إفادة المسئول عن ثلاثة الأصول

نبذة مختصرة

ثلاثة الأصول وأدلتها : رسالة مختصرة ونفيسة تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله، وقد قام بشرحها فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح القصير - أثابه الله -.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 إفادة المسئول عن ثلاثة الأصول

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1427هـ - 2006م


إفادة المسئول

عن

ثلاثــة الأصـول

تأليف فضيلة الشيخ

عبد الله بن صالح القصير


 المقدمة

الحمد لله على مترادف آلائه، وأشكره تعالى على سابغ نعمائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فلا معبود بحق سواه، وأشهد أن محمداً ﷺ‬ عبد الله ورسوله ومصطفاه، الداعي إلى دينه وهداه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبعه إلى يوم لقاه.

أما بعد :

فهذه فوائد نفيسة كنت قد قيدتها مما اطلعت عليه من كلام أهل العلم- رحمهم الله تعالى-، ومما فتح الله به عليّ وله المنُّ والفضل، فعلقتها على جمل كتاب: « ثلاثة الأصول» للإمام الأواب المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب،  توضيحاً لمقاصده، وتتميماً لفوائده.

وقد رغب في نشرها من سمعها - حال تدريسي للكتاب -، ومن اطلع عليها من خاصة الأحباب، فأجبتهم لذلك رجاء أن ينفع الله تعالى بها كما نفع بأصلها. جعلها الله خالصة لوجهه، هادية إليه، آمين.

وسميتها: «إفادة المسئول عن ثلاثة الأصول»، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

                                                                                                 المؤلف

                                                                                        الفقير إلى عفو ربه

                                                               عبد الله بن صالح القصير


بسم الله الرحمن الرحيم([1])

اعلم رحمك الله([2])..............................................................

 أنه يجب([3]) علينا تعلم.........................................................

 أربع مسائل([4]): الأولى: العلم([5])...............................................       

وهو معرفة الله([6])، ومعرفة نبيه محمد ﷺ‬،.......................................

ومعرفة دين  الإسلام بالأدلة([7]).

الثانية: العمل به([8] الثالثة: الدعوة إليه([9])،.....................................

 الرابعة: الصبر على الأذى فيه([10])،.............................................

والدليل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا([11]) وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ([12]) وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

قال الشافعي رحمه الله تعالى: «لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم»([13] وقال البخاري رحمه الله تعالى: «باب  العلم  قبل القول والعمل، والدليل  قولـه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، فبدأ بالعلم قبل القول والعلم»([14]).

*** اعلم – رحمك الله – أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه الثلاث مسائل([15] والعمل بهن:

 الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.


والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ([16]).

الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته([17])،..........................


 لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل. والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ ([18]).

الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب([19]).

والدليل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾.

***


اعلم – أرشدك الله لطاعته – أن الحنيفية([20]) ملة إبراهيم: أن تعبد وحده مخلصاً له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ([21])﴾.

ومعنى «يعبدون»: يوحدون، وأعظم ما أمر الله به: التوحيد([22])، وهو إفراد الله بالعبادة.

وأعظم ما نهى الله عنه الشرك([23]): وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.

إذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة([24])..............................................

 التي يجب على الإنسان معرفتها([25])؟............................................


  فقل: معرفة العبد ربه([26])، ودينه([27])،............................................


ونبيه  محمداً ﷺ‬([28]).([29])

الأصل الأول([30]): معرفة الرب([31])،..............................................

 فإذا قيل لك: من ربك؟([32]  فقل: ربي الله الذي رباني([33])، وربى جميع العالمين([34])..

بنعمه([35])، وهو معبودي ليس لي معبود سواه([36])..................................

والدليل قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾([37])، وكل ما سوى الله عالم وأنا واحد من ذلك العالم([38]).

فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل: بآياته([39])، ومخلوقاته، ومن آياته: الليل والنهار والشمس والقمر.

ومن مخلوقاته: السماوات السبع، والأراضون السبع، ومن فيهن وما بينهما، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ الآية.([40])


والرب هو: المعبود، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ([41]).........

الَّذي خَلَقَكُمْ([42]) وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ([43]) لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ([44]) * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا([45]) وَالسَّمَاءَ بِنَاءً([46]) وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ([47]) مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ([48]) مِنَ الثَّمَرَاتِ([49]) رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا([50]) وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية.

 قال ابن كثير -رحمه الله –: «الخالق للأشياء هو المستحق للعبادة»، وأنواع العبادة([51]) التي أمر الله بها، مثل: الإسلام والإيمان والإحسان،....................


ومنه الدعاء([52])،................................................................


والخوف([53])، والرجاء والتوكل([54])،.............................................


 والرغبة([55])، والرهبة والخشوع والخشية.........................................

 والإنابة([56]) والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة([57])................................

والذبح([58]).....................................................................


والنذر([59])، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها.

والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ([60]) للهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك  كافر([61]). والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ([62]) الكَافِرُونَ([63])﴾.   

وفي الحديث: «إن الدعاء مخ العبادة»([64]). والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ([65]).

·       دليل الخوف: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

·       دليل الرجاء: قولـه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

·       ودليل التوكل: قولـه تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقولـه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ([66]).

·       ودليل الرغبة والرهبة والخشوع: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ([67]).

·       ودليل الإنابة: قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.

·       ودليل الاستغاثة: قولـه تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

وفي الحديث: «إذا استعنت فاستعن بالله ».

·       ودليل الاستعاذة: قوله تعالى : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.

·       ودليل الاستغاثة: قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.

ودليل الذبح: قولـه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ *  لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾.

ومن السنة قوله ﷺ‬ :«لعن الله من ذبح لغير الله».

·       ودليل النذر: قولـه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ([68]).

الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام([69])بالأدلة([70])، وهو الاستسلام([71]) لله...........

بالتوحيد([72])، والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب([73]): الإسلام، والإيمان، والإحسان. وكل مرتبة لها أركان:

المرتبة الأولى: الإسلام([74]):


فأركان الإسلام خمسة([75]): شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله([76])، ......

وإقامة الصلاة([77])، وإيتاء الزكاة([78])، وصوم رمضان، وحج بيت الله..............

الحرام([79])، فدليل الشهادة([80]) قولـه تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، ومعناها: لا معبود([81]) بحق إلا الله وحده.

·        لا إله: نافياً جميع ما يعبد من دون الله.

·        إلا الله: مثبتاً العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته كما أنه ليس له شريك في ملكه.

وتفسيرها الذي يوضحها قولـه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ([82]) * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي([83]) فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.

   ودليل شهادة أن محمداً رسول الله: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

 ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله([84]): طاعته فيما أمر([85])، وتصديقه فيما أخبر([86])، واجتناب ما نهى عنه وزجر([87])، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع([88]).

ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾.

ودليل الصيام: قولـه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

ودليل الحج: قوله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ ([89]).

المرتبة الثانية: الإيمان([90]): وهو بضع وسبعون شعبه، فأعلاها قول : لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياءشعبة عن الإيمان.

وأركانه ستة: أن تؤمن بالله([91])،................................................. 

وملائكته([92])، ..................................................................

وكتبه([93])، ....................................................................

ورسله([94])، ...................................................................

 واليوم الآخر([95])، ............................................................

وبالقدر خيره وشره([96]).

والدليل على هذه الأركان الستة قولـه تعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَالمَلَائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾. ودليل القدر: قوله  تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾([97]).

المرتبة الثالثة: الإحسان([98])، ركن واحد، وهو أن تعبد الله كأنك.................

  تراه([99])،.....................................................................

 فإن لم تكن تراه فإنه يراك([100] والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى العَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.

والدليل من السنة:  حديث جبريل المشهور، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه( )،  قال: بينما نحن جلوس عند النبي إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب( )، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي فأسند ركبتيه إلى ركبتيه( )، ووضع كفيه على فخذيه( )، وقال: يا محمد( )، أخبرني( ) عن الإسلام( )؟ قال رسول الله : «الإسلام أن: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً». قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه( ). قال: أخبرني عن الإيمان( )؟ قال: «أن تؤمن: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره( )»، قال : أخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه( ) فإنه يراك». قال: أخبرني عن الساعة( )؟...................................................................

قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل( )». قال: أخبرني( ) عن أماراتها( )؟ قال: «أن تلد الأمة( ).........................................................

ربتها( )، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء( ) يتطالون في البنيان( )». قال: فمضى، فلبثنا ملياً، فقال: «يا عمر أتدرون من السائل»، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذا جبريل أتاكم( ).....................................................

يعلمكم أمر دينكم»( ).

الأصل الثالث([101]):

معرفة نبيكم  محمد ﷺ‬([102]):.................................................... وهو محمد([103]) بن عبد الله([104]) بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من  العرب([105])،...............................................................


 من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم([106]).

وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة([107])،...................


وثلاث وعشرون([108])  نبياً ورسولاً، نبئ بـإقرأ([109])، وأرسل بـالمدثر.

وبلده مكة([110])، بعثه بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد، والدليل قولـه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.

معنى ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾: ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾: عظمة بالتوحيد، و﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أي: طهر أعمالك من الشرك، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: الرجز: الأصنام([111])،...........................................................


 وهجرها: تركها وأهلها، والبراءة منها وأهلها([112]). وأخذ على هذا عشر سنين يدعوا إلى التوحيد([113])،.........................................................


وبعد العشر عرج به إلى السماء([114])،.............................................


 وفرضت الصلوات الخمس، وصلى بمكة ثلاث سنين([115]).

وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة. والهجرة([116]) فريضة على هذه الأمة،............... من بلد  الشرك([117]) إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة.

والدليل على وجوب الهجرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.

 قال البغوي رحمه الله تعالى: سبب نزول الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان.

والدليل على الهجرة من السنة: قوله ﷺ‬: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».    

فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام، مثل: الزكاة، والصوم([118])، والجهاد([119])،...................................................................

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام؛ أخذ على هذا عشر سنين، وبعد ذلك توفي([120])، صلوات الله وسلامه عليه.

ودينه باق([121])، وهذا دينه لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه،.......


 والخير الذي دلها عليه([122]).....................................................

التوحيد([123])، وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذرها منه: الشرك، وجميع ما يكرهه الله ويأباه([124]).

بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض طاعته([125])على جميع الثقلين: الإنس والجن، والدليل قوله تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ([126]) وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ﴾([127]).

والدليل على موته قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾([128])، والناس إذا ماتوا...


 يبعثون، وبعد البعث محاسبون ومجزون بأعمالهم([129] والدليل قوله تعالى: ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى﴾.

ومن كذب بالبعث كفر([130] والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.

وأرسل الله جميع الرسل([131]) مبشرين ومنذرين، والدليل قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.

وأولهم نوح عليه السلام، وأخرهم محمد ﷺ‬ وهو خاتم النبيين([132] والدليل على أن أولهم نوح عليه السلام قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورا﴾.

وكل أمة بعث الله إليها رسول من نوح إلى محمد – عليهم الصلاة والسلام – يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة الطاغوت([133] والدليل قوله تعالى: ﴿[وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾([134])، وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله([135]).

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «معنى الطاغوت ما يجاوزه العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع([136])».

والطواغيت كثيرون، رؤوسهم خمسة([137]): إبليس لعنه الله([138])، ومن عبد وهو  راض([139])،.....................................................................


ومن ادعى شيئاً من علم الغيب([140])، ومن حكم بغير ما أنزل الله([141]).

والدليل قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ([142]) قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وهذا هو معنى لا إله إلا الله.

وفي الحـديث: «رأس الأمــر الإسـلام([143])،.....................................


وعمـوده الصلاة([144])،..........................................................


وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»([145]).



([1]) فائدة: تشرع البداءة بالبسملة في كل أمر ذي بال اهتداءً بالقرآن العظيم، وتأسياً بالنبي الكريم ﷺ، والجار والمجرور في﴿بِسْمِ اللهِ﴾ متعلق بفعل محذوف مقدر متأخر يناسب المقام فإنه أدل على المراد، وقدر فعلاً من أجل أن الأصل في العمل الأفعال، وحذف من أجل البداءة باسم الله تعالى ولإفادة الحصر؛ لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر.

ولفظ الجلالة ﴿اللهِ﴾: علم على ذات الله تعالى خاص به ولا يسمى به غيره، وأصله مشتق من: أُلِه إلَاهَةً، أي: عُبِد يُعْبَدُ عِبَادَةً فهو إله بمعنى: مألوه، أي: معبود؛ لأنه تعالى هو الإله الحق المعبود بالحق، الذي لا تنبغي العبادة إلا له ولا يستحقها أحد سواه، فهو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.

ومعنى ﴿الرَّحْمَنِ﴾، أي: ذو الرحمة الواسعة التي عمت كل شيء وشملت كل حي. ومعنى ﴿الرَّحِيمِ﴾، أي: الذي يرحم برحمته من يشاء من خلقه.

و﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: اسمان مختصان بالله تعالى لا يطلقان على غيره.

([2]) فائدة: قوله:«اعلم»: فعل أمر من العلم، ويؤتى بها عند ذكر الأشياء المهمة لاستدعاء ذهن السامع أو القارئ ليفهم ما سيلقى عليه من الأشياء المهمة، وما سيذكره المؤلف هنا أهم المهمات لأنه من أصول الدين المهمة التي تتوقف عليها صحة الدين وهي شرط قبول العمل، فهي جديرة بأن يهتم بها غاية الاهتمام، ويعتني بها أشد الاعتناء، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾  الآية.

وقول الشيخ – رحمه الله – هنا «رحمك الله»: دعاء للمتعلم بالرحمة، وهي هنا سؤال السلامة من شر الذنوب والفوز بتحصيل المطلوب، وهذا من نصح المؤلف رحمه الله وعناية بطلاب العلم وقصده الخير للمسلمين، وفيه تنبيه على:

1- أن العلم لمن ابتغى به وجه الله تعالى في تعلمه والعمل به وتعليمه للناس رحمة من الله تعالى لمن كان كذلك وإنما رحم الله من شاء من عباده بما بعث به إليهم نبيه ﷺ من الهدى ودين الحق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ الآية.

2- أن العلم رحم بين أهله من معلميه ومتلقيه، فعليهم أن يتراحموا به وأن لا يتحاسدوا ويختلفوا ويتماروا فيه، أو يكتموه عن طالبيه، فإنما يرحم الله من عباده الرحماء، الراحمين للخلق.

3- أن أحرى الناس بتحصيل العلم المتمم للخشية وإمامة المتقين من رحم به الناس فدعاهم وعلمهم وصبر على أذاهم ابتغاء وجه الله تعالى وسار فيهم سيرة نبيه ﷺ.

([3]) فائدة: الوجوب حكم شرعي لا بد أن يدل عليه دليل، وقد أخذ الشيخ رحمه الله تعالى وجوب العلم بهذه المسائل الأربع من أدلة كثيرة، خاصة وعامة، كلها متفقة على أنه لا بد من العلم بالله تعالى، وبحقه على عباده وأداء ذلك الحق الذي شرعه إليه على الوجه الذي يرضيه، وهو ما شرعه وعلى الوجه الذي بينه نبيه محمد ﷺ، ومن تمام ذلك هداية عباده إليه بتعريفهم بهم تبارك وتعالى وبحقه عليهم ودعوتهم لأداء حقه بذكر فضله وجزائه بثواب المطيعين وعقاب العاصين في الدارين.

ولن يقوم عبد بذلك إلا بالصبر على الأذى فيه فدل ذلك على وجوب العلم، والعمل، والدعوة، والصبر، فإن ما لا يتحقق الواجب أو يتم إلا به فهو واجب، وهذا توجيه وجوب تعلم هذه الأربع مسائل.

([4]) فائدة: إن هذه المسائل تشمل الدين كله؛ فإنها يتحقق بها التوحيد لله تعالى في القصد، والاستقامة على الشرع، والمتابعة للنبي ﷺ في الكيفية. فتتوقف صحة العمل وقبوله عليها، وهي من أسباب التثبيت في القبر والنجاة من أهوال يوم الحشر، فهي جديرة بالاعتناء لعظم نفعها؛ بل لشدة الضرورة إليها في الدنيا والبرزخ والآخرة.

([5]) فائدة: العلم: ما قام عليه الدليل، وهو: إدراك العلوم، أي: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً، ويراد به هنا العلم الشرعي وهو العلم النافع الذي جاء به النبي ﷺ من الهدى ودين الحق.

فالعلم شرعاً: معرفة الهدى – أو الحق – بدليله، وهو المراد بالعلم عند الإطلاق شرعاً – أي: في القرآن والسنة ولسان السلف الصالح -، والعلم الشرعي قسمان:

أ- فرض عين: وأصله ما ضمنه المؤلف – رحمه الله – المسألة الأولى – وهو ما لا يسع المكلف جهله - ففرض العين واجب على الذكر والأنثى والحر والعبد – من المكلفين - فلا يعذر أحد بالجهل به فإنه من مراد النبي ﷺ بقوله: «طلب العلم فريضة»، وذلك: كمعرفة أركان الإسلام وأصول الإيمان، وحقيقة الإحسان، والإيمان والتصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله إجمالاً. والعلم بما يجب من كيفيات العبادات وشروطها وواجباتها وما يبطلها وما يجب اجتنابه من المحرمات وما يحتاج إليه من المعاملات، ونحو ذلك مما لا يسع المسلم جهله، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب عليه العلم به.

ب- أما القدر الزائد من العلم على ما يحتاج إليه المكلف فهو من فروض الكفايات وجليل الأعمال الصالحات، فالعلم الشرعي هو ميراث النبوة ووسيلة الجنة وسبيل الاصطفاء وآية الخير والاهتداء، فأسعد الناس دنيا وأخرى أطلبهم له وأحفظهم له وأفقههم فيه وأصوبهم وأخلصهم عملاً به وهدى إليه وصبراً لله تعالى وبه عليه وألزمهم له حتى لقاء الله تعالى عليه. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا... إلى قولـه سبحانه: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ الآية.

وصح عن النبي ﷺ قوله: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين»، وقوله ﷺ: «ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة»، وقوله ﷺ: «إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يوّرِثُوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر».

والنصوص في فضل العلم الشرعي والبشارة لأهله العاملين به بعظيم الأجور ورفيع الدرجات وعلي المقامات في الدنيا والآخرة كثيرة لا تحصى، وما ذاك إلا لأن العلم له ثمرات كثيرة وعواقب مباركة على أهله والمجتمع الذي يظهر فيه.

فبه يعرف الله وحقه وفضله، فيخشى ويتقى، ويعبد ويخلص له في القصد، وبه يعرف النبي ﷺ، وهديه ورحمة الله تعالى به للناس، وبه يعرف حسن الإسلام، وفضل الله به على الخاص والعام، وتؤدى الحقوق إلى أهلها، وبه يعرف الحلال من الحرام، وبه توصل الأرحام، وبه تتقى الآثام، وبه يحفظ الإسلام ويظهر، وبه تصان الحرمات ويهتدى إلى الكرامات.

وهو نعم الدليل على العمل الصالح، والمرغب به بذكر الفضل، والحامل على الثبات والدوام عليه، وخير معين على الإخلاص لله عز وجل فيه.

([6]) فائدة: معرفة الله تعالى هي العلم بتفرده تعالى بالخلق والملك والتدبير، وأنه ذو الأسماء الحسنى والأوصاف العلى المتنزه عن النقص والعيب ومماثلة الخلق فيما هو من خصائصهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، وأنه الإله الحق الذي يجب أن يعبد بالحق، ولا يُشرك به أحد من الخلق ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾.

فإن العلم بهذه الأمور يحمل العاقل على تعظيم الله تعالى وخوفه وخشيته ومحبته والإقبال عليه والرغبة إليه وكمال الإيمان به وصدق العبادة والإخلاص له، والبراءة من الكفر به والشرك في حقه، والبراءة من الكافرين والمشركين، ومن الإصرار على المعصية أو التسويف بالتوبة إليه من التقصير في حقه.

وقد عرَّف الله تعالى عباده على نفسه بأمور:

الأول: ما فطرهم عليه من التعلق به والتوجه إليه والالتجاء إليه وطلبه والطمأنينة إليه فإنهم لو تُركوا وفطرتهم لبقوا حنفاء مائلين إليه غير مشركين به ولا متعلقين بسواه.

الثاني: ما أخبرهم به من أسمائه وصفاته وأفعاله الدالة على كمال ذاته ومباينته لمخلوقاته وعظمت شأنه وعز سلطانه وأنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.

الثالث: آياته الشرعية والأحاديث الثابتة عن نبيه محمد ﷺ فإنها هادية إليه ودالة على حقه والطريق الذي يرضيه، ومحذرة من السبل التي تبعد عنه وتجلب لسالكها غضبه وسخطه وعذابه وعقابه.

الرابع: آياته الكونية في الأنفس والآفاق، وتدبيره لملكه وما فيه من الإبداع والاتساق فإنها كلها دالة على علم الله تعالى وحكمته وقدرته وقوته وباعثة على التوكل عليه والثقة به.

الخامس: إنعامه وآلاؤه العامة والخاصة والظاهرة والباطنة والتي لا تعد ولا تحصى فهي دالة على كمال غناه وكرمه وجوده وفضله ورحمته وباعثه على محبته والرغبة إليه وصدق اللُجوء وغاية الافتقار إليه .

فهذه الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة تورث العباد العلم بالله تعالى وأنه هو الإله الحق المعبود بالحق وتملأ قلوبهم تعظيماً لله وإجلالاً وخشية وذلاً ومحبة ورغبة، وخوفاً ورهبة، ورجاءً وطمعاً وتصديقاً لأخباره وإذعاناً لأحكامه وتعلقاً بالله واستغناءً به عمن سواه وبراءة من الحول والقوة إلا بالله.

وكلام الله تعالى هو غاية العلم وفي غاية البيان والوضوح والصدق ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.

والرسول ﷺ قد اختاره الله تعالى لتبليغ رسالته، وبيان ما أنزل إليه من ربه، فاختيار الله تعالى له عن علم به وبكمال أهليته وتمام بيانه ونصحه وشفقته، قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، وهو ﷺ الموصوف بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

فهو ﷺ في غاية النصح والشفقة وأعلم الخلق وأفصحهم وأنصحهم ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى﴾.

فكلام الله تعالى وهدي رسوله ﷺ القولي والفعلي يوصلان إلى أعلى درجات العلم واليقين، وفيهما العلم النافع، ولاسيما في باب الاعتقاد الذي هو أصل الأصول كلها. وكذلك في باب العلم والخلق والهدي.

([7]) فائدة: الأدلة: جمع دليل، وهو ما يحصل به الاهتداء إلى المطلوب، والأدلة على التوحيد والدين والرسالة متنوعة:

أ‌-     فمنها: أدلة سمعية، وهي: الوحي، أي: القرآن، وما أنزل الله تعالى على نبيه محمد ﷺ له من بيان، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ الآية. وقال ﷺ: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه».

ب‌-     ومنها: أدلة عقلية تثبت بالنظر والتأمل، مثل الاستدلال على:

1-   أن الخالق للخلق هو المستحق للعبادة وحده.

2-   وأن الله تعالى لابد أن يجعل لعباده ديناً يعبدونه به.

3-   أن الله تعالى لابد أن يرسل رسولاً يدعو عباده إليه ويبين لهم كيفية عبادته، فإن هذا هو اللائق بحكمته ورحمته وفضله وعدله.

([8]) فائدة: العمل الصالح هو التطبيق الفعلي للعلم وتحقيقه بامتثال الأمر فعلاً، وامتثال النهي تركاً محبة لله تعالى وتعظيماً له، رغبة ورهبة هو ثمرة العلم النافع، ومن أعظم أسباب حفظه، والدليل على صحة فهمه ، ومن موجبات الثبات على الأيمان وزيادة الهدى من الرحمن وكثيراً ما يقرن الله تعالى بين الإيمان الجازم والعمل الصالح ويرتب عليهما المثوبة العاجلة والآجلة، أما مجرد المعرفة والإقرار فلم ينفعا إبليس، والقول وحده فإنه لم يجعل فرعون مؤمناً، ولن ينجيه هو والمنافقين من النار.

([9]) فائدة: الدعوة إلى العلم النافع والعمل الصالح هي الدعوة إلى الله تعالى وهي من أسباب حفظ العلم والتثبيت على العمل الصالح، ومن شكر الله تعالى على الإحسان بهما، قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ الآية، ومن الدلالة على الخير والدعوة إلى الهدى والإحسان إلى الخلق بهدايتهم إلى الحق.

وقد بشر الله تعالى أهل الدعوة إليه بالفلاح قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

 وشهد لهم بأنهم أحسن الناس قولاً وأعظمهم صبراً ووعدهم بالحظ العظيم فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ...إلى قوله تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ الآية،  وأخبر ﷺ أن للداعي مثل أجور من تبعه، وأن هدى رجلٌ بالداعي خير له من حمر النعم.

فإذا من الله تعالى على العبد بمعرفة الحق وقبوله والعمل به؛ فإن دعوة الناس إلى الحق من أسباب الثبات عليه، ومن شكر الله تعالى على نعمته به، ومن الإحسان إلى خلقه، والقيام بحقه، والاجتهاد في طاعته على وفق شرعه، فبذلك يستزيد العبد من العلم والعمل والخير والفضل، ويتحلى بتقوى الله عز وجل ويكون من أهل الإحسان الموعودين بالإحسان من الرحمن.

([10]) فائدة: الصبر لغة: الحبس، وشرعاً : حبس النفس على موافقة الشرع، أي: حبس النفس على طاعة الله تعالى فلا تملها وتتركها، وعن معصية الله فلا تتجرأ عليها وترتكبها، وعلى الأقدار المؤلمة والمصائب المحضة فلا تسخطها، فتحبس النفس عن الجزع والتسخط، وتحبس اللسان عن أقوال أهل الجاهلية، وعن الشكوى لغير الله، وتحبس الجوارح عما يخالف الشرع، فالصبر على هذا النحو من أعظم مقامات الدين وأقوى عُدد العاملين.

وقد ذكره الله تعالى في القرآن في أكثر من ثمانين موضعاً، ويكفي في بيان فضله وعظم ثمرته ومثوبته قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وقولـه ﷺ: «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً»، وقوله ﷺ: «ما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر»، وقال علي رضي الله عنه: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد»، وقال: «لا إيمان لمن لا صبر له».

والداعي إلى الله تعالى يدعوا الناس – غالباً- إلى خلاف أهوائهم فلابد أن يناله من سفهائهم والمستكبرين منهم من الأذى ما يحتاج معه إلى الصبر يبتغي به وجه الله تعالى ويستعين به على دعوته، قال تعالى: ﴿(#qãÏètGó™$# Ύö9¢Á9$$Î/ Ío4qn=¢Á9$#uﷺ‬ 4 ¨bÎ) ©!$# yìtB tûïΎÉ9»¢Á9$# ÇÊÎÌÈ﴾، والله تعالى يحب الصابرين، وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «واعلم أن النصر مع الصبر»،  فإذا رزق الله العبد الإخلاص والبصيرة بأسباب القبول والنصر والإمامة في الدين ولسان الصدق في الآخرين فليحمد الله على آلائه وليصبر له على بلائه وليبشر بلطف الله تعالى به في قضائه، فإنه بالصبر مع اليقين تنال الإمامة في الدين ويتحقق النصر والتمكين وتبلغ الدرجة العالية عند رب العالمين، قال تعالى: ﴿$oYù=yèy_uﷺ‬ öNåk÷]ÏB Zp£Jͬﷺ‬& šcr߉öku‰ $tR͐öDﷺ‬'Î/ $£Js9 (#ﷺ‬çŽy9|¹ ( (#qçR%Ÿ2uﷺ‬ $uZÏG»tƒ$t«Î/ tbqãZÏ%qムÇËÍÈ﴾.

([11]) فائدة: المراد آمنوا بقلوبهم وألسنتهم وعملوا الصالحات بقلوبهم وجوارحهم فإنه لا إيمان بلا عمل لأن الإيمان بالقلب واللسان والجوارح فإن الإيمان باطن والقول والفعل والحال أدلة ظاهرة عليه.

والعمل الصالح: هو فعل الطاعات وترك المنهيات على وفق الشرع وعلى وجه الإخلاص لله تعالى والتواصي بالحق والتواصي بالصبر من العمل الصالح ولكن لعل في تخصيصهما بالذكر تنبيهاً على العناية بهما لأن كثيرين من الناس يتهاونون بهما أو لأنهما من أسباب ظهور الحق لمبتغيه وهداية عباد الله تعالى إليه وتثبيت الداعي والمهتدين عليه.

([12]) فائدة: في المراد بالحق: أصل الحق المطابقة والموافقة – في الواقع – فهو كل موجود محقق أو ما سيوجد لا محالة فهو مالا يسع إنكاره ويلزم إثباته والاعتراف به لقيام الدليل والبرهان عليه، ويطلق الحق على أوجه:

الأول: الحق في الأسماء الحسنى معناه الموجود الواجب الوجود بالبقاء الدائم الجامع للخير والمجد والمحامد كلها والثناء الحسن بالأسماء الحسنى والصفات العلى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الحَقِّ أَلَا لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿َذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.

الثاني: لما وجد بمقتضى الحكمة ولهذا يقال فعل الله تعالى كله حق قال تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.

الثالث: الاعتقاد المطابق لما عليه الشيء نفسه، كما قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

الرابع: الفعل والقول الواقع بحسب ما يجب وبقدر ما يجب وفي الوقت الذي يجب، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.

الخامس: وصف دين الله تعالى وشرعه وأمره كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.

والإيمان الكامل بالله تعالى يتضمن أنواع التوحيد الثلاثة، فإنه يتضمن:

             أ‌-          الإقرار بوجود الله جلَّ وعلا واعتقاد تفرده في ملكه وتدبيره بأفعاله.

          ب‌-       وكماله في ذاته وأسمائه وأوصافه، وتنزهه عن كل عيب ونقص ومماثلة الخلق فيما هو من خصائصهم. وتصديق أخباره والإذعان لأحكامه.

          ت‌-       وعبادته وحده لا شريك له وترك عبادة من سواه، والبراءة من كل معبود سوى الله، وهذا التوحيد هو الحكمة من خلق الجن والإنس وهو الذي خلقت الجنة والنار من أجله وهو خلاصة الرسالات الإلهية وزبدة الكتب السماوية. والغاية من فرض التعليم، والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾  الآية، وقال سبحانه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾.

وأخبر سبحانه أن الأمر بعبادة الله وحده مفتتح دعوة كل رسول لقومه، كما قال نوح لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾، ولما بعث الله تعالى خاتم أنبيائه ورسله محمداً ﷺ قال لقومه: «قولوا لا إله إلا الله»، وقال ﷺ: «اعبدوا الله واتركوا ما يعبد آباؤكم»، ولما بعث معاذاً رضي الله عنه  إلى اليمن قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «أن يوحدوا الله».

وهذا يبين عظمة شأن هذا التوحيد الذي هو إفراد الله تعالى بالإلهية والعبادة وترك الشرك به – وضرورة معرفته – وصرف الهمة إليه والعمل به والتمييز بينه وبين ضده – الذي هو الشرك –، وأن هذا التوحيد أصل الدين، وأساس الملة، وقاعدة الشريعة، وأول فرائض الدين وأعظم واجب على المكلفين، ومن شروط قبول العمل من المكلفين فلا يدعى إلى شيء قبله ولا تصح العبادة إلا به، والموحد أسعد الناس بالشفاعة، ولا يخلد في النار ولو دخلها، ومنتهاه الجنة ولو تأخر عنها.

ومما يبين أهميته وفضله – زيادة على ذلك – أمور: 

 أولاً: أن النبي ﷺ أقام بمكة عشر سنين يدعوا إليه؛ فلم تفرض عليه فريضة سواه والدعوة إليه.

ثانياً: ثم بعد فرض الفرائض كان جل اهتمامه ﷺ وأكثر بيانه وعنايته بالتوحيد بالأمر بالإخلاص لله تعالى والنهي عن الشرك والتحذير من: أنواعه، وذرائعه، ومواطنه، وأهله؛ حتى ساعة وفاته كان ﷺ يقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، يحذر ما صنعوا»؛ لأن الغلو في الصاحين، وبناء المساجد على قبورهم من أعظم وسائل الشرك المضاد للتوحيد والمحبط للعمل.

ثالثاً: أنه لا يكف عن قتال الكفار والمشركين – مع القدرة – حتى يقولوا لا إله إلا الله – أي لا معبود بحق إلا الله ويخلصوا العبادة لله – فلا بد أن يقروا به إقراراً يقتضي العمل بمقتضاه، وحتى يعطي أهل الكتاب والمجوس الجزية عن يد وهم صاغرون.

رابعاً: أن من اعتقد التوحيد وعمل به ومات متمسكاً به دخل الجنة. ولو لم يصلي لله ركعة إذا كان لم يتمكن منها بين إسلامه وموته لكونه أسلم ثم مات قبل دخول وقتها كما في قصة صاحب الغنم في غزوة خيبر فإنه آمن بالنبي ﷺ ثم قاتل واستشهد في أول المعركة ولم يسجد لله سجدة لأنه قتل بعد إسلامه بوقت قصير قبل دخول وقت الصلاة وأخبر النبي ﷺ: «أنه من أهل الجنة»، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما.

فالدعوة إلى التوحيد قبل كل أمر، ومع كل أمر، ولا يجوز أن تكون بعد كل أمر. ويدل على ذلك أن رسل الله عليهم الصلاة والسلام لما بعثهم الله إلى أقوامهم عالجوا أموراً متنوعة من مشاكل الأمم لكن كانت العناية بالتوحيد قبلها ومعها لا بعدها، فمثلاً:

1-   نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم، يقول لهم: ﴿(#ﷺ‬߉ç6ôã$# ©!$# çnqà)¨?$#uﷺ‬ Èbqãè‹ÏÛﷺ‬&uﷺ‬ ÇÌÈ﴾ ويأبون معاندين قائلين: ﴿Ÿw ¨bâ‘x‹s? ö/ä3tGygÏ9#uä Ÿwuﷺ‬ ¨bâ‘x‹s? #tŠuﷺ‬ Ÿwuﷺ‬ %Yæ#uqߙ﴾ الآيات، حتى أخذهم الطوفان وهم ظالمون وأنجاه الله وأصحاب السفينة.

2-   وإبراهيم عليه السلام يقول لقومه: ﴿(#ﷺ‬߉ç6ôã$# ©!$# çnqà)¨?$#uﷺ‬ ( óOà6ÏsŒ ׎öyz öNä3©9 bÎ) óOçFZà2 šcqßJn=÷ès? ÇÊÏÈ $yJ¯RÎ) šcr߉ç7÷ès? `ÏB Èbrߊ «!$# $Yﷺ‬O÷ﷺ‬ﷺ‬& šcqà)è=øƒﷺ‬Buﷺ‬ %¸3øùÎ)﴾ الآيات، ويردون دعوته قائلين: ﴿çnqè%Ìhym (#ÿﷺ‬çŽÝÇR$#uﷺ‬ öNä3tGygÏ9#uä bÎ) ÷LäêZà2 šúüÎ=Ïè»sù ÇÏÑÈ﴾، فأنجاه الله وأصلح له ذريته وجعل النبوة والكتاب في ذريته وأتاه الله أجره في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين.

3-   شعيب عليه الصلاة والسلام كان مما دعا قومه إليه الإصلاح الاقتصادي وكانت الدعوة إلى التوحيد مفتتح دعوته وطول مدة دعوته حتى حكم الله بينه وبين قومه.

4-   ولوط عليه الصلاة والسلام كان من أسس دعوته الدعوة إلى الانضباط الأخلاقي الفطري الشرعي ونهى عن الشذوذ الجنسي وكانت الدعوة إلى التوحيد أول مهماته ومدة حياته.

5-   وموسى عليه الصلاة السلام كان من أهم مطالبه من فرعون رفع الجور والظلم عن بني إسرائيل وكانت الدعوة إلى التوحيد أظهر شيء في دعوته وأطول ما كان من مناظراته.

وخاتم النبيين و المرسلين محمد ﷺ أغرى قومه في استرداد المكانة السياسية وإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وكانت الدعوة إلى التوحيد أول وأوجب شيء دعا إليه، وأعظم ما جاهد عليه وأظهر شيء عرف به وتصلب فيه لأنه أعظم موجب للعزة والكرامة والسعادة في الدنيا والآخرة.

([13]) فائدة: إنما كانت كافية لأنها بينت أسباب الربح والخسران، فالناس قسمان:

              أ‌-  رابحون وهم من آمن بالله عن علم صحيح وعمل صالح به وأوصى بالحق نفسه وغيره وصبر على ذلك: ووصى به غيره فهذا هو الرابح المفلح في الدنيا والآخرة.

           ب‌-     قسم خاسرون وهم الذين أعرضوا فلم يهتدوا ولم يؤمنوا ولم  يعملوا صالحاً فخسروا خسارة الأبد.

فقد اشتملت هذه السورة الكريمة على قصرها على التحذير من موجبات الخسران والتنبيه على أسباب الفلاح والفوز بعظيم الأرباح في الدنيا والآخرة، وهي:

الأول: الإيمان ويشمل كل ما يقرب إلى الله تعالى ويحمل على الإخلاص له من علم نافع واعتقاد صحيح وقول سديد وعمل صالح، وخلق حميد.

الثانية: العمل وهو التقرب إلى الله تعالى بكل قول أو فعل أو حال مما شرعه الله تعالى وأباحه وبينه النبي ﷺ وحث على إخلاصه.

الثالث: التواصي بالحق وهو فعل الخير والحث عليه والترغيب فيه .

الرابع: التواصي بالصبر على طاعة الله تعالى وعن معصيته امتثالاً لأوامره واجتناباً لنواهيه رغبة ورهبة ومما يدخل في التواصي بالصبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله على الوجه المشروع فإن بهما الصلاح والنصر والتمكين والفضل كما نبهت على أسباب الخسران وهي:

             أ‌-      الإعراض عن العلم والإيمان الصحيح.

          ب‌-   ترك العمل الصالح – القاصر على نفس العامل، والمتعدي إلى غيره –.

          ت‌-   ترك التواصي بالحق والصبر.,

وتضمنت سورة العصر على قصرها التنبيه على أسباب الربح وموجبات الخسران في الدنيا والآخرة، حيث أفادت أن جنس الإنسان خاسر إلا من اتصف بالإيمان الصحيح المبني على العلم الصحيح والعمل الصالح ومنه التواصي بالحق وهو الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة وتعليم العلم النافع والتواصي بالصبر على الأذية والتعب في سبيل ذلك فمن أوصى نفسه وغيره به، وتحقق بذلك فقد فاز بالفلاح وعظيم الأرباح ومن نقص من ذلك تعرض للخسران بحسب حاله. ومن أعرض عن ذلك أو أتى  بما يبطله فاته الفلاح وخسر رأس امال وجميع الأرباح ولن يجديه الندم والصياح، قال تعالى عن أهل النار: ﴿öNèduﷺ‬ tbqäz̍sÜóÁtƒ $pÏù !$uZ­/u‘ $oYô_̍÷zﷺ‬& ö@yJ÷ètR $·sÎ|¹ uŽöxî “Ï%©!$# $¨Zà2 ã@yJ÷ètR 4 óOs9uﷺ‬ﷺ‬& Nä.öÏdJyèçR $¨B ㍞2x‹tGtƒ ÏÏù `tB t©.x‹s? ãNä.uä!%y`uﷺ‬ ㍃ɋ¨Y9$# ( (#qè%ﷺ‬ä‹sù $yJsù tûüÏJΩà=Ï9 `ÏB AŽÅÁ¯R﴾.

([14]) فائدة: أمر الله تعالى أولاً بالعلم بالتوحيد لأنه أصل القول والعمل، ثم بالعمل الصالح به لأنه ثمرة العلم، والدليل عليه ومن أسباب التثبيت عليه والهداية لمثله، ومنه أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات.

([15]) فائدة: وإنما وجب تعلم هذه المسائل الثلاثة؛ لأنه:

              أ‌-        بالعلم بالمسألة الأولى تعرف الحكمة من الخلق، وهي العبادة التي هي الوظيفة الواجبة على المكلفين وتحقيقها بطاعة الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه رغبة ورهبة، وثواب طاعته الجنة، وعقاب معصيته النار. فالعبادة في هذه الحياة الدنيا هي علامة الاصطفاء وآية السعادة في الدنيا والأخرى، وتركها والاستكبار عنها من علامات الشقوة في العاجلة والآجلة.

           ب‌-     والعلم بالمسألة الثانية يعرف خطر الشرك على العبادة فإن العبادة حق لله تعالى لا يرضى أن يشرك معه فيها غيره كائناً من كان، والشرك يبطل العبادة ويحبط العمل؛ فإنه أعظم ذنب عصى به الله عز وجل.

           ت‌-     وبالعلم بالمسألة الثالثة بعلم ضرورة التمايز بين أولياء الله وأعدائه فيجب على أولياء الله المؤمنين أن يحبوا ويوالوا إخوانهم في الدين وأن يبغضوا ويعادوا من كفر وأشرك بالله عز وجل، وأن يحذروا موالاة الكافرين والمشركين المحاربين لله ورسوله حتى يتميز الحق وأهله عن الباطل وأهله.

([16]) فائدة: فتضمنت هذه المسألة أمرين:

الأول: أن الله تعالى وحده هو الذي خلقنا فأحسن خلقنا وهيأنا وهدانا لما خلقنا له ورزقنا لحكمة عظيمة: هي أن نعبده - بما شرع وعلى الوجه الذي شرع - وحده لا شريك له ففعل سبحانه وتعالى أمرين هما: الخلق والرزق؛ لنفعل نحن أمراً واحداً هو عبادته وحده، وهو تعالى غني عنا وعن عبادتنا ولكنه تعالى أمرنا بعبادته ليسعدنا في الدنيا والأخرى؛ لأن عبادة الله تعالى سعادة في العاجلة ورفعة عند الله جل وعلا في الآخرة. فإن من عبد الله تعالى في هذه الدنيا بما شرع وعلى الوجه الذي شرع كان أهلاً لمجاورة الله تعالى في الآخرة في الجنة دار رحمته وموضع كرامته ومثوبته فعبادة الله تعالى وفق شرعه في الدنيا دليل على اختيار الله تعالى للعبد عن علم ليكون من مجاوريه في الآخرة أهل جنته وكرامته في الآخرة، وتركها دليل أن تارك العبادة ليس أهلاً للكرامة بل هو جدير بالعذاب والإهانة. فالعبادة علامة الاجتباء ومعيار الاصطفاء.

الثاني: أنه تعالى لم يتركنا هملاً لا ندري كيف نعبده أو نعبده بأهوائنا وأمزجتنا أو استحسان غيرنا؛ بل أرسل إلينا رسولاً يبلغنا ديننا الذي شرعه الله لنا لنعبده به، وليبين لنا كيفية عبادته ويكون قدوة لنا في تحقيق عبادته، فالعبادة على وفق الشرع تحقق الفرقان بين عباد الرحمن وعباد الشيطان، ويتميز الأبرار أهل الجنة عن الفجار أهل النار، فمن أطاع الرسول واتبعه دخل الجنة، ومن أعرض عنه وعصاه دخل النار، فببعثة الرسول وبيانه قامت الحجة واتضحت المحجة وزالت المعذرة، واستحق المثوبة والعقوبة، ووجب العمل.

([17]) فائدة: تضمنت هذه المسألة أن العبادة حق لله تعالى لا يرضى أن يكون شيء منها لغيره فالعبادة والشرك ضدان لا يجتمعان فلا يجتمع شرك وعباده فإن الشرك حدث في العبادة يبطلها، فكما أن الحدث يبطل الطهارة فلا طهارة مع الحدث فكذلك لا عبادة مع الشرك لأنه يحبطها ويذهب أجرها والثواب عليها قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وفي الحديث القدسي الصحيح قال تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري فهو للذي أشرك وأنا منه بريء»، فمن أشرك بالله بدعاء غير الله معه أو الذبح أو النذر لغير الله فهو كمن ركع أو سجد لغير الله، فهو مشرك كافر مرتد عن الإسلام لا يقبل الله قوله وعمله ولا يغفر له إلا أن يتوب فإن مات على الشرك الأكبر فجزاؤه ما أخبر الله به بقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، وقوله: ﴿ ¨bÎ) ©!$# Ÿw ãÏÿøótƒ bﷺ‬& x8uŽô³ç„ ¾ÏmÎ/ ãÏÿøótƒuﷺ‬ $tB tbrߊ y7ÏsŒ `yJÏ9 âä!$t±o„﴾، وهذا دليل على خطر الشرك وشؤمه، وعظم تحريمه، وأنه أفسد شيء للعبادة، وأشأم شيء على العباد.

 و ينقسم الشرك بالله عز وجل إلى قسمين:

الأول: شرك يتعلق في الاعتقاد والقول، وهو نوعان:

أ‌-     شرك التعطيل: وهو تعطيل الله تعالى من صفات كماله ونعوت عظمته وجلاله وذلك تشبيه له بالمعدومات وهو شرك المعطلة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، ولذا قال أهل السنة والجماعة عنهم: المعطل يعبد عدماً.

ب‌-     شرك التمثيل: وهو تمثيل الله تعالى بخلقه في أسمائه وصفاته وهو شرك الممثلة من الرافضة ونحوهم، ولذا قال عنهم أهل السنة والجماعة: الممثل يعبد وثناً.

والكل من الطائفتين: معرض عن العلم والفهم، قائل على الله تعالى وفي دينه بغير علم.

الثاني: شرك يتعلق بالعمل، وهو أنواع:

أ‌-     الشرك في الدعاء: بأن يدعو مع الله غيره، ودليله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، وقولـه تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.

ب‌-     الشرك في المحبة: بأن يحب غير الله تعالى من دونه، أو معه فيسويه بالله تعالى في المحبة فإن المحبة تحمل المحب على الذل والانقياد للمحبوب في تحقيق مراده من محبه، ودليله قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ الآية. وأخبر تعالى عن المشركين أنهم يقولون لشركائهم نادمين متحسرين وهم في الجحيم: ﴿«!$$s? bÎ) $¨Zä. ’Å"s9 9n=|Ê AûüÎ7•B ÇÒÐÈ øŒÎ) NäÈhq|¡èS Éb>tÎ/ tûüÏJnyèø9$# ÇÒÑÈ﴾، أي: في المحبة والعبادة.

الشرك في الطاعة والتشريع: ودليله قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ...﴾  الآية، وقولـه ﷺ لعدي بن حاتم – رضي الله عنه -: « أليسوا يحلون ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم ... » الحديث.

ت‌-      شرك الإرادة والقصد: وهو أن يبتغي بشيء من حق الله تعالى الذي يجب أن يخلص له منزلة أو محمدة عند الخلق أو عرضاً من أعراض الدنيا، ودليله قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ الآية، والمعنى: يريدون الحياة الدنيا وزينتها بعمل الآخرة.

([18]) فائدة: من وجوه استحقاقه سبحانه وتعالى للعبادة ووجوب الإخلاص له وحده لا شريك له:

أولاً: أن الله تعالى هو الذي خلق المكلفين للعبادة، وأمرٌ خلقهم الله تعالى من أجله لابد أن يحققوه وإلا لكانوا أهلاً للعذاب قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

ثانياً:  أن الله تعالى أعلم بما يصلح العباد وأرحم بهم من كل أحد فما أمرهم إلا بما ينفعهم ولا نهاهم إلا عما يضرهم فعبادته تصلحهم ومعصيته تفسدهم.

 ثالثاً: أن الله تعالى لم يأمر العباد ولم ينههم لحاجة منه إليهم بل هو غني عنهم وإنما أمرهم ونهاهم رحمة ورأفة بهم لتهيئتهم لسعادة الأبد.

رابعاً: أن عبادتهم له سبحانه محض فضل منه عليهم لأنه هو الذي خلقهم وهيأهم لما خلقهم له وهداهم له وأعان من أطاعه فثواب طاعتهم له فضل منه عليهم وهم يتحملون شؤم معصيتهم فمن أثابه الله فبفضله ومن عاقبه فبعدله.

خامساً: أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وشرح الصدر للإسلام وهو المنعم بإيجاد الإرادة والقدرة والحواس وغير ذلك من القوى التي يتحقق بها العمل فهو تعالى الدال على الهدى والمرغب فيه والمعين عليه.

سادساً: أن نعم الله على العباد أعظم من أن تحصى فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة لم يقوموا بشكر قليل منها فكيف والعبادة من نعمه على عباده.

سابعاً: أن العباد لا يزالون مقصرين في حقه محتاجين إلى عفوه ومغفرته، فلن يدخل الجنة أحد بعمله، وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرته: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾.

فمن ظن أنه قائم بما يجب لله تعالى عليه وأنه غير محتاج إلى مغفرة ربه وهدايته وتثبيته وتوفيقه فهو ضال.

([19]) تضمنت هذه المسألة أنه لا بد للمؤمن الذي هداه الله للإسلام وعصمه من الشرك لكي يثبت على دينه ويبرهن على صدق حبه وتعظيمه لربه وخوفه وخشيته منه وحتى يأمن من الفتنة والزيغ أن يبرأ من الشرك وأهله بعد إقامة الحجة عليهم, ولا يرضى الله لعباده المؤمنين أن يوالوا المشركين بالمحبة والنصرة والرضا بما هم عليه من الباطل, فإن الله تعالى نهى المؤمنين أن يتخذوا عدوه وعدوهم أولياء ونهاهم عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ونفى الإيمان عمن يوالي من حاد الله ورسوله، وقال تعالى:  ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

([20]) فائدة: في معنى الحَنَفْ والحَنِيفِيةِ:

الحَنَفُ لغة: الميل، وشرعاً: هو الميل عن قصد على طريق الاستقامة – بلزوم التوحيد وترك الشرك والبراءة منه ومن أهله–، ولما كان أكثر الناس على الضلال صار الذي على التوحيد كأنه مائل عنهم فصار حنيفاً لاستقامته على التوحيد، والحق أنهم هم الذين مالوا عن فطرة الله التي فطر الناس عليها والشريعة التي هداهم إليها.

فالحنيفية ملة إبراهيم يجمعها أمران:

الأول: أن تعبد الله مخلصاً له الدين.

الثاني: أن تبرأ من الشرك والمشركين.

([21]) فائدة: العبادة لغة: هي الذل والانقياد والتطامن والخضوع.

والعبادة شرعاً تعرف بأحد اعتبارين:

              أ‌-  باعتبار العابد: فهي كمال الذل مع كمال الحب الذي ينشأ عنهما الخضوع والانقياد الاختياري لامتثال أوامر الله تعالى حباً له ورغبة في ثوابه واجتناب نواهيه عز وجل هيبة وتعظيماً له سبحانه وحذراً من عقابه.

           ب‌-     باعتبار المتعبد به: فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

وإنما سميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنها تؤدى لله تعالى على وجه المحبة والانقياد والذل لله تعالى رغبة في ثوابه، ورهبة من عقابه، فيخاف العبد ربه لما يعلم من عظمة شأنه، وعز سلطانه، ويحبه لما يعلم من غناه وكرمه وأفضاله وإحسانه. وبهذا يصير الإنسان عابداً لله تعالى، أي: منقاداً له اختياراً بامتثال أوامره رغبة في ثوابه واجتناب نواهيه رهبة من عقابه.

وتسمى العبادة توحيداً لأنه  يقصد بها الله وحده ولا يتوجه بشيء منها إلى أحد سواه كائناً من كان.

أما العبادة الكونية فهي الخضوع القسري لأمر الله في الكون وهذه شاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد وحقيقتها: نفوذ مراد الله تعالى وأقداره فيهم وجريان أحكامه عليهم وصيرورتهم إلى ما حده لهم ووجههم كوناً إليه، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ الآية.

([22]) فائدة: في التوحيد:

التوحيد لغة: مصدر وحد الشيء يوحده توحيداً أي جعل الشيء واحداَ وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات فإن النفي وحده ليس توحيداً، والإثبات وحده لا يمنع المشاركة.

والتوحيد اصطلاحاً: هو إفراد الله تعالى فيما هو مختص به من فعله وملكه ووصفه وحقه، قال تعالى: ﴿َإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.

وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.

وإنما عرَّف الشيخ – رحمه الله تعالى – التوحيد – هنا – بأنه إفراد الله تعالى بالعبادة، لأن هذا النوع من أنواع التوحيد هو زبدة الرسالات الإلهية، وخلاصة الكتب السماوية، وحق الله على العباد، وهو الذي حدث فيه اللبس، ووقعت فيه الخصومة بين المرسلين والمكذبين، فوقعت فيه المناظرات وتوالت عليه الآيات، وتنوعت في الدلالة عليه البراهين والدلائل القاطعات، ووجب من أجله الجهاد وتميز بحسب إخلاصه، أو الشرك به صالحوا العباد، من أهل الشرك والإلحاد والمتقون من الفجار، وأهل الجنة، من أهل النار، وإنما يمهد له ويستدل عليه بذكر توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات الذين هما توحيد الله تعالى بالفعل من الخلق والملك والتدبير والوصف، أي: أنه تعالى ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا: ﴿}§øŠs9 ¾ÏmÎ=÷WÏJx. Öäï†x« ( uqèduﷺ‬ ßìŠÏJ¡¡9$# 玍ÅÁt7ø9$# ÇÊÊÈ﴾، لإقرار المشركين بجنس هذين النوعين من التوحيد في الجملة، لتقريرهم بما أقروا به ومطالبتهم بلازمه وهو أن يقروا الله تعالى بالإنفراد في الإلهية واستحقاق العبادة ويخلصوا له الدعاء والعبادة ليتجلى لهم وجوب عبادة الله وحده وبطلان عبادة غيره.

والتوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب نوعان:

1-  توحيد في العلم والاعتقاد:

وهو إثبات حقيقة ذات الرب تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده وإثبات عموم قدره وقضاءه وحكمته في شرعه وأفعاله وفضله وعدله في جزائه، وكماله في أسمائه وصفاته، وتنزهه عن النقائص والعيوب ومماثلة مخلوقاته وهذا التوحيد مقر به في الجملة من عامة الأمم.

2-   توحيد في القول والقصد أو في الطلب والإرادة:

وهو الإقرار والاعتقاد بتفرد الله وتعالى بالإلهية واستحقاق العبادة، وإخلاص العبادة له وحده والكفر والبراءة مما يعبد من دونه وممن عبد سواه.

فهذا التوحيد هو حق الله على عباده، وهو أول ما أمر الله به في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية وهو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل والأمم المكذبة.

([23]) فائدة: اعلم أن التوحيد والشرك ضدان لا يجتمعان، فإذا اجتمعا أبطل الشرك التوحيد، ذلك لأن التوحيد بناء والشرك هدم، فالشرك يهدم التوحيد ويبطله، فإنه محبط للعمل مخرج من دين الله عز وجل، مشقي لأهله في الدنيا والآخرة، ولذا توعد الله المشركين الكافرين بما لم يتوعد به أحداً من الظالمين؛ لأنه تنقص للربوبية وهضم لحق الإلهية وعدل برب العالمين.

        أ‌-        والشرك لغة: مأخوذ من الشركة وهي الاختلاط في الشيء، أي أن يكون الشيء مشتركاً بين اثنين فأكثر قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ الآية، ومن معناه اللغوي الشركات في العقود والمعاوضات.

ويعرف الشرك شرعاً تعريفاً عاماً بأنه: تسوية غير الله تعالى بالله فيما هو من خصائص الله. قال تعالى عن أصحاب الجحيم: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ الآية. وهو اتخاذ ندِ – أي: مثل مضاد – مع الله في عبادته، فقد سئل النبي ﷺ أي الذنب أعظم؟ – أي: جرماً وأكبر إثماً وعذاباً – قال ﷺ: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك...» الحديث.

     ب‌-     والشرك نوعان:

أحدهما: شرك أكبر:

وهو عبادة غير الله تعالى معه أو من دونه قال تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام أنه قال لأبيه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، وكذلك اتخاذ ندٍ – أي: مثل مضاد – لله تعالى، فقد سئل النبي ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك»، فهو كل شرك أطلقه الشارع وهو متضمن لخروج الإنسان وردته عن دينه. كدعاء الموتى – من الأولياء وغيرهم –، والاستغاثة بالمخلوقين في أمر لا يقدر عليه إلا الله، قال تعالى: ما يملكون من قطمير إلى قوله: وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾  الآية.

الثاني: شرك أصغر:

هو كل ما جاء في النصوص تسميته شركاً وهو لا يخرج من الملة. كقول: لولا الله وأنت لكان كذا، وكالحلف بغير الله لفظاً، وكيسير الريا وكذلك كل ما كان وسيلة وذريعة إلى الشرك الأكبر.

     ت‌-     وكلاهما منه:

1-  ظاهر جلي: وهو الشرك في الأقوال كدعاء غير الله ، والحلف بغير الله، والأفعال: كالسجود والذبح والنذر لغير الله.

2-  خفي: وهو الشرك في النيات: كالرياء وإرادة الإنسان بعمله الدنيا وأعمال القلوب كالتوكل على المخلوق، والخوف من أصحاب القبور، ومن الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله.

     ث‌-     الفروق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر:

1-   الأكبر يخرج من الإسلام، والأصغر لا يخرج، ولكن ينقص الإسلام ويضعفه حتى يسهل الخروج منه.

2-   الأكبر يحبط – أي: يبطل – العمل كله – ما سبقه وما لحقه وما قارنه –، والأصغر ينقص ما قارنه أو يحبطه دون ما سبقه أو لحقه.

3-   الأكبر لا يغفر إلا بالتوبة منه، والأصغر مغفرته تحت المشيئة.

4-   من مات على الأكبر فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، ومن مات على الأصغر إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، وإن عذبه فلا يخلد في النار، ولكن يعذب حتى يطهر من رجس شركه، وأما المشرك الشرك الأكبر فهو خالد مخلد في النار.

([24]) فائدة: بدأ الشيخ – رحمه الله - في الأصول التي يبنى عليها الدين، فإن الأصل في اللغة هو: ما يبنى عليه غيره، وهذه الأصول ينبني عليها الدين كله لأنها الأساس، فمخالفتها هلاك وخسران ووجوب هذه الأصول معلوم بالنصوص من الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

فمن أدلة وجوب معرفة هذه الأصول الثلاثة :

الأول: أن العمل الذي يتدين به لله تعالى طلباً للثواب عليه في الدنيا والآخرة لابد فيه من أمور:

أ‌-     أن يكون مقصوداً؛ فإن غير المقصود لا يسمى أعمالاً، ولا قيمة له ولا ثواب عليه.

ب‌-     أن يبتغى به وجه الله تعالى فإن قصد به غير وجه الله تعالى فهو شرك.

ت‌-     أن يكون في أصله على وفق ما شرعه الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ فإنه إذا لم يكن على وفق الشريعة فهو بدعة في أصله.

ث‌-     أن يكون في كيفيته على سنة النبي ﷺ فإنه إذا لم يتحقق فيه الإتباع للنبي ﷺ فهو بدعة في كيفيته.

الثاني: أن الإخلاص لله تعالى، والاستقامة على الشرع في كل ما يتعبد لله تعالى به ولإتباع النبي ﷺ في الكيفية من تحقيق الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً.

الثالث: أن الميت يمتحن في قبره فيسأل عن هذه الثلاثة الأصول:

أحدها: من ربك؟ وهو سؤال عن الإخلاص لله تعالى في القصد والنية.

ثانيها: ما دينك؟ وهو سؤال عن الاستقامة على شريعة الله في أصول العبادة.

ثالثها: من نبيك؟ وهو سؤال عن متابعته للنبي ﷺ في كيفيته ولزوم سنته.

الرابع: أن الأولين والآخرين يسألون يوم القيامة ثلاثة أسئلة، هي معنى هذه الثلاثة الأصول فيسألون:

أ‌-           ماذا كنتم تعبدون؟ وهو سؤال عن الله تعالى وحقه.

ب‌-     ماذا كنتم تعملون؟ وهو سؤال عن الاستقامة على الدين الذي شرعه الله تعالى لهم.

ت‌-     ماذا أجبتم المرسلين؟ وهو سؤال عن إتباع النبي المرسل؟.

فأمرٌ يسأل عنه العاقل في قبره ويوم نشره وحشره لا يخفى وجوب العلم والعمل به وتحتمه.

فلا بد من الجواب عن السؤال، ولا بد أن يكون الجواب صواباً، ولا يكون ذلك إلا بمعرفة الله تعالى وعبادته بما شرع والبراءة من الشرك والبدع في أصل العبادة وكيفيتها، وسبيل ذلك توفيق الله تعالى للعبد ومن معالمه وآياته العلم والعمل بهذه الأصول.

 فالعلم هو الدال على العمل والباعث على إخلاصه لله عز وجل والدوام عليه، والداعي إلى حسن الإتباع للنبي محمد ﷺ.

([25]) ليس المراد مجرد المعرفة، التي هي العلم والقول، وإنما المراد المعرفة القلبية التي هي الخشية والتي تثمر الاعتقاد الصحيح والقول السديد والعمل الصالح والخلق الحميد. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.

([26]) فائدة: لمعرفة الله تعالى وقوة الإيمان به أسباب منها:

1-  النظر في مخلوقات الله العلوية والسفلية فإن ذلك يدل على معرفة عظمة الله تعالى وتمام قوته وقدرته وعلمه وحكمته.

2-  النظر في آيات الله الشرعية التي أوحاها الله تعالى إلى نبيه ﷺ فإنها مشتملة على المصالح العظيمة والغايات الكريمة وهي في غاية الحكمة والإحكام ومنظمة لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم.

3-  ومنها ما يلقيه الله تعالى في قلب المؤمن من معرفة الله تعالى يتدبر معاني أسماء الله الحسنى وأوصافه العلى وأفعاله الحكيمة المحكمة.

4-  ومنها تذكر ألوان نعم الله تعالى على الإنسان وسابق ألطافه بالعبد.

ومعرفة الله حقاً تقتضي اعتقاد تفرد الله تعالى بالإلهية كما تفرد بالربوبية وكمال التعلق به وترك ما سواه وعبادته عبادةً خالصة له وحده، وإنما تكون معرفة الله تعالى بالأدلة، وقد تعرف الله إلى عباده بآياته الكونية والشرعية ومخلوقاته، وما فيها من بديع الصنعة وإحكام الخلقة وبتدبيره الحكيم، ولطفه العميم.

([27]) فائدة: معرفة دين الإسلام حق معرفة تقتضي الاستقامة على الدين وأن تعبد الله بما شرع وتعرف محاسن ويسر هذا الدين لأنه الدين الذي شرعه الله وارتضاه ولم يرتضي غيره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾، فتعرف منه ما لا يسعك جهله، وتعرفه لتستقيم عليه.

([28]) فائدة: معرفة الرسول ﷺ تقتضي إتباعه وحسن الإقتداء به، وترك مخالفته، وترك مشاقته، والعمل بسنته، فمعرفته تقتضي تمام الإقتداء به في عبادة الله.

([29]) فائدة: فتبين بذلك أن الحاجة بل الضرورة تقتضي العلم والعمل بهذه الأصول؛ لأنها تبنى عليها صحة الأعمال وقبولها، فإن العمل:

1-  إذا لم يكن خالصاً لم يقبل لأنه شرك.

2-  وإذا لم يكن على ما شرع الله لم يقبل لأنه بدعة في أصله.

3-  وإذا لم يكن على سنة رسول الله ﷺ لم يقبل لأنه بدعة في كيفيته.

فتشترط في صحة العمل هذه الأصول: الإخلاص، والمتابعة في المشروعية، والمتابعة في الكيفية؛ فمثلاً السواك: تستاك به لأن الله شرعه من دينه، وابتغاءً لوجه الله، وإتباعاً لسنة نبيه ﷺ.

فهذا يدل على أن هذه الأصول الثلاثة يحتاجها المسلم في كل شئ.

([30]) هذا شروع من المؤلف – رحمه الله - في بيان الأصل الأول.

([31]) فائدة: في الأمور التي يعرف الله بها وهي تعرف الله تعالى بها إلى خلقه وجعلها شاهدة على توحيده دالة على قدرته وتعلمه وحكمته ورحمته، وهي نوعان:

الأول: آياته الكونية وهي المخلوقات العظيمة وما فيها من بديع الصنعة وبالغ الحكمة.

الثاني: آياته الشرعية وما فيها من الصدق في الأخبار والعدل في الأحكام والاشتمال على تحصيل المصالح ودفع المفاسد.

الثالث: أسماؤه وصفاته وأفعاله وما فيها من الحسن والكمال والحكمة والقدرة وآثارهما في الأنفس والآفاق.

الرابع: إنعام الله تعالى وأفضاله وأنواع ألطافه بعباده، فكم أسبغ تعالى من نعمه؟! وكم دفع من نقمه؟! وكم نفس من كرب؟! وكم كشف من ضر؟! وكم لطف في قضائه؟! وكم صرف من أنواع بلائه؟!.

([32]) فائدة: الرب مطلقاً هو من له هذا الوصف:

الأول: من له الخلق والملك والتدبير لجميع الأمور.

الثاني: الإحاطة بجميع الخلق علماً وقدرة رحمة.

الثالث: من يستحق أن يعبد لما له من الكمال المطلق من كل وجه وبكل اعتبار.

([33]) أي: الذي اعتنى بي منذ كنت نطفة وفي حياتي إلى مماتي فخلقني أطوار، ورباني حتى كمل تربيتي.

([34])العالمين جمع عالم، والعوالم كثيرة : منها عالم الملائكة وعالم الجن، وعالم الإنس، وعالم الطير، عالم الحوت إلى غير ذلك من العوالم التي لا يحصيها ولا يدبرها إلا الله، فهذه عوالم كلها الله خالقها وربها الذي يكملها ويدبرها لا خالق لها غيره ولا رب لها سواه ومصيرها إليه.

([35]) والذي هذا شأنه هو الإله الحق المستحق العبادة وحده.

([36]) فائدة: دلت على وجود الله تعالى ووجوب عبادته وحده لا شريك له جملة أدلة، منها:

أ‌-     دلالة الفطرة: وهي أن كل مولود قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن هذا الإيمان إلا بصارف قد طرأ عليه لقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية. وقال ﷺ: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه...» الحديث.

ب‌-    دلالة العقل: وهي أن المخلوق لا يمكن أن يوجد نفسه لأنه كان معدوماً والمعدوم ليس بشيء حتى يوجد شيئاً، ولا يمكن أن يوجد صدفة لأن كل حادث لابد له من محدث ولأن وجود الموجودات  المحدثات على نظام وتناسق وتآلف والارتباط التام بين المسببات وأسبابها يمنع يقيناً أن يكون وجودها صدفة إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظماً حال بقاءه وتطوره فإذا لم توجد هذه المخلوقات نفسها ولم توجد صدفة تعين أن يكون لها موجود هو الله رب العالمين.

ت‌-    دلالة الشرع: فإن الكتب السماوية مملوءة بتقرير ذلك وما اشتملت عليه الكتب الإلهية من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب العالمين.

ث‌-    دلالة الحس: وهي ما ثبت في الأخبار القاطعة والحوادث المشاهدة من إجابة الداعين وغوث المكروبين وآيات النبيين والمرسلين وكرامات الأولياء الصالحين من أظهر الأدلة على وجود رب العالمين.

([37]) فأثنى الله على نفسه، بكماله في ذاته، وأسمائه وصفاته، ولعدله وفضله، وهو محمود في السماوات والأرض، ومن موجبات الحمد أن خلق هذه العوالم ورباها حتى ازدادت وتمت ثم تبدأ بالنقص، وأيضاً قول تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ....﴾ الآية.

([38]) في هذا الكلام بيان من الشيخ – رحمه الله تعالى – للأصل الأول وهو معرفة الله تعالى وخلاصته وفحواه:

أن الرب الحق الذي يجب أن يعبد وحده بالحق هو الله جل وعلا فإنه تعالى هو الذي خلق الإنسان وغيره من الأحياء فأحسن ما خلق وهيأ كل مخلوق لما خلقه له. وربى الإنسان، فنقله أطواراً من طور إلى طور، حتى بلغ به حد التمام، وأسبغ عليه الإنعام، وأعظم هذا الإنعام التربية الدينية – أي التهيئة ليكون عبداً لله تعالى من عباده الصالحين ومن ذلك.

1-  أن خلق الإنسان على الفطرة وهي الميل إلى التوحيد إذا سلم من المؤثرات الخارجية كتربية الوالدين المنحرفة أو دعوات أهل الباطل. 

أن الله تعالى أخذ عليه الميثاق وهو في صلب أبيه أدم – عليه السلام – الإقرار بربوبية الله تعالى ووجوب عبادته، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ الآية.

2-  أن الله تعالى هو الذي وهب الإنسان العقل الذي إذا سلم من الهوى – يجعله يميز بين النافع والضار من الأعمال وبين الحق والباطل من المعاني.

3-  أنه تعالى أقام عليه الحجة وأزال المعذرة ببعثته الرسول ﷺ وإنزال القرآن وتفصيل الشريعة وإبطال الشرك.

4-  ما أقامه سبحانه من أدلة التوحيد وآيات القدرة في الأنفس والآفاق وكلها شاهدة بأن الله وحده المتفرد بالخلق والملك والتدبير هو الرب الحق الذي يجب أن يعبد بالحق لأنه الملك الكبير الذي هو على كل شيء قدير وإليه المصير.

فربٌ هذه عنايته بالإنسان حيث غمره بالإحسان، وكذلك قد أحسن – سبحانه – إلى سائر الحيوان فهو الرب الذي يجب أن يفرد ويخص باعتقاد تفرده بالإلهية وأن يخلص له في العبادة كما انفرد واختص بالخلق والملك ولهذا قال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، فحمد تعالى نفسه على ربوبيته لهذه العوالم الكثيرة التي منها: عالم الجن، وعالم الإنس، وعالم الملائكة، وعلام الطير، وعالم الحوت، وغيرها كثير فهذه عوالم كلها خلقها الله تعالى ورباها.

والذي هذا شأنه هو الإله الحق الذي يستحق العبادة وحده ولهذا أثنى الله على نفسه، بأنواع كمالاته في ذاته، وأسمائه وتدبيره وأفعاله، وبعدله وفضله، وهو محمود أي مثنى عليه – مع الحب والتعظيم – في السموات والأرض، ومن موجبات الحمد أن خلق هذه العوالم ورباها حتى بلغت حد التمام ثم حكم عليها سبحانه بالنقصان والضعف ثم يعيدها مرة أخرى وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ الآية، فالذي انفرد بخلق هذه المخلوقات والاستواء على العرش والخلق والأمر هو الرب الحق الذي يجب أن يعبد بالحق: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾.

([39]) فائدة: الآيات جمع آية، والآية هي العلامة الدالة على الحق، وآيات الله تعالى هي دلائل علمه وحكمته وقوته وقدرته ووجوب توحيده سبحانه في أفعاله وأسمائه وصفاته وإلهيته ووجوب عبادته وحده بشريعته، وآياته تعالى شرعية – وهي القرآن –، وكونية وهي كثيرة، قال الحكيم:

وفي كل شيء له آية                           تدل على أنه الواحد

فالله تعالى قد نصب على توحيده نوعين من الأدلة هما:

الأول: الكتاب المسطور: «وهو القرآن العظيم»، أعظم ما أيد الله تعالى به النبي ﷺ؛ بل أعظم ما أيد الله به جميع الأنبياء والمرسلين وهو كله دعوة إلى إفراد الله تعالى بالعبادة كما انفرد بالخلق والإنعام.

الثاني: الكتاب المنظور: «وهو هذا الكون»، بما فيه من بديع الصنعة وإحكام الخلق وحسن التدبير فإنها دلائل متكاثرة ظاهرة على وجوب توحيد الله تعالى في إلهيته وعبادته كما انفرد في خلقه وملكه وتدبيره.

والشيخ – رحمه الله تعالى – قد استدل على معرفة الله تعالى بنوعين من الآيات:

فإحداهما: آيات متحركة تذهب وتجئ وهما: الليل والنهار والشمس والقمر، ففي اختلافهما وتعاقبهما وانتظامهما أبلغ الدلالة على علم وحكمة وقدرة وقوة خالقهما ووجوب الإقرار بعبوديته وتحقيق عبادته.

ثانيهما: آيات ثابتة أمام الإنسان وهما السموات والأرض وخلقهما أعظم من خلق الإنسان ففي ضخامة خلقهما وإحكامهما وما فيها من الجمال والمنافع أبلغ الدلائل على تفرد الله تعالى بالإلهية ووجوب إخلاص العبادة له والكفر بكل معبود سواه قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.

 وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ الآية. 

([40]) فائدة: دلت هذه النصوص التي أوردها المؤلف – رحمه الله تعالى – هنا على أمرين:

الأول: أن السموات والأرض، وما فيها وما بينهما، والشمس والقمر، والليل النهار، وغيرها من الآيات أشياء مخلوقة مملوكة لله تعالى ليس لها من أفعال الربوبية ولا من خصائص الإلهية شيء، فلا تستحق شيئاً من العبادة والتعظيم وإنما الواجب أن يستدل بها على عظمة خالقها وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وعلى وجوب إفراده سبحانه في إلهيته وإخلاص عبادته وترك الشرك به والكفر بما عبد من دون الله تعالى كائناً من كان.  وأن ينتفع بما جعل في هذه المخلوقات من المنافع.

الثاني: أن العبادة حق خاص بالله تعالى يجب أداؤه إليه ويحرم صرف شيء منه لغيره فإن التوحيد لله تعالى في العبادة حق وعدل وإن الشرك به سبحانه جور وظلم وإثم وشؤم، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وسئل النبي ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك»، يعني: أن تشرك بالله وهو الذي خلقك ورباك وغذاك بنعمه.

وقال ﷺ: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً».

([41]) هاتان الآيتان بينتا: أن جميع عقلاء الثقلين مكلفون بعبادة الله تعالى (فالناس) يدخل فيهم جميع الناس، الرجال والنساء، وكذلك الجن، لأن الناسي من يأنس بغيره. فكأنه قال: يا أيها الجن والإنس اعبدوا ربكم،  كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فالأمر بعبادة الله تعالى هو أول أمر في القرآن، فهو أول أمر بأعظم مأمور به وهو التوحيد من أعظم آمر وهو الله جل وعلا، وإنما كان أول أمر لان ما قبله أخبار، وأعظم مأمور، لأنه أعظم واجب على المكلفين والآمر هو الله تعالى، والمعنى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، أي: أفردوه بأفعالكم – التي شرعها لكم وتعبدكم بها من الدعاء والخوف وغيرها من أنواع العبادة، ومن هذه الأفعال والأعمال التي يتعبد بها أنواع: فمنها:

              أ‌-   عبادات قوليه: كالشهادتين وتلاوة القرآن وتعليم العلم. والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

           ب‌-  عبادات قلبية: كالخوف والرجاء، والرغبة، والرهبة، والإنابة، والمحبة، والتوكل، ونحوها.

           ت‌-  عبادات بدنية: ذات أقوال وأفعال: كالحج والصلاة.

           ث‌-  عبادة مالية: كالزكاة والذبح.

            ج‌-عبادات تركية: يتقرب بتركها إلى الله عز وجل تعبداً له، بأن يترك ما حرم الله عليه مؤقتاً كالمفطرات في الصوم، أو أبداً كسائر المحرمات التي أمر الله بتركها واجتناب وسائلها.

فكل هذه العبادات وغيرها مما تعبد الله تعالى به الناس يجب قصد الله تعالى وابتغاء وجهه بها، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية.

فالمقصود اعبدوا الله بأعمال الجوارح والقلوب والألسن، وإنفاق الأموال ابتغاء مثوبته ومرضاته، وحذراً من غضبه وعقوباته لأنه تعالى المنفرد بالخلق والملك والتدبير والكمال والتنزه عن العيوب والنقائص والمثال، وهو ذو الغنى والجود والكرم المبتدئ والمحسن بأنواع النعم ودفع النقم، والذي إليه المرجع والمآب، وعليه الحساب والثواب والعقاب: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وقال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى﴾.

([42]) من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم أخرجكم طفلاً، ثم بلغكم أشدكم، ثم استكمال أعماركم.

([43]) أي: والذي خلق الذين من قبلكم وآبائكم وأمهاتكم الذين هم أصولكم.

([44]) فائدة: فيما تتحقق به عبادة الله تعالى:

تتحقق عبادة الله تعالى بامتثال أوامره قدر المستطاع، واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده وكثرة ذكره، والتوبة إليه واستغفاره من التقصير في حقه رغبة ورهبة، وتلك هي التقوى التي تقي المكلفين العذاب وتهيئهم للثواب ومجاورة رب الأرباب في أكرم مثوى وأحسن مآب، قال تعالى: ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ الآية.

فالتقوى هي الحكمة من خلقكم وسعادتكم وبتركها تتحقق شقوتكم.

([45]) منبسطة مسهلة ذلولاً بساطاً مستقرة ممهدة تنامون عليها، وفيها سكن لأحيائكم، وكفاناً – أي: قبوراً – لأمواتكم.

([46]) أي: سقفاً مرفوعة.

([47]) السماء – هنا - السحاب، فما علاك فهو سماء، والمطر سماء عند العرب لنزوله من العلو كما قال الشاعر:

إذا نزل السماء بأرض قوم                       وعيناه وإن كانوا غضاباً

([48])  فأنبت به – أي: بالماء -.

([49]) أي، من النبات، كما قال تعالى: ﴿Ïä!$uK¡¡9$#uﷺ‬ ÏN#sŒ Æìô_§9$# - أي: المطر -ÇÊÊÈ ÇÚö‘F{$#uﷺ‬ ÏN#sŒ Æíô‰¢Á9$# ÇÊËÈ﴾، وهذا من آيات الله العظيمة.

وكثيراً ما يضرب الله تعالى مثالاً للوحي الذي ينزل من الله تعالى، فيثمر الخير في القلوب بالمطر الذي ينزل من السماء فينتفع به الطيب من الأرض وينفع الناس، وكثيراً ما يذكر هذا في القرآن ، فيمثل أثر العلم الذي أنزل على رسول الله ﷺ على القلوب بالغيث الذي ينزله على الأرض فينفع الناس، كقوله ﷺ: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم: كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً، فكان منها طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فشرب الناس وزرعوا، وكان منها قيعان لا تمسك ماءاً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله فعلِم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به...» الحديث.

وهذا الحديث يبين موقف الناس من هذا الوحي.

([50]) فائدة: لما أمر الله تعالى جميع الناس بعبادته – وهو أول أمر وأعظم أمر في القرآن – مبيناً برهان استحقاقه للعبادة وحده وهو انفراده بأفعال ربوبيته وإنعامه عليهم نهى عن الشرك به، فقال جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: لا تجعلوا لله تعالى من خلقه أنداداً، أي: أمثالاً مضادين تعطونهم بعضاً من حقه، وهذا لأن الشرك الذي هو التنديد أعظم الذنوب، كما قال ﷺ جواباً لمن سأله أي الذنب أعظم؟: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك»، فهذا الشرك الأكبر هو أول ما نهى الله عنه وأعظم ما حرم الله على عباده وأشد ما توعد الله عليه بألوان من الوعيد وضروب من العقوبات لشناعته وفظاعته لأنه تعدِ على الله تعالى في حقه.

والمعنى: لا تجعلوا لله شركاء من خلقه تصرفون لهم شيئاً من العبادة التي هي خالص حقه، فإن الله تعالى هو الإله الحق المتنزه عن الشريك والند والمثال وذلك لأن المعبودات من دونه إما صالحون وأنبياء وملائكة يعبدون الله ولا يرضون أن يجعلوا شركاء لله تعالى، أو طواغيت وفجرة، أو جمادات : وكل هؤلاء لا يملكون نفعاً أو ضراً لأنفسهم ولا لغيرهم، وقد حرم الله تعالى عليكم أن تشركوا به أحداً من خلقه كائناً من كان والحالة أنكم تعلمون أن الله تعالى لا ند له في عبادته كما لا شريك له في خلقه وملكه وتدبيره وأسمائه وصفاته وغير ذلك من خصائصه.

([51]) فائدة: بدأ الشيخ في تفصيل أنواع العبادة وأن منها: الاعتقادات والأعمال القلبية، والأقوال اللسانية، وأعمال الجوارح.

ويستنبط من أسلوب الشيخ – رحمه الله - ضابط للعبادة، وهو: أن العبادة كل قول أو فعل أو عمل قلبي أمر الله تعالى بإخلاصه له أو نهى عن قصد غيره به، أو أثنى على من فعله له، أو ذم وتوعد من توجه به إلى غيره، ومتى ما تقرر أن الشيء عبادة لله فصرفه أو شيء منه لغير الله شرك .

([52]) فائدة: الدعاء لغة: هو النداء والطلب، وشرعاً: سؤال العبد ربه – عن رغبة ورهبة – جلب ما ينفعه، ودفع ما يضره في العاجل والآجل أو هو سؤال الحاجة من أمر الدنيا والآخرة، والدعاء نوعان:

  الأول: دعاء ثناء وهو أن يثني العبد على الله تعالى بصفات كماله ونعوت عظمته وجلاله كأن يقول: لا إله إلا الله أكبر كبيراً، الحمد لله كثيراً، سبحان الله العظيم فيثنى على الله تعالى بهذه الكلمات ونحوها مثل يا رب العالمين يا أرحم الراحمين تعبداً لله تعالى أي طلباً لثوابه أو توسلاً إلى الله تعالى في التماس حاجته.

 الثاني: دعاء مسألة وهو طلب العبد الحاجات من الله تعالى وبهذا صار دعاء عبادة لأنه يتضمن الافتقار إلى الله تعالى، كأن يقول: ربي اغفر لي، وارحمني، وارزقني، وعافني، وهكذا واللجوء إليه واعتقاد أنه يقضي الحاجة لإحاطة سمعه وبصره وعظم غناه وسعة جوده وفضله وكمال قدرته.

 وقد ذكر الشيخ – رحمه الله - الدعاء (أولاً)، لأن أكثر الشرك الواقع من الناس فيه فهو أكثر وأعظم ما يقع من أنواع الشرك، ودعاء الله وحده هو أعظم وأهم أنواع العبادة، وهو من العبادات القلبية لتوجه القلب إلى الله تعالى وثقته به، ومن العبادات اللسانية لذكر الله تعالى والضراعة إليه بطلب الحاجة، فإن كانت الحاجة مما لا يقدر عليها إلا الله فطلبها من الله توحيد، لاعتقاد الطالب بأن الله هو الذي يتصرف ويعطي، وطلبها من غير الله شرك أكبر يجتمع فيه الشرك في الربوبية والشرك في العبادة، أما إن طلب من المخلوق شيئاً يقدر عليه فلا شيء في ذلك لكن يجب أن يتعلق القلب بالله تعالى ويعتقد أنه وحده هو الميسر لذلك الأمر وإنما المخلوق سبب ووسيلة، فإن التفت القلب إلى المخلوق بشيء من الاعتماد والثقة فقد أشرك شركاً أصغر.

([53]) فائدة: الخوف ذعر وانفعال يحصل بتوقع ما فيه هلاك أو ضرر أو أذى وقد نهى الله تعالى عن خوف أولياء الشيطان وأمر بخوفه وحده.

والخوف ثلاثة أنواع :

 الأول: خوف طبيعي جبلي: وهو الذي قام سببه – كخوف الإنسان من السبع أو النار أو الغرق أو العدو -، وهذا لا يلام عليه ما لم يحمل على ترك واجب أو فعل محرم - من غير إكراه  ملجئ -؛ فإن حمل على شيء من ذلك من غير إكراه كان من الشرك الأصغر.

 الثاني: خوف العبادة: وهو خوف مقرون بتعظيم وإجلال لله جل وعلا وهو الذي أمر الله به فلا يستحقه إلا الله تعالى.

  الثالث: خوف سر: كأن يخاف من ميت أو غائب حي لا سبب له، أو حي حاضر في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة لأنه سوى غير الله تعالى بالله فيما هو من خصائص الله إذ خاف من المخلوق خوفه من الله، فهو شرك في الربوبية وشرك في الإلهية والعبادة.

([54]) التوكل من الأعمال القلبية والعبادات الجليلة، وهو لغة: التفويض، وشرعاً: هو تفويض الأمر إلى الله تعالى اعتماداً عليه وثقة به وتسليماً لقضائه وقدره مع مباشرة ما شرعه الله وأباحه من الأسباب التي تنال بها المطالب وتدرأ بها الموانع. ومن توكل على الله كفاه، ومن توكل على المخلوقين أشرك وفاته كل مطلوبه أو بعضه. إذ لا يأتيه إلا ما كتب له، وقد أمر الله تعالى بالتوكل عليه وجعله شرط الإيمان، ووعد المتوكلين عليه بحسبه وكفايته، ونبه على حسن عاقبته عليهم في الدنيا وعظيم المثوبة لهم في الأخرى.

([55]) فائدة: المحبة ثلاثة أنواع:

  الأول: محبة الله تبارك وتعالى: محبة تعظيم وإجلال وهيبة هي أصل الإيمان فبكمالها يكمل وبنقصها ينقص، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾، وقال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.

الثاني: محبة في الله تعالى: وهي محبة ما يحبه الله تعالى من الأقوال والأعمال والأشخاص والأماكن والأزمان، وهي أثر عن محبة الله تعالى ومكملة ومقوية لها.

الثالث: المحبة مع الله: وهي المحبة الشركية التي أردت أهلها في الجحيم: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العَالَمِينَ﴾، فهم إنما سووا معبوداتهم بالله في المحبة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾، فهذا النوع من المحبة شرك أكبر مخرج من الملة ومخلد لصاحبه في النار.

الرابع: المحبة الطبيعية: كمحبة الشخص لوالديه وزوجه وأولاده ونحو ذلك مما يلائمه فهذه مباحة ما لم تحمل على ترك واجب أو فعل محرم، فإن حملت على ترك واجب أو فعل محرم من غير إكراه محقق أو غالب صارت شركاً أصغر ينقص كمال الإيمان الواجب ويعرض للوعيد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾.

وعلامة محبة الله ودليل كمالها كمال اتباع النبي ﷺ والمسارعة في الخيرات والحذر من السيئات والمبادرة بالتوبة من الخطيئات وثمرتها وفائدتها: حب الله تعالى لعبده ومغفرته له ورحمته إياه.    

من لوازم محبة الله تعالى:

1-   محبة أولياء الله تعالى وكل ما يحبه الله تعالى من ملائكته وكتبه ورسله وأنبيائه وعباده الصالحين وما يحبه الله من الاعتقادات والأقوال والأعمال والأشخاص والبقاع.

2-   وكراهة ما يكرهه سبحانه من الأشخاص والاعتقادات والأقوال والأعمال والبقاع ونحو ذلك.

من أسباب تثبيت محبة الله تعالى  وزيادتها:

1-   قراءة القرآن وتدبره وسؤال الله.

2-   التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض.

3-   دوام اللهج بذكره تعالى والثناء عليه بما هو أهله ودعائه.

4-   إيثار محابه تعالى على محاب خلقه.

5-   تدبر أسمائه وصفاته وأفعاله وسؤاله والثناء عليها بها.

6-   ذكر آلائه ونعمه وشكره والاعتراف بالعجز عن القيام بحقه.

7-   كثرة استغفاره تعالى والتوبة إليه في كل الأحوال مما يعلم من الذنوب ومما لم يعلم من التقصير في الحق الذي لله عليه.

8-   مجالسة الصالحين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.

9-   حضور مواطن الذكر وخلق العلم فإنها يزاد المرء بها علماً وهدى وحكمة وتقوى.

10-   ذكر كرمه وجوده سبحانه حيث يجزي المحسنين بالإحسان والمسيئين من عباده بالعفو والغفران ويعطي على العمل اليسير الأجر الكبير ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره ولا شيء أعطاه.

([56]) فائدة: الإنابة هي الرجوع إلى الله تعالى بالقيام بطاعته واجتناب معصيته، وهي قريبة من معنى التوبة، فكلاهما عبادات لله تعالى، ومن صفات المؤمن، لكن بينهما فروق، منها:

1-   التوبة تكون من المذنب، والإنابة من المطيع المستقيم.

2-   الإنابة أخص من التوبة لما تشعر به من الاعتماد على الله وكمال اللجوء إليه، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. 

([57]) فائدة: الاستغاثة: طلب الغوث، وهو الإنقاذ من الشدة، أي: طلب النجدة حال الشدة، وهي أقسام:

الأول: الاستغاثة بالله عز وجل: وهي أخص أنواع العبادة وأفضلها وأكملها، وهو دأب النبيين والمرسلين وعباد الله الصالحين، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، وذكر الله تعالى عن يونس عليه السلام قوله: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»، ومنه قول رسول الله ﷺ يوم بدر: «اللهم أنجز لي ما وعدتني..» الخ.

الثاني: الاستغاثة بالأموات أو بالأحياء: فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا شرك أكبر  مخرج من الملة لأن المستغيث بهؤلاء إنما يستغيث بهم لما يعتقده فيهم من التصرف الخفي في الكون فيجعل لهم حظاً من الربوبية، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ الآية.

الثالث: الاستغاثة بالأحياء: الحاضرين العالمين القادرين فيما يقدرون عليه وهذا جائز وقد يجب، قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾.  

([58]) فائدة: الذبح: هو إزهاق الروح ، والمراد به هنا: الذبح على وجه العبادة، بإراقة دم ما يؤكل لحمه – أي: ما تحله التذكية شرعاً –، ويقع على وجوه:

الأول: أن يكون بقصد التعظيم لله تعالى والتذلل له والتقرب إليه وعلى وفق ما شرعه سبحانه وهذا عبادة من أعظم العبادات وأجل القربات، ودليله قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وقولـه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ الآية،  وهو أنواع:

أ‌-      الهدي والأضحية والعقيقة وهو أفضل الذبح.

ب‌-      ما يذبح إكراماً لشخص أو جماعة كإكرام ضيف ووليمة عرس ونحو ذلك وهذه الأمور إما واجبة أو مستحبة لقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أو لم ولو بشاة».

ت‌-      أن يقصد بالذبح الأكل والاتجار باللحم فهذا إذا كان على وفق الشرع فهو مباح ومع النية الصالحة يكون عبادة عظيمة، ودليله قوله تعالى:       ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ الآية.

     الثاني: أن يذبح تعظيماً لغير الله، وهو نوعان:

أ‌-     أن يتقرب به لغير الله من جبت أو جنِ أو نحوهما لتحقيق مطلوب أو دفع مرهوب وهذا شرك أكبر ودليله قوله ﷺ: «لعن الله من ذبح لغير الله ...» الحديث.

ب‌-      ما يذبح عند طلعة الزعيم ونحو ذلك، فهذه من عقائر الجاهلية ونوع من الشرك الأصغر.

([59]) فائدة: النذر هو: إلزام الإنسان نفسه بشيء من الأعمال أو النفقات تقرباً إلى الله عز وجل.

وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالنذر في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، وأثنى على الموفين به بقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ الآية، فدل على أنه عبادة يحبها الله تعالى ويجب أن يخلص له ولا يشرك معه فيها أحد غيره.  

والنذر الذي هذا شأنه نوعان:

الأول: ما يلزم بالشروع فيه، ومنه هدي التمتع والقران فإنهما يجبان بالشروع فيهما، وكذلك الأضحية فإنها تجب بتملكها وتعيينها، وكذلك العقيقة وهي نذر مستحب.

الثاني: ما يلزم بالالتزام به كأن يقول لله عليه كذا وهذا هو النذر عند الإطلاق، وهو لا يشرع ابتداؤه وإنما يستخرج به من البخيل ولكن يجب الالتزام به إذا كان طاعة وفيما يملك ابن آدم، لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، ولقوله: «لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك».

فتبين مما سبق أن النذر عام فيدخل في كل عبادة لا خصوص النذر الذي يوجبه الإنسان على نفسه، وهو أنواع:

الأول: النذر الذي شرعه الله وأمر به: كالهدي، قال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، وكالضحايا، قال تعالى: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ الآية، وكذا العقيقة، لأنها تذبح على وجه التقرب إلى الله تعالى.

الثاني: نذر الطاعة: وهو الذي جنسه قد شرعه الله تعالى من صلاة أو صيام أو صدقة فإذا ألزم الإنسان نفسه بشيء منه لم يوجبه الله عليه فيجب عليه الوفاء به لأنه طاعة لله تعالى وهو وإن كان مرخصاً فيه إلا أن ابتداءه غير محبوب، لقوله ﷺ: «إنه لا يأت بخير، وإنما يستخرج به من البخيل»، ولما فيه من إلزام النفس بشيء هي في عافية منه، ولأن مبناه على مقصوده فكأن الناذر لما استبعد حصول مقصوده شارط الله تعالى على النذر فكأن فيه سوء الظن بالله عز وجل.

الثالث: نذر المعصية: كما لو نذر أن يشرب خمراً أو أن يقطع رحماً، فحكمه أنه لا يجوز الوفاء به، لقوله ﷺ: «ومن نذر أن يعصي لله فلا يعصه»، وفي وجوب كفارة اليمين عليه خلاف بين أهل العلم على قولين، والراجح أنه لا كفارة فيه لأنه على غير مراد الله ورسوله.

الرابع: النذر المباح: إذا نذر أمراً مباحاً، لكنه يشق عليه، كما لو نذر أن يمشي إلى مكة، أو لا يستظل أو أن يحمل والده على كتفه مسافة كذا فهو لا يوفي به ولكن يكفر عنه كفارة يمين، لأن الله لم يرد منه تعذيب نفسه.

الخامس: نذر اللجاج والغضب: وهو ما يلزم الإنسان به نفسه بسبب اللجاج والغضب، وهذا فيه كفارة يمين ولا يلزم الوفاء به.

([60]) المساجد تعم موضع السجود ، ومواطن العبادة ، وأفعال العبادة: فلا تسجد بمواضع سجودك في المساجد – بيوت العبادة – فاعلاً ذلك لغير الله تعالى فإن السجود لغير الله شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام.

([61]) من صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله تعالى فهو مشرك لأنه أشرك مع الله غيره في العبادة، وكافر لجحوده ما أوجب الله عليه من التوحيد، وهكذا الكافر كافر لجحوده ما أوجب الله عليه من التوحيد، ومشرك لأنه اتخذ إلهه هواه.

([62])  في الدنيا والآخرة.

([63])  فنص الله – سبحانه وتعالى- على كفر من يدعو مع الله إلهاً آخر، والحال أنه لا برهان له به، أي: لا حجة له عليه وكل مشرك لا برهان له على الشرك، قال تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾  الآية، ولذلك نفى الله تعالى عنه الفلاح لكونه لا حجة له على شركه بل الحجة لله تعالى عليه.

وقد أبطل الله تعالى إلهية الآلهة التي تعبد من دونه بعدة براهين. منها:

أ‌-      أن هذه الآلهة المعبودة مع الله تعالى أو من دونه لا تخلق ولا تملك شيئاً ولا تجلب لعابديها نفعاً ولا تدفع عنهم ضراً ولا تحقق لهم نصراً، قال تعالى:              ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ الآية.

ب‌-      أن هؤلاء المشركين مقرون بأن الله وحده هو الخالق الرازق الذي بيده ملك كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ولا ينجي من الكرب وعند الشدائد إلا هو وحده ولذلك يخلصون له الدعاء في الشدة، وهذا يستلزم أن يقروا له سبحانه بالإلهية ويخلصوا له في العبادة كما أفردوه بالربوبية والخلق والملك والتدبير.

([64]) فائدة: الصواب: أن الدعاء هو: العبادة، لدلالة الأدلة على ذلك، كقوله تعالى:  ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، ولقوله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»، أما الحديث الذي فيه: «الدعاء مخ العبادة» فهو حديث ضعيف، والشاهد من الحديث أن من دعا غير الله فقد جعل ذلك المدعو بمنزلة الله، وهذا شرك أكبر.

([65]) ومما يدل على أن الدعاء عبادة، قوله تعالى مخبراً عن إبراهيم عليه السلام أنه قال لأبيه وقومه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾، ثم قال سبحانه : ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾، فدل على أن الدعاء عبادة، وقد دل القرآن العظيم على أن دعاء غير الله شرك بالله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ãNà6ÏsŒ ª!$# öNä3š/u‘ çms9 ہù=ßJø9$# 4 tûïÏ%©!$#uﷺ‬ šcqããô‰s? `ÏB ¾ÏmÏRrߊ $tB šcqä3Î=÷Ktƒ `ÏB AŽÏJôÜÏ% ÇÊÌÈ bÎ) óOèdqããô‰s? Ÿw (#qãèyJó¡o„ ö/ä.uä!$tãߊ öqs9uﷺ‬ (#qãèÏÿxœ $tB (#qç/$yftGó™$# ö/ä3s9 ( tPöqtƒuﷺ‬ ÏpyuŠÉ)ø9$# tbrãàÿõ3tƒ öNä3Å2÷ŽÅ³Î0 4 Ÿwuﷺ‬ y7ã¥Îm;uZムã@÷WÏB 9ŽÎ7yz﴾.ã

([66])  أي: كافيه.              

([67]) فلما أثنى الله عليهم بهذه الصفات دل على أنها من عبادة الله، وأنه يجب أن يتوجه بها إلى الله وحده، والشيخ إنما ساق هذه النصوص لإثبات أن هذه الأعمال عبادات للأمر بها أو للترغيب فيها أو بذم من يتركها أو مدح من يفعلها، وإذا تقرر أنها عبادات فإن صرفها أو صرف شيء منها لغير الله شرك أكبر مخرج من الملة ومخلد لمن مات عليه في النار ويحرم عليه الجنة وقد وقع في ذلك خلق كثير من المنتسبين للإسلام.

([68]) فلما امتدح الله الأبرار بالوفاء بالنذر بعد إيجابه دل على أن النذر عبادة يجب إخلاصها لله تعالى، وهذا لا يعارض الحديث الآخر: «إنما يستخرج به من البخيل» فالجمع: هو أن النذر يجوز ومرخص فيه فإذا نذر الإنسان نذر طاعة وجب عليه الوفاء به واستحق الثناء والأجر على ذلك؛ مع أن عموم النذر يدخل فيه هدي التطوع والقران في الحج لمن تلبس بهما، وكذلك الأضحية لمن عينها، وفي ذلك قال الحق جل وعلا: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾، فلما أثنى الله عليهم بالوفاء بالنذر دل على أن النذر عبادة لله تعالى، فصرفه لغير الله شرك.

([69]) فائدة: هذا شروع من الشيخ في بيان الأصل الثاني: وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة، فإن من عرف دين الإسلام حقاً أحبه فاغتبط به، ودخل فيه إن لم يكن من أهله فاستقام عليه، لأن العلم بحقيقة الدين ويسيره ومحاسنه وبركته على أهله وحسن عاقبته وعظم المثوبة عليه دنيا وآخرة. من أسباب قبوله وانشراح الصدر به والاستقامة لله تعالى عليه.

([70]) أي: بالدليل، لأن العلم ما قام عليه الدليل، ولأنه لا يجوز العمل بما لا دليل عليه، وأنفع العلم ما نفع صاحبه في العاجلة والآجلة، وهو ما شرعه الله تعالى لعباده من العلم النافع والعمل الصالح المنير للبصائر المصلح للسرائر المجمل للظواهر. فلا تعبد الله إلا بما شرع مخلصاً له الدين، والله شرع لنا الإسلام ديناً، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾.

([71]) فائدة: ما ذكره الشيخ هنا هو معنى الإسلام العام وهو الاستسلام لله ظاهرً وباطناً، وهو التوحيد لله تعالى بالإرادة والقصد والقول والعمل ابتغاء مرضاته ومثوبته، وكل الرسل بعثوا بالإسلام يدعون الناس إلى الإسلام ويخاطب أحدهم أمته  قائلاً: «أنا من المسلمين»، لكن اختلفوا في الشرائع، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقال تعالى للنبي ﷺ: ﴿             ﴾، وفي الحديث: «نحن معشر الأنبياء أبناء علات ديننا واحد وأمهاتنا شتى»، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وكذلك قد اتفقت الشرائع على بعض الأشياء غير التوحيد، وهي المذكورة إجمالاً في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا...إلى قولـه تعالى: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾، ونحوها ما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالمِيزَانَ بِالقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

وكذلك ما تضمنت وصية لقمان لابنه في سورة لقمان، وهي مشتملة على: الأمر بالتوحيد، وبر الوالدين، والإحسان إلى مستحقه، وأداء الحقوق إلى أهلها، وصيانة الأنفس والأعراض والأموال، والأمر بمكارم الأخلاق، والنهي عن ضد هذه الأمور من: الشرك والعقوق والقطيعة والبغي والتعدي على الناس في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وسائر حرماتهم، والنهي عن التكبر عليهم...الخ، وأصل ذلك كله الأمر بإقامة الدين والنهي عن التفرق فيه، وقاعدته الإخلاص لله تعالى بما شرع، وعلى الوجه الذي شرع، وترك الشرك والأهواء والبدع.

([72]) فائدة: وهذا التوحيد، هو سبب العزة والكرامة في الدنيا والآخرة، وتحقيقه بأن تفرد الله تعالى في خصائصه: في ربوبيته وفي أفعاله وأسمائه وصفاته، وتفرده تعالى بأفعالك أنت من العبادة بجميع أنواعها عن ذل وتواضع، فتجمع بين كمال الحب وكمال الذل؛ فإن العبادة هي الذل والانقياد لله تعالى بامتثال الأمر – ما استطعت – وترك ما نهى الله تعالى عنه، والصبر على أحكام الله القدرية في غاية من الحب لله تعالى والتعظيم له، فتفعل ما أمرك الله بفعله على الوجه الذي أمرك به، وتترك ما نهاك عن فعله على والجهه الذي شرعه، والصبر على ما قدره، فلا تشرك بربك أحداً، وتتبرأ من أهل الشرك الذين لم يقدروا الله حق قدره لا في أسمائه وصفاته وأفعاله وأنواع كمالاته، ولا في شرعه وآياته؛ بل جعلوا له سبحانه عُدلاء من خلقه، وسووهم به وأعطوهم بعض خالص حقه، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.

([73]) يعني: أن دين الإسلام ثلاث مراتب، كل مرتبة أوسع من التي بعدها، والتي بعدها أكمل منها وأعلا شأناً وفضلاً، وهي: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وسيفصل الشيخ – رحمه الله تعالى – بيانها لاحقاً.

([74]) وفسره النبي ﷺ بالأركان الخمسة، وهي الأقوال والأعمال الظاهرة الدالة عليه، وهو الاستسلام لله بالتوحيد - أي: الذل لله تعالى -، والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، فإذا حصلت هذه الثلاث صار مسلماً محكوماً بإسلامه ظاهراً، معصوم الدم والمال، فلا يحل دمه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، فالقتل العمد والزنى مما يوجبا القتل: قصاصاً، أو حدّاً – مع بقاء الإسلام –، والردة توجب القتل ردة. فالاستسلام لله تعالى والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله علامات ظاهرة عملية تدل على استسلامه ظاهراً، وتوكل سريرته إلى الله تعالى لكن الثبات عليها وعدم التلون فيها يدل على صدقه في الاستسلام لله تعالى باطناً.

([75]) فعلى المسلم أن يأتي بأركان الإسلام الخمسة بشروطها فإن ترك شيئاً منها قوتل لا لقتله ولكن لإلزامه بما ترك، وإن فعل ذلك ترك إلا أن يأتي بشيء يوجب القتل، كقتل النفس التي حرم الله ونحو ذلك.

([76]) فائدة: ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله: الاعتقاد والإقرار والإخبار بأنه لا معبود بحق إلا الله، والالتزام بعبادة الله وترك عبادة ما سواه، ففي تلك الشهادة وتحقيق مقتضاها فعلاً البراءة من الشرك والكفر والبدعة في أصل الشرع.

وكذا شهادة أن محمداً رسول الله معناها: الإقرار والإخبار عن الاعتقاد بأنه رسوله الله، وأنه عبد لا يُعبد ورسول لا يُكذب، بل الواجب أن يصدق ويطاع ويتبع، فالشهادة للنبي ﷺ بالعبودية براءة من الغلو فيه ﷺ؛ كغلو النصارى في المسيح عيسى بن مريم، والشهادة للنبي ﷺ بالرسالة براءة من التكذيب له والجفاء بحقه، وبراءة من البدعة في الدين في أصل الشرع وفي الكيفية، وهو مسلك اليهود مع عيسى ابن مريم ومحمد عليهما أفضل الصلاة والسلام.

([77]) فائدة: الصلاة عبادة بدنية، وهي أعظم براهين التوحيد الفعلية الظاهرة، بل هي من التوحيد لله ظاهراً، ولا تقبل إلا إذا توافق ظاهرها مع باطنها، لذا كانت قرينة الشهادتين.

([78]) فائدة: في وجه الاقتصار على الشهادتين والصلاة والزكاة في إثبات الإسلام والإيمان:

الزكاة قرينة الصلاة في الكتاب والسنة في الذكر والمنزلة وهي عبادة مالية، وهذه الأركان الثلاثة - أعني: الشهادتين، والصلاة، والزكاة - كثيراً ما تذكر في النصوص جميعاً؛ لأن الشهادتين اعتقاد القلب وعمله وقول اللسان، والصلاة الشاهد الفعلي على التوحيد وبرهانه في الظاهر البدني، والزكاة عبادة مالية فهي برهان التوحيد المالي.

فإذا أتى بهذه الأركان الثلاثة فإن بقية شرائع الإسلام من جنسها وأقل وجوباً منها، فمن أتى بها على – الوجه المشروع – كان حرياً بأن يأتي بما هو من جنسها وأيسر منها لزوماً وكيفية.

ومن بذل ماله لله تعالى وفعل ما يشق على بدنه من أجله كان حرياً أن يجود بنفسه من أجل ربه، كيف لا والله تعالى قد اشترى هذه الأشياء منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الآية .

([79]) فائدة: الحج جهاد بدني ومالي، فالبدني من جنس الصلاة، والمالي من جنس الزكاة، وكل فرائض الإسلام من صلاة وزكاة ونحوها لا تقبل إلا إذا بنيت على الإخلاص لله تعالى في القصد والنية والمتابعة للنبي ﷺ في الأداء والكيفية، فالعبادات التي تعبد الله بها المكلفين أنواع:

الأول: ما هو بدني محض كالصلاة.

الثاني: ما هو مالي محض كالزكاة.

الثالث: ما هو ترك للمألوفات والمحبوبات كالصوم.

الرابع: ما هو مالي وبدني وترك المحبوب كالحج والجهاد في سبيل الله.

وهذا من ابتلاء الله تعالى للعباد؛ حتى يظهر حبهم لله تعالى وانقيادهم له وصبرهم على المكاره في أنواع العبادات ومختلف الأوقات والأحوال ابتغاء مرضاة الله عز وجل وهرباً من سخطه وألوان عقوباته.

([80]) فائدة: شهادة أن لا إله إلا الله أكبر شهادة، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ، وإنما كانت أكبر شهادة لأنها شهادة بأعظم حق من أعظم شاهد وهو الله تعالى، على أعظم مشهود به وهو التوحيد.

([81]) فائدة: معنى شهادة أن لا إله إلا الله: الإخبار القاطع عن الاعتقاد الجازم في قلب الشاهد بها أنه لا إله – أي: لا معبود بحق - إلا الله، وإخلاصه الدين لله، والبراءة من الشرك وأهله، فمعناها: أي: لا رب معبود مستحق للعبادة إلا الله تعالى وحده لا شريك له، فكل مؤله معبود من دونه فإلهيته باطلة وعبادته باطلة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾.

([82])  فهي بمعنى: (لا إله).

([83])  فهي بمعنى: (إلا الله).

([84]) ما ذكره الشيخ – رحمه الله – هنا ليس هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله، وإنما هو لازمها، إذ أن معنى شهادة أن محمداً رسول الله: الإخبار القاطع عن اعتقاد الشاهد بها  بقلبه أن محمداً ﷺ مرسل من عند الله بالحق، وأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فقد بلغ وبين كل ما أوحاه الله إليه، وأنه عبد الله ورسوله. وتحقيق ذلك: أن يطيع النبي ﷺ فيما أمر، ويصدقه فيما أخبر، ويجتنب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، و إلا لم ينفعه ذلك الاعتقاد إذا لم يأت بهذا اللازم. وقوله سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وهو ﷺ لا يأمر إلا بما بمصلحته كاملة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته كاملة أو راجحة وكل أمره أو نهيه تبليغ عن ربه لا من عند نفسه.

([85]) لقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.

([86]) لأنه رسول والرسول لا يكذب، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ﴾.

([87]) أي: ما توعد على فعله تبليغاً عن ربه؛ ولأنه لا ينهى عن شيء ويزجر إلا إذا كان مضرّاً ومفسدته كاملة أو راجحة.

([88]) لأنه هو المبين لشرع الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فلا تعبد الله إلا على الكيفية المأثورة عن الرسول ﷺ. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

([89]) ساق الشيخ – رحمه الله – أدلة أركان الإسلام، وفيها: أنها واجب عيني على العبد بشروطها، وأنها قواعد الإسلام الأساسية وأركانه العملية، وهي التي تفرق بين المسلم وغيره، فلا إسلام بدون هذه الأركان.

([90]) فائدة: في تعريف الإيمان لغةً وشرعاً وأدلةً:

              أ‌-     الإيمان لغة: التصديق.

           ب‌-  والإيمان شرعاً: هو التصديق المستلزم لقبول الأخبار، والإذعان للأحكام، وقد دلت نصوص الشرع على أنه قول اللسان والقلب وعمله وعمل الجوارح، فأصله: التصديق بما جاء في الكتاب والسنة تصديقاً يستلزم القول والعمل، فهو اعتقاد وعمل باطني تنبني عليه الأقوال والأفعال الظاهرة، وهو – عند أهل السنة والجماعة –: (قول باللسان واعتقاد بالجنان – أي: القلب – وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان). فيزيد حتى يتم ويكمل، وينقص بنواقصه حتى يتلاشى ويضعف، ويذهب جملةً ويبطل بارتكاب ناقض من نواقضه، قلتُ:

أ- فمن أسباب زيادته: زيادة العلم وزيادة العمل. وتلاوة القرآن وصحبة الأخيار، وتذكر النعم والتفكر في خلق المخلوقات وأهوال يوم القيامة.

ب- ولنقصانه أسباب، منها: الإعراض عن التعلم والذكر والجرأة على المعاصي، والتسويف بالتوبة، ومخالطة الفساق وترك الواجبات وعدم توقي الشبهات.

ج- ومن نواقضه ومبطلاته: جحد معلوم من الدين بالضرورة، والاستهزاء بالله ورسوله وآياته، ودعاء غير الله، والتحاكم إلى غير شرع الله تسوية له بالشرع أو تفضيلاً له عليه أو اعتقاداً أنه يسوغ التحاكم إليه.

فهذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة.

ومن الأدلة على أن الإيمان قول واعتقاد وعمل وأنه يزيد وينقص ما يلي:

أ-  الدليل على أنه قول: قوله تعالى:  ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ، وقوله ﷺ: «قل آمنت بالله ثم استقم ».

ب-  الدليل على أنه اعتقاد: قوله تعالى: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ الآية.

ج- والدليل على أنه اعتقاد وعمل: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَالمَلَائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾ الآية، وقوله لوفد عبد القيس: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا الله ورسوله أعلم، – قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس» متفق عليه.

د- ومن أدلة زيادته: قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ الآية، وقوله في صفة المؤمنين: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الآية.

هـ- ومن الأدلة على نقصه: قوله ﷺ للنساء: «ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن». وقوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...» الخ الحديث. أي: وهو كامل الإيمان بل ناقص الإيمان فالمنفي هنا كمال الإيمان  لا أصله.

وأركان الإيمان ستة: دل عليها قوله تعالى: ﴿* }§øŠ©9 §ŽÉ9ø9$# bﷺ‬& (#q—9uqè? öNä3ydqã_ãﷺ‬ Ÿ@t6Ï% É-Ύô³yJø9$# É>̍øóyJø9$#uﷺ‬ £`Ås9uﷺ‬ §ŽÉ9ø9$# ô`tB z`tB#uä «!$$Î/ ÏQöqu‹ø9$#uﷺ‬ ̍ÅzFy$# Ïpx6Í´¯»n=yJø9$#uﷺ‬ É=»tGÅ3ø9$#uﷺ‬ z`¿Íh‹Î;¨Z9$#uﷺ‬﴾ الآية، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.

ومن السنة أحاديث كثيرة منها: حديث جبرائيل – عليه السلام - عندما سأل الرسول ﷺ عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره». فالإيمان أن تقول: آمنت جازماً بذلك عاملاً بمقتضى ذلك. والإيمان أخص من الإسلام، لأنه عبادة قلبية. وهو أفضل من الإسلام لأن الإسلام يكون من البر والفاجر، والإيمان لا يكون إلا من الأبرار.

([91])  فائدة: في  بيان الركن الأول من أركان الإيمان:

 الإيمان بالله تعالى: هو الاعتقاد الجازم  والتصديق التام بأمور هي:

              أ‌-     وجود الله سبحانه وتوحيده: أي: اعتقاد تفرده تعالى في أفعاله كالخلق والملك والتدبير مطلقاً، لقوله تعالى:  ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾.

           ب‌-  إفراده سبحانه بما ثبت له من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحسنة الدالة على كماله المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، والتنزه عن صفات النقص والعيب ومماثلة الخلق فيما هو من خصائصهم، لقوله تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ *  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *  وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وفي الحديث الصحيح قال أحد الصحابة في هذه السورة :هي صفة ربي فأنا أحبها فأقره النبي ﷺ على ذلك، وقال: «حبك إياها أدخلك الجنة»، وقال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الآية، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾،  فتضمنت تلك النصوص إثبات الأسماء والصفات لله تعالى، ونفي النقائص ومماثلة المخلوقات عنه سبحانه.

           ت‌-  واعتقاد أنه تعالى هو الإله الحق المعبود بحق الذي لا إله غيره ولا يستحق العبادة أحد سواه، قال تعالى: ﴿َإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ الآية. وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ الآية.

           ث‌-  وإخلاص العبادة له بقصد التقرب إليه تعالى بكل ما شرع وعلى الوجه الذي شرع، والبراءة من الشرك والبدع، وذلك بالبراءة من كل معبود من دونه، وكل عبادة وعابد لغير الله، فإن المنفرد بالخلق والملك والتدبير وغيرهما من أفعال الربوبية، والذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وبكل الاعتبارات في الذات والأسماء والصفات هو الإله الحق المستحق للعبادة من خلقه، وعلى هذا اتفقت جميع الكتب الإلهية والرسالات السماوية فإنها جاءت مقررة للمكلفين بتفرد الله تعالى بالربوبية والأسماء الحسنى وصفات الكمال منزهة له سبحانه عن السمي والمثال مطالبة إياهم أن يقصدوه ويطلبوه بخالص النيات والدعوات وصالح الأقوال والأعمال في سائر الأحوال لينالوا ثوابه ويتقوا عذابه في الدارين.

وهذا الأصل هو أصل الأصول وأساس الملة وقاعدة الشريعة وشرط قبول العمل، فلا بد من معرفته وفهمه وتحقيقه بالقصد والقول والعمل والحذر مما يناقضه وينقصه ولزوم الاستغفار من ذلك والتوبة إلى الله عز وجل.

([92]) فائدة: الركن الثاني: الإيمان بالملائكة – عليهم السلام –، ويتحقق بأمور:

              أ‌-  الإيمان بوجودهم ومادة خلقتهم وحكمة خلقهم:

وذلك بالإيمان بأن لله تعالى ملائكة كراماً لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، خلقهم الله من نور، وأوجدهم تبارك وتعالى لعبادته، وجبلهم على طاعته، ونزههم عن معصيته، وهم – عليهم السلام – محققون للحكمة من خلقهم، فهم يعبدون الله تعالى غاية العبادة ويطيعونه أكمل طاعة مشتغلون بتسبيحه وذكره ودعائه وتنفيذ أمره في ملكوته وخلقه فهم رسله في تدبير ملكه والسفراء بينه وبين رسله من البشر، قال تعالى: ﴿جَاعِلِ المَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآية، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ الآية، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾.

           ب‌-     الإيمان بما جاءت به نصوص الكتاب والسنة من أصنافهم ووظائفهم:

فقد تواترت النصوص من الكتاب والسنة في بيان طوائف الملائكة – عليهم السلام –، وذكر الوظائف التي يقومون بها لله عز وجل وأنها كثيرة:

1-      فمنهم: الموكلون بحمل العرش وعددهم ثمانية ملائكة.

2-      ومنهم: ملائكة الوحي ورئيسهم جبرائيل.

3-      ومنهم: خزنة الجنة، ورئيسهم رضوان.

4-      ومنهم: ملائكة الأرواح ورئيسهم إسرافيل.

5-      ومنهم: ملائكة الأرزاق ورئيسهم ميكائيل.

6-      ومنهم: خزنة النار ورئيسهم مالك.

7-      ومنهم: الملائكة المعقبات المكلفون بحراسة الإنسان؛ فكل شخص موكل به أربعة من الملائكة ملكان يحرسانه بالليل وملكان يحرسانه بالنهار، ويجتمع الأربعة في صلاة الفجر وصلاة العصر.

8-      ومنهم: الحفظة الكتبة الذين يكتبون الحسنات والسيئات، فكل إنسان معه اثنان واحد عن يمينه يكتب الحسنات والآخر عن شماله يكتب السيئات.

9-      ومنهم: السياحون الذين يحضرون حلق الذكر ومجالس العلم ويحفون قراء القرآن.

10- ومنهم: ملائكة مكلفون بالأرواح الذين ينفخون الأرواح في الأجساد ويقبضونها عند الموت، أرواح المؤمنين تقبضها ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب تقبض أرواح الكافرين.

11- ومنهم: المنكر والنكير اللذان يسألان الميت في قبره.

وهم طوائف كثيرة ولهم وظائف كبيرة، وسادتهم ثلاثة : جبريل، وإسرافيل، وميكائيل، فهم أشرفهم ورؤسائهم.

           ت‌-     خلاصة مذهب أهل الحق في الملائكة:

فمذهب أهل السنة والجماعة في الملائكة ما يلي:

1-     الإيمان بالملائكة، من ذكر الله تعالى من أسمائهم وطوائفهم تفصيلاً.

2-     الإيمان بمن لم يسمهم الله ولم يذكرهم إجمالاً.

3-     الإيمان فيما دلت النصوص على أنهم يحضرون المسلم عنده.

4-     محبتهم واحترامهم والأدب معهم والأنس بهم وحسن التأسي بهم في دوام العبادة لله تعالى والاشتغال بذكره ودعائه.

5-     الاعتقاد أنهم ليس لهم من خصائص الإلهية شيء.

6-     تنزيههم وتبرئتهم مما زعمه الكفار فيهم من: أنهم إناث، وأنهم بنات الله، تعالى وتقدس عن ذلك علواً كبيراً، أو أنهم يشفعون عند الله تعالى بغير إذنه، أو يشفعون لأحد ممن أشرك به.

فيؤمن أهل السنة بوجودهم وصفتهم وما ذكره الله تعالى ورسوله ﷺ واتفق عليه السلف الصالح من طوائفهم ووظائفهم وعلاقتهم بالمكلفين، وأنهم قائمون بأعمالهم خير قيام.

وهكذا فيتحقق الإيمان بالملائكة:

1.    الإيمان بمكانتهم عند الله تعالى.

2.    الإيمان بمهامهم ووظائفهم التي دلت النصوص على تكاليفهم بها.

3.    الإيمان بأمانتهم وقوتهم في أداء ما كلفوا به وأنهم يؤدونه على وجه الكمال.

4.    الحذر من الغلو فيهم وإعطائهم شيئاً من خصائص أو حق الإلهية.

5.    تبرئتهم مما نسبه إليهم أهل الجاهلية من أنهم بنات الله تعالى – أو أنهم يشفعون عنده بغير إذنه أو يشفعون لمن أشرك به.

6.         الإيمان بصلتهم بك منذ نفخك الله روحاً في بطن أمك حتى وكل ملكان شهداء عليك، وآخران متعاقبان، ليحفظانك من أمر الله من الفجر إلى العصر، وآخران مثليهما من العصر إلى الفجر.

([93]) فائدة: الركن الثالث: الإيمان بكتب الله المنزلة:

 وهو الاعتقاد – الجازم والتصديق التام – بما يلي:  

1-  أن لله تعالى كتباً أنزلها على رسله هداية لخلقه متضمنة قواعد شريعته ومهمات أحكامه.

2-  وتفصيلاً بما سمى الله تعالى منها كصحف إبراهيم، وصحف موسى وهي التوراة، والزبور الذي أنزل على داود، والإنجيل الذي أنزله على عيسى، وختمها سبحانه بالقرآن الذي جعله الله تعالى مصداقاً لما فيها من الحق وحاكماً مهيمناً عليها ومشتملاً على أحسن ما فيها وناسخاً لما لا تحتاج إليه هذه الأمة من أحكامها مغنياً عنها أبد الدهر. 

3-  وأنه لا يعلم عدد هذه الكتب إلا الله.

4-  واعتقاد أنها كلها كلام الله حقيقة تكلم بها كما شاء وعلى الوجه الذي أراد.

5-  وأنها حق وصدق وأن ما تضمنته حق ونور وهدى لمن أنزلت إليه من الأمم مشتملة على الشرائع التي تعبد الله بها كل أمة فواجب على الأمة التي خوطبت بها الانقياد لها والحكم بما فيها والحذر من مخالفتها.

6-  وأن نسخ الكتب الأولى بعضها ببعض حق كما نسخت بعض الشرائع التي في التوراة بالإنجيل.

7-  وأن القرآن:

                    أ‌-  نسخ جميع الكتب السماوية.

                 ب‌-     وأغنى عنها فأنه اشتمل على خير ما فيها وأحسن منها.

                 ت‌-     أنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.

                 ث‌-     وأنه كله حق وصدق محفوظ بحفظ الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

ويعتقدون أنه كله حق وصدق ونور وهدى وموعظة وذكرى وشفاءً وضياءً، فيجب العمل به وتصديقه، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده، والعمل بمحكمه، والإيمان والتسليم لمتشابهه، والاعتبار بقصصه ومواعظه، والذب عنه، والنصح له ظاهراً وباطناً، وتلاوته آناء الله وآناء النهار تقرباً به إلى الله تعالى به والتماساً لبركته وهداه، وأنه لا يجوز ابتغاء الهدى من غيره لا الكتب المنزلة السابقة ولا التنظيمات والتشريعات المخترعة المخالفة له.

([94]) فائدة: الركن الرابع: الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام:

وهو الإيمان الجازم والتصديق التام بأن الله تعالى قد بعث أنبياءاً ورسلاً من الناس، أرسلهم الله تعالى لدعوة الناس إلى عبادته وحده لا شريك له والنهي عن الشرك به الذي هو عبادة الطاغوت، بعثهم الله تعالى مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأمرهم الله بالبلاغ وكلفهم بالبيان والنصيحة وجعلهم شهداء على الأمم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتََ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، رحمة من الله تعالى بعباده وإحساناً إليهم.

وأول الأنبياء والرسل أدم – عليه السلام –؛ فإنه صاحب شريعة بعثه الله إلى ذريته فهو أول نبي مرسل بطريقة خاصة بأهله وذريته، وأول الرسل بعد ظهور الشرك نوح – عليه السلام –، وآخر الأنبياء والمرسلين وخاتمهم محمد ﷺ وبينهم  من الأنبياء والرسل من لا يحصيهم إلا الله تعالى.

ذكر سبحانه منهم في القرآن خمسة وعشرين نبياً ورسولاً منهم إبراهيم وموسى وعيسى ونوح ونبينا محمد ﷺ، وهم أولو العزم من الرسل، مذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.

والإيمان بالرسل يتحقق بأمور:

         ج‌-      الإيمان بهم تفصيلاً بمن سمى الله منهم وقص من نبأه – وفيما ذكر لنا من نبأهم وقصصهم ما فيه كفاية وعبرة –، وإجمالاً فيمن لم يسم ولم يقص عنه شيئاً.

         ح‌-      واعتقاد صدقهم وتصديقهم وأنهم بلغو جميع ما أرسلوا به إلى أممهم على الوجه الذي أمرهم الله به وأنهم بينوه بياناً واضحاً لا يسع أحد ممن أرسلوا إليه جهله ولا يحل تركه ولا مخالفته.

         خ‌-      وأن الله تعالى أيدهم بالآيات البينات والمعجزات الواضحات الدالة على صدقهم حتى قامت بهم الحجة على الأمم ولم يكن لها عذر في تكذيبهم والإعراض عنهم وعما جاؤا به كل واجب على كل أمة واتباع نبيها الذي أرسل إليها.

          د‌-        اعتقاد أنهم خير الأمم علماً وعملاً وأبرها قلوباً وأزكاها نفوساً وأكرمها أخلاقاً وأشرفها أنساباً وأعراقاً،وأن الله تعالى اختارهم لرسالته على علم.

          ذ‌-        وخصهم الله بفضائل وفضّل بعضهم على بعض وبرأهم من كل خلق رذيل.

          ر‌-       منهم معصومون من الكذب والخيانة والكتمان ومعصومون من الخطأ فيما يبلغونه من أمور الدين مطلقاً وما يرشدون إليه من أمر الدنيا جازمين ومن كبائر الذنوب وأما صغائرها فقد تقع منهم لكن لا يقرون عليها بل ينبهون بشأنها ويوقون لتوبة منها ومن الأمراض والأدواء المشوهة المنفرة للناس عنهم.

          ز‌-       محبتهم واحترامهم وتعظيمهم ويعزرونهم ويوقرونهم ولا يغلون فيهم بل يعتقدون أنهم سادات عباد الله تعالى أكرمهم الله بالرسالة ووصفهم بالعبودية في أعلى مقاماتهم وليس لهم من خصائص الربوبية والإلهية شيء.

       س‌-     أن دعوتهم من أولهم إلى أخرهم دعوة واحدة فكلهم دعوا إلى الإسلام وهو عبادة الله تعالى والذل له وترك مخالفته الشرك به ومخالفته كما اتفقوا على أصول الشرائع وكليات الأحكام وأمهات الأخلاق.

       ش‌-     وهم من الإنس رجال، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فنؤمن بأنهم المبلغون عن الله المبينون للكتب المنزلة. وأولهم – قيل آدم، ثم نبئ شيس، ثم إدريس، ثم أرسل نوح، ثم إبراهيم، ثم عيسى، ثم محمد، وبينهم ما شاء من الرسل، قال تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.

* الإيمان المجمل بالرسل: الإيمان ببشريتهم وأنهم مخلوقون ليس لهم من خصائص الربوبية والإلهية، والتصديق الجازم ببعثهم إلى الأمم. وأنهم كلهم هداة مهتدون على الحق المبين. وأنهم جاءوا بالحق من عند ربهم. وباتفاقهم على أصل الدين واختلافهم في الشرائع. وبأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به تبليغاً قامت به الحجة على الأمم. وأنهم منصورون مؤيدون من اله تعالى بالوحي وبالآيات وأن العاقبة لهم وأتباعهم. ويجب انعقاد تفاضلهم.

      ص‌-    وأن الله تعالى ختمهم بسيدهم وإمامهم محمد ﷺ فبعثته برسالة عامة للجن والإنس وخالدة لا تنسخ ولا تبدل فلا نبي بعده فمن ادعى النبوة أو صدقه فقد كفر ومن كذب رسلاً فقد كذب جميع المرسلين وكفر برب العالمين إلى أخر الدهر وكان من قبله يبعثون إلى قومه خاصة وبعث ﷺ إلى الجن والإنس كافة.

           ض‌-         اعتقاد أن الله تعالى كما فضلهم على عامة الناس فقد فضل بعضهم على بعض فاتخذ الله إبراهيم خليلاً وكلم موسى تكليماً وخط له التوراة بيده وأتى عيسى بن مريم البينات وأيده بروح القدس، ورفع إدريس مكاناً عليا، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، وكذلك اتخذ الله محمداً خليلاً وهو أكمل من إبراهيم في الخلة وعرج به إلى السماء ليلة الإسراء والمعراج فأدناه الله تعالى إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام بالمقادير وكلمه الله كفاحاً وخصه بفضائل لا يلحقه فيها أحد إذ لم تعطى لأحد قبله.

([95]) فائدة: الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر:

وهو يوم البعث والحشر والحساب والجزاء فيجب الاعتقاد الجازم والتصديق التام بصدق ما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة، وأجمع سلف الأمة على ما يكون من شأن اليوم الآخر وما يجري فيه من الأهوال والأحوال وما يكون في العرصات إلى أن يستقر أهل كل دار في دارهم أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار على نحو ما جاءت به النصوص فيجب الإيمان بكل ما اشتمل عليه اليوم الآخر من: 

أ‌-   البعث:

وهو إحياء الموتى بإعادة الأبدان ونفخ الأرواح فيها وقيامها لرب العالمين للحكم بينهم وفصل القضاء فيما اختلفوا فيه، وأخذ الحقوق لأهلها وتقرير الناس كل عامل بما عمل، وبيان صدق ما أخبرت به الرسل من أمر الآخرة وتصديق أهل العلم والإيمان وصدق شهادتهم بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *  لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ *  إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقال سبحانه: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ البَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال ﷺ: «لتأدون الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»، فبعث الناس وقيامهم لرب العالمين: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾، كل ذلك حق ثابت يجب الإيمان به وإنكاره كفر وضلال مبين.

ب‌-      الحشر:

وهو جمع الناس في موقف القيامة قال تعالى : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ وصح عن النبي ﷺ قوله: «أيها الناس إنكم محشرون إلى ربكم حفاة عراة»، أي: غير مختونين.

ج- العرض والحساب:

وهو توقيف الله العباد على أعمالهم– قبل الانصراف من المحشر- خيراً كانت أو شراً.

* فيعرض المؤمنون على ربهم تبارك وتعالى فيكررهم بأعمالهم ويستر عنهم ذنوبهم قال ﷺ: «إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب فقد هلك...» الحديث.

* وأما الكفار فيناقشون بأعمالهم صغيرها وكبيرها قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، قال تعالى:  ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.

* فيحاسب الله الخلائق ويخلوا بعبده المؤمن يقرره بذنوبه، وفي الحديث: «لا تزول قدما عبد حتى يسأل...» الحديث، فالمؤمنون توزن حسناتهم وسيئاتهم ويقررون بثوابها ليظهر الفضل والعدل، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن لهم حسنات أصلاً، ولكن يقررون بأعمالهم فتعد عليهم وتحصى ويوقفون عليها ويقررون بها فيعترفون بها.

د – صحف الأعمال:

ثم تخرج للجميع كتب أعمالهم فتتطاير إلى أيدهم فآخذ كتابه بيمنه، وآخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، قال تعالى: ﴿$¨Bﷺ‬'sù ô`tB š†ÎAﷺ‬é& ¼çmt7»tGÏ. ¾ÏmÏÏJu‹Î/ ÇÐÈ t$öq|¡sù Ü=y™$ptä† $\/$|¡Ïm #ZŽÅ¡o„ ÇÑÈ Ü=Î=s)Ztƒuﷺ‬ #’n<Î) ¾Ï&Î#÷dﷺ‬& #Y‘ﷺ‬çŽô£tB ÇÒÈ $¨Bﷺ‬&uﷺ‬ ô`tB u’ÎAﷺ‬é& ¼çmt7»tGÏ. uä!#u‘uﷺ‬ ¾Ín̍ôgsß ÇÊÉÈ t$öq|¡sù (#qããô‰tƒ #Y‘qç6èO ÇÊÊÈ 4’n?óÁtƒuﷺ‬ #·ŽÏèy™﴾ الآيات.

هـ - الموازين والوزن:

ثم ينصرف الناس إلى العرصة التي فيها الموازين، وهي موازين حقيقية (ميزان حقيقي له كفتان) لإظهار العدل والفضل، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ الآية، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ الآية،  فتوزن:

1-  الأعمال لحديث: «سبحان الله والحمد لله تملآن الميزان».

2-  صحف الأعمال: «لحديث البطاقة».

3-  العمال لقول النبي ﷺ: للصحابة رضي الله عنهم بشأن ابن مسعود رضي الله عنه: «تعجبون من دقة ساقيه لهما في الميزان أثقل من جبل أحد» وحديث: «يؤتى بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة».

 فيجب الإيمان بما جاءت به النصوص من مقدمات اليوم الآخر وما فيه من العرصات والأهوال والأحوال والجزاء، وتؤمن بأنه يوم الجزاء على الأعمال، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى﴾، وليبين الله صدق رسله قال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾.

([96]) الركن السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره:

          أ‌-         تعريف القدر:

القدر لغةً: هو الإحاطة بمقادير الأمور. وشرعاً: هو سبق علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها على ما هي عليه، ثم كتابته تعالى لذلك ومشيئته لما كان أن يكون، ولما لا يكون أن لا يكون، وخلقه لكل مخلوق.

       ب‌-      حقيقة الإيمان بالقدر:

الإيمان بالقدر هو الاعتقاد الجازم واليقين التام بأنه ما من شيء إلا وقد علمه الله وكتبه في الكتاب السابق وشاء وجود الموجودات وخلقها على وفق ما سبق به علمه وجرى به قلمه واقتضته حكمته من ترتيب المسببات على أسبابها، والممتنعات لوجود موانعها فيتحقق الإيمان بالقدر بالإيمان بدرجاته الأربع، وهي:

1-   الإيمان بعلم الله السابق بما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ويدخل في ذلك أفعاله تعالى وأفعال عباده قال تعالى: ﴿¨bÎ) ©!$# Èe@ä3Î/ >äóÓx« 7Î=tæ ÇÐÎÈ﴾.

2-   كتابة الله تعالى لكل ذلك العلم في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿‘@ä.uﷺ‬ &äóÓx« çnqè=yèsù ’Îû ̍ç/–“9$# ÇÎËÈ ‘@ä.uﷺ‬ 9ŽÉó|¹ 9ŽÎ6x.uﷺ‬ ísÜtGó¡•B ÇÎÌÈ﴾، وقال سبحانه: ﴿óOs9ﷺ‬& öNn=÷ès? žcﷺ‬& ©!$# ãNn=÷ètƒ $tB ’Îû Ïä!$yJ¡¡9$# ÇÚö‘F{$#uﷺ‬ 3 ¨bÎ) šÏsŒ ’Îû A=»tFÏ. 4 ¨bÎ) y7ÏsŒ ’n?tã «!$# ׎Å¡o„ ÇÐÉÈ﴾، وقال ﷺ مخبراً عن ربه تبارك وتعالى: «وكتب في الذكر كل شيء...» الحديث.

3-   مشيئة الله تعالى النافذة وإرادته الشاملة، قال تعالى: ﴿öqs9uﷺ‬ $oYø¤Ï© $oY÷s?ﷻ‬y ¨@ä. C§øÿtR $yg1y‰èd﴾، وقال تعالى: ﴿öqs9uﷺ‬ uä!$x© ª!$# $tB (#qè=tGtGø%$# £`Ås9uﷺ‬ ©!$# ã@yèøÿtƒ $tB ߉ƒÌãƒ ÇËÎÌÈ﴾.

4-   خلقه تعالى لكل شيء فلا خالق غيره كما لا رب سواه، والدليل قوله تعالى: ﴿ª!$# ß,Îyz Èe@ä. &äóÓx«﴾، وقوله تعالى: ﴿t,n=yzuﷺ‬ ¨@à2 &äóÓx« ¼çnu‘£‰s)sù #\ƒÏ‰ø)s?﴾.

فلن يؤمن أحد بالقدر ولن يجد حلاوة الإيمان حتى يؤمن أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما فعله الناس فهو مقضي وأن كل حادثٍ وكل ما فعله الناس فهو مقضي قد فرغ منه، لقوله ﷺ: «جفت الأقلام – وفي مطوية الصحف –» الحديث.

وقد دل على خلق الله تعالى لأفعال العباد أدلة، منها:

1- قوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ فلا يخرج شيء عن خلقه سبحانه .

2- قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، فأخبر تعالى عن خلقه لأعمال عباده خيرها وشرها. ووجه ذلك أن أعمال العباد ناتجة عن إرادات منهم وقدر وقعت بها تلك الأعمال والله تعالى خالق تلك الإرادات والقدر وخالق السبب خالق للمسبب، ولا ينافي ذلك جزاءهم عليها فإنهم إنما يجزون على استعمالهم ما خلق الله فيهم من الإرادات والقدر فإن استعملوها في الطاعة كانوا أهلاً للثواب،وإن استعملوها في المعصية كانوا مستحقين للعقاب، فأعمالهم من الله خلقاً وإيجاداً، ومنهم تسبباً وكسباً، وثوابهم عليها فضل من الله، وعقابهم عدل منه سبحانه في مستحق العقاب ولا يظلم ربك أحداً.

وأفعال العباد كلها مقدورة، أي: معلومة لله تعالى بعلمه السابق ومكتوبة في اللوح المحفوظ ولم تقع منهم إلا بمشيئة الله وخلقه لكن فرق بين المحمود منها والمذموم فلكل فعل حكمه ولكل عملٍ جزائه:

أ- فما وافق الشرع فهو طاعة لله تعالى إما واجبة أو مستحبة والله تعالى يحبها ويرضاها ويحمد فاعلها ويثيبه عليها وما خالف الشرع فهو معصية محرمة يسخطها الله تعالى ويسخط على فاعلها عمداً واختياراً ويذمه ويعاقبه.

فالقدر كله خير باعتبار أنه من الله تعالى فهو حق ولحكمة وهو دائر بين الفضل والعدل.

وأما الشر في القدر فباعتبار شؤم قصد العبد المخالف للشرع، وما يصيبه من ضرر وعذاب بسببه، فالشر ليس في القدر والقضاء فإنهما فعل الله تعالى وكلاهما حق وحكمة، وإنما الشر في المقدور والمقضي المخالف للشرع فالجزاء عليه حق وعدل فإن عفا الله تعالى عن العاصي فذلك فضل، وإن عاقبه فهو عدلٌ، فإن قدر الله تعالى حقٌ واقعٌ موقعه بحيث لا يصلح غيره بدلاً عنه، والله تعالى هو العليم الحكيم الذي يضع الأمور مواضعها اللائقة بها ولا يظلم ربك أحداً، ولا يتصرف تعالى سفهاً، وكل من اتهم الله تعالى في قدره وقضائه فقد طعن في علم الله تعالى وحكمته ورحمته، وطعن في ربوبيته وتدبيره لملكه، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿!$tB z>$|¹ﷺ‬& `ÏB 7pt6ŠÅÁ•B ’Îû ÇÚö‘F{$# Ÿwuﷺ‬ þ’Îû öNä3Å¡àÿRﷺ‬& žwÎ) ’Îû 5=»tGÅ2 `ÏiB È@ö6s% bﷺ‬& !$ydﷺ‬&uŽö9¯R 4 ¨bÎ) šÏsŒ ’n?tã «!$# ׎Å¡o„ ÇËËÈ ŸxøŠs3Ïj9 (#öqy™ù's? 4’n?tã $tB öNä3s?$sù Ÿwuﷺ‬ (#qãmtøÿs? !$yJÎ/ öNà69s?#uä 3 ª!$#uﷺ‬ Ÿw =Ïtä† ¨@ä. 5A$tFøƒèC A‘qã‚sù ÇËÌÈ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.

فالله تعالى قدر المقادير فجعل لكل شيءٍ ما يقابله وذلك هو ترتيب المسببات على أسبابها وإيجاد المتضادات لغايتها وحكمها،  قال ﷺ : «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله»، وقال ﷺ: «الدعاء والبلاء يعتلجان بين السماء والأرض فيغلب الدعاء البلاء»  الحديث.

فالداء والدواء والدعاء والبلاء ونحو هذه الأمور كلها مما علمه الله تعالى وكتبه وشاءه وخلقه، وغلبة الواحد من هذه الأمور للآخر ودفعه له هو من تدبير الله تعالى لملكه وخلقه الواقع بعلمه وحكمته ومشيئته وقدرته والدائر بين رحمته وفضله وعدله.

فالواجب الإيمان بالقدر والعمل بالشرع قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾  الآية.

وقال ﷺ: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»، وقال ﷺ: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان»

فلا يجوز إنكار القدر، ولا معارضته بالشرع، ولا والتواكل وترك العمل، ولا الاحتجاج بالقدر على المعاصي والكسل، ولا القول بالجبر فإن هذه كلها من ضلالات اليهود والنصارى والمشركين ومن بدع أهل الأهواء وزندقة الملحدين.

([97]) فائدة: وجه ارتباط أركان الإيمان بعضها ببعض:

أولاً: أن الإيمان بها من الإيمان بالغيب.

الثاني: أنها أركان عملية ينبغي أن تستحضر في كل مقام وحال.

فيجب أن يعتقد: أنه ما يكون من حادثٍ ولا عملٍ من مكلف من كلمة أو نية أو فعل ونحو ذلك إلا والله تعالى قد علمه وتعبد المكلف بشأنه، وأن الملائكة تكتبه  في الصحف، وأن الكتب اشتملت على حكمه نصاً أو معنى، وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام بينوا ما اشتملت عليه الكتب بشأنه، وأن المكلف مجزي به في اليوم الآخر، وأنه كله واقع  بقدرٍ سابقٍ وقضاءٍ لاحق، هكذا كل حادثٍ من حركةٍ أو سكون أو وجود أو عدم أو عمل من فعلٍ أو تركٍ. وبهذا يتبين لك الارتباط الوثيق بين أركان الإيمان الستة الخ.

([98]) فائدة: الإحسان: هو أن تعبد الله تعالى على أحسن وأكمل وجه تستطيعه، وهو أضيق وأعلى مراتب الدين وأفضلها وأكملها، ذلك:

              أ‌-        لأن الإسلام هو الإسلام ظاهراً لله تعالى بالأقوال والأفعال الظاهرة المشهودة من الناس، وقد يكون الإسلام حقيقياً موافقاً للباطن وقد يكون نفاقاً، فالإسلام يشمل كل من نطق بالشهادتين وأتى بأركان الإسلام واجتنب نواقضه الظاهرة.

           ب‌-     وأما الإيمان فهو الاعتقادات والأعمال الباطنة القلبية، فالإيمان ما وافق الباطن فيه الظاهر الشرعي وانقاد له.

           ت‌-     فيتبين بذلك أن الإحسان أعلى المراتب لأنه يشمل الإحسان في عبادة الله تعالى والإحسان في معاملة خلقه ولا يكون ذلك إلا بموافقة الشرع مع إخلاص القصد وتحري السنة.

     * فأهل الإحسان قليلون في أهل الإيمان، وأهل الإيمان قليل في أهل الإسلام، وأهل الإسلام قليل في أهل الشرك، ولهذا وصفوا في الحديث بأنهم كالرقعة في ذراع الحمار ، وبالشعرة الحمراء في جلد الثور الأسود.

([99]) فائدة: حقيقة الإحسان أن تعبد الله تعالى في مقامين:

              أ‌-        مقام المشاهدة: وهي أكمل المرتبتين وأفضل المقامين – وهي تقتضي كمال الإخلاص مع كمال الإحسان، فيؤديها – أي: العبادة – كأنه يشاهد الله، لأن الله إنما حال بين المؤمنين وبين رؤيته في هذه الحياة الدنيا، ليتميز من يؤمن بالغيب من غيره، ولأن النظر إلى وجه الله الكريم هو أعلى وأشرف نعيم الآخرة وهو جزاء تصديق الله تعالى والانقياد له، والتصديق بخبره ووعده.

           ب‌-     ومقام المراقبة: أي: أن تستحضر أن الله يراك بأن تعتقد ذلك، وذلك يبعث على الخوف والوجل من الله عز وجل، وغاية الأدب ومرتبة المراقبة، أقل شأناً من مرتبة المشاهدة.

فالحاصل: أن النبي ﷺ فسر الإحسان في قوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» بمقامين هما:

1.    مقام المشاهدة.

2.    مقام المراقبة.

ومن أسباب التحلي بهاتين المرتبتين: صحة العلم، وصحة النية، وحسن العمل، والاعتراف بالتقصير في حق الله تعالى والتوبة منه والتخلي عن ظلم الخلق، والإحسان إلى مستحقه منهم.

ويتحقق الإحسان في عبادة الله تعالى بأمرين:

الأول: بالإتيان بالواجبات وتكميلها بجنسها من النوافل المستحبات.

الثاني: باجتناب المنهيات واتقاء الشبهات.

ففي الإحسان في عبادة الله تعالى الصدق ظاهراً وباطناً والجمع بين حسن السريرة وجمال السيرة.

 أما الإحسان إلى الخلق فيتحقق بأمرين:

أحدهما: كف الأذى عنهم.

والثاني: تحمل أذى المؤذين منهم والإحسان إليه ما كان في ذلك مصلحة راجحة.

([100]) كما يدل على الإحسان قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الآية.

([101]) فائدة: هذا من الشيخ – رحمه الله – بيان للأصل الثالث:

وهو معرفة نبينا محمد ﷺ لأنه النبي المرسل والإمام المكمل والشافع الأعظم، والذي لا يقبل الله ديناً – بعد بعثته - إلا دينه، ولا يقبل إتباعا إلا إتباعه. فإن معرفته ﷺ حقّاً تقتضي من العاقل المنصف الشهادة له بالنبوة والرسالة، وإتباعه على ما جاء به، والبراءة ممن جحد نبوته ورسالته ودعوته أو تنقصه أو غلى فيه وعبده مع الله تعالى.

وتتحقق معرفة النبي ﷺ بأمور منها:

1-   معرفة اسمه الكريم ونسبه الشريف، وأنه محمد بن عبد الله المطلبي الهاشمي القرشي، وينتهي نسبه الشريف إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

2-   معرفة بلده ونشأته ومهاجره وبلد وفاته والسن التي بلغها قبل أن يتوفى.

3-   معرفة نبوته ورسالته كيف نبئ وكيف أرسل وأدلة ذلك. وأنه بلغ جميع رسالاته، وبين لأمته كل ما أوحي إليه من ربه.

4-   معرفة حياته النبوية ابتداؤها ومراحلها.

5-   معرفة مضمون نبوته ورسالته ومراحل دعوته وهجرته وجهاده.

6-   معرفة خصائصه من عموم رسالته وكمال شريعته ونسخ دينه للأديان قبله وختم النبوة به وما اختص به يوم القيامة.

7-   العلم والاعتقاد بموته ﷺ وبقاء دينه يتعبد به الثقلان إلى أن يأتي الله بأمره وهذه الأمور كلها سيبينها المؤلف في هذا الأصل الثالث، وتمام ذلك البيان بالفوائد المعلقة على هذا الأصل – إن شاء الله تعالى -.

([102]) فائدة: معنى شهادة أن محمداً رسول الله: الإخبار القاطع عن اعتقاد قلب الشاهد المقتضي للعمل أن محمداً بن عبد الله الهاشمي القرشي رسول الله تعالى إلى جميع الثقلين يدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى بما شرع بواسطته من طريق وحيه إليه، وتقتضي هذه الشهادة من الشاهد أموراً عدة:

الأول: تصديقه فيما أخبر فإن الرسول لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

الثاني: طاعته فيما أمر فإنه لا يأمر إلا بطاعة الله تعالى قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلَاغُ المُبِينُ﴾ الآية.  

وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

الثالث: اجتناب ما نهى عن وزجر فإنه يبلغ عن الله دينه فما نهى عنه فهو معصية لله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾  الآية.

 الرابع: أن لا يعبد الله إلا بما شرع فإن الله تعالى نسخ بشرعه الأديان السابقة، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.

الخامس: اعتقاد أنه ليس له شيء من خصائص الربوبية فلا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا رشداً ولن يجبره من الله أحد وليس له شيء من تدبير الملك وتصريف الكون، وبذلك يعلم أنه ليس له ﷺ من خصائص الإلهية شيء، فليس له حق في العبادة فلا يدعى مع الله تعالى ولا يستغاث به ولا تشكى الشدائد إليه ولا يذبح له لطلب شفاعة ولا غيرها ولا ينذر له لأن ذلك حق خالص لله وحده، وأما هو ﷺ فإنه عبد لا يعبد ورسول لا يكذب.

السادس: من تحقيق شهادة أن محمد رسول الله تصديقه فيما أخبر، فإنه لا يقول على الله وفي دين الله إلا الحق قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ *  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: «أكتب – يعني: الحديث – فوالله ما يخرج منه – وأشار إلى فيه - إلا الحق».

وعصمت الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما يبلغون من الدين من مسائل الإجماع التي أجمع عليها المسلمون، والقول بخلافة قدح في منصب النبوة والرسالة وقدح في سند الشريعة والسنة. وهكذا ما يبلغونه من أمر الدنيا جازمين.

السابع: شهد الله على صدق نبيه ﷺ بقوله: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾، وبفعله حيث أيد رسوله والمؤمنين بالآيات البينات وألوان البراهين القاطعات وتمكينهم من رقاب أعدائهم وجعل الدائرة لهم على عدوهم وبإقراره له على ما يقوله ويفعله مما ينسب إلى ربه، فلو كان كاذباً عليه – وحاشاه - لعاجله بالعقوبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ *  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، ومن أسمائه سبحانه وتعالى الشهيد، أي: المطلع الذي لا يغيب عنه شيء؛ بل هو مطلع على كل شيء عالم بتفاصيله، ومن ذلك أمر نبيه ﷺ ودعوته وأحوال من استجاب له ومن عارضه وعاداه.

الثامن: خصائص النبي ﷺ هي: ما فضله الله تعالى به على غيره من المرسلين والنبيين عليهم من ربهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهي كثيرة أفردها بالتصنيف جماعة من أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ فمن تلك الخصائص:

              أ‌-        ختم النبوة والرسالة به ﷺ فلا يبعث نبي بعده يبدل دينه أو ينسخ شريعته قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «وختم بي النبيون»، وإذا ختمت النبوة فقد ختمت الرسالة لأن النبوة أول الرسالة وأصلها، وقد أجمعت الأمة على هذه العقيدة – عقيدة ختم النبوة - به ﷺ، وأجمعت على تكفير مدعي النبوة بعده من أمته، ووجوب قتل من يدعيها - إن أصر على ذلك -، وعلى كفر من صدقه و على قتله إن لم يرجع عن تصديقه، كما قاتل الصحابة رضي الله عنهم مسيلمة الكذاب وأتباعه حتى قتل مسيلمة وقتل من لم يكفر بنبوته ويكذبه، ويحدد إيمانه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

ولا يشكل على هذا ما تواترت به النصوص من نزول المسيح بن مريم – عليه السلام – في آخر الزمان، فإنه – عليه السلام – لا يأتي بدين وشرع جديد وإنما ينزل خليفة للنبي ﷺ في أمته يحكمهم بشريعة الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل المنسوخة والأديان الباطلة.

           ب‌-     أن الله تعالى أيده بالقرآن العظيم الذي هو أعظم آيات الأنبياء والمرسلين على الإطلاق، وهو الكتاب المحفوظ من التبديل أو التغيير أو النسخ إلى أن يرفع في آخر الزمان وهو أبلغ لآيات وأنفعها، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة».

           ت‌-      عموم رسالته ﷺ لكافة الثقلين الجن والأنس من حين بعثه الله وإلى أن تقوم الساعة، فقد كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله يبعثون إلى أقوامهم خاصة أما هو ﷺ فبعث إلى الناس كافة إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ، أي: المخاطبين وكل من بلغه القرآن من اللاحقين إلى يوم الدين، وفي الصحيح أيضاً عنه ﷺ قال: «فضلت على الأنبياء بست...» الحديث، وفيه: «وأرسلت إلى الناس كافة»، وفي الصحيح أيضاً عنه ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار».

           ث‌-      أن أمته المستجيبة له خير أمة أخرجت للناس فهم خير الأمم قال تعالى:      ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. وثبت في الصحيح عنه ﷺ قوله: «أنتم توفون يوم القيامة سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل».

            ج‌-      أنه ﷺ سيد ولد آدم عليه السلام يوم القيامة، فهو خيرهم وأشرفهم وأحبهم إلى الله تعالى، وكل المرسلين والنبيين خير وشريف وحبيب عند الله عز وجل، لكنه ﷺ مقدمهم وأكرمهم على الله عز وجل، فإن الأنبياء والمرسلين هم سادات الناس وأشرافهم وخيارهم، قال تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾.

وقد جمع الله تعالى أرواح النبيين والمرسلين في مثال أجسادهم فصلى بهم الرسول ﷺ إماماً في مسجد بيت المقدس ليلة الإسراء والمعراج، وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع».

            ح‌-      أنه ﷺ صاحب الشفاعة العظمى لأهل الموقف يوم القيامة ليقضى بينهم حيث يتدافعها أولوا العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام كل يعتذر عنها ويحيل الناس إلى الذي بعده حتى تنتهي إلى رسول الله محمد ﷺ، فيقوم عليه الصلاة والسلام فيقول: «أنا لها» فيشفع ويشفعه الله، ويأتي سبحانه على ما يليق بجلاله لفصل القضاء بين عباده وهي المقام المحمود أو من المقام المحمود الذي يبعثه الله إياه يوم القيامة كما فسر المقام المحمود بذلك عدد من الصحابة والتابعين رضي الله عن الجميع.

            خ‌-      أنه صاحب لواء الحمد وهو لواء حقيقي يختص ﷺ بحمله يوم القيامة ويكون الناس تبعاً له يوم القيامة، وإنما يختص به لأنه يحمد الله تعالى بمحامد لم يحمده بها غيره يعلمه الله إياها، كما في المسند وسنن الترمذي عنه ﷺ قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من بني أدم ما سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من ينشق عن الأرض ولا فخر».

             د‌-        أنه ﷺ الذي يستفتح باب الجنة فيفتح له لا يفتح لأحد قبله وأول من يدخل الجنة.

             ذ‌-        أنه ﷺ أوفر الناس حظاً من الشفاعة لأهل الكبائر من أمته.

             ر‌-       أن أمته ﷺ خير الأمم يوم القيامة، فهم أكثر أهل الجنة إذ يبلغون شطر أهل الجنة أو يزيدون، قال ﷺ: «أنتم توفون سبعين أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل»، رواه الإمام أحمد، وفي الصحيحين عنه ﷺ  قال: «إني لأرجو  أن تكونوا شطر أهل الجنة».

             ز‌-       أنه ﷺ صاحب الوسيلة وهي منزلة في الجنة لا تكون إلا لعبد واحد من عباد الله، قال ﷺ : «أرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة».

           س‌-     ما خص الله تعالى به شريعته من تيسير الأحكام، ورفع الآصار والأغلال، وتوسيع الحلال وتضييق الحرام، ويسر العبادات والكفارات ومضاعفة الحسنات وتكثير أسباب محو الخطيئات ورفعة الدرجات، وإعطاء الأجور العظيمة على أعمال يسيرة.

التاسع: من حقوق النبي ﷺ على أمته:

1-        الإيمان المفصل بنبوته ورسالته واعتقاد نسخ رسالته لجميع الرسالات السابقة ومن مقتضى هذا الإيمان: تصديقه ﷺ فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، والدليل قوله تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآية، وقال تعالى:  ﴿مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾، وقال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» الحديث، وفي الحديث الآخر قال ﷺ: «حتى يؤمنوا بي وبما جئت به».

2-        الاعتقاد بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وأنه لا خير إلا دل الأمة عليه، وكان ﷺ قدوتها وإمامها في المسارعة إليه، ولا شر إلا حذرها منه، وكان ﷺ قدوتها في الحذر منه والابتعاد عنه؛ فلم يتوفاه الله حتى بلغ كل ما أنزل إليه من ربه وأقام الدين كله، وأقام الله به الحجة الرسالية على البرية، قال تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾، وقال ﷺ: «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء نقية ليلها ونهارها سواء»، وقد شهد له أصحابه رضي الله عنهم بالبلاغ في أكبر مجمع لهم في حجة الوداع قالوا: «نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت»، وقال أبو ذر رضي الله عنه: «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يحرك جناحيه في الهواء إلا ذكر لنا منه علما»  الحديث.

وقالت اليهود للصحابة رضي الله عنهم: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، يعنون: آداب قضاء الحاجة ، فقال سلمان رضي الله عنه: أجل – يعني: الأمر كذلك -

3-        محبته ﷺ وتقديمها على النفس والولد والوالد وسائر الخلق، والمحبة وإن كانت واجبة لجميع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم المؤمنين والمسلمين إلا أنه لنبينا محمد ﷺ مزيد اختصاص فيها، فإن الله تعالى قد قرن محبة رسول الله ﷺ بمحبته وتهدد من كانت قرابته وزوجه وماله وتجارته أحب إليه من الله ورسوله، ونفى كمال الإيمان عن من لم يكن النبي ﷺ أحب إليه من سائر الخلق.

4-        الإقرار بما ثبت في حقه ﷺ من الفضائل العظيمة والخصائص السامية من ختم النبوة وعموم الرسالة والشفاعة العظمى والمقام المحمود وأنه الذي يستفتح باب الجنة فيفتح له ويدخلها لا يدخلها أحد قبله وأن له ﷺ أعلى منزلة في الجنة .

5-        تعظيم النبي ﷺ وتوقيره وتعزيزه وإجلاله وتوفير تعظيمه من غير غلو فيه وإطراء له فإن معرفة قدره وإنزاله منزلته فإن ذلك من أعظم حقوقه ﷺ على الأمة في حياته وبعد وفاته وذلك عند ذكر اسمه ﷺ وحديثه وسنته وسماع سيرته وكثرة الصلاة والسلام عليه وحسن الثناء عليه والحب العظيم له والأدب الجم معه وحسن الذكر له ولأهل بيته ﷺ وأزواجه وأصحابه رضي الله عنهم وحسن معاملة من صح نسبه إلى النبي ﷺ مع التوحيد والاستقامة على الشريعة ولزوم السنة ومولاتهم ونصرتهم جميعاً .

6-        إتباع سنته وإظهارها السعي في نشرها، والبعد والحذر من مخالفته، وحسن خلافته في أمته بتبليغ رسالته، وبيان شريعته لأمته.

7-               تجنب الغلو فيه ﷺ - وهو مجاوزة الشرع في مدحه وتعظيمه وإطراءه –، فإن ذلك من أعظم الأذية له ﷺ ومن أخطر البدع التي توقع أهلها في الشرك، فإنه ﷺ بشر كسائر البشر إلا أن الله تعالى شرفه بالنبوة والرسالة، فليس له ﷺ من خصائص الإلهية وصفات الربوبية شيء، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، وقال ﷺ: «لا تطروني – أي: لا تجاوزوا الشرع في مدحي وتعظيمي – كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله»، وقال ﷺ: «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»، والنصوص عن النهي عن الغلو فيه كثيرة.

([103]) فائدة: محمد هو اسم النبي ﷺ الذي اشتهر به سماه به جده عبد المطلب، ومعناه: حامدٌ لربه، محمود – أي: كثر حامدوه – من خلق الله، لما فيه من الخصال الحميدة. واسمه (أحمد) أي: أحمد الناس لربه وأقنتهم له، وهو في (التوراة) محمد، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ الآية.

وهو في (الإنجيل): أحمد، كما قال تعالى :  ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ...إلى قولـه: مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. واسمه (الحاشر): لأن الناس يحشرون على قدمه، واسمه (العاقب) لأنه يعقب الأنبياء.

([104]) فائدة: عبد الله هو والد النبي ﷺ، توفي والنبي ﷺ حمل، فلم يدركه النبي ﷺ، وقد سئل النبي ﷺ عنه فقال: «إنه في النار»، ولعل الله – سبحانه وتعالى – قد أطلعه على أنه سيمتحن، ويكون من أهل النار، وإلا فإنه في حكم أهل الفترة، وقيل: بل إنه مكذب لما بقي من الحنيفية ملة إبراهيم، وهو معارض للرسالة، جاحد لها والحاجة إليها. والله أعلم.

([105]) فائدة: العرب هم أشرف جنس بشري، وقريش أشرف القبائل العربية، وبنو هاشم هم أشرف بيت من بيوت قريش، فاختار الله تعالى نبيه ﷺ من أشرف البيوت.

([106]) فائدة: اختصر المؤلف – رحمه الله – النسب النبوي هذا الاختصار، لأنه لا إشكال في أن النبي ﷺ من قريش وأن قريشاً من العرب المستعربة، وأن العرب المستعربة من ذرية إسماعيل، وأما ما وراء ذلك من النسب الطويل إلى إبراهيم – عليه السلام – فضبطه والعلم بتفصيله محل ظن ويحتاج إلى تحرٍ، وقد قال النبي ﷺ: «أنا ابن الذبيحين»، يعني: بالذبيح الأول: إسماعيل، وقصته معروفة، وبالذبيح الثاني: فهو والده عبد الله، ويشار في ذلك إلى: ما حصل من عبد المطلب من أنه نذر إن ولد له عشرة من الولد أن يذبح أحدهم، فولد له عشرة من الولد ، فأقرع بينهم فخرجت القرعة على عبد الله والد النبي ﷺ، لكن قريشاً فدته بمائة من الإبل فقبل عبد المطلب ذلك، وفداه بمائة من الإبل هداية من الله تعالى له لما سبق في علم الله من شأن هذا النبي العظيم الذي سيولد من صلبه.

([107]) فائدة: بعث الله رسوله محمد ﷺ وعمره أربعون سنة، في كمال عقله وبدنه وسائر قواه، وما بعث الله نبياً إلا وعمره أربعون، وهو من معنى قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾، لأن أبلغ الأشد في الأربعين، وذلك حتى لا يرمى بتهور الشباب وجنونه، بل في أتم عقله، وقوة بدنه، لذا قال تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾، أي: اكتمل عقله وقواه وكمله الله تعالى بعلمه وهداه لأمر أراده الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ﴾ الآيات.

([108]) فائدة: لقد بارك الله في هذا العمر النبوي – بعد البعثة – الذي مقداره ثلاث وعشرون سنه، فانتشر به العلم وظهر به الحق، وأزهق الباطل، واتضحت به المحجة، وقامت به الحجة وزالت به المعذرة، إذ تحقق فيه – على قصره – تبليغ الدين، وبيان الوحي، وإقامة دولة الحق، وهدم كيان الباطل، وتنفيذ الشرع، فلم تكن فتنة وكان الدين كله لله، وكسرت الأوثان وأعطى اليهود والنصارى والمجوس الجزية عن يد وهم صاغرون، فالحمد لله الذي صدق عبده، وأنجز وعده، ونصر جنده، وهزم الأحزاب وحده، وفي ذلك أبلغ عبرة وأعظم بشارة للدعاة إلى الله تعالى على منهاج النبوة المتحلين بالإخلاص والصبر واليقين بالنصر المبين ولو بعد حين: ﴿وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

([109]) فائدة: أول ما أوحي إلى النبي ﷺ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فنبأه الله تعالى وأخبره وهيأه للرسالة العظمى بقوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾ الآيات، ثم أرسله وأمره بالدعوة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ *...﴾ الآيات. ثم أمره بالجهر بالدعوة بقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ الآيات. وأخبره بأن بعثته كافة للناس بما جاء بعد ذلك من النصوص الدالة على عموم رسالته للمكلفين من الجن والإنس، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ونحو ذلك من الآيات.

([110]) التي ولد فيها، وهي أحب البقاع إليه.

([111]) أصل الرجز العذاب، وسميت الأصنام والأوثان رجزاً لأنها سبب للعذاب  ولنجاستها المعنوية وهي الشرك بالله تعالى، وقد توعد الله تعالى أهل الشرك بعقوبات لم يتوعد بها أهل ذنب من الذنوب لشناعته وعظيم فظاعته فإنه أعظم ذنب عصي الله به في الأرض، وهو أظلم الظلم لأنه صرف خالص حق الله لأحد من خلقه، وتسوية للمخلوقين بأحسن الخالقين وهي التي أردتهم في الحجيم: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾، فمن عقوباته:

1-   أن الله لا يغفره إلا بالتوبة.

2-   حبوط عمل صاحبه.

3-   خروجه من ملة الإسلام.

4-   أن الله يحرم على من مات عليه الجنة، ومأواه النار وما للظالمين من أنصار.

([112]) فائدة: من أسباب السلامة من الشرك:

·        معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وآثار ذلك في الأنفس والآفاق.

·        معرفة حقيقة التوحيد وثمرته العاجلة والآجلة.

·        معرفة الشرك وقبحه ووجه كونه أعظم أنواع الظلم وشدة العقوبة عليه في الدنيا والآخرة.

·        الحذر من وسائل الشرك وذرائعه ومخالطة أهله والإصغاء إلى شبهاتهم.

·          الابتهال إلى الله تعالى في طلب التثبيت على التوحيد والعصمة من الشرك.

([113]) فائدة: منذ بعث الله تعالى النبي ﷺ حتى جاوز عشر سنين لم ينزل الله عليه فريضة إلا التوحيد والدعوة، ثم فرضت الصلاة بعد أكثر من عشر سنين من البعثة فصلى ثلاث سنوات بمكة ثم بعد هجرته فرضت بقية الفرائض، ومضى ﷺ يدعو إلى تلك الفرائض مع التوحيد، حيناً يؤسسها عليه وآخر ينبه على أنها من مقتضاه وعلامة عليه...الخ. حتى في المدينة كان يدعو إلى التوحيد، ويحذر من الشرك إلى آخر لحظة فكان يقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فدل ذلك:

أ‌-           على عظم شأن التوحيد وضرورة ترسيخه في النفوس فإنه أساس الملة وقاعدة الشريعة ولا تقبل الأعمال إلا به.

ب‌-     عظم قبح الشرك وأنه لا يجوز إقرار الناس عليه – مع القدرة على منعهم منه – لأنه تعدٍ على حق الله تعالى الذي هو أعظم الحقوق لما فيه من تنقص الله جل وعلا بمساواة الخلق به والتعلق بها من دونه أو معه.

ت‌-     عظم شأن الدعوة إلى الله تعالى وضرورة الفقه والبصيرة فيها وذلك من  وجوه:

أحدها: أنها وسيلة تبليغ الدين وتعليم المكلفين. وأنها فرضت قبل الفرائض العملية ولم يفرض معها شيء أكثر من عشر سنين.

الثاني: أن التوجيه بشأنها استغرق أكثر السور المكية وجملة من السور المدنية.

الثالث: أنها وظيفة أساسية من وظائف النبي ﷺ في الأمة، قال تعالى: ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾الآية.

الرابع: أن الله تعالى كلف بها الأمة مع نبيها ﷺ ومن بعده فقال:  ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ الآية.

([114]) فائدة: لما ضاق الأمر بالنبي ﷺ من أذى قريش وأهل الطائف له، كان من تفريج الله له بأن أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السموات العلى وجاوزها حتى بلغ سدرة المنتهى، ثم عرج به إلى مكان قريب من الله تعالى حيث بلغ مستوى يسمع فيه صريف الأقلام وجريانها بالمقادير. وكلمه الله تعالى كفاحاً حين فرض عليه الصلوات، وفي آخر مراجعة النبي ﷺ ربه تبارك وتعالى بشأن التخفيف قال تعالى: «قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ما يبدل القول لدي».

والإسراء لغة: السير بالشخص ليلاً، وقيل بمعنى سرى.

وشرعاً: هو إسراء جبريل عليه السلام بنبينا محمد ﷺ ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقد أسرى بجسد النبي ﷺ وروحه جميعاً على الصحيح يقظة لا مناماً  من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على البراق، ثم عرج به إلى السماء بالمعراج وفتح له باب السماء الدنيا، ثم عرج به من سماء إلى السماء التي أعلا منها – كلما مر بسماء لقي فيها نبياً من الأنبياء والمرسلين قبله – عليهم السلام – حتى جاوز السموات السبع جميعاً إلى سدرة المنتهى بصحبة جبرائيل – عليه السلام –، ثم ارتفع حتى بلغ مستوى يسمع فيه صريف الأقلام – أي: جريانها بالمقادير –، وهناك دنا من الجبار جل جلاله وكلمه بلا واسطة، وفرض عليه الصلوات الخمس، وقال سبحانه وتعالى:«قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي...» الحديث القدسي، ثم نزل ﷺ  وأصبح بمكة يحدث عما جرى له.

وكان مما جرى للنبي ﷺ في تلك الرحلة المباركة الميمونة أمور:

الأول: أنه ﷺ صلى تلك الليلة بالنبيين والمرسلين قبله في بيت المقدس ركعتين.

الثاني: أنه لقي عدداً من أنبياء الله ورسله في السموات فسلم على من لقي منهم ودعا له بخير.

الثالث: أنه ارتفع فوق سدرة المنتهى إلى مكان سمع فيه صريف الأقلام وهو جريانها بالمقادير.

الرابع: أنه أدخل الجنة فأريها حقاً.

الخامس: أن الله تعالى كلمه كفاحاً وفرض عليه الصلاة خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم خفضها الله عنه – بعد مراجعة النبي ﷺ لربه في عددها بمشورة موسى – عليه السلام – حتى استقرت على خمس في العدد، وجعل ثوابها ثواب خمسين فضلاً من الله عز وجل على عباده، لأن الله تعالى قد قال له: «قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي».

فالإسراء والمعراج وما فيهما من آيات نبوة النبي ﷺ ومن المغيبات التي يجب الإيمان بها لورود النصوص فيها بالتواتر فمن أنكرها فهو كافر كفر جحود، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الآية. والمعراج مفعال وهي الآلة التي صعد عليها النبي ﷺ صحبه جبرائيل عليه السلام من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى.

([115]) فائدة: وقد كان فرض الصلاة أعظم شيء، وأكبره أثراً في ظهور أمر النبي ﷺ بمكة، بعد أن أرسله الله وبعثه إلى قومه، ولذا فالغالب أنه كان أمره ﷺ في ظهور فلم يزل ﷺ منتصراً بعد فرضها؛ وكان قبل فرضها يصلي باجتهاده، وربما بالدعاء.

ففرضت الصلاة في أحرج ظرف مر بالنبي ﷺ، ومنذ فرضت وأمر النبي ﷺ وأصحابه في عزة وظهور؛ وقد خففت فكانت نعم العون للنبي ﷺ والمسلمين في دعوتهم وسائر شؤونهم فكانت الصلاة والدعاء مفزعهم عند الملمات وراحتهم من الشدات، ولهذا كله  قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، ثم طرأ على الصلاة بعض التغييرات من الإتمام والقصر، والجمع وصفات صلاة الخوف ، فقالت عائشة-رضي لله عنها-: «كانت الصلاة اثنتين اثنتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر» .

([116]) فائدة: شرع الله تعالى الهجرة لنبيه ﷺ لأن المشركين آذوه وآذوا أصحابه، فلطف الله بهم وأمرهم بالهجرة إلى المدينة، وكان ذلك إيذاناً بنصرة المسلمين وظهور الدين وقيام أول دولة في الإسلام وخزي الكفرة من أهل الكتاب والمشركين، والهجرة على هذا الوجه – من غير مكة – باقية إلى أن يأتي الله بأمره، فالهجرة مأخوذة من الهجر، وهو نوعان:

          أ‌-         الهجر على وجه التأديب: وهو هجر من يظهر البدع والمنكرات والمقصود به زجر المهجور وتأديبه بسبب معصيته وصرف العامة عن مثل حاله فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة كان مشروعاً فقد هجر النبي ﷺ كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه رضي الله عنهما بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك من غير عذر شرعي،  و إن لم يكن في الهجر فائدة أو كانت فيه مفسدة فإنه لا يجوز الهجر ولذلك لم يهجر النبي ﷺ أحداً من أصحابه في مكة ولم يهجر رؤوس المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول ونظرائه لما في هجرهم من المفسدة الراجحة وفي مثل هذه الحالة فالتأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، فقد كان النبي ﷺ يتألف أقواماً ويهجر آخرين.

       ب‌-      الهجر بمعنى: الترك، أي: بمعنى ترك المنكرات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين﴾، وقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾، أي: لا يشهد المنكرات لغير حاجة كالإنكار.

ومن الترك هجر البلاد، أي: أرض الكفر والشرك، فيهجر المقام بين أظهر الكافرين والمنافقين والفاسقين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وما جاء من النصوص بشأن الهجرة فهو من هذا الباب.

فائدة: في هجرة النبي ﷺ:

كانت الهجرة من مكة وغيرها إلى النبي ﷺ في المدينة واجبة قبل فتح مكة من أجل أن يكثر المسلم المهاجر سواد المؤمنين، ويقلل سواد الكفار، ومن أجل ألا يفتتن في دينه، وليتفقه وليتعلم؛ ومن تركها مع القدرة فهو ظالم لنفسه متوعد بما جاء في قوله تعالى:  ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ...إلى قوله تعالى: فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾.

ومن نوى الهجرة ولم يتيسر فأجره على الله، ثم نسخ الوجوب بعد الفتح، وصارت البلاد كلها بلاد الإسلام مكة والمدينة وغيرها من الجزيرة، فقال النبي ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية»، فقوله: «لا هجرة»، أي: من مكة.

ويكون الوجوب في الهجرة مع القدرة:

1-  إذا كانت من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام.

2-    وكذا إن خاف على دينه الفتنة.

3-  أو من بلاد المعاصي إلى بلاد الطاعة.

4-    أو من بلاد تظهر فيها البدعة إلى بلاد تظهر فيها السنة.

([117]) فائدة:

              أ‌-        بلاد الشرك هي التي تظهر فيها شعائر الشرك والكفر ولا تقام فيها شعائر الإسلام على وجه عام شامل.

           ب‌-     يشترط لجواز السفر إلى بلاد الكفار أو الشرك ثلاثة شروط:

1-   أن يكون عند المسلم علم يدفع به الشبهات.

2-   أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات.

3-   أن توجد حاجة تقتضي السفر.

فإذا لم تتوفر هذه الشروط فلا يجوز السفر إلى بلاد الكفار لما فيه من تعريض الدين للفتنة.

([118]) فائدة: كان فرض الزكاة والصوم في السنة الثانية من الهجرة.

([119]) فائدة: الجهاد لغة: هو بذل الجهد والوسع.

 واصطلاحاً: هو بذل الجهد والطاقة لإعلاء كلمة الله تعالى بقتال الكفار طلباً أو دفعاً وقتال الخوارج والبغاة ونحوهم من المفسدين في الأرض.

وكان فرض الجهاد في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة، فقد كان النبي ﷺ قبل الهجرة ممنوعاً من جهاد الكفار بالسيف، مأموراً بالصفح عنهم والصبر عليهم ومجاهدتهم بالقرآن لعدم استكمال أمور الجهاد، ومن ذلك أنه لم يكن له ولاية وسلطان، وكان المفسدة باستعماله أكبر وأخطر ولما لله تعالى في ذلك من الحكم الكثيرة، ثم بعد الهجرة وتأسيس الدولة التي صار بها للمسلمين ولاية وسلطان يتحقق به أمر الجهاد ومقصوده، شرع الله تعالى له جهاد الكفار والمشركين بالسيف مع الجهاد بالقرآن.

وكان ذلك على مراتب:

              أ‌-        أول ما أنزل فيه الإذن بالقتال لمن ظلم المسلمين قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، أي: إذا بدؤوا بالقتال بسبب أنهم ظلموا.

           ب‌-     ثم أمر الله بالجهاد وأوجب قتال الكفار إلا من سالم المسلمين وهادنهم، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾  الآية.

           ت‌-     ثم أمر الله تعالى في سورة براءة بنبذ العهد وقتال المشركين كافة وقتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى وألحقت بهم السنة المجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .

وقال رسول الله: «أغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله»، ومع هذا التدرج في تشريع الجهاد على هذه المراتب فإنه لم تنسخ النصوص الآمرة بالصبر والصفح عن الكفار على الصحيح، بل هي محكمة، ولكنه يعمل بها في الحال التي تقتضيها في حال ضعف المسلمين وعجزهم عن القتال، أو حين تكون مفسدته أرجح من مصلحته لأهل الإسلام، فإن لولاية المسلمين الشرعية أن تصالح الكفار والمشركين – ما دام في الصلح مصلحة كاملة أو راجحة للمسلمين وفي القتال مفسدة كاملة أو راجحة – مؤقتاً، أي: بمدة محدودة أو غير مؤقت أي بمدة مفتوحة.

ومتى ما صار للمسلمين قوة على جهاد الكفار وغلب على الظن رجحان مصلحته نبذ المسلمون عهد الكفار إليهم وقاتلوهم بعد إشعارهم بمدة قبل حربهم بإنهاء اتفاقية الصلح، فلم يبح الله تعالى ترك قتال الكفار والمشركين من أي ملة ونحلة أبداً وإن هادنوا المسلمين وسالموهم هدنة مطلقة مع إمكان جهادهم ، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

فائدة: في تبليغ النبي ﷺ الدين:

 مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم يمت حتى بلغ كامل ما أنزل إليه من ربه، فلم يكتم شيئاً ولم ينس شيئاً مما أمره الله بتبليغه من دينه بل بلغه قولاً، وبينه فعلاً وحالاً، وتقريراً، وإنكاراً، وبذلك قامت الحجة واتضحت المحجة وزالت المعذرة، واعتقاد كمال تبليغ النبي ﷺ رسالته الأمة من مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، ومما أجمع عليه المسلمون فلا يتحقق إيمان عبد بالرسول ﷺ حتى يؤمن بكمال تبليغه وبيانه لرسالاته قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الآية.

([120]) فائدة: دفن ﷺ في بيته حجرة عائشة – رضي الله عنها - لأنه خشي أن يتخذ قبره مسجداً، كما روت عائشة – رضي الله عنها– وقالت:«لولا ذلك لأبرز قبره»، ولأنه روي عنه ﷺ: «أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون»، وقد مات في حجرة عائشة رضي الله عنها فدفن فيها بإجماع الصحابة – رضي الله عنهم – وهم معصومون أن يجمعوا على ضلالة.

([121]) فائدة: من العقائد الصحيحة الضرورية التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح من الأمة اعتقاد بقاء دين الإسلام بحفظ الله له، يتعبد به الناس لله إلى أن يأتي الله بأمره، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار»، وقال ﷺ: «الجهاد ماضي إلى يوم القيامة»، وقال ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي الله بأمره»، ثم في آخر الزمان – وبعد ظهور عدد من أشراط الساعة الكبار – يتمثل الشيطان للناس ويزين لهم عبادة الأوثان فيعبدونها، وتقبض كل روح مؤمن ومؤمنة حتى لا يقال في الأرض: الله، ويبقى الكفار يتهارجون كتهارج الحمر وعندئذ يرفع القرآن وتهدم الكعبة فلا تقوم الساعة إلى على شرار الخلق، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد».

([122]) فائدة: في موقف أهل السنة مع أثار رسول الله ﷺ:

يرى أهل السنة والجماعة أن آثار رسول الله ﷺ نوعان:

الأول: ما أثر عنه ﷺ من أقوال وأفعال وتقريرات وإنكار لما وقع من الصحابة مخالفاً لهديه وبيان وجه الصواب فيه فهذا النوع من بيانه ﷺ لما نزل إليه من ربه وهو من هديه فهذا النوع يجب الأخذ به والتمسك به واتباعه عليه الصلاة والسلام فيه وهكذا ما صلى فيه على خير وجه التشريع وكذا ما أقرهم عليه ﷺ من التبرك بريقه وشعره وعرقه لإقراره إياهم.

الثاني: ما أثر عنه ﷺ مما هو من قبيل الجبلة والاتفاق والمصادفة فهذا لا يشرع إتباعه فيه بل هو من وسائل الغلو وقد أنكر بعض أعيان الصحابة على من فعله. ومن أمثلة ذلك:

1-   أن عمر – رضي الله عنه – قطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ لما علم أن الناس يقصدونها وذلك خوفاً عليهم من فتنة الغلو فيها.

2-   لما بلغه أن أناساً يقصدون موضعاً صلى فيه النبي ﷺ في الطريق أنكر عليهم، وقال – فيما معناه -: «إنما أهلك من كان قبلكم مثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبياءهم، فمن أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يقصدها»

([123]) فائدة: التوحيد  هو: أصل دين الإسلام، فالإسلام كله خير وخيره عام، لكن  أعظم أنواعه وأسبابه التوحيد، وهو قصد الله بما شرع من اعتقادات القلوب وأعمالها وأقوال الألسن وأعمال الجوارح.

وخلاف التوحيد وضده الشرك الذي هو قصد غير الله تعالى بشيء من حقه لأنه تسوية لغير الله بالله في ما هو من خصائص الله.

([124]) من الشرك والبدع والفسوق.

([125]) في امتثال أوامره واجتناب نواهيه.

([126]) فائدة: فإن كمال الدين بكمال التشريع وكمال التبليغ والبيان وبذلك تمت النعمة، ولهذا نزل قوله تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، فبكمال هذه الأمور تمت النعمة وقامت الحجة، ولهذا خاطب النبي ﷺ صدر هذه الأمة بقوله: «أيها الناس إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت، فرفع سبباته إلى السماء ثم نكتها عليهم، وقال: اللهم اشهد عليهم». فالله تعالى لم يتوفَّ نبيه ﷺ حتى كمل به الدين، وأقام به الحجة، ولهذا بكى أبو بكر رضي الله عنه عندما نزلت هذه الآية، لأنه بكمال الدين وبيانه انتهت مهمته ﷺ، وأنه قريب الرحيل إلى ربه، فلم يعش الرسول ﷺ بعد نزول هذه الآية إلا 83 يوماً، ولم ينزل عليه بعد هذه الآية من الأحكام شيء، وإنما هي مواعظ، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

ولهذا لا يجوز أن يتعبد الله بغير شرع الله وعلى خلاف سنة رسول الله ﷺ.

([127]) فائدة: من ثمرات عقيدة ختم النبوة:

من خصائص النبي ﷺ أنه ختم به النبيون فلا نبي بعده، وإذا ختمت النبوة به ﷺ فقد ختمت به الرسالة كذلك، لأن الرسول لا يكون رسولاً حتى ينبأ أولاً وعلى هذا اعتقاد أهل الحق من هذه الأمة، فعقيدتهم ختم النبوة والرسالة به ﷺ وتلك من أصول اعتقادهم. فمن صدق مدعي النبوة بعد النبي ﷺ فقد كفر كفراً أكبر يخرجه من ملة الإسلام يجب قتله لردته إلى أن يتوب توبة محققة.

ولهذه العقيدة المباركة ثمرات كثيرة جليلة منها:

1-   استقرار التشريع وكمال الدين، فلا يتغير هذا الدين ولا يتبدل، وهذا من أعظم النعم على هذه الأمة، وكان ذلك مما غبط به اليهود أهل الإسلام فقالوا: (لو أنزلت علينا ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ لاتخذنا ذلك عيداً)، وفي ذكر كمال الدين وختم النبوة وتمام النعمة تنبيه من الله عز وجل على شكر هذه النعم، وتقرير ظاهر أنه لا مجال للزيادة في هذا الدين أو النقصان منه، فمن زاد فيه فقد ابتدع، ومن نقص منه فقد جفا وظلم وهلك.

2-   ثقة الأمة ببقاء الدين إلى آخر الدهر وحفظه الله تعالى وعدم نسخه إلى آخر الدهر، فلا يتعبد لله تعالى إلا بهذه الشريعة بما فيها من عقائد وأحكام وأخلاق وغير ذلك، والدين الباقي المحفوظ منصور فلا يخاف عليه الذهاب أو الاضمحلال، وإنما يخاف على من قصر في نصره ونشره لما فاته من الخير إلى غيره، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.

3-   القطع بكذب من ادعى النبوة من هذه الأمة بعد النبي ﷺ - دون أي نظر أو تأمل –، وهذا من أعظم مقاصد النبي ﷺ في تقريره اعتقاد ختم النبوة.

([128]) فائدة: بعد أن بين الشيخ الأصل الثالث أشار إلى مسائل مهمة هي:

الأولى: وجوب اعتقاد عموم رسالة النبي ﷺ، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقوله سبحان: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، ولقوله ﷺ: «كان يبعث النبي إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة»، وما جاء في معناها من النصوص. فعلى عموم المكلفين من الجن والإنس الإيمان به وإتباعه ومن لم يؤمن به ويتبعه أدخله الله النار.

الثانية: وجوب اعتقاد بقاء الشريعة وحفظ الله تعالى لها ليتعبد بها الناس لله تعالى إلى آخر الدهر، فهي باقية لم تنسخ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وقال عز وجل:  ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، أي: حاكماً عليه، فلا يجوز أن يؤخذ دين الله عن الكتب السابقة المحرفة الناقصة المؤقتة، وما فيها من خير فقد جاء به الإسلام، وما فيها من قيود وأغلال سلم منها فدين الإسلام باق محفوظ عن التبديل والتغيير والزيادة والنقصان، وهو صالح مصلح للناس في كل زمان ومكان، قد علم ذلك من علمه، وجهله من جهله.

الثالثة: وجوب اعتقاد موت النبي ﷺ، فلم يرفع كعيسى بن مريم ولم يتحول إلى نور كما تزعم الصوفية، ولم يمت ﷺ كما يموت الجبابرة، بل مات على فراشه بعد أن خيره الله تعالى بين الدنيا والرفيق الأعلى فاختار ﷺ الرفيق الأعلى بعد أن  بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك الأمة على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

والنصوص على إثبات موته ﷺ من الكتاب والسنة كثيرة، وهو إجماع المسلمين، ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام.

الرابعة: أن الناس كلهم يبعثون فليس البعث خاصاً بالنبي ﷺ وحده. بل البعث لجميع الناس بل لجميع الخلق. ومن حكمه العظيمة:

1-   تحقق ما وعد الله به وأخبر عنه بواسطة كتبه المنزلة ورسله المبلغون عن الله دينه، من أمر البعث والجزاء، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

2-   تصديق أولي العلم بما جاءت به الرسل على ما دعوا الناس إلى الإيمان به، قال تعالى:  ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ البَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

3-   تقرير الناس بأعمالهم وجزائهم عليها، قال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾. وقال تعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى﴾الآيات.

4-   تكذيب الكفار المنكرين للبعث، قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾.

([129]) فائدة: اعلم أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق فهم الذين يموتون عند قيام الساعة، فينفخ إسرافيل في الصور نفخة الفزع ثم نفخة الصعق، والصور: وهو بوق سعة دائرته كما بين السماوات والأرض.

والراجح أنها نفخة واحدة تبدأ خفيفة كما في الحديث حتى أن الرجل ليصغي لبناً، ويرفع لبناً، أي: يصغى أذناً ويرفع الأخرى ليتأكد من الصوت ومصدره لخفائه، ثم يظهر الصوت فيحصل به فزع الناس، ثم يقوى، أي: يرتفع الصوت حتى يصعق الخلق.

وقال بعض أهل العلم: إنهما نفختان نفخة فزع ونفخة صعق وفيها يصعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، ثم ينادي رب العزة والجلال: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ فلا يجيبه أحد فيجيب نفسه قائلاً: ﴿للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾، ويقول: «أنا الملك أين المتكبرون؟ أين الجبارون؟». ثم تبعث الخلائق خلقاً جديداً، فتمطر السماء مطراً كمني الرجال فتنشأ الأجساد من عَجْبِ الذَّنَب، ثم إذا تم خلقها تحت الأرض نفخ إسرافيل في الصور نفخة البعث فتطير بتلك النفخة الأرواح إلى أجسادها فتحل فيها: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ بخلقةٍ لا تقبل الفناء، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾، ثم يحشرون  إلى ربهم جميعاً.

([130]) فائدة: هذا تنبيه من الشيخ على أن الإيمان بالبعث ركن من أركان الإيمان بالله تعالى.

([131]) الرسل: جمع رسول، والوصف بالإرسال يشمل النبي والرسول، لأن كلاً منهما مرسل من قبل الله برسالة إلى قومه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾  الآية. وقد سبق بيان معنى كل من النبوة والرسالة والفرق بين النبي والرسول ولكن لأهمية الموضوع أزيد الأمر – هنا تأكيداً فأقول:

أ‌-          إن النبي مرسل إلى قوم مؤمنين برسالة سابقة فهو مرسل لتقرير شرع سابق في قوم مؤمنين به يثبتهم عليه ويفتيهم فيما أشكل عليهم منه ويحكم فيهم ويؤمهم فيه ويصحح ما أخطأوا فيه ويرد ما ابتدعوه.

ب‌-     أما الرسول فهو من أرسل بشرع جديد إلى قوم كفار أو لم تبلغهم رسالة سابقة.

فائدة: للنبيين والمرسلين عليهم والسلام والسلام وظائف عديدة، منها:

الأولى: الدعوة إلى عبادة الله وحده وترك الشرك به وبيان تفصيل أحكامه وشريعته.

الثانية: البشارة لمن أطاعهم بعظيم الثواب وكريم المآب والنذارة لمن عصاهم بشديد العقاب وأليم العذاب. وأيضاً هذه وظيفة أتباع الرسل البشارة والنذارة.

فخلاصة وظيفة الرسل وأتباعهم البشارة والنذارة ونصح الأمة في ذلك وسياستها على ذلك، فمن فقه الدعوة الجمع بين الترغيب والترهيب وعدم الاقتصار على أحدهما دون الآخر، ولذلك قال أحد السلف رحمهم الله: الفقيه كل الفقيه من لم يُقَنِّط الناس من رحمة الله ولم يُجَرِّئهم على معصية الله.

([132]) فائدة: نوح عليه السلام أول رسول أرسله الله تعالى إلى قومٍ كافرين، أي: بعد ظهور الشرك، وكل نبي أرسل إلى أمة فهو للأنس والجن من تلك الأمة، إذ الجن تبع للإنس في خطاب التكليف.

وأما آدم عليه السلام فقد اختلف فيه أهل العلم هل هو نبي أو رسول، والجمهور على أنه نبي، والصحيح أنه رسول لأنه صاحب شريعة لم يسبقه بها رسول قبله لأن في شريعته ما ليس في غيرها من الأحكام الخاصة بشريعته كجواز تزوج الأخ بأخته التي ليست شقاً له في الحمل، أي: لم يكونا توأماً في حمل واحد.

وبين آدم ونوح عليهما الصلاة والسلام عشرة قرون، والقرن الجيل من الناس لا المائة سنة، وكان متوسط أعمار ذلك الجيل سبع مائة سنة، ومما يرجح أن آدم عليه السلام كان رسولاً أنه لم يكن بعده رسل قبل نوح عليه السلام، وكان بينه وبين نوح أنبياء – عليهم الصلاة والسلام – مثل: شيث عليه السلام.

([133])  كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.

([134]) فدلت الآية على أن زبدة الرسالة الإلهية وخلاصة الكتب السماوية الدعوة إلى توحيد الله بإخلاص العبادة وترك عبادة ما سواه، ولذلك قال عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام: ﴿        ﴾. فيجب على جميع المكلفين بعد بلوغ الحجة وفهمها عبادة الله وحده وترك الشرك به سبحانه الذي هو عبادة غير الله معه أو من دونه.

([135]) لا يتم الإيمان بالله إلا بالكفر بالطاغوت، فالتخلية قبل التحلية والكفر بالطاغوت جحود عبادة غير الله والبراءة من كل عبادة لغير الله وممن عبد غير الله مع تحقيق إخلاص الدين لله تعالى، فلا يكفي أحدهما دون الآخر بل لابد منهما جميعاً.

([136]) والطاغوت: الأصل فيه أنه مجاوزة الحد صيغة مبالغة من الطغيان، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ﴾، والمراد هنا مجاوزة الشرع، وهو الطغيان بتأليه وعبادة غير الله، أو التأله مع الله بادعاء استحقاق شيء من حق الله، أو صفة أو فعل، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.

([137]) فالطواغيت أجناس، كثيرون يجمعهم أمران:

أحدهما: ادعاء الإلهية مع الله.

الثاني: تأليه وعبادة غير الله.

وأصناف الطواغيت خمسة بينها المؤلف رحمه الله تعالى.

([138]) لأنه رأس الدعاة إلى الشرك ومن لم يعبد الله عبد الشيطان.

([139]) لأنه جعل نفسه بمنزلة الله، وهذا محاد لله في سلطانه فهو من حصب جهنم، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾.

وفي قول المصنف: (وهو راض) احتراز، لأن من الصالحين من عبد من دون الله لكنه غير راض، لأنه عبد بعد موته غلواً فيه وتعظيماً له، ولذلك قال عيسى عليه السلام: ﴿اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ﴾، وكذلك قالت الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، وكذلك اللات ويغوث ويعوق ويسوع ونسراً .

([140]) وإنما كان مدعي علم الغيب طاغوتاً لأنه ادعى مشاركة الله تعالى فيما هو من خصائصه وهو علم الغيب، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.

([141]) فائدة: قوله: (ومن حكم بغير ما أنزل الله)، أي: فهو طاغوت قد تجاوز حده وتعدى حق ربه، ويدخل في هذا كل ما خالف الشرع المطهر فمن ذلك:

1-   الحكم بأعراف الجاهلية والأوضاع الاجتماعية التي تتضمن تغيير أحكام الشرع كتغريم الزاني فدية مالية ونحو ذلك بدلاً عن الحد الشرعي.

2-   القوانين الدولية التي تتضمن مخالفة أحكام الشريعة المطهرة مثل تشريع المساواة بين المرأة والرجل حتى في الميراث وحق القوامة.

3-   عموم الدساتير -  النظم والقوانين الدولية - التي تتضمن إباحة ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، كتحريم تعدد الزوجات ومنع الطلاق ومساواة المرأة بالرجل في كل شيء أو تحليل الزنا والمسكرات.

4-   جميع الإجراءات الإدارية المخالفة للشريعة التي جاء بها النبي ﷺ من أي جهة صدرت ولأي غاية وضعت فكل هذه الأحكام طاغوتية يجب الكفر بها والبراءة منها.

5-   الأنظمة والتعاليم الصوفية والحزبية والدعوية المخالفة للكتاب السنة، والتي يلزم بها المريد نحو الشيخ أو زائر القبر نحو الميت أو التابع نحو الجماعة أو الحزب أو منهاج الدعوة، كشرط الابتداء أو استدامة الانتساب إلى شيخ الطريقة أو الطائفة أو منهاج الجماعة أو الجمعية، فإن كل ما خالف الشرع فهو موضوع تحت الأقدام هو ومن دعا إليه أو ألزم به، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾  الآية، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

وقال ﷺ: «فمن أمر بمعصية الله تعالى فلا سمع ولا طاعة، إنما الطاعة في المعروف».

([142]) فائدة: دين الإسلام هو دين الفطرة فلا يحتاج إلى إكراه باعتناقه ولذلك قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، والمعنى: لا تكرهوا أحداً على الدخول في الإسلام فإنه دين القيمة، وذلك لأن دلائل صحته وأحقيته ظاهره، وبراهين مصلحته الكاملة والراجحة للناس دنيا، وأخرى قطعية بحيث لا يكره أحد على الدخول فيه بل أدعوا إليه بأقوالكم وأفعالكم وأحوالكم فإن من تأمله ورأى حال أهله المستقيمين عليه من العقلاء تبين له حسنه وعظم نفعه وما في ضده من القبح والشر في العاجل والآجل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾، أي: قد تبين الحق من الباطل بالحجج والبراهين، فمن قبله فله المثوبة والأجر، ومن لم يقبله فهو معرض متعرض للعقوبة.

وبعد ذلك شرع الجهاد فصار الناس أصنافاً:

أ‌-           أهل الكتاب: عليهم الجزية إن لم يؤمنوا مع أنهم مشركون إلا أنه تقديراً لكتابهم، فتؤخذ الجزية منهم وهم صاغرون، وهكذا المجوس أمر النبي ﷺ أن تسن بهم سنة أهل الكتاب في هذا الشأن.

ب‌-     المشركون من العرب وغيرهم من الأمم: فهؤلاء إن لم يسلموا فإنهم يقاتلون حتى يسلموا أو يستسلموا، ويرجع فيما يفعل بهم إلى اجتهاد الإمام – ولي الأمر العام – فينظر فيهم بما تقتضيهم المصلحة فقد يخيرهم بين الفدية أو القتل أو الرق، أو يمن عليهم بالعفو دون مقابل إن كانت مصلحة ذلك راجحة.

([143]) المراد بالإسلام هنا: الإسلام بمعناه الخاص بهذه الأمة هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله والاستقامة على الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ، فهو الذل والاستسلام لله تعالى والانقياد له بالطاعة استجابة لله تعالى ولنبيه محمد ﷺ، والبراءة من الشرك وأهله فجعل ﷺ الإخلاص لله بالقصد والطاعة له بالاستقامة على الشرع، والإتباع للنبي ﷺ في الكيفية، وهو الاستسلام الظاهري والباطني لله تعالى، وهو رأس الأمر فمن أتى به أفلح في الدنيا والآخرة، ومن لم يأت به فلا خلاق له في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ الآية.

والمراد بالأمر في قوله: «رأس الأمر» الدين الذي جاء به النبي ﷺ، وهو بمنزلة الرأس من الحيوان فكما أنه إذا قطع الرأس من الحيوان انتهت حياته فلم ينتفع منه في المستقبل وإن استفيد من بدنه بالحاضر، فكذلك الدين إذا فقد منه الإسلام، - أي: التوحيد  بالإخلاص لله عز وجل - فقد الدين فلم ينتفع منه في الآخرة وإن حصل به نوع نفع في الدنيا، وذلك لأن العمل لا يقبل في الآخرة ولا ينجي صاحبه من العذاب ولا يؤهله للثواب إلا إذا كان خالصاً لله تعالى في القصد، وموافقاً للشرع في أصله، وصواباً على السنة  أي الطريقة التي كان عليها النبي ﷺ في كيفيته .

([144]) فائدة: الصلاة ركن الإيمان الظاهر ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾، وقال النبي ﷺ: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان»، فهي عمود الديانة وسر الأمانة، حيث يجتمع فيها الدعاء والثناء مع كمال الخضوع وجمال الهيئة، وهي شرط النظر في العمل، فإن صحت صلح ظاهر العمل ونظر فيه، وإن فسدت رد العمل، كما في الصحيح عن النبي ﷺ: «إن أول ما ينظر من العمل الصلاة..» الخ، وفي التنزيل قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾.

وجعلها الرسول ﷺ عمود الدين تنبيهاً على عظم شأنها فيه ومكانتها منه، فإنها إذا كانت بهذه المكانة العظيمة فإنها إذا سقطت سقط الدين إذ هي بمثابة عمود الفسطاط وهو الخيمة إذا سقط الفسطاط لم ينتفع منه بظل ولا وقاية من ريح أو مطر ونحو ذلك.

وهكذا إذا فقدت الصلاة سقط دين تاركها ولم يبق له دين، فإن مجرد ترك الصلاة كفر مخرج من الملة – كما هو مذهب جماعة من محققي أهل العلم لجملة أدلة – فإن قوله ﷺ: «وعموده الصلاة» يدل على أن المراد فعل الصلاة، أي: أقامتها لا الإقرار  بها، كما أن عمود الفسطاط لا قيمة له إلا إذا كان قائماً، فإن وجوده ملقى عند الفسطاط لا يفيده قياماً، فهكذا الإقرار بالصلاة فقط لا يفيد قيام الدين، ولهذا جاءت النصوص بالأمر بإقامة الصلاة والمحافظة عليها والخشوع فيها، وجعل ذلك آية الصلاح وسبب الفلاح ووسيلة الفوز بعظيم الأرباح والله المستعان.

([145]) فائدة: ظهور الجهاد للكفار دليل على قوة الإيمان عند المسلمين وإذا خفي دل على ضعف الإيمان، والجهاد يكون باللسان ببيان الحق بدليله، وأيضاً بالسنان إذا دعا الإمام إليه لقوله ﷺ: «وإذا استنفرتم فانفروا»، وقوله ﷺ: «والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله» ، وذلك كلهم مما يدخل في عموم قوله تعالى:­ ﴿[وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾. والذي لا يجاهد بلسانه لا يجاهد بالسنان، فعلى المسلم أولاً أن يجاهد نفسه لله تعالى ثم يجاهد غيره، والأقرب فالأقرب.

والجهاد في سبيل الله على وفق الشرع المطهر وهدي سيد البشر ﷺ أرفع خصال الدين لأن فيه بذل النفس والنفيس والمهجة والأقوال والأموال من أجل الله تعالى، لإظهار دينه وصيانة حرمات عباده، فيبذل المجاهد النفس والنفيس لظهور الدين وجهاد الكفار والمنافقين، فظهور الجهاد على هذا الوصف أمارة على صحة الإسلام وقوته في نفوس أهله، ولذا شبهه النبي ﷺ بسنام البعير الذي إذا ظهر من البعير وعظم دل على صحته وقوته.

وقد رتب الله تعالى على الجهاد من الثواب العظيم ما لم يرتبه  على غيره، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾، وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض».

لكن الشأن في الجهاد هل يكون على المنهاج النبوي ولغاياته؟! أم يكون جهاداً لأهواء وغايات أرضية وعلى غير الطريقة الشرعية المرضية؟! كجهاد الخوارج وأهل البغي والروافض والمعتزلة ونحوهم ممن جانب سنن السلف الصالح وارتكب في الإسلام العظائم والقبائح.

فإن من الأمور الضرورية لشرعية الجهاد وتحقيق ثمرته:

الولاية العامة، أي: الخليفة أو نحوه من المسميات بحيث تكون له الإمامة مع القوة.

أن تكون للمسلمين قدرة عددية ومالية وقوة عسكرية.

أن تكون المصلحة كاملة أو راجحة، والمفسدة منتفية أو يسيرة.

وختاماً: اسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الفوائد كما نفع بأصلها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

انتهت والحمد لله رب العالمين

المصادر:

شبكة الألوكة

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا