رسالة في الدعوة إلى الله

نبذة مختصرة

كتاب نافع لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - تحدث فيه عن مقام الدعوة إلى الله وأهميته ووسائله بشكل مختصر ومرتب، وقد رتبها في الفصول الآتية:

الفصل الأوّل: في وجوب الدّعوة إلى الله، وبيان فضلها.
الفصل الثّاني: في وسائل الدّعوة إلى الله، وكيفيّتها.
الفصل الثّالث: في مجال الدّعوة إلى الله تعالى.
الفصل الرّابع: فيما ينبغي أن يكون عليه الدّاعي من صفاتٍ وأعمالٍ.
الفصل الخامس: في أسباب نجاح الدّعوة.

تفاصيل

 رسالةٌ في الدّعوة إلى الله

بسم الله الرحمن الرحيم

 المـقدّمة([1]):

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين وسلّم تسليمًا.

وبعد:

فإنّ مقام الدّعوة إلى الله تعالى مقامٌ عظيمٌ، ومرتبةٌ عاليةٌ؛ لأنّه مقام صفوة خلق الله تعالى من الرّسل الكرام وخلفائهم الرّاشدين الذين خلّفوهم في العلم بالحقّ والعمل به والدّعوة إليه، فجديرٌ بنا أن نولي هذا المقام مجهودنا، ونسعى فيه السّعي اللّائق مخلصين لله في ذلك، متّبعين لرسوله محمّدٍ صلى الله عليه وسلم؛ ليكون سعينا مشكورًا مقبولًا.

وهذه كلماتٌ في هذا المقام رتبتها في الفصول الآتية:

الفصل الأوّل: في وجوب الدّعوة إلى الله، وبيان فضلها.

الفصل الثّاني: في وسائل الدّعوة إلى الله، وكيفيّتها.

الفصل الثّالث: في مجال الدّعوة إلى الله تعالى.

الفصل الرّابع: فيما ينبغي أن يكون عليه الدّاعي من صفاتٍ وأعمالٍ.

الفصل الخامس: في أسباب نجاح الدّعوة.

والله الموفّق

المؤلّف

 الفصل الأوّل

 في وجوب الدّعوة إلى الله تعالى، وبيان فضلها

الدّعوة إلى الله تعالى دعوة خيرٍ وحقٍّ؛ لأنّها دعوةٌ إلى العدل والإحسان، دعوةٌ إلى ما تقتضيه الفطر السّليمة، وتستحسنه العقول الخالصة، وتركن إليه النّفوس الزّكيّة.

فهي دعوةٌ إلى الإيمان بالله تعالى، وإلى كلّ عقيدةٍ سليمةٍ، يطمئنّ إليها القلب، وينشرح بها الصّدر، دعوةٌ إلى توحيد الله في ربوبيّته، وألوهيّته، وأسمائه وصفاته، دعوةٌ إلى اليقين بأنّه سبحانه واحدٌ في ربوبيّته لا شريك له، فلا خالق ولا مدبّر ولا متصرّف في هذا الكون تصرّفًا مطلقًا إلا الله وحده، وبهذا اليقين ينقطع تعلّق القلب بغير الله تعالى، ويكون الخوف والرّجاء والتّوكّل خاصًّا بالله عزّ وجلّ، دعوةٌ إلى اليقين بأنّه لا حاكم على العباد ولا بين العباد إلا الله وحده فيما يقضي به من أقدارٍ، وما ينزّله من شرائع، وبهذا اليقين ينقطع التّحاكم إلى غير شرع الله، وينبذ كلّ حكمٍ خالف حكم الله ورسوله؛ لأنّ كلّ حكمٍ خالف ذلك؛ فهو ظلمٌ وباطلٌ، نتيجته فساد البلاد والعباد.. {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون } [المائدة:50].

وبهذا اليقين يذعن العباد لأحكام الله الشّرعيّة، وينفّذونها على ما أراد الله بها، سواءٌ وافقت أهواءهم أم خالفتها، كما أنّهم مذعنون لأحكام الله القدريّة، فقضاؤه نافذٌ فيهم، وهم مستسلمون له؛ رضوا ذلك أم كرهوه. {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون } [آل عمران:83].

والدّعوة إلى الله تعالى دعوةٌ إلى عبادة الله وحده، إيمانًا ويقينًا بأنّه لا يستحقّ العبادة أحدٌ سواه؛ لا ملكٌ، ولا نبيٌّ، ولا وليٌّ، ولا غيرهم؛ لأنّ الله هو الخالق وحده؛ فيجب أن يكون هو المعبود وحده.

والدّعوة إلى الله دعوةٌ إلى الإيمان الجازم بكلّ ما ثبت لله تعالى من أسماءٍ أو صفاتٍ من طريق كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنّها كلّها صفاتٌ حقيقيّةٌ ثابتةٌ له على الوجه اللّائق به، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير } [الشورى:11].

والدّعوة إلى الله تعالى دعوةٌ إلى اتّباع الصّراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم من النّبيّين، والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين؛ صراط الله الذي وضعه لعباده موصّلًا إليه ومصلحًا لأمور دينهم ودنياهم.

وبهذا الاتّباع تنقطع طرق الابتداع التي يضلّل مبتدعوها بعضهم بعضًا، وتتفرّق بهم الأهواء عن دين الله، ويتّبعون غير ما أمرهم به مولاهم في قوله تعالى: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون } [الأنعام:53]. ويقعون فيما نهاهم الله عنه من التّفرّق، حيث يقول سبحانه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [الشورى:13].

والدّعوة إلى الله تعالى دعوةٌ إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وحفظ الحقوق، وإقامة العدل بين النّاس بإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه، وتنزيله من المنازل فيما استحقّه، وبذلك يتحقّق الإخاء والمودّة بين المؤمنين، ويستتبّ الأمن التامّ، والنّظام الكامل داخل إطار شريعة الله -سبحانه وتعالى- وتضمحلّ كلّ الأخلاق السّافلة، والأعمال السّيّئة، والنظم الجاهليّة المستمدّة من القوانين الوضعيّة والعقائد الباطلة، ويذلّ كلّ من قاموا بها ودعوا إليها، وأرادوا صدّ عباد الله عن سبيله إليها.

ومن أجل هذه الأمور وأضعافها، وأضعاف أضعافها من المصالح ودرء المفاسد؛ صار للدّعوة إلى الله تعالى مقامٌ عظيمٌ في الإسلام، وصار القائمون بها وارثين للرّسل الكرام في ذلك، وجاءت في الأمر بها وبيان فضلها نصوص الكتاب والسّنّة:

قال الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيم } [الحج:67].

وقال تعالى: {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين } [القصص:87].

وقال سبحانه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيب وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيب فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى:13-15].

وقال تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون  وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم } [آل عمران: 104-105].

وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين } [فصلت:33].

وفي «الصّحيحين» من حديث ابن عبّاسٍ ﭭ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، والصّلاة والزّكاة. وعن سهل بن سعدٍ ﭬ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعليّ بن أبي طالبٍ ﭬ يوم خيبر: «انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله تعالى فيه؛ فوالله، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك من حمر النّعم». متّفقٌ عليه.

وعن تميم بن أوسٍ الدّاريّ ﭬ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدّين النّصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمّة المـسلمين وعامّتهم» رواه مسلم.

والدّعوة إلى الله تعالى من النّصيحة لله سبحانه.

وعن أبي هريرة ﭬ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من اتّبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا». رواه مسلم.

فهذه الآيات والأحاديث تدلّ على وجوب الدّعوة إلى الله تعالى وفضلها؛ وذلك لما يترتّب عليها من تبليغ شريعة الله وحفظها، وحصول المصالح العظيمة للخلق في معاشهم، ومعادهم، ودينهم، ودنياهم، واندفاع الشّرور العظيمة عنهم إذا هم قبلوها وعملوا بها، والله الموفّق.

 الفصل الثّاني

 في وسائل الدّعوة إلى الله، وكيفيّتها

أعني بوسائل الدّعوة: الطّرق التي يتوصّل بها الدّاعي إلى تبليغ دعوته، وهي ثلاثة أنواعٍ، ولكلّ نوعٍ ميزةٌ خاصّةٌ به.

النّوع الأوّل:

المشافهة المـباشرة: بأن يقابل الدّاعي المدعوّين ويخاطبهم وجهًا لوجهٍ، فيبيّن لهم حقيقة ما يدعوهم إليه وفضائله، وثمراته الطّيّبة المشهودة والموعودة.

وميزة هذا النّوع: أنّ الدّاعي يعرف مدى قبول المدعوّين، وانشراح صدورهم للدّعوة من ملامح وجوههم؛ ليعاملهم بما تقتضيه حالهم، ويتمكّن من المحاورة بينهم وبينه، حتّى يصل بهم إلى حال القبول والاقتناع، وهو أبلغ في الغالب تأثيرًا ممّا بعده.

النّوع الثّاني:

المشافهة غير المباشرة: كالتي تحصل بواسطة المذياع.

وميزة هذا النّوع: أنّها أعمّ ممّا قبلها وأشمل، من حيث إنّها تصل إلى ما لا يوصل إليه بالمشافهة المباشرة.

النوع الثالث:

الكتابة عن طريق التّأليف والنّشر في الصّحف، والمجلّات، واللّافتات، وغيرها مما يناسب.

وميزة هذه: أنّها تمكّن المدعوّين من إدراك ما يدعى إليه بالقراءة مرّةً بعد أخرى، والتّمعّن في فضائله وثمراته.

وأمّا كيفيّة الدّعوة إلى الله -أعني من حيث الخطاب بها- فتختلف بحسب حال المـدعوّ، وله ثلاث حالاتٍ:

الأولى: أن يكون راغبًا في الخير مقبلًا عليه، لكنّه قد يجهله ويخفى عليه؛ فهذا يكفي في حقّه مجرّد الدّعوة.

 مثل أن يقال له: هذا ممّا أمر الله به ورسوله، فافعله. أو هذا ممّا نهى الله عنه ورسوله، فاجتنبه.

وهو من أجل رغبته في الخير وإقباله عليه، سيقبل ويطيع.

الحال الثّانية: أن يكون عنده فتورٌ وكسلٌ عن الخير، أو إقبالٌ ورغبةٌ في الشّرّ!

فهذا لا يكفي معه مجرّد الدّعوة، بل لا بدّ أن يضاف إليها موعظةٌ حسنةٌ بالتّرغيب في الخير والطّاعة، وبيان فضل ذلك، وحسن عاقبته، وضرب الأمثال في العواقب الحميدة. وموعظةٌ حسنةٌ بالتّرهيب من الشّرّ والفسوق، وبيان إثم ذلك، وسوء عاقبته، وضرب الأمثال في العواقب السّيّئة للفاسقين: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون } [الروم:10].

الحال الثّالثة: أن يكون عنده إعراضٌ عن الخير، واندفاعٌ إلى الشّرّ، ومحاجّةٌ في ذلك.

فهذا لا يكفي في حقّه مجرّد الدّعوة والموعظة، بل لا بدّ أن يضاف إليها مجادلته بالتي هي أحسن؛ أحسن في المجادلة، وأحسن في بيان الحقّ؛ لتندحض حجّته وتبطل طريقته.

وإلى هذه الأحوال الثّلاث يشير قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125].

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة:

النّاس ثلاثة أقسامٍ: إمّا أن يعترف بالحقّ ويتّبعه، فهذا صاحب الحكمة، وإمّا أن يعترف به، لكن لا يعمل به! فهذا يوعظ حتّى يعمل، وإمّا أن لا يعترف به، فهذا يجادل بالتي هي أحسن؛ لأن الجدال فيه مظنّة الإغضاب، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان، كدفع الصّائل اهـ.

فإن سلك المدعوّ بعد الجدال بالتي هي أحسن سبيل العدل، واعترف بالحقّ وأذعن له، وإلّا انتقلنا معه إلى:

الحال الرّابعة: التي أشار إليها قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } [العنكبوت:46].

قال ابن كثيرٍ -رحمه الله-: أي حادوا عن وجه الحقّ، وعموا عن واضح المحجّة، وعاندوا وكابروا؛ فحينئذٍ ينتقل من الجدال إلى الجلاد، ويقاتلون بما يمنعهم ويردعهم اهـ.

وهذه الحالة الرّابعة قد لا تكون من وظائف الأفراد غير ذوي السّلطة؛ لأنّ سلوك الأفراد لها إذا لم يكونوا من ذوي السّلطة يحدث من الفوضى ما يكون فيه ضررٌ كثيرٌ، وفسادٌ كبيرٌ.

هذه كيفيّة الدّعوة من حيث الخطاب بها: ينظر فيها إلى حال المدعوّ باعتبار تهيّئه لقبولها أو رفضها.

أمّا كيفيّة الدّعوة من حيث ترتيب ما يدعى إليه: فيبدأ بالأهمّ فالأهمّ، وبالأسس التي تكون كالمقدّمات لما بعدها، وينتقل بالمدعوّ إليها مرحلةً مرحلة.

مثال ذلك: إذا أردنا أن ندعو شخصًا ينكر وجود الخالق سبحانه؛ للإقرار به، وعبادته، واتّباع رسوله، فإنّنا نبدأ معه بإثبات وجود الخالق، وذلك بسياق الأدلّة العقليّة، وضرب الأمثلة الحسّيّة على وجود الخالق سبحانه، حتّى يقرّ ويعترف به، وبأنّه وحده الخالق لا شريك له.

ثمّ ننتقل به إلى إثبات ألوهيّته ووجوب عبادته؛ لأنّ إقراره بالرّبوبيّة يستلزم إقراره بالألوهيّة، ولذلك يرتّبه الله عليه في القرآن كثيرًا، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } [البقرة:21]. وينكر سبحانه على من أشرك به من لا يخلق، كقوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُون } [الأعراف:191]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا } [الفرقان:3].

