهم (4) لسميتُ كلَّ واحدٍ من هؤلاء، وذكرتُ من حكاياته ما يتبين كثرة ما دخل عليهم من الخطأ والضلال أو التعمد للكذب، وهذا عقوبة من يطلب مطالعة الغيوب. ولهذا يوجد كثير من السالكين لا يطلبون التقرُّب إلى الله وطلب رضوانه ورحمته والنجاة من عذابه، بل إنما مطلوبهم نوعٌ من المكاشفة أو _________ (1) (ت): «علم». (2) كما في الحكايات العجيبة المستنكرة المذكورة في «لطائف المنن» لابن عطاء الله، و «درة الأسرار» لابن الصبَّاغ الحميري، و «المفاخر العلية» لابن عيَّاد. (3) كما ثبت في البخاري (3570)، ومسلم (162) في حديث الإسراء والمعراج من حديث أنس - رضي الله عنه -. (4) الهتيكة: الفضيحة. انظر «النهاية»: (5/ 553) لابن الأثير، و «اللسان»: (10/ 502).

(1/65)


التأثير، فيطلبون علمًا يَسْتَعلون به على الناس، أو قدرةً يَستعلون بها على الناس، وذلك من باب إرادة العلوِّ في الأرض والفساد (1)، فيعاقبهم الله بنقيض قصدهم (2). وكراماتُ أولياء الله تجيءُ ضمنًا وتبعًا؛ فإنهم يقصدون وجه الله، فتجيء المكاشفات والتأثيرات تَبَعًا لا يقفون عندها، ولا تكون هي أكبر هَمِّهم ولا مبلغ علمهم. وخواصُّهم إنما يستعملونها لحجَّةٍ في الدين أو لحاجةٍ في الدنيا تُعِين على الدِّين، ليتقربوا بها إلى [ت 21] الله، لا يستعملونها في مباحات الدنيا، فضلًا عن استعمالها في محظور نهى الله عنه. ومَن كانت هي أصل قصده فلا بدَّ إن حصل له شيءٌ منها أن [م 9] يستعملها في ما نُهِي عنه، فيُعاقَبُون إما بِسَلْبها (3) وإمَّا بسلب الطاعة حتى يصير أحدهم فاسقًا، وإما بسلب الإيمان حتى يصير كافرًا. وهؤلاء كثيرون لاسيما في دول الكفار والظالمين، فإنهم بسبب إعانتهم للكفار والظلمة بأحوالهم، يعاقبهم الله تعالى على ذلك، كما يعرف ذلك تجربةً ومشاهدةً وسماعًا مَن له به خبرة. وعندنا من العلم بذلك ما لا يتسع هذا الموضع لذِكْر تفاصيله (4). _________ (1) «والفساد» ليست في (ت). (2) (ت): «مقصودهم». (3) في (ت) كتب فوق الكلمة كلمة لم أتبينها، رسمها: «ملك». (4) انظر «الفتاوى»: (11/ 87 وما بعدها)، و (19/ 186 - 187)، و «المنهاج»: (8/ 206 وما بعدها).

(1/66)


فإن قيل (1): هو سألَ العصمةَ من الاعتقادات المانعة من الإيمان، وهي إما شكّ وإما ظنّ وإما وهم، وغرضُه بذلك ما يذكره طائفة من السالكين من أنَّ النفسَ إذا زُكِّيَت عن الصفات المذمومة وحُلَّت (2) بالصفات الممدوحة انتقشت فيها العلومُ والمعارف، كما يذكر ذلك صاحبُ الكتب المضنون بها وغيره في «الإحياء» (3) وغيره. قيل: الجواب في مقامين: أحدهما: أنَّ هذا ليس مطلوب الداعي (4) لوجوه: أحدها: أن هذه الطريق فيها اجتناب الأخلاق والأفعال المذمومة (5)، ففيها ترك الإرادات المذمومة لا مجرَّد ترك الاعتقادات الفاسدة، وهذا الداعي إنما طلب العصمة من جنس الاعتقادات، وهو الشكّ والظنّ والوهم. فإن الاعتقاد الذي ليس بجازم (6)؛ إما راجح، وإما مرجوح، وإما مساوي (7). فطائفة من النُّظَّار يسمُّون الراجِحَ ظنًّا، والمرجوحَ وهمًا، والمُساويَ شكًّا. وهو اصطلاح أبي عبد الله الرازي (8) وغيره. _________ (1) وهذا هو الاحتمال الثاني لمعنى (الشكوك ... ) وتقدم الأول (ص 57). (2) في (ت): «وجُليت». (3) انظر «الإحياء»: (1/ 31 و 3/ 21). (4) العبارة في (ت): «ليس هو مطلوب هذا الداعي». (5) من (ت). (6) (م): «بجائز»، والصواب ما في (ت). (7) (ت): «متساوي». (8) انظر «المحصول»: (1/ 12) للرازي.

(1/67)


وإن كان هذا أمرًا اصطلاحيًّا وأكثر الفقهاء يقولون: ليس هو (1) اللغة العامة العربية التي بها نزل القرآن، وخاطبنا الرسولُ، بل قد يجعلون الشكَّ مقارنًا (2) للظنِّ الراجح، كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا شكَّ أحدُكُم في صلاته فلم يَدْر أثلاثًا صلى أم أربَعًا، فليَطْرَح الشكَّ، وليَبْنِ على ما استيقن» (3)، وفي الحديث الآخر: «فَلْيتحرَّ الصوابَ» (4). وكذلك مسائل الشكّ التي تكلَّم (5) فيها الفقهاء، كقولهم: إذا شكَّ هل أحدَث أم لا؟ وإذا شك هل طلَّق أم لا؟ وإذا اختلط الطاهر بالنجس وشكَّ في عين الطاهر، ونحو ذلك، فإنَّ هذه العبارة عندهم تتناول الراجح والمرجوحَ والمُساويَ، ولهذا يقول بعضهم: إنه يتحرى، ويقول الآخر: إنه لا يتحرَّى، فالتحرِّي عندهم يُجامع الشكَّ مع أنَّ التحرِّي لابدَّ فيه من ظنٍّ راجح، وهذا مبسوطٌ في موضعه (6). والمقصود هنا أن هذا الدَّاعي طلبَ نَفْي ما ليس جازمًا من الشكّ والظن والوهم دون الجازم منها وإن كان غير مطابق، ودون الإرادات الفاسدة، والأعمال الفاسدة. _________ (1) (م): «وأن هذا أمر اصطلاحي ليس هو ... ». (2) (م): «خاطبنا الرسول ولغة الفقهاء بل الشك مقارن» والمثبت من (ت). (3) أخرجه مسلم (571) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. (4) أخرجه البخاري (401)، ومسلم (572) من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -. (5) (ت»: «يتكلم». (6) انظر «الفتاوى»: (23/ 7 - 9).

(1/68)


الثاني: أنه طلب العصمة مما (1) يمنع مطالعةَ الغيب، لم يطلب ما يمنع الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورُسُله. فإن قيل: إرادته مطالعةَ الغيبِ مطلقًا (2) = دخلَ فيه المكاشفات العامة التي تحصل (3) [م 10] [و] التي لا تحصل، وأكثرها لا ينفع إذا حصل بل قد يضر. وإن قيل: أراد بمطالعة الغيب نفس المعرفة الواجبة والمستحبة= فلفظُ «مطالعة الغيب» لا يدل على ذلك، ولا يُفهَم منه ذلك. الثالث: أنه إذا كان المطلوب هو نفس معرفة الله والإيمان به= فالمشروع أن يَسأل ذلك ابتداءً لا يَسأل العصمة من (4) بعض موانعه، فإنَّ الشكَّ والظنَّ والوهمَ بعضُ موانع ذلك ليست جميع موانعه؛ إذ الاعتقادات الجازمة الفاسدة أبلغ في المنع، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله أبلغ في المنع، ولم يُذكر. الوجه الرابع: أنه لو قُدِّر أنه سألَ (5) رفع الموانع، فالمطلوب لا يكفي في حصوله زوال موانعه، بل لابدَّ من وجودِ مقتضيه [ت 22]، وإلا فمجرَّد عدم المانع بدون المقتضي لا يكون محصِّلًا للمطلوب (6). _________ (1) (م): «طلب ما ... ». (2) العبارة في (م): «أراد به مطالعته مطلقًا». (3) «التي تحصل» ليست في (ت). (4) «العصمة من» من (ت). (5) (ت): «مثل». (6) انظر «الفتاوى»: (8/ 167).

(1/69)


وأما المقام الثاني (1): فيقال: هب أنه سلك طريق أولئك، فتلك الطريق فيها باطلٌ كثير من وجوه: أحدها (2): ظنُّ صاحبها أنه بمجرَّد الزهد والرياضة وتصفية النفس يحصل له ما يحصل لأولياء الله من الإيمان والتقوى، وهذا خطأ؛ فإنَّ ذلك لا يحصل إلا بمتابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واتباع ما جاء به من القرآن والإيمان. ولهذا كان السلف يقولون: الإيمان قولٌ وعملٌ وموافقةٌ للسنة (3). ولفظ بعضهم: لا يُقبل قولٌ إلا بعمل، ولا قولٌ وعملٌ إلا بموافقة السنة (4). وهذا موضعٌ اضطرب فيه كثير من متأخري أهل النظر والكلام، وأهل الإرادة والعمل: فزعم الأوَّلون: أن طريقَ معرفة الله هو النظر والعلم فقط. وزعم الآخرون: أن طريقَ معرفة الله هو الزهد والعبادة فقط. ثم إن كثيرًا من هؤلاء وهؤلاء أعرضوا عن ملازمة الكتاب والسنة، فصار أولئك يسلكون طريقة البحث والنظر والتفكُّر في الكلام والفلسفة من غير اعتبارٍ لذلك بالكتاب والسنة. وصار هؤلاء يسلكون طريقة العبادة _________ (1) تقدم المقام الأول (ص 67) (2) لم يذكر المؤلف غير هذا الوجه، ولعله طال عليه الكلام فنسي ذكر باقي الوجوه. (3) انظر «شرح أصول الاعتقاد»: (1/ 166) لللالكائي. (4) انظر «شرح أصول الاعتقاد» (1/ 57)، و «الشريعة»: (2/ 638 - 639) للآجرِّي.

(1/70)


والإرادة والزهد والذكر من غير اعتبارٍ لذلك بالكتاب والسنة (1). وطائفة من هؤلاء ــ أهل طريقة الذكر ــ قد ينهون عن الذِكر (2) ويحرمونه، كما ذكره ابنُ عربي في كتاب «الخلوة» (3) وغيره. وقد يأمرون بذكر الاسم المفرد مُظهَرًا أو مُضْمَرًا، فينتج (4) ذلك لأحدهم اعتقادات فاسدة، وخيالات غير مطابقة، كما أصاب أصحابَ الوحدة (5). وطائفة من أولئك ــ أهل الفكر والنظر ــ قد لا يمدحون العمل والعبادة والزهد، بل ربما انتقصوا من يفعل ذلك، وكثير منهم يَقْرن [م 11] بذلك الفسوق واتباع الأهواء، فلا يتورع لا عن الفواحش ولا عن المظالم، ولهذا كان السلف يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكلِّ مفتون (6). وكلٌّ من هاتين (7) الطائفتين مخطئ من جهتين؛ من جهة اجتزائه بأحد _________ (1) انظر «درء التعارض»: (5/ 350 وما بعدها). (2) (م): «الفكر»، والمثبت من (ت) هو الصواب، وقد ذكر المؤلف أنّ هؤلاء كانوا يأمرون بالجوع والسهر والصمت مع الخلوة بلا حدود شرعية، بل سهر مطلق وجوع مطلق وصمت مطلق ... » «الفتاوى»: (10/ 403). (3) كتاب «الخلوة» أو الخلوات له مخطوطات كثيرة في مكتبات العالم، انظر «مؤلفات ابن عربي» (ص 306 - 308) لعثمان يحيى. (4) (ت): «بذكر اسمٍ مفرد ... فيفتح». (5) انظر «الفتاوى - العبودية»: (10/ 226 وما بعدها)، (10/ 396 وما بعدها). (6) أخرجه ابن المبارك في «الزهد - زيادات نعيم بن حماد» (75) قال: سمعت سفيان ... ، وأحمد في «العلل»: (3/ 118) عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري. (7) (م، ت): «هذين».

(1/71)


الواجِبَين عن الآخر، ومن جهة خروجه في ذلك عن متابعة الكتاب والسنة. فإنَّ الله بعثَ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالحقِّ، وهدى به الناسَ من الظلمات إلى النور، فأمَرَ المؤمنين بما يُحَصِّل لهم الفلاح من العلم النافع والعمل الصالح، فكلٌّ من هذين واجب، وهذا معنى قول السلف: الإيمان قولٌ وعملٌ (1). فلابدَّ من علمٍ ولا بدَّ من عمل، وكلاهما واجب في الجملة، فمن ظن أنه بالعلم ينال المطلوب بدون العمل الواجب فقد غلط، ومن ظن أنه بالعمل ينال المطلوب بدون العلم الواجب فقد غلط. وكلٌّ منهما لابدَّ أن يَزِنَ عملَه وعلمَه بالكتاب والسنة. فمن سلكَ طريقةَ العلمِ فقط، وأعرضَ عن اتباع السنة في علمه، ولم يَزِنْه (2) بالكتاب والسنة، وأعرض عن العمل الواجب، مثل أهل البدع والفجور من نُظّار أهل الكلام والفلسفة= فقد زاغ من هذين الوجهين. ومَن سلكَ طريقةَ العملِ فقط، وأعرض عن اتِّباع السنة في عملِه ووَزْنِه بالكتاب والسنة، وأعرض عن العلم الواجب، مثل أهل البدع والجهل (3) من العُبَّاد والزُّهَّاد الذين يُبغضون العلم ويُعرضون عن اتباع الشريعة= فقد زاغ من هذين الوجهين. _________ (1) انظر «السنة»: (1/ 310 - 317) لعبد الله بن أحمد، و «السنة»: (3/ 580، 571، 566) للخلال، و «أصول اعتقاد أهل السنة»: (1/ 57 - 151 وما بعدها)، و «الشريعة»: (2/ 638 - 639). (2) (ت): «وَوَزْنِه». (3) (ت): «والجهال».

(1/72)


وأمَّا من عَلِم العلمَ النبويَّ ولم يعمل به، أو عمل الأعمال الشرعية من غير علم، فهذا زائغ من وجه دون وجه. وقد أمرنا الله تعالى أن نقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7]. وفي الترمذي (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اليهودُ مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالُّون». قال الترمذي: حديث صحيح (2). _________ (1) رقم (2953). والحديث أخرجه أحمد (19381)، وأبو داود الطيالسي (1135)، وابن حبان «الإحسان» (7206، 6246)، والطبراني في «الكبير»: (17/رقم 236) من طرق عن سماك بن حرب عن عبَّاد بن حُبَيش عن عدي بن حاتم. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من طريق سماك بن حرب». وفي سنده عباد، قال الذهبي: لا يعرف، وذكره ابن حبان في «الثقات»: (5/ 142)، ولم يرو عنه غير سماك وهو متكلم فيه. وله طريق أخرى عن ابن سيرين عن أبي عبيدة بن حُذيفة، يرويها مرة عن حذيفة بلا واسطة ومرة عن رجل عن عدي بن حاتم، أخرجها أحمد (19403، 19397، 18260) وغيره، لكن ليس فيها اللفظ الذي ذكره المؤلف. والحديث صححه ابن حبان، والمصنف في «الفتاوى»: (3/ 369) وغير موضع، وابن القيم في «مفتاح دار السعادة»: (1/ 188). وله شاهد من حديث أبي ذر، قال الحافظ في «الفتح»: (8/ 9): «وأخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر». (2) عبارة الترمذي في كتابه (المطبوع، والمخطوط نسخة الكروخي ق 293) هي ما نقلته آنفًا ــ حسن غريب ... ــ وهي ما نقله العلماء عنه كالمزي في «التحفة»: (7/ 280) وابن كثير وابن حجر بل والمصنف نفسه في «الاقتضاء»: (1/ 77). لكنَّ المصنف في مواضع من كتبه كـ «الفتاوى»: (1/ 197)، و «الدرء»: (8/ 69)، و «الجواب الصحيح»: (3/ 167) نقل عن الترمذي أنه قال: «صحيح». فالله أعلم.

(1/73)


قال سفيان بن عُيينة: كانوا يقولون: مَن فَسَد من علمائنا ففيه شَبَه من [ت 23] اليهود، ومَن فسد من عُبّادنا ففيه شَبَه من النصارى (1). فإنَّ اليهودَ عرفوا الحق وما عملوا به، فالعالمُ الفاجر فيه شبهٌ منهم. والنصارى عبدوا الله بغير علم، فالعابد الجاهل فيه شَبَهٌ منهم. وكلٌّ من هاتين الطائفتين الزائغتين تَذُمُّ الأخرى، كما قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} [البقرة: 113]. والناسُ لهم في طريق الرياضة والزهد والتصفية؛ هل (2) تفيد العلم؟ [م 12] ثلاثة أقوال: فقالت طائفة: ذلك وحدَه يُحَصِّل العلم، وربما قالوا: لا يُحَصَّل العلمُ إلا به. وهو قول (3) طائفة من المتفلسفة والمتصوِّفة، كصاحب «الإحياء» و «كيمياء السعادة» و «مِشْكاة الأنوار» و «جواهر القرآن» (4) يشير إلى ذلك، _________ (1) تقدم (ص 30). (2) (ت): «والزهد خلاف، هل ... ». (3) سقطت من (م). (4) كتابا «الإحياء» و «جواهر القرآن» لم يرد ذكرهما في (ت). وجميعها لأبي حامد الغزالي (ت 505)، وكلها مطبوعة ثابتة النسبة إليه إلا «كيمياء السعادة» فإن له نسختين: فارسية مطوَّلة وهذه ثابتة، وأخرى عربية مختصرة مشكوك في نسبتها. انظر «مؤلفات الغزالي» (ص 275، 172). قال في «الإحياء»: (1/ 31): «علم الصديقين والمقربين ــ أعني علم المكاشفة ــ فهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وبصفاته الباقيات التامات وبأفعاله وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة ... فنعني بعلم المكاشفة: أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية الحق في هذه الأمور اتضاحًا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه، وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا، وإنما نعني بعلم طريق الآخرة العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه وتعالى وعن معرفة صفاته وأفعاله، وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكفّ عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في جميع أحوالهم، فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ فيه حقائقه، ولا سبيل إليه إلا بالرياضة .. وهذه هي العلوم التي لا تسطَّر في الكتب ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة وبطريق الأسرار ... » اهـ. وقال في «كيمياء السعادة - ضمن مجموعة رسائل الغزالي»: (5/ 135 - 138): «وتحتاج أن تعرف في ضمن ذلك أن القلب مثل المرآة، واللوح المحفوظ مثل المرآة أيضًا؛ لأن فيه صورة كل موجود، وإذا قابلت المرآة بمرآة أخرى حلَّت صورة ما في إحداهما في الأخرى، وكذلك تظهر صورة ما في اللوح المحفوظ إلى القلب إذا كان فارغًا من شهوات الدنيا ... ولا تظن أن هذه الطاقة تنفتح بالنوم والموت فقط، بل تنفتح باليقظة لمن أخلص الجهاد والرياضة، وتخلص من سدّ الشهوة والغضب والأخلاق القبيحة والأعمال الرديئة ... » اهـ. وانظر ردود شيخ الإسلام عليه في «الفتاوى»: (2/ 64 و 12/ 69 و 17/ 121 - 122)، و «بيان تلبيس الجهمية»: (1/ 266 وما بعدها - القاسم)، و «الصفدية»: (1/ 212 - 213)، و «المنهاج»: (5/ 428 - 433 وهو مهم).

(1/74)


لكن قيل: إنه رجع عن ذلك في آخر عُمره (1). _________ (1) قال عبد الغافر الفارسي ــ وهو ممن جالسه وخبره ــ: «وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ومجالسة أهله ومطالعة «الصحيحين»، ولو عاش لسبق الكلَّ في ذلك الفن بيسير من الأيام» اهـ. انظر «المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور» (ص 74) للصريفيني، و «تاريخ الإسلام» (وفيات سنة 505، ص 118).

(1/75)


وقالت طائفة: إنه لا تأثير لذلك في العلم، ولكن يُحَصَّل به ثوابٌ أو يُدفع به عقاب، وهو قول كثير من أهل النظر والكلام والمتفقهة (1) وغيرهم. والقول الثالث ــ وهو الصواب ــ: أن ذلك عَونٌ على بعض العلوم، وشرط في حصول بعض العلوم، ليس مستقلًّا بتحصيل العلم، بل من العلم ما لا يحصل إلا به، فإن الفسقَ والمعاصي تَرِين على القلوب حتى تمنعها الهداية والمعرفة، كما دلَّت على ذلك نصوصُ الكتاب والسنة. ومن العلوم (2) ما تُعين هذه الطريق عليه فيحصل به العلم أيسر (3) مما يحصل بدونه، فإن أهل الأعمال الصالحة ييسر الله عليهم العلم (4)، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 66 - 68]، وقال تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ (5) وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} [المائدة: 16]، وقال تعالى: {آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا _________ (1) من (ت). (2) (م): «المعلوم». (3) (م): «ليس»، تصحيف. (4) (ت): «العمل». (5) الآية في (ت) إلى هنا فقط.

(1/76)


تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} (1) [الحديد: 28]. وقال تعالى في ضدّ هؤلاء: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110]، وقال: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]، وقال تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 155]، وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا} [الإسراء: 82]، وقال تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1 - 2]، وقال: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} [الأعراف: 146]. قال سفيان بنُ عُيينة: منَع قلوبَهم عن فهم القرآن. وقال تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} (2) [غافر: 35]. والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهذا بابٌ واسعٌ. والقرآنُ يدلُّ على ما أرانا الله من الآيات في أنفسنا وفي الآفاق، كما قال: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] أي: حتى يتبين لهم أن القرآن حقٌّ، فقد أخبر أنه سَيُرِي عبادَه من الآيات العيانية المشهودة ما يبين أنَّ آياتِه المسموعة حقٌّ (3) (4). _________ (1) الآية في (ت) من قوله: {وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ} إلى {وَاللَّهُ غَفُورٌ}. (2) من قوله: «وقال تعالى في ضد هؤلاء ... » إلى هنا زيادة من (ت)، وليس فيها قوله: «والآيات في هذا المعنى كثيرة». (3) العبارة في (ت): «المشهورة ما يتبين أن آياته المبتدعة المنزلة حق». (4) انظر «تفسير الطبري»: (20/ 462)، و «الوسيط»: (4/ 41) للواحدي، و «معالم التنزيل»: (4/ 72)، والقرطبي: (15/ 244).

(1/77)


ولم يُرِد بذلك ما تظنه طائفةٌ من أهل الكلام أنه أراد (1) مجرَّد إثبات العِلْم بالصانع بدلائل الآفاق والأنفس (2)، فإن إثبات الصانع كان قد بَيَّن أدِلَّتَه قبل نزول هذه الآية، وقد قال في هذه الآية: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا}، وهذا وعدٌ مستقبل. وما دلَّ على الصانع وحدَه معلومٌ قبل نزول الآية، ولأن الضمير في قوله: {أَنَّهُ الْحَقُّ} عائد على القرآن، كما يدلُّ عليه السياق. ومن هذا الغلط ظنَّ بعضهم أن المراد بدلائل الآفاق والأنفس الطريق النظرية، وهو الاستدلال بالأثر على المؤثِّر، والمراد بقوله: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] الاستدلال بالأثر على المؤثِّر، حتى ظنَّ ابنُ سينا ونحوه أن طريقتهم في إثبات واجب الوجود بمجرَّد الوجود هو مدلول هذه الآية (3). وآخرون من المتصوِّفة ظنوا أن طريقتهم في أنهم يعرفون الرب ابتداء، ثم يعرِفُون به المخلوقات [ت 24] هو مدلول الآية. والآية دالّة (4) على أن (5) شهادة الله بصدق القرآن كافية عن الآيات العيانية [م 13] التي سنريهم إياها في _________ (1) من (ت). (2) العبارة في (ت): «مجرّد آيات العلم بالصانع بدلائل الأنفس والآيات»، «آيات» الأولى مصحفة عن «إثبات»، والثانية مصحفة عن «الآفاق». (3) انظر كلامهم وجواب المصنف في «الفتاوى»: (3/ 331)، و «الدرء»: (3/ 133 - 135) رد فيه على الشهرستاني، و «الجواب الصحيح»: (6/ 378 - 379). (4) (م): «دلت». (5) «أن» سقطت من (م).

(1/78)


الآفاق وفي أنفسهم. ولا ريب أن صدق القرآن المعلوم بها، وبما أَرسَل به الرسل من (1) الآيات، والمعلوم (2) بدلائل الأنفس والآفاق= يتضمن من العلم أضعافَ ما ذكره هؤلاء، فإنَّ في ذلك من العلم بالله، وأسمائه وصفاته، وملائكته وأنبيائه، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وغير ذلك= ما (3) يتضمن الحقَّ مما ذكروه وما لم يذكروه، مع تنزّهه (4) عما يدخل في كلامهم من الباطل. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (5). * * * * _________ (1) العبارة في (ت): «المعلوم شهادته بما أرسل الرسول ... ». (2) (ت): «والعلوم». (3) (م): «مما» وما في (ت) أصح. (4) (م): «تنزيهه». (5) أشرنا إلى بعض هذه المواضع فيما سبق.

(1/79)


فصل (1) وما ذَكَر بعد هذا من زلزال المؤمنين وقول المنافقين فهو في القرآن، لكن ذِكْره مع هذا الدعاء غير مناسب، فإن هذا إنما يقال إذا كان الوعد من الله ورسوله لا من آحاد الناس. والدعاء بعلم الغيب لا يناسب زوالَ الخوف، اللهم إلا أن يكون الداعي وعدَ أصحابه بأمرٍ فلم يحصل، فدعا أن يُطالع بالغيب حتى لا يخطئ كشْفُه، وهذا من عدوانه، حيث قَفَى ما ليس له به علم. الموضع الثالث: قوله في لفظ الحزب المكتوب: (فقد ابتُلِي المؤمنون وزُلزِلوا زلزالًا شديدًا، وإذ يقول (2) المنافقون والذين في قلوبهم مرض ... )، فهذا ليس (3) بسديد؛ فإن الابتلاء لم يكن لأجل هذا القول، بل كان ليحصل (4) لهم من اليقين والصبر، ما ينالون (5) به ما وعدهم الله به من الكرامة، كما قال تعالى: {آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 214]. الموضع الرابع: وهو يتضمَّن مواضعَ متعددة، منها قوله: (وسَخِّرْ لنا هذا _________ (1) من (م). (2) في (م): «فيقول»، والمثبت من (ت) و «الحزب». (3) (ت): «وليس هذا». (4) ليست في (ت). (5) (م): «متاولون»، خطأ.

(1/80)


البحْرَ (1)، وكلَّ بحرٍ هو لك في الأرض والسماء، والمُلْك والملكوت، وبحر الدنيا وبحر الآخرة). فإن هذا كلامٌ لا يقوله مَن يتصوَّر ما يقول! فإن الإنسان إذا كان راكبًا بحرًا من البحار فما يصنع حينئذٍ بتسخير البحار البعيدة؟! ثم قوله: «وبحر الآخرة» من أين في الآخرة بحرٌ غير جهنم (2)؟! وقوله أيضًا: «كل بحر في الملك والملكوت» الملكوت هو تأكيد الملك أو باطنه وحقيقته (3)، فليس هو خارجًا عنه على لغة القرآن وقول سلف الأمة وأئمتها، ولكنْ بعضُ المتأخرين زعم أن الملكَ: عالم الأجسام، وعالم الملكوت: عالم العقول. _________ (1) «هذا البحر» ليست في (ت)، وفي «الحزب- درة الأسرار» (ص 75)، و «أبو الحسن الشاذلي- عمار»: (2/ 197) زيادة بعد قوله: «وسخّر لنا هذا البحر [كما سخرت البحر لموسى، وسخرت النار لإبراهيم، وسخرت الجبال والحديد لداود، وسخرت الريح والشياطين والجن لسليمان] ... ». وسيشير المصنف إلى هذه التكملة أثناء نقاشه الآتي. (2) أخرج أحمد (17959)، والحاكم: (4/ 596)، والبيهقي في «الكبرى»: (4/ 334) وغيرهم عن يعلى بن أمية - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البحر هو جهنم». وفي سنده ضعف. وعن سعيد بن المسيب قال: قال علي - رضي الله عنه - لرجل من اليهود: أين جهنم؟ فقال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقًا {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} ــ مخففة ــ. أخرجه ابن جرير: (21/ 568)، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبو الشيخ كما في «الدر المنثور»: (6/ 146). (3) تكررت في (م).

(1/81)


ومنهم من يُفَرِّق بين عالم الملك والملكوت والجبروت، فيجعل هذا عالم العقول، وهذا عالم النفوس. وهذا يوجد في كلام أبي حامد (1) وأمثاله، وهو مبنيٌّ على قول الفلاسفة الدهرية الذين يجعلون الملائكة خارجة عن ملك الله، ويقولون: إنهم ليسوا أجسامًا يُشار إليها، ولا تصعد ولا تنزل، ولا توصف بحركة ولا سكون، [م 14] ولا هي داخل الأفلاك ولا خارجها، ولا تُرَى ولا يُسْمع لها كلام. وليس هذا من دين أهل الملل، لا المسلمين ولا غيرهم، وقد بُسِط القولُ في فساد هذا بما ليس هذا موضعه (2). وصاحبُ الحزب وأمثالُه من المتأخرين ينظرون في كتب الصوفية التي فيها ما هو مبنيٌّ على أصول الفلاسفة المخالفة لدين المسلمين، فيتلقَّون ذلك بالقبول، ولا يعرفون حقيقتَه، ولا ما فيه من الباطل المخالف لدين الإسلام. مثل ما يوجد في كلامهم من دعوى أحدهم أنه يطَّلِع على اللوح المحفوظ، وأنه يأخذ مراده (3) من اللوح المحفوظ، ونحو ذلك. فإنَّ اللوح المحفوظ (4) عند المتفلسفة كابن سينا وأتباعه هو النَّفْس الفَلَكِيَّة، وعندهم أن نفوس البشر تتصل بالنفس الفَلَكية أو بالعقل الفعَّال في المنام، أو في اليقظة لبعض الناس، وهم يدَّعون أن ما يحصل للناس من المكاشفة يقظةً _________ (1) ينظر «معارج القدس» (ص 15)، و «قواعد العقائد» (ص 264) للغزالي. (2) انظر الكلام في ذلك في «مجموع الفتاوى»: (11/ 231 - 232)، و «الرد على المنطقيين» (ص 196)، و «بغية المرتاد» (ص 218). (3) (م): «مرنداه»! وهو تحريف. (4) «وأنه يأخذ مراده ... » إلى هنا سقط من (ت)، انتقال نظر.

(1/82)


ومنامًا هو بسبب اتصالها بالنفس الفَلَكية، والنفس الفَلَكية عندهم هي [ت 25] سبب حدوث الحوادث في العالم، فإذا اتصلت بها نفس البشر انتقش فيها ما كان في النفس الفلكية (1). وهذه الأمور لم يذكرها قدماءُ الفلاسفة، إنما ذكرها ابنُ سينا ومن تلقَّى عنه، ويوجد في بعض كلام أبي حامد، وابن عربي، وابن سبعين، وأمثال هؤلاء الذين تكلموا في التصوف والحقيقة على قاعدة الفلاسفة لا على أصول المسلمين، ولهذا خرجوا بذلك إلى الإلحاد كإلحاد الشيعة الإسماعيلية، والقرامطة الباطنية. وهذا بخلاف عُبَّادِ أهل السنة والحديث وصوفيَّتِهم، كالفُضَيل بن عِياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسَّرِي السَّقَطِي، والجُنَيد بن محمد القواريري، وسَهْل بن عبد الله التُّسْتَري، وعَمرو بن عثمان المكي، فإن أولئك من أعظم الناس إنكارًا لطريق (2) مَن هو خيرٌ من الفلاسفة، كالمعتزلة من أهل الكلام، وكالكُلَّابية (3)، فكيف بالفلاسفة؟! والمتكلمون في التصوف والحقائق ثلاثة أصناف: - قومٌ على مذهب أهل الحديث والسنة، كهؤلاء المذكورين. _________ (1) وقد فصل المصنف الرد عليهم في «الرد على المنطقيين» (ص 474 - فما بعدها)، و «درء التعارض»: (10/ 189)، و «الفتاوى»: (10/ 402 - 403) وغيرها. وانظر ما سيأتي (ص 188، 190). (2) (م): «على». (3) العبارة في (ت): «من الفلاسفة من أهل الكلام كالمعتزلة والكلامية».

(1/83)


- وقومٌ على طريقة بعض أهل الكلام من الكُلَّابية وغيرهم، كأبي القاسم القُشَيري وغيره. - وقومٌ خرجوا إلى طريقة المتفلسفة، مثلُ من سلك مَسْلك «رسائل إخوان الصفا» (1)، ومن ذلك قطعة توجد في كلام أبي حَيَّان التوحيدي (2). _________ (1) وهي إحدى وخمسون مقالة، خمسون منها في أنواع من الفلسفة، ومقالة جامعة لأنواع المقالات. ومؤلفوها (إخوان الصفا وخلان الوفا) وهم جماعة من الشيعة الباطنية كتموا أسماءهم ــ وقد عُرِف بعضهم ــ اجتمعوا على تصنيف كتاب في أنواع الفلسفة ممزوجة بالشريعة، ثم بثوها في الوراقين فانتشرت في الناس. قال المصنف: «وهذا الكتاب هو أصل مذهب القرامطة الفلاسفة، وهم ينسبونها إلى جعفر الصادق، ليجعلوا ذلك ميراثًا عن أهل البيت، وهذا من أقبح الكذب وأوضحه فإنه لا نزاع بين العقلاء أن «رسائل إخوان الصفا» إنما صُنّفت بعد المائة الثالثة في دولة بني بويه قريبًا من بناء القاهرة»، بتصرف. انظر «بغية المرتاد»: (1/ 329)، و «إخبار العلماء»: (1/ 107 - 115) للقفطي. (2) انظر «الفتاوى»: (6/ 59)، و «بغية المرتاد» (ص 449). وقد زعم المازَرِيُّ أن أغلب مادة الغزالي في التصوف عن التوحيدي، وأن له ديوانًا كبيرًا في ذلك لم يصلنا منه شيء. نقله عنه المصنف في «شرح الأصفهانية» (ص 566 - 569) ثم رد عليه بأنه «لم يكن للمازَرِي من الاعتناء بكتب الصوفية وأخبارهم ومذاهبهم ما له من الاعتناء بطريقة الكلام وما يتبعه من الفلسفة ونحوها، فلذلك لم يعرف ذلك». قال: «ولم تكن مادة أبي حامد من كلام أبي حيان التوحيدي وحده، بل ولا غالب كلامه منه، فإن أبا حيان تغلب عليه الخطابة والفصاحة، وهو مركب من فنون أدبية وفلسفية وكلامية وغير ذلك ــ وإن كان قد شهد عليه بالزندقة غير واحد وقرنوه بابن الراوندي كما ذكر ذلك ابن عقيل وغيره ــ وإنما كان غالب استمداد أبي حامد من كتاب أبي طالب المكي الذي سماه «قوت القلوب»، ومن كتب الحارث المحاسبي وغيرها، ومن «رسالة القشيري»، ومن منثورات وصلت إليه من كلام المشايخ ... » اهـ.

(1/84)


وأما ابن عربي وابن سبعين وغيرهما ونحوهما فحقائقهم فلسفية، غيَّروا عبارتها وأخرجوها (1) في قالب التصوُّف، أخذوا مُخَّ الفلسفة فكَسوه لِحاءَ الشريعة (2). [م 15] وابن سينا ذكر في آخر «إشاراته» (3) الكلامَ على مقامات العارفين بحسب ما يليق بحاله، وذلك يعظّمه (4) مَن لم يعرف الحقائق الإيمانية والمناهج القرآنية. وأبو حامد الغزالي قد ذكر شيئًا من ذلك في بعض كتبه، لاسيما الكتب «المضنون بها على غير أهلها»، و «مشكاة الأنوار»، و «جواهر القرآن»، و «كيمياء السعادة» (5)، ونحو ذلك، ولهذا قال صاحبه أبو بكر بن العربي: شيخُنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منها فما قدر (6). _________ (1) (م): «أخرجوا». (2) أصل العبارة لشيخ الإسلام الهروي كما نقلها عنه المؤلف في «بغية المرتاد» (ص 193)، وقد قال المصنف مثل ذلك في ابن سينا ونحوه من الفلاسفة، انظر «الفتاوى»: (10/ 402)، وقاله في الغزالي (4/ 164). (3) (4/ 818 - 827). (4) (ت): «معظّم عند». (5) انظر ما سبق (ص 61) بشأن هذه الكتب، ومدى ثبوت بعضها إليه. و «جواهر القرآن» و «كيمياء السعادة» لم يذكرا في (ت). (6) ذكر ذلك المصنف في عدد من كتبه «الفتاوى»: (4/ 66، 164)، و «الصفدية»: (1/ 211، 250)، و «الرد على المنطقيين» (ص 483).

(1/85)


لكنْ أبو (1) حامد مع هذا يُكَفِّر الفلاسفةَ في غير موضع، ويبيّن فسادَ طريقتهم وأنها لا تُحَصِّل المقصود (2)، وهو في آخر عمره اشتغل بالبخاري، ومات على ذلك (3). ولهذا قيل: إنه رجع عن هذه الكتب. ومن الناس من يقول: إنها مكذوبة عليه، ولهذا كَثُر كلامُ الناس فيه لأجلها، كما تكلَّم فيه (4) المازَرِيُّ، والطُرْطُوشي، والأَرْغِيَاني رفيق أبي حامد (5)، وبيت (6) القُشَيري، وابن عقيل، وابن الجوزي، والقرطبي، وأبو البيان الدمشقي، وغيرهم. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (7). والمقصودُ هنا أن لفظ «الملكوت والجبروت» في كلام كثير من _________ (1) (ت): «لكنّ أبا». (2) انظر تكفير الغزالي لهم في «تهافت الفلاسفة» (ص 307 - 310) له. وانظر «مجموع الفتاوى»: (13/ 238). (3) انظر ما سبق (ص 75). (4) من (ت). (5) في (م): «أبو حامد المرغيناني»، تحريف، وفي (ت): «والرغيالي»، واضطربت كنيته في عدد من كتب المؤلف «أبو الحسن» و «أبو نصر» و «أبو إسحاق». والذي في طبقة أبي حامد ورفيقه إما أن يكون أبو نصر الأرغياني (ت 528) أو أبو الفتح الأرغياني (ت 499). ينظر «الصفدية»: (1/ 210، 250)، و «الانتصار لأهل الأثر» (ص 95 - 96 مع هامشه) ومنه استفدت. (6) (ت): «وابن»، وقد ورد استعمال «بيت القشيري» في كتب المؤلف، ينظر «الصفدية»: (1/ 210). (7) رجح المصنف في «الفتاوى»: (13/ 238) أنه ألَّف هذه الكتب لكنه رجع عنها بعد ذلك. وانظر ما سبق (ص 61).

(1/86)


المتأخرين يريدون به غير ما أراد الله ورسوله، فيتكلَّمون بالألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، ومرادهم بها غير ما أراد الله ورسوله؛ فيحصل (1) بذلك ضلال لكثير من الناس، فإنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبحان ذي الجَبَروت والمَلَكوت والكِبرياء والعَظَمة» (2) , وهو لم يُرِد بالجبروت والملكوت العقولَ والنفوسَ التي تقصدهما الفلاسفة باتفاق علماء المسلمين، ولا يقول مسلم: إن ملائكة الله الذين وصفهم في كتابه هي العقولُ العشرة والنفوسُ الفَلَكية التي يذكرها الفلاسفة. وهؤلاء الفلاسفة يقولون: إنَّ العقل الأول هو المُبْدعِ لكلِّ ما سوى الله، والعقل الفعَّال العاشر هو المبدع لكلّ ما تحت فلك القمر. ومعلومٌ أن هذا من أعظم الكفر في [ت 26] دين المسلمين، فإنَّ مسلمًا لا يقول: إن مَلَكًا من الملائكة خَلَق كلَّ ما تحت السماء، ولا يقول: إن مَلكًا من الملائكة خَلَق جميع المخلوقات، بل القرآن قد بَيَّن كفرَ مَن قال: إنهم متولِّدون عنه، فكيف بمن قال: هم متولِّدون عنه، وأنهم خالقون لجميع المخلوقات؟! قال الله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ _________ (1) كتب بعدها في (ت): «لهم» وكأنها مضروب عليها. (2) أخرجه أحمد (23980)، وأبو داود (873)، والنسائي (1049)، والترمذي في «الشمائل» (313)، والبيهقي: (2/ 310) وغيرهم من حديث عوف بن مالك. والحديث صححه النووي في «خلاصة الأحكام»: (1/ 396)، وقال في «الأذكار» (ص 86): «هذا حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي في سننهما، والترمذي في كتاب الشمائل بأسانيد صحيحة». وحسَّنه الحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار»: (2/ 74 - 75) وتعقب النوويَّ في تصحيحه له.

(1/87)


مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26 - 28]، وقال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26]، وقال تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [النساء: 172]. وقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 173]، وقال تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80]، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 22 - 23]، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [النساء: 56 - 57]. وأمثال ذلك في القرآن كثير (1). _________ (1) من قوله: «{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} ... » إلى هنا زيادة من (ت). وفي (م) عقب الآيات: «والآيات في هذا المعنى كثيرة» ويغني عنها ما في (ت).

(1/88)


وقد بُسِط الكلامُ على هذه الأمور (1) في غير هذا الموضع (2)، فإن المرض بهذه الأمور كثيرٌ في كثيرٍ من الناس، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم. والمقصودُ هنا التنبيه على بعض ما في هذا الحزب. وأيضًا: فإن هذا الحزب صُنِّف ليُدعَى (3) به عند ركوب البحر، والجُهَّال الذين يتلونه كما يُتلى القرآن يقرؤه أحدُهم وهو في البرِّ ليس له عزمٌ على ركوب البحر، فيبقى داعيًا يقول: «سخِّر لنا هذا البحر»، ولا بحرَ عنده!! وصاحبُ الحزب ذهبَ ليحجَّ ويركب البحر، فمات ودُفِن بصحراء (4) عَيذاب (5) بمكان يُسَمَّى: الخَرْجَة، قبل ساحل عَيذاب بأيام (6)، قبل أن يركب البحر ويدعو به، فما حصل مقصودٌ لصاحبه فكيف لغيره؟! وأيضًا: فقول القائل: (سَخِّر لنا هذا البحرَ كما سخَّرتَ البحرَ لموسى) كلامٌ باطلٌ، فإنَّ الله فَرَق البحرَ لموسى حتى مشى على الأرض، لم يركب البحر، وهذا الداعي ليس مطلوبه أن يُفْرَق له، ولو طلب ذلك لما فَرَقَه (7) الله _________ (1) في (م): «هذا» بدل «هذه الأمور». (2) انظر: «الرد على المنطقيين» (ص 474 فما بعدها)، و «بغية المرتاد» (ص 243)، و «الفتاوى»: (10/ 402 - 403، 11/ 231 - 233) وغيرها. (3) (م): «للدعاء». (4) (م): «صحراة»! (5) عيذاب: مدينة على ساحل البحر الأحمر، سبق التعريف بها في المقدمة عند الكلام على وفاة الشاذلي. (6) (ت): «ودُفن على الساحل - رحمه الله -». (7) (م): «أن يفرقه له ... لم يفرقه».

(1/89)


له، فلا يجوز طلب تسخيرٍ كتسخيرِ موسى. وإن قال: أردتُ به أصلَ التسخير لا صفته، فقوله: «سَخِّر لنا هذا البحر» كافٍ فلا حاجة إلى قوله: «كما سخرت البحر لموسى» لأن (1) فَرْقَ البحر لموسى لا يُسَمَّى تسخيرًا، بل هو أعظم من التسخير. وأيضًا: فإنَّ الله قد سخَّر لنا ما في السموات وما في الأرض، فالتسخير نوعان: نوعٌ معتاد، ونوعٌ خارق للعادة. فإن كان طلب التسخير المعتاد لم يكن في تشبيهه بخوارق العادات دون غيرها فائدة، بل يُقال: سخِّرْه لنا كما سَخّرتَه لمن سَلَّمتَه من عبادك، وكما سخَّرت لنا ما في السموات والأرض. وإن أراد به خَرْق العادة كما خُرِقت العادة (2) لموسى وإبراهيم وداود وسليمان= كان هذا جهلًا، فإنَّ ركوبَ البحر والسلامة فيه ليس فيه خرق عادة. والكلام المعروف في مثل هذا أن يقال: يا من فَرَق البحرَ لموسى، وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وألان الحديد لداود (3) [ت 27] وسخَّرَ الريحَ والجنَّ لسليمان، سخِّر لنا هذا البحر؛ لأن هذا وصفٌ لله بكمال القدرة العظيمة (4) التي فعل بها هذه الأمور الخارقة للعادة، فيقال: يا _________ (1) (م): «فلا حاجة إلى التشبيه، مع أن فرق ... ». (2) (ت): «كما خرقتها». (3) «وألان الحديد لداود» من (ت). (4) (ت): «وصف الله تعالى بالقدرة والعظمة».

(1/90)


مَن فَعَل هذا افعل بنا هذا. وأمّا أن يقال: «سَخِّر لنا هذا كما سخَّرت هذا»، فلم يُعرَف عن المتقدمين مثل هذا الكلام، بل هو من الكلام المنكر الذي لا يقوله من (1) يتصوَّر ما يقول. والنارُ لم تُسَخَّر لإبراهيم بل جُعِلت عليه بردًا وسلامًا، فلم ينتفع هو بها مع كونها نارًا بل غُيِّرت صفتُها، وتسخير الشيء يكون لمن ينتفع (2) به مع بقاء حقيقته. وكذلك موسى فُلِق له البحر، ولا يقال لمثل هذا تسخير، بل هذا أبلغ من التسخير [م 17]، وقد قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (3) [الجاثية: 13]، وقال: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم: 32 - 33]، وقال تعالى: {وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا} [الأعراف: 54]. وقال تعالى: {(35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي} [ص: 36 - 38]، وقال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 12 - 13]، وقال تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} [ص: 18] (4). _________ (1) (ت): «الذي يقوله من لا». (2) (ت): «الشيء أن ينتفع». (3) الآية ليست في (ت). (4) الثلاث الآيات الأخيرة زيادة من (ت).

(1/91)


الموضع الخامس: قوله (1): (وامسَخْهم على مكانتهم) فإنَّ هذا دعاءٌ بالمسخ، وهو غير جائز ولا يُجاب، والله أخبرَ أنه لو شاء فعل ذلك بقوله: {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} [يس: 67]. والله تعالى مسخَ قومًا قردةً وخنازيرَ لنوعٍ من الكفر، وكذلك يمسخُ من هذه الأمة قومًا قردةً وخنازيرَ، وهذا في أنواعٍ من الكفر؛ كاستحلال المحرَّمات؛ من سَبِّ الصحابة - رضي الله عنهم - والخمر والمعازف، ونحو ذلك. وأما المسلم العاصي فلا يجوز الدعاء عليه بالمسخ، ولا يُستجاب ذلك، وقد حرَّم الله الاعتداء في الدعاء، والصائل يُدْفَع بما يكف شرَّه، فإذا دُعِيَ عليه بما يكفُّ شرَّه حصل المقصودُ من غير احتياجٍ إلى مسخِه. الموضع السادس: قول القائل: (بسم الله بابنا، تبارك حيطاننا، يس سقفنا) دعاء ليس مأثورًا ولا من جنس المأثور (2)، وهو مما تنكره القلوب، فإنَّ جَعْلَ كلام الله بمنزلة الباب والسقف والحيطان يحتاج مثله إلى أَثَر، وإلا فهو بدعة، وقد يُفهم من ذلك انتقاص حُرْمته. الوجه (3) السابع: أن يقال: مقصود هذا الدعاء كله تيسير الركوب في البحر ودفع العدوِّ، وهذا مطلوبٌ يسير ليس هو من (4) أعظم المطالب، فإنّ غالب من يركب البحرَ من الكُفّار والفُسَّاق يحصل لهم هذا، ليس هو مما _________ (1) سقطت من (م). (2) (م): «ليس مأمورًا ... جنس المأمور»، وما في (ت) أصح. (3) (ت): «الموضع». (4) من (ت).

(1/92)


يُحتاج فيه أن تُبْتذَل فيه آياتُ الله وأسماؤه هذا الابتذال. الوجه الثامن: أنَّ هذا الدعاء لو كان سائغًا مشروعًا لم يكن مشروعًا إلا لمن يقصدُ ركوبَ البحر، فأما الدعاء به في المساجد والبيوت وغيرها من غير ركوب البحر، فإنه لا يفعله إلا جاهل لا يفقه ما يقول، أو يستهزئ بالله، وعلى التقديرين (1) فيستحقّ العقوبةَ على ذلك، كمن يقول وهو لا يريد الركوب: «اللهم سَخِّر هذا الفيل وهذا الجمل وهذا الفَرَس والبغل والحمار» وليس هناك شيءٌ من الدواب، ولا هو يقصد ركوبَه! فإنَّ هذا إمَّا جاهل بما يقول أو مستهزئ بمن يناجيه! أو يقول ــ ولا طعام عنده وهو لا يريد الأكل ــ: «اللهم أطعمني من هذا الطعام». الوجه التاسع: أن هذا فيه انتزاع آيات من القرآن ووضعها في غير موضعها، وآيات أنزلت لمعاني استُعْمِلت في غير تلك المعاني، وهذا إن كان سائغًا فيسوغ بقدر الحاجة، فأما أن يُجْعَل ذلك حِزْبًا [م 18] يُتلى كما يُتلى القرآن، ويُجْتَمع (2) عليه في أوقات معتادة، فهذا لا يسوغ (3). وقد تنازع الناسُ في قراءة «آيات الحَرَس» (4) مع أنها قرآنٌ محض لم _________ (1) (ت): «كل تقدير». (2) (م): «ويجمع». (3) صنف في الاقتباس غير واحد منهم السيوطي في رسالة ضمن «الحاوي»: (1/ 259 - 284)، ورسالة «الاقتباس أنواعه وأحكامه» للعسكر. (4) وهي آيات تُجْمع وتُخَص بالقراءة وتسمى «آيات الحرس». وقد اعتاد بعض المشايخ على قراءتها، انظر «السير»: (22/ 7)، و «ذيل طبقات الحنابلة»: (3/ 113، 4/ 177)، وقد عدَّها أبو شامة المقدسي من البدع، وأنها لا أصل لها، في كتابه «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص 261).

(1/93)


يُخْلَط بغيره، فكرهها طائفةٌ [ت 28] من العلماء؛ لأنه تلاوة للقرآن على غير الوجه المشروع، فأشبه تنكيس السورة، فإنه منهيٌّ عنه بالاتفاق، ومَن رَخّص في قراءة «آيات الحَرَس» فإنه قد (1) جاء ببعض ذلك حديثٌ رواه ابن ماجه (2). وأما صاحب هذا الحزب وأمثاله فإنه خَلَطَ كلامَ الله بغيره، ووضعَ _________ (1) (ت): «ومن رخص في ذلك قال: قد ... ». (2) رقم (3549). والحديث هو: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه أبي ليلى قال: كنت جالسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه أعرابيّ فقال: إن لي أخًا وجعًا. قال: «ما وجع أخيك؟ » قال: به لمم. قال: «اذهب فأتني به» قال: فذهب فجاء به فأجلسه بين يديه. فسمعته عوَّذه بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أول البقرة، وآيتين من وسطها، {هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ}، وآية الكرسي، وثلاث آيات من خاتمتها، وآية من آل عمران أحسبه قال: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}، وآية من الأعراف: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ ... } الآية، وآية من المؤمنين: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ}، وآية من الجن: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا}، وعشر آيات من أول الصافات، وثلاث آيات من آخر الحشر، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، والمعوِّذتين. فقام الأعرابي قد برأ، ليس به بأس. وأخرجه الطبراني في «الدعاء» (ص 330)، والحاكم: (4/ 458) وقال: قد احتج الشيخان - رضي الله عنهما - برواة هذا الحديث كلهم عن آخرهم غير أبي جناب الكلبي، والحديث محفوظ صحيح ولم يخرجاه. وعلق الذهبي بقوله: الحديث منكر. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة»: (2/ 225): هذا إسناد فيه أبو جناب الكلبي وهو ضعيف، واسمه يحيى بن أبي حية.

(1/94)


الآياتِ في (1) غير مواضعها، وآياتٌ أُنزِلت في بيان حال الكفار ومنعهم عن الهدى، واستُعْملت في دفع العدو، واللهُ ذَكَرها مخبِرًا بها، وهذا ذَكَرها داعيًا بها. وهذا إذا سُوِّغ استعمالُه وقتَ الحاجة، فلا يجوز أن يُجعَل حزبًا يُتلى ويُجتَمَع عليه، ولو جاز هذا لجاز لكلِّ (2) شخص أن يصنع في آيات الله وأسمائه مثل هذا، ويصنِّف شيئًا عُمِل (3) لغرض معيّن مع ما فيه من الخطأ والضلال، ويَجْمَع عليه طائفةً من الجُهَّال يتلونه بالغدوِّ والآصال، كما يُتلى كلامُ المليك المتعال. وقد تنازع العلماء في قراءة القرآن بالإدارة (4)، كما يُفْعَل بالإسكندرية، _________ (1) (م): «وأما هذا الحزب ... كلام الله ... الآيات في». (2) (ت): «لكان كل». (3) «عُمِل» ليس في (م). (4) (ت): «قراءة الإدارة». وصفة الإدارة: أن يقرأ بعضهم شيئًا من السورة، ثم هذا يتم ما قرأه هذا، وهذا يتم ما قرأه هذا، ومن كان لا يحفظ القرآن يترك قراءة ما لم يحفظه، فلا يحصل لواحد جميعُ القرآن. ومن صفاتها: قراءتهم للسورة مجتمعين بصوت واحد. وخلاصة كلام المصنف فيها: أنها حسنة عند أكثر العلماء، وقد كرهها طوائف من أهل العلم؛ كمالك، وطائفة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم، ومن رخَّص فيها كبعض أصحاب الإمام أحمد لم يقل: إنها أفضل من قراءة الانفراد، بل قراءة كلٍّ على حِدة أفضل من قراءتهم مجتمعين بصوت واحد. وأما قراءة واحد والباقون يستمعون له فلا يكره بغير خلاف، وهي مستحبة، وهي التي كان الصحابة يفعلونها كأبي موسى وغيره. انظر: «مجموع الفتاوى»: (31/ 50)، و «الاختيارات الفقهية» (ص 98)، و «الاقتضاء»: (2/ 142). وقد ذكر الشاطبي هذه القراءة في البدع المُخفَّفة. «الاعتصام»: (2/ 297).

(1/95)


فكرهها مالك وطائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، وقال في «العُتبية» عن مالك (1) لما سُئل عن القوم يجتمعون ويقرؤون في السورة الواحدة؟ فقال: هذا بدعة، ولم يكن من عمل الناس (2). وإن كان رخَّصَ فيها آخرون منهم ومن غيرهم، مع أنها قراءة كلام الله مَحْضًا. الوجه العاشر: أن استعمال مثل (3) هذا الحزب ذريعة إلى استعمال ما هو شرٌّ منه كـ «الحزب الكبير» (4)، فإنَّ في ذلك من الأمور المنكرات والدّعَوات المحرَّمات ما يتعيَّن النهي عنه على أهل الديانات. وإن كان قائلُه فيه زهدٌ وعبادةٌ، وله دين وإرادة، وكان له نَوعٌ من المكاشفات وخوارق العادات= فهذا لا يوجب عصمةَ صاحبه، ولا علمه بأسرار العبادات، ولا أن يَسُنَّ (5) شيئًا من الأذكار والدعوات، إذ السنن المشروعة في أمور الدين للأنبياء والمرسلين لا لآحاد الصالحين. _________ (1) أثر مالك ذكره في «البيان والتحصيل»: (1/ 298)، والنووي في «التبيان» (ص 130)، والمصنف في عدد من كتبه كما سلف قريبًا. وكتاب «العتبية» لابن حبيب لم يطبع، وهو مضمّن في «البيان والتحصيل» لابن رشد. (2) «وقال في العتبية ... » إلى هنا سقط من (ت). (3) من (ت). (4) وهو المعروف بـ «حزب البر». (5) (م): «يستنّ».

(1/96)


وذلك مثل قوله في «الحزب الكبير» (1): (فالسعيدُ حقًّا من أغنيتَه عن السؤال منك، والشقيُّ حقًّا من حرمْتَه (2) مع كثرة السؤال لك، فاغنِنا بفضلك عن سؤالنا منك، ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة سؤالنا لك). فيقال: من المعلوم أنَّ أحدًا من المكلَّفين لا يستغني عن سؤال الله، بل السؤال عليه فرضٌ في صلاته بقوله: [م 19] {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7]، وقد ثبت في «الصحيح» (3) أن الله تعالى يقول: «قَسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: مجّدني عبدي، فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل» (4). وهذا دعاء واجب على كل مسلم في كل صلاة، لا صلاة إلا به، وعند جمهور العلماء أنه رُكن في الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، وهو قول مالك _________ (1) «حزب البر»: (ق 2 أ). (2) مخطوطة الحزب: «أحرمته». (3) أخرجه مسلم (395) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (4) «وقد ثبت في ... » إلى هنا زيادة من (ت).

(1/97)


والشافعي وأحمد في المشهور عنه وأبي يوسف وغيرهم، وعند (1) بعضهم هو واجب وتاركه مسيءٌ آثم (2) وإن لم يوجبوا عليه الإعادة، كما يقوله أبو حنيفة ومحمد (3). ومعلومٌ أنَّ ما كان واجبًا على العبد لم يكن مُستغنيًا عنه، إذ لابدَّ للعبد من أداء الواجبات، والصلاة عمود الدين لا تسقط لا عن الأنبياء ولا عن الأولياء ولا غيرهم، ومن اعتقد سقوطَها عن خواصِّ الأولياء فإنه يُستتاب، فإن تابَ وإلا قُتِل. فإنَّ كثيرًا من أهل الضلال يعتقدون سقوط الواجبات عن الأولياء الواصلين إلى الحقيقة، ويتأولون قوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، قالوا: فإذا حصل اليقين سقطت العبادة. وهذا من جنس قول القرامطة الباطنية من المتفلسفة وغيرهم، الذين يرون العبادات رياضة النفس حتى تصل إلى المعرفة التي يدَّعونها، فإذا وصل إلى المعرفة سقطت عنه (4). ومن المعلوم [ت 29] أنَّ هذا خلاف دين الإسلام، وأنه قد عُلِمَ بالاضطرار من دين الإسلام: أن الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد من _________ (1) العبارة في (م): «وأحمد والمشهور عند أبي يوسف وعند ... ». (2) من (ت). (3) انظر «المغني»: (2/ 146 - 147)، و «الوسيط»: (2/ 109) للغزالي، و «الذخيرة»: (2/ 182 - 183) للقرافي، و «مختصر اختلاف العلماء»: (1/ 295)، و «بدائع الصنائع»: (1/ 160). (4) وقد رد عليهم المصنف في مواضع كثيرة، انظر «الفتاوى»: (2/ 95 - 96)، (10/ 166، 503)، (11/ 417 - فما بعدها، 539 - 541).

(1/98)


الأولياء ولا شيءٌ من واجباتها إلا لعذر شرعيٍّ، مثل سقوط الطهارة للعجز عن استعمالها لعدمٍ أو خوفِ ضررٍ، وسقوطها بالجنون، وسقوط فعلها بالإغماء. وفي وجوب القضاء نزاع مشهور، ونحو ذلك مما هو معروف في مواضعه. وقوله: {حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} المرادُ به ما يوقَنُ به من الموت وما بعده باتفاق السلف (1)، كما في قوله الذي حكاه عن الكفار: {عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)} [المدثر: 42 - 47]. ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عثمان بن مَظْعون: «أمَّا هذا فقد جاءه اليقينُ مِن رَبّه» (2). ولهذا قال الحسن البصري: «لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلًا دون الموت» (3). ولهذا قال الجُنَيد: تكلَّمَ قومٌ (4) بإسقاط الأعمال، وهذه عظيمة، والذي _________ (1) نقله الطبري في «تفسيره»: (14/ 154 - 157) عن أهل التأويل، والواحدي في «الوسيط»: (3/ 53) عن جماعةِ المفسرين، وانظر رسالة «الإجماع في التفسير» (ص 334 - 336). (2) أخرجه البخاري (2687). والعبارة في (ت): «قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما عثمان بن مظعون فقد أتاه ... ». (3) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (18)، وأحمد في «الزهد» (ص 272)، وابن المقرئ في «المعجم» (750). ولفظه في (ت): «لعبده من أجل». (4) (م): «قومًا»، وفي مصادر الخبر ــ في إجابة على سؤال ــ: «إنَّ هذا قولُ قومٍ تكلموا ... ». والعبارة في (ت): «قال الجنيد عن هؤلاء: الزنا والسرقة وشرب الخمر خير من قول هؤلاء».

(1/99)


يزني ويسرق أهون من هذا (1). أو كما قال. وأيضًا: فإن هذا كلام متناقض، فإنه يسأل أن يغنيه عن السؤال فيسقط [م 20] السؤال بالسؤال، ويذكر أن الحرمان قد يقترن بكثرة السؤال (2)، وأن السعيد من أغنيته عن السؤال، فإن كان هذا الكلام حقًّا فصاحب هذا السؤال ليس بسعيد؛ لأنه لم يُغْنِه (3) عن السؤال. وإن لم يكن سعيدًا ولكن يطلب أن يكون سعيدًا ... (4) أيضًا في جميع ما يعرض له من الحوائج أن يسأل الله تعالى ذلك فيقضيه له، فالسؤال إن كان سببًا للسعادة فهو مشروع، فلا يسأل الله أن يرفع سبب سعادته، وإن لم يكن سببًا للسعادة فلا يشرع هذا السؤال. وإن قيل: هذا السؤال بعينه هو سبب السعادة دون غيره= كان هذا معلومَ البطلان، فإن هذا السؤال لم يسأله أحدٌ من الأنبياء والمرسلين، ولا من المهاجرين الأولين، وهم أسعد الخلق. ثم هو متناقض في نفسه، فإن الرغبة في الشيء تُناقض الزهدَ فيه، والسائل مريد للسؤال، فكيف يريد السؤال مع إرادته عدم السؤال؟! _________ (1) ذكره أبو نعيم في «الحلية»: (4/ 386)، وأبو القاسم القشيري في «الرسالة»: (1/ 78 - 79). (2) (م): «أن الحرمان بكثرة السؤال قد يكون». (3) (م): «لم يعتذر»، وما في (ت) أصح. (4) كلمة طُمِس بعضها لم تتبين لي.

(1/100)


وهو (1) أراد عدم النوع مطلقًا بإرادة واحدٍ منه، ووجود الواحد من النوع ينافي عدمه (2). وأيضًا: فيقال: «مَن لم يسألِ الله يغضب عليه» (3)، فكيف يكون (4) السعيد من أغناه عن السؤال؟! والسؤال لله يكون إما واجبًا وإما مستحبًّا، فكيف يكون السعيد من يترك الواجبات والمستحبات؟! قال تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32]، وقال تعالى: {(7) وَإِلَى رَبِّكَ} (5) [الشرح: 8]، وقال تعالى: {رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} [الأعراف: 55]، وقال تعالى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43]، وقال تعالى: {عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [السجدة: 16]، وقال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] (6). وقد أخبر الله تعالى عن أنبيائه؛ كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم سؤالَه ودعاءَه، وهؤلاء أسعد الخلق وأفضلهم، فكيف يكون السعيد _________ (1) غير واضحة ولعلها ما أثبت. (2) من قوله: «وإن لم يكن سعيدًا ... » إلى هنا زيادة من (ت). (3) تقدم تخريجه (ص 46). (4) (ت): «فكيف أن لا يكون ويكون». (5) الآية من (ت). (6) الآيات الثلاث الأخيرة زيادة من (ت).

(1/101)


مَن لا (1) يسأل الله لغناه عن سؤاله؟! فإن قيل: المراد أن يعطيه بدون السؤال فلا يُحْوجه أن يسأل (2). قيل: لم يحصل لأحد جميع مطالبه الدينية والدنيوية بدون السؤال لله تعالى، لا لأُولي العزم ولا لمن دونهم، بل سيد الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - كان أعظم الناس سؤالًا لربه، وبذلك أمَرهُ ربُّه (3) فقال: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]، وقال تعالى: {(6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ} [الشرح: 7 - 8]، وقال تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3]، وقال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9] (4)، وقال: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وقد ثبت في «الصحيح» (5) أنه كان يوم بدرٍ يقول: «اللهمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللهم ... اللهم ... » حتى أنزل الله الملائكة ... (6) وقد قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ _________ (1) (م): «لم». (2) العبادة في (ت): «المراد بذلك ... بدون سؤال ... إلى السؤال». (3) (م): «به». (4) الآيات الثلاث زيادة من (ت). (5) أخرجه مسلم (1763) من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. (6) كلمة مطموسة لعلها «بالنصر» ..

(1/102)


قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (1) [البقرة: 285 - 286]. والأدعية في القرآن كثيرة، مثل قوله: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ... } الآية، فهذا دعاء شرعه الله لرسوله وللمؤمنين. والأدعية في الأحاديث الصحيحة كثيرة جدًّا مما كان يدعو بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعلِّمها للمؤمنين، بل المقام المحمود الذي يَغبِطُه به الأوَّلون والآخرون هو الشفاعة يوم القيامة، وهو سؤالٌ لربِّه ودعاءٌ له، فإذا كان في أفضل مقاماته داعيًا لربه، فكيف يكون غيره مُستغنيًا عن السؤال؟! وأصحابه - رضي الله عنهم - كانوا إذا توسَّلوا به واستشفعوا به واستسقوا به إنما يتوسَّلون بدعائه وسؤاله، وهذا هو استشفاعُهم به واستسقاؤهم به، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الحديث الصحيح لمَّا أجْدَب الناسُ عامَ الرَّمادة: «اللهم إنا كنَّا إذا أجْدَبنا نتوسَّلُ بنبينا فتَسقِينا، وإنا نتوسَّلُ إليك بعَمِّ نبينا فاسْقِنا» (2). فإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه وسؤاله، وتوسلوا بعده بدعاء العباس وسؤاله لقُرْبه منه. وكذلك معاوية استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي (3) وقال: «اللهم إنا نستسقي إليك بخيارنا [م 21] بيزيد، يا يزيد ارفع _________ (1) هنا تنتهي نسخة (ت)، وقد ختمها الناسخ بقوله: «سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين». وفي الطرة: «بلغت مقابلة على أصله». (2) أخرجه البخاري (1010) عن أنس أن عمر ... الحديث. (3) (م): «الحرشي» ــ بالحاء المهملة ــ وهو تصحيف.

(1/103)


يديك إلى الله» فرفع يديه يدعو ويدعون (1). ولهذا قال العلماء: يستحب الاستسقاء بأهل الصلاح والدين، والأولَى أن يكون من أقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيُتوسَّل إلى الله بدعائهم، ولو كان التوسُّل بذات النبي - صلى الله عليه وسلم - والإقسام به على الله مشروعًا، لكان التوسل بذاته والإقسام به على الله حيًّا وميتًا أولى من العباس ويزيد بن الأسود وغيرهما؛ لأن ذاته أفضل من ذواتهم، والإقسام به على الله ــ إن كان القَسَم بالمخلوق مشروعًا ــ أولى من الإقسام بهم، بخلاف ما إذا كان التوسُّل بدعاء الشخص وسؤاله، فإنه يتعذَّر (2) بموت النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يتعذّر الائتمامُ به في الصلاة والجهاد معه. ومن هذا الباب: الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن عثمان بن حُنَيف أنَّ أعمى أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يَرُدَّ عليَّ بصري، فأمره أن يتوضَّأ ويصلي ركعتين ويقول: «اللهم إني أسالُك وأتوجَّه إليك بنبيِّك محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - نبيِّ الرحمة، يا محمد يا رسول الله إنِّي أتوجَّه بك إلى ربِّي في حاجتي لِتقْضِيها، اللهم فشَفِّعه فيَّ» (3). _________ (1) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى»: (9/ 448)، والبسوي في «المعرفة»: (2/ 381)، واللالكائي في «أصول الاعتقاد»: (9/ 215). (2) العبارة في (م): «فأما يعذر»، وكذا في الموضع الثاني، ولعل الصواب ما أثبت. (3) أخرجه أحمد (17240)، والترمذي (3578)، والنسائي في «الكبرى» (10419)، وابن ماجه (1385)، وابن خزيمة (1219)، والحاكم: (1/ 313). قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وصححه ابن خزيمة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.

(1/104)


فهذا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلب منه سؤاله لله، وأمَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو هو أيضًا، ويتوسَّل إلى الله بسؤال الرسول، ولهذا أمره أن يقول في الدعاء: «اللهم فشفِّعه فيَّ»، قال ذلك على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا له، وأمرَه هو أن يسأل الله قبول شفاعة الرسول فيه. وكذلك حديث الأعرابي وسؤاله الغَيْث وإزالته، وهو في «الصحيحين» (1). ومن قال: إن العبد قد يستغني عن سؤال الله ودعائه؛ فهو بمنزلة من قال: إنه يستغني عن عبادة الله وطاعته، بل سؤال الخلق لربهم أكثر من عبادتهم، فإنه يسأله المؤمن والكافر، ولا يعبده إلا المؤمن، قال الله تعالى: {(28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي} [الرحمن: 29]، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67]. وإن قيل: المراد بذلك: يُلهمه عبادتَه وطاعتَه فيغنيه عن سؤاله. قيل: سؤاله ودعاؤه الواجب والمستحب من أكبر عبادات العبد وطاعته، فكأنه قال: لا تجعلني أعبدك بسؤالك والتضرُّع إليك. وكذلك لمَّا قيل: {(35) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]. قيل: «عبده» هنا هو الذي يعبده بما أمر، والدعاءُ الواجبُ والمستحبُّ من جملة ذلك. فإن قيل: مراده: حاجات الدنيا، أي: اقْضِها لي بدون سؤال. قيل: هذا باطل لوجوه: _________ (1) البخاري (933)، ومسلم (897) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -.

(1/105)


أحدها: أنه لم يخصَّ سؤالًا من سؤال. [م 22] الثاني: أنه قال: (فأخو الصلاح من أصلحته، وأخو الفساد من أضللته، والسعيدُ حقًّا من أغنيته عن السؤال منك) (1) وسياق الكلام يقتضي أنه طلب الاستغناء عن طلب الصلاح. الثالث: أنه يقال: والسعيد مأمور بطلب مصالح دينه ودنياه، كما في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأدعية المأثورة عنه فعلًا وتعليمًا لأمته يذكر صلاح الدين والدنيا، كقوله: «اللهم اغفِر لي وارحَمني واهدني وعافني وارزقني» (2). وقوله: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عِصْمَة أمري، وأصلح لي دُنْيَاي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي» (3). وقوله في الحديث الصحيح: «اللهم إني أعوذُ بك من المأثم والمَغْرَم» (4). وقوله في الصحيح: «اللهم إني أعوذُ بك من الهمِّ والحَزَن، وأعوذُ بك من العَجْز والكَسَل، وأعوذُ بك من الجُبْنِ والبُخْلِ، وأعوذُ بك من ضَلَعِ الدَّين _________ (1) «حزب البر»: (ق 2 أ). (2) أخرجه مسلم (2697) من حديث الأشجعي - رضي الله عنه -. (3) أخرجه مسلم (2720) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (4) أخرجه البخاري (832)، ومسلم (589) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.

(1/106)


وغلبةِ الرِّجالِ» (1). وقوله في الحديث الصحيح: «اللهم ربَّ السمواتِ السبع وربَّ العرش العظيم، ربنا وربَّ كلِّ شيء، فالقَ الحبِّ والنَّوَى، مُنْزِلَ التوارةِ والإنجيل والقرآن، أعوذُ بك من شرِّ كلِّ دابةٍ أنتَ آخِذٌ بناصيتها، أنت الأولُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخِرُ فليس بعدَك شيءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيءٌ، وأنت الباطنُ فليس دونك شيءٌ، اقْضِ عنِّي الدَّين وأغنِني من الفقر» (2). وفي الترمذي: «ليسأل أحدُكم ربَّه حاجَتَه كلَّها حتى شِسْعَ نَعْلِه إذا انقطَعَ، فإنه إن لم يُيَسِّرْه لم يتيسَّر» (3). وما زال الأنبياءُ وأتباعُهم يسألون الله مصالحَ دينهم ودنياهم وآخرتهم، فمن هو الذي استغنى عن سؤال الله تعالى؟! ثم خاصية العبد أن يسأل ربه، وخاصية الرب أن يجيبه، فمن ظنَّ أنه يستغني عن سؤاله فقد خرج عن رِبْقة العبودية. وهذا من حماقات الجُهَّال الذين يسلكون مسلك المتفلسفة في العبادات ويقولون: إن المقصود منها إصلاح أخلاق النفس لتستعدّ للعلم، فيجعلون غاية الإنسان هو العلم، ويجعلون العلم ما يعرفونه من العلم الإلهي، وهم _________ (1) أخرجه البخاري (2893)، ومسلم (1365) من حديث أنس - رضي الله عنه -. (2) أخرجه مسلم (2713) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (3) تقدم تخريجه مطولًا، والكلام على لفظ: «إنه إن لم ييسّره لم يتيسر» (ص 46) حاشية 02.

(1/107)


ضالون في هذا وهذا، كما قد بُسِط في موضعه (1)، فإن نفس حُبِّ الله هو من كمال النفس وسعادتها التي لا يتحصَّل إلا بها، وليس هو (2) مقصود، والعلم بالله مقصود لنفسه، والعلم الإلهي الذي عندهم غايته معرفةُ وجودٍ مطلق [م 23] لا يُتصور إلا في الأذهان لا في الأعيان. وهؤلاء يجعلون الدعاء إنما هو قوة للنفس لتؤثِّر في هَيُولى العالم (3)، والشفاعة إنما هي فيضٌ تفيض من الشافع على المشفوع، كما يفيض شعاع الشمس، فليس عند هؤلاء في الحقيقة سؤال لله ولا عبادة له، وعندهم كمال النفس في الفلسفة: التشبُّه بالإله على حسب الطاقة، فلا يجعلون العبد عابدًا لربه، ولا مستغنيًا به، بل تفيض عنه الأمور كما تفيض عن الربّ عندهم، وعن العقول كالعقل الأول، والعقل الفعَّال، ويَدَّعون أن العقول التي يثبتونها هي من الملائكة في لسان الأنبياء، وهذا من أعظم الباطل الذي قد بُسِط الكلامُ عليه في غير هذا الموضع (4). بل الملائكة من أعظم المخلوقات عبادةً لله وسؤالًا له، كما أخبر الله _________ (1) انظر «الرد على المنطقيين» (ص 145)، و «الصفدية»: (2/ 232)، و «الفتاوى»: (9/ 136). (2) أي العلم الإلهي الذي عندهم. (3) الهيولى: لفظ يوناني بمعنى: الأصل والمادة، وفي الاصطلاح: جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين: الجسمية والنوعية. انظر «التعريفات» (ص 257)، و «التوقف على مهمات التعاريف» (ص 745). (4) انظر ما سبق (ص 20 - 22)، و «الفتاوى»: (11/ 229 - فما بعدها).

(1/108)


عنهم في كتابه بقوله: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)} [فصلت: 38]. ومن ظنَّ أنه يستغني عن سؤال ربِّه دعاه ذلك إلى الاستنكاف والاستكبار، وقال تعالى: {يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ} الآيات [غافر: 7]. وفي «الصحيح»: «أن الملائكة تُصَلِّي على العبد ما دام في مصلَّاه» (1). فأين هذا مما تدَّعيه الفلاسفة من أن العقل الأول مُبدِع كلِّ ما سوى الله، وأنَّ العقلَ الفعَّال مُبدِع لكلِّ ما تحت الفَلَك؟ وقد وقع طائفةٌ من أصولهم في الكتب المنسوبة إلى أبي حامد، مثل «مشكاة الأنوار»، و «المضنون به» وغير ذلك (2)، وكذلك في كتب البُوني (3) _________ (1) أخرجه البخاري (648)، ومسلم (649/ 274) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (2) سبق الكلام على كتبه ومدى ثبوتها وهل رجع عن بعضها (ص 61 - 62). (3) البُوني ــ نسبة إلى بونة على ساحل البحر بإفريقية ــ: هو أحمد بن علي بن يوسف أبو العباس المغربي، صاحب المصنفات في علم الحرف منها: «شمس المعارف الكبرى والوسطى والصغرى»، و «لطائف الإشارات» (ت 622). انظر «ديوان الإسلام»: (1/ 25)، و «الأعلام»: (1/ 174)، و «كشف الظنون» (2/ 1062). وقد ذكر المصنف البونيَّ وبعضَ مقالاته في «الفتاوى»: (10/ 451) فقال: «وكذلك أصحاب دعوات الكواكب الذين يدعون كوكبًا من الكواكب ويسجدون له ويناجونه ويدعونه ويصنعون له من الطعام واللباس والبخور والتبركات ما يناسبه، كما ذكره صاحب «السر المكتوم» المشرقي (وهو الفخر الرازي) وصاحب «الشعلة النورانية» البوني المغربي وغيرهما، فإن هؤلاء تنزل عليهم أرواح تخاطبهم وتخبرهم ببعض الأمور، وتقضي لهم بعض الحوائج، ويسمون ذلك روحانية الكواكب. ومنهم من يظن أنها ملائكة وإنما هي شياطين تنزل عليهم» اهـ.

(1/109)


المتأخِّر وأمثاله. وفي كلام صاحب «الحزب» من هذه المواد الفاسدة ما أوجبَتْ مثل هذا الكلام، كما سننبِّه عليه إن شاء الله، فإنه قد ذكر في مصنَّفٍ له قطعةً من الحقائق مبنية على أصولِ متصوفةِ الفلاسفة، ويُشْبِهُ أن يكون أخَذَها من كتب صاحب الكتب المضنون بها، أو من نحوه. وابنُ عربي، وابن سبعين، وابن (1) الطفيل صاحب رسالة حَيّ بن يقظان، وابن رُشد الحفيد= يستمدُّون من كلامه. ومن هذا الباب وقعوا في الإلحاد الذي شاركوا فيه ملاحدة الشيعة، وهم يسمونه التوحيد والتحقيق، و [هو] (2) تحقيق الإلحاد الذي يخرج به الرجل من الدين كما تخرج الشعرةُ من العجين. ثم إن صاحب الحزب خرج من ذلك إلى ضروبٍ من الحلول والاتحاد المقيد أو المطلق، كما سنذكره إن شاء الله. وأيضًا: فقول القائل: «والشقيُّ حقًّا من حَرَمْته مع كثرة السؤال لك» كلامٌ مخالفٌ لما أخبر الله به ورسوله، فإنَّ في الصحيح (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - _________ (1) (م): «وأبي»! وهو خطأ، وهو: محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طُفَيل القيسي أبو بكر الأندلسي، الطبيب الفيلسوف، له تصانيف في الفلسفة وغيرها (ت 581). انظر: «عيون الأنباء»: (2/ 78)، و «الإحاطة في أخبار غرناطة»: (2/ 478 - 482)، و «وفيات الأعيان»: (7/ 134). وهذه الرسالة (حي بن يقظان) غرضه فيها بيان مبدأ النوع الإنساني على مذهب الفلاسفة. (2) زيادة لعل السياق يستقيم بها. (3) كذا في (م)، وقد نسبه المصنف أيضًا للصحيح في «الفتاوى- التوسل والوسيلة»: (1/ 223)، وللصحيحين في «الفتاوى»: (10/ 319). ولم أجده في «الصحيحين» ولا أحدهما.

(1/110)


[م 24] أنه قال: «ما من عبد يدعو اللهَ بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحِمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى خصالٍ ثلاث: إما أن يُعَجِّل له دعوتَه، وإما أن يدَّخِر له من الخير مثلَها، وإمَّا أن يصرفَ عنه من السوءِ مثلَها»، قالوا: يا رسول الله إذًا نُكْثِر؟ قال: «الله أكثر» (1). وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «إني لا أحمِلُ همَّ الإجابة، وإنما أحمل همَّ الدعاء، فإذا أُلْهِمْتُ الدُّعاءَ فإنَّ الإجابة معه» (2). وفي «الصحيحين» (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ينزِل ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى _________ (1) أخرجه أحمد (11133)، وابن أبي شيبة: (6/ 22)، والبخاري في «الأدب المفرد» (710)، والبزار (3143، 3144 - الكشف)، وأبو يعلى (1015)، والحاكم: (1/ 493)، والبيهقي في «الشعب» (1089، 1090)، وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد إلا أن الشيخين لم يخرجا عن علي بن علي الرفاعي». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (10/ 148): رجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة. وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أخرجه الترمذي (3573) وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ومن حديث جابر - رضي الله عنه - أخرجه الترمذي (3381). (2) لم أجده، وذكره المصنف في «الاقتضاء»: (2/ 229)، و «الفتاوى»: (8/ 193)، وذكره تلميذه ابن القيم في غير موضع من كتبه. (3) البخاري (1145)، ومسلم (758) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(1/111)


سماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخرُ فيقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له، مَن يسألني فأعطيَه، مَن يستغفرني فأغفرَ له. فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر». وفي رواية: «لا أسأل عن عبادي غيري» (1). وفي «الصحيح» (2) أيضًا عنه أنه قال: «إن في الليل لساعةً لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ يسألُ اللهَ خيرًا من أمر الدُّنيا والآخرة إلا أعطاه إيَّاهُ، وذلك في كلِّ ليلة». وفي «الصحيحين» (3) عن يومِ الجمعة مثله. وقد قيل: سبب الإجابة إما الطاعة للأمر، وإمَّا الإيمان بإجابته للداعي، فكيف يُقال: إنه يحرم عبده مع كثرة السؤال له؟ وإن هذا هو الشقيّ حقًّا؟! ثم إن هذا سؤال له ممكن أن يكون صاحبه من الأشقياء الذين حَرَمهم مع كثرة السؤال، وحينئذ فيلزم أن لا يُدْعى بهذا، فيكون هذا الدعاء باطلًا على قوله، كما هو باطلٌ على موجب الكتاب والسنة. ومن ذلك قوله: (واذكرنا إذا غَفَلْنا عنك بأحسن مما (4) تذكرنا به إذا ذكرناك، وارحمنا إذا عصيناك بأتمّ مما ترحمنا به إذا أطعناك) (5). _________ (1) أخرجه أحمد (16215)، والنسائي (10236)، وابن ماجه (1367)، وابن حبان (212)، وغيرهم من حديث رفاعة الجهني - رضي الله عنه -. والحديث صحح سندَه المصنف في «الفتاوى- حديث النزول»: (5/ 372). (2) أخرجه مسلم (757) من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -. (3) البخاري (935)، ومسلم (852) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (4) نسخة الحزب: «ما» وكذا ما بعدها. (5) «حزب البر»: (ق 3 أ).

(1/112)


فيقال: هذا الدعاء من الأدعية المحرَّمة التي لا يستجيبها الله، بمنزلة أن يقال: فَضِّل أهلَ الكفر على أهل الإيمان، وأهل الفجور على أهل البر، وفَضِّل الغافلين على الذاكرين! وهذا دعاء بخلاف ما أخبر الله أن يفعله، وبخلاف ما كتبه على نفسه، وسبقَتْ به كلمَتُه، وأخبرَتْ به رسُلُه عنه؛ وقد قال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28]، وقال: {(34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ} [القلم: 35 - 36]، وقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]. فقد أنكر سبحانه على من ظنَّ أنه يساوي بين أهل طاعته وأهل معصيته، فكيف بمن يطلب منه أن يفضِّل العبد العاصي على المطيع؟! وقد قال تعالى: {(151) فَاذْكُرُونِي} [البقرة: 152]، وفي «الصحيح» (1): «من ذَكَرني في نفسِه ذكرتُه في نفسي، ومن ذَكَرني في ملأٍ من خَلْقي ذكرتُه في ملأٍ ... » الحديث. وفي «الصحيح» (2): «مَثَل الذي [م 25] يذكُر ربَّه والذي لا يذكره كمثل الحيِّ والميِّت». والله تعالى يقول: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 22] فكيف يُسأل اللهُ أن يذكرَ الميتَ الغافلَ بأحسن مما يذكرُ الحيَّ الذَّاكِر؟! وقد قال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ _________ (1) أخرجه البخاري (7405)، ومسلم (2675) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (2) أخرجه البخاري (6407)، ومسلم (779) من حديث أبي موسى - رضي الله عنه -.

(1/113)


الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} إلى قوله: {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ} [الأعراف: 156 - 157]. فقد كتبَ رحمتَه لأهل طاعته المتَّقين لكتابه ولرسوله، وقد أخبر أنهم هم المفلحون، فكيف يكون من لم يُطِع اللهَ ورسولَه، بل يعصيه مثل هؤلاء؟! فهذا من الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله عنه. ولو قال الرجل: اللهم اجعلني أفضل من السابقين الأولين، لكان معتديًا، فكيف إذا قال: اجعل رحمتك لمن يعصيك أتمّ من رحمتك لمن يطيعك؟! والله قد وعد أهل طاعته بقوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13]، وقال: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14]. فإن قيل: قد يُراد بذلك أن المطيع قد يحصل له إعجابٌ وكِبْر، وصاحب المعصية يحصل له ذُلٌّ وخشية. قيل: من كان عنده كِبْر أو عُجْب أو رياء فليس مطيعًا بل عاصيًا، ومعصيةُ (1) الكِبر والعُجب والرياء أعظمُ من معصية شُرب الخمر، فالشارب الخاشع الخائف من ربه أقرب إلى رحمة ربه من الصائم المتكبِّر المُعْجَب المُرائي. فمن ظنَّ أن الطاعة صُوَر الأعمال فهو جاهل، بل اسم الطاعة يتناول طاعة القلب بالخوف والرجاء والإخلاص لله والشكر وغير ذلك، أعظم مما يتناول طاعةَ البدن كالصيام والقيام والصدقة، قال الله تعالى: _________ (1) (م): «ومعصيته»، وكذا ما بعدها.

(1/114)


{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} الآية [البقرة: 177]. وقد أجمع المسلمون على أن مجرَّد أعمال البدن بدون عمل القلب لا يكون عبادة ولا طاعة لله، وأن كلَّ عمل لا يُراد به وجه الله فليس هو عبادة له. وفي «الصحيح» (1): «إنَّ في الجَسَد مضغةً إذا صَلحت صَلَح لها سائرُ الجسد، وإذا فَسَدت فسدَ لها سائرُ الجسد، ألا وهي القلب»، وهذا باب واسع. وقد يقال: المراد إذا وقَعْنا في الغفلة والمعصية تدارَكْنا برحمتك وانقِذْنا منها إلى الذِّكْر والطاعة أعظم مما تفعل إذا لم (2) نقع في ذلك. قيل: هذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن يقال: فهذا طالبٌ لأن يجعله ذاكرًا مطيعًا، لا أن يكون مذكورًا [م 26] مرحومًا في حال الغفلة والمعصية أعظم مما يكون حال الذِّكر والطاعة. والثاني: أنه لا يسوغ أن يدعوه بأن ينقله من حال الغفلة والمعصية إلى حالٍ أفضل مما ينقله في حال الذكر والطاعة، بل إذا كان يريد الانتقال إلى حالٍ أفضل من حاله، فهو إذا كان ذاكرًا مطيعًا يطلب الانتقال إلى ذكرٍ هو طاعة أفضل من ذلك الذكر والطاعة، فهو إن طلب أن يكون لأهل الغفلة والمعصية من الكرامة أعظم مما لأهل الذكر والطاعة مع مُقامِهم على ذلك= فهذا ممتنع، وهو مُراغمة لدين الله. _________ (1) أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه -. (2) (م): «إذا وقعنا لم ... »، وكلمة «وقعنا» هنا لا معنى لها.

(1/115)


وعلى كلِّ تقدير لا نجعل الغافل والعاصي أفضل من الذاكر المطيع لا في الحال ولا في الابتداء، اللهم إلا إذا مُكِرَ بالذاكر المطيع فانتقل غافلًا عاصيًا، وانتقل الآخر ذاكرًا مطيعًا، فهذا ممكن، لكن لا يجوز لأحدٍ أن يدعو الله بأن ينقله من حال الذِّكْر والطاعة إلى حال الغفلة والمعصية. ومن هذا الجنس قوله: (واجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت، فالإحسان لا ينفع مع البغض منك، والإساءة لا تضرُّ مع الحبِّ منك) (1). فإن القادح يقول: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ} [البقرة: 195]، فهو لا يبغض الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهو يبغض الكفار فلا يحبهم، فحبُّه سبحانه مستلزم للحسنات، وبغضه مستلزم للسيئات. فقوله: «الإحسان لا ينفع مع البغض» ليس بسديد، بل الإحسان الذي يستحقّ أن يسمَّى إحسانًا ــ وهو فعل الواجب والمستحبّ كما أمر ظاهرًا أو باطنًا ــ لا يكون إلا مع حبه لا مع بغضه. ومن كان باطنه خلاف ظاهره وقال: إن عمله رياء أو إعجاب أو نفاق أو ريب وعدم إيمان، فهذا ليس عمله إحسانًا. وكذلك من ارتدَّ عن الإسلام فردَّتُه أحبطَتْ عملَه فما بقي محسنًا. وكذلك السيئات لا يُحِبها الله، والمسيء لا يحبُّ الله إساءَتَه، وإذا كان فيه إيمان وفجور فالله يحب إيمانه لا فجوره على مذهب أهل السنة والجماعة الذين لا يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار، ولا يقولون بأن المعاصي تُحْبِط الإيمانَ كلَّه، بل يقولون: «يُخرَجُ من النَّار مَن _________ (1) «حزب البر»: (ق 4 أ).

(1/116)


في قَلْبِه مثقالُ ذرةٍ من إيمان» (1)، كما صح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم يقولون: [م 27] الشخصُ الواحد يجتمع فيه ما يحبه الله من الطاعة، وما يبغضه الله من المعصية، ويستحقُّ الثوابَ على حسناته والعقاب على سيئاته. وقد يُعتذر عن صاحب الحزب بأن المراد: جَعْل سيئاتنا مغفورةً بما يحبه من التوبة والحسنات لنكون ممن يُحِبّه من التوابين، ولا يجعل حسناتنا حابطة بما يبغضه من الكفر والمعاصي. لكن يقول الطاعن: سياقُ كلامه، وأوله وآخره يدل على أنه ليس هذا مراده، فإن كلامه يقتضي أنه لا ينظر إلى ما تفعله العباد من الطاعات والمعاصي والأدعية والذكر والغفلة، بل يطلبُ من الربِّ بدون الطاعة والذِّكْر والدعاء ما هو فوق ما يُحصَّل بذلك، فيطلب منه أن لا يكون مع الذِّكر والإحسان من الخاسرين. وهذا كلامٌ يتضمن إلغاء الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، وجعل النعيم والعذاب يحصل للعباد بخلاف ما أخبرَتْ به الرسلُ عن الله من وعده ووعيده. ومثل هذا الرأي يحصل لقوم من الناس من المتصوفة وغيرهم من أهل الإرادة، سالكين طريق التألُّه والزهد والفقر، إذا نظروا إلى القَدَر والمشيئة المطلقة أعرضوا عمَّا جاءت به الرسل من الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولا ريب أن هذا ضلالٌ مبين، وخروج عن اتباع السنن. وأمثَل من هؤلاء في العلم والقول طائفةٌ من أهل الكلام والفقه _________ (1) أخرجه البخاري (44)، ومسلم (193) من حديث أنس - رضي الله عنه -.

(1/117)


والتصوف من المثبتين للقَدَر يقولون: إن الأمر يصدر عن مشيئة محضة بلا حكمة ولا رحمة، وأنه ليس في المخلوقات أسباب ولا قُوَى. فهذا قولٌ قالته طائفة، وإن كان السلف وجمهور الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وجمهور أهل الكلام على خلافه، لكنَّ هؤلاء مع هذا يقرون بالأمر والنهي والوعد والوعيد، ويقولون: إرسال الرسل، وإنزال الكتب، مما صدرت عن الرب بمشيئته، وعُلِمَت هذه الأمور بالسمع، وعُلِم وقوعُها لإخبار الله بها، فهم يقولون وسائر الملل: لا يجوز أن يُسأل ما قد أخبر أنه لا يفعله. فقول صاحب الحزب مردود على أصلهم أيضًا كما هو مردود على أصل الجمهور، وبمثل (1) هذا الرأي الفاسد يفتري كثير من السالكين الناظرين إلى محض القَدَر، فإنهم إذا شهدوا الربوبية العامة والقيومية (2) الشاملة لكل شيء، وشهدوا الحقيقة الكونية، ورأوا توحيد الربوبية= ظنوا أن الكمال هو في الفناء في توحيد الربوبية، وهذا غَلَط عظيم وضلال مبين [م 28] وقع فيه كثيرٌ من السالكين (3). وكان قد وقع بين الجُنَيد وأصحابه وبين طائفة من الصوفية في زمانه كلام في هذا المقام، وهم يُسَمُّونه: الجَمْع، فقال الجُنيد بعد هذا المقام: الفرق الثاني: تحقيق العبودية لله، وهذا الفرق الذي انتقل إليه المؤمن (4)، فإنَّ _________ (1) (م): «ومثل». (2) (م): «القيومة» وستأتي على الصواب (ص 153). (3) انظر «الفتاوى»: (2/ 457)، (8/ 101، 369)، (10/ 497). (4) من قوله: «تحقيق العبودية ... » إلى هنا لحق، لكن لا توجد إشارة واضحة لمكانه، فلعله هنا.

(1/118)


العبد كان في الفرق الأول يشهد أكثر المخلوقات، فانتقل إلى الجمع، فيشهد وحدَه الربوبية الشاملة لكل شيء، ثم بعد هذا عليه أن يشهد الفرق الثاني، وهو الفرق بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض، فيشهد أن لا إله إلا الله، فيفرِّق بينه وبين ما سواه، بأنه هو الإله الذي يستحقّ العبادة دون ما سواه، وأن عبادته بطاعة رسله، فيعبد الله بطاعة رسوله، فهذا فَرْق إلهيّ نبويّ شرعي، وبه بعث الله الرُّسُل وأنزل الكتب. والفناء في هذا المقام: أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب. وأمَّا الفناء في توحيد الربوبية؛ فذاك نقصٌ عن الشهود الواجب، وحَسْبُ صاحبه أن يكون معذورًا لغلبة الوارد عليه لا أن يكون مشكورًا، وهو كحال من غاب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته؛ حتى فَنِيَ من لم يكن، وبقي من لم يزل. فهذا حالٌ عارض لبعض السالكين، ليس هو من لوازم السلوك، ولا هو غايةٌ للسالكين، بل هو حالٌ ناقص بِكَونِ العجز صاحَبَه عن الشهود المطابق للحقيقة. فإن ذلك هو أن يشهد الأمرَ على ما هو عليه، فيشهد عبوديته المحضة، ويشهد ربوبيةَ ربّه، ويشهد ــ مع كونه لا يَعبد إلا إيَّاه، وأنه يعبده بما شرع لا يعبده بالبدع ــ أنه هو الذي جعله كذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيحصل له من الشكر، وشهود المِنَّة، والبراءة من الحول والقوة، ما يُحقق مع

(1/119)


إخلاصه لله توكلَه عليه، وشكره له، وهو الذي (1) سماه الجُنَيد وأصحابه: الفرق الثاني، وهو الفرق الشرعي، والأول الذي انتقلوا عنه هو الفرق الطبيعي، فصاحب هذا يفرق بين الأمور بأمر الله ورسوله، وذاك بهواه ونفسه (2). ولمَّا تكلم الجُنَيد بهذا نازعه فيه طائفة من الصوفية، وبعضهم لامه (3) فيه، ووقع فيه كلام كثير، قد ذكر بعضَه أبو سعيد بن الأعرابي في «أخبار النُّسَّاك» (4)، ولهذا صار الجُنَيد قدوةً في هذه الطريق، بخلاف أبي الحسين النوري (5) ونحوه [م 29] ممن (6) اضطرب في هذا المقام، وتكلَّم في الجنيدِ وأصحابِه، وتكلم فيه الجُنَيدُ وأصحابُه، فإنَّ أولئك حصل لهم أمور أُنْكِرت عليهم، والجُنَيد نفعَه الله بقيامه بالأمر والنهي. _________ (1) يحتمل أن يكون هنا موضع اللحق الذي تقدمت الإشارة إليه في الصفحة السابقة، واحتماله هناك أقوى. (2) ذكر المصنف ما وقع للجنيد مع بعض الصوفية في عدة مواضع، انظر «الفتاوى»: (10/ 243، 497)، (11/ 245)، (14/ 355)، (19/ 278). (3) (م): «كلامه» ولعلها ما أثبت. (4) لم يعثر عليه بعد، وهو من مصادر أبي نعيم في «الحلية» كما صرح به في (2/ 25)، ونقل منه الذهبي في مواضع في «السير»: (15/ 409)، (4/ 579)، (9/ 408). (5) هو: أحمد بن محمد البغدادي أبو الحسين النُّوري المعروف بابن البغوي، من مشايخ الصوفية، ومن أقران الجُنيد (ت 295). ترجمته في «طبقات الصوفية» (ص 164 - 169) للسلمي، و «حلية الأولياء»: (10/ 249 - 255)، و «الرسالة القشيرية»: (1/ 83)، و «السير»: (14/ 70). (6) (م): «من».

(1/120)


فكلُّ شيخٍ سالك لم يقم بالأمر والنهي متابعًا في ذلك للكتاب والسنة والإيمان= فإنَّ الله لم يُرِد به خيرًا، كما ثبت في «الصحيح» (1): «مَن يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهه في الدين». فمن لم يُفَقَّه في الدين لم يُرد به خيرًا. فمن سلك الطريق شاهدًا لتوحيد الربوبية، غير متفقِّهٍ في الأمر والنهي ولا عاملٍ بذلك، فإنه ضالٌّ مُضل، ولا بد أن يتناقض في طريقه لينظر في حقوق الله تعالى بعين القدر، وفي حظوظه بعين هواه، إذا نظر إلى الكفار والفجَّار نظر بعين القدر، وإذا نظر إلى من آذاه أو قَصَّر في حَقِّه ــ ولو كان من خيار أولياء الله ــ نظر بعين الهوى، فذمَّه وعابَه (2) وطلبَ عقابَه، وربما سعى في قتله بباطنه أو ظاهره لهوى نفسه لا لحقِّ ربِّه، وإن لم يقتله سلبه حاله، لنوع من الحسد والهوى لا لأجل الأمر والتقوى، ويقول: إني متصرِّف بالأمر، والأمر مجمل لا يُفرّق بين الأمر الإلهي النبوي الشرعي الذي بَعَث به رسولَه، وبين أمرٍ نفسانيٍّ أو شيطاني يُلقى في باطنه من جهة النفس والشيطان. والأحوال ثلاثة: رحماني، ونفساني، وشيطاني (3). فالرحماني ما وافق الكتاب والسنة، وما خرج عنهما فمِنَ النفسِ والشيطان، والله ورسوله بريئان منه وإن كان واقعًا بالقدر. _________ (1) البخاري (71)، ومسلم (1037) من حديث معاوية - رضي الله عنه -. (2) (م): «وعبابه»، ولعل الصواب ما أثبته. (3) تكلم المصنف على هذه الأحوال في عدد من مصنفاته، انظر: «الفتاوى»: (10/ 613)، (11/ 635)، (27/ 497)، (35/ 108 - 119)، وابن القيم في «الروح» (ص 583 - 587)، و «مدارج السالكين»: (2/ 481 - 482).

(1/121)


ونرى صاحبَ هذا المقام الفاسد يحتجُّ بالقدر، وبعضهم يروي أنَّ أهلَ الصُّفَّة قاتلوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شهودًا للقدر وتوحيدًا للربوبية، وهذا من أعظم الفِرية على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى أصحابه (1)! وهذا حال المشركين الذين احتجُّوا بالقدر على ترك التوحيد، وقالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148]، فإن طَرَد صاحبُ هذا القول مقالَه انتهى إلى شركِ عُبَّاد الأوثان من العرب وغيرهم، فإنهم كانوا مقرِّين بتوحيد الربوبية، ولكن عبدوا غيرَ الله بغيرِ إذنِ الله، فمن عبد غيرَ الله، أو عبد الله بغير شرعه، ففيه شوبٌ من شبه المشركين والنصارى، وإذا تعلق مع ذلك بتوحيد الربوبية كان كالمشركين الذين تعلقوا بتوحيد الربوبية. والمشايخ المستقيمون (2) كالفُضيل بن عِياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني (3)، ومعروف الكَرْخي، وأمثالهم، هم المتبعون _________ (1) قال المصنف في «الفتاوى»: (11/ 52): «فمن لم يؤمن بأن محمدًا رسول الله إلى جميع العالمين، وأنه يجب على جميع الخلق متابعته، وأنَّ الحلال ما أحلَّه الله والحرام ما حرمه الله والدين ما شرعه= فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين ونحوهم ممن يجوِّز الخروج عن دينه وشرعته وطاعته ... ويحتجون بما يفترونه: أن أهل الصُّفة قاتلوه، وأنهم قالوا: نحن مع الله، من كان الله معه كنا معه. يريدون بذلك القدر والحقيقة الكونية دون الأمر والحقيقة الدينية. ويحتج بمثل هذا من ينصر الكفار والفجار ويخفرهم بقلبه وهمته وتوجهه ... » اهـ بتصرف. وانظر: (10/ 384). (2) (م): «المستقيمين». (3) هو: عبد الرحمن بن عطية أبو سليمان الداراني الدمشقي، من كبار مشايخ الصوفية (ت 215). ترجمته في «طبقات الصوفية» (ص 75 - 82) للسلمي، و «الحلية»: (9/ 254 - 280)، و «الرسالة القشيرية»: (1/ 61 - 62)، و «السير»: (10/ 182).

(1/122)


للكتاب والسنة، والصوفية المتبعون لهم هم صوفية أهل السنة والحديث في اعتقادهم وفي عملهم، فهم [يؤمنون] (1) بما أخبر به الرسول، ويَمْتَثلون ما أمر به، يصدقونه في خبره، ويطيعونه في أمره، ومن كان كذلك فهو من أولياء الله المتقين [م 30] الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. وآخرون من المتصوِّفة دخلوا في نوع من بدع الجهمية الذين ينفون الصفات أو بعضها، ويشهدون الجَبْر والقَدَر مُعرضين عن الأمر والنهي، فهؤلاء إذا حققوا طريقهم انتهوا إلى البقاء في التوحيد والصفات، والفناء في الأمر والنهي. ومن هنا دخل متصوفة المتفلسفة الذين جمعوا مع هذا وهذا القولَ بِقِدَم الأفلاك، وأن النبوة فيض، وأن العبادات وسائل إلى حصول الفيض الذي يصير به الإنسان مثل موسى بن عمران! وخرج مِن هنا مَن جعل النبوة مُكتسبة، فطلب أن يصير نبيًّا كالسَّهْرَورْدي المقتول، وابن سبعين وغيرهما. ومن الصوفية مَن يكون مُثبتًا للصفات رادًّا على الجهمية، لكن يلحظ الجَبْر وإثبات القَدَر شاهدًا لتوحيد الربوبية، معرضًا عن الأمر والنهي، ويجعل هذا غاية، كما وقع طرف من ذلك في «منازل السائرين» (2) وأَخَذَه _________ (1) زيادة لازمة. (2) لأبي إسماعيل الهروي (ت 480)، في مواضع عديدة، من ذلك قوله: «إن مشاهدة العبدِ الحُكْمَ لم تدع له استحسانَ حسنةٍ ولا استقباح سيئة؛ لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحُكْم». انظر شرحه «مدارج السالكين»: (1/ 250) لابن القيم وقال عقبه: «هذا الكلام إن أُخِذَ على ظاهره فهو من أبطل الباطل». وقد رد المصنف على الهروي في غير موضع، انظر «المنهاج»: (5/ 359)، و «الفتاوى»: (13/ 229)، وما سيأتي (ص 104).

(1/123)


عنه ابن العريف في «محاسن المجالس» (1). وقد صار لفظ «الصوفية» لفظًا مجملًا يدخل فيه مَن هو صِدِّيق ومَن هو زنديق، فإنَّ من صَدَّق الرسولَ فيما أخبر وأطاعه فيما أمر، إذا حقق ذلك صار صدِّيقًا، ومن أعرض عن خبره وأمره حتى أخبر بنقيض ما أَخبر، وأمَرَ بخلاف ما أَمر، فإنه يصير زنديقًا. وهذا حال الملاحدة الذين ينتسبون إلى الصوفية، كالقائلين بوحدة الوجود ويسمون ذلك تصوفًا. وقد بُسِط الكلامُ على لفظ التصوف وما يتعلق به في غير هذا الموضع (2). [ومن ذلك قوله: (فليس كرمُك مخصوصًا بمن أطاعك وأقبل عليك، بل هو مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك، وإن عصاك وأعرض عنك)] (3). لابد لهم أن يمنَّ عليهم بسبب ذلك من الإيمان والطاعة، وإلا فمع _________ (1) ابن العريف هو: أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي أبو العباس الأندلسي، الصوفي (ت 536). ترجمته في «الصلة»: (1/ 81)، و «وفيات الأعيان»: (1/ 168 - 170)، و «السير»: (20/ 111 - 114). وكتابه «محاسن المجالس» في التصوف مطبوع، وانظر «كشف الظنون»: (2/ 1609). وللمصنف رسالة مستقلة في الكلام على تصوف ابن العريف. انظر «أسماء مؤلفات ابن تيمية - ضمن الجامع» (ص 302) وقد تصحف فيه إلى «ابن الشريف» فليصحح. ولابن القيم نقد طويل لكتاب ابن العريف في «طريق الهجرتين». (2) انظر «الفتاوى»: (10/ 369)، (11/ 5 - 7، 195). (3) سقط من (م) الورقة (30 ب- 31 أ). وما بين المعكوفين أثبتناه من «حزب البر»: (ق 5 أ) لأن ما بقي من كلام المصنف ردٌّ على هذا المقطع من كلام الشاذلي.

(1/124)


موت العبد على العصيان والإعراض عن الله لا يجعله كالمطيعين المقبلين عليه، كما قال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ (1) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28]. والله تعالى يعلمُ الأشياءَ على ما هي عليه، ويُخبر بها كذلك، ويكتبها كذلك، كما ثبت في «الصحيح» (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما مِنكُم من أحدٍ إلَّا وقد عُلِم مقعدُهُ من الجنة والنَّار». قالوا: أفلا ندَعُ العملَ ونتَّكِلُ على الكتاب؟ فقال: «لا، اعمَلُوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق لهُ، أمَّا مَن كان مِن أهل السعادة فسَيُيَسَّرُ لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا مَن كان مِن أهلِ الشَّقاء فسَيُيَسَّرُ لعمل أهل الشَّقاء». فلمَّا استأذنوه أن يتَّكِلوا على السابقة نهاهم وأخبرهم أن السابقة سبقت بالسعادة بعملها، والشقاوة بعملها، لم يَسْبِق بسعادةٍ مجرَّدَةٍ وشقاوةٍ مجرَّدَةٍ، فمن ييسره الله لعمل أهل السعادة حتى يموت على ذلك كان هو الذي سبقت له السعادة، وبالعكس. وأما قول (3) القائل: «كرمك مبذولٌ بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك». إن أراد به ما يبذله للكفار والفجار من نعيم [م 32] الدنيا فهذا صحيح، _________ (1) (م): «أفنجعل». (2) أخرجه البخاري (1362)، ومسلم (2647) من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. (3) مطموسة في (م) ولعلها ما أثبت.

(1/125)


لكنَّ المؤمن لا يطلب مجرَّد ذلك، فإنَّ نعيم الدنيا مع عذاب الآخرة لا يطلبه مسلم، ولهذا تنازع أهل السنة المثبتون للقدر في الكافر، هل عليه نعمة دنيوية؟ على قولين معروفين لهم؛ قيل: النعيم الذي يعقبه عذاب ليس بنعمة، وقيل: بل هو نعمة. وفصل الخطاب: أنه نعمة مقيدة، وليس نعمةً مطلقةً تامةً، ولهذا لم يدخل في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6 - 7]. وإن أراد أنك تبذل في الدنيا والآخرة لمن عصاك ما تبذله لأهل الطاعة، وأنك تسوِّي بين هؤلاء وهؤلاء، فهذا مما أنكره الله على من ظنَّه، كما قال تعالى: {(34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ} [القلم: 35]. والآيات في عدم التسوية كثيرة، وقد تقدم منها جملة مما فيه حُسْن حال أوليائه وقُبْح حال أعدائه (1). فمن ظنَّ أنَّ مشيئةَ الله قد تقتضي التسوية بين هؤلاء وهؤلاء فهو مخالفٌ للكتاب والسنة وإجماع الأمة. ولا ريبَ أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، لكن من الأمور أمور يُعلم أنه لا يشاؤها، فما سبق في علمه أنه يفعله، وسَبَقت كلمتُه أنه يفعله، وأخبر أنه يفعله، وكتب في اللوح المحفوظ أنه يفعله= فإنه لابد أن يفعله، وهو لا يشاء نقيضه، وهذا متفق عليه بين المسلمين. ثم جمهور المسلمين يقولون: حكمته وعدله مستلزم أنه يشاء ذلك ولا _________ (1) تقدم (ص 113 - 114، 116، 124).

(1/126)


يشاء نقيضَه، وتفضيل أهل طاعته على أهل معصيته من هذا الباب؛ لأنه لا يكون منه إلا ذلك، ولا يشاء نقيضه قط. فقول القائل: «إن كرمك مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك» كلامٌ مجمل، فإنه إن أراد: أنه قد يكون سبق له أنه يتوب وأنك تشاء توبته، فهذا كلام صحيح. وكذلك إن أراد: أنك تغفر له بأسباب المغفرة كالحسنات الماحية، والشفاعة المقبولة، ونحو ذلك. وإن أراد: أنك تُكرم العُصاة مثل كرامة المطيعين أو أفضل منها مُطلقًا مع موت هذا على الطاعة وموت هذا على الكفر والفسوق والعصيان= فهذا خطأ مخالفٌ للنصوص والإجماع، بل ومخالف لحكمة الله وموجِب كلماته. وقول القائل: إن الاعتبار بالسابقة أو بما سبق به العلم، ونحو ذلك، كلامٌ صحيح، لكن يُعلم مع ذلك أن علم الرَّبِّ حقٌّ مطابقٌ للمعلوم، فهو يعلم الأشياء على ما هي عليه، لا يكون علمه بخلاف الواقع. فهو سبحانه إذا [م 33] عَلِم أنه سيخلق السموات والأرض، ويقيم القيامة، فهو يعلم أنه يفعل ذلك بمشيئته وقدرته، لا أن ذلك يكون بدون مشيئته وقدرته. وإذا عَلِم أن السُّعداء يدخلون الجنة، وأن الأشقياء يدخلون النار، فهو يعلم أن الأشقياء يدخلون النار بكفرهم وفسوقهم، وأن السعداء يدخلون الجنة بالإيمان، فإنه يُخْرِج من النار مَن في قلبه مثقال ذرة من إيمان (1)، والله تعالى ينشئ للجنة خَلْقًا في الآخرة يدخلهم الجنة بفضل رحمته (2). _________ (1) تقدمت الإشارة إلى الحديث قريبًا. (2) كما ثبت من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أخرجه البخاري (4850)، ومسلم (2846).

(1/127)


وأما النار فلا يدخلها عند جمهور المسلمين إلا من اتبع الشيطان، قال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85]، فأقسم أنه ليملأنها من أتباع إبليس، ومَن لم يعص الله لم يتبع إبليس، وإذا امتلأت بأتباعه لم يكن لغيرهم فيها موضع. وقد ذهب طائفة من الناس إلى أن النار قد يدخلها مَن لا ذنب له، وهو قولُ مَن يقطع أن أطفال المشركين يدخلون النار، وقول مَن يُجَوِّز ذلك بلا تكليف، وهذا يقوله طائفة من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف، ولكنَّ جمهور الناس على نقيض ذلك (1). وقد ثبت في «الصحيحين» (2) من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواه يُهوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانِهِ، كما تُنتَجُ البهيمَةُ بهيمةً جمعاءَ هل تحسُّ فيها من جَدْعَاء»، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا هذه الآية: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30]. وفي «الصحيح» (3) قيل: يا رسول الله، أرأيتَ مَن يموتُ من أطفال المشركين وهو صغير؟ فقال: «الله أعلمُ بما كانوا عاملين». وفي «الصحيح» (4) عن ابن عباس أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن أطفال المشركين فقال: «الله أعلَمُ بما كانُوا عاملين». _________ (1) انظر «الفتاوى»: (7/ 484)، (11/ 187). (2) البخاري (6599)، ومسلم (2658). (3) أخرجه مسلم (2659) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (4) أخرجه البخاري (1383)، ومسلم (2660).

(1/128)


فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم على مجموعهم بجنة ولا نار، بل أحال على عِلْمِ الله بما كانوا عاملين، وهذا هو المنصوص عن أئمة السُّنَّة كأحمد وغيره (1)، وهو الذي حكاه أبو الحسن الأشعري في «المقالات» (2) عن أهل السُّنَّة والحديث. وقال: وبكلِّ ما ذكرناه مِن قولهم نقول، وإليه نذهب. ثم هؤلاء الذين يقفون؛ فيهم مَن يقول: يجوز أن يدخلوا جميعُهم النار أو الجنة بلا أمرٍ ولا نهي. ومنهم مَن يقول: بل يُمتَحنون في الآخرة، فمنهم مَن يدخل الجنة ومنهم مَن يدخل النار بمعصيته في الآخرة، وقد جاءت بذلك آثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين، وهو الذي حكاه الأشعريُّ عن أهل السُّنَّة [م 34] والحديث. وقد قال طائفة عن أحمد وغيره: إنهم يدخلون النار، واختاروا ذلك كالقاضي أبي يعلى وغيره، وذلك غَلَطٌ على أحمد، وسببُ الغلط: أن أحمدَ سُئل عنهم، فأجاب أنهم على حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الله أعلَمُ بما كانوا عاملين» وهذا الحديث في «الصحيح» من حديث أبي هريرة وابن عباس، كما _________ (1) انظر «الاعتقاد» (ص 194 - 196) للبيهقي، و «شرح أصول الاعتقاد» (994 - 1001) لللالكائي، و «الفتاوى»: (4/ 245، 247، 277 - 281). وقد نبَّه الإمام ابن القيم في «أعلام الموقعين»: (5/ 199 - 200) وغيره إلى أن معنى قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ليس هذا قولًا بالتوقف كما ظنه بعضهم، ولا قولًا بمجازاة الله لهم على ما يعلمه منهم أنهم عاملوه لو كانوا عاشوا، بل هو جوابٌ فصل، وأن الله يعلم ما هم عاملوه وسيجازيهم على معلومه فيهم بما يظهر منهم يوم القيامة لا على مجرد علمه، كما صرحت به سائر الأحاديث واتفق عليه أهل الحديث أنهم يُمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار» اهـ. (2) «مقالات الإسلاميين»: (1/ 349 - 350).

(1/129)


تقدم (1). وقد رُوِي في حديثٍ آخر: أن خديجة سألت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن أطفال المشركين؟ فقال: «هم في النار»، فقالت: بلا عمل؟ فقال: «الله أعلَمُ بما كانوا عاملين» (2)، فظنَّ القاضي أبو يعلى ومَن وافقه أنَّ أحمدَ أخذ بحديث خديجةَ هذا، وفيه: أنهم من أهل النار. وهذا غلَطٌ على أحمد، فإنَّ حديث خديجة موضوعٌ لا أصل له، وأحمد أجلُّ من أن يعتَمِد عليه، وإنما اعتمد على الحديث الصحيح المتقدم، ثم إنه حديثٌ متناقض؛ لأن فيه الجَزْم بكونهم من أهل النار، وفيه قوله: «الله أعلَمُ بما كانوا عاملين»، وهذا قول متناقض. وقالت طائفة: إنهم كلهم في الجنة، كابن حزم وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما (3). _________ (1) قريبًا (ص 128). (2) أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (1131)، وابن أبي عاصم في «السنة» (220)، وفي سنده محمد بن عثمان، قال عنه الذهبي في «ميزان الاعتدال»: (5/ 77): لا يُدرى مَن هو، فتَّشتُ عنه في أماكن، وله خبر منكر. ثم ساق هذا الحديث مِن زوائد عبد الله، وقال الهيثمي في «المجمع»: (7/ 217): لم أعرفه. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (23/ رقم 27)، وأبو يعلى في «مسنده» (7041) من طريق الأزرق بن قيس عن عبد الله بن الحارث ــ أو ابن بريدة ــ عن خديجة - رضي الله عنها -. قال الذهبي في «السير»: (2/ 113): «فيه انقطاع». فإن عبد الله بن الحارث وابن بريدة لم يدركا خديجة. وقد حكم عليه المصنف بالوضع أيضًا في «درء التعارض»: (8/ 398 - 399)، (9/ 64) و «المنهاج»: (2/ 306). (3) ذكر المصنف الأقوالَ في المسألة والأدلة، والغلط على أحمد فيها في عدد من كتبه، كما في «درء التعارض»: (8/ 398 - فما بعدها)، (9/ 64)، و «المنهاج»: (2/ 306)، و «الفتاوى»: (4/ 303)، (24/ 372). وانظر «طريق الهجرتين»: (2/ 842 - 877).

(1/130)


والمقصود هنا أنه لم يثبت بدليل يُعتَمَد عليه أن الله يعذِّب في الآخرة مَن لم يُذنب، ودلائل القرآن والسُّنة يدلان على نقيض هذا القول، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لكنَّ هذا مما عُلِم أنه لا يشاؤه بالأخبار الصادقة، وبموجِب حكمته، وبمقتضى أسمائه الحُسنى وصفاته العُلَى، كما أنه قد عُلِمَ أنه لا يُخْرِج أهلَ الجنة منها، بل خالدون فيها أبدًا، وأنها لا تفنى أبدًا. وعُلِمَ أنه لا يُخَلِّد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، كما أخبرت بذلك النصوص (1). وهو سبحانه لو عَذَّب أهلَ سماواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، لكن قد عُلِم أنه لا يعذب المتقين، ولا يسويهم بالفجَّار المذنبين. والأصلُ الجامعُ في هذا الباب: أنه لا يَدخُل الجنةَ إلا مؤمن، وكلُّ مؤمن فلابدَّ له من دخول الجنة، وأنَّ كلَّ كافر فلابد له من دخول النار، فمن آمن بالرسل فإنه لا بدّ له من الجنة، ومن كذَّب الرسل فلا بدّ له من العذاب. ومَن لم يصدِّقهم ولم يكذِّبهم لكونه لم تبلغه الرسالة= لم يكن من هؤلاء ولا من هؤلاء، بل يُحال أمره على علم الله، وقد جاءت الآثار بأن هؤلاء يُرسل إليهم الرسل في الدار الآخرة (2)، وحينئذٍ فينعَّم المؤمن ويُعاقَب _________ (1) انظر ما سبق قريبًا (ص 124). (2) قال المصنف في حكاية هذا القول وترجيحه وتقوية الأحاديث الواردة في الامتحان: «والأكثرون يقولون: لا يجزي على علمه بما سيكون حتى يكون فيمتحنهم يوم القيامة ويمتحن سائر من لم تبلغه الدعوة في الدنيا؛ فمن أطاع حينئذ دخل الجنة ومن عصى دخل النار. وهذا القول منقول عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم، وقد روي به آثار متعددة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حِسان يُصَدِّق بعضها بعضًا، وهو الذي حكاه الأشعري في «المقالات»: (1/ 349) عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه يذهب إليه. وعلى هذا القول تدل الأصول المعلومة بالكتاب والسنة كما قد بُسِط في غير هذا الموضع، وبُيِّن أن الله لا يعذب أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا» اهـ. من «درء التعارض»: (9/ 64).

(1/131)


المكذب. فهذا حكم مَن كان في الدنيا، وأما من ينشئه الله للجنة في الدار الآخرة فليسوا من هؤلاء (1). [م 35] ومن ذلك قوله: (وليس من الكرم أن لا تُحْسِن إلَّا لمن أحسن إليك وأنت المفضال العلي (2)، بل من الكرم أن تُحْسِن إلى من أساء إليك وأنت الرحيم الغني (3)، وقد أمرتنا أن نُحْسِن إلى من أساء إلينا فأنت أولى بذلك مِنَّا) (4). فيقال: إحسان الله إلى عباده ليس من جنس إحسان المخلوق إلى المخلوق مكافأةً له على إحسانه، فإن العباد كما ثبت في الحديث الصحيح الإلهي: «إن الله يقول: يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني» (5)، وليس لمخلوقٍ عند الله يدٌ يستحقُّ أن يكافئه على _________ (1) تقدم تخريج حديث الإنشاء (ص 127). (2) في الحزب: «الغني». (3) في الحزب: «العلي». (4) «حزب البر»: (ق 5 أ). (5) أخرجه مسلم (2577) من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -.

(1/132)


ذلك. بل أهل السنة المثبتون للقدر متفقون على أن العباد لا يجب لهم على الله تعالى بأنفسهم شيء، واتفقوا على أن الله مُنْجِز لهم ما وعدهم إياه. وتنازعوا هل يوجب بنفسه على نفسه ويُحَرِّم بنفسه على نفسه؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يوجب ولا يُحَرِّم، وما ورد من ذلك محمولٌ على الإخبار لا على الطلب. والثاني: أنه يوجب ويحرِّم كقوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54]، وقوله: «يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على نفسي وجعلتُهُ بينكم محرَّمًا فلا تَظَالموا» (1). والقدرية الذين يقولون: إنه يجب عليه بمقتضى القياس، لا يقولون إن أحدًا من الخلق يُحْسِن إليه، بل هم متفقون على أنه المحسن إلى عباده الرحيم بهم. وقد قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]، وفي الصحيح المتقدم (2): «يا عبادي إنما هي أعمالُكُم أُحْصيها لكم ثُمَّ أُوَفِّيكُم إيَّاها، فمَنْ وجدَ خيرًا فليحْمَدِ الله، ومَن وجَدَ غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسَه». والله تعالى وإن كان يحبُّ المتقين والمحسنين والصابرين والتوابين، _________ (1) هو حديث أبي ذر السابق. (2) الحديث السابق.

(1/133)


ويفرح بتوبة التائبين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات= فهو الذي جعلهم كذلك، هو الذي جعل المسلم مسلمًا، والمصلي مصلِّيًا، كما قال الخليل: {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 128]، وقال: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40]. وإذا كان كذلك فليس يمكن أن يكون للعبد على ربه نعمة حتى يُقال: إنه أحسن إليه، بل إحسانُ العبد إلى نفسه، وإرضاؤه لربه، وثوابُ ربه له= هو من نعمة ربه عليه وإحسانه إليه، كلُّ نعمةٍ منه فَضْل وكلُّ نقمةٍ منه عَدل. وأَمْر الله عبادَه ليس لحاجته إليهم كأمر المخلوق للمخلوق، مثل ما يأمر السيدُ عبدَه، والأميرُ جندَه. ولا نَهْيه بُخْلًا عليهم، بل أمْرُه لهم بالطاعة، وتوفيقُهم لها، وإثابَتُهم عليها= كلُّ ذلك من إحسانه، أَمَرَهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وأحلَّ لهم الطيبات [م 36] وحرَّمَ عليهم الخبائث، فالعبد إذا عصاه ظَلَم نفسَه وضرَّ نفسَه، لم يضرَّ الله شيئًا. والناس في أمره ونهيه على ثلاثة أقوال (1): منهم من يقول: هو صادر عن مَحْض المشيئة، فقد يأمر بما يضر العباد، وقد ينهى عما ينفعهم، وهو لا يُسأَلُ عما يفعل. وهذا قول من يجعل المشيئة يجوز أن تتناول كلَّ مقدور، وأنَّ الظُّلمَ ممتنع لذاته، وأن الحكمة ليست إلا مُطابقةَ العلم. وهذا قول طائفة من أهل الكلام المثبتين للقدر ومَن اتبعهم _________ (1) تكلم المصنف على هذه المسألة والخلاف فيها في مواضع، انظر: «درء التعارض»: (8/ 405)، و «الفتاوى»: (8/ 82)، و «المنهاج»: (1/ 134)، (3/ 39). وانظر «شفاء العليل»: (1/ 343 وما بعدها) لابن القيم.

(1/134)


من الفقهاء. ومنهم من يقول: بل لا يأمر عبدًا معينًا إلا لأن ذلك الأمر مصلحة له، ولا ينهاه إلا لأن ذلك النهي مفسدة له، والعبد هو الذي اخترع الطاعة والمعصية من غير معونة من الله امتازَ بها المُطيع على العاصي. وهذا قول المعتزلة ونحوهم من القدرية. ومنهم من يقول: بل أمَرَ العباد بما فيه منفعة لهم إذا أطاعوه، ونهاهم عما يضرهم إذا عصوا، فمَن فعل ما أُمِرَ به لم يكن الفعل إلا مصلحة في حقِّه، والمنهيُّ عنه مفسدة في حقِّه. وأما نفس الأمر والنهي فذلك من الله، وله حكمة في ذلك كما له حكمة في خلقه، وذلك رحمة منه لعموم الخلق وإن لم يُصِب بعضَهم، كالمطر الذي .... (1) والشمس التي بطبعها (2)، وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام. وتقابلَ (3) الناسُ في محبة الله ورضاه؛ هل هي بمعنى الإرادة أو هي أمرٌ آخر أخص؟ فقالت القدرية وطائفة من المُثْبتة: هي بمعنى الإرادة، وقال أكثر أهل السنة المثبتين للقدر: بل هي أخص من الإرادة، فالقدرية يقولون: ما أحبَّ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ فلم يُرِدْه، فكان في ملكه ما لا يريد، وشاء ما لا يكون، وكان ما لا يشاء. وإذا حلف الرجل ليصلينَّ الظهرَ الواجب عليه غدًا _________ (1) كلمة غير واضحة. (2) هكذا رسم الكلمة ولم يتحرر معنى هذه الجملة. (3) غير واضحة، ولعلها ما أثبت بدليل ما بعدها.

(1/135)


إن شاء الله ولم يصلِّ حَنَث؛ لأن الله شاء ذلك بزعمهم. والمقابلون لهم من المُثْبِتة يقولون: هو أراد ما العباد فاعلوه، فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فما وُجِدَ من الكفر والفسوق والعصيان فهو بإرادته، فيكون بمحبته ورضاه، وما علم كونه عندهم فقد أراد كونَه، وأحبَّ كونَه، ورضي كونَه. فإذا قيل لهم: فقد قال: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7]، و {لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]. قالوا: لا يرضاه دينًا كما أنه لا يريده دينًا. ولا يرضاه ممن لم يفعله [م 37] كما أنه لم يُرِدْه منه. فقيل لهم: فقولوا: إنه لا يحب فعل المأمور ولا ترك المحظور، وقولوا: إن ما أمر الله به ورسوله، فإنه لا يحبه ولا يرضاه، ولكن يحب ويرضى ما يكون، سواء كان كفرًا أو إيمانًا. وقولوا (1): إنه لا يريد ما وقع من الكفر والفسوق والعصيان، فإنه لم يرده دينًا كما تأولتم قوله: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}، وأنتم تطلقون ما أطلقه المسلمون مِن أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد قال تعالى: {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108]، فهذا قول قد وقع بمشيئته وقد أخبر أنه لا يرضاه. وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ} [محمد: 28] وما أسخطه لم يرضه، مع أنه قد أراده. _________ (1) (م): «وقوله» ولعلها ما أثبت.

(1/136)


وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (1)، والمقصود هنا التنبيه عليها، فإن كثيرًا من الخائضين في هذه المواضع تجدهم متقابلين، هؤلاء يثبتون حقًّا وباطلًا، وهؤلاء يثبتون حقًّا وباطلًا، وخيار الأمور أوساطها، وهي طريقة سلف الأمة وأئمتها رضي الله عنهم أجمعين. فإن قال هذا المدَّعي: أنا أريد بالإحسان إليه: فِعْل ما يرضاه من الطاعة، وبالإساءة إليه: فعل ما يُسْخِطه من المعاصي. قيل له: وإن أراد هذا فهو مخطئ أيضًا من وجوه: أحدها: أن إطلاق القول بأن الطاعة إحسان إلى الله، وأن المعصية إساءة إلى الله= بدعة، فإن التعبير بهذا اللفظ عن هذا المعنى بدعة، والألفاظ التي يُعَبَّر بها عن صفات الله يُتَحَرَّى بها الاتباع دون الابتداع، لا سيما في مقام المناجاة والدعاء. والمفهوم من هذا اللفظ أن العبد يُحسن إلى الله بالطاعة، وهذا باطل، فإنه إنما يحسن إلى نفسه، والله هو المنعم عليه بذلك، والله سبحانه غنيٌّ عن غيره من كل وجه، ولو لم يكن رضاه متضمِّنًا لِنَفْع الفاعل، فكيف إذا كان رضاه للعباد بالشكر يتضمن النفعَ لهم بذلك. وكذلك المعصية وإن كان يبغضها ويكرهها ويمقت فاعلها، فإنه لا يقال: هي إساءة إلى الله. أما على مذهب أهل السنة المثبتين للقَدَر، فإنه هو الذي خلقها لحكمة في ذلك على قول من يثبت الحكمة، أو لمحضِ المشيئة على قول من لا يُعَلِّل أفعاله وأحكامه. _________ (1) انظر «الفتاوى»: (6/ 116) (8/ 82 وما بعدها، 159 وما بعدها، 235 وما بعدها).

(1/137)


وإذا كان هو الخالق لها مع قدرته على أن لا يخلقها لم يَجُز أن يقال: إن غيرَه أساء إليه بها لوجهين: أحدهما: أن الخلقَ عاجزون [م 38] عن ذلك، كما قال تعالى: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا نَفْعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني» (1). والثاني: أنه إذا كان هو الخالق لها بمشيئته وقدرته لحكمة يحبها أو لمحض مشيئته، امتنع أن تكون ضارةً له؛ لأن الغنيَّ عن كل شيء، القادرَ على كل شيء، العالِمَ بكل شيء يمتنعُ أن يضره ما يفعله بقدرته ومشيئته، فإن المخلوق العالمَ بما يضره، الغنيَّ عنه، القادرَ على تركه لا يفعله، فكيف بأعلم العالِمين، وأقدَر القادِرِين، وأحكَم الحاكِمين، وأغنى الأغنياء؟! ثم من لم يُعَلِّل يقول: فِعْلُه لا يُعَلَّل، ومن يُعَلِّل يقول: له في ذلك حكمة خَلَق ذلك لأجلها، ومن فعل شيئًا لمرادٍ له يحبه لم يكن متضرِّرًا بحصول محبوبه ومراده. وهؤلاء يقولون: وإن كان مُبْغضًا للمعصية، كارهًا لها، ماقتًا لها، فهذا لا ينافي كونه خلقها وأرادها لحكمة في ذلك، وهو يحب الغاية التي خلقها لأجلها، كالمريض الذي يريد شربَ الدواء وهو يبغضه، فهو يريده لمحبته العافيةَ الحاصلةَ به، فهو وإن كان مرادًا له لحكمة يحبها فهو مبغض له في نفسه، فهكذا ما خلقه من الشياطين والمعاصي خلقها لحكمة، وهو يبغض تلك المخلوقات المرادة. وعلى قول هؤلاء فلا تكون المعاصي إساءة إليه إذ كان هو الخالق لها _________ (1) أخرجه مسلم (2577) وقد تقدم.

(1/138)


لحكمته، بل لو كان المُحدِث لها غيره لم يكن مسيئًا إليه إذا كان قصده تلك الغاية المحبوبة له، فمن فعل مع غيره ما يوجب حصول محبوبه لم يكن مسيئًا له، وإن كان في ذلك بعض ما يكره، فكيف إذا كان هو الفاعل؟! وأما مذهب القدرية من المعتزلة وغيرهم وإن قالوا: إن العبد أحدث المعصية بدون مشيئة الله وقدرته لا يقولون: إنها إساءة إلى الله، ولا أنها تضر الله، بل المعتزلة متفقون على أن علل أفعاله وأحكامه عائدة إلى المخلوق لا إليه، وهم غُلاةٌ في النفي، فلا يصفونه بفرحٍ أو غضبٍ يقوم به، ولا حبٍّ ولا رضًى ولا سخط، بل ولا بإرادة تقوم به، وإنما ذلك كله عندهم مخلوقات منفصلة عنه، ومثل هذا لا يُسمى إساءة إليه بلا ريب. والمقصود أن هذا ليس إساءةً إلى الله على قول كل طائفة من طوائف المسلمين. الوجه الثالث (1): أنه جعله إذا عاقب المسيئين لم يكن كريمًا، بل لا يكون كريمًا إلا إذا أحسن إليهم. وهذا جهل، فإن الله كريم جواد مع عقوبته للمجرمين، فإنَّ كلَّ نعمة منه فضل، [م 39] وكلَّ نقمة منه عدل، وعقوبته للظالمين لا ينافي كرمه وجوده باتفاق المسلمين، بل هو محمودٌ على كل ما يفعله، وكلُّ فِعْله حَسَنٌ جميل، وذلك أن الكرمَ والبخلَ للناس فيه أقوال: أحدها: أن البخل يرجع إلى الاعتقاد والخوف، وهو خوف ذهاب المال إذا أنفقه، كما يقول ذلك من يقوله من مناظري القدرية والفلاسفة، _________ (1) كذا في (م)، ولم يذكر الوجه الثاني، وقد تقدم الأول (ص 137)، وسيأتي الرابع (ص 94).

(1/139)


كالقاضي أبي بكر (1) والقاضي أبي يعلى وغيرهما، وهؤلاء يقولون: فِعْله متعلق بمحض المشيئة لا علة له، والظلم هو الممتنع لذاته، وكل ممكن فهو عدل. وعلى هذا فالله عالم بكل شيء لا يخاف شيئًا، فيمتنع وصفه بالبخل. وأمَّا الكرم فهو فِعْل ما فعله، فكل ما فعله فهو الكرم عندهم. والقول الثاني: قول القدرية الذين يقولون: فَعَلَ بكل عبد ما يقدر عليه من النعم الدينية، وفي النعم الدنيوية قولان، لكنَّ العبد هو الذي صرفَ نعمتَه في معاصيه، وهؤلاء يقولون: ما لم يوجد من الإحسان لم يكن مقدورًا له. الثالث: قول الفلاسفة الذين يقولون: هو موجبٌ بذاته، ففعله من لوازم ذاته، والعقوبات أمور لازمة لذاته لا يُتصور انتفاؤها، فلا يكون تركها مقدورًا. الرابع: قول جمهور المسلمين الذين يقولون: إنه كريم جواد عَدْل يخلق ما يشاء ويختار، وهو على كل شيء قدير، وأنه يفعل ما يفعل لحكمة، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وما يخلقه من الآلام والعقوبات يخلقه لحكمةٍ له في ذلك، لا تحصل تلك الحكمة بدون ذلك المخلوق، فهو على غاية الجود والكرم في إرادته، وغاية القوة والمُكْنة في قدرته، لكنَّ فِعْل الشيء يقتضي فعلَ لوازمه وترك ما ينافيه، فوجود أحد الضدّين يستلزم ترك الآخر، ووجود الملزوم يقتضي وجود اللازم. وحينئذ فقول القائل: «ليس من الكرم عقوبة العُصَاة» باطلٌ على كل قولٍ، أما على قول الأولين؛ فكل ممكن كرم. وأما على قول الطائفة الثانية _________ (1) هو الباقلاني (ت 404).

(1/140)


والثالثة؛ فإن نقيض ذلك ممتنع، وترك الممتنع لا ينافي الكرم. وأما على قول الرابعة؛ فلأنَّ ذلك مخلوق لحكمةٍ لا تحصل إلا به، فلو لم يُخلق لفاتت (1) تلك الحكمة التي يستحق الربُّ أن يُحْمَد لأجلها، ويوصفَ بالجود والكرم. وإذا كان كذلك كان من تمام الكرم ما يخلقه من العقوبات التي لا يحصل الكرمُ التامُّ إلا بها. وهذا بخلاف الواحد منا، فإنه قد يُعاقب من أساءَ إليه لا لحكمةٍ في ذلك ولا [م 40] لرحمةٍ، بل لمحض حظِّ نفس الذي قد يكون مذمومًا أو لا يكون محمودًا، والله تعالى لا يفعل إلا ما يُحمد عليه، فله الحمد على كل الحال. والواحد مِنَّا إذا عفى عمن أساء إليه كان أفضل له وأعظم لأجره ومنزلته عند الله، والله تعالى لا يفعل شيئًا يكون تركه أكمل له في حقِّه، بل كل ما يفعله فهو الأكمل الذي لا أكملَ منه، فإن كماله من لوازم ذاته، وهو غير مفتقرٍ في ذلك إلى غيره، لامتناع افتقاره إلى غيره بوجهٍ من الوجوه، وإذا كان كماله من لوازم ذاته، وهو لا يقف على غيره، كان كماله واجبَ الحصولِ (2) ممتنع القِدَم. وهو سبحانه المستحقّ لغاية المدح وكمال الثناء، وأفضلُ العباد لا يُحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه. وقد بُسط الكلام على هذه المقامات الشريفة التي هي من مَحارات العقول في غير هذا الموضع (3). _________ (1) (م): «لفات». (2) (م): «لحصول». (3) انظر «منهاج السنة»: (1/ 416 وما بعدها).

(1/141)


وقد قال طائفة كأبي حامد (1) وغيره: ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم؛ لأنه لو كان ممكنًا ولم يفعل لكان بخلًا يناقض الجود، أو عجزًا يناقض القُدرة. وأنكر ذلك آخرون ونسبوه في ذلك إلى الفلسفة، وقالوا: إذا كان أهل السنة ينكرون على القدرية الذين يقولون: إنَّ إصلاح العباد ليس ممكنًا، فكيف بهذا؟ وقال آخرون: فَصْل الخِطاب أنه إن أُرِيد بذلك أن الله لا يقدر على غير ما فعل، أو أن ذلك ممتنع لذاته= فهذا خطأ، وهو يُشبه قول الدهرية القائلين بالموجب بالذات. وإن قيل: إنه على كل شيء قدير، ولو شاء لفعل غيرَ ما فعل، ولو شاء أن يؤتي كلَّ نفسٍ هداها لفعل، لكن فَعَل ما فَعَل لحكمة، والمشروط بغيره يمتنع وجوده بدون شرطه، فليس ممتنعًا لنفسه وإنما امتنع لغيره، ومن فَعَل مراده ولوازم مراده لم يكن يترك ما ينافي مراده عاجزًا، إذ الجمع بين النقيضين ممتنع لذاته، وإنما العاجز من إذا أراد شيئًا لم يمكنه فعله، والممتنع لذاته ليس شيئًا باتفاق العقلاء، فهذا قول أكثر المسلمين. وأما مَن لا يقول بحكمةٍ ولا تعليل، ولا جودَ عنده ولا رحمةَ إلا وجود المراد= فهو لا يقول بهذا، إذ هو يقول: يجوز تخصيص أحد المُتَماثلَين دون الآخر لا لمخصِّص بل لمحض الإرادة، فلا يتصور عنده بخل. فهؤلاء يطعنون في كلام أبي حامد بناءً على هذا الأصل، وهذه الأمور مبسوطة في _________ (1) كما في «إحياء علوم الدين»: (4/ 275) وعبارته: « ... وليس في الإمكان أصلًا أحسن منه ولا أتم ولا أكمل، ولو كان وادَّخره مع القدرة ولم يتفضل بفعله لكان بخلًا يناقض الجود وظلمًا يناقض العدل، ولو لم يكن قادرًا لكان عجزًا يناقض الإلهية».

(1/142)


غير هذا الموضع (1). والمقصودُ هنا التنبيه على ما يناسب هذا الكلام. [م 41] الوجه الرابع: قوله: (كيف وقد أمرْتَنا أن نُحْسِن إلى من أساء إلينا، فأنت أولى بذلك منا) (2). فهذا أيضًا منكر، ليس كلّ ما أمر الله به العباد يجوز أن يُطْلَب منه، فضلًا عن أن يقال: أنت أولى منا بفعل ما أمرتنا به، أو أنت أولى بفعل نظيره!! فإن الله أمر بالركوع والسجود والصيام والطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ونحو ذلك من الأفعال، ولا يُقال: أنت أولى بذلك منا، والله أمرنا أن ندعوه تضرُّعًا وخُفْيةً، وليس هو أولى بذلك منا. ونظائر هذا كثيرة. ولكنَّ الدعاء المشروع في مثل هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: «قُولي: اللهم إنك عَفُوٌّ تُحبُّ العَفْوَ فاعْفُ عنَّا» (3) فيُطْلَب منه ما يحبه. _________ (1) انظر «الفتاوى»: (2/ 213)، (8/ 399). (2) «حزب البر»: (ق 5 أ). (3) أخرجه أحمد (25384)، والترمذي (3513)، والنسائي في «الكبرى» (7665)، وابن ماجه (3850)، والحاكم: (1/ 530) من طرق عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن عائشة به. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ولم يتعقبه الذهبي، وفيه نظر. وصححه النووي في «الأذكار» (ص 277)، وابن القيم في «أعلام الموقعين»: (5/ 258)، وهذا الطريق هو أحسن طرقه. وقد تكلم في سماع ابن بريدة من عائشة الدارقطنيُّ والبيهقي، وفي الحديث اختلاف على بعض رواته. انظر «العلل»: (15/ 88 - 89) للدارقطني، و «الفتوحات الربانية»: (4/ 346) لابن علان.

(1/143)


وبعضُ العامّة يقول في دعائه: «اللهم إنك أمرتنا أن نُعْتِق عبيدَنا ونحن عبيدك فأعتقنا، وأمرتنا أن نعفوَ عمن ظَلَمنا وقد ظلمنا أنفسنا فاعفُ عنّا، وأمرتنا أن نُحْسن إلى من أساء إلينا، وقد أسأنا إلى أنفسنا فأحْسِن إلينا». وهذا الدعاء ليس من الأدعية الشرعية النبوية التي يُحتج بها. وفيه جَهْلٌ من وجه آخر وهو قول القائل: «وقد ظلمنا أنفسنا وأسأنا إلى أنفسنا»، فإن هذا لا يشبه عفو العافي عمن ظلمه، وإحسانه إلى من أساء إليه. فليس هو مثلًا مطابقًا لو كان التمثيل في ذلك حقًّا. وبالجملة ففعل الربّ لا يُقاس بأفعال العباد، بل من أعظم الأصول التي أنكرها أهل السنة على المعتزلة ونحوهم من القدرية: قياس أفعال الرب على أفعال العباد وبالعكس، وقالوا: هم مُشَبِّهة الأفعال، فإنهم يجعلون الحَسَنَ من العبد والقبيحَ منه حَسَنًا من الرب وقبيحًا منه، وليس الأمر كذلك، فإنَّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله. والله تعالى يحبُّ من العباد أمورًا اتصف بها، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله وَتْرٌ يُحبُّ الوَتْر» (1)، وقال: «إنه جميلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ» (2)، و «أنه نظيفٌ يحبُّ النظافة» (3)، _________ (1) أخرجه البخاري (2736)، ومسلم (2677) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (2) أخرجه مسلم (91) من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -. (3) أخرجه الترمذي (2799)، والبزار (996)، وأبو يعلى (786)، وابن عدي في «الكامل»: (3/ 5 - 6) من حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حديث غريب، وخالد بن إلياس يُضَعَّف. أقول: وأكثر النقاد على تضعيف خالد تضعيفًا شديدًا وقد تفرد بالحديث، قال أحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غرائب وأفراد. انظر «تهذيب التهذيب»: (3/ 80 - 81).

(1/144)


و «أنه طيبٌ لا يَقبل إلَّا طيبًا» (1)، ونحو ذلك، وقال: «الراحِمُون يرحمُهُم الرحمن» (2). فهو يحب اتصاف العبد بهذه الصفات وتعَبّده بهذه المعاني المحبوبة. وهذا قد طَرَده بعضُ الناس كأبي حامد الغزالي وغيره، وجعلوا العبد يتصف بالجبّار والمتكبّر على وجهٍ فسروه، وجعلوا ذلك تَخَلُّقًا بأخلاق الله، ورووا حديثًا: «تَخَلَّقوا بأخلاق الله» (3)، وأنكر ذلك عليهم آخرون كأبي عبد الله المازَرِي وغيره، وقالوا: ليس للرب خُلُق يتخلَّقُ به العبد، وقالوا: هذه فلسفة كُسِيَت عباءة (4) [م 42] الإسلام، وهو معنى قول الفلاسفة: الفلسفة التشبُّه بالإله على قدر الطاقة (5). _________ (1) أخرجه مسلم (1015) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (2) أخرجه الحميدي (602)، وأحمد (6494)، وأبو داود (4941)، والترمذي (1924)، والحاكم: (4/ 159)، وغيرهم عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى لعبد الله بن عمرو عنه به. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الحاكم، والحافظ في «الفتح»: (3/ 188). (3) لم أجده مسندًا، وذكره القشيري في «رسالته»: (1/ 325) من قول داود عليه السلام، وذكره المصنف في «بيان تلبيس الجهمية»: (6/ 518) وقال: «هذا اللفظ لا يعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء من كتب الحديث، ولا هو معروف عن أحد من أهل العلم، بل هو من باب الموضوعات عندهم ... » اهـ. وذكره ابن القيم في «مدارج السالكين»: (3/ 252) وقال: باطل. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (2822): لا أصل له. (4) (م): «عبارة». (5) انظر ما سبق حول هذه المسألة (ص 61).

(1/145)


وبالجملة فالاتصاف والتخلُّق والتعبُّد بما أحبَّ الله من العباد الاتصاف به، وهو من صفاته كالعلم والرحمة والإحسان والجمال الشرعي ونحو ذلك هو حقّ، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، بخلاف الكبرياء ونحوه، فإنه قد ثبت في «الصحيح» (1) أن الله يقول: «العَظَمَةُ إزاري والكِبْرِياءُ رِدَائي فمن نازعني واحدةً منها عَذَّبْتُه». وصفات الله نوعان؛ نوعٌ يختص به كالإلهية، فليس لأحد أن يتصف بذلك، فإنه لا إله إلا الله. ونوعٌ يتصف عباده منه بما وهبه لهم، كالعلم والرحمة والحكمة، فهذا وإن اتصف به العبد فالله تعالى لا كفوًا له سبحانه، فهو منزَّهٌ عن النقائص مطلقًا، ومنزَّه عن أن يكون له مِثْلٌ في شيء من صفات كماله، بل هو موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل، وهو منزَّه فيها عن التمثيل. وأما صفات النقص فهي منتفية عنه مطلقًا، وهو موصوف بالكمال الذي لا غايةَ فوقَه، منزَّه فيه عن التمثيل، إثباتٌ بلا تمثيل وتنزيهٌ بلا تعطيل، نُثبت له الأسماءَ الحسنى والصفات العُلى، وننفي عنه مماثلة المخلوقات في شيء منها. وأما الصفات والأفعال التي تختصُّ العبدَ، كالذل والخوف والرجاء والتضرع والافتقار والسؤال ونحو ذلك، فهذه وإن أمر الله بها العبد فهو سبحانه منزَّه عنها، لا تُطلب منه. وإذا كان ما أمر فإنه قد يَحْسُن منه وقد لا يحسن، لم يجُز أن يقال: أنت قد أمرتنا بذلك فأنت أحقُّ به منا، هذا إذا كان المطلوب مما يسوغ طلبه منه، كالإحسان والعفو والمغفرة. _________ (1) أخرجه مسلم (2620) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -.

(1/146)


فأما إذا كان مُنزَّهًا عنه كالإحسان إلى من أساء إليه، فهذا خطأ لوجهين: لأنه لا يقال: إنَّ العبد يُحسن إلى الله ويسيء إليه، ولأنه لا يُقال: أفعل كذا لأنك أمرتنا به وأنت أحق أن تفعل ما أمرتنا بفعله، بل هذا يقوله (1) الأكْفاءُ بعضُهم مع بعض؛ كالإنسان الذي يأمر الناس بطاعة الله ورسوله، فهو أحق منهم بفعل ما أَمَر، كما قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]. ومن قال مثل هذا في حق الله فهو جاهل إن لم يعرف حقيقةَ ما قال، وإن عرف حقيقته وأصرَّ على ذلك فهو كافر. ولا ريب أن كثيرًا من أهل العبادة والنُّسُك والتألُّه يناجي الله ويدعوه بأمور منكرة، كما قد يعبده بعبادات مبتدعة، ويكون قصده الخير واتباع السنة، لكن يغلط لجهله، فهذا قد يغفر الله له [م 43] ويرحمه بِحُسْن قصده، ولكن يجب النهي عما أخطأ فيه ويُبين له الصواب، فإن أصرَّ على استصواب مخالفة الرسل قُتِل. ومن ذلك قوله: (واقْرُب مني بقدرتك قربًا تمحقُ به (2) كلَّ حجاب محقْتَه عن إبراهيم خليلك، فلم يحتَجْ لجبريل رسولك ولا لسؤاله منك (3)، وحجَبْته بذلك عن نار عدوك (4)، وكيف لا تحجب عن مضرَّة الأعداء من _________ (1) (م): «يقال». (2) مخطوط الحزب: «به عني». (3) «منك» زيادة ثابتة في نسخة الحزب، وفيما سينقله المؤلف قريبًا. (4) مخطوط الحزب: «عدوه».

(1/147)


غنيته (1) عن منفعة الأحباب (2)) (3). فأما قوله: «فلم يحتَجْ لجبريل رسولك» فكلامٌ صحيح، فإن إبراهيم قال: «حسبيَ الله ونِعْم الوكيل» (4) ولم يلتفت قلبه إلى غير الله، لا جبريل ولا غيره. وأما قوله: «ولا لسؤاله منك» فهذا كلامٌ لم ينقله ثقة عن إبراهيم، وهو مخالفٌ لما حكاهُ الله عن إبراهيم من سؤاله ودعائه، بل قوله: «حسبي الله ونعم الوكيل» هو دعاءٌ في حقيقة الأمر، وقد تقدم التنبيه على نظير هذا لمَّا ذكر في «الحزب» (5) سؤالَ الله أن يغنيه عن سؤاله، وذكرنا أنّ سؤالَ الله تارة واجبًا وتارة مستحبًّا (6)، والواجبات لابد منها والمستحبات لا يُطْلَب من الله الغِنى عنها، فإنَّ ذلك طلبٌ من الله لنقص الدرجة وخفض المرتبة. مثل أن يقول: اللهم لا تجعلني أفعل نافلةً ولا أتقرَّب إليك بتطوع، ونحو ذلك، والله يحب من عبده التقرُّبَ إليه بالنوافل بعد الفرائض كما في «صحيح البخاري» (7) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله تعالى: _________ (1) مخطوط الحزب: «غيبته». (2) مخطوط الحزب: «الأحبَّاء». (3) «حزب البر»: (ق 5 أ). (4) سبق تخريجه (ص 38). (5) يعني: «حزب البحر». وانظر ما تقدم (ص 97). (6) كذا في النسخة، والوجه الرفع «واجب ... مستحب». (7) رقم (6502).

(1/148)


«مَن عادَى لي وليًّا فقد بارزني بالمُحاربة، وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افْتَرضْتُ عليه، ولا يزالُ عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أُحبَّه ... » الحديث. وفي الأحزاب (1) أمور أخرى ... (2)، ومتى خرج الإنسان عن الأحزاب النبوية والأذكار والدعوات الشرعية كان كالسالك بُنيَّات الطريق فقد [يقع في] (3) الضلال من حيث لا يدري، وقد يتداركه الله برحمته. وفي «الصحيحين» (4) عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: «قل: اللهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنت، فاغفِر لي مغفرةً من عندِكَ وارحمني إنَّك أنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ». فهذا أفضل الخلق بعد الأنبياء لم يَدْعُ في صلاته بدعاءٍ حتى سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أن يعلِّمه ذلك، وعلمه دعاءً مضمونه طلب المغفرة والرحمة من الله. وهؤلاء تجد أحدَهم يخترع أنواعًا من الأدعية تتضمن طلب نوعٍ من الإلهية، أو ما هو من خصائص النبوة، فأين هذا من هذا؟! وهذا كقوله: (وقد وَسِعْتَ كلَّ شيء من جهالتي بعلمك فَسَعْ ذلك برحمتك [م 44] كما وسعته بعلمك» (5). فإن هذا كلام من يعتقد أن الله لم يَسَعْ كلَّ شيء رحمةً، لكن قد يسعه _________ (1) غير واضحة في (م). (2) ثلاث كلمات لم تتبين. (3) كلمة غير واضحة، وما أثبته مقترح. (4) البخاري (834)، ومسلم (2704). (5) «حزب البر»: (ق 1 أ).

(1/149)


وقد لا يسعه، والله أخبر أنه وسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلمًا، فكلاهما واقع بسَعَة علمه بكل شيء، وسعة رحمته كل شيء، وهذا له بَسْطٌ ليس هذا موضعه. فكذلك قوله: (وقدِّسْنا عن كلِّ وصفٍ يُوجبُ نقصًا مما استأثرتَ به) (1). وكذلك قوله: (نسألك الفقرَ مما سواك والغنى بك، حتى لا نشهد إلا إياك) (2). فإن هذه ألفاظ مجملة قد يُراد بها معنًى فاسدٌ، كما قد يُراد بها معنى صحيحٌ، واللفظ الحَسَن أن يقال: نسألك الغنى عما سواك والفقر إليك. وقوله: «حتى لا نشهد إلا إياك» إذا أريد: حتى لا نشهد معطيًا وربًّا وإلهًا إلا إياك كان حسنًا، وإذا أريد به: حتى لا نشهد إلا إياك، فنغيب بك عن شهود المخلوقات، فهذا فناء ناقص، وهو من عوارض الطريق، ليس بواجب ولا مستحب، ولكن قد يعرض لبعض السالكين لضعفه، فيُعْذَر فيه لا يُحْمَد عليه. وقد يعنى به: حتى لا نشهد موجودًا إلا إياك، وهذا مشهد أهل الإلحاد القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد. وقد تكلمنا على أقسام الفناء في اصطلاح السالكين، وبينا أنه يراد به ثلاثة معان؛ أحدها: محمود، والثاني: منقوص، والثالث: إلحاد (3). _________ (1) «حزب البر»: (ق 1 ب). (2) «حزب البر»: (ق 1 ب). (3) انظر ما مضى (ص 70 - 71)، وما سيأتي (ص 161 - 162، 211 - 212).

(1/150)


فالأول: أن يفنى بعبادته عن عبادة ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه. وهذا حقيقة التوحيد الذي أرسل الله به الرسلَ وأنزل به الكتبَ، وهذا حال الأنبياء وأتباعهم. والفناء عن عبادة السِّوى يُقارنه البقاء بعبادته تعالى، فهذا الفناء يقارنه البقاء، وهو حقيقة قول: لا إله إلا الله. وأما النوع الثاني: وهو الفناء عن شهود السِّوى ويسمى الاصطلام، ومنه الفناء في توحيد الربوبية، وهو أن يغيب بمشهوده عن شهوده، وبمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، فيفنى بالمعروف عن المعرفة والعارف. وهذه الحال ليست واجبة ولا مستحبة، وليست حال الأنبياء ولا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولا أكابر المشايخ الصالحين، ولكن هو حالٌ يعْرِض لطائفةٍ من السالكين، كما يُذْكر عن أبي يزيد (1) - رحمه الله - وعن غيره أنه قال في هذا المشهد: «سبحاني» (2)، أو «ما في الجبَّة إلا الله» (3)! _________ (1) هو: طيفور بن عيسى بن سروشان أبو يزيد البسطامي ــ نسبة إلى بسطام بلدة بخراسان ــ من كبار الصوفية (ت 261). ترجمته في «طبقات الصوفية» (ص 67 - 74) للسلمي، و «الحلية»: (9/ 254 - 280)، و «رسالة القشيري»: (1/ 57 - 58)، و «السير»: (13/ 86). (2) ذكره عنه أبو طالب المكي في «قوت القلوب»: (2/ 144)، والغزالي في «الإحياء»: (1/ 48) وقال: لا يصح عنه، والمصنف في مواضع من كتبه بصيغة التمريض. (3) ذكره عنه المصنف في مواضع من «الفتاوى»: (8/ 313)، (13/ 199)، و «المنهاج»: (5/ 357). وقد جمع عبد الرحمن بدوي كتابًا في شطحات الصوفية، وأورد فيه كثيرًا من كلمات البسطامي، وليست هذه منها، انظر هامش تحقيق «المنهاج». والذي عُرِف بهذه العبارة أبو منصور الحلاج المقتول على الزندقة سنة (309)، انظر «وفيات الأعيان»: (2/ 145).

(1/151)


ونحو ذلك. ويحكون أن شخصًا كان يحبُّ آخر، [م 45] فألقى المحبوبُ نفسَه في اليمِّ، فألقى المحبُّ نفسَه خلْفَه، فقال: أنا وقعت فما أوقعك؟ فقال: غبتُ بكَ عَنّي، فظننتُ أنَّك أنِّي (1). وهذه الحال إذا زال معها عقل الإنسان الذي هو مناط التكليف بسببٍ غير محرَّم كان معذورًا، وإن كان بسبب محرَّم فقال مثل ذلك، فهو مذموم على ذلك. وهل يَكْفُر إذا زال بما تشتهيه النفس كالخمر؟ فيه نزاع معروف عند العلماء، وأما بما لا تشتهيه الطباع كالبنج، فقيل: هو كالسكران بالخمر، وقيل: كالمجنون. ومن زال عقله بالسماع ونحوه، فهو على هذا التفصيل. وأما في حال العقل؛ فمن قال هذا كان كافرًا يجب قتله إن لم يتب. وكثير من السالكين تعرض له هذه الحال في بعض الأوقات، فإذا حضرت فريضة قام إليها، ومنهم من يُحْفَظ عن المعاصي، وهذا لصدقهم في حال حضور العقل حُفِظوا في حال غيبة العقل. لكن بكل حال ليس _________ (1) ذكر المصنف هذه الحكاية في عدد من كتبه: في «الفتاوى»: (2/ 314، 369، 482)، (5/ 249، 6/ 26)، و «المنهاج»: (5/ 356)، و «الجواب الصحيح»: (3/ 338).

(1/152)


العبد مأمورًا بالمقام في هذه الحال، وهي تُحمد من جهة انجذاب القلب إلى ربه، ومن جهة توجُّهه إليه وتألُّهه إيَّاه، ويسميها بعضُ الناس: الجمع الأول. وطائفة من الناس جعلوا هذا المقام هو غاية السالكين، وأحسن منازل السائرين إلى الله، وقالوا: إن العبد حينئذٍ لا يستحسن حسنةً ولا يستقبح سيئةً، وهذا هو الغاية في كلام صاحب «منازل السائرين» الملقب بشيخ الإسلام من الإشارة إلى علو هذا المقام (1)، ما (2) أنكره عليه حُذَّاق العارفين. ولهذا يعلل هؤلاء المحبَّة والتوكل وغيرهما، ويجعلون ذلك من مقامات العامة، ويجعلون مقام الخاصة مشاهدة الربوبية العامة والقيومية الشاملة. ولا يصلون إلى الفرق الثاني وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وأنه المعبود دون ما سواه، وأن إلهيته بأن نعبده، وعبادته بأن نطيعه، وطاعته بأن نطيع رسوله (3). وهذا المقام مما حققه الجُنيد - رضي الله عنه - وأمثاله من أئمة أهل الطريق الذين يُقتدى بهم، الذين يلاحظون الأمرَ والنهي كالشيخ عبد القادر (4) ونحوه من المتأخرين. وهؤلاء هم الذين قالوا: قدَمُنا هذا ــ أي طريقنا هذه ــ _________ (1) أي مقام الفناء، وتقدمت إشارة المصنف إلى نحو هذا فيما سبق (ص 75) ونقلنا بعض عباراته في ذلك والتعليق عليه. (2) تحتمل: «مما». (3) انظر ما سبق (ص 118) مع التعليق. (4) هو: عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست ــ أي العظيم القدر ــ محيي الدين أبو محمد الجيلي الحنبلي، الزاهد المشهور (ت 561). ترجمته في «السير»: (20/ 439)، و «ذيل طبقات الحنابلة»: (2/ 187 - 209)، و «البداية والنهاية»: (16/ 419).

(1/153)


على رقبة كلِّ وليٍّ لله، أي: على كلِّ وليٍّ لله أن يتبع الأمر والنهي الإلهي النبوي الشرعي المحمدي، ويحكِّم على نفسه الكتاب والسنة، ولا يخرج عن ذلك [م 46] لا لذوقٍ يخالفه أو وجدٍ أو حالٍ أو مشهد أو غير ذلك، بل يزن أذواقه ومواجيده وأحواله وحقائقه بالكتاب والسنة (1). والذين نازعوا الجُنيد في هذا كأبي الحسين النوري (2) وأمثاله من المتصوفة حصل لهم من الاضطراب ما أوجب أمورًا، مع أن النوري - رحمه الله - كان أصح من غيره وأعلى. ولكن جاء قوم آخرون انحطُّوا عن هذه الدرجة (3)، فصاروا يشهدون الحقيقة الكونية القدرية، ويرونها هي الغاية، وأنَّ صاحبها لا يحتاج إلى الحقيقة الإلهية النبوية الشرعية، بل يتصرَّف بما يَجده ويذوقه (4)، والوجد والذوق إن لم يكن موافقًا للأمر كان من اتِّباع الهوى. ولهذا تجد كلَّ من يحتج بالحقيقة إنما هو متبع لهواه لا مطيع لمولاه، لا يحتج بعلم، إذ لو كان عنده علم لقال به، قال الله تعالى: {سَيَقُولُ (5) الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا _________ (1) وعبارات بعضهم في ذلك مشهورة؛ كقول الداراني: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. وقول الجنيد: من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر؛ لأن علمنا هذا مقيَّد بالكتاب والسنة. وغيرهما انظر «رسالة القشيري»: (1/ 61 - 79). (2) تقدمت ترجمته (ص 120). (3) وهذا هو النوع الثالث من أنواع الفناء، وهو الفناء عن وجود السِّوى. (4) تحتمل: «وبذوقه». (5) (م): «وقال».

(1/154)


أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148]. ومِن هؤلاء مَن يقول: إنما رجع إلى الأمر والنهي لأجل العامة، أو لئلا يَخْرب المارَِسْتان (1)، إشارة إلى أن الأمر والنهي حينئذ سلكه العارف لمصلحة العامة لا لحاجته إليه. وهذا من الجهل بالفرق بين توحيد الإلهية وبين توحيد الربوبية، وبين الأمر الديني الشرعي النبوي الإلهي، والأمر الكوني القدري، وقد بُسِط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع (2). وأصحاب هذا المشهد قد ينتقل أحدهم من هذا إلى الوحدة، ولهذا يقولون: السالك يشهد أولًا طاعة ومعصية، ثم يشهد طاعةً بلا معصية، ثم لا يشهد لا طاعة ولا معصية. وقد يقول بعضهم: يكون أولًا فقيرًا، ثم يصير نبيًّا، ثم يصير إلهًا، وحينئذ يدخلون إلى النوع الثالث من الفناء، وهو فناء المُلْحِدين الذين يقولون: _________ (1) نسب المصنف هذا القول إلى الشيخ المغربي كما في «الفتاوى»: (8/ 231)، (14/ 358). والمارستان ــ بفتح الراء وكسرها ــ: دار المرضى أو المستشفى، وهو فارسي معرَّب، وأصله بيمارستان ــ بكسر الموحدة وسكون الياء بعدها وكسر الراء ــ بيمار عندهم هو المريض، وأُستان بالضم: المأوى، ثم خُفِّف فحُذِفت الهمزة، ولما حصل التركيب أسقطوا الباء والياء عند التعريب. انظر «قصد السبيل»: (1/ 320، 2/ 431) للمحبي، و «تاج العروس»: (8/ 471). (2) انظر «الفتاوى»: (8/ 231)، (10/ 217)، (11/ 244 - 248)، (13/ 214)، (14/ 358).

(1/155)


الوجود واحد؛ كابن عَرَبي وابن سَبْعين وابن الفارض والقُوْنَوي والتِّلِمْساني وأمثالهم ممن يجعل الوجود الخالق هو الوجود المخلوق، وربما جعلوه حالًّا فيه، ومذهبهم دائر بين الاتحاد والحلول. ولكن قد لا يرضون لفظ الاتحاد، بل يقولون: الوحدة؛ لأن الاتحاد يكون بين شيئين، وهم يقولون: الوجود واحد لا تعدد فيه، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع. فإنَّ الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، كما أن الذوات مشتركة في مسمى الذات، ولكن ليس وجود هذا وجود هذا، كما أنه ليس ذات هذا هي ذات هذا، والقدر المشترك هو كُليٌّ مطلق، والكُلِّي المطلق لا يوجد كليًّا مطلقًا إلا في الأذهان لا في الأعيان، بل كلُّ موجود من المخلوقات له ما يختصّ به، لا يشاركه فيه غيره في الخارج، فهذا الإنسان المعيَّن لا يُشاركه هذا الإنسان المعيَّن فيما يختصُّ به من إنسانيته الخاصَّة، وحيوانيته الخاصة، ووجوده الخاص، ولكن هو وغيره يشتركان في مطلق الحيوانية والإنسانية والوجود، ونحو ذلك. وهذه المشتركات لا تختص واحدًا منها، ولا توجد في الخارج مشتركة مطلقة، بل لا توجد إلا معينة مختصة، وقد بُسِط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع (1). فإنه بسبب الاشتباه في هذه الكليات المطلقة ضلَّ طوائف من أهل العلوم النظريات والذوقيات، وإذا كان وجود المخلوق المختص به لا يَشْرَكه فيه غيره وإن كان يشابهه فيه غيره، فالخالق تعالى أبعد عن أن يشاركه غيره فيما يختصُّ به سبحانه وتعالى. _________ (1) انظر «الصفدية»: (2/ 276 وما بعدها)، و «الفتاوى»: (7/ 406)، (4/ 59).

(1/156)


ولولا أنه قد اشتهر فساد قول هؤلاء للسائلين عن هذه الأحزاب لبسطنا فيه الخطاب، و «صاحب الحزب» إن لم يكن من هؤلاء ففي كلامه ضَرْب من الفلسفة الفاسدة، وضَرْب من مذهب الحلولية القائلين بالحلول الخاص أو العام، وهذا مما ابتلي به طوائف من متأخري الصوفية، لاسيما المستمدين من كلام صاحب «مشكاة الأنوار»، والكتب المضنون بها على غير أهلها (1)، فإنَّ في كلام هؤلاء قطعة من قول النصارى وفلاسفة النصارى. كما في قول طائفة من متأخري أهل البدع من متكلمي الفقهاء قطعة من قول اليهود وفلاسفة اليهود، كقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: إنَّ الله لا يُرَى في الآخرة، وأن كلام الله مخلوق لم يقم بذاته. والفلاسفةُ منهم يقولون: هو فيضٌ فاض على النفوس ليس له وجود في الخارج، وهو قول الاتحادية ونحوهم من فلاسفة النصارى والمشابهين لهم من مبتدعة الصوفية. ومَن لم يعرف حقيقة الإسلام الذي بعث الله به رسولَه [م 48] وأنزل به كتابه، وما في طرائق الناس مما يوافق ذلك وما يخالفه، لم يحصل له الفرقان الإلهي النبوي المحمدي، ومَن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. * * * * _________ (1) هو الغزالي، وقد تقدم البحث في نسبة هذه الكتب إليه (ص 61).

(1/157)


فصل ومما يشبه كلام هؤلاء قول صاحب «الحزب» فيما صنفه في آداب الطريق في علم الحقيقة (1)، قال في آخره: (الطريق طريقان؛ طريق خاصَّة وطريق عامة، وأعني بالخاصَّة المحبوبين الذين هم أبدال الأنبياء (2). فأما طريق الخاصة؛ فهو طريق عُلْوي تضمحلُّ العقول في أقل القليل من شرحها. ولكن عليك بمعرفة طريق العامة؛ وهو طريق الترقِّي من منزل إلى منزل إلى أن ينتهي إلى منزل هو مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر. فأول منزل يطؤه المحبّ للترقي منه إلى العليّ هو النفس، فيشتغل بسياستها ورياضتها إلى أن ينتهي إلى معرفتها، فإذا (3) عرفها وتحقق بها فهنالك تُشْرق عليه أنوار الثاني (4) وهو القلب، فيشتغل بسياسته ومعرفته. فإذا صحَّ له ذلك ولم يبق عليه منه شيء رُقِّي إلى المنزل الثالث وهو الروح (5). _________ (1) هذه القطعة الطويلة من كلام الشاذلي ساقها ابن الصباغ الحميري في «درة الأسرار» (ص 168 - 171)، والشعراني في «طبقاته»: (2/ 11 - 12)، وسنذكر الفروق بين ما ساقه المؤلف وبين هذه المصادر، ورمزنا للأول (د) وللثاني (ش). (2) العبارة في د: «وأعني بالخاصة المحبين الذين هم أبدال الرسل، وأعني بالعامة المريدين الذين هم أبدال الأنبياء فعلى جميعهم السلام». فلعله وقع سقط في الأصل. (3) د: «فإن». (4) د: «عليه الأنوار. المنزل الثاني ... ». (5) بعده في د: «فيشغل بسياستها ومعرفتها».

(1/158)


فإذا تمَّت له المعرفة به هَبَّت عليه أنوار اليقين شيئًا فشيئًا، حتى إذا آنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه [بروزًا] لا يعقل فيه شيئًا (1) مما تقدم له من أمر المنازل الثلاثة. فهناك يهيم (2) ما شاء الله، ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي في أنوار اليقين، فيشهد موجودًا لا حدَّ له (3) ولا غاية، بالإضافة إلى هذا العبد، وتضمحلُّ جميعُ الكائنات فيه، فتارة يشهدها (4) فيه كما يشهد الينابيب (5) في الهواء بواسطة الشمس، فإذا انحرف نور الشمس عن الكُوَّة فلا يشهد للينابيب (6) أثرًا. فالشمس التي يبصر بها (7) هو «العقل الضروري» بعد المادة بنور اليقين. فإذا اضمحلَّ هذا النور ذهبت الكائنات كلُّها وبقي هذا الموجود، فتارة يفنى وتارة يبقى، حتى إذا أريد به الكمال نودي (8) منه نداءً خفيًّا لا صوت له، فيُمد بالفهم عنهم (9)، إلا أن الذي تشهده غير الله ليس من الله في شيء، فهناك _________ (1) العبارة في د: «عليها أبرز اليقين بروزًا لا يعقل، فينشأ مما ... ». (2) د: «يفهم». (3) د: «فيشهده مشهود لأحواله ... » وفيه تحريف. (4) (م): «يشهد ما». والإصلاح مما سيأتي، ومن د، ش. (5) د: «النيابة»، ش: «البناء بيتًا». (6) د: «النيابة». (7) العبارة في ش: «وتارة لا يشهدها لانحراف نور الشمس عن الكوة، فالشمس التي يبصر بها ... ». (8) من قوله: «كلها وبقي ... » إلى هنا ساقط من د. (9) د، ش: «عنه».

(1/159)


ينتبه من سكرته فيقول: أي ربِّ أغثني فإني هالك (1)، فيعلم يقينًا أن هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله. فحينئذ يقال له: إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أول ما خلق الله العقل»، وفي خبر آخر: «قال له: أقبل، فأقبل ... » الحديث (2)، فأُعطي هذا العبد [م 49] الذل والانقياد لنور هذا الموجود، إذ لا يقدر على حَدِّه (3) وغايته فعَجَز عن معرفته. فقيل له: هيهات لا تعرفه بغيره (4)، فأمدَّه الله عز وجل بنور أسمائه، فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله ــ نرفع درجاتٍ من نشاء ــ فأمدَّه الله بنور الروح الرباني، فعرف به هذا الموجود. فرُقِّي إلى ميدان الروح الرباني، فذهب جميع ما تحلَّى به هذا العبد، تخلَّى عنه بالضرورة وبقي كلا (5) شيء موجود، ثم أحياه الله بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني (6). _________ (1) د: «فإني جاهلك»! وش: «يا رب أثبتني وإلا أنا هالك». (2) سيأتي تخريجهما (ص 193) عند كلام المصنف عليهما أثناء رده على هذا الكلام. (3) د: «أخذه». (4) من قوله: «فعجز عن ... » إلى هنا ساقط من ش، وبعده: «فإذا أمد الله ... ». (5) د: «وتخلى عنه بالضرورة ويقول كل ... »، وش: «العبد وما تخلى عنه بالضرورة وبقي كلا موجود ... ». وكان في (م): «كل شيء» والإصلاح من موضع آتٍ في الكتاب، وش. (6) د: «صفاته فأدركه ... الوجود الرباني».

(1/160)


فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد (1) يقول: هو الله. فلحقته العناية الأزلية فنادته، ألا إن هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحدٍ أن يصفه (2)، ولا أن يعبِّر عن شيء (3) من صفاته لغير أهله، لكن بنور غيره يعرفه (4)، فأمده الله بنور سرّ الروح، فإذا هو قاعد (5) على باب ميدان السرِّ، فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور السر (6)، فرفع هِمَّته ليعرف هذا السر (7) فعَمِي عن إدراكه، فتلاشت جميعُ أوصافه كأنه ليس بشيء، ثم أمدَّه الله بنور ذاته فأحياه به حياة (8) باقية لا غاية لها، فنظر جميع المعلومات (9) بنور هذه الحياة، فصار أصل الموجودات نوره شائع (10) في كل شيء لا يشهد (11) غيره. فنودي من قريب: لا تغتر بالله، فإن المحجوب من حُجِب بالله (12)، إذ محال أن يحجب غيره فحيّ بحياة استودعها الله فيه، فقال: أي ربِّ بك منك _________ (1) ش: «كان». (2) ش زيادة: «بصفة». (3) ش: «عنه بشيء». (4) د: «يعبر به». (5) ش: «وجد نفسه جالسًا». (6) «فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور السر» سقط من ش. (7) د، ش: «هذا الموجود الذي هو السر ... ». (8) ش: «أحياه حياةً». (9) (م): «العلويات» وستأتي على الصواب في كلام المصنف، وكذا في د، ش. (10) العبارة في ش: «ووجد نور الحق شائعًا». (11) د: «لا يعرف». (12) د، ش: «عن الله بالله».

(1/161)


إليك، أقِل عثرتي، فإني أعوذ (1) بك منك، حتى لا أرى غيرك. فهذه سبيل الترقِّي إلى حضرة العليِّ الأعلى، وهي طريق المحبين أبدال الأنبياء، والذي يُعْطَى (2) أحدهم من بعد هذا لا يقدر أحد أن (3) يصف منه ذَرَّة (4). قال: وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين، فهو (5) منه إليه (6)، إذ محال أن يتوصل إليه بغيره. فأول قدم لهم بلا قدم أن ألقى إليهم (7) من نور ذاته، فغَيَّبهم بين عباده، وحبَّب إليهم الخلوات، وصغَّر (8) الأعمال الصالحات، وعظَّم عندهم رب الأرض والسموات، فبينا هم كذلك إذ ألبسهم ثوب العدم، فنظروا فإذا هُمْ بلا هَمّ (9). _________ (1) العبارة في د: «أن يحجبه غيره فيحيى بحياةٍ استودع الله فيها ... فأقل ... ». وفي ش: «أن يحجبه غيره وهناك يحيى حياةً ... ثم قال: أعوذ بالله ... ». (2) ش: «وما يعطيه الله تعالى لأحدهم». (3) د: «من بعد لا يقدر أن ... »، وش: «من بعد هذا المنزل ... ». (4) بعده في د، ش: «والحمد لله على نعمائه» وزاد التصلية في د. (5) ش: «وأما طريق المحبوبين الخاصة بهم فإنه ترقٍّ». (6) بعده في د، ش: «به». (7) د: «عليهم»، ش: «إذ ألقى عليهم». (8) بعده في د، ش: «لديهم». (9) ش: «لا هم».

(1/162)


ثم أردف عليهم ظلمةً غيَّبتهم عن نظرهم، بل صار (1) عدمًا لا علة له، فانطمست جميع العلل، وزال كل حادث فلا حادث ولا وجُود، بل ليس إلا العدم الذي لا علة له، وما لا علة له فلا معرفة تتعلق به. اضمحلَّت المعلومات وزالت المرسومات زوالًا لا علة [م 50] فيه، وبقي من أشير إليه لا وصفَ له ولا صفةَ ولا ذات، فاضمحلَّت النعوتُ والأسماءُ والصفات، فلا اسم ولا صفة ولا ذات. فهناك ظهر من لم يَزَلْ ظهورًا لا علَّةَ له (2)، بل ظهر بسِرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أوليَّةَ له، بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته فحَيِيَ هذا العبد (3) بظهوره حياةً لا علة لها، فظهر بأوصافٍ جميلة كلُّها لا علة لها (4)، فصار أولًا في الظاهر فلا ظاهر (5) قبله، فوجدت الأشياء بأوصافه، فظهر (6) بنوره في نوره. فأول ما ظهر سره، فظهر به قلمه (7)، ثم ظهر أمره في سره، وظهر بأمره الدواة في نور العلم بنور القلم (8)، ثم ظهر عقله بأمره في أمره، وظهر به عرشه في نور لوحه بنور وجهه (9). ثم ظهر روحه بعقله في عقله، فظهر بروحه _________ (1) د: «صاروا»، ش: «فصار نظرهم». (2) د: «علة له فيه»، ش: «علة فيه». (3) ش: «لذاته في ذاته فهناك يحيى العبد ... ». (4) «فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها» سقط من ش. (5) د: «الظهور فلا ... »، ش: «ظهوره لا ظاهرًا». (6) د، ش: «فظهرت». وبهذا المقطع ينتهي ما في ش مما ساقه المصنف. (7) د: «قلبه». (8) د: «بأمره الذوات في قول القدم». (9) «بنور وجهه» سقطت من د.

(1/163)


كرسيه في نور (1) عرشه. ثم ظهر قلبه بروحه في روحه، فظهر بقلبه حجبه في نور كرسيه بنور كرسيه. ثم ظهرت نفسه بقلبه في قلبه، وظهر بنفسه فلك للخير والشر في نور حجبه بنور حجبه. ثم ظهر جسمه بنفسه في نفسه، وظهر بجسمه أجسام العالم كلها (2) الكثيف من أرضٍ وسماء، وعلى الجملة كل كثيف في نور الفلك) (3). * * * * فيقال: هذا الكلام وإن كان في بعضه أمور صحيحة موافقة للكتاب والسنة، ففيه أمور منكرة باطلة مخالفة لدين المسلمين. فمنها ما هو مبنيٌّ على أقوال الفلاسفة الباطنية، ومنها ما هو من مذهب الحلولية، ومنها غير ذلك. فأما تقسيمه الطريق إلى طريق خاصَّة وعامَّة، وجعله الأول طريق المحبين والثاني طريق المحبوبين، فيقال: كلُّ وليٍّ لله فهو مُحِبٌّ لله وهو محبوب لله، وحبُّ العبد لربه وحبُّ الرب لعبده متلازمان، فإن الله لا يحب إلا من يحبه، ومن أحبَّ الله فإن الله يحبه. ولكنَّ الناس هنا يتكلمون في المجذوب والمربي، ومع هذا فقد يكون بعض المجذوبين أعلى، وقد يكون بعض المربين أعلى، مع أنه لابد لكل سالك من متابعة الرسول، وهذا هو أصل التربية. _________ (1) د: «نوره بنور ... ». (2) ليست في د. (3) هنا ينتهي كلام الشاذلي الذي ساقه المصنف بطوله وقد ميزناه بخط أثخن. وسينقله فيما سيأتي فقرةً فقرةً ويردّ عليه.

(1/164)


ولابد أن يجتبيه الحق إليه وهو الجذب، لكن قد يكون ابتداء السلوك قصد العبد وعمله وعبادته ومجاهدة هواه، وقد يمن عليه ابتداءً باجتبائه إليه، وإنابته إلى مولاه، وإعراضه عما سواه، وقد [م 51] قال تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ} [الشورى: 13]. وقد قال بعض الشيوخ: إن هذه الآية فيها ذِكْر المجذوب والمربِّي. وبَسْط هذا له موضع آخر. وفي المشايخ مَن يقسِّم السالكين إلى مريد ومراد (1)، ومعلوم أن الذين قال الله فيهم: {(51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ما أرادوا وجهَه حتى أرادَ ذلك منهم على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر، وجمهور الصوفية على مذهب أهل السنة في ذلك، حتى إن كثيرًا منهم يغالي (2) في ذلك، ويُسقط الأمرَ والنهيَ في بعض المشاهد والأحوال. وكذلك من أراده الله واجتباه وأحبه واصطفاه فلابد أن يجعله مريدًا له، لكنَّ الذين فرقوا بينهما لهم كلامٌ ليس هذا موضع بَسْطه (3). وإنما المقصود هنا أن نقول: انقسامُ أولياءِ الله إلى عامٍّ وخاص تقسيم صحيح، لكنَّ الخواص هم السابقون المقرَّبون، والعامة هم الأبرار أصحاب اليمين، قال تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 32]. وقال تعالى: {(6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ _________ (1) انظر «الرسالة القشيرية»: (2/ 351 - 355). (2) (م): «يغالوا». (3) ينظر المصدر السابق، و «الاستقامة»: (2/ 30 - 34)، و «مدارج السالكين»: (2/ 473 - 479)، (3/ 122 - 129).

(1/165)


الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ} [الواقعة: 7 - 11]. وقال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 88 - 91]. وقال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) ... } إلى قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 22 - 28]. قال ابن عباس: يشرب بها المقرّبون صِرْفًا، ويُمزَج لأصحاب اليمين مزجًا (1). وقال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ} الآية [الإنسان: 5]. فهذه خمسة (2) مواضع من كتاب الله يذكر فيها انقسام أهل الجنة إلى أبرارٍ أصحابِ يمين، ومقربين سابقين. وفي «صحيح البخاري» (3) الحديث الإلهي المشهور: «يقول الله: مَن عادَى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» وقد تقدم (4). فقد قسم الأولياء إلى من تقرب بالفرائض ومَن لا يزال يتقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض، ولهذا قال مَن قال: إن الأولين هم الأبرار وإن الآخرين هم المقربون (5). _________ (1) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: (2/ 357)، وابن جرير: (24/ 222). وهو قول ابن مسعود وحذيفة، والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم مِن السلف. انظر «الدر المنثور»: (6/ 543 - 544). (2) في (م): «خمس». (3) رقم (6502). (4) (ص 149). (5) (م): «المقربين». وقد تكلم المصنف على أقسام أهل الجنة إلى سابقين ومقربين في مواضع كما في «الفتاوى»: (3/ 417)، (11/ 23 - 24، 176 - 180).

(1/166)


وهكذا الأنبياء نوعان: نبيٌّ مَلِك، وعبد رسول. ولهذا لما خُيِّر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين أن يكون نبيًّا مَلِكًا أو عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا. فالعبد الرسول الذي لا يفعل إلا ما أحبَّه ربُّه من واجبٍ [م 52] ومندوب فلا يُعطي إلا من أُمِرَ بإعطائه، ولا يمنع إلا من أُمِرَ بمنعه، كما في «صحيح البخاري» (1): «إنِّي والله لا أُعْطِي أحدًا ولا أمنع أحدًا وإنَّما أنا قاسمٌ أضعُ حيثُ أُمِرتُ»، فإنه لم يُرِد بذلك العطاء والمنع الذي يحصل بمجرَّد المشيئة والقَدَر، فإنَّ جميع المخلوقات لا يعطون ولا يمنعون إلا بمشيئة الله وقدره، فلا فضيلة في هذا للمؤمن على الكافر فكيف بالأنبياء؟! بل المراد العطاء والمنع الشرعي، أي: لا أعطي إلا مَن أُمِرتُ بإعطائه، ولا أمنع إلا مَن أُمِرتُ بمنعه، وهذه صفة العبد الرسول. بخلاف النبي الملك، فإن الله قال لسليمان: {(38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ} [ص: 39]. قال المفسرون: اعطِ من شئت، واحْرِم من شئت لا حساب عليك (2). فهذا إذنٌ له أن يعطي ويمنع بحكم إرادته كما يُؤذَنُ للمالك أن يعطي ويمنع لمن يريد إذا لم يكن في ذلك فِعْل محرّم. لكنَّ الأول أعلى درجة، فإن إعطاءَه ومنعَه عبادة يتقرَّب بها إلى الله، وهذا عطاؤه ومنعه مباح له، يتنعم به ولا يُعاقَب عليه، وما يحصل به ثوابٌ أعظم مما لا يحصل _________ (1) رقم (3117) بنحوه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (2) أخرج ابن جرير: (20/ 99 - 102) وعبد بن حميد ــ كما في «الدر المنثور»: (5/ 588) ــ نحوه عن الحسن ومجاهد وغيرهما.

(1/167)


به عقاب (1). فهكذا الأولياء منهم مَن يكون على الطريقة الأولى، فتكون المباحات في حق غيره عبادات له يتقرب بها إلى الله لا يفعلها إلا بأمره، ومنهم من يفعل المباحات متنعِّمًا بها غير آثم بها ولا مُعاقَب عليها، فهذا تقسيم صحيح معروف بالقلوب، معلوم بالكتاب والسنة. وأما قول القائل (2): «عليك بمعرفة طريق العامة، وهو طريق الترقِّي من منزل إلى منزل، وأن طريق الخاصة منه إليه» فهذا يشير إلى الحلول والاتحاد كما سنبينه إن شاء الله (3). وما ثَمَّ طريقٌ لخاصة ولا عامة إلا وفيها ترقٍّ من منزل إلى منزل، كما قال أعلم الخلق بالله وبطريق الله فيما يروي عن الله: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحبّه» (4) والتقرُّب هو الترقِّي. فما في أولياء الله إلا مترقٍّ متقرّب إليه إما بالفرائض وإما بالنوافل بعد الفرائض، ومن لم يتقرَّب إليه لا بفريضة ولا نافلة فليس من أولياء الله، بل من أعدائه، فضلًا عن أن يكون من خواص الأولياء! وأما قوله: «فأول منزل يطؤه المحبُّ للترقِّي منه إلى العَلي فهو النفس» فالكلام هنا في نوعين: _________ (1) انظر في الكلام على النبي الملك والعبد الرسول «الفتاوى»: (11/ 180 - 182)، (19/ 51)، (35/ 34). (2) هذا القول وما سيأتي من أقوال الشاذلي ساقها المصنف بتمامها فيما مضى (ص 158 - 164)، والآن يسوقها مفرقة مع بعض التصرف ويرد عليها. (3) (ص 153 وما بعدها). (4) قطعة من حديث: «من عادى لي وليًّا» وقد تقدم تخريجه.

(1/168)


أحدهما: أن يقال: كثير مِن [م 53] المصنفين والمتكلمين في منازل السائرين إلى الله، ومنهاج القاصدين إليه، وطريق السالكين إليه، يذكر كلٌّ منهم عددَ المنازل وترتيبَها بحسب سَيْرِه هو، أو ما عَلِمَه هو مِن أحوال السالكين، ولا يكون ذلك صفةَ كلِّ سالك، بل كثير من السالكين لهم طرق أخرى وترتيب آخر وعدد آخر. وكثير منهم لا يكون سلوكهم بترتيب معين وعدد معين، ولهذا تجد شيخَ الإسلام الأنصاري في «منازل السائرين» يصفُ ترتيبًا وعددًا، وتجد أبا بكر الطُّرْطُوشي (1) يصف في كتابه ترتيبًا آخر، وتجد أبا طالب المكي (2) يذكر نوعًا ثالثًا، وتجد غيرهم يذكر أمرًا آخر. وهذا كما أن أهل النظر والاستدلال من السالكين طريقَ العلم تجد لكلٍّ منهم من ترتيب المقدِّمات العلمية التي يستدل بها طريقًا غير طريق الآخر. ثم كلُّ مِن هؤلاء وهؤلاء أصحاب المقدِّمات المرتَّبة علمًا وعملًا في كلامهم _________ (1) (م): «الطرشوشي»! أما الكتاب الذي ذكره المصنف فلعله ما ذكره الضبي في «بغية الملتمس» (ص 138) قال: «وله كتاب كبير يعارض به كتاب الإحياء ــ للغزالي ــ رأيت منه قطعة يسيرة» اهـ. وقد كتب الطُّرطوشي جانبًا من نقده للإحياء وصاحبه في رسالة له إلى ابن مظفَّر ذكرها السبكي في «طبقات الشافعية»: (6/ 242 - 243). (2) هو: محمد بن علي بن عطية الحارثي أبو طالب المكي الزاهد الواعظ (ت 386) صاحب «قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى طريق التوحيد» في التصوف، وهو مطبوع، ولعله ما أشار إليه المصنف. ترجمته في «تاريخ بغداد»: (3/ 89)، و «وفيات الأعيان»: (4/ 303)، و «السير»: (16/ 536 - 537). وقد أشار المصنف في «الفتاوى»: (10/ 551) إلى أن في «قوت القلوب» أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة. وانظر ما تقدم (ص 84 هامش 2) عن علاقة الإحياء بكتاب القوت.

(1/169)


ما هو صواب وما هو خطأ، فما وافقَ الكتابَ والسنّةَ من ذلك كلّه فهو صواب، وما خالف ذلك فهو خطأ. وهذا موضعٌ اشتبه على كثير من أهل العلم والعبادة، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. ولهذا أمر الله المسلم أن يقول في كل صلاة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7]، والكلامُ على هذا مبسوط في غير هذا الموضع. النوع الثاني: أن لفظ النفس والروح والقلب والفؤاد ونحو ذلك، مما يتنازع الناسُ في معناها؛ إما لاختلاف اصطلاحاتهم، وإما لاختلافهم في المعنى. فلفظ «النفس» يُراد به تارةً ذاتُ الشيء وعينُه، ويراد به الدم السائل، كقول الفقهاء: ليست له نفسٌ سائلة، وقول الشاعر (1): تَسِيلُ على حَدِّ الظُّباةِ نفوسُنا ... وليستْ على غير الظُّباةِ تَسِيل ويراد به الروح التي في الإنسان، كقوله: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27 - 28]، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نام عام خبير: «إنَّ الله قبضَ أنفسنا (2) حيثُ شاء» (3)، وفي الحديث ــ قاله بلال ــ: «أخذ _________ (1) البيت للسموأل بن عادياء «ديوانه» (ص 91) من أبيات في قصيدته اللامية المشهورة، ونُسبت أيضًا إلى غيره كما في «الحماسة»: (1/ 79 - 81) لأبي تمام. (2) كتب فوقها في (م): «أرواحنا»، واللفظ الوارد في الحديث: «أرواحكم». وأشار المصنف في «الفتاوى»: (4/ 225) إلى أن لفظ «أنفسنا» جاء في روايةٍ. (3) أخرجه البخاري (595) من حديث أبي قتادة - رضي الله عنه -. وأصل الحديث في مسلم (681) مطولًا بسياق آخر وليس فيه هذا اللفظ.

(1/170)


نفسي الذي أخذ بنفسك» (1). ومنه قوله في الحديث: «اخرجي أيتها النفسُ المطمئنَّة ــ كانت في الجسد الطيب ــ» (2). ويراد بها أيضًا بعض صفاتها المذمومة كالهوى المُرْدي، فيقال: فلان له نفس، كما يقال: فلان له لسان، وفلان له قلب. [م 54] أي: لسان خاص، وهو القادر على الكلام، وقلب خاص، وهو الذي له حالٌ من معرفةٍ ووجدٍ وصدقٍ ونحو ذلك. فكثير من أهل السلوك يريدون بلفظ النفس: النفس الخاصة المذمومة، وقد يقسمون لفظ النفس إلى ثلاثة: أمَّارة، ولوَّامة، ومطمئنة (3). وأما لفظ «الروح»؛ فقد يراد به الروح التي في الإنسان، وهي النفس التي تُقبض وقت الموت. ولفظ الروح والنفس بهذا الاعتبار اسمان لذات واحدة، لكن باعتبار صفات متنوعة، فتسمى روحًا باعتبار، ونفسًا باعتبار، وإن كانت _________ (1) أخرجه مسلم (680) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. ووقع في (م): «أخذ نفسك». (2) أخرجه أحمد (8769)، والنسائي في «الكبرى» (11378)، وابن ماجه (4262)، وابن خزيمة في «التوحيد» (1/ 276 - 277)، والحاكم: (1/ 353) مختصرًا، وغيرهم من طرق عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ونقل المصنف في «الفتاوى»: (5/ 445) عن أبي نعيم قوله: هذا حديث متفق على عدالة ناقليه. قلت: وله شواهد من حديث البراء بن عازب وعائشة - رضي الله عنهم -. ولفظ حديث أبي هريرة فيه «النفس الطيبة ... »، وحديث البراء فيه «النفس المطمئنة» لكن ليس فيه «كانت في الجسد الطيب». (3) انظر «الفتاوى»: (15/ 143، 341)، (28/ 148)، و «إغاثة اللفهان»: (1/ 125 - 134)، و «الروح» (ص 495).

(1/171)


الذات واحدة. ومن هذا الباب أسماء الرسول، وأسماء القرآن، بل وأسماء الله الحسنى، فإن هذه الأسماء تدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة، وهذه الأسماء مترادفة في الذات متباينة في الصفات، ويسميها بعضُ الناس: المتكافئة، وهي مَرْتبة (1) بين المترادفة المَحْضة وبين المتباينة المَحْضة. وقد يراد بلفظ الروح البخار الخارج من القلب، وهو لغة الأطباء. وقد يراد بلفظ الروح الهواء الذي يخرج من البدن. وطائفة من الناس يظنون أن هذا الهواء هو الروح المنفوخة في الإنسان التي تُقْبض وقت الموت. والصواب الذي عليه السلف والأئمة: أن تلك الروح ليست هي البدن ولا جزءًا من البدن، ولا صفةً من صفات البدن، كما يقول ذلك مَن يقوله من أهل الكلام. ولا هي أيضًا مجردة عن الصفات الثبوتية والأفعال، كما تزعم المتفلسفة الذين يقولون: إنها لا تصعد ولا تنزل، ولا تتحرك ولا تسكن، ولا تدخل ولا تخرج، ولا يتميز منها شيء عن شيء (2). ويقول طائفة منهم كابن سينا: إنها لا تُدرِك الجزئيات المعينة، إلى غير ذلك من أقوال النُّفاة الذين قالوا فيها نظيرَ قولِهم في واجب الوجود، فلم _________ (1) ضبطت في (م): «مُرَتّبة»! (2) للمصنف رسالة في «الروح» ضمن «الفتاوى»: (4/ 216 - 231)، وأخرى في العقل والروح، انظر كلامه على الروح فيها «الفتاوى»: (9/ 289 - 304). ولتلميذه ابن القيم كتابه المشهور «الروح».

(1/172)


يصفوه إلا بالسُّلُوب، حتى جعلوا الوجود الواجب الذي هو أحق الموجودات بالكمال الوجودي إنما يوصف بالسلوب التي تجعله في حَيِّز الممتنعات التي تُقَدَّر في الأذهان، ويمتنع وجوده في الأعيان، كقولهم: إنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق المقيد بالنفي عن كل الإثبات، مع علمهم بأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، وهذا قول أهل الإحاطة (1)، [م 55] وقول طائفة من الباطنية القرامطة. وقولُ ابن سينا وغيره: إنه الوجود المقيَّد بسَلْب كلِّ حقيقة، فجعله مشاركًا للموجودات الممكنة في مسمى الوجود، وهي تمتاز عنه بأمور وجودية، وهو لا يمتاز عنها إلا بأمور عَدَمية، والوجود أكمل من العدم، فلازمُ قوله أن يكون وجود كل ممكن ــ حتى البعوضة ــ أكمل من وجود واجب الوجود. وأيضًا: فإن المشتركين في أمر ثُبوتيّ لا يتميز أحدُهما عن الآخر لمجرد أمرٍ عدمي، ولهذا يقولون: إن الفصول والخواص التي تميز بين الأنواع لا تكون عدمًا محضًا، بل لابدَّ أن تتضمن ثبوتًا؛ لأن العدم المحض لا يميز أحد المشتركين في الوجود عن صاحبه. وقد بُسِط الكلامُ على هؤلاء في غير هذا الموضع (2)، والمقصود هنا أن تعرف مراد الناس بلفظ النفس والروح. وكذلك «القلب» يراد به المُضْغة الصَّنَوْبَرية الشكل التي في الجسد مجرَّدةً، والبهيمةُ لها قلبٌ بهذا المعنى. _________ (1) انظر كلام المصنف عليهم ومناظرته مع بعض حُذَّاقهم «الصفدية»: (1/ 296). (2) انظر «الصفدية»: (1/ 112)، و «الرد على المنطقيين» (ص 407)، و «منهاج السنة»: (8/ 38).

(1/173)


ويراد به هذه المضغة مُقيَّدةً بالروح، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا إنَّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح لها سائرُ الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائرُ الجسد، ألا وهي القلب» (1). كما في الحديث الآخر: «إذا أصبح ابنُ آدم فإنَّ الأعضاء كلَّها تُكفِّر اللسان ــ أي تخضع له وتذل ــ تقول له: اتَّق الله فينا، فإنك إذا استقمتَ استقمنا، وإن اعوجَجْتَ اعوجَجْنا» (2). وفي حديث آخر: «لا يستقيمُ إيمانُ عبد حتى يستقيمَ قلبُه [ولا يستقيمُ قلبُه] حتى يستقيمَ لسانُه» (3). فاستقامة القلب واللسان تتضمن استقامة الروح والبدن جميعًا؛ فإن البدن مقترن بالروح، فلا يحصل للبدن عمل اختياري إلا بمشاركة الروح، ولهذا ضرب لهما المَثَل في الحديث المأثور عن ابن عباس، رواه ابن منده في _________ (1) تقدم تخريجه (ص 115). (2) أخرجه أحمد (11908)، والترمذي (2407)، والطيالسي (2323)، والبيهقي في «الشعب» (4595) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. قال الترمذي: «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن زيد، وقد رواه غير واحد عن حماد بن زيد ولم يرفعوه». ثم أخرجه من طريق حماد بن أسامة عن حماد بن زيد به موقوفًا، قال: وهذا أصح. (3) أخرجه أحمد (13048)، وابن أبي الدنيا في «الصمت» (9)، والقضاعي (887) من حديث أنس - رضي الله عنه -. والحديث ضعَّفه العراقي في «تخريج الإحياء»: (2/ 767)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (1/ 53): «في إسناده علي بن مسعدة وثَّقه جماعة وضعَّفه آخرون». وله شاهد من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - رواه أحمد (3672) وغيره، لكن أُعِلَّ بالوقف، وما بين المعكوفين مستدرك من مصادر الحديث.

(1/174)


«كتاب الروح والنفس» (1) قال: «لا تزال الخصومةُ بين الناسِ حتى يختصمَ الروحُ والبدنُ، فيقول الروح للبدن: أنت أكلتَ وشربتَ ونكحتَ. فيقول البدن: أنتَ أمرتَ. فيُبعث مَلَك يحكم بينهما، فيقول: مثلكما مثل أعمى ومُقعد دخلا بستانًا، فقال المقعد للأعمى: إني أرى ثمرًا لكن لا أطيقُ قطافه، فقال الأعمى: لكني أقدر أن أقطفه إلا أني لا أراه، فقال له المقعد: تعال فاحملني حتى أعلمك به، فحمله فجعل المقعد يقول للأعمى: خذ هذا، اقطف هذا [م 56] فقطفه. فعلى مَن العقوبة؟ فقال: عليهما جميعًا، فقال: كذلك الروح والبدن» (2). إذا تبين ما أشرنا إليه مِن ترتيب السلوك ومِن معنى النفس والروح فقول _________ (1) وعزاه لابن منده السيوطي في «الدر المنثور»: (5/ 614) ولم يسم كتابه. وكتاب ابن منده نقل منه المصنف في مواضع، ووصفه فقال: «وصنف الحافظ أبو عبد الله بن منده في ذلك كتابًا كبيرًا في الروح والنفس وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئًا كثيرًا» اهـ. «مجموع الفتاوى»: (4/ 217). ونقل منه ابن القيم في كتاب «الروح»، وانظر «موارد ابن تيمية العقدية» (ص 89) للبراك. (2) اخرج ابن الجوزي نحوه في «الموضوعات» (1799) قال ــ بعدما ساق سنده ــ: « ... عن المسيب بن شريك عن سعيد بن المرزبان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يختصم الروح والجسد يوم القيامة، فيقول الجسد: أنا كنت بمنزلة الجذع ملقى لا أحرك يدًا ولا رجلًا لولا الروح، وتقول الروح: أنا كنت ريحًا لولا الجسد لم أستطع أن أعمل شيئًا، فضرب لهما مثل أعمى ومُقْعد، وحمل الأعمى المقعد، فدله ببصره المقعد، وحمله الأعمى برجله». قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال يحيى: سعيد بن المرزبان والمسيب ليسا بشيء. وقال الفلاس: حديثهما متروك. اهـ. وخالفه السيوطي في «التعقبات» (ص 51) في الحكم بوضعه.

(1/175)


القائل: «أول منزل يطؤه المحب للترقِّي منه إلى العَليّ فهو النفس، فيشتغل بسياستها إلى أن يعرفها، فهناك يُشرق عليه نورُ القلبِ فيشتغل بسياسته ومعرفته، فإذا صحَّ له ذلك رُقِّي إلى المنزل الثالث وهو الروح» (1). يقال له: إن أراد بالنفس والقلب والروح هنا ذات لها صفات متعددة فهذا صحيح. فأما تقديم مسمَّى النفس على القلب ومسمَّى القلب على الروح فهذا أمرٌ اصطلاحي، ففي كلام الله ورسوله لا أصل لهذا الترتيب، بل القلب يوصَف بالصلاح تارة وبالفساد أخرى، لما في الحديث المتفق على صحته: «ألا وإنَّ في الجَسَد مُضغة ... » وقد ذكرناه (2). وكذلك لفظ «النفس» تُمْدَح تارة وتُذَم: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} [الفجر: 27]، {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2]، وقالت امرأة العزيز: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53]. وكذلك لفظ «الروح» كما في حديث قَبْض الروح: «اخرجي أيتها الروحُ الطيبة كانت في الجسد الطيب» (3)، ويقال: «اخرجي أيتها الروحُ الخبيثة كانت في الجسد الخبيث». وفي «الصحيح» (4): «الأرواحُ جنودٌ مُجنَّدةٌ، فما تعارفَ منها ائتلفَ، وما تناكَرَ منها اختلف». _________ (1) انظر ما سبق (ص 158). (2) سبق (ص 115، 174). (3) سبق تخريجه (ص 171). وما يليه قطعة منه. (4) أخرجه البخاري (3336)، ومسلم (2638) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(1/176)


وأما إن أُريد بالنفس والروح ذاتان كلٌّ منهما قائمة بنفسها غير الأخرى وراء هذا البدن؛ فهذا غلط. وهذا الترتيب إذا قيل: هو ترتيب صحيح، كان هذا مختصًّا باصطلاح معيَّن ليس هو أمرًا علميًّا، ولا هو عامًّا في حقِّ كلِّ سالك. وإذا قيل: يُرادُ بالنفس ذات الأخلاق الفاسدة، ويُراد بالقلب ذو الإيمان والإرادات الصالحة، ويراد بالروح ذو المعرفة واليقين، فهذا أمر اصطلاحي، ومع هذا فقد يحصل للإنسان أنواعٌ من المعارف واليقين مع وجود نوع من الهوى والذنوب، وقد يحصل له أنواعٌ من الإيمان والأعمال الصالحة مع وجود نوعٍ من الإرادات الفاسدة. فمذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسلف الأمة وأئمتها: أن الشخصَ الواحدَ يجتمع فيه ما يحبه الله من الحسنات، [م 57] وما يبغضه من السيئات، ويكون مُطيعًا مِن وجهٍ عاصيًا من وجهٍ، برًّا من وجهٍ فاجرًا مِن وجهٍ، مستحقًّا للثواب من وجهٍ وللعقاب من وجهٍ، فيه إيمانٌ مِن وجهٍ وفيه فسق بل ونفاق مِن وجهٍ (1). وإنما يقول: «لا يجتمع هذا وهذا» الوعيديَّةُ من الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون: ما ثَمَّ إلا مؤمن مستحقّ للثواب لا يُعاقب بحال، أو مخلَّد في النار لا يخرج منها بشفاعةٍ ولا غيرها، ومَن فيه فجور فليس معه من الإيمان عندهم شيء. _________ (1) انظر «الرد على المنطقيين» (ص 360)، و «الفتاوى»: (1/ 149) و (7/ 353) و (10/ 8)، و «منهاج السنة»: (6/ 198).

(1/177)


وكانت الخوارج تقول: مَن لم يكن برًّا قائمًا بالواجبات تاركًا للمحرمات فهو كافر. فلما مات الحسن البصري صار طائفة ممن كان يصحبه كعَمْرو بن عبيد يقولون: هو فاسق لا مؤمن ولا كافر، وهو مخلَّد في النار، واعتزلوا الجماعةَ فسُمُّوا معتزلة. وكان قد صَحِبَه طائفة أخرى من النُّسّاك منهم عبد الواحد بن زيد (1)، واختار طريقةً من النُّسُك هو وأتباعه، واتخذوا دُوَيرةً، وهم أول من اعتزل الناس من الصوفية (2). ولهم أيضًا طريقة بعضها حقّ وبعضها مذموم، لكنهم أقرب من عَمْرو بن عبيد وأتباعه (3). وأما الأئمة من أصحاب الحسن كأيوب السَّخْتِيَاني، وثابت البُنَاني، وعبد الله بن عون، وغيرهم، فهؤلاء سالمون مما يُذم (4) ممن رُمي ببدعةٍ من أصحابه. وكان الحسن جليل القدر في العلم والعمل، فكان يسوس الناس في حياته، فلما مات صار بعضُهم يأخذ ما يوافق هواه من كلامه، ويدع ما لا _________ (1) هو: عبد الواحد بن زيد أبو عبيدة البصري، أحد زهاد البصرة من أصحاب الحسن البصري (ت بعد 150). انظر: «الجرح والتعديل»: (6/ 20)، و «الحلية»: (6/ 155 - 165)، و «السير»: (7/ 178). (2) وكان عبد الرحمن بن مهدي وغيره يسمونهم (الفقريَّة) ذكره المصنف في «الفتاوى»: (10/ 359). (3) انظر مقارنة المصنف بين الطريقتين في «الفتاوى»: (10/ 358 - 361). (4) كلمة غير واضحة، وهكذا قدرتها. وتحتمل: «من الذم».

(1/178)


يوافق هواه. فصار في بعضهم بدعة وتفرُّق من هذا الوجه. وكان بين هؤلاء وهؤلاء نزاع في أمور، وقد ذكر بعضَ أخبارِهم أبو سعيد بن الأعرابي فيما صنَّفه من أخبار النُّسَّاك (1). وذكر ذلك مَعْمر بن زياد الأصبهاني (2) وغيرهما من الشيوخ الذين لهم معرفة وتحقيق. وأما قوله: «حتى إذا آنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه بروزًا لا يعقل فيه شيئًا مما تقدم له من أمر المنازل الثلاثة، فهناك يهيم ما شاء الله» (3). فهذا كلام مَن يصف حالَ بعضِ الناس، ولعله يصف سلوكَ نفسِه، وإلا فمعلوم أن جماهير أولياء الله السالكين لا يهيمون، ولا يزول عنهم عقل ما كانوا عليه. والسابقون الأوَّلون [م 58] من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكونوا هائمين في طريقهم، ولا مسلوبي عقلٍ في سلوكهم، بل كانوا مؤيَّدين بالعقل واليقين والمعرفة، كما قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - فيهم: «كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقَها عِلْمًا وأقلَّها _________ (1) سبق التعريف به (ص 120). (2) هو: معمر بن أحمد بن محمد بن زياد أبو منصور الأصبهاني، الزاهد. كبير الصوفية بأصبهان (ت 418). ترجمته في «تاريخ الإسلام»: (وفيات 418، ص 454 - 455) للذهبي، و «النجوم الزاهرة»: (4/ 270). وكتابه الذي أشار إليه المصنف نقل منه في «الدرء»: (7/ 148) وسماه «أخبار شيوخ أهل المعرفة والتصوف»، وسماه في «الفتاوى»: (35/ 41) «أخبار الصوفية» ونعت مصنفَه بالإمام. (3) سبق النص (ص 159).

(1/179)


تكلُّفًا» (1). وكذلك مَن بعدهم مِن المشهورين مثل: سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، وعامر بن عبد القيس، وأُوَيس القَرَني، وأبو مسلم الخولاني، ومُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، ومن بعد هؤلاء ممن جمع الناسُ أخبارَهم في كتب الزهد؛ مثل كتاب «الزهد» للإمام أحمد وغيره ممن صنف أخبار الزُّهَّاد على الأسماء، مثل «حِلْية الأولياء» لأبي نعيم، و «صفوة الصفوة» لابن الجوزي. وكتاب «الزهد» لعبد الله بن المبارك ممن صنف أخبار الزهد على الأبواب، كهنَّاد بن السَّرِي، وأَسَد بن موسى وغيرهما. قوله: «ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي في أنوار اليقين، فيشهد موجودًا لا حدَّ له ولا غاية، بالإضافة إلى هذا العبد، وتضمَحِلّ جميعُ الكائنات فيه، فتارةً يشهدها فيه كما يشهد الينابيب (2) في الهواء بواسطة الشمس، فإذا انحرف نور الشمس عن الكُوَّة لا يشهد للينابيب أثرًا. فالشمس التي يُبْصِر بها هو «العقل الضروري» بعد المادة بنور اليقين. فإذا اضمحلَّ هذا النور ذهبت الكائنات كلها وبقي هذا الموجود، فتارةً يفنى وتارة يبقى، حتى إذا أُرِيد به الكمال نُودي منه نداءً خفيًّا لا صوتَ له، فيُمَد بالفهم عنهم، إلا أن الذي يشهده غير الله، ليس من الله في شيء، فهناك ينتبه من سكرته، فيقول: أي ربِّ أغثني فإني هالك، فيعلم يقينًا أنَّ هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله، فحينئذٍ يقال له: إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه _________ (1) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1810)، وعزاه ابن القيم في «الأعلام»: (4/ 607) للإمام أحمد. وأخرجه ابن عبد البر (1807) من قول الحسن البصري. (2) كذا، وانظر ما سبق (ص 159).

(1/180)


رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أول ما خَلَقَ الله العَقلَ»، وفي خبر آخر: «قال له: أقبل، فأقبل ... » الحديث، فأُعْطي هذا العبد الذل والانقياد لنور هذا الموجود، إذ لا يقدر على حَدِّه وغايته فعَجَز عن معرفته، فقيل له: هيهات لا تعرفه بغيره، فأمدَّه الله جل وعلا بنور أسمائه، فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله، نرفع درجاتٍ من نشاء» (1). فيقال: هذا مبنيٌّ على أصول الفلاسفة المخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى، وقد توجد طائفة [م 59] من كلامهم في كتب أبي حامد وأمثاله ممن يصنفون ويَخْلِطون ذلك بما هو من أصول الفلاسفة. فإنَّ هذا العقل الذي يَدَّعونه ويَصِفونه مناقض لدين الرسل. أما العقل الأدنى إلينا الذي يسمُّونه العقل الفعَّال، ويقولون: كل ما تحت فلك القمر من فيضه. ويقولون: إن الكتب الإلهية إنما نزلت على قلوب الأنبياء منه، وأن الكلام الذي حصل لموسى كان منه. ثم تارة يقولون: هو جبريل الذي {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24]، وتارة يجعلون جبريل ما يتشكَّل في نفوس الأنبياء من الخيال، كالخيال الذي يحصل للنائم. ولهذا يدَّعي مَن يدَّعي منهم أن الأولياء والفلاسفة أفضل من الأنبياء، حتى قال ابن عربي: إن الرسل جميعهم إنما يستفيدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، فقال: «ليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء. وما يراه _________ (1) من قوله: «ثم يمده ... » إلى هنا من كلام الشاذلي، انظر ما سبق (ص 159 - 112).

(1/181)


أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم. حتى إن الرسل لا يرونه إلا من مشكاة الولي خاتم الأولياء. وإن كان خاتم الأولياء تابعًا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل، فإن الرسالة والنبوة ــ أعني نبوة التشريع ورسالته ــ منقطعان، وأما الولاية فلا تنقطع أبدًا. فالأنبياء مِن كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأنبياء، فكيف بمن دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعًا لما جاء به خاتم الأنبياء من التشريع؛ فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يُناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجهٍ يكون أَنْزَل كما أنه من وجهٍ يكون أعْلى. وقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مُثِّلت له النبوة بالحائط رأى نفسَه تنطبع في موضع لبنة، وأما خاتم الأولياء فيرى نفسه تنطبع في موضع لبنتين، فإنه موضع اللبنة الفضية وهو ظاهره وما سمعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن الله في السِّرِّ ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلابدَّ أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول (1). وهذا يقوله مَن يقوله بناءً على أصله الفاسد، وهو الفلسفة التي أخرجها في قالب التصوف والكشف، فإن المَلَك عندهم هو الخيال الذي يتشكَّل في نفس النبي وغيره، فتلك [م 60] الخيالات هي ملائكة الله عندهم, والخيال _________ (1) هنا ينتهي كلام ابن عربي من كتابه «فصوص الحكم» (ص 27 - 29) مختصرًا. وللمصنف - رحمه الله - كتب ورسائل كثيرة في هتك مذاهب الحلولية الاتحادية، والرد على ابن عربي في «فصوص الحكم» وغيره، كما في المجلد الثاني من «مجموع الفتاوى» و (18/ 367 - 374)، و «بغية المرتاد» وغيرها.

(1/182)


المطابق يستمدّ من العقل، والولي والفيلسوف عندهم يأخذ من العقل الممد للخيال، فلهذا صار النبي الذي يأخذ من المَلَك أنقص عندهم من الولي الذي يأخذ من فوق المَلَك. وهؤلاء يجعلون خاصة النبوة هي التخييل، كما يقول ذلك الفارابيُّ (1) وغيره، وابنُ سينا وأتباعُه، وإن كانوا أقرب الفلاسفة إلى الإسلام، فهم وأمثالهم من الملاحدة كالسهروردي المقتول وغيره يجعلون النبوة لها ثلاث خواص: قوة العلم بِسُرعة ــ ويسمونها القوة القدسية ــ، وقوة التأثير في العالم، وقوة التخييل، وهو أن يرى ويسمع في نفسه ما يمثّل له من المعاني العقلية. وكل ما يراه ويسمعه الأنبياء إنما هو في أنفسهم عندهم لا في الخارج. وقد وقع في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها (2) ومَن تَبِعَه كلامُ هؤلاء بعبارات أخرى، يظنُّ مَن لم يعرف حقيقة الإسلام وحقيقة الفلسفة أن هذا كلام خواص أولياء الله العارفين، وإنما هو كلام الفلاسفة الملحدين، الذين هم في الإيمان بأصل النبوّة أبعد عن الإيمان من اليهود والنصارى، لكنهم يقرُّون بنبوّة محمد - صلى الله عليه وسلم - وغيره (3). _________ (1) هو: محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ، التركي أبو نصر الفارابي الفيلسوف المنطقي، له تصانيف كثيرة (ت 339). انظر «إخبار العلماء»: (2/ 223) للقفطي، و «طبقات الأطباء»: (3/ 328)، و «السير»: (15/ 416). وقد قال عنه المصنف في «الرد على المنطقيين» (ص 41): «وهو أعظم الفلاسفة كلامًا في المنطق وتفاريعه». (2) هو الغزالي كما سبق (ص 61). (3) في رأس (ق 60 ب) تعليق نحو سطرين لكنه بخط دقيق غير واضح.

(1/183)


وقد يقولون: إن النبوَّة مكتسبة، وإنها لم تنقطع، وربما جعلوا الفلاسفة المشهورين من اليونان أهل مَقْدونية كسقراط وأفلاطون وأرسطو ونحوهم أنبياء! وقد يظنون أن ذا القرنين المذكور في القرآن هو الإسكندر الذي كان في زمن أرسطو، وهذا من جهلهم بالسمعيات والعقليات، فإن الإسكندر الذي كان في زمن أرسطو هو الذي تؤرِّخ له اليهود والنصارى، ويُقال له: ابن فيلبس المَقْدوني (1) كان قبل المسيح بنحو ثلثمائة سنة وهو زمن أرسطو، وكان مُشْركًا هو وقومه أهل شركٍ وسحرٍ، ولهم كتب في الشرك والسحر قد عُرِّبت يعرفها من يعرفها، وهذا الإسكندر لم يذهب إلى بلاد الترك، وإنما انتهى إلى خراسان، فضلًا عن أن يبني السَّدّ. وذو القرنين المذكور في القرآن كان قد بلغ مشارقَ الأرض ومغاربها، وبنى السدَّ كما أخبر الله تعالى (2)، والسدُّ من أقصى بلاد المشرق والشمال _________ (1) وهو الإسكَنْدَر بن الفيلسوف ــ ويقال: فِليبس ــ المقدوني، قال المصنف «نسبةً إلى مقدونية، وهي جزيرة هؤلاء الفلاسفة اليونانيين الذين يسمون المشائين، وهي اليوم خراب أو غمرها الماء، وهو الذي يؤرخ له النصارى واليهود التاريخ الرومي، وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة، فيظن من يعظِّم هؤلاء الفلاسفة أنه كان وزيرًا لذي القرنين المذكور في القرآن ليعظُم بذلك قدره، وهذا جهل فإن ذا القرنين كان قبل هذا بمدة طويلة جدًّا، وذو القرنين بنى سد يأجوج ومأجوج، وهذا المقدوني ذهب إلى بلاد فارس ولم يصل إلى بلاد الصين فضلًا عن السد» اهـ. من «الفتاوى»: (17/ 332). وانظر «البداية والنهاية»: (2/ 541 - 542)، و «لسان العرب»: (4/ 367)، و «قصد السبيل»: (1/ 186)، و «تاج العروس»: (6/ 568). (2) في أواخر سورة الكهف.

(1/184)


في مهبِّ الصَّبا (1)، وكان متقدمًا على ذلك. [م 61] ولهم إسكندر آخر يقال له: الأفروديوسي (2)، هو من أتباع أرسطو هو وبُرقلس وثامسطيوس (3) ونحوهم ممن اتبع أرسطو وشَرَح تعاليمَه وقال بِقِدَم هذه الأفلاك. فإنه يقال: أوَّل من أظهر هذا القول من هؤلاء الفلاسفة أرسطو. وأمَّا الذين قبله كأفلاطون وسقراط (4) ونحوهما فكانوا يقولون بحدوث الأفلاك، ولكن يقولون بأنه حادث عن مادة، وهل المادة قديمة العين أو قديمة النوع؟ لهم في ذلك كلام وأقوالٌ ليس هذا موضعها (5). ولهذا توجد مقالات أئمة الفلاسفة الكبار الذين كانوا من الصابئة الحنفاء لا تخرج عن أقوال الأنبياء؛ فإن الصابئة في الأصل كانوا على هدى، كما كانت اليهود والنصارى. ولهذا ذكر الله أن في هذه الطوائف سُعداء في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ _________ (1) قال ابن الأعرابي: مهبّ الصَّبا: من مطلع الثُّريا إلى بنات نَعْش. «لسان العرب»: (14/ 449). (2) كذا وفي مصادر ترجمته: «الأفروديسي»، انظر «إخبار العلماء»: (1/ 72 - 73) للقفطي، و «طبقات الأطباء»: (1/ 105). (3) ترجمتهما في «إخبار العلماء»: (1/ 119)، (1/ 150) تِباعًا. (4) ترجمتهما في «إخبار العلماء»: (1/ 269 - 277)، (1/ 27 - 40) تِباعًا، و «طبقات الأطباء»: (1/ 68 - 78)، (1/ 78 - 84). (5) انظر كلام المصنف على سقراط وموافقته لبعض دين الأنبياء في «الجواب الصحيح»: (6/ 499)، و «الفتاوى»: (4/ 136)، (17/ 351).

(1/185)


وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]، فدلَّ هذا على أن هذه الملل الأربعة (1) كان فيها مَن يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحًا، وأنهم سعداء في الآخرة، ثم لمَّا بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان مَن كفر به منهم ومِن غيرهم شقيًّا معذَّبًا. بخلاف المجوس والمشركين؛ فإن الله ذكرهم في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17]، فهنا ذكر الملل الستّ ليبين أنه يفصل بينهم يوم القيامة، ولم يُثنِ عليهم، فلم يثن سبحانه على أحدٍ من المجوس والمشركين، كما أثنى على بعض الصابئين واليهود والنصارى، وهذا مما استدلَّ به جمهور العلماء على أن المجوس ليسوا أهل كتاب، فلا تُباح ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، إذ لو كانوا أهلَ كتابٍ لكان فيهم من يُثني الله عليه، كما كان في اليهود والنصارى. والمقصود هنا أن الصابئين فيهم مَن يُحْمَد وفيهم مَن يُذَم، فالمحمود مِن الصابئين لم يخالفوا الأنبياء، والفلاسفة المحمودون إذا لم يكونوا مِن اليهود والنصارى والمسلمين هم مِن هؤلاء الصابئين. بخلاف الفلاسفة المذمومين، فإنهم مشركون سَحَرة كأرسطو وأتباعه وأمثالهم، فإنهم أهل شرك وسحرٍ، ولهذا ليس في كتب أرسطو ذكر الأنبياء بحرفٍ واحدٍ [م 62] ولا في كتب العلم الإلهي إلا ما ذكره في «أثولوجيا» (2) _________ (1) كذا في (م)، ولها وجه في العربية. (2) طبع عام 1314 بهامش كتاب «قبسات في الحكمة»، انظر «معجم المطبوعات»: (1/ 425). وقد نقل منه المصنف وردّ عليه في مواضع مِن كتبه كما في «الجواب الصحيح»: (5/ 29 - 32)، و «الرد على المنطقيين» (ص 395).

(1/186)


وهو علم ما بعد الطبيعة، وهو كلامٌ قليل الفائدة، كثير الخطأ، قد بُسِط الكلامُ عليه في غير هذا الموضع. بخلاف كلام أرسطوا في الطبيعيات، مثل كتاب «السماع الطبيعي»، وكتاب «السماء والعالم»، و «الآثار العلوية»، و «المولدات» ونحو ذلك، فهذا فيه صواب كثير وفيه أيضًا خطأ. وكلامه في المنطق بعضُه صواب، لكن فيه تطويل لا يُحتاج إليه، وبعضه خطأ. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (1). والمقصود هنا أن ما يُثبته هؤلاء من العقول العشرة مما يُعْلَم بالاضطرار أنهم مخالفون (2) لدين المرسلين: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم صلى الله عليهم أجمعين، كقولهم: إنَّ العقل الأول أبدع كلّ ما سوى الله، وأنه وما سواه لازمة معلولة لذات الله أزلًا وأبدًا، فإن هذا وهذا شرٌّ من قولِ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ الله، وأن المسيحَ ابنُ الله، والذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، فإن أولئك يقولون: إن الله خالق كل ما سواه، ويثبتون نوعًا من التولُّد. وأما هؤلاء فيقولون: العقول والنفوس وكلّ ما سواه متولِّد عنه لازمٌ _________ (1) توسع المصنف في الكلام على أرسطو وغيره من الفلاسفة المشائين في «الرد على المنطقيين» (ص 143 وما بعدها)، و «الصفدية»، والتاسع من «الفتاوى». (2) (م): «مخالفين».

(1/187)


لذاته أزلًا وأبدًا {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 100]. وهؤلاء يجعلون العقول كالذكور، والنفوس كالإناث، وهم متنازعون في النفوس الفلكية هل هي أعراض أو جواهر، فجمهورهم يقول: هي أعراض، ولكن ابن سينا وطائفة قالوا: هي جواهر كنفوس الآدميين. وهؤلاء المتأخرون كابن سينا وأتباعه خَلَطوا الفلسفة بما أخذوه من كلام المتكلمين الجهمية من المعتزلة وغيرهم، وسلكوا في إثبات الأول طريقة الوجود، وقالوا: الوجود إما واجب وإما ممكن، ولا بدَّ للممكن من واجب، أخذوا ذلك من قول هؤلاء المتكلمين: إن الموجود إما قديم وإما مُحْدَث، ولا بُد للمحدَث من قديم. وإلا فأئمتهم كأرسطو وأتباعه لم يثبتوا الأول إلا بالحركة الفلكية فقالوا: هي حركة شَوْقية (1) إرادية، فلابدَّ لها من مراد تُحِبّ التشبُّه به، وهو يُحركها حركة المعشوق لعاشقه. وهذا الكلام ليس فيه إثبات أن واجب الوجود علة فاعلة لما سواه، وإنما فيه أنه عِلة غائية بمعنى [م 63] التشبُّه به، ولهذا قالوا: الفلسفة هي التشبُّه بالإله على قدر الطاقة (2). والمتقدِّمون لم يُسَمُّوه واجب الوجود وما سواه ممكن الوجود، وإنما _________ (1) (م): «ثنتوقيه»! وهو تصحيف، والصحيح ما أثبت، انظر «الصفدية»: (1/ 85)، (2/ 19، 204)، و «منهاج السنة»: (1/ 411)، (8/ 17). (2) انظر ما سبق (ص 61، 145).

(1/188)


سموه: العِلَّة الأولى والمبدأ، والممكن عندهم لا يقال إلا للمحدَث الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه، فأما ما كان دائمَ الوجود كالفلك عندهم فلا يسمُّونه ممكنًا، وإنما هذا اصطلاح ابن سينا وأتباعه (1). ثم إنَّ كثيرًا من متأخري المتفلسفة ومَن خَلَط بالفلسفة كلامه، مِن المتكلمين والمتصوِّفة كالسَّهْروردي المقتول والرازي والآمدي يوافقونه على هذا، ويسلكون في إثبات واجب الوجود هذه الطريقة، وربما جعلوها أشرف الطرق، وأن غيرها يحتاج إليها، والأمر بالعكس كما قد بُسِط في غير هذا الموضع. وأبو البركات (2) صاحب «المعتبر»، وابن رشد الحفيد وأمثالهما يوافقونه تارة ويخالفونه أخرى، وهما أقرب إلى الإسلام من ابن سينا وأصحاب رسائل حيِّ بن يقظان (3) وغيرهم نَسَجوا على هذا المنوال لكن بعبارات أخرى. وابن سبعين بعدهم سلك مسلَكَهم، وانتهى هو وابن عربي الطائي وأمثالهما إلى القول بِوَحْدة الوجود، وهؤلاء يعكسون دين الإسلام، فكل مَن كان أقرب إلى الرسول كان عندهم أنقص، فأنقص المراتب عندهم مرتبة _________ (1) انظر «درء التعارض»: (8/ 175 - وما بعدها). (2) هو: أبو البركات هبة الله بن علي بن مَلَكا البلدي، كان يهوديًّا ثم أسلم في أواخر عمره، الطبيب الفيلسوف، صاحب المعتبر في المنطق والحكمة (ت بعد 550)، انظر «إخبار العلماء»: (2/ 460 - 463)، و «طبقات الأطباء»: (2/ 296 - 300)، و «السير»: (20/ 419). (3) تقدم التعريف بها (ص 110).

(1/189)


أهل الشريعة أصحاب الأمر والنهي، ثم مرتبة المتكلم على طريقة الجهمية أو المعتزلة ومَن تلقى عنهما، ثم مرتبة الفيلسوف، ثم مرتبة الصوفي المتفلسف ــ ليس هو الصوفي التابع للكتاب والسنة ــ ثم مرتبة المُحَقّق صاحب القول بوحدة الوجود. وقد بسطنا القول على هؤلاء وعلى هؤلاء وأمثالهم من المتفلسفة والاتحادية والمتكلمة والمتصوفة الذين دخلوا معهم (1). والمقصود هنا التنبيه على ما دخل في كلام صاحب الحِزْب وأمثاله مِن كلامهم. وهؤلاء قد يسمون العقلَ القلمَ، ويسمون النفسَ الفلكية اللوحَ، ويدَّعون أن ذلك هو اللوح المحفوظ في كلام الله ورسوله، ولهذا يدَّعي أحدهم أنه اطلع على اللوح المحفوظ، وأنه أخذ مريديه من اللوح المحفوظ. وفي كلام صاحب «الحزب» وغيره من ذلك (2). وأخذوا ذلك من كلام _________ (1) تكلم عليهم المصنف في عدد مِن كتبه، انظر «الرد على المنطقيين»، و «بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد»، و «الصفدية». (2) من عبارات الشاذلي قوله: «والله لقد تسألوني عن المسألة لا يكون عندي لها جواب، فأرى الجوابَ مسطرًا في الدواة والحصير والحائط». وقال أيضًا في حق تلميذه المرسي: «يا زكي ــ يخاطب أحد تلاميذه ــ عليك بأبي العباس ــ المرسي ــ فوالله ما مِن وليٍّ لله كان أو هو كائن إلا وقد أطلعه الله عليه»! ! «لطائف المنن» (ص 76، 91) لابن عطاء الله. وقد صرح المصنف في «الرد على المنطقيين» (ص 474 - 475) أن الشاذلي ممن يتبع هذه الطريقة.

(1/190)


أبي حامد الغزالي في «ميزان العمل» و «جواهر القرآن» و «المضنون به على غير أهله»، وغير ذلك (1). فإنه يجعل اللوحَ عبارة عن النفس، ويجعل الفَلَك عبارة عن العقل الأول، كما يجعل المُلك والمَلَكوت والجبروت عبارة عن الجسم والنفس والعقل. وصاحب «الحزب» دخل في هذا الباب، كما دخل فيه ابن عربي وغيره (2). ولهذا قال عن العقل: «ثم يُمده الله بنور العقل الأصلي فيشهد موجودًا لا حدَّ له ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد وتضمحل جميع الكائنات فيه» (3). وهذا باطل فليس جميع الكائنات [م 64] في هذا العقل، ولا حقيقة لهذا العقل، بل ولا هي في مَلَك من الملائكة. وكذلك قوله: «فتارة يفنى وتارة يبقى حتى إذا أُريد به الكمال نودي منه نداءً خفيًّا بلا صوت معه» (4). كلام باطل من جنس قول الذين قالوا: إن موسى نُودي من العقل الفعَّال نداءً لا صوت معه، ولهذا كان بعض هؤلاء يدَّعي أنه أفضل من موسى. وصاحبُ «مشكاة الأنوار» (5) ذكر ما يناسب قول هؤلاء، وأنَّ العبد قد يُنادى كما نُودي موسى، وأنه إذا خلع النعلين اللتين هما الدنيا والآخرة حصل له من جنس ما حصل لموسى. ومن هنا دخل صاحب «خَلْع النعلين» _________ (1) وكذا في «الإحياء»: (3/ 20 - 23). (2) انظر ما سبق (ص 87). (3) سبق النص بتمامه (ص 159). (4) سبق النص بتمامه (ص 159) لكن آخره «لا صوت له». (5) بنحوه في «مشكاة الأنوار ــ ضمن رسائل الغزالي»: (4/ 21 - 22).

(1/191)


ابن قَسِي (1)، ودخل في أمور مِن الخيالات الباطلة، وشرح ابن عربي كلامَه (2)، فتارةً يعظِّمه وتارة يبالغ في ذمه والدق عليه، وكلامه ما كان فيه من حق أخذه من كلام الأنبياء وادَّعاه كشفًا لنفسه، وما كان فيه من خيال باطل فهو مِن نفسه. وأما قوله: «إن الذي تشهده غير الله، ليس من الله في شيء» (3). فهكذا يقول المتفلسفة: إن العقل غير واجب الوجود، ولكنَّ أهل الوحدة كابن عربي وابن سبعين الذين يقولون: «الوجود واحد» لهم هنا اضطرابات؛ فتارة يفرقون بين الوجود والثبوت كابن عربي، وتارةً يفرقون بين الإطلاق والتعيين كالقُوْنَوي، وتارةً يجعلون الواجب والممكن كالمادة والصورة، وكلامُ ابن سبعين يُشْبه هذا، ولهذا يقول: فهو في الماء ماء وفي النار نار، وفي الحُلْو حُلْو، وفي المُرِّ مُرّ. وصاحبُ «الحزب» قد يقال: إنه ليس هو من القائلين بالوحدة والحلول _________ (1) تحرفت في (م): «ابن قتيبي» وعليها علامة التضبيب إشارة إلى الشك في الكلمة. وهو: أحمد بن الحسين أبو القاسم بن قَسِي ــ بفتح القاف، وتخفيف السين ــ الأندلسي الصوفي الفيلسوف. قال الذهبي: كان سيئ الاعتقاد، فلسفي التصوف، له في «خلع النعلين» أوابد ومصائب. اهـ. (ت نحو 550). انظر «تاريخ الإسلام»: (وفيات 551 - 560، ص 337 - 338)، و «لسان الميزان»: (1/ 579 - 581)، و «الأعلام»: (1/ 116) للزركلي. وكتابه «خلع النعلين في الوصول إلى حضرة الجمعين» في التصوف مطبوع. (2) في كتاب «شرح خلع النعلين»، والكتاب له عدة نسخ خطية، انظر «مؤلفات ابن عربي» (ص 391 - 392) لعثمان يحيى. (3) سبق (ص 159).

(1/192)


العام، لكن في كلامه نوعٌ من الحلول الخاص، وقد يقال: إنه من أهل الحلول العام (1)، ولهذا قال بعد هذا: «فيقال له: إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أول ما خلق الله العقل»، وفي خبرٍ آخر: «قال له: أقبل فأقبل ... » الحديث» (2). فيقال: هذا الحديث كذبٌ موضوعٌ على النبي - صلى الله عليه وسلم - باتفاق أهل المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو حاتم بن حِبَّان، وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهما (3)، ولكن هؤلاء ينقلونه من كتب أبي حامد وأمثاله ممن ينقل هذا _________ (1) سيأتي هنا (ص 222) شرح معنى الحلول العام والخاص، وقد قال المصنف في «درء التعارض»: (6/ 151 - 152): «الحلولية على وجهين: أحدهما: أهل الحلول الخاص، كالنصارى والغالية من هذه الأمة، الذين يقولون بالحلول، إما في عليٍّ وإما في غيره. الثاني: القائلون بالحلول العام، الذين يقولون في جميع المخلوقات نحوًا مما قالته النصارى في المسيح عليه السلام أو ما هو شر منه». (2) سبق (ص 160). (3) هذا الحديث سُئل عنه المصنف فأجاب بتوسع في أول كتابه «بغية المرتاد» (ص 169 - 179) قال: «الحديث باللفظ المذكور قد رواه مَن صنَّف في فضل العقل كداود بن المحبّر ونحوه. واتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ضعيف بل هو موضوع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد ذكر الحافظ أبو حاتم البستي (روضة العقلاء: 16)، وأبو الحسن الدارقطني (نقله في «تاريخ بغداد»: 8/ 360)، والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي (الموضوعات: 1/ 277) وغيرهم أن الأحاديث المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في العقل لا أصل لشيء منها، وليس في رواتها ثقة يعتمد. فقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي في كتابه المعروف عن الأحاديث الموضوعات: (1/ 268 - 277) عامة ما روي في العقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. =

(1/193)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . _________ = ... وروى ... الحافظ أبو بكر الخطيب (تاريخ بغداد: 8/ 360) عن أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني: كتاب العقل وضعه أربعة: أولهم ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه منه داود بن المحبّر فركَّبَه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركَّبَه بأسانيد أخر، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر. قال (أي ابن الجوزي): وهو على ما قال الدارقطني. وقد رويت في العقل أحاديث كثيرة ليس فيها شيء يثبت؛ منها ما يرويه مروان بن سالم، وإسحاق بن أبي فروة، وأحمد بن بشير، ونصر بن طريف، وابن سمعان، وسليمان بن عيسى وكلهم متروكون، وقد كان بعضهم يضع الحديث ويسرقه الآخر ويغير إسناده، فلم نر التطويل بذكرها. قلت (ابن تيمية): ومع هذا فقد روى أبو الفرج (الموضوعات: 1/ 272) هذا الحديث من طريق سيف بن محمد عن سفيان الثوري عن الفضل بن عثمان عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لما خلق الله العقل قال له: قم فقام، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: اقعد فقعد فقال: ما خلقت خلقًا هو خير منك ولا أكرم عليَّ منك ولا أحسن منك، بك آخذ وبك أعطي وبك أعرف وبك الثواب وعليك العقاب». قال أبو الفرج: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال يحيى بن معين: الفضل رجل سوء. وقال ابن حبان (المجروحين: 1/ 259): وحفص بن عمر يروي الموضوعات لا يحل لأحد الاحتجاج به، وأما سيف فكذاب بإجماعهم. ورواه أيضًا من كتاب أبي جعفر العقيلي (الضعفاء: 3/ 175) من حديث سعيد بن الفضل القرشي حدثنا عمر بن أبي صالح العتكي عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي ما خلقت خلقًا هو أعجب إليَّ منك، فبك آخذ وبك أعطي، وبك الثواب وعليك العقاب». قال أبو الفرج: هذا حديث لا يصح عن رسول الله، وذكر أن سعيدًا وعمرًا مجهولان. قال: وقد روي من طريق علي وأبي هريرة وليس فيها شيء يثبت. قال أحمد بن =

(1/194)


الحديث من كتب «رسائل إخوان الصفا» (1) ونحوهم ممن يريد أن يحتجّ على قول هؤلاء المتفلسفة الملاحدة بالنصوص النبوية، ويقول: إنه يجمع بين [م 65] أقوال الأنبياء وبين أقوال هؤلاء المتفلسفة الملاحدة وهيهات، فإن دين اليهود والنصارى أقرب إلى دين الإسلام من دين هؤلاء المشركين الصابئين الذين يعبدون الكواكب والأصنام، وهم مِن أشد الناس كفرًا برب الأنام. وإن كان لهم معرفة بأمور دنيوية كالحساب والطب، فهذا نوع آخر غير معرفة الله ومعرفة كتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر. ومن المعلوم أن كون اليهودي والنصراني حاذقًا في طبٍّ أو حسابٍ أو كتابة أو فلاحة أو حياكة أو بناء أو غير ذلك= لا يوجب أن يكون حاذقًا في معرفة الله ودينه، فكيف بهؤلاء الذين هم أجهل بالله وبدينه من اليهود والنصارى؟ ! إلا مَن كان منهم مع إظهاره لليهودية والنصرانية فإنه قد جمع نوعَي الكفر. وهذا الحديث الموضوع لفظه: «أول ما خلقَ الله العقلَ قال له: أقْبِل فأَقْبَل». فهو لو كان حقًّا إنما فيه أن الله خاطب العقل في أول أوقات خلقه بهذا الخطاب، وهذا يدل على أنه خَلَق قبلَه غيرَه، وهذا يناقض قولهم. وفيه أنه وصفه بالإقبال والإدبار، وذلك ممتنع عندهم. وفيه أنه قال له: «فبِكَ آخذ _________ = ... حنبل: هذا الحديث موضوع ليس له أصل. قال العقيلي: لا يثبت في هذا الباب شيء. فهذا اتفاق أهل المعرفة على بطلان هذا الحديث، مع أن أكثر ألفاظه: «لما خلق العقل قال له ... » اهـ. مع تصرف يسير. قلت: وأخرج حديث أبي أمامة الطبراني في «الكبير (8086)، و «الأوسط» (7237). (1) تقدم التعريف بها (ص 84).

(1/195)


وبك أُعطي، وبك الثواب وبك العقاب»، وعندهم أنه مُبْدِع لجميع الكائنات. والحديث مقصودُه أن الله لما خلقَ العقلَ الذي في بني آدم، والعقل في لغة المسلمين عَرَض من الأعراض ليس هو جوهرًا قائمًا بنفسه. فالحديث لو كان صحيحًا لم يدل إلا على ضدِّ قولهم، فهم جُهَّال بسنده ومتنه. وأما قوله: «فأمدّه الله بنور الروح الرباني، فعرف به هذا الموجود، فرقّي إلى ميدان الروح الرباني، فذهب جميع ما تحلَّى به هذا العبد تخلَّى عنه بالضرورة وبقي كلا شيء موجود، ثم أحياه الله بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني. فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد يقول: هو الله، فلحقته العناية الأزلية فنادته: ألا إنّ هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحدٍ أن يصفه، ولا أن يعبِّر عن شيءٍ من صفاته لغير أهله، لكن بنورِ غيره يعرفه» (1). فيقال: هذا بناه على ترتيبه، أنه جعل النفس ثم القلب ثم العقل ثم الروح، وهذا ليس من المتفلسفة، فإنه ليس عندهم وراء العقل الأول غير الواجب، ولكنه في كلام طائفة من متأخّري [م 66] الصوفية، وأرادوا أن يجمعوا بين ما جاء من كلام الأنبياء وكلام الفلاسفة، فسمعوا قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} [النبأ: 38] فقالوا (2): هذا الروح فوق الملائكة، والملائكة هي العقول، فيكون هذا الروح غيرها. _________ (1) سبق النص (ص 160 - 161). (2) (م): «فقال».

(1/196)


ثم إنهم خلطوا الكلام في هذا الروح بروح ابن آدم، ولهذا قال: «فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد يقول: هو الله، فلحقته العناية الأزلية فنادته: ألا إنَّ هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحدٍ أن يصفه، ولا أن يعبِّر عن شيء من صفاته لغير أهله». وهم يحتجون على هذا بقوله: {الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [الإسراء: 85]. وفي كلام صاحب «الإحياء» وأمثاله طرف مِن هذا، والقرآن ليس فيه النهي عن وصف روح ابن آدم، ولا النهي عن التعبير عن شيءٍ من صفاتها، بل الأحاديث والآثار مملوءة من وصف الروح، وأنها تصعد وتنزل، وتكون طيبة وخبيثة، ومنعَّمَة ومعَذَّبة، وأنها تسمع وتبصر وتتكلم، وغير ذلك من صفاتها المذكورة في الأحاديث النبوية والآثار السلفية. وأما قوله: «فأمدَّه بنور سرِّ الروح فإذا هو قاعد على باب ميدان السر، فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور السرِّ، فرفع همَّتَه ليعرف هذا الموجود الذي هو السر، فعمي عن إدراكه، فتلاشت جميعُ أوصافه، كأنه ليس بشيء» (1). فيقال: هذا مبنيٌّ على إثبات ما بعد الروح وهو السر، وآخرون يقولون: سر السر. وهم إن (2) عَنوا به صفات روح الإنسان كان ممكنًا، وإن عَنوا به جوهرًا ثابتًا، فهذا باطل. ثم إنه يريد أن يثبت في العالم شيئًا آخر وهو سرُّ _________ (1) سبق النص (ص 161). (2) كانت في (م): «وإن» ثم ضرب على الواو.

(1/197)


الروح مطابقًا لسرِّ الإنسان، كما صنع في النفس والعقل والروح، وهذا باطلٌ لم يقله أحد إلا بعض متأخري متفلسفة الصوفية، وهو من الخيالات التي لا منتهى لها، فإنَّ الوهم والخيال الباطل واسع، والسالك إن لم يعصمه الله بنور الإيمان والقرآن، وإلا وقع في بحر الوهم والخيال الباطل. ولهذا كان هؤلاء يعظمون ما يعظم ابن عربي: الخيال، وهو عندهم أرض الحقيقة، ولهذا تتمثل لهم الجن والشياطين، ويقولون بالجمع بين النقيضين، وهو من باب الخيال الباطل، ويلقي إليهم الجن والشياطين كلامًا يسمعونه، وأنوارًا يرونها، فيظنون ذلك كرامات، وإنما هي أحوال شيطانية [م 67] لا رحمانية، وهي من جنس السحر (1). ويحكون في هذا: أن رجلًا نزل إلى دجلة ليغتسل لصلاة الجمعة، فخرج في النيل، وأقام بمصر عدّة سنين، وتزوج وولد له هناك، ثم نزل ليغتسل للجمعة، فخرج من دجلة، فرأى غلامه ودابته، والناس لم يُصلوا بعد تلك الجمعة!! ومن المعلوم لكلّ ذي حسٍّ أن الشمس يوم الجمعة ببغداد ليس بينه وبين يوم الجمعة بمصر يومًا، فضلًا عن أسبوع، فضلًا عن شهر، فضلًا عن عام، فضلًا عن أعوام. ولا الشمس توقفت عِدَّة أعوام في السماء، وإنما هذا في الخيال، فيظنونه لجهلهم أنه في الخارج، كما ذكر ذلك سعيد الفرغاني (2) _________ (1) انظر «مجموع الفتاوى»: (2/ 311 - 313). (2) هو: محمد بن أحمد، سعيد الدين الكاساني الفرغاني الصوفي شيخ خانكاه الطاحون. واشتهر بالشيخ سعيد، وكان من رؤوس الاتحادية (ت 699). وقد شرح قصيدة ابن الفارض التائية في السلوك في مجلدتين، ترجمته في «تاريخ الإسلام»: (وفيات 699، ص 408)، و «أعيان العصر»: (4/ 235). وينظر «مجموع الفتاوى»: (2/ 115، 294، 312).

(1/198)


في «شرح قصيدة ابن الفارض» هو وأمثاله، والكلامُ على هؤلاء واسع، وإنما الغرض التنبيه على النُكَت. قوله: «ثم أمدَّه الله بنور ذاته، فأحياه حياةً باقية لا غاية لها، فنظر جميع المعلومات بنور هذه (1) الحياة، فصار أصل الموجودات نور شائع في كل شيء، لا يُشهد غيره، فنودي من قُربٍ: لا تغتر بالله، فإنَّ المحجوب من حُجِبَ عن الله بالله، إذ محال أن يحجبه غيره، فجيء بحياة استودع الله فيه، فقال: أي ربي بك منك إليك أقِلْ عثرتي فإني أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك. فهذه سبيل الترقِّي إلى حضرة العَليِّ الأعلى، وهو طريق المحبين أبدال الأنبياء، والذي يُعْطى أحدُهم من بعد هذا لا يقدر أحدٌ أن يصف منه ذرّة» (2). فيقال: بل هذه سبيل هؤلاء أبدال الفراعنة والملاحدة، والعليُّ الأعلى هو عندهم الوجود مصنوع العلم الأعلى والفلسفة الأولى. والعلمُ الأعلى عندهم هو النظر في الوجود ولواحقه، فإن سيرهم ينتهي إلى وجودٍ مطلقٍ سارٍ في الجميع، والأنبياءُ وأتباعُهم من أعظم الناس مُبَاينةً لهؤلاء، كمباينة موسى لفرعون، وإبراهيم للنمروذ، ومسيح الهدى لمسيح الضلالة. أما قوله: «فنظر جميع المعلومات» (3) فهذا مطابق لما يقوله بعض _________ (1) (م): «هو» وقد تقدمت على الصواب فيما مضى. (2) سبق النص (ص 161 - 162). (3) سبق النص (ص 161).

(1/199)


أتباعه: أن علم العبد يطابق علمَ الرب، فيعلم العبد ما يعلمه الرب، ويَدَّعون ذلك في النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم في ناسٍ بعده، وهذا أفسد من قول النصارى الذين يخصون بذلك المسيح. وهذا من جنس ما يذكره ابن عربي في «سلوكه» (1): أن السالك يخاطبه جميعُ النبات وجميعُ الحيوانات، بجميع ما فيها من الطبائع والمنافع، وأمثال ذلك. وكذلك (2) [م 68] يقوله في غير ذلك من الموجودات، فهؤلاء يدَّعون أن أحدهم يعلم ما يعلمه الرب، وليس مع أحدهم إلا وهم كاذب وخيال فاسد، إن كان ممن لا يتعمَّد الكذب. وبمثل هؤلاء ضلَّ من اتبعهم حتى يقول أحدهم: [أنا] (3) القطب الغوث الفرد الجامع، ونواصي الملوك والأولياء بيدي أُوَلِّي مَن شئتُ وأعزل مَن شئتُ، وأن الله يناجيني على مر الأنفاس، وأن مدد الملائكة مني ومدد الحِيتان (4) مني، كما كان يقوله المستسري (5) الذي جرى له في القاهرة ما جرى. _________ (1) ذكر عثمان يحيى في «مؤلفات ابن عربي» (ص 384 - 385) كتاب «السلوك في طريق القوم» لكن رجح أنه لابن سبعين، وكتاب «السير والسلوك إلى ملك الملوك» لكن رجح أنه منحول أيضًا. (2) كذا في الأصل. (3) سقطت من الأصل. وانظر «بغية المرتاد» (ص 393). (4) (م): «الحنان»! ولا معنى لها، واستفدت التصويب من «الفتاوى»: (27/ 96) إذ قال فيه: «مثل تفسير بعضهم أن الغوث هو الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم حتى يقول: إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته ... » اهـ. (5) كذا في (م)! ولم أعرف مَن هو.

(1/200)


وأما قوله: «فإن المحجوب من حُجِب بالله عن الله، إذ محال أن يحجبه غيره». فيقال: هذا من جنس كلام أهل الوحدة والحلول، فإن الاحتجاب بالله عن الله، وحَجْب اللهِ لله محال عند المسلمين، وإنما يَحجب العبدَ عن الله غيرُ الله، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51]. وفي «الصحيح» (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، نادى مُنادٍ: يا أهل الجنة إنَّ لكم عند الله موعدًا يُريد أن يُنجِزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يُبيِّض وُجوهَنا، ويُثقِّل موازينَنا، ويُدخِلنا الجنَّة، ويُنجّنا من النار؟ قال: فيُكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النَّظر إليه» وهو الزيادة. وفي «الصحيح» (2) عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربع (3) كلمات، فقال: «إنَّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القِسط ويرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل قَبل النهار وعملُ النهار قَبل الليل، حجابُه النور أو النار، لو كَشَفه لأَحرَقَت سُبحاتُ وجههِ ما انتهى ــ وفي رواية: ــ ما أدركه بصرُه من خَلقِه». _________ (1) أخرجه مسلم (181) من حديث صهيب الرومي - رضي الله عنه - نحوه. (2) أخرجه مسلم (179). (3) كذا في (م)، والذي في مسلم في هذه الرواية: «بخمس ... »، أما رواية «بأربع» فقد ساقها مسلم عقبها وليس فيها: «حجابه النور ... ».

(1/201)


ثم الحُجُب عند السلف وأهل الحديث وغيرهم هي حُجب الله عن العبد، وعند من يثبت رؤية الله بلا مواجهةٍ الحُجُبُ عندهم ما يقوم بالعبد من موانع الرؤية، وهي أمر عَدَمي أو عَرَض وجودي. وأما أن الله يحجب نفسه فهذا لا يقوله من يثبت خالقًا ومخلوقًا مباينًا له، وإنما يقوله مَن يجعل الوجود واحدًا، فالحاجب والمحجوب عنده واحد، وكذلك الآكل والمأكول، والشارب والمشروب، والضارب والمضروب، والشاتم والمشتوم، والعابد والمعبود، واللاعن والملعون، وهذا قول أهل الوحدة كابن عربي وابن سبعين وأمثالهما. وكذلك قوله: «بك منك إليك» من جنس قول [م 69] ابن الفارض (1): إليَّ رسولًا كنتَ مني مرسلًا ... وذاتي بآياتي عليَّ استدلَّت وهم يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه بنفسه، فهو المُرْسِل والمُرْسَلُ إليه والرسول، وهو المُحِبّ والمحبوب، وهو المصلِّي والمصَلَّى له! كما قال ابن الفارض: لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهدُ فيها أنها ليَ صلَّتِ كلانا مُصلٍّ واحدٌ ساجدٌ إلى ... حقيقته بالجمع في كلِّ سجدةِ وما كان لي صَلَّى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كلِّ ركعة إلى قوله: _________ (1) هذا البيت وما سيليه من أبياتٍ هو من قصيدة ابن الفارض المشهورة المعروفة بالتائية، انظر «ديوانه» (ص 89، 61، 71، 67) على التوالي.

(1/202)


وما زلتُ إيَّاها وإيَّايَ لم تزل ... ولا فَرْقَ بل ذاتي لذاتي أحبَّت وقوله: وقد رُفِعَت تاءُ المخاطَبِ بيننا ... وفي رَفْعها عن فرقة الفرق رِفْعتي فإن دُعِيَتْ كُنْتُ المجيبَ وإن أكن ... منادًى أجابَتْ مَن دعاني ولبَّت وأمثال هذه الأبيات التي يذكر فيها قولهم في وحدة الوجود. وقال ابن عربي (1): «{وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} [نوح: 22]، لأن الدعوةَ إلى الله مكرٌ بالمدعوِّ، فإنه ما عدم من البداية فيدعَى إلى النهاية. {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} فهذا عين المكر {عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108] فنبه أن الأمر له كله، فأجابوه مكرًا كما دعاهم، فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هو من حيث هويته وإنما هو من حيث أسماؤه». وقال شاعرهم (2): ما بالُ عِيْسك لا يقرّ قرارها ... وإلامَ ظلك لا يَنِي مُتنقِّلًا فلسوف تعلم أن سَيْرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغتَ المنزلا فعندهم السير: يسير منه إليه، من الله إلى الله. وقوله: «بك منك» مطابق _________ (1) في كتابه «فصوص الحكم» (ص 35 - 36). وقد نقله المصنف أيضًا بنصه في «الفتاوى»: (13/ 197). (2) صرح المصنف في «الفتاوى»: (2/ 81) أن القائل هو ابن إسرائيل ــ وستأتي ترجمته (ص 168) ــ. ونسب ابنُ شاكر في «فوات الوفيات»: (3/ 7) في ترجمة الحريري الصوفي البيتَ الثاني للعفيف التلمساني.

(1/203)


لهذا. ودينُ المسلمين: أن السير من المخلوقات إلى الخالق، كما قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} [الأحزاب: 45 - 46]، وقال: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108]. ولا ريب أن الجهمية الذين لا يثبتون للمخلوقات ربًّا مباينًا للمخلوقات غالبًا عليها، إذا سلكوا وتوجَّهوا انتهوا إلى القول بالوحدة، فيكون سيرهم من المخلوقات إلى المخلوقات. وهم يرون المخلوق هو الخالق، [فليس] (1) قولهم: إنه ما ثَمَّ موجودٌ إلا العالم كما قاله فرعون، لكن هم يقولون: العالم هو الله، وفرعون كان يُظهر إنكار وجود الله. ولهذا كان ابن عربي وغيره من أهل الوحدة يُعَظِّم فرعون. ولقد سألني قديمًا عبد الله (2) الذي كان قاضي اليهود ودعَوتُه إلى الإسلام، وبينتُ له أعْلامَه حتى أسلم وحَسُن إسلامه، سألني عن قول هؤلاء، وكان قد اجتمع [م 70] بشيخ منهم يُقال له: حسن الشيرازي، فبينتُ له فساد قول هؤلاء، وأن حقيقته حقيقة قول فرعون. فقال: هكذا قال لي _________ (1) لم تظهر في (م)، ولعلها ما أثبت. (2) كذا في (م)، وصوابه «عبد السيد» كما في جميع المصادر. وقد ترجم له ابن كثير فقال: الحكيم الفاضل البارع بهاء الدين عبد السيد بن المهذب إسحاق بن يحيى الطبيب الكحال المتشرِّف بالإسلام، ثم قرأ القرآن جميعه لأنه أسلم على بصيرة، وأسلم على يديه خلق كثير من قومه وغيرهم، وكان مباركًا على نفسه وعليهم، وكان قبل ذلك ديَّان اليهود (أي رئيسهم الديني)، فهداه الله تعالى، أسلم على يدي شيخ الإسلام ابن تيمية، وتوفي (715). «البداية والنهاية»: (18/ 10، 148)، و «الدرر الكامنة»: (2/ 476).

(1/204)


الشيرازي لمَّا دعاني إلى هذا المذهب. فقلت له: هذا يشبه قول فرعون، فقال: نعم نحن على قول فرعون. قلت له: صرَّحَ لك بهذا؟ قال: نعم، فقلت: مع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة. وكان لم يُسْلِم بعد. قال: فقلتُ له: أنا لا أدع موسى وأذهب إلى فرعون. فقال: لِمَ؟ قلتُ: لأنَّ موسى غرَّق فرعون. فقلت له: نفعَتْك اليهودية، يهوديٌّ خير من فرعوني (1). وأما قوله: «أعوذ بك منك» فهذه الكلمة مأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) لكنه لم يُرِد بها ما أراده النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل هي كلمة حق أراد بها هذا القائل معنًى باطلًا حيث قال: «حتى لا أرى غيرك» ومراده: أنه ليس ثَمَّ غير. كما قال: «محالٌ أن يحجبه غيره»، ثم إن هذا مذهب متناقض (3)، فإنه إن كان ثَمَّ غير، فقد ثبت التعدُّد، وإن كان ما ثَمَّ غير، فلا يتصور أن يُحْجَب عن الله، حتى يقال له: المحجوب من حُجِبَ عن الله. وهؤلاء يشهدون وحدة الوجود، وفطرتهم تشهد بتعدُّد الوجود، فلهذا كلامهم دائر بين فطرتهم السليمة ومذاهبهم الذميمة. ولقد حضر عندي منهم شيخ من شيوخهم وطلب مني شيئًا، فجعلتُ أستنطقه هذا المذهب ليسمعه الحاضرون، فإن من الناس من ينكر وجود هؤلاء ــ مع كثرتهم ــ لفساد مذهبهم في العقل، وكان قد طلب درهمًا، فقلتُ _________ (1) ذكر المصنف هذه الحكاية في «الفتاوى»: (2/ 359)، (13/ 187 - 188). (2) ضمن حديث أخرجه مسلم (486). (3) عبارة «ثم إن هذا مذهب متناقض» غير واضحة في مصورتي، واستفدت قراءتها من طبعة دار الصحابة.

(1/205)


له: مَن الطالب؟ فقال: هو الله، قلتُ: والمطلوب؟ قال: هو الله؟ قلت: والدرهم؟ قال: هو الله!! وكان هناك فرُّوج وسكِّين، فقلت: والفرُّوج والسكين؟ فقال: هو الله! فجعل يقول: إني مريض فأعطني، فقلت له: المعطي غير المُعْطَى أم لا؟ من هو الذي يعطيك؟ وأمثال هذا الكلام الذي أُبيِّن به تناقض قولهم ليظهر له فساده، وتَوَّبْتُه بعد ذلك، فضجر في أثناء الكلام، ورفع بصرَه إلى السماء، وقال: يا الله، فقلت: إلى مَن ترفع؟ وعلى مذهب المحققين ــ أعني أصحابه ــ ما هناك شيء؟! فقال: أستغفرُ الله أخطأتُ، فصار بفطرته يُقرُّ بأن الله فوق، ومذهبه يأمرُهُ بأن ينكر أن يكون فوق العالم شيء، وهو حائر بين فطرته التي فُطِر عليها، ومذهبه الذي تلقَّاه من شيوخه. والكلام على هذا يطولُ وصفُه [م 71] وإنما المقصود التنبيه (1). فصل ثم قال: «وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين فهو منه إليه به، إذ مُحالٌ أن يتوصل إليه بغيره» (2). فيقال: لو قال: «هو به إليه» لكان حقًّا، فإن الله لا يُعبد إلا بإعانته، ولا _________ (1) قال المصنف في «المنهاج»: (8/ 26) في سياق كشفه لأصحاب هذا المذهب الباطل: «فلما يسر الله أني بيَّنت للناس حقائقهم، وكتبت في ذلك من المصنفات ما علموا به أن هذا هو تحقيق قولهم، وتبين لهم بطلانه بالعقل الصريح، والنقل الصحيح، والكشف المطابق= رجع عن ذلك من علمائهم وفضلائهم مَن رجع، وأخذ هؤلاء يثبتون للناس تناقضهم ويردونهم إلى الحق» اهـ بتصرف يسير. (2) تقدم قوله (ص 162).

(1/206)


حول ولا قوة إلا بالله فـ {(177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي (1) وَمَنْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17]. لكن قال: «فهو منه إليه» فقوله: «منه إليه» من جنس قول أهل الوحدة: بل هو من العبد المخلوق المُحْدَث إلى الرب الخالق القديم. ولما كان كثير من السالكين يقعون في الحلول والاتحاد، وكَثُر ذلك في طريق مُتأخِّري الصوفية= [أجاب] (2) الجُنَيد ــ قدَّسَ الله روحَه لمّا سُئل عن التوحيد ــ فقال: التوحيدُ إفرادُ الحُدوث عن القِدَم (3). فرضي الله عن الجُنيد فإنه كان إمام هُدًى. وتكلَّم على المرض الذي يُبتلى به كثيرٌ من هؤلاء. وقد أنكر ابن عربي على الجنيد وعلى غيره من الشيوخ، مثل سهل بن عبد الله التُّسْتَري وأمثاله في كتابه الذي سماه بـ «التجليات» (4)، وادَّعى أن هؤلاء ماتوا وما عرفوا التوحيد، وأنه عَرَّفَهم إياه في هذا التجلِّي الذي له، وهو تجلٍّ خياليٌّ شيطانيٌّ من نفسه إلى نفسه في نفسه (5). _________ (1) كذا في (م) بإثبات الياء، وهي قراءة أبي عمرو ونافع وغيرهما، انظر «المبسوط» (ص 241) لابن مهران. (2) غير ظاهرة في (م)، ولعلها ما أثبت. (3) نسَبَه له القُشيريُّ في «رسالته»: (1/ 19) قال: «التوحيد إفراد القدم من الحدث». وللمصنف رسالة في معنى هذه الكلمة، ذكرها ابن رُشيّق «الجامع» (ص 304). (4) كتاب «التجلِّيات» له مخطوطات كثيرة جدًا، وطبع في الهند سنة 1948 م، وله عدة شروح، انظر «مؤلفات ابن عربي» (ص 230 - 233) لعثمان يحيى. (5) انظر ما سيأتي (ص 178)، وقد قال المصنف في «الصفدية»: (1/ 265) عن ابن عربي إنه: «يطعن في قول الجنيد لما سُئِل عن التوحيد فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم. ويقول: لا يميز بين المحدث والقديم إلا مَن كان ليس واحدًا منهما. ذكر هذا وأشباهه في كتابه «التجليات»، وله كتاب «الإسراء» الذي سماه «الإسرا إلى المقام الأسرى»، وجعل له إسراء كإسراء النبي - صلى الله عليه وسلم -. وحاصل إسرائه ... من نوع الكشف العلمي ... وهو كله في نفسه وخيالِه، منه المتكلم ومنه المجيب. وباب الخيال باب لا يحيط به إلا الله، وابن عربي يدعي أن الخيال هو عالم الحقيقة ويعظمه تعظيمًا بليغًا، فجعل في خياله يتكلم على المشايخ وتوحيدهم بكلام يقدح في توحيدهم، ويدَّعي أنه علّمَهم التوحيد في ذلك الإسراء. وهذا كله من جنس قرآن مسليمة بل شر منه، وهو كلام مخلوق اختلقه في نفسه» اهـ بتصرف. وانظر «مؤلفات ابن عربي» (ص 178).

(1/207)


وأوْرَدَ على الجُنيد: أنك إذا قلت: التوحيد تمييز المحدَث عن القديم، فالمميِّز بين الشيئين لابدَّ أن يكون غيرهما، وإذا كان ما ثَمَّ إلا مُحْدَث وقديم فمن الذي يُميِّز؟ [فيقال] (1): هذا ممنوع، فليس من شرط المميِّز بين الشيئين أن يكون غيرهما، بل العبد يفرِّق بين نفسِه وبين غيره من المخلوقات وليس هو غيرهما، وكذلك يميز بين نفسه وبين ربه، والرب تعالى يفرِّق بين نفسه المقدَّسة وبين مخلوقاته، وليس هو عين الشيئين. وما أكثر ما في كلامهم من هذه القضايا الحادثة الخيالية التي يُلَبِّسون بها على الناس، لا سيما على مَن يحسن بهم الظن. وإنما كان الحلول يكثر في كثير من الصوفية، ذكر ذلك أبو نعيم الأصبهاني في أول «حلية الأولياء» (2)، وذكره أبو القاسم القُشَيري في _________ (1) هنا نحو ثلاث كلمات غير ظاهرة في مصورتي! (2) (1/ 4).

(1/208)


«رسالته» (1) وغيرها، وحذَّروا منه ومِن أهله، وذموا هؤلاء، كما كان المشايخ العارفون الذين يُقتدى بهم يذمون هذا. وأما قوله: «إذا ألبسهم ثوب العَدَم فنظروا فإذا هم بِلا هَمّ (2) [م 72] ثم أردف عليهم ظُلمةً غَيَّبتهم عن نظرهم، بل صار عدمًا لا علة له» (3). فيقال: هذا الكلام مجمل يحتمل شيئين (4): أحدهما: أن يغيب الإنسان عن ملاحظة نفسه وشهودِها وذِكْرها، وهذا هو الفناء عن رؤية السّوي، وهو الفناء الناقص الذي يغيب فيه بموجوده عن وجوده، وبمعروفه عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره. فهذا أمر يعرض لبعض السالكين، فإن كان صاحبه مغلوبًا عليه، لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه، فحَسْبه أن يكون معذورًا. وأمَّا مَن كان يُمكنه الفرق بين الربِّ والعبد ولم يُفرِّق بينهما فهو من الملحدين. والاحتمال الثاني: الفناء عن وجود السّوي، وهو أن يشهد عين وجوده عين وجود الحق، فيرى ما سوى عين وجود الحق عدمًا، لا يرى موجودَين أحدهما خالق والآخر مخلوق. فهذا مشهد أهل الإلحاد مِن أهل الوحدة والاتحاد. _________ (1) تكلم القشيري عن بعض شطحاتهم وضلالاتهم في أولها (1/ 16 - 17)، ولم أر كلامه على الحلول. (2) (م): «بَلاهُم». (3) تقدم النص (ص 162). (4) تقدم للمصنف ذكر هذين الاحتمالين (ص 151).

(1/209)


ثم إنه على هذا التقدير قد يشهد هذا في نفسه، فيكون من أهل الوحدة والحلول المعين الخاصّ كالنصارى، لكن هذا شرٌّ من النصارى، فإنَّ النصارى ادَّعوا ذلك في المسيح، وهؤلاء يجعلونه فيمن لا يُعلم إيمانه. وقد (1) يشهد ذلك في الوجود مطلقًا، فيكون من أهل الوحدة والاتحاد العام المطلق، فيقول في جميع المخلوقات شرًّا مما قالته النصارى في المسيح، فإن أولئك يقولون: كانا اثنين فاتحد أحدهما بالآخر. وهؤلاء ما عندهم تعدد، بل ما زال وجود ما يقال إنه المخلوقات عين وجود الخالق. وكذلك قوله: «فانطمست جميع العلل، وزال كل حادث، فلا حادث ولا وجود، بل ليس إلا العدم الذي لا علة له، وما لا علة له فلا معرفة تتعلق به، اضمحلَّت المعلومات، وزالت المرسومات زوالًا لا علة فيه» (2). فإن هذا الكلام مبالغة في الوحدة، فإن الزوال والعدم المحض المعلول ليس عدمًا محضًا وزوالًا صِرفًا، فإذا حصل العدم المحض، والزوال الصِّرف، لم يكن هناك حادث ولا موجود، بل ليس إلا وحدة الوجود. ولهذا قال: «وبقي من أُشير إليه لا وصف له، ولا صفة، ولا ذات» (3). فهذا مطابق لمذهب أهل الوحدة، فإنهم يقولون: الرب له تجلٍّ باعتبار ذاته، وتجلٍّ باعتبار أسمائه [م 73] وصفاته. فتجلِّي الذات: وجودٌ محضٌ مطلق، ليس فيه اسم ولا صفة، ولا يُرى ولا يُشهد، ولا يتميز فيه شيء عن شيء. ولا ريب أن الوجود المطلق الذي _________ (1) رسمها في (م): «وهو» ولعله ما أثبت. (2) سبق النص (ص 163). (3) سبق النص (ص 163).

(1/210)


يتصوره الإنسان في نفسه هو بهذا الاعتبار، فإن الوجود المطلق بشرط الإطلاق لا يقال فيه: ربٌّ ولا عبد، ولا قديمٌ ولا مُحْدَث، ولا خالق ولا مخلوق، ولا حي ولا عليم ولا قدير، ولا غير ذلك. فإنّ كل هذه الأمور فيها تخصيص وتقييد بموجود دون موجود. فالرب يُخرِج العبدَ، والقديم يُخرج المحدَث، والخالق يخرج المخلوق، والحي العليم القدير يخرج الميت الجاهل العاجز. وأما التجلِّي الأسمائي عندهم فهو: ظهوره في الممكنات بحسب استعدادها، فيظهر في الكلب بصورة الكلب، وفي الإنسان بصورة الإنسان، وفي الفلك بصورة الفلك، ونحو ذلك. وقد حكى بعض أصحابنا أنه وقع بين ابن عربي وبين الشيخ أبي حفص السَّهْرَوردي صاحب «عوارف المعارف»: في الحق إذا تجلَّى للعبد، هل يمكنه أن يسمع خطابه حين التجلِّي؟ فقال ابن عربي: لا يمكن ذلك، وقال السَّهْروردي: بل يمكن ذلك. قال ابن عربي: مسكينٌ هذا السَّهروردي، نحن نقول له عن تجلِّي الذات وهو يخبر عن تجلِّي الصفات (1). فلمَّا عرفتُ هذا مِن هؤلاء قلتُ لأصحابنا: صدق على أصله الفاسد، فإن الذات عنده وجود مطلق لا كلام لها، فكيف يكون في حال تجليها سماع خطاب؟ ! لكن هذه الذات التي يعنيها إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان. وأما السَّهْروردي فقوله قول المسلمين (2): إن الله يتجلَّى لعباده يوم _________ (1) ذكر المصنف هذه الحكاية في مواضع. انظر «الفتاوى»: (7/ 590 - 594)، (10/ 339). (2) قال المصنف عن السهروردي بعد ذكر هذه الحكاية في «مجموع الفتاوى»: (7/ 594): «أما أبو حفص السهروردي فكان أعلم بالسنة وأتبع للسنة من هذا ــ يعني ابن عربي ــ وخيرًا منه، وقد رأى أن ما جاءت به الأحاديث من أن الله يتجلى لعباده ويخاطبهم حين تجليه لهم فآمن بذلك، لكنَّ ابن عربي في فلسفته أمهر من هذا في سنته؛ ولهذا كان أتباعهما يعظمون ابن عربي عليه مع إقرارهم بأن السهروردي أتبع للسنة» اهـ. وانظر «جامع المسائل»: (4/ 395).

(1/211)


القيامة، ويكلمهم في عرصات القيامة وفي الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1). فقول القائل: «بقي من أشير إليه لا وصف له ولا صفة ولا ذات، فاضمحلت النعوت والأسماء والصفات، فلا اسم ولا صفة ولا ذات» (2) يطابق قول هؤلاء، وهذا إن أراد به أن الله نفسه تعدم صفاته، فهذا من أظهر الباطل، فإن صفاته القائمة بذاته لا تعدم. وإن أراد أني أشهده بلا صفة، فهذا شهودٌ ناقص، وهو نقص علمٍ وإيمان، وإن أراد أني أشهده بحقيقته وهي في نفس الأمر لا صفة لها ولا اسم، فهذا مذهب هؤلاء الملاحدة، وهو مذهب ملاحدة الإسماعيلية [م 74] الذين هم شرٌّ من هؤلاء. وقوله: «لا اسم ولا صفة ولا ذات» قد يُريد بالذات القائم بنفسه، فإنه يشهد وجودًا مطلقًا أطلسًا (3)، ليس فيه شيء قائم بنفسه فيكون ذاتًا، ولا قائم بغيره فيكون صفة. _________ (1) انظر جملة منها في «صحيح البخاري» كتاب التوحيد، باب قوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، ومسلم (162، 193، 2652). (2) سبق النص (ص 163). (3) (م): «أطلس». يقال: طَلَسَ بصره، أي ذهب. وانطلس أثره، أي خفي. انظر «تاج العروس»: (8/ 342).

(1/212)


فهذا منتهى معرفة المحبوبين الذين هم أفضل من أبدال الأنبياء عند هؤلاء الضالين، وهذا الرب الذي ذكروه لا حقيقة له إلا في أنفسهم، هل هو إلا ما يتخيلونه، فـ {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 180 - 182]. وما كنتُ أظنُّ هذا الشيخ (1) وصل إلى هذا الحدِّ حتى رأيت هذا الكلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولعله قد تاب من ذلك، فإن الإنسان لا يدوم على حال واحدة. وكذلك قوله: «فهناك يظهر من لم يزل ظهورًا لا علة له، بل ظهر بسرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أولية له، بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته، فحيي هذا العبدُ بظهوره حياةً لا علة لها، فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها، فصار أولًا في الظهور لا ظاهر قبله، فوجدت الأشياء بأوصافه، فظهرت بنوره في نوره» (2). فيقال: قد تقدم قوله: «إنه لا يبقى هناك ذات» (3) فقوله: «نظر من ذاته لذاته» يناقض ما تقدم. مع أن هذا الإلحاد والاتحاد أعظم من أن يُقتصر على ذمِّه بمجرَّد التناقض، فقوله: «ظهر لذاته من ذاته في ذاته» يطابقُ مذهبَ أهل الوحدة الذين يقولون: هو الظاهر في جميع المخلوقات، وأن ذاته ظهرت لذاته. _________ (1) يعني الشاذلي صاحب «الحزب». (2) سبق النص (ص 163). (3) تقدم (ص 163).

(1/213)


وقول ابن عربي: «ومن أسمائه الحسنى: العَليّ، على من يكون عليًّا وما ثَمَّ إلا هو؟ وعن ماذا وما هو إلا هو؟ فعُلُوُّه لنفسه، وهو من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمَّى مُحْدَثات هي العَلِيَّة لذاتها، وليست إلا هو. إلى أن قال: قال أبو سعيد الخَرَّاز (1) ــ وهو وجهٌ من وجوه الحقِّ ولسانٌ من ألسنته ينطق عن نفسه ــ: بأن الله لا يُعْرَف إلا بجمعه بين الأضداد. ثم قال: فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثَمَّ من يَراه غيره، وما ثَمَّ من يبطن (2) عنه، فهو ظاهرٌ لنفسه باطن عنه، وهو المسمَّى أبو سعيد الخراز، وغير ذلك من الأسماء المحدثات» (3). وهذا الكلام ذكره القُشَيري (4) وغيره عن أبي سعيد الخراز لمَّا قيل له: بمَ عرفتَ ربك؟ قال: بالجمع بين النقيضين [م 75] وتلا قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. وأراد أبو سعيد أن المخلوق لا يكون هو الأول الآخر الظاهر الباطن، بل هذا متضادٌّ في حقِّه بخلاف الخالق، ولم يرد أبو سعيد مذهب الحلول والاتحاد، فإن أبا سعيد أعلى قدرًا من ذلك، وإن كان له في الفناء كلامٌ أُنكِر _________ (1) هو: أحمد بن عيسى البغدادي أبو سعيد الخراز، من كبار الصوفية وأئمتهم (ت 279). انظر «طبقات الصوفية» (ص 228 - 232) للسلمي، و «الحلية»: (10/ 246 - 249)، و «الرسالة»: (1/ 98) للقشيري، و «السير»: (13/ 419). (2) كذا هنا وفي «الفصوص»، وفي «بغية المرتاد» (ص 404): «ينطق». (3) هنا ينتهي كلام ابن عربي من «الفصوص» (ص 40 - 41). (4) لم أجده في «الرسالة». وقد ذكره المصنف في «بيان تلبيس الجهمية»: (4/ 102)، و «الفتاوى»: (16/ 425).

(1/214)


بعضُه (1). وإن قُدِّر أن أبا سعيد وغيره أراد معنًى باطلًا فذلك المعنى مردود كائنًا مَن كان قائلُه. ولما جرت (2) بالديار المصرية من محنة هؤلاء الجهمية (3) ما قد عرفه الناس، وظهر مذهبهم، وما قاله هذا وأمثاله= حدثني بعض الأكابر الذين لهم قدرٌ ومنزلة معروفة: أن النصارى لمَّا سمعوا هذا جعلوا يقولون: يا مسلمين أنتم أنكرتم علينا قولنا: إن المسيح هو الله، وهؤلاء شيوخكم يقولون: إن الله هو أبو سعيد الخرَّاز، فنحن خيرٌ منكم! ! ولقد صدق مَن قال: إن قول النصارى خير مِن قول مَن قال: إن الله هو أبو سعيد الخرَّاز، ثم لم يقتصر على ذلك، بل قال: هو أبو سعيد الخراز، وغير ذلك من الأسماء المحدثات! ! ولهذا قيل لبعض أكابرهم: ما الفرق بينكم وبين النصارى؟ فقال: النصارى خصَّصوا (4). _________ (1) قال السُّلمي: قيل إنه أول مَن تكلم في علم الفناء والبقاء. (2) بعده في (م): «من» وفوقها علامة التضبيب، ولا مكان لها، والنص بدونها مستقيم. (3) لعل المصنف يشير إلى ما جرى له في المجالس المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد، وذلك بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان من الديار المصرية لمَّا سعى إليه قومٌ من الجهمية والاتحادية والرافضة وغيرهم من ذوي البدع والأحقاد، وذلك في سنة (705)، وقد شرح المصنف ما جرى في تلك المجالس في رسالة انظرها في «مجموع الفتاوى»: (3/ 160)، وذكرها تلميذه ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (ص 262 وما بعدها). (4) انظر «الفتاوى»: (2/ 186، 467 - 468)، (8/ 258)، (11/ 242).

(1/215)


وهذا موجود في كلام ابن عربي وغيره، وذكره في كتاب «الفصوص» (1) وغيره من كتبه، ينكرون على المشركين والنصارى تخصيصهم عبادة بعض الأشياء، والعارف عندهم من يعبد كلَّ شيء كما قال ابن عربي: «فقالوا في مكرهم: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: 23 - 24]، لأنهم إذا تركوهم جَهِلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإنّ للحق في كلِّ معبودٍ وجهًا يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله. كما قال في المحمديين: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] أي حكم، فالعالم يعلم مَن عَبَد، وفي أيِّ صورةٍ ظهر حتى عُبِد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء للصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عُبِد غير الله في كلِّ معبود» (2). فهذا وأمثاله من كلام الملحدين أهل الوحدة الذين يقولون: الوجود واحد، ولهم أشعار على هذا المذهب، كالقصيدة المسماة بـ «نظم السلوك» لابن الفارض (3)، وشعر ابن إسرائيل (4) [م 76] والتِّلِمْساني صاحب «شرح _________ (1) (ص 36). (2) هنا ينتهي كلام ابن عربي. (3) تقدمت بعض أبياتها، وهي في «ديوان ابن الفارض» (ص 46 - 116). (4) ابن إسرائيل هو: محمد بن سوار بن إسرائيل، نجم الدين أبو المعالي الشاعر الصوفي المشهور (ت 677). قال عنه المصنف في «بيان تلبيس الجهمية»: (5/ 97): «وكان شاعرًا من شعراء الفقراء، في شعره إيمان وكفر، وهدى وضلال، وفي شعره كثير من كلام الاتحادية». ترجمته في «فوات الوفيات»: (3/ 383)، و «البداية والنهاية»: (17/ 549 - 556). وقد ذكر المصنف بعض شعره (ص 105).

(1/216)


الأسماء الحسنى» و «شرح مواقف النفري» (1) على مذاهب هؤلاء. وكما قال أيضًا: «وكان موسى أعلم بالأمر من هارون، لأنه علم ما عَبَدَه أصحاب العجل، لِعِلْمه بأن الله قد قضى أن لا يُعبد إلا إياه، وما قضى الله بشيء إلا وقع، فكان عَتَب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحقَّ في كل شيء، بل يراه عين كلِّ شيء» (2). وهذا من أعظم الناس تحريفًا للكَلِم عن مواضعه، يجمعون بين السَّفْسَطة في العقليات، والقَرْمطة (3) في السمعيات، كإخوانهم الباطنية الإسماعيلية. وذلك أن قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] معناه: أمَرَ ربُّك، باتفاق المسلمين، والله إذا أمر بأمرٍ فقد يُطاع وقد يُعصى، بخلاف ما قضاه بمعنى أنه قَدَّره وشاءه، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ومن المعلوم أن الله لم يجعل الواقع من جميع الخلق هو عبادته وحده لا شريك له، بل أوجب هذا عليهم، فمنهم من أخلص له الدين ومنهم من أشرك به. قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا _________ (1) الشرح له عدة نسخ، انظر «جامع الشروح والحواشي»: (3/ 1970)، وكتاب المواقف في التصوف مطبوع، والنفري هو: محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري أبو عبد الله الصوفي (ت 354)، ترجمته في «طبقات الشعراني»: (1/ 201)، و «شذرات الذهب»: (5/ 433)، و «كشف الظنون»: (2/ 1893)، و «الأعلام»: (6/ 184). (2) «فصوص الحكم» (ص 128). (3) (م): «القرامطة».

(1/217)


الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36]. وذِكْر الشركِ والمشركين في القرآن وذَمِّهم أعظم من أن يُذكر هنا. فدعوى المدَّعي أن كلَّ عابدٍ فما عبد إلا الله، وأن الله ذكر ذلك في كتابه= من أعظم الإفك والبهتان من طائفة تدَّعي أنها أفضل أرباب التحقيق والتوحيد والعرفان!! فهذا وأمثاله من علم الملحدين أهل الوحدة، الذين يقولون: الوجود واحد. واعلم أن الحلول نوعان: حلول مطلق، وحلول مقيد (1). فالحلول المطلق؛ قول الجهمية وأتباعهم من متصوفتهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان. وهم مضطربون (2) في هذا الباب لتناقضه، وردُّ السلف والأئمة عليهم كثير. وهؤلاء أهل الوحدة من شرِّ هؤلاء، فإنَّ هؤلاء جعلوا الوجود الخالق هو الوجود المخلوق، وإن أثبتوا تعدُّدًا وسموا ذلك المظاهر، وفرقوا بين [م 77] الثبوت والظهور والوجود ونحو ذلك، فهو كلام متناقض لا حقيقة له، بل يجمعون بين النقيضين، كما يصنع إخوانهم المتفلسفة في واجب الوجود؛ إذ يصفونه بصفات الممتنع الوجود، فيجمعون بين النقيضين. وكذلك إخوانهم النصارى؛ إذ قالوا: واحدًا بالذات ثلاثة بالأقنوم، ثم يقولون: إن المتحد بالمسيح هو أقنوم الابن فقط دون الأب وروح القدس، _________ (1) انظر ما سبق (ص 193). (2) (م): «مضطربين».

(1/218)


ويقولون: المسيح إله يخلق ويرزق. فإنَّ هذا من أعظم التناقض، فإن الأقانيم إن فسَّروها بالصفات، فالصفة لا تخلق ولا ترزق، ولا يمكن اتحادها بشيء دون (1) الموصوف، وإن فسروها بذوات تقوم بأنفسها لزم إثبات ثلاثة آلهة. ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، وقد يمثلون (2) هذا بقول القائل: فلان طبيب حاسب كاتب، فهو مع الطب له حكم، ومع الحساب له حكم، ومع الكتابة له حكم، لكن هذا التمثيل غير مطابق لمذهبهم؛ لأن هذا ذات واحدة لها ثلاث (3) صفات، ويستحيل أنَّ صفةً من الصفات تتحد أو تحل في شيء آخر دون الذات، ودون غيرها من الصفات، فيلزمهم إما بطلان التثليث، وإما بطلان الحلول. وهم مُلحدون في أصلي الدين: الشهادة بالوحدانية وبالرسالة، أبطلوا التوحيد بالتثليث، والثاني بالحلول ودعوى إلهية المسيح. وقد ذمهم يحيى بن عدي (4) ونحوه، أنْ شَبَّهوا قولَهم هذا بقول الفلاسفة في العقل والعاقل والمعقول، وجعل مذهب الفلاسفة حُجَّةً له، وهذا من ضلالهم، فإن الفلاسفة أضل منهم، ومذهبهم أشد فسادًا في _________ (1) بعده في (م) كلمة لم تببين وكأنها مضروب عليها. (2) غير واضحة في (م)، ولعلها ما أثبت. (3) (م): «ثلاثة». (4) هو: يحيى بن عدي بن حميد بن زكريا المنطقي أبو زكريا البغدادي، الفيلسوف، صاحب التصانيف، وكان نصرانيًّا (ت 364) «إخبار العلماء بأخبار الحكماء»: (2/ 488 - 490)، و «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»: (2/ 227 - 228).

(1/219)


المعقول والمنقول (1). ثم إن الفلاسفة تقول: إنه عاقل ومعقول وعَقْل، ولذيذ ومُلتذٌّ ولذَّة، وعاشق ومعشوق وعشق، وتقول: ذلك كله واحد، ليس فيه معان متعددة أصلًا، بل العلم عين العالم، والعلم عين القدرة، وعين العناية التي هي الإرادة، والحب هو المحبوب وهو المحب، ومذهبهم ــ بعد التصور التام ــ أشدّ تناقضًا من قول النصارى بالتثليث. فمن قال: [م 78] إن العلم هو العالم، والقدرة هي القادر، واللذة هي الملتذ، والمحبة هي المحب، وقال: العلم هو القدرة، والقدرة هي المحبة واللذة= فقد جعل الصفات هي الموصوفات، وجعل كل صفة هي الأخرى، وهو كمن جعل الأعراض هي الجواهر، وجعل كل عَرَض هو الآخر، كمن جعل السواد هو الحركة، والحركة هي الطعم، والطعم هو الحياة، والحياة هي اللذة، وجعل الحركة هي المتحرك. وهذا من أعظم السفسطة، وأعظم الباطل! ! وهؤلاء كلهم قد يدخلون في معنى الاتحاد الباطل، فمن جعل حقيقتين متنوّعتين إحداهما هي الأخرى، فقد جعل الاثنين واحدًا، وهو اتحاد باطل، وهؤلاء يجعلون الاثنين واحدًا في الاتحاد، ويجعلون الواحد اثنين، فإن كلّ موجود (2) هو ذلك الموجود بعينه، ليس له في الخارج حقيقة سوى الوجود الموجود في الخارج، فمن جعل حقيقته في الخارج غير الوجود الثابت في _________ (1) انظر «الجواب الصحيح»: (3/ 231 وما بعدها)، و «الفتاوى»: (17/ 276). (2) (م): «الموجود» ولعله ما أثبت.

(1/220)


الخارج، فقد جعل الواحد اثنين، وكذلك من جعل المعدومَ ثابتًا في الخارج، وجعل الوجودَ غير الثبوت في الخارج، كما يقوله من يقوله من المعتزلة والشيعة والاتحادية كابن عربي ونحوه، فهو أيضًا ممن جعل الواحد اثنين. ومِن هؤلاء مَن يقول: إن معنى جميع التوراة، والإنجيل، والقرآن معنًى واحدٌ بالعين، وإن معنى آية الكرسي، وآية الدَّين، وآية التيمم هو معنًى واحدٌ بالعين، وإن الأمر والنهي ليست أنواعًا للكلام، بل كلها صفاتٌ لعينٍ واحدةٍ، أو لخمسة أعيان= فقوله أيضًا من جنس قول هؤلاء. ولهذا اعترفَ حُذَّاق أهل هذا (1) القول بأنه يلزمهم القول باتحاد جميع الصفات وإلا تناقضوا، وهذه الأمور مبسوطة في موضعها، والمقصود هنا التنبيه على أصول الحلول والاتحاد العام. وأما الحلول والاتحاد الخاص؛ فكقول النصارى (2) بالحلول والاتحاد في المسيح، وقول طائفة من الغالية بالحلول في عليّ، أو في الاثني عشر، أو في أئمة الإسماعيلية كالمُعزِّ وأهل بيته، أو في الحاكم (3)، أو في الحلَّاج، أو غير هؤلاء. فهذا الحلول الخاص موجود في طوائف متعددة. ومن الحلول والاتحاد [م 79] ما يكون في الصفات دون الذات، فالحلول في الصفات كقول طائفة: إن أصوات العباد بالقرآن أو بغير القرآن، أو أفعال العباد، أو كلام العباد، أو أرواح العباد، أو نحو ذلك= قديم. _________ (1) هكذا استظهرت العبارة، مع تداخل كلماتها في (م). (2) (م): «النصاير»! وقد تقدم الكلام على الحلول العام (ص 192). (3) المعزّ لدين الله والحاكم بأمر الله الفاطميان في دولة العبيديين القرامطة في مصر.

(1/221)


ومن هؤلاء مَن يقول: نحن لا نقول بحلول القديم في المحْدَث، بل بظهوره فيه. ولكن إذا صَرَّح بأن الصوت المسموع من العبد قديم أزليّ، كان قوله بعد هذا بأنه ظهر فيه ولم يحل فيه= جمعًا (1) بين سفسطتين: دعوى قِدَم ما يُعلم حدوثه، وبين دعوى أن صوت العبد ليس هو حالًّا فيه. وكثير من هؤلاء لا يفهم معنى القديم، بل إذا استفسرته عنه قال: يريد به أنه غير مخلوق، ويقولون: يريد أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا ريب أن كلام الله غير مخلوق كما اتفق عليه السلف والأئمة، ولا ريب أن القرآنَ كلَّه كلامُ الله ليس شيء منه كلامًا لغيره، لا جبريل ولا غيره، والقرآن العربي كلام الله، والله نادى موسى بصوت، وينادي عبادَه يوم القيامة كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، لكن هؤلاء ظنوا أن السلف أرادوا بذلك أن ما ليس بمخلوق يكون قديم العين، وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقُدرته، ولم يفرقوا بين قديم النوع وقديم العين. وقد بسطنا الكلامَ على ذلك في غير هذا الموضع (2)، وبينَّا جميعَ أقوال أهل الأرض في القرآن وكلام الله؛ قول الفيضية والخلقية والحدوثية والاتحادية والاقترانية والسلفية، والمقصود هنا التنبيه على مسمى الحلول والاتحاد، وأنه ينقسم إلى مطلق ومُعَيّن. فالحلول والاتحاد المطلق، كقول الجهمية الذين يقولون: إنه بذاته في كل مكان، ومن يناسبهم من الاتحادية وأهل الوحدة. _________ (1) (م): «جمع». (2) انظر المجلد الثاني عشر من «مجموع الفتاوى».

(1/222)


وأما المقيد، فكقول النصارى بالحلول والاتحاد في المسيح، ولهذا قيل للتِلِمْساني ــ أكبر رؤوس هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة في زماننا، الذي قيل له: كلامكم مثل هذا من «الفصوص» ونحوه يُناقض القرآن، فقال: التوحيد في كلامنا، والقرآن كله شرك (1) ــ فقيل له: فإذا كان الوجود كله واحدًا فما الفرق بين الزوجة والأخت حتى تحرِّم هذه وتُحِلّ هذه؟ فقال: الجميعُ عندنا حلال، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم. [والتلمساني شَرَح مواقف النفري] (2) وشرح الأسماء الحسنى (3) على أصول هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة. وقيل له: ما الفرق بينكم وبين النصارى؟ فقال: النصارى كفروا بالتخصيص، يعني أنهم لو قالوا بالاتحاد العام لما كفروا. وهكذا يقول هؤلاء كابن عربي وغيره: إن المشركين إنما أخطؤوا في عبادة بعض المظاهر دون بعض، والعارف عندهم يعبد الموجودات، ولهذا _________ (1) بعده في (م): «يشبه هذا» ولم أجد لها معنى، ولا وجود لها لمَّا نقل المصنف هذا النص في كتبه الأخرى، انظر «الجواب الصحيح»: (4/ 500 - 501)، و «الفتاوى»: (2/ 127، 201)، (11/ 241)، و «بغية المرتاد» (ص 491). (2) في (ق 79 - ق 80) نحو خمس كلمات مطموسة، والإكمال مقترح، وقد استفدته مما في كتابنا (ص 217)، ومن «مجموع الفتاوى»: (2/ 294). (3) للعفيف سليمان بن علي التلمساني (ت 690) كتاب «شرح الأسماء الحسنى»، ذكره في «كشف الظنون» (ص 1034) وذكر طريقته فيه. ومنه نسخة خطيّة في إحدى مكتبات تركيا في (176 ورقة) كتبت سنة (695). وتقدم الكلام على النفري ومواقفه.

(1/223)


فإن في «فصوص الحكم» (1): «فكان موسى أعلم بالأمر من هارون، فإنه علم ما عَبَدَه أصحاب العجل، لِعِلمه بأنَّ الله قد قضى أن لا يُعبد إلا إيَّاه، وما قضى الله بشيء إلا وقع، وكان عَتَب موسى على أخيه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه. فإن العارف من يرى الحقَّ في كل شيء، بل من يراه عين كل شيء». وذلك أنه حرَّف القرآن، وهُم دائمًا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ويُلحِدون في أسماء الله وآياته، كما يفعل إخوانهم من ملاحدة الشيعة الباطنية، كالقرامطة من الإسماعيلية وغيرهم، والله سبحانه قال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] أي: أمر ربك بذلك، ففسروا هم ذلك المعنى أنه قدَّر أنه لا يُعبد إلا هو. فكل ما عَبَده المشركون فهو عندهم الله، إذ ليس لغيره وجود، وهو عندهم العابد والمعبود، فلهذا زعم أن موسى أقَرَّهم على عبادة العجل. فقد قلتُ لبعضِ من كان معظِّمًا لهم، وكان أبوه من شيوخهم وهو سعيد الفَرْغاني (2) الذي شرح قصيدة «نظم السلوك» لابن الفارض، وكان قد قرأها على القُوْنَوي، وكان التِّلِمْساني أيضًا تلميذ القُوْنَوي، وكان القُوْنَوي قد جاء في رسالة إلى مصر، فاجتمع بابن سبعين لما قدِم من الغرب، وكان التِّلِمْساني مع شيخه القونوي، فقيل لابن سبعين: كيف وجدته ــ يعنون في العلم الذي هو عندهم علم التحقيق والتوحيد ــ؟ فذكر أنه من المحققين، لكن معه شابٌّ _________ (1) (ص 128). وقد سبق هذا النقل عن ابن عربي (ص 217) مع بعض الفروق. (2) سبقت ترجمته (ص 198).

(1/224)


هو أحذق منه، يعنون التِّلِمْساني. فقلت لابن سعيدٍ هذا: الذي ذكره هذا عن موسى وهارون يوافق ما في القرآن أو يخالفه؟ فقال: بل يخالفه؟ فقلت: فاختر لنفسك: إن كان القرآن حقًّا فهذا باطل؛ وذلك أن الله أخبر عن موسى في القرآن بأنه أنكر عبادة العجل غاية الإنكار وقال: {قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)} إلى قوله: {وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 92 - 98]، وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الأعراف: 152]، وهذا مبسوط في موضعه. والمقصود هنا أن الحلول الخاص أنواع: منه: قول النصارى في المسيح، والغالية في عليّ، كالزنادقة الذين حرَّقهم بالنار لما ادعوا فيه الإلهية، وقد ادعاها قوم في طائفة من أهل بيته. وكذلك ادعاها طائفة من أتباع العُبيدية الباطنية، الذين ادعوا أنهم علويون ومَلَكوا مصر نحوًا من مئتي سنة، وملكوا بعض المغرب والشام والحجاز مدة، كالحاكم ونحوه، وقد اعتقدَت طائفةٌ من أتباعهم فيهم الإلهية، كالدُّرْزية أتباع نُشْتِكيْن (1) الدُّرزي الذي كان من موالي الحاكم، _________ (1) (م): «هشتكين» ومثله في «الفتاوى» في مواضع، والصواب ما أثبت، هكذا ضبطه ابن خلكان في «وفيات الأعيان»: (4/ 473)، قال: وهو اسم أعجميّ تسمّى به المماليك اهـ. وهو لقب لمحمد بن إسماعيل الدرزي (ت 411). ينظر: «الأعلام»: (6/ 35 - 36) للزركلي، و «الحركات الباطنية في العالم الإسلامي» (ص 207) للخطيب، و «دراسة عن الفرق» (ص 337) لأحمد جلي. وعن الدروز انظر «الفتاوى - فتوى في النصيرية»: (35/ 135، 161)، (4/ 162 - 163).

(1/225)


وأضلَّ قومًا بالشام في وادي تيم الله بن ثعلبة. ويقال: إنه رُفِع إليه أسماء بضعة عشر ألفًا يعتقدون فيه الإلهية. وكذلك بعض الغلاة في المشايخ، فيهم مَن قد يعتقد الحلول والاتحاد في بعض المشايخ، ويحكون كلمات مجملة أو فاسدة عن أبي يزيد البسطامي وغيره (1) مضمونها الحلول، ويعتقدون أنها صحيحة، وتلك الكلمات بعضها كذب عمن نقلوها عنه، وبعضها مجملة لا تدل على ما قالوه، وبعضها خطأ وضلال ممن تكلَّم بها. والحلول والاتحاد كثيرًا ما يقع في أقوال الغالطين من الصوفية، ولهذا أنكر عليهم أبو نعيم الأصبهاني في أول كتاب «حلية الأولياء» (2)، وأنكره أيضًا أبو القاسم القُشيري في «رسالته» (3). ولهذا لما سُئل الجنيد عن التوحيد؟ فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القِدَم (4). فأجاب الجُنيد بجواب يبين به أن القديم الخالق مُباينٌ للمخلوقات المحدَثة، يردُّ بذلك على من يذهب إلى الحلول والاتحاد من _________ (1) (م): «وغيرها». (2) (1/ 4). (3) سبق للمصنف نحو هذا (ص 208) وانظر التعليق هناك. (4) ذكره القشيري في «الرسالة»: (1/ 19) وقد تقدم (ص 207).

(1/226)


جُهَّال النُّسَّاك والمتصوفة. ولابن عربي كتابٌ في «التجلِّيات» و «الإسراء» (1) وهي تجليَّات خيالية في نفسه لا حقيقة لها، ومعراج خيالي في نفسه [م 82] وأَخَذ ينكر فيه على المشايخ الأجلاء من الصوفية كالجنيد وسهل ونحوهما، وقد تقدم ذكر ذلك (2). وقول (3) صاحب الحزب: «بل ظهر بسرِّه في ذاته ظهورًا لا أولية له، بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته» (4). قد يُراد به الحلول والاتحاد العام، وقد يُراد به الحلول والاتحاد الخاص، ومع هذا فبأيهما فُسِّر مراده تناقضَ كلامه، والذين يتكلَّمون بهذه الأمور يتخيلون أشياء لا حقيقة لها، ويتكلمون في كل موطن من مواطن الخيال بحسب ما تخيلوه في ذلك الموطن، فلهذا لا يجري كلامهم على قانون واحد، ولا يُحكَى لهم مذهب واحد بلوازمه، وينفون ما يناقضه. ولهذا يقول أصحاب الوحدة ــ كما كان يقوله سعيد الفرغاني (5) وغيره ــ: ينبغي لمن أراد الدخول في طريق التحقيق أن يُجَوِّز الجمعَ بين النقيضين (6). _________ (1) انظر: «مؤلفات ابن عربي» (ص 230، 178). (2) (ص 207). ونقلنا هناك قول المصنف حول هذه الكتب ومعنى التجلي والإسراء من «الصفدية»: (1/ 265). (3) غير واضحة في (م) ولعلها ما أثبت. (4) سبق النص (ص 163). (5) تقدمت ترجمته (ص 198). (6) في هامش (م) تعليق نصه: «الجمع بين النقيضين باطل، مثل العدد إما زوج وإما فرد، فلا يجوز العدد المعين فردًا فردًا وزوجًا زوجًا».

(1/227)


ولابن عربي: عَقَد الخلائقُ في الإله عقائدًا ... وأنا اعتقدتُ جميعَ ما اعتقدوه (1) فهم في جهل وضلال من جنس النصارى لهم عبادة وزهادة وأخلاق حسنة ولكنهم جُهَّال ضالون، لا يعرفون من يعبدون، ولا بماذا يعبدونه! فالنصارى يعبدون غير الله بغير أمر الله، وأصل الدين الذي بَعَث الله به رسله، وأنزل به كتبه: أن لا يُعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع. فقول هذا القائل: «نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته»، وقوله: «ظهر بسرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أولية له» يطابق قول أهل الوحدة والاتحاد العام والحلول العام. فإن من يقول بالحلول الخاص يحتاج أن يقول: إنه حلَّ في غير ذاته، أو اتحد بغير ذاته، أو نظر أو ظهر لغير ذاته، كما يقوله النصارى من اتحاد اللاهوت والناسوت. ولا يقال في الحلول الخاص: قلم وعقل وكرسي وعرش، وغير ذلك مما سنذكره، فإنَّ هذا كلَّه إنما يطابق قولَ أهل الوحدة والاتحاد العام. وإن حُمِل كلامه على الحلول العام؛ فذاك لا فرقَ فيه بين شيء وشيء، ولا طريق الخاصة والعامة، بل هو عند هؤلاء ما ثَمَّ إلا وجود الذات، لكن _________ (1) نسبه المصنف في «الفتاوى»: (2/ 288، 311) للحلاج. ونسبه في موضع آخر (2/ 98) لابن عربي، وكذا ابن القيم في «مدارج السالكين»: (3/ 512). والبيت ذكره جامع «ديوان الحلاج» (ص 88) على أنه مما اختلف في نسبته.

(1/228)


هؤلاء يتناقضون أكثر من تناقض غيرهم؛ فإن الحس والعقل يشهد بتعدّد الموجودات، فمن أراد أن يجعل المتعددات شيئًا واحدًا فلابد أن يتناقض. [م 83] وكذلك أهل الاتحاد الخاص يتناقضون، وأن الاثنين لا يكونان واحدًا إلا إذا استحالا جميعًا فصارا شيئًا ثالثًا، كما يختلط الماء واللبن، والماء والخمر، فيصير ذلك أمرًا مختلطًا ممتزجًا ليس ماءً محضًا، ولا لبنًا محضًا. ولهذا النصارى تارة تقول: إن اللاهوت والناسوت صارا كالماء واللبن، وهذا يقوله مَن يقوله مِن اليعاقبة (1). وتارة يقولون: صارا كالنار والحديد، كما يقوله مَن يقوله مِن الملكية (2). وأما النسطورية (3) فإنهم يقولون بالحلول كحلول الماء في الظرف، وهم أقل النصارى كفرًا وإلحادًا، وإن كان الجميع كفارًا ملحدين. ومعلوم أن الرب تعالى يمتنع عليه أن تستحيلَ ذاتُه مع ذات بعض _________ (1) اليعاقبة أو اليعقوبية: فرقة من فرق النصارى ينسبون إلى يعقوب البرذعاني، تقول: إن المسيح هو الله والإنسان؛ اتحدا في طبيعة واحدة، انظر «الفصل في الملل والنحل»: (1/ 111) لابن حزم، و «الملل والنحل»: (2/ 253 - 255) للشهرستاني. (2) الملكية أو الملكانية: فرقة من فرق النصارى نسبة إلى تأييد قول ملوك النصارى في المسيح، انظر «الفصل في الملل والنحل»: (1/ 110 - 111)، و «الملل والنحل»: (2/ 252). (3) النسطورية: فرقة من فرق النصارى نسبة إلى نسطور أحد بطارقة القسطنطينية، وقولهم مثل الملكية إلا أنهم قالوا: إن مريم لم تلد الإله. انظر «الفصل في الملل والنحل»: (1/ 111)، و «الملل والنحل»: (2/ 251 - 253).

(1/229)


المخلوقات شيئًا ثالثًا كالماء واللبن، فإن هذا إنما يكون في المخلوقين اللذين مخلطهما وممزجهما (1) ثالث غيرهما، فأما الخالقُ لكل ما سواه، الغنيّ عن كل ما سواه، الذي يستحيل أن يفتقر إلى شيء غنيٍّ عنه، أو يؤثر فيه ما هو غنيّ عنه، الذي كل ما سواه فقير إليه، وكل ما يحدث فيما سواه فبقدرته ومشيئته حَدَثَ وَوُجِد. وإذا أمر الخلق بالدعاء وأجابهم، وأمرهم بالعمل وأثابهم، فهو الذي جعلهم يدعون ويعملون، وهو الذي جعلهم يتوبون، وهو سبحانه يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين، ويفرح بتوبة التائبين ويرضى عن المؤمنين، فهو الذي خلق الأمور التي ترتب عليها ما ترتب، فهو الخالق للأسباب والمسببات، والفاعل للبدايات والغايات. فإذا فرح بتوبة التائب فهو الذي جعله تائبًا، وإذا رضي عن المؤمنين فهو الذي جعلهم يفعلون ما أرضاه، فما أرضاه إلا ما خلقه، وما أفرحه إلا ما شاءه، إذ لا يكون في مُلكه شيء بدون مشيئته وقدرته وخلقه سبحانه. وقد بُسِط الكلام في هذه الأمور في غير هذا الموضع، فإنها مواضع شريفة تتعلق بمسائل الصفات والأفعال والشرع والقدر، وقيام الأمور الاختيارية، وهل رضاه وسخطُه وفرحُه مخلوقاتٌ منفصلة عنه، كما يقوله مَن يقوله من المعتزلة ومَن وافقهم من أصحاب الأئمة [م 84] الأربعة وغيرهم؟ أو ذلك يرجع إلى صفة واحدة هي الإرادة، كما يقوله مَن يقوله من _________ (1) أي الناتج عن اختلاطهما وامتزاجهما.

(1/230)


الكُلَّابية ومَن تابعهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؟ وإما ذلك كله صفاتٌ قديمةُ الأعيان تتَّحد متعلقاتها لا أنفسها كما يقول ذلك من يقوله من الكُلَّابية والسالمية ومَن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؟ أم ذلك أمور تكون قائمةً بذاته، حاصلةً بقدرته ومشيئته، كما دلت عليه النصوص الثابتة في الكتاب والسنة، ودلت الأدلة العقلية على موافقة النصوص الإلهية وخطأ مخالفيها. وهذا كله مما بُسِط في غير هذا الموضع (1). والمقصود هنا أن استحالةَ القديم الواجب لذاته، المستلزم صفات الكمال، التي صفاته من لوازم ذاته= ممتنع لذاته. فإن صفات الكمال واجبة له قديمة بقدمه، وما وجب قِدَمُه امتنع عَدَمُه، والاستحالةُ لا تكون إلا بِعَدَمِ ما كان موجودًا قبل ذلك. وليس هذا موضع بَسْط هذا، وإنما المقصودُ هنا التنبيه على ما يقع في كلام طائفة من الشيوخ من معنى الحلول والاتحاد، سواء كان عامًّا أو خاصًّا، ليحترز عن ذلك ولا يقع فيه من حصل له؛ إما لموافقة ذلك القائل، وإما للجهل بما هو الأمر عليه في نفسه، وما جاء به الكتاب والسنة، وما دلَّ عليه صريحُ المعقول المطابق لصحيح المنقول. وقوله: «فحَيِيَ هذا العبد بظهوره حياةً لا علة لها، فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها، فصار أولًا في الظهور لا ظاهر قبله، فوُجِدَت الأشياء _________ (1) انظر المجلد الثامن من «مجموع الفتاوى- القدر».

(1/231)


بأوصافه وظهرت بنوره في نوره، فأول ما ظهر سرُّه، وظهر قلمه ... » الفصل إلى آخره، وقد تقدم ذكره (1). فيقال: هذا الكلام يشبه ترتيبَ الفلاسفة والباطنية القرامطة من الإسماعيلية ونحوهم، الذين يقولون: صدر عن الواجب عقول عشرة مرتبة، ونفوس سبعة للأفلاك. ويريدون أن يجمعوا بين ذلك وبين ما جاءت به الرسل، فيذكرون الحديثَ الموضوعَ: «أول ما خلق الله العقل»، وقد قدَّمنا (2) أنه موضوع، وأن لفظَه مع ذلك حجة عليهم لا لهم، ويسمون العقلَ الأول: القلم، لما رُوِي: «إنَّ أولَ ما خلق الله القلم» (3). ويوجد نحوٌ من هذا في «رسائل إخوان الصفا»، وفي كلام أبي حامد، وكلام ابن عربي، وابن سبعين، [م 85] وغيرهم. وقد بسطنا الكلام على فساد مذهب هؤلاء عقلًا ونقلًا في غير هذا الموضع (4). _________ (1) سبق (ص 163). والنص هناك: « ... فصار أولًا في الظاهر ... وظهر به قلمه ... ». (2) (ص 193). (3) أخرجه أحمد (22705)، وأبو داود (4700)، والترمذي (2155، 3319)، والطيالسي (578)، وابن أبي عاصم في «السنة» (106 - 109) وغيرهم من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -. قال الترمذي: «حسن صحيح غريب». نقله المزي في «تحفة الأشراف»: (4/ 261)، والذي في «الجامع» في الموضع الأول: غريب من هذا الوجه، والثاني: حسن غريب. وحسنه ابن المديني فيما نقله الحافظ في «النكت الظراف - مع التحفة»: (4/ 261). وللحديث شواهد عن عدد من الصحابة. (4) انظر كتاب «بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد»، و «الصفدية» كلاهما للمصنف - رحمه الله -.

(1/232)


وطائفة من الذين تصوفوا على طريقة هؤلاء الفلاسفة كابن القَسِي، صاحب «خلع النعلين» (1)، وابن سبعين، وابن عربي، وابن أحْلَى (2)، والبوني المتأخر، وابن (3) الطفيل صاحب «رسالة حيّ بن يقظان»، ونحو هؤلاء= خَلَطوا كلام هؤلاء بشيء من كلام الصوفية وألفاظ القرآن والحديث. وما ذكره ابن سينا في مقامات العارفين في «إشاراته» (4)، هي من أسباب دعاء هؤلاء إلى ما هم عليه. وهم لا يتفقون على قولٍ واحد؛ لأن الأصل الذي بنوا عليه باطل، فتجدهم مختلفين، وكلٌّ منهم يدَّعي كشفًا وذوقًا ووجدًا يخالف الآخر، أو يَدَّعي عقلًا ونظرًا واستدلالًا يخالف الآخر، فكلٌّ لكلٍّ مناقض، وكلٌّ لكلٍّ معارض، فإنهم {لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 8 - 9]، وقال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]. وهذا الرجل ذكر ظهور القلم، ثم ظهور الأمر، ثم ظهور العقل، وجمهور هؤلاء يجعلون العقل هو القلم. والكلامُ إذا لم يُبْنَ على أصلٍ _________ (1) تقدم التعريف به وبكتابه (ص 192). (2) هو: محمد بن علي بن أحلى الأنصاري، أمير أندلسي، متصوف من أهل وحدة الوجود (ت 645)، ترجمته في «صلة الصلة»: (4/ 391 - 395)، و «الأعلام»: (6/ 282) وكان في (م) «أجلى» بالجيم تصحيف. واستفدت ترجمته من هامش «الانتصار لأهل الأثر» (ص 115 - 116). (3) (م): «أبي» والصواب ما أثبت، وقد سبق التعريف به وبرسالته (ص 110)، وسبقت ترجمة البوني (ص 109). (4) (4/ 818 - 827).

(1/233)


علمي قال كلٌّ ما خطر له وتخيله. وهؤلاء كثيرًا ما تخيلوا أشياء لا حقيقة لها يظنونها في الخارج (1)، ويسمي الخيالَ أرضَ الحقيقة، ويعظِّمُ أمرَه. ولعمري إن الخيال الباطل الواسع هو (2) من إلقاء الشيطان، والوسواس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. ثم إنه انتقل من هذا الترتيب إلى أن جعل العقل أولًا، ثم الروح، ثم القلب، ثم النفس، وهذه أمور في الإنسان لا في الخارج، فجعل هذا مثل هذا، وهو كلامٌ باطل لا يدل عليه شرع ولا عقل، بل يعلم بطلانه بالشرع والعقل. وقد قدمنا الكلامَ في ذلك (3)، وبينّا أن ذات الإنسان واحدة، ولكن لها صفات متعددة، فباعتبار كلِّ صفة يسمى باسم. فأمَّا أن يكون روح الإنسان أو بدنه أعيانًا قائمة بأنفسها هي أجسام أو جواهر قائمة بأنفسها، إحداها: العقل، والثاني: الروح، والثالث: النفس= فهذا باطلٌ قطعًا. وأيضًا فقول القائل: «ظهر» يُفهم منه في اللغة المعروفة أنه ظهر لغيره فعرفه، أو رآه بعد أن لم يكن كذلك، مع كونه كان موجودًا في نفسه، كما يقال: ظهر الهلالُ وظهرت الشمس ونحو ذلك. وهؤلاء قد يريدون بالظهور نفس الوجود ويقولون عن الموجودات: مظاهر الحق ومَجَالِيْه، وليس مرادهم أنه عُرِف بها ودلَّت عليه وشهدت له [م 86] بل مرادهم أنه انكشف موجودًا فيها، وهو لم يزل فيها عندهم، لكنه ظهر للسالك ما لم يكن ظاهرًا له. _________ (1) بعده في (م) بياض مقدار كلمة. (2) (م): «وهو». (3) (ص 176 - 177).

(1/234)


وكانوا أخذوا عن مشكاة صاحب «الأنوار» (1) لمّا سمى الحقَّ نورًا بما يناسب هذا، وتبعه عليه ابنُ رشد الحفيد، فاختار له من الأسماء اسم النور، والنور يُقال فيه: أشرق وظهر ونحو ذلك. فيقال: إن أُريد بظهور الحق في هذه الأمور نفس وجود ذاته فيها، فهذا صريح الحلول والاتحاد. وإن أُريد به أنه عُرِف وعُلِم، فكلُّ ما في الوجود من شواهد الحقِّ وأعلامه ودلائله وآياته، وهذا حكمٌ يَعُمُّ المخلوقات، ويتناول جميع المصنوعات، سواء سُمِّيت مُحْدَثات أو ممكنات، أو غير ذلك. فكل ما سوى الله فقير إليه من كل وجه، محتاج إليه حاجةً مطلقة عامة، فلا وجود لذاته ولا شيء من أحواله وأوصافه إلا بالله، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فوجود كل منها مستلزمٌ لوجود الحقِّ، وكلُّ ملزومٍ فهو دليلٌ على اللازم، كما أن كل دليل فهو ملزومٌ لمدلوله. وكون هذه الموجودات محتاجةً إلى الله، ودليلًا عليه، أمر ذاتيٌّ لها لازم، لا يمكن أن تكون إلا كذلك، فكما أن الخالق غنيٌّ بذاته عن كل شيء يمتنع لذاته أن يكون فقيرًا بوجهٍ من الوجوه، فما سواه فقير لذاته يمتنع أن يكون غنيًّا عن الله بوجهٍ من الوجوه، فلا حول ولا قوة إلا بالله. والموجود إما قديم وإما محدَث، والمحدَث لا يكون محدَثًا إلا بقديم. وكذلك الموجود إما واجب لنفسه وإما ممكن، والممكن لا يكون موجودًا إلا بواجب لنفسه. وكذلك الموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق، والمخلوق لا بدَّ له من _________ (1) هو الغزالي.

(1/235)


خالق غير مخلوق، فلا بدَّ من الموجود الذي ليس بمخلوق. وكذلك الموجود إما غنيّ وإما فقير، والفقير لا يوجد إلا بالغني، فلابدَّ من الغَنِيّ على كل حال وتقدير. وهذا لأن تقدير مخلوقات أو مُحْدَثات أو فُقراء أو ممكنات ليس فيها خالق قديم غنيّ واجب بنفسه= أفسد من تقدير مُحْدَث بلا مُحْدِث، ومخلوق بلا خالق، وفقير بلا غني، وممكن موجود بغيره بلا واجب موجود بنفسه. فإنه كلما كَثُرت المحدَثات والممكنات والمخلوقات كان افتقارها إلى المحْدِث الواجب الخالق أعظم من افتقار الواحد، فإذا لم يكن فيها موجود بنفسه لم يكن فيها موجود، فتكون كلها معدومات، وكثرة المعدومات التي ليس موجود فيها بنفسه يوجب كثرة حاجتها إلى الموجِد (1). [م 87] وهذا مع أنه من الضروريات المتفق عليها بين العقلاء فهو مبسوط في غير هذا الموضع (2). ولهذا اتفق العقلاء على امتناع التسلسل والدور في المؤثِّر، سواء سُمِّي فاعلًا أو خالقًا أو موجبًا أو علة أو غير ذلك. ولكن تنازعوا في التسلسل في الآثار كما بسطناه في موضعه (3). والدور نوعان: فالدَّور القَبْلي كالدور في المؤثِّرات والعلل والفاعل، _________ (1) ينظر «درء التعارض»: (3/ 206 - 208 و 264 - 265). (2) انظر «الرد على المنطقيين»، و «الصفدية» كلاهما للمصنف. (3) انظر «الفتاوى»: (8/ 152)، و «درء التعارض»: (1/ 321).

(1/236)


متفقٌ بين العقلاء على امتناعه. وأما الدور المعيّ الاقتراني: وهو أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا، فهذا ليس ممتنعًا لذاته، بل ممكن في الجملة، كمَعْلولي العلة كالأبوَّة مع البُنوَّة، وكذلك إذا كانا غنيين عن الفاعل، كصفات الرب الأزلية مع ذاته المقدسة، فإنه لا يوجد شيء من ذلك إلا مع الآخر، وهو سبحانه بصفاته الأزلية غني عن الفاعل والمؤثِّر، وهذا كله مبسوط في موضعه (1). والمقصود أن كون المخلوقات آيات للرب تبارك وتعالى ودلائل وشواهد ومظاهر، بمعنى أنها تدلُّ وتعرِّف وتشهد بما شهد به القرآن، واتفق عليه أهل الإيمان، وعُلِمَ ثبوته بالبُرهان. بل آياته المخلوقة دلت على صِدْق آياته المتلوَّة، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] حتى يتبين لهم أن القرآن حَقٌّ، فالضمير عائد على ما تقدم وهو الذي قيل فيه: إن كان من عند الله ثم كفرتم به، ولهذا قال: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] أي: شهادته بما أنزله من القرآن كافية، وهو مع هذا أظهر للعيان في الأنفس والآفاق ما بَيَّن أن القرآن حق، فيتفق السماع والعيان، وبرهان القرآن والغيب، وبُرهان الحق والشهادة، ويتفق علمه وعلم الله الذي أنزله على الرسول، وعالمه الذي تستدل به العقول، ويتصادق العقل والشرع والرأي والسمع. _________ (1) انظر «الرد على المنطقيين» (ص 257)، و «الصفدية»: (1/ 12)، و «بغية المرتاد» (ص 428) وغيرها.

(1/237)


وأما كون ذاته ــ سبحانه ــ نفسها تحلّ في مخلوقاته، فهذا هو الباطل، سواء سُمِّي ذلك ظهورًا وتجليًا أو لم يُسَمَّ، فكثيرًا ما يتكلم فيه أهلُ الضلال بالألفاظ التي فيها إجمال، إمَّا ضلالًا وإما إضلالًا، وقد يتكلم بالمجمل من لا يَضِل ولا يُضِل، لكن مع ما يُبيّن (1) به المراد، فالذين في قلوبهم زيغٌ يتبعون المتشابه ويَدَعُون المُحْكم، كفِعْل النصارى وأمثالهم من أهل الضلال الذين نزل بسببهم ما أنزل الله في كتابه في آل عمران (2). * * * * _________ (1) (م): «بين». (2) وهو قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].

(1/238)


[م 88] فصل ورد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «لا تظنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من مسلم شرًّا وأنت تجدُ لها في الخير مَحْملًا» (1). وقال: «احمل أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه» (2)، وقد قال الله: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]. ونحن لا نحمل كلامَ رجلٍ على ما لا يسوغ إذا وجدنا له مساغًا، ولولا ما أوجبه الله نصيحةً للخلق (3) ببيان الحق لمَا كان إلى بيان كلام هذا وأمثاله حاجة، ولكن كثيرٌ من الناس يأخذون الكلام الذي لا يعلمون ما اشتمل عليه من الباطل، فيقتدون بما فيه اعتقادًا وعملًا، ويَدعُون الناسَ إلى ذلك. وقد يرى بعض المؤمنين ما في ذلك من الخطأ والضلال لكن يهاب ردَّه، إما خوفًا أن يكون حقًّا لا يجوز رَدُّه، وإما عجزًا عن الحجة والبيان، وإما خوفًا من المنتصرين له، فيجب نصح المسترشد، ومعونة المستنجد، ووعظ المتهوِّر والمتلدِّد (4)، وبيان الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله _________ (1) أخرجه المحاملي في «الأمالي» (447)، وأبو الشيخ في «التوبيخ والتنبيه» (151). (2) أخرجه الرافعي في «التدوين»: (1/ 217)، وابن عساكر في «تاريخه»: (44/ 360). (3) (م): «الخلق». (4) المتلدد هو: المتوقف المتحيِّر الذي يلتفت يمينًا وشمالًا. واستعمل المصنف هذه العبارة بعينها «نصح المسترشد ... والمتلدّد» في «إبطال التحليل» (ص 6)، وذكر المحقق أن كلمة «المتهوّر» وقعت في النسخ الخطية: «المتهوِّك» بالكاف، والمتهوّك: المتحيِّر، قال في «الصحاح»: (4/ 1617): «والتهوّك أيضًا مثل التهوّر، وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة».

(1/239)


عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فلهذا وغيره نذكر ما تحتمله الكلمة من المعاني، لاحتمال أن يكون قصَدَ بها صاحبُها حقًّا، ما لم يتبين مرادُه، فإذا تبين مراده لم يكن بنا حاجة إلى توجيه (1) الاحتمالات. فقد يقال: هذا الشيخ لم يقصد بكلامه الحلول والاتحاد لا مطلقًا ولا معينًا، وإنما تكلم في المقام الذي يسمونه: مقامَ الفناء والاصطلام، وهو أن يغيب السالك بمعروفه عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعبوده عن عبادته، وبموجوده عن وجوده. كما يقال: إن شخصًا كان يحب آخر، فألقى المحبوبُ نفسَه في اليمِّ، فألقى المُحِبُّ نفسه، فقال: أنا وقعتُ فما أوقعك؟ فقال: غبتُ بكَ عني، فظننتُ أنَّك أنِّي (2). وهذه الحال تعرض لطائفة من أهل سلوك طريق الله وعبادته ومحبته، وتعرض ــ أيضًا ــ لمن يحب غير الله، فيغلب ذكر المحبوب على القلب، حتى لا يخطر للمحب تلك الساعة لا نفسه ولا غيره، ثم لقوة استيلاء ذلك على قلبه، واستتباع قلبه لحواسه، يخيل إليه أنما يسمع هو كلام ذلك المحبوب الذي في قلبه، وما يراه هو هو، وقد يظن أن الذي في قلبه هو في الخارج، وليس ذلك إلا في قلبه. _________ (1) (م): «توجه». (2) سبقت هذه الحكاية (ص 152) وقد ذكرها المصنف في مواضع.

(1/240)


وما يُذكر عن بعض (1) النُّساك والزهاد أنهم يقولون: إنهم يرون الله بأعينهم في الدنيا= هو من هذا الباب .... [م 89] ... (2) ولهم صدق في العبادة والزهد (3). وكثير من الشيوخ والمتكلمين في المعرفة، ومنازل السائرين، وحقائق التوحيد= يظنون أن هذا المقام ــ مقام الفناء ــ هو غاية السالكين، وهو منتهى الواصلين. وكذلك المتفلسفة الذين تكلموا في مقامات العارفين، كابن سينا في «الإشارات»، وأبي بكر بن الطفيل صاحب «رسالة حي بن يقظان»، وغيرها (4) = عندهم أن هذا هو غاية العارفين. وهؤلاء المتفلسفة أمرهم على أصلين فاسدين: أحدهما: أن كمال الإنسان ونهايته هو مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه، وجعلوا جنس الأخلاق والعبادات والأعمال ونحو ذلك، إنما يُطْلَب لكونه وسيلة إلى المعرفة فقط، فهي تُقْصَد قَصْد الوسائل فقط، كما تُركَب الإبل وتُقطع المسافة لأجل الحج، ولهذا استخفَّ هؤلاء بجنس المحبة _________ (1) «عن بعض» غير واضحة في (م)، ولعلها ما أثبت. (2) مقدار أربع كلمات (آخر ق 88 - وأول ق 89) ليست واضحة في (م)، وأثبتت في طبعة دار الصحابة هكذا: «حتى وإن كانوا من الزهاد» والظاهر بُعد هذه القراءة. (3) انظر «الفتاوى- التوسل والوسيلة»: (1/ 172)، (5/ 489 - 491 - حديث النزول)، (6/ 512). (4) كذا في (م)، ولعلها: «وغيرهما»، إلا إن عاد الضمير على رسالة حي بن يقظان، وهو بعيد.

(1/241)


والإرادة والعبادة والعمل، لكون ذلك عندهم إنما مقصوده (1) تهذيب النفس وإعدادها لحصول ما هو عندهم العلم. والأصل الثاني الفاسد الذي بنوا عليه أمرَهم، فإنهم لما رأوا أن مجَرَّد العلم هو الغاية والكمال الذي يحصل للإنسان، لم يكن عندهم علم إلا ما علموه من العلم الذي يسمونه هم: الإلهي، وذلك العلم منتهاه هو العلم بالوجود المطلق الكلي، وهو [ما] يسمونه: العلم الأعلى، والفلسفة الأولى، ويقولون: هو النظر في الوجود ولواحقه، ويقولون: موضوع العلم الأعلى هو الوجود، ومعلومٌ أن مُسمى الوجود المشترك من الموجودات إنما هو في الذهن، وإنما العلم الأعلى هو العلم بالله، والله هو الأعلى على كلِّ شيء مِن كلِّ وجهٍ، كما قال سبحانه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، فالعلم به أعلى العلوم، وإرادة وجهه أفضل الإرادات، ومحبته أفضل المحبات. وهؤلاء يتكلمون في الوجود المطلق، وانقسامه إلى واجب وممكن، وعلة ومعلول، وانقسام العلة إلى العلل الأربعة (2): المادة والصورة، وهما عِلَّتا ماهية الشيء في نفسه. والفاعل والغاية، وهما عِلتا وجود ذلك. وانقسامه (3) إلى جوهر وعرض، وانقسام الجوهر إلى خمسة أقسام: العقل، والنفس، والمادة، والصورة، والجسم. وانقسام الأعراض إلى تسعة، _________ (1) (م): «مقصودها». (2) كذا في (م)، والجادة: الأربع. (3) أي الوجود.

(1/242)


وهذه التسعة مع الجوهر هي المسمَّاة بالمقولات (1) العشر عندهم، وهي الأجناس العالية للموجودات. ثم الأعراض هل هي [م 90] تسعة، أو خمسة، أو ثلاثة؟ في ذلك نزاع ليس هذا موضعه، وهي: الكم، والكيف، والأين، ومتى، والوضع، والإضافة، والملك، وأن يفعل، وأن ينفعل، وقد جمعها بعضهم في بيتين، فقال (2): زيد الطويل الأسود بن مالك ... في داره بالأمس كان يتَّكِي في يده سيف نَضَاه فانتضى ... فهذه عشرة مقالات (3) سوا وكلامهم في هذه الأمور بعضه حق وبعضه باطل، ليس هذا موضع تفصيل ذلك. ولكنَّ المقصود أن غايتهم معرفة وجودٍ مطلق هو الأعلى عندهم، والوجود المطلق لا يكون مطلقًا إلا في الأذهان لا في الأعيان، فهذه العلوم العقلية الإلهية التي يجعلونها غاية كمال الإنسان، وبها ينال كمال السعادة، غاية معلوماتها أمور مطلقة، كُلِّيات لا توجد إلا في الأذهان لا في الأعيان، كالعلم بالعدد المجرَّد عن المعدودات. ويقولون: العلومُ ثلاثة: _________ (1) (م): «المنقولات»، والصواب ما أثبت. (2) ذكر المصنف هذين البيتين في عدد من كتبه، انظر «الرد على المنطقيين» (ص 132، 303)، و «الصفدية»: (2/ 180، 264)، و «الفتاوى»: (9/ 22، 275). (3) في جميع المواضع السابقة من كتب المصنف: «مقولات».

(1/243)


علمٌ مُتعلق بالمادة في الذهن والخارج وهو العلم الطبيعي، وهو الكلام في الجسم وما يلحق ذلك من حده وأنواعه، وأنواع أنواعه، كالكلام في الجسم مطلقًا، ثم الكلام في السماء والعالم، ثم الكلام في الآثار العلوية، ثم الكلام في المولدات من الحيوان والنبات والمعادن وأنواع ذلك، وهو أوسع علومهم. وعلمٌ متعلق بالمادة (1) في الخارج لا في الذهن، وهو العلم الرياضي، كعِلْم العدد والمقدار، ومنه علم الهندسة. وعلمٌ لا يتعلق بالمادة لا في الذهن ولا في غيره، وهو علم ما بعد الطبيعة باعتبار العالِمين، وهو علم ما قبلها باعتبار الموجود المعين، وسماه متأخروهم الذين دخلوا في ملة الإسلام: العلم الإلهي. وهذا العلم إذا حُقّق (2) عليهم لم يكن معلومه إلا أمور مطلقة تقوم في الأذهان لا حقيقة له في الخارج، فإن الوجود المطلق وأنواعه وأنواع أنواعه، هذا كله أمور مطلقة كلية لا توجد في الخارج، وإنما توجد مطلقة في الذهن. وأما العلم بواجب الوجود؛ فهو عندهم جزء من هذا العلم، مع أن واجب الوجود الذي يصفونه لا وجود له في الخارج، بل وجوده في الخارج ممتنع كما قد بُسِطَ في موضعه. _________ (1) «متعلق بالمادة» غير واضحة بـ (م)، وهي ما أثبت بدليل ما قبلها وما بعدها، وانظر «الجواب الصحيح»: (3/ 290) للمصنف. (2) (م): «خفي»، والظاهر ما أثبت أو نحوه وبه يصحّ المعنى. ومثله ما سيأتي (ص 245) في قوله: «وإذا حقق الأمر على القوم ... ».

(1/244)


والعقول العشرة التي يثبتونها إذا حُقِّق الأمر فيها لم يكن لها ــ أيضًا ــ وجود إلا في الأذهان لا في الأعيان، [م 91] بل يسمونها: مجردات، هي عند التحقيق ما يُجَرِّده العقل من المعقولات الكلية التي انتزعها من المحسوسات. والمعقولات الكلية المنتزعة من المحسوسات هي أمور ثابتة في الذهن، وهي أمور كلية، سواء كانت شيئًا مفردًا أو كانت قضية مركَّبة من موضوع ومحمول. وإذا حُقِّق الأمرُ على القوم فلا يثبتون موجودًا في الخارج إلا الفلك وما حواه، وما يثبتونه من العقليات غير ذلك، فلا وجود لها في الحقيقة إلا في الذهن، وهذه جملة مختصرة مبسوطة في غير الموضع نَبَّهنا عليها هنا لارتباط الكلام بها (1). والذين تصوَّفوا وتألَّهوا وسلكوا مسلك التحقيق والعرفان على طريقة هؤلاء كان منتهاهم إثبات هذا الموجود (2) المشهود، وهو الفلك وما حواه، وهذا غاية ابن سبعين وابن عربي والتلمساني وأمثالهم. وهو حقيقة قول فرعون، لكنَّ هؤلاء سموا هذا: الله، وظنوا أنه الله، وفرعون كان أحذقَ منهم وأخْبَر، فعَلِمَ أنه ليس هو الله، وكان يثبت صانع العالم، لكن جَحَده ظلمًا وعلوًّا، لهذا لمَّا قال لموسى: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23]، قاله على طريق استفهام الإنكار، يقول: هذا الذي تقول إنه _________ (1) انظر «درء تعارض العقل والنقل»: (5/ 168 وما بعدها)، (6/ 36 وما بعدها)، و «الفتاوى- مختصر الرد على منطق اليونان»: (9/ 139). (2) كذا في (م)، ولعلها: «الوجود».

(1/245)


أرسلك، ما هو؟ عَرِّفنا به؟ فأجابه موسى جوابَ من يعرف أنه يعرفه، ويظهر إنكاره، ويقول: هو أعْرَف من أن يُعَرَّف، وأبيَنُ من أن يحتاج إلى إظهار، وهو معروف عندك. كما لو جاء رجل برسالة من عند عمر بن الخطاب إلى بعض أعراب المدينة، فقال ذلك الأعرابي: ما هو هذا عمر؟ فقال له الرسول: هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي ولَّى عليكم فلانًا، وفعل بكم كذا وكذا، وذلك الأعرابيُّ يعلم ذلك لكن تجاهل. فهذه كانت حال فرعون مع موسى. وأما مَن يقول: إنه سأله طالبًا لتعريفه الحقيقة بالجنس والفصل، وأنَّ موسى عَدَل عن ذلك إلى التعريف بالأفعال، فهذا كلامُ طائفةٍ من المتأخرين الغالطين، فإنَّ فرعون كان منكرًا لوجوده، وهو القائل: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، وقال: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29]، والطالبُ لتعريف الحقيقة يكون مُقِرًّا بالوجود، على أن الجواب بذكر الماهية المركَّبة من الجنس والفصل قد تكلَّمنا عليها في غير هذا الموضع، وبيَّنا بعضَ ما وقع فيه من غلط المنطقيين (1). فهؤلاء المتفلسفة ضلالهم في كمال النفس وسعادتها مركَّبٌ من أصلين: ظَنُّهم أن الكمال هو [م 92] مجرَّد العلم، وظنهم أن ذلك العلم هو ما عندهم من العلم الإلهي الذي ليس فيه علم بالإله، بل هو من أعظم الجهل بالإله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. _________ (1) انظر «الرد على المنطقيين»، و «الصفدية»: (1/ 242)، و «درء التعارض»: (3/ 321 وما بعدها)، و «الفتاوى»: (2/ 269)، (9/ 55).

(1/246)


ولهذا كان منتهى الفلاسفة الإلهيين هو بداية الداخلين في الملل دخولًا حقيقيًّا من اليهود والنصارى فضلًا عن المسلمين، لكن تسلطوا على كثير من المنتسبين إلى الملل، لِمَا فَرَّطوا فيه من معرفة ما جاءت به الرسل من العلم الإلهي الذي هو أشرف العلوم. فطائفة من الناس توافقهم على الأصل الأول دون الثاني، وهو مَن يظنُّ أن كمال النفس وغايته هو مجرّد العلم، لكن يعلم أنهم مُخَلِّطون في العلم الإلهي، فيطلب هو علم ذلك من الجهة التي نفوها (1). وهذا حال كثير من الناس. وفي كلام أبي حامد أحيانًا إشارة إلى ذلك، هو قريب من مذهب جَهْم بن صفوان ومَن وافقه، كالصالحي (2)، والأشعري ــ في أحد قوليه ــ الذي جعل الإيمان مجرد العلم بالله. لكن جهمٌ وأتباعه خير من هؤلاء من جهتين (3): من جهة أن ما عندهم _________ (1) غير بينة في (م)، وهكذا قرأتها. (2) قال الشهرستاني في «الملل والنحل»: (1/ 142): «الصالحية: أصحاب صالح بن عمر الصالحي. والصالحيُّ، ومحمد بن شبيب, وأبو شمر, وغيلان: كلهم جمعوا بين القدر والإرجاء ... فأما الصالحي فقال: الإيمان هو المعرفة بالله تعالى على الإطلاق، وهو أن للعالم صانعًا فقط، والكفر هو الجهل به على الإطلاق ... » اهـ. وقد نقل أبو الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميين» كثيرًا من آراء أبي الحسين الصالحي في العقيدة وعدَّه من فِرَق المرجئة، وعنه المصنف في «الفتاوى- الإيمان»: (7/ 509 - 544) لكن في الموضع الثاني (أبو عبد الله). وانظر «الوافي بالوفيات»: (16/ 267). (3) ذكر المؤلف ثلاث جهات. وانظر «الرد على المنطقيين» (ص 146)، و «الصفدية»: (2/ 234 - 235).

(1/247)


من العلم بالله أكثر وأصح مما عند هؤلاء، ومن جهة أن الأعمال عندهم لها ثواب وعقاب، ومن جهة أن لهم من المعرفة بكتاب الله وملائكته ورسوله وغير ذلك من معارف من جنسه (1) ما ليس لهؤلاء. وإذا كان جَهْمٌ خيرًا من هؤلاء من جهات كثيرة، وقد عُرِف كلام السلف والأئمة في جهم فكيف يكون هؤلاء عند سلف الأمة وأئمتها؟! ولهذا يوافقون جهمًا على نفي الصفات، وهم وجهمٌ في ذلك أشدّ من المعتزلة، وهم يميلون إلى الجبر والإرجاء كمذهب جهم، فهم بالجهمية أشبه منهم بالمعتزلة، وإن كانت الجهمية خيرًا منهم من وجوه كثيرة. وما يذكرونه من سعادة النفوس بعد الموت والطريق إلى ذلك= فيه من الجهل والضلال ما الله به عليم! ومن خبَرَ كلامَ أئمتهم كابن سينا عَلِم أنهم يعلمون من أنفسهم أنه ليس عندهم بذلك علم، وإنما يتكلمون فيما لا علم لهم به، كما تَمثَّل به الشهرستاني (2) بقول القائل: فدَعْ عنك الكتابةَ لستَ منها ... ولو سَوَّدت وجهَك بالمِداد (3) وأبو محمد بن حزم مع تعظيمه للفلاسفة ولعلومهم، وتصنيفه في المنطق وغيره، وتعظيمه للمنطق، وأن كلامهم (4) وكلام المعتزلة والجهمية _________ (1) «من جنسه» غير واضحة وهكذا استظهرتها. (2) في كتابه «الملل والنحل»: (3/ 595). والعبارة هكذا في (م)، وكان الأنسب أن تكون: «كما تمثَّل الشهرستاني بقول القائل». (3) هذا البيت مع آخر نسبه ابنُ عبد ربه في «العقد»: (4/ 171) إلى بعض الشعراء في صالح بن شيرزاد. وفيه: ولو غرَّقت ثوبك ... (4) «وأن كلامهم» شبه مطموسة في (م)، والقراءة تقديرية. وتبقى العبارة قلِقة.

(1/248)


عنده حتى نفى [م 93] الصفات، وأراد أن يجمع بين ذلك وبين ما جاءت به الرسل، فقال ما لا حقيقة له ولا يعقل، وأثبت ألفاظًا لا معنى لها، وقال: وقف العلم عند معرفة الصفات، وكان هذا من تَحَمْيرهم وتَحَمْير الجهمية فيه= اعترف مع ذلك بأنه ليس عندهم علم بما يُنجي ويُسْعِد بعد الموت، فقال بعد تعديد علومهم؛ من المنطق والطبيعي والرياضي، وذِكر ما جاءت به النبوة: قال: «والوجه الثالث من منفعة ... (1) ما جاءت به النبوة هو التقديم بنجاة النفوس (2) بعد خروجها من هذه الدار من الهَلَكة التي ليس معها ولا بعدها شيء من الخير، ولا بأقل ولا بأكثر (3)، فلا سبيلَ إلى معرفة حقيقة مراد الخالق عز وجل منا (4)، ولا إلى معرفة طريق خلاصنا إلا بالنبوة. وأما بالعلوم الفلسفية التي قدمنا فلا أصلًا، ومن ادَّعى ذلك فقد ادَّعى الكذب؛ لأنه يقول بذلك بلا برهان البتة، وما كان هكذا فهو باطل، ولا يعجز أحد عن الدعوى، وليست دعوى أحد أولى من دعوى غيره بلا برهان. ثم البرهان قائم على بطلان هذه الدعوى؛ لأن الفلاسفة الذين يستند إليهم هذا المدَّعي مختلفون في أديانهم كاختلاف غيرهم سواء سواء، فوجب طلب الحقيقة من ذلك عند من قام البرهانُ (5) على أنه إنما يخبر عن خالق _________ (1) في (م) كلمة رسمها: «شبامع»! ولم أتبين معناها، والنص بدونها مستقيم وموافق لما في رسالة ابن حزم «التوقيف على شارع النجاة - رسائل ابن حزم»: (3/ 134). (2) في «التوقيف»: «لنجاة النفس». (3) في «التوقيف»: «لا ما قل ولا ما كثر». (4) في «التوقيف»: «منها». (5) (م): «بالبرهان».

(1/249)


العالم ومدبره عز وجل. قال: وهذا مكانٌ يُلزم العالمَ (1) الناصح لنفسه أن لا يجعل كدَّه ولا سعيه (2) ولا اجتهاده إلا في الوقوف على حقيقته، وإلا فهو موبقٌ لنفسه، وأن لا يشتغل عن ذلك بعلمٍ يقلّ نفعه. ومن فَعَل ذلك فهو ضعيف العقل، فاسد التمييز، سيئ الاختيار، مستحقُّ الذم، جانٍ على نفسه أعظم الجنايات» (3). قلت: وضلالهم نشأ من جهتين: من جهة كونهم لا يعقلون ولا يسمعون، كما قال تعالى في أهل النار: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 8 - 10]. فإنَّ ما دخلوا فيه من العقليات في الإلهيات فيه ضلالٌ عظيم مخالف لصريح العقل. وأما السمعيات فقد عُلِمَ إعراضهم عنها مع جهلهم، وهم يدَّعون النجاة. والسعادةُ بعد الموت تُحَصَّل بما عندهم من العلوم والأعمال؛ من الأخلاق وسياسة المنزل والبدن (4) [م 94] وهذا باطل قطعًا، فإنه قد ثبت باليقين الذي لا يحتمل النقض: أن مَن لم يؤمن بالرسول فلا نجاة له ولا _________ (1) «التوقيف»: «العاقل». (2) ليست في «التوقيف». (3) كلام ابن حزم من رسالة «التوقيف على شارع النجاة باختصار الطريق - ضمن رسائل ابن حزم»: (3/ 134 - 135). (4) هكذا استظهرتها بدليل ما سيأتي في الصفحة الآتية، وأثبتت في ط دار الصحابة: «الملذات»!

(1/250)


سعادة، ولو حَصَّل جميعَ علومهم، واتصف بما يأمرون به من الأخلاق والتدبير والسياسة، حتى لو قُدِّر أن ما عَلَّقوا به النجاةَ والسعادةَ من العلوم والأخلاق بوحي من الله، كما كان ذلك معلقًا بما جاء به موسى وعيسى والنبيون= لكان بعضُ ذلك منسوخًا بما بعث الله به محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فكيف وليس الأمر كذلك؟! ولهذا كان مَن لم يعتصم بالملل منهم شرًّا من اليهود والنصارى، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]، فقد بيَّن سبحانه وتعالى أن الموجب للنجاة والسعادة في الدار الآخرة هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وهؤلاء مقصِّرون غاية التقصير فيما عندهم من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، ولو قُدِّر أن الذي عندهم كافٍ في السعادة إذا كانوا صابئين فاليهود والنصارى خير منهم. ثم مَن لم يؤمن بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من اليهود والنصارى فهو كافر شقيٌّ مُعَذَّب في الآخرة، فكيف إذا كان من الصابئين الحنفاء؟! فكيف إذا كان من هؤلاء الفلاسفة الذين هم من الصابئة المشركين، وقد بيَّن الله سبحانه أن الدين عند الله الإسلام، وأنه لا يقبل دينًا غيره، ولهذا كان الإسلامُ دينَ جميع النبيين. وأصل دين الإسلام: أن يُعبد الله وحدَه لا شريك له (1). وهؤلاء _________ (1) «وأن لا يُعبد إلا بما شَرَع» كما سبق للمصنف هنا (ص 119، 153، 228)، وفي غير موضع من كتبه.

(1/251)


الفلاسفة لا يوجبون عبادة الله، ولا يحرِّمون عبادة ما سواه، فهم خارجون عن الإسلام العام الذي لا يَسْعَد أحدٌ إلا به، ولا يقبل الله دينًا سواه. فهذا أصلٌ يجب معرفته، وأنه في كل زمان ومكان إنما تَحْصُل السعادة بعد الموت بالإيمان والإسلام، لكن شرع بعض الشرائع تحت شرائع الأنبياء (1). وأما حصول السعادة بمجرد ما يدَّعيه هؤلاء من العلم، أو العلم والأخلاق، فهذا باطلٌ معلوم الفساد، مع أنه ليس لهم عليه دليل صحيح. ولمَّا كان أصل هؤلاء: أن العبادات والأخلاق إنما هي وسائل إلى مجرد العلم، كان المصنفون على طريقهم في الفلسفة كابن سينا والرازي في «المباحث المشرقية» (2) وغيرها، يجعلون الكلام في الأخلاق والسياسات المنزلية والبدنية تنتظمُ الكلامَ في الشرائع الإلهية التي جاءت بها الأنبياء، كمباني الإسلام الخمس من الصلاة والزكاة والصيام والحج، فيجعلون هذه وأمثالها تتعلق [م 95] بعلوم الأخلاق والسياسات. ومقصود ذلك إما سياسة الأخلاق وإما سياسة العالم للعدل في الدنيا ودفع ظلم بعضهم عن بعض، لا لأن ذلك يوجب السعادة في الآخرة، ولا جزء من الموجب للسعادة، ولا هو بنفسه كمالٌ للنفس، بل هو متعة (3) للنفس، ووسيلة لها إلى كمالها. _________ (1) كذا العبارة في (م). (2) انظر (1/ 510 - 511). (3) (م): «معه»، وتحتمل «منفعة» كما سيأتي بعد سطرين.

(1/252)


ولهذا في كلام أبي حامد صاحب «الإحياء» ما يميل إلى هذا، كجعله منفعة علم الفقه في الدنيا فقط، وكما يذكره من أن مقصود علوم المعاملات تصفية النفس فيحصل لها علم المكاشفة (1). وتقسيم الأمر إلى ملك وملكوت وجبروت ــ وهي معاني الفلاسفة، وعُبِّر عنها بعبارات إسلامية ــ لم يقصد بها الرسول ما يقصده هؤلاء، فإن هؤلاء يعنون بالمُلك: الأجسام، وبالملكوت والجبروت: النفوس والعقول. والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قال في ركوعه وسجوده: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعَظَمة» (2) لم يُرِد هذا ... (3)، وكذلك قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [يس: 83]، وقوله: {(74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ} [الأنعام: 75] لم يُرِد هذا ... (4). ولهذا يفرقون، فطائفة منهم تقول: من حصل له العلم الذي هو عندهم الغاية لم يجب عليه ما يجب على الناس من الصلوات وغيرها، بل قد يُباح له ما لا يُباح لغيره من الفواحش والمظالم، ومن هنا دخلت القرامطة الباطنية، وصاروا يسقطون عن خواصهم واجبات الإسلام، ويبيحون لهم ما _________ (1) انظر «إحياء علوم الدين»: (1/ 28، 31 - 35). (2) تقدم تخريجه (ص 87). (3) بياض في الأصل بمقدار سطر. (4) بياض في الأصل بمقدار كلمتين، وعلق الناسخ في الهامش على موضعي البياض بقوله: «كذا وُجِد في أصله». أقول: وقد سبق هذا البحث في هذا الكتاب (ص 81، 87، 191).

(1/253)


حَرَّمه الله ورسوله. وكانوا في ذلك أسوأ حالًا من أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دينَ الحقِّ من الذين أوتوا الكتاب، ومن هنا دخل كثير من الفلاسفة. والمتكلمون والصوفية لا يرضون مذهب القرامطة الباطنية، بل منهم من يقول: إذا بلغ الإنسان الغاية في العلم أو المعرفة سقطت عنه الواجبات، وقد يتأوّل بعضُهم قولَه تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، وقد تقدم الكلامُ على هذه الآية (1). والمقصود هنا التنبيه على أصولِ أقوال الناس، ومنشأ ضلال الضالين، ليُعْرَف ذلك فيُزْهَد فيه، ويُرغَب في الصراط المستقيم، صراطِ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فأما الأصل ... (2) فليُعْلَم أنه كما أن العلم بالله مقصود، فمحبة الله ــ أيضًا ــ مقصودة، فلا يكفي النفس مجرَّد أن تعرف الله دون أن تحبة وتعبده، وهذا أصل ملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء الذي اتخذه الله خليلًا. وقد ثبت في «الصحيح» (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[م 96]: «إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا»، وقد قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، والعبادةُ تتضمَّن كمالَ المحبة له، وكمال الذل له. _________ (1) (ص 99). (2) هنا كلمة لم تتبين، ويحتمل أن تكون «الأعظم». (3) قطعة من حديث أخرجه مسلم (532) من حديث جندب بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه -.

(1/254)


فلو قُدِّر أن الإنسان عَلِم كلَّ عِلْم، ولم يكن مُحِبًّا لله عابدًا له، كان شقيًّا معذَّبًا، ولم يكن سعيدًا في الآخرة، ولا ناجيًا من عذاب الله. والله تعالى أرسل جميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادته تتضمن محبته وتعظيمه ومعرفته. وقد أنكرت الجهمية والمعتزلة والكُلَّابية وغيرهم، ومَن اتبع هؤلاء من الفقهاء محبةَ ذاتِ الله، وقالوا: إنَّ ذات الربِّ لا تُحَب، وإن ما ورد به الشرع من محبته فالمراد به محبَّة طاعته، ومحبة الربِّ للعباد معناها إثابته، أو إرادة إثابته. وعلى هذا القول قُتِلَ الجعدُ بن درهم حين ضَحَّى به خالد بن عبد الله القَسْري، والقصة مشهورة (1) ... (2) والعلة هو إنكار المحبة والكلام ... (3) ضلَّ من ضلَّ من طوائف أهل البدع والكلام. ومن أنكر أن الله يُحِبُّهُ عبادُه، ويُحِبُّ عبادَه، فقد أنكر أصل ملة إبراهيم، وهذا قد وقع فيه طوائف من المشهورين بالعلم في كتب أصول الدين وغيرها، وأضافوا فيه من الأصول الفاسدة التي تلقوها عن الجهمية. وهؤلاء الملاحدة من المتفلسفة وغيرهم موافقون لأعداء إبراهيم _________ (1) أخرج القصة البخاري في «خلق أفعال العباد» (3) وفي ثبوتها بحث انظر «قصص لا تثبت»: (3/ 251 - 256) لمشهور سلمان، وناقشه محمد التميمي في بحث مستقل طبع مع رسالته «مقالة الجعد بن درهم». (2) هنا مقدار ثلاث كلمات غير واضحة. (3) كلمتان لم تظهرا.

(1/255)


وموسى، كفرعون ونمروذ، الذين لم يتبعوا الرسل فيما أمروهم به من عبادة الله وحده لا شريك له. وهذا هو دين الإسلام الذي لم يبعث الله نبيًّا إلا به، فهو الدين الذي لا يقبل الله ممن ابتغى دينًا غيره، ولا أن يُعبد الله ويُعبد (1) غيره، فمن عبد الله وغيرَه فهو مشرك، والله لا يغفرُ أن يُشْرَك به، ومن استكبر عن عبادته فقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، ولهذا نجد هؤلاء الذين يستكبرون عن عبادة الله يُبتلون بمن يُذِلُّهم حتى يستعبدهم من الملوك ونحوهم، فهم يستكبرون عن عبادة الله ويعبدون ما سواه!! وكثير من المنتسبين إلى العلم يُبتلى بالكِبْر كما يُبتلى كثيرٌ من أهل العبادة بالشرك، ولهذا فإن آفة العلم الكِبْر، وآفة العبادة الرياء، وهؤلاء يُحْرَمون حقيقة العلم، كما قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146]. قال أبو قِلابة: منع قلوبَهم فهمَ القرآن (2). ولهذا كان الكِبْر كثيرًا في اليهود وأشباه اليهود، الذين يعلمون الحقَّ ولا يتبعونه، والشرك كثير في النصارى [م 97] وأشباه النصارى، الذين يعملون ويعبدون بغير علم. _________ (1) (م): «ولا يعبد» والصواب ما أثبت بدليل ما بعده، والمعنى: ولا يقبل من العبد أن يعبد الله ويعبد غيره في الوقت نفسه؛ لأن هذا شرك لا يُقبل. (2) لم أجده عن أبي قلابة، وأخرجه ابن جرير: (10/ 443)، وابن المنذر وأبو الشيخ ــ كما في «الدر المنثور»: (3/ 234) ــ عن سفيان بن عيينة قال: أنزعُ عنهم فهمَ القرآن.

(1/256)


والمهتدون (1) هم الذي يعلمون الحق ويعملون به، كما قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7]. وقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اليهودُ مغضوبٌ عليهم والنصارى ضالون» (2)، ولا يحصل اتباع الصراط المستقيم إلا بالعلم الواجب والعمل اللذين يُتَّبَع فيهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فلابدَّ من عِلْم ولابدَّ من عمل، وأن يكون كلاهما موافقًا لما جاء به الرسول، فيجب العلم والعمل والاعتصام بالكتاب والسنة، ولهذا قال مَن قال مِن السلف: الدين قولٌ وعملٌ وموافقة السنة. ولفظ بعضهم: لا ينفع قولٌ إلا بعمل، ولا ينفع قولٌ وعملٌ إلا بمتابعة السنة (3). وقد قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]. ولهذا كان مذهب الصحابة وجماهير السلف من التابعين لهم بإحسان وعلماء المسلمين: أن الإيمان (4) قولٌ وعمل، أي: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح. وأما من صدَّق بقلبه الرسولَ، وعرف أن ما جاء به حقٌّ، مع أنه يبغضه _________ (1) مطموسة في (م)، والقراءة تقديرية. (2) تقدم تخريجه (ص 73). (3) انظر بعض هذه الآثار في «الشريعة» (257، 258) للآجري، و «شرح أصول الاعتقاد»: (1/ 57) للالكائي. وانظر ما سبق (ص 70). (4) غير واضحة. ولعلها ما أثبت.

(1/257)


ويستكبر عن عبادة الله وطاعته، كإبليس وفرعون والنمروذ واليهود، فهذا من أعظم الكافرين كفرًا. وقد كان جهم ومَن وافقه [يقولون: إن الإيمان] مجرَّد تصديق القلب أو مجرد معرفة القلب، [و] (1) أنَّ كل من يثبت أنه كافر في الباطن، فإنه لا يكون إلا لارتفاع ما بقلبه من التصديق والمعرفة. فعندهم يمتنع أن يبغضَ الرسولَ مَن عَرَف وصدَّق بقلبه أنه رسول الله. ومعلومٌ أن هذا مكابرة للحس والعقل والشرع، وهو من جنس أقوال الفلاسفة: إن كمال النفس في مجرد أن تعلم. بل من المعلوم بالضرورة بعد التجربة والامتحان أن الإنسان قد يعرف أن هذا رسول الله، وما في قلبه من محبة الرياسة والحسد له ونحو ذلك، يوجب أن يبغضه ويعاديه أعظم من معاداة من جهل أنه رسول الله. وقد قال تعالى في حق آل فرعون: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، وقال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33]، وقال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146]. وإبليس لم يكن كفره بتكذيب، فإنه لم يُبعث إليه الرسول، بل أمره الله بالسجود فاستكبر عن ذلك، [م 98] فكان كُفْره مِن (2) تَرْك الخضوع والعبادة لله لا من باب التكذيب لخبره. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، ومعرفتها من أهم الأمور، فإنَّ بها يعرف الإيمان وسعادة الإنسان، وما بعث _________ (1) ما بين الأقواس زيادات يستقيم بها السياق. (2) (م): «من كفره» ولعله ما أثبت.

(1/258)


الله به الرسل. والمقصود هنا أن هؤلاء كصاحب «الإشارات» ابن سينا وأتباعه، مثل صاحب «رسالة حي بن يقظان» وغيره، لمَّا اعتقدوا أن غاية الإنسان هو العلم، وهؤلاء علموا من العلم الإلهي الذي جاء به الرسول ما تميزوا به على سلفهم اليونان، فإن الذي عند أولئك من العلم الإلهي نَزْرٌ قليل مُخبط، فهو لحم جَملٍ غَثٍّ على رأس جَبَلٍ وَعْر، لا سَهلٌ فيُرتقى ولا سمين فيُنتقى. وكلام أرسطوا صاحب التعاليم في «علم ما بعد الطبيعة» كلام قليل ذكره في كتاب «أثولوجيا» (1) ونحوه، وأما كلامهم الكثير في العلم الطبيعي، وهو الكلام في أحوال الأجسام الفلكية والعنصرية والمولدات من النبات والمعادن والحيوان، فلهم في ذلك كلام كثير. وأما العلم الإلهي؛ فكلامهم فيه مع أنه قليل، ففيه خطأ كثير، وفيه من الجهل البسيط والمركَّب أعظم مما في كلام المبتدعة المنتسبة إلى الملة كالجهمية ونحوهم. وقد تكلم ابن سينا وأتباعه على مقامات العارفين (2)، وأرادوا أن يجمعوا بين طريقة أهل البحث والنظر وأهل العبادة والتألُّه على أصولهم. تكلم ابن سينا في مقامات العارفين، وكذلك ابن (3) الطفيل صاحب «رسالة حي بن يقظان»، وأبو عبد الله الرازي يقول: ليس في كتابه أفضل من كلامه في _________ (1) تقدم التعريف به (ص 186) وبمؤلفه. (2) في كتابه «الإشارات»: (4/ 818 - 827). (3) (م): «أبي»! والصواب ما أثبت، وقد مضت ترجمته والتعريف بكتابه.

(1/259)


مقامات العارفين، وما ذكره في ذلك فكلامه هو من أدنى كلام أهل المعرفة والتصوف، وقد جعل غايتهم فناء العارف حتى يغيب عن نفسه وغيره. وهذا قول طائفة من الصوفية جعلوا الفناء هو منتهى سلوك العارفين، وطائفة أخرى يجعلونه من اللوازم في طريق العارفين، وكلُّ ذلك خطأ، بل هذا الفناء أمر يعرض لبعض السالكين، ليس من لوازم الطريق فضلًا عن أن يكون هو منتهى سلوك السالكين، ليس من لوازم الطريق فضلًا عن أن يكون هو منتهى سلوك السالكين. ولهذا لم يقع هذا الفناء للصحابة الذين هم أفضل الخلق بعد الأنبياء، فضلًا أن يقع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أن مضمونه نقص المعرفة وعدم العلم، وليس هذا من صفات الكمال، بل إذا كان العبد يذكر الله ويعرفه معرفةً مفصلة، متناولةً لأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، وشهد المخلوقات يدبِّرها الخالق ويُصَرِّفها بمشيئته، كما هو الأمر عليه في نفسه، كان هذا المشهد أكمل [م 99] وأتمّ من مشهد أهل الفناء والاصطلام. وقد قدَّمنا (1) أن لفظة الفناء تطلق على ثلاثة أمور: أحدها: أن يفنى العبد بعبادته عن عبادة ما سواه، وبحبه عن حبِّ ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، فهذا حال أهل التوحيد والإخلاص كالرسل وأتباع الرسل، وهذا هو أصل ملة إبراهيم، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. وهذا الفناء مقرون بالبقاء، فإن نفي إلهيَّةِ ما سوى الله مقرون بإثبات _________ (1) (ص 150).

(1/260)


إلهيته سبحانه وتعالى. وفي هذا الفناء تكلم طائفةٌ من أكابر المشايخ كالشيخ عبد القادر وغيره, فيأمرون الإنسان أن يفنى عن هواه وعن الالتفات إلى الخلق، بالإخلاص لله، والعمل بما أمر به، ويبينون أن أصول السلوك ثلاثة أمور: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور. والأمر الثاني: من المعاني التي يعبِّرون عنها بلفظ الفناء، هو الفناء عن شهود السِّوى، وهو أن يفنى بمعبوده عن عبادته، وبمعروفه عن معرفته، ويسمَّى الاصطلام والمَحْو، وهذا خيال يعرض لبعض السالكين، وهو حالٌ ناقِص ليس هو الغاية، ولا يعرض للكاملين كنبينا - صلى الله عليه وسلم -، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهذا كحال (1) الغَشْي وذهاب العقل يعرض لبعض السالكين. والثالث: هو الفناء عن وجود السِّوى، وهو أن يرى الوجود واحدًا، أو وجود الخالق وجود المخلوق، وهذا حال الفرعونية القائلين بوحدة الوجود، كابن سبعين وابن عربي وابن الفارض والقُونوي والتلمساني ونحوهم، وهؤلاء مع إلحادهم وجهلهم وتناقض أقوالهم شرعًا وعقلًا، يجعلون ما هم عليه هو غاية التحقيق والتوحيد والعرفان! ! وهم مع مَن قبلهم، ومَن هو أقرب إلى الإسلام منهم، .... (2) مع من هو خير منهم كالشيعة والمعتزلة ونحوهم، فإنهم أخذوا ما في مذاهب هؤلاء من البدع الفاسدة كالتجَهُّم، ونفي الصفات، وادعاءِ باطنٍ للكتاب والسُّنَّة _________ (1) هذه الكلمة ليست واضحة، وتحتمل: «كما أن، أو كمال». (2) بياض بمقدار ثلاث كلمات.

(1/261)


يخالف ظاهرهما، وجعلوا ذلك حجَّةً عليهم فيما نازعوهم. فقالوا للجهمية والمعتزلة: أنتم توافقونا على نفي الصفات، وأن إثباتها يتضمَّن التشبيه والتجسيم والتركيب، وذلك باطلٌ، فيلزمكم نفي الأسماء [م 100] أيضًا، فإن الأسماء تتضمن الصفات؛ إذ الحي يتضمن الحياة، والعليم يتضمن العلم، والقادر يتضمن القدرة. فجعلوا موافقتهم لهم على نفي الصفات حجةً لهم على نفي الأسماء، فإن ما فَرُّوا منه بزعمهم من التشبيه والتركيب ثابت في المسمَّى بالأسماء، كما هو ثابت فيما هو متَّصِف بهذه الصفات. وأهل السُّنَّة المثبتون للأسماء والصفات يحتجون على المعتزلة بعكس هذه الطريقة، فإن المعتزلة نفاة الصفات لمَّا قالت لأهل السنة المثبتين للصفات: إن العلم والحياة والقدرة والكلام والإرادة أعراض لا تقوم إلا بجسم، فإنَّا لا نعقل موصوفًا بهذه الصفات إلا جسمًا، فإذا أثبتم الصفات لزم التجسيم. قال لهم أهل السنة المثبتون: أنتم قد وافقتمونا على أنه حيٌّ عليم قدير، مع أنكم لا تعقلون مُسَمًّى بهذه الأسماء إلا جسمًا، فما كان جوابكم عن الأسماء فهو جوابنا عن الصفات. وذلك أن كلَّ من نفى شيئًا من الأسماء والصفات التي نطق بها الكتاب والسنة فرارًا من محذور، فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما فرَّ منه فيما نفاهُ، فإذا نفى الغضبَ والمحبةَ وأثبت الإرادةَ والسمعَ والبصر، بناءً على أن الغضب والحبّ الذي يُعْقَل هو ما يتصف به العبد، وذلك ممتنع في حقِّ الله.

(1/262)


قيل له: الإرادة والسمع والبصر الذي يُعْقَل هو ما يتصف به الإنسان، وذلك ممتنع في حقِّ الله تعالى. فإذا قال: هذه الصفات ثابتة لله على ما يليق به من غير أن تماثل صفاته صفات المخلوقين. قيل له: وكذلك سائر الصفات هي ثابتةٌ لله على ما يليق به من غير أن تماثل صفات المخلوقين، فهو سبحانه مُتَّصفٌ بصفات الكمال مُنَزَّهٌ عن النقص بكل وجه، ومُنَزَّه عن أن يماثله غيره في شيء من صفاته. والتنزيه [ينبني على هذين الأصلين: الأول] (1): وهو تنزيهه تعالى عن النقص والعيب بكل وجه، وذلك داخل في معنى اسمه القدوس السلام؛ فإنه مستحق لصفات الكمال، وهي من لوازم ذاته، فكل ما نافى كماله اللازم له وجب نفيه عنه لامتناع اجتماع الضدَّين، وبهذا تبيَّن أن تنزيهه عن النقائص يُعْلَم بالعقل. فإن طائفةً من النُّظار كصاحب «الإرشاد» (2) وشيعته قالوا: إنما يُعْلَم نفي النقائص بالسمع، وهو مبسوط في موضعه (3)، فإن الرب تعالى مستحق لصفات الكمال، وهي لازمة له، يمتنع وجوده بدونها، كالحياة والقيومية والعلم والقدرة. والحياةُ والقيومية تنافي السِّنَة والنوم. والعلمُ [م 101] ينافي _________ (1) ما بين المعكوفين غير واضح، وأثبته تقديرًا. (2) صاحب الإرشاد هو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني إمام الحرمين (ت 478). وكتاب «الإرشاد في أصول الدين» مطبوع. (3) انظر «الفتاوى»: (6/ 33 وما بعدها).

(1/263)


النسيان والجهل. والقدرةُ تنافي العجز واللغوب، وأمثال ذلك. والأصل الثاني: أنه ليس له كفوًا أحد في شيء من صفاته، فلا يماثله شيء من الأشياء في شيء من صفاته. فمن نفى صفاته كان معطِّلًا، ومن مثَّلها بصفات خلقه كان ممثِّلًا، ولهذا كان مذهب السلف والأئمة: إثبات الصفات على وجه التفصيل، ونفي النقص والتمثيل (1)، إثباتٌ بلا تمثيل، وتنزيهٌ بلا تعطيل، فقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ردٌّ على الممثِّلة، وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ} [الشورى: 11] ردٌ على المعطِّلة. ومَن فَرَّق بين صفة وصفة من صفات الكمال كان قوله متناقضًا. فإن قال النافي: أنا أنفي جميع الأسماء والصفات، كما يقوله غلاة الجهمية والباطنية والقرامطة والاتحادية. قيل له: إمَّا أن تُثبت موجودًا واجبًا قديمًا خالقًا، وإما أن لا تثبته، فإن أثبتَّه فقد أثبتَّ واجبًا وممكنًا، وقديمًا وحادثًا، وخالقًا ومخلوقِيْن، وهما يتفقان في مسمَّى الوجود والشيء والذات، وأحدهما متميز عن الآخر بما يخصه، وهذا هو الذي فررتَ منه. وإن نفيت الوجود الواجب القديم، قيل لك: أنت تعلم أن ثَمَّ موجودًا، وكل موجودٍ فإما ممكن، وهو ما قَبِل العدم، ويكون وجوده بغيره، وإمَّا واجب الوجود، وهو الموجود بنفسه الذي لا يفتقر إلى غيره. وهو أيضًا إما حادث ــ وهو ما كان بعد أن لم يكن ــ وإما قديم ــ وهو ما لم يزل ــ. وهو _________ (1) يعني: نفيهما على سبيل الإجمال.

(1/264)


أيضًا إمَّا مخلوق ــ وهو ما خَلَقه غيره ــ وإمَّا غير مخلوق. وهو أيضًا إما فقير إلى غيره، وإما غني ليس فقيرًا (1) إلى غيره، وكل ممكن فلابد له من واجب، وكل مُحْدَث فلابد له من قديم، وكل مخلوق فلابد له من خالقٍ غير مخلوق، وكل فقير فلابد له من غنيّ. فإنَّ وجود الممكن بدون الواجب ممتنع، وكذلك وجود المُحْدَث بدون المُحْدِث، والمخلوق بدون الخالق، والفقير بدون الغنيّ. فثبت أنه لابد في الوجود من موجِد غنيّ قديم خالق واجب بنفسه. فإن قال: أنا أجعله وجود جميع الموجودات، كما يقول أهل وحدة الوجود. قيل له: نحن بالمشاهدة والضرورة نعلم أن من الموجودات ما يوجد بعد عدمه، ويعدم بعد وجود، كما نشاهده من أنواع الحيوانات والنباتات والمعادن والسحاب والمطر وغير ذلك مما يحدث بعد عدمه ويُعدم بعد وجوده. والإنسان [م 102] يعلم أنه كان بعد أن لم يكن، ويعلم أن بدنه يستحيل، وأمثال ذلك كثير، وكلُّ من عُدِمَ مُدَّة فليس بواجب الوجود ولا قديم، فإن واجب الوجود لا يقبل العدم بوجهٍ من الوجوه. فقد عُلِمَ بالحسِّ وضرورة العقل، أن الموجود ينقسم إلى واجب وإلى ممكن، وقديم ومُحْدَث، وخالق ومخلوق، وغني بنفسه وفقير إلى غيره. وعُلِمَ أيضًا أنهما متفقان في مسمّى الوجود والثبوت والشيء والحقيقة _________ (1) (م): «فقير».

(1/265)


وغير ذلك، ويمتاز كلٌّ منهما عن الآخر بخصائصه. وليس اتفاقهما في ذلك بمعنى أن في الخارج عن العلم والذهن معنًى واحدًا يشتركان فيه، بل كل ما في الخارج من الموجودات فهو مختص بما هو موجود في الخارج، فصفات كل موصوف قائمة به، لا يَشْركه فيها غيره، ولكن يتفقان في معنًى عامّ كلّي لا يوجد مطلقًا كلِّيًّا إلا في الذهن، والكُلِّي لا يكون كليًّا إلا في الأذهان لا في الأعيان. ولكنْ طائفةٌ من النُّظار غَلِطوا في هذا الموضع، فظنوا أنه إذا قيل: هذان يتفقان في مسمى الوجود، ففي الخارج وجود هو بعينه ثابتٌ لكل منهما. وظنوا أن من قال ذلك فإنه يقول: وجود الشيء زائد على ماهيته التي هي حقيقته. وأن من قال: إن لفظ الوجود والشيء والثابت يُقال بالتواطؤ العام، سواء كان المعنى العام يتفاضل يسمى مشكَّكًا أو لم يكن كذلك= فإن مذهبهم أن وجود كل شيء زائدٌ على ماهيته. ومَن قال: إن وجود الشيء في الخارج هو حقيقته الخارجة، فإنه يجعل لفظ الوجود مشتركًا اشتراكًا لفظيًّا، وهو غلط؛ فإن مذاهب أئمة النظار والمتكلمين: أن لفظ الوجود والشيء ونحوهما من الأسماء العامة التي تسمَّى متواطئة ليس من الأسماء المشتركة لفظيًّا كلفظ «المشتري» الذي يُقال على قابل البيع وعلى كوكب في السماء. ثم إن مذهب نُظَّار أهل الإثبات كالأشعري وغيره: أن وجود كل شيء هو حقيقته الموجودة في الخارج، مع قولهم بأن اسم الوجود عام على كل متواطئ، ومن نَقَل عن هؤلاء أنهم قالوا: لفظ الوجود مشترك اشتراكًا لفظيًّا فقد غَلِط عليهم، كما يوجد ذلك في كلام أبي عبد الله الرازي، وأبي الحسن الآمدي، وغيرهما ممن تبع الشهرستاني في ذلك.

(1/266)


فإن قالوا ذلك لِمَا ظنوه لازمًا له، حيث كان من نفاة الأحوال، وممن يقول: [م 103] المعدوم ليس بشيء، ووجود كل شيء عنده عين حقيقته الموجودة في الخارج= فظنَّ هؤلاء أن هذا يلزمه أن يجعل لفظ الوجود مشتركًا اشتراكًا لفظيًّا، إذ لو كان عامًّا متواطئًا للزم اشتراك الموجودات في مسمَّى الوجود، وامتياز كلِّ واحد عن الآخر بما يخصه، فتكون الحقيقة زائدة على الوجود. وهذا غلط منهم، فإن نُظَّار أهل الإثبات لا يجعلون في الخارج كليًّا مشتركًا، وإذا قالوا: إن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود لم يقولوا: إن في الخارج موجودًا يشترك فيه هذا وهذا. [وكذلك إن] (1) قالوا: إن الأشياء تشترك في مسمَّى الشيء، والذات تشترك في مسمَّى الذات، والحقائق تشترك في مسمَّى الشيء والذات والحقيقة. وكذلك إذا قيل: الماهية (2) فإنها تشترك في مسمى الماهية. ومن المعلوم أن الاشتراك في هذه الأسماء لا يوجب أن يكون بين ذات هذا المعيَّن وذات هذا المعيّن في الخارج شيئًا مشتركًا فيه، إذ لو كان كذلك لما كان لشيء من الأشياء شيء يختصُّ به، فإن أخصَّ الأشياء به نفسه وذاته. فإذا قيل: الذات مشترك لم يختص به شيء، وإذا قيل: الذاتان يشتركان في مسمى الذات وإحداهما مختصَّة عن الأخرى بما تختص فيها من مسمَّى الذات، فذلك المختص فيه أيضًا لفظ الذات ... (3) كل شيء فإنه يتميز عن _________ (1) ما بين المعكوفين غير واضح في (م)، وما أثبته تقديرًا. (2) غير واضحة في (م). (3) كلمتان لم تظهرا.

(1/267)


الآخر بنفسه، لا يفتقر إلى متميز عن غيره بشيء آخر، فإن ذلك الشيء إن تَمَيَّز بنفسه فقد ثبت أن الشيء متميز بنفسه، وإن كان بشيء آخر لزم التسلسل في المتميزات في آنٍ واحد، وهو من جنس التسلسل في المؤثرات، وهو باطل باتفاق العقلاء. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (1). والمقصود هنا التنبيه على أنه لابد من الاعتراف بموجودَيْن قديم وحادث، واجب وممكن، خالق ومخلوق، وأنْ لا بُدَّ من اتفاقهما في بعض الأسماء والصفات، وذلك لا يوجب تماثلهما في شيء من الأشياء، فإنه إذا قيل: هذا شيء موجود قائم بنفسه، وهذا شيء موجود قائم بنفسه، لم يكن بينهما تماثُل في شيء من الأشياء، بمعنى أن ما ثبت لأحدهما في الخارج لا يماثل ما ثبت للآخر، لكن اتفقا في مسمَّى القَدْر المشترك. فإن قال القائل: قد تماثلا فيه بمعنى أنهما متماثلان في الكلِّيّ الذهني دون الموجود الخارجي، لم يُنازع في ذلك [م 104] فإن المقصود أن ما ثبت لأحدهما لا يماثله فيه الآخر, وأما في الذهن فليس مختصًا بأحدهما، بل ولا هو قائمًا بأحدهما. فإذا قيل: لفظ الوجود أو العلم أو الحياة أو القدرة أو العليم أو الحكيم أو غير ذلك، فله ثلاثة (2) اعتبارات. أحدها: أن يختص بالمخلوق، فيقال: وجود العبد أو علمه أو قدرته، أو يقال: هذا الإنسان العالم أو الحكيم. فالرب تعالى مُنَزَّهٌ عن كلِّ ما يختص بالمخلوقين، وليس الربُّ متصفًا بشيء من ذلك، فضلًا عن أن يماثل ذلك. _________ (1) انظر ما سبق (ص 236)، و «الصفدية»: (1/ 23 وما بعدها). (2) (م): «ثلاث».

(1/268)


الثاني: أن يختصَّ بالخالق، فيقال: وجوده وذاته وعلمه وقدرته، أو يقال: إن الله عليم حكيم، ونحو ذلك، فهذا مختصٌّ بالرب تعالى لا يَشْركه فيه المخلوق بوجهٍ من الوجوه. وبهذا يتبين امتناع التشبيه فيما وَصَفَ اللهُ به نفسَه، فإنه لم يذكر من ذلك شيئًا إلا مضافًا إلى نفسه بما يوجب اختصاصه، ويمنع مشاركة غيره له فيه كقوله: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ} [الذاريات: 58]، وقوله: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ونحو ذلك، فأضافَ العلمَ والقوة واليد إلى الله إضافةً توجب اختصاصه بذلك، وتمنع مشاركة غيره له فيه بوجه من الوجوه، فإذا كان الموصوف لا يماثل الموصوفات وجب أن تكون صفته لا تماثل الصفات، ودل على ذلك نفس اختصاصه بجهة الإضافة. ومَن قال حينئذ: إن العلم والقوة واليد لا يفهم منه إلا ما يقوم بالمخلوقين= كان جاهلًا أو متجاهلًا، فإن ذلك إنما يكون عند الإضافة إلى المخلوق، فأما عند الإضافة الموجبة لتخصيص الخالق فهذا كلام باطل. الاعتبار الثالث: أن يقال: اللفظ إذا كان مطلقًا عامًّا لا يختصُّ بخالق ولا مخلوق، كما يقول: موجودٌ وذاتٌ وقدرةٌ ويدٌ، ونحو ذلك، فهذا المطلق لا يختص بالخالق ولا بالمخلوق، بل اللفظ يتناول الاثنين، لكن هذا المشترك لا وجود له في الخارج عقلًا، ولا لَفْظه موجودٌ في الكلام سمعًا، بل موجود مطلق يتناولهما جميعًا، لا يختص بخالق ولا مخلوق، ولا يوجد في الخارج، ولا هو موجود في كلام الله ورسوله، وإنما [م 105] يجرّد (1) لفظًا ومعنى، إذا _________ (1) محتملة، وهكذا قرأتها.

(1/269)


قيل: الموجود ينقسم إلى قديم ومحْدَث، وواجب وممكن، ونحو ذلك، فيجرِّد العقلُ المعنى المطلقَ العامَّ المشترك، ويجرد من اللغة لفظًا مطلقًا (1)، ثم نقول: ما كان من لوازم هذا المشترك فإنه لا نقص فيه ولا محذور، وإنما النقائص من لوازم المختص بالمخلوقات، والربُّ تعالى مُنَزَّه عن كل ما يختص بالمخلوقات، فأما ما كان مختصًّا به أو كان من لوازم هذه الأمور العامة الكلية، فإنه صفة كمال. فما كان من لوازم الوجود القديم الواجب الخالق، أو كان من لوازم مطلق الوجود فإنه صفة كمال لا نقص فيه، وإنما النقص فيما كان من لوازم الوجود المخلوق. [وإذا عرف] (2) العاقل هذه الأمور، فإنه يزول بها عنه شبهات كثيرة، وقد بُسِطَ الكلام عليها في غير هذا الموضع. وإنما نبهنا هنا على بعض ما يتعلق بكلام هؤلاء ــ أهل الوحدة ــ. والله الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (3). * * * * _________ (1) ضبطها في (م): «لفظٍ مطلقٍ». (2) ما بين المعكوفين غير واضح وأثبته تقديرًا. (3) جاء في خاتمة النسخة: «نَجز يوم السبت السابع من شهر محرم من شهور سنة ثلاثة وعشرين وسبع مئة. تعليق الفقير إلى رحمة ربه الكريم أيوب بن أيوب بن صخر بن أيوب بن صخر بن أبي الحسن بن بقاء بن مساور العامري بالشام المحروس بمدينة حمص المحروسة، والله أعلم. بلغ المقابلة على أصله فصحَّ بحسب الطاقة، والله أعلم».

(1/270)


رأيك يهمنا