أحكام الصيام وفتاويه

نبذة مختصرة

كتاب نافع يتناول الحديث عن حكم الصيام، وشروط وجوبه، ووقته، ومبطلات الصيام وشروطها وأحكام قضاء الصيام الفائتة، وكفارة الجماع في نهار رمضان، كما يحتوي الكتاب على أكثر من سبعين فتوى يتعلق بمسائل مختلفة في الصوم والاعتكاف.

تفاصيل

 الصيام / مجموعة أسئلة في أحكامه

لفضيلة الشيخ العلامة

محمد بن صالح العثيمين

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 تقديمٌ

إنّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحقّ، فبلّغ الرّسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وجاهد في الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين.

أمّا بعد، فهذه مجموعة أسئلةٍ في الصّيام وأحكامه، وعددها سبعون سؤالًا، تفضّل بالإجابة عليها شيخنا العلّامة محمّد بن صالحٍ العثيمين رحمه الله تعالى.

وإنفاذًا للقواعد والتّوجيهات الّتي قرّرها فضيلته لإخراج تراثه العلميّ، وسعيًا لتعميم النّفع بها -بإذن الله تعالى- تم إعداد هذه المادّة العلميّة للطّباعة والنّشر.

نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، موافقًا لمرضاته، نافعًا لعباده، وأن يجزي فضيلة شيخنا عن الإسلام والمسلمين خيرًا، ويضاعف له المثوبة والأجر، ويعلي درجته في المهديّين؛ إنّه سميعٌ قريبٌ.

وصلّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله، خاتم النّبيّين، وإمام المتّقين، وسيّد الأوّلين والآخرين، نبيّنا محمّدٍ، وعلى آله وأصحابه والتّابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين.

اللجنة العلميّة

في مؤسّسة الشّيخ محمّد بن صالحٍ العثيمين الخيريّة

27/8/1425ﻫ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

السّؤال (1): بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك موسم العبادات والطّاعات، حبّذا لو تفضّلتم، ووجّهتم كلمةً للمسلمين بهذه المناسبة، وما يجب أن يحرّكه هذا الشّهر في نفوسهم؟

الجواب (1): الكلمة التي أوجّهها للمسلمين: هي أنّ هذا الشّهر يشتمل على ثلاثة أصنافٍ من العبادات الجليلة، وهي: الزّكاة، والصّيام، والقيام.

أمّا الزّكاة فإنّ غالب النّاس أو كثيرًا منهم يؤدّون زكاتهم في هذا الشّهر، والواجب على المرء أن يؤدّي الزّكاة بأمانةٍ، وأن يشعر بأنّها عبادةٌ وفريضةٌ من فرائض الإسلام، يتقرّب بها إلى ربّه، ويؤدّي ركنًا من أركان الإسلام العظيمة، وليست مغرمًا كما يصوّره الشّيطان الذي وصفه الله بقوله: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء} [البقرة:268]، بل هي غنيمةٌ؛ لأنّ الله يقول: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم} [البقرة:261]، ويقول سبحانه وتعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} [البقرة:265].

ثمّ عليه أن يخرج الزّكاة عن كلّ قليلٍ وكثيرٍ تجب فيه الزّكاة، وأن يحاسب نفسه محاسبةً دقيقةً، فلا يدع شيئًا ممّا تجب فيه الزّكاة إلّا وأخرج زكاته؛ من أجل أن يبرّئ ذمّته، ويخلّصها من الوعيد الشّديد الّذي قال الله تعالى فيه: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} [آل عمران:180]، وقال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة:34-35].

قال النّبيّ عليه الصلاة والسلام في تفسير الآية الأولى: «من آتاه الله مالًا، فلم يؤدّ زكاته، مثّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان يأخذ بلهزمتيه -يعني: بشدقيه- ويقول: أنا مالك، أنا كنزك».

أمّا الآية الثّانية ففسّرها النّبيّ عليه الصلاة والسلام بقوله: «ما من صاحب ذهبٍ ولا فضّةٍ لا يؤدّي منها حقّها، إلّا إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نارٍ، فأحمي عليها في نار جهنّم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلّما بردت أعيدت له في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، حتّى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إمّا إلى الجنّة، وإمّا إلى النّار».

ويجب أن يؤتيها مستحقّها، فلا يدفعها كعادةٍ اعتاد أن يدفعها، ولا يدفع بها مغرمةً عن نفسه، ولا يسقط بها واجبًا في غير الزّكاة حتّى تكون زكاةً مقبولةً.

أمّا الأمر الثّاني ممّا يفعله المسلمون في هذا الشّهر فهو صيام رمضان الّذي هو أحد أركان الإسلام، وفائدة الصّيام: ما ذكره الله بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [البقرة:183]، ففائدة الصّيام الحقيقيّة هي تقوى الله عز وجل بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فيقوم الإنسان بما أوجب الله عليه من طهارةٍ وصلاةٍ، ويجتنب ما حرّم الله عليه من كذبٍ، وغيبةٍ، وغشٍّ، وتقصيرٍ في واجباته، قال النّبيّ عليه الصلاة والسلام: «من لـم يدع قول الزّور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه».

ومن المؤسف أنّ كثيرًا من المسلمين يصومون هذا الشّهر، ولا تجد فيهم فرقًا بين أيّام الصّيام وأيّام الإفطار، تجد الواحد مستمرًّا فيما هو فيه من تفريطٍ في واجبٍ، أو ارتكابٍ لمحرّم، وهذا أمرٌ يؤسف له، والمؤمن العاقل هو الّذي لا يجعل أيّام صيامه وأيّام فطره سواءً، بل يكون في أيّام صيامه أتقى لله تعالى وأقوم بطاعته.

أمّا الأمر الثّالث فهو القيام، قيام رمضان الذي حثّ عليه الرّسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه».

وقيام رمضان يشمل صلاة التّطوّع في لياليه، وصلاة التّراويح المعروفة هي من قيام رمضان بلا شكٍّ، ولهذا ينبغي للمرء أن يعتني بها، ويحافظ عليها، وأن يحرص على أن يقوم مع الإمام حتّى ينصرف؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «من قام مع الإمام حتّى ينصرف كتب له قيام ليلةٍ».

ويجب على الأئمّة الذين يصلّون بالنّاس صلاة التّراويح أن يتّقوا الله فيمن جعلهم الله أئمّةً لهم، فيصلّوا التّراويح بطمأنينةٍ وتأنٍّ؛ حتّى يتمكّن من خلفهم من فعل الواجبات والمستحبّات بقدر الإمكان.

أمّا ما يفعله كثيرٌ من النّاس اليوم في صلاة التّراويح، تجد الواحد منهم يسرع فيها إسراعًا مخلًّا بالطّمأنينة، والطّمأنينة ركنٌ من أركان الصّلاة، لا تصحّ إلّا بها، فإنّ هذا محرّمٌ عليهم:

أوّلًا: لأنّهم يتركون الطّمأنينة.

وثانيًا: لأنّهم ولو قدّر أنّهم لا يتركون الطّمأنينة، فإنّهم يكونون سببًا لإتعاب من وراءهم، وعدم قيامهم بالواجب، ولهذا الإنسان الذي يصلّي بالنّاس ليس كالإنسان الذي يصلّي لنفسه، فيجب عليه مراعاة النّاس، بحيث يؤدّي الأمانة فيهم، ويقوم بالصّلاة على الوجه المطلوب.

وقد ذكر العلماء أنّه يكره للإمام أن يسرع سرعةً تمنع المأموم من فعل ما يسنّ، فكيف إذا أسرع سرعةً تمنع المأموم من فعل ما يجب؟!

والمهمّ أنّ النّصيحة الّتي أوجّهها إلى نفسي أوّلًا، وإلى إخواني المسلمين ثانيًا، هي الإنابة إلى الله عز وجل، والتّوبة إليه، والقيام بطاعته بقدر الإمكان في شهر رمضان وفي غيره.

السّؤال (2): بعض الشباب -هداهم الله- يتكاسلون في الصلاة في رمضان وغيره، ولكنهم يحافظون على صيام رمضان، ويتحملون العطش والجوع، فبماذا تنصحهم؟ وما حكم صيامهم؟

الجواب (2): نصيحتي لهؤلاء: أن يفكّروا مليًّا في أمرهم، وأن يعلموا أنّ الصّلاة أهمّ أركان الإسلام بعد الشّهادتين، وأنّ من لم يصلّ، وترك الصّلاة متهاونًا، فإنّه -على القول الرّاجح عندي، والّذي تؤيّده دلالة الكتاب والسّنّة - يكون كافرًا كفرًا مخرجًا عن الملّة، مرتدًّا عن الإسلام، فالأمر ليس بالهيّن؛ لأنّ من كان كافرًا مرتدًّا عن الإسلام لا يقبل منه لا صيامٌ، ولا صدقةٌ، ولا يقبل منه أيّ عملٍ؛ لقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُون} [التوبة:54]، فبيّن الله سبحانه وتعالى أنّ نفقاتهم -مع أنّها ذات نفعٍ متعدٍّ للغير- لا تقبل منهم بسبب كفرهم، قال الله سبحانه وتعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [الفرقان:23].

وهؤلاء الذين يصومون ولا يصلّون لا يقبل صيامهم، بل هو مردودٌ عليهم ما دمنا نقول: إنّهم كفّار. كما يدلّ على ذلك كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فنصيحتي لهم: أن يتّقوا الله عز وجل، وأن يحافظوا على الصّلاة، ويقوموا بها في أوقاتها، ومع جماعة المسلمين، وأنا ضامنٌ لهم -بحول الله- أنّهم إذا فعلوا ذلك فسوف يجدون في قلوبهم الرّغبة الأكيدة في رمضان وفيما بعد رمضان على أداء الصّلاة في أوقاتها مع جماعة المسلمين؛ لأنّ الإنسان إذا أناب إلى ربّه، وأقبل عليه، وتاب إليه توبةً نصوحًا، فإنّه قد يكون بعد التّوبة خيرًا منه قبلها؛ كما ذكر الله سبحانه وتعالى عن آدم عليه الصلاة والسلام أنّه بعد أن حصل ما حصل منه من أكل الشّجرة، قال الله تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه:122].

السّؤال (3): النّوم طوال ساعات النّهار ما حكمه، وحكم صيام من ينام؟ وإذا كان يستيقظ لأداء الفروض، ثمّ ينام، فما الحكم؟

الجواب (3): هذا السّؤال تضمّن حالين:

الحال الأولى: رجلٌ ينام طوال النّهار، ولا يستيقظ، ولا شكّ أنّ هذا جانٍ على نفسه، عاصٍ لله عز وجل بتركه الصّلاة في أوقاتها، وإذا كان من أهل الجماعة فقد أضاف إلى ذلك ترك الجماعة أيضًا، وهو حرامٌ عليه، ومنقصٌ لصومه، وما مثله إلّا مثل من يبني قصرًا، ويهدم مصرًا، فعليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يقوم ويؤدّي الصّلاة في أوقاتها حسب ما أمر به.

أمّا الحال الثّانية -وهي حال من يقوم، ويصلي الصّلاة المفروضة في وقتها، ومع الجماعة- فهذا ليس بآثمٍ، لكنّه فوّت نفسه خيرًا كثيرًا؛ لأنّه ينبغي للصّائم أن يشتغل بالصّلاة والذّكر والدّعاء وقراءة القرآن؛ حتّى يجمع في صيامه عباداتٍ شتّى، والإنسان إذا عوّد نفسه ومرّنها على أعمال العبادة في حال الصّيام سهل عليه ذلك، وإذا عوّد نفسه الكسل والخمول والرّاحة صار لا يألف إلّا ذلك، وصعبت عليه العبادات والأعمال في حال الصّيام.

فنصيحتي لـهذا: ألّا يستوعب وقت صيامه في نومه، وليحرص على العبادة، وقد يسّر الله -والحمد لله- في وقتنا هذا للصّائم ما يزيل عنه مشقّة الصّوم من المكيّفات وغيرها ممّا يهوّن عليه الصّيام.

السّؤال (4): ما المقصود بالصّيام في اللّغة والشرع؟

الجواب (4): الصّيام في اللّغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} [مريم:26]، ومنه قول الشّاعر:

خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ

تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما

أمّا في الشّرع فهو التّعبّد لله تعالى بالإمساك عن المفطّرات من طلوع الفجر الثّاني إلى غروب الشّمس.

السّؤال (5): ما أقسام الصّيام؟

الجواب (5): ينقسم الصّيام إلى قسمين:

1- قسمٌ مفروضٌ، والمفروض قد يكون لسببٍ كصيام الكفّارات والنّذور، وقد يكون لغير سببٍ كصيام رمضان، فإنّه واجبٌ بأصل الشّرع، أي: بغير سببٍ من المكلّف.

2- وأمّا غير المفروض فقد يكون معيّنًا، وقد يكون مطلقًا، فمثال المعيّن: صوم يوم الاثنين والخميس، ومثال المطلق: صيام أيّ يومٍ من أيّام السّنة، إلّا أنّه قد ورد النّهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصّوم، فلا يصام يوم الجمعة إلّا أن يصوم يومًا قبله أو بعده، كما ثبت النّهي عن صيام يومي العيدين: الفطر، والنّحر. وكذلك عن صيام أيّام التّشريق إلّا لمن لـم يجد الهدي من قارنٍ ومتمتّعٍ، فإنّه يصوم أيّام التّشريق عن الأيّام الثّلاثة الّتي في الحجّ.

السّؤال (6): ما حكم صيام شهر رمضان؟

الجواب (6): صيام شهر رمضان فرضٌ بنصّ الكتاب والسّنّة وإجماع المسلمين، قال الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [سورة البقرة:183] ، إلى قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:183-185].

وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وصوم رمضان، وحجّ بيت الله الحرام»، وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتموه فصوموا».

وأجمع المسلمون على أنّ صيام رمضان فرضٌ، وأنّه أحد أركان الإسلام، فمن أنكر فرضيّته كفر إلّا أن يكون ناشئًا ببلادٍ بعيدةٍ لا يعرف فيها أحكام الإسلام، فيعرّف بذلك، ثم إن أصرّ بعد إقامة الحجّة عليه كفر.

ومن تركه تهاونًا -مع الإقرار بفرضيّته- فهو على خطرٍ، فإنّ بعض أهل العلم يرى أنّه كافرٌ مرتدٌّ، ولكنّ الرّاجح أنّه ليس بكافرٍ مرتدٍّ، بل هو فاسقٌ من الفسّاق، لكنّه على خطرٍ عظيمٍ.

السّؤال (7): ما مكانة الصّيام في الدّين، وفضله في العبادة؟

الجواب (7): مكانة الصّيام في الإسلام أنّه أحد أركانه العظيمة الّتي لا يقوم إلّا بها، ولا يتمّ إلّا بها، وأمّا فضله في الإسلام فقد ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه».

السّؤال (8): ما حكم الفطر في نهار رمضان بدون عذرٍ؟

الجواب (8): الفطر في نهار رمضان بدون عذرٍ من أكبر الكبائر، ويكون به الإنسان فاسقًا، ويجب عليه أن يتوب إلى الله، وأن يقضي ذلك اليوم الذي أفطره، يعني: لو أنّه صام، وفي أثناء اليوم أفطر بدون عذرٍ، فعليه أن يقضي ذلك اليوم الّذي أفطره؛ لأنّه لمّا شرع فيه التزم به، ودخل فيه على أنّه فرضٌ، فيلزمه قضاؤه كالنّذر.

أمّا لو ترك الصّوم من الأصل متعمّدًا بلا عذرٍ فالرّاجح: أنّه لا يلزمه القضاء؛ لأنّه لا يستفيد به شيئًا؛ إذ إنّه لا يقبل منه، فإنّ القاعدة: أنّ كلّ عبادةٍ مؤقّتةٍ بوقتٍ معيّنٍ فإنّها إذا أخّرت عن ذلك الوقت المعيّن بلا عذرٍ لم تقبل من صاحبها؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»، ولأنّه من تعدّي حدود الله، وتعدّي حدود الله ظلمٌ، والظّالم لا يقبل منه، قال الله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [البقرة:229]، ولأنّه لو قدّم هذه العبادة على وقتها -أي: فعلها قبل دخول الوقت- لم تقبل منه، فكذلك إذا فعلها بعده لم تقبل منه إلّا أن يكون معذورًا.

السّؤال (9): بماذا يثبت دخول شهر رمضان؟

الجواب (9): يثبت دخول شهر رمضان إمّا برؤية هلاله، وإمّا بإكمال شهر شعبان ثلاثين يومًا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غبّي عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين».

السّؤال (10): ما حكم من رأى الهلال وحده، ولم يصم معه الناس؟

الجواب (10): من رأى الهلال يجب عليه أن يبلّغ به المحكمة الشّرعيّة، ويشهد به.

ويثبت دخول شهر رمضان بشهادة واحدٍ إذا ارتضاه القاضي، وحكم بشهادته، فإن ردّت شهادته فقد قال بعض العلماء: إنّه يلزمه أن يصوم؛ لأنّه تيقّن أنّه رأى الهلال، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته»، وهذا قد رآه.

وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه أن يصوم؛ لأنّ الصّوم يوم يصوم النّاس، والفطر يوم يفطر النّاس، وموافقته للجماعة خيرٌ من انفراده وشذوذه.

وفصّل آخرون، فقالوا: يلزمه الصّوم سرًّا، فيلزمه الصّوم؛ لأنّه رأى الهلال، ويكون سرًّا؛ لئلّا يظهر مخالفة الجماعة.

السّؤال (11): ما أركان الصّيام؟

الجواب (11): الصّيام له ركنٌ واحدٌ، وهو التّعبّد لله عز وجل بالإمساك عن المفطّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس.

والمراد بالفجر هنا: الفجر الثّاني دون الفجر الأوّل، ويتميّز الفجر الثّاني عن الفجر الأوّل بثلاثة مميّزاتٍ:

الأولى: أنّ الفجر الثاني يكون معترضًا في الأفق، والفجر الأوّل يكون مستطيلًا، أي: ممتدًّا من المشرق إلى المغرب، أمّا الفجر الثّاني فممتدٌّ من الشّمال إلى الجنوب.

الميزة الثّانية: أنّ الفجر الثّاني لا ظلمة بعده، بل يستمرّ النّور في ازديادٍ حتّى تطلع الشّمس، وأمّا الفجر الأوّل فيظلم بعد أن يكون له شعاعٌ.

والميزة الثّالثة: أنّ الفجر الثّاني متّصلٌ بياضه بالأفق، وأمّا الفجر الأوّل فبينه وبين الأفق ظلمةٌ.

والفجر الأوّل ليس له حكمٌ في الشّرع، فلا تحلّ به صلاة الفجر، ولا يحرم به الطّعام على الصّائم، بخلاف الفجر الثّاني.

السّؤال (12): على من يجب الصّيام؟

الجواب (12): الصّيام يجب أداءً على كلّ مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، قادرٍ، مقيمٍ، خالٍ من الموانع، فهذه ستّة أوصافٍ.

فأمّا الكافر فلا يجب عليه الصّوم ولا غيره من العبادات، ومعنى قولنا: (لا يجب عليه الصّوم) أنّه لا يلزم به حال كفره، ولا يلزمه قضاؤه بعد إسلامه؛ لأنّه لا تقبل منه عبادةٌ حال كفره؛ لقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ} [التوبة:54]، ولا يلزمه قضاء العبادة إذا أسلم؛ لقوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:38].

لكن يعاقب على ما تركه من واجباتٍ حال كفره؛ لقوله تعالى عن أصحاب اليمين وهم يتساءلون عن المجرمين: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} [المدثر:42- 47]، فذكرهم ترك الصّلاة وعدم إطعام المسكين من أسباب دخولهم النّار يدلّ على أنّ لذلك تأثيرًا في دخولهم النّار.

بل إنّ الكافر يعاقب على كلّ ما يتمتّع به من نعم الله من طعامٍ وشرابٍ ولباسٍ؛ لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين} [المائدة:93]، فنفي الجناح عن المؤمنين فيما طعموا يدلّ على ثبوت الجناح على غير المؤمنين فيما طعموا، ولقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف:32]، فقوله: {لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يدلّ على أنّ الحكم في غير المؤمنين يختلف عن الحكم في المؤمنين.

ولكن إذا أسلم في أثناء رمضان لم يلزمه قضاء ما سبق إسلامه، فإذا أسلم ليلة الخامس عشر -مثلًا- فالأيّام الأربعة عشر لا يلزمه قضاؤها، وإذا أسلم في أثناء اليوم لزمه الإمساك دون القضاء، فإذا أسلم -مثلًا- عند زوال الشّمس قلنا له: أمسك بقيّة يومك، ولا يلزمك القضاء. فنأمره بالإمساك؛ لأنّه صار من أهل الوجوب، ولا نأمره بالقضاء؛ لأنّه قام بما وجب عليه، وهو الإمساك من حين أسلم، ومن قام بما يجب عليه لم يكلّف إعادة العبادة مرّةً ثانيةً.

أمّا العقل فهو الوصف الثّاني للوجوب، فالعقل هو ما يحصل به الميز، أي: التّمييز بين الأشياء، فإذا لم يكن الإنسان عاقلًا فإنّه لا صوم عليه، كما أنّه لا يجب عليه شيءٌ من العبادات سوى الزّكاة.

ومن هذا النّوع -أي: ممّن ليس له عقلٌ- أن يبلغ الإنسان سنًّا يسقط معه التّمييز، وهو ما يعرف عند العامّة بـ:«الهذرات»، فلا يلزم المهذريّ صومٌ، ولا يلزم عنه إطعامٌ؛ لأنّه ليس من أهل الوجوب.

أمّا الوصف الثّالث فهو البلوغ، ويحصل البلوغ بواحدٍ من أمورٍ ثلاثةٍ:

- إمّا بأن يتمّ الإنسان خمس عشرة سنةً.

- أو أن ينبت العانة، وهو الشّعر الخشن الذي يكون عند القبل.

- أو ينزل المنيّ بلذّةٍ، سواءٌ كان ذلك باحتلامٍ أو بيقظة.

وتزيد المرأة أمرًا رابعًا، وهو الحيض، فإذا حاضت المرأة بلغت.

وعلى هذا، فمن تمّ له خمس عشرة سنةً من ذكرٍ أو أنثى فقد بلغ، ومن نبتت عانته -ولو قبل خمس عشرة سنةً- من ذكرٍ أو أنثى فقد بلغ، ومن أنزل منيًّا بلذّة من ذكرٍ أو أنثى -ولو قبل خمس عشرة سنةً- فقد بلغ، ومن حاضت -ولو قبل خمس عشرة سنةً- فقد بلغت، وربما تحيض المرأة وهي بنت عشر سنين.

وهنا يجب التّنبّه لهذه المسألة التي يغفل عنها كثيرٌ من النّاس، فإنّ بعض النّساء تحيض مبكّرةً، ولا تدري أنّه يلزمها الصّوم وغيره من العبادات التي يتوقّف وجوبها على البلوغ؛ لأنّ كثيرًا من النّاس يظنّ أنّ البلوغ إنّما يكون بتمام خمس عشرة سنةً، وهذا ظنٌّ لا أصل له.

فإذا لم يكن الإنسان بالغًا فإنّ الصّوم لا يجب عليه، ولكن ذكر أهل العلم أنّ الوليّ مأمورٌ بأن يأمر موليّه الصّغير من ذكرٍ أو أنثى بالصّوم؛ ليعتاده حتّى يتمرّن عليه، ويسهل عليه إذا بلغ، وهذا ما كان الصّحابة رضي الله عنهم يفعلونه، فإنّهم كانوا يصوّمون أولادهم الصّغار، حتّى إنّ الواحد منهم ليبكي، فيعطى لعبةً من العهن يتلهّى بها حتّى تغرب الشّمس.

وأمّا الوصف الرّابع فهو أن يكون الإنسان قادرًا على الصّوم، أي: يستطيع أن يصوم بلا مشقّةٍ، فإن كان غير قادرٍ فلا صوم عليه، ولكن غير القادر ينقسم إلى قسمين:

القسم الأوّل: أن يكون عجزه عن الصّوم مستمرًّا دائمًا، كالكبير، والمريض مرضًا لا يرجى برؤه، فهذا يطعم عن كلّ يومٍ مسكينًا، فإذا كان الشّهر ثلاثين يومًا أطعم ثلاثين مسكينًا.

وللإطعام كيفيّتان:

الكيفيّة الأولى: أن يخرج حبًّا من أرزٍّ أو برٍّ، وقدره ربع صاعٍ بصاع النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أي: خمس صاعٍ بالصّاع المعروف هنا، ويساوي الصّاع النّبويّ صلى الله عليه وسلم كيلوين وأربعين غرامًا بالبرّ الجيّد الرّزين، يعني: أنّك إذا وزنت من البرّ الرّزين الدّجن ما يبلغ كيلوين وأربعين غرامًا، فإنّ هذا صاعٌ بصاع النّبيّ صلى الله عليه وسلم، والصّاع بصاع النّبيّ صلى الله عليه وسلم أربعة أمدادٍ؛ فيكفي لأربعة مساكين، ويحسن في هذه الحال أن تجعل معه -إذا دفعته إلى الفقير- شيئًا يؤدمه من لحمٍ أو غيره، حسبما تقتضيه الحال والعرف.

وأمّا الكيفيّة الثّانية من الإطعام فأن يصنع طعامًا يكفي لثلاثين فقيرًا، أو تسعةٍ وعشرين فقيرًا حسب الشّهر، ويدعوهم إليه؛ كما ذكر ذلك عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه حين كبر.

ولا يجوز أن يطعم شخصًا واحدًا مقدار ما يكفي الثّلاثين، أو التّسعة والعشرين؛ لأنّه لا بدّ أن يكون عن كلّ يومٍ مسكينٌ.

أمّا القسم الثّاني من العجز عن الصّوم فهو العجز الذي يرجى زواله، وهو العجز الطّارئ، كمرضٍ حدث على الإنسان في أيّام الصّوم، وكان يشقّ عليه أن يصوم، فنقول له: أفطر، واقض يومًا مكانه. لقول الله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185].

أمّا الوصف الخامس فهو أن يكون مقيمًا، وضدّه: المسافر. فالمسافر -وهو الذي فارق وطنه- لا يلزمه الصّوم؛ لقوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185].

ولكنّ الأفضل أن يصوم إلّا أن يشقّ عليه، فالأفضل الفطر؛ لقول أبي الدّرداء رضي الله عنه: كنّا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في رمضان في يومٍ شديد الحرّ، وما فينا صائمٌ إلّا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.

أمّا إذا شقّ عليه الصّوم فإنّه يفطر، ولا بدّ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم شكي إليه أنّ النّاس قد شقّ عليهم الصّيام، فأفطر، ثم قيل له: إنّ بعض النّاس قد صام. فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة».

أمّا الوصف السّادس فأن يكون خاليًا من الموانع، أي: من موانع الوجوب، وهذا يختصّ بالمرأة، فيشترط في وجوب الصّوم عليها أداءً ألّا تكون حائضًا ولا نفساء، فإن كانت حائضًا أو نفساء فإنّه لا يلزمها الصّوم، وإنّما تقضي بدل الأيّام الّتي أفطرت؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم مقرّرًا: «أليس إذا حاضت لـم تصلّ، ولـم تصم؟» فإذا حاضت المرأة فلا صوم عليها، وتقضي في أيّامٍ أخر.

وهنا مسألتان ينبغي التّفطّن لهما:

المسألة الأولى: أنّ بعض النّساء تطهر في آخر اللّيل، وتعلم أنّها طهرت، ولكنّها لا تصوم ذلك اليوم؛ ظنًّا منها أنّها إذا لم تغتسل فإنّها لا يصحّ صومها، وليس الأمر كذلك، بل صومها يصحّ وإن لم تغتسل إلّا بعد طلوع الفجر.

وأمّا المسألة الثّانية فهي أنّ بعض النّساء تكون صائمةً، فإذا غربت الشّمس وأفطرت جاءها الحيض قبل أن تصلّي المغرب، فبعض النّساء تقول: إنّه إذا أتاها الحيض بعد الفطر، وقبل صلاة المغرب، فإنّ صومها ذلك النّهار يفسد. وكذلك بعض النّساء تبالغ أيضًا، وتقول: إذا جاءها الحيض قبل صلاة العشاء فإنّ صومها ذلك اليوم يفسد. وكلّ هذا ليس بصحيحٍ، فالمرأة إذا غربت الشّمس وهي لم تر الحيض خارجًا فصومها صحيحٌ، حتّى لو خرج بعد غروب الشّمس بلحظةٍ واحدةٍ فصومها صحيحٌ.

هذه ستّة أوصافٍ، إذا اجتمعت في الإنسان وجب عليه صوم رمضان أداءً، ولا يحلّ له أن يفطر، فإن تخلّف واحدٌ منها فعلى ما مضى من التّفصيل.

السّؤال (13): يتصوّر بعض الشباب أن سن التكليف (16) سنةً، وقد يبلغون قبل هذه السّنّ، ولكنهم لا يصومون، فماذا عليهم؟ وهل يقضون السنوات الماضية؟

الجواب (13): نعم، هذا الذي ذكره السّائل كثيرٌ، ولا سيّما في النّساء؛ حيث يأتيهنّ الحيض في سنٍّ مبكّرةٍ أحيانًا، وليس البلوغ محدّدًا بالسّنّ فقط، بل البلوغ يحصل بأشياء غير السّنّ، وهي نبات شعر العانة، وإنزال المنيّ، بالإضافة إلى تمام خمس عشرة سنةً، وتزيد الأنثى أمرًا رابعًا، وهو الحيض.

وعلى هذا، فإذا بلغ الإنسان وجب عليه قضاء الصّوم الذي تركه بعد بلوغه، وأكثر النّاس يصلّون في هذه المدّة، ولا يتركون الصّلاة، لكن الشّيء الّذي يكون هو الصّوم؛ حيث إنّ المرأة إذا بلغت بالحيض وهي صغيرةٌ تستحيي أن تخبر أهلها بذلك، وتجدها أحيانًا لا تصوم، وأحيانًا تصوم حتّى وقت الحيض، فيجب عليها القضاء في الصّورتين: إذا كانت لم تصم وجب عليها قضاء الشّهر كاملًا، وإذا كانت تصوم حتّى أيّام الحيض وجب عليها قضاء أيّام الحيض.

السّؤال (14): ما حكم صيام تارك الصّلاة؟

الجواب (14): تارك الصّلاة صومه ليس بصحيحٍ، ولا مقبولٍ منه؛ لأنّ تارك الصّلاة كافرٌ مرتدٌّ؛ لقوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة:11]، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «بين الرّجل وبين الشّرك والكفر: ترك الصّلاة»، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «العهد الّذي بيننا وبينهم: الصّلاة. فمن تركها فقد كفر»، ولأنّ هذا قول عامّة الصّحابة إن لم يكن إجماعًا منهم، قال عبد الله بن شقيقٍ رحمه الله، وهو من التّابعين المشهورين: (كان أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ غير الصّلاة).

وعلى هذا، فإذا صام الإنسان وهو لا يصلّي فصومه مردودٌ غير مقبولٍ، ولا نافعٌ له عند الله يوم القيامة، ونحن نقول له: صلّ، ثمّ صم، أمّا أن تصوم ولا تصلّي فصومك مردودٌ عليك؛ لأنّ الكافر لا تقبل منه العبادة.

السّؤال (15): ما حكم من يصوم ويصلّي إذا جاء رمضان، فإذا انسلخ رمضان انسلخ من الصّلاة؟

الجواب (15): الّذي يتبيّن لي من الأدلّة أن ترك الصّلاة لا يكون كفرًا إلّا إذا تركها الإنسان تركًا مطلقًا، وأمّا من يصلّي ويخلّي، فيصلّي بعض الأحيان، ويترك بعض الأحيان، فالّذي يظهر لي من الأدلّة أنّه لا يكفر بذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «العهد الّذي بيننا وبينهم: الصّلاة. فمن تركها -أي: الصّلاة- فقد كفر»، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «بين الرّجل وبين الشّرك والكفر: ترك الصّلاة»، ولكنّ هذا الرّجل الّذي لا يصلّي إلّا في رمضان، ويصوم في رمضان، أنا في شكٍّ من إيمانه؛ لأنّه لو كان مؤمنًا حقًّا لكان يصلّي في رمضان وفي غيره، أمّا كونه لا يعرف ربّه إلّا في رمضان فأنا أشكّ في إيمانه، لكنّني لا أحكم بكفره، بل أتوقّف فيه، وأمره إلى الله عز وجل.

السّؤال (16): ما حكم من يصوم أيامًا، ويفطر أخرى؟

الجواب (16): جواب هذا السّؤال يمكن أن يفهم ممّا سبق، وهو أنّ هذا الّذي يصوم يومًا، ويدع يومًا، لا يخرج من الإسلام، لكنّه يكون فاسقًا؛ لتركه هذه الفريضة العظيمة الّتي هي أحد أركان الإسلام، ولا يقضي الأيّام الّتي أفطرها؛ لأنّ قضاءه إيّاها لا يفيده شيئًا فإنّه لا يقبل منه؛ بناءً على ما أشرنا إليه سابقًا من أنّ العبادة المؤقّتة إذا أخّرها الإنسان عن وقتها المحدّد بلا عذرٍ، فإنّها لا تقبل منه.

السّؤال (17): إذا ترك الإنسان الصّيام أشهرًا بعد بلوغه، ثمّ استقام، فهل يلزمه قضاء هذه الأشهر؟

الجواب (17): القول الرّاجح من أقوال أهل العلم: أنّه لا يلزمه قضاء هذه الأشهر الّتي تركها بلا عذرٍ؛ بناءً على ما سبق ذكره: أنّ العبادة المؤقّتة إذا أخّرها الإنسان عن وقتها المحدّد لها شرعًا فإنّها لا تقبل منه إلّا لعذرٍ، فقضاؤه إيّاها لا يفيده شيئًا، وقد ذكرنا فيما سبق دليل ذلك من الكتاب والسّنّة والقياس.

وعلى هذا، فإذا كان الإنسان في أوّل شبابه لا يصلّي ولا يصوم، ثمّ منّ الله عليه بالهداية، وصلّى وصام، فإنّه لا يلزمه قضاء ما فاته من صلاةٍ وصيامٍ، وكذلك لو كان يصلّي ويزكّي، ولكنّه لا يصوم، فمنّ الله عليه بالهداية، وصار يصوم، فإنّه لا يلزمه قضاء ذلك الصّوم؛ بناءً على ما سبق تقريره، وهو أنّ العبادة المؤقّتة بوقتٍ إذا أخّرها الإنسان لم تقبل منه إلّا لعذرٍ، وإذا لم تقبل منه لم يفد قضاؤه إيّاها شيئًا.

السّؤال(18): ما الأعذار المبيحة للفطر في شهر رمضان؟

الجواب (18): الأعذار المبيحة للفطر سبق الإشارة إلى بعضها، وهي: المرض، والسّفر.

ومن الأعذار: أن تكون المرأة حاملًا، تخاف على نفسها، أو على جنينها.

ومن الأعذار أيضًا: أن تكون المرأة مرضعًا، تخاف إذا صامت على نفسها، أو على رضيعها.

ومن الأعذار أيضًا: أن يحتاج الإنسان إلى الفطر؛ لإنقاذ معصومٍ من هلكةٍ، مثل: أن يجد غريقًا في البحر، أو شخصًا بين أماكن محيطةٍ به فيها نارٌ، فيحتاج في إنقاذه إلى الفطر، فله حينئذٍ أن يفطر، وينقذه.

ومن ذلك أيضًا: إذا احتاج إلى الفطر؛ للتّقوّي على الجهاد في سبيل الله، فإنّ ذلك من أسباب إباحة الفطر؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في غزوة الفتح: «إنّكم مصبّحو عدوّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا».

فإذا وجد السّبب المبيح للفطر، وأفطر الإنسان به، فإنّه لا يلزمه الإمساك بقيّة ذلك اليوم، فإذا قدّر أنّ شخصًا أفطر لإنقاذ معصومٍ من هلكةٍ، فأنقذه، فإنّه يستمرّ مفطرًا؛ لأنّه أفطر بسببٍ يبيح له الفطر، فلا يلزمه الإمساك حينئذٍ؛ لكون حرمة ذلك اليوم قد زالت بالسّبب المبيح للفطر.

ولهذا نقول بالقول الرّاجح في هذه المسألة: أنّ المريض لو برئ في أثناء النّهار، وكان مفطرًا، فإنّه لا يلزمه الإمساك، ولو قدم المسافر إلى بلده، وكان مفطرًا، فإنّه لا يلزمه الإمساك، ولو طهرت الحائض في أثناء النّهار فإنّه لا يلزمها الإمساك؛ لأنّ هؤلاء كلّهم أفطروا بسببٍ مبيحٍ للفطر، فكأنّ ذلك اليوم في حقّهم لا حرمة له؛ لإباحة الشّرع الإفطار فيه، فلا يلزمهم الإمساك إذا زال السّبب المبيح للفطر.

السّؤال (19): ما الفرق بين هذه الحال وبين من علموا بدخول الشّهر في أثناء النّهار؟

الجواب (19): الفرق بينهما ظاهرٌ؛ لأنّه إذا قامت البيّنة في أثناء النّهار فإنّه يلزمهم الإمساك؛ لأنّهم في أوّل النّهار إنّما أفطروا بالعذر (عذر الجهل)، ولهذا لو كانوا عالمين بأنّ هذا اليوم من رمضان لزمهم الإمساك، أمّا القوم الآخرون الذين أشرنا إليهم فهم يعلمون أنّه من رمضان، لكن الفطر مباحٌ لهم، فبينهما فرقٌ ظاهرٌ.

السّؤال (20): ما مفسدات الصّوم؟

الجواب (20): مفسدات الصّوم هي المفطّرات، وهي: الجماع، والأكل، والشّرب، وإنزال المنيّ بشهوةٍ، وما بمعنى الأكل والشّرب، والقيء عمدًا، والحجامة، وخروج دم الحيض والنّفاس، هذه ثمانية مفطّراتٍ.

أمّا الأكل والشّرب والجماع فدليلها: قوله تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [البقرة:187].

وأمّا إنزال المنيّ بشهوةٍ فدليله: قوله تعالى في الحديث القدسيّ في الصّائم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»، وإنزال المنيّ شهوةٌ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وفي بضع أحدكم صدقةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجرٌ؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجرٌ»، والّذي يوضع إنّما هو المنيّ الدّافق، ولهذا كان القول الرّاجح أنّ المذي لا يفسد الصّوم حتّى وإن كان بشهوةٍ.

الخامس: ما كان بمعنى الأكل والشّرب، وهو الإبر المغذّية التي يستغنى بها عن الأكل والشّرب؛ لأنّ هذه وإن كانت ليست أكلًا ولا شربًا، لكنّها بمعنى الأكل والشّرب؛ حيث يستغنى بها عنهما، وما كان بمعنى الشّيء فله حكمه، ولذلك يتوقّف بقاء الجسم على تناول هذه الإبر إذا كان لا يتغذّى بغيرها.

أمّا الإبر التي لا تغذّي، ولا تقوم مقام الأكل والشّرب، فإنّها لا تفطر، سواءٌ تناولها الإنسان في الوريد، أو العضلات، أو في أيّ مكانٍ في بدنه.

السّادس: القيء عمدًا، أي: أن يتقيّأ الإنسان ما في بطنه حتّى يخرج من فمه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من استقاء عمدًا فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه».

والحكمة في ذلك: أنّه إذا تقيّأ فرّغ بطنه من الطّعام، واحتاج البدن إلى طعام يسدّ عليه هذا الفراغ، ولهذا نقول: إذا كان الصّوم فرضًا فإنّه لا يجوز للإنسان أن يتقيّأ؛ لأنّه إذا تقيّأ ضرّ نفسه، وأفسد صومه الواجب.

وأمّا السّابع -وهو خروج الدّم بالحجامة- فلقول النّبيّ عليه الصلاة والسلام: «أفطر الـحاجم والمحجوم».

وأما خروج دم الحيض والنّفاس فلقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا حاضت المرأة لم تصل، ولم تصم؟»، وقد أجمع أهل العلم على أن الصوم لا يصحّ من الحائض، ومثلها النّفساء.

وهذه المفطّرات -وهي مفسدات الصوم- لا تفسده إلا بشروطٍ ثلاثةٍ، وهي: العلم، والذّكر، والقصد. أي: أن الصائم لا يفسد صومه بهذه المفسدات إلا بشروطٍ ثلاثةٍ:

أن يكون عالمًا بالحكم الشرعيّ، وبالحال -أي: بالوقت- فإن كان جاهلًا بالحكم الشرعيّ أو بالوقت فصيامه صحيحٌ؛ لقول الله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، فقال الله تعالى: «قد فعلت»، وقال الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب:5]، ولثبوت السّنة في ذلك، ففي الصحيح من حديث عديّ بن حاتمٍ رضي الله عنه أنه صام، فجعل تحت وسادته عقالين -وهما الحبلان اللذان تشدّ بهما يدا الجمل- أحدهما أسود، والثاني أبيض، وجعل يأكل ويشرب حتى تبين له الأبيض من الأسود، ثم أمسك، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، فبين له النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه ليس المراد بالخيط الأبيض والأسود في الآية الخيطين المعروفين، وإنما المراد بالخيط الأبيض: بياض النهار. وبالخيط الأسود: الليل، أي: سواده. ولم يأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم بقضاء الصوم؛ لأنه كان جاهلًا بالحكم، يظنّ أن هذا هو معنى الآية الكريمة.

وأما الجهل بالوقت فلحديث أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما -وهو في البخاريّ- قالت: أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيمٍ، ثم طلعت الشمس. ولم يأمرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا لأمرهم به، ولو أمرهم به لنقل إلى الأمة؛ لقول الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر:9]، فلما لم ينقل -مع توافر الدواعي على نقله- علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم به، ولما لم يأمرهم به علم أنه ليس بواجبٍ.

وعلى هذا، فلو قام الإنسان يظنّ أنه في الليل، فأكل أو شرب، ثم تبين له أن أكله وشربه كان بعد طلوع الفجر، فليس عليه قضاءٌ؛ لأنه كان جاهلًا.

وأما الشرط الثاني فهو أن يكون ذاكرًا، وضدّ الذّكر: النّسيان. فلو أكل أو شرب ناسيًا فإن صومه صحيحٌ، ولا قضاء عليه؛ لقول الله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، فقد قال الله تعالى: «قد فعلت»، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نسي وهو صائمٌ، فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه».

وأما الشرط الثالث فهو أن يكون الإنسان مختارًا لفعل هذا المفطّر، فإن كان غير مختارٍ فإن صومه صحيحٌ، سواء كان مكرهًا أم غير مكرهٍ؛ لقول الله تعالى في المكره على الكفر: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم} [النحل:106]، فإذا كان حكم الكفر يرتفع بالإكراه فما دونه من باب أولى، وللحديث الّذي يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفع عن أمتي: الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه».

وعلى هذا، فلو طار إلى أنف صائمٍ غبارٌ، ووجد طعمه في حلقه، ونزل إلى معدته، فإنه لا يفطر بذلك؛ لأنه لم يتقصده.

وكذلك لو أكره على الفطر، فأفطر دفعًا للإكراه، فإن صومه صحيحٌ؛ لأنه غير مختارٍ.

وكذلك لو احتلم وهو نائمٌ، فإن صومه صحيحٌ؛ لأن النائم لا قصد له.

وكذلك لو أكره الرجل زوجته وهي صائمةٌ، فجامعها، فإن صومها صحيحٌ؛ لأنها غير مختارةٍ.

وهاهنا مسألةٌ يجب التفطّن لها، وهي: أن الرجل إذا أفطر بالجماع في نهار رمضان، والصوم واجبٌ عليه، فإنه يترتب على جماعه أمورٌ:

الأول: الإثم.

والثاني: فساد الصوم.

والثالث: القضاء.

والرابع: الكفارة.

ويلزمه الإمساك بقية يومه، ولا فرق بين أن يكون عالمًا بما يجب عليه في هذا الجماع أو جاهلًا، يعني: أن الرجل إذا جامع في صيام رمضان، والصوم واجبٌ عليه، ولكنه لا يدري أن الكفارة تجب عليه، فإن الكفارة واجبةٌ عليه؛ لأنه تعمد المفسد، وتعمدّه المفسد يستلزم ترتيب الأحكام عليه؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلًا جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائمٌ. فأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم بالكفارة، مع أن الرجل لا يعلم عنها.

وفي قولنا: (والصوم واجبٌ عليه) احترازٌ مما إذا جامع الصائم في رمضان وهو مسافرٌ، فإنه لا تلزمه الكفارة، مثل: أن يكون الرجل مسافرًا بأهله في رمضان، وهما صائمان، ثم يجامع أهله، فإنه ليس عليه كفارةٌ، وذلك لأن المسافر إذا شرع في الصّيام لا يلزمه إتمامه، إن شاء أفطر وقضى، وإن شاء استمر.

السّؤال (21): عمالٌ يشتغلون في مصانع، وهذه المصانع على أنواعٍ، بعضها غبارها كثيرٌ، ويدخل في فتحات الأنف والفم، وبعضها دخانها كثيرٌ يدخل أيضًا في فتحات الجسم، ومنهم من يعمل في الدّهانات أو المبيدات الحشرية... إلى آخره، وهم يخشون أن يؤثّر هذا العمل على صيامهم، أفتوهم في هذا أثابكم الله، وانصحوهم بما ترون فيه الخير والفائدة.

الجواب (21): هذا العمل لا يؤثّر على صيامهم؛ لأن الغبار أو الدّخان يدخل بغير اختيارهم، ولكن من الناحية الصّحية أرى أنه لا بد أن يبحثوا، ويسألوا: هل ينتفي الضرر عنهم إذا أبقوا أنوفهم وأفواههم مفتوحةً، أو لا بد من أن يتخذوا كماماتٍ يدرؤون بها هذا الدّخان، وهذا الغبار؟ وإذا كان كذلك فلا بد أن يحتاطوا لأنفسهم حتّى لا يدخلوا الضرر عليهم؛ لأن نفس الإنسان أمانةٌ عنده، فيجب عليه أن يتقي الله تعالى في هذه الأمانة، وألّا يعرّضها للأضرار والتلف.

وبهذه المناسبة أودّ أن أبيّن أن المفطّرات لا تفطّر إلا بثلاثة شروطٍ:

الشرط الأول: أن يكون من تناولها عالمًا.

والثاني: أن يكون ذاكرًا.

والثالث: أن يكون مختارًا.

فإن كان جاهلًا فصومه صحيحٌ، سواءٌ كان جاهلًا بالحكم، أم جاهلًا بالوقت، فالجاهل بالحكم مثل: أن يحتجم رجلٌ في نهار رمضان، يظنّ أن الحجامة لا تؤثّر، فهذا لا شيء عليه؛ لأنه جاهلٌ بالحكم.

والجاهل بالوقت مثل: أن تغره الساعة في آخر الليل، فيظنّ أن الفجر لم يطلع، فيأكل ويشرب، ثم يتبين له بعد ذلك أنه قد أكل وشرب بعد طلوع الفجر، فإن صومه صحيحٌ، ولا قضاء عليه؛ لأنه جاهلٌ بالوقت.

دليل هذا: عموم قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، وقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب:5]، وخصوص حديث أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما قالت: أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم غيمٍ، ثم طلعت الشمس. رواه البخاريّ، ولم تذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا لأمرهم به النبيّ عليه الصلاة والسلام، ولنقل إلى الأمة؛ لأنه إذا كان القضاء واجبًا في هذه الحال كان من شريعة الله، وشريعة الله لا بد أن تكون منقولةً محفوظةً.

ودليل من جهل الحكم: حديث عديّ بن حاتمٍ رضي الله عنه أنه جعل يأكل ويشرب، وقد اتخذ عقالين -وهما الحبلان اللذان تعقل بهما الناقة- أحدهما أسود، والثاني أبيض، وجعل يأكل ويشرب، وهو ينظر إلى هذين العقالين، فلما تبيّن له أحدهما من الآخر أمسك، ثم أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن وسادك لعريضٌ أن وسع الخيط الأبيض والأسود» ولم يأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم بالقضاء.

أما الشرط الثاني -أن يكون ذاكرًا- فدليله: عموم قوله تعالى في الآية الكريمة السابقة: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، فإن الآية عامةٌ، وخصوص حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نسي وهو صائمٌ، فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه».

وأما الشرط الثالث -أن يكون مختارًا- فدليله: عموم قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب:5]، فإن المكره لم يتعمد، وخصوص قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم} [النحل:106]، فإن هذا خاصٌّ بالإكراه على الشّرك، والشّرك أعظم المحرمات، فإذا كان الشّرك -وهو أعظم المحرمات- لا يثبت حكمه مع الإكراه، فما دونه من باب أولى، وتكون هذه الآية دالةً بالقياس.

السّؤال (22): ما حكم صيام الصبيّ؟

الجواب (22): صيام الصبيّ -كما أسلفنا- ليس بواجبٍ عليه، بل هو سنةٌ، له أجره إن صام، وليس عليه إثمٌ إن أفطر، ولكن على وليّ أمره أن يأمره به؛ ليعتاده.

السّؤال (23): ما حكم صيام من يعقل زمنًا، ويجنّ زمنًا آخر، أو يهذري يومًا ويصحو يومًا آخر؟

الجواب (23): الحكم يدور مع علّته، ففي الأوقات التي يكون فيها صاحيًا عاقلًا يجب عليه الصوم، وفي الأوقات الّتي يكون فيها مجنونًا مهذريًا لا صوم عليه، فلو فرض أنه يجن يومًا ويفيق يومًا، أو يهذري يومًا ويصحو يومًا -أي: يفقد التمييز؛ لكبر سنّه- ففي اليوم الذي يصحو فيه يلزمه الصوم، وفي اليوم الذي لا يصحو فيه لا يلزمه الصوم.

السّؤال (24): ما الحكم إذا حدث له الجنون في أثناء النهار؟

الجواب (24): إذا جن في أثناء النهار بطل صومه؛ لأنه صار من غير أهل العبادة، وكذلك إذا هذرى –أي: فقد التمييز لكبر سنّه- في أثناء اليوم فإنه لا يلزمه الإمساك، ولكنه يلزمه القضاء، وكذلك الذي جن في أثناء النهار يلزمه القضاء؛ لأنه كان في أول النهار من أهل الوجوب.

السّؤال (25): ما حكم صيام يوم الشكّ؛ خشية أنه من رمضان؟

الجواب (25): صيام يوم الشكّ أقرب الأقوال فيه أنه حرامٌ؛ لقول عمار بن ياسرٍ رضي الله عنه: (من صام يوم الشكّ فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)، ولأن الصّائم في يوم الشكّ متعدٍّ لحدود الله عز وجل؛ لأن حدود الله ألّا يصام رمضان إلا برؤية هلاله أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا، ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يومٍ أو يومين، إلا رجلٌ كان يصوم صومًا، فليصمه».

ثم إن الإنسان الذي تحت ولايةٍ مسلمةٍ يتبع ولايته، فإذا ثبت عند وليّ الأمر دخول الشهر فليصم تبعًا للمسلمين، وإذا لم يثبت فلا يصم، وقد سبق لنا بيان ما لو رأى الإنسان وحده هلال رمضان: هل يصوم، أو لا؟

السّؤال (26): ما حكم من صام في بلدٍ مسلمٍ، ثم انتقل إلى بلدٍ آخر تأخر أهله عن البلد الأول، ولزم من متابعتهم صيام أكثر من ثلاثين يومًا، أو العكس؟

الجواب (26): إذا انتقل الإنسان من بلدٍ إسلاميٍّ إلى بلدٍ إسلاميٍّ، وتأخّر إفطار البلد الّذي انتقل إليه، فإنه يبقى معهم حتى يفطروا؛ لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحّي الناس، وهذا وإن زاد عليه يومٌ أو أكثر، فهو كما لو سافر إلى بلدٍ تأخر فيه غروب الشمس، فإنه يبقى صائمًا حتى تغرب وإن زاد على اليوم المعتاد ساعتين أو ثلاثًا أو أكثر، ولأنه إذا انتقل إلى البلد الثاني فإن الهلال لم ير فيه، وقد أمر النبيّ عليه الصلاة والسلام أن نصوم ولا نفطر إلا لرؤيته، فقال: «أفطروا لرؤيته»، «لا تفطروا حتى تروه».

وأما العكس -وهو أن ينتقل من بلدٍ تأخر فيه ثبوت الشهر إلى بلدٍ تقدم ثبوت الشهر فيه- فإنه يفطر معهم، ويقضي ما فاته من رمضان، إن فاته يومٌ قضى يومًا، وإن فاته يومان قضى يومين، فإذا أفطر لثمانيةٍ وعشرين يومًا قضى يومين إن كان الشهر تامًّا في البلدين، ويومًا واحدًا إن كان ناقصًا فيهما أو في أحدهما.

السّؤال (27): قد يقول قائلٌ: لماذا يؤمر بصيام أكثر من ثلاثين يومًا في الأولى، ويقضي في الثانية؟

الجواب (27): يقضي في الثانية؛ لأن الشهر لا يمكن أن ينقص عن تسعةٍ وعشرين يومًا، ويزيد على الثلاثين يومًا؛ لأنه لم ير الهلال.

وفي الأولى قلنا له: أفطر وإن لم تتم تسعةً وعشرين يومًا؛ لأن الهلال رؤي، فإذا رؤي فلا بد من الفطر، ولا يمكن أن تصوم يومًا من شوالٍ، ولما كنت ناقصًا عن تسعةٍ وعشرين لزمك أن تتم تسعةً وعشرين، بخلاف الثاني، فإنك لا تزال في رمضان، إذا قدمت إلى بلدٍ ولم ير الهلال فيه فأنت في رمضان، فكيف تفطر؟! فيلزمك البقاء، وإذا زاد عليك الشهر فهو كزيادة الساعات في اليوم.

السّؤال (28): ما آداب الصّيام؟

الجواب (28): من آداب الصّيام: لزوم تقوى الله عز وجل بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [البقرة:183]، ولقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه».

ومن آداب الصوم: أن يكثر من الصدقة والبرّ والإحسان إلى الناس، لا سيما في رمضان، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن.

ومنها: أن يتجنب ما حرم الله عليه من الكذب، والسبّ، والشتم، والغشّ، والخيانة، والنظر المحرم، والاستماع إلى الشيء المحرم، إلى غير ذلك من المحرمات التي يجب على الصائم وغيره أن يتجنبها، ولكنها في الصائم أوكد.

ومن آداب الصّيام: أن يتسحر، وأن يؤخّر السّحور؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «تسحروا؛ فإن في السّحور بركةً».

ومن آدابه أيضًا: أن يفطر على رطبٍ، فإن لم يجد فعلى تمرٍ، فإن لم يجد فعلى ماءٍ.

ومنها: أن يبادر بالفطر من حين أن يتحقق غروب الشمس أو يغلب على ظنّه أنها غربت؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخيرٍ ما عجلوا الفطر».

السّؤال (29): ما حكم من أكل وشرب، مع الشك في طلوع الفجر؟

الجواب (29): يجوز للإنسان أن يأكل ويشرب حتى يتبين له الفجر؛ لقول الله تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [البقرة:187]، فما دام لم يتبيّن أن الفجر قد طلع فله الأكل -ولو كان شاكًّا- حتى يتيقن، بخلاف من شك في غروب الشمس، فإنه لا يأكل حتى يتيقن غروب الشمس أو يغلب على ظنّه غروب الشمس.

السّؤال (30): ما حكم الأكل في أثناء أذان الفجر حتى يكتمل؟

الجواب (30): حكم هذا الأكل الّذي يكون في أثناء الأذان حسب أذان المؤذّن، فإن كان لا يؤذّن إلا بعد أن يتيقن طلوع الفجر، فإن الواجب الإمساك من حين أن يؤذّن؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أمّ مكتومٍ».

وإن كان لا يتيقن طلوع الفجر فالأولى أن يمسك إذا أذن، وله أن يأكل حتّى يفرغ المؤذّن ما دام لم يتيقن؛ لأن الأصل بقاء الليل، لكن الأفضل الاحتياط، وألّا يأكل أثناء أذان الفجر.

السّؤال (31): ما حكم العوم للصائم أو الغوص في الماء؟

الجواب (31): لا بأس أن يغوص الصائم في الماء أو يعوم فيه -أي: يسبح- لأن ذلك ليس من المفطّرات، والأصل الحل حتى يقوم دليلٌ على الكراهة أو على التحريم، وليس هناك دليلٌ على التحريم، ولا على الكراهة، وإنما كرهه بعض أهل العلم؛ خوفًا من أن يدخل إلى حلقه شيءٌ وهو لا يشعر به.

السّؤال (32): ما حكم القطرة والمرهم في العين؟

الجواب (32): لا بأس للصائم أن يكتحل، وأن يقطر في عينه، وأن يقطر كذلك في أذنه، حتى وإن وجد طعمه في حلقه فإنه لا يفطر بهذا؛ لأنه ليس بأكلٍ ولا شربٍ، ولا بمعنى الأكل والشّرب، والدليل إنما جاء في منع الأكل والشّرب، فلا يلحق بها ما ليس في معناهما، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصواب.

السّؤال (33): ما حكم استعمال الفرشاة والمعجون بعد طلوع الفجر؟

الجواب (33): لا بأس أن ينظّف الصائم أسنانه بالفرشاة والمعجون، لكن نظرًا لقوة نفوذ المعجون؛ ينبغي ألّا يستعمله الإنسان في حال الصّيام؛ لأنه ينزل إلى الحلق والمعدة من غير أن يشعر به الإنسان، وليس هناك ضرورةٌ تدعو إليه، فليمسك حتى يفطر، ويكون عمله هذا في الليل لا في النهار، لكنه في الأصل جائزٌ، ولا بأس به.

السّؤال (34): ما حكم التحليل والتبرّع بالدم للصائم؟

الجواب (34): التحليل للصائم -يعني: أخذ عيّنةٍ من دمه؛ لأجل الكشف عنها، والاختبار لها- جائزٌ، ولا بأس به.

وأما التبرّع بالدم فالّذي يظهر أن التبرّع بالدم يكون كثيرًا، فيعطى حكم الحجامة، ويقال للصائم صيام فرضٍ: لا تتبرع بدمك. إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، فلا بأس بهذا.

مثاله: لو قال الأطباء: إن هذا الرجل الذي أصابه نزيفٌ إن لم نحقنه بالدم مات الآن، فلا بد من التبرّع له، ووجدوا صائمًا يتبرع بدمه، فحينئذٍ لا بأس للصائم أن يتبرع، ويفطر بعد هذا، ويأكل ويشرب بقية يومه؛ لأنه أفطر للضرورة كإنقاذ الحريق والغريق، وعليه القضاء.

السّؤال (35): ما حكم من يستعمل المرطّبات إذا كان في أنفه وشفتيه نشوفةٌ وجفافٌ؟

الجواب (35): يجد بعض الصوّام نشوفةً في أنفه، ونشوفةً في شفتيه، فلا بأس أن يستعمل الإنسان ما يندّي الشفتين والأنف من مرهمٍ، أو يبلّه بالماء بخرقةٍ أو شبه ذلك، ولكن يحترز من أن يصل شيءٌ إلى جوفه من هذا الذي أزال به النّشوفة، وإذا وصل شيءٌ من غير قصدٍ فلا شيء عليه، كما لو تمضمض، فوصل الماء إلى جوفه، فإنه لا يفطر بهذا.

السّؤال (36): ما حكم حقن الإبر في العضل والوريد؟

الجواب (36): حقن الإبر في الوريد والعضل والورك ليس به بأسٌ، ولا يفطر به الصائم؛ لأن هذا ليس من المفطّرات، وليس بمعنى المفطّرات، فهو ليس بأكلٍ ولا شربٍ، ولا بمعنى الأكل والشّرب، وقد سبق لنا بيان أن ذلك لا يؤثّر، وإنما المؤثّر حقن المريض بما يغني عن الأكل والشّرب.

السّؤال (37): ما حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق في نهار رمضان؟

الجواب (37): الأولى أن يكون السّؤال هكذا: ما حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم؟ وجوابه: أن ذلك مكروهٌ؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة رضي الله عنه: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا»، وهذا دليلٌ على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق والمضمضة؛ لأن ذلك قد يؤدّي إلى نزول الماء إلى جوفه، فيفسد به صومه.

لكن لو فرض أنه بالغ، ودخل الماء إلى جوفه بدون قصدٍ، فإنه لا يفطر بذلك؛ لأن من شروط الفطر أن يكون الصائم قاصدًا لفعل ما يحصل به الفطر.

السّؤال (38): ما حكم شم الطّيب للصائم؟

الجواب (38): لا بأس أن يشم الصائم الطّيب، سواءٌ كان دهنًا أم بخورًا، لكن إذا كان بخورًا لا يستنشق دخانه؛ لأن الدّخان له جرمٌ ينفذ إلى الجوف، فهو جسمٌ يدخل إلى الجوف، فيكون مفطّرًا كالماء وشبهه، وأما مجرد شمه بدون أن يستنشقه حتى يصل إلى جوفه فلا بأس به.

السّؤال (39): هل استنشاق الطّيب كالبخور والعود يؤثّر على الصائم، ويفسد صومه، أو لا؟

الجواب (39): أما الأطياب الّتي ليس لها جرمٌ يدخل إلى الأنف فهذه لا تفطر، وأما البخور الذي له دخانٌ يتصاعد فإنه إذا استنشقه الإنسان حتّى وصل إلى جوفه يفطر بذلك؛ لأنه له جرمٌ يدخل إلى الجوف، بخلاف الأطياب السائلة التي يشمّها الإنسان فقط، فهذه ليس لها جرمٌ يصل إلى الجوف، وأما مجرد التبخّر بالعود فهذا لا بأس به.

السّؤال (40): ما الفرق بين البخور والقطرة الّتي تنزل إلى الحلق، ويتطعم بها الصائم؟

الجواب (40): الفرق بينهما: أن الّذي يستنشق البخور قد تعمد أن يدخله إلى جوفه من منفذٍ معتادٍ، وهو الأنف، وأما القطرة في العين والأذن فهو لم يدخل المفطّر من منفذٍ معتادٍ، فهو كما لو وطئ حنظلةً، فوجد مرارتها في حلقه.

السّؤال (41): ما حكم من أكل أو شرب ناسيًا؟ وكيف يصنع إذا ذكر أثناء ذلك؟

الجواب (41): سبق أن الناسي لا يفسد صومه ولو أكل كثيرًا، وشرب كثيرًا، ما دام على نسيانه فصومه صحيحٌ؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائمٌ، فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه».

ولكن يجب من حين أن يذكر أن يمتنع عن الأكل والشّرب، حتى لو فرضنا أن اللّقمة أو الشربة في فمه وجب عليه لفظهما؛ لأن العذر الذي جعله الشارع مانعًا من التفطير قد زال.

السّؤال (42): يعتقد كثيرٌ من الناس أنه إذا رأى صائمًا يأكل لا يذكره، فهل هذا صحيحٌ؟

الجواب (42): إذا رأى صائمًا يأكل فليذكّره؛ لأن هذا من باب التعاون على البرّ والتقوى، كما لو رأى الإنسان شخصًا يصلّي إلى غير القبلة، أو رأى شخصًا يريد أن يتوضأ بماءٍ نجسٍ أو ما أشبه ذلك، فإنه يجب عليه أن يخبره بذلك، والصائم وإن كان معذورًا لنسيانه، لكن أخوه يعلم بالحال، يجب عليه أن يذكّره، ولعل هذا يؤخذ أيضًا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشرٌ مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني»، فإنه إذا كان الناسي يذكر في الصلاة، فكذلك الناسي في الصوم يذكر.

السّؤال (43): ما حكم خروج الدم من الصائم من أنفه، أو فمه، أو بقية جسمه؟

الجواب (43): لا يضرّه خروج ذلك؛ لأنه بغير قصدٍ منه، فلو أرعف أنفه، وخرج منه دمٌ كثيرٌ، فإن صومه صحيحٌ.

السّؤال (44): لو تسبب في خروج الدم كأن يخلع ضرسه؟

الجواب (44): لا حرج عليه أيضًا؛ لأنه لم يخلع ضرسه ليخرج الدم، وإنما خلع ضرسه لأذًى فيه، فهو إنما يريد إزالة هذا الضّرس لأذاه، ثم إن الغالب أن الدم الذي يخرج بخلع الضّرس أنه دمٌ يسيرٌ لا يكون له معنى الحجامة.

السّؤال (45): إذا أفطر في الأرض -مثلًا- ثم أقلعت الطائرة، وبانت له الشمس، فما الحكم؟

الجواب (45): الحكم أنه لا يلزمه الإمساك؛ لأنه لما غربت الشمس، تم يومه، وأفطر بمقتضى الدليل الشرعيّ، وما عمله الإنسان بمقتضى الدليل الشرعيّ فإنه لا يؤمر بإعادته.

السّؤال (46): تعمد بعض النّساء إلى أخذ حبوبٍ في رمضان لمنع الدورة الشهرية (الحيض) حتّى لا تقضي فيما بعد، فهل هذا جائزٌ؟ وهل في ذلك قيودٌ حتى تعمل بها هؤلاء النّساء؟

الجواب (46): الذي أراه في هذه المسألة ألّا تفعل المرأة، وتبقى على ما قدره الله عز وجل وكتبه على بنات آدم؛ فإن هذه الدورة الشهرية لله تعالى حكمةٌ في إيجادها، هذه الحكمة تناسب طبيعة المرأة، فإذا منعت هذه العادة فإنه لا شك يحدث منها ردّ فعلٍ ضارٌّ على جسم المرأة، وقد قال النبيّ عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر، ولا ضرار»، هذا بقطع النظر عما تسبّبه هذه الحبوب من أضرارٍ على الرحم، كما ذكر ذلك الأطباء.

فالذي أرى في هذه المسألة: أن النّساء لا تستعمل هذه الحبوب، والحمد لله على قدره، وعلى حكمته، فإذا أتاها الحيض تمسك عن الصوم والصلاة، وإذا طهرت تستأنف الصّيام والصلاة، وإذا انتهى رمضان تقضي ما فاتها من الصوم.

السّؤال (47): شخصٌ أدركه شهر رمضان في بلاد الغرب، ولقي صعوبةً من حيث تحديد بدء ونهاية النهار، فماذا يفعل؟ كما أنه لا يجد في الليل مطاعم ولا بقالاتٍ، فهل يمسك من أول الليل؟ وهل له أن يفطر، ثمّ يقضي بعد عودته من مهمته الطويلة؟

الجواب (47): المعروف أن البلاد الغربية الّتي يوجد بها جالياتٌ إسلاميةٌ عندهم تقاويم للإمساك والإفطار، ومراكز إسلاميةٌ تبيّن ذلك، فبإمكانه أن يتصل هناك بالمراكز الإسلامية؛ لتحديد الوقت عند الإمساك، وعند الإفطار.

أما كونه لا يجد بقالاتٍ في الليل ولا مطاعم فبإمكانه أن يدخر الطعام إلى آخر الليل كالخبز وشبهه، ويتسحر في آخر الليل؛ لأنه أفضل، وإن أكل في أول الليل فلا حرج عليه؛ لأن تأخير السّحور على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب.

أما أن يؤخّره ليقضيه بعد عودته فهذا محلّ نزاعٍ بين أهل العلم، فمنهم من يقول: له أن يفطر، ويقضي في أيام الشّتاء أو بعد رجوعه. لكن الراجح على هذا القول: أنه إذا كان سيبقى هناك فإنه لا ينبغي أن يؤخّر القضاء إلى رمضان الثاني؛ لئلا تتراكم عليه الشّهور.

ومن العلماء من يقول: يجب عليه أن يصوم إذا نوى إقامةً طويلةً؛ لأنّه ينقطع حكم السفر بنية الإقامة، إما أربعة أيامٍ، أو خمسة عشر يومًا، على خلافٍ بين أهل العلم في هذا، والله أعلم.

السّؤال (48): في شمال أوروبا يعترض المسلم مشكلة الليل والنهار طولًا وقصرًا؛ إذ قد يستمرّ النهار [22] ساعةً، والليل ساعتين، وفي فصلٍ آخر العكس، كما حصل لأحد السّائلين عندما مر بهذه البلاد في رمضان مساءً، ويقول أيضًا: إنّه قيل: إن الليل في بعض المناطق ستة شهورٍ، والنهار مثله. فكيف يقدّر الصّيام في مثل هذه البلاد؟ وكيف يصوم أهلها المسلمون أو المقيمون فيها للعمل والدّراسة؟

الجواب (48): الإشكال في هذه البلاد ليس خاصًّا بالصوم، بل هو أيضًا شاملٌ للصلاة، ولكن إذا كانت البلاد لها نهارٌ وليلٌ فإنه يجب العمل بمقتضى ذلك، سواءٌ طال النهار أو قصر.

أما إذا كان ليس فيها ليلٌ ولا نهارٌ -كالدوائر القطبية الّتي يكون فيها النهار ستة أشهرٍ، والليل ستّة أشهرٍ- فهؤلاء يقدّرون وقت صيامهم، ووقت صلاتهم، ولكن على ماذا يقدّرون؟

قال بعض أهل العلم: يقدّرون على أوقات مكة؛ لأن مكة هي أمّ القرى، فجميع القرى تؤول إليها؛ لأن الأم هي الشيء الذي يقتدى به كالإمام مثلًا، كما قال الشاعر:

على رأسه أمٌّ له يهتدي بها

...........................

وقال آخرون: بل يعتبر في ذلك البلاد الوسط، فيقدّرون الليل اثنتي عشرة ساعةً، ويقدّرون النهار اثنتي عشرة ساعةً؛ لأن هذا هو الزمن المعتدل في الليل والنهار.

وقال بعض أهل العلم: إنهم يعتبرون أقرب بلادٍ إليهم يكون لها ليلٌ ونهارٌ منتظمٌ. وهذا القول أرجح؛ لأن أقرب البلاد إليهم هي أحقّ ما يتبعون، وهي أقرب إلى مناخهم من الناحية الجغرافية، وعلى هذا فينظرون إلى أقرب البلاد إليهم ليلًا ونهارًا، فيعتبرون به، سواءٌ في الصّيام أو في الصلاة.

السّؤال (49): ما حكم الجماع في نهار رمضان ذاكرًا أو ناسيًا؟ وما الذي يلزمه؟

الجواب (49): الجماع في نهار رمضان كغيره من المفطّرات إن كان الإنسان يباح له الفطر فليس عليه في ذلك بأسٌ، سواءٌ كان صائمًا أم مفطرًا، لكن يجب عليه قضاء ذلك اليوم.

وأما إذا كان ممن يلزمه الصوم، فإنه إن كان ناسيًا أو جاهلًا فلا شيء عليه أيضًا؛ لأن جماع الصائم إذا نسي أو كان جاهلًا لا يفسد صومه، وإن كان ذاكرًا عالمًا ترتب على ذلك خمسة أمورٍ: الإثم، وفساد الصوم لذلك اليوم، ولزوم الإمساك، ولزوم القضاء، والكفارة.

والكفارة: عتق رقبةٍ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستّين مسكينًا؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلًا جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان، وأنا صائمٌ. فذكر له النبيّ صلى الله عليه وسلم خصال الكفارة: عتق رقبةٍ. فقال: إنه لا يجد. فقال: صيام شهرين متتابعين. فقال: إنه لا يستطيع. فقال: إطعام ستّين مسكينًا. فقال: إنه لا يجد. ثم جلس الرجل، وأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم بتمرٍ، فقال له: «خذ هذا، فتصدق به»، فقال: أعلى أفقر منّي يا رسول الله؟! فوالله، ما بين لابتيها أهل بيتٍ أفقر منّي. فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أطعمه أهلك».

السّؤال (50): إذا تعدد الجماع في يومٍ أو في شهر رمضان، فهل تتعدد هذه الكفارة؟

الجواب (50): المشهور في مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه إذا تعدد في يومٍ، ولم يكفّر عن الجماع الأول، كفاه كفارةٌ واحدةٌ، وإن تعدد في يومين لزمه لكلّ يومٍ كفارةٌ؛ لأن كل يومٍ عبادةٌ مستقلةٌ.

السّؤال (51): حديث: «ليس من البرّ الصّيام في السفر» يؤخذ منه: أفضلية الإفطار، فهل العلة في ذلك المشقة؟ وإذا أخذنا بعلة المشقة فإنّ أسفار اليوم بالطائرات والسيارات وغيرها المكيفة تزيل المشقة، نرجو توضيح رأي فضيلتكم في ذلك، وعن الأفضلية في هذه الحال: الصوم، أو الفطر.

الجواب (51): المسافر له أن يصوم، وله أن يفطر؛ لقوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185]، وكان الصحابة رضي الله عنهم يسافرون مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمنهم الصائم، ومنهم المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.

وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصوم في السفر، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: سافرنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في حرٍّ شديدٍ، وما منا صائمٌ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن رواحة.

والقاعدة في المسافر: أنه يخير بين الصّيام والإفطار، ولكن إن كان الصوم لا يشقّ عليه فهو أفضل؛ لأن فيه ثلاث فوائد:

الأولى: الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

والثانية: سهولة الصوم على الإنسان؛ لأن الإنسان إذا صام مع الناس، كان أسهل عليه.

والفائدة الثالثة: سرعة إبراء ذمته.

هذا إذا كان الصوم لا يشقّ عليه، فإن كان يشقّ عليه فإنه لا يصوم، وليس من البرّ الصّيام في السفر، وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال هذا حين رأى رجلًا قد ظلّل عليه، وحوله زحامٌ، وقال: «ما هذا؟» قالوا: صائمٌ. فقال: «ليس من البرّ الصّيام في السفر»، فينزل هذا العموم على من كان في مثل حال هذا الرجل يشقّ عليه الصوم، وعلى هذا نقول: السفر في الوقت الحاضر -كما قال السائل- إذا كان لا يشقّ الصوم فيه فإن الأفضل أن يصوم.

السّؤال (52): ما حكم صيام المسافر إذا شق عليه؟

الجواب (52): إذا شق عليه الصّوم مشقةً محتملةً فهو مكروهٌ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا قد ظلّل عليه، والناس حوله زحامٌ، فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائمٌ. فقال: «ليس من البرّ الصّيام في السفر».

وأما إذا شق عليه مشقةً شديدةً فإن الواجب عليه الفطر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما شكا إليه الناس أنهم قد شق عليهم الصّيام أفطر، ثم قيل له: إن بعض الناس قد صام. فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة».

وأما من لا يشقّ عليه الصوم فالأفضل أن يصوم؛ اقتداءً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، حيث كان كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في يومٍ شديد الحرّ، وما منا صائمٌ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن رواحة.

السّؤال (53): هل يدخل في حكم السفر المبيح للفطر البعثات الدّراسية أو المهمات التي تزيد عن شهرٍ، خاصةً وأن الصّيام في بلاد الغرب شاقٌّ، وبه متاعب كثيرةٌ؟ وما السفر الذي لا يجوز فيه قصر الصلاة، ولا الفطر في رمضان؟

الجواب (53): هذه المسألة فيها نزاعٌ بين أهل العلم، وخلافٌ كثيرٌ، وهو: هل المسافر ينقطع حكم السفر بحقّه إذا نوى إقامةً مقدرةً تزيد على أربعة أيامٍ، أو على خمسة عشر يومًا، أو على تسعة عشر يومًا، أو أن المسافر مسافرٌ ما دام لم ينو الاستيطان في البلد؟ هذه المسألة فيها خلافٌ بين أهل العلم.

وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيّم أن الإنسان ما دام على سفرٍ، ولم ينو الإقامة المطلقة، وإنما أقام لحاجةٍ متى انتهت رجع إلى بلده، فهو في حكم المسافر.

واختار هذا القول من المشايخ: الشيخ عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، واختاره أيضًا الشيخ محمد رشيد رضا صاحب «المنار»، واختاره شيخنا عبد الرحمن بن ناصرٍ ابن سعديٍّ، رحمهم الله جميعًا؛ لأنه ليس هناك دليلٌ يدلّ على انقطاع حكم السفر بإقامةٍ إذا كان الإنسان إنما أقام لحاجةٍ، متى انتهت رجع.

وقد ذكروا آثارًا في هذه المسألة، منها: أن ابن عمر رضي الله عنهما أقام بأذربيجان ستة أشهرٍ، يقصر الصلاة، وقد حبسه الثلج، وكذلك ذكروا آثارًا عن بعض التابعين الذين يقيمون في الثّغور الإسلامية.

ولكن مع ذلك، أرى أنه لا ينبغي لهم أن يؤخّروا صوم رمضان إلى رمضان الثاني؛ لأنه إذا فعلوا ذلك تراكمت عليهم الشّهور، وثقل عليهم القضاء فيما بعد.

والسفر الذي لا يجوز فيه قصر الصلاة، ولا الفطر هو ما كان دون المسافة عند القائلين بأنه يحدد السفر بمسافة أربعة بردٍ -ستة عشر فرسخًا- والفرسخ: ثلاثة أميالٍ. وتقدر بالكيلوات: نحو واحدٍ وثمانين كيلو وثلاث مئة مترٍ أو نحوها.

وكذلك السفر المحرم الذي يسافر الإنسان فيه لفعل شيءٍ محرمٍ، هذا أيضًا مما اختلف أهل العلم فيه: هل يجوز أن يترخص برخص السفر، أو لا يجوز؟

فمنهم من قال بالجواز؛ لعموم الأدلة.

ومنهم من قال بأنه لا يترخص، ولا يجوز له أن يترخص برخص السفر؛ لأنه عاصٍ بهذا السفر، والعاصي لا تناسبه الرّخصة والتسهيل، مثل أولئك الّذين يذهبون إلى بلادٍ؛ ليتمتعوا فيها بأشياء محرمةٍ من شرب الخمور، والميسر، وفعل الفاحشة، وما أشبه ذلك، فهؤلاء ليس لهم قصرٌ، وليس لهم فطرٌ على أحد القولين لأهل العلم، والعلم عند الله تعالى.

السّؤال (54): هل للفطر في السفر أيامٌ معدودةٌ؟

الجواب (54): ليس له أيامٌ معدودةٌ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة دخلها في رمضان في العشرين منه، ولم يصم بقية الشهر، كما صح ذلك في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما فيما أخرجه البخاريّ عنه، وبقي بعد ذلك تسعة أيامٍ أو عشرةً، فبقي عليه الصلاة والسلام في مكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأفطر في رمضان.

السّؤال (55): ما حكم صيام المعتمر في رمضان؟

الجواب (55): حكم صيامه أنه لا بأس به، وقد سبق لنا قريبًا أن المسافر إذا لم يشق عليه الصوم فالأفضل أن يصوم، وإن أفطر فلا حرج عليه، وإذا كان هذا المعتمر يقول: إن بقيت صائمًا شق علي أداء نسك العمرة، فأنا بين أمرين: إما أن أؤخّر أداء أعمال العمرة إلى ما بعد غروب الشمس، وأبقى صائمًا حين وصولي إلى مكة، وإما أن أفطر وأبادر بالعمرة. فنقول له: الأفضل أن تفطر، وأن تؤدّي أعمال العمرة حين وصولك إلى مكة؛ لأن هذا -أعني: أداء العمرة من حين الوصول إلى مكة- هو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن مقصود المعتمر هو العمرة، وليس مقصوده الأهمّ أن يصوم في مكة.

السّؤال (56): ما حكم السفر في رمضان من أجل الفطر؟

الجواب (56): الصّيام في الأصل واجبٌ على الإنسان، بل هو فرضٌ وركنٌ من أركان الإسلام كما هو معروفٌ، والشيء الواجب في الشرع لا يجوز للإنسان أن يفعل حيلةً ليسقطه عن نفسه، فمن سافر من أجل أن يفطر كان السفر حرامًا عليه، وكان الفطر كذلك حرامًا عليه، فيجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يرجع عن سفره ويصوم، فإن لم يرجع وجب عليه أن يصوم ولو كان مسافرًا.

وخلاصة الجواب: أنه لا يجوز للإنسان أن يتحيل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحيّل على إسقاط الواجب لا يسقطه، كما أن التحيّل على المحرم لا يجعله مباحًا.

السّؤال (57): ما حكم المبادرة بقضاء رمضان؟

الجواب (57): المبادرة بقضاء رمضان أفضل من التأخير؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، وكونه يبادر ويقضي ما عليه من دين الصوم أحزم وأحرص على الخير، ولولا حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان. لولا هذا الحديث لقلنا بوجوب المبادرة بالقضاء.

وهذا الحديث يدلّ على أن من عليه شيءٌ من رمضان لا يؤخّره إلى رمضان الثاني، وهو كذلك، فلا يجوز لشخصٍ عليه قضاءٌ من رمضان أن يؤخّره إلى رمضان آخر إلا من عذرٍ، كما لو بقي مريضًا لا يستطيع، أو كانت امرأةٌ ترضع، ولم تستطع أن تصوم، فلا حرج عليها أن تؤخّر قضاء رمضان الفائت إلى رمضان الثاني.

السّؤال (58): هناك كثيرٌ من المسلمين يعتقدون أن العبادة إذا فاتت أنها تسقط، فإذا فاتت الصلاة عن وقتها لا تؤدى، وكذا رمضان؟

الجواب (58): سبق لنا قاعدةٌ، قلنا: العبادات المؤقتة بوقتٍ معينٍ، إذا أخرها الإنسان عن وقتها لغير عذرٍ فإنها لا تصحّ منه أبدًا، ولو كررها ألف مرةٍ، وعليه أن يتوب، والتوبة كافيةٌ.

أما إذا كان ترك صيام رمضان لعذرٍ من مرضٍ أو سفرٍ أو غيرهما، فعليه القضاء؛ كما قال الله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185].

السّؤال (59): إذا أخر قضاء الصوم حتّى أتى رمضان الثاني دون عذرٍ، فهل يلزمه شيءٌ مع القضاء؟

الجواب (59): القول الراجح: أنه لا يلزمه إلا القضاء فقط، وأنه لا يلزمه الإطعام؛ لعموم قوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185]، فذكر الله تعالى عدةً من أيامٍ أخر، ولم يذكر إطعامًا، والأصل براءة الذّمة حتّى يقوم دليلٌ يدلّ على الوجوب، لكن يحرم عليه تأخير القضاء إلى رمضان الثاني إلا من عذرٍ.

السّؤال (60): هل هناك فوارق بين الأداء والقضاء؟

الجواب (60): القضاء -كما سبق- موسعٌ إلى رمضان الثاني، والأداء مضيقٌ، لا بد أن يكون في شهر رمضان.

ثانيًا: الأداء تجب الكفارة بالجماع فيه، والقضاء لا تجب الكفارة بالجماع فيه.

ثالثًا: الأداء إذا أفطر الإنسان في أثناء النهار بلا عذرٍ فسد صومه، ولكن يلزمه الإمساك بقية اليوم؛ احترامًا للزمن.

وأما القضاء، فإذا أفطر الإنسان في أثناء اليوم فسد صومه، ولكن لا يلزمه الإمساك؛ لأنه لا حرمة للزمن في القضاء؛ إذ إن القضاء واسعٌ في كلّ الأيام.

السّؤال (61): ما حكم من مات وعليه قضاءٌ من شهر رمضان؟

الجواب (61): إذا مات وعليه قضاءٌ من شهر رمضان، فإنه يصوم عنه وليّه، وهو قريبه أو وارثه؛ لحديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليه»، فإن لم يصم وليه أطعم عنه عن كلّ يومٍ مسكينًا.

السّؤال (62): إذا صام المسلم، ثم توفّي عن بقيته، فهل يلزم وليه أن يكمل عنه؟

الجواب (62): لا يلزم وليه أن يكمل عنه، ولا أن يطعم عنه؛ لأن الميّت إذا مات انقطع عمله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له».

فعلى هذا، إذا مات فإنه لا يقضى عنه، ولا يطعم عنه، بل حتى لو مات في أثناء اليوم فإنه لا يقضى عنه.

السّؤال (63): ما المقصود بالتراويح والتهجّد؟

الجواب (63): التراويح: هي قيام رمضان، كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».

وسمّيت: تراويح؛ لأن الناس فيما سبق كانوا يطيلونها، وكلما صلوا أربع ركعاتٍ -يعني: بتسليمتين- استراحوا قليلًا، ثم استأنفوا، وعلى هذا يحمل حديث عائشة رضي الله عنها: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلّي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلّي ثلاثًا. فإنها تريد بذلك: أنه يصلّي أربعًا بتسليمتين، لكن بينها وبين الأربع الأخريات فاصلٌ.

وهذه التراويح سنةٌ سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه صلى بأصحابه ثلاث ليالٍ، ثم تأخر، وقال: «إنّي خشيت أن تفرض عليكم».

وينبغي للإنسان ألّا يفرّط فيها؛ لينال أجر من قام رمضان، وهو مغفرة ما تقدم من الذنب.

وينبغي أن يحافظ عليها مع الإمام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلةٍ».

ولا يخفى أن التراويح التي تفعل الآن فيها أخطاءٌ من الأئمة وغيرهم.

أما أخطاء الأئمة فكثيرٌ منهم يسرع في التراويح إسراعًا عظيمًا، بحيث لا يتمكن الناس من الطّمأنينة وراءهم، ويشقّ على كبار السّن والضّعفاء والمرضى ونحوهم، وهذا خلاف الأمانة التي حملوا إياها؛ فإن الإمام مؤتمنٌ، وعليه أن يفعل ما هو الأفضل للمأمومين.

وقد نص أهل العلم أنه يكره للإمام أن يسرع سرعةً تمنع المأمومين أو بعضهم من فعل ما يسنّ، فكيف بمن يسرع سرعةً تمنعهم أو بعضهم من فعل ما يجب من الطّمأنينة والمتابعة؟!

كذلك بعض الأئمة يصلّي التراويح على صفة الوتر الّذي كان صلى الله عليه وسلم يصلّيها أحيانًا، فيوتر بخمسٍ يسردها سردًا، لا يجلس إلا في آخرها، أو سبعًا لا يجلس إلا في آخرها، أو تسعًا، يجلس في الثامنة، ويتشهد، ثم يقوم للتاسعة، فبعض الأئمة يفعل ذلك، وهذا لا أعلمه واردًا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قام بالناس إمامًا، وإنما كان يفعله في بيته.

وهذا الفعل -وإن كان له أصلٌ في السّنة- أن يوتر الإنسان بخمسٍ أو سبعٍ لا يجلس إلا في آخرها، أو بتسعٍ يجلس في الثامنة، ثم يتشهد، ولا يسلّم، ثم يقوم، فيصلّي التاسعة، ويتشهد، ويسلّم، لكن كون الإمام يفعله في رمضان يشوّش على الناس، فيدخل الإنسان على أنه ناوٍ ركعتين غير الوتر.

ثم بعض الناس قد يحتاج إلى الخروج إذا صلى ركعتين أو صلى أربع ركعاتٍ، وسلم الإمام، فيخرج.

وبعض الناس يكون عليه حصرٌ من البول أو غيره، فيشقّ عليه أن يسرد به الإمام خمس ركعاتٍ، أو سبع ركعاتٍ، أو تسع ركعاتٍ.

وإذا كان الإمام يريد أن يبيّن السّنة، فإننا نقول له: بين السّنة بقولك، وقل: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوتر بخمسٍ وبسبعٍ لا يجلس إلا في آخرها، وبتسعٍ، فيجلس في الثامنة، ويتشهد، ولا يسلّم، ثم يصلّي التاسعة، ويتشهد، ويسلّم، ولا تفعل هذا مع جماعةٍ لا يفهمون هذا الأمر، أو يأتي أناسٌ قد سبقهم بعض الصلاة، فيشكل عليهم، أو يشقّ عليهم.

ثم إنّي إلى الآن لا أعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه الوتر على هذا الوجه، وإنما كان يصلّيه في بيته.

وأما الأخطاء الّتي تقع من غير الأئمة ممن يصلّون القيام، فهو أن بعض الناس يقطع هذه التراويح، فيصلّي في مسجدٍ تسليمةً أو تسليمتين، وفي مسجدٍ آخر كذلك، ويضيع عليه الوقت، فيفوته الأجر العظيم الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلةٍ»، وهذا حرمانٌ عظيمٌ.

كذلك -أيضًا- بعض المأمومين تجده يخطئ في متابعة الإمام، فيسابقه، وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمارٍ، أو يجعل صورته صورة حمارٍ؟!».

السّؤال (64): هل يلزم من صلى التراويح المحافظة عليها؟

الجواب (64): لا يلزمه المحافظة عليها؛ لأنها سنةٌ، فإن فعلها أثيب، وإن تركها لم يعاقب، ولكنه يفوته خيرٌ كثيرٌ كما سبق، ولا ينبغي للإنسان إذا عزم على فعل الخير، أو كان من عادته فعله أن يتركه؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرٍو: «لا تكن مثل فلانٍ، كان يقوم من الليل، فترك قيام الليل».

السّؤال (65): بعض الأئمة يبكي بكاءً شديدًا، وينتحب، وهناك من يؤاخذه على ذلك، فما حكم هذا العمل؟ وما حكم المؤاخذة على ذلك؟

الجواب (65): أما الشيء الذي يأتي بغير تكلّفٍ، ويكون بكاءً برفقٍ، لا بشهاقٍ كبيرٍ، فهذا لا بأس به، وهذا من الأمور التي تدلّ على لين قلب صاحبها، وكمال خشوعه، وحضور قلبه، وأما المتكلّف فإن هذا أخشى أن يكون من الرّياء الذي يعاقب عليه فاعله، ولا يثاب عليه.

كما أن بعض الناس تجده في قنوت الوتر يأتي بأدعيةٍ طويلةٍ بأساليب غريبةٍ لم ترد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويكون فيها مشقةٌ على المصلّين أو بعضهم، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يختار من الدّعاء أجمعه، ويدع ما سوى ذلك.

فالذي أنصح به إخواني الأئمة: ألّا يطيلوا هذا القنوت على هذه الصّفة التي تشقّ على الناس، ويأتوا فيه بأدعيةٍ غريبةٍ مسجوعةٍ، وخير الكلام ما قل ودل، وكون الإنسان يأتي بالشيء على الوجه المشروع الّذي لا يملّ الناس أفضل من كونه يأتي به على وجهٍ يملّ به الناس، ويثقل عليهم العبادة.

السّؤال (66): ما حكم حمل المصحف في صلاة الليل، مع عدم حاجة الإمام إلى من يفتح عليه؟

الجواب (66): الّذي نرى أن المأموم لا يحمل المصحف إلا للضرورة إلى ذلك، مثل: أن يقول الإمام لأحدٍ من الناس: أنا لا أضبط القراءة، فأريد أن تكون خلفي تتابعني في المصحف، فإذا أخطأت تردّ علي. أما فيما عدا ذلك فإنه أمرٌ لا ينبغي؛ لما فيه من انشغال الذّهن، والعمل الّذي لا داعي له، وفوات السّنة بوضع اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر، فالأولى ألّا يفعله الإنسان إلا للحاجة، كما أشرت إليه.

السّؤال (67): كثيرٌ من الناس يعتقدون أن ليلة السابع والعشرين هي ليلة القدر، فيحيونها بالصلاة والعبادة، ولا يحيون غيرها في رمضان، فهل هذا موافقٌ للصواب؟

الجواب (67): هذا ليس بموافقٍ للصواب؛ فإن ليلة القدر تتنقل، فقد تكون ليلة سبعٍ وعشرين، وقد تكون في غير تلك اللّيلة؛ كما تدلّ عليه الأحاديث الكثيرة في ذلك، فقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه ذات عامٍ أري ليلة القدر، فكان ذلك ليلة إحدى وعشرين، وثبت عنه أنه قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعةٍ تبقى، في سابعةٍ تبقى، في خامسةٍ تبقى».

ثم إن القيام لا ينبغي أن يخصه الإنسان في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر فقط، بل يجتهد في العشر الأواخر كلّها، فذلك هديه صلى الله عليه وسلم، فقد كان إذا دخل العشر شد المئزر، وأيقظ أهله، وأحيا الليل عليه الصلاة والسلام، فالذي ينبغي للمؤمن الحازم أن يجتهد في ليالي هذه الأيام العشر كلّها حتى لا يفوته الأجر.

السّؤال (68): ما المقصود بالاعتكاف؟ وما حكمه؟

الجواب (68): الاعتكاف: هو لزوم الإنسان مسجدًا لطاعة الله تعالى؛ لينفرد به عن النّاس، ويشتغل بطاعة الله، ويتفرغ لذلك.

وهو في كلّ مسجدٍ، سواءٌ كان في مسجدٍ يجمّع فيه، أو في مسجدٍ لا يجمّع فيه، ولكن الأفضل أن يكون في مسجدٍ يجمّع فيه؛ حتى لا يضطر إلى الخروج لصلاة الجمعة.

السّؤال (69): هل للاعتكاف أقسامٌ؟

الجواب (69): الاعتكاف ليس إلا قسمًا واحدًا، وهو -كما أسلفنا- لزوم مسجدٍ لطاعة الله عز وجل، لكن قد يكون أحيانًا بصومٍ، وقد لا يكون بصومٍ، وقد اختلف أهل العلم: هل يصحّ الاعتكاف بدون صومٍ، أو لا يصحّ إلا بصومٍ؟

ولكن الاعتكاف المشروع إنما هو ما كان في ليالي العشر عشر رمضان؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف هذه العشر؛ رجاء ليلة القدر، ولم يعتكف في غيرها إلا سنةً، لم يعتكف في رمضان، فقضاه في شوالٍ.

السّؤال (70): هل يقتصر الاعتكاف على رمضان، أو يشرع في غيره؟

الجواب (70): المشروع أن يكون في رمضان فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف في غير رمضان إلا ما كان منه في شوّالٍ، حين ترك الاعتكاف سنةً في رمضان، فاعتكف في شوّالٍ.

لكن لو اعتكف الإنسان في غير رمضان لكان هذا جائزًا؛ لأن عمر رضي الله عنه سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنّي نذرت أن أعتكف ليلةً أو يومًا في المسجد الحرام. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أوف بنذرك»، لكن لا يؤمر الإنسان ولا يطلب منه أن يعتكف في غير رمضان.

تم نقل هذه المادة العلميّة، والحمد لله ربّ العالمين الذي بنعمته تتمّ الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين.

رأيك يهمنا