ثمّ ننتقل به إلى إثبات الطّريق إلى عبادته ووجوب سلوكها، وهي طريق الرّسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى الخلق وأيّدهم بالآيات؛ ليعلّموا الخلق ما ينفعهم من أمور الغيب، ويبيّنوا لهم كيف يعبدون الله -عز وجلّ- لأنّ العبادة حقّ الله تعالى أوجبه على عباده على الوجه الذي يرضاه عنهم، ولا يمكنهم معرفة ذلك إلّا عن طريق الرّسل، فإذا أقرّ بأنّه لا بدّ في عبادة الله من طريقٍ يسير عليه -ولا يمكن معرفة ذلك إلّا عن طريق الرّسل- انتقلنا به إلى طريقٍ أخصّ، وهو طريق الرّسول المعيّن الذي يجب اتّباعه، وهو رسول الله محمّد بن عبد الله القرشيّ الهاشميّ، المبعوث إلى النّاس كافّةً.

ونبيّن له الآيات الدّالّة على ذلك، وأنّ الإيمان به يتضمّن الإيمان بمن سبقه من الرّسل، ولا عكس، فإذا أقرّ بذلك، انتقلنا به إلى التّفصيل فيما جاءت به شريعة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ليقرّ به ويلتزم العمل، بادئين بالأهمّ فالأهمّ، كالصّلاة، ثمّ الزّكاة، وهكذا.

 الفصل الثّالث

 في مجال الدّعوة إلى الله

نعني بمجال الدّعوة إلى الله تعالى ميادينها المختلفة؛ فإنّ الدّعوة إلى الله ليست محصورةً في ميدانٍ معيّنٍ، بل لها ميادين عديدةٌ منها:

1- الاتّصالات الشّخصيّة: بحيث يقصد الدّاعي إلى شخصٍ ما، فيدعوه إلى الله تعالى بحسب الكيفيّة السّابقة في الفصل الثّاني خطابًا وترتيبًا.

2- الأماكن العامّة: كالمساجد والتّجمّعات، كمواسم الحجّ، والأندية والمقاهي والمطاعم، ونحو ذلك حسبما تقتضيه المصلحة وتتطلّبه الحاجة. ولهذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل في مواسمها وأسواقها، ويدعوهم إلى الله -عزّ وجلّ- فقد روى الإمام أحمد -رحمه الله- عنه عن ربيعة بن عبّادٍ الدّيليّ، قال: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم في سوق ذي المجاز، وهو يقول: «يا أيّها النّاس، قولوا: لا إله إلّا الله تفلحوا». ومن حديث جابرٍ قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على النّاس في الموقف، فيقول: «هل من رجلٍ يحملني إلى قومه؛ فإنّ قريشًا منعوني أن أبلّغ كلام ربّي عزّ وجلّ». قال ابن كثيرٍ: وقد رواه أهل السنن الأربعة، وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.

قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره، كلّما اجتمع النّاس في الموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله -عزّ وجلّ- وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه، وما جاء به من الهدى والرّحمة. ولا يسمع بقادمٍ يقدم مكّة من العرب له اسمٌ وشرفٌ إلّا تصدّى له ودعاه إلى الله، وعرض عليه ما عنده.

3- أمكنة الدّراسة: كالمعاهد، والمدارس، والجامعات، سواءٌ كان ذلك عن طريق المحاضرات والنّدوات العامّة، أم عن طريق الدّروس الخاصّة، فإنّ المدرّس المخلص لدينه يستطيع أن يدعو إلى الله تعالى بمقاله من خلال إلقاء الدّروس، أو بحاله من العبادة وصدق المعاملة، ونحو ذلك، فإنّ المدرّس قدوةٌ لطلّابه. وأعماله وأخلاقه تنطبع في أذهانهم، وتظهر في أعمالهم وأخلاقهم.

 الفصل الرّابع

 فيما ينبغي أن يكون عليه الدّاعي من الصّفات والأفعال

مقام الدّاعي مقامٌ قياديٌّ مهمٌّ، ينبغي للدّاعي أن يقدره قدره، ويوليه عنايته؛ ولكي يتحقّق ذلك فليراع ما يأتي:

1- الإخلاص لله تعالى في عمله:

بحيث يقصد بدعوته التّقرّب إلى الله -عزّ وجلّ- ونصر دينه، وإصلاح عباده بإخراجهم من ظلمات الجهل والعصيان إلى نور العلم والطّاعة، فتكون دعوته نابعةً عن محبّة الله، ولدينه، ومحبّة الخير لكافّة البشر.

والدّعوة النّابعة عن إخلاصٍ مع القوّة والعزيمة والاعتماد على الله لا بدّ أن تؤثّر وتعمل عملها... ألا ترى إلى قصّة موسى –عليه الصلاة والسلام- حين حشر النّاس له ضحًى يوم زينتهم، وجمع له فرعون كيده، ثمّ أتى بأبّهته وعزّته وكبريائه، قال لهم موسى: {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى } [طه:61]. فماذا فعلت هذه الكلمة؟ إنّها فرّقت كلمتهم، وشتّتت شملهم في الحال بدون تأخيرٍ: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ } [طه:62].

