معالم في طلب العلم

نبذة مختصرة

ذكر المؤلف في هذا الكتاب بعضَ المعالم المهمة لكل طالب علمٍ ليهتدي بها في طريقه في طلبه للعلم؛ من ناحية إخلاصه، وهمته في الطلب، وما ينبغي أن يكون عليه خُلُق طالب العلم مع نفسه، وأهله، ومشايخه، وأقرانه، وما يجب عليه من الصبر في تحمل المشاق، والصعاب في تعلُّم العلم وحمل هذه الأمانة، وعرَّج على وجوب الدعوة بهذا العلم تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وختم رسالته بتذكير طلبة العلم ببعض المواقف والأقوال للسلف الصالح رحمهم الله لتكون مناراتٍ تُضِيء الطريق لديهم.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 معالم في طلب العلم

لفضيلة الشيخ:

سلطان بن عبدالله العمري

المشرف العام على موقع يا له من دين


 طالب العلم والقلم

هما قرينان لا ينفكان وينتج عنهما نفع للأمة وإبقاء للميراث النبوي.

إن القلم لسان ثان لطالب العلم، وكما قيل: (القلم أحد اللسانين) لذا وجب على طالب العلم أن يعتني بقلمه عبر هذه الإشارات:

- الحرص على اقتناء القلم في جميع مواطن حياتك، فهو في جيبك الذي في ثوبك، وفي مكتبك، وفي حقيبتك الخاصة، وفي جوار وسادة النوم.

وكل هذا لأجل العلم وكتابة الفوائد وصيد الخواطر، واقتناص الفرص والهمسات والأفكار التي قد ترد على عقلك أو قلبك.

- وإذا كانت نصوص الوحي قد راعت جانب العلم والتعلم والتعليم، فلا بقاء لكل ذلك إلا بالقلم الذي يساهم في نفع العلم عبر الكتابة من بوابة (حبر القلم) الذي هو (دموع تسطر أجمل الكنوز العلمية).

- وطالب العلم يقتني القلم المناسب له السهل والواضح في كتابته.

- لا بد من التدرب على الكتابة واستخدام القلم دوماً وأبداً، وعدم الملل من الكتابة والتحرير والبحث، وكما قيل: (لا يستطاع العلم براحة الجسد).

- قصة لطيفة: أحد السلف انكسر قلمه في أحد الدروس فصاح (قلم بدينار) فتناثرت الأقلام بين يديه.

فانظر لحرصه وانظر لهمتهم تركوا القلم (العلم) لأجل دينار.

وختاماً: القلم بين يديك يا طالب العلم، والأمة تنتظر (دموعه) وتترقب (حبره) فهيا نحو القلم وضمه إلى يدك وقل: باسم الله، وخذ ورقة ليضيء بياضها بسواد القلم.


 قصتي مع صديق ابن جبرين

ركبت مع سائق أجرة تجاوز الستين وبدأت في الحديث معه عن أخباره وحياته.

وكان مما قال: أنا في نفس الحي الذي يسكن فيه الشيخ ابن جبرين وكنا نصلي في مسجد واحد.

واستمر في حديثه وواصلت الإنصات له حتى فرغ.

فلما وصلت إلى المنزل وادعته ولكن أبت خواطري إلا أن تكتب عن ما جرى لها أثناء الحوار ووافق القلم:

إنه صديق للإمام العلامة الشيخ عبد الله بن جبرين، ولا يذكر الآن إلا بعض لحظات الصلاة في مسجد واحد جمع بينهما.

فيا ترى لمَ لمْ يطلب العلم مثل ابن جبرين لما بدأ وهو صغير بطلب العلم؟!

وها هي الأيام تجري لتخبرنا بالفرق بينهما ؛ فهذا نفعه على نفسه وأهله يسعى لقوت يومه، وهذا خير بلا شك.

ولكن أين هذا من ذلك العالم الذي انتفع به ملايين من البشر وهو في عداد علماء العصر وأئمة الزمان، وممن تخرج على يديه أفذاذ العلماء، وممن انتفع بفتواه الرجال والنساء.

وهذا يوحي لك بفضل العلم وأنه سبب للرفعة في الدنيا والآخرة.

ومضة: ما أعظم الفرق بين العالم وبين صديقه.


 بين الثقافة والتأصيل العلمي

في زحمة الصحوة العلمية في واقعنا قد نغفل عن (التأصيل العلمي) وننطلق نحو (الثقافة العلمية).. وعندما تتأمل بعين الإنصاف ترى جموعاً من الشباب قد ساروا نحو الدورات العلمية للالتحاق بها، مع أن بعضهم قد لا تناسبه؛ لمخالفتها لحقيقة (التأصيل العلمي) له، فقد تناسب غيره أما هو فلا.

وترى آخرين يزورون المكتبات لشراء الكتب، واقتناء المجلدات، وياليت هذا الحرص مبني على قانون (التأصيل) بل في الغالب على مجرد القراءة و(الثقافة العلمية).

وأيضاً في (زيارة المواقع العلمية على الإنترنت) تتعجب من كثرة الوقت الذي يقضى على النت على حساب (التأصيل العلمي) مع أن الزائر لها لن يُعدم الفائدة، ولكنها (ثقافة علمية).

وانظر لواقع (الشريط الإسلامي) تجد (الكثرة العجيبة) والإقبال على سماعها، ولكن بدون النظر إلى مطابقتها (للتأصيل العلمي) في غالب الأوقات، وإنما مجرد استماع؛ أي: (ثقافة).

وفي الحقيقة: الأمثلة كثيرة التي تؤكد بكل جلاء غياب (التأصيل العلمي) عند كثيرين من محبي العلم، ولذلك لا ترى بعد مدة (طالب علم) متين العلم، واسع الاطلاع، قوي التأصيل، وإنما تجد (مستقيم) عنده معلومات متفرقة؛ أعني (ثقافة علمية).

فيا من سلك مسلك التعليم والتدريس: احرص على تأصيل العلم في نفوس طلابك، وليتعودوا منك ذلك.. ويا من سلك طريق العلم: الزم الجادة، وسر على نهج السلف، واحذر (ثقافة) لا تخرجك (عالماً).


 طالب العلم والوقت

أجمع كل من دخل في (طلب العلم) أن العناية بالوقت هو الطريق الأعظم والباب الواسع الذي يلج إليه طالب العلم الصادق.

والحديث عن الوقت وأهميته ووسائل نيله مطروق في غير هذا الموضع، وقد أشبع العلماء كتبهم في الحديث عنه، ولكني هنا أضع مقترحات وإشارات تنفعك بإذن الله تعالى:

* ارفع يديك إلى مولاك لكي يمنحك الحفظ للوقت، وأن يبارك لك في وقتك.

* معنى (حفظ الوقت) هو: استغلاله فيما ينفع في العمل المناسب للوقت المناسب، فمثاله:

- في وقت الدراسة النظامية، لا يناسب أن تغيب عن المدرسة لأجل حفظ المتون أو جرد المطولات.

- في بيتك وأنت في الجو الأسري لا يناسب أن تغيب عنهم لكي تقرأ، وتترك والديك أو زوجتك بلا أنيس، إلا عند الاستئذان منهم ومراعاة الأحوال.

- عند أوقات العبادة الفاضلة؛ مثل (الصلاة) فلا يناسب الانشغال بالعلم، بل الأولى المبادرة إلى الصلاة.

- وبعد عصر الجمعة الأولى الإقبال على الدعاء وكثرة الابتهال إلى الله؛ لأن ذلك هو أرجى أوقات الإجابة كما دلت النصوص في ساعة الاستجابة التي في يوم الجمعة.

- وفي آخر الليل ووقت النزول الإلهي ما أجمل أن تكون ممن ((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا))[السجدة:16].

- تستطيع الاستفادة من الوقت في الفراغ في عملك.

- وعند الإشارات.

- وأنت تمشي لم لا تراجع حفظك أو ترد على رسائل الجوال.

- قصة: أعرف من يراجع القرآن وهو يقرأ عبر جواله.

- تستطيع قبل النوم أن تلهج بالذكر حتى تغلبك عيناك.

- وأنت في بعض المجالس قد لا تستطيع فعل شيء لتستغل وقتك، ولكنك تستطيع أن تستغفر أو تسبح.

* اختر الوقت المناسب للوقت المناسب، فمثلاً: لا تقرأ الكتب المركّزة والعميقة في أوقات غلبة النوم أو العمل.

* ابدأ بالأوليات، فلا تتصفح كتب القصص والمواعظ وأنت لم تقرأ في كتب العقائد والتوحيد.

* رتب وقتك وخصّص شيئاً لتدوين الفوائد وترتيبها وفهرستها.

* لا بد من تخصيص بعض اللحظات للاستماع للشريط النافع وتدوين اللطائف والفرائد.

* وأنت في زحمة المطالعة والقراءة ستمر عليك لحظات التعب والنصب، ولكن هذا طريق العلم، والقاعدة: (لا ينال العلم براحة الجسد).

* إياك والكتب الساذجة والباردة، وطالع كتب السلف الذين استناروا بنور الوحي، وحينها أنت (طالب علم).

* استشر قبل القراءة، وليكن مستشارك ممن سار في قافلة العلم والعلماء، ليمنحك بعض التجارب التي لن تجدها في كتاب.

* لا بد من وقت لقضاء حاجات الإخوان والوقوف إلى جنبهم، وليس هذا من إضاعة الوقت، بل هو من فقه إدارة الوقت.

* اجعل هناك وقتاً لشراء الأغراض ومستلزمات البيت، وليكن هذا الوقت هو (الوقت الضائع) مثل (وقت العودة من مناسبة).

* صلة الرحم واجبة وليست إضاعة للوقت، بل هي وربي من الطرق التي نستجلب بها البركة في الوقت.


 على قمة الجبل سترتاح

من حين استيقظت همتك لطلب العلم وجدت بعض الصعاب على هذا الطريق..

وهذا ليس بغريب، فمن طالب لإدراك شيء عظيم فلابد أن يخاطر بعظيم..

والأشواك متعددة بأحجامها وألوانها، ولكن وراءها (بساتين وأنهار).

والسعادة لا يُعبر إليها إلا على جسر المشقة.

ولن يصل إلى الجبل إلا القوي.

فيا من طمحت همته إلى جبل الهمة: البس ثياب الهمة لتصل إلى القمة.

وألف خطوة تبدأ من خطوة، وعندما تسير سترى أن الأمر يسير، ولكن يفتقر إلى بعض الصبر ولكن حين تصل إلى قمة الجبل سترتاح..

وللصبر حلاوة تبين في العواقب.


 هل رأيت هذا الطالب؟

إنه فتى.. ولكنه طالب علم، يملك همة (تُحرق) من يقترب، فعجباً له.

لا يرضى بمنهج يسير أو حفظ قليل..

يُناطح العلماء بالهمم.. فهو يعرف (سفيان وابن تيمية وابن حنبل والشافعي).

إنه يُحاول أن يتجاوزهم، وليس ببعيد أن يقترب منهم و (من جد وجد) و(ليس من سهر كمن رقد) إنه يسهر ولكن غيره يرقد، وهو يتعب وأما غيره فمرتاح، إنه موقن بأنه (لا يُنال العلم براحة الجسد).

ومتأكد أن من أراد الراحة فليترك الراحة، وأن المعالي تريد صاحب المعالي.

إنه فتى.. ولكنه خير من آلاف الرجال الذين هم أصفار..

إنه فتى.. ولكن له شأن، وستُخبرك الأيام بمن سيقود السفينة، وانتظر إننا منتظرون.


 العناية بفقه المناسبات

يا طالب العلم! إنها ستمر بك أوقات وأحوال مختلفة فلا بد أن تكون فقيهاً في التعامل معها، بصيراً فيما ورد فيها من نصوص.

وإليك هذه الأمثلة:

حينما يأتي موسم رمضان، لابد أن تكون فقيهاً في أحكامه ومسائله وآدابه وما يتعلق به، وذلك بالاستعداد قبل دخول الشهر بالإطلاع على الكتب ومراجعة ما كتبه العلماء حول هذا الشهر..

وقل مثل ذلك في موسم الحج، وبداية الإجازة، وغيرها من المواسم المتكررة.

وهناك أحوال أخرى: مثال التفقه في أحكام المريض ومسائله حينما تنوي زيارة المريض، أو عندما يكون أحد أفراد أسرتك مصاباً بالمرض.

ومثال آخر: عندما تريد السفر، فينبغي لك أن تنظر في كلام أهل العلم في أحكام السفر ومسائله.

ومثال ثالث: عندما تنوي الزواج فلابد أن تقرأ عن الزواج ومسائله والطلاق وأحكامه، لتكون على علم بما أنت قادم عليه، حتى تتجنب الأخطاء والبدع والمخالفات التي قد تواجهك في هذا الطريق.

ومثال رابع: عندما تكون زوجتك حاملاً، فما أجمل أن تقرأ عن أحكام المولود وتسميته، ومسائل العقيقة حتى تتعرف على الأحكام التي ستواجهك حينما يرزقك الله بالذرية الصالحة إن شاء الله.

فيا من سلك طريق العلم! كن فقيهاً في الأحوال والمناسبات بصيراً في مسائلها متجنباً للبدع والمخالفات التي قد تواجهك.


 من مواقف السلف في الحذر من الفتوى

اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقائم بفرض الكفاية لكنه معرض للخطأ.

ولهذا قالوا المفتي موقع عن الله تعالى.

عن ابن المنكدر قال: (العالم بين الله تعالى وخلقه فلينظر كيف يدخل بينهم).

وورد عن السلف وفضلاء الخلف من التوقف عن الفتيا أشياء كثيرة معروفة.

وعن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: (أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله  ج يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول).

وفي رواية: (ما منهم من يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا).

وعن ابن مسعود وابن عباس ي: (من أفتى في كل ما يسأل فهو مجنون).

وعن الشعبي والحسن وأبي حصين قالوا: (إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب ت لجمع لها أهل بدر).

وعن عطاء بن السائب التابعي: (أدركت أقواما يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد).

وعن ابن عباس ومحمد بن عجلان: (إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله).

وعن سفيان بن عيينه وسحنون: (أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما).

وعن الشافعي وقد سئل عن مسألة فلم يجب فقيل له , فقال: (حتى أدري أن الفضل في السكوت أو في الجواب).

وعن الأثرم: (سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول لا أدري وذلك فيما عرف الأقاويل فيه).

وعن الهيثم بن جميل: (شهدت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري).

وعن مالك -أيضاً-: (أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها وكان يقول من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب).

وسئل عن مسألة فقال: (لا أدري فقيل هي مسألة خفيفة سهلة فغضب وقال ليس في العلم شيء خفيف).

وقال الشافعي: (ما رأيت أحدا جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة أسكت منه على الفتيا).

وقال أبو حنيفة: (لولا الخوف من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت يكون لهم المهنأ وعلي الوزر).

وأقوالهم في هذا كثيرة معروفة.

قال الصيمري والخطيب: (وقل من حرص على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه واضطرب في أمره).

وإن كان كارها لذلك غير مؤثر له ما وجد عنه مندوحة وأحال الأمر فيه على غيره كانت المعونة له من الله أكثر والصلاح في جوابه أغلب واستدلا بقوله  ج في الحديث الصحيح لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة أو كلت إليها وإن أعطتها عن غير مسألة أعنت عليها.

قلت: (ومع هذه الآثار عن سلفنا الصالح إلا أنك تتعجب من بعض المتعالمين الصغار، يحفظ الواحد أجزاء من القرآن أو بعض المتون، وإذا به يتصدر في المجالس، ويفتي في المسائل الكبار، ويخطئ العلماء، ويرد عليهم، بل ومنهم من يسب العلماء في المواقع على الانترنت).

فرحماك يا رب!


 عتاب للمشايخ فقط (أين العناية بطلاب العلم)؟

كثير من المشايخ الفضلاء وأهل العلم يتحدثون عن فضل العلم وتعليمه ويسردون الأدلة وأقوال السلف والقصص التي تؤكد هذا المعنى، ولاشك أننا بحاجة إلى من يبين هذا للناس ويوضحه لهم.

ولكنني رأيت ملاحظة على بعض هؤلاء (المشايخ الذي يحرصون على العلم والتعليم) وعفوا على جرأتي (فالنصيحة واجبة) وإن كانت (في بعض الأحيان ثقيلة).

الملاحظة هي: لماذا لا نعتني بطلاب العلم الجادين والمتميزين في حلقاتنا العلمية وبرامجنا الجادة؟

إن الذين يحضرون دروس المشايخ والعلماء كثير وهم أنواع (فمنهم الجيد والذكي والعبقري والغبي والجاهل والكبير و...).

فيا ترى! يا من وقفت للناس معلماً وشارحاً لهم تلك المتون وتلك الأصول العلمية (ألم تجد من بعض أولئك الطلاب مجموعة ولو كانت قليلة بحاجة إلى رعايتك واهتمامك)؟

إن الطلاب الأذكياء كثيرون ولله الحمد، ولكن المشكلة في غفلة المشايخ وطلاب العلم عنهم.

إنهم يريدون أن يطلبوا العلم ويتميزوا فيه ولكن ذلك الشيخ يلقي الدرس ويذهب ولا يفكر فيهم.

إنهم يتمنون أن يقفوا لحظة معك أيها الشيخ لكي يسألوك وينتفعوا من علمك، ولكنك تلقي الدرس وتذهب مسرعاً إلى سيارتك.

إنهم بحاجة إلى شيء من وقتك لكي تسمع منهم أسئلتهم ومشكلاتهم وحاجاتهم، عجباً لك.

أما رأيت ماذا صنع الإمام ابن باز / مع بعض الطلاب، لما علم بفقرهم وحاجتهم باع سيارته الخاصة لكي ينتفعوا بذلك المال (والقصة مثبته في كتاب مواقف من حياة ابن باز).

أما سمعت ماذا صنع العلامة الفقيه ابن عثيمين / بطلابه؟

 لقد ساهم في بناء أسكان لهم بجميع محتوياتها (للعزاب وللمتزوجين) ووضع مكافئات لهم ووو.

فانظر ماذا ترك من علم وانظر ماذا ترك من طلاب؟

إن ابن عثيمين لم يكن حريصاً فقط على (الدورات العلمية وحفظ المتون) بل إنه كان حريصاً على طلاب العلم فيقف معهم ويخرج معهم ويستمع منهم ويساعدهم.

إنني أقسم بالله (لو اعتنى المشايخ بالطلاب المتميزين) لانتفعت الأمة انتفاعا يفوق الوصف، ولأخرجنا رجال يحملون العلم والتعليم للناس كافة.

وإنني أعتقد أن هذا الأمر لا يكلف شيء (إلا بعض التفكير وحسن الرعاية وجودة الانتقاء للطلاب الجادين).

يا شيخ! لا تقل (أنا مشغول) فعندنا (سيرة العلمين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله تعالى) أعظم علما منك واتقى منك وأكثر حرصا على الوقت منك، ومع ذلك كانوا حريصين على (الطلاب الجادين والمتميزين).

إنك تستطيع أن تكون ممن يتخرج على يديه (علماء الجيل القادم) ولا يكون ذلك في نظري إلا بحسن الرعاية والتربية لطلاب العلم المبدعين.

إن ابن القيم خرج من مدرسة ابن تيمية، ومسلم تتلمذ عند البخاري، والسلف خرجوا من مدارس العلماء و(العلماء صنعوا لنا علماء) فماذا صنعت أنت؟

نتمنى منك بعض الجد والاجتهاد في (التفكير في هذه الأطروحة.. وهذا الاقتراح) لعل في ذلك (نصرة للدين وإنقاذا للطلاب المهملين من لدى المشايخ) عفا الله عنهم.


 طالب العلم وعلاقته بزوجته

لا ريب أن طالب العلم الصادق لا يحب إضاعة الوقت وتجده دائماً في (مكتبته) أو (مع قلمه وأوراقه) أوتراه في مجالس الذكر يكتب الفوائد والفوائد.

ولكن لما تزوج ومضت تلك الأيام الجميلة في (الحياة الزوجية) وإذا به يعود إلى برنامجه الأول في طلب العلم.

لقد رجع إلى قراءة الكتب والدروس والدورات العلمية ولكنة (نسي) أنه (متزوج).

نعم لقد نسي أن زوجته بحاجة إلى الجلوس معه والحديث معه وتبادل وجهات النظر.

إنه يظن أن حياته لا تتغير ولن تتغير ويعتقد أن الحديث مع الزوجة (ضياعاً للوقت) ولهذا تجده يمل ويتضجر ويتأفف وربما (ندم) على هذا الزواج لأنه أخذ بعض وقته.

أخي طالب العلم! كن صريحاً معي... ألم تشعر بهذه الخواطر؟ ألم تمر بك هذه السطور؟

إنني أغبطك على علو همتك ومدى رغبتك في استغلال وقتك في العلم والتعلم.

ولكن لعلك تسمع مني هذه الهمسات اليسيرة:

1. إن الزواج من سنن الأنبياء والمرسلين.

2. لو نظرت في حياة الأئمة والعلماء لرأيتهم ممن دخل (عالم الزواج) ولا عبرة بالقلة الذين لم يتزوجوا.

3. إن الزواج ليس عائقاً عن طلب العلم بل قد يكون عوناً لك.

4. أوصيك باختيار المرأة التي تعينك على طلب العلم.

5. لابد من ترتيب الوقت ومراعاة أن هناك وقت للأهل وأن هذا من الحقوق الواجبة عليك «وإن لأهلك عليك حقاً»([1]).

6. قد تكون زوجتك لا تهتم بطلب العلم فعليك بالتأني والرفق في إقناعها بفضل العلم، و لا تستعجل النتائج فقد لا تستجيب لك في بداية الأمر.

7. إن زوجتك تحتاج إلى العلم ولكن عليك اختيار الطريقة المثلى في تعليمها و دعوتها.

8. قد تكون زوجتك لا تحب إلا المجلات الإسلامية و تتضجر من قراءة الكتب والمجلدات فلا بأس أن تحضر لها تلك المجلات لكي تستفيد في النظر فيها و مطالعتها.

9. اعلم أن حسن الخلق مع الزوجة و المودة و الاحترام هو أعظم طريق يجعل زوجتك تحبك، وإذا تم ذلك فسوف تجد زوجتك خير معين لك في طريق العلم.

10. إياك أن تظن أن ترك الزوجة و الأبناء هو الحل لكي تطلب العلم بل اعلم أن الحل هو (حسن التربية و التدبير).

11. ليس المهم أن تكون زوجتك (طالبة علم) من الدرجة الأولى فقد تكون المرأة قليلة العلم التي تملك الفطرة النقية خير من كثير من المتعلمات.


 طالب العلم وثقافة الواقع

إن الواقع المعاصر يمر ببعض الأزمات والتغيرات ولا بد لطالب العلم أن يكون على اطلاع فيما يجري في واقعه.

والناس في هذا الأمر على طرفين ووسط.

فأما الطرف الأول: فهو الذي يبتعد عن الواقع ويعتزل الناس ببدنه أو بقلبه، فهو مشغول بالعلم وحفظه والنظر في الكتب ومجالسة العلماء، ولكنه لا يدري ماذا يجري في العالم الإسلامي ولا يعلم ماذا يحدث في واقع الناس، ولا يعرف مشاكل الناس وهمومهم، ولا شك أن هذا النوع من طلبة العلم هم على خطأ.

وأما الطرف الثاني: فهو ذلك الحريص على العلم ولكنه بدأ ينظر في القنوات الفضائية والمجلات الدورية، والجرائد اليومية، بحجة الاهتمام بالواقع ولكنه بدأ يفرط بالعناية بطلب العلم وأصابه الفتور فيه، فأصبح يتثاقل قراءة الكتب وقد كان من عشاقها، وأصبح لا يحضر مجالس العلم إلا قليلا، بل وأصبح مدمنا للقنوات الإخبارية، وإذا عاتبته في ذلك قال لك: لا بد من معرفة الواقع وهذا النوع من الطلاب على خطأ أيضاً.

وأما النوع الثالث وهو خيرهم: والوسط بينهم، فهو الذي أخذ بالتوازن بين العناية بطلب العلم وبين العناية بفقه الواقع فهو جاد وصادق في طلب العلم ويضرب به المثل في علو الهمة في طلب العلم وهو أيضاً ممن يعتني بفقه الواقع والنظر في أحوال الناس وأخبار المسلمين.

وهذا ما نريد الوصول إليه... فالحذر الحذر يا طالب العلم من طرفي الأمور.


 هيبة العلماء لا تمنعك سؤالهم

قال أيوب السختياني: (لقد جالستُ الحسن أربع سنين فما سألته هيبةًً له) ([2]).

قلت: وذلك لتعظيمهم لمكانة العلماء، وهيبتهم ولا شك أن الله قد وهب العلماء الربانيين هيبةً وقدراً في نفوس الناس لأنهم حققوا الخشية من الله تعالى ولهذا قال بعض السلف: من خاف من الله خافه كل شيء.

ولكن لا بد من التذكير والإشارة بأن العلماء لهم قدرهم في قلوبنا ولكن لا يمنع من سؤالهم ونقاشهم بل ولا مانع من نصيحتهم إذا أخطأوا، وذلك بحسن الأدب معهم.


 طالب العلم وضبط القواعد

إن من الضروريات لك يا طالب العلم العناية بـ (ضبط القواعد والظوابط) التي تمر عليك في مشوارك العلمي، سواءً كانت هذه الضوابط مقروءة أو مسموعة.

وقد اعتنى العلماء بالتأكيد على ذلك في كتبهم وأشرطتهم، ومن العلماء الذين أكدوا على ذلك العلامة الفقيه محمد بن عثيمين /.

ولقد قرأت له وسمعته مرات ومرات يؤكد على ضرورة العناية بذلك.

أخي طالب العلم! إن العلم كثير، وهو بحر لا ساحل له، ولكنك عندما تحرص على (الضوابط والقواعد) فإنك تجمع في ذهنك كثير من المسائل الفرعية وذلك لأنك ممن ضبط (فنَّ القواعد).

وتأمل هذه الأمثلة:

1- عندما تضبط القاعدة في طهارة المياه وهي (أن الأصل أن الماء طهور إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته بشيء نجس).

فإنك عندما تحرص على هذه القاعدة فسوف تفهم جميع المسائل التي تمر عليك في (باب طهارة الماء) وسوف تستطيع الإجابة على أيِّ سؤال في هذا الباب.

2- عندما تضبط قاعدة (الأصل في العبادات التوقيف) وتعلم أنها تدل على تحريم إحداث أي عبادة إلا ما ورد في الشرع إثباتها، فعندما تفهم هذه القاعدة وهذا الأصل فإنك سوف تضبط كثير من مسائل البدع في العبادات، وسيتبين لك المشروع والممنوع.

والأمثلة أكثر من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر، إنما قصدي هنا (الإشارة) وليس (الإحاطة).

يا طالب العلم! احرص على ضبط القواعد، واكتبها، واجمعها، واحفظها، وناقش طلاب العلم فيها، وتعود على ضرب الأمثلة، وسترى خيراً كثيراً إن شاء الله تعالى.


 يا طالب العلم... أين الهمة العالية؟!

إن أعظم الصفات التي ينبغي على طال العلم التخلَّق بها والسعي إلى اكتسابها هي: علو الهمة والتنافس للوصول إلى القمة ولو نظرت إلى حياة السلف وكيف كانت همتهم في طلب العلم لرأيت العجب.

وهمة السلف تنوعت في باب العلم وإليك مختصر سريع للعناوين العامة لتلك الهمة:

1- همتهم في قوة الإخلاص في طلب العلم.

2- الهمة في الرحلة لأجل العلم.

3- الهمة في الإنفاق لأجل العلم.

4- الهمة في الصبر على طلب العلم.

5- الهمة في الحفظ.

6- الهمة في المحافظة على الوقت.

7- الهمة في ملازمة العلماء.

8- الهمة في الصبر على ملازمة الدروس.

9- الهمة في تحمل أعباء الحياة كالفقر والمرض الحر والبرد وفقد الزوجة والأولاد، في سبيل طلب العلم.

10- الهمة في نشر العلم.

11- الهمة في العمل بالعلم.

فيا طالب العلم! جدِّد نيتك، وقوي عزيمتك، واهجر الراحة لتحصل على الراحة، واترك الوسادة لتنال السعادة.

ومن يتهيب صعود الجبال

يعش أبد الدهر بين الحفر

إن العلم باب خطير، يحتاج إلى رجل خطير.

كذا المعالي إذا مادُمتَ تدركها

اعبر إليها على جسر من التعب

فابدأ من الآن... يكفي إضاعة للأوقات وليكن شعارك (أنا الذي سأنفع الأمة).

وكن ممن يحمل هم تعليم الناس، ونفعهم، وتوجيههم ولا شك أن ذلك لا يكون إلا على يد رجل عالم.


 طالب العلم وبر الوالدين

لا شك أن طالب العلم له لذة يشعر بها كل صادق في طلب العلم، وهذا العلم يحتاج إلى بذل الوقت وعمارته بالمطالعة والمراجعة والحفظ.

ولما نظرتُ في حال بعض الطلاب رأيتُ أن بعضهم قد يحرص على العلم وعلى حضور الدروس والدورات العلمية ولكنه يغفل عن ركن عظيم وفرضٍ جليل من فروض الدين ألا وهو (بر الولدين).

وأنا لن أذكر لك الأدلة في وجوب بر الوالدين لأنك تعرفها، ولكني سأذكر لك بعض الملاحظات التي رأيتها على بعض الطلاب:

1. بعضهم لا يستأذن والديه عند ذهابه للدروس والمحاضرات، والواجب أن يستأذن لأنهما قد يحتاجانه في أمر ضروري.

2. بعضهم قد يُقدّم البرامج العلمية على مواعيد والديه، ولا شك أن هذا خطأ.

3. بعضهم سيء الخُلُق مع والديه فتجده رافعاً صوته، قاسي القلب، وهذا بلا ريب تناقض كبير، إذ كيف تقرأ النصوص في التأكيد على بر الوالدين ثم أنت تخالفها.

4. بعضهم مقصّر في دعوة والدية إلى الخير، بل وتتعجب من ذلك الشاب الذي يشتكي من المنكرات المتواجدة في بيته ولهذا النوع من الشباب أقول لهم: أين العلم الذي قرأتموه؟ أين النصيحة؟ أين الدعوة إلى الله؟

5. بعضهم يحترم العلماء والمشايخ احتراماً كبيراً وهذا (مطلوب) ولكن لماذا لا تحترم والديك كما تحترم العلماء؟

6. وبعض الطلاب ينفق أمواله في الأمور العلمية كشراء الكتب وغيرها، لكن والديه في حاجة شديدة إلى المال، والواجب أن يكون الطالب عنده توازن في هذا الأمر، فلا ينسى والديه وأيضاً لا يترك العلم.

7. وبعضهم يحرص على الدروس والمحاضرات حرصاً شديداً، ولكنه يهمل دراسته واختباراته ولا شك أن الوالدين يريدان من الابن الحرص على دراسته لكي ينجح ويتخرج من دراسته، فلا بد للطالب أن يحرص على دراسته لكي يتفوق فيها، ولكي لا يغضب والديه بسبب تقصيره في دراسته.

8. وبعض طلاب العلم قد يهمل في حقوق البيت ويترتب على ذلك أن والديه يغضبان عليه وقد تسمع من بعض الآباء (الدعاء على ولده) مع أن ولده (ظاهره الاستقامة بل قد يكون طالب علم) وهذا مما يحزن القلب.

فيا أيها الطلاب! الله الله في بر الوالدين وهكذا كان السلف.

وأسأل الله أن يجعلنا عاملين بالعلم وممن يكون عمله خيراً من كلامه.


 طلب العلم.. والزواج

بدأتُ بطلب العلم والحمد لله، وأريد الزواج ولكن تأتيني بعض الخواطر لتأخير الزواج، خوفاً أن يكون الزواج عائقاً لي في طلب العلم، فما توجيهك لي؟

الجواب:

1- اعلم أن الذي أمرك بطلب العلم هو (الله تعالى) وهو الذي أمرك بالزواج أيضاً.

2- ليس هناك تعارض بين طلب العلم والزواج.

3- أوصيك باختيار المرأة التي تعينك على طلب العلم.

4- اعلم أن ترتيب الوقت والتنظيم هو الحل الأعظم في الجمع بين الزواج وطلب العلم.

5- انظر في التاريخ تجد أن العلماء والمجاهدين والعباد كانوا قائمين بما أمر الله وهم أيضاً لهم (زوجات وأبناء).

6- إن من مداخل الشيطان أن يصرفك عن الزواج بحجة طلب العلم.

7- اعلم أن (الزواج) يحقق لك العفة والحماية من فتن الشهوات.

8- لا يكن قدوتك بعض العلماء العزاب، لأن القدوة الحقيقي هو الرسول ج وله تسع نسوة.


 طالب العلم والإخلاص

إن من أعظم فوائد طلب العلم هي (تربية النفس على الصدق والإخلاص) وما أدراك ما الإخلاص ذلك السر العجيب والعمل الجليل.... الإخلاص هو نور القلوب وضياء الأرواح ((وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) [البينة:5].

يا طالب العلم! ليكن قصدك من العلم هو (ابتغاء الأجر والثواب من الله ورفع الجهل عن نفسك وعن غيرك).

أخي الحبيب إليك هذه الكلمات:

في بداية الطلب قد تكون هناك أهداف لطلب العلم ليست لله مثل: التفوق على الآخرين أو البروز والظهور وهذا الأمر لا حرج فيه فقد قال السلف: (طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له).

الإخلاص درجات ومراتب ولا يزال يزداد في القلب حتى يصل العبد إلى درجات عالية عند الله تعالى.

 الإخلاص هو أكبر سبب يُبارك في العلم الذي تطلبه.

الإخلاص هو الذي يرفعك يا طالب العلم عند الله وعند الناس.

الإخلاص سبب لصحة الفهم وقوة الاستنباط قال ابن القيم /: (وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يمدُّه تقوى الرب وحسن القصد).

الرياء ضد الإخلاص وهو مرضُ خطير إذا تمكن في القلب فقد تمت الخسارة في الدنيا والآخرة.

الرياء في طلب العلم له علامات فاحذرها:

1- أن تحب المدح والثناء على الأعمال التي تمارسها في طلب العلم.

2- محبة الظهور أمام الناس لأنك تتميز بطلب العلم.

3- تكبر على الناس وأن ترى نفسك بعين الكمال.

4- كراهية النصيحة والتوجيه.

لا بد أن تمر بك بعض الخواطر في الرياء وحب الثناء ولكن جاهد نفسك على أن تدافعها عن نفسك.

تذكر دائماً أن أعظم أسرار التوفيق لك في طلب العلم هو الإخلاص.

انظر في سير العلماء والعباد لترى قوة إخلاصهم وصدقهم مع ربهم جل وعلا.

 كن على يقين أن الله يعلم ما في قلبك فهنيئاً لك إذا رأى الله الإخلاص فيه.

 أوصيك أن تدعو ربك دائماً بأن يصلح نيتك وسريرتك.


 الممرضة يا أيها الطلاب

يا طلاب العلم! يا معشر شباب الصحوة! أما تعّجبتم من خدمة تلك الممرضة لذلك الطبيب.. إنها ترفع له سماعة الهاتف لكي يرد.. وتخرج له (الختم) لكي يختم به على الأوراق، وتعطيه القلم لكي يكتب به.. وتخدمه بكل ما يريد لأجل إنجاز العمل بأفضل أسلوب..

إن تلك الممرضة تسعى بجميع الوسائل والطرق لكي تساهم في علاج ذلك المريض وخدمة ذلك الطبيب..

ألا تتفق معي على ذلك أخي طالب العلم..

سأنتقل بك إلى هدفي من حكاية قصة تلك الممرضة، إن قصدي هو لماذا نرى تقصير طلاب العلم في خدمة أهل العلم من الدعاة والمشايخ والعلماء؟

لماذا لا نسعى لخدمة (مشايخنا) لكي يخدموا الدين بكل يسر وسهولة؟

لماذا لا يذهب كل (خمسة طلاب) إلى ذلك الشيخ وذلك الداعية ويقولون له: (يا يشيخ نحن سنخدمك فيما تريد، فإن كنت تريد بحوثاً علمية سنبحث لك).

وإن كنت تريد ملخصّات لأجل خطبة الجمعة، قمنا به، وإن كنت تريد أغراضاً من السوق أتينا بها إليك، وإن كنت تريد أن نذهب بسيارتك إلى (الورشة) ذهبنا بها عنك.

المهم يا شيخ (نريد أن تضع كل جهدك لخدمة الدين ونفع الناس).

يا طلاب العلم! والله لو فعل بعض الطلاب مع (المشايخ) هذا الأمر وقاموا بهذه الخدمة، والله لسوف يفرح هؤلاء (المشايخ) وسوف يشعرون بحب كبير وهمة جديدة لأجل خدمة الدين، والتجربة خير برهان).

إنني أجزم بل وأقسم بالله أن الطلاب عندنا مقصرون مع (شيوخهم) فلا يخدمونهم، ولا يساعدنهم ولا يقفون معهم.

وإنما يكتفي الطالب بحضور الدرس أو سؤال الشيخ فقط!

ولو أراد الشيخ من طلابه: (طباعة مقال أو مراسلة مجلة أو....) لقال الطلاب (نعتذر يا...).

بكل صراحة إنني لا أشك أن سر نجاح ذلك الطبيب في عمله هو وجود تلك الممرضة التي تخدمه حتى في رفع سماعة الهاتف.

ونحن لا نريد ذلك مع (المشايخ) ولكن نريد تقديم بعض المساعدات لهؤلاء (الشيوخ).

يا طلاب العلم! من الآن ليتجه كل أربعة منا إلى ذلك الداعية أو ذلك الشيخ ولنطرح فكرة (خدمتنا له) ولنكن صادقين محتسبين الأجر والثواب من الله.

أحبتي! نحن لا نخدم ذوات المشايخ ولكننا نخدم الدين لأن ذلك الداعية وذلك الشيخ سوف يجد وقتاً أكثر لخدمة الدين ولترتيب برامجه الدعوية والعلمية.

وأخاطب (مشايخنا):

بأن يستقبلوا الشباب بكل صدر رحب وأن يقفوا معهم ويتواضعوا لهم وسوف تكون النتائج جميلة بإذن الله تعالى.


 وصايا لطلاب العلم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فهذه وصايا متفرقة جمعتها لطلاب العلم، وما ذاك إلا لأني رأيت أن طالب العلم في هذا الزمان يحتاج إلى مثل هذه الوصايا النافعة بإذن الله تعالى.

وأسأل الله أن يجعلنا ممن طلب العلم يبتغي بذلك رضوان الله، كما أسأله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

أخي في الله! اعلم أن العلم له آداب عظيمة ينبغي لك أن تتخلق بها حتى تكون عاملاً بالعلم ومن تلك الآداب:-

العمل بالعلم:

- العمل بالعلم، إننا نعلم الكثير من الأمور ولكن –وبصدق- لا نعمل إلا بأقل ما نعلم! يا ترى هل نسينا أنه «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع... وعن علمه ماذا عمل به»([3]).

وأنت لو نظرت في فهم السلف للعلم لرأيت أنهم كانوا يعتقدون أن المراد من العلم هو ثمرته من العمل به وتطبيقه، وإليك بعض أقوالهم التي تبين لك تعظيمهم لقضية العمل بالعلم، قال الفضيل: (عالماً عاملاً معلماً يدعى كبيراً في ملكوت الســــماء) وقال لقمان: (إن العالم يدعو الناس إلى علمه بالصمت والوقار) وقيل: (الذي يفوق الناس في العلم جدير أن يفوقهم بالعمل).

فيا طالب العلم! أين العمل بما تعلمت؟

أين العمل بفضائل الأعمال؟ أين العمل بالسنن والمستحبات؟ ولماذا الوقوع في المخالفات والمنكرات مع العلم بتحريمها؟ولماذا التقصير في نصرة الدين مع أنك تعلم فضل الدعوة إلى الله؟

إن الواحد منا يرى المنكرات أمام عينيه ولكنه لا ينكر ولا يغضب لله تعالى.

يا حسرتاه! أين علمك ومعرفتك بالآيات والأحاديث التي تحث على إنكار المنكر؟

نعم أنت تعلم ولكنك لا تعمل، وهنا أخبرك بقول أبي الدرداء: (إن أخشى ما أخشاه أن يقول الله لي علمت فهل عملت).

إننا بحاجة إلى أن نراجع أنفسنا مراجعة صادقة؟

يا طالب العلم!

- جدد نيتك وأصلح سريرتك، فالعبرة بالإخلاص والصدق مع الله تعالى ((وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) [البينة:5] وجاهد نفسك ليكون مرادك من طلب العلم هو (أن يرضى الله عنك) وأن تعلم نفسك وتعلم غيرك.

يا طالب العلم! اعلم أن هناك آفات على الطريق فمنها:

- قال ابن عبد البر: (ومن أدب العالم ترك الدعوى لما لا يحسنه وترك الفخر بما يحسنه) فلا تدعي ما ليس عندك، ولا تفتخر بما عندك، إنها آفتين: لا تدعي مالا ليس عندك من العلوم، ولا تفتخر بما لديك من العلم، وفي الحقيقة إنه لا يقع في هاتين الآفتين إلا من قل نصيبه من خشية الله تعالى.

- إياك أن تبدأ في (التأليف) وأنت لازلت (في البداية) فالتأليف باب لا يدخله إلا أهله، ومن شرطه الرسوخ في العلم، وأنت لازلت من الصغار، ورحم الله السلف فلو نظرت في أكثر كتبهم لرأيت في مقدمة الكتاب (بيان أن من دواعي تأليفه أنه سئل، أو لما رأى من حاجة الناس لذلك) وغير ذلك من أدلة الورع عن التأليف، وأنا لا أعني أنه لا يكتب إلا من أحاط بالمسائل الشرعية من أولها إلى آخرها، فهذا نادر، وإنما أقصد (المتعالمين) الذين أخذوا قلم التأليف مع أنهم ليسوا من أهله، ولعل بعضهم يتاجر بكتاباته تلك، فالله الله في الورع في هذا الباب، ومن جانب آخر نحن بحاجة إلى أن نستفيد من الأقلام الجيدة التي تكتب في دعوة الناس إلى الهدى وبيان الحق، وهذا له ظوابط لابد من العناية بها، أما أن يأتي من لا يتقن أبسط العلوم الشرعية ويتكلم في (مطوية) عن (..........) فلا.

ومن جانب آخر:

أنا أدعو كل من أوتي (حسن التأليف) أن يبرز للميدان ويستعين بالواحد المنان وأن يطلق قلمه في خدمة الإسلام، والقلم أحد اللسانين، ويدخل في هذا الكتابة في (الجرائد والمجلات) وغيرها من وسائل الإعلام المكتوبة، ولازالت أيدي العلمانيين تكتب في جرائدنا ومجلاتنا، فمتى نكون من الذين يجاهدون بأقلامهم؟

قواعد في الطلب:

- التثبت: سواء في سماع العلم أو في القراءة أو غير ذلك من الوسائل في طلب العلم.. قال ابن عبد البر (ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب مالا يتهيأ لصاحب البديهة)، فعليك بالتثبت في مشوارك العلمي، فتثبت من الفتاوى التي تقرأها، وتثبت من صحة الأحاديث التي تراها، وتثبت من المسائل التي تتعلمها.

- أنت محتاج إلى خمس (عقل، ودين، وضبط لما تقول، وحذاقة بالصناعة مع أمانة تعرف منك).

- إياك وأضعف العلم وهو (علم النظر): أن يقول الرجل رأيت فلاناً يفعل كذا ولعله قد فعله ناسياً، فأفعال الناس ليست بحجة إنما الحجة في الدليل.

والشرع ميزان الأمور كلها

وشاهد لفرعها وأصلها

- إياك والإفتاء قبل أن تكون أهلاً له فإن الحذر منه هو منهج السلف حتى (إن كادت المسألة لتعرض على أحدهم ويود أن أخاه كفاه).

- تعلم واعمل وادع واصبر (أمور أربعة سار عليها الأنبياء) فينبغي الإقتداء بهم، فكما أنك تقتدي بنبيك في عبادته فاقتد به في دعوته وتربيته لغيره.

- لا تأخذ العلم عن أربعة: (سفيه معلن لسفهه، وصاحب هوى يدعو الناس إليه، ورجل معروف بالكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يكذب على رسول الله، ورجل له صلاح و فضل لا يعرف ما يحدث به).

- لا تخجل من قول: (لا أدري) إن كنت لا تدري، قال ابن وهب: (لو كتبنا عن مالك: لا أدري: لملأنا الألواح) وقال علي ت: (ما أبردها على الكبد، قيل: وما ذاك؟ قال: أن تقول للشيء لا تعلمه: الله أعلم).

- اعلم أن (القول لا يصح لفضل قائله بل لدلالة الدليل عليه) فاعلم أن أقوال العلماء لم نعتبر بها لذاتها إنما اعتبرنا بها وكانت حجة لنا لأنها وافقت الدليل الشرعي، وإلا فإذا خالف القول (الدليل الشرعي) فلا عبرة به.

- جاهد نفسك عل الاستمرار والثبات على طريق الطلب و (من ثبت نبت) ومفتاح الثبات بيد الله تعالى فاسأله إياه، واعلم -رعاك الله- أن المجاهدة على طريق العلم ليست يوم أو يومين ولا سنة أو سنتين بل هي معك حتى تلفظ أنفاسك الأخيرة فأنت مع العلم من المهد إلى اللحد.

- لا تستعجل ثمرة الطلب فإن (من استعجل أخطأ أو كاد) وقد فطر الإنسان على حب العجل, ((خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ)) [الأنبياء:37] واعلم بأن من (رام العلم جمله ذهب عنه جمله) ولكن كن (صاحب بداية محرقة حتى تكون نهايتك مشرقة) والعلم يأتي مع الأيام والليالي.

- اعلم أن الاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، فطريق الطلب قد يكن فيه نقص وأخطاء، هذا في البداية، ولكن بتقوى الرب وحُسن القصد وصلاح القول والعمل والاستمرار في طريق الطلب سوف تنزل عليك البركات الإلهية.

- لا بأس بالمناظرة في العلم بل (إن الفقه لا يوصل إليه ولا ينال أبدا دون تناظر فيه وتفهم له) قال ابن القيم: (فإن الجدال شريعة موضوعة للتعاون على إظهار الحق، فإذا ظهر الحق ولم يبق به خفاء فلا فائدة في الخصومة) ([4] ولكن عليك بأدب المناظرة والمحاورة ورأسه: (الإخلاص لله تعالى والتجرد للحق).

- تعلق بالدليل في مسيرك في طلب العلم فهو المعيار الحقيقي قال الشوكاني: (فالمعيار الذي لا يزيغ أن يكون طالب العلم مع الدليل في جميع موارده ومصادره لا يثنيه عنه شيء ولا يحول بينه وبينه حائل).

- عليك بالفهم الصحيح للمسائل العلمية، وإياك وسوء الفهم فهو(آفة عظيمة) وكم زلت بسببه من أقدام، فكن حريصا على أن يكون فهمك للمسائل هو الفهم الصحيح، والحجة في هذا فهم السلف المجمع على مكانتهم رضي الله تعالى عنهم.

- عليك بالسؤال عما أشكل ولا يمنعك الحياء فإنه (من رق وجهه عند السؤال رق علمه عند الرجال) قال مجاهد: (لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر، وقال ابن القيم: من خير خصال الرجل السؤال عن العلم) ([5])، وأوصيك أن تلتزم أدب السؤال مع العلماء، فعليك باختيار الوقت المناسب، وعليك بانتقاء الألفاظ الجيدة، وعليك باختصار السؤال وعدم تفريع السؤال إلى عشرات المسائل، وإياك أن تسأل (أسئلة افتراضية) يندر وقوعها فأوقات العلماء أغلى من أن تضيعها بافتراضاتك وأسئلتك, ولاتكن ممن يسأل العلماء لكي يختبر علمهم أو لأغراض أخرى، وقال ابن القيم: (إذا جلست العلماء فاسأل تفقها لا تعنتا) ([6]).

وأخيراً: ما أجمل أن تدعو للشيخ وللمفتي ولمن علمك الإجابة.

- لتكن صاحب همة عالية في الحفظ والرحلة والقراءة.

- يا طالب العلم! ارتفع بهمتك فالبقاء للأعلى، ولا تنم فما أفلح النائمون، وسابق إلى الخيرات و(إذا استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل) متذكّراً وعد الله للسابقين للخيرات قال سفيان: (إن من كمال التقوى أن تبتغي إلى ما قد علمت علم ما لم تعلم).

- ذاكرة العلم ومدارسته: قال الزهري: (إنما يذهب العلم النسيان وقلة المــــذاكرة)،وقال الخطــيب: (كن على مدارسة ما في صدرك أحرص منك على مدارسة ما في كتبك).

وطريقة هذه المدارســـة: أن تراجع مع نفسك العلم الذي تعلمته، وتناقش نفسك في المسائل التي درستها، ونحو ذلك من الوسائل، وهناك مدارسة مع الغير من الطلاب وهي من أنفع أسباب تحصيل العلم، قال النووي: فإنه بالمذاكرة يثبت المحفوظ ويتحرر, ويتأكد، ويتقرر، ويزداد بحسب كثرة المذاكرة، ومذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة والحفظ ساعات، بل أيام، وليكن في مذاكرته متحريا الإنصاف قاصدا الاستفادة أو الإفادة غير مترفع على صاحبه بقلبه ولا بكلامه ولا بغير ذلك من حاله، مخاطبا له بالعبارة الجميلة اللينة، فبهذا ينمو علمه وتزكو محفوظاته([7]).

- تسجيل العلم: قال الرسول ج: «قيدوا العلم بالكتاب»([8] حديث حسن وقد قيل: (ما كتب قر وما حفظ فر) ولأن تدوين العلم مفيد لك عند المراجعة ولأنه قد يسمع المرء بعض الفوائد التي لا يجدها في كتاب فإذا فرط في تدوينها ربما خسر كنزاً عظيماً حتى قال الضحاك: (إذا سمعت أدباً فاكتبه ولو في حائط).

وإليك هذه المسائل المهمة في تدوين الفوائد:

- لابد أن يكون معك أثناء القراءة (قلم) ومن هنا كان السلف يقدرون نعمة القلم.

- لابد من رسم خطة من الهدف من القراءة، فإن كان الهدف من قراءتك هو مجرد الإطلاع فهنا قد لا تستطيع أن تتقن فن تدوين الفوائد لأن الهدف غير واضح لك.

- كلما كان الهدف كبيرا كلما كانت الفوائد التي سوف تكتبها أكثر والوقت الذي سوف تمضيه أكثر ولكن لا تحزن على ذلك فالعبرة ليست في الانتهاء من القراءة إنما العبرة (كم هي الفوائد) التي حصلت عليها، مثال: لو أردت قراءة كتاب (فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد) فهنا أسألك ما هو هدفك؟ فإن كان هدفك هو التأصيل العلمي لقضايا التوحيد، وهذا هدف رائع وجميل، فأقول لك: لابد أن تكتب ما يلي: مناسبة الأبواب بعضها لبعض -التقاسيم العلمية والفروقات في المسائل العقدية- التعاريف المهمة التي تمر بك أثناء القراءة -أشهر المسائل العلمية مع كتابة أسماء العلماء الذين يقولون بذلك القول- تدوين المسائل المجمع عليها في أبواب العقيدة ، وكن على يقين أنك كلما كنت فنانا في كتابة الفوائد كلما حصلت من العلم الشيء الكثير في الوقت القليل.

- لابد من ترتيب الأوراق التي كتبت فيها الفوائد.

- الاستمرار في طريق الطلب وعدم التوقف: قال بعض العلماء: (من أراد أن يترك علمنا فليتركه الساعة إن صناعتنا من المهد إلى اللحد)، سئل أحد العلماء: (إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: حتى يموت، ويصب باقي حبره في قبره)، وأنت عندما تتأمل بعض طلاب العلم ترى الفتور عن طلب العلم بعد التخرج من الجامعة، أو بعد الزواج حتى تظن أن هذا الطالب كأنه لا يعرف فضل العلم مع أنه كان في يوم من الأيام من طلاب العلم الحريصين، ورحم الله أبا العباس السراج فقد قيل له -وهو يكتب في كهولته- إلى كم هذا؟ فقال: أما علمت أن صاحب الحديث لا يصبر، ولكن نسأل الله الثبات على الحق.

- نسبة العلم إلى أهله، قال ابن عبد البر: (إن من بركة العلم أن تضيف الشيء إلى قائله)، فلا تنسب العلم إلى نفسك بل إذا أفادك أحد بفائدة فقل هذه الفائدة استفدتها من العالم الفلاني، أو هذه الفائدة قرأتها في الكتاب الفلاني، وهكذا، فعند ذلك تحصل لك البركة في العلم.

القلوب وطلب العلم:

- عليك بالافتقار إلى الله وانكسار القلب بين يديه: (والافتقار إلى الله هو أن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه)، فيا من سلك طريق العلم! لا تعجب بنفسك ولا بعلمك، فالفضل كله من الله وحده، قال تعالى: ((وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)) [النساء:83].

- اعلم أن طلب العلم يحتاج إلى صبر طويل، فجاهد نفسك على الصبر والمصابرة، وفي الحديث: «ومن يتصبر يصبره الله»([9])، وتأمل ما جاء عن السلف لترى أنهم قد تجاوزوا مراحل عديدة في الصبر، وإنك لتتعجب من بعض طلاب العلم الذين آثروا الكسل والنوم على العلم، فالواحد منهم قد قرأ كتاب أو كتابين ويظن أنه قد بلغ الكمال في العلم، وأنه أصبح (شيخ).

- تنقية القلب: من أمراض القلوب من العجب، الحسد، والحقد، واليقين التام بإطلاع الله على ما يدور في قلبك وضميرك ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً)) [الأحزاب:51].

- الاهتمام بالتعبد لله تعالى والإكثار من الصلاة قال أحد العلماء: (وينبغي لطالب العلم أن يكثر الصلاة ويصلي صلاة الخاشعين فإن ذلك عون على التحصيل والتعلم)، ومما يعاب على بعض طلاب العلم التفريط في الصلوات الخمس، والتأخر عنها، ولاشك أن هذا ليس من سمات طالب العلم.

- ترويح النفس وإعطاءها شئ من المباح لأن القلب يمل كما يمل البدن، وطالب العلم الحكيم هو الذي إن رأى النفس قد أصابها الملل والقسوة (يتوقف) لفترة وجيزة، ثم يبدأ بعد ذلك عند نشاط النفس وقوتها.

- قال العباس لابنه: (لا تتعلم العلم لثلاث خصال: لا ترائي به، ولا تماري به، ولا تباهي به، ولا تدعه لثلاث رغبة في الجهل، وزهادة في العلم، واستحياء من التعلم).

- العزلة أحياناً لا دائماً لكي تحاسب نفسك وتنجو بها من الناس ولكن (تفقه ثم اعتزل) أما الجاهل فلا.

- ترك العجب لأن العجب يهدم المحاسن، وهو (آفة الألباب) واعلم أن من وهبك العلم قادر على أن يسلبه منك فاحذر (مكر الله).

- اكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك.

· احذر أن يخالف قولك فعلك بل (إذا أمرت بأمر فكن أول الفاعلين له وإذا نهيت عن شئ فكن أول المنتهين عنه). ولأن الناس قد جبلوا على عدم التأثر بمن لا يعمل بعلمه، وأخشى أن يكون ذلك من النفاق، وقد سُئل حذيفة عن النفاق فقال: (أن تتكلم بالإسلام ولا تعمل به).

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

- التأمل للعلم والتفهم قال أحد العلماء: (ينبغي لطالب العلم أن يكون متأملاً في جميع أوقاته في دقائق العلوم ويعتاد ذلك فإنما يدرك الدقائق بالتأمل)، ولهذا قيل (تأمل تدرك).

- عليك بالاتباع وترك الابتداع وكن ممن سار على هدي الرسول ج في أبواب الدين جميعا في الاعتقاد والأعمال والأخلاق موقناً أنه (ليس لأحدٍ أن يضع عقيدة ولا عبادة من عند نفسه بل عليه أن يتبع ولا يبتدع ويقتدي ولا يبتدي).

وللأخلاق نصيب:

- جمل ظاهرك بالأدب وحسن الخلق مع الناس كلهم على اختلاف أجناسهم و(ما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب).

- اتق الله في لسانك لا تلطخه بغيبة العلماء فتندم ولات حين مندم.

- عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به فالجزاء من جنس العمل.

- عليك بالتورع في الكلام في الناس. قال الذهبي: (والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتامّ المعرفة تامّ الورع)، فحذار يا طالب العلم! من الكلام في الناس إلا بورع وخوف من الله تعالى، وانظر في كلامك إن كان من وراءه مصلحة وإلا فلا، واحذر أن يكون خصمك يوم القيامة (أحد العلماء أو الدعاة).

- إياك وحب الشهرة والتصدر فهي شهوة خفية، وأيقن بأن الله يعلم ما في السرائر و(ستعلم يوم الحشر أي سريرة تكون عليها يوم تبلى السرائر).

- لا بأس بالمزاح أحياناً لا دائماً (والناس في سجن ما لم يتمازحوا) وهذا رسول الله صلى اله عليه وسلم كان يمزح ولكن كان (لا يقول إلا حقاً)، ولكن ليكن المزاح في الكلام كالملح في الطعام.

- ترك المعاصي: (لأنك أوتيت علماً فلا تطفئ نور علمك بظلمات الذنوب).

قال ابن القيم: (فإن العلم نور يقذفه الله في قلب العبد، والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد ولا بد أن تضعفه)، وإنك لتتعجب من بعض من الطلاب، فالغيبة والكذب والنظر المحرم والتأخر عن الصلاة من سماتهم, فأين ثمرة العلم؟

- ترك الفضول في جميع الأمور: فضول النظر، وفضول الكلام وفضول العلم و(من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه) و «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»([10]).

قال ابن عبد البر: (بترك الفضول تكمل العقول), فأوصيك أن تعرض عما لا يعنيك في كافة الأمور، وجاهد نفسك على علو الهمة فيما يعنيك.

- الاعتراف بالخطأ: إن تبين لك خطأك والرجوع للحق، قال أبو نصر: (الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل والمتمادي في الباطل لم يزدد من الصواب إلا بعداً), فلا بأس يا طالب العلم أن ترجع عن خطأ وقعت فيه في كلامك أوفي فعلك فلست بمعصوم، أما أن تستمر على الخطأ وتصر على المعصية فلا.

- يا طالب العلم! سوف ترى الغربة الحقيقية لهذا الدين من قلة السالكين في طلب العلم ولكن أوصيك أن لا تستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده واستشعر مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذه سنة الله الجارية وقد صدق القائل: (العلماء غرباء لكثرة الجهال) واعلم بأن (انفرادك في طريق طلبك دليل على صدق الطلب).

- احرص على ترقيق قلبك بالمواعظ والقصص، فالقلب الرقيق أحب القلوب إلى الله تعالى، ولاتكن من أولئك الذين اعتنوا بتحصيل المسائل وغفلوا عن إصلاح قلوبهم وتزكية أنفسهم بصالح الأعمال.

- سوف تأتيك فرص في تحصيل العلم قد لا تتكرر فكن ممن يعرف كيف يجعل من كل وسيلة طريقاً لتحصيل العلم ونشره.

- جمّل ظاهرك بالأدب، فكما أن تقوى الله نور الباطن فكذا حسن الخلق نور الظاهر.

- كن جواداً بمالك ووقتك ونفسك وعلمك (والله سبحانه قد ضمن المزيد للجواد والإتلاف للممسك والله المستعان), وهاهو الرسول ج الذي حقق الجود في سائر أنواع الحياة فليكن قدوة لك في ذلك حفظك الله.

- كن جواداً بالبشر والانبساط للخلق والابتسامة لهم فهذا الجود مما تفاوتت فيه مراتب الخليقة وهو (أثقل شيء يوضع في الميزان وفيه من المنافع وأنواع المسار ما فيه).

- ليبلغ الشاهد منكم الغائب: (من ألح في طلب العلم أورثه الفقر)، قال شعبة: (من طلب الحديث أفلس) وقال مالك: (إن هذا الأمر لن ينال حتى يذاق فيه طعم الفقر)، فيا طالب العلم! ابذل مالك في سبيله متذكراً قول الله تعالى: ((وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ)) [المزمل:20].

- خذ الحكمة الطيبة ممن قالها وإن لم يعمل بها فإن الله تعالى قال: ((الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)) [الزمر:18].

- عظم مجلس العلم فهذا من تعظيم العلم ولا ترفع صوتك فقد أخبر الإمام مالك أن ذلك داخل في ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)) [الحجرات:2].

- ترك المراء والجدال: قال مالك: (المراء يقسي القلب ويورث الضغن) فإياك والجدال والخصومات، ورفع الأصوات لأنك تحمل في صدرك العلم، وكفى به شرفا وفضلا، ولا يعني هذا أن نترك الحوار العلمي النافع، لا، إنما المقصود أن نتجنب عند الحوار (آفة الجدال والخصومات).

- قبول الحق من أي شخص: قال ابن تيمية: (والحق يقبل من كل من تكلم به) فأوصيك أن تجاهد نفسك على قبول الحق دائما، حتى لو كان الذي جاء به لا تعرفه لأن الحق يقبل لذاته لا لمن جاء به.

- الزهد في الرئاسة: قال أبو نعيم: (والله ما هلك من هلك إلا بحب الرئاسة)، وقال آخر: (من طلب الرياسة بالعلم صغيراً فاته علم كثير) وأنت عندما تنظر لبعض طلاب العلم الذين لم تستنر قلوبهم بمنهج السلف في الطلب، ترى الواحد منهم يستعجل في التصدر والترأس ويود أن يظهر للناس كما ظهر (فلان) ولا شك أن هذا من الآفات في طريق العلم.

- الزهد في الدنيا: ويدخل في ذلك: الزهد في ثناء الناس أو الشهرة, قال حسن بن صالح: (إنك لا تفقه حتى لا تبالي في يدي من كانت الدنيا) فأوصيك أن ترفض الدنيا كما رفضها قبلك الصالحون، وأن تجعل مقصودك (الله) وحده.

- ليس العالم الذي يعرف الخير والشر (إنما العالم الذي يعرف الخير فيتبعه ويعرف الشر فيجتنبه).

- (لا تجالس بعلمك السفهاء ولا تجالس بسفهك العلماء) والمعنى لا تلقي العلم في مجالس السفهاء الذين لا يقدرون العلم، وأيضاً لا تكون في مجالس العلماء سفيها كأنك في مجلس لعب، بل عظم مجالس العلماء وذلك بحسن الأدب.

- تدبّر العلم وتفهم له سواء كان سماعاً أو قراءة قال سليم بن عامر: (كنا نجلس إلى أبي أمامة فيحدثنا كثيرا عن رسول الله ثم يقول: اعقلوا وبلّغوا عنا ما تسمعون).

- (ليس من حبك الدنيا التماسك ما يصلحك منها)، فلا مانع لطالب العلم أن يتاجر ويبحث عن الرزق لكي يستغني عن الناس ولكن لا تلهيك التجارة عن طلب العلم الذي هو سبب الرفعة والعز والتوفيق.

وللدعوة نصيب:

- (إذا جلست للناس فكن واعظاً لهم ولنفسك فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك).

- كما أنك ممن يحبون العلم وتحصيله، فما أجمل أن تسعى لنشر العلم وأن تكون ممن يتقن فن نشر العلم، فإن العامة بحاجة إلى ما عندك، فيا ترى متى تبدأ في برنامج عملي في نشر العلم ودعوة الناس إلى الهدى.

- كن عالماً (استنار بنوره واستنار به الناس فأنت إذاً من خلفاء الرسل، واحذر من أن تكون ممن استنار بنوره ولم يستنر به الناس فأنت إن لم تفرط كان نفعك قاصراً على نفسك، ولا تكن ممن لم يستنر بنوره ولا استنار به غيره فهذا علمه وبال عليه).

- عليك بالصدع بالحق ولا تخشى في الله لومة لائم، ألم يقل الله تعالى لنبيه ج: (((فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ)) [الحجر:94] ألم تكن سيرة الرسول إلا نموذجا من إظهار الحق وبيانه للناس، قال الشوكاني: (فإن الصدع بالحق والتظهر بما لا يوافق الناس من الحق لا يستطيعه إلا القليل من الناس)، ولكن ينبغي أن يكون ذلك بالحكمة والأسلوب الأمثل ومراعاة المصالح والمفاسد، وإن الواحد ليتعجب من جرأة المنافقين والعلمانيين على نشر باطلهم في الجرائد والمنتديات واللقاءات، أما بعض رجال الصحوة ومن ينتسب للعلم (ذبحه الحياء والخجل) فلا مشاركة ولا نصيحة ولا دعوة.

- لماذا لا تبدأ بنشر العلم والفوائد في البيئة المحيطة بك؟ إن بيتك ومدرستك وعملك وزملائك بحاجة إلى العلم النافع، ولكنك مقصر أشد التقصير في ذلك، أليس كذلك؟

- اعلم أن للعلم ثمن فما هو؟ قال عكرمة: (إن للعلم ثمناً فأعطوه ثمنه؟ قالوا: وما ثمنه؟ قال أن تضعه عند من يحسن حفظه ولا يضيعه).

- نشر العلم بين الناس: ابتغاء وجه الله تعالى واعلم بأن الله (محسن وهو يحب المحسنين)، فسر على نهج الرسول ج الذي كانت حياته كلها تعليما للناس.

آداب مع العلماء:

- من كمال التقوى أن لا تحب أن يظهر الخطأ من غيرك بل تريد أن يظهر الصواب من أخيك كما تحب أن يظهر منك قال الشافعي: (ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ)، وقال زهير بن نعيم: (ولأن أسمع في جلدي صوت ضرب أحب إلي من أن يقال لي أخطأ فلان) فليتدبر هذا طلاب العلم.

- أوصيك بنشر العلم وبثّه في الناس قال ابن المبارك: (لا أعلم بعد النبوة درجة أفضل من بث العلم)، وقال عليّ ت: (عالم عامل معلم يُدعى كبيراً في ملكوت السماء)، وقال ابن القيم: (فمن طلب العلم ليحيى به الإسلام وأهله كان من الصديقين).

- تواضع لمن تتعلم منه وتواضع لمن يتعلم منك (فالشرف كل الشرف في التواضع) وهكذا تربى الأنبياء.

- الحرص على مجالسة العلماء لأن فيها حياة للقلوب، قال ميمون بن مهران: (وجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء) فالزم أهل العلم وطلاب العلم الذين هم على نهج السلف الصالح.

- أوصيك أن تستغل وجود العلماء وطلاب العلم الذين أنت بينهم، فأنت في نعمة، كثيرون من الناس يتمنونها، فالمسلمون في بلاد بعيدة يتمنون أن يروا عالما من العلماء الربانيين، وأنت في بلد مليء بالعلماء وطلاب العلم، فلماذا أنت مقصر في الاستفادة منهم؟

- توقير العلماء: قال طاووس: (من السنة أن توقر العالم) وذلك لأن للعلماء حقوق علينا ولعل من أعظم هذه الحقوق (تقديرهم) وكما ورد في الحديث: (ليس منا من لا يرحم صغيرنا ولا يعرف لعالمنا حقه) واعلم بأن من الأدب معهم (الإنصات لهم)، قال الحكماء: (إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول)، وهذا الأدب نحتاجه كثيراً عند حضورنا إلى مجالس العلماء أو سماع كلامهم، والغريب أن بعض من يطلب العلم حريص على الرد على العلماء وتخطئتهم حتى وهو ضعيف العلم، ولاشك أن هذا من الخذلان في طلب العلم.

- مازال علمائنا يختلفون في أبواب الأحكام لا (العقائد) فافهم ذلك ولكن مع ذلك فقلوبهم على بعض سليمة و (ما يمنع أن نكون إخوانا ولو اختلفنا في المسألة)، فيا طالب العلم! ليكن صدرك واسعا في قبول خلاف العلماء في المسائل التي تقبل الخلاف.

- لا تذكر أحداً من العلماء بسوء لمجرد خطأ فليس هو بمعصوم قال ابن تيمية: (ليس من شرط ولي الله أن يكون معصوماً) ولكن مع ذلك نبين له الحق والصواب ملتزمين أدب الطلب، ومن أعجب العجب أن ترى ذلك الطالب يتكلم في العلماء والدعاة لأجل مسألة اجتهدوا فيها، ولعلهم على صواب، فترى الطالب يذكرهم في المجالس بأسوأ الكلام الذي قد لا يليق بالمسلم فضلا عن العلماء، وقد يكون ذلك الطالب ممن نشأ على أيدي أولئك العلماء والدعاة، فأين الأدب وحسن العهد؟

- عامل الناس بمبدأ (الإنصاف) فهو الميزان الذي ارتضاه الله لخلقه كما قال تعالى: ((وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) [المائدة:8]، فكيف لا ترتضيه أنت ورحم الله الإمام مالك فقد قال: (أقل ما في زماننا الإنصاف) ويا سبحان الله إذا كان هذا في زمن الإمام مالك فكيف بزماننا نحن؟ ووالله إنه لمن الظلم المنتشر بين طلبة العلم في وقتنا هذا: أن منهم من إذا رأى خطأ يسير في كتاب قال:هذا المؤلف جاهل، ولا يعرف للتصنيف، ومنهم من إذا استمع إلى شريط نافع و رأى خطأ أو ملاحظة لا يخلو منها بشر إذا بك تسمع التقييم العجيب الظالم من ذلك الطالب، يا هذا أنسيت كثير صوابه، ولم تتذكر إلا ذلك الخطأ الذي لا يسلم منه بشر حتى أنت، إن الكامل من عد خطأه، وكفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه.

- لا بأس من مناصحة العلماء وتبيين الحق لهم، فقد يغيب الصواب عنهم في مسألة أو مسائل، وقد يزل اللسان بكلمة لم تكن في الحسبان، ومن (هو الذي لا يخطئ)؟ ولكن هنا إشارات:

1. لابد من التثبت من الخطأ الذي وقع فيه العالم عملا بقوله تعالى: ((إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)) [الحجرات:6] أما أن نصدق كل خبر يأتينا وكل قول نسمعه عن العلماء فهذا ليس بصحيح لامع العلماء ولا حتى مع عامة الناس.

2. لا يرد على العلماء إلا من كان من العلماء الراسخين في العلم، أو من أحاط بتلك المسألة علما ومعرفة وفقها، أما أن يأتي أحد (المتعالمين) الصغار علما ولو كان الكبير عمرا، ويرد على العلماء ويبدع هذا ويفسق هذا ويخطئ هذا......... فلا وألف لا.

3. إذا أمكن الاتصال بالعالم وإخباره بالخطأ الذي وقع فيه ليبينه للناس في كتاب آخر أو في شريط آخر فهذا أولى، لكي يرجع إلى الصواب بقناعة أكثر، ولكي يبين وجهة نظره في ذلك الخطأ، فقد يكون يقصد عبارة ولكن الذي نقل عنه غيرها، وقد يكون ما قاله سبق لسان، وقد يكون ما قاله لم يعلم به، وغير ذلك من الأعذار التي نستطيع أن نقدمها لعلمائنا الأفاضل.

4. من أدب الردود بين أهل العلم: الإنصاف –العدل- اختيار الألفاظ الحسنة – حسن الظن – التماس العذر – الثناء على من أبدى لك ما كان خافيا عنك – الدعاء للطرف الآخر بالخير–.

5. إياك أن تذكر أخطاء العلماء بين عامة الناس، لأن العامة ليس عندهم مقياس صحيح للنقد, وحتى نحفظ مكانة العلماء عاليا.

- اعلم أنه ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله كما أن من غلب عليه نقصانه ذهب فضله.

- لا تكثر من مخالفة العلماء فتحرم العلم. قال الزهري:

(كان أبو سلمة كثيراً يخالف ابن عباس ت فحرم لذلك علماً كثيراً)، وقال ابن جريج: (لم أستخرج العلم الذي استخرجته من عطاء إلا برفقي به) ([11])، فكن رفيقا عند التلقي من العلماء ولا تكن ممن يسيء الأدب معهم !

- لا تكونُ عالماً حتى يكون فيك ثلاث خصال: (لا تبغي على من فوقك و لا تحقر من دونك ولا تأخذ على علمك دنيا).

فقه الابتلاء:

- لابد أن تمر بك عاصفة (الابتلاء) ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)) [محمد:31]، فأوصيك أن تدعو ربك دائما بالثبات، وكن فقيهاً في (كيف تتعامل مع البلاء)، واعلم أن البلاء قد يكون في نفسك، وقد يكون في زوجتك، وقد يكون في ولدك، أو وظيفتك، وقد يكون في اتهام الناس لك ببعض التهم الباطلة، وقد يكون في نقص لأموالك، أو تسلط الظلمة عليك، وأنواع الابتلاء لا تعد ولا تحصى، ولكن أبشر برب كريم، لم يقدر عليك الابتلاء إلا لحكمة يعلمها، ((إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)) [الأنعام:83] وكم هي الأسرار والفوائد التي تكون من وراء ذلك البلاء، فكن ممن يحمد الله في الضراء والسراء، وهذا البلاء فيه رفعتك عند الله تعالى وفيه من الخير مالا يعلمه إلا الله تعالى: ((لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)) [النور:11]، ((عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)) [النساء:19]، ولا يخفى عليك يا طالب العلم أن هناك علماء تعرضوا لأصناف من أنواع البلاء، فما كان منهم إلا الصبر والثبات وانتظار الفرج، إذن هذا هو الطريق (أشواك وصعاب) فلا تتعجب مما قد يصيبك، فلست الأول ولا الأخير في عالم الابتلاء، إن من السهل قراءة حياة السلف والتأمل لما جرى عليهم من الأذى والتعذيب والجلد في حياتهم ولكن يا طالب العلم هل ستظن أنك لو تعرضت إلى أقل من ذلك سوف تصبر؟

إن تجربة الشيء ليست كقراءة القصص عنه.

متفرقات:

- كن شحيحاً بوقتك فلا تضيعه في التوافه والأمور التي لا تنفع، والوقت هو الحياة، ووالله إن من أكبر أسباب علو مقام السلف هو أنهم (عمروا أوقاتهم بالعلم النافع) ولا يخفى عليك القصص العجيبة عن السلف في استغلالهم لأوقاتهم.

- قد تكون في بيئة يقل فيها العلم والعلماء والموجهين لك إلى طريق العلم، فأوصيك أن تبحث بهمة عالية عمن يرشدك إليهم أو يبين لك الطريق الصحيح، ولا تترك العلم لأجل ذلك، وانظر إلى حال السلف.

- إذا صعبت عليك المسائل و التبست عليك القضايا، فتوجه إلى بوابة الدعاء وأقرع باب السماء وانتظر الفتح الرباني لك ((ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)) [غافر:60].

- أنت محتاج إلى الفقه في عبادة الله وإلى الفقه في المعاملة مع الناس فإن جمعت بينهما على ساق العلم فقد أفلحت ونجحت.

- انظر كثيراً في سير الأنبياء والصالحين لترى فيهم القدوة في العلم والعمل وسائر الخيرات ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ)) [يوسف:111].


 خواطر حول الكتاب

1 مهما كتبت وراجعت كتابك فلابد أن تصلح فيه، ولابد أن تجد فيه النقص والخلل، قال معمر بن راشد: (لو عرض الكتاب مائة مرة ما كاد يسلم من أن يكون فيه سقط، أو خطأ) ([12]).

وقال المزني تلميذ الشافعي: (قرأتُ كتاب الرسالة على الشافعي ثمانين مرة، فما من مرة إلا وكان يقف على خطأ، فقال الشافعي: هيه أي حسبك أبى الله أن يكون صحيحاً غير كتابه) ([13] قلت: صدق الله ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82].

2 نريدك أن تكتب الكتاب الذي يُنمّي العقل، ويبصر القارئ، ويُعلم الجاهل، ويذكر الغافل، نريد الكتاب الذي يزيد الإيمان، ويسعد الروح ويشرح الصدر، كتاباً يكون للمسافر أنيس، وللمقيم خير جليس.

 نريد:

- كتاباً يستنير بنور الوحي، مدعم بالنصوص من الكتاب والسنة.

- كتاباً قلمه الإخلاص، وحبره ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة:5].

- كتاباً حروفه دالة على كل خير وبر.

- وصفحاته داعية إلى كل صلاح وإصلاح.

- كتاباً فيه الموعظة الحسنة، فيه الكلمة الهادئة، والقصة الرائعة والحكمة الساحرة.

- كتاباً كلما طالعته رأيت فيه سهولة التوجيه، ورقة العبارة، ولطافة التربية.

- كتاباً لا يخلو من عبارات السلف وجواهر تلك الألسن الطاهرة.

3 أيها الكاتب لا تغفل عن صلاة الاستخارة فيما تأتي وتذر.

4 لا تغفل عن توثيق النصوص والأقوال، فإن ذلك دليل صدق الأمانة.

5 الكتاب الذي لا يبذل صاحبه فيه جهده، لا أثر له.

6 كن ممن يتقن فن الاختصار، والاختصار من الأمور التي يحتاجها الناس في هذا الزمان.

7 لا بد من الاستنارة بالاستشارة لأهل الخبرة فيما كتبت.

8 دعوة في سجود في آخر الليل بأن يبارك الله في كتابك (أمر مندوب لك).

9 لا تستعجل في إخراج مقال أو كتاب، بل كن متأنياً وحذار من الاستعجال، وما أحسن التأني والمراجعة والتأمل مرات ومرات والوصية النبوية: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه»([14]).

10 قال أهل العلم: جودة الكتاب تعرف من أمور:

- حسن ترتيبه.

- اشتراط الصحة أو الحسن فيه.

- فضل مؤلفه ومعرفته بأنه من أهل العلم.

11 تثبت من الأحاديث المنسوبة للنبي ج.

12 - اعلم أن الكتاب من (الصدقة الجارية)، ومن (أو علم ينتفع به)، فابذل وقتك فيه.

13 كتابك بلا إخلاص وبال عليك.

14 ما كان لله بقي ونفع.


 التقوى يا طالب العلم

أخي طالب العلم!

إن أجمل صفة تناسبك في مشوارك العلمي (تقوى الله).

تلك الوصية الربانية، إنها وصية الله لنبيه ج ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)) [الأحزاب:1].

وهي وصية الله للأولين والآخرين ((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ)) [النساء:131].

فأوصيك بأن تلازم التقوى في كل حياتك فعليك بالتقوى في القيام بما أوجب الله عليك من الفرائض، ثم جاهد نفسك على أن ترتقي إلى القيام بالنوافل، ثم استمر حتى تصل إلى المراتب العالية في العبادة كالورع واليقين والرضا.

يا طالب العلم! إن من دلائل التقوى البعد عن الذنوب ومقدماتها والحذر من أسبابها ودواعيها.

إن الذنوب أصل كل بلاء وهي مفتاح الشرور وعواقبها على نفسك وعلى العلم الذي تحمل لا تحصى، قال ابن مسعود: (إني لأحسب الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها).

وقال وكيع: (استعينوا على الحفظ بترك المعاصي).

 وقال الإمام مالك للشافعي: (إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية).

والله إن المرء ليتعجب إذا رأى بعض الذين ينتسبون إلى العلم وهم يمارسون بعض المعاصي ويتساهلون في النظر إلى الحرام ومنهم من يتساهل في الغيبة, ومنهم من وقع في عقوق الوالدين, عجباً لكم.

أين العلم الذي قرأتموه، وحفظتموه؟

أين الدورات العلمية التي حضرتموها لمدة أسابيع؟

يا ترى هل هذه الأعمال هي ثمرة العلم؟

إننا نتفق سويا على أن طالب العلم ليس بمعصوم، ولكننا نؤكد أن على طالب العلم أن يجاهد نفسه على أن لا يقع منه الذنب والخطأ.

أخي طالب العلم! لازلت أدعوك إلى أن تتقي الله في كل شؤون حياتك في كل حركة.. في كل نظرة.. في كل كلمة.. تتقي الله عندما تتكلم..وتتقي الله عندما تسكت..وعندما تقوم..وعندما تجلس.. ووالله حينها سترى التوفيق الرباني ((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)) [الطلاق:2].


 أدب السؤال

في كثير من الأحيان نحتاج إلى أن نسأل أهل العلم عن بعض المسائل التي نجهلها ولاشك ولا ريب أن السؤال مفتاح العلم كما جاء عن السلف ولكن ههنا إشارات للسائلين:

لقد اعتنى العلماء عناية بالغة بالتأليف في أدب الاستفتاء وبيان الوسائل الصحيحة والنافعة التي يحتاجها المستفتي ومن الكتب التي يوصى بها في هذا الباب (جميع الكتب التي تتكلم عن طلب العلم) وهناك كتب تكلمت بالخصوص عن أدب المستفتي، للسيوطي كتاب فيه، وانظر حلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد.

وهذه رؤوس أقلام في أدب السؤال:

1. لا تسأل إلا عما فيه نفع لك.

2. اختيار الوقت المناسب.

3. اختصار السؤال وعدم إطالته إلا عند الحاجة إلى ذلك.

4. لا تخجل من السؤال قال مجاهد: (لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر).

5. السؤال عن الأشياء الواقعية والبعد عن الأسئلة الافتراضية.

6. ذكر أهم ما يتعلق بالسؤال والبعد عن الكلام الذي لا يتعلق بالسؤال.

7. عند الاتصال بالجوال فلابد من مراعاة الأدب.

8. عند الاتصال على البيت لابد من مراعاة أن في البيت أسرة وفيها نساء وأطفال.

9. عند الاتصال في العمل، مراعاة ظروف العمل وأنك قد تتصل في وقت يكون عند الشيخ بعض الناس أو لعل عنده بعض الأعمال التي قد تحول بينه وبين الرد عليك.

10. لا تقل أنا سألت الشيخ (فلان) أو فلان وأفتاني بكذا، لأن هذا الأمر يجعلك في اضطراب وحيرة، فما هو القول الذي ستأخذ به من هذه الأقوال.

11. لا تمتحن الشيخ بالسؤال.

 وصية:

انظر في فتاوى الصحابة والأئمة فلعلك ترى فيها بعض ما في ذهنك من الأسئلة والشكاوى.

لو قرأت كتب الفتاوى المعاصرة للشيخ ابن باز وابن عثيمين وابن جبرين واللجنة الدائمة لحصل لك شبه استغناء عن سؤال العلماء، لأن كتبهم مليئة بالفتاوى المعاصرة.

وانظر في فتاوى العلماء الراسخين في العلم في المجلات والإنترنت لكي تستفيد.

والمرأة عند السؤال تنتبه لأمور:

1. لا تخفض صوتها يقول الله تعالى: ((فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ)) [الأحزاب:32].

2. يلاحظ على بعض النساء الإكثار من السؤال عن الرؤيا والمنامات وما شاكلها مما لا نفع فيه، وتزعج العلماء وطلاب العلم بذلك والواجب أن تسأل المرأة عما ينفعها وأن تبتعد عن بعض الأسئلة التي لا تنفع.

3. ويلاحظ على النساء إطالة الأسئلة وعدم التقيد بالمهم فلتنتبه المرأة لذلك.

4. وبعض الأخوات تعرض نفسها للزواج وهذا ليس مجاله الهاتف.

5. وبعض النساء تريد الإيقاع بالمشايخ في شباك الفتن والشهوات من خلال بعض العبارات والكلمات، فلتتق الله ولتراقب الله عز وجل.

هذه خواطر حول أدب السؤال، ولعل عند التأمل يظهر ما هو أكثر منها، نسأل الله عز وجل التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح.


 الصبر يا طالب العلم

من السهل جداً أن نتكلم عن الصبر في طلب العلم وإيراد مواقف السلف في ذلك وسرد القصص والأبيات التي تؤكد ذلك ولكن في الحقيقة إننا بحاجة إلى نبدأ في تربية النفس تربية عملية على كيفية الصبر في تحصيل العلم وفي الحديث «ومن يتصبر يصبره الله»([15]).

أمثلة مهمة:

- الصبر على حضور الدرس العلمي حتى لو كان في وقت لم تتعود عليه (بعد الفجر مثلا) أو (بعد العشاء) فأنت لم تتعود على ذلك ولكنك لابد أن تجاهد نفسك على الصبر.

- أحياناً تقام دورات علمية مكثفة في القران أو في بقية العلوم وتجد الشباب يقبلون عليها إقبالا عجيبا في بداية الدورة ولكن بعد أيام يقل الحضور ويغيب الكثير من الطلاب لأنهم فقدوا الصبر.

- عندما تقرأ كتاب تبدأ بهمة عجيبة ولكن وبعد عشر دقائق تتوقف وتمل وتخرج من البيت تبحث عن صديق أو تكلم بالجوال لكي تروح عن نفسك فأين الصبر؟

- عندما تحضر لبعض الدروس والمحاضرات تجلس في أولها ولكن هل تبقى إلى نهاية الدرس؟

- عندما تجالس العلماء وطلاب العلم ويبدءون بطرح المسائل العلمية والفوائد.... تنظر لبعض الشباب وكأنه نادم للحضور لأنه لا يفهم بعض المسائل فأين الصبر؟

- أحياناً يكون الدرس في مكان بعيد (مدينة أخرى) قد تنفق مئات الريالات من أجل الوصول لها فهل ستفعل ذلك؟ نعم إذا وجد الصبر.

- عندما يعاتبك الشيخ أو يسألك، قد يكون لك إحراج وقد يدخل الشيطان عليك لكي يحرمك من الحضور مرة أخرى فهل تحضر؟

- هل أنت ممن يسهر على العلم ويبحث في تحرير المسائل وتحقيقها ويراجع المجلدات والكتب أم أنك ممن تعود على الكسل؟

- هل سبق أن ركبت سيارتك واتجهت إلى مسجد بعض العلماء لكي تناقشه وتسأله عن بعض المسائل؟

- هل تحفظ شيء من المتون العلمية القصيرة؟ أنا أعلم أن هذا يحتاج إلى صبر طويل فهل أنت من أهله؟

- هل تنفق بعض مالك في سبيل العلم، كشراء كتاب، أو زيارة عالم، أو سفر إلى أحد العلماء لرؤيته والسلام عليه؟

- أهلك قد يضجرون من العلم الذي تطلبه وقد تصيب زوجتك الغيرة من ذلك , فهل تستجيب لأهوائهم وتتنازل عن العلم أم أنك ستواصل على طريق العلم (وتراعي حقوق الزوجة والأبناء).

- كتابة العلم وتحرير المسائل وترتيبها يحتاج إلى وقت وصبر ومصابرة فأيقن بذلك.


 مراجعة العلم

إن من أشهر أسئلة طلاب العلم المتكررة (أنا أنسى بعض المسائل فما هو السبيل لتثبيت العلم)؟

وهو سؤال يدل على حرص الطالب وعلو همته والجواب المختصر لهذا السؤال:

إن أعظم وسيلة لتثبيت العلم هي المراجعة الدائمة للعلم ولقد اعتنى السلف بالتأكيد على هذه الوسيلة.

قال علي بن أبي طالب: (تذاكروا الحديث فإنكم إن لم تفعلوا اندرس العلم), وهذا الإمام البخاري يسأل عن أعظم دواء للحفظ فقال: (لا أعلم أعظم من همة الرجل ومداومة النظر).

وقال الزهري: (إنما يذهب العلم النسيان وترك المذاكرة).

فأوصيك يا طالب العلم! أن تراجع العلم مرات ومرات ,, والمراجعة على نوعين:

1. أن تراجع العلم مع نفسك، وكيفية ذلك أن تختبر نفسك في ظبط المسائل وحفظها، مثال (بعدما تنتهي من قراءة بعض أبواب الفقه) تغلق الكتاب وتسأل نفسك عن المسائل التي تمت قراءتها، وهكذا.

2. أن تراجع العلم مع غيرك، وهذه الطريقة كان السلف يحرصون عليها فقد كان الإمام أحمد يتذاكر مع الإمام أبو زرعة –رحمهما الله– والآثار التي جاءت عن السلف كثيرة.

وبالتجربة فإن مراجعة العلم مع طلاب العلم الراسخين من أقوى وسائل تثبيت العلم , فليحرص طلاب العلم على المذاكرة والمراجعة وأوصيهم أن يلتزموا أدب الحوار والمذاكرة وسوف يحصلون على الخير العظيم بإذن الله تعالى.


 طالب العلم واللسان

لاشك أن نعمة اللسان من أجل النعم، ((أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ)) [البلد:8-9] ولا يشعر بنعمة اللسان وأهميتها إلا من فقدها.

ولقد تواترت النصوص بوجوب المحافظة على اللسان وضرورة العناية به وضبطه، هذا لعامة الناس فكيف بطلاب العلم؟

ولا ريب أن الواجب عليهم أعظم لأنه كلما زاد علمك فلا بد أن يزيد عملك ويشتد خوفك.

وإن المتأمل لحال بعض طلاب العلم ليرى بعض الآفات الدخيلة التي لا تليق بمسلم فضلاً عن طالب علم، وهذه إشارات إلى ضرورة العناية باللسان وتأكيد حفظه وضبطه.

كنت أقرأ في حياة بعض السلف، ومررت على بعض المحطات التي ذكرت واقعهم في شأن اللسان، فإليك بعض ما جاء عنهم لترى الفرق العجيب:

- قال الفلاس: (ما سمعت وكيعاً ذكر أحدا بسوء).

- وقال البخاري: (ما اغتبت أحدا منذ علمت أن الغيبة حرام).

· وكان سعيد بن جبير: (لا يدع أحدا يغتاب عنده).

فيا طالب العلم! (أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك) وجاهد نفسك على أن تمنع لسانك من الآفات كالغيبة والكذب والسخرية والهزل والمزاح –المذموم- واعلم رعاك الله أن العلم هو أن نرى أثره عليك، وأما حفظ القران والمتون و...، فلا تنفعك إن كان لسانك بخلاف هذا.

وفي الحديث الصحيح: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فرجيه أضمن له الجنة»([16]).


 تعلق بالعلم لا بالعالم

لما حضرت الوفاة معاذ بن جبل قعد يزيد بن عميرة يبكي عند رأسه فقال معاذ ما يبكيك؟

فقال: أبكي لما فاتني من العلم.

فقال: العلم كما هو لم يذهب، فاطلبه عند أربعة فسمّاهم، ومنهم عبد الله بن سلام([17]).

قلت: كلنا يحزن ويبكي لموت العلماء ولكن يجب أن يكون موتهم دافعاً لنا إلى طلب العلم وعدم التوقف ويجب أن نعلم أن العلم باقٍ لأن الله قد تكفل بحفظه كما قال: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9]، والحمد لله على وجود بقية من العلماء ونحمده كذلك على وجود الكتب بيننا، فما بقي علينا إلا التشمير والسير في طريق الطلب.

وهناك أمرٌ آخر يغفل عنه بعض الطلاب وهو أن الواحد منا قد يكون في قلبه تعلق ببعض العلماء وهو لا يشعر فإذا مات العالم توقف هذا عن طلب العلم وكأن العلم ذهب وكأن الخير زال عن هذه الأمة وهذا بلا شك خطأ كبير.

وهذا التعلق مذموم وهو مرض من أمراض القلوب. قال تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً)) [آل عمران:144] نعم، لقد ارتد بعض من آمن لما توفي رسول الله ج ، لقد انكشف الإيمان في نفوس أصحابه لما مات الرسول ج ، فلماذا يا تُرى وقع ذلك؟

إنه التعلق بالشخص لا بالمنهج والدين.

وانظر إلى موقف أبي بكر ت لما مات الرسول ج ثبت كالجبل وما نقص إيمانه ولا تزلزلت مبادئه بل أعلنها صريحة: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

وهكذا يجب أن يتربى المؤمن فضلاً عن طالب العلم والداعية أن يتعلق بالدين لا بحملته فالعلماء يموتون والدُعاة كذلك والمصلحون ولكن تبقى الدعوة، ويبقى العلم، ويبقى المنهج.

فاللهم ثبتنا على دينك.


 طالب العلم والقرآن

والله إن الفرح ليأخذ بي كل مأخذ عندما أرى وفود من الشباب قد أقبلت على طلب العلم والدورات العلمية لكي ينهلوا من العلم وفي خضم هذا التنافس على طلب العلم تلحظ أمرا بدأ ينتشر بين بعض الطلاب ألا وهو (الغفلة عن القران الكريم).

حتى أصبح هذا الأمر ليس بغريب أن تراه عند عدد ليس بالقليل من الطلاب.

ولا شك أن هذا خللا واضحا وخطأ كبيرا...

ومما يبين هذا ما قاله عطاء: (يأتي على الناس زمان يكثرون فيه من الأحاديث ويبقى المصحف معلقاً يقع عليه الغبار).

وقد رأيت كما رأى غيري أن بعض المعتنين بعلم الحديث خاصة إذا بهم يتركون قراءة القران أياما ليست بالقليلة لأنهم قد انشغلوا بالتحقيق ودراسة الأسانيد وغير ذلك من العلوم المتعلقة بعلم الحديث.

وترى بعض الدارسين للدراسات العليا قد أخذت هذه الدراسة وقته حتى نسي القرآن والواجب أن يكون هناك توازن في العناية بالعلوم الشرعية وعدم تغليب جانب على جانب.

ولهذا كان كثير من السلف البارعين في شتى العلوم ترى أنهم قد حققوا مبدأ (التوازن).

فهذا الإمام أحمد المحدث الذي يحفظ (ألف ألف حديث) يختم القران كل أسبوع، وهكذا كان كثير من العلماء.

فيا ترى متى يحرص الطلاب على القران (حفظاً وتلاوة وتعلماً وتعليماً) كما يحرصون على بقية العلوم؟

أتمنى أن نجاهد أنفسنا لكي نحقق التوازن في العناية بالعلوم.


 طالب العلم والحسد

عندما تنظر إلى واقع بعض طلاب العلم ترى كثيرا من الصفات الحسنة، مثل: المودة و الإخاء والتناصح.

ولكنك تتعجب من وجود بعض الآفات التي دخلت على قلوب بعض الطلاب فإذا بك تتفاجأ عندما تعلم بدخول آفة الحسد بينهم.

وهذا بلا شك نذير خطر وباب شر لابد من السعي إلى إزالته.

وقديما قيل (ما خلا جسد من حسد ولكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه).

وكلنا يعلم بحديث الرسول ج: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم»([18]).

وهذا الحديث يبين أن الشيطان حريص على إفساد القلوب وتعبئتها بالحسد والغل والحقد وهذا ليس بغريب على الشيطان الذي هو العدو لجميع البشر ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً)) [فاطر:6].

ولم يسلم من داء الحسد إلا القليل من الناس والتاريخ مليء بالحساد، حتى ظهر الحسد على العلماء والصالحين فهذا ابن تيمية حسده بعض علماء عصره حتى كان السجن مصيره، وهذا ابن قدامة حسده بعض العلماء حتى أفتوا بتكفيره وحبسه والأمثلة من حياة العلماء كثيرة.

وإليك أيها المتعلم بعضا من صور الحسد الموجودة بين بعض الطلاب:

- الحسد لبعض المتميزين بالصوت الحسن والتلاوة الجيدة.

- الحسد على المتميزين في حفظ المتون.

- الحسد على بعض الطلاب الذين لهم مكانة عند بعض العلماء.

- الحسد على بعض الطلاب الأذكياء.

- الحسد على من يشتهر من الطلاب عند المسئولين والكبار.

- الحسد على من عنده حب للقراءة واستثمار الوقت.

والأمثلة كثيرة لا تحصى...

فالواجب على طالب العلم الصادق أن يجاهد نفسه على تطهير قلبه من الحسد والحقد والبغضاء، وهذا الأمر يتم بأمور منها:

1. العلم واليقين باطلاع الله تعالى على ما يدور في قلبك.

2. مجاهدة النفس على ترك الحسد ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)) [العنكبوت:69].

3. أكثر من الدعاء للشخص الذي تحسده.

4. وأكثر من الثناء عليه في المجالس لكي تزيل كل دوافع الشيطان التي يدخل من خلالها إلى الحسد.


 الفوضى في طلب العلم

سؤال يتكرر دائما لدى طلاب العلم يا شيخ كيف أطلب العلم؟

فيجيب الشيخ: تبدأ بـ........

بدأ الطالب بتنفيذ ما قاله الشيخ ولكن أيام ويغير الطالب المنهج ويسلك طريقة أخرى غير تلك التي رسمها الشيخ.

لماذا أيها الطالب؟

اليوم في كتاب وغدا تتركه، وتبدأ في متن ولحظات وتتركه وتذهب إلى متن آخر اليوم عند أحد المشايخ وغدا عند غيره مرة تبدأ في درس وبعد أيام تتركه..

وهكذا تتكرر صور الفوضى عند طلاب العلم وأنا لا أتعجب من وجودها ولكن أتعجب ممن يتجاوزها ويبدأ في الطلب المبني على منهج واضح وطريق مستقيم ولست الآن في بيان كيفية طلب العلم لأن الكلام عن ذلك قد أشبعه العلماء والمتخصصين والمربين ولكنها إشارة إلى ضرورة تربية الشباب على المنهج الصحيح في الطلب.

أيها المربون والدعاة! لا يكفي أن تتكلموا عن طلب العلم وفضله وتحميس الشباب له صحيح أن هذا مهم ولكن نريد رسم المنهج والطريقة للشباب التي تناسبهم لكي يطلبوا العلم.


 لا تدخل هذا الباب (الفتوى)

قال سحنون: (أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علماً) ([19]).

إنه كلما زاد نصيب الإنسان من العلم يجب أن يزداد خوفه من ربه ومن دلائل الخوف من الله تعالى (الخوف من الإفتاء).

ولهذا كان من هدي السلف عدم الجرأة على الفتوى بل كانوا يتدافعونها وما من شخص يُسأل إلا وتمنى أن أخاه كفاه وما ذلك إلا من علمهم بالله، والوجل من التكلم في الشرع لأنك بكلامك في الشرع موقع عن رب العالمين وبالعكس من ذلك، فكلما كان الإنسان جريئاً على الفتوى فإن ذلك دليل على جهله وللأسف نجد أن بعض طلاب العلم المبتدئين يقف ويتكلم ويناظر بل ويخطئ كبار أهل العلم وما هكذا تورد يا سعد الإبل.

فيا طلاب العلم! الله الله.. في الورع في الفتوى و لابد أن نتأنى، ونتعلم، قبل أن ندخل باب (الفتوى).

أحبتي! كما أن للسلف منهج في العقيدة فلنعلم أن لهم منهج في طلب العلم ومن أصوله التأني في الفتوى ألا تتفق معي على ذلك؟


 مواقف وأقوال للسلف طلب العلم

قال الإمام أحمد: (ما صليتُ غير الفرض، استأثرتُ بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي).

 قلتُ: ولذلك قصة: (فقد قدم أبو زرعة عند الإمام أحمد، فكانا يتذاكران الحديث، فقال أحمد: ما صليتُ غير الفرض...

 ويُستفاد من هذا: تقديم الأصلح من الأعمال على قاعدة (إذا تعارضت مصلحتان قُدِّم الأعلى منهما) فقدم الإمام أحمد مذاكرة العلم مع قرينه أبي زرعة على النوافل، وفي هذا إشارة لفضل العلم على النافلة، فتأمل.

 - قال عمر الناقد: (لما قدم سليمان الشاذكوني بغداد، قال لي أحمد بن حنبل: اذهب بنا إلى سليمان نتعلم منه نقد الرجال).

قلتُ: وفي هذا بيان أن النقد (علم) له أصوله وضوابطه، وشروطه، وموانعه، فليس كل شخص ينقد، بل للنقد أهل يعرفون من ينقدون، ولماذا ينقدون، وكيف ينقدون، إلى غير ذلك من مسائل النقد، ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يحذر التجرؤ على نقد العلماء أو غيرهم بغير علم، وبغير معرفة لما يتطلبه النقد، وينبغي على العالم أن يبحث عمن يعلمه النقد إن لم يعلم، فهذا الإمام أحمد مع جلالته، يطلب العلم أي: التعرف على كيفية النقد من سليمان.

- لما صنَّف أبو عبيد القاسم بن سلام (غريب الحديث) عرضه على عبد الله بن طاهر فاستحسنه. وقال: إن عقلاً بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب لحقيق أن لا يحوج إلى طلب المعاش، فأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر.

قلت: وهكذا يكون التقدير للعالم، تفريغه للعلم والتصنيف ونفع الناس وتشجيعه على ذلك، ولكن نحن في هذا الزمن نسينا حق العالم والمتعلم الذكي، فلا تشجيع، ولا تقدير، حتى نُسي العالم، وضاع قدره، فينبغي الإشادة بالنابغين من طلبة العلم لكي يشعر الواحد منهم بقدره وأن الأمة بحاجة إليه، وكذلك العالم البحر، لا يُهضم حقه، ويُنسى فضله، بل يجب الإشاعة بذكرة ومدحه بلا غلو، ليعرف الناسُ قدره.

- قال البُخاري: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ تودع من العيش.

قلتُ: رحم الله السلف، فقد كانوا يعظمون علمائهم وشيوخهم ويعرفون لهم قدرهم، لأنهم صمام أمان لهذه الأمة من البدع والمنكرات وما يخالف الدين، وكلما نقص منهم واحداً كلما دخل في الدين من البدع والخرافات ما لا يعلمه إلا الله، فالعلماء نور يهتدي به الناس، وإذا ذهب النور، تاه الناس، ويالله، كم ر أينا وسمعنا ممن نسي أو تناسى فضل العلماء، وكم رأينا من يقدح فيهم، ويتهمهم بسائر التهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذا الإمام أحمد يقول: فإذا ذهب الشيوخ، تودع من العيش، فكأن الحياة لا تطيب إلا بوجوده م، فاللهم ارحم موتاهم، واحفظ أحيائهم، وارزقنا الأدب معهم على الوجه الذي يرضيك.

- ذُكر للإمام أحمد أن رجلاً يشتم أصحاب الحديث ويقول: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام الإمام أحمد، وهو يقول: زنديق زنديق، ونفض ثوبه.

قلت: إذا كانت الغيبة حرام، فما ظنكم بغيبة العالم وشتمه؟

إن القدح في العالم لا يتناول شخصه، بل يتعدى ذلك للعلم الذي يعلمه ويُعلمه للناس، ولا يقدح فيهم إلا (زنديق) كما قاله الإمام أحمد، وإذا انتُقص العالم وأهين، فمن يثق الناس به، وإذا زالت ثقتهم بالعالم فعمّن يتلقون الدين؟

إن التناول من العلماء، ليس فقط ذنب في حقهم، بل يتعدى ضرره للمجتمع، ومتى ما كان المجتمع يقدر العلماء فأبشر بالخير والسعادة لهم، ومتى ما حصل العكس، فلا تسأل عن حال الغنم بلا راعي.

- قال إسحاق الأزرق: ما أدركت أفضل من خالد الطحان، فقيل له: قد رأيت سفيان؟ قال: كان سفيان رجل نفسه، وخالد رجل عامة.

قلت: وهنا يظهر الفرق بين العالم المنعزل عن الناس وعن أسئلتهم وهمومهم، وبين العالم الذي يخالط الناس ويساعد ضعيفهم، ويزور مريضهم، ويخاطب عامتهم، ويُفتي لسائلهم، وهو مع الناس في أي مكان ويقصد بذلك رضا الله وحده، فالأول همه نفسه، والثاني مقتدٍ بنبيه عليه الصلاة والسلام، ولا شك في أنه أفضل، وفي الحديث الصحيح: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم»([20]).

 - جاء رجل للإمام أحمد وقال له: (يا أبا عبد الله انظر في الأحاديث فإن فيها خطأ، فقال أحمد: عليك بأبي زكريا فإنه يعرف الخطأ).

قلت: في هذا الأثر جُملٌ من الفوائد:

1) حرص طلبة العلم على تصفية السنة من الخطأ والنقد، سواءً كان ذلك الخطأ في السند أو في المتن.

2) أن طالب العلم يسأل العالم المتخصص البارع في الفن الذي يريد السؤال عنه، فهذا السائل جاء للإمام أحمد ليبصره بالخطأ ولم يسئل أي أحد.

3) أن العالم المتبحر في العلوم قد يجهل بعض الفنون في العلم، وهذا ليس بغريب لأن العلم واسع، فهذا الإمام أحمد مع شدة عنايته بالسنة لم يجب على السائل بل أحاله إلى أبي زكريا.

4) أن العالم إن لم يعرف جواب المسألة، فلا يقل: لا أدري، ويسكت، بل يحيل السائل إلى من يستطيع إجابته.

5) اعتراف العالم بعلم العالم الآخر، وهذا من صدق التقوى في العلم، ولا يعترف بالفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل.

فائدة: أبو زكريا المذكور هو (يحيى بن معين) وكان الإمام أحمد يكنيه تبجيلاً له وتكريماً.

- مجد الدين بن تيمية سُئل عن مسألة، فقال: (الجواب عنها من ستين وجهاً: الأول، والثاني، وعدها كلها).

 قلت: وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على قوة الحافظة، وسرعة الاستحضار، وهاتان الصفتان من المنن الربانية، وياليتنا نسمع من يستحضر في المسائل قولان بالأدلة، في زمننا هذا، رحم الله السلف وألهم الخلف.

 - قال أبو إسحاق الشيرازي: (العلم الذي لا ينتفع به صاحبه، أن يكون الرجل عالماً ولا يكون عاملاً).

 قلت: وقلّ أن نرى العالم العامل، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة.

- قال أبو محمد التميمي: (يقبح بكم أن تستفيدوا منا، ثم تذكرونا، فلا تترحموا علينا).

 قلت: فمن حق العلماء الترحم عليهم بعد موتهم، فالتزم ذلك ياطالب العلم.

- قال أبو إسحاق الشيرازي: (كنت أعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة بيت يُستشهد به حفظت القصيدة التي فيها البيت).

 قلت: وذلك من علو الهمة في الطلب، وبالتكرار يثبت العلم.

 - كان الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه.

 قلت: فهذه أوقاتهم، علم، حتى في الطريق، لئلا يفوت الزمان، فأين هذا ممن أضاع أيامه في اللهو، ويزعم أنه طالب علم.

- قال بشر بن الحارث: (أدّوا زكاة الحديث، اعملوا من كل مائتين حديث بخمسة أحاديث).

 قلت: وهذا يبين لنا أن زكاة العلم تكون بالعمل به، ولا ننسى أيضاً أن من زكاة العلم تبليغه للناس، ومن بخل بعلمه ولم يعلمه للناس ابتلي بثلاث كما قال سفيان:

(1) ينساه ولا يحفظه.

(2) يموت ولا ينتفع به.

(3) أو تذهب كتبه.

- قال أبو نعيم: (ضمنتُ لك أن كل من لا يرجع إلى كتاب لا يؤمن عليه الزلل).

 قلت: ولذلك ينبغي للعالم مُراجعة الكتاب والنظر فيه، والتثبت من العلم ليرسخ ويثبت، ولأن العلم يُنسى، وبالنظر للكتاب يثبت العلم.

- قال الخطيب البغدادي: (يجب على المحدث الرجوع عما رواه إذا تبين أنه أخطأ فيه، فإذا لم يفعل كان آثماً).

 قلت: وقليل من يكون عنده خُلُق الرجوع عن الخطأ، وذلك لأن النفس تحب الظهور، والاعتراف بالخطأ والرجوع عنه ثقيل على النفس التي تحب الظهور، ولكن من كان علمه لله سهل عليه الرجوع، ووالله إن الرجوع عن الخطأ يرفع العبد و لا يضعه.

- قال أبو نظرة: (كان الصحابة إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة).

 قلت: فهذا هديهم، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فينبغي لنا أن نقتدي بهم، فتكون مجالسنا مجالس علم وفائدة.

- قال ابن مهدي: (لا يكون إماماً من يحدث عن كل أحد).

قلت: فينبغي انتقاء المتحدث الذي يؤخذ منه الحديث، فليس كل متحدث صادق في حديثه.


 طالب العلم والدعوة

يسأل بعض طلاب العلم ويقول: (كيف أجمع بين العلم والدعوة)؟

والجواب المختصر لهذه المسألة يمكن تلخيصه فيما يلي:

 ليس هناك أي تعارض في هذه المسألة، وإن ظن بعض المبتدئين في طلب العلم أن هناك تعارض فهذا غير صحيح.

الذي ينظر لمنهج الرسول ج والصحابة رضوان الله عليهم لا يجد أن هذا الإشكال كان موجوداً أو أن هذا السؤال كان مطروحاً.

لابد أن يكون العلم قبل الدعوة، بمعنى أن لا تدعو إلى شيء إلا وأنت تعلمه، ولهذا قال البخاري في صحيحه: (باب العلم قبل القول والعمل) وهذا تأكيد منه / إلى ضرورة العناية بالعلم قبل أن تعمل بأي عمل.

مثال: لا تأمر الناس بشيء من الخير إلا وأنت تعلم أن الله شرعه وحث عليه أو أن الرسول ج بينه وحث عليه.

* لا يشترط في الداعية أن يحيط بجميع المسائل الفقهية ولا ببعضها، إنما يشترط أن يتكلم في المسألة التي عنده بعلم صحيح وبينة واضحة.

* عندما تجلس في مجلس فيه عامة الناس وتتكلم بالنصيحة لهم فتكلم بما تعلم ولا تفتي في المسائل التي لا تعلمها.

* تذكر أن الناس يحتاجون إلى أبسط المسائل فاحرص على أن تضبطها وتكثر من مراجعة العلم.

* عليك بطلب العلم النافع فهو الذي يبصرك في طريق الدعوة، ولهذا قال سفيان /: أحوج الناس إلى العلم أعلمهم بأن الخطأ منه أقبح. وهو يقصد / العلماء والدعاة؛ لأن الخطأ منهم ليس كالخطأ من غيرهم، والجهل منهم ليس كالجهل من غيرهم.


 طالب العلم والمال

إن من أعظم الضروريات لطالب العلم (تحصيل المال) وذلك لأن طالب العلم يحتاج إلى شراء الكتب وإلى الرحلة إلى العلماء وإلى المدن لتلقي العلم وزيارة معارض الكتاب.. وغير ذلك من الأمور التي يحتاجها الطالب في هذا الزمن، ومن هنا أكد السلف ي لطالب العلم أن يعتني بالبحث عن الرزق الحلال الذي يغنيه عن الناس ويجعله متعففاً عن سؤال الناس.

ووالله إن المرء ليحزن عندما يرى بعض طلاب العلم المحتاجين إلى المال وهو لا يملك أن يقدم لهم شيئاً.

 فالوصية إلى أحبتي طلبة العلم! جاهدوا أنفسكم على البحث عن الرزق وأيقنوا بأن الله هو الرزاق ولنبذل السبب، وسيأتي الفرج بإذن الله، والقاعدة تقول: ((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)) [الطلاق:2].

وهنا إشارات:

1- لابد للعلماء أن يعتنوا بالطلاب البارزين ويهيئوا لهم المال، وهكذا كان العلماء.

2- لابد للتجار أن يسعوا في تأمين الكتب للطلاب.


  


([1]) صحيح وضعيف سنن الترمذي [5/413].

([2])  الحلية [3/11].

([3]) صحيح الجامع (7299).

([4])مفتاح دار السعادة (1/ 454).

([5])مفتاح دار السعادة [1/510].

([6])  مفتاح دار السعادة [1/510].

([7])شرح مسلم [1/9].

([8]) السلسلة الصحيحية للألباني [5/ 25].

([9])أخرجه البخاري [1400].

([10])  مشكاة المصابيح للألباني [3/ 49].

([11])  مفتاح دار السعادة [1/512].

([12])جامع بيان العلم [1/338].

([13])موضح أوهام الجمع [1/6].

([14])رواه مسلم (4698).

([15]) صحيح البخاري [5/ 318].

([16]) صحيح البخاري [20/ 115].

([17])  السير [2/418].

([18]) صحيح مسلم [13/ 424].

([19])السير [12/66].

([20]) السلسلة الصحيحة –مختصرة- للألباني [2/ 614].

رأيك يهمنا