مجموعة أسئلة تهم الأسرة المسلمة

نبذة مختصرة

كتاب نافع يحتوي على مجموعة فتاوى أجاب عنها فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - تخص المرأة المسلمة.

تفاصيل

 مَجْمُوعَةُ أَسْئِلَةٍ تَهُمُّ الأُسْــــرَة المُسْلِـمَــة

 *

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدِّمة

إنَّ الحمدَ لله نَحمدُه، ونَستعينُه، ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شُرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، ونشهدُ أنَّ مُحمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ.

أما بعدُ: فإنَّه يسُرُّ (مُؤسَّسةَ الشَّيخِ مُحمَّدِ بنِ صالِح العُثَيْمين الخَيْريَّة) أنْ تُقدِّمَ هذه الفَتاوى القيِّمةَ لفَضيلةِ شَيخِنا العَلَّامةِ الوالدِ مُحمَّدِ بنِ صالِح العُثَيمين رحمه اللهُ تعالى.

نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَ هـذا العملَ خالصًا لوَجهِـه الكـريمِ، مُوافقًا لمَرْضاته، نافِعًا لعبادِه، وأنْ يكتُبَ لفَضيلةِ شَيخِنا المؤلِّفِ المثوبةَ والأجرَ بمنِّه وكَرَمه، ويُعليَ درجَتَه في المَهْديِّين، ويُسكنَه فَسيحَ جنَّاتِه، إنَّه سميعٌ مجيبٌ.

وصلَّى اللهُ وسلَّم على نبيِّنـا مُحمَّدٍ وعلى آلِه وأصحابِـه والتابِعـينَ لهم بإحسانٍ.

القِسمُ العلميُّ

في مُؤسَّسةِ الشَّيخِ مُحمَّد بنِ صالِح العُثَيمين الخَيْريةِ

 *

 استِخْدام الباروكةِ

§§ من بينِ الأدَواتِ التي تَستخدِمُها المرأةُ لغَرَض التَّجْميلِ ما يُسمَّى (بالباروكةِ) وهيَ الشَّعرُ المُستعارُ الذي يُوضعُ على الرَّأس، فهل يجوزُ للمَرأةِ أنْ تستخدِمَها؟

… الباروكةُ مُحرَّمةٌ، وهي داخلةٌ في الوَصلِ، وإنْ لم يكن وصلًا، فهي تُظهر رأسَ المرأةِ على وَجهٍ أطولَ من حقيقتِه فتُشبِهُ الوصلَ، وقد لعَنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الواصلةَ والمُسْتوصِلةَ. لكن إنْ لم يكن على رأسِ المرأةِ شَعرٌ أصلًا كأنْ تكونَ قَرعاءَ، فلا حرَجَ من استعمالِ الباروكةِ؛ ليستُرَ هذا العيبَ؛ لأنَّ إزالةَ العُيوبِ جائزةٌ؛ ولهذا أذِنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمَن قُطِعت أنفُه في إحدى الغَزَواتِ أنْ يتَّخِذَ أنفًا من ذَهَبٍ، ومثلُ أنْ يكونَ في أنفِه اعوجاجٌ فيَعدِلَه، أو إزالةُ بُقعةٍ سَوداءَ مثلًا، فهذا لا بأسَ به.

أما إن كان لغيرِ إزالةِ عيبٍ كالوَشمِ والنَّمصِ مثلًا فهذا هو الممنوعُ، واستعمالُ الباروكةِ حتى لو كان بإذنِ الزَّوجِ ورِضاه حرامٌ؛ لأنه لا إذْنَ ولا رضًى فيما حرَّمه اللهُ.

 *

 نتْفُ الشَّعر

§§ يُلاحظُ على بعضِ النِّساءِ أنَّهـن يَعمِدْن إلى إزالـةِ أو ترقيقِ شَعـرِ الحاجبينِ؛ وذلك لغَرَض الجَمالِ والزِّينة، فما حُكم ذلك؟

… هذه المسألةُ تقعُ على وجهينِ:

الوَجهُ الأولُ: أنْ يكونَ ذلك بالنَّتفِ؛ فهذا مُحرَّمٌ، وهو من الكبائرِ؛ لأنَّه من النَّمصِ الذي لعَنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فاعلَه.

الثاني: أنْ يكونَ على سَبيلِ القصِّ والحفِّ، فهذا فيه خِلافٌ بينَ أهلِ العِلم هل يكون من النَّمصِ أم لا؟ والأَولى تجنُّب ذلك.

أما ما كان من الشَّعرِ غيرِ المُعتادِ بحيث ينبُتُ في أماكنَ لم تَجرِ العادةُ بها، كأنْ يكونَ للمرأةِ شاربٌ، أو ينبُتُ على خدِّها شَعرٌ، فهذا لا بأسَ بإزالتِه؛ لأنَّه خِلافُ المُعتادِ، وهو مشوِّهٌ للمَرأةِ.

أما الحواجبُ فإنَّ من المُعتادِ أن تكونَ رقيقةً دقيقةً، وأن تكونَ كثيفةً واسعةَ، وما كان مُعتادًا فلا يُتعرَّض له؛ لأنَّ الناسَ لا يَعدُّونه عَيبًا بل يَعدُّون فواتَـه جَمالًا أو وُجودَه جمالًا، وليس من الأمورِ التي تكـون عَيبًا حتى يحتاجَ الإنسانُ إلى إزالتِه.

 *

 بُروزُ شَعرِ الرَّأس

§§ أيضًا من الطُّرُق التي تعمَلُها المرأةُ للجَمالِ والزِّينة قيامُها بوَضعِ الحَشوى داخلَ الرَّأس بحيث يكونُ الشَّعرُ مُتجمِّعًا فوقَ الرأسِ، فما حُكمُ هذا العملِ؟

… الشَّعرُ إذا كان على الرأسِ على فوقَ؛ فإنَّ هذا داخلٌ في التَّحذير الذي جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قولِه: «صِنفانِ من أهْلِ النارِ لم أرَهُما بعدُ» وذكر الحديث: وفيه «نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ، رُؤوسُهنَّ كأسنِمةِ البُختِ المائلةِ» فإذا كان الشَّعرُ فوقَ الرَّأس ففيه نَهيٌ، أما إذا كان على الرَّقبةِ مثلًا، فإنَّ هذا لا بأسَ به، إلَّا إذا كانت المرأةُ ستخرُجُ إلى السُّوق، فإنَّ في هذه الحال يكونُ من التبرُّجِ؛ لأنَّه سيكونُ له علامةٌ من وراءِ العَباءة تظهَرُ، ويكونُ هذا من بابِ التبرُّجِ، ومن أسبابِ الفِتنةِ فلا يجوزُ.

لقدِ انتشرَتْ ظاهرةُ قصِّ شَعرِ الفَتاةِ إلى كتفَيْها للتَّجميلِ، ولُبسِ النِّعالِ المرتفعةِ كثيرًا، واستعمالِ أدواتِ التَّجميلِ المَعْروفةِ. فما حكمُ هذه الأعمالِ؟

قصُّ المرأةِ لشَعرِها إما أنْ يكونَ على وَجهٍ يُشبِه شَعرَ الرِّجالِ، فهذا مُحرَّمٌ، ومن كبائرِ الذُّنوب؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لعَـنَ المتشبِّهاتِ من النِّساءِ بالرِّجـالِ، وإما أنْ يكونَ على وَجهٍ لا يصِلُ به إلى التشبُّهِ بالرِّجالِ، فقد اختلَفَ أهلُ العِلمِ في ذلك إلى ثلاثةِ أقوالٍ: منهم مَن قال: إنَّه جائزٌ لا بأسَ به، ومنهم مَن قال: إنَّه مُحرَّمٌ، ومنهم مَن قال: إنَّه مكروهٌ، والمشهورُ من مذهبِ الإمامِ أحمدَ أنَّه مكروهٌ.

وفي الحقيقةِ أنَّه لا ينبغي لنا أنْ نتلقَّى كُلَّ ما ورَدَ علينا من عاداتِ غيرِنا، فنحن قبلَ زمنٍ غيرِ بعيدٍ نرَى النِّساءَ يتباهَيْنَ بكَثرةِ شُعورِ رُؤوسِهنَّ، وطُولِ شُعورِهنَّ، فما بالُهنَّ اليومَ يَرغَبْنَ تقصيرَ شَعرِ رُؤوسِهنَّ، ويَذهَبْنَ إلى هذا العملِ الذي أتانا من غَيرِ بلادِنا، وأنا لست أُنكِرُ كُلَّ شَيءٍ جديدٍ، ولكن أُنكِرُ كُلَّ شَيءٍ يؤدِّي إلى أن ينتقِلَ المجتمعُ إلى عاداتٍ مُتلقَّاةٍ من غيرِ المُسلمين.

وأما النِّعالُ المرتفعةُ، فلا تجوزُ إذا خرجتْ عن العادةِ، وأدَّت إلى التبرُّجِ وظهورِ المرأةِ، ولفتِ النَّظَر إليها؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:33]. فكُلُّ شيءٍ يكونُ به تبرُّجُ المرأةِ وظُهورُها وتميُّزُها من بين النَّساءِ على وَجهٍ فيه التَّجميلُ، فإنَّه مُحرَّمٌ، ولا يجوزُ لها.

وأما استعمالُ أدواتِ التَّجميـلِ فـلا بأسَ بـه إذا لم يكـن فيـه ضرَرٌ أو فِتنةٌ.

§§ ما حكمُ استِعمال الكُحْلِ للمَرأةِ؟

… الاكتحالُ نَوعانِ:

أحدُهُما: اكتحالٌ لتَقويةِ البَصَر، وجَلاءِ الغِشاوةِ منَ العَينِ، وتَنظيفِها وتَطهيرِها بدُونِ أنْ يكونَ له جمالٌ، فهذا لا بأسَ به، بل إنَّه مما ينبغي فِعلُه؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يكتحِلُ في عَينيهِ، ولاسيَّما إذا كان بالإثمدِ.

النَّوعُ الثاني: ما يُقصدُ به الجمالُ والزِّينة، فهذا للنِّساءِ مَطلـوبٌ؛ لأنَّ المرأةَ مَطلوبٌ منها أن تتجمَّلَ لزَوجِها.

وأما الرِّجالُ فمَحلُّ نَظَرٍ، وأنا أتوقَّفُ فيه، وقد يفرَّقُ فيه بين الشابِّ الذي يُخشى مـن اكتحالِه فِتنةٌ فيُمنعُ، وبـين الكبيرِ الذي لا يُخشى ذلك من اكتحالِه فلا يُمنَعُ.

 *

 تتجمَّلُ المرأةُ بحُدودٍ

§§ هل يجوزُ للمَرأةِ استعمالُ المكياج الصِّناعيِّ لزَوجِها؟ وهل يجوزُ أنْ تظهَرَ به أمامَ أهلِها وأمامَ نساءٍ مسلماتٍ؟

… تتجمَّلُ المرأةُ لزَوجِها في الحُدودِ المَشْروعةِ من الأمورِ التي ينبغي لها أنْ تقومَ بها؛ فإنَّ المرأةَ كُلَّما تجمَّلت لزَوجِها كان ذلك أدْعى إلى محبَّتِه لها، وإلى الائتـلافِ بينَهما، وهذا مـن مَقاصدِ الشَّريعةِ، فالمكيـاجُ إذا كان يجمِّلُها ولا يضُرُّها، فإنَّه لا بأسَ به ولا حرجَ.

ولكنِّي سمعتُ أنَّ المكياجَ يضُرُّ بَشرةَ الوَجهِ، وأنَّه بالتالي تتغيَّرُ به بَشرةُ الوَجهِ تغيُّرًا قبيحًا قبلَ زمنِ تغيُّرها في الكِبَرِ، وأرجو من النِّساءِ أنْ يسأَلْنَ الأطبَّاءَ عن ذلك. فإذا ثبَتَ ذلك، كان استعمالُ المكياجِ إما مُحرَّمًا أو مكروهًا على الأقلِّ؛ لأنَّ كُلَّ شَيءٍ يؤدِّي بالإنسانِ إلى التَّشويهِ والتَّقبيحِ، فإنَّه إما مُحرَّم وإما مكروهٌ.

وبهذه المناسبةِ أوَدُّ أن أذكُرَ مـا يُسمَّى بـ(المناكير)، وهو شيءٌ يُوضعُ على الأظفارِ تَستعمِلُه المـرأةُ وله قِشرةٌ، وهذا لا يجـوزُ استعمالُه للمرأةِ إذا كانت تُصلِّي؛ لأنَّه يَمنع وُصولَ الماءِ في الطِّهارة، وكُلُّ شَيءٍ يَمنَعُ وُصولَ الماءِ فإنَّه لا يجوزُ استعمالُه للمتوضِّئ أو المُغتسِل؛ لأنَّ الله يقولُ: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة:6]، ومَن كان على أظفارِها مناكيرُ، فإنَّها تَمنَعُ وُصولَ الماءِ، فلا يصدُقُ عليها أنَّها غَسَلت يدَها؛ فتكونُ قد تَرَكت فريضةً من فَرائضِ الوُضوءِ أو الغُسلِ، وأما مَن كانت لا تُصلِّي فلا حرَجَ عليها إذا استَعمَلَتْه إلَّا أنْ يكونَ هذا الفِعلُ من خَصائصِ نِساءِ الكُفَّار؛ فإنَّه لا يجوزُ لِما فيه من التشبُّه بهم.

ولقد سمعتُ أنَّ بعضَ الناسِ أفْتى بأنَّ هذا من جِنسِ لُبسِ الخُفَّين، وأنَّه يجوزُ أنْ تستعمِلَه المرأةُ لمدَّة يَومٍ وليلةٍ إن كانت مقيمةً، ومدَّة ثلاثةِ أيَّام إن كانت مسافرةً، ولكن هذه فتوَى غَلَط، وليس كُلُّ ما ستَرَ الناسُ به أبدانَهم يُلحَق بالخُفَّينِ، فإنَّ الخُفَّين جاءتِ الشَّريعة بالمَسْح عليهما للحاجةِ إلى ذلك غالبًا، فإنَّ القدَمَ مُحتاجةٌ إلى التَّدفئةِ، مُحتاجةٌ للسَّتر؛ لأنها تُباشر الأرضَ والحَصى والبُرودة وغيرَ ذلك، فخصَّصَ الشارعُ المسحَ بهما. وقد يُدَّعى قياسُها على العِمامةِ وليس بصَحيحٍ؛ لأنَّ العِمامةَ محلُّها الرَّأس، والرَّأس فرضُه مُخفَّف من أصلِه، فإنَّ فريضةَ الرَّأس هي المسحُ بخِلافِ الوجهِ، فإنَّ فريضتَه الغَسلُ، ولهذا لم يُبِحِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم للمَرأةِ أنْ تمسحَ القُفَّازينِ مع أنَّهما يَستُرانِ اليدَ.

وفي الصَّحيحيِن من حديثِ المُغيرة بنِ شُعبة: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم توضَّأ وعليه جُبَّة ضيِّقةُ الكُمَّين، فلم يستطِعْ إخراجَ يَديهِ، فأخرجَ يَديهِ من تحتِها فغَسَلها» فدلَّ هذا على أنَّه لا يجوزُ للإنسانِ أن يقيسَ أيَّ حائلٍ يمنعُ وُصولَ الماءِ على العِمامةِ وعلى الخُفَّين.

والواجبُ على المسلمِ أن يبذُلَ غايةَ جَهدِه في معرفةِ الحقِّ، وألَّا يُقدِم على فَتوى إلَّا وهو يشعُرُ أنَّ الله تعالى سائلُه عنها؛ لأنَّه يُعبِّر عن شريعةِ الله عز وجل.

§§ ما حُكم لُبسِ الملابسِ الضيِّقة والبَنطلون للمرأةِ؟

… الملابسُ الضيِّقةُ للمرأةِ ولُبس البَنطلون لها غيرُ لائقٍ، فإنْ كان يراها غيرُ محارمِها فـلا شكَّ في تحريمِه؛ لأن في ذلك فِتنةً عظيمةً. وقد جـاء عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «صِنْفانِ من أهْلِ النَّارِ لم أرَهُما بعدُ، نِساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مُميلاتٌ» إلى آخرِ الحديثِ، وقد فسَّر بعضُ أهلِ العلمِ معنى الكاسياتِ العارياتِ بأنَّها المرأةُ تلبَسُ ثيابًا، لكـنَّها لا تسـتُرُها سـترًا كاملًا، إما لضِيقها، وإما لخِفَّتها، وإما لقِصَرِها، وعلى هذا فعلى المرأةِ أنْ تَحترِزَ من ذلك.

 *

 لُبس الجينز ليس من التشبُّه

§§ يُوجدُ نَوعٌ من القُماش يُسمَّى الجينز يُفصَّل بطُرُق مُختلفةٍ لملابسِ الأطفالِ بنينَ وبناتٍ يمتازُ بالمتانةِ، والإشكالُ أنَّ هذه الخامةَ يلبَسُها الكُفَّار وغيرُهم بطريقـةِ البَنطلون الضيِّق وهو مشهورٌ ومَعـروفٌ، والسُّؤال: هل استعمالُ هذا القُماش بأشكالِه المختلفةِ غيرِ البَنطلون الضيِّق بمَعنى استعمالِه لمتانتِه وجَودتِه هل يدخُلُ في التشبُّه؟

… التشبُّه معناه هو أن يقومَ الإنسانُ بشيءٍ يختصُّ بالمتشبَّه بهم، فإذا استعمَلَ هذه القُماشة أو غيرَها على وَجهٍ يُشبِهُ لباسَ الكُفَّار، فقد دخَلَ في التشبُّه، أما مُجرَّد أنْ يكونَ لباسُ الكُفَّار من هذا القُماشِ، ولكن يُفصَّل على وَجهٍ آخرَ مُغايرٍ لملابس الكُفَّار، فإنَّ ذلك لا بأسَ به ما دام مُخالفًا لطريقةِ الكُفَّار حتى لو اشتَهروا بهذا القُماشِ، ما دام أنَّ الهيئةَ ليست على هيئةِ ما يلبَسُه الكُفَّار.

§§ نعلمُ أنَّ عمَّ المرأةِ من مَحارمِها الذين يجوزُ لها أن تَكشِفَ لهم. ولكن ماذا إذا كان عمُّ المرأةِ يمزحُ معها مِزاحًا فاحشًا، فهل يجوزُ لها ألَّا تُقابلَه بسببِ مِزاحِه الفاحشِ؟

… إذا كان العمُّ يُمازح بناتَ أخيه مُمازحةً مريبةً، فإنَّه لا يحِلُّ أنْ يأتينَ إليه، ولا أنْ يَكشِفنَ وُجوهَهُنَّ عنده؛ لأنَّ العُلماءَ الذين أباحوا للمَحرَم أنْ تَكشِفَ المرأةُ وَجهَها عندَه، اشتَرَطوا ألَّا يكونَ هناك فِتنةٌ، وهذا الرَّجُلُ الذي يُمازحُ بناتَ أخيه مِزاحًا قبيحًا مَعناه أنَّه يُخشى عليهِنَّ منه الفِتنةُ، والواجبُ البُعدُ عن أسبابِ الفتنةِ.

ولا تستغربُ أنَّ أحـدًا من الناسِ يُمكِنُ أنْ تتعلَّـقَ رغبتُه بمَحارمِه -والعياذُ باللهِ- وانظُرْ إلى التَّعبيرِ القُرآنيِّ، قال تَعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلا} [النساء:22]، وقال في الزِّنا: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلا} [الإسراء:32]، وهذا يدُلُّ على أنَّ نِكاحَ ذواتِ المحارمِ أعظمُ قُبحًا من الزِّنا.

وخُلاصةُ الجوابِ: أنَّه يجبُ عليهِنَّ البُعدُ عـن عَمِّهن، وعدمُ كشفِ الوُجهِ له، ما دُمْن يَرَيْن منه هذا المِزاحَ القبيحَ المُوجِبَ للرِّيبةِ.

 *

 تَصفيفُ الشَّعر

§§ هل يجوزُ للمَرأةِ أنْ تُصفِّفَ شعرَهـا بالطريقةِ العَصريـَّةِ، وليس الغرضُ التشبُّهَ بالكافراتِ ولكن للزَّوجِ؟

… الذي بلَغَني عن تَصفيفِ الشَّعر أنَّه يكون بأُجْرَةٍ باهظةٍ كثيرةٍ قد تصفُها بأنَّها إضاعةُ مالٍ، والذي أنصحُ به نساءَنا أن يتجنَّبْنَ هذا التَّرفَ، وللمرأةِ أنْ تتجمَّلَ لزَوجِها على وَجهٍ لا يَضيعُ به المالُ هذا الضَّياعَ؛ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهى عن إضاعةِ المالِ.

§§ ما حُكمُ قـيامِ بعضِ النِّساء بأخذِ الموديلاتِ من مِجلَّات الأزيـاءِ إذا كان ذلك بـدُون قَصدِ اتِّباع الموضةِ، ومُسايـرة الغربِ، هل يُعدُّ هذا تشبُّهًا بالكافراتِ، مع أنَّ النِّساء يلبَسْنَ ما يُنتجِه الغَربُ من ملابسَ وغيرِ ذلك؟

… اطَّلعتُ على كثيرٍ من هذه المِجلَّات فأَلفَيتُها مِجلاتٍ خليعةً فظيعةً خبيثةً، حقيقٌ بنـا ونحن في المملكةِ العربيـةِ السُّعوديةِ، الدَّولةِ التي لا نعلمُ -ولله الحمدُ- دولةً تُماثِلُها في الحفاظِ على شَرعِ اللهِ، وعلى الأخلاقِ الفاضلةِ. إنَّنا نُريدُ أن نربأَ -ونحن في هذه الدَّولةِ- أن تُوجدَ مِثلُ هذه المِجلَّات في أسواقِنا، وفي مِحلَّات الخياطةِ؛ لأنَّ منظرَها أفظعُ من مَخبَرِها، ولا يجوزُ لأيِّ امرأةٍ أو أيِّ رَجُل أنْ يشتريَ هذه المِجلَّات أو ينظُرَ إليها أو يراجِعَها؛ لأنَّها فِتنةٌ. قد يشتريها الإنسانُ وهو يظُنُّ أنَّه سالمٌ منها، ولكن لا تزالُ به نفسُه والشَّيطان حتى يقعَ في فَخِّها وشَرَكِها، ويختارُ ممَّا فيها من أزياءَ لا تتناسبُ مع البيئةِ الإسلاميةِ. وأحذِّر جميعَ النساءِ والقائمين عليهِنَّ من وُجودِها في بُيوتِهم؛ لِما فيها من الفِتنةِ العظيمةِ، والخطرِ على أخلاقِنا ودينِنا.

 *

 طَبَقات غِطاءِ الوَجهِ

§§ منَ المعلومِ أنَّ الغِطاءَ الذي تستخدِمُه المرأةُ على وَجهِها ينقسِمُ إلى عدَّةِ طَبَقات، فكم طبقةٍ من غِطاءِ الوَجهِ ينبغي أنْ تضعَ المرأةُ على وجهِها؟

… الواجبُ على المرأةِ أن تستُرَ وجهَها عن الرِّجالِ غيرِ المحارمِ لها، بأنْ تَستُرَه بسِترٍ لا يصفُ لَـونَ البَشَرة، سواءٌ كان طبقةً أم طبقتينِ أم أكثرَ، فإنْ كان الخمارُ صَفيقًا لا تُرى البَشَرة من خلاله كفى طبقةٌ واحدةٌ، وإنْ كانت لا تكفي زادتِ اثنتَينِ أو ثلاثًا أو أربعًا، والمهمُّ أن تستُرَه بما لا يصِفُ اللَّون؛ فأما ما يصِفُ اللَّونَ، فإنَّه لا يَكفي كما تفعلُه بعض النِّساء، وليس المقصودُ أنْ تضعَ المرأةُ شيئًا على وَجهِها، بل المقصودُ سَترُ وَجهِها فلا يَبِين لغير مَحارمِها.

وعلى النِّساء أنْ يتَّقِين اللهَ في أنفسِهنَّ، وفي بناتِ مجتمعِهنَّ، فإن المرأةَ إذا خرجت كاشفةً، أو شبهَ كاشفةٍ اقتدتْ بها امرأةٌ أخرى، وثالثةٌ، وهكذا حتى ينتشرَ ذلك بين النِّساءِ، وقد ثبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «مَن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيِّئةً، فعليه وِزرُهـا ووِزرُ مَـن عمِلَ بها إلى يَوم القيامةِ»، وبـلادُنا -والحمدُ لله- بلادٌ مُحافظةٌ على دينِها في عباداتِها وأخلاقِها، ومُعاملاتِها، وهكذا يجبُ أن تكونَ، فإنَّها -والحمدُ لله- هي البلادُ التي خرَجَ منها نورُ الإسلامِ وإليها يرجِعُ، فالواجبُ علينا المحافظةُ على دينِنا وسُلوكِنا وأخلاقِنا المتلقَّاةِ من شَريعتنِا حتى نكونَ خيرَ أُمَّة أُخرجت للنَّاس.

وعلينا ألَّا نأخُذَ بكل جديدٍ يرِدُ إلينا من خارجِ بلادنا، بل يُنظر في هذا الجديدِ إن كان فيه مصلحةٌ، وليس فيه مَحذورٌ شرعيٌّ، فإنَّنا نأخذُ به، وإن كان فيه مَحذورٌ شرعيٌّ، فإنَّنا نرفضُه ونُبعدُه عن مُجتمعِنا؛ حتى نبقى مُحافظين على دينِنا وأخلاقِنا ومُعاملاتِنا.

 *

 استِخدامُ السَّحَّاب للمَرأةِ

§§ اعتـادت بعضُ النِّساء أنْ يَضَعنَ فُتحةً في الظَّهرِ، وهي مـا يُسمَّى (بالسَّحَّاب) تفتحُه إذا أرادت لُبسَ الثَّوب، فما حُكمُ هذا العملِ؟

… لا أعلمُ بأسًا أنْ يكونَ السَّحَّاب أي -الجَيبُ- من الخَلفِ إلَّا أنْ يكونَ ذلك من بابِ التشبُّه، ولكنه أصبحَ اليومَ شائعًا وكثيرًا بين المسلمينَ حتى إنَّه كثُرَ بالنِّسبة للصِّغار.

والأصلُ في غير العِباداتِ الحِلُّ، فالعاداتُ والمعاملاتُ والمآكِلُ وغيرُها الأصلُ فيها الحِلُّ، إلَّا ما قام الدَّليلُ على تحريمِه، بخلافِ العباداتِ، فإنَّ الأصلَ فيها المنعُ والحَظرُ، إلَّا ما قام الدَّليلُ على مَشروعيَّتِه.

 *

 لا تكشف المرأةُ في الحَرَم

§§ تتساءل كثيرٌ من النِّساء عن حُكمِ كشفِ الوَجهِ في الحَرَم، وذلك أنَّهن قد سَمِعنَ عن البعضِ قولَه بجوازِ كشفِ المرأةِ وجهَها في الحَرَم وحالَ العُمرةِ، فما هو القولُ الفَصلُ في هذه المسألةِ؟

… القولُ الفصلُ أنَّه لا يجوزُ للمرأةِ أنْ تكشِفَ وجهَها لا في المسجدِ الحرامِ، ولا في الأسواقِ، ولا في المساجدِ الأخرى، بل الواجبُ عليها إذا كان عندَها رجالٌ غيرُ محـارِم أن تستُرَ وجهَها؛ لأن الوجهَ عَـورةٌ في النَّظَر، فإنَّ النُّصوص من كتاب اللهِ، وسُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم والنَّظَر الصَّحيح كُلُّها تدُلُّ على أنَّ المرأةَ يجبُ أن تستُرَ وجهَها عن الرِّجال غيرِ المحارم؛ لما في كشفِه من الفِتنةِ، وإثارةِ الشَّهوة.

ولا يليقُ بها أن تغترَّ بما تفعَلُه بعضُ النِّساء من التهتُّك وتركِ الحِجابِ، فتكشِفَ عن وَجهِها وشَعرِها ورَقَبتِها وذِراعَيها ونَحرِها، وتمشيَ في الأسواقِ كأنَّما تمشي في بيتِها.

فعليها أن تتَّقيَ اللهَ في نفسِها وفي عبادِ اللهِ عز وجل، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «ما تركتُ بَعدي فِتنةً أضرَّ على الرِّجالِ من النِّساءِ».

وأما المُحْرِمـة بحجٍّ أو عُمرةٍ، فالمشروعُ لها كشـفُ الوَجـهِ في البيتِ والخَيمةِ، ويجبُ عليها أن تستُرَه إذا كان حولَها رجالٌ ليسوا من مَحارمِها، سواءٌ كانت في المسجدِ أو غيرِه.

 *

 الملابسُ القصيرةُ

§§ في بعض البلادِ الإسلاميةِ تنتشِرُ ظاهرةُ لُبس الفُستانِ إلى الرُّكبةِ، حتى إنَّ بعضَهنَّ يرتفعُ فُستانُها عن الرُّكبة قليلًا تساهُلًا منهن، فما حُكمُ ذلك؟ وما هي نصيحتُكم لمن لا تُبالي بالحجابِ؟

… إخراجُ المرأةِ ساقَها لغيرِ مَحارمِها مُحرَّمٌ، وإخراجُ وجهِها لغيرِ مَحارمِها مُحرَّمٌ أشدُّ؛ لأنَّ افتتانَ الناسِ بالوُجوهِ أعظمُ من افتتانِهم بالسِّيقانِ.

وقد دلَّ الكتابُ والسُّنَّة على وُجوبِ الحِجابِ، وقد بيَّناه في رسالةٍ لنا سمَّيناها (رسالةُ الحجابِ) وهي رسالةٌ مختصرةٌ، وما ورَدَ من الأحاديثِ التي ظاهرُها الجوازُ، فإنَّنا قد أجَبْنا عنها بجوابينِ: أحدُهما مُجملٌ، والثاني مُفصَّل عن كُلِّ دليلٍ قيلَ: إنَّه دالٌّ على جَوازِ كشفِ الوَجهِ.

ونَصيحتي للنِّساء اللاتي يلبَسْنَ فَساتينَ قصيرةً إلى الرُّكبةِ أو فوقَها أنْ يتَّقينَ اللهَ في أنفُسِهنَّ، وفي مُجتمعِهنَّ، وألَّا يكُنَّ سببًا في انتشارِ هذه الظاهرةِ السيِّئةِ، فقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً فعليه وِزرُها ووِزرُ مَن عمِلَ بها إلى يَوم القيامةِ».

 *

 المقصودُ بالمِشطةِ المائلةِ

§§ قال الرسولُ صلى الله عليه وسلم: «صِنفانِ من أهلِ النَّار لم أرَهُما، قومٌ معهم سياطٌ كأذنابِ البَقَر يَضرِبون بها الناسَ، ونِساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كأسنِمةِ البُختِ المائلةِ، لا يدخُلنَ الجنَّةَ ولا يجِدْنَ ريحَها، وإنَّ ريحَها لَيوجدُ من مسيرةِ كذا وكذا»، والمطلوبُ ما مَعنى (مُميلاتٌ)؟ وهل من ذلك النِّساء الـلاتي يَتمشَّطنَ المِشطةَ المـائلةَ أم المقصودُ منها النِّساءُ الـلاتي يَمِلْنَ للرِّجالِ؟

… هذا الحديثُ قال فيه الرسولُ صلى الله عليه وسلم: «صِنفانِ من أهلِ النَّار لم أرَهُما» فذكر صِنفًا، وقال عن الصِّنف الثاني: «نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كأسنِمةِ البُخت المائلةِ، لا يدخُلنَ الجنَّةَ ولا يجِدْنَ ريحَها، وإنَّ ريحَها لَيوجدُ من مسيرةِ كذا وكذا» والمائلةُ بالمعنى العامِّ كُلُّ مائلةٍ عن الصِّراطِ المستقيم، بلباسِها أو هَيئتِها أو كلامِها أو غيرِ ذلك، والمميلاتُ: اللاتي يُمِلْن غيرَهنَّ، وذلك باستعمالِهنَّ لِما فيه الفِتنةُ، حتى يميلَ إليهنَّ مَن يميلُ من عبادِ الله.

وأما المِشطةُ المائلةُ فقد ذكَرَ بعضُ أهلِ العِلمِ أنَّها تدخُلُ في ذلك؛ لأنَّ المرأةَ تُمِيلُها، والسُّنَّة خِلافُ ذلك، ولهذا ينبغي للنِّساء أنْ يتَجنَّبنَ هذه المِشطةَ؛ لاحتمالِ أن يكُنَّ داخلاتٍ في الحديثٍ، والأمرُ ليس بالهيِّنِ حتى تتهاونَ المرأةُ به، فالأحسنُ والأوْلى أن يدعَ الإنسانُ ما يريبُه إلى ما لا يريبُه، والمِشطات كثيرةٌ، وفيها غِنًى عن المِشطِ الُمحرَّم.

 *

 خَلوة المرأةِ بالسَّائق

§§ بعضُ الناسِ يُرسِلون بناتَهم للمدارسِ ولغَيرِها مع سَائقين أجانبَ، ولا ينظُرون إلى نتائجِ هذه الأعمالِ، فأرجو نُصحَهم؟

… هذا العملُ لا يخلو من حالينِ:

الأُولى: أنْ يكونَ الراكبُ مع السائقِ عدَّةُ نساءٍ بحيث لا ينفردُ بواحدةٍ منهنُّ، فلا بأسَ به إذا كان داخلَ البلدِ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يخلُوَنَّ رجُلٌ بامرأةٍ»، وهذه ليست بخَلوةٍ، بشرطِ الأمانةِ في السَّائق، فإذا كان غيرَ مأمونٍ فلا يجوزُ أن ينفردَ مع النِّساءِ إلَّا بمَحرمٍ بالغٍ عاقلٍ.

الثانيةُ: أن يذهبَ بامرأةٍ واحدةٍ مُنفردًا فلا يجوزُ ولو دقيقةً واحدةً؛ لأنَّ الانفرادَ خَلوةٌ. والرسولُ صلى الله عليه وسلم نَهى عن ذلك بقولِه: «لا يخلُوَنَّ رجُلٌ بامرأةٍ»، وأخبَرَ أنَّ الشَّيطان ثالثُهما. وعلى ذلك لا يحِلُّ لأولياءِ أُمور النِّساءِ تركُهنَّ مع السَّائقين على هذه الحالِ، كما لا يحِلًّ لها أن تركَبَ بنَفسِها معه بدُون مَحرَمٍ لها؛ لأنَّه معصيةٌ للرسولِ صلى الله عليه وسلم، وبالتالي هو معصيةٌ لله تعالى؛ لأنَّ مَن أطاع الرسولَ صلى الله عليه وسلم فقد أطاعَ الله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء:80]، وقال تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا} [الأحزاب:36]، فعلينا -إخوةَ الإسلامِ- أن نكونَ طائعينَ لله مُمتثلينَ لأمرِه وأمرِ رسولِه صلى الله عليه وسلم؛ لما في ذلك من المنفعةِ العظيمةِ والعاقبةِ الحميدةِ، وعلينا -معشرَ المسلمينَ- أن نكونَ غَيورينَ على مَحارمِنا، فلا نُسلِّمُهنَّ إلى الشَّيطان يلعبُ بهنَّ، فالشَّيطان يجُرُّ إلى الفِتنة والغَوايةِ.

وإنِّي أحذِّر إخواني من الغفلةِ وعدمِ المبالاةِ، لما فتَحَ الله علينا من زَهرةِ الدُّنيا، ولننتبِهَ لهذه الآيةِ التي يقولُ اللهُ فيها: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَال } [الواقعة:41-46]، ولنتذكَّرَ قولَه تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه } [الانشقاق:10-13].

§§ هل قصُّ المرأةِ لأطرافِ شَعرِها حرامٌ أم حلالٌ؟

… قصُّ المرأةِ من شَعرِ رأسِها إنْ كان في حجٍّ أو عُمرةٍ فهو نُسُك يُقرِّبُها إلى اللهِ، وتُؤجَر عليه؛ لأنَّ المرأةَ إذا حجَّت أو اعتمَرَت تُقصِّر من شَعرِها قدرَ أُنملةٍ لكُلِّ جَديلةٍ.

أما إن كانت في غير حجٍّ أو عُمرةٍ، وقصَّت من شَعرِها حتى أصبح كهيئةِ شَعرِ الرَّجُل فإنه مُحرَّم، بل هو من الكبائرِ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: «لعَنَ المتشبِّهاتِ من النِّساءِ بالرِّجالِ، ولعَنَ المتشبِّهين من الرِّجالِ بالنِّساءِ».

وإنْ كان القصُّ من أطرافِه، وبَقِي على هيئتِه هيئةِ رأسِ امرأةٍ؛ فإنه مَكروهٌ على ما صرَّح به فُقهاءُ الحنابلةِ رحمهم الله. وعلى هذا فلا ينبغي للمرأةِ أن تفعلَ ذلك.

§§ ما حُكمُ تقصيرِ الشَّعر من الخَلفِ إلى الكَتِفينِ للمرأةِ؟

… تقصيرُ الشَّعر للمرأةِ كرِهَه أهلُ العِلمِ، وقالوا: إنه يُكرَه للمرأةِ قصُّ شَعرِها إلَّا في حجٍّ أو عُمرةٍ، وهذا هو المشهورُ في مذهبِ الحنابلةِ -رحمهمُ الله تعالى-.

وبعضٌ مِن أهلِ العِلمِ حرَّمه، وقال: إنَّه لا يجوزُ. والبعضُ الآخرُ أباحَه بشرطِ ألَّا يكونَ فيه تشبُّهٌ بغيرِ المُسلماتِ، أو تشبُّهٌ بالرِّجال. فإنَّ تشبُّهَ المرأةِ بالرَّجُل مُحرَّم، بل من كبائرِ الذُّنوب؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: «لعَنَ المتشبِّهاتِ من النِّساء بالرِّجال، والمتشبِّهين من الرِّجالِ بالنِّساءِ».

فتشبُّهُ الرِّجالِ بالنِّساءِ والنِّساءِ بالرِّجالِ من كبائرِ الذُّنوب. فإذا جعلتِ المرأةُ رأسَها مُشابهًا لرأسِ الرَّجُل، فإنَّها داخلةٌ في اللَّعنِ والعياذُ بالله، واللعنُ هو الطَّردُ والإبعادُ عن رحمةِ الله.

وأما التشبُّه بغيرِ المسلماتِ، فقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَن تشبَّه بقَومٍ فهو منهم».

والأَوْلى ألَّا تقُصَّه لا من الأمامِ، ولا من الخَلفِ؛ لأنَّني لا أُحبُّ أن تكونَ نساؤُنا تتلقَّى كلَّ واردٍ جديدٍ من العاداتِ والتَّقاليد التي لا تفيدُ؛ لأنَّ انفتاحَ صُدورِنا لتلقِّي مثلِ هذه الأُمور قد يؤدِّي إلى ما لا تُحمدُ عُقباه، من التوسُّع في أُمورٍ لا يُبيحُها الشَّرع، قد يؤدِّي إلى تبرُّج بالزِّينةِ كما تبرَّجتِ النّساءُ في أماكنَ أخرى، وقد يؤدِّي إلى أنْ تكشِفَ المرأةُ وجهَها، وكشفُ وجهِها للأجانبِ حرامٌ.

§§ هل يجوزُ صبغُ الشَّعر الأبيضِ بالصَّبغ الأسوَدِ؟

… تغييرُ الشَّيب بالأسودِ حرامٌ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ باجتنابِه قال: «غَيِّروا هذا الشَّيبَ واجتَنِبوا السَّواد».

ولقد ورَدَ الوعيدُ الشَّديدُ على مَن يَصبغُ بالسَّواد، وهذا يقتضي أنْ يكونَ من كبائرِ الذُّنوب. فالواجبُ على المسلمِ والمسلمةِ تجنُّبُ ذلك لِما فيه من النَّهي والوعيدِ؛ ولأنَّ فيه مُضادَّة لخَلقِ الله؛ فإنَّ هذا الشَّيب جعَلَه اللهُ عَلامةً على الكِبَر في الغالبِ، فإذا عكستَ ذلك بصَبغِه بالسَّواد كان فيه المُضادَّة لحكمةِ اللِه في خَلقِه، ولكن ينبغي تغييرُه بغير السَّوادِ كالحُمرة والصُّفرة، وكذلك باللَّونِ الذي يكون بين الحُمرة والسَّوادِ، مثلُ أنْ يكونَ الشَّعر أدهمَ، فإنَّ هذا لا بأسَ به، وبه يحصلُ الخيرُ باتِّباع السُّنَّة، وتجنُّبِ نَهي الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم.

 *

 أساليبُ متنوِّعةٌ للتجميلِ

§§ ما حُكمُ الوَشم؟ وإذا وُشمت البنتُ وهي صغيرةٌ فهل عليها إثمٌ؟

الوَشمُ مُحرَّم بل إنَّه من كبائرِ الذُّنوب؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لعَنَ الواشمةَ والمُستوشِمةَ، وإذا وُشِمتِ البنتُ وهي صغيرةٌ، ولا تستطيعُ منعَ نفسِها عن الوَشمِ، فلا حرَجَ عليها، وإنَّما الإثمُ على مَن فعَلَ ذلك بها؛ لأنَّ اللهَ لا يُكلِّف نفسًا إلُّا وُسعها، وهذه البنتُ لا تستطيعُ التَّصرُّف، ولكن تُزيلُه إن تمكَّنَت من إزالتِه بلا ضَرَرٍ عليها.

§§ ما حُكمُ حُمرةِ الشِّفاه والمكياج للمَرأةِ؟

… تحميرُ الشِّفاهِ لا بأسَ به؛ لأنَّ الأصلَ الحِلُّ حتى يتبيَّن التَّحريمُ، وهذا التَّحميرُ ليس بشَيءٍ ثابتٍ حتى نقولَ: إنَّه من جِنسِ الوَشم، والوَشمُ غَرزُ شَيءٍ من الألوانِ تحت الجِلد، وهو مُحرَّمٌ بل من كبائرِ الذُّنوبِ.

ولكن التَّحميرَ إنْ تبيَّن أنَّه مُضرٌّ للشَّفة، يُنشِّفها ويُزيلُ عنها الرُّطوبةَ والدُّهنيةَ، فإنَّه في مثلِ هذه الحالِ يُنْهى عنه، وقد أُخبرت أنه ربَّما تَنفطِر الشِّفاه منه، فإذا ثبَتَ هذا، فإنَّ الإنسانَ مَنهيٌّ عن فِعلِ ما يضُرُّه.

وأما المكياجُ فإنَّنا نَنهى عنه وإن كان يزيِّنُ الوَجهَ ساعةً من الزَّمان، لكنَّه يضُرُّه ضررًا عظيمًا، كما ثبَتَ ذلك طِبيًّا؛ فإن المرأةَ إذا كَبِرت في السِّنِّ تغيَّر وجهُها تغيُّرًا لا ينفعُ معه المكياجُ ولا غيرُه، وعليه فإننا ننصحُ النِّساءَ بعدمِ استعمالِه؛ لما ثبَتَ فيه من الضَّرَر.

§§ ما حُكمُ تَخضيبِ اليَدينِ بالنِّسبةِ للمَرأة بالحِنَّاء. وهل ورَدَ ذلك عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ وما الحُكمُ لو شَمِل ذلك باطنَ الكفِّ دونَ الأظافرِ؟

… الخِضابُ بالحِنَّاء في اليَدينِ مما تعارَفت عليه النِّساءُ، وهو عادةٌ اتُّخذت للزِّينة، وما دام فيها جمالٌ للمرأةِ فالمرأةُ مَطلوبٌ منها التَّزيُّن لزَوجِها، سواءٌ شَمِل ذلك الأظافِرَ أو لم يشمَلْها.

أما المناكيرُ للمَرأةِ التي ليست حائضًا فهي حرامٌ؛ لأنَّها تمنعُ وُصولَ الماءِ إلى البَشَرة في الوُضوءِ، إلَّا إذا كانت تُزيلُه عندَ الوُضوء.

 *

 حديثُ المَرأةِ مع الرِّجال

§§ هل صوتُ المرأةِ حرامٌ للدَّرجةِ التي لا تكلِّمُ فيها أصحابَ الدَّكاكين بالسُّوق، لشِراءِ حاجتِها بدون تَنعيمٍ أو تَمييعٍ للصَّوت، وكذلك تَخييطُ ثيابِها عند الخيَّاط في احتشامٍ؟

… كلامُ المرأةِ ليس بحرامٍ وليس بعَورةٍ، ولكن إذا ألانتِ القولَ، وخضَعَت به، وحكَت على شكلٍ يحصُلُ به الفِتنةُ، فذلك هو المُحرَّم؛ لقوله تعالى: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} [الأحزاب:32]. فلم يقُلِ اللهُ تعالى: فلا تُكلِّمْنَ الرِّجالَ، بل قال: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}، والخُضوعُ بالقَولِ أخصُّ من مُطلَق الكَلام.

إذَنْ فكلامُ المرأةِ للرَّجُل إذا لم يحصُلْ به فِتنةٌ فلا بأسَ به، فقد كانتِ المرأةُ تأتي إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فتكلِّمُه فيسمعُ الناسُ كلامَها، وهي تكلِّمُه وهو يرُدُّ عليها، وليس ذلك بمُنكَرٍ. ولكن لا بُدَّ ألَّا يكونَ في هذه الحالِ خَلوةٌ بها إلَّا بمَحرَمٍ، وعدمِ فِتنةٍ، ولهذا لا يجوزُ للرَّجُل أن يستمتِعَ بكلامِها، سواءٌ كان ذلك استمتاعًا نفسيًّا، أم استمتاعًا جنسيًّا، إلا أن تكونَ زوجتَه.

§§ هل إظهارُ المرأةِ يدَها حَرامٌ؟

… المشهورُ من مذهبِ الحنابلةِ أنَّ كَفَّيِ المرأةِ كوَجهِها، لا يجوزُ إخراجُهما أمام الرِّجالِ غيرِ المحارمِ، وهذا هـو ظاهـرُ فِعـلِ النِّسـاءِ في عهـدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، أعني: سترَ الكَفَّين.

ووجهُ ذلك أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال في المُحرِمة: «لا تَنْتقِبْ ولا تَلبَسِ القُفَّازينِ»، فإنَّ نهيَه للمُحْرِمة أن تلبسَ القُفَّازينِ يُشعِر بأنَّ ذلك من عادةِ النِّساء. وإلَّا لما كان لنهيِ المُحرِمة عن ذلك محلٌّ، ولو لم تكن عادةُ النِّساءِ في عهده صلى الله عليه وسلم لُبسَ القُفَّازين لم يَنهَ عن ذلك حالَ الإحرامِ.

فعلى المرأةِ أن تتَّقيَ الله عز وجل، ولا تظهَرَ بمظهَرٍ تحصُلُ به الفِتنةُ منها وفيها. قال سبحانه وتعالى لنِساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أطهرِ النِّساء: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:33]، وقـال اللهُ تعالـى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب:53].

فإذا قال قائلٌ: هذا خاصٌّ بزَوجاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قُلنا: إنَّ طهارةَ القلبِ مطلوبةٌ لنساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهنَّ، فكونُ الحجابِ يحصلُ به طهارةُ القَلبِ للرِّجال والنِّساء يدُلُّ أنَّه لا فرقَ بين زَوجاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهنَّ.

واعلَمْ أنَّ الحجابَ عندَ بعضِ الناسِ هو أنْ تُغطِّي المرأةُ جميعَ بدَنِها إلَّا وجهَها، والحقُّ الذي تدُلُّ عليه الأدِلَّة ويقتضيه النَّظَر كما يقتضيه الأثَرُ أنَّه لا بُدَّ أن تغطِّي المرأةُ وجهَها؛ لأنَّ الوجهَ هو محلُّ الفِتنةِ ومَحلُّ الرَّغبة، ولا أحدَ يشُكَّ أنَّ مطلبَ الرِّجالِ أوَّلًا هو جمالُ الوجهِ للمَرأةِ دون بقيَّةِ الأعضاءِ.

فلتتَّقِ اللهَ، ولْتحتشِمْ، ولْتبتعِدْ عن الفِتنةِ، ولْتستُرْ وجهَها؛ حتى لا يحصُلَ الشرُّ والفسادُ.

§§ بعضُ الناسِ اعتادوا إلباسَ بناتِهم ألبسةً قصيرةً، وألبسةً ضيقةً تبيِّن مفاصلَ الجسمِ، سواءٌ كانت للبناتِ الكبيراتِ أو الصغيراتِ. أرجو توجيهَ نصيحةٍ لمثلِ هؤلاء.

… يجبُ على الإنسانِ مُراعاةُ المسؤوليةِ، فعليه أن يتَّقي اللهَ ويمنعَ كافَّةَ مَن له ولايةٌ عليهنَّ من هذه الألبسةِ، فقد ثبتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صِنفانِ من أهلِ النارِ لم أرَهُما بعدُ...» وذكَرَ: «نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ، رُؤوسُهنَّ كأسنِمةِ البُختِ المائلةِ، لا يدخُلنَ الجنَّةَ ولا يجِدْنَ ريحَها». وهؤلاء النِّسوةُ اللاتي يستعمِلنَ الثِّيابَ القصيرةَ كاسياتٌ؛ لأن عليهنَّ كِسوةٌ، لكنَّهن عارياتٌ لظُهور عَوراتِهنَّ؛ لأنَّ المرأةَ بالنِّسبة للنَّظَر كلُّها عورةٌ، وَجهُها ويداها ورِجْلاها، وجميعُ أجزاءِ جسِمها لغيرِ المحارمِ.

وكذلك الألبسةُ الضيِّقةُ، وإنْ كانت كسوةً في الظاهرِ، لكنها عُرْيٌ في الواقعِ. فإنَّ إبانةَ مقاطعِ الجسمِ بالألبسةِ الضيِّقة هو تَعَرٍّ. فعلى المرأةِ أن تتَّقيَ ربَّهـا ولا تُبيِّنَ مفاتنَهـا، وعليها ألَّا تخرُجَ إلى السُّـوقِ وهي مُتبذِّلةٌ لابسـةٌ ما لا يُلفت النَّظَر، ولا تكون مُتطيِّبةً؛ لئلا تجُرَّ الناسَ إلى نفسِها.

وعلى المرأةِ المسلمةِ ألَّا تخرُجَ من بيتِها إلَّا لحاجةٍ لا بُدَّ منها، ولكن غيرَ مُتطيِّبةٍ، ولا مُتبرِّجةٍ، وبدون مِشية خُيلاءَ، وليُعلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما تركتُ بعدَي فِتنةً أضرَّ على الرِّجالِ مِن النِّساءِ»، ففتنةُ النِّساءِ عظيمةٌ لا يكاد يسلَمُ منها أحدٌ، وعلينا نحن -معشرَ المسلمين- ألَّا نتَّخذَ طُرُقَ أعداء الله من يهودٍ ونصارى وغيرِهم، فإنَّ الأمرَ عظيمٌ.

وكما ورَدَ عنه صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله لَيُمْلي للظَّالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْه»، وتلا قولَه تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد} [هود:102] ، وإنَّ أخذَه تبارك وتعالى إذا أخَذَ فإنَّه أخذُ عزيزٍ مُقتدرٍ، ويقولُ تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين} [الأعراف:183].

وإنَّ أُولئك الدُّعاةَ الذين يدعُون إلى السُّفورِ والاختلاطِ لفي ضلالٍ مُبينٍ، وجـهلٍ عظيمٍ؛ لمخالفتِهم إرشاداتِ اللهِ ورسولِـه صلى الله عليه وسلم، وهم يجهَلـون أو يتجاهَلون مـا حـلَّ بالأُمم التي ابتُليت بهذا الأمـرِ، وهمُ الآن يُريـدون التخلُّصَ من هذه المُصيبةِ، وأنَّى لهم ذلك؟ فقد أصبح عادةً لا تُغيَّر إلَّا بعدَ جُهدٍ عظيمٍ.

§§ من المُشاهَـد أنَّ بعضَ الناسِ يتشـدَّد على بناتِـه الصِّغار، حتى إنَّ بعضَهم يُلزم ابنتَه بلُبس الخمارِ وعمرُها أربعُ سنواتٍ، ويقولُ: مَن شَبَّ على شيءٍ شاب عليه، ويحاولُ فرضَ ذلك على جميع أُسرتِه. فما رأيُكم في هذا التشدُّد الذي يقيِّد طفلةً صغيرةً لا تفقَهُ شيئًا؟

… لا شكَّ أنَّ مَن شبَّ على شيءٍ شاب عليـه، ولهـذا أمرَ النبـيُّ صلى الله عليه وسلم بأمْرِ مَن بلغَ سبعَ سنين بالصَّلاةِ، وإن لم يكـن مُكلَّفًا؛ من أجل أن يعتادَ عليها.

لكن الطفلةَ الصَّغيرةَ ليس لعَورتِها حُكمٌ، ولا يجبُ عليها سترُ وَجهِها ورَقَبتِها، ويَديها ورِجْليها، ولا ينبغي إلزامُ الطِّفلة بذلك، لكن إذا بلغتِ البنتُ حدًّا تتعلَّق بها نُفوسُ الرِّجال وشَهواتُهم؛ فإنها تحتجبُ دَفعًا للفتنةِ والشَّرِّ، ويختلفُ هذا باختلافِ النِّساء، فإنَّ منهن مَن تكون سريعةَ النُّموِّ جيِّدةَ الشَّبابِ، ومنهن مَن تكون بالعكس.

§§ ما حُكمُ لُبس جواربَ لليدينِ؛ بقَصدِ إخفاءِ اليدِ وعدمِ خُروجِها أثناءَ مُخاطبة الرِّجال في الأسواقِ؟

… لُبس ما يسترُ اليَدينِ أمام الرِّجالِ الأجانبِ، وهو ما يُعرف بالقُفَّازينِ أمرٌ طيِّب، وينبغي للمرأةِ أنْ تلبَسَه حتى لا تتبيَّن كفَّاها، وربما يدلُّ قولُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم: «لا تَنْتَقِبِ المرأةُ المُحرِمة، ولا تلبَسِ القُفَّازينِ». رُبَّما يدُلُّ على أن النِّساءَ كان من عادتِهنَّ لُبسُ القُفَّازينِ، وأنه أسترُ للمرأةِ، وأبعدُ عن الفتنةِ، ولكن يجبُ أنْ يكونَ القُفَّازانِ غيرَ جميلينِ، بحيث لا يُلفِتانِ النَّظر مِن الرِّجال.

 *

 الوَجهُ محلُّ الفتنةِ

§§ لقدِ اختلف فُقهاءُ الإسلامِ في كثيرٍ من أحكامِ الفقهِ الإسلاميِّ، ومن الأحكامِ التي اختَلفوا فيها مسألةُ الحجابِ للمرأةِ، وهذا الاختلافُ في الآراءِ جاء تبعًا لاختلافِ النُّصوص المَرْويةِ في هذه المسألةِ. فما هو الحجابُ الشرعيُّ بالنِّسبة للمَرأة؟

… الحجابُ الشرعيُّ هو حجبُ المرأةِ ما يحرُمُ عليها إظهارُه، أي: سترُها ما يجب عليها سترُه، وأوْلى ذلك وأوَّله سترُ الوجهِ؛ لأنه محلُّ الفتنةِ ومَحطُّ الرَّغبة، فالواجبُ على المرأةِ أن تستُرَ وجهَها عمَّن ليسوا بمحارمِها، وأمَّا مَن زعم أنَّ الحجابَ الشرعيَّ هو سترُ الرأسِ والعُنُق والنَّحر والقَـدَم والسَّاق والذِّراع، وأباحَ للمرأةِ أن تُخرِج وجهَها وكَفَّيها، فـإنَّ هـذا من أعجبِ ما يكـونُ من الأقوالِ؛ لأنه من المعلومِ أن الرَّغبةَ ومحلَّ الفتنةِ هو الوَجهُ، وكيف يُمكن أن يُقال: إنَّ الشَّريعة تمنعُ كشفَ القَدَم من المرأةِ وتبيحُ لها أن تُخْرِج الوَجهَ؟ هذا لا يُمكِن أنْ يكونَ واقعًا في الشَّريعةِ العظيمةِ الحكيمةِ المطهَّرة من التَّناقُض.

وكلُّ إنسانٍ يعرفُ أنَّ الفتنةَ في كشفِ الوجهِ أعظمُ بكثيرٍ من الفتنةِ بكشفِ القَدَم، وكُلُّ إنسانِ يعرفُ أن محلَّ رَغبةِ الرِّجالِ في النِّساء إنَّما هي الوُجوه، ولهذا لو قيلَ للخاطبِ: إنَّ مخطوبتَك قبيحةُ الوجهِ ولكنَّها جميلةُ القَدَم ما أقدَمَ على خِطبتِها، ولو قيلَ له: إنَّها جميلةُ الوجهِ، ولكنْ في يَديها أو كَفَّيها أو ساقَيها نُزولٌ عن الجمالِ؛ لأقدَمَ عليها؛ فَعُلِمَ بهذا أن الوجهَ أوْلَى ما يجبُ حجابُه.

وهُناك أدلَّة من كتابِ اللهِ، وسُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وأقوالِ الصَّحابةِ، وأقوال أئمَّة الإسلامِ وعُلماء الإسلامِ تدُلُّ على وُجوب احتجابِ المرأةِ في جميع بدَنِها عمَّن ليسوا بمحارمِها، وتدُلُّ على أنه يجبُ على المرأةِ أن تستُرَ وجهَها عمَّن ليسوا بمحارمِها. وليس هذا موضعَ ذِكر ذلك. لكن لنا فيه رسالةٌ مختصرةٌ قليلةُ اللفظِ كثيرةُ الفائدةِ.

§§ بماذا تنصَحون مَن يمْنَع أهلَه من الحجابِ الشرعيِّ؟

… إنَّنا ننصحُه أن يتَّقيَ اللهَ عز وجل في أهلِه، وأن يحمدَ اللَه عز وجل الذي يسَّر له مثلَ هذه الزَّوجةِ، الَّتي تريدُ أن تُنفِّذ ما أمر اللهُ به من اللِّباسِ الشرعيِّ الكفيلِ بسَلامتِها من الفِتنِ، وإذا كان اللهُ عز وجل قد أمَرَ عبادَه المؤمنين أن يَقُوا أنفسَهم وأهليَهم النارَ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} [التحريم:6].

وإذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد حَمَّل الرَّجُل المسؤوليةَ في أهلِه، فقال: «الرَّجُلُ راعٍ في أهلِه ومَسؤولٌ عن رعيَّتِه». فكيف يليقُ بهذا الرجلِ أن يحاولَ إجبارَ زوجتِه على أن تدَعَ الزيَّ الشرعيَّ في اللِّباسِ إلى زيٍّ مُحرَّمٍ يكون سببًا للفتنةِ بها ومنها، فليتَّقِ اللهَ تعالى في نفسِه، وليتَّقِ اللهَ في أهلِه، وليحمَدِ اللهَ على نعمتِه أن يَسَّرَ له مثلَ هذه المرأةِ الصَّالحةِ.

وأما بالنِّسبة لزوجتِه، فإنه لا يحِلُّ لها أن تُطيعَه في معصيةِ اللهِ أبدًا؛ لأنه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ.

 *

 لا يجوزُ إخراجُ الذِّراع

§§ بعضُ النِّساءِ تُردِّد مقولةً يحكون بأنَّهم سَمعوها من بعضِ العُلماءِ، وهي أن مَـن تُظهر ساعِدَيْها مـن النِّساء وهي في البَيتِ يومَ القيامةِ تحترقُ ساعِداها، مع العِلْم أن بعضَ النِّساء يُفصِّلن ملابسَهنَّ إلى الأكمامِ أو بعض الأكمامِ إلى المرفقَينِ. فما حُكمُ ذلك؟

… أما هذا الجزاءُ -وهُو أن السَّاعدَينِ تَحترقانِ يومَ القيامةِ- فلا أصلَ له. وأمَّا الحُكمُ في إظهار السَّاعدَينِ لغير ذوي المحارمِ والزَّوجِ، فإنَّ هذا مُحرَّم، لا يجوزُ أن تُخرِج المرأةُ ذِراعَيها لغيرِ زَوجِها ومَحارمِها، فعلى المرأةِ أن تحتشِمَ، وأن تَحتجِبَ ما استطاعت، وأن تستُرَ ذِراعَيها، إلَّا إذا كان البيتُ ليس فيه إلَّا زوجُها ومَحارمُها، فهذا لا بأسَ بإخراجِ الذِّراعينِ، أمَّا مَن فصَّلت ملابسَها إلى المرفقَينِ، فأقولُ لها: لا بأسَ أن تَبقى الثيابُ المَخيطةُ على هذا الوضعِ، وتُلبَس للزَّوج والمحارمِ، ويُفصَّل ثيابٌ جديدةٌ إذا كان في البيتِ مَن ليس مَحرَمًا لها كأخي زوجِها وما أشبَهه، ولا يجوزُ للمرأةِ أن تخرُجَ بهذه الملابسِ إلى الشارعِ إلَّا أنْ تستُرَها بثيابٍ ذاتِ أكمامٍ طويلةٍ تستُرُها أمامَ الناسِ في السُّوق مع العَباءةِ.

 *

 تطيُّب المرأةِ خارجَ البيتِ

§§ ما حُكمُ تعطُّر المرأةِ وتزيينُها وخروجُها من بيتِها إلى مدرستها مُباشرةً. هل لها أنْ تفعلَ هذا الفِعلَ؟ وما هي الزِّينةُ التي تحرُم على المرأةِ المسلمةِ عندَ النِّساء؟ يعني ما هي الزِّينةُ التي لا يجوزُ إبداؤها للنِّساءِ؟

… خروجُ المرأةِ مُتطيِّبةً إلى السُّوق محرَّمٌ؛ لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ المرأةَ إذا استعطَرَتْ فمرَّت بالمجْلِسِ، فهي كذا وكذا، يعني: زانيةً»، ولما في ذلك من الفِتنةِ.

أما إذا كانتِ المرأةُ ستركبُ في السيَّارةِ، ولا يظهرُ ريحُها إلَّا لمن يحلُّ له أن تظهرَ الريحُّ عندَه، وستنزلُ فورًا إلى محلِّ عملِها بدون أنْ يكونَ هناك رجالٌ حولها، فهذا لا بأسَ به؛ لأنَّه ليس في هذا محذورٌ، فهي في سيَّارتِها كأنَّها في بيتها، ولهذا لا يحلّ للإنسانِ أن يمكِّن امرأتَه أو مَن له ولايةٌ عليها أن تركبَ وحدَها مع السَّائق؛ لأنَّ هذه خَلوةٌ. أما إذا كانت ستمرُّ إلى جانب الرِّجالِ؛ فإنَّه لا يحلُّ لها أن تتطيَّبَ.

أما بالنِّسبةِ للزِّينةِ التي تُظهِرها للنِّساء؛ فإن كان ما اعتُيد بين النِّساءِ من الزينةِ المباحةِ فهي حلالٌ.

وأمَّا التي لا تحِلُّ كما لو كان الثَّوبُ خفيفًا جدًّا يصفُ البشرةَ أو كان ضيِّقًا جدًّا يبيِّن مَفاتن المرأةِ، فإنَّ ذلك لا يجوزُ؛ لدُخولِه في قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «صِنفانِ من أهلِ النارِ لم أرَهُما بعدُ..» وذكر: «نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ، رُؤوسُهنَّ كأسنِمةِ البُختِ المائلةِ، لا يدخُلنَ الجنَّةَ ولا يجِدْنَ ريحَها».

 *

 الضَّوابط في سَكَن العَوائلِ

§§ من العاداتِ المنتشرةِ في بعض المجتمعاتِ أنَّ بعضَ العوائلِ عندما تسكُنُ في بيتٍ واحدٍ، فإن النِّساء يكشِفنَ وُجوهَهنَّ أمام أقاربِ أزواجِهنَّ، وذلك بسببِ أنَّهم في بيتٍ واحدٍ، فما رأي فضيلتِكم في ذلك؟

… العائلةُ إذا سكنت جميعًا فالواجبُ أن تحتجبَ المرأةُ على مَن ليس بمحرَمٍ لها. فزوجةُ الأخِ لا يجوزُ أن تُكشف لأخيه؛ لأنَّ أخاه بمنزلةِ رَجُل الشارع بالنِّسبةِ للنَّظَر والمَحرَميةِ، ولا يجوزُ أيضًا أن يخلوَ أخوه بها إذا خرَجَ أخوه من البيتِ، وهذه مشكلةٌ يُعاني منها كثيرٌ من الناس مثلَ أنْ يكونَ هناك أخوانِ في بيتٍ واحدٍ أحدُهما مُتزوِّجٌ. فلا يجوزُ لهذا المتزوِّج أن يُبقِيَ زوجتَه عندَ أخيه إذا خرَجَ للعملِ أو للدِّراسةِ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ»، وقال: «إيَّاكم والدُّخولَ على النِّساءِ» قالوا: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ الحموَ؟ والحموُ أقاربُ الزَّوج، قال: «الحموُ الموتُ».

ودائمًا يقعُ السُّؤال عن جريمةِ فاحشةِ الزنا في مثلِ هذه الحالِ، يخرجُ الرَّجُل وتَبقى زوجتُه وأخوه في البيتِ فيُغويهما الشَّيطانُ ويزني بها والعياذُ بالله، يزني بحليلةِ أخيه، وهذا أعظمُ من الزنا بحليلةِ جارِه، بل إنَّ الأمرَ أفظعُ من هذا.

على كُلِّ حالٍ أريدُ أنْ أقولَ كلمةً أبرأُ منها عندَ اللهِ من مسؤوليَّتِكم: إنَّه لا يجوزُ للإنسانِ أن يُبقِيَ زوجتَه عندَ أخيه في بيتٍ واحدٍ، مهما كانت الظُّروفُ حتى لو كان الأخُ من أوثقِ الناسِ، وأصدَقِ الناسِ، وأبرِّ الناسِ، فإنَّ الشَّيطان يجري من ابنِ آدَمَ مَجرى الدَّم، والشَّهوةُ الجنسيَّةُ لا حدودَ لها، لاسيَّما مع الشَّبابِ.

§§ ولكنْ كيف نصنَعُ إذا كان أخوانِ في بيتٍ، وأحدُهما متزوِّج؟ هل نقول: إذا أرادَ أن يخرُجَ يخرُجُ ومعه زوجتُه إلى العملِ؟

… لا، ولكن يُمكن أن يُقسَم البيتُ إلى نصفينِ، نصفٌ يكونُ للأخِ عندَ انفرادِه، ويكونُ فيه بابٌ يُغلَق بمِفتاحٍ يكونُ مع الزَّوجِ يخرُجُ به معه، وتكونُ المرأةُ في جانبٍ مُستقلٍّ في البيتِ، والأخُ في جانبٍ مُستقلٍّ.

§§ لكـن قـد يحتجُّ الأخُ على أخيه، ويقـولُ: لماذا تفعلُ هذا؟ ألَا تثقُ بـي؟

يقولُ له: أنا فعلتُ ذلك لمصلحتِكَ؛ لأنَّ الشَّيطانَ يَجري من ابنِ آدَمَ مَجرى الدَّم. فرُبَّما يُغويك وتدْعوك نفسُك قهرًا عليك، فتغلبُ الشَّهوةُ العقلَ، وحينئذٍ تقعُ في المحظورِ، فَكَوني أضعُ هذا الشَّيءَ حمايةً لك، هو من مَصلحتِكَ كما أنَّه من مَصلحتي أنا. وإذا غضبَ من أجلِ هذا فلْيغضبْ ولا يهمُّك.

هذه المسألةُ أبلِّغُكم إيَّاها تبرُّؤًا من مسؤوليةِ كتمِها، وحسابُكم على اللِه  -عز وجل- .

أما بالنِّسبةِ لكشفِ الوجهِ فإنَّه حرامٌ، ولا يجوزُ للمرأةِ أن تكشفَ لأخي زوجِها؛ لأنَّه أجنبيٌّ منها، فهو منها كرَجُلِ الشَّارع تمامًا.

 *

 المنعُ من النِّقاب

§§ في الآونةِ الأخيرةِ انتشرت ظاهرةٌ بين أوساطِ النِّساءِ بشَكلٍ مُلفتٍ للنَّظَر، وهي ما يُسمَّى بالنِّقاب، والغريبُ في الظاهرةِ ليس لُبسُ النِّقابِ إنَّما طريقةُ لُبسِه لدى النِّساء، ففي بدايةِ الأمرِ كان لا يظهرُ من الوجهِ إلَّا العينانِ فقط، ثم بدأ النِّقابُ بالاتساعِ شيئًا فشيئًا، فأصبح يظهرُ مع العينينِ جُزءٌ من الوجهِ؛ مما يَجلبُ الفتنةَ ولاسيَّما أنَّ كثيرًا من النِّساءِ يكتحِلنَ عند لُبسِه. وإذا نُوقِشنَ في الأمرِ، احتجَجْنَ بأنَّ فضيلتَكم أفْتى بأنَّ الأصلَ فيه الجوازُ. فنرجو توضيحَ هذه المسألةِ بشكلٍ مُفصَّلٍ؟

… لا شكَّ أنَّ النِّقابَ كان معروفًا في عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ النِّساءَ كنَّ يفعَلْنَه كما يُفيدُه قولُه صلى الله عليه وسلم في المرأةِ إذا أحرَمَتْ «لا تَنتقبْ»، فإن هذا يدُلُّ على أنَّ من عادتِهنَّ لُبسَ النِّقاب، ولكن في وَقتنا هذا لا نُفتي بجَوازِه بل نرى منعَه؛ لأنه ذريعةٌ إلى التوسُّع فيما لا يجوزُ، وهذا أمْرٌ مُشاهدٌ؛ ولهذا لم نُفْتِ امرأةً من النِّساءِ لا قريبةً، ولا بعيدةً بجوازِ النِّقابِ في أوقاتِنا هذه، بل نرى أنه يُمنعُ منعًا باتًّا، وأنَّ على المرأةِ أن تتَّقيَ ربَّها في هذا الأمرِ وألَّا تنتقبَ؛ لأن ذلك يفتحُ بابَ شَرٍّ لا يُمكنُ إغلاقُه فيما بعدُ.

 *

 ليس بين الزَّوج وزَوجتِه عَورةٌ

§§ ما حُكمُ لُبس الملابسِ الضيِّقة عندَ النِّساءِ وعندَ المحارمِ؟

… لُبس الملابسِ الضيِّقة التي تُبيِّن مفاتنَ المرأةِ، وتُبرزُ ما فيه من الفِتنةِ مُحرَّمٌ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «صِنفانِ من أهلِ النارِ لم أرَهُما: رِجالٌ معهم سياطٌ كأذنابِ البَقَر يَضرِبونَ بها الناسَ –يعني: ظُلمًا وعُدوانًا-، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ». فقد فُسِّر قولُه: «كاسياتٌ عارياتٌ» بأنَّهن يلبَسْنَ ألبسةً قصيرةً لا تستُرُ مـا يجبُ سترُه مـن العَورةِ. وفُسِّر بأنَّهن يلبَسْنَ ألبسةً خفيفةً لا تمنعُ من رُؤيةِ ما وراءَها من بشرةِ المرأةِ، وفُسِّرت بأنَّهن يلبَسْنَ ملابسَ ضيِّقةً، فهي ساترةٌ عن الرُّؤيا، لكنها مُبديةٌ لمفاتنِ المرأةِ، وعلى هذا فلا يجوزُ للمرأةِ أن تلبسَ هذه الملابسَ الضيِّقةَ إلَّا لمن يجوزُ لها إبداءُ عَورتِها عندَه وهو الزَّوجُ؛ فإنه ليس بين الزَّوجِ وزوجتِه عورةٌ؛ لقولِه تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون } [المؤمنون:5-6]، وقالت عائشةُ رضي الله عنها: «كنتُ أغتسِلُ أنا والنبيُّ صلى الله عليه وسلم -يعني: من الجنابةِ- من إناءٍ واحدٍ تختلِفُ أيدينا فيه»، فالإنسانُ لا عورةَ بينه وبين زوجتِه.

وأما بين المرأةِ والمحارمِ، فإنَّه يجبُ عليها أن تستُرَ عورتَها، والضَّيِّق لا يجـوزُ لا عندَ المحـارمِ، ولا عندَ النِّساءِ إذا كان ضيِّقًا شديـدًا يبيِّنُ مفاتـنَ المرأةِ.

 *

 عندما تُجبر على خلعِ الحِجاب

§§ في بعضِ البُلدانِ قد تُجبرُ المسلمةُ على خَلع الحجابِ، وبالأخصِّ غطاءُ الرَّأس، هل يجوزُ لها تنفيذُ ذلك علمًا بأنَّ مَن يرفضُ ذلك تُرصَد له العُقوباتُ كالفَصلِ من العملِ أو المدرسةِ؟

… هذا البلاءُ الذي يحدُثُ في بعضِ البُلدانِ هو من الأمورِ التي يُمتَحن بها العبدُ، واللُه E يقولُ: {الم } [العنكبوت:1-3].

فالذي أرى أنه يجبُ على المسلماتِ في هذه البلدةِ أنْ يأْبَيْنَ طاعةَ أولي الأمرِ في هذا الأمرِ المُنكرِ؛ لأنَّ طاعةَ أولي الأمرِ في الأمرِ المُنكَرِ مرفوضةٌ، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59]. لو تأمَّلتَ الآيةَ لوَجَدتَ أنَّ اللهَ قال: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، ولم يُكرَّر الفِعلُ ثالثةً مع أُولي الأمر، فدلَّ على أنَّ طاعةَ وُلاةِ الأمورِ تابعةٌ لطاعةِ اللهِ وطاعةِ رسولِه، فإذا كان أمرُهم مُخالفًا لطاعةِ اللهِ ورسولِه، فإنَّـه لا سمعَ لهم، ولا طاعـةَ فيما أمروا به فيما يخالفُ طاعـةَ اللهِ ورسولِه، «ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ».

وما يُصيبُ النِّساءَ من الأذى في هذه الناحيةِ، فإنه من الأمورِ التي يجبُ الصَّبرُ عليها، والاستعانةُ بالله تعالى على الصَّبرِ، ونسألُ اللهَ لوُلاة أُمورِهم أن يهديَهم إلى الحقِّ، ولا أظُنُّ هذا الإجبارَ إلَّا إذا خرجتِ المرأةُ من بيتِها، وأمَّا في بيتِها فلن يكونَ هذا الإجبارُ، وبإمكانِها أن تَبقى في بيتِها حتى تسلمَ من هذا الأمرِ، أما الدِّراسةُ التي تترتَّب عليها معصيةٌ فإنَّها لا تجوزُ، بل عليها دراسةُ ما تحتاجُ إليه في دينِها ودُنياها، وهذا يكفي ويُمكِنُها ذلك في البيتِ غالبًا.

 *

 اللِّباسُ الشرعيُّ

§§ تعلمون بـلا شكٍّ أن مَكْمَنَ الفتنةِ في المـرأةِ متركِّزٌ في جسدِها الداخليِّ، فإنْ ظهَرَ ثارتِ الفتنةُ وعمَّ الشرُّ، فما الذي يجوزُ للمرأةِ كشفُه من جسدِها، وما حكمُ نظرِ المرأةِ إلى عَورةِ المرأةِ؟

… يجبُ على المرأةِ أن تلبسَ اللِّباسَ الشرعيَّ الذي يكون ساترًا، وكان لباسُ نساءِ الصَّحابةِ كما قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه الله وغيره: «من الكفِّ إلى الكعبِ في بُيوتِهنَّ»، أي: من كفِّ اليدِ إلى كعبِ الرِّجْل، فإذا خرَجْنَ لَبِسنَ ثيابًا طويلةً تزيدُ على أقدامِهنَّ بشِبرٍ، ورخَّص لهُنَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى ذِراعٍ من أجلِ سَترِ أقدامِهنَّ، هذا بالنِّسبةِ للمرأةِ المُكتسيةِ، فإنْ رفعتِ اللِّباسِ فهي من الكاسياتِ العارياتِ.

أما بالنِّسبةِ للمَرأةِ الناظرةِ فإنَّه لا يجوزُ لها أن تنظُرَ عورةَ المرأةِ، يعني: لا يجوزُ أن تنظُرَ ما بين السُّرَّة إلى الرُّكبة، مثلَ أنْ تكونَ المرأةُ تقضي حاجتَها مثلًا فلا يجوزُ للمرأةِ أن تنظُرَ إليها؛ لأنَّها تنظُرُ إلى العَورةِ، أما ما فوق السُّرَّة أو دون الرُّكبة، فإذا كانتِ المرأةُ قد كشفتْ عنه لحاجةٍ مثلَ أنَّها رَفَعت ثوبَها عن ساقِها؛ لأنَّها تمرُّ بطِينٍ مثلًا، أو تريدُ أن تغسِلَ السَّاق، وعندَها امرأةٌ أخرى، فهذا لا بأسَ به، أو أخرجت ثديَها؛ لتُرضِعَ ولدَها أمام النِّساء فإنَّه لا بأسَ، لكن لا يُفهمُ من قولِنا هذا كما تَفهمُ بعضُ النِّساءِ الجاهلاتِ أنَّ المعنى أنَّ المرأةَ تلبَسُ من الثِّياب ما يستُرُ ما بين السُّرَّة والرُّكبة فقط، هذا غلطٌ عظيمٌ على كتاب اللهِ، وسُنَّة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وعلى شريعة الله، وعلى سلف هذه الأُمَّة، مَن قال: إنَّ المرأةَ لا تلبَسُ إلَّا سِروالًا يستُرُ من السُّرَّة إلى الرُّكبة، وهذا لباسُ المسلماتِ؟! لا يُمكِن!

فالمرأةُ يجبُ أن تلبَسَ اللِّباسَ الظَّاهرَ من الكَتف إلى الكعبِ، أما المرأةُ الأخرى التي تنظُرُ، فلها أن تنظُرَ إلى الصَّدر والسَّاقِ، لكن ليس لها أنْ تنظُرَ ما بين السُّرَّة والرُّكبة فيما لو كشفتِ المرأةُ ثوبَها، فإنَّ الأخرى لا تنظُرُ ما بين السُّرَّة والرُّكبة.

 *

 الملابسُ القصيرةُ

§§ قرأتُ بخطِّكم جوابًا يقولُ: للمرأةِ أن تكشِفَ لمحارمِها عن الوجهِ والرَّأسِ والرَّقبةِ والكَفَّينِ والذِّراعينِ والقَدَمينِ والسَّاقينِ، وتستُرُ ما سوى ذلك، فهل هذا الكلامُ على إطلاقِه، خصوصًا أن موقفَكم -حفظكمُ الله- من الملابسِ القصيرةِ بالنِّسبةِ للأطفالِ والنِّساءِ عمومًا أنه لا يجوزُ؟

… نحن إذا قُلنا يجوزُ أنْ تكشِفَ كذا وكذا ليس مَعْناه أنْ تكونَ الثِّيابُ إلى هذا الحدِّ، لكن لنفرِضْ أنَّ امرأةً عليها ثوبٌ إلى الكعبِ ثم انكشَفَ ساقُها لشُغلٍ أو لغيرِ شُغلٍ؛ فإنَّها لا تأثمُ بهذا إن لم يكن عندَها إلَّا المحارمُ، أو لم يكن غيرُ النِّساءِ.

أما اتِّخاذُ الثِّياب القصيرةِ فإنَّنا نَنهى عنه ونُحذِّر منه؛ لأننا نعلمُ -وإن كان جائزًا- أنه سوف يتدهورُ الوضعُ إلى أكثرَ من ذلك كما هو العادةُ في غيرِ هذا، أنَّ الناسَ يفعلون الشَّيءَ في أول الأمرِ على وجهٍ مُباحٍ، ثم يتدهورُ الوضعُ حتى يَنحدِروا به إلى أمرٍ مُحرَّمٍ لا إشكالَ في تحريمِه، كما أنَّ قولَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم: «لا تنظُرِ المـرأةُ إلى عَورةِ المرأةِ»، ليس معنـاه أنَّ المرأةَ يجوزُ أن تلبَسَ مـا يستُرُ مـا بين سُرَّتها ورُكبتِها فقط، ولا أحدَ يقـولُ بهذا، لكنَّ المعنى أنه لو انكشف من المرأةِ الصَّدرُ، وكذلك السَّاقُ مع كونِ الثَّوبِ وافيًا؛ فإن ذلك لا يحرِّم نظَرَه بالنِّسبةِ للمَرأةِ مع المرأةِ، ولنضرِبْ مثلًا: امرأةٌ تُرضِعُ ولدَها، فانكشَفَ ثديُها من أجلِ إرضاعِ الولدِ، لا نقول للمَرأةِ الأخرى: إنَّ نَظَرَك لهذا الثَّدي حرامٌ؛ لأن هذا ليس من العَورةِ، أما أنْ تأتيَ امرأةٌ تقولُ: أنا ما ألبَسُ إلا سِروالًا يستُرُ ما بين السُّرَّة والرُّكبة؛ فلا أحدَ يقولُ بهذا، ولا يجوزُ.

وقد ذكَرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه الله أنَّ لباسَ الصَّحابياتِ كان من كفِّ اليدِ إلى كعبِ الرِّجْل، هذا إذا كنَّ في بُيوتِهن، أما إذا خَرَجنَ إلى السُّوق، فمعروفٌ حديثُ أَمِّ سلمةَ أنَّ المرأةَ تُرخي ثوبَها، فقد رخَّص لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ ترخيَه إلى ذراعٍ من أجلِ ألَّا تَنكشِفَ قَدَماها إذا مشَتْ.

 *

 الكشفُ داخلَ السيَّارةِ

§§ بالنِّسبـةِ لبعضِ المُعلِّـمات أو الطـالباتِ عندَمـا يَركَبْنَ في الحـافلةِ أو السيَّارةِ لغَرَض تَوصيلِهنَّ إلى المدارسِ نلحظُ أنَّ بعضًا منهن يَقُمنَ بكشفِ وُجوهِهنَّ داخلَ السيَّارة، وحُجَّتُهنَّ في ذلك أنَّه لا يراهُن أحدٌ، فما رأيُكم؟ وماذا على السَّائقِ الذي يتعهَّدهنَّ بالتَّوصيلِ مع أنهنَّ كاشفاتٌ؟

… كشفُ المرأةِ وجهَها والرِّجالُ ينظُرون إليها حرامٌ، ولا يحلُّ سواءٌ كانت معلِّمةً أم طالبةً، وسواءٌ كانت في السيَّارة أو كانت تمشي في السُّوق على قدمَيْها، لكن لو كانت في السيَّارة لا يراها مَن كان خَلفَ الزُّجاج سائرًا، وكان بين النِّساء وبين السَّائقِ سُترة، فلا حرجَ عليهنَّ في هذه الحالِ أن يَكشِفنَ وُجوهَهنَّ؛ لأنَّهن كاللاتي في حُجرةٍ مُنفردةٍ عن الرِّجال.

وأما إذا كان الزُّجاج شفَّافًا يُرى مَن وراءَه، أو كان غيرَ شفَّافٍ لكن ليس بينَهن وبين السَّائقِ حاجزٌ؛ فإنه لا يجوزُ لهنَّ كشفُ وُجوهِهنَّ؛ لئلَّا يراهُنَّ السَّائقُ، أو أحدٌ من الرِّجال في السُّوق.

وأجرةُ السائقِ ليست حرامًا؛ لأنَّ النِّساء لم يستأجِرنَ هذه السيَّارة؛ لأجلِ كَشفِ وُجوهِهنَّ، لكن يجبُ على السَّائق أن يأمُرَهنَّ بتغطيةِ الوجهِ، فإنْ أبينَ وأصررنَ على أن يَكشِفنَ وُجوهَهنَّ جعل على السيَّارةِ ستائرَ أو يتخذُ من الزُّجاج المحجوبِ ويجعلُ بينه وبينهن سِترًا، وبذلك يزولُ المحذورُ.

 *

 السَّلام على المرأةِ

§§ ما هديُ الإسلامِ بالنِّسبة لردِّ السَّلام على المرأةِ، وهل تُسلِّم المرأةُ؟ وهل يُفرَّق بين المرأةِ الصغيرةِ أو المرأةِ الكبيرةِ التي لا يُخشى منها الفتنةُ؟ وما حُكمُ المصافحةِ وتقبيلِ الرَّأس لهنَّ، أي: العَجائزِ؟

… الرَّجلُ لا يسلِّم على المرأةِ، والمرأةُ لا تسلِّم على الرَّجلِ؛ لأن هذا فتنةٌ، اللهمَّ إلا عند مُكالمةٍ هاتفيةٍ، فتسلِّم المرأةُ أو الرجلُ بقَدرِ الحاجةِ فقط، أو إذا كانت المرأةُ من مَعارفِه مثلُ أن يدخُلَ بيتَه، فيجدَ فيه امرأةً يعرفُها وتَعرفُه، فيسلِّمَ، وهذا لا بأسَ به، أما أن يُسلِّم على امرأةٍ لَقِيَتْه في السُّوق، فهذا من أعظمِ الفتنةِ؛ فلا يُسلِّم.

وأما تقبيلُ المحارمِ فتقبيلُهنَّ على الرَّأس والجَبهةِ لا بأسَ به، وتقبيلُهنَّ على الخَدِّ لا بأسَ به من قِبَل الأبِ؛ لأن أبا بكرٍ رضي الله عنه دخَلَ على ابنتِه عائشةَ رضي الله عنها وهي مريضةٌ فقبَّل خدَّها، فهذا لا بأسَ به، أما إذا كان من غيرِ البنتِ، فإنه يكون التَّقبيلُ على الجَبهةِ وعلى الرَّأس.

أما مُصافحةُ المرأةِ غيرِ ذات مَحرَمٍ فإنها حرامٌ؛ لأنَّ مُصافحتَها أبلغُ في حُصولِ الفتنـةِ من مُشاهدتِها، وأما تقبيـلُ رأسِ العَجائـزِ من ذواتِ المحارمِ فلا بأسَ به، ومن غير ذواتِ المحارمِ فلا تقبِّلها.

§§ هل يجوزُ أن يُقبِّل رأسَ زَوجةِ أبيه؟

… نعم يجوزُ؛ لأنها من محارمِه.

§§ وهل يجوزُ أن يُصافحَ بنتَ زوجتِه؟

… هذا فيه تفصيلٌ؛ فإن كان قد دخَلَ بأُمِّها فيُصافحُها إنْ أمِنَ الفتنةَ وإلَّا فلا.

§§ كيف يكونُ لها بنتٌ، ولم يدخلْ بها؟

تكونُ البنتُ من غيرِه من شخصٍ سابقٍ، ويكون قد عقَدَ عليها، ولكن لم يدخُلْ بها، لم يجامِعْها، وحينئذٍ لا تكون هذه البنتُ مَحرَمًا له.

 *

 مسائلُ خاصَّة

§§ هناك مسألةٌ تقعُ كثيرًا عندَ بعضِ النِّساء، وهي أنَّهن يقُمنَ بالاستعانةِ بامرأةٍ أخرى تأتي إلى المنزلِ لغَـرَضِ قيامِها بإزالـةِ الشَّعـرِ الـذي على البَدَنِ والفَخذينِ، فهل يجوزُ لهذه المرأةِ أن تنظُرَ إلى فخذِ المرأةِ التي تزيلُ شعرَها؟ ثم إن هذا العملَ هل يُعدُّ من الضَّرورةِ؟

… هذه الحالُ ليست من الضَّرورةِ؛ لأن إزالةَ شَعرِ الفخذينِ والساقينِ في حِلِّها نظرٌ؛ لأنَّ الشَّعرَ من خَلقِ اللهِ وتغييرَ خَلقِ اللهِ في غيرِ ما أذِنَ اللهُ به من وحيِ الشَّيطانِ، قال تعالى: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ} [النساء:119]، والشَّعرُ من خَلقِ اللهِ فلا يُزال إلَّا فيما شُرعت إزالتُه كالعانةِ، والإبْطِ، والشَّاربِ بالنِّسبة للرَّجلِ، فهذا يُزال، أما شَعرُ السَّاقينِ والفخذينِ فهـذا لا يُزالُ، لكن لو كان الشَّعرُ كثيرًا في المرأةِ بحيث يكون ساقُها كساقِ الرَّجلِ فلا بأسَ أن تُزيلَه، أما الأفخاذُ إذا كثُر فيهما الشَّعرُ فلا تُزيلُه امرأةٌ أخرى، بل تُزيلُه المرأةُ صاحبةُ هذا الشَّعرِ؛ لأنه لا حاجةَ إلى الاستعانةِ بامرأةٍ ثانيةٍ، فهناك الآن وسائلُ لإزالةِ الشَّعرِ من دُهنٍ أو غيرِه. بمُجرَّدِ ما يُمسحُ به الشَّعرُ يزولُ، فيُستعملُ هذا لكن بشَرطِ أن يُراجعَ في ذلك الطبيبُ.

 *

 وُجوبُ سَترِ الوَجهِ

§§ بالنِّسبةِ لمن تُفرِّط في الحجابِ من النِّساء ما هو جزاؤُها؟ وهل تُعذَّب بالنار في الآخرةِ؟

… إنَّ كُلَّ مَن عصى اللهَ عز وجل بمعصيةٍ لا تُكفِّرها الحسناتُ، فإنَّه على خطرٍ، فإن كانت شِركًا وكُفرًا مُخرجًا عن الملَّةِ، فإنَّ العذابَ مُحقَّق لمن أشرَكَ وكفَرَ بالله، قال تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة:72]. وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48]. وإن كان دُون ذلك -أي دُون الكُفر المُخرِج عن الملَّةِ- وهو من المعاصي التي لا تُكفِّرها الحسناتُ، فإنَّه تحت مشيئةِ اللهِ عز وجل إنْ شاءَ عذَّبه، وإنْ شاءَ غفَرَ له.

والحجابُ الذي يجبُ على المرأةِ أن تتَّخِـذَه هـو أن تسـتُرَ جميعَ بدنِها عن غير زوجِها ومَحارمِها؛ لقولِ الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب:59]، والجِلبابُ هو الملاءةُ أو الرِّداءُ الواسعُ الذي يشملُ جميعَ البَدَن، فأمَرَ اللهُ تعالى نبيَّه أن يقولَ لأزواجِه وبناتِه ونساءِ المؤمنين: يُدنين عليهنَّ من جلابيبِهنَّ حتى يستُرنَ وُجوهَهنَّ ونُحورَهنَّ، وقد دلَّت الأدلَّةُ من الكتابِ، والسُّنَّة، والنَّظَر الصَّحيحِ، والاعتبارِ على أنه يجبُ على المرأةِ أن تستُرَ وجهَها عن الرِّجالِ الأجانبِ الذين ليسوا من مَحارمِها أو زوجِها، ولا يشكُّ عاقلٌ أنه إذا كان على المرأةِ أن تستُرَ رأسَها، وتستُرَ رِجلَيْها، وألَّا تضرِبَ برِجلَيها حتى يُعلمَ ما تُخفي من زينتِها من الخَلْخال ونحوِه، وأنَّ هذا واجبٌ؛ فإنَّ وُجوبَ سَترِ الوَجهِ أوجبُ وأعظمُ، وذلك أنَّ الفتنةَ الحاصلةَ بكشفِ الوجهِ أعظمُ بكثيرٍ من الفتنةِ الحاصلةِ بظُهور شَعرةٍ من شَعرِ رأسِها أو ظُفرٍ من أظفارِ رِجلَيها.

وإذا تـأمَّل العاقلُ المؤمنُ هذه الشَّريعةَ وحُكمَها وأسرارَها تبيَّن أنـه لا يُمكنُ أن تُلزمَ المرأةُ بسَترِ الرَّأسِ والعُنُقِ والذِّراعِ والسَّاقِ والقَدَمِ، ثم تُبيحُ للمرأةِ أن تُخرجَ كفَّيها، وأنْ تُخرجَ وجهَها المملوءَ جمالًا وحُسنًا، فإنَّ ذلك خلافُ الحكمةِ.

ومَن تأمَّل ما وقعَ فيه الناسُ اليوم من التَّهاوُنِ في سَترِ الوجهِ الذي أدَّى أن تتهاونَ المرأةُ فيما وراءَه حيث تكشفُ رأسَها وعُنُقَها ونَحرَها وذِراعَها وتمشي في الأسواقِ بدُون مُبالاةٍ في بعض البلادِ الإسلاميةِ، عُلِم بأنَّ الحكمةَ تقتضي أنَّ على النِّساءِ سترَ وُجوهِهنَّ، فعلى المرأةِ المسلمةِ أنْ تتَّقيَ اللهَ عز وجل وأنْ تحتجبَ الحجابَ الواجبَ الذي لا تكونُ معه فتنةٌ بتَغطيةِ البَدَنِ عن غيرِ الأزواجِ والمحارمِ.

 *

 ذهابُ المَرأةِ للطَّبيبِ

§§ عندما تُضطرُّ المرأةُ إلى الذَّهاب للطَّبيبِ للفَحصِ عليها، فإنَّ ذلك يستلزمُ أن تُظهِر شيئًا من جَسَدِها، فما حُكمُ الشَّرعِ من ذلك؟

… إنَّ ذهابَ المرأةِ للطَّبيبِ عندَ عدمِ وُجودِ طبيبةٍ لا بأسَ به، ويجوزُ أن تكشفَ للطَّبيبِ كُلَّ ما يحتاجُ النَّظر إليه، إلا أنه لا بُدَّ أنْ يكونَ معها مَحرَم، وبدُون خَلوةٍ من الطَّبيبِ بها؛ لأنَّ الخَلوةَ مُحرَّمة، وهذا من بابِ الحاجةِ، وقد ذكَرَ أهلُ العِلمِ رحمهم الله أنه إنَّما أُبيحَ مثلُ هذا؛ لأنه مُحرَّم تحريمَ الوسائلِ، وما كان تحريمُه بتحريمِ الوسائلِ، فإنَّه يجوزُ عندَ الحاجةِ إليه.

 *

 جَوازُ الخَلوةِ عندَ الضَّرورةِ

§§ من المسائلِ التي تقعُ تكشُّف المرأةِ أمامَ الأجانبِ عندَ الضَّرورةِ، مثلًا إذا كانت زوجةُ الجارِ مريضةً، وزوجُها غائبٌ عنها، وليس عندَها محارمُ، فما العملُ حينذاك؟

لا شكَّ أنَّ الاختلاطَ بالنِّساءِ ومُصافحتَهنَّ من غيرِ المحارمِ لا يجوزُ، والخَلوةُ أشدُّ وأعظمُ، لكن عندَ الضَّرورةِ تختلفُ الأحكامُ، قال اللهُ تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119]. فإذا كانت امرأةُ جاري مضطرَّةً إلى أن أُكلِّمَها وأدخُلَ عليها؛ لنَقلِها إلى الطَّبيبِ، وما أشبه ذلك، فلا بأسَ به، مع دَرءِ الفتنةِ، وذلك إذا كان عندَه زوجةٌ يَستعينُ بها حتى تزولَ الخَلوةُ.

 *

 دُخولُ الكفيف على النِّساءِ

§§ ما حكمُ دُخولِ الكفيفِ على النِّساءِ لقصدِ التَّعليمِ في المدارسِ؟

… دخولُ الرَّجلِ الأعمى على النساءِ للتَّعليمِ لا بأسَ به؛ لأنه يجوزُ للمَرأةِ أن تنظُرَ إلى الأعمى ما لم يكن هناك فتنةٌ، والدليلُ على هذا أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم قال لفاطمةَ بنتِ قَيسٍ: «اعتدِّي في بيتِ ابنِ أُمِّ مكتومٍ؛ فإنه رجلٌ أعمى تَضعين ثيابَك عندَه»، وأذِنَ لعائشةَ أن تنظُرَ إلى الحبشةِ، وهم يلعَبون في المسجدِ، لكن إن حصَلَ من هذا فتنةٌ بكونِه يتلذَّذ بصوتِ المرأةِ أو يُدنيها إلى جنبِه مثلًا، ويُمسكُ على يدِها، وما أشبه ذلك؛ فإنه لا يجوزُ، لا من أجلِ أنه يحرُمُ النَّظَر إلى الرَّجلِ، ولكن من أجلِ ما اقترَنَ به من الفتنةِ.

 *

 التَّعليمُ المختلطُ لا يجوزُ

§§ بالنِّسبةِ للتَّعليم المختلطِ في بعضِ الدُّول الإسلاميةِ يكونُ الطُّلابُ والطالباتُ جنبًا إلى جنبٍ في مقاعدَ متراصَّةٍ، وقاعةٍ واحدةٍ، فما حكم ذلك؟

… الذي أراه أنه لا يجوزُ للإنسانِ رجلًا كان أو امرأةً أن يدرُسَ بمدارسَ مختلطةٍ؛ لما فيه من الخطرِ العظيمِ على عفَّتِه ونزاهتِه وأخلاقِه. فإنَّ الإنسانَ مهما كان من النَّزاهةِ والأخلاقِ والبراءةِ إذا كان جانبُه في الكُرسيِّ الذي هو فيه امرأةً، ولاسيَّما إذا كانت جميلةً ومُتبرِّجةً لا يكاد يسلمُ من الفتنةِ والشَّرِّ، وكُلُّ ما أدَّى إلى الفتنةِ والشَّرِّ فإنه حرامٌ ولا يجوزُ.

فنسألُ اللهَ سبحانه وتعالى لإخوانِنا المسلمين أن يَعصِمَهم من مثلِ هذه الأمورِ التي لا تعودُ على شبابِهم إلَّا بالشَّرِّ والفتنةِ والفسادِ.

§§ وإن كان لا يوجدُ إلَّا هذه الجامعاتُ المختلطةُ في البلدِ، فماذا يفعلُ الطالبُ؟

… حتى وإن لم يجِدْ إلَّا هذه الجامعاتِ المختلطةَ، فإنه يترُكُ الدراسةَ إلى بلدٍ آخر ليس فيه هذا الاختلاطُ، فأنا لا أرى جوازَ هذا، ورُبَّما غيري يرى شيئًا آخرَ.

§§ هناك عادةٌ مُتَّبعةٌ لدى بعضِ الناسِ، وهي أنَّ المرأةَ الأجنبيةَ تُصافِحُهم إذا وَضَعت على يدَيْها حائلًا، فما حُكمُ ذلك؟ وهل حُكمُ المرأةِ التي تكبرُ في السِّنِّ مثلُ حُكمِ الصَّغيرةِ في السِّنِّ؟

لا يجوزُ للإنسانِ أن يُصافحَ المرأةَ الأجنبيةَ التي ليست من محارمِه سواءٌ مباشرةً أو بحائلٍ؛ لأن ذلك من الفتنةِ، وقد قال اللهُ تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلا} [الإسراء:32]. وهذه الآيةُ تدلُّ على أنه يجبُ علينا أن ندَعَ كلَّ شيءٍ يُوصلُ إلى الزِّنـا، سواءٌ كان زنـا الفَرجِ وهو الأعظمُ أو غيرُه، ولا ريبَ أنَّ مسَّ الإنسانِ ليدِ المرأةِ الأجنبيةِ قد يُثيرُ الشَّهوةَ، على أنه وردت أحاديثُ فيها تشديدُ الوعيدِ على مَن صافَحَ امرأةً ليست من محارمِه، ولا فرقَ في ذلك بين الشابَّةِ والعَجوزِ؛ لأنه كما يُقالُ: لكُلِّ ساقطةٍ لاقطةٌ، ثم حدُّ الشابَّةِ من العجوزِ قد تختلفُ فيه الأفهامُ، فيرى أحدٌ أن هذه عجوزٌ، ويرى آخرُ أن هذه شابَّةٌ.

 *

 عملُ المرأةِ مع الرَّجُلِ

§§ لقد بيَّنتم لنا حُدودَ عَلاقةِ الرَّجلِ بالمرأةِ، وما يجوزُ منها وما يحرُمُ، لكن ماذا عن حُكمِ العلاقةِ بين الرَّجلِ والمرأةِ في حالِ العملِ، فهل يجوزُ أن تعملَ في مكانٍ مختلطٍ مع الرَّجلِ؟ لاسيَّما أن ذلك مُنتشرٌ بشكلٍ كبيرٍ في كثيرٍ من البُلدانِ؟

… الذي أراه أنه لا يجوزُ الاختلاطُ بين الرِّجالِ والنِّساءِ بعملٍ حكوميٍّ، أو بعملٍ في قطاعٍ خاصٍّ، أو في مدارسَ حُكوميةٍ أو أهليةٍ، فإنَّ الاختلاطَ يحصلُ فيه مفاسدُ كثيرةٌ، ولو لم يكن فيه إلَّا زوالُ الحياءِ للمرأةِ وزوالُ الهيبةِ من الرِّجالِ؛ لأنه إذا اختلطَ الرِّجالُ والنِّساءُ أصبحَ لا هيبةَ عندَ الرِّجالِ، وهذا -أعني: الاختلاطَ بين الرِّجالِ والنِّساءِ- خلافُ ما تقتضيه الشَّريعةُ الإسلاميةُ، وخلافُ ما كان عليه السَّلَف الصالحُ. ألَمْ تعلمْ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جعل للنِّساءِ مكانًا خاصًّا إذا خرجْنَ إلى مُصلَّى العيدِ، لا يختلِطْنَ بالرِّجالِ كما في الحديثِ الصحيحِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حين خطَبَ في الرِّجالِ نَزَلَ وذهب للنِّساءِ فوَعَظهنَّ وذكَّرهنَّ، وهـذا يـدُلُّ على أنهن لا يسمَعْنَ خُطبةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو إن سَمِعنَ لم يَستوعِبنَ ما سمِعْنَه من الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم.

ثم ألَمْ تعلمْ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «خَيرُ صُفـوفِ النِّساءِ آخرُها وشرُّهـا أوَّلها، وخَيرُ صُفوفِ الرِّجال أوَّلُها وشرُّها آخِرُها»، وما ذلك إلَّا لقُربِ أوَّلِ صُفوفِ النِّساءِ من الرِّجالِ، فكان شرَّ الصُّفوفِ، ولبُعدِ آخرِ صُفوفِ النِّساءِ من الرِّجالِ، فكان خيرَ الصُّفوفِ، وإذا كان هذا في العبادةِ المشتركةِ فما بالك بغيرِ العبادةِ، ومعلومٌ أنَّ الإنسانَ في حالِ العبادةِ أبعدُ ما يكونُ عمَّا يتعلَّقُ بالغريزةِ الجنسيةِ، فكيف إذا كان الاختلاطُ بغير عبادةٍ، فالشَّيطانُ يجري من ابنِ آدمَ مَجرى الدَّمِ في العُروقِ، فلا يبْعُدُ أن تحصُلَ فتنةٌ وشرٌّ كبيرٌ في هذا الاختلاطِ.

والذي أدعو إليه إخوانَنا أن يبتَعِدوا عن الاختلاطِ، وأن يعلَموا أنه من أضرِّ ما يكونُ على الرِّجالِ كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما تَرَكتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرِّجالِ من النِّساءِ»، فنحن والحمدُ للهِ -نحن المسلمين- لنا مَيزةٌ خاصَّةٌ يجبُ أن نتميَّزَ بها عن غيرِنا، ويجبُ أن نحمدَ اللهَ سبحانه وتعالى أن منَّ علينا بها، ويجبُ أن نعلمَ أنَّنا مُتبِّعون لشرعِ اللهِ الحكيمِ الذي يعلمُ ما يُصلح العبادَ والبلادَ، ويجبُ أن نعلمَ أنَّ مَن نفروا عن صراطِ اللهِ عز وجل، وعن شَريعةِ اللهِ، فإنَّهم على ضلالٍ وأمرُهم صائرٌ إلى الفسادِ؛ ولهذا نسمعُ أن الأُممَ التي يختلطُ نساؤُها برجالِها أنَّهم الآن يحاولون بقَدرِ الإمكانِ أن يتخلَّصوا من هذا، ولكن أنَّى لهم التَّناوُشُ من مكانٍ بعيدٍ. نسألُ اللهَ أن يحميَ بلادَنا، وبلادَ المسلمين من كُلِّ سوءٍ وشَرٍّ وفتنةٍ.

 *

 العملُ المُباحُ

§§ ما هي مجالاتُ العملِ المباحةُ للمرأةِ التي تعملُ بها دون أن تُخالفَ دينَها؟

… المجالُ العمليُّ للمرأةِ أن تعملَ بما يختصُّ به النِّساءُ مثلُ أن تعملَ في تعليمِ البناتِ، سواءٌ كان ذلك عملًا إداريًّا أو فنيًّا، وأن تعملَ في بيتِها في خياطةِ ثيابِ النِّساءِ، وما أشبه ذلك، وأما العملُ في مجالاتٍ تختصُّ بالرِّجالِ، فإنَّه لا يجوزُ لها أن تعملَ، حيث إنه يَستلزمُ الاختلاطَ بالرِّجالِ، وهي فتنةٌ عظيمةٌ يجبُ الحذرُ منهـا، ويجبُ أن نعلمَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنـه قـال: «ما تَرَكتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرِّجالِ من النِّساءِ». فعلى المرءِ أن يجنِّبَ نفسَه وأهلَه مواقعَ الفتنِ وأسبابَها بكُلِّ حالٍ.

 *

 يحرُمُ النظرُ إلى صورة الفنَّاناتِ

§§ هناك ظاهرةٌ مُتفشيةٌ بين الشَّبابِ، وهي اقتناءُ صُور النِّساءِ الأجنبياتِ من فنَّاناتٍ ومُطرباتٍ وغيرِ ذلك، وينظُرون إليها باستمتاعٍ، ويحتجُّون بحُجَّةٍ واهيةٍ، وهي أن هذه الصُّوَرَ ليست حقيقيةً.

… هذا تهاوُنٌ خطيرٌ جدًّا، وذلك أنَّ الإنسانَ إذا نظَرَ للمَرأةِ سواءٌ بواسطةِ وسائلِ الإعلامِ المرئيَّةِ، أو بواسطةِ الصُّحفِ، أو غيرِ ذلك، فإنَّه لا بُدَّ أنْ يكونَ من ذلك فتنةٌ على قَلبِ الرَّجلِ تجُرُّه إلى أن يتعمَّدَ النَّظَر إلى المرأةِ مُباشرةً، وهذا شيءٌ مُشاهدٌ، ولقد بلغَنا أنَّ من الشَّبابِ مَن يقتني صورَ النِّساءِ الجَميلاتِ؛ ليتلذَّذَ بالنَّظَر إليهنَّ أو يتمتَّعَ بالنَّظَر إليهنَّ، وهذا يدُلُّ على عِظَمِ الفتنةِ في مُشاهدةِ هذه الصُّوَرِ، فلا يجوزُ للإنسانِ أن يُشاهِدَ هذه الصورَ، سواءٌ كانت في مِجلاتٍ أو في صُحفٍ أو غيرها؛ لأنَّ في ذلك فتنةً تضرُّه في دِينه، ويتعلَّق قلبُه بالنَّظَر إلى النِّساءِ، فيبقى ينظُرُ إليهنَّ مُباشرةً.

§§ ما هي حدودُ عورةِ المرأةِ للمرأةِ المسلمةِ والفاجرةِ والكافرةِ؟

… عورةُ المرأةِ مع المرأةِ لا تختلفُ باختلافِ الدِّين، وعورتُها مع المرأةِ المسلمةِ كعورتِها مع المرأةِ الكافرةِ، وعورتُها مع المرأةِ العفيفةِ كعورتِها مع المرأةِ الفاجرةِ، إلَّا إذا كان هناك سببٌ آخرُ يقتضي وُجوبَ التحفُّظِ أكثرَ، لكن يجبُ أن نعلمَ أنَّ العورةَ ليست هي مقياسَ اللِّباسِ، فإنَّ اللِّباسَ يجبُ أنْ يكونَ ساترًا، وإن كانت العورةُ –أعني: عورةَ المرأةِ- بالنِّسبةِ للمرأةِ ما بين السُّرَّة والرُّكبة، لكن اللِّباسَ شيءٌ، والعورةَ شيءٌ آخرُ، ولو فُرِض أنَّ امرأةً كانت لابسةً لباسَ حِشمةٍ، وظهَرَ صدرُها أو ثديُها لعارضٍ أمامَ امرأةٍ أخرى، وهي قد لَبِست هذا اللِّباسَ السَّاترَ الشاملَ، فإنَّ هذا لا بأسَ به. أما أن تتَّخِذ لباسًا قصيرًا من السُّرَّة إلى الرُّكبة بحُجَّةِ أنَّ عورةَ المرأةِ للمرأةِ من السُّرَّة إلى الرُّكبة؛ فإنَّ هذا لا يجوزُ، ولا أظنُّ أن أحدًا يقولُ به.

§§ هل يجوزُ للمرأةِ أن تُخرِجَ ثديَها عندَ النِّساءِ لإرضاعِ طِفلِها؟

تفهمُ الإجابةَ مما سبق.

§§ ما حكمُ المكياجِ للنِّساءِ أو للتزيُّنِ به لزوجِها؟

… كُلُّ ما تتزيَّن به المرأةُ من هذه التزيُّناتِ لا بأسَ به إذا كان لا يضُرُّها؛ لأنَّ الأصلَ الحِلُّ، فلا يحرُمُ إلَّا ما قام الدليلُ على تحريمِه، ولكنِّي سمعتُ أن هذه المساحيقَ (المكياج) تؤثِّرُ على بَشَرةِ المرأةِ، وأنَّها تُغيِّرها في وقتٍ قصيرٍ، وهذا هو الظاهرُ؛ لأن العادةَ أن رُدودَ الفعلِ كما يقولون تكونُ في الأمورِ الحِسِّيةِ كما تكونُ في الأمورِ المَعْنويةِ، فإذا ثبَتَ ثبوتًا لا مِريةَ فيه أنه لا ضررَ على المرأةِ في استعمالِه، فإنَّه لا بأسَ به؛ لأنَّ ذلك مما يَجلِبُ رغبةَ الزَّوج إلى زوجتِه ويُحبِّبُها إليه، لاسيَّما إذا كان الزَّوجُ ممن يهتمُّ بمثلِ هذه الأمورِ؛ لأن الأزواجَ يختلفون، فقد يكون بعضُهم لا يهمُّه أن تتجمَّلَ المرأةُ بهذه المُجمِّلاتِ، وقد يكون بعضُهم مشغوفًا بهذه المُجمِّلاتِ. أما بالنِّسبةِ لتزيُّن النِّساءِ فيما بينَهن أثناء الزياراتِ، فليس به بأسٌ إذا كان في الحُدودِ الشَّرعيةِ المباحةِ.

§§ غيرُ المتزوِّجةِ هل يجوزُ أن تضعَ المكياجَ، وتظهرَ للنِّساءِ؟

… غيرُ المتزوِّجة على قاعدةِ بعضِ أهلِ العِلمِ أنه لا ينبغي لها أن تتجمَّلَ؛ لأنَّها غيرُ مُطالَبةٍ بهذا، فالذي أرى أن تتجنَّبَه غيرُ المتزوِّجةِ، أما المتزوِّجةُ فقد سبق بيانُ حُكمِها.

§§ ما حكمُ التطيُّبِ للنِّساءِ إذا أتَيْنَه في البيتِ؟

… إذا تطيَّبتِ النِّساءُ في البيوتِ؛ فإنَّهن يخرُجنَ للأسواقِ، وتظهَرُ رائحةُ الطِّيب عليهنَّ، وقد ثبتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيُّما امرأةٍ أصابت بَخُورًا فلا تشهَدْ معنا العِشاءَ»، وهذا يدلُّ على أنه لا يجوزُ للمرأةِ أن تخرُجَ وهي متطيِّبةٌ، نعم لو كان هؤلاء النِّساءُ سوف يَركبْنَ السيَّارةَ عندَ البابِ، ولا يتعرَّضنَ لأحدٍ أجنبيٍّ، فهذا لا بأسَ به.

§§ ما حكمُ الملابسِ النِّسائيةِ من تصميمِ الكُفَّارِ لغيرِ قصدِ التشبُّهِ وهي ساترةٌ؟

… كلمةُ قصدِ التشبُّه غيرُ واردةٍ؛ لأنه إذا حصلَ التشبُّه حصلَ المحذورُ، وثبتَ حُكمُه سواءٌ بقصدٍ أو بغيرِ قصدٍ، فإذا كانت هذه الألبسةُ مما يختصُّ بالكُفَّار، ولا يلبسُها غيرُهم، فإنَّه لا يجوزُ للمسلم أن يلبسَها، أما إذا كانت الألبسةُ شائعةً بين المسلمين وغير المسلمين لكنها غيرُ موجودة في بلادِنا مثلًا؛ فلا بأسَ بلُبسها إذا لم يكن ذلك شُهرةً، فإن كان شُهرةً فهو حرامٌ.

§§ ما حكمُ الملابسِ الضيِّقة والقصيرةِ التي تُبدي الساقينِ أمام المحارمِ والنِّساءِ؟

… كما قلتُ سابقًا إن اللِّباسَ يجبُ أنْ يكونَ ساترًا شاملًا، وليس أن يقتصِرَ على العورةِ، وعلى هذا يجبُ على النِّساءِ أن يلبسنَ ثيابًا طويلةً ساترةً حتى وإن كان ساقَها، يجوزُ أن يبدوَ للمرأة التي مثلها ولمحارمِها؛ لأنه يجبُ علينا ولاسيَّما في عصرِنا هذا أن نحتاطَ لهذه الأمور احتياطًا بالغًا، وأن نمنعَ ما يُخشى منه التدرُّج إلى مُشابهة الكُفَّار بألبستِهم.

§§ ما حكمُ قصِّ الشَّعر للشابَّة للتزيُّنِ؟

… إذا كان قصُّ الشَّعرِ إلى درجةٍ تكون بها مُشابهةٌ للرَّجُل فهذا حرامٌ؛ فإن الرسولَ صلى الله عليه وسلم لعن المتشبِّهاتِ من النِّساء بالرِّجالِ، وكذلك لو كان قَصُّه على صفةٍ مشابهةٍ لنساءِ الكُفَّار فإنه حرامٌ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم». أما إذا كان على غير هذينِ الوَجهينِ، فإن المشهورَ من مذهبِ الحنابلةِ أن هذا مكروهٌ، وهذا القولُ وإن كان ليس له دليلٌ بيِّنٌ، فإنَّ الأخذَ به جيِّد؛ لئلا تتدرَّجَ المرأةُ من المباحِ للمُمتنعِ، ومن المكروهِ للمُحرَّم، فالقولُ بالكراهةِ هنا حذرًا من الوُقوعِ في المُحرَّم قولٌ جيِّد.

§§ يُقال: إنَّكم ذكرتُم في شرح (بُلوغ المرامِ) عندَ مسحِ الرَّجُل رأسَه في الوُضوء بأن يمسحَ الرَّجُل رأسَه من الأمامِ إلى الخلفِ، ثم من الخلفِ إلى الأمامِ حتى يصلَ الماءُ إلى باطنِ الرأسِ، هل هذا صحيحٌ؟

وهل هذا يشملُ النِّساءَ علمًا بأن المرأةَ قد يصعبُ عليها ذلك لكثرةِ وطُولِ شَعرها؟

… نعم بالنِّسبة لكونه يبدأُ من مُقدم الرأس إلى مُؤخَّره، ثم يرجعُ إلى مُقدَّم الرأسِ هذا صحيحٌ، وقد ثبتت به السُّنَّة. وأما حتى يصلَ الماءُ إلى باطنِ الرأسِ، فهذا كذبٌ وليس بصحيحٍ، ولا يمكن أن يصلَ الماءُ إلى باطنِ الشَّعر بالمسحِ؛ لأن المسحَ معناه أن يبلَّ يدُه بالماءِ ثم يمسحَ بها رأسَه، وهذا لا يتأتَّى منه ماءٌ يصلُ إلى باطنِ الشعرِ، اللهمَّ إلَّا أنْ يكونَ عقب حَلقٍ.

§§ وأما هل يشملُ النِّساءَ هذا؟

… نعم؛ لأنَّ الأصلَ في الأحكامِ الشرعيةِ أن ما يثبتُ في حق الرجالِ يثبتُ في حق النِّساءِ، وأن ما ثبت في حق النِّساءِ ثبت في حق الرِّجالِ إلَّا بدليلٍ، ولا أعلمُ دليلًا يُخصِّص المرأةَ في هذا. وعلى هذا فتمسحُ من مُقدَّم الرأسِ إلى مُؤخَّره، وإن كان الشَّعر طويلًا فلن يتأثَّرَ بذلك؛ لأنه ليس المعنى أن تضغطَ بقُوَّة على الشَّعر حتى يتبلَّلَ أو يصعدَ إلى قِمَّة الرأسِ، إنَّما هو مسحٌ بهدوءٍ.

§§ سجدةُ التلاوةِ للنِّساء هل تكون على هيئةِ حجابِها في الصَّلاة؟

… هذا ينبني على اختلافِ العلماءِ في سجدةِ التلاوةِ: هل حكمُها حكمُ الصَّلاة، فلا بدَّ فيها من سَتر العورةِ، واستقبالِ القِبلةِ، والطَّهارة، وإن قلنا: إنها سجدةٌ مُجرَّدة لا يُشترط فيه ما يُشترط في الصَّلاة؛ فإنه لا يُشترطُ فيها في هذه الحالِ أنْ تكونَ المرأةُ متحجِّبةً حجابَ الصلاةِ، بل ولا أنْ يكونَ الإنسانُ على وُضوءٍ، ولكن لا شكَّ أن الأحوطَ الأخذُ بالقَولِ الأولِ، وألَّا يسجدَ الإنسانُ إلا على وضوءٍ، وأنْ تكونَ المرأةُ والرجلُ أيضًا ساترًا ما يجبُ سترُه في الصَّلاة.

§§ هل تقطعُ المرأةُ صلاةَ المرأةِ إذا مرَّت بين يدَيْها؟

… نعم تقطعُ؛ لأنه لا فرقَ في الأحكامِ بين الرجالِ والنِّساءِ إلا بدليلٍ، ولكن إذا مرَّت مِن وراء سُترتها إن كان لها سُترةٌ، أو من وراءِ سجَّادتها إن كانت تُصلِّي على سجَّادة، أو مِن وراء موضعِ سُجودِها إن لم يكن لها سُترةٌ ولا سجَّادة، فإن ذلك لا يضُرُّ ولا يؤثِّرُ.

§§ وإن كان في التحرُّز من ذلك مشقَّة لاسيَّما في الحرمينِ؟

… الحديثُ لم يستثنِ شيئًا وليس في هذا مشقَّة؛ لأن في الإمكانِ أن تمنعَ والناسُ سوف يمتنعون، وإذا لم يكن يتيسَّر ذلك فأجِّلِ النافلةَ إلى وقتٍ يكونُ فيه المكانُ غيرَ مُزدحمٍ، أو تقدَّمْ إلى مكانٍ آخرَ خالٍ، أو إذا كانت نافلةً اجعلْها في البيتِ، فإن النافلةَ في البيتِ أفضلُ من النافلةِ في المسجدِ سواءٌ في المسجدِ الحرامِ أو في المسجدِ النبويِّ أو في غيرِهما من المساجدِ؛ لأن الرسولَ صلى الله عليه وسلم قال وهو في المدينةِ: «أفضلُ الصَّلاةِ صلاةُ المرءِ في بيتِه إلَّا المكتوبة»، وكان الرسولُ صلى الله عليه وسلم يتطوَّع في بيته.

§§ ما حكم لُبْس المرأةِ اللَّونَ الأبيضَ ليلةَ زفافِها إذا عُلِمَ أنَّ هذا تشبُّهٌ بالكُفَّار؟

… المرأةُ يجوزُ لها أن تلبسَ الثوبَ الأبيضَ بشرطِ ألَّا يكون على تفصيلِ ثيابِ الرَّجُل. وأما كونُه تشبُّهًا بالكُفَّار فقد زال الآن هذا التشبُّه؛ لكونِ كُلِّ المسلمين إذا أرادت النِّساءُ الزواجَ يلبَسْنَه، والحكمُ يدورُ مع عِلَّتِه وُجودًا وعدمًا. فـإذا زال التشبُّه وصـار هذا شامـلًا للمسلمينَ والكُفَّار زال الحكمُ، إلا أنْ يكونَ الشيءُ مُحرَّمًا لذاتِه لا للتشبُّهِ، فهذا يحرمُ على كُلِّ حالٍ.

§§ امرأةٌ يطلبُ منها زوجُها في بعض ليالي رمضان صُنعَ طعامٍ لضيوفه، وهي عندما تقومُ بذلك تحسُّ بإرهاقٍ شديدٍ، ولا تتمكَّن من القيام تلك اللَّيلةَ، فهل يجبُ عليها طاعتُه في ذلك لو استمرَّ الحالُ على ذلك أكثر ليالي رمضان؟

… الواجبُ على المرأةِ أن تُعاشر زوجَها بالمعروفِ، وعلى الرَّجُل أن يُعاشر زوجتَه بالمعروفِ، قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19]، وليس من المعروف أن يُرهق الرَّجُل زوجتَه في خِدمته في مِثل هذا الوقتِ، وعلى تلك الحالِ، ولكن إن صمَّم فاللائقُ بالمرأةِ أن تُطيعَه. وإذا تعبت عن القيام وشقَّ عليها، فإنَّ الله تعالى يكتبُ لها ما كانت تنويه وتريدُه؛ لأنها إنَّما تركت ذلك لعُذرٍ، لتقومَ بما يجبُ عليها من طاعةِ الزَّوج فيما يلزمُها طاعتُه.

 *

 فتاوى الزَّواج

ليس ثمَّة شك في أن الزَّواج يعني إضافةَ لَبِنةٍ جديدةٍ من لَبِنات المجتمعِ المسلمِ، ودعامةٍ جديدةٍ من دعائمِه، ومن هنا كانت الأهميةُ والعنايةُ التي تحوطُه. فبناءُ الأجيالِ والأُمم إنما يرتكزُ وينطلقُ من هذه اللَّبِنة، وأن المنطلقاتِ إذا هي سَلِمت من الغَبَش والرُّتوشِ أضحت المسيرةُ سليمةً من كُلِّ العراقيلِ والقيودِ التي قد تحولُ دون إكمالِ مهمتِها.

وبالزَّواج يكونُ المسلمُ قد بدأ حياةً جديدةً. لكن يجبُ أنْ تكونَ هذه الحياةُ مدعومةً بالفهمِ الصحيحِ، والإدراكِ العميقِ لكُلِّ مُتطلباتِ الحياةِ الزَّوجيةِ.

ونحن نمرُّ بفترةِ الإجازةِ الصيفيةِ حيث تكثرُ حفلاتُ الزَّواج؛ نجدُ أنه من المناسبِ أن نلتقيَ بأحدِ أعلامِ الأُمَّة البارزين؛ ليُحدِّدَ لنا النهجَ القويمَ، والسياسةَ الشرعيةَ الثابتةَ التي خطَّها دينُنا الحنيفُ؛ لكي نتَّبِعَ خُطاها ونسترشدَ برُؤاها حتى نَسلمَ من الوُقوع في المحذورِ والزَّلَل.

فلِقاؤنا كان مع فضيلةِ الشَّيخ مُحمَّد بن صالح العُثيمين حفظه الله تعالى؛ ليوضِّحَ لنا بعضَ المعالم النيِّرةِ حول قضايا الزَّواج، وما يجبُ على الزَّوجينِ الالتزامُ به قبلَ وبعدَ وفي أثناءِ زواجِهما. وبعضَ المحاذيرِ التي قد تقعُ في الزَّواج، وإسداء النَّصائحِ والتوجيهاتِ القيِّمةِ التي تنفعُ الأُمَّة في دينِها ودنياها.

فإلى المحاورةِ التاليةِ:

§§ فضيلةَ الشَّيخ: تعلمون حفظكمُ الله أن الزَّواجَ تلبيةٌ مأمونةٌ لحاجةِ الغريزةِ بين الرَّجُل والمرأةِ التي إن توفَّرت حصلتِ العِفَّة، وإن لم تتوفَّرْ حصلت الخيانةُ التي فيها دمارُ الأُمَّة، فما هي نصيحتُكم لمن أراد الزَّواجَ؟ وماذا يفعلانِ -الزَّوج والزَّوجةُ- في ليلةِ الزَّواجِ؟

نصيحتي لمن أرادَ الزَّواجَ أن يختارَ مِن النِّسـاءِ مَن أوْصى النبـيُّ صلى الله عليه وسلم بتزوُّجِها حيث قال: «تزوَّجوا الوَدودَ الوَلودَ»، وقال: «تُنكَح المرأةُ لأربعٍ: لمالِها، وحَسَبها، وجَمالِها، ودينِها، فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ».

وأن تختارَ المرأةُ مَن كان ذا خُلُق ودِينٍ، لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم مَن ترضَوْنَ دِينَه وخُلُقَه فزوِّجوه». وأنْ تتحرَّى غايةَ التحرِّي، ولا تتعجَّلَ بقَبول الخِطبـة، حتى تبحثَ عن حال الخاطبِ؛ لئلا تندمَ على تسرُّعها.

ومما ينبغي العنايةُ به ليلةَ الدُّخول على المرأةِ أن يدخُلَ الزَّوجُ عليها مُستبشرًا متهلِّلًا؛ لأجل إيناسِها؛ لأنها في تلك السَّاعة سيكون عندها رَهبةٌ؛ وهَيبةٌ وخَوفٌ، ويأخُذُ بناصيتِها، ويدعو بالدُّعاءِ المعروفِ: «اللهمَّ إنِّي أسألُك خيرَها، وخيرَ ما جَبَلْتَها عليه، وأعوذُ بك من شرِّها وشرِّ ما جَبَلْتها عليه»، يقولُ ذلك جهرًا إلَّا أن يخافَ أن تتروَّع المرأةُ وتشمئِزَّ، فإذا خاف ذلك، فيكفي أن يضعَ يدَه على ناصيتِها ويدعو بهذا الدُّعاءِ سرًّا.

وعندَ إتيانِ الإنسانِ أهلَه يقولُ ما حثَّ عليه الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم: «لو أن أحدَكم إذا أتى أهلَه قال: بسمِ اللهِ، اللهمَّ جنِّبْنا الشَّيطان وجنِّب الشَّيطانَ ما رَزَقتَنا، فإنه إن يُقدَّرْ بينَهما ولَدٌ لم يضُرَّه الشَّيطانُ أبدًا».

فهذا من أسبابِ صَلاحِ الأولادِ وهو سَهلٌ يسيرٌ، كذلك مما ينبغي بل يتعيَّن فهمُه ومعرفتُه أنه إذا حصل الجماعُ وجب الغُسلُ على الطرفينِ، وإن لم يحصُلْ إنزالٌ، وبعضُ الناسِ يظُنُّ أن الغُسلَ لا يجبُ إلَّا بالإنزالِ، وهذا ظـنٌّ خاطـئٌ، فالغُسـلُ واجبٌ إذا جامعَ وإن لم يُـنزلْ، لقـولِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: «إذا جلَسَ بـين شُعَبِها الأربـعِ ثم جَهَدهـا فقَـدْ وجَبَ الغُسـلُ وإن لم يُنْزِل». وعلى هذا فيجبُ الغُسلُ بأحدِ أمرينِ: إما بالإنزالِ وإما بالجماعِ، فالإنزالُ إذا حصل سواءٌ بتقبيلٍ أو ضمٍّ أو نظرٍ لشَهوةٍ أو مُحادثةٍ أو أي سببٍ وجب الغُسلُ، وإذا حصل الجماعُ وجب الغُسلُ وإن لم يُنزِلْ.

ومما تجدرُ الإشارةُ إليه أن بعضَ الأزواجِ -هداهمُ الله- لا يهتمُّون بصلاةِ الفجرِ صباحَ الزَّواجِ، إما أنهم يُصلُّونها في آخرِ الوقتِ وليس مع الجماعةِ، وإما أنهم لا يُصلُّونها إلَّا إذا طلعتِ الشَّمسُ، وهذا من العاداتِ المنكرةِ المنافيةِ لشُكر نعمةِ الله تعالى؛ لأن شُكرَ نعمةِ الله أن تقومَ بطاعتِه.

§§ وماذا تقولون -حفظكمُ الله- في المقولةِ الشائعةِ التي يردِّدها بعضُ الناسِ أنَّ الزَّوجَ إذا خرج لصلاةِ الفَجرِ مع الجماعةِ في المسجدِ فهذا يدلُّ على عدم رَغبتِه في زوجتِه، ولو رغب ما خرجَ من عندها طيلةَ ذلك اليَومِ؟

… أقولُ: إنَّها مقولةٌ فاسدةٌ، بل إذا صلَّى الفجرَ فهذا دليلٌ على رغبتِه فيها، وأنه شكر نعمةَ الله عز وجل على ما يسَّرَهُ له من النكاح، فالواجبُ أن يُصلِّيَ الزَّوجُ صلاةَ الفجرِ مع الجماعةِ، لا أن يدعَ صلاةَ الجماعةِ بدون عُذرٍ شرعيٍّ.

§§ حفظكمُ الله: ما رأيُكم في قولِ بعضِ العُلماء: «يُعذرُ بتركِ الجماعةِ مَن ينتظرُ زفَّ المرأةِ إليه».

… رأيُنا: أن أقوالَ العلماءِ يكون فيها الخطأُ، ويكونُ فيها الصَّوابُ، والواجبُ الرُّجوعُ إلى الكتابِ والسُّنَّة.

ثانيا: أن الذين قالوا هذا من العُلماءِ إنَّما يتحدَّثون عن أمرٍ كانوا عليه، وهو أن الرَّجُل هو الذي يستقبلُ الزَّوجةَ وليستِ الزَّوجةُ هي التي تستقبلُ الرَّجُلَ، فيكون الرَّجُلُ في بيتِه وتُزفُّ إليه امرأتُه، وهذا يُعذرُ بتركِ الجماعةِ؛ لأنه لو ذَهب وصلَّى الجماعةَ لكان قلبُه مشغولًا، وإذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاةَ بحَضرةِ طعامٍ»، وكان ابنُ عُمر رضي الله عنهما يسمعُ الإمامَ يقرأُ وهو يتعشَّى لا يقومُ للصَّلاةِ حتى يُكمل، فإذا كان الرَّجُل يُعذَر بتَركِ الجماعةِ في هذه الحالِ، فالذي ينتظرُ زفَّ الزَّوجةِ إليه أشدُّ شُغلًا والعُذرُ واضحٌ.

لكن عادةَ الناسِ اليَومَ على خلافِ ذلك عندنا؛ فالزَّوجُ هو الذي يأتي إلى الزوجةِ في مكانِها، والأمرُ بيدِه فلا يُعذرُ بتركِ الجماعةِ.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: اشتهَرَ لدى كثيرٍ من الناسِ أن الرَّجُل إذا دخل على زوجتِه يُصلِّي أمامها رَكعتينِ، وهي كذلك تُصلِّي معه، حتى أن بعضَهم فور دخولِه عليها يشرعُ بصلاتِه حتى قبلَ الحديثِ معها، فهل هذا من السُّنَّة؟

… في هذا آثارٌ عن بعضِ الصَّحابة رضي الله عنهم أن الرَّجُل إذا دخَلَ على زَوجتِه أوَّلَ ما يدخلُ يصلِّي بها ركعتينِ، أما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فلم يصحَّ في ذلك شيءٌ، والذي يفعلُ ذلك أرجو ألَّا يكون عليه حرجٌ وإن تركَه فلا حرَجَ.

§§ تعلمـون -حفظكـمُ الله- أن النِّساءَ ناقصـاتُ عَقـلٍ ودِينٍ، وهنا تعرضُ مسألةٌ وهـي أن المرأةَ إذا اختارت رَجُلًا غيرَ صالـح، وكان الرَّجُـل الذي اختاره والـدُها رجلًا صالحًا، فهـل يُؤخذُ برأيِها أم تُجبرُ على مَن أراد والدُها؟

أما جبرُها على مَن أراد والدُها فإنَّه لا يجوزُ، حتى وإن كان صالحًا؛ لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا تُنكحُ البِكرُ حتى تُستأذنَ، ولا تُنكحُ الأيِّم حتى تُستأمرَ»، وفي لفظٍ لمسلمٍ: «والبِكرُ يُستأذِنُها أبوهـا في نفسِها». وأما تزويجُهـا بمَن لا يُرضى دينُه ولا خُلُقُه فـلا يجوزُ أيضًا، وعلى وليِّها أن يمنعَها وأن يقولَ: لا أزوِّجُك من هذا الرَّجُل الذي تُريدينه، إذا كان غيرَ صالحٍ.

فإن قال قائلٌ: لو أصرَّت المرأةُ على ألَّا تتزوَّج إلَّا هذا الرَّجُل.

فالجوابُ: أَنَّا لا نزوِّجُها بـه وليس علينا من إثمِها شيءٌ، نعم لـو أن الإنسانَ خاف مفسدةً وهو أن يحصُلَ بينها وبين هذا الخاطبِ فتنةٌ تُنافي العِفَّة، وليس في الرَّجُل شيءٌ يمنعُ من تزويجِها به شرعًا، فهنا نزوِّجُها به درءًا لهذه للمفسدةِ.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: ماذا تقولون في بعضِ الآباءِ الذين يأخذون المهرَ كاملًا، ولا يُعطون البنتَ منه شيئًا إلَّا النَّزرَ اليسيرَ، مع العلم أن بعضَ المُهورِ قد تصلُ إلى مبالغَ خياليَّةٍ، فقد تصلُ إلى مئةٍ وخمسينَ ألفَ ريالٍ؛ ثم مَن أدرك أن هذا المهرَ الذي أخذَه قهرًا وبدُون رضا ابنتِه ماذا يفعلُ بعد مُضيِّ مُدَّة طويلةٍ على الزَّواج؟

في هذا السُّؤالِ أمرانِ مُهمَّانِ:

الأولُ: هل يجوزُ لوليِّ المرأةِ أن يشترطَ لنفسِه أو لغيرِه شيئًا من المهرِ سواءٌ كان الأبَ أم غيرَه؟

الجوابُ: لا يجوزُ ذلك؛ لأن الصَّداقَ كلَّه للمرأةِ؛ لقولِه تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء:4]، ولحديثِ عمرِو بن شُعيب عن أبيه عن جدِّه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أيُّما امرأةٍ نُكِحَت على صداقٍ أو حِباءٍ أو عِدَّة قبل عصمةِ النكاحِ فهو لها، ومـا كان بعدَ عصمةِ النكاحِ فهو لمـن أُعطيه»، ولا فرقَ بين الأبِ وغيرِه في ذلك على القولِ الراجحِ إلَّا أنها إذا قبضته وتمَّ مُلكُها له فللأبِ وحدَه أن يتملَّك منه ما شاء ما لم يضُرَّها. أما بقيةُ الأولياءِ فليس لهم حقُّ التملُّك، لكن إن أعطتْهمُ الزَّوجةُ شيئًا بسَخاءٍ وطِيبِ نفسٍ فهو لهم حلالٌ.

الأمرُ الثاني: أن بعضَ المُهورِ قد يصلُ إلى مبالغَ خياليَّةٍ، وهذا خلافُ السُّنَّة. ففي صحيحِ مسلمٍ عن أبي هُريرة رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنِّي تزوجتُ امرأةً من الأنصارِ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «على كم تزوَّجتَها؟» قال: على أرْبَع أواقٍ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «على أربع أواقٍ، كأنَّما تَنحتون الفِضَّة من عُرض هذا الجبل». وأربعُ الأواقِ مئةٌ وستُّون درهمًا أي: أقلُّ من نصابِ الزَّكاة، والمغالاةُ في المهور سببٌ لنَزعِ البركةِ من النِّكاح، فإن أعظمَ النكاح بركةً أيسرُه مؤونةً. ومتى حصلتِ المُغـالاةُ أصـاب الزَّوجَ همٌّ وغمٌّ؛ لكثرةِ ما أنفقَ، خصوصًا إذا كان مَدينًا بذلك، فكلما ورد على قلبِه السُّرورُ بزوجتِه ثم تذكَّر ديونَه التي عليه، انقلب سُرورُه حُزنًا وسعادتُه شقاءً.

ثم لو قَدَّر الله تعالى ألَّا يتـلاءمَ مع زوجتِه لم يسهلْ عليه فِراقُها، وبقيت معه في عناءٍ وشقاءٍ، وبقيت مُعلَّقة لا زوجةً ولا مُطلَّقةً. وإذا قُدِّر أن تطلُبَ منه الفسخَ لم يسمحْ غالبًا إلا بردِّ مهرِه عليه، فإذا كان كثيرًا صعُب على المرأةِ وأهلِها الحصولُ عليه إلا بمشقَّةٍ شديدةٍ؛ لذلك ننصحُ إخوانَنا المسلمين عن الُمغالاة في المهورِ والتفاخُر بها؛ حتى يسهُلَ الزَّواجُ للشَّبابِ، وتقلَّ أسبابُ الفتنِ، والله المستعانُ.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: مـن الأمور التي نـودُّ من فضيلتِكم التنبيهَ إليهـا البطاقاتُ التي يُدعى بها النـاسُ لحُضـور وليمةِ الزَّواج، حيث يصلُ بعض أسعارِها إلى سبعةِ ريالاتٍ، فهل من تحذيرٍ منها، خصوصًا مع وُجود البديلِ النافعِ مثل كتابةِ الدَّعوة على ظهر رسالةٍ علميَّةٍ، كذلك غلاف شريطٍ إسلاميٍّ، أيضًا استعمالُ ورقةٍ مُصوَّرة بالألوانِ مكتوبةٍ بخطٍّ جميلٍ بالكمبيوتر لا تُكلِّف شيئًا يُذْكَر، فهل من دعوةٍ للحدِّ من هذا الإسرافِ؟

… إنِّي أحثُّ إخواني على تركِ هذا الإسرافِ، وأرى أنَّ بذلَ المالِ الكثيرِ لمُجرَّد دعوةٍ قد يجيبُ المدعوُّ بها، وقد لا يجيبُ، ومآلُها إلى رميها في الأرضِ فأقولُ: إن هذا من التبذيرِ الواضحِ الذي نَهى اللهُ عنه فقال: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء:26- 27].

وأما فكرةُ أنْ تكونَ الدَّعوةُ في بطاقةٍ، ويكونُ في ظهرِها كلماتٌ مأثورةٌ مُوجَّهةٌ ونافعةٌ فهذا طيِّب، وليت هذا يُفعَل لكن تكون أوراقًا عاديةً. والاقتراحُ الثاني أيضًا أنْ يكونَ بصُحبة البطاقةِ أشرطةٌ مفيدةٌ فهذا أيضًا طيِّب، وقد وقع هذا في بعض الدعواتِ رأينا كثيرًا من الدعواتِ التي تُعطَى النَّاسَ يكونُ فيها أشرطةٌ، وهذا خيرٌ ونُعِين عليه أيضًا بقدرِ ما نستطيعُ، فلو أن الناسَ فعلوا ذلك لكانت هذه دعوةً إلى الوليمةِ، ودعوةً إلى الشريعةِ، فنجمعُ بين الحُسنيينِ. وأما الثالث كونُ الدعوةِ أوراقًا مُصوَّرةً فهذا أيضًا طيِّب لا يُكلِّف كثيرًا وينفعُ.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: نسمعُ عن المبيتِ الواجبِ للزَّوجةِ، فهل المقصودُ به بالفِراشِ أم بالغرفةِ أم بالمنزلِ؟

… هذا يختلفُ باختلافِ العاداتِ؛ لأن الله تعالى قال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19]، لكنَّ قولَ الله F: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} [النساء:34]، يدلُّ على أنَّ تمام العِشرةِ أنْ يكونَ الرَّجُل مع زوجتِه في فِراشٍ واحدٍ، وهكذا كان هديُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لكن لا بأسَ أحيانًا أن ينامَ على سريرٍ وحدَه أو في فراشٍ وحدَه، وإلَّا فالأصلُ أنْ يكونَ الرجلُ مع زوجتِه في فراشٍ واحدٍ.

§§ هل عدَّةُ الزوجةِ تثبتُ بالخَلوةِ أم بالجماعِ؟ وهل إذا طلَّقها يسترجعُ المهرَ؟

أما الآيةُ الكريمةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} [الأحزاب:49]، فهـذا يعني: الجماعَ، لكـن الخُلفاءَ الراشدين رضي الله عنهم قالوا: «إنَّ الرَّجُل إذا خلا بالمرأةِ ثم طلَّقها قبل أن يُجامعَها وجبت عليها العِدَّة». والخلفاءُ الراشدون لهم سُنَّة مُتَّبعةٌ بأمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم هذا إذا فارقَها في الحياةِ بطلاقٍ أو غيرِه، أما إن مات عنها فإنَّ عليها العِدَّة والإحدادَ، وإن كان قبلَ الدُّخولِ والخَلوةِ؛ لعُمومِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234].

وأما المهرُ فإنْ طلَّقها قبلَ الدُّخولِ والخَلوةِ فله أن يسترجعَ نصفَه فقط، وإنْ طلَّقها بعدَ الدُّخولِ أو الخَلوة لم يسترجعْ منه شيئًا. وإن مات عنها فلها المهرُ كامـلًا، ولا حـقَّ للورثـةِ فيه سواءٌ كان موتُـه قبلَ الدُّخولِ والخَلوةِ أم بعدَهما.

§§ في بعضِ حفلاتِ الزَّواج تقومُ بعض النِّساءِ بتوزيعِ بعض الأشرطةِ والكُتيبات التي تحملُ في مادَّتِها المواعظَ، فهل هذا مشروعٌ؟

… هذا ليس مشروعًا في حدِّ ذاته لكنه محمودٌ لغيرِه؛ لأنه رُبَّما لا يحصلُ اجتماعُ النِّساءِ في غير هذه المناسبةِ، فتفريقُ الأشرطةِ والكُتيبات عليهنَّ في هذا الاجتماعِ حسنٌ، ومن وسائلِ الدَّعوةِ إلى الله عز وجل. لكن يجبُ أنْ تكونَ هذه الأشرطةُ والكتيباتُ صادرةً عن علماءَ موثوقين في العِلم والدِّين والمنهجِ.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: ما رأيُ فضيلتِكم في إلقاءِ بعض المواعظِ في مُناسبةِ الزفاف؟

… المواعظُ في مثلِ هـذه الحـالِ لا أعلمُه مأثورًا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لكن لو طُلب من الإنسانِ العالمِ الذي يُصغي الناسُ إلى حديثِه ولا يستثقِلونه في مثلِ هذا الاجتماعِ، فالتحدُّث إليهم حينئذٍ بالموعظةِ والأحكامِ التي يحتاجونها حَسَنٌ، ولكن لا يطولُ عليهم. وإذا رأى هو مُنكرًا بنفسِه فإنه يجبُ عليه أن يقومَ، ويعظَ الناسَ، ويحذِّرَهم من هذا المنكرِ، وكذلك إذا وُجِّه إليه سؤالٌ عن مسألةٍ من المسائلِ، فتكلَّم فيها واستطرَدَ فهذا حَسَنٌ، لا بأسَ به إن شاء الله.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: ما رأيُ فضيلتِكم فيما تفعلُه بعضُ النِّساءِ من القيامِ بنشيدِ الزفاف، وهل هذا من العَورةِ؟

… الصَّوتُ المُجرَّد ليس بعَـورةٍ، لكن مـن المعلومِ أنـه إذا ارتفعت أصواتُهن بهذه المناسبةِ ولاسيَّما إن كانت أصواتًا جميلةً لذيذةً على السَّمعِ والناسُ في نشوة العُرسِ، فإنَّ هذا يُخشى فيه من الفتنةِ العظيمةِ، فكونُ الأصواتِ لا تخرجُ من بينهن أوْلى وأبعدُ عن الفتنةِ، وأما ما يفعلُه بعضُ الناسِ اليومَ بمكبِّراتِ الصَّوت على شُرُفات المبنى، فيُؤذي الناسَ بسَماع الأصواتِ ويُقلِقهم فهذا مُنكرٌ يُنهى عنه.

والحاصلُ: أن قيامَ النِّساءِ بالنَّشيدِ المناسبِ في هذه الحالِ لا بأسَ به إذا لم يكن معه عزفٌ محرَّمٌ.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: هل يجـوزُ للنساءِ أن يرقُصنَ في حَفَلاتِ الزفافِ، لاسيَّما أنهنَّ أمام النِّساءِ فقط؟

… الرقصُ مكروهٌ، وكنتُ في أول الأمرِ أتساهلُ فيه، ولكن سُئلتُ عِدَّة أسئلةٍ عن حوادثَ تقعُ في حالِ رقصِ المرأةِ، فرأيتُ المنعَ منه؛ لأن بعضَ الفتياتِ تكونُ رشيقةً وجميلةً وخفيفةً ورقصُها يفتِنُ النِّساءَ بها حتى أنه بلغني أن بعضَ النِّساءِ إذا حصل مثلُ هذا تقومُ تُقبِّلُ المرأةَ التي ترقُصُ ورُبَّما تضمُّها إلى صَدرِها، ويحصُلُ في هذا فتنةٌ ظاهرةٌ.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: ما رأيُكم في لُبس دبلة الخُطوبة؟

… دبلةُ الخطوبةِ عبارةٌ عن خاتمٍ، والخاتمُ في الأصلِ ليس فيه شيءٌ إلا أن يصحَبَه اعتقادٌ كما يفعله بعضُ الناسِ، يكتبُ اسمَه في الخاتمِ الذي يعطيهِ مخطوبتَه، وتكتبُ اسمَها في الخاتمِ الذي تُعطيهِ إيَّاه، زعمًا منهما أنَّ ذلك يُوجب الارتباطَ بين الزَّوجينِ، ففي هذه الحالِ تكونُ هذه الدبلةُ مُحرَّمةً؛ لأنها تعلُّقٌ بما لا أصلَ له شرعًا ولا حسًّا، كذلك أيضًا لا يجوزُ في هذا الخاتم أن يتولَّى الخاطبُ إلبـاسَ مخطوبتِه؛ لأنها لم تكن له زوجةً بعـدُ، فهي أجنبيَّةٌ عنـه إذ لا تكونُ زوجةً إلا بالعَقدِ.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: نعلمُ أن كشفَ المرأةِ لوجهِها أمام الأجانبِ لا يجوزُ، لكن ما هو جوابُكم -حفظكمُ الله- على حديثِ العروسةِ التي قدَّمت لخطيبِها مشروبًا كاشفةً عن وجهِها، بحُضورِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع العِلمِ بأن الحديثَ في صحيحِ مُسلمٍ؟

… هذا الحديثُ وأمثالُه مما ظاهرُه أنَّ نساءَ الصَّحابةِ رضي الله عنهن يكشِفنَ وُجوهَهنَّ يُنزَّل على ما قبلَ الحِجابِ؛ لأنَّ الآياتِ الدالَّةَ على وُجوبِ الحجابِ للمرأةِ كانت متأخِّرةً في السَّنَة السادسة للهِجْـرةِ، وكان النِّساءُ قبـلَ ذلك لا يجبُ عليهنَّ سترُ وُجوهِهنَّ وأيديهنَّ، فكلُّ النُّصوص التي ظاهرُها جوازُ الكشفِ عندَ الأجانبِ محمولةٌ على ما قبلَ نُزولِ الحجابِ.

ولكن قد تردُ أحاديثُ فيها ما يدلُّ على أنها بعدَ الحِجابِ، فهذه هي التي تحتاجُ إلى جوابٍ.

مثلُ: حديثِ المرأةِ الخثعميَّةِ التي جاءت تسألُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وكان الفضلُ ابنُ العبَّاسِ رديفًا له في حجَّةِ الوداعِ، فجعلَ الفضلُ ينظُرُ إليها وتنظُرُ إليه، فجعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصرفُ وجهَ الفَضلِ إلى الشِّقِّ الآخرِ، فقد استدلَّ بهذا مَن يرى أن المرأةَ يجوزُ لها كشفُ الوجهِ، وهذا الحديثُ بلا شكٍّ من الأحاديثِ المُتشابهةِ التي فيها احتمالُ الجوازِ، وفيها احتمالُ عدمِ الجوازِ. أما احتمالُ الجوازِ فظاهرٌ، وأما احتمالُ عدمِ الدَّلالةِ على الجوازِ، فإنَّنا نقولُ: هذه المرأةُ مُحرِمةٌ، والمشروعُ في حقِّ المُحرِمةِ أنْ يكونَ وجهُها مكشوفًا، ولا نعلمُ أن أحدًا من النَّاس ينظُرُ إليها سوى النبيِّ صلى الله عليه وسلم والفضلِ بنِ العبَّاسِ، فأما النبيُّ صلى الله عليه وسلم فإنَّ الحافظَ ابـنَ حَجَر رحمه الله ذكر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يجوزُ له من النَّظَر إلى المـرأةِ أو الخَلوةِ بها ما لا يجوزُ لغيرِه. كما جاز له أن يتزوَّج المرأةَ بدون مهرٍ، وبدون وليٍّ، وأن يتزوَّجَ أكثرَ من أربعٍ، واللهُ عز وجل قد فسحَ له بعضَ الشَّيءِ في هذه الأمورِ؛ لأنه أكملُ الناسِ عِفَّةً، ولا يمكنُ أن يرِدَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يرِدُ على غيرِه من الناسِ من احتمالِ ما لا ينبغي أنْ يكونَ في حقِّ ذوي المروءةِ.

وعلى هذا فإنَّ القاعـدةَ عندَ أهـلِ العِلمِ أنـه إذا وُجد الاحتمالُ بطـلَ الاستدلالُ، فيكونُ هذا الحديثُ من المتشابِهِ، والواجبُ علينا في النُّصوصِ المتشابهةِ أن نرُدَّهـا إلى النُّصوصِ المحكَمةِ الدالَّةِ دَلالةً واضحةً على أنـه لا يجوزُ للمرأةِ أن تكشِفَ وجهَها عندَ غير الزَّوجِ والمحارمِ، وأن كشفَ المرأةِ وجهَها من أسبابِ الفتنةِ والشَّرِّ، والأمرُ كما تعلمون ظاهرٌ الآن في البلادِ التي رُخِّص للنِّساءِ فيها بكشفِ الوُجوهِ، فهل اقتصرتِ النِّساءُ اللاتي رُخِّص لهنَّ بكشفِ الوُجوهِ على كشفِ الوَجهِ؟ الجوابُ: لا، بل كشفنَ الوجهَ والرَّأسَ والرَّقَبة والنَّحرَ والذِّراعَ والسَّاقَ والصَّدرَ أحيانًا، وعجز هؤلاء أن يمنَعوا نساءَهم مما يعترِفون بأنه مُنكَرٌ ومُحرَّمٌ، وإذا فُتح بابُ الشرِّ للناس فثِقْ أنك إذا فتحت مِصراعًا فسوف يكونُ أبوابًا كثيرةً، وإذا فتحت أدنى شَيءٍ، فسوف يتَّسِع حتى لا يستطيعَ الراقعُ أن يرقَعَه، فالنُّصوصُ الشَّرعيةُ والمعقولاتُ العقليةُ كلُّها تدلُّ على وُجوبِ سَترِ المرأةِ وجهَها.

وإنِّي لأعجبُ من قَومٍ يقولون: إنه يجبُ على المرأةِ أن تستُرَ قدمَها، ويجوزُ لها أن تكشِفَ كفَّيْها، فأيُّهما أوْلى بالسَّتر؟ أليس الكَفَّانِ؟ لأن رِقَّة الكفِّ وحُسنَ أصابعِ المرأةِ وأناملِها في اليدَينِ أشدُّ جاذبيةً من ذلك في الرِّجْلينِ.

وأعجبُ أيضًا من قَومٍ يقولون: إنه يجبُ على المرأةِ أن تستُرَ قدمَيْها، ويجوزُ لها أن تكشِفَ عن وجهِها، فأيُّهما أوْلى بالسَّتر؟ هل من المعقولِ أن نقولَ: إنَّ الشَّريعةَ الإسلاميةَ الكاملةَ التي جاءت من لدن حكيمٍ خبيرٍ تُوجب على المرأةِ أن تستُرَ القدمَ، وتبيحَ لها أن تكشِفَ الوجهَ؟

الجوابُ: أبدًا، هذا خلافُ الحكمةِ؛ لأن تعلُّقَ الرِّجالِ بالوُجوه أكثرُ بكثيرٍ من تعلُّقِهم بالأقدامِ، وما أظنُّ أحدًا يقولُ للخطيبِ الذي أوْصاه أن يخطُبَ له امرأةً: يا أخي، ابحَثْ عن قدمَيْها، أهي جميلةٌ أو غيرُ جميلةٍ، ويتركُ الوجهَ، فهذا مستحيلٌ، بل أولُ ما يوصيه به هو البحثُ عن الوجهِ، كيف الشَّفَتانِ، كيف العينانِ؟ وهكذا، أما أن يبحثَ عن القَدَمِ ويدَعَ الوجهَ، فهذا مستحيلٌ، فإذَنْ محلُّ الفتنةِ هو الوجهُ.

وكلمةُ (عَورة) لا تعني أنه كالفَرجِ يُستحىا من إخراجِه أو من كشفِه، وإنَّما المعنى أنه يجبُ أن يُسترَ؛ لأنه يَعوَرُ المرأة بالفتنةِ بالتعلُّق بها.

وإنِّي لأعجبُ من قَـومٍ يقولـون: إنـه لا يجوزُ للمرأةِ أن تُخرِج ثلاثَ شَعراتٍ أو أقلَّ من شَعرِ رأسِها، ثم يقولون: يجوزُ أن تُخرِجَ الحواجبَ الرقيقةَ الجميلةَ، والأهدابَ الظليلةَ السوداءَ، ولا مانعَ من إظهارِها؟ ثم ليت الأمرَ يقتصِرُ على إخراجِ هذا الجمالِ، وهذه الزينةِ، بل في الوقتِ الحاضرِ يُجَمَّل بشتى أنواعِ المكياج من أحمرَ وغيرِه.

أنا أعتقدُ أن أيَّ إنسانٍ يعرفُ مواضعَ الفتنِ، ورَغَباتِ الرِّجالِ لا يُمكِنُه إطلاقًا أن يُبيحَ كشفَ الوجهِ مع وُجوبِ سترِ القَدَمينِ، وينسبُ ذلك إلى شريعةٍ هي أكملُ الشَّرائعِ وأحكمُها.

ولهذا رأيتُ لبعضِ المتأخِّرين القولَ بأن عُلماءَ المسلمين اتَّفقوا على وُجوبِ سَترِ الوجهِ لعِظمِ الفتنةِ، كما ذكره صاحبُ نَيلِ الأوطارِ عن ابنِ رسلانَ، قال: لأنَّ الناسَ الآن عندَهم ضَعفُ إيمانٍ، والنِّساءُ عند كثيرٍ منهنَّ عدمُ العَفافِ، فكان الواجبُ أن يُسترَ هذا الوجهُ حتى لو قلنا بإباحتِه، فإن حالَ المسلمين اليومَ تقتضي القولَ بوُجوبِ سَترِه؛ لأن الُمباحَ إذا كان وسيلةً إلى مُحرَّمٍ صار مُحرَّمًا تحريمَ الوسائلِ.

وإنِّي لأعجبُ أيضًا من دُعاةِ السُّفورِ بأقلامِهم، وما يَدْعون إليه اليومَ وكأنه أمرٌ واجبٌ تَرَكه الناسُ، فكيف نُسوِّغ لأنفسِنا أن ندعُوَ إليه ونحن نرى عواقبَه الوخيمةَ؟

والإنسانُ يجبُ عليه أن يتَّقيَ اللهَ قبلَ أن يتكلَّمَ بما يقتضيه النَّظَر، وهذه من المسائلِ التي تفوتُ كثيرًا من طلبةِ العِلمِ، يكونُ عند الإنسانِ علمٌ نَظَريٌّ، ويحكمُ بما يقتضيه هذا العلمُ النظريُّ، دون أن يُراعِيَ أحوالَ الناسِ ونتائجَ القَولِ.

وكان عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه أحيانًا يمنعُ شيئًا أباحه الشارعُ جلبًا للمصلحةِ، كان الطَّلاقُ في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بَكرٍ، وسنتينِ من خلافةِ عُمر طلاقُ الثلاثِ واحدةً، أي أنَّ الرَّجُل إذا طلَّق زوجتَه ثلاثًا بكلمةٍ واحدةٍ جعلوا ذلك واحدةً، أو بكلماتٍ مُتعاقبـاتٍ على مـا اختـار شيخُ الإسـلامِ ابنُ تيميةَ رحمه الله وهو الرَّاجحُ، فإنَّ هذا الطلاقَ يُعتبر واحدةً، ولكن لمَّا كثُر هذا في الناسِ، قال أميرُ المؤمنين عُمَرُ: «إنَّ الناسَ قد تعجَّلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أَنَاةٌ، فلو أمضَيْناه عليهم»، فأمضاه عليهم، ومنَعَهم من مُراجعةِ الزَّوجاتِ؛ لأنهم تعجَّلوا هذا الأمرَ وتعجُّله حرامٌ.

أقولُ: حتى لو قُلنا بإباحةِ كشفِ الوجهِ، فإنَّ الأمانةَ العلميةَ والرعايةَ المبنيَّةَ على الأمانةِ تقتضي ألَّا نقولَ بجوازِه في هذا العصرِ الذي كثُرت فيه الفِتنُ، وأن نمنعَه من بابِ تحريمِ الوسائلِ، مع أن الذي يتبيَّن من الأدلَّةِ من كتابِ اللهِ وسُنَّة رسولِه صلى الله عليه وسلم أن كشفَ الوَجهِ مُحرَّمٌ بالدَّليلِ الشَّرعيِّ والدَّليلِ النَّظريِّ، وأنَّ تحريمَ كشفِه أوْلى من تحريمِ كشفِ القَدَمِ أو السَّاقِ أو نحوِ ذلك.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: ما رأيُ فضيلتِكم فيمن تزوَّج من امرأةٍ ثم أرغمه والدُه على تطليقِها، هل يستمسَّكُ بها فيَعُقُّ أباه أم يُطلِّقها دون أن تقترفَ ذنبًا؟

إذا طلب الوالدُ من ولدِه أن يُطلِّق زوجتَه، فلا يخلو من حالينِ:

الحالُ الأولى: أن يُبيِّن الوالدُ سببًا شرعيًّا يقتضي طلاقَها وفِراقَها، مثلُ أن يقـولَ: طلِّقْ زوجتَك؛ لأنها مُريبةٌ في سلوكِهـا، كأن تُغـازلَ الرِّجـالَ، أو تخرُجَ إلى مجتمعاتٍ غيرِ نزيهةٍ، وما أشبه ذلك، ففي هذه الحالِ يُجيبُ والدَه ويُطلِّقها؛ لأنه لم يقُلْ طلِّقها لهوًى في نفسِه، ولكن حمايةً لفِراشِ ابنِه من أنْ يكونَ فِراشُه متدنِّسًا هذا الدَّنس.

الحالُ الثانية: أن يقولَ الوالدُ للولدِ: طلِّقْ زوجتَك؛ لأنَّ الابنَ يحبُّها، فيغار الأبُ على محبَّةِ ولدِه لها، والأُمُّ أكثرُ غيرةً، فكثيرٌ من الأمهاتِ إذا رأت الولدَ يحبُّ زوجتَه غارت جدًّا، حتى تكون زوجةُ ابنِها كأنها ضرَّةٌ لها -نسألُ اللهَ العافيةَ-، ففي هذه الحال لا يلزمُ الابنَ أن يُطلِّق زوجتَه إذا أمره أبوه بطَلاقِها أو أُمُّه، ولكن يُداريهما ويُبقي الزَّوجةَ، ويتألَّفُهما ويُقنِعُهما بالكلامِ اللَّيِّن حتى يقتنعا ببقائِها عندَه، ولاسيَّما إذا كانت الزَّوجةُ مستقيمةً في دِينها وخُلُقها.

وقد سُئل الإمامُ أحمدُ رحمه الله عن هذه المسألةِ بعينِها، فجاءه رَجُلٌ فقال: إن أبي يأمُرُني أن أُطلِّقَ زوجتي؟ فقال له الإمامُ أحمدُ: لا تُطلِّقْها. قال: أليس النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد أمر ابنَ عُمر أن يطلِّق زوجتَه حين أمره عُمرُ بذلك؟ قال: وهل أبوك مثلُ عُمر؟ أو كلمةً نحوها.

ولو احتجَّ الأبُ على ابنِه فقال: يا بُنيَّ، إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر عبدَ الله بنَ عُمر أنْ يُطلِّق زوجتَه لما أمَرَه أبوه عُمرُ بطلاقِها، فيكونُ الردُّ مثلَ ذلك، ولكن ينبغي أن يتلطَّفَ في القَولِ فيقولُ: عُمرُ رأى شيئًا تقتضي المصلحةُ أن يأمُرَ ولدَه بطلاقِ زوجتِه من أجْلِه.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: ما الحكمُ إذا أراد الأبُ أن يُزوِّج ابنَه من امرأةٍ غيرِ صالحةٍ؟ وما الحكمُ إذا رفض أن يُزوِّجَه من امرأةٍ صالحةٍ؟

… الجوابُ مثلُ إجابةِ السُّؤالِ السابقِ أنه لا يجوزُ أن يُجبِر الوالدُ ابنَه على أن يتزوَّجَ امرأةً لا يرضاها سواءٌ كان لعيبٍ فيها: دينيٍّ أو خُلُقي، وما أكثرَ الذين ندِموا حين أجبروا أولادَهم أن يتزوَّجوا بنساءٍ لا يُريدونهن، يقولُ: تزوَّجْها لأنها ابنةُ أخي، أو لأنها من قبيلِتك، وغيرِ ذلك، فلا يلزمُ الابنَ أن يقبَلَ، ولا يجوزُ لوالِدِه أن يُجبِرَه عليها.

وكذلك لو أرادَ أن يتزوَّجَ بامرأةٍ صالحةٍ، ولكنَّ الأبَ منعَه، فلا يلزمُ الابنَ طاعتُه، فإذا رضِيَ الابنُ زوجةً صالحةً، وقال أبوه: لا تتزوَّجْ بها، فله أن يتزوَّجَ بها ولو منَعَه أبوه؛ لأن الابنَ لا يلزمُه طاعةُ أبيه في شَيءٍ لا ضررَ على أبيه فيه، وللولَدِ فيه منفعةٌ، ولو قُلنا: إنه يلزمَ الابنَ أن يُطيعَ والدَه في كُلِّ شيءٍ حتى ما فيه منفعةٌ للولَدِ، ولا مضرَّةَ فيه على الأبِ لحصل في هذا مفاسدُ، ولكن في مثلِ هذه الحالِ ينبغي للابنِ أنْ يكونَ لبِقًا مع أبيه، وأن يداريَه ما استطاعَ وأن يُقنِعَه ما استطاعَ.

§§ فضيلةَ الشَّيخ: اسمحوا لي أن أعرِضَ لكم هنا بعضَ المخالفاتِ التي تقعُ في بعضِ الزَّواجاتِ راجيًا تفضُّلَكم ببسطِ الحديثِ حولها، وهذه المخالفاتُ هي كالتالي:

أوَّلًا: لُبس بعضِ النِّساء للثِّيابِ التي خرجنَ بها عن المألوفِ في مجتمعِنا مُعلِّلاتٍ بأن لُبسَها إنما يكون بين النِّساء فقط، وهذه الثِّيابُ فيها ما هو ضيِّقٌ تتحدَّد من خلاله مفاتنُ الجسمِ، ومنها ما يكونُ مفتوحًا من أعلى بدَرَجةٍ يظهرُ من خلالها جزءٌ من الصَّدرِ أو الظَّهرِ، ومنها ما يكون مشقوقًا من الأسفلِ إلى الرُّكبة أو قريبٍ منها.

ثانيًا: من الأخطاءِ الشائعةِ في بعضِ الزَّواجاتِ (الطق) بمُكبِّر الصَّوتِ والغناءُ من النِّساء، والتَّصويرُ بالفيديو، والأشدُّ من ذلك الرَّجُلُ المتزوِّج يُقبِّل زوجتَه أمام النِّساءِ، وعندَ إسداءِ النُّصح من الغيورين على محارمِ الله يجابهون بقولهم: إنَّ الشَّيخ الفُلانيَّ أفتى بجوازِ (الطق) فإذا كان هذا صحيحًا، نرجو من فضيلتِكم إيضاحَ الحقِّ للمسلمينَ؟

… أما بالنِّسبةِ للمُخالفةِ الأولى فقد ثبت في صحيح مُسلمٍ عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: «صِنفانِ من أهلِ النارِ لم أرَهُما: قومٌ معهم سياطٌ كأذنابِ البقرِ يضرِبونَ بها الناسَ، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مُميلاتٌ، رُؤوسهُنَّ كأسنِمةِ البُختِ المائلةِ لا يدخُلنَ الجنَّةَ، ولا يجِدنَ ريحَها، وإنَّ ريحَها لَيوجدُ من مسيرةِ كذا وكذا». فقوله صلى الله عليه وسلم: «كاسياتٌ عارياتٌ» يعني أنَّ عليهنَّ كِسوةً لا تفي بالسَّترِ الواجبِ إما لقِصَرِها أو خِفَّتِها أو ضِيقِها، ولهذا روى الإمامُ أحمدُ في مُسنَدِه بإسنادٍ فيه لِينٌ عن أسامةَ بن زَيدٍ رضي الله عنهما قال: كساني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قُبطيةً -نوعٌ من الثِّيابِ- فكَسَوتُها امرأتي. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مُرْها فلْتجعَلْ تحتَها غلالةً، إني أخافُ أن تَصِف حجْمَ عِظامِها».

ومن ذلك فتحُ أعْلى الصَّدرِ، فإنَّه خِلافُ أمرِ اللهِ تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31]، قال القُرطبيُّ في تفسيره: وهيئةُ ذلك أن تضرِبَ المرأةُ بخمارِها على جَيبها لتستُرَ صدرَها، ثم ذَكَرَ أثرًا عن عائشةَ أن حفصةَ بنتَ أخيها عبد الرَّحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم دخلت عليها بشَيءٍ يشفُّ عن عُنُقِها وما هنالك، فشقَّتْه عليها، وقالت: إنَّما يُضرَب بالكثيفِ الذي يستُرُ، ومن ذلك ما يكونُ مشقوقًا من الأسفل إذا لم يكن تحتَه شيءٌ، فإن كان تحته شيءٌ ساترٌ فلا بأسَ إلا أنْ يكونَ على شكلِ ما يلبَسُه الرِّجالُ، فيحرُمُ من أجل التشبُّه بالرِّجالِ.

وعلى وليِّ المرأةِ أن يمنعَها من كُلِّ لباسٍ مُحرَّمٍ، ومن الخروجِ مُتبرِّجةً أو مُتطيِّبةً؛ لأنه وليُّها، فهو مسؤولٌ عنها يومَ القيامةِ في يَومٍ {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُون} [البقرة:48].

أما المخالفةُ الثانيةُ: فـ(الطق) في الدفِّ أيامَ العُرْسِ جائزٌ أو سُنَّة، إذا كان في ذلك إعلانُ النكاحِ، ولكن بشُروطٍ:

الشَّرطُ الأولُ: أنْ يكونَ الضربُّ بالدُّفِّ، وهـو مـا يُسمَّى عندَ بعضِ الناس بـ(الطَّار)، وهو المختومُ من وجهٍ واحدٍ؛ لأنَّ المختومَ من الوجهينِ يُسمَّى (الطَّبل) وهو غيرُ جائزٍ؛ لأنه من آلاتِ العزفِ، والمعازفُ كلُّها حرامٌ، إلَّا ما دلَّ الدليلُ على حِلِّه، وهو الدُّفُّ حالَ أيامِ العُرسِ.

الشَّرطُ الثاني: ألَّا يَصحَبَه مُحرَّمٌ كالغناءِ الهابطِ المثـيرِ للشَّهوةِ، فإنَّ هذا ممنوعٌ سواءٌ كان معه دفٌّ أم لا، وسواءٌ كان في أيام العُرسِ أم لا.

الشَّرطُ الثالثُ: ألَّا يحصُلَ بذلك فتنةٌ كظُهورِ الأصواتِ الجميلةِ، فإن حصل بذلك فتنةٌ كان ممنوعًا.

الشَّرطُ الرابعُ: ألَّا يكون في ذلك أذيَّةٌ على أحدٍ، فإن كان فيه أذيَّةٌ كان ممنوعًا، مثلُ أن تظهرَ الأصواتُ عبرَ مُكبِّراتِ الصَّوتِ، فإن في ذلك أذيَّةً على الجيرانِ وغيرهم ممَّن ينزعجُ بهذه الأصواتِ، ولا يخلو من فتنةٍ أيضًا، وقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم المصلِّين أن يجهرَ بعضُهم على بعضٍ في القراءةِ لما فيه من التَّشويشِ والإيذاءِ، فكيف بأصواتِ الدُّفوفِ والغِناءِ.

وأما تصويرُ المشاهدِ بآلة التَّصويرِ، فلا يشكُّ عاقلٌ في قُبحه، ولا يرضى عاقلٌ فضلًا عن المُؤمنِ أن تُلْتَقط صورُ محارمِه من الأُمَّهاتِ والبناتِ والأخواتِ والزَّوجاتِ وغيرِهن؛ لتكونَ سلعةً تُعرَض لكل واحدٍ، أو أُلعوبةً يتمتَّعُ بالنَّظر إليها كُلُّ فاسقٍ، وأقبحُ من ذلك تصويرُ المشهدِ بواسطةِ الفيديو؛ لأنه يُصوِّر المشهد حيًّا بالمرأى والمسمَعِ، وهو أمر يُنكِره كُلُّ ذي عقلٍ سليمٍ ودينٍ مستقيمٍ، ولا يتخيَّل أحدٌ أن يستبيحَه أحدٌ عندَه حياءٌ وإيمانٌ.

وأما الرَّقصُ من النِّساءِ فهو قبيحٌ لا نُفتي بجوازِه لما بَلَغَنا من الأحداثِ التي بين النِّساءِ بسَببِه، وأما إن كان من الرِّجالِ فهو أقبحُ، وهو مَن تشبُّه الرِّجالِ بالنِّساءِ، ولا يخفى ما فيه، وأما إن كان من الرِّجالِ والنِّساءِ مُختلِطينَ كما يفعلُه بعضُ السُّفهاءِ، فهو أعظمُ وأقبحُ لما فيه من الاختلاطِ والفتنةِ العظيمةِ، لاسيَّما وأنَّ المناسبةَ مناسبةُ نكاحٍ ونشوةِ عُرسٍ.

وأما ما ذكرتَه من أنَّ الزَّوجَ يحضُرُ مجمعَ النِّساءِ، ويُقبِّلُ زوجتَه أمامهُنَّ، فإنْ تعجبْ فعجبٌ أن يحدُثَ مثلُ هذا من رَجُلٍ أنعَمَ عليه بنِعمةِ الزَّواجِ، فقابَلَها بهذا الفِعلِ المُنكَرِ شرعًا وعقلًا ومُروءةً، وكيف يمكِّنه أهلُ الزَّوجةِ من ذلك، أفلا يخافون أن يُشاهِدَ هذا الرَّجُلُ في مجتمع هؤلاء النِّساءِ مَن هي أجمَلُ من زوجتِه وأبهى فتسقُطُ زوجتُه من عَينِه، ويدورُ في رأسِه من التَّفكيرِ الشَّيءُ الكثيرُ، وتكونُ العاقبةُ بينَه وبينَ عرُوسِه غيرَ حميدةٍ.

وإنَّني في ختامِ جَوابي هذا أنصحُ إخواني المسلمين من القيامِ بمثلِ هذه الأعمالِ السيِّئة، وأدعوهم إلى القيامِ بشُكرِ الله على هذه النِّعمةِ وغيرها، وأن يتَّبِعوا طريقَ السَّلَف الصالح، فيَقتَصِروا على ما جاءت به السُّنَّة: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيل} [المائدة:77].

 *

 أسئلةٌ خاصَّةٌ بلُعَب الأطفالِ

§§ يُوجدُ كثيرٌ من الألعابِ والبرامجِ التَّعليميَّةِ الهادفةِ للطِّفلِ، وغالبًا هذه البرامجُ تُسبَق بالموسيقى أو ما يُشبِه الموسيقى، ولدينا نموذجٌ من ذلك وهو الكتابُ الناطقُ، ونودُّ أن تسمعَ معنا هذه النَّغمةَ، وتعطينا رأيَك فيها؟

… هذا الذي سمعتُه تتقدَّمه موسيقى، والموسيقى من المعازفِ المحرَّمةِ الثابتِ تحريمُها بما رواه البُخاريُّ في صحيحِه من حديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَيكوننَّ من أُمَّتي أقوامٌ يستحِلُّون الحِرَ والحريرَ والخمـرَ والمعازف». وعلى هـذا فـلا يجوزُ استعمالُها إلَّا إذا حُذِفت هذه الموسيقى، على أنَّ ما سمعتُه من الحكاياتِ لأصواتِ هذه الحيواناتِ غيرُ مطابقٍ لأصواتِها في الواقعِ، ولا يُعطي التصوُّرَ الكاملَ لمعرفةِ أصواتِ هذه الحيواناتِ، لهذا أرى ألَّا تُستعمل، وأنَّ استعمالها حرامٌ إذا بقيت الموسيقى، وإن لم تبقَ، فاستعمالها قليلُ الفائدةِ.

§§ كثيرٌ من الألعابِ يحوي صُورًا مرسومةً باليدِ لذواتِ الأرواحِ، والهدفُ منها غالبًا التعليمُ مثلُ الموجودةِ في الكتابِ الناطقِ؟

الجَوابُ: إذا كانت لتسليةِ الصِّغارِ؛ فإنَّ مَن أجاز اللعبَ للصِّغارِ يُجِيز مثلَ هذه الصُّورِ، وأمَّا مَن منعَ هذه الصُّورَ؛ فإنَّه لا يُجيز ذلك، على أن هذه الصُّورَ أيضًا ليست مُطابقةً للصُّورة التي خلَقَ اللهُ عليها هذه المخلوقاتِ المُصوَّرة كما يتَّضِح مما هو أمامي، والخطبُ في هذا سهلٌ.

§§ إذَنْ يا فضيلةَ الشَّيخ إذا كانت للصِّغار فلا مانعَ. إذَنْ لماذا لا نقولُ للموسيقى التي في الألعابِ والبرامجِ التَّعليميةِ الهادفةِ للطَّفلِ (الكتابُ الناطقُ) هي للصِّغار ونتساهلُ بها؛ لأنها للصِّغارِ؟

الجَوابُ: لا نتساهلُ بها؛ لأنها لم يَرِدْ لها نظيرٌ في السُّنَّة؛ ولأن المعازفَ الواردَ تحريمُها عامَّة، ولم يَرِدْ دليلٌ على التَّخصيصِ؛ ولأن الصبيَّ إذا اعتاد اللهوَ والعَزفَ كان ذلك سجيَّةً له وطبيعةً.

§§ هناك أنواعٌ كثيرةٌ من العرائسِ التي كانت تُسمِّيها عائشةُ رضي الله عنها البنات، منها ما هو مصنوعٌ من القُطن، وهو عبارة عن كيسٍ مُفصَّلٍ برأسٍ ويَدَينِ ورِجْلينِ، ومنها ما يُشبِه الإنسانَ تمامًا، وهو ما يُباعُ في الأسواقِ، ومنها ما يتكلَّم أو يَبكي أو يَمشي أو يَحبو، فما حكمُ صُنعِ أو شراءِ مثلِ هذه الأنواعِ للبناتِ الصِّغارِ للتَّعليمِ والتَّسليةِ؟

الجَوابُ: أمَّا الذي لا يُوجدُ فيه تخطيطٌ كاملٌ، وإنَّما يُوجدُ فيه شيءٌ من الأعضاءِ والرَّأسِ، ولكن لم تتبيَّنْ فيه الخِلقةُ؛ فهذا لا شكَّ في جوازِه، وأنه من جنسِ البناتِ اللاتي كانت عائشة رضي الله عنها تلعبُ بهنَّ.

وأمَّا إذا كان كاملَ الخِلقَةِ، وكأنَّما تُشاهِد إنسانًا، ولاسيَّما إن كان له حركةٌ أو صوتٌ؛ فـإنَّ في نفسي من جوازِ هذا شيئًا؛ لأنه يُضاهي خلقَ اللهِ تمامًا، والظاهـرُ أن اللُّعَب التي كانت عائشـةُ تلعبُ بهـنَّ ليست على هـذا الوصفِ، فاجتنابُها أوْلى. ولكني لا أقطعُ بالتَّحريمِ؛ لأن الصِّغارَ يُرخَّص لهم ما لا يُرخَّص للكبار في مثلِ هذه الأُمورِ. فإنَّ الصَّغيرَ مجبولٌ على اللَّعِب والتسلِّي، وليس مُكلَّفًا بشيءٍ من العباداتِ حتى نقولَ: إنَّ وقتَه يَضيعُ عليه لهوًا وعبثًا. وإذا أراد الإنسانُ الاحتياطَ في مثلِ هذه الأمورِ فلْيُقلِع الرَّأسَ أو يحميه على النارِ حتى يلين ثم يضغَطَه حتى تزولَ معالمُه.

§§ هل هناك فَرقٌ بين أن يصنعَها الأطفالُ أنفسُهم وبين أن نصنعَها نحن لهم، أو نشتريها نحن لهم، أو تُهدى الألعاب؟

الجَوابُ: أنا أرى أن صُنعَها على وجهٍ يُضاهي خَلْق اللهِ حرامٌ؛ لأن هذا من التَّصويرِ الذي لا شكَّ في تحريمِه، لكن إذا جاءتْنـا مـن النصارى أو غيرهم من غيرِ المسلمين، فإن اقتناءَها كما قُلتُ أولًا. لكن بالنِّسبةِ للشِّراءِ ينبغي أن نشتريَ أشياءَ أخرى ليست فيها صُوَرٌ كالدرَّاجاتِ أو السيَّاراتِ أو الرَّافعاتِ وما أشبهها.

أما مسألةُ القُطنِ والذي ما تَبِينُ له صورةٌ رغم ما هنالك من أعضاءَ ورأسِ ورَقَبةٍ، ولكن ليس فيه عُيونٌ وأنفٌ فما فيه بأسٌ؛ لأن هذا لا يُضاهي خَلْق اللِه.

§§ ما حكمُ صُنعِ ما يُشبِه هذه العرائسَ بمادةِ الصَّلصالِ ثم عَجْنها في الحال؟

الجَوابُ: كُلُّ مَن صنَعَ شيئًا يُضاهي خَلْق اللهِ، فهو داخلٌ في الحديث: «لعَـنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المُصوِّرين..»، «أشدُّ الناسِ عذابًا يـومَ القيامـةِ المُصوِّرونَ»، لكن كما قلتُ: إنه إذا لم تكن الصُّورةُ واضحةً، أي ليس فيها عينٌ، ولا أنفٌ، ولا فمٌ، ولا أصابعُ؛ فهذه ليست صُورةً كاملةً، ولا مضاهيةً لخَلْق اللهِ عز وجل.

§§ عندَما يلعبُ الأطفالُ مع بعضِهم، ويمثل الولدُ دَورَ الأبِ، وتُمثِّل البنتُ دَورَ الأُمِّ، هل يُقَرُّون على ذلك أم يُمنَعون منه؟ ولماذا؟

الجَوابُ: أنا أرى أنهم يُمْنَعون منه؛ لأنه قد يتدرَّج الطِّفل بهذا إلى أن ينامَ معها، وسدُّ البابِ هنا أوْلى.

§§ في القصصِ هناك بعضُ القصصِ الهـدفُ منها تعليمُ أو تسليـةُ الأطفالِ، وتأخُذُ أشكالًا مختلفةً، فبعضُها يحكي واقعَ حيواناتٍ تتكلَّم، فمثلًا لكي نُعلِّمَ الطِّفـل أن عاقبةَ الكـذبِ وخيمةٌ، تحكي أنَّ ثعلبًا مثَّل دَورَ طبيبٍ حتى يَكذِبَ على الدَّجاجةِ ويَخدعَها، ثم وقَعَ الثَّعلبُ في حُفرة بسبب كَذِبه، فما رأيُكم بهذا النَّوع؟

الجَوابُ: هذه أتـوقَّف فيها؛ لأنها إخراجٌ لهـذه الحيواناتِ عما خُلقت عليه من كونِها تتكلَّم وتُعالج وتُعاقِب، وقد يقالُ: إنَّ المقصودَ ضربُ المَثَل، فأنا أتوقَّف فيه ما أقولُ فيها بشيءٍ.

§§ هناك نوعٌ آخرُ من القصصِ أنَّ الأُمَّ قد تحكي قصةً لطِفلِها ممكنةَ الوُقوعِ، وإن لم تكن قد وَقَعت، فتقولُ مثلًا: إنَّ هناك طفلًا اسمُه حَسَن آذى جيرانَه، وصَعِدَ على جدارِهم، فوقَعَ وانكسرت يدُه، فما حكمُ مثل هذا النوعِ من القصصِ الذي قد يتعلَّم الطِّفلُ من خلاله بعض الفضائلِ والخِصالِ الحميدةِ، هل هي كذبٌ؟

الجَوابُ: الظَّاهرُ أنَّها إذا قيلت على سبيلِ التَّمثيلِ بأن يُقال: إنَّ هناك طفلًا أو ولدًا أو ما أشبه ذلك بدونِ أن يُعيَّن اسمٌ، ويُجعلَ كأنه أمرٌ واقعٌ أنه لا بأسَ به؛ لأن هذا من بابِ التَّمثيلِ، وليس أمرًا واقعًا، وعلى كُلِّ حالٍ فمثلُ هذا لا بأسَ به؛ لأن فيه فائدةً، وليس فيه مضرَّةٌ.

§§ في مناهجِ التَّعليمِ في المدارسِ يُطلبُ من الطِّفل أن يرسمَ صورةً لذات رُوحٍ، أو يُعطى مثلًا بعضَ دجاجةٍ، ويُقـال له: أكمِلِ البـاقيَ، وأحيانًا يُطلب منه أن يقُصَّ هذه الصورةَ ويلزقَها على الوَرَق، أو يُعطى صورةً فيُطلَب منه تلوينُها، فما رأيُكم في هذا؟

الجَوابُ: الذي أرى في هذا أنَّه حرامٌ يجب منعُه، وأن المسؤولين عن التَّعليمِ يلزمُهم أداءُ الأمانةِ في هذا البابِ، ومنعُ هذه الأشياءِ. وإذا كانوا يريدون أن يتبيَّنوا ذكاءَ الطالبِ بإمكانهم أن يقولوا: اصنَعْ صورةَ سيَّارة أو شجرةٍ أو ما أشبه ذلك مما يُحيطُ به علمُه، ويحصلُ بذلك معرفةُ مدى ذكائِه وفِطنتِه وتطبيقِه للأُمور، وهذا مما ابتُلي به الناسُ بواسطةِ الشَّيطانِ، وإلَّا فلا فرقَ بلا شكٍّ في إجادةِ الرَّسمِ والتَّخطيطِ بين أن يخطِّطَ الإنسانُ صورةَ شجرةٍ أو سيَّارةٍ أو قَصرٍ أو إنسانٍ.

فالَّذي أرى أنـه يجب على المسؤولـين منعُ هذه الأشيـاءِ، وإذا ابْتُلوا ولا بُدَّ فليصوِّروا حيوانًا ليس له رأسٌ.

§§ هذه الصُّورُ التي في الكُتُب هل يلزمُ طمسُها؟ وهل قطعُ الرأسِ بوَضعِ فاصلٍ بينه وبين الجسمِ يُزيل الحُرمةَ؟

الجَوابُ: أرى أنه لا يلزمُ طمسُها؛ لأن في ذلك مشقَّةً كبيرةً؛ ولأنها -أي هذه الكُتُب- ما قُصِد بها الصُّورة، إنما قُصِد ما فيها من العِلمِ، ووضعُ خطٍّ ما بين الرَّقَبة والجسمِ لا يُغيِّر الصُّورةَ عمَّا هي عليه.

§§ قد يرسبُ الطِّفل إذا ما رَسَم هذا الرَّسمَ في المدرسةِ أي: قد لا يُعطى دَرَجة الرَّسمِ ثم يرسبُ؟

الجَوابُ: إذا كان هذا فقد يكونُ الطالبُ مُضطرًّا لهذا الشيءِ، ويكونُ الإثمُ على مَن أمَرَه وكلَّفه بذلك، ولكنِّي آمُل من المسؤولين ألَّا يصلَ بهم الأمرُ إلى هذا الحدِّ فيضطرُّوا عبادَ الله إلى معصيةِ الله.

§§ هناك بعضُ ريـاضِ الأطفالِ مَن يقـوم بتعليمِ الأطفـالِ إلى سِنِّ الخامسةِ أو السادسةِ، البنات مع الأولاد مختلَطون، فما هو السنُّ المسموحُ به، وكثيرٌ منها يقومُ بمِهنةِ التَّعليم فيها النِّساءُ للذُّكور والإناثِ، فما رأيكُم بهذا، وإلى أي سنٍّ يُسمَح للمرأةِ أن تعلِّمَ الطِّفلَ؟

الجَوابُ: أرى في هذا أن يُرفَعَ إلى هيئةِ كبارِ العُلماءِ للنَّظَر فيه؛ لأن هذا قد يفتحُ بابَ الاختلاطِ في المستقبلِ وعلى المدى البعيدِ، أما من حيث اجتماعُ الأطفالِ بعضِهم إلى بعضٍ، فهذا في الأصلِ لا بأسَ به، لكن أخشى أنْ تكونَ هذه مُخطَّطاتٍ يُقصد منها أنْ تكونَ سُلَّمًا لأمورٍ أكبَرَ منها فيما يظهرُ لي، والعلمُ عند اللهِ؛ ولهذا يجبُ أن يُرفعَ شأنُ هذه المدارسِ إلى هيئةِ كبارِ العُلماءِ؛ للنَّظَر فيها أو إلى جهاتٍ مسؤولةٍ تستطيعُ منعَها بعد الدِّراسةِ.

§§ هناك بعضُ المدارسِ فيها فصلٌ بين الطُّلَّاب والطالباتِ، لكن مدرِّسو الطلاب والطالبات نساءٌ، فإلى أيِّ سنٍّ يُسمَح للمرأةِ أن تُعلِّم الذَّكَر؟

الجَوابُ: هو كما قُلتُ: إنَّه يجبُ منعُ كُلِّ ما يحومُ حول الاختلاطِ مهما كان أمرُه.

 *

 أسئلةٌ في ملابسِ الأطفالِ

§§ هناك كثيرٌ من ملابسِ الأطفالِ فيها صُوَرٌ لذواتِ الأرواحِ، وبعضُ هذه الملابسِ ممَّا يُمتَهنُ مثلُ: الحذاءِ والملابسِ الداخليةِ للأطفالِ دُون الثالثةِ، ومنها ما لا يُمتَهنُ بل يُحافظُ عليها، وعلى نظافتِها، فما حكمُ هذه الملابسِ؟

الجَوابُ: يقولُ أهلُ العِلمِ: إنَّه يحرُمُ إلباسُ الصَّبيِّ ما يحرُمُ إلباسُه الكبيرَ، وما كان فيه صُوَرٌ فإلباسُه الكبيرَ حرامٌ؛ فيكونُ إلباسُه الصغيرَ حرامًا أيضًا، وهو كذلك. والذي ينبغي للمُسلمين أن يُقاطعوا مثلَ هذه الثِّيابِ وهذه الأحذيةِ؛ حتى لا يدخُلَ علينا أهلُ الشرِّ والفسادِ من هذه النَّواحي، وهي إذا قُوطعت فلن يجدوا سبيلًا إلى إيصالِها إلى هذه البلادِ، ويهونُ أمْرها بينَهم.

§§ هل يجوزُ لُبسُ الأطفالِ الذُّكور مما يخصُّ الإناثَ كالذَّهَب والحريرِ أو غيرِه والعكسُ؟

الجَوابُ: هذه مفهومةٌ من الجوابِ الأوَّلِ، قُلتُ: إنَّ العُلماءَ يقولون: إنَّه يحرُمُ إلباسُ الصَّبيِّ ما يحرُمُ إلباسُه البالغَ، وعلى هذا فيحرُمُ إلباسُ الأطفالِ من الذُّكورِ ما يختصُّ بالإناثِ، وكذلك العكسُ.

§§ هل يدخُلُ تحتَ هذا إسبالُ الثِّيابِ للأطفالِ الذُّكورِ؟

الجَوابُ: نعم يدخُلُ.

§§ وما فيه تشبُّهٌ بالكُفَّار وغيرِه كالقُبَّعة والبَنْطلونِ؟

الجَوابُ: هذا بابٌ آخرُ، تشبُّه المسلمين بالكُفَّار في اللِّباسِ أو غيرِه سواءٌ كانوا ذكورًا أو إناثًا، صغارًا أو كبارًا مُحرَّمٌ؛ لقولِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم: «مَن تشبَّهَ بقَومٍ فهو منهم»؛ ولأنَّه يجبُ أنْ يكونَ للمُسلِمينَ شخصيَّةٌ قويةٌ تمنعُهم من التَّبعيَّةِ لغيرِهم؛ لأنَّهمُ الأعْلَـونَ، ودينُهم هـو الأعْلى، كـما قـال اللهُ تعالـى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين} [آل عمران:139]، وقال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون} [التوبة:33].

§§ هل يجوزُ للأطفالِ ذكورًا أم إناثًا لُبسُ الملابسِ القَصيرةِ التي تُبْدي فَخِذَيهِ؟

الجَوابُ: من المعلومِ أنَّ ما دُون سبعِ سِنينَ لا حُكمَ لعَورتِه، لكنَّ تعويدَ الصِّبيانِ والأطفالِ هذه الألبسةَ الخالعةَ القصيرةَ لا شكَّ أنه سيُهوِّن عليهم كشفَ العَورةِ في المستقبلِ، بل رُبَّما لا يستحي الإنسانُ إذا كَشَفَ فَخِذَه؛ لأنه كان يكشِفُه صغيرًا ولا يهتمُّ به، وحينئذٍ يكون نَظَرُ الناسِ إلى عَوراتِهم كنَظَرِهم إلى وُجوهِهم في عَدَمِ حُرمتِها والخَجَلِ منها، فالذي أرى أن يُمنعَ الأطفالُ، وإن كانوا صغارًا من مثلِ هذه الألبسةِ، وأن يلبَسوا لباسَ احتشامٍ بعيدٍ عن المحذورِ.

§§ ما حكمُ ثقبِ أُذُن البنتِ من أجْلِ أن تتحلَّى بالذَّهَبِ كالخرص؟ وهل في ذلك شيء من المُثْلَة والتَّعذيبِ كما قال بعضُ الفقهاءِ؟

الجَوابُ: الصحيحُ أنه لا بأسَ به؛ لأن هذا من المقاصدِ التي يُتوصَّل بها إلى التحلِّي المباحِ، وقد ثبَتَ أنَّ نِساءَ الصَّحابةِ كان لهن أقراطٌ يلبَسْنَها في آذانِهن، وهذا التَّعذيبُ تعذيبٌ يسيرٌ، وإذا ثُقبت في حال الصِّغَرِ صار بُرؤه سريعًا.

§§ وهل يَنطبِقُ على هذا ثقبِ الأنفِ؟

الجَوابُ: نعم عندَ مَن يرى أنه مكانٌ للزِّينةِ.

§§ ما حكمُ حَلْق شَعرِ البِنتِ عندَ الولادةِ أو بعدَ ذلك رغبةً في إطالةِ شَعرِها وغزارتِه؟ وهل يُسَنُّ حَلْق شَعرِها عندَ الولادةِ كالذُّكور؟

الجَوابُ: حَلْق شَعرِها لا يُسَنُّ في اليَومِ السَّابعِ كما يُسنُّ في حَلْق رأسِ الذَّكَر، وأما حَلْقُه للمصلحةِ التي ذُكِرت إذا صحَّتْ، فإنَّ أهلَ العِلمِ يقولون: إنَّ حَلْق الأُنثى رأسَها مكروهٌ، لكن قد يُقالُ: إنَّه إذا ثبَتَ أنَّ هذا ممَّا يُسبِّب نشاطَ الشَّعر ووفرتَه؛ فإنَّه لا بأسَ به؛ لأنَّ المعروفَ أنَّ المكروهَ تُزيل كراهتَه الحاجةُ.

§§ ما هو سِنُّ الطِّفلِ الذي تحتجبُ منه المرأةُ: هل هو التَّمييزُ أم البُلوغُ؟

الجَوابُ: يقول اللهُ تعالى في سياقِ مَن يُباحُ إبداءُ الزينةِ لهم: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء} [النور:31]، والطِّفلُ إذا ظهَرَ على عَورةِ المرأةِ، وصار ينظُرُ إليها، ويتحدَّثُ عنها كثيرًا، فإنه لا يجوزُ للمرأةِ أن تكشِفَ أمامَه. وهذا يختلفُ باختلافِ الصِّبيانِ من حيث الغزيرةُ، وباختلافِ الصِّبيانِ من حيث المجالسةُ؛ لأن الصَّبيَّ رُبَّما يكون له شأنٌ في النِّساءِ إذا كان يجلسُ إلى أُناسٍ يتحدَّثون بهنَّ كثيرًا، ولولا هذا لكان غافلًا لا يهتمُّ بالنِّساءِ.

المهمُّ أنَّ اللهَ حدَّد هذا الأمرَ بقولِه: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء}، يعني: أنَّ هذا ممـا يحِلُّ للمرأةِ أن تُبـدِيَ زينتَها له إذا كان لا يظهرُ على العَورةِ، ولا يهتمُّ بأمرِ النِّساءِ.

§§ هل لمسُ ذَكَر الطِّفل لإزالةِ النَّجاسةِ ينقضُ الوضوءَ؟

الجَوابُ: لا ينقضُ الوضوءَ.

§§ هل يجوزُ للأبِ أو الأُمِّ معاقبةُ الطِّفل بالضَّربِ أو وَضعِ شيءٍ مُرٍّ أو حارٍّ في فمِه كالفُلفل إذا ارتكب خطأً ما؟

الجَوابُ: أما تأديبُه بالضَّربِ؛ فإنه جائزٌ إذا بلَغَ سنًّا يُمكِنُه أن يتأدَّبَ منه وهو غالبًا عشرُ سِنينَ، وأما إعطاؤُه الشيءَ الحارَّ؛ فإنَّ هذا لا يجوزُ؛ لأنَّ هذا قد يُؤثِّر عليه، وقد يَنشأُ من ذلك حُبوبٌ تكون في فمِه أو حرارةٌ في مَعِدتِه. ويحصُلُ بهذا ضررٌ بخلافِ الضَّربِ؛ فإنه على ظاهرِ الجِسمِ، فلا بأسَ به إذا كان يتأدَّبُ به، وكان ضربًا غيرَ مُبرِّحٍ.

§§ فيما دُون العَشرِ؟

الجَوابُ: فيما دُون العَشرِ يُنظرُ فيه، فإنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم إنَّما أباح الضَّربَ لعَشرٍ على تَركِ الصَّلاةِ، فيُنظر فيما دُون العَشرِ، قد يكون الصَّبيُّ الذي دون العَشرِ عندَه فهمٌ وذكاءٌ وكِبَرُ جِسمٍ يتحمَّلُ الضَّربَ والتوبيخَ والتأديبَ به، وقد لا يكونُ.

§§ هل هناك بأسٌ على الأُمِّ والأبِ في تحفيظِ طفلِهم الصغيرِ القرآنَ مع علمِهما بأنَّه قد يقومُ بقراءَتِه في الحمَّامِ وقتَ قضاءِ الحاجةِ، أو قراءَتِه بطريقةٍ لا تليقُ بالقُرآنِ الكريمِ على الرغم من تكرارِ التَّنبيهِ على ذلك؟

الجَوابُ: نعم، ينبغي للأُمِّ والأبِ أن يُقرِآ طفلَهما القُرآنَ الكريمَ ويُحذِّراه من أنْ يقرأَه في مثلِ هذه الأماكنِ التي لا ينبغي أن يُقرأ فيها. وإذا حصَلَ منهم شيءٌ من ذلك؛ فإنَّهم غيرُ مُكلَّفين –أعني: الأطفالَ-، فليس عليهم إثمٌ، والوالدُ أو الوالدةُ إذا سَمِعَه يقرأُ في مكانٍ لا يليقُ يتكلَّمُ عليه، ويُبَيِّن أن هذا لا يجوزُ.

وقد ثبت في صحيحِ البُخاريِّ أن عمرَو بنَ سلمة الجرميَّ رضي الله عنه صار إمامًا لقَومِه وهو ابنُ سِتِّ أو سبعِ سِنينَ، وكان ذلك في عهدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

§§ إذا كان هناك ساحةٌ مُلحقةٌ بالبَيتِ يلعبُ بها الأطفالُ داخلَ سورِ البَيتِ، فهـل ينطبقُ عليها حديثُ حبسِ الصِّبيـانِ وقتَ المغـربِ لانتشارِ الشَّياطينِ، أم أنَّ ذلك ينطبقُ على الشَّارع خارجَ البَيتِ؟

الجَوابُ: الحديثُ إنما هو في الشَّارع خارجَ البَيتِ، وأمَّا داخلَ البَيتِ فلا بأسَ به.

§§ هل يجبُ على المرأةِ وهي تُصلِّي أن تمنعَ مُرورَ طفلِها الصغيرِ بين يديها مع العلمِ أن ذلك يحصُلُ منها مِرارًا أثناءَ الصَّلاةِ، وتؤدِّي مدافعتُها له إلى ذَهابِ الخُشوعِ في الصَّلاةِ، ولو أنَّها صلَّت بمُفردِها تخشى الضَّرَرَ عليه؟

الجَوابُ: لا حرَجَ عليها في هذه الحالِ أن تُمكِّنَه من أن يمُرَّ بين يَدَيها إذا كان كثيرَ المرورِ، وتخشى فسادَ صَلاتِها بمُدافعتِه، كما قال بذلك أهلُ العِلمِ رحمهم الله، ولكنْ ينبغي لها في هذه الحالِ أن تُعطيَه شيئًا يتلهَّى به، ويكونُ حولَها؛ لأنَّ الطِّفلَ إذا أُعطي شيئًا يتلهَّى به تلهَّى به عن غيرِه، أما إذا كان تعلُّقُه بأُمِّه لجُوعٍ أو عَطَشٍ؛ فإنَّ الأوْلى بها أن تؤخِّر الصَّلاةَ حتى تقضيَ نهمتَه، ثم تُقبلَ على صلاتِها.

 *

رأيك يهمنا