والتّنازع أكبر أسباب الفشل وذهاب الرّيح، كما قال سبحانه: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [الأنفال:46].

فإخلاص الدّاعي في دعوته لله تعالى أمرٌ مهمٌّ بالنّسبة لنجاحه فيها وثوابه عليها. أمّا إن قصد مراءاة النّاس بذلك، أو أراد شيئًا من الدّنيا؛ مالًا، أو جاهًا، أو رئاسةً، فعمله حابطٌ، ونفعه قليلٌ، قال الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُون أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون } [هود:15-16].

وعن أبي هريرة ﭬ قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ أوّل النّاس يقضى يوم القيامة عليه -فذكر الحديث وفيه- رجلٌ تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه، فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت! ولكنّك تعلّمت؛ ليقال: عالمٌ. وقرأت القرآن؛ ليقال: هو قارئٌ. فقد قيل. ثمّ أمر به، فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار». رواه مسلمٌ.

2- أن يعتقد أنّه -بدعوته إلى الله تعالى- وارثٌ لنبيّه محمّدٍ صلى الله عليه وسلم في نشر سنّته وهديه:

ليكون ذلك حافزًا له على اتّباعه في الدّعوة إلى الله تعالى، والصّبر فيها، ورجاء الثّواب عليها، والدّخول في قوله تعالى: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108].

3- أن يكون ثابتًا في دعوته إلى الله تعالى، راسخ القدمين، لا تزعزعه المضايقات، ولا يحطّمه اليأس:

لأنّه واثقٌ من صحّة طريقته، مؤمّلٌ لنتيجتها، فهو واثقٌ من الحسنيين، مؤمّلٌ للزّيادة، واثقٌ من بيان الحقّ وثواب الآخرة، مع إخلاص النّيّة، وإصلاح العمل، مؤمّلٌ لصلاح الخلق بدعوته، ولو بعد حينٍ.

4- أن يصبر ويصابر:

فيصبر على ما يناله من أذى الخلق؛ لأنّ من قام بهذه المهمّة فلا بدّ أن يناله أذًى من شرار الخلق المناوئين لدعوته -وما أكثرهم- أذًى قوليٌّ وأذًى فعليٌّ؛ إمّا بالنّيل منه، أو بالنّيل من دعوته، واعتبر ذلك بما جرى للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولمن سبقه من الرّسل الكرام: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ} [الأنعام:34]. والصّبر درجةٌ عاليةٌ لا تنال إلّا بالأسباب التي يتجرّع بها العبد مرارة الصّبر، ويتحمّل بها مشقّته: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب } [الزمر:10].

وليصابر في بيان الحقّ والدّعوة إليه، والمجادلة فيه، ويتّسم بطول النّفس، وبعد النّظر حتّى تتحقّق له الغاية المنشودة.

5- أن يسلك طريق الحكمة في الدّعوة إلى الله:

فيستعمل الأساليب المناسبة للحال والمقام؛ فليس النّاس سواءً في الفهم والعلم، وليسوا سواءً في لين الجانب وغلظه، وليسوا سواءً في التّواضع للحقّ والاستكبار عنه؛ فليستعمل مع كلّ شخصٍ ما يناسبه، ويكون أقرب إلى قبوله وانقياده؛ فإنّ هذا من الدّعاء إلى الله بالحكمة.

وليكن مرنًا متحمّلًا، فلا ينفرنّ من شخصٍ رآه منحرفًا، ويدعه في ميدان انحرافه للشّيطان، بل يتصّل به، ويبيّن له الحقّ، ويرغّبه فيه، فكم من إنسانٍ استبعد أن يهتدي ثمّ هداه الله عزّ وجلّ!

ومن الحكمة ألّا يجابه المدعوّ بإنكار ما هو عليه من باطلٍ إذا كان ذلك يزيده نفورًا عن الحقّ وتوغّلًا في المنكر، وقد أرشد الله إلى ذلك بقوله: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } [الأنعام:108]. ولكن يذكر له الحقّ ويرغّبه فيه حتّى يتمكّن من قلبه، فيسهل عليه ترك ما ألفه من الباطل، فإنّ ترك المألوف صعبٌ على النّفوس، وليس من السّهل أن يدعه الإنسان إلّا بمقاومةٍ كبيرةٍ، وانظر إلى حكمة الله تعالى في تشريع تحريم الخمر حين كان مألوفًا عند النّاس، فكان تحريمه على مراحل بعد أن وقع السّؤال من المؤمنين عنه:

المرحلة الأولى:

في جواب سؤالهم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } [البقرة:219]. لم يقل: منفعةً، بل قال: منافع؛ ليشمل كلّ ما يكون أو يتصوّر من منفعةٍ في ذلك، وأنّ كلّ هذه المنافع تتصاغر في جانب الإثم الكبير فيه، وهذا كشفٌ لحقيقة الخمر.

وكلّ إنسانٍ يتدبّر في أمره فسوف يؤثر الإقلاع عنه، وإن لم يكن محرّمًا عليه، حيث علم أنّ إثمه أكبر من نفعه، ثمّ إنّ في هذا التّعبير تلميحًا بتحريمه؛ فإنّ من قاعدة الشّريعة: أنّ ما ترجّحت مضرّته على منفعته، كان حرامًا. فتستشعر النّفوس بأنّه سيحرم، فإذا جاء التّحريم صادف أنفسًا مستعدّة لذلك، فسهل عليها قبوله.

المرحلة الثّانية:

المنع من قربان الصّلاة في حال السّكر: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } [النساء:42]. وهذا على أقلّ تقديرٍ يشمل اجتنابه في خمسة أوقاتٍ في اليوم والليلة، فتعتاد النّفوس على الامتناع منه في بعض الوقت؛ ليسهل عليها الامتناع الكلّيّ فيما بعد.

المرحلة الثّالثة:

المنع منه في جميع الأوقات والأحوال في قوله تعالى في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون } [المائدة:90-91]. فانتهى الصّحابة عن ذلك بكلّ يسرٍ وسهولةٍ بعد تلك التّمهيدات لتحريمه، فسبحان الحكيم الرّحيم!

وبايعت ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط أن لا صدقة عليها ولا جهاد، فقبل منهم وقال: «سيتصدّقون ويجاهدون» [رواه أبو داود]. وذلك لأنّ الإيمان إذا دخل في القلب، استلزم قيام المؤمن بجميع شرائع الإسلام، وكلّما كان الإيمان أقوى، كان قيامه بواجبات الإيمان ومكمّلاته أتمّ.

6- أن يكون الدّاعي عالمًا بشريعة الله التي يدعو إليها، وعالماً بأحوال من يدعوهم النّفسيّة، والعلميّة، والعمليّة:

عالمًا بشريعة الله؛ ليدعو إلى الله على بصيرةٍ وبرهانٍ؛ حتى لا يضلّ أو يضلّ، وليكون داخلًا في قوله تعالى: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108]. وليستطيع أن يدافع عن دعوته ويقنع خصمه، وكم من داعٍ كان جاهلًا، فحصل من المضرّة عليه وعلى ما يدعو إليه شيءٌ كبيرٌ؛ لأنّه يهزم أمام الباطل؛ لقلّة ما معه من العلم بالحقّ! ولهذا لا يجوز تمكين مثل هؤلاء الجهّال من الدّعوة، كما لا يجوز تمكين الصّبيان من الجهاد.

عالمًا بأحوال من يدعوهم النّفسيّة، والعلميّة والعمليّة؛ ليستعدّ لهم ويسلك في دعوتهم ما يليق بأحوالهم؛ ولهذا لمّا بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن قال له: «إنّك ستأتي أقوامًا أهل كتابٍ». فأخبره بحال من بعثه إليهم من أجل الغرضين السّابقين؛ فإنّ الداعي إذا دعاهم وهو لا يعرف حالهم قد ينعكس عليه هدفه وقد يبدأ بغير المهمّ أو بغير الأهمّ، ويترك ما هو أولى منه.

7- أن يكون الدّاعي على جانبٍ كبيرٍ من الدّين والأخلاق:

 ليكون قدوةً صالحةً في العلم والعمل، فيقوم بما يأمر به من طاعةٍ أو فضيلةٍ ويبتعد عمّا ينهى عنه من معصيةٍ أو رذيلةٍ، فليس من الدّين أن يأمر بشيءٍ ولا يأتيه، وأن ينهى عن شيءٍ ثمّ يقع فيه؛ قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون  كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون } [الصف:2-3].

وفي «الصّحيحين» وغيرهما عن أسامة بن زيدٍ ﭭ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «يجاء بالرّجل يوم القيامة فيلقى في النّار، فتندلق أقتابه –يعني: أمعاءه- في النّار فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النّار عليه، فيقولون: أي فلان، ما شأنك، أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المـنكر؟! قال: كنت آمركم بالمـعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المـنكر وآتيه».

وكما أنّ مخالفته لما أمر به، ووقوعه فيما نهى عنه مخالفةٌ للدّين، فهي مخالفةٌ للعقل أيضًا؛ قال الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُون } [البقرة:44].

وذلك أنّ دعوته إلى الشّيء؛ إمّا أن تكون عن اقتناعٍ بفائدته ومصلحته، فمخالفته حينئذٍ؛ إمّا وقوعٌ في ضررٍ إن كان ممّا ينهى عنه، أو تفويتٌ لمصلحةٍ إن كان مما يأمر به، وكلاهما خلاف العقل؛ لأنّ العاقل لا يفوّت على نفسه المصالح، ولا يوقعها في المضارّ، وإمّا أن تكون دعوته إليه لا عن اقتناعٍ بفائدته ومصلحته، وهذا أعظم؛ لأنّه أتعب نفسه فيما لا يراه مفيدًا، وتلبّس بثوبٍ ليس هو من أهله.

