كيف تنجو من كرب الصراط؟

نبذة مختصرة

كيف تنجو من كرب الصراط؟ : يحتوي هذا الكتاب على أربعة أبحاث، هي:
المبحث الأول: التعريف بالصراط وكربه.
المبحث الثاني: كرب الإحراق على الصراط والأعمال المنجية عليه.
المبحث الثالث: كرب ظلمة الصراط والأعمال المنورة له.
المبحث الرابع: الذنوب التي تسقط صاحبها في النار.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 كيف تنجو من كرب الصراط ؟

د. محمد بن إبراهيم النعيم

مقدمة ( ):

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد، فإن العلم بالآخرة وما سيحصل فيها من أهوال وكرب، أمر غفل عنه بعض المسلمين، فأصبحوا ممن يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، وإن العلم بكرب الصراط هو من الأمور الهامة الواجب التفكير فيه بجد والوجل من مغبته، إذ لا مفر من ولوجه والمرور عليه، وقد أقسم الرب جل وعلا أن يورد عباده النار، قال الله تعالى وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً{71} ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً{72} [مريم: 71-72]، فورود المسلمين للنار؛ المرور على الجسر بين ظهرانيها، وورود المشركين أن يدخلوها ( ).

وتعد مرحلة المرور على هذا الصراط من أخطر الكرب التي سيواجهها المسلم يوم القيامة، وإن المؤمن لن يهدأ روعه حتى ينجو من هذا الصراط ويتركه وراء ظهره.

وإن السباق الحقيقي والمصيري هو الذي سيكون بين الناس على الصراط، قال تعالى وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ[يس: 66]، فمن قطعه سالما فقد نجا من النار إلى الأبد وفاز فوزا عظيما.

فماذا أعددت لهذا الكرب العظيم يا ترى من عمل؟ فالأمر والله جد وليس بالهزل، فهو إما نجاة منه أو سقوط في نار تلظى. 

أحاول في هذا الكتاب تسليط الضوء على كرب الصراط وخطورته في أربعة مباحث، المبحث الأول: التعريف بالصراط وكربه، والمبحث الثاني: كرب الإحراق على الصراط والأعمال المنجية عليه، والمبحث الثالث: كرب ظلمة الصراط والأعمال المنورة له، والمبحث الرابع: الذنوب التي تسقط صاحبها في النار، سائلا المولى القدير أن ينجينا برحمته وعفوه من كُرَبِ يوم القيامة عامة، ومن كَرْبِ الصراط خاصة، إنه جواد كريم ( ).

 المبحث الأول التعريف بالصراط وكربه

 المسألة الأولى: ما الصراط؟

الصراط جسر ممدود على متن جهنم، أحدُّ من السيف، وأدقّ من الشعرة، مدحضة مزلة، وطريق مظلم محرق، على حافتيه خطاطيف وكلاليب من نار معلقة وحسكة مفلطحة، يجتازه المسلمون وأتباع الرسل، وقيل إن طوله مسيرة خمسة عشر ألف سنة ( )، فإما أن يعبروه بسلام، أو آلام، أو يقعوا منه إلى النار.

فعن سلمان الفارسي عن النبي قال: (.... ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة من يجوز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) ( ).

وقال أبو سعيد الخدري : بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السبف ( ).

وروى أبو سعيد الخدري أيضا أن النبي قال: (.... ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم)، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: (مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة، لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان .... ) ( )، ومعنى مدحضة مزلة أي: طريق زلق تزلق فيه الأقدام، ومعنى حسكة أي: شوكة صلبة من حديد.

قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: على هذا يرد سؤال: وهو كيف يمكن العبور على طريق كهذا؟ والجواب: أن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، فالله تعالى على كل شيء قدير، ولا ندري كيف يعبرون: هل يجتمعون جميعا في هذا الطريق أو واحدا بعد واحد اهـ  ( ).

ويمكن تصور طول هذا الصراط إذا علمنا أن كل الأمم – فيما عدا الكفار – سيكونون عليه يوم تبدل الأرض والسموات، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله عن قوله عز وجل يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ [إبراهيم:48]، فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: (على الصراط)، وفي رواية عند الترمذي قال : (هم على جسر جهنم) ( ).

 المسألة الثانية: هول كرب الصراط

يُعدُّ المرور على الصراط من أخطر كرب يوم القيامة إن لم يكن هو أخطرها، ففيه من الأهوال والفزع والخوف والرعب ما لا تتحمله عقول الخلق ولا نفوسهم، ويدل على ذلك أربعة أمور:

الأمر الأول: عنده لا يذكر الإنسان إلا نفسه

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله : (ما يبكيك؟) قلت: ذكرت النار فبكيت؛ فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله : (أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحدٌ أحدا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل، وحيث الكتاب حين يقال هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم شماله أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم) ( ).

الأمر الثاني: إشفاق الملائكة من هوله وهم غير محاسبين

فعن سلمان الفارسي عن النبي قال: (يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) ( ).

الأمر الثالث: وقوف النبي عنده للشفاعة

فعن أنس بن مالك قال: سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة فقال: (أنا فاعل)، قال: قلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟ قال: (اطلبنى أول ما تطلبني على الصراط)، قال: قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: (فاطلبنى عند الميزان)، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: (فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن) ( ).

الأمر الرابع: عنده لا يتكلم يومئذ إلا الرسل

ومن شدة هوله أنه لا يتكلم عند إجازته إلا الرسل داعين الله تعالى بالسلامة لمن عبره من أتباعهم، حيث روى أبو هريرة أن رسول الله قال: (.... فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم ، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ، ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذٍ: اللهم سلم سلم....) ( ).

فمن هذه الأحاديث يتضح جليا بأن نصب الصراط يعد كربا من الكرب التي تستوجب علينا الحرص على الأعمال التي تنجينا منه.

لذلك قال معاذ بن جبل : إن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنم وراءه ( ).

وروى عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال: (آخر من يدخل الجنة رجل يمشي على الصراط، فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة، فإذا جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني منك؛ لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين ....) ( ).

 المسألة الثالثة: هل سيمر الكفار والمنافقون على الصراط؟

يرى بعض أهل العلم بأن الناس كلهم مسلمهم وكافرهم سيمرون على الصراط، ولكن جاء في الصحيحين أن المشركين وأهل الكتاب لن يمروا على الصراط، لأنهم سيؤمرون قبل نصب الصراط باتباع ما كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله، فيتبعونهم إلى جهنم فيُدَعُّونَ فيها دَعّاً فيتساقطون فيها، ثم تبقى هذه الأمة في كرب الموقف، ثم يضرب الصراط على متن جهنم.

روى أبو سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (هل تُضَارُّونَ في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟) قلنا: لا، قال: (فإنكم لا تُضَارُّونَ في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما)، ثم قال: (ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا، ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم)، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: (مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة، لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا....) ( ).

وفي رواية الإمام مسلم: أن النبي قال: (إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وَغُبَّرِ – بقايا - أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تَرِدُونَ؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يَحْطِمُ بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، ثم يُدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه؛ إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء؛ إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم ....).

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله، كالمسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط، إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك من المشركين، تتبع كل فرق منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولا؛ وقد دل القرآن على هذا المعنى في قوله تعالى في شأن فرعون يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: 98] اهـ ( )

وأما المنافقون فسيمرون على الصراط، وسيعطون نورا يمشون به، ثم يُطفئ نورهم ليتساقطوا إلى الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله، فقد قال جابر بن عبد الله : .... ويُعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون....( ).

المسألة الرابعة: أحوال الناس على الصراط

المارون على الصراط أربعة أصناف؛ كل على قدر إيمانه وعمله وذلك للحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري أن النبي قال: (يوضع الصراط بين ظهراني جهنم على حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فناج مسلم، ومخدوج به – أي مخدوش -ثم ناج، ومحتبس به، ومنكوس فيها) ( ):

[1] فمنهم من سيمر عليه سريعا وينجو منه، فلا يمسه حر جهنم ولا كلاليب الصراط،  وذلك لما رواه عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ منها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كَحُضْرِ الْفَرَسِ –أي كجري الفرس - ثم كالراكب في رحله ثم كَشَدِّ الرَّجُلِ ثم كمشيه) ( ).

[2] ومنهم من تخدشه كلاليب الصراط أو تقطع لحمه ثم ينجو، وذلك لما رواه حذيفة أن النبي قال: (.... وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة ( ) مأمورة بأخذ ما أمرت به، فمخدوش ناج ومكدوس في النار.... ) ( )، وروى أبو هريرة أيضا أن النبي قال: (.... وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟) قالوا: نعم، قال: (فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يُخردل ثم ينجو ....) ( ).

          وعلل ابن حجر نقلا عن الزين ابن المنير رحمهما الله تعالى الحكمة في تشبيه الكلاليب بشوك السعدان؛ أن ذلك لسرعة اختطافها وكثرة الانتشاب فيها مع التحرز والتصون تمثيلا لهم بما عرفوه في الدنيا وألفوه بالمباشرة ( ).

[3] ومنهم من يحبس على الصراط فيعاني الشيء العظيم من لفح جهنم وغير ذلك من عذاب ورعب تنخلع له الأفئدة، فعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي قال: (.... ومن رمى مسلما بشيء يريد شَيْنَهُ به، حبسه الله على جسر جهنم حتى يَخْرُجَ مما قال) ( ).

[4] ومنهم من يوبقه عمله فيسقط في النار والعياذ بالله، وذلك لما رواه أبو بكرة عن النبي قال: (يُحْمَلُ الناس على الصراط يوم القيامة، فَتَقَادَعُ بهم جَنَبَةُ الصراط؛ تَقَادُعَ الْفَرَاشِ في النار، قال: فينجي الله تبارك وتعالى برحمته من يشاء) ( )، أي أن جنبتي الصراط تسقطهم في النار بعضهم فوق بعض.

وعند هذا الموقف العصيب والمرعب الذي تنخلع له القلوب، يعج الرسل عليهم الصلاة والسلام بالدعاء قائلين: اللهم سلم سلم؛ شفقة ورحمة لما يرون من أحوال الناس على هذا الصراط، حيث روى أبو هريرة أن رسول الله قال: (.... فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم ، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ، ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذٍ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، لا يعلم قدر عِظَمِها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يُوبقُ بعمله  - أي يهلك -، ومنهم من يخردل، ثم ينجو....) ( ).

أول وآخر من يجوز الصراط

إن أول من يجوز الصراط من الأمم هي أمة محمد لكرامتها عند الله عز وجل، فقد روى أبو هريرة أن رسول الله قال: (.... فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم ، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته،....) ( ).

وأول من يجوز من هذه الأمة هو نبينا محمد وذلك لما رواه أبو سعيد الخدري أن النبي قال: (... والأنبياء بجنبتي الصراط، وأكثر قولهم: اللهم سلم سلم، فأكون أنا وأمتي أول من يمر، أو قال: أول من يجيز،... ) ( ).

وأول من يجوز من هذه الأمة بعد نبيها هم فقراء المهاجرين، فقد جاء عن ثوبان مولى رسول الله أن حبرا من أحبار اليهود سأل النبي عدة أسئلة كان منها قوله: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله : (هم في الظلمة دون الجسر)، قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: (فقراء المهاجرين....) ( ).

وأما آخر الناس مرورا على هذا الصراط فهو الذي يمشي مرة ويكبو مرة ويسحب عليه سحبا مرة أخرى.

فعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال: (آخر من يدخل الجنة رجل يمشي على الصراط، فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة، فإذا جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني منك؛ لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين ....) ( ).

وقال عبد الله بن مسعود أيضا: يأمر الله بالصراط، فيضرب على جهنم، فيمرُّ الناسُ على قدر أعمالهم زُمَرا زُمَرا، أوائلهم كلمح البرق، ثم كمرِّ الريح، ثم كمر الطير، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجلُ سعيا، وحتى يمر الرجل مشيا، حتى يمر آخرهم يتلبَّط – أي يتقلب- على بطنه فيقول: يا رب لِمَ بطَّأت بي؟ فيقول: إني لم أُبطئ بك، إنما بطَّأ بك عملك  ( ).

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: (... ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم)، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: (مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا....) ( ).

أشكال السقوط من الصراط

جاءت عدة أحاديث تصف حال الساقطين من الصراط أعاذنا الله من ذلك المئال والتي منها:

[أ] المكردس

وهو الذي جُمعت يداه ورجلاه وأُلقي إلى موضع ( )، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: (... والأنبياء بجنبتي الصراط، وأكثر قولهم: اللهم سلم سلم، فأكون أنا وأمتي أول من يمر، أو قال: أول من يجيز، قال: فيمرون عليه مثل البرق، ومثل الريح، ومثل أجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مكلم، ومكردس في النار... ) ( ).

[ب] المنكوس:

وهو المقلوب بأن صار رأسه أسفل ( )، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: (يوضع الصراط بين ظهراني جهنم على حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فناج مسلم، ومخدوج به – أي مخدوش -ثم ناج، ومحتبس به، ومنكوس فيها) ( ).

وروى معاذ بن جبل أنه قال: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم)؟ ( ).

[ج] المكدوس

وهو المدفوع من ورائه ( )، فقد أخبر جل وعلا بأن الكفار يدفعون إلى جهنم دفعا شديدا حيث قال تعالى يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً [الطور: 13]، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي قال: (... يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم)، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: (مدحضة مزلة عليه، خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا... ) ( ).

بعد وصف هذا الهول العظيم لهذا الصراط، يتضح أن الناس سيواجهون كربين شديدين عليه، الأول يتمثل في كرب الإحراق على الصراط وسيأتي في المبحث الثاني، والثاني الظلمة التي على الصراط وسيأتي في المبحث الثالث.

 المبحث الثاني كرب الإحراق على الصراط والأعمال المنجية عليه

تكمن خطورة المرور على الصراط؛ أنه على قدر عملك سيكون قدر مرورك عليه، فأعمالك الصالحة هي التي ستحدد مقدار سرعتك عليه، فهي وقودك ومطيتك عليه؛ لأنها هي التي تجري بك في طريق شاق ومرعب طوله كما رُوي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه مسيرة خمسة عشر ألف سنة ( ).

فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ منها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كَحُضْرِ الْفَرَسِ –أي كجري الفرس - ثم كالراكب في رحله ثم كَشَدِّ الرَّجُلِ ثم كمشيه) ( ).

لذا فإن كثرة الأعمال الصالحة تزيد من سرعتك واجتيازك للصراط بسلام، وأن الناس ستتفاوت سرعاتهم على الصراط تبعا لمراتبهم وتفاوت أعمالهم الصالحة، فلماذا سيجيء الرجل يوم القيامة على الصراط فلا يستطيع السير إلا زحفا؟ أليس لقلة عمله، ولانتهاء وقوده الذي يدفعه إلى الإمام، ولعدم مسابقته في الدنيا في الخيرات؟ بينما تراه سابق على حطام الدنيا وجاهد نفسه على ذلك، ونسي أو غفل عن الآخرة.

وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (.... فيمر أولكم كالبرق كيف يمر ويرجع طرفة عين، ثم كالريح، ثم كالطير، وشد الرجال - أي الركض - تجري بهم أعمالهم حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة  مأمورة بأخذ ما أمرت به، فمخدوش ناج ومكدوس في النار، والذي نفسُ أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفا) ( ).

فالمرء لن يجري على الصراط بحوله وقوته واختياره، وإنما يجري به عمله، وتفكر بالذي سيمر على الصراط زحفا، والنار أسفل منه؛ يصله لهيبها وسمومها، فمتى سيقطع هذا الصراط؟ وكم سيعاني من رؤية جهنم وحرها الذي يزيد على حر نار الدنيا سبعين ضعفا، وفي رواية مائة ضعف.

فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم)، قيل: يا رسول الله إن كانت لكافية، قال: (فُضلت عليهن بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها) ( )، وعنه أيضا أن النبي قال: (هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم) ( ).

تفكر في إنسان يمر طريقا مشتعلا بالنار إما ماشيا أو بسرعة البرق، فهل يحس بهذه النار لو كان من الصنف الثاني؟ فكيف لو كان يزحف زحفا أو يُسحب سحبا؟  وكيف لو كان ذلك كذلك، ولكن فوق نار جهنم التي علمت قدر حرها ؟  

فعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: (... ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم)، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: (مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا....) ( ).

وعن حذيفة قال: قال رسول الله : (....فيأتون محمدا فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق)، قال: قلت: بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قال: (ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا)، قال: (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفا) ( ).

لماذا تعجز أعمال العباد على الصراط؟

تفكر في حال من ستعجز أعماله عن الجريان به، ولماذا ستعجز يا ترى؟ أليس لأنه ما استغل عمره في مرضاة الله؟ وإنما جاء ببضاعة مزجاة من عمل صالح قليل وآخر سيئ كثير؟

قال الملا علي القاري رحمه الله تعالى في قول النبي (حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا) أي: الرجل لضعف عمله وتقاعده عن السبق في الدنيا اهـ ( ).

أبعد هذا يجرأ أحدنا على إضاعة وقته وتسويف توبته، وأمامنا عقبات وكرب وأهوال؛ لا يكون الخلاص منها سوى الرجوع إلى الله تبارك وتعالى والإكثار من الأعمال الصالحة والحمية من الذنوب!

إن الأعمال الصالحة هي مطايانا على الصراط، فالمسارعة على الصراط ستكون بالعمل الصالح فحسب، وليس بالجاه والمال والنسب.

فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة .... ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ( ).

الناس في الدنيا يحرصون على وسائل النقل السريعة للتنقل في أسفارهم، ولو أدى ببعضهم دفع مبالغ باهضة، فترى أحدهم يفضل السفر إلى البلد البعيد بالطائرة رغم ارتفاع تذكرتها عن السفر بالحافلة أو السيارة، ليس إلا رغبة في الوصول بأسرع ما يمكن؛ ولئلا يصيبه عناء السفر، أليس أولى بالمسلم أن يجاهد نفسه في الدنيا بالإكثار من الأعمال الصالحة كي يجتاز هذا الصراط بأسرع ما يمكن؟ فإنه طريق ليس مفروشا بالورود والمناظر الخلابة، وإنما طريق مزلة، كله كلاليب وأهوال وعذاب وتحريق.

قال عبد الله بن مسعود : يأمر الله بالصراط، فيضرب على جهنم، فيمرُّ الناسُ على قدر أعمالهم زُمَرا زُمَرا، أوائلهم كلمح البرق، ثم كمرِّ الريح، ثم كمر الطير، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجلُ سعيا، وحتى يمر الرجل مشيا، حتى يمر آخرهم يتلبَّط على بطنه فيقول: يا رب لِمَ بطَّأت بي؟ فيقول: إني لم أُبطئ بك، إنما بطَّأ بك عملك  ( ).

وهذا مصداق ما رواه أبو ذر عن النبي فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال (.... يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أُوَفِّيكُمْ إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسه) ( ).

عذاب المتباطئ على الصراط

إن المتباطئين عن طاعة الله عز وجل، سيدفعون ثمن تباطئهم على الصراط، وثمن استهتارهم بمن نصحهم للاستجابة لله ورسوله بمرورهم عليه مرورا بطيئا، والإبطاء على الصراط -لقلة الأعمال الصالحة- سيتخلله لونين من العذاب:

الأول: لفح النار للمتباطئ أثناء مروره عليه.

فعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال: (.... والصراط كحد السيف دحض مزلة، قال: فيمرون على قدر نورهم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الرجل ويرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدميه، تخر يد وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، فتصيب جوانبه النار) ( ).

والثاني: خدش الجسد أو تقطيعه بالكلاليب المعلقة كتقطيع اللحم.

فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (.... فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم ، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ، ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذٍ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، لا يعلم قدر عِظَمِها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يُوبقُ بعمله  - أي يهلك -، ومنهم من يخردل، ثم ينجو....) ( ).

قال الملا علي القاري رحمه الله تعالى: يُخردَل أي: يصرع أو يقطع قطعا كالخردلة، والمخردل: المقطع، تقطعه كلاليب الصراط ثم ينجو اهـ ( ).

وقال أبو إسحاق رحمه الله تعالى: المخردل هو المرمي المصروع، وقيل المقطع تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي في النار، يقال: خردلت اللحم بالدال والذال أي فصلت أعضاءه وقطعته اهـ ( ).

لحظة تأمل على الصراط

قال القرطبي رحمه الله تعالى: فتفكر الآن فيما بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار، المانعة لك من المشي على بساط الأرض؛ فضلا عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك فأحسست بحدته، واضطررت إلى أن ترفع القدم الثاني، والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم، كيف يُنكَّسون فتسفل إلى جهة النار رؤوسهم، وتعلو أرجلهم، فيا له من منظر ما أفظعه، ومرتقى ما أصعبه ومجاز ما أضيقه أهـ ( ).

الأعمال المنجية من لفح النار أو السقوط فيها

توجد أعمال صالحة كثيرة تعين فاعلها على الثبات على الصراط وجوازه سالما دون أن تلفحه النار أو السقوط فيها، كما أن هناك أعمالا صالحة أخرى موجبة لسرعة الجواز على الصراط، وكلا النوعين من هذه الأعمال – الموجبة للثبات على الصراط والموجبة لسرعة الجواز عليه - مكمل للآخر ومما ينبغي الاعتناء بهما أشد العناية.

لن أذكر الأعمال الصالحة التي بُشر صاحبها بدخول الجنة، لعدم دلالتها الكافية على نجاة صاحبها من النار ابتداءا، وإنما سأذكر تلك التي نص فيها الشارع الحكيم بنجاة صاحبها من لفح النار، فهي أقوى دلالة على النجاة من كرب الصراط ومن ثم دخول الجنة.

فقد روى أبو ذر أن النبي قال: (أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: وإن سرق وإن زنى) ( )، ومعلوم بأن الزنا والسرقة من الكبائر التي توعد أصحابها بالنار، فيحتمل معنى الحديث أن من ارتكب تلك الكبائر وهو مؤمن، سيكون مآله إلى الجنة إما ابتداء من أول الحال لتجاوز الله عنه، وإما بعد أن يقع عليه العذاب والعياذ بالله.

في هذا المبحث سيتم ذكر الأعمال الموجبة للثبات على الصراط والمنجية من لفح النار أو السقوط فيها، أما الأعمال الموجبة لسرعة اجتياز الصراط فسيتم ذكرها لاحقا في المبحث الثالث عند ذكر كرب ظلمة الصراط والأعمال المنورة له.

لقد أخبر النبي بأنه لن يلج النار من شهد بدرا وبيعة الرضوان، حيث روى جابر أن عبدا لحاطب جاء رسول الله يشكو حاطبا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطبٌ النار، فقال رسول الله : (كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية) ( )، كما روت حفصة رضي الله عنها عن النبي قال: (إني لأرجو ألا يدخل النار أحد، إن شاء الله تعالى، ممن شهد بدرا والحديبية)، قالت: قلت: يا رسول الله أليس الله يقول وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً؟ فقال: (ألم تسمعيه قال: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ( )؟

ولكن ماذا عن الذي لم يشهد هذه الأحداث العظيمة بدرا والحديبية وبيعة الرضوان؟

لقد ذكر لنا الرءوف الرحيم العديد من الأعمال الصالحة التي يثبت الله صاحبها على الصراط، وكذلك العديد من الأعمال التي تقي صاحبها من النار، والذي يظهر أن من نجا من النار فقد عبر الصراط بسلام، والتي منها ما يلي.

1- الإيمان بالله والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعانة الأخرق والمظلوم وكف الأذى

عن أبي ذر قال: سألت رسول الله : ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: ( الإيمان بالله)، قلت: يا نبي الله مع الإيمان عمل؟ قال: (أن ترضخ – أي تعطي- مما خولك الله، وترضخ مما رزقك الله)، قلت: يا نبي الله فإن كان فقيرا لا يجد ما يرضخ؟ قال: (يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر)،  قلت: إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر؟ قال: (فليعن الأخرق) –وهو الذي لا صنعة له _ قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع؟ قال: (فليعن مظلوما)، قلت: يا نبي الله أرأيت إن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوما؟ قال: (ما تريد أن تترك لصاحبك من خير؟ ليمسك أذاه عن الناس)، قلت: يا رسول الله أرأيت إن فعل هذا يدخله الجنة؟ قال: (ما من عبد مؤمن يصيب خصلة من هذه الخصال، إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة) ( ).

2- قضاء حوائج الناس وتفريج كربهم

 عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجةٍ؛ أحبُ إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهرا، ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيضا ولو شاء أن يُمضيه أمضاه؛ ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزلُ الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسدُ الخلُ العسل) ( ).

3 -الأعمال المؤدية لشفاعة النبي

إن الاعتناء بالأعمال المؤدية لشفاعة النبي ، أحد الوسائل المهمة لتفريج كرب الصراط، حيث سيقف النبي على هذا الصراط يدعو الله بنجاة المؤمنين عن السقوط منه قائلا (رب سلم سلم)، وقد أخبر بأنه سيشفع لأناس عند الصراط، وما ذلك إلا لاشتداد كرب الناس عنده.

قال أنس بن مالك : سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة فقال: (أنا فاعل) قال: قلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟ قال: (اطلبنى أول ما تطلبني على الصراط)، قال: قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: (فاطلبنى عند الميزان)، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: (فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن) ( ).

فمن أراد أن يشفع له رسول الله بالنجاة من كُرب يوم القيامة عموما ومن كَرب الصراط خصوصا؛ الذي يعد أعظم المشاهد؛ فعليه الاعتناء بالأعمال الصالحة خصوصا المؤدية لشفاعته يوم القيامة والتي من أهمها ما يلي:

[أولا] سؤال الوسيلة لرسول الله

فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (سلوا الله لي الوسيلة فإنه لا يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة ) ( ).

وتسأل هذه الوسيلة لرسول الله بعد سماع الأذان، لما رواه جابر أن رسول الله قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة) ( ).

[ثانيا] الإكثار من الصلاة على النبي محمد

لقد رغبنا النبي بالإكثار من الصلاة عليه وأخبر بأن أولى الناس بالقرب به أو بشفاعته يوم القيامة هم أكثرهم عليه صلاة ، حيث روى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله : (إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة) ( )

 [ثالثا] الصلاة على النبي بعدد معين وبصيغة معينة

فعن أبي الدرداء أن رسول الله قال: (من صلى عليَّ حين يصبح عشرا، وحين يمسي عشرا، أدركته شفاعتي يوم القيامة) ( ).

وعن رافع بن ثابت الأنصاري أن رسول الله قال: (من قال: اللهم صل على محمد، وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة، وجبت له شفاعتي ) ( ).

[رابعا] الإكثار من النوافل

فعن زياد بن أبي زياد مولى بني مخزوم عن خادم للنبي رجل أو امرأة قال: كان النبي مما يقول للخادم: (ألك حاجة؟) قال: حتى كان ذات يوم ، فقال: يا رسول الله حاجتي، قال: (وما حاجتك)؟ قال: حاجتي أنْ تشفع لي يوم القيامة، قال: (ومن دلك على هذا)؟ قال: ربي، قال: (إمَّا لا - أي إنْ كان لا بد - فأعنِّي بكثرة السجود )( ).

[خامسا] الصبر على ضيق العيش في المدينة المنورة

فعن يحنس مولى الزبير رحمه الله تعالى أنه كان جالسا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الفتنة، فأتته مولاة له تسلم عليه فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن، اشتد علينا الزمان، فقال لها عبد الله: اقعدي لَكَاع ( )، فإني سمعت رسول الله   يقول: (لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة) ( ).

وروى أبو هريرة أن رسول الله قال: (لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحدُ، إلا كنت له شفيعا  أو شهيدا يوم القيامة) ( ).

قال الباجي رحمه الله تعالى: واللأواء هو الجوع وتعذر التكسب، والشدة: يُحتمل أن يريد بها اللأواء، أن يريد بها كل ما يشتد به سكناها وتعظم مضرته اهـ ( ).

[سادسا]: الموت بالمدينة المنورة

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها ) ( ).

إننا نسمع عن بعض الأثرياء إذا كبر سنه، اشترى قصرا في أحد المنتجعات السياحية الأوروبية؛ ليقضي بقية حياته بين ظهراني المشركين، وكان الأولى به أن يأخذ بوصية رسول الله فيودع الدنيا وهو في مدينة رسول الله ، ليحظى بحسن الختام وشفاعة خير الأنام .

4- الصبر على موت الولد

روى عبد الرحمن بن بشير الأنصاري قال: قال رسول الله : (من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل، يعني الجواز على الصراط ) ( ).

وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ( لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار إلا تحلة القسم) ( ).

وعن أبي هريرة أنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله بابن لها يشتكي فقالت: يا رسول الله أخاف عليه وقد قدمت ثلاثة، فقال رسول الله : (لقد احتظرت بحظار شديد من النار) ( ).

وروى أبو سعيد الخدري أن النبي قال: (ما منكن امرأة تقدم بين يديها ثلاثة من ولدها إلا كانوا لها حجابا من النار)، قالت امرأة: واثنين؟ قال: (واثنين) ( ).

5- المحافظة على صلاتي الفجر والعصر

عن عمارة بن رويبة أن رسول الله قال: (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) ( ). ‌

6- المحافظة على ركعتي الضحى

يطلب من المسلم كل يوم أداء ثلاث مائة وستين صدقة، ومن فعل ذلك فمات في يومه؛ يكون قد أمَّن لنفسه البعد والوقاية من نار جهنم أثناء مروره عليها بإذن الله تعالى، حيث روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال: (إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاث مائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرا عن طريق الناس، أو شوكة أو عظما عن طريق الناس، وأمر بمعروف، أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين والثلاث مائة السلامى، فإنه يمشي – وفي رواية يمسي- يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار) ( ).

ويجزئ عن ذلك العدد من الصدقات أداء ركعتين من الضحى، حيث روى أبو ذر أن النبي   قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) ( ).

وروى أبو بريدة قال: سمعت رسول الله   يقول: (في الإنسان ثلاث مائة وستون مفصلا، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة)، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: (النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحيه عن الطريق، فإن لم تجد فركعتا الضحى تجزئك) ( ).

فحري بنا أن لا نغفل عن هاتين الركعتين، وإن عجزنا عن ذلك لظروف عملنا أو نحوه، فلا أقل أن نشغل ألسنتنا بالباقيات الصالحات من تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل بهذا العدد الذي لن يستغرق خمس دقائق من وقتنا.

7- المحافظة على أربع ركعات قبل الظهر وبعدها

عن أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي قال: (من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حَرُمَ على النار)، وفي رواية‌ لها رضي الله عنها عند النسائي أن النبي قال: (ما من عبد مؤمن يصلي أربع ركعات بعد الظهر فتمس وجهه النار أبدا إن شاء الله عز وجل)( ) ، ومعنى حافظ: أي داوم وواظب على هذا العمل.

قال أبو الطيب محمد شمس الدين آبادي رحمه الله تعالى في قوله (حَرُمَ عَلَى النَّار): أَيْ حَرَّمَهُ اللَّه عَلَى النَّار, وفي رواية (حَرَّمَهُ الله على النار)، وفي أُخْرَى (حَرَّمَ الله لحمه على النار)، وقد اِخْتُلِفَ في معنى ذلك هل المراد أنه لا يدخل النار أصلا، أو أنه وإن قُدِّرَ عليه دخولها لا تأكله النار، أو أنه يَحْرُم على النار أن تَسْتَوْعِب أَجْزَاءَهُ وإن مَسَّتْ بعضه كما في بعض طرق الحديث عند النسائي بِلَفْظِ (فتمس وجهه النار أبدا)، وهو موافق لقوله في الحديث الصحيح (وَحَرَّمَ على النار أن تأكل مواضع السجود)،  فيكون قد أطلق الكل وَأُرِيد البعض مجازا، والحمل على الحقيقة أولى، وأن الله تعالى يُحَرِّم جميعه على النار وفضل الله تعالى أوسع ورحمته أعم، والحديث يدل على تأكيد أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعده، وكفى بهذا الترغيب باعثا على ذلك، وظاهر قوله (من صلى) أن التحريم على النار يحصل مرة واحدة، ولكنه قد أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما بلفظ (من حافظ)، فلا يَحْرُم على النار إلا الْمُحَافِظ اهـ ( ).

لما نزل بعَنْبَسَةَ الموت، اشتد جزعه وندمه لتفريطه وعدم محافظته على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها سمع فضلها من أخته أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي   وكانت قد حافظت على أدائها حتى ماتت، فقد روى حسان بن عطية قال: لما نزل عَنْبَسَةَ بن أبي سفيان الْمَوْتُ اشتد جَزَعُهُ، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: إني سمعت أم حبيبة، يعني أخته، تقول: قال رسول الله : (من صلى أربعا قبل الظهر وأربعا بعدها، حَرَّمَ الله لحمه على النار)، فما تركتهن منذ سمعتهن ( )، فهلا حافظنا على هذا الثواب العظيم والدرع الواقي من نار الجحيم؟

8- تغبيرُ القدمين في كل أمر يرضي الله عز وجل

عن يزيد بن أبي مريم قال: لحقني عباية بن رفاعة بن رافع وأنا أمشي إلى الجمعة، فقال: أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله، سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله : (من اغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار) ( ).

قال المناوي رحمه الله تعالى في شرحه على هذا الحديث: (من اغبرت قدماه): أي أصابهما غبار أو صارتا ذا غبار والمراد المشي، (في سبيل اللّه) أي في طريق يطلب فيها رضا اللّه فشمل طريق الجهاد وطلب العلم وحضور الجماعة والحج وغير ذلك؛ لأنه اسم جنس مضاعف يفيد العموم، إلا أن المتبادر في سبيل اللّه الجهاد، (حرمه اللّه) كله (على النار) أبلغ من قوله أدخله الجنة وإذا كان ذا في غبار قدميه فكيف بمن بذل نفسه فقاتل وقتل في سبيل اللّه؟ فيه تنبيه على فضيلة المشي على الأقدام للطاعات؛ وأنه من الأعمال الرابحة التي يستوجب العبد بها معالي الدرجات والفردوس الأعلى اهـ( ). .

وقال المباركفوري رحمه الله تعالى: عند قول النبي : (فهما حرام على النار) أي لا تمسهما النار، وفي ذلك إشارة إلى عظيم قدر التَّصَرُّفِ في سبيل الله فإذا كان مجرد مس الغبار للقدم يُحَرِّمُ عليها النار فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفد وسعه اهـ  ( ).

وعن أبي المصبح المقرائي قال بينما نحن نسير بأرض الروم في طائفة عليها مالك بن عبد الله الخثعمي، إذ مر مالك بجابر بن عبد الله رضي الله عنهما وهو يقود بغلا له، فقال له مالك: أي أبا عبد الله اركب فقد حملك الله، فقال جابر: أصلح دابتي وأستغني عن قومي وسمعت رسول الله يقول: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار)، فسار حتى إذا كان حيث يسمعه الصوت، نادى بأعلى صوته: يا أبا عبد الله اركب فقد حملك الله، فعرف جابر الذي يريد، فقال: أصلح دابتي وأستغني عن قومي وسمعت رسول الله يقول: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار)، فتواثب الناس عن دوابهم، فما رأيت يوما أكثر ماشيا منه ( ).

9- رد الغيبة عن المسلم والدفاع عنه وعدم رميه بشيء في عرضه أو نحوه

عن أبي الدرداء أن رسول الله قال: (من رد عن عرض أخيه كان له حجابا من النار)، وفي رواية أنه قال: (من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة) ( ). ‌

وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي قال: (من حَمَى مؤمنا من منافق أُرَاهُ قال: بعث الله ملكا يَحْمِي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلما بشيء يريد شَيْنَهُ به، حبسه الله على جسر جهنم حتى يَخْرُجَ مما قال) ( ).

وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي قال: (من ذب عن عرض أخيه بالغيبة، كان حقا على الله أن يعتقه من النار) ( ).

ومن تباطأ سيره على الصراط حتى حبس عليه لفحته النار والعياذ بالله، ولهذا قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: إذا سمعت الرجل يقول لآخر: بيني وبينك الصراط، فاعلم أنه لا يعرف الصراط ولا يدري ما هو، لو عرف الصراط أحب أن لا يتعلق بأحد ولا يتعلق به أحد اهـ ( ).

10- الصدقة والكلمة الطيبة

عن عدي بن حاتم أن النبي قال: (اجعلوا بينكم و بين النار حجابا ولو بشق تمرة) ( )، وفي رواية عند مسلم أنه قال: ( من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل).

وفي رواية أخرى أنه قال: ذكر النبي النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه، قال شعبة: أما مرتين فلا أشك، ثم قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة) ( )

11- الصيام

فعن أبي هريرة أن النبي قال: (الصيام جنة وحصن حصين من النار) ( ).

وتزداد هذه الحصانة والوقاية إذا كان الصيام أثناء الجهاد، حيث روى أبو أمامة أن النبي قال: (من صام يوما في سبيل الله، جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض) ( ).

12- البكاء من خشية الله عز وجل والحراسة في سبيل الله وغض البصر

عن أبي هريرة أن النبي قال: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع،  ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبدا) ( ).

وروى أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : (عينان لا تمسهما النار أبدا؛ عين باتت تكلأ في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله ) ( ).

وعن معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله : ( ثلاثة لا ترى أعينهم النار؛ عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفت عن محارم الله) ( ).

وغض البصر من العبادات التي تساهل فيها كثير من المسلمين في هذا الزمان؛ الذي تبرجت فيه المرأة بشكل لم يسبق له نظير، وأصبحت مفاتنها تعرض بصور متعددة، وبخاصة بعد الانفتاح الإعلامي على العالم بظهور القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت.

ولهذا جاء الثواب عظيما لمن غض بصره، والجزاء من جنس العمل، بأن لا يُريه الله عز وجل النار أثناء مروره على الصراط، مما يشير إلى أن احتمال جوازه على الصراط سيكون كالطرف أو البرق، وبالتالي حمايته من لفح النار.

وهذا الفضل لا يخص الرجال دون النساء، لأن الله عز وجل أمر الجنسين بغض البصر في قوله تعالى قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ{30} وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{31} [النور: 30-31].

13- حسن الخلق مع الناس

عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله : (ألا أخبركم بمن يُحَرَّمُ على النار أو بمن تحرم عليه النار؟  على كل قريب هين سهل)، وفي رواية للإمام أحمد أنه قال: (حُرِّمَ على النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ من الناس) ( ).

ومعنى قوله (يُحَرَّمُ على النار): أي يمنع عنها، ومعنى قوله (سهل): وهو ضد الصعب، أي سهل الخلق كريم الشمائل، ومعنى قوله (هَيِّنٍ لَيِّنٍ): أي طلق حليم لين الجانب، والهَيِّنٍ من الْهَوْنِ وهو السكون والوقار والسهولة، و معنى قوله (على كل قريب): أي إلى الناس.

14- الصبر على البنات وإعالتهن ورعايتهن

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: (من ابتلي بشيء من البنات فصبر عليهن كن له حجابا من النار) ( )، وفي رواية عند البخاري أن عائشة رضي الله عنها  قالت: دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئا غير تمرة، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي علينا فأخبرته فقال: (من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار).

وعن عقبة بن عامر أنه قال: سمعت رسول الله يقول: (من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته، كن له حجابا من النار يوم القيامة) ( ).

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: (ليس أحد من أمتي يعول ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، فيحسن إليهن، إلا كن له سترا من النار) ( ).

وعن المطلب بن عبد الله المخزومي قال: دخلت على أم سلمة زوج النبي فقالت: يا بني ألا أحدثك بما سمعت من رسول الله ؟ قلت: بلى يا أُمَّه،  قالت: سمعت رسول الله يقول: (من أنفق على ابنتين، أو أختين، أو ذواتي قرابة، يحتسب النفقة عليهما حتى يغنيهما من فضله، أو يكفيهما كانتا له سترا من النار) ( ).

15- الصبر عند الإصابة بالحمى

عن أبي هريرة أن النبي عاد رجلا من وعك كان به فقال: (أبشر فإن الله يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المذنب لتكون حظه من النار) ( ).

وعن أبي أمامة أن النبي قال: (الحمى كير من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار) ( ).

قال المناوي رحمه الله تعالى: أي أنها تسهل عليه الورود حتى لا يشعر به أصلاً اهـ ( ).

ولذلك لا ينبغي سب الحمى استجابة لأمر نبينا محمد حيث روى جابر بن عبد الله أن رسول الله دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: (ما لك يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين)؟ قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال: (لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد) ( ).

16- الصلاة على النبي عند ذكره

عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي قال: (من ذكرت عنده فلم يصل علي فقد خطئ طريق الجنة) ( ).

أي من ترك الصلاة على النبي متعمدا عند ذكر اسمه، خطئ طريق الجنة؛ وطريقها هو الصراط، ومن خطئ طريقها فلا يبقى له إلا السقوط عن الصراط والعياذ بالله.

ومفهوم الحديث أن من حافظ على الصلاة على النبي كلما ذكر اسمه فإنه لا يخطئ طريق الجنة بإذن الله تعالى، وإنما يسهل له طريقها؛ وطريقها هو الجواز على الصراط، فالحذر كل الحذر من ترك الصلاة على النبي تعمدا عند سماع اسمه في خطب الجمعة والمواعظ العامة ونحوها.

روى الحسين بن علي رضي الله عنهما أن النبي قال: (من ذكرت عنده فخطئ الصلاة علي، خطئ طريق الجنة) ( ). ‌

وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: (من نسي الصلاة عليّ خطئ طريق الجنة) ( ).

أي من تركها عمدا، قال المناوي رحمه الله تعالى: قال في الإتحاف: ومعنى النسيان فيه الترك كما قال تعالى أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وليس المراد به الذهول، لأن الناسي غير مكلف اهـ ( ).

وروى جابر بن سمرة أن رسول الله صعد المنبر فلما رقى عتبة قال: (آمين) ثم رقى أخرى فقال: (آمين) ثم رقى ثالثة فقال: (آمين) ثم قال: (أتاني جبريل فقال يا محمد: من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده الله قل: آمين، فقلت: آمين، قال: يا محمد: من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخله النار فأبعده الله، قل: آمين فقلت: آمين، قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل: آمين، فقلت: آمين) ( ).

ولا يدل هذا على وجوب الصلاة على النبي كلما ذُكر، فقد ذكر ابن حجر رحمه الله في الفتح بأن هذه الأحاديث لم تخرج مخرج الوجوب، وإنما مخرج الندب والمبالغة في تأكيد الصلاة على النبي وطلبه في حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا، وأنه لا دلالة على وجوب تكرار الصلاة عليه بتكرار ذكره في المجلس الواحد ( ).

17- إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام

إن إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام أربعين يوما متواصلة يقي المؤمن من النار، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله : (من صلى لله أربعين يوما في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتبت له براءتان؛ براءة من النار، وبراءة من النفاق) ( ).

لا يتأتى للمرء أن يدرك تكبيرة الإحرام إلا إذا أتى مبكرا إلى الصلاة، ولقد كان بعض السلف رحمهم الله تعالى إذا فاتتهم التكبيرة الأولى، عزوا أنفسهم، لأنهم خسروا هاتين الشهادتين العظيمتين من الله عز وجل؛ براءة من النار وبراءة من النفاق.

قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يديك منه ( )، وذُكر عن التابعي الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه ما فاتته تكبيرة الإحرام نحو أربعين عاما، لأنه ما كان يصلي في المسجد النبوي إلا في الصف الأول، وقال وكيع رحمه الله تعالى: كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى واختلفنا إليه قريبا من سبعين فما رأيته يقضي ركعة ( ).

18- إسباغ الوضوء

إن إسباغ الوضوء للصلاة يحمي الجسد من لفح النار أثناء المرور على الصراط، فكيف بمن لا يتوضأ أصلا للصلاة؟ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رجعنا مع رسول الله من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء بالطريق، تعجل قوم عند العصر فتوضئوا وهم عِجَالٌ ، فانتهينا إليهم وأعقابهم تَلُوحُ لم يمسها الماء، فقال رسول الله : (ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء) ( )، والعقب هو مؤخر القدم.

وروى أبو هريرة أنه رأى قوما يتوضئون من المطهرة فقال: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم يقول: (ويل للعراقيب من النار) ( )، والعرقوب هو العصبة التي فوق العقب.

19- قول دعاء الإقرار بالوحدانية في الصباح والمساء أربع مرات

رواه أنس بن مالك أن رسول الله قال: (من قال حين يصبح أو حين يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك، وأشهد حملة عرشك، وملائكتك وجميع خلقك، أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك، أعتق الله ربعه من النار، فمن قالها مرتين، أعتق الله نصفه، فمن قالها ثلاثا، أعتق الله ثلاثة أرباعه، فإن قالها أربعا أعتقه الله من النار ) ( ).

ومن أسرار تكرار هذا الذكر أربع مرات ما قاله ابن العماد رحمه الله تعالى في كشف الأسرار عما خفي من الأذكار حيث قال : وقال بعض الأشياخ: تكريره هذه الكلمات أربع مرات يبلغ حروفها ثلاث مائة وستين حرفا، وابن آدم مركب من ثلاث مائة وستين عضوا، فعتق الله منه بكل حرف عضوا من أعضائه، فإذا قالها مرة أعتق الله ربعه ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه ..اهـ ( ).

20- إفشاء السلام وإطعام الطعام وقيام الليل

فعن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله المدينة، انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ، قدم رسول الله ، قدم رسول الله ، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبت وجه رسول الله ، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: (أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وَصَلُّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) ( ).

ولعل الحكمة في ذكر دخول الجنة بسلام لمن عمل بهذه الأعمال الصالحة، هو مرور صاحبها على جسر جهنم بسلام دون أن تمسه النار.

21- من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله

من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله و الله أكبر، لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله لا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أن النبي قال: (إذا قال العبد: لا إله إلا الله و الله أكبر، قال الله: صدق عبدي لا إله إلا أنا، وأنا أكبر، فإذا قال: لا إله إلا الله وحده قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا وحدي، فإذا قال: لا إله إلا الله لا شريك له، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا شريك لي، فإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد فإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي من رزقهن عند موته لم تمسه النار)( ).

22- الاستجارة من النار

فعن أنس بن مالك أن النبي قال: (من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار: اللهم أجره من النار) ( ).

وقد أُمرنا بالاستعاذة من عذاب جهنم دبر كل صلاة، حيث روى أبو هريرة أن رسول الله قال: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال) ( ).

ومن استجار من النار فلعل الله عز وجل أن يقبل شفاعتها، فيجير من استجار منها، وينجيه من لفحها أثناء مروره عليها عبر الصراط.

23- عتق الرقاب

فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار حتى فرجه بفرجه) ( ).

كيف تعتق رقبة؟

لو نزل إعلان في أحد الصحف اليومية وبخط عريض، يوضح كيفية الوصول لعتق رقبة، نتوقع أن يقرأ هذا الموضوع كل الناس، وبالأخص الأغنياء منهم الذين يرغبون ويتمنون أن يعتقوا ولو رقبة واحدة في حياتهم ولكنهم لا يجدونها ، إذ أن عتق الرقبة يكلف مبالغ باهضة في هذا العصر قد تصل إلى عشرات الآلاف، إلى جانب أن المرء لن يجد مبتغاه إلا في بعض الدول النائية وبشق الأنفس، والسبب هو حرص الإسلام بتشريعه السامي على تحرير العبيد في صورة كفارات وقربات لله عز وجل.

أما عن السبل التي سلكها الإسلام لتحرير الرق من خلال الكفارات، فهي كمثل كفارة القتل حيث قال تعالى وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:92]

وكمثل كفارة الظهار حيث قال تعالى وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: 3].

وكمثل كفارة اليمين حيث قال تعالى لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: 89].

وكمثل كفارة المجامع أهله في نهار رمضان، حيث روى أبو هريرة قال: بينما نحن جلوس عند النبي ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: (ما لك)؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله : (هل تجد رقبة تعتقها)؟ قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين)؟ قال: لا، فقال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا)؟ قال: لا، قال: فمكث النبي ، فبينا نحن على ذلك، أتي النبي بِعَرَقٍ فيها تمر، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ ، قال: (أين السائل)؟ فقال: أنا، قال: (خذها فتصدق به)، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها، يريد الحرتين، أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي حتى بدت أنيابه، ثم قال: (أطعمه أهلك) ( ).

وكمثل كفارة من لطم مملوكه، حيث روى زاذان أبي عمر قال: أتيت ابن عمر وقد أعتق مملوكا، قال: فأخذ من الأرض عودا أو شيئا فقال: ما فيه من الأجر ما يَسْوَى هذا، إلا أني سمعت رسول الله يقول: (من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه) ( ).

وروى أبو مسعود الأنصاري قال: كنت أضرب غلاما لي، فسمعت من خلفي صوتا: (اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه)، فالتفت فإذا هو رسول الله ، فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله، فقال: (أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار) ( ).

وأما جانب القربات لله عز وجل، فقد وردت أحاديث عديدة تشير إلى أن عتق الرقاب ينجي صاحبه من نار جهنم، حيث روى عمرو بن عنبسة أن رسول الله قال: (من أعتق رقبة مؤمنة كانت فداءه من النار) ( ).

ولقد تسابق السلف الصالح رحمهم الله تعالى إلى عتق العبيد لينالوا تلك الأجور العظيمة، حتى قال نافع رحمه الله تعالى : ما مات ابن عمر رضي الله عنهما حتى أعتق ألف إنسان أو زاد ( )، وروى عروة أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وفي الإسلام مائة رقبة، وحمل على مائة بعير ( ).

ولقد تحقق بهذه المبادرات هدف الإسلام النبيل في تجفيف منابع الرق، حتى كاد المسلم لا يجد في عصرنا الحاضر عبيدا ليعتقهم، فتحقق ما أخبر به الله عز وجل في عدة آيات كما في قوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وهذه الندرة في العبيد جعلت ثمن الرقبة مرتفعا جدا ، وبهذا يكون الإسلام هو أول من حرر العبيد بوسائل سلمية، وليس كما تدعيه الولايات المتحدة الأمريكية في مناهجها التعليمية بأن أول من حرر العبيد هو الأمريكي إبراهام لنكولن، وقد يكون هذا المذكور هو أول من حرر العبيد في بلاده.

ومن فضل الله تعالى علينا أنه لم يحرمنا من ثواب عتق العبيد حتى في ظل ندرتهم، إذ شرع لنا الإسلام بدائل تعدل ثواب عتق الرقاب، وهذا يعني نجاة من النار، وهذه البدائل لا تغني عن الكفارات الملزمة في القتل والظهار واليمين ونحوها، وأهم هذه الوسائل:

[1] الطواف حول الكعبة المشرفة 

فعن ابن عبيد بن عمير عن أبيه أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يزاحم على الركنين زحاما ما رأيت أحدا من أصحاب النبي يفعله، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنك تزاحم على الركنين زحاما ما رأيت أحدا من أصحاب النبي يزاحم عليه؟ فقال: إن أفعل فإني سمعت رسول الله يقول: (إن مسحهما كفارة للخطايا)، وسمعته يقول: (من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه، كان كعتق رقبة)، وسمعته يقول: (لا يضع قدما ولا يرفع أخرى، إلا حط الله عنه خطيئة، وكتب له بها حسنة) ( ).

فحري بكل مسلم إذا شد الرحال إلى الديار المقدسة أن يكثر من هذا الطواف ولا يكن حاله كحال من يذهب هناك ويصرف جل وقته في التطواف والتجوال في الأسواق فيحرم نفسه من خير عظيم لا يجد مثله في أي بقعة في العالم.

[2] ركعتي الطواف والسعي بين الصفا والمروة

فعن عمر بن الخطاب أن النبي قال: (... وأما ركعتاك بعد الطواف؛ كعتق رقبة من بني اسماعيل، وأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة....) ( ).

ولا يتأتى السعي بين الصفا والمروة إلا بأداء العمرة أو الحج، وبذلك يكون الحج والعمرة من الأعمال التي تنجي صاحبها من كرب الإحراق أثناء مروره على الصراط.

[3] الجهاد في سبيل الله عز وجل

فعن عمرو بن عنبسة  أن رسول الله قال: (من رمى العدو بسهم في سبيل الله، فَبَلَغَ العدو فأصاب أو أخطأ يعدل رقبة) ( ).

وروى أبو نجيح أن رسول الله قال: (من رمى بسهم في سبيل الله فهو له عِدلً محرر) ( ). أي من رمى بسهم بنية جهاد الكفار كان له ثواب مثل ثواب عتق رقبة.

[4] تقديم العون لأخيك المسلم في صورة قرض حسن أو إرشاد ضال أو أعمى 

فعن البراء بن عازب أن رسول الله قال: (من منح مِنحة ورِق، أو منحة لبنٍ، أو أهدى زُقاقا، فهو كعتق نسمة) ( ).

ومعنى منحة ورق: أي أقرض قرضا، ومعنى منحة لبن: أي أعار جاره أو زميله بعيره لينتفع من لبنه ثم يرده إليه، ومعنى أهدى زقاقا: أي دل ضالا أو أعمى على طريقه، وقيل تصدق بصف نخل أو شجر، فكل هذه الأعمال الحسنة؛ التي فيها فك كربة من كرب إخوانك المسلمين، يكتب لك بكل واحدة منها ثوب عتق رقبة ولله الحمد والمنة.

[5] التهليل عشر مرات بعد صلاتي الفجر والمغرب

 ومن فعل ذلك فله ثواب عشرون رقبة، حيث روى أبو أيوب الأنصاري أن رسول الله قال: (من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب الله له بكل واحدة قالها عشر حسنات، وحط الله عنه عشر سيئات، ورفعه الله بها عشر درجات، وكن له كعشر رقاب، وكن له مسلحة من أول النهار إلى آخره، ولم يعمل يومئذٍ عملاً يقهرهن، فإن قال حين يمسي فمثل ذلك ) ( ).

[6] التهليل مائة مرة

ومن فعل ذلك نال ثواب عشر رقاب، حيث روى أبو هريرة أن رسول الله قال: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، و كتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك) ( ).

وهذه الوسيلة لا تستغرق منك أكثر من أربع دقائق، فيمكنك أن تقولها وأنت في سيارتك، وأنت متجه إلى عملك.

[7] التكبير والتحميد والتسبيح مائة مرة

ومن فعل ذلك نال ثواب مائة رقبة، حيث روت أم هانئ رضي الله عنها قالت: أتيت إلى رسول الله فقلت: يا رسول الله دلني على عمل، فإني قد كبرت وضعُفت وبدُنت، فقال: (كبري الله مائة مرة ، واحمدي الله مائة مرة، وسبحي الله مائة مرة، خير من مائة فرس ُمْلجَمٍ مُسْرجٍ في سبيل الله، وخيرٌ من مائة بدنة، وخير من مائة رقبة) . ومعلوم أن مائة رقبة قد يزيد ثمنها على مليون ريال، فمن قال هذه الأذكار كان كمن تصدق بهذا المبلغ الكبير وحصَّن نفسه بدرع حصين من النار، أثناء مروره على الصراط.

 المبحث الثالث كرب ظلمة الصراط والأعمال المنورة له

يشتد كرب الصراط على المسلمين بالظلمة الشديدة التي عليه، فلا يستطيع أحد الرؤية على الصراط البتة، إلا من رزقه الله تعالى نورا يستضيء به طريقه، مقابل أعمالا صالحة عملها في الدنيا، لا سيما أن نار جهنم سوداء مظلمة ليس فيها أدنى نور، حيث روى أبو هريرة أن النبي قال: (تحسبون أن نار جهنم مثل ناركم؟ هي أشد سوادا من القار، هي جزء من بضعة وستين جزءا منها) ( )، وقد رُوي عن أبي هريرة عن النبي قال: (أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت؛ فهي سوداء مظلمة) ( ).

وروى ثوبان مولى رسول الله قال: كنت قائما عند رسول الله فجاء حبر – العالم- من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله : (إنَّ اسمي محمد الذي سماني به أهلي)، فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول الله : (أينفعك شيء إن حدثتك)؟ قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله بعود معه، فقال: (سل)، فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله : (هم في الظلمة دون الجسر)، قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: (فقراء المهاجرين)، قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: (زيادة كبد النون) – الحوت - قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: (ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها)، قال: فما شرابهم عليه؟ قال: (من عين فيها تسمى سلسبيلا)، قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان، قال: ( ينفعك إن حدثتك)؟ قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد، قال: (ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله)، قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي، ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله : ( لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به) ( ).

فعندما تبدل الأرض غير الأرض والسموات، يكون الناس حينئذ في الظلمة؛ أي على الصراط، كما جاء مصرحا في حديث عائشة رضي الله عنها سابق الذكر ( )، ويعطي الله عز وجل المؤمنين والمنافقين نورا يمشون به على الصراط، فيطفئ نور المنافقين مكرا بهم وعقابا لهم ليسقطوا في النار، ويبقى نور المؤمنين كل على قدر عمله.

فعن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يسأل عن الورود فقال: نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا، فيقول: أنا ربكم فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر؛ سبعون ألفا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأِ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شَعِيرَةً ، فيجعلون بِفِنَاءِ الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل ويذهب حراقه، ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها ( ).

ولقد وصف الله لنا مشهد المؤمنين وهم يسعون في نورهم، ومشهد المنافقين وهم يتخبطون في ظلمتهم وينادون المؤمنين أن ينتظروهم ليقتبسوا من نورهم ليروا طريقهم، فقال الله تعالى يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{12} يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ{13} يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ{14} فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ{15} [الحديد: 12-15].

تفكر في سؤال أولئك المنافقين ومن ثم جواب المؤمنين لهم في قوله تعالى أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى مما يدل على أهمية الاقتداء بالصالحين.

قال عبد الله بن مسعود في قول الله عز وجل يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، منهم من نوره مثل الجبل وأدناهم نورا من نوره على إبهامه يطفئ مرة ويُقدّ مرة أهـ ( ).

وفي رواية أخرى له أنه قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورا من إبهامه، يتَّقدُ مرة ويطفئ مرة ( ).

إن أعمالك الصالحة ستكون نورك على الصراط، والعلاقة بين السرعة والنور على الصراط علاقة طردية، فمتى ما زاد نورك ازدادت سرعتك، والعكس صحيح، لأن كلاهما مرتبط بالأعمال الصالحة، وتصور لو قيل لك سافر إلى بلد ليلا بسيارتك، وأنوارها ضعيفة جدا، فكم من الوقت ستحتاجه لتصل إلى مقصودك، لأنك ستسير ببطء شديد؟

فإنه ينبغي عليك في هذه الدنيا؛ أن تُسابق في الخيرات لتجمع أعمالا تزيد من نورك على الصراط، لتسير بهذا النور في رحلة مرعبة لا تدري كيف ستقطعها، ولا يقطعها إلا المخفون العاملون الجادون.

فعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال: (.... والصراط كحد السيف دحض مزلة، قال: فيمرون على قدر نورهم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الرجل ويرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدميه، تخر يد وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، فتصيب جوانبه النار) ( ).

وجاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يجمع الله الناس يوم القيامة .... فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ مرة، إذا أضاء قدَّمَ قدمه، وإذا طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف، دحض مزلة فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد وتعلق يد، فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد ما أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد ( ).

فما الأعمال التي تزيد من النور على الصراط لنعمل بها؟ أذكر لك بعضها لعل أن يعظم قدرها عندك فتسارع إليها:

الأعمال التي تزيد من نور العبد على الصراط

بين الشرع الحنيف أعمالا صالحة عديدة تزيد من نور العبد على الصراط، ومن زاد نوره زادت سرعته عليه، ومن هذه الأعمال: الصلاة على النبي ، ومن يبست شفتاه بالعشي من جراء الصوم، ولبس العمامة، وقراءة كتاب الله، ومن كف بصره، والعالم الرحيم، وذاكر الله تعالى في السوق، ومن فرج عن مسلم كربة، ونظرا لضعف سند الأحاديث الواردة في هذه الأعمال؛ أكتفي بذكر ما صححه وحسنه العلماء من أحاديث في هذا الموضوع والتي أهمها:

[1] المحافظة على الصلوات الخمس عامة والفجر خاصة

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي أنه ذكر الصلاة يوما فقال: (من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) ( )، ومن صور المحافظة عليها أدائها في أول وقتها.

وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله قال: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملئ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو بائع نفسه فمعتقها أو موبقها) ( ).

قال ابن رجب رحمه الله تعالى عن الصلاة في شرحه لهذا الحديث: وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة، فإن الأنوار تُقسم لهم على حسب أعمالهم...الخ أهـ ( ).

ولثقل صلاة الفجر على النفس، حث الشارع الحكيم عليها وأغدق العطاء لمن حافظ عليها بثواب لا نجد مثله في باقي الصلوات، فمن فضائل هذه الصلاة فيما يخص موضوعنا هذا؛ أن المحافظ عليها يمنح نورا تاما على الصراط، فعن أنس بن مالك أن النبي قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) ( ).

ولو أيقظت المرأة زوجها وأولادها وحثتهم على الذهاب لأداء صلاة الفجر في المسجد، يرجى أن تنال هذا النور التام، فالدال على الخير كفاعله.

وقال السندي رحمه الله تعالى: هذا الحديث يشمل العشاء والصبح بناء على أنها تقام بِغَلَسِ اهـ ( ).

[2] المحافظة عل صلاة الجمعة وآدابها واحتساب الأذان

فعن أبي موسى الأشعري أن النبي قال: (إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة لأهلها، فيحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها، تضيء لهم يمشون في ضوءها، ألوانهم كالثلج بياضا، رياحهم تسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان، ما يطرقون تعجبا حتى يدخلوا الجنة، لا يخالطهم أحد، إلا المؤذنون المحتسبون) ( ).

[3] أداء الزكاة

عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله قال: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملىء الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان،....) ( ).

قال ابن رجب رحمه الله تعالى على قول النبي : (والصدقة برهان): وأما الصدقة فهي برهان والبرهان: هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس ومنه حديث أبي موسى أن روح المؤمن تخرج من جسده لها برهان كبرهان الشمس...الخ أهـ ( ).

[4] الصبر على أقدار الله

عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله قال: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملئ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو بائع نفسه فمعتقها أو موبقها) ( ).

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرحه على قول رسول الله (والصبر ضياء): وأما الصبر فإنه ضياء، والضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنه نور محض، فيه إشراق بغير إحراق، قال الله تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً [يونس: 5] ..الخ أهـ ( ).

والصبر هو حبس النفس عن الشكوى، وهو نصف الإيمان، فحري بنا أن نتصبر على قضاء الله، وعلى طاعة الله، وعن معصية الله، لعلنا أن لا نفقد مثل هذا النور العظيم عند ذلك الكرب العصيب.

[5] قراءة سورة الكهف يوم الجمعة

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين)، وفي وراية أن رسول الله قال: (كانت له نورا يوم القيامة من مقامه إلى مكة) ( ).

[6] المداومة على قراءة البقرة وآل عمران

عن أبي أمامة أن النبي قال: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، يحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة) ( ).

قال المناوي رحمه الله تعالى في معنى الزهراوين: أي النيرتين، سميتا به لكثرة نور الأحكام الشرعية وكثرة أسماء اللّه تعالى فيهما، أو لهدايتهما قارئهما، أو لما يكون له من النور بسببها يوم القيامة، والزهراوين تثنية الزهراء تأنيث أزهر وهو المضيء الشديد بالضوء اهـ  ‌( ).

والحديث يحتمل الحث على مداومة قراءة هاتين السورتين العظيمتين أو حفظهما.

[7] تعلم كتاب الله وحفظه

عن بريدة قال: قال رسول الله : (من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به، ألبس والداه يوم القيامة تاجا من نور، ضوؤه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن) ( ).

فمن أراد بر والديه فليبادر إلى حفظ كتاب الله ليسعدهما في الآخرة، ونعم تلك السعادة، وإذا كان الوالدان سيمنحهما الله عز وجل تلك الكرامة وذلك النور فما ظنك بالحافظ؟

[8] الجهاد في سبيل الله

الجهاد في سبيل الله ورمي العدو يمنح صاحبه نورا يوم القيامة، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (من رمى بسهم في سبيل الله كان له نورا يوم القيامة) ( ).

والشهداء سيكون لهم نور، لقول الله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [الحديد: 19]

قال الطبري رحمه الله تعالى في قوله تعالى وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ قال: والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أو هلكوا في سبيله، لهم عند ربهم ثوابٌ ونورٌ عظيم اهـ ( ).

لذلك بادر إلى سؤال الله عز وجل الشهادة، فمن سألها بصدق نالها بإذن الله تعالى ولو لم يمت في ساحة القتال، فعن سهل بن حنيف أن رسول الله قال: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه) ( ).

 [9] العدل وترك الظلم

عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) ( ).

قال النووي رحمه الله تعالى: قال القاضي: قيل: هو على ظاهره، فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلا حتى يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم اهـ. ( ).

فإذا كان الظلم ظلمات يوم القيامة، فإن العدل سيكون نورا لصاحبه يوم القيامة، ولقد أُمرنا بالعدل والإنصاف بين الناس وبين أولادنا ولو على أنفسنا، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: 8].

[10] رمي الجمار

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (إذا رميت الجمار كان لك نورا يوم القيامة) ( ).

[11] حلق الشعر في الحج

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (وإذا حلق رأسه، فله بكل شعرة سقطت من رأسه نور يوم القيامة، وإذا قضى آخر طواف بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ( ).

عن عبادة بن الصامت أن رسول الله قال: (....وأما حلقك رأسك فإنه ليس من شعرك شعرة تقع في الأرض إلا كانت لك نورا يوم القيامة) ( ).

 [12] طلب العلم

عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (ما من رجل يسلك طريقا يطلب فيه علما، إلا سهل الله له به طريق الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ( ).

وعنه أيضا قال: قال رسول الله : (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة) ( ).

تأمل الحكمة في ربط ترك العلم بالإبطاء على الصراط، فلعل العلم ممن يسرع بالعبد على الصراط -وليس النسب والحسب- ومن زادت سرعته زاد نوره.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى في شرحه على هذا الحديث: وقد يدخل في ذلك أيضا تسهيل طريق الجنة الحسي يوم القيامة –وهو الصراط- وما قبله وما بعده من الأهوال... اهـ ( ).

وقال الشافعي رحمه الله تعالى: كتب حكيم إلى حكيم: يا أخي قد أوتيت علما، فلا تدنس علمك بظلمة الذنوب، فتبقى في الظلمة؛ يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم اهـ ( ).

[13] الحب في الله عز وجل

عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله قال: (يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله عز وجل عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله)، فجاء رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى نبي الله فقال: يا نبي الله ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله! انعتهم لنا، يعني صفهم لنا، فسُرَّ وجه رسول الله لسؤال الأعرابي، فقال رسول الله (هم ناس من أفناء – أي أشتات - الناس ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورا وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ( ).

[14] قضاء حوائج الناس وتفريج كربهم

عن عبد الله ببن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) ( ).

وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله (من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسََّر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه....) ( ).

لم يقيد النبي الكرب الذي سيفرج عنه صاحبه يوم القيامة، وإنما أطلقه، والجزاء من جنس العمل، فقضاء حوائج الناس ومساعدتهم وتفريج كربهم؛ يفرج الله عنك به كربا من كرب يوم القيامة؛ والتي قد يكون أحدها كرب ظلمة الصراط، فيزيد الله نورك بتفريجك كربا لغيرك في الدنيا فتزداد سرعتك، لا سيما أنه صح عن النبي أن من مشى في حاجة أخيه حتى يثبتها له؛ أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام ( ) ، فبقدر ما تيسر على أخيك المسلم سَيُيَسر عليك في ذلك اليوم العصيب، فاجمع لنفسك أكبر عدد ممكن من تنفيس الكرب لإخوانك المسلمين تنل بعددها تنفيس كرب يوم القيامة.

[15] عدم نتف الشيب

من الناس من يخجل عند ظهور أول الشيب عليه، ويكره أن يُرى عليه فيقوم بنتفه، وما علم أن الشيب نور لصاحبه يوم القيامة.

فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله قال: (من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة)، فقال له رجل عند ذلك: فإن رجالا ينتفون الشيب، فقال رسول الله : (من شاء فلينتف نوره) ( ).

ومن فضل ترك الشيب وعدم نتفه أن صاحبه سيمنح يوم القيامة أربعة أمور مهمة هي: نور على الصراط، وبكل شعرة بيضاء حسنة، وتحط عنه سيئة، ويرفع بها عند الله درجة.

فعن أبي هريرة أن النبي قال: (لا تنتفوا الشيب فإنه نور يوم القيامة، ومن شاب شيبة في الإسلام كتب له بها حسنةً، وحط عنه خطيئة ورفع له بها درجة) ( ).

ومن هذا ندرك أن كل أمر نبوي، وكل عمل صالح لم نؤمر به عبثا؛ وإنما سيكون لها فائدة وثمرة يوم القيامة، ليكافئ كل من أطاع الله، ويميز المطيع من العاصي.

إن الشيب نعمة، لأنه نذير ومذكر للفطن بقرب أجله، قال تعالى وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ [فاطر: 36-37].

وقال عبد العزيز بن أبي رواد لرجل: من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ بشيء: الإسلام والقرآن والمشيب ( ).

قال المستنجد بالله ( ):

عيَّرتني بالشَّيب وهو وقـارُ            ليتها عيَّرتْ بما هو عـارُ

إن تكن شابت الذوائــب            منِّي فالليالي تزينها الأقمار

[16] بر من كان يصله أبوك قبل موته

عن ابن عمر رضي الله عنهما مر أعرابي في سفر فكان أبو الأعرابي صديقا لعمر فقال الأعرابي: ألست ابن فلان؟ قال بلى. فأمر له ابن عمر بحمار وكان يستعقب، ونزع عمامته عن رأسه فأعطاه فقال بعض من معه، أما يكفيه درهمان؟ فقال قال النبي (احفظ ود أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك) ( )، قال المناوي رحمه الله تعالى: قال الحافظ العراقي: وهل المراد به نوره في الدنيا أو نوره في الآخرة كل محتمل أهـ ( ).

[17] الدعاء بسؤال الله النور

أن تكثر سؤال الله عز وجل أن يمنحك نورا، وذلك في سجودك أو عند توجهك إلى المسجد.

فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه رقد عند رسول الله فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، فأطال فيهما القيام والركوع والسجود ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات ثم أوتر بثلاث فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: (اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي لساني نورا، واجعل في سمعي نورا، واجعل في بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ومن أمامي نورا، واجعل من فوقي نورا، ومن تحتي نورا، اللهم أعطني نورا) ( )، وفي رواية عند النسائي بأن النبي قال هذا الدعاء في سجوده.

قال ابن علان رحمه الله تعالى: قال القرطبي: هذه الأنوار التي دعا بها النبي يمكن أن تحمل على ظاهرها، فيكون معنى سؤاله أن يجعل الله له في كل عضو من أعضائه يوم القيامة نورا يستضيء به في تلك الظلم هو ومن تبعه، والأولى أن يكون مستعارة للعلم والهداية اهـ ( ).

فالمسلم الفطن لا ينبغي أن يتوقف عن سؤال الله تعالى أن يفيض عليه نورا، وسيستمر المؤمنون في سؤال ربهم عز وجل أن يتمم لهم نورهم يوم القيامة لأهميته، ألم تقرأ قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم: 8].

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفئ اهـ ( ).

 المبحث الرابع الذنوب التي تسقط صاحبها في النار

ينبغي أن يُعلم أنه سيدخل النار من أهل هذه القبلة من لا يحصي عددهم إلا الله؛ بسبب تجرئهم على عصيان الله عز وجل.

فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي قال: (يدخل من أهل هذه القبلة النار من لا يحصي عددهم إلا الله؛ بما عصوا الله، واجترؤوا على معصيته، وخالفوا طاعته) ( ).

إن من الناس من سيسقط من جنبتي الصراط لذنوب ارتكبها، رغم حرصه على الأعمال المُسَرِّعَةِ له على الصراط؛ كالصلاة والزكاة ونحوها من أعمال جليلة، فقد جاء في الحديث الصحيح أن من الناس ممن كان يحافظ على الصلاة والزكاة والحج والجهاد، لم تنفعه تلك الأعمال في جواز الصراط، فهوى في النار عياذا بالله من شر ذلك المآل، ولعل السبب أنها لم تُقبل منه، أو أن هناك ذنوبا عظيمة لم تكفر عنه.

فعن أبي سعيد الخدري أن ناسا في زمن رسول الله قالوا  يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله قال (هل تُضارُّون ( ) في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب ،...... ثم يُضرب الجِسر - أي الصراط - على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سَلِّم  سلِّم، قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض( ) مزلَّة ( )، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد، فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل، والركاب، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومخدوشٌ مُرسلٌ، ومكدوسٌ في نار جهنم، حتى إذا خَلَصَ المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين سقطوا في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، َفتُحَرَّمُ صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه والى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً قط ....) ( ).

تأمل ودقق في عبارة المؤمنين الذين نجوا من الصراط، وهم يصفون ما كان عليه أصدقائهم معهم في الدنيا، ولكنهم الآن سقطوا في النار: (ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون)، إنها لمصيبة عظمى أن يأتي المسلم بأركان الإسلام، ويعمل الأعمال الصالحة، ولكنه يهوي من الصراط، فما سبب سقوطه في النار إذن؟

فما تلك الذنوب التي أسقطتهم يا ترى؟

يصعب حصر هذه الذنوب لكثرتها، ولعدم ورود أدلة صريحة بسقوط مرتكبيها من الصراط، وإنما بشر صاحبها بالنار، ولعل أعظم هذه الذنوب ما يلي:

[أولا] الوقوع في الشهوات المحرمة

تشمل الشهوات الحسية والشهوات المعنوية، الحسية كشهوة البطن والفرج، والمعنوية كحب الرئاسة والانتقام والظهور.

فعن أبي برزة عن النبي قال: (إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى) ( ).

إن الوقوع في الشهوات المحرمة كالزنا واللواط وشرب الخمر والنظر إلى النساء وسماع الغناء والكسب المحرم والتفكه في أعراض الناس وغير ذلك مما يستلذ به؛ مما منع الشرع من تعاطيه، هي من الأسباب التي توقع صاحبها في النار.

قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قال القاضي أبو بكر العربي: هذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في الحديث الماضي (حُفَّتْ النَّار بِالشَّهَوَاتِ) قال: فالشهوات موضوعة على جوانبها؛ فمن اقتحم الشهوة سقط في النار لأنها خَطَاطِيفُهَا اهـ ( ).

فيا ليت الناس يستيقظوا من غفلاتهم وينتبهوا إلى زلاتهم وإلى ما يقعوا فيه من الشهوات المحرمة أثناء سياحتهم ومشاهدتهم للوسائل الإعلامية، ناسين ما سينتظرهم من أهوال وعذاب وكلاليب لا تحابي أحدا، ولا يفوتها من أمرت بأخذه، فالزالون والزالات عن الصراط يومئذ كثير.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وذلك أن الإيمان والعمل الصالح في الدنيا هو الصراط المستقيم في الدنيا الذي أمر الله العباد بسلوكه والاستقامة عليه، وأمرهم بسؤال الهداية إليه، فمن استقام سيره على هذا الصراط المستقيم في الدنيا ظاهرا وباطنا، استقام مشيه على ذلك الصراط المنصوب على متن جهنم، ومن لم يستقم سيره على هذا الصراط المستقيم في الدنيا، بل انحرف عنه إما إلى فتنة الشبهات أو إلى فتنة الشهوات، كان اختطاف الكلاليب له على صراط جهنم بحسب اختطاف الشبهات والشهوات له عن هذا الصراط المستقيم كما في حديث أبي هريرة (إنها تخطف الناس بأعمالهم) اهـ  ( ).

وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: من دقَّ الصراط عليه في الدنيا عَرُضَ عليه في الآخرة، ومن عَرُضَ عليه الصراط في الدنيا دقَّ له في الآخرة أهـ ( ).

قال ابن رجب رحمه الله تعالى معلقا على قول سهل التستري رحمه الله تعالى: ومعنى هذا أن من ضيق على نفسه في الدنيا بإتباع الأمر واجتناب النهي وهو حقيقة الاستقامة على الصراط المستقيم في الدنيا، كان جزاؤه أن يتسع له الصراط في الآخرة، ومن وسع على نفسه في الدنيا بإتباع الشهوات المحرمة والشبهات المضلة حتى خرج عن الصراط المستقيم ضاق عليه الصراط في الآخرة، بحسب ذلك، والله أعلم اهـ ( ).

وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وإذا كانت النار محجوبة ومحفوفة بالشهوات؛ لم يدخل النار إلا بها، وإذا كانت الجنة محجوبة ومحفوفة بالمكاره؛ لم يدخل الجنة إلا بها اهـ ( ).

ولذلك ينبغي للمسلم الاستقامة على دين الله والاحتراز من الترف الزائد عن الحاجة لئلا يوقعه ذلك في المحظور، فقد قال أبو ذر : إن خليلي عهد إلي أنَّ دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة، وإنا إن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار واضطمار – أي تحمل -، أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير – أي مثقلون- ( ).

[ثانيا] عدم التوبة من كبائر الذنوب

أثبتت النصوص الشرعية أن من يدخل النار من الموحدين؛ إنما هو بذنوبهم التي ارتكبوها وماتوا ولم يتوبوا منها توبة نصوحا، كالتعامل بالربا، وبخس الناس حقوقهم، والابتداع في الدين، وإسبال الثياب، والكبر، والكلام الذي يسخط الله عز وجل والكذب على رسول الله وغير ذلك من ذنوب هُدد أصحابها بالنار أو اللعن أو الغضب أو الويل أو شدة العقاب أو تعلق بها حد عياذا بالله ( ).

ومن المعلوم أن الصلوات الخمس ورمضان لا تكفر سوى صغائر الذنوب على رأي لبعض أهل العلم، وأما كبائرها فلا تكفر إلا بالتوبة الصادقة منها.

فعن أبي هريرة أن رسول الله كان يقول (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) ( ).

ويرى علماء آخرون أن الصلوات تكفر جميع الذنوب حتى الكبائر استنادا لما رواه أبو هريرة أن النبي  : قال (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟) قالوا: لا يبقى من درنه شيء،  قال: (فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) ( ).

ومذهب أهل السنة أن صاحب الكبيرة قد يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو ولا يخلد في النار، لذا يجب الحذر من الوقوع في كبائر الذنوب، وضرورة المسارعة إلى التوبة النصوح من كل كبيرة نقع فيها والتي منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- الرياء في الأعمال وعدم الإخلاص فيها

عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله يقول: ( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار)، وفي رواية عند الترمذي أن النبي قال: ( يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ) ( ).

وعنه قال: قال رسول الله : (من تعلم العلم ليباهي به العلماء، ويجاري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله جهنم) ( ).

2- المصورون

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : (تخرج عُنُقٌ من النار يوم القيامة، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين) ( ).

وروى سعيد بن أبي الحسن رحمه الله تعالى قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: ادن مني، فدنا منه، ثم قال: ادن مني، فدنا حتى وضع يده على رأسه، قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ، سمعت رسول الله يقول: (كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم)، وقال: إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر، وما لا نَفْسَ له ( ).

ينبغي الحذر من صنع التماثيل، أو رسم ذوات الأرواح، أو تغيير خلق الله تعالى بالتلاعب في أشكالها عن طريق القص واللصق، التي استهان بها كثير من الناس، واتخذوها وسيلة للتسلية والضحك عبر بعض برامج الكمبيوتر.

3- التكلم بكلام يسخط الله تعالى

عن أبي هريرة عن النبي قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم) ( ).

وروى معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: (لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، ثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل)، قال: ثم تلا تتجافى جنوبهم عن المضاجع، حتى بلغ يعملون، ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟) قلت: بلى يا رسول الله، قال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)، ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟) قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: (كف عليك هذا)، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم)؟ ( ).

4- إيذاء الجيران

روى أبو هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله إن فلانة يُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: (هي في النار)، قال: يا رسول الله فإن فلانة يُذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وإنها تصدق بالأثوار – أي القطع- من الأقط ولا تؤذي جيرانها بلسانها، قال: (هي في الجنة) ( ).

5- جر الثوب خيلاء

عن هبيب الغفاري قال: قال رسول الله (من وطئ على إزاره خيلاء وطئ في نار جهنم) ( )، وروى أبو هريرة عن النبي قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) ( ).

6- الميل إلى الذين ظلموا بمودة ومداهنة ورضا بأعمالهم

قال الله تعالى وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ [هود: 113].

7- منع الزكاة

قال الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ{34} يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ{35} [التوبة: 34-35].

8- الفرار من الزحف

قال الله تعالى وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [لأنفال: 16].

9- تبرج النساء

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صنفان من أهل النار لم أَرَهُمَا، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة الْبُخْتِ المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) ( ).

وعن سليمان بن يسار رحمه الله تعالى مرسلا قال: خير نسائكم الولود الودود المواسية المواتية إذا اتقين الله، وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم ( ).

10- من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله

عن أسامة بن زيد أن النبي قال: ( يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) ( ).

المتأمل في هذا الحديث المليء بالعبر، يجد أناسا في النار يحترقون، والعذاب الذي يعذبون به كافيهم، ومع ذلك فقد اجتمعوا حول هذا الرجل الذي اندلقت أمعائه، مما يدل على بشاعة ذنبه وشدة عذابه، وقد شبه بالحمار، إذ لا غباء أعظم من أن يعرف المرء الحق ويدعو الناس إليه، ثم لا يعمل به، واعلم أن هذا الحوار الذي دار بينهم ليس حوارا هادئا كما يتُصور، وإنما هو مليء بالصراخ والعذاب، فالله عز وجل جعلهم يتحدثون وهم يحترقون تبكيتا لهم واعترافا بذنوبهم، وتأمل أيضا كيف أن الله تبارك وتعالى جمع بين هذا الداعية وبين بعض أتباعه الذين كانوا يستمعون لمواعظه ولكنهم لم يمتثلوا، ليزيدهم فضيحة، فالمعذبون في هذا الحديث صنفان: أناس كانوا يَعلمون الحق ويُعلمونه غيرهم، ولكنهم لم يعملوا به، وأناس كانوا يسمعون العلم والوعظ ولكنهم لم يعملوا بما سمعوا، فمن لم يعمل بعلمه، أو خالف قوله فعله، استحق العذاب المهين.

11- التأخر المستمر عن الصف الأول في الصلاة

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: (لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار) ( ).

قال السبكي رحمه الله تعالى: لعل هذا التغليظ لمن أدَّاه تأخيره عن الصف الأول إلى ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها اهـ ( )، وحدثني فضيلة الشيخ محمد الحسن الدَّدو شارحا هذا الحديث فقال: لعل هذا التأخر هو تأخر من ليس له عذر فيه، وإنما فعله صاحبه رغبة في الدنيا وإيثارا لها على الآخرة اهـ ( ).

12- شرب الخمر

عن جابر أن رجلا قدم من جيشان، وجيشان من اليمن، فسأل النبي عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يُقال له المزر، فقال النبي:  (أو مسكر هو؟ قال: نعم، قال: رسول الله (كل مسكر حرام، إنَّ على الله عز وجل عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: (عرق أهل النار أو عصارة أهل النار) ( ).

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : (من شرب الخمر وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، وإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة)، قالوا: يا رسول الله وما ردغة الخبال؟ قال: (عصارة أهل النار) ( ).

13- الكذب على النبي

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) ( ).

14- الشرب في آنية الذهب والفضة

عن أم سلمة قالت: قال رسول الله : (من شرب في إناء من ذهب أو فضة، فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم) ( ).

15- أكل مال اليتيم

قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء: 10].

16- أخذ أموال الناس بالحلف الكاذب

عن أبي أمامة أن رسول الله قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة)، فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: (وإن قضيبا من أراك) ( ).

17- التفريط في الأمانة والرحم

الأمانة والرحم هما العملان الوحيدان اللذان سيقفان على جنبتي الصراط دون سائر الأعمال، لعظمة أمرهما عند الله تعالى، حيث روى حذيفة قال: قال رسول الله ( ....فيأتون محمدا فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق....) ( ).

ولعل وقوفهما هناك؛ ليثبتا على الصراط من أدى حقهما، ويسقطا من فرط فيهما، لا سيما أنه جاء عن  الجبير بن مطعم عن النبي أنه قال: (لا يدخل الجنة قاطع رحم) ( ).

قال الملا على قاري رحمه الله تعالى: قال التوربشتي: رحمه الله تعالى يريد جنبتي الصراط: ناحيته اليمنى واليسرى، والمعنى أن الأمانة والرحم لعظمة شأنهما وفخامة أمرهما مما يلزم العباد من رعاية حقهما يمثلان هناك للأمين والخائن والواصل والقاطع، فيحاجان عن المحق الذي راعاهما ويشهدان على المبطل الذي أضاعهما ليتميز كل منهما اهـ  ( ).

وقال الطيبي: وإرسال الأمانة والرحم لعظم أمرهما وكبر موقعهما فيصوران شخصين على الصفة التي يريدها الله سبحانه وتعالى، ومعناه: أنهما يقومان ليطلبا كل من يريد الجواز على الصراط بحقهما، فمن وفَّى بحقهما يعاوناه على الجواز على الصراط  وإلا تركاه اهـ ( ).

وروى ابن مسعود موقوفا قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، قال: يُؤتى العبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله، فيقال: أد أمانتك، فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فيُنطلق به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دُفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظن أنه خارج، زَلَّت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عددها، وأشد ذلك الودائع،  قال: يعني زاذان: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود قال: كذا؟ قال: صدق،  أما سمعت الله يقول: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء: 58] ( ).

ومما يؤسف له ما وقع فيه بعض المسلمين من الإخلال بالأمانة في عباداتهم وفي رعايتهم لأبنائهم وأهلهم وفي قيامهم لأعمالهم ووظائفهم بترك الصدق فيها وعدم المحافظة على الالتزام بمواعيدها وترك طاعة ولاة الأمر فيها، فإن كل هذا من الأمانة.

18- بهتان المؤمن

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم ولكن بالحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه؛ أسكنه الله رَدْغَةَ الْخَبَالِ حتى يخرج مما قال وليس بخارج) ( ).

وردغة الخبال هي عصارة أهل النار كما جاء مفسرا في حديث جابر أن رجلا قدم من جيشان وجيشان من اليمن فسأل النبي عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يُقال له: المزر فقال النبي (أو مسكر هو؟) قال: نعم، قال رسول الله : (كل مسكر حرام، إن على الله عز وجل عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الْخَبَالِ)،  قالوا: يا رسول الله وما طينة الْخَبَالِ ؟  قال: (عرق أهل النار أو عصارة أهل النار) ( ).

19- هجر المسلم فوق ثلاثة أيام

فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار) ( ).

20- من يحب قيام الناس له تعظيما

روى أبو مجلز قال: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإني سمعت رسول الله يقول: (من أحب أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار)  ( ).

قال ابن حجر رحمه الله تعالى نقلا عن الْغَزَالِيّ بأن القيام على سبيل الْإِعْظَام مكروه، وعلى سبيل الإكرام لا يكره  ( ).

21- من ادعى ما ليس له

فعن أبي ذر أنه سمع رسول الله يقول: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلا بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه) ( ).

قال النووي رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث تحريم دعوى ما ليس له في كل شيء تَعَلَّقَ به حَقٌّ لغيره أم لا، وفيه أنه لا يحل له أن يأخذ ما حَكَمَ له به الحاكم إذا كان لا يستحق اهـ ( ).

22- سؤال الناس تكثرا

فعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله : (من سأل الناس ليثرى ماله، فإنما هي رضف من النار ملهبة، فمن شاء فليقل ومن شاء فليكثر) ( ).

23- قتل النفس

فعن أبي هريرة عن النبي قال: (لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان يَنْزِعُ في يده، فيقع في حفرة من النار) ( ).

[ثالثا] احتقار صغائر الذنوب

كثير من الناس يتساهلون في صغائر الذنوب، بحجة أنها تكفرها الصلاة والصيام ونحوها من كفارات، والمشكلة لا تكمن في الوقوع في الذنب الصغير فحسب، وإنما في احتقاره والتساهل فيه، والإصرار عليه، وبالتالي عدم الحرص على الاستغفار منه.

روى عبد الله بن مسعود   أن رسول الله قال: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) ( ).

وفي رواية لسهل بن سعد أن رسول الله قال: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) ( ).

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال (يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله عز وجل طالبا) ( )

قال السندي رحمه الله تعالى في قوله (محقرات الذنوب) أي: ما لا يبالي المرء بها من الذنوب، "طالبا" أي: مكلفا، فعرض عليه أن يطلبها فيكتبها، فهي عند الله تعالى عظيمة حيث خص لأجلها ملكا أهـ( ).

ولقد ذكر الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ستة أسباب مما تعظم به الصغائر من الذنوب وذكر منها: أن يستصغر العبد الذنب، فإن الذنب كلما استعظمه العبد في نفسه صغر عند الله تعالى ( ).

ولهذا قال بلال بن سعد رحمه الله تعالى محذرا من احتقار المعاصي: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت ( ).

فالحذر الحذر من احتقار الذنوب مهما دقت، أو الإصرار عليها، فإنها قد تكون أحد أسباب سقوط المرء من الصراط والعياذ بالله.

 الخاتمة

ينبغي الاهتمام بما يتعلق بعلوم الآخرة وما سيواجهه المسلم يوم القيامة من أهوال وكرب، ونشر ذلك بين الناس عبر وسائل الإعلام المختلفة ودروس المساجد والمسابقات الثقافية لكي يستيقظوا من غفلتهم، ويتداركوا أمرهم قبل فوات الأوان.

وإن المرور على الصراط - الجسر الممدود على متن جهنم – يُعد أخطر كرب يوم القيامة، وأن الكلاليب التي عليه؛ إما تخدش أو تخردل أو تخطف الناس بأعمالهم، واتضح من البحث أن أول من يجوز الصراط من الأمم هي أمة محمد لكرامتها عند الله عز وجل، وأول من يجوز من هذه الأمة هو نبينا محمد ، يليه فقراء المهاجرين، وأما آخر الناس مرورا على هذا الصراط فهو الذي يسحب عليه سحبا لكثرة ذنوبه وقلة عمله الصالح.

وإن أهم الوسائل المعينة على الثبات على الصراط وعلى جوازه سالما دون أن تلفحك النار ودون السقوط منه: هي التقرب إلى الله تعالى بكل ما يحبه ويرضاه خصوصا الأعمال التي تم ذكرها في هذا الكتاب، وتجنب كل ما يسخط الله تعالى ويأباه من شهوات محرمة؛ وكبائر ذنوب توعد أصحابها بالنار أو اللعن أو الغضب أو العذاب الأليم.

فالإكثار من الأعمال الصالحة عموما؛ والمنجية من النار والمسرعة على الصراط والكاشفة للظلمة التي عليه خصوصا؛ والمبادرة إلى الاستغفار من كل ذنب نقع فيه خاصة الكبائر؛ هو سبيلنا الوحيد للنجاة من هول هذا الكرب، ومن فرط في ذلك وألهته حياته عن آخرته؛ ولم يأخذ الأمر بالجد، ندم أشد الندم، ولات ساعة مندم عند اشتداد الكرب وركوب الصعاب، قال الله تعالى إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً [النساء: 31].

لقد كان الصالحون يعيشون همَّ هذا الصراط، ويجعلونه نصب أعينهم في كل تصرفاتهم، فزكت نفوسهم، وقلت ذنوبهم، وكثرت حسناتهم، فهل نحذو حذوهم؟

شتم رجلٌ الربيع بن خيثم رحمه الله تعالى فرد عليه قائلا: يا هذا، قد سمع الله كلامك، وإن دون الجنة عقبة، إن قطعتُها لم يضرني ما تقول، وإن لم أقطعُها فأنا شرٌ مما تقول ( ).

فليكن حالك أيها الموفق كحال أبي الدرداء حين قال: سمعت رسول الله يقول: (إن أمامكم عقبة كؤود لا يجوزها المثقلون)، فأحب أن أتخفف لتلك العقبة ( ).

ولا يكن حالك كحال خالد الورَّاق رحمه الله تعالى الذي كان جاهلا بكرب الصراط وغافلا عنه حيث حكى عن نفسه قائلا: كانت لي جارية شديدة الاجتهاد، فدخلت عليها يوما فأخبرتها برفق الله وقبوله يسير العمل، فبكت ثم قالت: إني لأؤمل من الله تعالى آمالا لو حَمَلَتْهَا الجبال لأشفقتْ من حملها كما ضَعُفَتْ عن حمل الأمانة، وإني لأعلم أن في كرم الله مُستغاثا لكل مذنب، ولكن كيف لي بحسرة السِّبَاق؟ قال: قلت: وما حَسرة السباق؟ قالت: غَداة الحشر إذا بُعثر ما في القبور، ورَكِبَ الأبرار نجائب الأعمال فاستَبَقوا إلى الصراط، وَعِزَّةِ سيدي ( ) لا يَسبق مقصِّر مجتهدا أبدا، ولو حبا المُجِّد حَبْواً، أم كيف لي بموت الحزن والكمد إذا رأيت القوم يتراكضون وقد رُفعت أعلام المحسنين، وجاز الصراط المشتاقون ووصل إلى الله المُحِّبون، وخُلِّفْتُ مع المسيئين المذنبين؟ ثم بكت وقالت: يا خالد: أنظر لا يقطعك قاطع عن سرعة المبادرة بالأعمال، فإنه ليس بين الدارين دار يُدرِك فيها الخُدَّام ما فاتهَم من الخدمة، فويل لمن قصَّر عن خدمة سيده، ومعه الآمال، فهلا كانت الأعمال توقظه إذا نام البطَّالون ( ) ؟

علِّم غيرك كل الفضائل التي قرأتها في هذا الكتاب، وانشرها بين الناس، فذلك أحد الوسائل الأخرى التي ستنجيك من كرب الإحراق على الصراط، وتنير لك طريقه المظلم بإذن الله تعالى، إذ الدال على الخير كفاعله.

أسال الله العظيم رب العرش الكريم، أن ينجينا جميعا من كُرب يوم القيامة عامة، ومن كَرب الصراط خاصة، وأن يدخلنا مدخلا كريما، وأن لا يعاملنا بما نحن أهله، وأن يعاملنا بما هو أهله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة، إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على الشفيع الحبيب، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

                                                                                وكتبه: أبو عمر

                                                                                5/5/1427هـ

                                                                             الأحساء: ص. ب. 1153

التصانيف العلمية: