شرح ثلاثة الأصول

نبذة مختصرة

شرح ثلاثة الأصول : سلسلة من الدروس المفرغة والتي ألقاها فضيلة الشيخ خالد بن عبد الله المصلح - أثابه الله - والثلاثة الأصول وأدلتها هي رسالة مختصرة ونفيسة صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

    شرح ثلاثة الأصول

    لفضيلة الشيخ

    خالد بن عبد الله المصلح

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    ففي هذا الدرس سنقرأ إن شاء الله رسالةً من مؤلفات الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهذه الرسالة رسالة عظيمة، كثيرة الفوائد، ألفها رحمه الله لبيان ما يحتاج إليه كل مسلمٍ ومسلمة، وسمى هذه الرسالة ( ثلاثة الأصول ) وهي معروفة بهذا الاسم، أو باسم ( الأصول الثلاثة ) بين فيها ما يجب معرفته فيما يتعلق بالله عز وجل، ومما يتعلق بالنبي ، ومما يتعلق بدين الإسلام، وأكثر من ذكر الأدلة في ثنايا هذه الرسالة المباركة، ليتبين بذلك أن ما يدعو إليه منبثق من الكتاب والسنة معتمدا عليهما، ولاسيما أن الشيخ رحمه الله واجه في دعوته خصوماً ألداء، شنوا عليه وعابوا ما جاء به من دعوة المرسلين، وألصقوا به تهماً عديدة، ولكن الحق أبلج والباطل لجلج، فمهما كانت هذه الدعاوى فإنها تتساقط وتتلاشى أمام الحجج والبراهين، وليست المسألة بدعاوى فارغة عن مضمونها لا تستند إلاّ لهوى صاحبها أو انحرافه، فكل من ناوأ هذه الدعوة لم يأتِ بشيء يستند إليه ويعتمد عليه فيما ذهب إليه، المهم أن هذه الرسالة رسالة لطيفة موجزة، يحتاج إلى العلم بها كل مسلم، وقد رأينا أن نقرأها في هذه الليالي لعل الله عز وجل أن ييسر ختمها للإخوة الحاضرين هذه الدروس الصيفية، ويرجعوا بمتنٍ من متون العلم، ورسالة من الرسائل المتعلقة بما هو أهم ما هو مطلوب من المؤمن، وهو إفراد الله بالعبادة، فنبدأ بسم الله الرحمن الرحيم. . .

    الدرس الأول

    اعلم رحمك أن لله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل:

    الأولى: العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، الثانية: العمل به، الثالثة: الدعوة إليه، الرابعة: الصبر على الأذى فيه، والدليل قوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ( ). قال الشافعي رحمه الله تعالى (( لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم)). وقال البخاري رحمه الله تعالى: ( باب العلم قبل القول والعمل )، والدليل قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ( ) فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.

    بسم الله الرحمن الرحيم افتتح المؤلف رحمه الله هذه الرسالة المباركة بالبسملة كسائر رسائل أهل العلم ومؤلفاتهم، وذلك تأسياً بكتاب الله عز وجل، واتباعاً لسنة النبي ، وجرياً على ما سلكه سلف هذه الأمة من التيمن بالبداءة بذكر الله جل وعلا واسمه سبحانه وتعالى، والبسملة والكلام عليها معروف متكرر، وجعل بين يدي رسالته ومقصوده من بيان الأصول التي يجب تعلمها مقدمتين: المقدمة الأولى بين فيها ما يجب على كل أحد تعلّمه، وهذه مقدمةٌ تمهيدية، يحثّ فيها مطالعَ هذه الرسالة على لزوم الصراط الذي يكفل له النجاة، فهي تمهيد وتوطئة لما يريد بيانه، في هذه الرسالة، فقال رحمه الله: (اعلم رحمك الله) وهذا من لطفه وحسن تأليفه ورفقه بمن يعلم، فدعا للمتعلّم والمستمع بالرحمة، وهذا منهج مهم وطريق لابد من التنبه إليه، وهي أن يكون المعلِّم والداعية إلى دين الله عز وجل شفيقاً رحيماً، وأن يشعر من يدعوه أنه يريد به الخير والهدى، ويريد أن يخرجه من الظلمات إلى النور، فإن هذا الأسلوب من أسباب قبول الدعوة، ومن أسباب قبول العلم، ولذلك قال الله جل وعلا في رسوله:  وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ( ).وينبغي أن يكون الداعية إلى دين الله عز وجل رؤوفاً رحيماً، كما قال الله جل وعلا في حق نبيّه : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ( ) هذا وصفه الذي وصفه الله به، ولذلك أسر القلوب وانقادت له الأفئدة قبل الأبدان.

    قال رحمه الله: ( اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل ) فهذه مسائل من العلم العيني الذي يجب على كل أحدٍ، لأن العلم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: علم عيني يجب على كل أحدٍ تعلمه، والقسم الثاني: علم كفائي يجب على من تقوم بهم الكفاية تعلمه، وضابط العلم العيني هو ما لا يقوم دين المرء إلا به، سواء في العقائد، أو في الأعمال، أو في الأقوال، فما لا يستقيم دينك إلا به يجب عليك أن تتعلمه مما يتعلق بعلوم الاعتقاد أو مما يتعلق بالعمل أو مما يتعلق بالقول.

    يقول رحمه الله في بيان هذه المسائل الأربع: ( الأولى العلم ) ثم بين ما هو العلم الذي يجب تعلمه على كل أحد فقال: ( وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة )

    معرفة الله واجبة على كل أحد، وهي أمر جبلت عليه القلوب، وفطرت عليه الأفئدة، فالناس مفطورون مجبولون على التعبد لله عز وجل، ولا يمكن أن يعبدوه إلاّ إذا عرفوه، فبكمال المعرفة يحصل كمال العبودية، فكلما ازداد العبد علماً بالله عز وجل ومعرفةً به سبحانه وتعالى ازداد عبوديةً له سبحانه وتعالى، والعلم بالله والمعرفة به أصل العلوم والمعارف، لأن العلم به يتحقق مقصود الوجود، والمقصود من الخلق، كما قال الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ( ) وسيأتي تفصيل ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى في كلام الشيخ.

     الثاني معرفة نبيه، والمقصود بالنبي هنا: هو نبينا محمد ، وذلك أن معرفة النبي بها يعرف الشرع، لأنه الرسول الذي أرسله الله عز وجل للناس بشيراً ونذيراً، فيجب معرفة النبي ، ومعرفته تكون من خلال سنته، ومن خلال الدلائل الدالة على صدقه وعلى صحة ما جاء به.

    الثالث من المعارف كما قاله المؤلف رحمه الله تعالى: ( معرفة دين الإسلام بالأدلة ) والمقصود بدين الإسلام أي: العمل الذي جاء به الإسلام من أحكامه وشرائعه العينية، وذلك في الأصول التي يجب على كل أحدٍ أن يقرّ بها حتى يكون مؤمناً، وهي ما تضمنه حديث ابن عمر: (( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، وهذان تقدما، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً)) ( ).هذه أصول الأعمال في دين الإسلام، فيجب معرفتها بالأدلة، ومعرفة هذه الأعمال تختلف درجتها باختلاف حال الناس، فالصلاة يجب معرفتها على كل واحدٍ من أهل الإسلام، وأما الحج فإنه لا يجب معرفته تفصيلاً إلاّ على من أراد أن يحج لمن استطاع، لأنه واجب على المستطيع فقط، فالمعرفة لدين الإسلام تتفاوت وتختلف باختلاف أحوال الناس.

     المسألة الثانية: ( العمل به ) والضمير في قوله: ( به ) عائد إلى العلم، وذلك أن العلم إنما يراد للعمل، فمن كان علمه عوناً له على العمل فقد حقق المقصود من العلم وطلبه، ومن كان مقصوده من العلم جمع المعلومات وتكثيرها لا للعمل به فيخشى أن يكون داخلاً في قول الله تعالى: ألهاكم التكاثر ( ) لأنه حجة على صاحبه كما قال النبي : (( القرآن حجة لك أو عليك ))( ) وإنما يكون حجة عليك إما بالإعراض عنه وعدم رفع الرأس به، وإما بالإقبال عليه دون العمل بما تضمنه من الأحكام والتوجيهات، فهو حجة على من قرأه وحفظه ثم هجره في عمله وقوله واعتقاده.

    الثالثة من المسائل التي يجب تعلمها على كل أحدٍ: ( الدعوة إليه ) والضمير يعود إلى المتقدم من العلم والعمل، وذلك أن النبي أرسله الله بالهدى ودين الحق، والهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وإليهما دعا رسول الله ، فدعا إلى العلوم النافعة، ودعا إلى الأعمال الصالحة التي هي ثمرة العلم، فالدعوة إليه تعود إلى الأمرين المتقدمين.

     المسألة الرابعة: ( الصبر على الأذى فيه ) يعني في العلم والعمل والدعوة إليه، فالضمير يعود إلى جميع ما تقدم، فالإنسان بحاجةٍ إلى أن يصبر حتى يتعلم، وبحاجةٍ إلى أن يصبر ليعمل، وبحاجةٍ إلى أن يصبر ليدعو، والصبر في الأصل هو حبس النفس عن محبوباتها ومنعها من ذلك، والصبر أيها الإخوة شأنه عظيم، ولذلك أكثر الله جل وعلا من الأمر به والثناء على أهله في كتابه، فما من خلةٍ حميدةٍ ولا خصلةٍ فاضلةٍ ولا خلقٍ كريم ٍولا سجايا صالحةٍ ولا أعمال برٍّ وحسناتٍ إلاّ ومنشؤها الصبر، ولذلك كان الصبر أفضل ما يوفق إليه العبد، قال النبي : (( وما أعطي أحد عطاء خيراً ولا أوسع من الصبر ))( ).ومعلوم أن العلماء قسموا الصبر إلى ثلاثة أقسام:

    الأول: الصبر على طاعة الله.

    والثاني: الصبر عن معصية الله.

    والثالث: الصبر على أقدار الله.

    وأفضلها وأشرفها وأكبرها منزلةً: هو الصبر على طاعة الله، والفضل لها جميعاً ثابت، وكلاًّ وعد الله الحسنى، فينبغي للمؤمن أن يحرص على تحقيق الصبر في جميع هذه الأمور.

     بعد أن فرغ المؤلف رحمه الله من ذكر هذه المسائل الأربع التي يجب تعلمها على كل أحدٍ قال: والدليل قوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ( ).

    وهذا هو الدليل على وجوب تعلّم هذه المسائل، وهذه السورة هي سورة العصر، افتتحها الله جل وعلا بالقسم بالزمان الذي هو محل الأعمال، فقوله: وَالْعَصْرِ الواو للقسم، والعصر هو المقسم به، والله جل وعلا يقسم بما شاء من مخلوقاته، فهو سبحانه وتعالى يقسم بنفسه، ويقسم بصفاته، ويقسم بأفعاله، ويقسم بما شاء من مخلوقاته، ومن ذلك القسم هنا، حيث أقسم سبحانه وتعالى بالعصر وهو الزمان، لبيان شرفه وعظم مكانته، ثم أتى بجواب القسم بقوله: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ والإنسان هنا المراد به: جنس الإنسان، فيشمل كل من اتصف بهذا الوصف، وقوله: لَفِي خُسْرٍ الخسر ضد الربح، أي لفي خسارٍ كخسار التجار في أرباحهم، وقال: لَفِي خُسْرٍ ولم يقل خاسر ليبين إحاطة الخسر به من كل مكان، فإن ( في ) تفيد الظرفية، فالخسر محيط بالإنسان من كل جوانبه، وفي القسم على هذا الأمر وفي تأكيده ب ( إنَّ ) التي تفيد التوكيد في قوله: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ دلالة واضحة على عظم الأمر، وأن الله أراد من هذا القول: شحذ الهمم للانفكاك من أسباب الخسار، والأخذ بأسباب النجاة، فإن الله سبحانه وتعالى بعد أن أقسم على هذا الأمر وهو خسار جنس الإنسان بين السبيل والطريق الذي يتخلص به الإنسان من هذا الخسار، والخسار على درجات، فالخسار المطلق هو خسار من خسر الدنيا والآخرة نعوذ بالله من ذلك، ودونه دركات كبيرة وكثيرة من الخسار، لكن طريق النجاة موصوف وصفاً واضحاً بيناً في هذه السـورة الكريمة، في الاستثناء الذي ذكره الله عز وجل في قوله: إلا الَّذِينَ آمَنُوا آمنوا بأيِّ شيء ؟لم يبين في الآية ما الذي يجب الإيمان به، ليعم جميع ما يجب الإيمان به، فيكون المعنى: إلا الذين آمنوا بكل ما يجب الإيمان به مما يتعلق بالله عز وجل، ومما يتعلق بملائكته، وما يتعلق بكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهل يمكن أن يتحقق الإيمان بلا علم ؟ لا يمكن أن يكون إيمان بلا علم، فالإيمان فرع العلم وثمرته، ولذلك قال المؤلف رحمه الله في المسائل التي تجب : الأولى العلم، ودليل العلم قوله تعالى: إلا الَّذِينَ آمَنُوا والدلالة على هذا باللاّزم إذا أتى الاستثناء، كالاستدلال باستثناء الذين آمنوا على وجوب العلم، فهذه دلالة باللاّزم، لأنه لا يمكن أن يحصل إيمانٌ إلاّ بعلم، فمن لوازم الإيمان أن يكون صاحبه عالماً، وقوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ هذا الوصف الثاني من الأوصاف التي علق عليها النجاة من الخسار، وهذا يشمل كل عمل صالح ظاهرٍ أو باطن، واجبٍ أو مستحب، من حقوق الله أو من حقوق عباده، كل هذا يدخل في قوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وانظر كيف أخّر العمل عن العلم، لأنه لا يمكن العمل الصالح إلاّ بعد الإيمان الذي لا يحصل إلاّ بالعلم النافع، ثم بعد أن ذكر هذين الوصفين ذكر وصفاً ثالثاً وهو دليل المسألة الثالثة التي يجب علينا تعلمها، وهي الدعوة إليه، قال: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ بالحق تواصوا أي: أوصى بعضهم بعضاً بالحق، والتواصي بالحق من صور وأنواع العمل الصالح، وإنما نص عليه وذكره لأهميته وأثره في حصول النجاة، ولئلاّ يظن الظان أنه باستكثاره من الأعمال الصالحة في نفسه يحصل له النجاة، وإن أهمل من يجب عليه نصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولذلك جاء النص على التواصي بالحق مع أنه من الأعمال الصالحة.

    والتواصي بالحق يشمل أن يوصي الإنسان نفسه بالحق، ويأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر، وكذلك يشمل أن يكون ذلك مع غيره ممن يعايشهم، سواء كانت له ولاية عليهم أم لم تكن له ولاية عليهم، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حق أهل الإيمان بعضهم على بعض.

    والوصف الرابع الذي تحصل به النجاة قوله: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر، يعني أنواع الصبر كلها، والتي هي الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله تعالى، وهذا الأمر في هذه الآية وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ داخل في الذي قبله، فإن التواصي بالصبر من التواصي بالحق، وخصه بالذكر لأهميته وعظم أثره في تحقيق النجاة والسلامة من الخسار، وإن كان داخلاً مندرجاً فيما تقدم من العمل الصالح والتواصي بالحق، وبقدر ما يتصف الإنسان بما ذكر من الأوصاف في هذه السورة يحصل له بقدر ذلك من النجاة، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر، وإذا علم العبد المؤمن ذلك حرص أن يستكثر من هذه الصفات وأن يزداد منها، لأن بها يحصل له الفوز والسلامة من الخسارة المذكورة في قوله: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ وهذه الآية واضحة الدلالة على ما تقدم من وجوب تعلم هذه المسائل، ووجه ذلك: أنها نجاة للنفس من الخسارة، وقد بين الله سبحانه وتعالى طريق ذلك، وهو ما تضمنه الاستثناء في قوله: إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ فدل ذلك على وجوب الصبر، وعلى وجوب تعلّم هذه المسائل الأربع التي يتحقق فيها للمرء السلامة في الدنيا والآخرة، قال الشافعي رحمه الله: " لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم"، وهذا لا يعني أن ما زاد على هذه السورة لا حاجة إليه، بل أراد الشافعي أن هذه السورة كافية شافية في بيان طريق النجاة، وإلا فأهل الإسلام بحاجةٍ إلى كل حرف نزل في كتاب الله عز وجل، ليس لهم عنه غنية ولا بهم عنه كفاية، بل هم محتاجون إلى كل حرفٍ في كتاب الله عز وجل، ولذلك كان من أعظم ما أصيبت به الأمة بوفاة النبي هو انقطاع الوحي عن نبي الأمة، فمراد الشافعي رحمه الله: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلاّ هذه السورة لكفتهم، يعني في بيان طرق النجاة والسلامة من الخسار الذي اتصف به الإنسان.

    ثم قال رحمه الله: وقال البخاري رحمه الله: " باب العلم قبل القول والعمل "

    فلابد من العلم قبل العمل، وأيّ عملٍ لا يبنى على علم فهو لا يزيد صاحبه من الله إلاّ بعداً، لأنه إحداث وابتداع وضلال.

    ثمّ قال: والدليل - على وجوب تقديم العلم على العمل - قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ( ).سئل سفيان بن عيينة رحمه الله عن فضل العلم فقال: " ألم ترَ كيف بدأ الله بالعلم ؟ " يعني في قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ فيكفي ذلك في بيان فضل العلم: أن الله بدأ به قبل العمل، فالواجب على المؤمن أن يحفل بالعلم، وأن يجتهد فيه، ويبذل فيه مهجته ووقته وعمره، وأن لا يبخل عليه بشيء، لأن العلم تزكو به الأخلاق، وتصلح به الأعمال، ويرفع الله به ذكر العبد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث عن النبي أنه قال: (( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين))( ).

    والمراد: أنه يرفع به من أقبل عليه وأخذ به حفظاً وعلماً وعملاً وتعلماً وتدبراً وغير ذلك مما يكون في كتاب الله عز وجل،

    قال: ( فبدأ بالعلم قبل القول والعمل. . . ) وبهذا يكون الترتيب الذي ذكر المؤلف رحمه الله ترتيباً دل عليه الكتاب وقول السلف، لأن قوله: وقال البخاري. . . ، هذا في موضع الاستدلال على ترتيب هذه المسائل، أما أصل هذه المسائل فقد دل عليها الدليل من سورة العصر، وأما الترتيب فإنه جاء من قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وقول البخاري رحمه الله تعالى.

    اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل والعمل بهن: الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً بل أرسل إلينا رسولاً فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، والدليل قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً( ). الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته لا ملك مقرب ولا نبي مرسل والدليل قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( ).

    الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، والدليل قوله تعالى:  لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ).

    هذه هي المقدمة الثانية التي قدم بها الشيخ رحمه الله ذكر الأصول الثلاثة، وهو ذكْره رحمه الله لمسائل يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، وهو أيضاً بيان لأولى المراتب، في قوله: ( الأولى العلم ) يعني من أول ما يجب تعلمه على الإنسان هي هذه المراتب الثلاث التي ذكرها رحمه الله، حيث قال: ( اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهن. . . )

    ليس مجرد العلم هو المطلوب فقط، بل العلم والعمل معاً، لأن العمل هو المقصود.

    قال رحمه الله: (الأولى أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار). ثم ذكر الدليل على ذلك، أما أن الله خلقنا فلا يرتاب في ذلك مؤمن، بل هذا مما فطر الله عليه الناس، وهو من مستلزمات ومن أفراد توحيد الربوبية، فالواجب الإقرار بأن الله هو الخالق، ولا يوجد أحد يعارض في هذا، فإن الجميع مقرون بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، وكذلك الرزق، هذا مما يجب الإقرار به في توحيد الربوبية، فإن توحيد الربوبية: هو إفراد الله جل وعلا بالخلق والرزق والملك والتدبير، ودليل ذلك قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ( ) هذه الآية هي الدليل على أن توحيد الربوبية لا يثبت ولا يقر إلاّ بالإقرار: بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، الرازق، المدبر، وهذا مما فطر الخلق عليه، وبدأ الشيخ رحمه الله به تمهيداً لما بعده، وإلاّ فلا معارضة ولا خلاف بين الناس في الإقرار بأن الله سبحانه وتعالى هو خالقهم ورازقهم ومالكم ومدبرهم.

    ثم قال: ( ولم يتركنا هملاً ) - ثم بين وجه ذلك - فقال: ( بل أرسل إلينا رسلاً )

    فإرسال الرسل دليل على عناية الله جل وعلا بخلقه، وأنه سبحانه وتعالى لم يتركهم هملاً لا يقصدونه بشيءٍ من العبادة، ولا يُطلب منهم شيء.

    ثم بين ما الواجب فيمن أرسلهم الله عز وجل فقال: ( فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار ) والطاعة هنا المراد بها: الطاعة بالجملة، أي: في أصل ما جاء به، وأما في أفراد ما جاؤوا به فمن أطاعهم دخل الجنة واستحقها، ومن عصاهم استحق النار، لكن قد يدخلها وقد لا يدخلها، أما في أصل ما جاؤوا به من التوحيد فإنه من أطاعهم فيه دخل الجنة، ومن عصاهم فيه دخل النار كما دلت على ذلك الأدلة.

    قال: والدليل على هذا قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً ( ) وهذا دليل على أن الله لم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فقال:  إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً والخطاب هنا لمشركي مكة الذين بعث فيهم النبي وكذبوه وعاندوه، فخاطبهم الله بهذا الخطاب قائلاً: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فهذا أمر ليس بجديد ولا محدث، ولستم ببدعٍ ممن سبق، بل جرت على هذا سنة الله أن يبعث إلى الناس من يدعوهم ويبصرهم بما يجب عليهم، وإنما نظَّر بفرعون لمشابهة مشركي مكة، كفر فرعون، فإن فرعون كان كفره من جهتين: من جهة عبادة غير الله، ومن جهة الإباء والاستكبار، وكذلك الذين بُعث فيهم النبي من مشركي مكة، فإنهم كانوا يعبدون غير الله، وكانوا يأنفون ويستكبرون عن اتباع النبي ، حتى قال قائلهم: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( ) وذلك احتقاراً للنبي ، إذ لم يكن من أعلى أشرافهم فيما زعموا، ثمّ قال تعالى: فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً ( ) أي أخذاً شديداً ثقيلاً، وهذا فيه التهديد لهم، وأنهم لن يتركوا هملاً، ولو كانوا متروكين هملاً لما أرسل إليهم رسولاً، ولما هددهم بهذا التهديد، وهو تهديد لكل من خالف الرسل فيما جاؤوا به.

    قال رحمه الله تعالى: ( الثانية ) يعني من المسائل التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها (أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد، لا ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، ودليل ذلك قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( ) ووجه الدلالة على أن الله لا يرضى بالشرك كائناً من كان المشرك به: أن الله جل وعلا قال: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ هذا من جهة، ومن جهة أخرى تأكيداً لهذا التوحيد قال: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً فإثبات المساجد وهي محال العبادة لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، و تعقيب ذلك بالنهي عن دعاء غيره دليل على أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى أن يشرك معه غيره.

    ويدل لذلك أيضاً قوله: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ( ). ودليل ذلك من السنة: أن النبي قال: (( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ))( ). وهذا دليل على أن سبحانه وتعالى لا يرضى أن يشرك معه أحد، لا ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، فضلاً عن أن يشرك معه الأشجار والأحجار والأصنام، فإذا كان لا يرضى أن يشرك به ملك وهو من أشرف الخلق من الخلق الغيبي الذي نعلمه، ولا نبيٌّ مرسل، وهم أشرف جنسنا من بني آدم فكيف بالإشراك معه غيره ممن هو دونه، لا شك أن الله سبحانه وتعالى لا يرضاه بل يبغضه، وقد قال الله جل وعلا في بيان عقوبة من وقع منه الشرك: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ( ) وهذا فيه التهديد البليغ البين على هذا العمل، وفيه بيان عظم الشرك، وأنه أمر خطير كبير لا يرضاه الله، وإلاّ لما توعد عليه بهذا الوعيد الشديد العظيم من تحريم الجنة والإخبار بدخول النار.

     ثم قال رحمه الله في بيان المسألة الثالثة: ( أن من أطاع الرسول ووحد الله فلا يجوز له موالاة من حادّ الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب ).

    وهذا من أصول الإيمان، فإن أوثق عرا الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، وذلك أنه إذا وقر الإيمان في قلب العبد أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغضه الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يحب التوحيد وأهله، ويبغض الشرك والكفر وأهله، فمن أحب أهل الشرك ووادّهم وتقرّب منهم فإنه قد حادّ الله سبحانه وتعالى، لقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( ). والموالاة مأخوذة في الأصل من: ولي الشيء إذا قرب منه، والقرب يكون في الأصل بالقلب، ثم يتبعه قرب القول والعمل، والمنهي عنه هنا هو قرب القلب في المودة والمحبة، وقرب القول والعمل، إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً( ) وإلا من استثناهم الله عز وجل في قوله:  لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( ) لأن هذا من جملة الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء، فليس هذا من الموادّة، فالبر والقسط مع الكفار ليس من الموادّة والموالاة التي حرمت، وهذه مسألة مهمة يجب التنبه لها لأن المنهي عنه هو موالاة القلب لا البر والإحسان فيمن استثناه الله عز وجل في هذه الآية. ثم قال المؤلف رحمه الله في الاستدلال على هذه المسألة: ( والدليل قوله تعالى – أي الدليل على أنه لا يجوز موالاة من حادّ الله ورسوله ولو كان أقرب قريبٍ - قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( ).

    قوله: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وافتتاح الآية بهذا النفي فيه التشويق إلى معرفة ما تضمنه قوله: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ والمحادّة هي: الممانعة والمضادة لله جل وعلا ولرسوله، وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ  أي ولو كان أولئك المحادون آباءهم، أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، وهؤلاء متفاوتون في الصلة، إلا أنهم من أقرب من يتصل بهم، وبدأ بمراتبهم الأقرب فالأقرب، أولئك المشار إليه هم الذين لا يوادّون هؤلاء إذا كانوا محادّين لله ورسوله، أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ  أي ثبت ورسخ في قلوبهم الإيمان، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أي قواهم وأمدهم بِرُوحٍ مِنْهُ أي بوحيٍ منه سبحانه وتعالى به تثبت قلوبهم، و بعونه الذي يستطيعون به مواجهة هؤلاء.

    فقوله: بِرُوحٍ مِنْهُ يشمل المدد بالوحي من الكتاب والسنة، ويشمل أيضاً العون والتأييد والتقوية والنصر، وقوله: وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا هذا جزاؤهم، لأنهم قدموا محاب الله على ما تقتضيه طبائعهم،رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُأُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ فأضافهم إليه تشريفاً وتكريماً وإجلالاً لفعلهم، وكل ما يضيفه الله سبحانه وتعالى لنفسه مما ليس من صفاته إنما المقصود به التشريف والتكريم، وقد يضاف الشيء إضافة خلقٍ، ولكن هذا قليل أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ والفلاح أجمع كلمةٍ للخير في لسان العرب، وهي حصول المطلوب والأمن من المرهوب، فيحصل لهؤلاء مطلوبهم ويأمنون مما يهابونه ويرهبونه ويخافونه في الدنيا والآخرة.

    الأصل الأول: معرفة الإنسان لربه، اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله مخلصاً له الدين وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ( ) ومعنى يعبدون يوحدون، وأعظم ما أمر الله به التوحيد: وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك: وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً( ).

    هذا التمهيد أيضاً للأصول الثلاثة هو بيان لدين الإسلام في الجملة، فإن دين الإسلام هو ملة إبراهيم،

    فقال رحمه الله: (اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم) الحنيفية التي كلٌ يتمنى الانتساب إليها وكلٌ يسعى إلى الاتصاف بها: هي ملة إبراهيم، وهي التي من رغب عنها فقد سفه نفسه، كما قال الله جل وعلا: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ( ) أي خسرها وأهملها، والدليل على أن ملة إبراهيم هي الحنيفية قوله تعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ( ) وقوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ( ) فملة إبراهيم هي الحنيفية التي جاء بها النبي مجدداً لها وداعياً إليها.

     والحنيفية في الأصل مأخوذة من: حنف، وهو الميل من الضلال إلى الاستقامة، ويقابلها الجنف، وهو الميل من الاستقامة إلى الضلال.

    ثم قال في بيان ملة إبراهيم: ( أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين ) والدليل قوله تعالى:      وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لا قولاً ولا عقداً ولا عملاً ولا حالاً ولا مآلاً، فإنه ليس منهم في شيء، ولذلك قال في بيان ملة إبراهيم: ( أن تعبد الله وحده ) وأكد ذلك بقوله: ( مخلصاً له الدين ) أي مخلصاً له العمل من كل شائبة شرك تجعل فيه لغير الله نصيباً، فقوله: ( مخلصاً له الدين ) أي: العمل، والعمل عمل القلب والجوارح، وليس الجوارح فقط.

    قال: وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ( ) وهذا دليل على الغاية من الخلق، وبدأ في الاستدلال بالغاية لأن كون الله جل وعلا أخبر الخلق بأنه إنما خلقهم ليعبدوه يدل على أنه يجب عليهم أن يعبدوه وحده لا شريك له، وإلاّ لما حققوا ما من أجله خلقوا، فهو دال على الأمرين: على أن هذا هو الغاية من الخلق، وعلى أن الله أمرهم بعبادته وحده سبحانه وتعالى، وأما كون ذلك أمراً لجميع الناس فلأن هذا هو الغاية من خلق جميع الناس، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ أي إلاّ من أجل عبادته وحده، واللام هنا لام التعليل وليست لام العاقبة والصيرورة، لأنه من المعلوم أن أكثر الخلق ليسوا على هذا الأمر، ولم يحققوا هذه الغاية، قال تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ( ) وقال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( ) وقال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ( ) كل هذه الأدلة تدل على أن اللاّم هنا لام التعليل الغائية، وليست لام التعليل الفاعلة، أي التي هي للعاقبة والصيرورة، وانظر كيف جاء الخبر عن هذه الغاية بأسلوب النفي والاستثناء الذي يفيد الحصر، وأنه لم يخلقهم لشيء آخر، وإنما خلقهم لهذه الغاية.

     ثم قال رحمه الله: ( ومعنى يعبدون يوحدون ) وذلك من تفسير ابن عباس رضي الله عنه، فإنه فسر قوله تعالى: ليعبدون بيوحدون، ولاشك أن أول ما يدخل وأولى ما يدخل هو التوحيد، لأنه هو غاية الوجود، وهو أصل العبادة الذي لا تصح إلاّ به، كما قال سبحانه وتعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً( ). فالشرك مفسد للعمل، مذهب للغاية من الخلق، مبطل لما قصده الله جل وعلا من خلق الجن والإنس.

    قال رحمه الله تعالى: ( وأعظم ما أمر الله به التوحيد ) ويدل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى افتتح أول سورةٍ في كتابه بإثبات الإلهية بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فذكر هذا الاسم في أول ذكرٍ له في كتابه جل وعلا في أم الكتاب دليل على أنه هو المقصود، وكذلك مما يدل على أن أعظم ما أمر الله به  هو التوحيد: أنه أول أمر في كتاب الله عز وجل، فإن أول الأوامر في كتاب الله عز وجل هو قوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ( ) والعبادة لا يمكن أن تثبت ولا يمكن أن يتصف بها  الإنسان إلاّ إذا حقق التوحيد.

     ودلائل كون أعظم ما جاءت به الرسل هو التوحيد كثيرة، وليس هذا مقام التفصيل فيها.

    قال رحمه الله تعالى: ( وهو إفراد الله بالعبادة ) هذا بيان للتوحيد، وهو بيان لأشرف أنواعه وأعلاه، وهو توحيد الإلهية الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأقوامهم، ولهذا فسر التوحيد بهذا ولم يفسره بتوحيد الربوبية ولا بتوحيد الأسماء والصفات، ففسره بتوحيد الإلهية، لأنه أعظم أنواع التوحيد، ولأن من حققه فقد حقق توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات طريق وسبيل لتحقيق توحيد الإلهية، ولذلك استدل الله جل وعلا في كتابه على وجوب إفراده بالعبادة بأسمائه وصفاته، وبأنه سبحانه وتعالى الخالق المالك الرازق المدبر.

     وقوله رحمه الله: (وهو إفراد الله بالعبادة ) العبادة هنا تشمل كل ما أمر الله به ورسوله من الأقوال والأعمال والاعتقادات الظاهرة والباطنة، أو نقول: من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فكل عبادة لا يجوز صرفها لغير الله، فكما أنه لا يجوز أن تصلي لغير الله فكذلك لا يجوز أن تذبح لغير الله، لأن الذبح عبادة، ولا يجوز أن تعتمد في جلب رزقك على غير الله، ولا أن تتوكل على غيره، بل يجب إفراده سبحانه وتعالى بأعمال القلوب والجوارح.

    وقوله رحمه الله: ( وأعظم ما نهى عنه الشرك ) ثم بين ما هو الشرك فقال: ( وهو دعوة غيره معه ) وعبر بالدعوة ليشمل نوعي الدعاء، دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فمن قال: يا رسول الله أغثني، أويا علي أنقذني، أويا فلان ارزقني، فهذا يكون قد أشرك في دعاء المسألة، فسأل وطلب غير الله عز وجل، ومن ذبح لغير الله فإنه يكون قد أشرك بدعائه غير الله، ولكن الدعاء هنا دعاء عبادة، وذلك أن كل من صام وصلى وحج وتصدق وذبح لله سبحانه وتعالى لا يريد بهذه الأفعال إلاّ الجنة، فهو في حقيقته داعٍ وسائل، يسأل الله عز وجل أن يقبل منه العمل، وأن يجعله من الناجين بهذه الأعمال، فكل عمل هو من دعاء العبادة، فقول المؤلف رحمه الله: ( وهو دعوة غيره ) يشمل صرف كل نوع من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، من الأعمال الظاهرة والباطنة.

    ثم قال رحمه الله: والدليل قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ( ) اعبدوا الله، هذا فيه أمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة هنا تشمل كل ما أمر الله به ورسوله من الأقوال الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة، وقوله: وَلا تُشْرِكُوا بِهِ يتضمن النهي عن كل صرفٍ لعبادة لغير الله عز وجل كائناً من كان من صرفت له العبادة، ويشمل النهي عن الشرك الأصغر والأكبر، فيشمل النهي عن الحلف بغير الله، كما يشمل النهي عن السجود لغير الله، وكذلك يشمل النهي عن النذر لغير الله، والذبح لغير الله، وسؤال المقبورين ودعائهم، كل هذا داخل في قوله: وَلا تُشْرِكُوا بِهِ وهذا أمر واضح جلي، ولكن الإشكال كل الإشكال في من يقرأ هذه الآيات الواضحات في كتاب الله عز وجل ثم يجيز سؤال المقبورين، والتوجه إليهم بقضاء الحوائج والذبح لهم والنذر لهم، وغير ذلك من العبادات التي تصرف لغير الله في كثير من البلاد، نسأل الله عز وجل أن يعيذنا وإياكم من الشرك دقيقه وجليله. . .

    الدرس الثاني

    فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها ؟ فقل: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمداً .

    فإذا قيل لك: من ربك ؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: الحمد لله رب العالمين وكل من سوى الله عالم وأنا واحد من ذلك العالم. فإذا قيل لك: بم عرفت ربك ؟. . . فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهما، والدليل قوله تعالى: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ( ) وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ( ) والرب هو المعبود. والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ( ) قال ابن كثير – رحمه الله تعالى -: (( الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة )). بسم الله الرحمن الرحيم وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فبعد أن فرغ الشيخ رحمه الله من المقدمات التي سمعناها في الدرس السابق أتى إلى مقصود هذه الرسالة وما أراده منها، وهو: بيان الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان تعلمها، ولا نجاة له في الدنيا ولا في الآخرة إلا بمعرفتها وإتقانها، فبقدر ما يحصل للإنسان من هذه الأصول علماً وعملاً يحصل له مقابل ذلك من النجاة في الدنيا والآخرة.

    قال رحمه الله: فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟

    فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمداً ، فثلاث معارف هي الأصول التي سيدور عليها الكلام في بقية هذه الرسالة، الأصل الأول: معرفة العبد ربه والأصل الثاني: معرفة العبد دينه والثالث: معرفة العبد نبيه محمداً ، وإذا أردتَ أن تعرف الدليل على أهمية هذه الأصول، وأنها من الأصول التي تحصل بها النجاة للعبد إذا آمن بها وصدق وعمل بمقتضاها فاعلم: أن فتنة القبر مدارها ومحورها على هذه الأسئلة الثلاثة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فالفتنة التي هي في أول منازل الآخرة فتنة القبر، وسؤال القبر عن هذه الأصول الثلاثة، ولذلك اهتمّ الشيخ - رحمه الله - بهذه الأصول وأفردها بالتأليف، ليحصل للعبد النجاة في الدنيا والآخرة والأمن مما يخافه في مستقبل حياته الدنيوية، قال - رحمه الله - بعد أن بين الأصول الثلاثة، وبدأ بها واحداً واحداً: (فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه) ودليل هذا: الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وجل التي تثبت ربوبية الله سبحانه وتعالى لجميع الخلق، فهو الرب سبحانه وتعالى، ومعنى قوله: رباني وربى جميع العالمين بنعمه أي: أصلحني وأمدني وهيأ لي، فالرب يطلق في لسان العرب على المالك، وعلى السيد، وعلى من يقوم بالأمر، وعلى المصلح، كل هذه المعاني من معاني الرب، فربوبية الله سبحانه وتعالى لجميع الخلق هي: قيامه سبحانه وتعالى بشؤونهم، وتدبيره لأمر خلقه، فهو القائم على كل نفسٍ بما كسبت، لا غنى لأحد عن فضله، بل كل مخلوق فهو تام الفقر إلى الله سبحانه وتعالى فقراً ذاتيّاً لازماً، لا يستطيع الانفكاك عنه، ولا الخلاص منه.

    وقوله: جميع العالمين لبيان أن ربوبيته سبحانه وتعالى لا تختص بصنفٍ من الخلق، بل جميع الخلق مربوبٌ لله سبحانه وتعالى علويه وسفليه، كل ذلك مربوبٌ له سبحانه وتعالى، لا يخرج عن رزقه ولا عن ملكه ولا عن تدبيره وتصريفه، ولا عن خلقه سبحانه وتعالى، قال: وهو معبودي، فبعد أن أثبت الربوبية العامة لكل مخلوق ولكل ماسوى الله سبحانه وتعالى ولجميع العالم أثبت حق هذه الربوبية، وهو عبادته سبحانه وتعالى، فقال: وهو معبودي، يعني: وهو الذي أتقرّب إليه بالعبادة، وسيأتي بيان العبادة التي هي حقه سبحانه وتعالى، قال: ليس لي معبود سواه، وهذا تأكيد على ما دلت عليه الجملة السابقة من إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، فقوله: وهو معبودي، يفيد الحصر لأن الجملة المعرّفَةَ الطرفين من أساليب الحصر في لغة العرب، فهو تعالى المعبود المستحق للعبادة، وأكد ذلك بقوله: ليس لي معبود سواه، والدليل على ما تقدم من أنه سبحانه وتعالى هو الرب الذي ربى جميع العالمين وهو المعبود الذي لا يستحق العبادة سواه- قول الله سبحانه وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( ).

    فقوله: لِلَّهِ فيه الإثبات بأنه المعبود وحده لا شريك له، ففيه إثبات الإلهية له دون غيره، وقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ فيه إثبات ربوبيته سبحانه وتعالى، وإضافة الربوبية للعالمين هنا هي الربوبية العامة التي يندرج تحتها كل أحد.

     ثم قال رحمه الله: وكل من سوى الله عالم، وهذا يفيد دخوله في قوله تعالى: رَبِّ الْعَالَمِينَ فهو مربوب له سبحانه وتعالى، فإذا قيل لك: ما المراد بالجمع هنا ؟ فقل: المراد به الأفراد، والأجناس، والأنواع على اختلافها وتنوعها، فكل هذه الأصناف على اختلافها مما سوى الله سبحانه وتعالى فهي داخلة في العبودية له، وهي عبودية القهر التي لا يخرج عنها أحد، كما قال الله جل وعلا: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً( ) فهذه العبودية هي عبودية القهر الشاملة لكل مخلوق.

     ثم قال: وأنا واحد من ذلك العالم، واعلم أن العالم في قوله تعالى: الْعَالَمِينَ يشمل العوالم المكلفة والعوالم غير المكلفة، والمكلفة هي التي وجه إليها الخطاب بالطلب، وغير المكلفة هي التي لم نعلم أنه وجه إليها طلب، وإنما عبادتها عبادة ذاتية، أي تسبيح فطري لا تكليفي بأمر ونهي، والعوالم المكلفة فيما نعلم هم بنو آدم، والجن، والملائكة، فهؤلاء وجه إليهم الخطاب من رب العالمين، وطولبوا بأفعال ونهوا عن أشياء.

    ثم قال: فإذا قيل لك: بمَ عرفت ربك، فقل: بآياته ومخلوقاته، هذا فيه الاستدلال على ربوبية الله سبحانه وتعالى، واعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أقام الأدلة الدالة على ربوبيته سبحانه وتعالى، وأنه رب العالمين، أقامها بأنواعٍ مختلفة وصور متعددة في السماوات والأرض والأنفس، فالآيات الدالة على ربوبية الله جل وعلا لا حصر لها.

    وفي كل شيءٍ له آية                           تدل على أنه واحد

    فآيات الله سبحانه وتعالى الدالة على ربوبيته واستحقاقه للعبادة دون غيره كثيرة لا حصر لها، وإنما ذكر المؤلف رحمه الله بعض الآيات فقال: بآياته ومخلوقاته، والآيات هنا الظاهر أن المراد بها الآيات الخلقية الكونية، واعلم أن الآيات نوعان: آيات كونية خلقية وآيات شرعية أمرية، فالآيات الشرعية هي ما تضمنته الشريعة من آيات الكتاب المبين، وما جاء في التوراة والإنجيل في الأمم السابقة، أما هذه الأمة فالآيات الشرعية: هي ما في كتاب الله عز وجل، والآيات الكونية هي العلامات الدالة على الخالق سبحانه وتعالى. وهي متنوعة كثيرة، وقوله: ومخلوقاته، هل هذا من عطف الشيء على نفسه أم من عطف المتغايرات؟ ،  والظاهر أنه من عطف الشيء على نفسه لا من عطف المتغايرات ، لأن المخلوقات آيات، فكل مخلوق من مخلوقات الله عز وجل يدل على عظمة من خلقه سبحانه وتعالى، فهذا عطف تنويع.

    قال: ومن آياته، ( من ) هنا للتبعيض، وذكر المؤلف رحمه الله الآيات الظاهرة البينة التي يدركها كل أحد، والتي توجب لفت الأنظار إليها في كتاب الله وفي سنة رسوله . فقال: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع، والأرضون السبع، ومن فيهن وما بينهما، كل هذه آيات دالةٌ على أن الرب هو الله جل وعلا، وأنه الرب لكل شيءٍ سبحانه وتعالى.

    ثمّ ذكر الدليل على الآيات فقال: والدليل قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ( ) فهذه الشمس الدوارة وهذا القمر السيّار وهذا الليل والنهار المتعاقبان كلها أدلة على ربوبية الله عز وجل لخلقه، لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ فنهى عن صرف العبادة لغيره، لأن السجود عبادة، والعبادة لا يجوز صرفها لغيره من المخلوقات، ولو كانت من المخلوقات العظيمة الباهرة، ولذلك قال: وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فأمر بالسجود لله الذي خلق هذه الآيات العظيمة وحده، فهو المستحق للسجود والعبادة، وذِكْرُ السجود هنا لا لحصره فيه، بل يشمل جميع ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى فليس المنهي عنه السجود فقط، ولا المأمور به في حق الله السجود فقط، بل المنهي عنه صرف كل نوع من أنواع العبادة من السجود وغيره، قال: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ أي: توحدون، فإن كنتم قد قمتم بحقه في توحيده وعبادته فإن من لازم ذلك أن تفردوه بالسجود له سبحانه وتعالى دون غيره، والمقصود من سياق هذه الآية بيان أن الشمس والقمر والليل والنهار من آيات الله سبحانه وتعالى الدالة على عِظَمِ الرب، وأنه سبحانه وتعالى رب كل شيء.

    وقوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ( ) فذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية خلقه للسماوات والأرض، وهما من المخلوقات العظيمة التي تكرر ذكرها في كتاب الله عز وجل، وذكر الاستواء على العرش، والاستواء على العرش صفة من صفاته التي يثبتها أهل السنة والجماعة، وينكرها المكذبون للرسل، المخالفون لهم الممثلون المشبهون المقصرون في حق الله سبحانه وتعالى، فإن تعطيلهم صفة الاستواء فرع عن تمثيلهم الاستواء الثابت لله عز وجل بالاستواء المعلوم من المخلوق.

     والعجيب: أن الاستواء مع تكرر ذكره في كتاب الله عز وجل إلا أن الفرق الضالة مطبقةٌ على إنكاره، إما إنكاراً كلياً كالجهمية، وإما إنكاراً بالتأويل الباطل، حتى إنه جاء عن جهم ابن صفوان أنه قال: وددت أن أحك من المصحف الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لضيق صدره بما تضمنته هذه الآيات من إثبات صفة الاستواء لله جل وعلا، وإنما ذكر الله عز وجل استواءه لبيان عظيم فعله سبحانه وتعالى، وعظيم ما يتصف به، قال تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ أي: يزيل الليل بالنهار والنهار بالليل، وهذه الإزالة لا تحتاج إلى وقت، ولذلك قال: يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أي: هذا الغشيان زوال الليل بالنهار وزوال النهار بالليل أمر يحصل بسرعة، ولذلك لا نجد توقفاً في الليل أو النهار، بل هما متعاقبان، يكور الله الليل على النهار والنهار على الليل، وهذا دال على عظيم صنع الله عز وجل وقدرته سبحانه وتعالى, قال سبحانه: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ مسخرات أي: مذلّلاتٍ بأمره وتدبيره سبحانه وتعالى، فسير القمر وسير النجوم وسير الشمس دليل على عظمة المدبر لهذه الأجرام العظيمة، حيث إنه لا يختل سيرها ولا يتأخر لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( ) وهذا يدل دلالة واضحة على عظم إتقان الله عز وجل لخلقه، ولذلك الآن وقبل الآن يستطيع أصحاب الحساب أن يخبروا بخسوف القمر وكسوف الشمس بالدقيقة والثانية، ومراحل الخسوف ودرجاته ومتى ينجلي، وتجد أن الأمر مطابق مطابقة تامة، وهذا يدلك على العظيم المدبر المسير المسخر لهذه الكواكب، حيث لا يتأخر سيرها ولا ثانية واحدة، فهذه آيات عظيمة تدل على عظمة من خلقها ودبرها وملكها، ثم بعد أن ذكر هذه الآيات العظيمة قال: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ألا له أي: لله جل وعلا، الخلق المراد به كل أمر قدري كوني، فجميع الحوادث الكونية القدرية ترجع إلى قوله: الْخَلْقُ وجميع أوامره الشرعية ترجع إلى قوله: وَالأَمْرُ فأوامره الخلقية غير أوامره الشرعية، فأمره سبحانه وتعالى لنا بالصلاة أمر شرعي، وأمره سبحانه وتعالى الشمس في سيرها بأن تغرب عن هذا البلد وتشرق على البلد الآخر أمر كوني.

    والفرق بينهما: أن أمره الخلقي لا يمكن أن يتخلف، وأما أمره الشرعي الديني فقد لا يتحقق، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بأوامره الشرعية: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ( ) هذا هو الفرق بين الأمر والخلق.

    ثمّ قال تعالى: تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ تبارك: يفسرها كثير من أهل التفسير بقولهم: تعالى وهو من معانيها، لكن تبارك أشمل من ذلك، فالمراد تبارك أي: كثر خيره وبركته، ومن خيره وبركته سبحانه وتعالى اتصافه بصفات الكمال وتنـزهه جل وعلا عن صفات النقص.

    تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أي: المسخر المدبر لهذه الآيات العظيمة الخالق لها.

    ثم قال رحمه الله: ( والرب هو المعبود ) بعد أن ذكر الآيات الدالة على ربوبية الله عز وجل انتقل ليبين وجوب إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، وأن الرب هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فقال: والدليل على ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( )، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.

    وهذا وجه ذكر هذه الأشياء بعد الأمر بالعبادة، فكأنه يقول: إن المستحق للعبادة هو الموصوف بهذه الصفات، وهو المدبر الخالق المالك وهذا استدلال بتوحيد الربوبية على وجوب إفراد الله بالعبادة وهو توحيد الإلهية، واعلم: أن هذا أول أمر في كتاب الله عز وجل فأول الأوامر في كتاب الله تعالى أمر الله تعالى عباده بإفراده بالعبادة في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ) أي: لتحصل لكم التقوى، والتقوى هنا من عذاب الله وسخطه، ولأن العبادة هي سبب زيادة التقوى وقرارها في قلب العبد، ولذلك لم يذكر ما يتقى ليشمل الجميع، فقوله: تَتَّقُونَلم يذكر المعمول معمول التقوى هنا، وفائدة هذا: هو التعميم.

    الدرس الثالث

    وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى، والدليل قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( )، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر، والدليل قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ( ). وفي الحديث: ( الدعاء مخ العبادة ) والدليل قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ( )، ودليل الخوف قوله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( )، ودليل الرجاء قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( )، ودليل التوكل قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( )، وقال: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ( )، ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ( )، ودليل الخشية قوله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ( )، ودليل الإنابة قوله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ( )، ودليل الاستعانة قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ( )، وفي الحديث: ( إذا استعنت فاستعن بالله )( )، ودليل الاستعاذة قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( )، وقوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ( )، ودليل الاستغاثة قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ( )، ودليل الذبح قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( )، ومن السنة: ( لعن الله من ذبح لغير الله )( )، ودليل النذر قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ( ).

    هذا بداية تفصيل لما يجب إفراد الله سبحانه وتعالى به من العبادات، قال المؤلف رحمه الله: مثل الإسلام والإيمان والإحسان وفهمنا من هذا أن المؤلف رحمه الله لن يستوعب ذكر العبادات، إنما مقصوده التمثيل لأهمها، وبدأ رحمه الله في ذكر العبادات بذكر أصولها، فأصول العبادات الإسلام والإيمان والإحسان، فكل العبادات ترجع إلى هذه الأنواع الثلاثة، الإسلام ترجع إليه عبادات الجوارح الظاهرة، والإيمان يرجع إليه عبادات القلب، والإحسان هو منتهى العبادة القلبية، فهذه الأمثلة الثلاثة هي مراتب الدين، ولذلك لما جاء جبريل وسأل عنها في حديث عمر في الحديث الطويل المشهور قال رسول الله : (( هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم )) فوصف ما تضمنه الحديث بأنه الدين أو أمر الدين، المهم أن هذه المراتب الثلاث هي مراتب الدين وهي أصوله، ثم بعد ذلك فرّع المؤلف رحمه الله أمثلةً فقال: ومنه الدعاء، واعلم: أن الدعاء في كتاب الله عز وجل يطلق ويراد به دعاء العبادة، ويطلق ويراد به دعاء المسألة، فحيث ما ذكر الله الدعاء فيصلح أن يكون دعاء العبادة ويصلح أن يكون دعاء المسألة، إلا في مواضع ينصرف عن دعاء المسألة في قوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ( ) فهنا المراد بالدعاء دعاء المسألة فالدعاء والدعوة في كتاب الله عز وجل يراد بها دعاء العبادة ودعاء المسألة وأظن أن التفريق بينهما واضح: دعاء العبادة هو كل عبادة يتقرب بها الإنسان لله عز وجل ودعاء المسألة هو ما ينزله العبد بربه من الحوائج.

    قال رحمه الله: والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر،

    هذه الأمثلة منها ما هو عبادات قلبية وهو الأكثر والغالب ومنها ما هو عبادات فعلية.

     ومنها ما هو عبادات قولية. فمثل رحمه الله لجميع العبادات: العبادات القولية، العبادات الفعلية، العبادات القلبية.

    قال رحمه الله: وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى.

    المؤلف رحمه الله ذكر أمثلة للعبادة،  والضابط الذي ينتظم جميع العبادات : هو " أن العبادة     اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة " وهناك تعريف آخر وهو أسهل وأوضح وهو أن يقال: " العبادة كل ما أمر الله به ورسوله سواء كان أمرَ وجوبٍ أو أمر استحباب فإنه عبادة " ولذلك من الأحسن أن يضاف للتعريف الأول للعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة الواجبة والمستحبة؛ حتى يتضح أن العبادات لا تقتصر فقط على الواجبات، بل حتى المستحبات داخلة في مسمى العبادة.

    يقول رحمه الله في الاستدلال لهذه لأمثلة التي ذكرها من العبادات: والدليل على ذلك قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً( ) هذا دليل لجملة ما تقدم من العبادات، فكل عبادة يصح الاستدلال على عدم جواز صرفها لغير الله تعالى بقوله سبحانه وتعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وقلنا: إن المساجد هنا هي أماكن العبادة، جمع مسجد وهو اسم مكان العبادة، فإن الله سبحانه وتعالى جعل أماكن العبادة مستحقةً له، وهذا يفهم منه أن ما يكون فيها يجب أن يكون له، ولذا أكد ذلك بقوله: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً وهذا يشمل النهي عن دعاء المسألة ودعاء العبادة، وقوله: أَحَداً نكرة في سياق النهي فتفيد العموم كائناً من كان.

    قال رحمه الله: فمن صرف منه شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر.

    لا إشكال في ذلك: من صرف أيَّ نوعٍ من أنواع العبادات لغير الله عز وجل ولو أفرد بقية العبادات لله سبحانه وأخلصها له فإنه لا ينفعه، بل هو مشرك.

    قال: والدليل قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ( ) هذا دليل على عدم جواز صرف العبادة لغير الله عز وجل، وأن من صرف شيئاً منها فقد كفر وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ فالشرط في قوله: وَمَنْ يَدْعُ جوابه في قوله: فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وهذا فيه التهديد والوعيد لكل من دعا غير الله عز وجل، فمن يدعو مع الله إلهاً آخر ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو حجراً أو صنماً أو غير ذلك، كل ذلك يدخل في هذه الآية، وفائدة قوله تعالى: لا بُرْهَانَ لَهُ: أنه وصف كاشف، وفائدة الوصف الكاشف: زيادة البيان والتوضيح والتسجيل على هؤلاء الذين صرفوا العبادة لغير الله بأنهم صرفوها بلا بينة ولا برهان. وفي هذه الآية قال: فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ثم صرح بالحكم على هؤلاء فقال: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ فحكم عليهم بالكفر لأن الخطاب فيمن دعا مع الله إلهاً آخر، فأخبر بأن حسابه عند ربه، وأنه لا يفلح الكافرون، فتبينت نتيجة الحساب، وهي عدم الفلاح، فنفى عنه تحصيل المطلوب والأمن من المرهوب. وهذه الآية دالة، ووجه دلالتها على أن من صرف شيئاً فقد أشرك وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ قوله: إلهاً نكرة في سياق الشرط فتعم كل مدعو. وتعم أيضاً كل دعاء، فالعموم في المدعو والعموم في الفعل أيضاً، وهو الدعاء، واعلم أنه يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله قاعدة مفيدة، فقال: " حيثما رأيت الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه دعاء الكفار والمشركين فاعلم أن المقصود به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة"، وهذا يريحك إذا ضبطت هذا الضابط واستحضرته أراحك فيما ذكره الله عز وجل من الدعاء والدعوة عن المشركين في كتابه. فان المقصود به دعاء العبادة المتضمن لدعاء المسألة.

    قال رحمه الله في الاستدلال على أفراد العبادات التي مثل بها:

     وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة" ( ) هذا الحديث رواه الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه، وهو حديث متكلم فيه، وأصح منه ويحصل به المقصود في الاستدلال: اللفظ الآخر، وهو قوله : " الدعاء هو العبادة "( ) وأدلة كون الدعاء عبادةً كثيرة واضحة.

    قال: والدليل قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ( ).

    هذا فيه أيضاً الاستدلال على الدعاء في قوله: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، والدعاء المأمور به في الآية: دعاء العبادة ودعاء المسألة.

    فإذا كان دعاء عبادة  فإن استجابته هي الإثابة من الله سبحانه وتعالى عليه.

    وإذا كان دعاء مسألة فاستجابته حصول مقصود الداعي والإثابة عليه أيضاً؛ لأن كل من دعا ولو كان دعاؤه بأمر دنيوي فإنه يثاب على دعائه، يعني لو قال: اللهم ارزقني مركباً هنيئاً وزوجةً صالحة، وبيتاً واسعاً فهذه من أمور الدنيا مما يتمتع به في الدنيا، إذا سأل الله عز وجل فإن استجابة الله له تكون بإثابته عليه، وهذا محقق لكل داعٍ.

     الأمر الثاني: وهو حصول مطلوبه فهذا قد يحصل وقد لا يحصل، بناءً على حكمة الله عز وجل في تحقيق مطلوب العبد أو ادخار ذلك له في الآخرة أو دفع شرٍ عنه نظير ما دعا أو مثل ما دعا.

     و قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي فيه دلالتان:

    الأولى: أن دعاء المسألة من العبادة، والثانية: أن المراد بالدعاء السابق في أول الآية ما هو أعمّ من دعاء المسألة وهو دعاء العبادة.

    قال: ودليل الخوف قوله تعالى: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

    واعلم أن الخوف الذي يجب إفراد الله سبحانه وتعالى به هو خوف السر، فهذا نهى الله سبحانه وتعالى عن صرفه لغيره، وخوف السر: هو الخوف الذي يتقرب به الخائف للمخوف ويتعبد به الخائف للمخوف منه، وذلك بأن يستحضره في الغيب والشهادة وفي السر والعلن، ولذلك سماه العلماء بخوف السر يعني: الخوف العبادي الذي يحمل الإنسان على فعل الطاعات وترك المنكرات، فهذا لا يجوز صرفه لغير الله، ومن صرفه لغير الله فقد أشرك شركاً أكبر يحرِّم عليه الجنة ويوجب له النار، هذا النوع الأول من الخوف الذي نهي عن صرفه لغير الله عز وجل.

    والنوع الثاني من أنواع الخوف التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها عباده المؤمنين هو الخوف المقعد عن الطاعة أو الخوف الحامل على المعصية، فهذا الخوف ليس من الشرك، ولكنه معصية يعاقب عليها الإنسان، فإذا حمل الخوف الإنسان على ترك الجهاد مثلاً أو حمله على ترك طلب العلم أو حمله على عدم فعل ما يجب عليه فإنه معصية يأثم عليها، ولكن هل يكون قد قارف شركاً بهذا النوع من الخوف ، لا ليس هذا من الشرك.

    أما النوع الثالث من الخوف: فهو الخوف الطبيعي، والخوف الطبيعي منه ما هو مذموم ومنه ما ليس بمذموم، مثال الذي ليس بمذموم قوله تعالى: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ( ) في قصة موسى عليه السلام، فهذا الخوف ليس بمذموم، لأنه خوف مما يوجب الخوف، ويحصل منه الخوف عادة، أما الخوف الذي ينشأ عن الأوهام فإنه خوف مذموم، ومن الخوف ما يكون جبناً فإنه مذموم، لكنه ليس بشرك، ولكنه يكون من المعاصي.

    قال: ودليل الرجاء قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( ) ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الرجاء بعد الخوف، لأنه قرينه، فالإنسان له جناحان يطير بهما، الخوف والرجاء، وبهما يبلغ المأمن، وسيأتي تفصيل ما يتعلق بالخوف والرجاء وأيهما يغلب في شرحٍ مفصل.

    قال المؤلف رحمه الله: ودليل التوكل قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ( ) وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ( ) والتوكل هو صدق الاعتماد على الله عز وجل في جلب المحبوب ودفع المكروه , وهذا يجب إفراد الله سبحانه وتعالى به لفظاً وعقداً، أما لفظاً فلا يجوز أن تقول: توكلت على فلان، إنما تقول: وكلت فلاناً، وأما عقداً فلا يجوز أن تركن بقلبك وأن تعتمد على غير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه وتعالى، بل يجب تمحيض الاعتماد وتخليصه من كل نظرٍ إلى مخلوق أو سبب،

    قال رحمه الله في الاستدلال على التوكل: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي: كافيه، وهذا فيه الأمر بالتوكل، وفيه أن المتوكل على الله يحصّل مطلوبه.

    قال: ودليل الرغبة والرهبة والخشية قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ( ) فالرغبة هي الصدق في الرجاء، والرهبة هي الصدق في الخوف، فالرغبة إذاً: نوع من الرجاء وهي أعلاه، والرهبة نوع من الخوف وهو منتهاه، قال: والخشوع هو الذل لله عز وجل، واعلم أن الذل أمر لا تستقيم العبادة بغيره، وهو من أركان العبادة العظيمة التي ينشأ عنها الكثير من العبادات القلبية من الإخبات، والإنابة، والتواضع، وغير ذلك من عبادات القلب، ولذلك قال: وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ هذا في بيان مجمل حالهم أنهم خاشعون لله سبحانه وتعالى،

    قال: ودليل الخشية قوله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي( ) والخشية نوع من الخوف، لكنها تفارق الخوف بأنها خوف مع علم، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ( ) فالخشية خوف مع علم، وذكرت فروق أخرى، ولكن هذا أبرزها.

    قال: ودليل الإنابة قوله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ( ) والإنابة هي الرجوع، وحقيقة الإنابة عكوف القلب على طاعة الله ومحبته والإقبال عليه.

    قال رحمه الله: ودليل الاستعانة قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فالاستعانة طلب العون، وطلب العون من الله جل وعلا يكون على الأمور الدينية وعلى الأمور الدنيوية. فإن لم يحصل من الله عون للفتى وللمرء في تحصيل مطلوباته فإنه لا يحصل شيئاً، ولا يصيب غرضاً، وقد ذكره الله في كتابه بعد العبادة لأنها فرع الإقرار بعبودية الله سبحانه وتعالى، فإن من أقرّ بأن الله هو المعبود طلب العون منه وحده، لأن المعبود هو الكامل في أوصافه جل وعلا، إِيَّاكَ نَعْبُدُ فيه إثبات ألوهيته سبحانه وتعالى، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فيه إثبات ربوبيته، لأنه إنما يستعان بالمالك الرازق المدبر الخالق الذي بيده الأمر وله الأمر كله جلّ وعلا.

    قال: وفي الحديث: (( إذا استعنت فاستعن بالله ))( ). واعلم أن إفراد الله بالاستعانة وإخلاص الاستعانة به سبحانه دون غيره وإخلاص الاستعانة له كل هذا في استعانة العبادة، وأما الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه وهو حاضر أو وهو غائب ويتصل به إما مباشرة أو بكتاب فإن هذا ليس محذوراً، ولا يخل بالتوحيد، ولكن تركه من كمال العبد، ولذلك كان الأصل في سؤال الناس وطلبهم النهي.

    قال: ودليل الاستعاذة قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس ِ ( ) الاستعاذة هي طلب العوذ.

    ودليل الاستغاثة قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ( ) والاستغاثة طلب الغوث، والفرق بينهما: أن الاستعاذة دفع والاستغاثة رفع، فالاستعاذة طلب دفع الشر قبل وقوعه، هذا في الغالب، والاستغاثة طلب رفعه بعد نزوله، واعلم أن الاستعاذة والاستغاثة تارةً تكون عبادةً، فلا يجوز صرفها لغير الله عز وجل، وتارةً تكون عادةً، فيجوز طلبها من المخلوق، نظير الاستعاذة التي تجوز من المخلوق ما جاء في صحيح مسلم أن النبي قال: (( من سمع به فلينأ عنه" وفيه قال: "من وجد معاذاً أو ملاذاً فليعذ به )) فدل ذلك على جواز الاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه إذا كان حاضراً، وكذلك تجوز الاستغاثة بالمخلوق في الأمر العادي الذي يقدر عليه وهو حاضر، ومثال هذا ما جرى من صاحب موسى فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ( ) فدل ذلك على جواز طلب الاستغاثة من المخلوق الحاضر فيما يقدر عليه.

    إذاً فهمنا أن الاستعاذة والاستغاثة والاستعانة تارةً تكون عبادة فلا يجوز صرفها لغير الله عز وجل، وتارةً تكون عادةً فهذا يجوز بالقيود التي تقدمت.

    قال رحمه الله: ودليل الذبح قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَلا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( ). والذبح لغةً: هو شق حلق الحيوان، والمراد به هنا: ذبح ما يتقرب به لله، وقوله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي الصلاة قيل: المراد بها الدعاء، وقيل: المراد بها الصلاة المعروفة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، فالصلاة لله جل وعلا، وقوله: وَنُسُكِي النسك قيل في تفسيره هو: ما يتقرب به إلى الله عز وجل من الذبائح والقرابين، وقيل: إن النسك هنا يشمل كل ما يتعبد به، والنسك لغةً يطلق على ما يتقرب به من العبادات غير الذبح، ومنه الحج والعمرة، فالمناسك هنا لا تقتصر على الذبح والتقرّب به فقط، بل النسك يشمل الذبح ويشمل غيره، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي أي: عمل حياتي وعمل موتي، كل هذا لله رب العالمين، وهذا فيه بيان وجوب إفراده سبحانه وتعالى بذلك، لأنه أخبر وأمر النبي بالقول في هذه الآية لتبليغ هذا بخصوصه على أنه هو المستحق لذلك دون غيره، لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قوله: لِلهِ استحقاقاً، وقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ هذا فيه بيان وجه استحقاقه، وقوله: لا شَرِيكَ لَهُ هذا فيه بيان انفراده بذلك وتأكيد ما تقدم في قوله: لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ثم قال: وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ يعني: أن هذا الإفراد وهذا الإخلاص ليس أمراً من قبل نفسي، بل هو أمر من الله سبحانه وتعالى، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي: أول المنقادين المبادرين لامتثال هذا الأمر، وهو في قوله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ والإسلام هو الانقياد.

    يقول: ومن السنة: (( لعن الله من ذبح لغير الله ))( ) واللعن يقتضي تحريم الفعل الملعون صاحبه. والذبح على أنواعٍ نبينها على وجه الإيجاز:

    النوع الأول: الذبح لله عز وجل مع ذكر اسمه، هذا هو المأمور به فتذبح لله قصداً وتفرده لفظاً، فتقول: باسم الله عند الذبح، هذا الذي أمر الله سبحانه وتعالى به وأحله لأهل الإسلام.

    الثاني من أنواع الذبح: الذبح لغير الله قصداً ولفظاً، فيقصد بذبيحته مثلاً ولياً من الأولياء أو ملكاً من الملائكة أو أحداً من الجن أو صنماً، ويسمي المقصود، فيذبح مثلاً لعلي بن أبي طالب، أو للحسين بن علي قصداً، يعني: يريد التقرب إليه بهذا الذبح باسم الحسين أو باسم عليٍ أو باسم النبي أو باسم جبريل، هذا كله شرك أكبر يخرج صاحبه من الملة. وهذا لا إشكال فيه، ولا خلاف بين أهل العلم: في أن من فعل هذا فقد خرج من دائرة الإسلام، وخلع ربقة الإيمان، وليس من أهل القبلة، لوقوعه في الشرك الذي جاءت الرسل بالتحذير منه والنهي عنه.

    النوع الثالث: أن يذبح لله قصداً ويذكر اسم غيره لفظاً، ففي العقيقة مثلاً يتقرب إلى الله بالذبح وفي الهدايا التي تهدى إلى البيت الحرام، يقصد بها التقرب إلى الله عز وجل، لكن عند الذبح يذكر غير الله، يذكر ملكاً، أو إنساً أو جناً أو ما إلى ذلك مما يُشرك به وتصرف العبادة إليه، فهذا شرك وكفر كالنوع الثاني، وإن كان أخف منه درجة. لكنه شرك وكفر، لأنه مما أهلّ به لغير الله.

    النوع الرابع: أن يقصد بالذبيحة غير الله ويذكر اسم الله عليها، فيقصد بالذبح ولياً أو نبياً أو ملكاً أو غير ذلك، وعند الذبح يقول: باسم الله ، وحكم هذه الذبيحة : أنها محرّمةٌ لا يحلّ أكلها، وفعل الذابح شرك أكبر، لأن النبي قال: ((إنما الأعمال بالنيات))( ) ولأنه ذبح لغير الله، فلم يحقق قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ) هذه الأقسام على وجه الإيجاز في الذبح.

    قال رحمه الله: ودليل النذر قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً( ) والنذر هو أن يلزم المكلف المختار نفسه لله شيئاً ممكناً بأيِّ صيغة كانت أي: بأيِّ قولٍ كان، كأن يقول: لله عليّ صوم كذا إن فعلتُ، أو إن لم أفعل كذا، أوغير ذلك من الصيغ التي تفيد الالتزام، والأصل في النذر أنه منهي عنه، ولكن إذا نذر الإنسان وجب عليه الوفاء بنذره، لثناء الله عز وجل على الموفين بقوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ولقول النبي : (( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصِه ))( )، والنذر أيضاً لا يجوز صرفه لغير الله، لأنه عبادة من العبادات التي يجب أن يفرد بها الله سبحانه وتعالى، فمن نذر لغير الله ولو بعود كبريتٍ تقرباً فإنه قد وقع في الكفر والشرك وخرج من الإسلام، واعلم أن الشرك قليله وكثيره سواء، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحذر منه غاية الحذر، ومقصودي بقليله وكثيره: أنه يستوي فيه الحكم بخروج الإنسان عن الإسلام إذا كان شركاً أكبر، وفي حصول التهديد والعقوبة له إن كان شركاً أصغر.

    وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف رحمه الله من أمثلة العبادة والأدلة عليها، وبهذا يكون قد انتهى الأصل الأول إن شاء الله تعالى.

    الدرس الرابع

    الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، وكل مرتبة لها أركان:

    فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.

    فدليل الشهادة قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( ) ومعناها لا معبود بحق إلا الله. لا إله نافياً جميع ما يعبد من دون الله، إلا الله مثبتاً العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته كما أنه لا شريك له في ملكه، وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ  إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( ) وقوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( ).

    أما بعد: فهذا هو الأصل الثاني من الأصول التي تضمنتها هذه الرسالة المباركة، وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة، والأدلة الدالة على هذا الدين القويم أدلةٌ متنوعة، أدلة خلقية وأدلة سمعية، يعني: أدلة مشاهدة وأدلة متلوّة، فأما الأدلة المشاهدة فهي ما لفت الله عز وجل إليه الأنظار من الآيات السماوية والأرضية، العلوية والسفلية، الدالة على صدق ما جاءت به الرسل وصحة ما جاء به النبي من دين الإسلام، وأما الأدلة المتلوّة السمعية: فهو هذا الكتاب المبين، القرآن الحكيم، الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على خاتم النبيين.

     والإسلام يتوصل إلى صحته عن الطريقين جميعاً، عن طريق النظر في الأدلة الخلقية، ولذلك أمر الله بالنظر إليها، وعن طريق النظر بالأدلة السمعية الأدلة المتلوة الدالة على صحة هذا الدين القويم، وأنه من لدن حكيم خبير، فقوله: ( بالأدلة ) يشمل هذين النوعين، ثم بين المؤلف رحمه الله الدين بقوله: ( وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة) – وعندي - (والخلوص من الشرك )

    وهذه الأمور الثلاثة بها يستقيم إسلام الإنسان، والمراد به: الاستسلام لله بالتوحيد، هذا هو الأصل الذي اتفقت عليه الرسل، ولتأكيد هذا قال: والخلوص من الشرك، فإنه لا يحصل تمام الاستسلام لله بالتوحيد إلا بالبراءة من الشرك، قال الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ( ) فجعل الاستمساك بالعروة الوثقى مرتبةً على أمرين: على الكفر بالطاغوت، وعلى الإيمان بالله تعالى، فلا يحصل لأحد الاستمساك بالعروة الوثقى و الإقرار على الإسلام إلا بهذين الأمرين، وهما اللذان عرّف بهما الشيخ رحمه الله الإسلام بقوله: ( وهو الاستسلام لله بالتوحيد والخلوص من الشرك )، أما الانقياد له بالطاعة فلا إشكال أنه من الإسلام، وأنه لا يكون المرء مسلماً إلا بانقياده لله جل وعلا بالطاعة فيما أمر وبالطاعة في اجتناب ما نهى عنه وزجر، وهو من لوازم الاستسلام لله تعالى، وإنما أفرده بذكر مستقل لأنه أراد أن يحصل في هذا التعريف الإحاطة بالإسلام الظاهري والباطني، يعني بإسلام القلب والجوارح، وإلا لو قال: الإسلام هو الاستسلام لله وحده لكفى في بيان ماهية الإسلام، ولذلك عرّف شيخ الإسلام ابن تيمية الإسلام بقوله: " الإسلام وهو الاستسلام لله وحده"، وأصله في القلب بالخضوع، والمحبة، والخوف، والرجاء، وإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، وبالجوارح، يعني في باب العمل بالانقياد له سبحانه وتعالى، فلا يقر الإسلام في قلب أحد إلا بهذين.

    ثم بعد أن ذكر البيان المجمل لهذا الدين أراد ذكره على وجه التفصيل، فقال رحمه الله: (وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان) وبه نعرف أن التعريف السابق يشمل جميع هذه المراتب، فالإسلام الذي تقدم تعريفه هو الدين الذي جاء به النبي ، المتضمن لجميع ما أمر به ونهى عنه ودعا إليه، وهذا الذي أمر به أو نهى عنه أو دعا إليه يندرج تحت ثلاثة أمور، هي المراتب التي أشار إليها بقوله: ( وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان) هذه هي مراتب الدين، والدليل على هذه المراتب الثلاث وأنها تشمل الدين ويندرج تحتها جميع ما جاء به الرسول حديث جبريل: فإنه أتى النبي وسأله عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان، فأجابه النبي عن ذلك كله، ثم قال النبي في آخر الحديث: (( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم )) وفي رواية ((أمر دينكم ))( ) فجعل ما تقدم ذكره من بيان الإسلام والإيمان والإحسان تعليماً لأمر الدين، ولذلك كان هذا الحديث الأصل الذي يجب على كل أحد، فمن أنكر شيئاً مما تضمنه هذا الحديث في الإسلام والإيمان والإحسان فإنه لم يقر بالنبي ، ولم تثبت قدمه في دين الإسلام، وهذه المراتب الثلاث يدخل بعضها في بعض، فالإسلام أوسعها دائرة، فهو ينتظم الإيمان والإحسان، وأخص منه الإيمان، وأخص منه الإحسان، وسيأتي تفصيلها في كلام المؤلف رحمه الله. ودليل هذه المراتب من كتاب الله عز وجل قوله سبحانه وتعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ( ) فهذه المراتب الثلاث تقابل المراتب المذكورة في كلام الشيخ رحمه الله، وهي المضمنة في حديث جبريل، واعلم: أن هذه الأسماء الثلاثة إذا افـترقت دل كل واحد منها على مضمون الآخر، وإذا اجتمعت كما هو الحال في حديث جبريل اختص كل اسمٍ بمعنى مستقل، والجامع لهذه المعاني: أن الإسلام يتعلق بالعمل الظاهر, والإيمان يتعلق بعمل القلب، والإحسان هو الغاية في عمل القلب وعمل الظاهر، يعني: الإحسان هو المنـتهى في أعمال القلوب والجوارح، فمن حقق الإحسان يكون حقق الإحسان والإيمان والإسلام، ومن حقق الإيمان فإنه قد حقق مع الإيمان الإسلام فقط، دون الإحسان، لأن الإحسان مرتبة فوقهما، ومن أتى بالإسلام لا يكون قد حصل مرتبة الإيمان ولا الإحسان من باب أولى.

    والدليل على ذلك قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ( ) فدل ذلك على أن المتصف بالإسلام قد لا يتحقق به وصف الإيمان.

    نبدأ في بيان ما ذكره المؤلف رحمه الله في كل مرتبة، قال: ( وكل مرتبةٍ لها أركان، فأركان الإسلام خمسة)، دليل ذلك حديث جبريل الذي فيه أن النبي سئل عن الإسلام فأجاب بقوله: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت " فذكر الأركان الخمسة، ويدل عليه أيضاً: حديث ابن عمر: " بني الإسلام على خمس. . . " الخ، هذا هو الدليل لهذه الأركان، قال المؤلف رحمه الله: ( فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام) ثم انتقل من الإجمال إلى التفصيل في دليل كل ركن من هذه الأركان، فقال رحمه الله: ( فدليل الشهادة قوله تعالى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( )، مراده الشهادة لله تعالى وحده بالألوهية، واستدل على وجوب الشهادة لله تعالى وحده بقوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ووجه الدلالة على وجوب الشهادة لله تعالى: أن الله سبحانه وتعالى شهد لنفسه على انفراده بالألوهية، وشهادة الله سبحانه وتعالى تتضمن الحكم والقضاء والإلزام، ولذلك فسّر جماعة من السلف قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ  بقضى الله، وهذا لا غرابة فيه، فإن شهادة الله قضاء، وحكم، وفصل، وإلزام، ودليل ذلك قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ( ) فالشهادة قضاء كما أن الشهادة إعلان وإخبار وإظهار وبيان، وهي لا تكون إلاّ عن علم، فكذلك هي في حق الله تعالى تكون حكماً وقضاءً شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وهذه شهادته سبحانه وتعالى لنفسه بالإلهية، وأنه لا إله غيره، وأشهد على هذا الأمر طائفتين من الخلق، هما أشرف الخلق فيما نعلم، الملائكة - وهم عالم غيبي، خلقوا من نور، وهم من أشرف خلق الله عز وجل – وأولو العلم، والمقصود بأولي العلم : النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون،كل هؤلاء يدخلون في قوله تعالى: وَأُولُو الْعِلْمِ ووصفهم بالعلم لأن هذه الشهادة لا تكون إلاّ من عالم، ثم قال سبحانه وتعالى: قَائِماً بِالْقِسْطِ هذه من حيث الإعراب حال من الضمير في قوله: إِلَّا هُوَ فيكون قد شهد الله سبحانه وتعالى لنفسه في هذه الآية بأمرين: شهد لنفسه بالألوهية، وشهد لنفسه بأنه سبحانه وتعالى قائمٌ بالقسط، وقيامه بالقسط أي بالعدل، فهو سبحانه وتعالى القائم على كل نفس بما كسبت، القائم بنفسه المقيم لغيره جل وعلا، وهذا الإعراب أحسن من قولنا في قوله: قَائِماً بِالْقِسْطِ : إنه حال من لفظ الجلالة ( الله ) لأن هذا الإعراب الذي قدمناه أشمل في المعنى، فيكون شهد الله وشهد الملائكة وشهد أولو العلم بأمرين: شهدوا لله بأمرين:

    بالألوهية، وأنه سبحانه وتعالى قائمٌ بالقسط، ثم كرر إفراده بالألوهية بقوله: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ  والتكرار لتأكيد الشهادة المتقدمة، وليتلفظ بها القارئ انفراداً، فيكون من الشاهدين، لأن مقدم الآية خبر عن شهادة الغير ولذلك قال سبحانه وتعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ   وهل قراءة هذه الشهادة تحصل بها الشهادة من القارئ ؟ الجواب أنها لا تحصل، ولذلك كررت كلمة التوحيد ليتلفظ بها القارئ حتى يدخل في زمرة أولي العلم، فقال: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ سبحانه وتعالى  هو عزيز فيمتنع من أن يكون له شريك، وحكيم: فلا يمكن أن يسوى غيره به في شيء مما يختص به.

    ثم قال رحمه الله: ( ومعناها ) أي معنى هذه الشهادة، وهي شهادة أن لا إله إلاّ الله، ( لا معبود بحقٍ إلاّ الله وحده )، وأتى بـ ( معبود ) من الشهادة التي يفسرها في قوله تعالى: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ففسّر كلمة ( إله ) ( بمعبود ) وهذا تفسير مطابق، فالإله في كلام العرب هو المعبود، فالإله مأخوذ من: أله بمعنى (مألوه ) وهو الذي تألهه القلوب محبةً وتعظيماً، وخضوعاً وذلاً، وخوفاً ورجاءً، والأصل في تعريف الإله في كلام العرب: أنه اسم لمن قُصِدَ بشيءٍ من العبادة، وهذا أصح ما قيل في معنى كلمة ( إله ) أما في هذا السياق فالمراد به: لا معبود حقٌ إلاّ الله. من أين أتى المؤلف رحمه الله بكلمة ( حق ) هل هي موجودة في الشهادة ؟ ليست موجودةً في لفظ الشهادة، ولا أحد يقول لا إله حق لفظاً، ولكنّ هذه الجملة لابد فيها من خبر ( لا إله إلاّ الله ) وإعرابها ( لا ) نافية للجنس، و( إله ) اسمها، مبني على الفتح، ( إلا الله ) إلا أداة استثناء للفظ الجلالة، وليس الاستثناء خبرها ، لأنه لا يصلح أن يكون خبراً لها لا لفظاً ولا معنى، أما كونه لا يصلح لفظاً فلأن ( لا ) لا تعمل إلا في النكرات.

    كما قال ابن مالكٍ رحمه الله تعالى:

    عمل إن اجعل ل(لا) في النكرة               مفردة جاءتك أو مكررة

    فهي تعمل فقط في النكرات، ولفظ الجلالة ( الله ) فهو معرفة بل لفظ الجلالة أعرف المعارف على الإطلاق، فلا يمكن أن تعمل فيه ( لا ) من حيث اللفظ واللغة.

     وأما من حيث المعنى فكذلك، لأن جَعْلنَا لفظ الجلالة خبراً يقتضي إقراراً لمعبوداتٍ من دون الله، لأن المعنى يكون: لا معبود إلا الله، وهذا ليس بصحيح، فهناك معبودات كثيرة غير الله عز وجل، ولهذا احتاج العلماء إلى تقدير خبر لهذه الجملة، واختلفوا في تقدير الخبر، فمنهم من قال: ( لا اله ) أي لا معبود في الوجود، ومنهم من قال: ( لا إله حق ) وهذا التقدير هو الأصوب، لأن تقدير في الوجود يلزم عليه أن يكون كل من قصد بعبادة حقاً، وهذا ليس بصحيح، إنما الذي يراد من هذه العبارة ومن هذه الجملة: هو إثبات أن الله هو الإله الحق، ولذلك قال سبحانه وتعالى: فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( ) وهذا التقدير أصوب ما قيل في التقدير، وقد سبق ذكر الدليل على ذلك، فيكون المعنى: لا معبود حق إلاّ الله تعالى، يعني لا إله يقصد بشيء من العبادة وهو مستحق لها وأهل لتلك العبادة إلا الله، فإنه هو المستحق للعبادة دون غيره ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ( ).

    قال المؤلف رحمه الله: ( لا إله نافياً جميع ما يعبد من دون الله إلا الله، مثبتاً العبادة لله وحده ) وهذا يفيدنا أيها الإخوة أن التوحيد لا يحصل ولا يتم إلا بركنين: إثبات، ونفي، فالنفي هو : أنّ (لا إله) نفي لجميع ما يعبد من دون الله تعالى (إلا الله) وحده لا شريك له، وتأمل فيما ذكره الله عز وجل في كتابه من آيات التوحيد، تجد أنها سائرة على هذا النسق، فلا بد من ذكر نفي وإثبات، لأن بذلك يحصل كمال التوحيد.

     قال المؤلف رحمه الله: ( لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه )

    وهذا كالدليل لما تقدم ذكره من تقدير في قوله: لا معبود حق إلا الله، فالشيخ رحمه الله يقول: وجه هذا التقدير أنه لا يستحق العبادة إلاّ الله، كما أنه ليس له شريك في ملكه، وهذا استدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية.

    قال المؤلف رحمه الله: وتفسيرها الذي يوضحها وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( )، فقوله: ( وتفسيرها ) الضمير يعود إلى شهادة أن لا إله إلا الله، (الذي يوضحها) ويبينها ويجليها قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ، إِذْ  ظرف لما مضى من الزمان، ولابد له من متعلق، ومتعلقه في مثل هذا السياق ( اذكر ) يعني اذكر إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه: إِنَّنِي بَرَاءٌ براء مصدر يستوي فيه المفرد والجمع، والمراد من ذلك: إنني بريء، فهو تبرؤٌ من عبادة قومه للأصنام، وهو معنى قوله تعالى: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ( ) فالبراءة اجتناب لما كان عليه قومه، ولذلك قال: مِمَّا تَعْبُدُونَ يعني من الذي تعبدونه، فما موصولة بمعنى الذي، فتبرأ مما يعبدون ثم قال: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي وهذا استثناء، إما أن يكون استثناء متصلاً، أو استثناء منقطعاً، على قولين لأهل العلم، فالاستثناء المتصل يلزم عليه أن يكون قومه يعبدون الله وغيره، يعبدون الأصنام ويعبدون الله مع الأصنام، فهذا هو المعنى بناءً على جعل الاستثناء متصلاً، أما المعنى على كون الاستثناء منقطعاً فإن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا لا يعبدون إلاّ الأصنام فقط، ولا يعبدون الله مع الأصنام، ويكون تقدير الكلام: إنني براء مما تعبدون، لكن الذي فطرني فهو الذي أعبده وأفرده بالعبادة وحده.

    ثم قال: ومعنى الذي فطرني أي: الذي خلقني، فإنه سيهدين، وهذا فيه التعليل لإفراده بالعبادة، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي يملك الهداية، وأن هذه البراءة من هداية الله له، وأن كل من خالف هذه البراءة لفظاً أو معنىً فإنه بعيد عن هداية الله سبحانه وتعالى، فكما قال جل وعلا في نبأ إبراهيم: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( )، جَعَلَهَا الضمير هنا يعود إلى الكلمة وهي البراءة من الشرك المتمثل بعبادة قومه للأصنام، وهي الشهادة والكلمة الباقية في عقبه، فِي عَقِبِهِ يعني في ذريته وخلَفِهِ في أولاده وأولاد أولاده، وذلك بما تعاهد به إبراهيم أبناءه من الوصية كما ذكر الله عز وجل في سورة البقرة من وصيته لأولاده بأن يلزموا هذا الدين، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي لعلهم يرجعون إلى هذه الكلمة ويلتزمونها، وجه الدلالة: أن شهادة أن لا إله إلا الله تستلزم البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وأنه لا يستقيم التوحيد إلاّ بإفراد الله عز وجل بالعبادة والخلوص من الشرك والبراءة من أهله، وهو معنى قوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى( ) فجعل الاستمساك بالعروة الوثقى مرتباً على هذين الأمرين، وانظر إلى حسن تأليف المؤلف رحمه الله وقوة تصنيفه حيث لم يفسر هذه الكلمة أو لم يوضحها ويشرحها بكلام من عنده، وإنما وضحها بكلام الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبهذا يلقم خصومه حجراً، لأنه لا يمكن لأحد أن يعارض كلام الله عز وجل إلا من كان في قلبه زيغ.

    ثم قال رحمه الله في بيان هذه الشهادة ومعناها:  وقوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( )، قوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ وهم اليهود والنصارى تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ   سواء أي مستوٍ أمرها بيننا وبينكم، وقيل: كلمة سواء أي كلمة عدل، وهذه الكلمة : هي أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً هذه هي الكلمة العدل، وهي الكلمة التي استوى فيها أهل الإسلام مع أهل الكتاب، لأن دعوة المرسلين على اختلافهم واختلاف أزمانهم وأماكنهم وأقوامهم واحدة، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ هذا تأكيد لإفراد الله عز وجل بالعبادة، ومن لوازم العبادة ألاّ يتخذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، أَرْبَاباً جمع رب، والرب هو الذي يملك ويرزق ويدبر ويخلق، والمقصود من اتخاذهم أرباباً هنا كما بينته السنة: اتباعهم في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فمن اتبع أحداً وأطاعه في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فإنه قد اتخذه ربّاً من دون الله.

    قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا أي لم يقبلوا هذه الدعوة ولم يستجيبوا إلى ما دعوتموهم إليه من الاجتماع على كلمة سواء - وهي إفراد الله بالعبادة - فموقف أهل الإسلام هو ما أجابنا به آمراً لنا بقوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ وهذا فيه أنه يجب على المؤمن الثبات على هذه الكلمة ولو خالفه من خالفه، وأنه لا يجوز له أن يتنازل عنها أو أن يعرض عنها أو أن يتخلى عنها بسبب كثرة المعرضين المتولين عنها، فإن تولوا فاثبتوا أنتم على أمركم، بل وأعلنوا ثباتكم بالتصريح في قوله: فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ وهذه الآية بينت الشهادة التي لا يستقيم لها ساق ولا يثبت لها عود ولا تقرّ في قلب إلا بهذين الركنين العظيمين، وهما إثبات العبادة لله عز وجل، ونفيها عن غيره كائناً من كان.

    ثم انتقل المؤلف رحمه الله إلى ذكر الدليل الثاني أو دليل الشهادة الثانية فقال:

    ودليل شهادة أن محمداً رسول الله قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ( )، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.

    هذا هو الركن الثاني من أركان شهادة أن لا إله إلاّ الله، أو هذه أركان الشهادة التي يدخل بها الإنسان إلى الإسلام، الشهادة للنبي محمد بالرسالة، وسيأتي تفصيل ذلك أو تفصيل من هو النبي في الأصل الثالث من الأصول التي ذكرها المؤلف رحمه الله، ودليل شهادة أن محمداً رسول الله: قوله تعالى لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ، فقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي: من جنسكم، وقيل: إن الخطاب لقريش، فيكون معناها يعني من العرب، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ وعزيز إذا عدّيت بعلى كان معناها: الثقل والشدة، أي يثقل عليه و يشق عليه ويشتد عليه، مَا عَنِتُّمْ يعني الذي يتعبكم ويلحقكم مشقة، فهذا وصفه ، عزيز عليه مشقة أمته وتعبهم حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ والحرص هو: شدة الرغبة في الشيء، وذلك أن النبي كان حريصاً غاية الحرص على هداية قومه، ودلالتهم على الحق والهدى، حتى إنه أدمي وجهه، وكسرت رباعيته، وشجّ رأسه، وكان يقول: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ))( ) وهذا من غاية حرصه وشفقته على الناس ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ وهذا خاص بأهل الإيمان تميزوا به عن غيرهم، فهو بالمؤمنين رؤوف رحيم، والرأفة هي رقة تنشأ عن الخوف على المرؤوف به، والرحمة تقتضي الإحسان بالمرحوم، فالرأفة تقتضي دفع المكروهات، والرحمة تقتضي جلب المحمودات والمحاسن والمحبوبات، والشاهد من هذه الآية قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ والذي جاءنا من أنفسنا : هو محمد الذي أخبرنا بهذه الآية، فهذا دليل من القرآن على رسالة النبي ، ومن ذلك قوله تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ( ) فأثبت علمه سبحانه وتعالى برسالة الرسول ، بل لما طولب النبي بدليل على رسالته قال: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ( ) فاكتفى بشهادة الله عز وجل على إثبات رسالته كما تقدم بيان ذلك في ما تقدم من دروس.

    الدرس الخامس

    ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ( ). ودليل الصيام قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ). ودليل الحج قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ( ).

    ثم قال رحمه الله: (ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلاّ بما شرع)، هذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله، فكل من لهج بهذه الشهادة فإنه يجب عليه أن يستحضر هذه المعاني، فإن ما جاء به النبي لا يخلو من أمرين:

    إما خبر، فالواجب فيه التصديق فالأخبار تقابل بالتصديق.

    وإما أمر فالواجب فيه الانقياد والتسليم، فالواجب في الأخبار التصديق، والواجب في الأحكام الطاعة والانقياد والتسليم، واعلم أنه يجب طاعة النبي فيما أمر به سواء علمنا ما حكمة هذا الأمر أو جهلنا الحكمة، سواء أدركته عقولنا أو لم تدركه، هذا فيما يتعلق بالأوامر، فمن علّق العمل بالأوامر على معرفة الحكمة فإنه لم ينقد للنبي ، ولم يحقق هذه الشهادة، وحقيقة من هذه حاله إنما هو عابد لهواه، لأنه لا يقبل من الأوامر ولا ينتهي عن شيءٍ إلاّ ما وافق عقله ورأيه، وهذا لا يكون قد حقق العبودية لله عز وجل ،  لأن العبودية التامة : أن ينقاد لأمر الله عز وجل ولأمر رسوله ، أدرك عقله الحكمة أو لا، هذا فيما يتعلق بالأحكام، أما ما يتعلق بالأخبار فالواجب على المؤمن إذا بلغه خبر الله أو خبر رسوله : أن يؤمن بما أخبر الله به وبما أخبر به رسوله ، علم معناه أو لم يعلم، فإن الإنسان مهما بلغ علمه فإنه قد يخفى عليه بعض ما أمر الله به ورسوله، فلا يدرك معنى ما أمر الله به ورسوله على وجه الكمال، وعلى هذا فإن الواجب على مثل هذا: أن يسلِّم بما جاء عن الله وبما جاء عن رسوله ، ويقول: آمنتُ بما جاء عن الله وعن رسوله كما جاء عن الله وعن رسوله على مراد الله ورسوله ، وهذا الإيمان المجمل يكفيه وتبرأ ذمته به، ولا يلزمه معرفة التفاصيل إذا كان لا يستطيع معرفة التفصيل، لقول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ( ) وهذا ما عمله سلف الأمة في معرفة كيفيات ما أخبر الله سبحانه وتعالى به عن نفسه، وأخبر به عما يكون في اليوم الآخر، فإنهم آمنوا بذلك على ما جاء عن الله وعن رسوله دون الدخول في تعيين الكيفيات، أو تصويرها. فمعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر فشمل الواجب في الأمر والواجب في الخبر.

     ثم قال: (واجتناب ما نهى عنه وزجر)، هذا تابع للأمر، وهو التفصيل، وقوله: (وأن لا يعبد الله إلاّ بما شرع)، هذا فيه بيان وجوب لزوم طريقة النبي على وجه الإجمال. فالواجب أن يسلِّم العبد انقياده للنبي ، وليعلم أن من رغب في الفوز والنجاة يوم القيامة أنه لا يمكن أن يحصل له مقصوده ولا أن يفلح بمطلوبه ولا أن يأمن مما يرهب إلاّ بسلوك طريق النبي ، فإن الله سبحانه وتعالى قد سد الطرق الموصلة إليه جميعها إلاّ طريقه ، فمن رام الوصول إلى رضوان الله وجنته من غير طريق النبي فإنما يطلب ضائعاً لا يمكن تحصيله، فهو لا يجني من سعيه خيراً ولا يحصل مطلوباً، ويدل على هذا أن النبي أخبر بما يكون يوم القيامة أن الذين يعبرون الصراط إذا منّ الله عليهم بمجاوزته وأردوا دخول الجنة فإنهم لا يتمكنون من الدخول حتى يستفتح لهم النبي ، كما ورد في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : (( آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ))( )، وهذا يدل على أنه لا سبيل لدخول الجنة بعد بعثة النبي إلاّ من طريقه، فإذا كانت الجنة لا يفتح بابها إلاّ باسمه فإن دخولها لا يتحقق إلاّ لمن تبعه وارتسم منهجه وسار على هديه، وهذا دليل هذه القاعدة أننا لا نعبد الله إلاّ بما شرع، وليعلم من عبد الله بغير ما شرعه الله سبحانه وتعالى أو بغير ما جاء به النبي فقد افترى على الله، وما افتراه واخترعه لا يزيده من الله جل وعلا إلاّ بعداً، فهذه قاعدة مطردة في كل بدعة، وفي كل محدثة، فإن الله سبحانه وتعالى قد شرع من الدين أكمله وأتم علينا النعمة وأسبغ علينا الفضل بكمال هذه الشريعة، فلا مجال للزيادة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ( ) فأكمله جل وعلا في القول وأكمله في عمل الجوارح وأكمله في عمل القلوب، ثم إنه كمّله على وجه رضيه سبحانه وتعالى، فمن زاد فقد سخط ما رضيه الله جل وعلا، ولم يكتف بما رضيه الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة، ودلائل هذه القاعدة أكمل وأكثر من أن تحصر، والأصل في ذلك قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ( ) ومن السنة قوله : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))( )، استمسك بهذا الصراط المبين والطريق القويم، واعلم بأن مآله إلى جنة عرضها السماوات والأرض نسأل الله عز وجل أن يثبتنا عليه وأن يزيدنا هدىً وتقىً فيه.

    قال رحمه الله: ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ( ) فهذه الآية تضمنت ثلاثة أمور: تضمنت بيان التوحيد، وتفسيره، وتضمنت الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وفيها أن هذا الدين عقيدةً وعملاً هو أقوم الأديان، وأن كل من رام استقامةً في غيره فإنه لا يحصل له ذلك، لقوله تعالى: وَذَلِكَ أي: المتقدم، وما أمر به من التوحيد، ومن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة دِينُ الْقَيِّمَةِ أي: الدين القويم والصراط المستقيم.

    قال رحمه الله: ودليل الصيام قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( ) والشاهد منها قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ.

    قال رحمه الله: ودليل الحج قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ( ) وفي هذه الآية دليل على وجوب الحج. وهذه هي أركان الإسلام وشرائعه التي لا يستقيم إسلام المرء إلاّ بها.

    المرتبة الثانية: الإيمان، وهو بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. وأركانه ستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ( ). ودليل القدر قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ( ).

    هذه المرتبة هي المرتبة الثانية، فرغ الشيخ رحمه الله من المرتبة الأولى وهي مرتبة الإسلام وتلخص لنا: أن الإسلام هو الطاعات الظاهرة، هذا باعتبار ذكر الإسلام مع الإيمان والإحسان، لأن تعريف الإيمان وتعريف الإسلام وتعريف الإحسان يختلف فيما إذا اقترن شيء منها بالآخر، وفيما إذا جاء كلٌ منها على انفراد، فإذا جاءت منفردةً كان الإسلام يشمل الإيمان والإحسان، وإذا جاء الإيمان منفرداً كان الإيمان شاملاً للإحسان والإسلام، وكذلك الإحسان إذا جاء منفرداً شمل الإسلام والإيمان، وانتبه لهذا التفريق. أما إذا اجتمعت كما هو الحال في حديث جبريل فإن الإسلام يختص بالأعمال الظاهرة قوليةً أو فعليةً، والإيمان يختص بالأعمال الباطنة، والإحسان هو الكمال والغاية في هذين الأمرين، أعمال الظاهر، وأعمال الباطن.

     قال المؤلف رحمه الله تعالى: المرتبة الثانية الإيمان، ثم بين الإيمان وعرّفه بقوله: ( هو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلاّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) وهذا تعريف للإيمان بنص نبوي، وفي هذا فائدة ولفتة مهمة لطالب العلم، وهي أن الاصطلاحات الشرعية كالإسلام والإيمان والإحسان والبر والتقوى والصلاة والزكاة وغير ذلك من ألفاظ الشريعة إنما يستقى معناها ومفهومها من الشريعة لا من لسان العرب، وهذه فائدة تهمك وتفيدك في تعريف الإيمان، فإن أقواماً عرّفوا الإيمان ( بأنه مجرد التصديق ) وقيل لهم: من أين لكم هذا ؟ قالوا: أفادتنا اللغة بهذا، قلنا لهم: إن الإيمان أمره كبير وشأنه خطير، به تحصل النجاة من النار والفوز بالجنة. وهل يعقل أن مثل هذا يتركه الله سبحانه وتعالى ويتركه رسوله دون بيان أو توضيح؟ الجواب: لا يمكن تركه بدون بيان وإيضاح، ولذلك وجب الرجوع في تعريف الإيمان وفي تعريف الإسلام وفي تعريف الإحسان وفي غيرها من الاصطلاحات الشرعية إلى اصطلاح الشارع، وإلى ألفاظه وإلى بيانه وتوضيحه، فإنه الغاية والمنتهى في بيان حقائق هذه الأمور، فالشيخ رحمه الله سلك هذا المنهج، فبين الإيمان بقول النبي ، ولا أظن أحداً يقرأ هذا الحديث إلاّ ويتضح له الإيمان غاية الوضوح، فإن النبي أخبر بأن الإيمان بضع وسبعون شعبة، ثم ضرب مثلاً لكل شعبةٍ من شعبه، فهذه المذكورات في هذا الحديث وهي ثلاثة أمور ترجع إليها بقية الشعب، فأعلاها قول: لا إله إلاّ الله، هذا أعلى شعب الإيمان، وهذا يفيد أن الأقوال تدخل في مسمى الإيمان، فالقول من الإيمان. ولذلك جعل أعلى مراتب الإيمان القول، وهو قول: لا إله إلاّ الله، ثم قال: ( والحياء شعبة من الإيمان )، والحياء عمل قلبي أصله في القلب وقد تظهر ثماره في الجوارح والسلوك، لكن أصله في قلب الإنسان، وبهذا نعرف أن جميع الأعمال القلبية تدخل في مسمى الإيمان.

     ثالث ما ذكره النبي من شعب الإيمان في هذا الحديث (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، إماطته يعني: إزالته عن الطريق المسلوك، سواء كان طريق مشاةٍ أو طريق سياراتٍ أو طريق دواب، كل ما استطرقه الناس ومشوا فيه بأرجلهم أو في دوابهم فإنه يدخل في قوله: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) وإماطة الأذى من عمل الجوارح، وبه نعرف أن من مسمى الإيمان عمل الجوارح، وأن من أخرج الأعمال عن مسمى الإيمان فقد خالف ما أجمع عليه السلف وما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة.

    فهمنا من هذا الحديث أن الإيمان يكون في القلب ويكون في اللّسان ويكون في الجوارح، واعلم أن قول النبي : ( فأعلاها قول: لا إله إلاّ الله ) ليس المراد مجرد القول الخالي من تدبر ما تضمنته هذه الكلمة من العمل، فالحقيقة أن قوله: ( فأعلاها قول: لا إله إلاّ الله ) يشمل القول وعمل القلب، لأن القول هو قول القلب وقول اللسان، وقول القلب يكون بتصديقه وإخلاصه، وقول اللسان يكون بنطقه وتلفّظه.

    إذاً: فهمنا الآن ما هو الإيمان، وأنه قول وعمل قول القلب، وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح، وعلى هذا تواطأت كلمات السلف، فمهما اختلف لفظها وتنوع تعبيرها فإنها ترجع إلى أن الإيمان قول وعمل.

     هل قوله: ( والإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول: لا إله إلاّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) هو تعريف الإيمان إذا قرن به الإسلام ، لأننا ذكرنا قبل قليل: أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة إذا اقترن بالإيمان وأن الإيمان يكون عمل القلب، والحديث تضمن قول اللسان وعمل الجوارح وعمل القلب.

     ففهمنا من هذا: أن المؤلف رحمه الله بدأ بيان هذه المرتبة بالبيان العام الذي لا يكون مع الإسلام والإحسان، أما الإيمان الذي يقصد ويراد عند ذكر الإسلام أي: عند اقترانه بذكر الإسلام فهو ما قاله رحمه الله في قوله: وأركانه ستة، وهي: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، هذه كلها أعمال قلبية. ولذلك سماها شيخ الإسلام رحمه الله: عقود القلب، وسماها حقائق الإيمان، فعقود القلب وحقائق الإيمان كلها من الأعمال القلبية، فإذا قيل لك: ما الإيمان ؟ فإن أردتَ أن تعرِّفه تعريفاً عاماً دون اقترانٍ بذكر الإسلام فقل: ما ذكره المؤلف رحمه الله أولاً: بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلاّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان،

    إذا جاء ذكر الإيمان والإسلام في سياقٍ واحدٍ كقوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ( ) حيث ذكر الأمرين: الإسلام والإيمان. فالمسلمون في قوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ هم الذين أتوا بالأعمال الظاهرة، والمؤمنون في قوله: وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ هم الذين أتوا بالأعمال الباطنة، وتنبه إلى هذا الفرق.

    إذاً فقول المؤلف رحمه الله: ( وأركانه ستة ) هذا باعتباره مع الإسلام، فلو أن شخصاً أتاك وقال لك: عرِّف الإيمان ؟ قلت: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، هل تكون قد أجبته؟ إذا لم يسبق سؤال عن الإسلام فإنك لا تكون قد أوفيت ببيان الإيمان بياناً كافياً، لأنه بقيت الصلاة، والصيام، والحج لم يأتِ ذكر لواحدٍ منها، فتنبه لهذا، ولذلك لما قال النبي لوفد عبد القيس: (( آمركم بالإيمان أتدرون ما الإيمان ؟. . . )) ( )، بماذا فسره النبي ؟ فسره بقوله: (( أن تشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم ))( ) فعرَّف الإيمان بالإسلام ، لأنه لم يأتِ سؤال عن الإسلام هنا، فكان الإسلام هو الإيمان، وهكذا حيث ذكر الإيمان أو الإسلام مستقلاً فإنه لابد في البيان أن تبينه كما بينه النبي بياناً عاماً يشمل القول والعمل والاعتقاد، أما إذا سئلت عن الإسلام كما هو الحال في حديث جبريل، ثم جاءك السؤال عن الإيمان ففي هذه الحال يكون الإسلام متعلقاً بالأعمال الظاهرة، ويكون الإيمان متعلقاً بالأعمال الباطنة.

    قال المؤلف رحمه الله: ( وأركانه ستة )، فأركان: جمع ركن، والركن هو الذي لا يقوم الشيء إلاّ به، ففهمنا من هذا: أن اختلال وصفٍ من هذه الأوصاف المذكورة ثلمةٌ في الإيمان، تؤدي وتفضي بصاحبها إلى ارتفاع وصف الإيمان عنه، فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لكن لم يؤمن بالقدر فإنه لا يكون مؤمناً ، ولا يستحق وصف الإيمان ، لأنه فقد ركناً من أركان الإيمان الذي لا يثبت ولا يقر إلاّ به.

    يقول رحمه الله: أن تؤمن بالله، الإيمان بالله يتضمن أموراً هي، الإيمان بالله يقتضي ويستلزم الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته، ولو أننا لم نذكر الوجود لما ضر، لأنك إذا أقررت بالثلاثة الأمور لزم منها أن يكون موجوداً من تثبت له الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. لأنها أوصاف، والأوصاف لا تثبت إلاّ لموجود، ولا تثبت لمعدوم، وإنما نص على الوجود لمقابلة شبهة الملحدين، أهل التعطيل الذين يقولون: لا وجود للإله، أو: لا إله والكون مادة، فهؤلاء الجواب على شبهاتهم: بأنه لا يحصل الإيمان إلاّ بهذه الأمور الأربعة.

    ثم قال رحمه الله: ( وملائكته )، الإيمان بالملائكة، وهم عالم غيبي نوراني، أحياء ناطقون. خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، ولهم شأن عظيم مفصل في الكتاب والسنة، فالإيمان بهم أن تؤمن بوجودهم على وجه الإجمال، وأن تؤمن بما ذكره الله عنهم في كتابه، وما ذكره رسول الله فيما صح من سنته، وأن تؤمن بمن سمي منهم، وأن تؤمن بأنهم خلق عظيم لهم أحوال وقدرات الله مكنهم منها، وأنهم مذللون لرب العالمين، لا يخرجون عن أمره، هذا ما يتضمنه الإيمان بالملائكة.

    ثم قال رحمه الله: ( وكتبه )، وأما الإيمان بالكتب فإنه الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى أنزل إلى رسله كتباً، والله أعلم بها، وتؤمن بما سماه الله منها كالزبور، والإنجيل، والتوراة، والقرآن، وهو أعظمها. ويزيد القرآن خاصيةً وميزةً في الإيمان: أن تؤمن بأن أخباره يجب تصديقها، وأن أحكامه يجب الانقياد لها، فهذا ما اختص به القرآن دون غيره من الكتب، وأيضاً أن تؤمن بأن الجميع كلام الله، حتى التوراة هي من كلامه سبحانه وتعالى، مع أنه كتبها لكنه كتبها وتكلم بها.

    ثم قال رحمه الله: ( ورسله )، الإيمان بالرسل يحصل: بأن الله سبحانه وتعالى بعث رسلاً لا يحصيهم إلاّ هو، وأن تؤمن بمن سماه الله منهم، وأن تؤمن بأنهم بلّغوا البلاغ المبين، ونصحوا أممهم، وقاموا بما أمرهم الله به، ويختص محمد بأن تؤمن أنه خاتم الرسل، وأنه خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده، وأنه مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، وأن من أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، وأنه لا ينتظر نبي بعده، ولا يرتقب كتاب غير كتابه، فلا كتاب بعد كتابه ولا نبي بعده ، ويضاف إلى هذا وجوب الطاعة والانقياد، وذلك بتصديق أخباره وقبول ما جاء به من الأحكام.

    ثم قال رحمه الله: ( واليوم الآخر )، والإيمان باليوم الآخر ملخصه أن تؤمن بكل ما أخبر الله به مما يكون بعد الموت، هذا ملخص الإيمان باليوم الآخر، فاليوم الآخر يبتدئ بالموت، قال الله تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ( ) بالحق أي: بما أخبرت به الرسل مما يكون بعد الموت من الثواب والعقاب كما تقدم في التفسير.

    قوله: ( وبالقدر خيره وشره ) هذا فيه إثبات القدر، والقدر: هو حكم الله الكوني، هذا تعريف القدر، وأحسن ما قيل في تعريفه: أن القدر هو حكم الله الكوني فتؤمن بأن الله سبحانه وتعالى علم بالأشياء قبل وقوعها، وأنه كتبها سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ، وأن ما علمه وكتبه فقد طابق مشيئته وخلقه، وبهذا تعلم بأن القدر أربع مراتب كما سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.

    ثم قال رحمه الله: ( بالقدر خيره وشره ) أحسن ما قيل في تعريف القدر أنه : حكم الله الكوني،  فتؤمن بأن الله سبحانه وتعالى علم بالأشياء قبل وقوعها وأنه كتبها سبحانه وتعالى وأن ما علمه وكتبه فقد طابق مشيئته وخلقه وبهذا تعلم أن مراتب القدر أربع مراتب كما سيأتي بيانها إن شاء الله، والمقصود بالقدر هنا: المقدور أي بما قدره الله من الخير والشر، واعلم أن الله سبحانه وتعالى ليس في فعله شر، كما قال النبي في ثنائه على ربه: ((والشر ليس إليك))( )، فالشر لا يضاف إلى الله عز وجل ولا ينسب إليه، إنما الشر في المفعولات، والمقدورات، والمخلوقات، أما تقديره وفعله وخلقه فلا شر فيه سبحانه وتعالى، بل الخير كله في يديه.

    قال رحمه الله : والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ( ) هذه خمسة أركان، ثم قال رحمه الله : ودليل القدر قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ( ). وقد جمعت في حديث جبريل الذي سيأتي الحديث عنه قريباً، واعلم أن الأدلة على هذه الأصول كثيرة، وإنما يذكر أهل العلم هذين الدليلين لأن الدليل الأول جمع خمسة أركان من أركان الإيمان، والثاني نص على الركن السادس، وإلاّ فإنه لا ينحصر الاستدلال على هذه الأركان بهذا الدليل، وإنما نبهنا على هذا حتى لا يتوهم متوهم أن العلماء إذا ذكروا هذا الدليل فلا دليل غيره، بل الأدلة كثيرة، وإنما هذا الدليل يذكر ويكرر لكونه جمع أكثر أركان الإيمان.

    الدرس السادس

    المرتبة الثالثة: الإحسان، ركن واحد وهو: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والدليل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ( )  وقوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ  إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( )  وقوله: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ( ). والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه قال: (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. فقال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان ؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان ؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة ؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها ؟ قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: فمضى، فلبثنا مليّاً. فقال: يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ).

    هذه المرتبة الثالثة من مراتب الدين قال رحمه الله في بيانها: الإحسان ركن واحد، وكما بينّا في الإيمان نقول هنا: إن الإحسان الذي بينه حديث جبريل والذي يتكلم عنه الشيخ رحمه الله هنا هو المضمون المقترن بالإيمان والإسلام، فتنبه لهذا، فليس التعريف هنا للإحسان على وجه الإطلاق، بل الإحسان الذي يقترن بالإيمان والإسلام، ودليل هذا لو أن شخصاً أقر بالأصول الستة في أركان الإيمان لكنه لم يصلِ ولم يحج ولم يقر بوجوب هذه الأشياء فإنه لا يكون مؤمناً بإجماع أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، وكذلك من أتى بالشهادتين وأتى بالصلاة والزكاة والصيام والحج ولكنه لم يؤمن بوجوب الإيمان بالأركان الستة المذكورة في الآية والحديث.

    ولا يكون من هذا حاله مسلماً بإجماع أهل العلم ، فتنبه لهذا. وإنما كرر لأهميته.

    قوله رحمه الله: ( ركن واحد ) أي ليس فيه تعدد، ولكن ركن الإحسان له مقامان، قال رحمه الله: ( وهو أن تعبد الله كأنك تراه ) هذا هو المقام الأول، وهكذا جاء بيانه عن النبي في حديث جبريل، (فإن لم تكن تراه) هذا هو المقام الثاني، فإنه يراك وانظر كيف بدأ بأعلى ما يكون من الإحسان، وهو أن يعبد العبد ربه سبحانه وتعالى كأنه يراه، يعني وحاله حال الذي يعبد الله وهو يشاهده وينظر إليه، وكيف تكون الحال إذا كان العبد في عباداته وفي ذهابه وإيابه وفي معاملاته وفي جميع شؤونه، يتصرف وهو كالناظر إلى رب السماوات والأرض فوق سماواته مستوٍ على عرشه، يراه ويراقبه ويطلع عليه، وتكون حاله في أعلى درجات الإيمان، وأعلى درجات الدين وهي درجة الإحسان، بل أعلى المقامين في الإحسان، وهو أن يعبد العبد ربه كأنه يراه. فهذا المقام كبير وشأنه عظيم، ويحتاج إلى استحضار تام وشهود متواصل، وأن يعلم العبد أنه لا تخفى على الله منه خافية، ويحتاج إلى زيادة العناية بمطالعة ما ذكره الله عن نفسه من الأسماء والصفات، فإن القلب إذا توالى عليه ما أخبر الله به عن نفسه وما أخبر به رسوله عن ربه قوي قلبه، وأصبح العلم كالمشاهدة، أي: يكون كالذي يشاهد ربه بعينه في تصرفه، في عمله، في قيامه، في قعوده، في خروجه، في عبادته، وهذا المعنى أكثر الناس يغفلون عنه، إذاً: هذا هو المقام الأول، وهو أعلى مقامات الدين.

    المقام الثاني: وهو منزلة دون المنزلة الأولى، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهو استحضار مراقبة الله عز وجل واستحضار اطلاعه سبحانه وتعالى عليك يا عبد الله، واعلم أن اطلاع الله ونظره ورؤيته وعلمه لا يقتصر على ظاهر حالك، بل الظاهر والباطن عند الله سواء، قال النبي : (( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم))( )، فنظر الله عز وجل لا يقتصر على حال الإنسان الظاهرة، بل يشمل الظاهر والباطن، ثم ذكر رحمه الله الدليل على هذه المرتبة فقال: والدليل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ( ) فأثبت الإحسان في قوله: وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ وهذا يشمل درجة الإحسان ومقامي الإحسان، المقام الأول: أن تعبد الله كأنك تراه، والمقام الثاني: فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

    وقوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِالَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُوَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ( ) فيها دليل على المقام الثاني، وهو استحضار رؤية الله عز وجل للعبد، فالله عز وجل يأمر نبيه أن يتوكل عليه فيقول: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم وانظر كيف ذكر هذين الوصفين في باب التوكل، العزيز الذي يمنعك، والرحيم الذي يوصل إليك البر والإحسان، وبهما يحصل للخائف والقلق مقصوده، وهو الأمن وسكون النفس من الخوف، ولا يكون فيها نظر إلى غير الموصوف بهذين الوصفين، لأن الذي يطلب أمراً ويسعى في تحقيقه سواء دفعاً أو جلباً إذا علم أنه يستند ويعتمد على من يمنعه ومن يوصل إليه الخير فإنه لا يكون في قلبه نظر إلى غير من يتصف بهذين الوصفين، وهما العزّة والرحمة، وهذا هو السر في ذكر هذين الاسمين في مقام التوكل، الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وهذا فيه إثبات رؤية الله عز وجل لعباده، حين تقوم أي: في صلاتك وعبادتك وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أي: تغير أحوالك في العبادة من قيام وركوع وسجود، وهذا فيه الحامل للعابد أن يحسن العبادة، أنت إذا وقفت في صف الصلاة وأردت الدخول فيها فاستحضر هذا الأمر، أن الله جل وعلا يراك، وستجد في هذا الاستحضار أثراً في إحسان العبادة وتجويدها وإصلاحها والمبالغة في إحسان العمل، قال: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ هذا فيه إثبات سمعه سبحانه وتعالى، وفيه إثبات علمه جل وعلا، وليس السمع كالعلم ، فالعلم أشمل وأوسع، فالله يسمع مقالك ويعلم بجميع أحوالك ما تتلفظ به ومالا تتلفظ به.

    ثم قال: وقوله تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ( ) هذه الآية ذكر الله فيها عز وجل أموراً خاطب فيها النبي فقال: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ الخطاب للنبي ، ما تكون في شأنٍ يعني: ما تكون في حالٍ من الأحوال وَمَا تتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآن ٍ الضمير في قوله: مِنْهُ إما أن يعود على شأنٍ، يعني وما تتلو من شأنٍ من القرآن، فيكون المعنى: وما تتلو من شأنٍ من شؤونك، فـ (من ) هنا للسببية، يعني: لسبب من الأسباب، وحالٍ من أحوالك، ما تتلو منه من قرآنٍ إلاّ والله عز وجل عالم به كما سيأتي، وقيل: إن الضمير في قوله: مِنْهُ عائد إلى القرآن نفسه، فيكون المعنى: وما تتلو من القرآنِ من قرآنٍ، وهذا المعنى هو الذي حققه بعض المرجحين من المفسرين، قال: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ما تعملون من عمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، و تدخل الأقوال في ذلك ، لأنها نوع عمل، إلاَّّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً وهذا هو الشاهد من الآية، وهو إثبات شهود الله عز وجل على أحوال العبد، وأنه يراه وأنه مطلع عليه سبحانه وتعالى، لا تخفى عليه من شؤون العبد خافية قال: إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ يعني: إذ تدخلون وتشرعون وتقبلون فيه، يعني في هذه الأعمال التي قال: وَما تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ، وهذا فيه تمام شمول علم الله عز وجل واطلاعه على حال العبد، وهو دليل على المقام الثاني من مقامات الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

    ثم بعد أن فرغ المؤلف رحمه الله من ذكر هذه المراتب وأدلتها من الكتاب انتقل إلى بيان الدليل من السنة على هذه المراتب جميعاً، التي بينها حديث جبريل، وهو الحديث المشهور الطويل المعروف الذي اتفق أهل العلم على صحته وتلقته الأمة بالقبول، وقد رواه عمر بن الخطاب وأبو هريرة رضي الله عنهما في الصحيحين، كما رواه غيرهما أيضاً في صحيح مسلم.

    يقول رحمه الله: والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور عن عمر رضي الله عنه قال: (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. فقال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان ؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان ؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة ؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها ؟ قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: فمضى، فلبثنا ملياً. فقال: يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم )).

     واعلم أن هذا الحديث اشتمل على أصول الدين التي يجب اعتقادها، والتي يسميها العلماء الإيمان المجمل، قال رحمه الله: قال عمر رضي الله عنه: (( بينما نحن جلوس عند النبي إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد ))( ).

    وفائدة هذه المقدمة : بيان غرابة حال هذا السائل، رجل ليس من المدينة وحاله حال المقيم في ثوبه وبدنه، فشعره شديد السواد، وثوبه شديد البياض، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، قال: (( فجلس إلى النبي فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه )) وهذا فائدته: العناية الفائقة بما سيطرحه، ولفت الانتباه إلى ذلك، قال: (( قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ )) دعاه باسمه لا بوصفه، والسبب في هذا: أنه جاء عليه السلام على صورة أعرابي يستبين أمر الدين، ولذلك لم يقل يا رسول الله، إنما دعاه باسمه الذي عرف به ((أخبرني عن الإسلام ؟ فقال: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً )).

    وهذه هي أركان الإسلام، وتقدم الكلام عليها (( قال: صدقت )) هذه الأركان الجامع فيها ما تقدم من أنها شرائع الإسلام التي هي من العمل الظاهر.

    قال رضي الله عنه في سياق الحديث: إن جبريل (( قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه)) فحال هذا غريب، حيث جاء في الظاهر ليسأل عما لا يعلمه من أمر دينه ثم يصدق على الجواب، (( قال: أخبرني عن الإيمان ؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره )) وقد تقدم الكلام على هذه الأركان قبل قليل، وقلنا: إن الجامع لها أعمال القلب، وهي أعمال الباطن.

    قال بعد ذلك: (( أخبرني عن الإحسان )) هذا سؤال عن أعلى مراتب الدين وهي: أن تعبد الله كأنك تراه (( فقال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) وبهذا تكون قد تمت مراتب الدين.

    وهذه المراتب قد دل عليها كتاب الله عز وجل، فجاءت في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ( ) هذه مرتبة الإسلام، وهي الإتيان بالعمل الظاهر، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد ٌ وهي مرتبة الإيمان، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ وهي مرتبة الإحسان التي هي أعلى المراتب، وقد ذكر الله هذه المراتب في غير هذا الموضع، كما في سورة الواقعة، وبالتأمل يجدها الإنسان في كتاب الله عز وجل.

    بعد أن فرغ من هذه الأسئلة (( قال: أخبرني عن الساعة ؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل )) فهنا سأله عن الساعة يعني عن قيام يوم القيامة، فأجاب النبي بقوله: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل )) مما يفهم من هذه العبارة: أنه لا يعلم الغيب، ولا يعلم متى الساعة، وعلى هذا فالذي يستدل بهذا الحديث على أنّ النبي يعلم متى تقوم الساعة،  يكون قوله هذا  تحريفاًٍ وتشبيهاً وتضليلاً بلا ريب .

     زعم بعض المعطلة من غلاة الصوفية: أن النبي يعلم الساعة، لأنه يعلم أن السائل الذي أتاه جبريل، وجبريل يعلم متى الساعة، فلما سأله عن الساعة قال: (( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل )) يعني: كلانا مشتركان في علم الساعة، هكذا زعموا، وهل هذا يفهمه صاحب لسان عربي فصيحٍ إطلاقاً، بل المقصود: أن النبي أراد نفي علم الساعة عن نفسه، لكن الشيطان زين لهم سوء أعمالهم، ثم إن الجواب على هذه الشبهة: أن النبي لم يعلم من هو السائل، كما جاء في بعض الروايات (( لم يخفَ عليه أمره كما خفي عليه في هذه المرة )) فإن النبي أجاب وهو لا يعلم من السائل، ولذلك جاء في آخر الحديث لما طال مقام الصحابة عنده قال: (( يا عمر أتدرون من السائل ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ))، ولو كان الأمر واضحاً له من أول الأمر لما انتظر ملياً، أي: طويلاً، بل كان سيبين لهم من هو من أول وهلة، المهم أن هذه شبهة ساقطة لا نحتاج إلى الإطالة فيها.

    قال: (( أخبرني عن أماراتها )) يعني عن علاماتها، قال: (( أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان )) هذا بيان لبعض أماراتها الصغرى، وذكر في هذا الحديث علامتين (( أن تلد الأمة ربتها )) أي: سيدتها (( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: فمضى فلبثت ملياً )) يعني طويلاً ثم الباقي تكلمنا عليه، ثم قال: (( يا عمر أتدرون من السائل ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم )) وفي رواية (( دينكم )) ففهم من هذا: أن المراتب الثلاث هي مراتب الدين.

    الدرس السابع

    الأصل الثالث: معرفة نبيكم محمد ، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وله من العمر ثلاث وستون سنة منها أربعون قبل النبوة وثلاث وعشرون نبيّاً رسولاً، نبئ باقرأ وأرسل بالمدثر، وبلده مكة وهاجر إلى المدينة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد، والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ    وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ومعنى قُمْ فَأَنْذِرْ ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أي عظّمه بالتوحيد، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ أي طهر أعمالك عن الشرك، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ الرجز الأصنام، وهجرها تركها والبراءة منها وأهلها. أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عرج به إلى السماء وفرضت عليه الصلوات الخمس وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة.

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين أما بعد. .

    فهذا هو الأصل الثالث من الأصول التي يحصل للعبد بها النجاة في الدنيا والآخرة، وهو معرفة النبي ، ومعرفة النبي واجبة لا يتم الإيمان إلا بها، لأنه من أركان الإيمان بالرسل، ولأنه لا تثبت القدم على الإسلام إلاّ بالشهادة للنبي بالرسالة، فمعرفة النبي أصل من أصول الإيمان، وهي بوابة الدخول إلى الإسلام، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ))( ). ولا تحصل الشهادة له بالرسالة إلاّ بعد العلم به، والمعرفة له ، فهذا أصل أصيل لحصول الإيمان والإسلام، ولا يحصل لعبدٍ النجاة في الدنيا والآخرة إلا به، فإن أول منازل الآخرة القبر، وأول ما يسأل عنه المقبوض عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، فإن وفق للجواب وفق للخيرات، وإن حيل بينه وبين الجواب بكفره أو نفاقه فإنه قد أغلق عليه باب الفلاح في الدار الآخرة.

    يقول رحمه الله في بيان هذا الأصل والتعريف به: (وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم)، هذا فيه بيان نسب النبي ، ونسبه في الذروة من قومه، وقومه في الذروة من العرب، فهو أشرف العرب نسباً ، والواجب معرفته من نسبه: معرفة اسمه ، فلو لم يعرف الإنسان أن أباه عبد الله، وأن جده عبد المطلب وصدق به وآمن به لم يضره ذلك، لكن من تمام المعرفة به المعرفة بنسبه.

    قال المؤلف رحمه الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب غفر الله له: (وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام)، وهو إمام الحنفاء، أي: رسول الله ، جاء مجدداً لدعوته وباعثاً لرسالته، فهو موصول به نسباً ودعوةً، فنسبه ينتهي إلى إبراهيم الخليل، ودعوته موافقة لما جاء به إبراهيم عليه الصلاة والسلام،

    قال: (وله من العمر ثلاث وستون سنة)، أي توفي عن هذا العمر، وهذا معروف ولا إشكال فيه عند أهل السير والتأريخ،

    قال: (منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبياً رسولاً)، والسر في بعثته على رأس الأربعين أنه يحصل بهذا السن كمال النضج والرشد، ولذلك قيل: إن الأنبياء لا يبعثون في أقلّ من ذلك، وما ورد بأن عيسى بعث في أقلّ من ذلك ليس بذاك القوي.

    ثم قال رحمه الله: (وثلاث وعشرون نبياً رسولاً)، أي إنه بعد الأربعين إلى وفاته كان نبياً رسولاً، وأول الأمر كان نبياً فقط، ثم أرسل كما سيبين ذلك المؤلف رحمه الله، فبدأ الأمر بالنبوة وأولها الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى الرؤيا إلاّ وتأتي مثل فلق الصبح، واستمر ذلك ستة أشهر، ثم بعد ذلك أوحي إليه،

    قال: ( نُبئ بـ (اقرأ ) ) أي: حصلت له النبوة بسورة اقرأ، وذلك أنه حبب إليه الاختلاء، فكان يختلي بغار حراء، فجاءه جبريل وهو في غار حراء، وقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ( ) ، وقول النبي : ما أنا بقارئ ليس رفضاً للقراءة أو رداً لها، إنما بيان لحاله، وأنه لا يحسن القراءة ، وذلك أنه أميٌ لا يقرأ ولا يكتب مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ( ) فما كان النبي يدري الكتاب لا قراءةً، ولا كتابةً، كما قال: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ( ). ثم نبئ بـ اقْرَأْ وهذه السورة فيها أن مفتاح النبوة القراءة، ومفتاح العلم القراءة، ولذلك جاء الأمر بالقراءة لتحصل له الخيرات، ولذلك حصل للنبي من الخيرات أنه كان مبدؤه وافتتاحه بأمره بالقراءة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.

    ثم قال: وأرسل بالمدثر، المدثر السورة التي نزلت وسميت بهذا الاسم، لأن الله عز وجل ناداه بهذا الوصف، وذلك أنه لما رأى جبريل بين السماء والأرض على الهيئة التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح عظم الأمر عليه، وذهب ترجف بوادره ، يقول لأهله: دثروني دثروني من شدة ما وجد من الفزع، فأتاه الخطاب في هذه السورة التي ذكر المؤلف رحمه الله يا أيها المدثر ( ) وفيها بعثته وأمره بالرسالة ، أما اقرأ فلم يأمره الله فيها بالتبليغ ولا أرسله، إنما أمره بالقراءة لنفسه.

    قال: وبلده مكة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك، أي بالإنذار عن الشرك الأكبر والأصغر الدقيق والجليل، الظاهر والخفي، فإن النبي حذر من الشرك كله، حذر منه ومن أسبابه المفضية والموصلة إليه، ولذلك تميزت هذه الشريعة بأنها سدت كل الطرق الموصلة إلى الشرك.

     قال: ويدعو إلى التوحيد، أي يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، فهذه الشريعة وهذه الرسالة الخاتمة أكمل الرسالات وأتمها في تحقيق التوحيد لله عز وجل، حتى إنه ما كان من الأمور التي تجوز في الأمم السابقة كالسجود تحيةً وإكراماً منع ذلك في هذه الشريعة، فخلّصت من كل ما يفضي إلى الشرك في الأقوال والأعمال والعقائد.

    قال رحمه الله: والدليل - على إرساله ونذارته عن الشرك وأمره بالتوحيد - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُقُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْوَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ( ) ومن بديع هذه الآيات أن الله سبحانه وتعالى افتتح الأمور فيها بالنذارة، فأول آية أمر النبي فيها بالإنذار، وحصلت له بها الرسالة، واختتمت بالأمر بالصبر، وهذا فيه إشعار له أنه لن يتحقق له القيام بالنذارة إلاّ بتحقيق الصبر، ولذلك اختتم الأوامر بقوله: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ وهذا حال كل من دعا إلى الله عز وجل، وكل من علَّم الناس فإنه يحتاج إلى صبر، ولذلك تكرر أمر لله جل وعلا لرسوله بالصبر في آياتٍ كثيرة، كقوله: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ( ) وما إلى ذلك من الآيات التي أمر فيها النبي بالصبر،

    بين الشيخ رحمه الله هذه الآيات فقال: (ومعنى قُمْ فَأَنْذِرْ ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد)، أي: ينذر العباد خطر الشرك ويدعوهم إلى التوحيد، واعلم أن كل ما نهى عنه النبي فإنه إما أن يكون شركاً، وإما أن يكون سبباً موصلاً للشرك، وإما أن يكون نقصاً في التوحيد، فالمعاصي التي نهى الله عنها سبحانه وتعالى مثل الغيبة على سبيل المثال، ليست شركاً، لكن هل هي من أسباب الشرك ؟ الجواب: ليست من أسباب الشرك، ولكنها من نواقص التوحيد، وهذا يندرج تحته أن كل ذنبٍ ومعصيةٍ فإنه من نواقص التوحيد، ولذلك لما ذكر الله جل وعلا صرف السوء والفحشاء عن يوسف عليه السلام قال: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ( ) وفي قراءة الْمُخْلِصِينَ فالإخلاص وكمال التوحيد من أعظم أسباب انصراف الإنسان عن المعاصي الدقيق منها والجلي.

    وقوله: ( يدعو إلى التوحيد ) يعني ببيانه وما يجب لله عز وجل منه وأسباب تحقيقه، ويدعو إليه أيضاً ببيان عاقبة الموحدين فدعوة النبي دائرة على النهي عن الشرك، وعلى الأمر بالتوحيد، مع أن الشريعة جاءت بأوامر كثيرة، لكن كل هذه الأوامر تدور في فلك تحقيق التوحيد، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: القرآن كله أمر بالتوحيد ونهي عن الشرك، ويبين ذلك أن القرآن جاء بالنهي عن الشرك والأمر بالتوحيد، بيان عاقبة المشركين وبيان عاقبة الموحدين، وبيان ما يتم ويكمل به التوحيد، ولذلك كان التوحيد هو المحور الذي يدور عليه كتاب الله عز وجل.

     ثم قال رحمه الله: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ عظمه بالتوحيد، ولا شك أن أعظم ما يعظم به الرب سبحانه وتعالى التوحيد، لأن التوحيد فرع عن تعظيم الله، وغايته: محبة الله عز وجل ونهايتها، فالتوحيد يقوم على هذين الأمرين: التعظيم، وهو الذل لله جل وعلا، والمحبة، وبهما يحصل تمام التعظيم والتكبير لله جل وعلا، وبقدر ما يحصل من النقص في هذين الركنين العظيمين للتوحيد يحصل ما يقابله من نقص التوحيد والخلل فيه.

    قال: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ أي طهر أعمالك من الشرك، فجعل الثياب بمعنى الأعمال وأصل الأعمال هي: أعمال القلوب، فيجب تطهير أعمال القلب من كل شرك وكفر. وكذلك أعمال الجوارح، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: جمهور المفسرين من السلف على أن معنى قوله: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ أي: وقلبك فطهر، ويكون ذلك بإصلاح العمل والخلق، وكلا المعنيين صحيح وظاهر.

    قال: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ الرجز: الأصنام، هي الأصنام، والأصل في الرجز يطلق على النجاسات والمستقذرات، ولاشك أن الأصنام من النجاسات المعنوية، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( ) فهي من النجاسات المعنوية التي يجب على المؤمن أن يتخلى عنها، وأن ينأى بنفسه عنها.

    قال: وهجرها - أي: هجر الأصنام - تركها وأهلها والبراءة منها وأهلها، وذلك لأن الهجر أصله الترك والمفارقة، فأمر الله عز وجل بالترك والمفارقة للأصنام، وذلك بتركها وترك من يعظمها وبالبراءة منها والبراءة من أهلها.

    ثم توقف المؤلف رحمه الله عن بيان بقية الآيات، لأن المقصود قد حصل فيما يستدل له بالآيات الأربع السابقة قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْوَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ أما قوله: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ فمعناه: لا تعطِ عطاءً ترجو أن يهدى إليك. أو تعطى أكثر منه، وقيل في معنى وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ أي: لا تر ما تعمله أو ما تلقاه بسبب دعوتك الناس إلى التوحيد شيئاً كبيراً، فيحملك ذلك على الاستكثار من العمل يعني أنك تتعاظم هذا العمل فتقصر عن الزيادة وعن مزيد العمل، هكذا قيل في تفسير وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وكلاهما يصح تفسير الآيات به، وقوله: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ( ) أمر الله عز وجل نبيه بالصبر له، وذلك بأن يخلص صبره لله عز وجل، لأن من الناس من يصبر لكن لا يستحضر أن صبره لله عز وجل، والمأمور به من الصبر هو الصبر لله سبحانه وتعالى احتساباً، فقوله: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ أي اصبر احتساباً له ورغبةً فيما عنده ورجاءً لثوابه وإعانته سبحانه وتعالى.

    ثم قال رحمه الله: (وأخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد) أي: استمر على الدعوة إلى التوحيد عشر سنين يدعو إليه، وبعد العشر عرج به إلى السماء وفرضت عليه الصلوات الخمس، وهذا فيه أنه لم يسبق هذا أمر بالصلاة، وقد اختلف في وقت العروج هل كان قبل ثلاث سنوات أو قبل سنتين أو أكثر أو أقل، المهم أنه في آخر مدة إقامته في مكة ، ولا يفهم من قوله رحمه الله: إنه اقتصر في الدعوة إلى التوحيد على العشر السنوات الأولى ثم انقطعت الدعوة، هذا ليس مراداً ولم يقصده المؤلف رحمه الله، وإنما أراد بيان أن صلب ما كان يدعو إليه ويكرره على الناس طيلة العشر السنوات من الدعوة هو التوحيد فقط، ومع ذلك كان يدعو إلى صلة الأرحام وغيرها من أنواع الخير التي هي من مكملات التوحيد، وهي من فضائل الأخلاق، لكن صلب الدعوة وأصلها وأساسها ومحور الخلاف مع المشركين هو دعوته إلى عبادة الله وحده، ولذلك لم ينكر أهل مكة عليه غير هذه الدعوة أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ( ) فإنما استغربوا وتعجبوا من هذه الدعوة لا من غيرها.

    قال رحمه الله: وبعد العشر عرج به إلى السماء، والعروج بالنبي أمر ثابت في سنة النبي ، بل ودل عليه القرآن، فالعروج جاء ذكره في أول سورة النجم، وأما الإسراء فقد جاء صريحاً واضحاً في أول سورة بني إسرائيل ( سورة الإسراء ) وقد عرج بروحه وجسده على الصحيح من أقوال أهل العلم.

    قال رحمه الله: وفرضت عليه الصلوات الخمس، أي في وقت عروجه، وذلك لشرفها وعظيم مكانتها فإن الله سبحانه وتعالى، اختص هذه الفريضة دون غيرها، بأن باشر فرضها سبحانه وتعالى على نبيه ولم يجعل بينه وبين رسوله سفيراً أو رسولاً من الملائكة.

    قال: (وصلى في مكة ثلاث سنين)، أي هذه الصلوات المفروضة، (وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة)، وذلك أنه تعذر عليه دعوة الناس وحيل بينه وبين الدعوة إلى التوحيد وحوصر، وهمَّ قومه أن يقتلوه، فلما سدت الطرق وأوصدت الأبواب ولم يكن سبيل تبليغ دين الله عز وجل إلاّ بالهجرة أمره الله سبحانه وتعالى بالهجرة من مكة إلى المدينة. . . .

    الدرس الثامن

    والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة، والدليل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً   فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً وقوله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ، قال البغوي رحمه الله تعالى: ( سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان ). والدليل على الهجرة من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ) ( ).

    قوله رحمه الله: ( والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ) هذا هو معنى الهجرة في الاصطلاح، فالهجرة في اصطلاح العلماء: هي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي من حيث الأصل مشتقة من الهجر، والهجر تقدم بيانه قبل قليل، وأنه "الترك والمفارقة" ثم من هذا التعريف يتبين لنا أن البلاد تنقسم إلى قسمين من حيث الجملة، بلاد شرك وبلاد إسلام، وهي التي يتكلم عنها الفقهاء بقولهم: دار الكفر ودار الإسلام، فما هي دار الكفر وما هي دار الإسلام ؟

    دار الكفر: هي البلاد التي يغلب فيها أهل الكفر، ودار الإسلام هي البلاد التي يغلب فيها أهل الإسلام، هذا هو أجود ما قيل في بيان دار الكفر ودار الإسلام، وهناك من الدور ما يتعذر وصفه بكفرٍ أو إسلام، وهي الدور التي يختلط فيها المسلمون بالكفار اختلاطاً بحيث إنه لا يمكن أن يوصف المكان بدار الكفر أو الإسلام، وهذه الدار يعامل فيها الكافر بما يستحق والمؤمن بما يستحق.

    قال رحمه الله: ( والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام )

    أفادنا رحمه الله أن الهجرة واجبة على أهل الإسلام من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، واعلم أن الهجرة منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، فالهجرة الواجبة: هي في حق من لم يستطع أن يقوم بشعائر الدين، يعني المسلم الذي في بلاد الكفر ولم يتمكن من إظهار دينه، فإنه يجب عليه أن يهاجر إن استطاع، ففهمنا أن الهجرة الواجبة لها شرطان:

    الشرط الأول: عدم التمكن من إظهار شعائر الدين التي لا يقوم الدين إلاّ بها.

    الشرط الثاني: أن يكون مستطيعاً، وهذا سيتبين من الآية، وهو الدليل الذي ساقه المؤلف رحمه الله، أما الهجرة المستحبة: فهي الهجرة من المكان الذي ينقص فيه دين الإنسان لكنّه يتمكن من إظهار الدين وشعائره الأساسية، فالهجرة عن مثل هذا المكان حكمها الاستحباب، سواء أكانت دار كفرٍ أو كانت دار فسق، هذا من حيث الأصل في تقسيم الهجرة أي: من حيث كونها واجبةً أو مستحبة.

    قال رحمه الله: ( وهي باقية ) الإشارة إلى الهجرة يعني: أنها باقية إلى أن تقوم الساعة، وذلك لما سيذكره من الدليل في قوله : ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ) وهذا يفيد استمرار الهجرة.

     استدل رحمه الله على وجوب الهجرة بقوله: والدليل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً ( )،

    فقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ أي: ظلموا أنفسهم بالبقاء بين ظهراني المشركين، مع إمكان الهجرة وتعذر إقامة الدين بين المشركين.

    قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ فإذا كانوا مستضعفين في الأرض فإن هذا يفيدنا أنهم لا يتمكنون من إظهار شعائر الدين قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا هذا جواب الملائكة على اعتذارهم في أنهم مستضعفون، قال: فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً هذا حكم الله فيهم، مأواهم أي: مصيرهم ومآلهم جهنم وساءت مصيراً، نعوذ بالله منها، ثم استثنى إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ ثم بين من هم، وهذا فيه الدليل على الشرط الثاني، وهو القدرة على الهجرة إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فهم لا يستطيعون التخلص من هذا الاستضعاف الذي هم فيه، ولا سبيل لهم إلى الوصول إلى المسلمين، إما بضعفهم أو إكراههم على الإقامة بين المشركين، أو غير ذلك مما يحقق الوصف فيهم أنهم لا يستطيعون حيلة يتخلصون بها من تسلط الكفار، ولا يهتدون سبيلاً يصلون به إلى المسلمين، ثم قال تعالى في الحكم على هؤلاء: فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً وكان هذا وعداً من الله عز وجل بالعفو عن هؤلاء لعذرهم بعدم الاستطاعة، ثم قال: وقوله -يعني في الدليل على وجوب الهجرة- يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ( ) أمر الله عز وجل هنا بالهجرة إذا تعذر إقامة العبادة في مكانٍ أن يهاجر إلى أرض الله الواسعة، ليحقق العبادة، قال البغوي رحمه الله: سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة الذين لم يهاجروا، فناداهم باسم الإيمان، وفهمنا من هذا أن ترك الهجرة مع القدرة عليها ليس بكفر، إنما هو من المعاصي، فقوله: فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً هذه عقوبة، وليست جهنم التي يخلد فيها أهلها من الكفار، ولكن ترك الهجرة مع القدرة عليها كبيرة من كبائر الذنوب، للوعيد عليها بالعذاب في جهنم.

     قال والدليل على الهجرة من السنة قوله : (( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ))( )، وعند ذلك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، وهذا دليل على استمرار الهجرة. هذا الحديث كيف يتفق مع قول النبي في الصحيحي:ن (( لا هجرة بعد الفتح وإنما جهاد ونيّة ))( )، أو ((ولكن جهاد ونيّة )) يتفق أن الهجرة المنفية في حديث الصحيحين هي الهجرة المعهودة في زمانه ، وهي الهجرة من مكة إلى المدينة، وذلك أنه بالفتح تحولت مكة من كونها دار كفرٍ إلى دار إسلام، ولما صارت دار إسلام انتهى وجوب الهجرة منها، أو استحباب الهجرة منها، وكذلك بقية الجهات في الجزيرة سلّمت بعد الفتح للنبي ، وأتى الوفود إليه مقرين بدعوته مستسلمين له ، فقال: (( لا هجرة بعد الفتح )) وأما الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام فهي مستمرة، لقوله : (( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ))( )، وللعموم في قوله: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ( ) وكذلك العموم في آيات سورة النساء. .

    فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة والصوم والحج والجهاد والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام. أخذ على هذا عشر سنين، وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه، ودينه باق، وهذا دينه لا خير إلا دل الأمة عليه ولا شر إلا حذرها منه، والخير الذي دل عليه التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذر منه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه.

    في قوله رحمه الله: (فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام، مثل الزكاة، والصوم والحج، والأذان، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام).

    هذا واضح لمن عرف سيرة النبي ، فإن الأمر بهذه الأشياء كان بعد الهجرة إلى المدينة، ولكن ينبغي أن يفهم أن النبي لم تنقطع دعوته إلى التوحيد إلى آخر حياته ، فإنه كان يدعو إلى التوحيد وهو في الرمق الأخير ، ومن ذلك أنه لعن اليهود والنصارى قبل وفاته بليالٍ، وقال: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))( )، وكثير مما كان يأمر به من أمور التوحيد حصلت في المدينة، لاسيما في مكملات التوحيد مع استمرار دعوته إلى التوحيد فيها، يعني إلى أصل التوحيد وإلى إخلاص العبادة لله عز وجل، ولكن أتى الأمر بالشرائع في المدينة لأن الذين سلموا له بالتوحيد احتاجوا إلى تكميله بالعمل الصالح، فدعاهم إلى ما أمره الله عز وجل أن يدعوهم إليه من شرائع الإسلام.

    ثم قال: ( وتوفي ودينه باقٍ ) وهذا فيه الإشارة إلى أن بقاء الدين ليس مرتبطاً بحياته ، وفيه أنه توفي وهذا أمر مجمع عليه، دل عليه الكتاب والسنة كما سيأتي بيانه بالأدلة التي ذكرها وبينها الشيخ رحمه الله، وهذا خلافاً لما يزعمه غلاة الصوفية الذين يقولون: إنه لم يمت ، وهذا كذب وافتراء، وتكذيب لما ثبت ثبوتاً قطعياً في كتاب الله عز وجل، وفي سنة النبي وأجمعت عليه الأمة، وبقاء الدين لا إشكال فيه، قال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( ) وحفظه بحفظ أهله، فإن الله عز وجل تعهد بحفظ هذا الدين، ولا يمكن حفظ الدين إلاّ بحفظ أهله، ولذلك قال النبي : ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله ))( ).

    وقوله: ( لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه ) لا إشكال في هذا، ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ))( ). هذا في الأنبياء قبله أما هو فله النصيب الأوفى والحظ الأوفر لأنه أنصح الخلق لأمته : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ( ) فجزاه الله عنا خير ماجزي نبياً عن أمته.

    ثم قال: والخير الذي دلها عليه التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه والشر الذي حذرها عنه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه وابتدأ بالتوحيد لأنه أعظم ما أمر به من الخير وابتدأ بالشرك لأنه أعلى ما يحذر ويخاف منه من الشر.

    بعثه الله إلى الناس كافة وافترض الله طاعته على جميع الثقلين الجن والإنس، والدليل قوله تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ( ) وأكمل الله به الدين والدليل قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ( ) والدليل على موته قوله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ( ).

    في هذا المقطع بيان أن النبي مبعوث إلى الناس كافة إلى جميعهم عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم كل الناس يجب عليهم الإيمان بالنبي سواء كان من أهل الكتاب أو من غيرهم فالواجب على كل من سمع بالنبي أن يؤمن به ولا يسعه إلا ذلك فإن النبي قال: ((ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار)). وهذا فيه أنه يجب على كل من بلغه خبر النبي أن يسلم له وأن يسلم به ويؤمن ببعثته ورسالته.

    قال: (وافترض طاعته على جميع الثقلين الجن والإنس) والثقلان جمع ثقل والثقل يطلق في لغة العرب على الشيء النفيس الذي له قيمة فسمي هذان الجنسان بهذا الاسم لمكانتهما وشرفهما.

    قال: والدليل قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً( ) الدلالة على أن الرسول مبعوث إلى الإنس قوله قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ الخطاب موجه لجميعهم إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وهذا لا عموم في قوله: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ وأكد بقوله: جَمِيعاً وأما الجن فالدليل على أنه مبعوث إليهم قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ( ) والشاهد قوله: لِلْعَالَمِينَ والجن من العالمَ، ولا يدخل في العالمين الملائكة ولا يكون رسولاً للملائكة ، بل يقال: هذا من العام الذي أريد به الخصوص، لأنه معلوم قطعاً أنه لم يرسل إلى الملائكة، وهل يوجد دليل خاص يدل على أنه مبعوث إلى الجن ؟ نعم، وهي آية الأحقاف، وفيها أن الله صرف إليه نفراً من الجن، وكان مما قالوا لما رجعوا إلى قومهم: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ( )، فلم يكن هذا منهم إلا لما علموا أنهم مخاطبون بهذه الرسالة، ولا إشكال في هذا، فالأمة مجمعة على أن النبي مبعوث إلى الجن، كما أنه مبعوث إلى عامة الإنس .

    قال: ( وأكمل الله به الدين والدليل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ( ) ) وهذا واضح في أن النبي قد كمل الدين، فكل من زاد في دين الله تعالى فقد افترى على الله كذباً، وقال عليه بغير علم، لأن الله عز وجل قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فمن استدرك بزيادة أو ببدعة فإنه كالقائل: إن الله عز وجل لم يكمل لنا الدين، أي: لم يكمل لنا العمل الذي نتقرب ونتعبد به الله سبحانه وتعالى.

    ثم قال: والدليل على موته قوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( ) وهذا أمر واضح كما قلنا في الكتاب والسنة وإجماع الأمة عليه.

    والناس إذا ماتوا يبعثون والدليل قوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ( ) وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ( ) وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى( ). ومن كذب بالبعث كفر والدليل قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ( ).

    هذا المقطع فيه تقرير ما أجمعت عليه الرسل، وهو الإيمان باليوم الآخر.

     انتهى المؤلف من ذكر الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم تعلمها، وختم الرسالة رحمه الله بذكر الأصول الثلاثة التي أجمعت الرسل على الدعوة إليها، وهي التوحيد والإيمان بالله عز وجل، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالرسل، ويضاف إلى هذه الثلاثة رابع، وهو العمل الصالح، فإن الرسل جاءت بالدعوة إلى الإيمان بالله والى الإيمان باليوم الآخر وإلى العمل الصالح، ومن لازم مجيئها الإيمان بالرسل أيضاً.

    يقول رحمه الله: ( والناس إذا ماتوا يبعثون ) والبعث هو الخروج من القبور ليوم البعث والنشور، وذلك أن الناس إذا ماتوا بعثهم الله عز وجل من قبورهم، ليوافوا بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى( ) وقوله: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ( ) وهذا أمر مجمع عليه ولا خلاف فيه بين أهل الإيمان قديمهم وحديثهم، يعني هذا أمر أجمعت عليه الرسل، فمن كذب به أو أنكره فإنه كافر، كما سيأتي في كلام المؤلف رحمه الله، والبعث الذي آمن به الرسل ودعوا أقوامهم إلى الإيمان به: هو بعث الأرواح والأجساد، خلافاً لما قالته الفلاسفة: بأن البعث إنما هو للأرواح فقط، فإن من قال: إن البعث للأرواح فقط فقد كفر بما أنزله الله على رسله، لأن الذي أنزله على رسله أن البعث للأرواح والأجساد معاً.

    قال: ( وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم ) البعث ليس لمجرد البعث إنما ليوافوا بأعمالهم كما تقدم، والدليل قوله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى( ) ومن كذب بالبعث كفر ولا إشكال في هذا لمخالفته ما هو قطعيّ في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي وأجمعت عليه الأمة والدليل على كفر من كذب البعث قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ( ) والشاهد من الآية قوله سبحانه وتعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا حيث وصفهم بالكفر، ألّّن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثنَّ القائل هو الله عز وجل، أمر رسوله بأن يقسم على البعث وذلك لأهميته وجلالة قدره، وأنه من الأمور التي تحتاج إلى تأكيد بالقسم حتى تقرّ قلوب هؤلاء الكفار بالبعث قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وهو في أذهانهم وتصوراتهم عسير، ومن هذا نفهم أنه إنما أنكر من أنكر البعث بسبب طعنه بقدرة الله عز وجل، فلو أنه آمن بكمال قدرته جل وعلا لما أنكر البعث، ولذلك يذكر الله جلّ وعلا في الحجج التي يقيمها على من كذب بالبعث يذكر قدرته وكمالها، وهذا هو أحد البواعث على الإنكار بالبعث، فأحد أسباب الإنكار بالبعث: هو ضعف الإيمان بقدرة الله عز وجل، والله عز وجل يقرر البعث ببيان كمال قدرته، وكمال علمه، وكمال حكمته، فمن آمن بكمال قدرة الله وكمال علمه جل وعلا وكمال حكمته لا يمكن أن يقع في قلبه إنكار البعث، ولذلك قال هنا في تقرير البعث: وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فهو جلّ وعلا على كل شي قدير.

    الدرس التاسع

    وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين، والدليل قوله تعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ( )وأولهم نوح عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، والدليل على أن أولهم نوح عليه السلام قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ( )وكل أمة بعث الله إليها رسولاً من نوح إلى محمد يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة الطاغوت، والدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ( ).

    هذا هو الأصل الثالث مما جاءت به الرسل، ألا وهو وجوب الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى، أرسل إلى خلقه رسلاً بعثهم يدعون الناس إلى التوحيد، ويحذرونهم من الشرك.

    قال المؤلف رحمه الله: ( وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين، )

    يبشرون من أقرّ لهم بالإيمان والطاعة، والمستجيبين لهم من الموحدين وينذرون من أنكره من أهل الكفر والمعصية والشرك.

    قال: ( والدليل قوله تعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً( )) أي: الدليل على أن الله بعث رسلاً وأرسلهم، هذه هي الغاية من بعثة الرسل، والحكمة قطع حجة المحتجين بأن الله لم يبلغهم ما يجب عليهم.

    قال: ( وأولهم أي: أول الرسل نوح عليه السلام، وآخرهم محمد ، وهو خاتم النبيين،)

    أما كون آخر الرسل محمداً فهذا أمر مجمع عليه، فإنه قد أجمعت الأمة على أنه لا نبي بعد النبي ينتظر، ولا كتاب يرتقب، فآخر الرسل محمد ، فكل دعوى النبوة بعده ضلال وكفر، وأمر لا خلاف فيه بين أهل الإسلام، وأما كون أولهم نوحاً فهذا الذي دل عليه كتاب الله عز وجل، ودلت عليه السنة، وبه نعلم خطأ كثير من المؤرخين الذين يجعلون أول الرسل إدريس، ويقولون: إن إدريس قبل نوح، فهذا مخالف لظاهر كتاب الله عز وجل ولصريح السنة.

    قال: والدليل على أن أولهم نوح قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ ( ) وجه الدلالة على أن أول الرسل نوح قوله: وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ، ففهم من ذلك أنه لم يكن رسول قبل نوح، وأما آدم فالصحيح أنه نبي وليس برسول، وأيضاً فإنه لم يرسل إلى أحدٍ، وإنما علّم أبناءه التوحيد، والناس كانوا على الفطرة، وليس هناك رسول، وإنما جاءت الرسل لما حصل الشرك، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس: أن الناس بقوا على التوحيد عشرة قرون، ثم بعد ذلك حصل الشرك فبعث الله نوحاً عليه السلام يأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، ومن السنة أيضاً حديث الشفاعة، فإن الناس إذا حزبهم كرب ذهبوا إلى الأنبياء، وممن يذهبون إليه بعد آدم: نوح عليه السلام، ويقولون له: (( أنت أول رسولٍ أرسله الله إلى أهل الأرض ))( )، فدل ذلك على أن نوحاً أول من أرسله الله عز وجل إلى الناس.

    قال: ( وكل أمة بعث الله إليهم رسولاً من نوح إلى محمد يدعوهم إلى عبادة الله وحده. وينهاهم عن عبادة الطاغوت، والدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ( )) وهذا من الأدلة المتكررة في كلام العلماء الدالة على أن الله سبحانه وتعالى أمر الناس بعبادته وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك به، وذلك في قوله: وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ويدل على ذلك قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ( ) ومنه قوله تعالى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( ) كل هذه وغيرها من الأدلة تدل على أن الرسل اتفقوا في الدعوة إلى التوحيد، وأن دعوتهم واحدة، وهي الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك.

    وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع ) والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عبد وهو راض، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادّعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( ) وهذا معنى لا إله إلا الله، وفي الحديث: ( رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ). والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

    بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين أما بعد. .

    فهذا هو المقطع الأخير من هذه الرسالة المباركة - ثلاثة الأصول - للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله رحمة واسعة. .

    قال رحمه الله: ( وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله) افترض أي: أوجب سبحانه وتعالى على العباد على جميعهم، فالعباد هنا يصدق أو يندرج تحته كل عباد الله عز وجل ممن وجه إليه الخطاب وكلف من الجن والإنس، افترض الله عز وجل على جميع عباده الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، وبدأ المؤلف رحمه الله بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله، لأن الله سبحانه وتعالى بدأ بهما في قوله جل وعلا: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( )، فابتدأ بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله، لأن الكفر بالطاغوت تخلية القلب وتخليصه وتصفيته من كل شر، يعقب ذلك التحلية بالإيمان بالله عز وجل، فلا يستقيم الإيمان بالله عز وجل إلا إذا صفا القلب وخلص من كل شائبة وكفر، فإذا خلّص ونقّي فعند ذلك تفرغت طاقته وتوفرت همته على الإيمان بالله، وذلك بأن القلب إذا شغل بغير الله عز وجل انشغل عنه، وهذا معنى ينبغي التنبه له، فإن من ملأ قلبه بهمِّ الدنيا شغله ذلك عن هم الآخرة، ومن ملأ قلبه بهمِّ الآخرة اشتغل بها عن غيرها، وأصبحت هي التي بين عينيه، وهي التي تقيمه وتقعده، فيجب على المؤمن أن يحرص على هذين المعنيين: الكفر بالطاغوت، وهو تخلية القلب من كل شائبة شرك دقيق أو جليل، ثم الإيمان بالله، وهو أن يعمر قلبه بكل ما يزينه ويجمله ويحقق عبوديته لله عز وجل، ويحقق فيه وصفي السلامة والإنابة، فالسلامة والإنابة عليهما علق الله عز وجل النجاة يوم القيامة، فمن جاء بقلب سليم، ومن جاء بقلب منيب حصل له فوز الدنيا والآخرة.

    ثم بين المؤلف رحمه الله معنى الطاغوت الذي افترض الله جل وعلا على العباد الكفر به، ولم يبين الإيمان بالله، لأنه تقدم بيان معنى الإيمان بالله في الرسالة التي بين أيدينا بياناً واضحاً شافياً بالأدلة، لكن لما كان الكفر بالطاغوت يحتاج إلى بيانٍ فإنه خصه ببيانٍ وافٍ واضح.

     قال رحمه الله: ( قال ابن القيم رحمه الله: معنى الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع،) هذا تعريف الطاغوت اصطلاحاً، وهو أحد ما قيل في تعريف الطاغوت، والطاغوت في الأصل مشتق من الطغيان، والطغيان هو: مجاوزة الحد في كل شيء، وهو على وزن فَعَلوت، وأصله طغيوت، فقدمت الياء فصار طيغوت، وقلبت الياء ألفاً، فصار طاغوت على وزن فلعوت، هذا من حيث الاشتقاق، أما من حيث المعنى الاصطلاحي فإن الطاغوت فسر في كلام السلف بمعانٍ عديدة، ولم يرد في كتاب الله عز وجل إلا ذمّه والأمر بالكفر به، حيث جاء ذكره وقد جمعت هذه التفاسير بما قاله ابن القيم رحمه الله في معنى الطاغوت، حيث قال: الطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده، من معبود، أو متبوع، أو مطاع، ( من معبود هنا ) قوله: (من) هذه بيانية لما يقع فيه التجاوز، يعني سواء كان التجاوز في عبادةٍ بصرفها إلى غير الله، أو متبوعٍ باتباعه على ضلالة، أو مطاعٍ بطاعته فيما لا يجوز طاعته فيه، وقد عرّفه جماعة من العلماء بتعاريف أخر، فقال شيخ الإسلام رحمه الله في تعريفه: الطاغوت اسم جنس لما عبد من دون الله، وقال في موضع آخر: الطاغوت اسم يطلق على كل ذي طغيان، وعرّفه أيضاً في موضوع آخر فقال: الطاغوت اسم جنس يدخل فيه الشيطان، والكاهن، والوثن، والدرهم والدينار، وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت: أنه اسم جنس لما يعبد من دون الله، ولمن دعا الناس إلى ضلالة، سواء أكان هذا الداعي من الشياطين، أو من الإنس، هذا أجمع ما قيل في معنى الطاغوت.

    قال رحمه الله: ( والطواغيت كثيرون، ) الطواغيت جمع طاغوت، والطاغوت يطلق على الجمع والمفرد، لكن جمعه هنا باعتبار أجناسه، فأجناس ما يحصل به الطغيان كثيرة، وليست نوعاً واحداً كما سيبين المؤلف رحمه الله أصول ما يحصل به الطغيان في قوله رحمه الله: ورؤوسهم خمسة، والأصل أن يطلق ذلك على كل مجاوزة للشرع ولو لم تكن كفراً، وبه نفهم أن ما يحصل به الطغيان والطاغوت ليس على درجةٍ واحدة، فمنه ما هو كفر، ومنه ما هو شرك، ومنه ما هو معصية، ومنه ما هو بدعة، فما يحصل به الطغيان على درجات وليس على درجة واحدة.

    قال رحمه الله: ( ورؤوسهم خمسة، ) أي: رؤوس الطواغيت، وقوله: (رؤوسهم) الرؤوس جمع رأس، والرأس في كل شيء أعلاه، فقوله: ( ورؤوسهم خمسة، ) أي: أعلى ما يحصل به الطغيان ويصدق عليه وصف الطاغوت خمسة أمور، واعلم أن قوله رحمه الله: ( خمسة ) ليس تحكماً من قبل نفسه، إنما هو بالاستقراء، وإلاّ لو طلبت دليل ذلك في الكتاب والسنة لم تقف على دليل معين، إنما جاء ذلك بالاستقراء وبتتبع ما قاله أهل العلم في بيان معنى الطاغوت تبين أنه يرجع إلى خمسة أمور، وهذا كثير في كلام أهل العلم، يذكرون أعداداً في أمور شرعية، وهذه الأعداد ليس عليها دليل منصوص، أي لم يرد بها نص، إنما عرف هذا العدد وتوصل إليه بالتتبع والاستقراء والنظر في الأدلة، وهذا دليل يستعمله كثير من أهل العلم والمحققين، ولا إشكال فيه.

    قال رحمه الله في بيان هذه الرؤوس الخمسة: (إبليس لعنه الله)، هذا أول الطواغيت، واعلم: أن إبليس هو أكبر الطواغيت وأعظمها شراً، وأخطرها أمراً، وأشدها طغياناً، أما من أين للمؤلف رحمه الله أن إبليس من رؤوس الطواغيت فنقول: إن جماعةً من السلف فسروا الطاغوت بالشيطان، ففي مثل قوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ( ) ورد تفسير معنى الطاغوت عن جماعة من الصحابة بأن الطاغوت هو الشيطان، وكذلك في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ) والآية الثانية يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ( ) قالوا: يتحاكموا إلى الشيطان، وورد تفسير الطاغوت بأنه الشيطان عن ابن عباس وعن غيره من السلف، ولا شك أن إبليس هو أصل الطغيان، كما قال الله جل وعلا حاكياً عنه: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ( ) فقد تكفل وتعهد وأقسم بعزة الله عز وجل أن يضل بني آدم، وإضلالهم من الطغيان، ولا يكون إضلالاً إلاّ بطغيان، هذا الرأس الأول، وهو أصل ما بعده من الطواغيت والشرور، الثاني: قال رحمه الله: (ومن عبد وهو راضٍ)، فكل من صرفت له العبادة بطلب منه أو بغير طلب منه وهو راضٍ عن هذه العبادة فإنه طاغوت، لأنه مما يحصل به التجاوز، وذلك أن العبد لا يصلح أن يكون رباً ولا يصلح أن تصرف إليه أنواع العبادة، فمن صرف إلى غير الله عز وجل شيئاً من العبادة فقد تجاوز به الحد وطغى فيه، فلذلك كان طاغوتاً، ودليل ذلك قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ( ) وقوله: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ معطوفة على مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وليست معطوفة على وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ فتنبه.

    هؤلاء وصفهم الله عز وجل بأنهم عبدوا الطاغوت، وكذلك في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( ) فهؤلاء زكوا عبادة المشركين، فكل من عبد من دون الله وهو راضٍ بهذه العبادة فإنه طاغوت، وقد جاء في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ. يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا أَوْ مُنَافِقُوهَا))( )  فالشاهد هنا قوله: ((وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ )) وهذا يشمل كل معبود من دون الله، فكل من عبد من دون الله وهو راضٍ فإنه طاغوت بنص الكتاب والسنة، ومن حيث المعنى موافق ومطابق، لأنه تجاوز بالعبد عن حده، وعن قدره الذي يناسبه.

    ثم قال رحمه الله في عدِّ ثالث الطواغيت: ( ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه ) هذا ثالث الطواغيت، سواء أطاعوه أم لم يطيعوه، فإنه طاغوت، لأنه تجاوز بنفسه عن حده، وهو العبودية إلى أن يكون معبوداً، ولا يلزم أن يوافق وأن يطاع، ولكن كل من ادعى الربوبية وكل من ادعى الألوهية فإنه طاغوت، ولذلك ورد تسمية فرعون بالطاغوت، لأنه قال: فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى( ) وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي( ) فجاء وصفه بهذا الاسم.

    الرابع من الطواغيت، قال رحمه الله: (من ادعى شيئاً من علم الغيب ) علم الغيب هو ما استأثر الله سبحانه وتعالى به دون خلقه من العلم، وهو نوعان: غيب مطلق وغيب نسبي، فالغيب المطلق هذا لا يعلمه أحد إلا الله، ومفاتحه خمس: وهي في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير ٌ( ) هذه هي مفاتح الغيب كما فسرها النبي ، فمن ادعى علم شيء من هذه الأمور فإنه كافر بالقرآن العظيم، لأن الله عز وجل قال: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ( ) ومعنى قوله: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي لا يعلمون متى يبعثون، وكذلك قال سبحانه وتعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً( ) فعلمه سبحانه وتعالى بالغيب المطلق مما اختص به هو جل وعلا دون غيره، أما الغيب النسبي فهذا قد يعلمه بعض الناس، فهو كثير، وهو كل ما غاب عنا مما علمه غيرنا فهو غيب بالنسبة لنا، وعلم بالنسبة لمن علمه، فالغيب النسبي يعني بالإضافة، أي: بالنسبة إلى أشخاص دون أشخاص، وإلى أناسٍ دون أناس، فمن ادعى علم شيءٍ من ذلك فإن كان تحصيله بأسبابٍ معلومةٍ -كأن يسأل ويتوصل - فهذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال في ادعاء علم الغيب المطلق الذي فيه الإخبار عن المستقبل. يقول المؤلف رحمه الله: ( ومن ادعى شيئاً من علم الغيب )، هذا هو رابع رؤوس الطواغيت، لأن هذا طغى وتجاوز حده، لأن الله سبحانه وتعالى أعلمنا وأخبرنا في كتابه أنه لا يعلم الغيب إلاّ هو جل وعلا، فكل من ادعى علم الغيب فقد تجاوز حده وطغى، فهو طاغوت، هذا من حيث المعنى، أما من حيث النقل فقد فسر جماعة من السلف - منهم سعيد بن جبير وأبو العالية - الطاغوت في قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ( ) بالكاهن، والكاهن هو الذي يخبر عن المغيّبات في المستقبل، فعلى هذا يكون كل من أخبر عن المغيبات في المستقبل طاغوتاً بتفسير السلف.

    خامس وآخر ما ذكره رحمه الله من الطواغيت أو من رؤوس الطواغيت هو قوله: ( ومن حكم بغير ما أنزل الله ) أي فهو طاغوت، يعني من الشرع، فكل من حكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت، لكن هل هذا الطاغوت كفر أو ليس بكفر ؟ هذه مسألة أخرى، فالإنسان الذي تعرض عليه قضية ويعلم أن حكم الله فيها كذا ويعرض عنه ويحكم بغيره لأجل هواه فهذا حكم بغير ما أنزل الله، ومثل هذا قد لا يكون كافراً إذا كان حكم لأجل الهوى فإنه لا يكون كافراً، وبهذا نعلم أنه ليس كل حكم بغير ما أنزل الله كفراً، بل يجب التفصيل كما فصل الله عز وجل في الحكم بما أنزل الله، ففي موضع قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ( ) وفي موضع قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ( ) وفي موضع قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( ) وهذه مراتب في أحوال من يحكم بغير ما أنزل الله، واعلم أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفراً إلاّ إذا استحله من حكم به، ولو في قضية واحدة، بل ولو لم يحكم في أي قضية من القضايا بغير ما أنزل الله فإنه يكون كافراً إذا كان يعتقد أنه يحل له أن يحكم بغير الشريعة، فلا يلزم أن يكمل ذلك بالعمل كما هي الحال فيمن أنكر وجوب الصلاة وهو في الصف الأول في الروضة وراء الإمام أيكون كافراً أو لا ؟ نعم يكون كافراً إذا أنكر الوجوب، لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله فإنه كافر، وكذلك من اعتقد أن حكم غير الله خير من حكم الله فهو كافر، أما من حكم لأجل الهوى فإنه لا يكون كافراً، ولذلك ينبغي التفصيل في هذه المسألة الكبيرة.

    بعد أن فرغ المؤلف رحمه الله من ذكر هذه الرؤوس الخمسة وهي رؤوس الطواغيت أعاذنا الله وإياكم منها ومن الطغيان دقيقه وجليله ذكر الدليل على ذلك، واعلم أن كل هذه الأنواع الخمسة لها دليل، وأشرنا إلى أدلتها في أثناء الكلام إلا النوع الأخير في قوله: ( إلاّ من حكم بغير ما أنزل الله ) فدليله قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ( ) فجعل الله عز وجل الإعراض عن حكمه إلى حكم غيره من التحاكم إلى الطاغوت، وهذه الآية قد ورد في سبب نزولها أثر صحيح، وهو أن منافقاً اختصم مع يهودي، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، لأنه علم أن النبي لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لأنه كان يعلم أنهم يأخذون الرشوة، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات في فضح المنافقين أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ فجعل طلب الحكم من غير الشريعة من التحاكم إلى الطاغوت، ثم ذكر الدليل على ما تقدم فقال: والدليل قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( ) فهذه الآية دليل على أن الله افترض على عباده الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وهل في الآية دليل على الرؤوس الخمسة من الطواغيت ؟ نعم يصلح في الدلالة على الرؤوس الخمسة من الطواغيت ولذلك فسر جماعة من السلف الطاغوت بهذه المعاني السابقة، وقد جمع ابن الجوزي رحمه الله في كتابه زاد المسير، ذِكْرَ الأقوال في تفسير الطاغوت، وأكثرها مما تقدم ذكره في قول المؤلف رحمه الله: ورؤوسهم خمسة.

    ثم قال رحمه الله: ( وهذا معنى قول: لا إله إلاّ الله )

     المشار إليه الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، هذا معنى ( لا إله إلاّ الله ) كيف يكون معنى لا إله إلاّ الله ؟ ( لا إله ) هذا هو الكفر بالطاغوت، لأنه ينفي العبادة عن كل معبود، وقوله: ( إلاّ الله ) إثبات لجميع أنواع العبادة لله وحده، وهذا هو الإيمان بالله عز وجل، إذاً قوله: معنى ( لا إله إلاّ الله ) أي: ما تضمنته هذه الآية من حصول الإيمان، وذلك بترتيب الاستمساك بالعروة الوثقى على هذين الأمرين: الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله.

    ثم قال رحمه الله في ختام هذه الرسالة المباركة: ( وفي الحديث: (( رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ))( )، وهل ذكر المؤلف لهذا الحديث على أنه دليل لما تقدم ؟ الجواب أن بعض الشرّاح قال: إنه دليل على الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، وبعضهم قال: إنما أراد المؤلف رحمه الله ختم الرسالة بهذا الحديث، لما تضمنه من المعاني العظيمة، وهي بيان رأس الأمر، وبيانٌ بما يقوم، وبيانٌ بما يبلغ الغاية، وعندي أن هذا دليل وبراعة اختتام.

    أما الدليل ففي قوله: (( رأس الأمر الإسلام )) والأمر هنا المراد به الدين، يعني رأس الدين الإسلام والمراد به هنا شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ( الشهادتان ) ولذلك جاء في روايةٍ لهذا الحديث: (( رأس الأمر شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله )) فالإسلام يراد به هنا الشهادتان، وهو الاستسلام لله عز وجل بالعبودية، يعني: إفراد الله جل وعلا بالعبادة وحده دون غيره، هذا هو المراد بالإسلام هنا، وعلى هذا يكون فيه دليل على ما تقدم ، لأن شهادة أن لا إله إلاّ الله هي الإيمان بالله تعالى والكفر بالطاغوت، فيكون فيها دليل لما ذكره رحمه الله في قوله: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وأما قوله في الحديث: (( وعموده الصلاة )) فهذا فيه بيان مرتبة الصلاة في هذا الدين، وأنها من هذا الدين كالعمود للخيمة، وليس للخيمة قيام بلا عمود، بل لا قيام للفسطاط إلاّ بعمود ، فمن لا صلاة له لا إسلام له، هكذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وورد مثل ذلك عن علي بن أبي طالب: (لاحظّ في الإسلام لمن لا صلاة له ) كل هذا مما ورد عن الصحابة وقال عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو من التابعين: لم يكن شيء من العمل تركه كفر يعني عند الصحابة أي لم يكن أصحاب النبي يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلاّ الصلاة، فالصلاة شأنها كبير وأمرها خطير، ويكفي في الوصف فيها قول النبي : (( وعموده الصلاة )) وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: من أراد أن يعرف قدر الإسلام في قلبه فلينظر إلى قدر الصلاة في قلبه، فبقدر ما يكون مع الإنسان من تعظيم الصلاة والاهتمام بها والعناية بها والإقبال عليها والتبكير إليها وتعلق القلب بها يكون معه بقدر ذلك من الإسلام، ولذلك كان أول ما يسأل عنه الناس من الأعمال بعد التوحيد مما يتعلق بحقوق الله سبحانه وتعالى الصلاة، فهي أول مسؤول عنه، ولذلك ينبغي للإنسان أن يعتني بهذه العبادة الجليلة، وأن يهتم بها، وأن تكون منه على البال دائماً، فهذا هو المعيار والميزان الدقيق، فإذا أردت أن تعرف قدر الإسلام في قلبك فانظر إلى قدر الصلاة في قلبك، هذا القول عن الإمام أحمد ذكره في كتاب (تعظيم قدر الصلاة).

    وأما قوله: (( وذروة سنامه الجهاد )) فذروة الشيء أعلاه، والمراد أعلى شيءٍ في الإسلام هو الجهاد في سبيل الله، يعني الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، واعلم أن الجهاد والصلاة هما العبادتان اللتان تكرر الأمر بهما، والثناء على أهلهما في الكتاب والسنة، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: لم يرد من الأحاديث قدر ما ورد في الصلاة والجهاد حثاً وأمراً وفضلاً، وهذا يجعل الإنسان يحرص على أن يكون نصيبه وافراً في الأمرين، والجهاد في سبيل الله يكون على مراتب، منه ما يكون جهاداً للكفار، ومنه ما يكون جهاداً للمنافقين، ومنه ما يكون جهاداً للعصاة، وقد ذكر جميع هذه المراتب ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد، ومنه ما يكون جهاداً بالسيف والسنان، ومنه ما يكون بالعلم والبيان، فطلاّب العلم الذين يبذلون أوقاتهم في تحصيل العلم وتحري المسائل ومعرفتها على أصولها هم من المجاهدين في سبيل الله تعالى إذا احتسبوا وأخلصوا النية، لأن به تحفظ الشريعة، كما أن الشريعة تحفظ بالسيف فهي تحفظ بالعلم، لكن ينبغي للإنسان أن يكون صاحب نيةٍ في الأمر، ليحصل له ما يريد من الخير، وقول النبي : (( وذروة سنامه الجهاد )) أي: أفضل الأعمال بعد الواجبات، فأعلى الأعمال بعد الواجبات المفروضة على العموم الجهاد في سبيل الله، ثم إنّ الجهاد منه ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو فرض عين، لكنه في حالات محدودة، قد ذكرها الفقهاء وأهل العلم في كتبهم، والأصل في حكمه أنه فرض كفاية.

    براعة الختام: أن المؤلف رحمه الله ذكر أنه لا يكفي في تحقيق التوحيد والفوز بهذه الأصول مجرد القول، بل لابد من العمل أولاً، ولابد من بلوغ العمل غايته، فالشهادتان اللتان هما الإقرار لله بالألوهية وللنبي بالرسالة لابد أن ينضاف إلى ذلك المحافظة على الأعمال الصالحة، وذكر أشرفها وأعلاها وهي الصلاة، ثم لا يقتصر على المفروضات، بل يسارع إلى النوافل التي تقربه إلى الله عز وجل، وأشار إلى ذلكم بقوله: (( وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله )) فختم هذه الرسالة ببيان: بماذا يثبت الدين، وعلى ماذا يقوم، وبماذا يحفظ، فيثبت الدين بالشهادتين، ويقوم بالصلاة، ويحفظ بالجهاد.

    نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وبهذا تكون قد تمت الأصول الثلاثة التي تضمّنتها هذه الرسالة المباركة، للإمام العالم المجدد / محمد بن عبد الوهاب رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه الله عنا خير الجزاء.

    التصانيف العلمية:

    رأيك يهمنا