وإذا كان قد دعا رياءً، فقد غر نفسه وخدعها؛ لأنّ أمره سيضمحلّ، وحاله ستنكشف، قال الله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ } [البقرة:24]. وقال الشاعر:

ثوب الرّياء يشفّ عمّا تحته

فإذا اكتسيت به فإنّك عار

وليعلم الدّاعي أنّ تهاونه بطاعة الله ليس كتهاون غيره؛ لأنّه قدوةٌ للنّاس، فمتى رأوه متهاونًا صاروا مثله أو أشدّ تهاونًا منه؛ ولذلك قد يكون الشّيء المستحبّ واجبًا في حقّ الدّاعي إذا توقّف ظهور السّنّة على فعله إياه.

وكذلك تجرّؤ الدّاعي على معاصي الله ليس كتجرّؤ غيره؛ لأنّ النّاس يقتدون به فيها، فيترتّب على ذلك تعدّد المعصية وشيوعها بين المسلمين وإلفهم إيّاها، فينقلب نكرها عرفًا بسبب تجرّؤ هذا الداعي عليها؛ ولذلك قد يكون الشّيء المكروه حرامًا في حقّ الدّاعي إذا كان فعله إيّاه يؤدّي إلى اعتقاد النّاس إباحته؛ فعلى الدّاعي أمانةٌ ثقيلةٌ ومسؤوليّةٌ كبيرةٌ، نسأل الله أن يعيننا جميعًا على القيام بها على الوجه الذي يرضيه عنّا؛ إنّه جوادٌ كريمٌ.

8- أن يكون الدّاعي وقورًا في هيئته وقوله وفعله بدون جفاءٍ:

ليكون أهلًا للتّوقير، فلا يطمع فيه المبطلون، ولا يستخفّه المخلصون، يجدّ في موضع الجدّ، ويمزح في موضع المزاح، يتكلّم إذا كان الكلام خيرًا، ويصمت إذا لم يكن في الكلام خيرٌ...

وإلى جانب وقاره ينبغي أن يكون واسع الصّدر، منبسط الوجه، ليّن الجانب، يألف النّاس ويألفونه؛ حتّى لا ينفضّوا من حوله؛ فكم من سعة صدرٍ، وبساطة وجهٍ، ولين جانبٍ أدخلت في دين الله أفواجًا من النّاس!

 الفصل الخامس

 في أسباب نجاح الدّعوة

نجاح الدّعوة هو الثّمرة التي يسعى إليها الدّعاة، ولولا ما يؤمّلونه من نجاح دعوتهم، لانحطّت قواهم، وتضاءلت دعوتهم.

وجديرٌ بكلّ داعٍ أن يعرف أسباب نجاح دعوته؛ ليأخذ بها حتّى يصل إلى النّتيجة المرضيّة؛ فمن أسباب نجاح الدّعوة:

1- تطبيق ما سبق في الفصل الثّاني والرّابع.

2- أن يكون للدّعوة سندٌ من ذوي السّلطة في الدّولة:

 فإنّ الدّعوة والسّلطة هما دعامتا إصلاح الأمّة، فإذا التقتا واجتمعتا، تحقّق بهما الهدف والمقصود بإذن الله. وإن هما افترقتا، ضاع المجهود أو ضعف إلى حدٍّ كبيرٍ؛ لذلك يتحتّم على كلّ دولةٍ تريد العزّة الحقيقيّة الثّابتة، والتّمكين في الأرض أن تأخذ بدين الله -عزّ وجلّ- وتسير على هدى رسوله صلى الله عليه وسلم مستغنيةً بذلك عن كلّ التّعاليم والنّظم التي لا تتّفق مع دين الله تعالى وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظّاهر، فمن أخذ بكلمة الله ودينه، فسيكون له العلوّ والظّهور على كلّ من خالفه: {وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون } [الروم:6-7].

ويتحتّم على كلّ دولةٍ تريد العزّة الحقيقيّة الثّابتة والتّمكين في الأرض أن تنصر الدّعوة إلى الله -عزّ وجلّ- بكلّ ما تستطيع من أسباب النّصر القوليّة والفعليّة ترغيبًا وترهيبًا، فإنّ الله قد يزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن، وإذا ضعف الإيمان في قلوب النّاس، صار الوازع السّلطانيّ أردع لهم عن المعاصي، وأقوم لهم في الطّاعات حتى يستقيموا ويصلحوا.

وكذلك يتحتّم على الدّعاة إلى الله على بصيرةٍ أن يتّصلوا بذوي السّلطة في الدّولة، ويرغّبوهم في السّير على ما هم عليه من الحقّ، ويبيّنوا لهم ما في ذلك من العواقب الحميدة والسّعادة في الدّنيا والآخرة، ويحذّروهم من مخالفة ذلك، ويبيّنوا لهم ما في مخالفة الحقّ من العواقب السّيّئة والشّقاء في الدّنيا والآخرة، ويرغّبوهم كذلك في نصر الدّعوة إلى الله تعالى بكلّ ما يستطيعون من أسباب النّصر، ويحذّروهم من خذلانها وفعل ما يقاومها ويضادّها.

3- أن تصادف الدّعوة محلًّا قابلًا، ومنبتًا خصبًا: بحيث يكون المدعوّون مستعدّين لقبولها، ليس عندهم من الموانع والصّوارف ما يحول بينهم وبين قبولها، وأغلب ما يكون ذلك في قومٍ عرفوا نتيجة ما هم عليه من الباطل وصاروا يتطلّعون إلى من ينتشلهم منه.

وانظر إلى ما صادفته دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم من المحلّ المناسب، والوقت المناسب حين كانت على فترةٍ من الرّسل وانطماسٍ من السّبل، والنّاس متشوّفون إلى نور الرّسالة، ومتعطّشون إلى ريّ غيثها؛ فإنّ الله سبحانه نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم؛ عربهم وعجمهم، إلّا بقايا من أهل الكتاب، فكانت بعثة النبيّ صلى الله عليه وسلم في النّاس كمثل غيثٍ نزل على أرضٍ جافّةٍ يابسةٍ، قبلته وامتصّته. وأظهر مثلٍ على ذلك: ما جرى بين الأوس والخزرج في حرب بعاث قبل الهجرة بنحو خمس سنين، قتل فيه خلقٌ كثيرٌ من الحيّين؛ الأوس والخزرج ومن أشرافهم فكانوا في أمس الحاجة إلى ما يجمعهم ويؤلّف بينهم، وفي «صحيح البخاريّ» عن عائشة ڤ قالت: كان يوم بعاثٍ يومًا قدّمه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد افترق ملأهم وقتلت سراتهم وجرّحوا، فقدّمه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم في الإسلام.

وذكر ابن إسحاق: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا كلّم من كلّم من الخزرج في الموسم وعرض عليهم الإسلام فقبلوا، قالوا: إنّا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشّرّ ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك.

أمّا إذا كانت الدّعوة في قومٍ في مستقبل الباطل، سكروا في خمرته، وبهروا بزخارفه، وغرّوا بسرابه، فإنّ نجاح الدّعوة فيهم بطيءٌ؛ لأنّ تيّار اندفاع الباطل فيهم قويٌّ، كمثل الماء المحبوس إذا زال حابسه، ولذلك يحتاجون إلى قوّةٍ عظيمةٍ في الدّعوة تقابل قوّة ذلك التّيّار الجديد وتربو عليه، وليكن ذلك بشتّى الوسائل وعلى جميع المستويات، والله المستعان.

4- أن يكون لدى الدّاعي أملٌ كبيرٌ بعيدٌ عن اليأس في نجاح دعوته، فإنّ الأمل دافعٌ قويٌّ للمضيّ في الدّعوة والسّعي في إنجاحها، كما أنّ اليأس سببٌ للفشل والتّأخّر في الدّعوة، ولهذا تجد الله سبحانه يفتح لنبيّه صلى الله عليه وسلم أبوابًا كثيرةً من الأمل، كقوله: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِين } [الذاريات:55]. {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [الفتح:28]. {تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين } [هود:49]. إلى غير ذلك من الآيات، وانظر إلى أمل النبيّ صلى الله عليه وسلم الكبير ونظره البعيد في أشدّ يومٍ وجده من قومه، وذلك يوم رجوعه من الطّائف حين دعاهم إلى الله تعالى، فردّوا دعوته وأغروا به سفهاءهم، فلمّا بلغ قرن الثّعالب ناداه جبريل، فقال: إنّ اللّه قد سمع قول قومك، وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال؛ لتأمره بما شئت فيهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثمّ قال: يا محمّد، ذلك فيما شئت؛ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين». فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه وحده لا يشرك به شيئًا».

فالأمل دافعٌ قويٌّ للمضيّ في الدّعوة، والسّعي في إنجاحها والاستمرار عليها.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا دعاةً إلى الخير، نهاةً عن الشّرّ، وأن يهيّئ للأمّة الإسلاميّة من أمرها رشدًا؛ قادة خيرٍ ورشدٍ، وولاةً صالحين مصلحين، يقضون بالحقّ وبه يعدلون؛ إنّه جوادٌ كريمٌ، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حرّر في 19-22/1397هـ



([1]) كتب الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ هذه الرسالة بمناسبة حضوره للمؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة المنعقد في الجامعة الإسلامية في المدينة من (24- 29/ صفر/1397هـ).

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا