المفيد على كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد

نبذة مختصرة

المفيد على كتاب التوحيد : قال الشارح - أثابه الله - « ألَّف الشيخ - رحمه الله - هذا الكتاب - كتاب التوحيد -؛ لبيان حقيقة التوحيد وشُعَبه وفضائله، وحقوقه ومكملاته، وما يحصل به تحقيقه، ووجوب الدعوة إليه، والتنبيه على حقيقة الشرك وأنواعه كالأكبر والأصغر، والجلي والخفي، وبيان شُعَبـِه وخصاله وخطره، ووجوب الحذر منه كله، قليله وكثيره، دقيقه وجليله وذرائعه، والتنبيه على ذرائعه من البدع وأمور الجاهلية وكبائر الذنوب وغير ذلك من المحرمات التي تنافي التوحيد بالكلية، أو تنقص كماله الواجب، أو تقدح فيه وتضعفه.
لذا فهذا الكتاب كتاب عظيم النفع، جليل القدر، غزير العلم، مبارك الأثر، لا يُعلم أنه سبق أن صُنِّف مثله في معناه رغم صغر حجمه؛ لكثرة فوائده وحسن تأثيره على متعلِّميه، فينبغي حفظه وفهمه، والعناية بدراسته، وتأمّل ما فيه من الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحات، والآثار المروية عن السلف الصالح؛ لما فيها من العلم النافع والترغيب في العمل الصالح والهدى المستقيم، والدلالة على توحيد الله تعالى والإخلاص لـه، والتنبيه على بطلان الشرك والبدع وسائر ما حرّم الله تعالى من أنواع ذلك وفروعه ووسائله وما يُوصل إليه ».

تنزيــل

تفاصيل

 المفيد على كتاب التوحيد

عبد الله بن صالح القصير

 تمهيد

أولاً: كان المشركون في الجاهلية يعبدون مع الله تعالى آلهة متعددة كالأشجار والأحجار والقبور والكواكب وغيرها من الأوثان والجن والصالحين والملائكة  وغير ذلك من معبوداتهم التي يعبدونها من دون الله، وقد يجعلون لبعضها تماثيل يعظمونها، ويعكفون عندها رجاء بركتها ونفعها، فبعث الله نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم -  فأرشد الناس إلى توحيد الله وأنكر عليهم الشرك به، وعلّمهم ما يجب عليهم من توحيد الله والإخلاص له والاستقامة على دينه والتأسي برسوله - صلى الله عليه وسلم -، فهدى الله على يديه - وعلى يد أصحابه من بعده ومن تبعهم من دعاة الهدى - من شاء من عباده، فدخل الناس في دين الله أفواجاً، وظهر دين الله تعالى وعلت كلمته، فكانت كلمة الله سبحانه هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى حتى أيس الشيطان أن يعبده المصلون في جزيرة العرب.

ومع البعد من زمن الرسالة ونسيان حظٍ من العلم والاشتغال بزينة الحياة الدنيا، والتقصير في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتعطيل السنن من ذوى الأهواء والشهوات والترف وجور الحكام، ونشاط علماء السوء وعبَّاد السوء، ظهرت المعاصي ثم البدع ثم الشرك حتى اتبّع فئام من الأمة المشركين، وركب طوائف منهم سنن اليهود والنصارى حتى ظهر الشرك بأسباب الجهل والغلو في الصالحين وشبهات المشبهين، فعُبــِدَت القبور، وتعلق الناس بالموتى والجن والصالحين واتخذوهم آلهة من دون الله، وظهر كثير من دين الجاهلية في المجتمعات الإسلامية.

ووقع في نجد والجزيرة العربية كثير من المظاهر الشركية لا سيما في القرون المتأخرة كالقرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر، حتى يسَّر الله تعالى من جدّد لهذه الأمة أمر دينها في كثير من الأمصار وخاصة الجزيرة العربية وبلاد الحرمين، وهو الشيخ الإمام  المصلح الشيخ محمد ابن عبد الوهاب بن على بن سليمان التميمي النجدي الحنبلي السلفي رحمه الله رحمة واسعة.

ثانياً: وُلد هذا الإمام العظيم عام خمسة عشر ومائة وألف للهجرة، فتعلم القرآن وتفقه في الدين وأخذ علوم الشرع وآلاتها عن علماء زمانه في نجد والحرمين والبصرة وغيرها، وعُنيَ بالحديث وعقيدة السلف الصالح، ففتح الله بصيرته، فرأى ما عليه الناس في زمانه من ارتكاب كبائر المعاصي والبدع والكفر والشرك بعبادة الصالحين والأوثان، فشرح الله صدره للدعوة إلى الله تعالى، وهداية الناس إلى ما كان عليه السلف الصالح من العلم النافع والاعتقاد الصحيح والعمل الصالح والخلق الحميد، فدعا إلى ذلك، وعلَّم متبعيه، وألَّف فيه الرسائل المفيدة والكتب النافعة، ومن أشهرها هذا الكتاب «كتا ب التوحيد» الذي نحن بصدد ذكر فوائد متعلقة بتراجم ونصوص أبوابه، وساعده على ذلك من ساعده من تلاميذه وأولاده وأحفـادهم وغيرهم ممن أخذ عنه العلم، وأيَّدهم الله بالإمام محمد بن سعود والأمراء من أبنائه - رحم الله الجميع-، الذي ناصره وأعانه بسياسته وأسرته وجاهه وأعوانه حتى نصر الله تعالى بهم الحقّ، وأظهر بهم دينه مرة أخرى، وأعلى كلمته حتى عمت الدعوة أرجاء الجزيرة العربية وما جاورها، فعمرت المساجد بالدروس وبيان الحق، وأقيم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وعُيِّنَ القضاة، وحُكِم بالشريعة، وظهر مذهب السلف الصالح، وطهّر الله ُ البلاد من أرجاس الشرك ومعالم الوثنية، رحمهم الله وجزاهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء.

ثالثاً: ألَّف الشيخ - رحمه الله - هذا الكتاب «كتاب التوحيد»   لبيان حقيقة التوحيد وشُعَبه وفضائله، وحقوقه ومكملاته ، وما يحصل به تحقيقه، ووجوب الدعوة إليه، والتنبيه على حقيقة الشرك وأنواعه كالأكبر والأصغر، والجلي والخفي، وبيان شُعَبـِه وخصاله وخطره، ووجوب الحذر منه كله، قليله وكثيره، دقيقه وجليله وذرائعه، والتنبيه على ذرائعه من البدع وأمور الجاهلية وكبائر الذنوب وغير ذلك من المحرمات التي تنافي التوحيد بالكلية، أو تنقص كماله الواجب، أو تقدح فيه وتضعفه.

رابعاً: هذا الكتاب كتاب عظيم النفع، جليل القدر، غزير العلم، مبارك الأثر، لا يُعلم أنه سبق أن صُنِّف مثله في معناه رغم صغر حجمه؛ لكثرة فوائده وحسن تأثيره على متعلِّميه( )، فينبغي حفظه وفهمه، والعناية بدراسته، وتأمّل ما فيه من الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحات، والآثار المروية عن السلف الصالح ؛ لما فيها من العلم النافع والترغيب في العمل الصالح والهدى المستقيم، والدلالة على توحيد الله تعالى والإخلاص لـه، والتنبيه على بطلان الشرك والبدع وسائر ما حرّم الله تعالى من أنواع ذلك وفروعه ووسائله وما يُوصل إليه.

*   *   *

بسم الله الرحمن الرحيم

 كتاب التوحيد

وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. وقولـه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾  الآيات [الإسراء: 23]. وقولـه: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36]. وقولـه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151] الآيات.

قال ابن مسعود: «من أراد أن ينظر إلى وصية محمّد - صلى الله عليه وسلم - التي عليها خاتَمُه فليقرأ قولـه تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا - إلى قولـه - وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآية [الأنعام: 151-153].

وعن معاذ بن جبل ر قال: كنتُ رديفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على حمار، فقال لي: «يا معاذ، أتدري ما حقُّ الله على العباد، وما حقُّ العباد على الله؟».

فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقُّ اللهِ على العبادِ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحقُّ العبادِ على اللهِ أن لا يعذِّبَ من لا يُشرك به شيئاً». قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: «لا تبشِّرهم فيتّكلوا» أخرجاه في الصحيحين.

 الفوائد على الباب:

الأولى: ابتدأ الشيخ - رحمه الله - بالبسملة كما هي عادة المصنفين اتباعاً لكتاب الله تعالى، فإنه مبدوء بها، وتأسياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث كان يفتتح بالبسملة كتبه إلى عماله ورسائله إلى ملوك زمانه، وطلباً للبركة ؛ لحديث: «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر» أي مقطوع البركة، وقد حسن إسناد الحديث جماعة من أهل العلم كابن الصلاح والنووي وغيرهما، ويعضده كون القرآن مفتتحاً بها، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح رسائله بها.

الثانية: استهَلَّ الشيخ - رحمه الله تعالى- كتابه بعد البسملة بقوله: «كتاب التوحيـد» واستغنى بهذا العنوان عن المقدمة - أي خطبة الكتاب –( ) لأن هذا العنوان يدل على مقصود الكتاب من أولـه إلى آخره، فإنه اشتمل على بيان توحيد الإلهية والعبادة - الذي هو المقصود الأعظم من تأليف هذا الكتاب.

الثالثة: التوحيد لغة:

مصدر وَحَّدَ يُوَحِّدُ تَوحِيدَاً، أي جعله واحداً أي فرداً، فمعنى وحَّـد الله – أفرده – أي قال معتقداً: إنه واحدٌ أحَدٌ، أو قال: لا إله إلا الله، والواحـد والأحد وصفٌ لاسم البارئ تعالى واختصاصه بالآحادية.

وأما التوحيد شرعاً:

فهو توحيد الله تعالى، أي إفراده فيما يختص به.

والتوحيد المطلق هو العلم والاعتراف بتفرد الرب تبارك وتعالى بأفعال الربوبية والملك من الخلق والرزق وتدبير أمر الخلق والملك، وإفراده سبحانه بما ثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال، والإقرار بتوحّده بنعوت العظمة والجلال، وإفراده سبحانه بالعبادة بإخلاصها كلها له، وتنزيهه عن أن يكون له شريك في ملكه، أو فعله أو عبادته، أو سميٌّ يساميه في أسمائه الحسنى، أو مثيل له في ذاته وصفاته، والبراءة من الشرك وأهله.

الرابعة: لم يترجم الشيخ ـ رحمه الله ـ لهذا الباب بترجمة ـ أي لم يجعل لـه عنواناً كبقية الأبواب ـ ولكن مقصوده ظاهر من النصوص التي أوردها فيه، وهو أن مراده: بيان أن التوحيد هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، وأنه أعظم واجب على الثقلين: الجن والإنس ؛ لأنهم خُلقوا ورُزقوا من أجله، وبُعثت به الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم – إلى جميع الأمم لدعوتها إليه، وهو الذي شرعه الله ووصى به عباده ونهاهم عن ضده – الذي هو الشرك أعظم المحرمات – فتضمن ذلك أن التوحيد أوجب الواجبات، وهو حق الله على عباده، وأعظم منجٍ من عقابه وموصلٍ إلى ثوابه.

الخامسة: دلّ الاستقراء والتتبّع لنصوص الكتاب والسنة وكلام وعمل السلف الصالح على أن التوحيد أقسامٌ ثلاثةٌ هي:

الأول: توحيد الله فـي أسمائه وصفاته:

وهو اعتقاد تفرّد الربّ – جلَّ جلاله – بالكمال المطلق من جميع الوجوه وبكل الاعتبارات بنعوت العظمة والجلال وأوصاف الجمال والكمال التي لا يشاركه فيها أحد بوجه من الوجوه، وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه فـي كلامه، وأثبته لـه نبيه - صلى الله عليه وسلم - فـي سنته من جميع الأسماء والصفات، ومعانيها وأحكامها الواردة فـي الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمة الله وجلاله، من غير نفي لشيء منها، أو تعطيله سبحانه من شيء منها، أو تفسير لها بغير معانيها، أو تمثيل أحد من الخلق بها، ونفي ما نفاه سبحانه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - من النقائص والعيوب ومما ثلة الخلق، وعن كل ما ينافي كماله الواجب.

الثاني: توحيد الله فـي ربوبيته وأفعاله:

وذلك باعتقاد أن الله وحده هو الرب المتفرد بالخلق والرزق، والملك والتدبير، والإحياء والإماتة، وأنه الذي ربَّى جميع الخلق بالنعم، وربَّى خواص خلقه وهم الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – وأتباعهم على دينهم، وهداهم بالعلوم النافعة والعقائد الصحيحة والأعمال الصالحة والأخلاق الجميلة، وهذه هـي التربية النافعة للقلوب والأرواح، المثمرة للسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.

الثالث: توحيد الإلهية ويسمى توحيد العبادة لأنه إفراد الله تعالى بأفعال عباده:

وهو العلم والاعتراف بأن الله وحده ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، أي أنه الإله الحق المعبود بالحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له ولا يستحقها أحد سواه، وتحقيق ذلك بإخلاص العبادات كلها لله، من نيات القلوب، وأقوال الألسن، وأعمال الجوارح، بحيث تؤدى هذه الأمور على وفق الشرع خالصة لله تعالى مقصوداً بها وجهه، تحقيقاً لطاعته وطلباً للزلفى لديه، رغبة في ثوابه، وحذراً من عقابه.

السادسة: كما أنَّ توحيد الربوبية والأسماء والصفات يدلان على توحيد الألوهية ويتضمنانه، فإن توحيد الألوهية يستلزم توحيد الربوبية والأسماء والصفات ويتضمنهما ؛ لأن الألوهية هي صفة تعم أوصاف الكمال وجميع أوصاف الربوبية والعظمة، فإن الله سبحانه هو المألوه المعبود لما لـه من أوصاف العظمة والجلال، ولما أسداه إلى خلقه من أنواع اللطف والفواضل والأفضال، فتوحّده سبحانه وتعالى بصفات الكمال وتفرده بالربوبية يلزم منه ألا يستحق أحد سواه شيئاً من العبادة بل هو وحده المستحق للعبادة وحده لا شريك لـه دون غيره كائناً من كان، فواجب على جميع المكلفين أن يقصدوه في الحاجات وبصالح الدعوات، وأن يخلصوا لـه العبادة في سائر الأحوال والأوقات، وأن يكفروا بكل معبود من دونه أو معه، ويتبرؤوا من الشرك وأهله.

السابعة: ولما كان توحيد الله في إلهيته وعبادته هو أعظم مهمات الرسالات الإلهية وخلاصة الكتب السماوية، وهو أصل أصول الدين وأعظم واجب على المكلفين وأساس السعادة في الدارين، وقد ضلَّ عنه كثير من العالمين المتقدمين منهم والمتأخرين، فوقعوا في دين المشركين وتركوا توحيد ربّ العالمين ؛ اعتنى الشيخ - رحمه الله – في تعريفه وتقريره وبيانه، ونصح الأمة بشأنه، فأقام دعوته عليه، وألَّفَ هذا الكتاب المبارك لإيضاحه والتحذير من الشرك الذي ينافيه ويبطله، فرحمه الله رحمة واسعة.

* * *

2- باب

  فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب

وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ الآية [الأنعام: 82].

عن عُبادة بن الصامت ر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من شهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك لـه، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأنَّ الجنةَ حقٌّ والنَّار حقٌّ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». أخرجاه.

ولهما في حديث عِتبان: «فإن الله حرَّم على النار من قال: لا إله إلاّ الله يبتغي بذلك وجه الله».

وعن أبي سعيد الخدري ر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال موسى: يا ربِّ، علِّمني شيئاً أذكُرُكَ وأدعُوكَ به. قال: قلْ يا موسى: لا إله إلاَّ الله. قال: كلُّ عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أنَّ السموات السبع وعامرهُنَّ - غيري - والأرضين السبع في كِفَّةٍ، ولا إله إلاّ الله في كِفَّة، مالتْ بهن لا إله إلاّ الله». رواه ابن حبان والحاكم وصححه.

وللترمذي وحسَّنه عن أنس: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشركُ بي شيئاً لأتيتُك بقُرابها مغفرة».

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الفوائد على الباب:

الأولـى: أراد الشيخ - رحمه الله تعالى - أن يبيِّن في هذا الباب شيئاً من فضائل التوحيد وأنه أعظم الأعمال في تكفير الذنوب لأنه أساس الأعمال وأصلها، والأعمال لا تصح إلا بعد وجوده.

وذكر رحمه الله في الباب من النصوص جملة من فضائل التوحيد ليعرف المؤمن ذلك ويكون أكثر إقبالاً عليه وتشوقاً إليه وتحقيقاً لـه، وحذراً مما ينافيه أو ينقص كماله الواجب.

الثانية: إذا سَلِمَ المؤمن من الشرك الأكبر والأصغر وظُلمِ العباد فاز بالأمن التام والهداية التامة في الدنيا والآخرة.

أما إذا سَلِم من الشرك الأكبر ولم يسلَم من الأصغر وظُلم العباد فإنه يفوته من الأمن التام والهداية بحسب ذلك، فلا يحصل له كمال ذلك، وإن حصل له أصل الأمن والهداية.

الثالثة: من شهد لله تعـالى بالتوحيد، ولنبيه - صلى الله عليه وسلم - بالعبــودية والرســالة، ولعيسى - عليه والسلام - بما أخبر الله به عنه، وشهد أن الجنة حقّ، والنار حقّ، شهادةً جازمةً تتضمن حب الله تعالى والإخلاص لـه، والانقياد لشرعه، عن قبول وصدق واتّباع للنبي - صلى الله عليه وسلم - وطاعته، دخل الجنة لأول وهلة، إذا لقي الله تائباً منيباً قد أدى ما عليه.

الرابعـة: الرسول - صلى الله عليه وسلم - عَبْدٌ مربوبٌ لله تعالى تلحقه جميع خصائص البشرية، فليس لـه من خصائص الإلهية شيءٌ، فلا يجوز الغلو فيه وإعطاؤه شيئاً من حق الله تعالى من دعاء، أو استغاثة، أو غير ذلك مما هو من حق الله جلّ وعلا، إلا أنّ الله تعالى جَبَله على محاسن الأخلاق وعصمه من مساوئها، وبعثه متمماً لمكارم الأخلاق، وأوحى إليه بشرعه، وبعثه بالهدى ودين الحق، فهو بشر مثلنا إلا أنه يوحى إليه، فاصطفاه برسالته، واجتباه من بين سائر خلقه ليكون خاتماً لأنبيائه ورسله وأعظم شفيع بين يديه - سبحانه -.

الخامسة: من مقتضى «شهادة أن محمداً عبد الله ورسولــه» اتّباعه وتعظيم أوامره ونواهيه ولزوم سنته، والبراءة ممن أفرط بالغلو فيه قولاً أو فعلاً حتى جوزوا الاستعانة به في جميع ما يُستغاث بالله فيه، أو فرّط بترك سنته والرضا بالقوانين الباطلة والأوضاع الجاهلية، فشهادة هذين الصنفين ناقصة بحسب ما معهم من تلك الأمور.

السادسة: من فوائد الشهادة بأن عيسى عبد الله ورسوله ؛ البراءة من سوء اعتقاد اليهود فيه وغلو النصارى فيه، فإن اليهود كذّبوه واتهموا أُمَّه بما برأها الله منه، والنصارى جعلوه إلهاً مع الله وقالوا هو الله، أو ابنه، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

السابعة: سُمي عيسى كلمةً لوجوده بتلك الكلمة «كن»، فإن الله قـال لـه «كن» فكان، فليس هو كلمة «كن» ولكـن كان بها، إن «كن» من الله قـولاً وليست خلقاً، فهي من كلام الله الذي يُضاف إليه إضافة الصفة إلى موصوفها.

وسُمي عيسى – عليه السلام – «روح الله» لأنه من جملة الأرواح التي خلقها الله واستنطقها، فإضافتها إلى الله من إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفاً له، ووصف عيسى بأنه منه أي كائن منه أي هو سبحانه مكون ذلك بقدرته وحكمته.

الثامنة: ضلَّ في المسيح - عليه السلام - طائفتان:

أ- فاليهود كذّبوه ونفوا نبوته ورسالته وقالوا فيه وفي أُمِّه - عليهما السلام - العظائم، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه فباؤوا بإثم ذلك ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾  [النساء:157-158].

ب- والنصارى غلوا فيه وزعموا أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، وجعلوه إلهاً مع الله فقالوا: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 17] فعبدوه مع الله وكذبوا وكفروا بذلك وتبرأ المسيح من مقالاتهم الباطلة.

جـ- ووفّق الله أهل العلم والإيمان فقالوا: إنه عبد الله ورسوله، وأن أُمّه صدِّيقة وأنها أحصنت فرجها ولكن الله تعالى خلقه منها بلا زوج آيةً من آياته، ومَثَله عند الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59].

التاسعة: المضاف إلى الله تعالى نوعان:

أ- أعيان قائمة بنفسها لا تقوم بغيرها، فإضافتها إلى الله تعالى إضافة خلق من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، إما على سبيل عموم الخلق كقولــه تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [الجاثية:13] أو علـى سبيل الخصوص إظهاراً لشرفه كالناقة في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:13]، والبيت كقولـه تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:26]، والروح كقولـه تعالى في المسيح: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، وكما في الحديث: «عبدالله ورسـوله»، وقولـه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:19].

ب- معاني لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بغيرها فإضافتها إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى موصوفها كقوله تعالى: ﴿كَلامَ اللَّهِ﴾  [التوبة:6] فهو إضافة صفة إلى موصوفها، وقد اجتمع القسمان في قولـه تعالى في عيسى عليه السلام: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:171].

العاشرة: دخول من شهد تلك الشهادات الجنة على أحد ثلاثة تقادير:

* إما أن يلقى الله سالماً من جميع الذنوب الكبائر ـ دون الشرك ـ، والصغائر، أو بشيء منها، لكن يغفرها الله لـه فيدخله الله الجنة لأول وهلة.

* أو أن يلقى الله وهو مصرٌّ على كبيرة أو ذنب، وهو بين أمرين:

- إما أن يعفو عنه فيدخل الجنة.

- أو يلقاه مصراً على ذنوبه فيجازيه بجرمه فيعاقبه الله قبل دخول النار، أو يدخله النار ليطهره من رجسه ثم يخرجه منها، ثم يدخله الجنة، ففيه فضل التوحيد، وأنّ من مات على التوحيد فمصيره إلى الجنة بكل حال.

الحادية عشرة: رجحان «لا إله إلا الله» بالسموات والأرض دليل على عظم شأنها ؛ لـما اشتملت عليه من نفي الشرك وتوحيد الله الذي هو أفضل الأعمال وأساس المِلّة، ولما يجتمع لقائلها من الذكر والدعاء وما يحصل له من تكفير الذنوب والخطايا، فمن قالها بإخلاص ويقين وعمل بمقتضاها ولوازمها وحقوقها واستقام على ذلك، وسَلِمَ مما يضادها وينافيها، دخل الجنة، فإنها حسنة لا يوازنها شيء.

الثانية عشرة: خبر «لا» في قولنا «لا إله إلاّ الله» محذوف تقديره:

1- عند أهل السنة «حق» فيدل على بطلان إلهية كل من سوى الله تعالى، فإن تأليه الأصنام والأوثان ونحوها وعبادة تلك الآلهة بغير حق، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ﴾ [الحج:62].

2- أما عند الأشاعرة ونحوهم من أهل الكلام فأخطأوا في تقدير المحذوف فقدروه بـ «لا خالق أو لا ربّ إلا الله» فعلى هذا فمن أقرَّ بربوبية الله تعالى فهو موحّد، ولو لم يقرّ بإلهيته، وهذا خطأ ؛ لأن المشركين أقروا لله بذلك ولم يدخلهم الله في الإسلام.

3- أما الفلاسفة وأهل وحدة الوجود فقدّروه بـ «موجود»، فمن أثبت وجود الله فهو موحد، ويلزم من كلامهم أن لا يكاد يوجد مشرك؛ لأن الكل مقرون بوجود الله.

الثالثة عشرة: ابتغاء وجه الله تعالى هو الإخلاص لـه، والإخلاص الكامل إما أن يحول بين صاحبه وبين ارتكاب المعاصي وإما أن يحمله على المبادرة بالتوبة قبل الموت وهذا هو الذي يحرّم على النار كما في حديث عتبان فيدخل الجنة مع أول الداخلين.

وأما إن مات على المعاصي فإن غفر الله لـه فذاك وإلا فقد دلَّت النصوص على أن مَن مات على المعاصي من أهل التوحيد فهم معرضون للوعيد والعذاب، وأنهم قد يدخلون النار ثم إذا طهروا فيها خرجوا بشفاعة النبيين والصالحين، أو رحمة أرحم الراحمين.

فإذا لقيَ العبدُ ربَّه تعالى بشيء من المعاصي فإن لم يعفُ الله عنه، ولم يطهر من رجسه في الدنيا ولا في القبر، فإنه لابد أن يمحص في النار ويعذّب فيها ثم مصيره إلى الجنة، فالعاصي تحت مشيئة الله فإما يُعذَّبه، أو يعفو عنه، ثم يدخل الجنة.

الرابعة عشرة: دلَّ حديث عتبان أنه لا ينبغي أن يُظن السوء بمسلم ظاهره العدالة، ولو ظنَّ بمن هذه حاله سوءاً فإن الواجب ألا يقول فيه ولا يعامله إلاّ بما يقتضيه الشرع ؛ فإن الله تعالى عفا للأُمة ما حدّثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل، وأيضاً فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للذي قال في مالك بن الدخشم إنه منافق ! لا تقل هكذا، أليس يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله. فقالوا: نعم. قال: «فإن الله حرّم على النَّـار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله».

الخامسة عشرة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «إنّ المبتغي - يعني لوجه الله - لابد أن يكمل وسائل البغية، وإذا أكملها حُرّمت عليه النار تحريمــاً مطلقاً، فإذا أتى بالحسنات على الوجـــه الأكمل، - يعني واجتنب السيئات - وتاب عما ارتكب منها توبة نصوحاً، فإن النار تحرم عليه تحريماً مطلقاً وإن أتى بشيء ناقص، فإن الابتغاء فيه نقص فيكون تحريم النار عليه فيه نقص لكن يمنعه التوحيد من الخلود فيها».

السادسة عشرة: كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» ذكر وثناء ودعاء، وهكذا كل الأذكار فإن الدعاء نوعان:

الأول: دعاء ثناء، كقول: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ونحوه من الثناء ؛ لأن المثني يطلب ثواب ربه.

الثاني: دعاء مسألة، كقول: ربي اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني وعافني ونحو ذلك من الحاجات التي يطلبها العبد من ربه.

والمثني داعٍ لأنه يطلب ثواب ثنائه، والداعي مثنٍ ؛ لأنه لم يسأل ربه إلا لثقته بغناه وسمعه وقوته وقدرته ونحو ذلك من صفات كماله ونعوت جلاله.       

وكلاهما ـ دعاء الثناء ودعاء المسألة ـ ذكر وعبادة لله تعالى.

السابعة عشرة: كلمة «لا إله إلا الله» كلمة عظيمة لأنها تحقق العبادة وتثبتها لله وحده وتنفيها عن غيره فإن معناها: لا معبود بحقّ إلا الله، ففيها إبطال جميع الآلهة دون الله، فهي أحق كلمة وأصدق شهادة، وهي إنما رجحت بمعانيها وحقائقها ومقتضياتها لا بلفظها من غير ذلك، وكما رجحت هذه الكلمة بالمخلوقات فإنها ترجح بمن قالها على جميع خطاياه وذنوبه.

الثامنة عشرة: قد اغتر بعض الجهلة بمثل إطلاقات هذه النصوص، فظنوا أن مجرد قول «لا إله إلا الله» على اللسان يكفي في نجاة القائل وإن ترك الواجبات وفعل المحرمات، بل لو دعا غير الله، وهــذا الظن مخالف لما دلّت عليه النصوص ؛ ولما أجمع عليه السلف من أنه لابد مع قول هذه الكلمة من السلامة من الشرك الأكبر، وأداء ما يُستطاع من الواجبات وترك المنهيات، وإلا فإنه على خطر ـ إن لم يتب ـ من العقوبة، وإن أشرك لم تنفعه تلك الشهادة ؛ لأنه قالها لفظاً ونقضها فعلاً أو ناقضها اعتقاداً وعملاً.

التاسعة عشرة: موسى - عليه السلام - يعلم أن كلمة «لا إله إلا الله» كلمة عظيمة ولكن أراد شيئاً يختص به ؛ لما في التخصيص من مزيد الفضل والرفعة، فبيَّنَ الله تعالى لــه أنه مهما أعطي فلن يُعطى أفضل من هذه الكلمـة ؛ لما ذكر الله من شأنها في الحديث.

العشرون: فضل التوحيد هو آثاره الحميدة وثمراته الطيبة وعواقبه المباركة على أهله في العاجل والآجل، فإن التوحيد جامع للفضائل، فإن خيري الدنيا والآخرة من ثمرات هذا التوحيد وفضائله.

الحادية والعشرون: من فضائل التوحيد:

1- أنه السبب الأعظم لتفريج الكربات في الدنيا والآخرة ودفع عقوباتها.

2- أنه إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل يمنع الخلود في النار، وإذا كمل يمنع دخول النار بالكلية.

3- ومن فضائل التوحيد أنه سبب للأمن والاهتداء:

أ‌-       فالأمن من الزيغ وسوء الخاتمة والضلال عند فتنة القبر والعذاب والخلود في النار.

ب‌-     والاهتداء إلى الحق في العقائد والمسائل، والاهتداء إلى الصراط المستقيم، والاهتداء إلى الجنة ودخولها، وحظه من ذلك بحسب حظه من تكميل التوحيد.

4- أنه السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه، وأن أسعد الناس بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - من قال لا إله الله خالصاً من قلبه.

5- أنه يُسهّل على العبد فعل الخيرات وترك المنكرات ويسلّي صاحبه عند المصائب لطمعه في رضوان ربه وثوابه وخشيته من سخطه وعقابه. 

6- أن الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وكمالها، وترتب الثواب عليها على التوحيد، وكلما كمل وقوي كمُلت هذه الأمور وقويت وتمّت.     

7- أنه من أعظم أسباب تحبيب الله تعالى الإيمان لصاحبه وتكميله وتزيينه في قلبه، وأن يكرِّه إليه الفسوق والعصيان وأن يجعله من الراشدين.

8- ومن أعظم فضائله أنه يحرر العبد من منّة الخَلق والتعلّق بهم ورجائهم وخوفهم الذي يجعله يعمل أو يترك من أجلهم بل يجعله يتعلق بربه ويعتمد عليه وحده ويكون مع ذلك متألِّهاً لا يرجو سواه ولا يخشى غيره، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه.

9- ومن فضائله أن الله تكفَّل لأهله بالنصر المبين على الأعداء والهداية والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال والتسديد في الأحوال والأقوال، وأن يصرف عنهم شرور الدنيا والآخرة ويمُنَّ عليه بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه.

* * *

 3- باب من حقَّقَ التوحيد دخل الجنة بغير حساب

وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120].

وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: 59].

عن حصين بن عبدالرحمن قال: كنت عند سعيد بن جُبير فقال: أيُّكم رأى الكوكبَ الذي انقضَّ البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلتُ: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لُدِغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدّثكم؟ قلت: حدثنا عن بُريدة بن الحصيب أنه قال: لا رُقية إلا من عين أو حُمة. قال: قد أحسن مَن انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عُرضت عليَّ الأمم، فرأيتُ النبيَّ ومعه الرهط، والنبي ومع الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رُفع لي سوادٌ عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرتُ فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أُمّتُك ومعهم سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». ثم نهض فدخل منزلـه، فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال بعضهم: فلَعلَّهُم الذين وُلدوا في الإسلام فلم يُشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء. فخرج عليهم فقام عُكَّاشة بن مِحصَن فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: «أنت منهم». ثم قام رجلٌ آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عُكاشة».

 الفوائد على الباب:

الأولـى: تحقيق التوحيد تنقيته وتصفيته وتهذيبه من شوائب الشرك الأكبر والأصغر والبدع وكبائر الذنوب، وذلك بكمال الإخلاص لله تعالى في الأقوال والأفعال والإرادات، والسلامة من الشرك الأكبر المناقض للتوحيد والأصغر الناقص لكماله الواجب وترك الإصرار على الكبائر والاستهانة بالصغائر، وهذا الباب كالمتمم لما قبله وهذا الفضل يسعى إليه كل عاقل.

الثانية: من حقق التوحيد بأن امتلأ قلبه من الإيمان والتوحيد والإخلاص لله تعالى، وصدّقته الأعمال بأن انقادت الجوارح لأوامر الله طائعة، منيبة مخبتة لله تعالى، ولم يجرح ذلك بالإصرار على شيء من المعاصي، فهذا الذي يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.

الثالثة: لتحقيقه دلالات منها: كمال القنوت لله وقوة التوكل على الله بحيث لا يلتفت القلب إلى المخلوقين في شأن من شؤونه، ولا يستشرف إليهم بقلبه ولا يسألهم بلسان مقاله أو حاله، ومجانبة أهل الشرك ومباينتهم وعداوتهم وبغضهم، والشكر لنعمة الله تعالى، والصبر على بلائه.

الرابعة: تحقيق شهادة أن لا إله إلاّ الله بأن لا تجعل مع الله إلهاً آخر، فلا تسوي بالخالق أحداً من المخلوقين لا في محبة ولا رجاء ولا خشية، فمن سوى بين المخلوق والخالق في شيءٍ من خصائصه التي لا تنبغي إلا لـه كان من المشركين الذين هم بربهم يعدلون.

الخامسة: مما يعين على تحقيق التوحيد أمور:

الأول: العلم به، وهو معرفة حقيقة التوحيد وكيفية تحقيقه وفضله قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَُ﴾ [محمد: 19].

الثاني: اعتقاده، فإنه لا يكفي العلم دون اعتقاد، وأعمال القلوب كالمحبة والرغبة والرهبة والخوف والخشية والإنابة.

الثالث: الانقياد لــه وعدم التكبّر قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: 35].

السادسة: تحقيق التوحيد نوعان:

أ- تحقيق واجب: وهو تخليصه من الشرك والبدع وكبائر الذنوب، ودليل ذلك قولـه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقولـه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾، وقولـه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء: 31].

ب- تحقيق مستحب: وهو تخليص القلب من التعلق بالمخلوقين، وسؤال ما فيه مذلة ومهانة ودليله حديث ابن عباس ر وفيه: «لا يسترقون ولا يكتوون»، فهذا التحقيق مستحب، وضابطه أن يترك استعطاف الناس وسؤال الأمور المباحة فتترك الحاجة للمخلوقين، وتطلب من رب العالمين.            

السابعة: تحقيقُ شهادة أن محمداً رسول الله يكون بالاعتراف بنبوته وعموم رسالته وختم النبوة به وعبادة الله وحده بما شرع على لسانه، فلا يتعبد لله تعالى إلا بواجب أو مستحب، والمباح يدخل في ذلك إذا قصد به الطعة، ولابد في عبادة الله عبادة شرعية أن تكون مما شرع الله تعالى فـي كتابه، وعلى لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن تؤدى على وجه الإخلاص لله تعالى وعلى الكيفية المأثورة عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - فإنه أسوة الأمة في كل ذلك.

الثامنة: جمع إبراهيم الخليل الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد فكان معلماً للناس الخير وإماماً يُقتدى به، وكان على الحق وحده مطيعاً لربه، دائماً على عبادته وطاعته، حنيفاً- أي مائلاً عن الشرك قصداً -، مفارقاً لأهل الشرك بقلبه ولسانه وأركانه، منكراً ما هم عليه من الشرك، صابراً على ذلك كله.

التاسعـة: في قولـه تعالى عن إبراهيم: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ مباينة المشركين اعتقاداً وعملاً ومكاناً وذلك بإظهار دينه والتصريح بما هو عليه من الاعتقاد والقول والعمل والهدى ولا يقيم بين ظهرانيهم إلا لحاجة مع دعوتهم إلى الحق وإظهار دينه وعيب ما هم عليه من أمور الجاهلية مع بغضهم من أجلها.

العاشرة: وصف الله تعالى خليله إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بصفات عظيمة تدل على كمال توحيده وإيمانه، ومن ذلك أنه كان:

1-      ﴿أُمَّةً﴾ أي على الحق وحده صابراً عليه، داعياً إليه في زمان ومكان ليس فيه مستقيم على الحق، ولا داعٍ إليه سواه.

2- ﴿قَانِتًا لِّلَّهِ﴾ أي مطيعاً لله تعالى وحده، مشمراً على الخير، يدعو إلى الله وحده.

3- ﴿حَنِيفًا﴾ عابداً لله مقبلاً عليه، مائلاً إليه معرضاً عن عبادة غيره، مفارقاً للمشركين في عقيدته وأعماله وأقواله ومنزلـه، فلم يخالط المشركين ولم يكثّر سوادهم، فمَنْ أحبَّ مجاورة إبراهيم في منزلـه ؛ فليلزم طريقته وليتأسى به في ذلك.

الحادية عشرة: لا يكون إماماً للناس في دين الله من لم يحقّق التوحيد، فإن الله تعالى لم يجعل إبراهيم إماماً إلا بعد أن ابتلاه، فظهر حبه لله واستقامته على طاعته وصبره لله، ويقينه بما وعد الله والجهاد لله.

الثانية عشرة: إذا أثنى الله تعالى على عبد من عباده فالمقصود منه بيان محبة الله تعالى لمن أثنى عليه، ولعمله الذي أثنى عليه من أجله وتركه لضده، وللحث على الاقتداء به في ذلك.

الثالثة عشرة: المعاصي بمعناها الأعم نوع من الشرك الأصغر ؛ لأنها صادرة عن نوع هوى مخالف للشرع، فكأن صاحبها لما آثر هواه على مراد الله جعل هواه إلهاً مع الله قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]، وعلى هذا فقولـه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ يراد به ترك المعاصـي مطلقاً، والشرك الأكبر وما دونه إذ تحقيق التوحيد لا يكون إلا باجتناب الشرك بالمعنى الأعم، فهم يجتنبون المعاصي كلها الشرك وما دونه، وإذا أذنبوا تابوا واستغفروا، فلا يتعمدون مخالفته، ولا يستهينون بصغيرة، ولا يصرون على كبيرة.

الرابعة عشرة: في قولـه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ الآية ثناء من الله تعالى على أهل الإيمان بكامل الصفات وجليل الأعمال الصالحات التي أهمها سلامتهم من الشرك أكبره وأصغره، جليّه وخفيه، وهو الشاهد من الآية في الباب.

الخامسة عشرة: من صفة أهل الإيمان الكُمّل أنهم يعبدون الله تعالى وحده مخلصين لـه الدين، خالصين من الشرك في عبادتهم، خائفين من ربهم وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 59-60].

السادسة عشرة: في قولـه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ نفى عنهم الشرك وقوادح التوحيد كالبدع والمعاصي فإن الآية في معرض المدح لهؤلاء المؤمنين الكُمَّل.

السابعة عشرة: في قول سعيد: «أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة» دلالة على اهتمام السلف بالآيات الكونية واعتبارهم بها.

الثامنة عشرة: في قول حصين بن عبدالرحمن: «أما إني لم أكن في صلاة» أن من صفات السلف الصالح التحرز من إظهار أعمالهم الخفية خوفاً من الرياء وتزكية النفوس وبعدهم عن مدح الإنسان بما ليس فيه.

التاسعة عشرة: فـي قول سعيد: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع» فضيلة علم السلف وحسن أدبهم في تبليغ العلم وإرشاد مَن أخذ بشيء منه إلى الأفضل.

العشرون: لا ينبغي إجبار الناس وحملهم على اجتهاد مجتهد في المسائل الاجتهادية، فإن في الأمر سعـة، فمن استند في عمله على فتوى مفتٍ لأنه عمل بما أمره الله تعالى بقولـه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: 43]، لكن من استند في عمله على كلام الناس فهو ملوم ؛ لأن الناس ليسوا مستنداً للأحكام الشرعية، وفي حديث فتنة القبر أن المرتاب يقول: «سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيُقال له: لا دريتَ ولا تليتَ، ويُضرب بمِرزبة من حديد».

الحادية والعشرون: في حديث عرض الأمم على النبي - صلى الله عليه وسلم - قلة من استجاب للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - مع أنهم أعلم الخلق وأنصحهم وأفصحهم حتى أن منهم من لم يجبه أحد، وفي ذلك أسوة للدعاة أن يعلموا أن الواجب عليهم الاجتهاد في الدعوة، وأما هداية القلوب فهي بيد علاّم الغيوب، وفيه عدم الاغترار بالكثرة وعدم الزهد في القلة.

الثانية والعشرون: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «فظنت أنهم أُمتي» جواز الإخبار بالظن إذا دلّت عليه القرائن ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرف أن أمته أكثر الأمم لقولــه: «أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً»، ولإخباره - صلى الله عليه وسلم - أن أمته أكثر أهل الجنة.

الثالثة والعشرون: من الفرق بين النبي والرسول: أن النبي مبعوث ومرسل فهو قد أوحي إليه كالرسول لقولـه تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]، وقولـه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج: 52]، لكن النبي مبعوث إلى قوم مؤمنين برسالة سابقة يفتيهم ويبيّن ما التبس عليهم، وينكر ما أحدثوه ويجدد لهم دينهم، والرسول مبعوث إلى قوم كفّار أو لم تبلغهم رسالة سابقة.

الرابعة والعشرون: الاسترقاء - هو طلب الرقية من الناس - وتركُه أولى، لكن إذا كان على وجه الشفاعة لذي الحاجة أو وُجِدت الحاجة ؛ كأن يكون الشخص لا يستطع أن يرقى نفسه ونحو ذلك، فلا بأس به، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - استرقى لأولاد جعفر وقال لأمهم أسماء: «استرقي لهم لما أصابهم».

وفي صفة السبعين ألف «أنـهم لا يسترقون» فضل ترك سؤال الناس والاستغناء عنهم حتى في طلب الرقية، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينهَ عن ذلك بل ذكر فضل تركه وحث على الإحسان به فقال: «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» فإذا دعت الحاجة إلى الرقية فلا بأس بطلبها، وتركه أفضل عند عدم الحاجة، والشفاعة فـي الرقية للمحتاجين لدى الصالحين من جليل القُرَب وأنواع الإحسان.

الخامسة والعشرون: قولـه: «لا يسترقون ولا يكتوون» لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلاً كما يظنه الجهلة، فإن مباشرة الأسباب التي ترجى بها المصالح أمرٌ فطري ضروري وشرعي، فإن نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب التي تنال بها الغايات من الله تعالى، لقولـه سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3] وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها فيتركونها لكونها أسباباً مكروهة، أما مباشرة الأسباب نفسها والتداوي على وجهٍ لا كراهة فيه فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعاً.

السادسة والعشرون: ترك الكيّ أفضل عند عدم الحاجة ؛ لأنه نوع تعذيب للنفس بالنار، فإذا تيسر دواء غيره فهو أولى، فإن دعت الحاجة إليه فلا كراهة لحديث: «الشفاء في ثلاث شربة عسل، أو شرطة محجم، أو كية من نار»، وفي حديث «وأنهى أُمتي عن الكي»، فالنهي للتنزيه لا للتحريم، بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - كوى بعض أصحابه، واكتوى بعض الصحابة بعلمه من أمراضٍ أصابتهم فلم ينكر عليهم ذلك،فدلّ ذلك على جوازه عند الحاجة إليه، ويُستغنى عنه إذا وُجد دواء غيره.

السابعة والعشرون: أصل التطيّر التشاؤم بالطير ولكن المراد به ما هو أعم من ذلك، فهو التشاؤم بمرئي أو بمسموع أو زمان أو مكان، وهو من خصال أهل الجاهلية ومن شعب الشرك الأصغر ـ إذا خلا من اعتقاد الاستقلال بالتأثير ـ وإلا كان من الأكبر، وإنما الطيرة ما أمضى إلى الأمر المقصود أو ردّ عنه.

الثامنة والعشرون: التوكل هو تفويض الأمر إلى الله تعالى اعتماداً عليه وثقة به في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، وترك ما يضره في عاجل أمره وآجله، مع مباشرة الأسباب المشروعة والمباحة لتحصيل المقصود.

التاسعة والعشرون: لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي شرعها الله وأباحها وجعلها مقتضية لمسبباتها شرعاً وقدراً، فإنَّ تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله تعالى في حصول ما ينفع العبد واتقاء ما يضره في دينه ودنياه، وهو كذلك تعطيل للأمر والحكمة والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً.

الثلاثـون: التداوي أفضل من تركه وقد يكون واجباً إذا غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بتركه، وذلك لما في التداوي من امتثال الشرع، فإن النصوص كثيرة في الأمر بالتداوي ومدافعة الأقدار بالأقدار، لذلك لا ينبغي أن يجبر عليه من لا يريده من العقلاء.

الحادية والثلاثون: من كمال التوحيد عدم سؤال الناس شيئاً، ولذا بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً، فكان أحدهم يسقط سوطه وهو على بعيره ولا يطلب من أخيه أن يعطيه إياه، بل ينزل هو عن راحلته ويأخذ سوطه وفاءً بهذه البيعة، وحتى لا يكون للخَلْق عليه مِنَّة.

الثانية والثلاثون: ينبغي للمرء أن يحرص على مكافأة كل من عمل لـه عملاً، أو أهدى له هدية حتى لا يكون له منة عليه فيكون في قلبه ذلٌّ له.

* * *

 4- باب الخوف من الشرك

وقـول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. وقول الخليل عليه السلام:  ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].

وفي الحديث: «أخوفُ ما أخاف عليكم الشركُ الأصغر» فسئل عنه فقال: «الرياء».

ولمسلم عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ لقي الله لا يُشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يُشرك به شيئاً دخل النار».

ــ

الفوائد على الباب:

الأولى: مراد المؤلف - رحمه الله - من الباب بيان وجوب الخوف من الشرك الأكبر وذرائعه الموصلة إليه من الشرك الأصغر والبدع والمعاصي.

وحقيقة الخوف: صدق الالتجاء إلى الله تعالى والضراعة إليه في طلب العصمة من الشرك مع صدق الاعتماد عليه والبحث والتفتيش عن الشرك ووسائله وذرائعه ليسلم من الوقوع فيه.

الثانية: الخوف من الشرك هو فزع القلب وهلعه وهربه من مواطنه وأهله فإنَّ من خاف من شيء بعد عن حِمَاه.

الثالثة: الخوف من الشرك تحقيق للتوحيد، فكل محققٍ للتوحيد يخاف من الشرك، ومن لم يخف من الشرك فهو ناقص التوحيد.

الرابعة: لما كان الشرك أعظم الذنوب وأكبر الكبائر لأنه هضم لجناب الربوبية وتنقص للإلهية وسوء ظن برب العالمين ؛ رتّب الله تعالى عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتب على ذنب سواه، من إباحة دماء أهله وسبي نسائهم وذراريهم وأموالهم وحبوط عمل من أشرك، وعدم المغفرة إلا بالتوبة منه، وحرمان الجنة، والخلود في النار زجراً عنه ونكالاً لأهله.

الخامسة: ولما ثبت من خطورة الشرك وقبحه وشدة عقوبة أهله في العاجل والآجل؛ نبَّه المصنّف بهذه الترجمة على أنَّه ينبغي للموحد أن يخاف منه ويحذره ويعرف أسبابه ووسائله وأنواعه لئلا يقع فيه وهو لا يشعر، فإن من لم يعرف الشر أوشك أن يقع فيه أو لا ينكره، قال حذيفة ر: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه. رواه البخاري.

السادسة: الشرك الأكبر لا يُغفر لمن مات عليه بإجماع من يعتدّ بقوله من أهل العلم، أما الأصغر ففي من مات مصراً عليه قولان:

الأول: أنه كسائر الكبائر يغفر بالحسنات الماحية والمصائب المكفِّرة وأنواع البلاء، وهذا قول الجمهور.

الثاني: أنه لا يُغفر لعموم قولـه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ لأنها عامة في الشرك فلابد أن يؤاخذ عليه الإنسان بالعقوبة.

السابعة: كان الصحابة رضي الله عنهم أعظم الأمة إيماناً وجهاداً ممن بعدهم وخوفاً من الشرك لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر، ومن نشأ في المعروف فلم يعرف غيره فقد لا يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ما عند من علِمه، ولا يكون عنده من الجهاد لأهله ما عند الخبير بهم، ولذا قال عمر ر: إنما تنقض عرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية.

الثامنة: أخبر تعالى أنه لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، وهذا يدل على خطر الشرك، كبيره وصغيره، ظاهره وخفيه، وجعل مغفرة ما دونه من الكبائر معلقة بالمشيئة، وفي ذلك الردّ على الذين يُخرجون أهل الذنوب من الإسلام ويخلدِّونهم في النار كالمعتزلة والخوارج.

التاسعة: كان الخليلان إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم أعظم أولياء الله تعالى دعوةً إلى توحيد الله تعالى وإنكاراً للشرك وخوفاً منه، وجهاداً في ذلك وصبراً عليه، ومع ذلك خافاه على أنفسهما وأتباعهما فقال الخليل ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾، وقال محمد - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأعوذ بك أن أشرك بك وأنا لا أعلم»، وقد استجاب الله لهما فعصمهما وذويهما منه، وذلك يدل على أمرين:

أحدهما: وجوب الخوف من الشرك والضراعة إلى الله تعالى في طلب الوقاية منه.

الثانـي: أن من فعل ذلك ثبَّته الله على التوحيد، وسلَّمه وآمنه من الشرك.

العاشرة: عصمة الأنبياء والمرسلين ـ عليهم الصلاة والسلام، وأشرفهم أولو العزم من الرسل وأشرف أولي العزم الخليلان ـ من كبائر الذنوب مقطوع بها، والشرك أعظم الذنوب، فإن الوقوع في الكبائر يقدح في مقام النبوة والرسالة، ولكن لعل الحكمة من دعائهما بطلب السلامة من الشرك:

1- بيان خطر الشرك.

2- تنبيه المسلمين على ضرورة الخوف منه وحذره.

3- في دعاء الله رفعة لمقامهما كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كثير الاستغفار مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

4- لأنهما دَعَوا الله لأنفسهما ولذويهما ممن لم تكتب لـه العصمة، وهذا فيه التواضع.

الحادية عشرة: إذا خاف النبي - صلى الله عليه وسلم - الشرك على أصحابه الذين استجابوا لدعوته فوحدوا الله وهاجروا وجاهدوا من كفر به وعرفوا ما أنزل الله في كتابه من الإخلاص والبراءة من الشرك وأهله فكيف لا يخاف من لا نسبة له إليهم في علم ولا عمل؟!.

وإذا خاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه الشرك الأصغر مع قوة إيمانهم فينبغي أن يخاف على من سواهم الشرك الأكبر مع ضعف علمهم وإيمانهم وعملهم ؛ لا سيما أن النصوص قد دلَّت على وقوع الشرك الأكبر في الأمة.

الثانية عشرة: الأصنام جمع صنم وهو ما عُبِدَ من دون الله مما كان على صورة حيوان، وقد يُطلق على غيره مما لم يكن على صورة حيوان، وأما الوثن فيُطلق غالباً على ما عبد من دون الله وهو على غير صورة حيوان كالقبر والشجر والحجر ونحوهما.

الثالثة عشرة: من ثمرات الخوف من الشرك:

1- معرفته حتى لا يقع فيه، فإن من لم يعرف الشر أوشك أن يقع فيه.

2- الاستقامة على الطاعة والمجاهدة على الأخلاق الفاضلة.

3- كثرة الاستغفار.

4- العناية بما يكمل التوحيد.

5- الحذر من ذرائع الشرك، ومواطنه، ومخالطة أهله.

الرابعة عشرة: حديث: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» رواه أحمد بإسناد جيد، وفيه وجوب الحذر من الرياء والسمعة وأنها مما يبتلى بها الصالحون.

الخامسة عشرة: الرياء من أمثلة الشرك الأصغر ولـه صور، منها: الحلف بغير الله، وقول: ما شاء الله وشئت.

السادسة عشرة: ضابط الشرك الأصغر أنه ما جاء في النصوص تسميته شركاً ولم يصل إلى حدِّ الأكبر، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الشرك الأصغر هو كل قول أو فعل يكون وسيلة إلى الشرك الأكبر.

السابعة عشرة: الشرك الأصغر أعظم من الكبائر لقول ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذباً أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقاً.

الثامنة عشرة: من صور الشرك الأصغر الحلف بالنبي أو الولي أو الحياة أو الشرف أو الكعبة، وكذلك قول: لولا الله وأنت، أو: أنا بالله وبك، أو: ما لي إلا الله وأنت.

التاسعة عشرة: في حديثي ابن مسعود وجابر رضي الله عنهما بيان خطورة الشرك ووجوب الحذر منه، وأنه مما يوجب دخول النار.

العشرون: أن اتخاذ الأنداد من أسباب دخول النار والأنداد جمع ند، وهو المثل المضاد الـمُسوّى بالله تعالى في شيء من حقه؛ لأنه تشريك غير الله معه في العبادة أيا كان من نبي أو ولي، أو غيرهما من صالحي الخلق أو سواهم.

الحادية والعشرون: تُشرع الصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره، وذكر الإجماع على ذلك النووي وغيره لحديث: «من ذُكِرتُ عنده فلم يصلّْ علي فأبعده الله».

الثانية والعشرون: تعريف الشرك الأكبر:

عند أهل الحق هو: اتخاذ ند مع الله في الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، أو تسوية غير الله به فيما هو من خصائصه.

أما عند المبتدعة: فهو عبادة الأصنام والأوثان وهو ما كان عليه أهل الجاهلية، وقد يعرفونه باعتقاد الربوبية لغير الله، وهذا كله باطل ؛ لأنَّ أهل الجاهلية كانوا مقرين بأن الله وحده هو الخالق الرازق المدبر، وكانوا يعبدون الله فـي بعض العبادات والأحوال والزمان، ومع ذلك لم يدخلهم في الإسلام ولم يعصم دماءهم وأموالهم ونساءهم وذراريهم.

الثالثة والعشرون: مذهب شيخ الإسلام وجماعة من أهل العلم - رحمهم الله - أن الشرك بجميع أنواعه لا يُغفر بل يؤخذ به، وهذا يُوجِب للعقلاء شدة الخوف منه، فإن كان من بين سيئاته الشرك ولو كان أصغر فإنه على خطر من المؤاخذة ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾.

الرابعة والعشرون: من دعا ميتاً أو غائباً أو حاضراً يسأله ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب نفع، أو دفع ضر، أو قضاء حاجة، أو ذبح له، أو تصدّق تعظيماً له أو طامعاً منه في تحقيق مطلوبه فقد وقع في الشرك الأكبر، وهكذا الطواف بالقبر أو العكوف عنده التماساً لقضاء الحاجات منه، فكل ذلك من الشرك الأكبر المحبط للعمل المحرِّم للجنة المخلِّد في النار.

* * *

 5- باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله

وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ الآية [يوسف: 108].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: «إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله (وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله) فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم فتُردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم ؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» أخرجاه.

ولهما عن سهل بن سعد ر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم خيبر: «لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه» فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يرجو أن يُعطاها. فقال: «أين عليّ بن أبي طالب؟». فقيل: هو يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه فأُتِيَ به فبَصَق في عينيه ودعا له؛ فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: «انفذ على رِسْلِك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهديَ الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم. يدوكون: أي يخوضون.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: مراد المؤلف - رحمه الله - من الباب بيان وجوب الدعوة إلى التوحيد، وإلى اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتصديقه، وهذا قد أخذه المؤلف من النصوص كقولـه تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: 87]، وقولـه تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: 125] وقولـه تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: 104]، وقولـه - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله» فيجب الدعاء إلى الإيمان بالله وتوحيده، وتصديق رسوله - صلى الله عليه وسلم - واتباع ما جاء به، وترك الشرك بالله تعالى وترك مخالفته، وهذا من أعظم مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

الثانية: ذكر باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله بعد الأبواب السابقة لينبه على أن من عرف التوحيد وفضله وحققه وخاف من ضده، واستقام على التوحيد لابد أن يدعو إليه ؛ لأنه حق الله الأعظم، فإن حقه سبحانه على العباد أن يعبدوه وحده لا شريك لـه، ويفردوه بما يستحق من نعوت العظمة والجلال وأوصاف الكمال والجمال، وأن ينزّهوه عن الشركاء والأنداد والأمثال، فمن لم يدعو إلى توحيد الله فتوحيده ناقص ؛ لأن إقراره الشرك وترك أهله عليه أمارة على ضعف الغيرة ونقص التوحيد في القلب، ومن هذه حاله يخاف عليه أن يضل بالوقوع في الشرك.

الثالثة: وظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأتباعهم وورثتهم من العلماء الدعوة إلى الله تعالى بإخلاص وعن علم، وبالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن في كل زمان ومكان، ولا سيما مع حاجة الناس ووجود ما يقتضي الدعوة والبيان.

الرابعة: معنى الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله هو الدعاء إلى ما دلّت عليه من التوحيد ونفي الشرك في الربوبية والعبادة والأسماء والصفات، ولهذا فصل الشيخ - رحمه الله – أنواع ما دلت عليه من التوحيد، ونفى الشرك بجميع أنواعــه.

الخامسة: الدعوة إلى الإسلام هي الدعوة إلى التوحيد ؛ لأن أعظم أركان الإسلام الشهادتان. وضم إليهما - صلى الله عليه وسلم - الدعوة إلى حق الله فيه يعني حق الله تعالى في الإسلام من جهة التوحيد ومن جهة أداء الفرائض، ومن جهة اجتناب المحرمات.

فالدعوة إلى الإسلام دعوة إلى أصله وهو التوحيد، وإلى أداء فرائضه وهي الصلاة وبقية أركان الإسلام، وكذلك فعل ما أوجبه الله فيه من الفرائض غير أركان الإسلام وترك المحرمات من الكبائر والوسائل المؤدية إليها ونحو ذلك مما يجب على المكلفين من حق الله تعالى فيه.

السادسة: لا بد للداعية على منهاج النبوة من أمور:

الأول: أن يدعو إلى توحيد الله عز وجل.

الثانـي: أن يدعو إلى الله تعالى مخلصاً يبتغي وجهه دون حظوظ الدنيا وزينتها ومتعها.

الثالث: أن يكون على بصيرة، أي: علم فيما يدعو إليه وما ينهى عنه وعلى علم بأحوال المدعوين.

الرابع: الصبر على الحق وأذى الخلق، فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فلا دين لمن لا صبر له.

فبهذه الصفات يكون الداعية إلى الله تعالى من أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته.

السابعة: أن النطق بكلمتي الشهادة هو دليل عصمة الدم والمال ولكن بشرط العمل، فمن نطق بهما رفع عنه السلاح ونظر عمله بمقتضاهما، فإن ترك ذلك أو فعل ما يضاده حكم عليه بما يستحق من العقوبة.

الثامنة: البصيرة للقلب كالنور للعين، فكما أن العين تبصر بالنور الحسي الأجرام والذوات؛ فكذلك القلب يبصر بالعلم ـ وهو البصيرة ـ المعاني.

التاسعة: أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدعون إلى توحيد الله تعالى وترك الشرك، ويحذَرُون الشركَ ويحذِّرًُون منه؛ فجمعوا بين أمور: توحيد الحق، والنصح للخلق، وترك الشرك والتحذير منه، والخوف من الوقوع فيه.

العاشرة: وجوب معرفة أحوال المدعوين للاستعداد لمناظرتهم وكشف شبهاتهم، ومعرفة أهم وأولى ما يدعون إليه ؛ لقولـه - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ ر: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب...».

الحادية عشرة: فضل الدعوة ووجوبها قبل القتال لمن لم تبلغهم الدعوة، ومشروعية تكرارها لمن بلغتهم، وعظم شأنها وأنها أهم من القتال ؛ بل هي المقصود من القتال ؛ لما فيها من الهداية إلى الخير وإقامة الحُجّة وكمال المعذرة، ولما رتب الله عليها من الأجر العظيم من الاهتداء والاصطفاء والحظ العظيم في الدنيا والآخرة.

الثانية عشرة: حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله اعتراف العبد بوحدانية الله تعالى، وخضوع قلبه ونطقه بذلك، ومقتضاها إخلاصه العبادة لله عملاً بذلك، والدعوة إلى الله تعالى من الإخبار بتوحد الله في وصفه وحقه، وبيان مسائل التوحيد، والتحذير من أنواع الشرك على التفصيل.

الثالثة عشرة: أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته على الحقيقة ؛ هم الذين يدعون إلى الله تعالى مخلصين، على علم بما يدعون إليه ويقين.

الرابعة عشرة: من دلائل حسن التوحيد أنه تعظيم لله تعالى وتنزيه لـه سبحانه عن المسبّة، ومن دلائل قبح الشرك أنه تنقّص لله تعالى ومَسبَّة له.

الخامسة عشرة: في حديث ابن عباس نوع من البصيرة وهي معرفة التدرج في الدعوة، وأول ما يُدعى إليه، ومراعاة الأهم فالأهم، ومعرفة حال المدعو، والتحذير من الظلم، ومنه تكفير الناس وتبديعهم وتفسيقهم بدون برهان من الله تعالى.

السادسة عشرة: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «فليكن أول ما تدعوهم إليه..» ففي إعراب «أول» وجهان:

الأول: النصب على أنه خبر يكن، وشهادة اسم يكن مؤخر مرفوع، ومعناه: الإخبار عن الشهادة بأنها أول ما يدعى إليه.

الثاني: الرفع على أنه اسم يكن، وشهادة خبر، ومعناه: الإخبار عن الأولية.

وكلاهما جائزان، والمشهور الأول، وهو جعل «أول» منصوباً، والشهادة مرفوعاً ؛ لأن المقام مقام ذكر الشهادة وهو الابتداء وهو المقصود الأعظم ليلتفت السامع والمتلقي لما يراد أن يخبر عنه من جهة الشهادة.

فإذاً موطن الشاهد من هذا الحديث ومناسبة إيراده ذكر أن أول ما يُدعى إليه التوحيد، وهو شهادة أن لا إله إلا الله.

السابعة عشرة: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه» دلالة على أن الأعمال من الإيمان الواجب، خلافاً للأشاعرة والمرجئة في قولهم إنه قول فقط، وقد زعموا أنه مجرد التصديق، وفي حديث أبي هريرة ر قال - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» فدل ذلك على أن الإيمان: قول وعمل وعقيدة كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.

الثامنة عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج والبداءة بالأهم فالأهم، فلما كان التوحيد أعظم واجب بدأ به قبل كل شيء حتى الصلاة.

التاسعة عشرة: اقتصر - صلى الله عليه وسلم - في حديث معاذ على الدعوة إلى التوحيد والصلاة والزكاة لأمور:

الأول: أنها أهم الأمور، وهي أصول الدين وقواعده الظاهرة، فالتوحيد عبادة القلب، والصلاة عبادة البدن، والزكاة عبادة المال، والعبادات الأخرى من جنسها وترجع إليها.

الثاني: أن من أجاب إليها عن اقتناع وإيمان دفعه ذلك إلى الإيمان والانقياد إلى بقية الشرائع، ولذلك اقتصر الله عليها بقولـه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: 5]، وقولـه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11]، واقتصر عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولـه: «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله عز وجل».

العشرون: أهل الكتاب يقولون (لا إله إلا الله) لكنهم جهلوا وتركوا ما تدل عليه هذه الكلمة العظيمة من معنى، وهو وجوب إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه، وهذه حال كثير من ينتسب إلى الإسلام من أهل هذا الزمان، وصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: «لتتبعن سنن من كان قبلكم..» الحديث.

الحادية والعشرون: أن قتال الكفار إذا أبوا الإسلام لا يقصد منه إزهاق أرواحهم وسبي أموالهم ونسائهم وذراريهم فقط، وإنما يقصد به كفّ شرهم والقضاء على فتنتهم، وحتى لا يكونوا عقبة في طريق الإسلام، ويستعان بما يؤخذ من غنائمهم على الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته سبحانه، وحض المسلمين على الجهاد فـي سبيل الله لذا أحلَّ الله لهذه الأمة الغنائم.

الثانية والعشرون: أن الصلاة أهم وأعظم وأفضل الفرائض بعد التوحيد.

الثالثة والعشرون: الإسلام: هو الذلّ والانقياد لله تعالى طوعاً واختياراً، بالنية والقول والعمل، وهو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد لـه بالطاعة والخلوص والبراءة من الشرك وأهله.

الرابعة والعشرون: يفسر علماء الكلام (لا إله إلا الله) بأن معناها لا قادر على الاختراع ولا مستغنياً عما سواه ولا مفتقراً إليه كل من عداه إلا الله.

وهذا تفسير لها بالربوبية، ومعنى ذلك: أن الرسل بعثوا بالدعوة إلى توحيد الربوبية لا بالألوهية، وهذا باطل من وجوه:

الأول: أن مشركي العرب وغيرهم من عامة الخلق كانوا مقرين بربوبية الله تعالى أي: خلقه لكل شيء، وملكه للسموات والأرض ومن فيهما ونحو ذلك، والنصوص في هذا كثيرة.

الثاني: أن نصوص الكتاب والسنة جاءت مقررةً للناس بتوحيد الربوبية ومطالبة لهم بلازمه وهو الإقرار لله تعالى بالألوهية وإخلاص العبادة له، وترك الشرك به قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ الآيات [الأعراف: 54] إلى قولـه سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].

الثالث: إذا كان أكثر الأمم مقرين بتوحيد الربوبية، والرسل بعثوا لدعوة الناس إليه ؛ فعلى هذا تكون بعثة الرسل تحصيل حاصل وهذا من ضروب العبث الذي يُنزَه الله عنه، وهذا دليل على بطلان تفسير أهل الكلام لـ «لا إله إلا الله».

الرابع: إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو خاتم الرسل بعث بالدعوة إلى توحيد الربوبية وهم مقرون به، فقتال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم وسبيه ذراريهم ونساءهم وأموالهم محض ظلم وجور، فعلم أن مقصود دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وجهاده أن يقر الناس بالإلهية لله وحده ويخلصوا لـه العبادة ويكفروا بكل معبود من دونه، وهذا كله من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ولقد اشتهر لدى الخاص والعام ـ في زمن دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ أنه يقول للناس اعبدوا الله واتركوا ما يعبد آباؤكم، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الله أرسله ليوحد الله وتكسر الأوثان، فتبين بهذا أن المراد بـ(لا إله إلا الله) إفراد الله بالإلهية وإخلاص العبادة لـه وترك الشرك به والبراءة من أهله.

الخامسة والعشرون: أن الوتر غير واجب ؛ لأن هذا آخر الأمر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذاً آخر السنة العاشرة قبل الحج على الصحيح، وفيه أن الله لم يفترض عليهم إلا خمس صلوات في اليوم والليلة، وقال بعض أهل العلم أن الوتر واجب ويؤخذ وجوبه من أدلة أخرى دلت على وجوبه، والراجح القول الأول.

السادسة والعشرون: أن الفقراء هم أهم أصناف أهل الزكاة، ولذلك بدأ الله تعالى بهم في الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية، وخصّهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولـه في الحديث: «إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم»، فاقتصر على الفقراء لأهميتهم ولكونهم أكثر أهل الصدقة، ولتأكُّدِ حقهم؛ ولأنهم يأخذون لحاجتهم، والمسكين بمعنى الفقير عند الإطلاق، وعند الاقتران مع الفقير، فالمسكين من يجد شيئاً لكن لا يكفيه، والفقير لا يجد أصلاً، فإذا أُفرد أحدهما في اللفظ دخل فيه الآخر.

السابعة والعشرون:

أفاد حديث ابن عباس عدة فوائد:

1) أن لا يلتفت الداعي إلى شُبَه أهل الكتاب وعلومهم ؛ بل يبلغهم التوحيد ويعلمهم الفقه في الدين.

2) أن التوحيد هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله، وأنه أول واجب على المكلفين.

3) البداءة بالأهم فالمهم، وأن أهم أمور الدين الشهادتان والصلاة والزكاة، فإن من أجاب إليها أجاب إلى ما سواها.

الثامنة والعشرون: مراتب الدعوة بحسب حال المدعو ثلاث:

الأولى: أن يكون المدعو محباً للحق إذا عرفه طلبه مؤثراً له على غيره، فهذا يدعى بالحكمة، وهي الدليل الواضح والقـول الصائب والمثل السائر، ولا يحتــاج إلى موعظة.

الثانية: أن يكون المدعو تاركاً للحق لنوع شهوة، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب.

الثالثة: أن يكون تاركاً للحق معرضاً عنه ؛ لنوع شبهة، فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع وإلاّ انتقل معه إلى الجهاد والجلاد إن أمكن.

التاسعة والعشرون: أن دعوة الرسل لأممهم فيها الأمر بعبادة الله، والمعنى: إفراد الله بالعبادة وهذا أول ما دعت إليه الرسل، واتفقت دعوتهم عليه.

الثلاثون: قولـه - صلى الله عليه وسلم - في حديث علي ر: «يحبّ اللهَ ورسولَه، ويحبه اللهُ ورسولُه» إثبات المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله خلافاً للمعطلة.

الحادية والثلاثون: أن نصوص الكتاب والسنة دلّت على إنكار مشركي الأمم ومثلم مشركو العرب لتوحيد الإلهية وإصرارهم على عدم الطاعة فيه كقوله تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا...﴾ الآية [نوح: 23]، وقال مشركو العرب: ﴿أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا...﴾ [ص: 5] إلى قولـه: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: 6]. فتوحيد الإلهية والعبادة هو الذي كانت الخصومة فيه الخصومة بين المرسلين والكافرين.

الثانية والثلاثون: أن الرسل طلبت من أممها الكفر بالطاغوت وهو كل ما عُبِد من دون الله، وقررت لهم تفرد الله تعالى بالإلهية وانتفائها عما سواه.

الثالثة والثلاثـون: معنى شهادة أن لا إله إلا الله العلم والاعتقاد والنطق والإخبار بأن لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، فكل من عبد من دون الله فتأليهه وعبادته بالباطل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحج: 62]، ولا تنفع هذه الكلمة قائلها حتى يكفر ويبغض ويتبرأ من عبادة الطاغوت ومن عبده.

الرابعة والثلاثون: يسمى دين الإسلام توحيداً لأن مبناه على أن الله تعالى:

واحدٌ في ربوبيته وملكه وأفعاله فلا شريك له.

واحدٌ في إلهيته وعبادته فلا ندّ له.

واحدٌ في ذاته وأسمائه وصفاته فلا مثل له.

ومقتضاه ـ أي الإسلام لله تعالى ـ عبادة الله تعالى وحده والبراءة من الشرك وأهله.

الخامسة والثلاثون: الشهادة لله تعالى تتضمن عدة أمور:

الأول: اعتقاد معنى الشهادة وهو توحيد الله تعالى عن علم ويقين.

الثاني: التكلم بالمشهود وهو النطق به وببطلان ضده.

الثالث: الإخبار لغيره بمضمون ما شهد به.

فلابد من هذه الثلاث مجتمعة.

السادسة والثلاثون: قولنا «لا إله إلا الله»؛ (لا): نافية للجنس تتضمن نفي جنس استحقاق الإلهية عن أحد إلا الله جلّ وعلا، وإذا أتى بعد النفي إلا وهي أداة استثناء صارت تفيد معنى زائداً وهو الحصر والقصر، فيكون المعنى: الإلهية الحقة أو الإله الحق هو الله بالحصر والقصر، ليس ثم إله حق إلا الله دون ما سواه.

فمعنى (لا إله إلاّ الله) عند أهل الحق: لا معبود بحق إلا الله؛ لأن إله بمعنى مألوه.

ومعناها عند المتكلمين إله بمعنى آلِه أي فاعل، أي قادر على الاختراع أو غني عما سواه مفتقر إليه كل من عداه، فيقدرون خبر (لا) بموجود، فلا قادر على الاختراع موجود إلا الله، وهذا تفسير بالربوبية وهذا المعنى أقر به المشركون ولم يدخلهم الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام، ومن شؤم هذا التفسير أنه فتح لباب الشرك على مصراعيه ؛ لأنهم ظنوا أن التوحيد المطلوب الذي دعت إليه الرسل هو توحيد الربوبية، فمن اعتقد ربوبية الله فهو موحّد، وهذا باطل، فإن كفار قريش وغيرهم كانوا مُقرِّين بالربوبية لله تعالى.

السابعة والثلاثون: إذا تقرر أن معنى «لا إله إلا الله» أي لا معبود بحق إلا الله؛ فذلك يبيّن أن عبادة غير الله عبادة بالباطل والظلم والتعدي والطغيان، وهذا هو الذي فهمه كفار قريش لما قيل لهم قولوا: لا إله إلا الله، فأبوا عن ذلك ؛ لأن مقتضى قولهم لا إله إلا الله أن عبادتهم لآلهتهم ظلم وبغي وطغيان وعدوان ولن يقروا بذلك على أنفسهم ويتركوا عبادتها ويفردوا الله بالعبادة ؛ ولهذا أنكروا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا...﴾ الآية [ص: 5].

الثامنة والثلاثون: تميّزت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – بأنها دعوة تفصيلية تبيِّنَ حقيقة التوحيد وشُعَبه، وتأمر بها وتنبه على حقيقة الشرك وأنواعه وخطره وتحذر عنها، وأما الدعوات الأخرى فإنها دعوات إجمالية نظرية، فقد يدعون إلى التوحيد إجمالاً لكن لا يذكرون التفاصيل، وقد ينهون عن الشرك، لكن لا ينكرون بعض أنواعه، ولا يبالون بما يترتب على من ترك شيئاً من أنواع التوحيد، أو ارتكب نوعاً من الشرك فلا يرتبون عليه أحكامه كالموالاة والمعاداة والتكفير ووجوب القتال مع الإمكان والقدرة ونحو ذلك.

* * *

 6- باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

 وقول الله تعالى:  ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية [الإسراء: 57]. وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية [الزخرف: 26-27]. وقولـه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية [التوبة: 31]. وقولـه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ﴾ الآية [البقرة: 165].

في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل».

وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب.

ــــــــــــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد المؤلف - رحمه الله - أن يبيّن في هذا الباب توحيد الألوهية، وأنه هو معنى «لا إله إلا الله»، أي: لا معبود بحق إلا الله، فكل مؤلـَّه ومعبود سواه فباطل ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ﴾ [الحج: 62].

وقد ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ في هذا الباب أنواعاً من العبادات التي ينبغي أن يفرد الله تعالى بها، فإفراده بها توحيدٌ، وصرفها أو التوجه إلى غيره فيها شرك وتنديد.

الثانية: عطف الشهادة على التوحيد من عطف الدّال على المدلول لا من عطف المغايرة، فإن التوحيد هو مقتضى هذه الكلمة العظيمة الذي دلّت عليه.

الثالثة: قولـه تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾  أي: يطلبون الحاجة فيتقربون بجميع القرب إلى الله وحده ولا يلتفتون بشيء منها إلى غيره، ويطلبون مرضاته وثوابه والأمن من عذابه، فدلت الآية على أن أولياء الله تعالى يفردون الله بالعبادة ولا يجعلون له شريكاً من خلقه، وعبادة الجوارح باستقامتها على طاعة الله وجهاد أعدائه.

الرابعة: في قولـه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ﴾ الردّ علــى من يدعـو صالحاً ويقول أنا لا أشرك بالله شيئاً، فكما أن الشرك هو: عبادة الأصنام، فكذلك هو قصد الخلق بشيء من حق الله.

الخامسة: وجه دلالة قولـه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ﴾  أن دعاء الصالحين والأموات والاستغاثة بهم شرك أكبر ينافي التوحيد، فمن كان يحب الصالحين حقاً فليعبد الله وحده كما عبدوه موحدين لله، وابتغوا إليه الوسيلة ولا يعبدهم مع الله تعالى؛ فإنهم ليس لهم من العبادة شيء، ولا يرضون بأن يجعلوا شركاء مع الله فـي عبادته.

السادسة: لا يكفي اعتقاد التوحيد والعمل به حتى يضم إليه الكفر بما يعبد من دون الله.

السابعة: وجه دلالة قولـه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ﴾ الآية أن توحيد الإلهية هو البراءة من كل معبود سوى الله والكفر به وإخلاص العبادة لله وحده.

الثامنة: وجه دلالة قولـه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية أن طاعة العلماء والأمراء والعُبَّاد في تحليل الحرام وتحريم الحلال ينافي معنى التوحيد ؛ فإنهم أعطوهم معنى الربوبية وهو التصرف في الشريعة وتابعوهم على ذلك.

التاسعة: من أطاع غير الله في تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ الله على وجهين:

أحدهما: أن يتبعوهم على ما يعلمون تحريفهم لــه معتقدين حل الحرام وحرمة الحلال فهذا كفرٌ أكبر، فإنهم جعلوهــم شركاء مع الله وإن لم يصلوا لهم ويسجدوا ؛ لأن الشرع لله وحده.

الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتاً لكن أطاعوهم في المعصية لنوع شبهة وهوى، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل كبائر الذنوب التي دون الشرك الأكبر.

العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ﴾ الآية، فيها أن من أحبّ أحداً كمحبة الله فإن ذلك شرك ينافي التوحيد؛ لأن المحبة هي المحركة للتصرف والباعثة على العمل.

الحادية عشرة: في قولـه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ﴾ دلالة على أن المشركين يحبون الله حباً عظيماً ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحبّ الندّ حباً أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله، كما عليه الغلاة من أهل الشرك المنتسبين إلى الإسلام؟.

الثانية عشرة: في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله..» فيه أن التوحيد هو عبادة الله والكفر بالطاغوت، أي توحيد الله بالعبادة والبراءة من الكفر وأهله.

الثالثة عشرة: من أعظم ما يبيّن «لا إله إلا الله» قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «وكفر بما يُعبَد من دون الله» حيث لم يجعل التلفظ ومعرفة معناها والإقرار بها وكونه لا يدعو إلا الله عاصماً للدم والمال حتى يضيف إليها الكفر بما يعبد من دون الله.

الرابعة عشرة: قال شيخ الإسلام: «كل طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الزكاة أو الصيام أو الحج أو عن تحريم الدماء والأموال أو الخمور أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار، أو غير ذلك من واجبات الدين، أو محرماته التي يكفر الواحد بجحدها تُقَاتل وإن كانت مقرة بها، هذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء، وهؤلاء عند المحققين ليسوا بمنزلة البغاة بل هم خارجون عن الإسلام». انتهى. لأنهم معطلون للشرائع، جاحدون ما علم من الدين بالضرورة.

الخامسة عشرة: أجمع العلماء على أن من قال لا إله إلا الله ولم يعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها أنه يقاتل حتى يعمل بما دلّت عليه من النفي والإثبات.

السادسة عشرة: قول «لا إله إلاّ الله» يكون بثلاثة أشياء: القلب، اللسان، الجوارح.

فقول القلب هو: اعتقاده ؛ بأن يعتقد ألوهية الله وحده ووجوب عبادته ويعتقد بطلان الشرك والكفر ويبغضهما وأهلهما ويتمنى زوالهما.

وعمل القلب هو: افتقاره إلى الله تعالى وتوكله عليه، ورغبته ورهبته، وخوفه ورجاؤه، ونحو ذلك، وأن لا يتعلق بشيء من ذلك على غير الله تعالى.

وقول اللسان: يكون بشهادة أن لا إله إلا الله، والتصريح ببطلان آلهة الكفار وببغضها والبراءة منها ومن أهلها.

السابعة عشرة: قولـه رحمه الله: «وشرح هذه الترجمة..» إلخ يعني: أنه سيأتي مزيد إيضاح للتوحيد وما يكمله، وبيان للشرك الذي يضاد التوحيد أو ينقص كماله الواجب أو يقدح فيه.

* * *

 7- باب من الشرك

 لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه

وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ الآية [الزمر: 38].

وعن عِمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً في يده حلقة من صُفْرٍ. فقال: «ما هذه؟» قال: من الواهنة. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهناً ؛ فإنك لو مِت وهي عليك ما أفلحت أبداً». رواه الإمام أحمد بسند لا بأس به.

ولـه عن عقبة بن عامر ر مرفوعاً: «من تعلّق تميمةً فلا أتمَّ الله له، ومن تعلَّق وَدَعَةً فلا وَدَع الله لـه». وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك».

ولابن أبي حاتم عن حذيفة ر: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحُمَّى فقطعه وتلا قولـه تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾  [يوسف: 106].

ــــــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: في هذه الترجمة وما بعدها من الأبواب بدأ المصنّف - رحمه الله - في بيان ما وعد به في الباب السابق بقولـه: «وشرح هذه الترجمة وما بعدها من الأبواب» فذكر:

1-      شيئاً مما يضاد التوحيد من أنواع الشرك الأكبر.

2-      وما ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر.

3-      وما يوصل إلى ذلك من الغلو والبدع ونحوهما مما تركه تحقيق مدلول (لا إله إلا الله)، فبدأ بالشرك الأصغر الاعتقادي.

الثانية: في هذه الترجمة بيان التوحيد بمعرفة ضده ؛ لأن معرفة قبح الشرك ومضرته يبيّن حسن التوحيد وفضله:

 والضِّدَّ يُظهِر حُسنَه الضِّـدُّ وبضِـدّها تتبَيّن الأشيـَاءُ

الثالثة: بدأ الشيخ - رحمه الله - في هذا الباب ببيان صور من الشرك هي من أفراده، وهي من الشرك الأصغر التي يكثر وقوعها وقدّم الأصغر على الأكبر انتقالاً من الأدنى إلى الأعلى ؛ لأنه وسيلة إليه، ولأن الشبهة في الشرك الأصغر ضعيفة بخلاف الشرك الأكبر، ولأن من أدرك خطر التعلق بالتميمة والوَدعة وأنه شرك تجلى لـه أن التعلّق بالأولياء أخطر وأكبر.

فبدأ بالأصغر ابتداءً بالأدنى إلى الأعلى حتى يكون ذلك أقوى في الحجة وأمكن في النفوس من جهة ضرورة التعلق بالله تعالى وإبطال التعلق بغيره.

الرابعة: تعلق القلب بالخيط والحلقة ونحوهما في طلب نفع أو دفع ضر من الشرك الأصغر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة ـ في قول بعض أهل العلم ـ لدخولـه في مسمى الشرك ؛ لأنه يرجو انقضاء حاجته بسببٍ لم يأذن الله تعالى به.

الخامسة: لا يجوز إثبات الأسباب المؤثرة إلا من جهة الشرع بأن دل الشرع على أنه سبب أو من جهة القدر بأن ثبت بالتجربة تأثيره ظاهراً لا خفياً مثل دواء الطبيب والتدفئ بالنار والتبرد بالماء.

السادسة: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً» فوائد منها:

1- التغليظ في لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه.

2- أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.

3- أنه لم يعذره بالجهل.

4- أنها لا تنفع مطلقاً بل تضر لقوله: «لا تزيدك إلا وهناً» إلخ.

5- الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.

6- التصريح بأن من تعلّق شيئاً وُكِلَ إليه.

7- وجوب تغيير المنكر والإلزام بتركه مع القدرة.

السابعة: لبس الحلقة والخيط وتعليق التميمة ونحوها من أمور الجاهلية يجمعها شيءٌ واحد وهو الطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله وهو ما ينافي التوحيد بالكلية، أو ينافي كماله الواجب. فلبسها على قسمين:

الأول: اعتقاد أنه سبب فذلك شرك أصغر ينقص كمال التوحيد الواجب ؛ لأنه جعل ما ليس سبباً - لا شرعاً ولا وقدراً - سبباً.

الثاني: اعتقاد أنَّه يدفع أو ينفع استقلالاً وهو شرك أكبر ينافي التوحيد بالكليّة لأنه اعتقد أن هذه الأمور متصرفة بالنفع والضر من دون الله.

الثامنة: لا يجوز من الأسباب إلا ما شرعه وأباحه الله ورسوله مع عدم الاعتماد عليها.

التاسعة: يجب إنكار التمائم والطلاسم والخيوط والحروز ونحوها مما يعلقه الجهال وإزالته بالقول والفعل، وإن لم يأذن فيه صاحبه لكونه من أمور الجاهلية المضرة بالتوحيد.

قلت: ويدل على عدم الإذن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «انزعها» وكونه لم يسلم على من في يده خيط.

العاشرة: في قولـه - صلى الله عليه وسلم - لعمران: «انزعها» - أي الحلقة - ودلت الرواية الثانية وهي قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلّق تميمة فلا أتمّ الله لـه» على أن التمائم والحلق من المحرمات الشركية ولذلك دعا على من تعلّقها بنقيض قصده لتعلقه بغير الله تعالى في جلب نفع أو دفع ضر. والله تعالى وحده هو المتفرد بذلك لا إله غيره ولا رب سواه.

الحادية عشرة: الرُّقى جمع رقية وهي التي تسمى العزائم، وهي شرعاً: آيات وأذكار وأدعية تُقرأ على المريض وحكمها الجواز لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا بأس بالرُّقى ما لم تكن شركاً».

وأما الذي لا يجوز منها فهو ما كان من غير ذلك، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرُّقى والتمائم والتِوَلة شرك».

الثانية عشرة: قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلّق تميمة فلا أتم الله لـه، ومن تعلّق وَدعَة فلا ودع الله لـه» وفي رواية: «من تعلّق تميمة فقد أشرك» يفيد أن هذه الأمور محرمة تحريماً شديداً لكونها من ذرائع الشرك وأمور الجاهلية.

الثالثة عشرة: البلاء ـ هنا ـ اسم يعم كل ما يصيب الإنسان من مكروه من عين أو مرض أو حسد أو فقر وشبه ذلك.

الرابعة عشرة: إذا اعتقد الذي يلبس الحلقة أنها ترفع أو تدفع بذاتها فهو شرك أكبر ؛ لإثبات خالقٍ مع الله قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ [فاطر: 3] وإن اعتقد أنها سبب والمتصرف هو الله فهو شرك أصغر؛ لأنه جعل ما ليس سبباً سبباً.

الخامسة عشرة: من نحو الحلقة والخيط ما يفعله بعض الناس من:

1- لبس الأسورة المغناطيسية للرماتيزم.

2- وضع جلد تمساح أو ذنب ذئب على البيت لدفع العين.

3- وضع المصحف في السيارة أو البيت لدفع الأذى.

4- لبس كف من نحاس لدفع الحسد.

5- وقد يعتقد بعض الناس أن الدبلة أو الشبكة ـ للعروسين ـ تحدث محبة بين الزوجين.

السادسة عشرة: الناس في اتخاذ الأسباب طرفان ووسط:

الأول: من ينكر الأسباب وهم كل من قال بنفي حكمة الله تعالى كالجبرية والأشعرية.

الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعل ما ليس سبباً ـ لا شرعاً ولا قدراً ـ سبباً، كالخرافيين من الصوفية ونحوهم من المشركين.

الثالث: الوسط وهم أهل الحق الذين يؤمنون بالأسباب وتأثيراتها بإذن الله، ولكن لا يجعلون منها سبباً إلا ما أثبت الله ورسوله أنه سبب شرعيٌ أو كونيٌ.

السابعة عشرة: الشرك في لبس الحلقة ونحوها يكون في الربوبية حيث إنه جعل خالقاً مع الله، وفي الألوهية لتعلق قلبه بغير الله.

الثامنة عشرة: الشرك اسم جنس يشمل الأصغر والأكبر، ولبس هذه الأشياء قد يكون من الأصغر، وقد يكون من الأكبر بحسب اعتقاد لابسها، وإنما كان لابسها مشركاً لأنه جعل ما ليس سبباً - لا قدراً ولا شرعاً - سبباً، وتعلق قلبه به من دون الله أو معه.

التاسعة عشرة: يستدل السلف بالنصوص الواردة في الشرك الأكبر على الأصغر لفائدتين:

الأولى: لأن في كلا الشركين تعلق بغير الله وذلك من إبطال التعلّق بغير الله والأمر بالتعلق بالله وحده، فإذا بطل التعلق بالأعظم بطل التعلق بما هو دونه من باب أولى.

الثانية: أن التعلّـق بما يضر وبما ينفع هو المعــنى الذي من أجلــه تعلق المشرك الشرك الأصغر بما تعلق به من حلقة أو خيط أو نحوهما لما يعتقده فيها من التأثير من جهة رفع البلاء أو دفعه، وهي أشياء مهينة وضعيفة، فإذا انتفى الانتفاع بما هو أعظم منها ـ وهو الانتفاع بالتعلق على الصالحين والأوثان ـ فإن انتفاء النفع عما سواها مما هو أدنى لا شك أنه أظهر في البطلان وأبين.

العشرون: في تلاوة حذيفة ر قولـه تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106] الاستدلال على الشرك الأصغر بما ورد في الأكبر؛ لشمول الآية له، ودخولـه في اسم الشرك والتصريح بأن من تعلّق تميمة فقد أشرك، وأن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.

 8- باب ما جاء في الرقى والتمائم

في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ر أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره فأرسل رسولاً: «أَنْ لا يبقَيَن في رقبة بعيرٍ قلادة من وَتَر أو قلادة إلا قُطِعت».

وعن ابن مسعود ر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الرُّقَى والتمائم والتِوَلة شرك». رواه أحمد وأبوداود.

وعن عبدالله بن عُكيم مرفوعاً: «من تعلق شيئاً وُكل إليه». رواه أحمد والترمذي.

التمائم: شيء يُعلّق على الأولاد يتقون به العين، لكن إذا كان الـمُعلَّقُ من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود.

والرُّقى: هي التي تسمى العزائم، وخصّ منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العين والحُمَةِ.

والتِّوَلة: هي شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.

وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا رُويفع لعلّ الحياة ستطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلَّد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو عَظم، فإن محمداً بَريءٌ منه».

وعن سعيد بن جُبير: قال: «من قطع تميمة من إنسان كان كعَدْل رقبة». رواه وكيع.

ــ

 الفوائد على الباب:

الأولى: المراد بيان ما جاء من النهي عن تعليق التمائم، وبيان ما لا يجوز من الرُّقى.

الثانية: كان أهل الجاهلية إذا اخلولَق الوَتَرُ أبدلوه بغيره وقلدوا به الدواب اعتقاداً منهم أنه يدفع عن الدابة العين، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطع الأوتار التي علقت على الإبل لما كان أهل الجاهلية يعتقدونه فيها، حيث كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد ويعلّقون عليها العوذ يظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها وأعلمهم أن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئاً.

الثالثة: بعضهم يضع نعلاً قديمة على بابه لدفع العين، وهذا وأمثاله من خرافات العامة وهو من الشرك الأصغر الاعتقادي المحرم، ولا يرد من قدر الله شيئاً.

الرابعة: التمائم: جمع تميمة، وهي ما يعلق لرفع البلاء أو دفعه، فالتمائم تعاليق تُعلّق فـي الرقاب وغيرها من جسد الحي يزعم أهل الجاهلية وأشباههم أنهم يتقون بها ما يكرهون من إصابة العين أو مسّ الجان ونحو ذلك، فيلبسونها لذلك، ولذا تتعلق بها قلوبهم، فمنها ما هو شرك أكبر كالتي تشتمل على الاستعانة والاستغاثة بالشياطين ونحوهم من شرار الخلق، ومنها ما هو من ذرائع الشرك لاشتمالها على طلاسم وأسماء لا يُعرف معناها أو شيءٍ من النجاسات ؛ ولأنها من أقوى ذرائع الشرك وأسبابه.

الخامسة: الرقى الموصوفة بكونها شركاً هي ما كان فيها شرك من دعاء غير الله أو الاستغاثة أو الاستعاذة به، وكالرقى بأسماء الملائكة والأنبياء والأولياء والجن ونحو ذلك.

السادسة: جاءت النصوص بتحريم جنس التمائم ـ وهو الصحيح ـ والتفصيل في الرقى؛ لأن جنسها لا بأس به ما لم تكن شركاً.

السابعة: إذا كان المعلّق من التمائم من القرآن ففيه قولان:

الأول: الجواز وهو قول ابن عمرو وظاهر ما روي عن عائشة ويُروى عن جعفر الباقر ورواية عن أحمد، وهو ظاهر اختيار ابن القيم، وحملوا الحديث على التمائم الشركية.

الثاني: عدم الجواز والنهي عنه، وهو مروي عن ابن عباس وابن مسعود وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم رضي الله عنهم، وبه قال جماعة من التابعين من تلاميذ ابن مسعود وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون واحتجوا بالحديث، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفرق بين التي من القرآن وغيرها بخلاف الرقى، فقد فرَّق فيها وصححه في فتح المجيد وذلك:

1) لعموم النهي ولا مخصص له.

2) سداً للذريعة فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.

3) ما يفضي تعليقه من امتهان القرآن في حال قضاء الحاجة ونحو ذلك.

4) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رُقي ورقى غيره، فلو كان تعليق تمائم القرآن جائزاً لأقره.

الثامنة: الرقية قسمان:

1) رقية القراءة على المريض مباشرة، وهذه لا إشكال في جوازها إذا خلت مما يخالف الشرع.

2) رقية القراءة في ماء في الإناء ونحوه من المائعات ثم يتناولها المريض وفيها خلاف والصواب جوازها:

أ- لعموم قولـه تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] وقوله تعالـى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: 44].

ب- لحديث أم سلمة: فكان عندها جِلجِل تضع فيه من شعرات النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتصب عليه من الماء ثم ترسله إلى المريض، فإذا كان في شعرات النبي - صلى الله عليه وسلم - شفاء ففي القرآن أولى، ولـما جاء من الأحاديث من قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ماءٍ وإرساله إلى بعض أصحابه.

التاسعة: قال السيوطي - رحمه الله -: أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع شروط:

1) أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته.

2) وباللسان العربي وما يعرف معناه.

3) أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى.

4) أن لا يعتمد عليها بل يعتمد على الله تعالى فإنها مجرد سبب قد تنفع بإذن الله وقد لا تنفع.

5) أن يكون الراقي ليس من أهل السحر والشعوذة ونحوها.

العاشرة: من تعلّق بالله وأنزل حوائجه به والتجأ إليه وفوض أمره إليه كفاه، ومن تعلّق بغيره أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمائمه ونحو ذلك من أسبابه وكله الله إلى ذلك وخذلـه، وهذا أمر معروف بالتجارب.

الحادية عشرة: العين هي إصابة العائن غيره في بدنه أو في ماله أو في ولده بعينه إذا نظر إليه فأعجبه ما رأى فتبعته نفسه فيتضرر من إصابته بمرض أو تلف كلي أو جزئي، والعين بإذن الله تعالى، فقد تصيب وقد لا تصيب ؛ لأن أمر ذلك متعلق بمشيئة الله.

الثانية عشرة: ويندفع شر العائن بأسباب، منها:

1) التعوذ بالله من شره.

2) فراغ القلب من الاشتغال به.

3) الإحسان إليه مهما أمكن.

4) الصدقة وتقوى الله والتوكل عليه وإقبال القلب عليه.

5) الإيمان بالقدر ومعرفة أن الأسباب كلها بيد الله تعالى.

الثالثة عشرة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «حصول الغرض ببعض الأمور لا يدل على إباحته وإن كان الغرض مباحاً فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلا فجميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبها بها منافع ومقاصد، ولكن لما كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهى الله تعالى ورسولـه - صلى الله عليه وسلم - عنها، كما أن كثيراً من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون فيها مضرة على النفس لكن لما كانت مصلحتها راجحة على مفسدتها أمر الشارع بها».

الرابعة عشرة: يجوز أخذ الأجر على الرقية ما لم يتخذ ذلك مهنة لقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين.

الخامسة عشرة: اتخاذ الرقية مهنة يتفرغ لها الشخص ويجعل له داراً خاصة بذلك ويبيع على الناس أشياء يخترعها، ذلك كله من الأمور المنكرة لعدة اعتبارات:

الأول: أن ذلك بدعة لم يكن من فعل السلف فلم يسبق إلى ذلك منهم أحد.

الثاني: أن غالب من تصدر منهم هذه الأمور ممن سبقت لهم إصابة بالجن لم يبرأ منها فتعينهم الأرواح المخالطة لهم، وذلك من أوسع أبواب الشرك بالله تعالى.

الثالث: أنه قد ثبت بالاستقراء أن نسبة ممن تصدى لذلك أقر باستعانته بالجن وهي استعانة بعالم خفي لا يمكن الاطلاع على عدالته، والأصل في هذا الباب المنع ؛ لما يفضي إليه من الشرك الذي اشتهر به أهل الجاهلية.

الرابع: أن عدداً ممن فتح أبواب هذه الدور لاستقبال المصابين وعلاجهم بتلك الرقى وتوابعها ثبت عليه أمور منكرة من الخلوة بالنساء والاستعانة بالجن والاطلاع على كتب السحر، والتحريش بين الناس، وإيقاع البغضاء والعداوة بينهم اعتماداً على أقوال الجن.

كل هذه الاعتبارات وغيرها مما لم أذكره أو لم يبلغني تدل على خطورة هذه الظاهرة وحرمتها، ووجوب حذرها والتحذير من أهلها والأخذ على أيديهم ومنعهم من ذلك بقوة السلطان إن لم يوجد ويكفي فيهم وازع القرآن.

السادسة عشرة: لابد فـي الأسباب من معرفة ثلاثة أمور:

الأول: أن لا يجعل منها سبباً إلا ما ثبت أنه سبب بالشرع أو القدر.

الثاني: ألا يعتمد العبد عليها لكن يعتمد على مسبّبها ومقدّرها وهو الله سبحانه وتعالى مع قيامه بالمشروع منها، وحرصه على النافع منها.

الثالث: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره ولا خروج لها عنه، فلابد مع وجود السبب المؤثر من وجود المحل القابل وانتفاء المانع.

السابعة عشرة: لا بأس بالتداوي بما لا محذور فيه شرعاً ـ هذا عند عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى ـ، وعند جماعة من المحقّقين أنه مستحب لحديث «باد الله تداووا ولا تتداوا بحرام»؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تعاطى الدواء، ولقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»، وهذا هو الأرجح من حيث الدليل والتعليل، فإن فيه تسلية للنفس وطلباً لما ينفعها، وتحرياً للإعانة على الخير.

 9- باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما

وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالعُزَّى﴾ الآيات [النجم: 19].

عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حُنَين ونحن حُدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكُفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذاتُ أنواط فقال رسـول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الله أكبر، إنها السُنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138] لتركبنَّ سَننَ من كان قبلكم». رواه الترمذي وصحّحه.

 ـــ

 الفوائد على الباب:

الأولى: البَركَة مأخوذة من البِرْكَة وهي مجمع الماء، وتمتاز بالكثرة والاستقرار فهي:

لغـةً: كثرة الشيء وثبوته.

شرعاً: طلب البركة بقول أو فعل أو اعتقاد، وهو أنواع:

1- التبرك بأمر شرعي: كطلب البركة في:

أ- قصد المكان: كالمسجد الحرام والمسجد النبوي ونحوهما.

ب- أو اغتنام الزمان: كالمواسم الشرعية كرمضان وعشر ذي الحجة ونحوها.

ج- أو بالذات: كالتبرك بأبعاض النبي - صلى الله عليه وسلم - كشعره ونحو ذلك فـي حياته وبإقراره.

د- أو بالأقوال: كالقرآن والدعاء وغيره.

هـ- أو بالأفعال: كالشهادة في سبيل الله وإنفاق المال ابتغاء وجهه سبحانه والإحسان إلى من شرع الإحسان إليه.

و- أو بالمطعومات والمشروبات: كالعسل وزمزم.

فتعاطي هذه الأسباب المشروعة لحصول الخير والبركة هو التبرك المشروع.

2- التبرك الشركي: هو ما يعتقده أهل الجاهلية ويظنونه في أوثانهم من البركة وإعطائها لقاصديها، ولذا يعظمونها بالأقوال والأفعال لما يرجونه ويؤملونه من بركتها وشفاعتها وهو عين ما يقصده المشركون من المنتسبين للإسلام في ذوات من يظنون صلاحه وقبورهم ومقاماتهم وآثارهم فاتَّبعوا سنن المشركين من أهل الجاهلية كضلال اليهود والنصارى وهو نوعان:

أ-: التبرك الشركي الاعتقادي: وهو أن يعتقد أن ذلك الشيء يعطي البركة بذاته ولو لم يصحب هذا الاعتقاد عمل.

ب-: التبرك الشركي العملي: وهو أن يفعل لبعض الأشياء أعمالاً لا تنبغي لغير الله، يطلب منها البركة كالذبح عند القبور والأشجار والأحجار ونحوها.

فهذا كله شرك أكبر لما فيه من تسوية المخلوقات بالخالق في الأفعال والأعمال التي لا تنبغي إلا لله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]، وقال عن أهل النار: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * [تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العَالَمِينَ﴾  [الشعراء: 97-98].

3- التبرك البدعي: وهو أن يفعل عند القبور ونحوها أفعالاً لله تعالى، أو يتمسح بالكعبة أو بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحوها يطلب منها البركة فهذا تبرك وسيلة وواسطة إلى الشرك لم يأذن به الله تعالى فكان بدعياً.

الثانية: بركة الله تعالى نوعان:

أ- بركةٌ هي وصف الرب تبارك وتعالى، تضاف إليه سبحانه وتعالى إضافة الصفة إلى موصوفها كإضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك.

ب- بركة هي فعل الرب تعالى وتقدس، والفعل منها بارك ويتعدى بنفسه تارة، وبأداة «على» تارة، وبأداة «في» تارة، والمفعول منها مبارك، وهو ما جعله الله من الذوات والأفعال كذلك كالكعبة ومكة والمدينة وآل أبي بكر.

الثالثة: إذا كان اتخاذ شجرة لتعليق الأسلحة وغيرها بها والعكوف عندها كاتخاذ إله مع الله مع أنهم لا يدعونها، ولا يسألونها، فكيف يكون عمل مشركي زماننا ممن ينتسب إلى الإسلام عند القبور من دعاء الأموات والاستغاثة بهم والذبح والنذر عندها وجعل السدنة والحجّاب عليها؟ فإنه من أعظم أنواع الشرك الأكبر ؛ لأنه صرف لأخص أنواع العبادة لغير الله تعالى.

الرابعة: دلَّ قولــه - صلى الله عليه وسلم -: «قلتم ـ والذي نفسي بيده ـ كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138] على أنَّ العبرة بالمعاني لا بالأسماء ؛ ولهذا جعل طلبهم كطلب بني إسرائيل، فالأسماء لا تغيّر المسميات، فتسمية القبوريين دعاء الأموات توسلاً أو حباً أو نحوه لا يجعل عملهم ديناً بل هو شرك أكبر.

الخامسة: سوّغ بعض المتأخرين كالنووي - رحمه الله - وغيره التبرك بآثار الصالحين مستدلاً بفعل الصحابة رضي الله عنهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاناً أن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن يظن صلاحه مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا باطل من وجوه:

الأول: عدم المقاربة بين من يظن صلاحه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - فضلاً عن المساواة.

الثالث: لو سلم الصلاح فمن أين الدليل على جواز التبرك بالصالح غير النبي - صلى الله عليه وسلم -؟.

الرابع: أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يفعلون ذلك مع غير النبي لا في حياته ولا بعد مماته، فلم يفعلوا شيئاً من ذلك مع الصديق ولا عمر رضي الله عنهما، ولا مع أزواجه - صلى الله عليه وسلم - أو ذرياته - رضي الله عن الجميع -، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، فعُلم أن ذلك من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -.

* * *

 10- باب ما جاء في الذبح لغير الله

وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ الآية [الأنعام: 162-163]. وقولـه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2].

عن عليٍّ ر قال: حدَّثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربـع كلمات: «لعن اللهُ من ذبح لغيرالله، لعنَ اللهُ من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غيَّرَ منارَ الأرض». رواه مسلم.

وعن طارق بن شهاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟. قال: «مرَّ رجلان على قوم لهم صنمٌ لا يَجُوزُه أحدٌ حتى يقرِّب لـه شيئاً. فقالوا لأحدهما: قرِّب. قال: ليس عندي شيء أقرِّب. قالوا: قرِِّب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قَرِّب. فقال: ما كنت لأقرِّب لأحدٍ شيئاً دون الله - عز وجل - فضربوا عنقه، فدخل الجنة» رواه أحمد.

ــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: مراد المؤلف ذكر ما جاء في الذبح لغير الله من النهي الأكيد والوعيد الشديد وأنه شرك في التوحيد، فإن نصوص الكتاب والسنة صريحة في الأمر بالذبح لله وإخلاص ذلك لوجهه كما هي صريحة بذلك في الصلاة، فقد قرن الله تعالى الذبح بالصلاة في عدة مواضع، وإذا ثبت أن الذبح لله من أجلّ العبادات وأكبر الطاعات فالذبح لغير الله شرك أكبر مخرج من الملة.

الثانية: وجه الاستدلال بقولـه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ الآية أنه لما كانت الصلاة من أجلِّ العبادات البدنية، والنسك من أجلِّ العبادات المالية أمر الله تعالى بإخلاصهما لـه بأن يتقربوا إليه بهما، وأن يجتنبوا الشرك به فيهما بصرف شيء منهما لغير الله، فإن ذلك شرك بالله عز وجل محبط للعمل.

الثالثة: المراد بالذبح لغير الله ما أُهِلَّ به لغير الله مثل أن يقال هذه ذبيحة كذا، أو ما يذبح لشجر أو حجر أو قبر أو جني أو غيرهم من الخلق على وجه التقرب إليه تعظيماً لـه لتحقيق مطلوب، أو دفع مكروه، فكل ذلك يعتبر عبادة لغير الله، والعبادة لغير الله أعظم كفراً من الاستعانة بغيره، لتعلق الأول بالألوهية، وتعلق الأخير بالربوبية.

الرابعة: المراد بالذبح ـ هنا ـ إزهاق روح ما يُؤكل لحمُه بالتذكية الشرعية، وهو نوعان:

1- ذبح عادة: كالذبح للأكل وللضيف ونحو ذلك فذلك عادة باعتبار الأصل تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب ما يقترن به، أو يحمل عليه وهي: الاستحباب والوجوب والكراهية والتحريم والإباحة، فمثلاً: إذا ذبح للضيف إكراماً لـه لما جاء في الشرع فهو سنة ومستحب، وإذا ذبح للنفقة على العيال فقد يكون واجباً وقد يكون غير ذلك.

2- ذبح عبادة: وهو أنواع:

أ) فما ذبح تقرباً لله تعالى كالهدي والأضاحي والعقيقة فهو عبادة لله تعالى وتوحيد له ونسك شرعه لعباده..

ب) وما ذبح تقرباً لغير الله فهو شرك أكبر كالذبح للقبور والجن ونحو ذلك، وهو مقصود المؤلف في هذا الباب.

ج) ما ذبح بدعةً كالذبح في الموالد وعند طلعة السلطان وعند القبور تقرباً إلى الله تعالى بإكرام أهلها أو من يقصدها فهذا محرم؛ لكونه على خلاف الشرع وذريعة إلى الشرك ودعاء المسألة.

الخامسة: اشتملت الصلاة على نوعي الدعاء: دعاء الثناء ودعاء المسألة:

 أ- فما فيها من الحمد والتكبير والتسبيح والركوع والسجود وغير ذلك من الأركان والواجبات فهو من دعاء الثناء.

ب ـ ما فيها من السؤال والطلب للهدى والمغفرة والرحمة والرزق فهو من دعاء المسألة.

وكلاهما عبادة، ولذا سُميت الصلاةُ صلاةً لاشتمالها على نوعي الدعاء الذي هو صلاة لغة وشرعاً.

السادسة: الصلاة والنسك عبادتان دالتان على القرب والتواضع وافتقار المتعبد بهما لله تعالى وحسن ظنه وقوة يقينه بالله وطمأنينة قلبه إليه، فلذا أمر الله تعالى - صلى الله عليه وسلم - نبيه بهما شكراً لـه على ما أعطاه من نعمة الكوثر، فدلّ على منزلتهما من الشكر عكس حال فريقين من الناس:

أ‌-       أهل الكبر والنفرة والغنى عن الله الذين لا حاجة لهم إلى ربهم، فلا يصلون له، ولا يسألونه الحاجات.

ب- والذين لا ينحرون نسكاً تقرباً إلى الله لخوفهم الفقر، ولهذا جمع الله بينهما في قولـه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فهما من أجل ما يتقرب به العبد إلى ربه.

السابعة: حدّ الشرك الأكبر هو: «صرف نوع أو فرد من أفراد العبادة لغير الله تعالى، فأي قول أو عمل أو قصد ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغير الله شرك وكفر أكبر».

الثامنة: حدّ الشرك الأصغر هو: كل وسيلة وذريعة توصل إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة، أو ما جاء في النصوص تسميته شركاً ولم يصل إلى حد الأكبر أي: الإخراج من الملة.

التاسعة: اللعن من الله تعالى هو الطرد والإبعاد عن مظان الرحمة ومواطنها، واللعين والملعون من حقت عليه اللعنة أو دعي عليه بها، واللعن من الخلق السب والدعاء، والله يلعن من استحق اللعن بالقول كما يصلي على من استحق الصلاة بالقول، وكل عمل لعن الله عليه فهو محرم أشد التحريم.

العاشرة: في حديث علي ر بدأ بلعن من ذبح لغير الله ؛ لأن الذبح لغير الله من الكبائر الشركية، والشرك هو أعظم الذنوب كما في الحديث: «أكبر الكبائر الشرك بالله».

 الحادية عشرة: إذا ثبت أن الذبح لله من أجلِّ الطاعات وأعظم القربات فالذبح لغير الله شرك أكبر مخرج عن دائرة الإسلام.

الثانية عشرة: شتم الرجل والديه لـه صور منها: تسببه في شتمهما بشتمه والدي شخص آخر، فيردّ عليه بشتم والديه وذلك من كبائر الذنوب؛ لأنه من العقوق؛ ولأنه لما تسبب في الشتم صار كأنه مباشر له.

الثالثة عشرة: إيواء الـمُحْدِثين من كبائر الذنوب، وكلما كانت الكبيرة أكبر كان الإيواء أخطر، ومن صوره:

1- أن يحول بشفاعته دون إقامة الحد الشرعي على مستحقه، وفي الحديث: «من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادّ الله في أمره». وفي الحديث: «إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع».

2- أن يحول بين الجاني وخصمه أن يقتص منه.

3- نصرة المبتدع أو البدعة بإقرارها وعدم إنكارها ومضادَّة من ينكرها.

الرابعة عشرة: خطر تغيير مراسيم الأرض ومعالمها التي تميز حدود الشركاء والأملاك بعضها من بعض بتقديم أو بتأخير، أو بإزالة لتضليل الحكام وأخذ الأملاك بالباطل فمغيرها ملعون لما ينشأ عن تغييره من تضليل الحُكام وخطأ الأحكام وضياع الحقوق وإحداث الفتن بين الناس.

الخامسة عشرة: من تغيير منار الأرض الملعون فاعله:

1- تغيير مراسيم الأرض ومعالمها التي تميز حدود الشركاء والأملاك بعضها من بعض بتقديم أو تأخير، أو إزالةٍ كلية لتضليل الحكام وأخذ الأملاك بالباطل.

2- إزالة الأعلام واللوحات الإرشادية التي تهدي السالكين للطرق إلى المدن والقرى ومواضع حاجتهم من الماء ونحوه.

3- ما يفعله بعض الفسقة من كُتَّاب ونحوهم المحامين من التلاعب بالسجلات والوثائق التي تحدد الأملاك والحقوق بزيادة أو نقص أو إخفاء للحجج وعمل استحكامات جديدة بخلافها حتى يعود الوقف ملكاً، أو إخفاء شرط الواقف لإخراج مستحقه وإدخال غيره ونحو ذلك من الحيل الباطلة لمنع الشيء عن مستحقه وإعطائه لغير مستحقه.

السادسة عشرة: طارق بن شهاب ر أثبت ابن حجر ــ رحمه الله ــ لـه صحبة وسماعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه خلاف، ولكن إذا ثبتت صحبته صح حديثه ؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وقد روي حديث «دخل الجنة رجل في ذباب.. إلخ» من غير طريق الأعمش بل من طريق مخارق ومخارق خرّج لــه البخاري والترمذي، وعده ابن حبان في الثقات فصح بذلك سنده، فإن طارقاً من صغار الصحابة وغالب روايته عن أبي موسى الأشعري فهي مرسلة صحيحة، ومرسل الصحابي صحيح، وقد رواه الإمام أحمد في الزهد وذكره ابن القيم، فسنده جيد.

السابعة عشرة: أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان؛ لأنهم رضوا بتقريب الشيء الحقير للصنم كالذباب؛ لما في التقريب من تعظيم صنمهم.

الثامنة عشرة: عِظم شأن الشرك وأن اليسير منه ـ وهو تقريب الذباب ـ أدخل فاعله النار فكيف بمن يستسمن الإبل والبقر والغنم ويقربها لغير الله من جنيٍّ أو غائب أو طاغوت أو قبر كما عمت به البلوى في كثير من الأمصار.

التاسعة عشرة: معرفة قدر الشرك وخطره في قلوب المؤمنين حيث صبر المؤمن على القتل ولم يوافق أهل الصنم على الشرك مع كونهم طلبوا أمراً حقيراً.

العشرون: قرب الجنة والنار من الإنسان.

الحادية والعشرون: امتنع الآخر أن يقرّب لغير الله تعالى مع أنه مكره وعرّض نفسه للقتل لأحد أمرين:

الأول: إما أن شريعتهم ليس فيها عذر الإكراه ؛ ولهذا لم يأخذ بالرخصة ويتخلص من شرهم.

الثاني: أنه ترك الرخصة وأخذ بالعزيمة ؛ لقوة إيمانه، وصدق يقينه، فصبر على القتل.

أما في شريعتنا فمن أُكره على الشرك ففعل ما أُكره عليه بقصد التخلص من شرهم وقلبه مطمئن بالإيمان فلا حرج عليه لقولـه تعالى: إِلَّا ﴿مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] فيأخذ بالرخصة حتى لو قال الكفر بلسانه.

 11- باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله

وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: 108].

عن ثابت بن الضَّحَّاك ر قال: نَذَر رجلٌ أن ينحر إبلاً ببُوانَةَ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يُعبَد؟». قالوا: لا.

قال: «فهل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟». قالوا: لا.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أوفِ بنذرِكَ، فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملكُ ابنُ آدم».

رواه أبوداود، وإسناده على شرطهما.

الفوائد على الباب:

الأولى: مراد المؤلف بالترجمة النهي عن الذبح لله في المكان الذي يُذبح فيه لغيره لئلاّ تقع المشابهة لأهل الشرك في ذبحهم لطواغيتهم، وكذلك التنبيه على أنه لا يجوز التشبه بأهل المعاصي ولا مشاركتهم في أماكن المعصية في الذبح وغيره حتى لا ينسب إليه أو يُظن به السوء.

قال عمر ر: لا تدخلوا على الكفار في معابدهم، فإن السخطة تتنزل عليهم.

الثانية: يجب إزالة أماكن الكفر والضلال والتخلص منها كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهدم مسجد الضرار حتى لا يُستعان بها على الفساد، فكما أنه لا يجوز الذبح لله في مكان يذبح فيه لغيره فكذلك لا تجوز الصلاة ولا غيرها في الأماكن المعدة للفسق والمعاصي قياساً على ذلك وهو قياس صحيح.

الثالثة: في حضور أماكن البدع والمعاصي ونحوها مفاسد، منها:

1- تكثير سواد أهلها.

2- فتنة ضعفاء الإيمان والسذج من المسلمين بهذه المواطن.

3- أنه يُساء به الظن.

4- قد يحدث لـه زيغ بسبب مخالطتهم والاستماع إلى شبهاتهم وأهوائهم.

5- أنها متنزّل العذاب والعقوبات.

الرابعة: مسجد الضرار بناه جماعة من المنافقين بمشورة أبي عمر الفاسق مضارةً لمسجد قباء وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وكان بناؤه قبل خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك فسألوه أن يصلي لهم فيه ليكتسب الصفة الشرعية، وذكروا أنهم بنوه للضعفاء وأهل العلّة في الليلة الشاتية، فقال: إنّا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله، فلما قفل وقَرُب من المدينة نزل الوحي بخبر المسجد فبعث إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من هدمه قبل قدومه.

والشاهد من الآية أن هذه المسجد لما أُسس على المعصية والكفر بالله صار محل غضب فنهى الله نبيه أن يصلي فيه لوجود العلة المانعة وهي كونه محل معصية وغضب فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله وهذا قياس صحيح.

الخامسة: مسجد قباء أُسِّسَ من أول يوم على التقوى وهي طاعة الله ورسوله وجمع كلمة المسلمين وليكون معقلاً لأهل الإسلام فلذلك أمر الله النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي فيه فكان - صلى الله عليه وسلم -يزوره كل سبت وأخبر أن الصلاة فيه كعمرة.

ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أحق بهذا الوصف من باب أولى فإنه أعظم المساجـد في الأرض فضلاً بعد المسجد الحرام، والصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.

السادسة: الوثن يتناول كل معبود من دون الله من صورة أو قبر أو نصب ـ تمثال أو صورة ـ أو طاغية لكن غلب إطلاقه على ما عُبـِدَ من دون الله تعالى وهو على غير صورة حيوان.

السابعة: قيل إن نذر المعصية نذر باطل على غير مراد الله ورسوله ولذلك لا كفارة لـه، واحتج أهل العلم لهذا القول بعمــوماتٍ في هذا الباب مثل حديـث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ»؛ ولأن الله تعالى لا يُعظَّم بنذر المعصية. لكن الراجح القول الثاني وهو وجوب الكفارة ؛ لأن الناذر قد أراد بنذره تعظيم الله تعالى لكن أخطأ بنذره المعصية فلا يعصي وعليه الكفارة، هذا من حيث التعليل.

وأما من حيث الدليل فإنه قد جاءت أخبار تدل على وجوب الكفارة.

الثامنة: لا يجوز الذبح لله في مكان يذبح فيه لغيره لما في ذلك من:

1- مشابهة ظاهرة للمشركي، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من تشبَّه بقوم فهو منهم».

2- لما ورد فيه من النهي.

3- فيه إحياء للمحل الشركي وتعظيم ظاهر له فهو وسيلة إلى وجود الشرك ورجوعه وسد الذرائع من أهم ما جاءت به الشريعة.

4- أن مواضع الشرك مواضع غضب.

التاسعة: قال سماحة شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز ــ رحمه الله وأسكنه الجنة ــ: «إذا حصل شرك أو بدع عند القبور فهذا لا يمنع من زيارتها الشرعية، كما إذا حصلت معاصي في المساجد فلا يمنع ذلك من الصلاة فيها». اهـ.

العاشرة: العيد اسم لما يعود ويتكرر على وجه معتاد، والأعياد نوعان:

1- أعياد شرعية: هي: ما حوى عبادة وعادة:

فالعبادة: كالصلاة والنسك.

والعادة: كالتزين باللباس واللعب ونحوه من المباح.

والأعياد الشرعية قسمان:

أ- زمانية: وهي ما يعود في كل زمن ويتقرب فيه إلى الله كالجمعة والفطر والأضحى فيهتم بها وتعظم.

ب- مكانية: وهي ما يتكرر العود إليها كالمسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى ومشاعر الحج.

2- أعياد بدعية: وهي ما يعظمه الناس من زمان أو مكان لم يرد الشرع بتعظيمه كتعظيم يوم المولد والنصف من شعبان وسبع وعشرين من رجب باعتبار أنها مناسبات دينية، ويلحق بها أعياد تولي السلاطين على الملك وتاريخ الاستيلاء على البلدان وسائر المناسبات المخترعة، فهذه تحرم إقامتها وتعظيمها لما فيها من مضاهاةٍ للشرائع السماوية، فإن الأعياد من أعظم شعائر الشرائع، فالراجح منعها لذلك ؛ ولأن تعظيم الأعياد المخترعة ينقص من تعظيم الأعياد الدينية، وهذا معلوم بالمشاهدة.

الحادية عشرة: الذبح لله في أماكن الشرك بدعة وشرك أصغر والذبيحة حلال.

الثانية عشرة: كان من أهل «نجد» كغيرهم من مشركي آخر هذه الأمة يذبحون للجن لطلب الشفاء منهم لمرضاهم، ويتخذون للذبح مكاناً مخصصاً في دورهم، فأزال الله ذلك بدعوة الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – (حاشية ابن قاسم/103).

الثالثة عشرة: أمر عمر ر بالصلاة في الكنيسة مع ما يقع فيها من الباطل والشرك محمول على أحد أمرين:

الأول: أن المؤمنين كانوا مضطرين للصلاة فيها عند مرورهم بها في سفرهم.

الثاني: ولأن جنس عبادة الله تعالى بالصلاة متفق عليها بين المسلمين والنصارى فهم قد اتخذوها معبداً لله لكن عبادتهم ليست مستقيمة.

* * *

 12- باب من الشرك النذر لغير الله

وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان : 7].

وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة : 270].

وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من نذر أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطِعْهُ، ومَنْ نذَر أن يَعصي اللهَ، فلا يعصه».

ـــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: النذر مصدر نذر ينذر نذراً، أي: أوجب على نفسه شيئاً لم يكن واجباً عليه شرعاً تعظيماً للمنذور له.

وقد دلت نصوص الشرع على أن النذر لله تعالى نوعان:

الأول: نذرٌ مأمورٌ به عند وجود سببه فلابد من فعله أو بدله ـ إن كان له بدل ـ، ومن ذلك:

أ- هدي التمتع والقران لمن أحرم بهما فيجب عليه مع القدرة أو بدله عند العجز.

ب- ومثله الأضحية إذا عيَّنها بشرائها للتضحية بها، فإذا تلفت بتفريط منه أو ذبحها قبل وقت ذبحها فيجب عليه أن يذبح بدلاً عنها.

ج- وألحق بهما بعض أهل العلم العقيقة إذا عيَّنها كذلك.

فهذا نذرٌ عظيم ونسك كريم من جليل القُرب، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج : 29].

الثاني: نذرٌ لا يُؤمر بابتدائه وإنما يُؤمر بالوفاء به بعد عقده ويُمدح الموفي به، وهو ما يلزم به المرء نفسه بشرطه وهو الذي يذكره عامة الفقهاء ـ رحمهم الله ـ، وهو الذي قيل فيه: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج من البخيل».

الثانية: النذر لغير الله تعالى هو أن يوجب الناذر على نفسه شيئاً لغير الله على وجه التعظيم لـه لطلب تحصيل نفع أو دفع ضر، وذلك شرك أكبر ينافي التوحيد ويحبط العمل كالنذر للقبور تعظيماً لمن فيها، والنذر للأوثان تعظيماً لها ورجاء نفعها أو اتقاء ضررها.

الثالثة: دلت النصوص الشرعية على أن النذر عبادة لله، فالنذر من عبّاد القبور لأهل القبور ليشفعوا لهم شرك ؛ لأنه عبادة لهم فإنه معلوم من دين الإسلام بالضرورة أن صرف شيءٍ من العبادة لغير الله إشراك مع الله كالذبح لغير الله، ففاعله داخل تحت طائلة ما توعد الله به أهل الشرك الأكبر من ألوان العقوبات التي منها أن يحرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار.

الرابعة: قال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج : 29] فأمر سبحانه بالوفاء بالنذر وأثنى على الموفين به بقولـه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ وهذا يقتضي أن النذر عبادة لله تعالى أمر به شرعاً وأثنى على أهله بجعله من أسباب دخول الجنة، وذلك يقتضي أن صرفه لغير الله شرك أكبر.

الخامسة: قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ خمسة لغير الله شرك: الركوع والسجود والنذر والذبح واليمين ـ أي الحلف بغير الله تعالى ـ.

والحاصل أن النذر لغير الله فجور، وفاعله مأزور، فمن أين تحصل لهم الأجور؟.

السادسة: قال شيخ الإسلام: ما نذر لغير الله كالأصنام والشمس والقمر ونحـو ذلك بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوق ليس عليه وفاء، فإن كلاهما شرك والشرك ليس له حرمة بل عليه أن يستغفر الله كما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولـه من قال في حلفه: «واللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله». متفق عليه.

السابعة: قولـه تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة : 270]. تعليقه الشيء بعلم الله تعالى دليل على أنه محل جزاء وترتيب الجزاء على الشيء يدل على أنه عبادة، فإذا كان عبادة فصرفه لغير الله شرك أكبر.

الثامنة: الفرق بين نذر المعصية والنذر لغير الله:

1- أن نذر المعصية لله والمنذور معصية كالحلف بالله على شيء محرم. أما النذر لغير الله فهو أصلاً لغير الله وهو شرك بالله لأنه عبادة للمنذور له.

2- نذر المعصية ينعقد لكن لا يجوز الوفاء به، فإن الله تعالى لا يتقرب إليه بالمعاصي، وعليه كفارة يمين كالحلف بالله على المحرم ينعقد وفيه الكفارة.

3- أما النذر لغير الله فلا ينعقد أصلاً ولا تجب فيه الكفارة بل هو شرك تجب التوبة منه كالحلف بغير الله.

التاسعة: النذر لا يأتي بخير، وإن كان نذر طاعة، وإنما يستخرج به من البخيل ولهذا ينهى عنه، وذهب شيخ الإسلام وجماعة إلى تحريمه، ويرجح التحريم قولـه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إلى قولـه: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور : 53] فنهاهم عن القسم، ويدل على التحريم أيضاً:

1- أن العبد مأمور أن يطلب العافية والناذر يطلب أمراً يكلف نفسه بما هو في عافية منه.

2- تعليق النذر على أمر يدل على استبعاد قدرة الله عليه، وفي ذلك سوء ظن بالله تعالى، فكأنه لما استبعد حصوله نذر، وهذا نقص فـي كمال التوحيد الواجب، ولعل من حكمة الكفارة عنه جبران نقص التوحيد بها.

العاشرة: يفيد قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»صحة النذر في المباح وهو مذهب أحمد وغيره، ويؤيده حديث المرأة التي نذرت أن تضرب الدف عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: (( أوفِ بنذركِ )). رواه أحمد وغيره.

أما نذر اللجاج والغضب وهو تعليقه بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب فيخيّر بين فعله وكفارة يمينه، وأكثر أهل العلم على أنَّه يجزئه كفارة يمين، وإن نذر مكروهاً كالطلاق استحب أن يكفر ولا يفعله.

الحادية عشرة: من القواعد في توحيد العبادة أن أي أمر ثبت أنه عبادة لله تعالى فصرفه لغير الله شرك.

الثانية عشرة: ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل»، فمن ظن أن حاجته إنما قضيت بالنذر فقد كذب على الله ورسوله، والناس مأمورون بطاعة الله ورسوله واتباع دينه وسبيله واقتفاء هداه ودليله.

الثالثة عشرة: ما كان من نذر المعصية لا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء، وفي الكفارة عنه قولان:

أحدهما: تجب فيه الكفارة لحديث عائشة رضي الله عنها: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين». رواه أحمد وأهل السنن واحتج به أحمد، ولم يصححه الترمذي وأبوداود، ووجوب الكفارة هو مذهب أكثر السلـف، وظاهر مذهب أحمد وقول أبي حنيفة وغيره.

الثانـي: لا كفّارة فيه لحديث البـاب فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، وهو مذهب مالك والشافعي واختيار شيخ الإسلام.

الرابعة عشرة: أجمع العلماء على أن من نذر طاعة لشرط يرجوه كأن يقول إنْ شفى الله مريضي فعليّ أن أتصدق بكذا، وجب عليه إن حصل لـه ما علق نذره على حصوله حياً كان أو ميتاً، فإن كان حياً لزمه الوفاء به، وإن كان ميتاً يؤديه عنه ورثته لوجوبه في ذمته.

الخامسة عشرة: نذر الزيوت والشموع والأطياب للقبور شرك أكبر؛ لأنه نذر لغير الله.

السادسة عشرة: قال الحافظ: اتفقوا على تحريم النذر في المعصية.

* * *

 13- باب من الشرك الاستعاذة بغير الله

وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن : 6].

عن خَولةَ بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ نَزَلَ منزلاً فقال: أعوذ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرّهُ شَيءٌ حَتَّى يَرْحَل من منزِلِهِ ذلك». رواه مسلم.

ــ

الفوائد على الباب:

الأولى: الاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام والتحرّز، وحقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، ولهذا يسمى المستعاذ به معاذاً وملجأً وحرزاً، والعياذ من الشر، واللياذ بطلب الخير.

الثانية: وجه الاستدلال بالآية أن الله تعالى حكى عن مؤمني الجن أنهم ذكروا أشياء من الشرك كانوا يعتقدونها في الجاهلية من جملتها الاستعاذة بغير الله.

الثالثة: كان أهل الجاهلية إذا نزلوا وادياً قال أحدهم: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه. فزاد ذلك الجن طغياناً وجرأة وإثماً، وزادوا الإنس خوفاً، وفيهم نزلت سورة الجن التي تضمنت أن الاستعاذة بالجن من الشرك.

الرابعة: نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق، وردوا على الجهمية والمعتزلة في قولهم بخلق القرآن أنها لو كانت كلمات الله تعالى مخلوقة لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستعاذة بها ؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.

الخامسة: العائذ بالله قد هرب إليه واعتصم واستجار به ولجأ إليه والتزم جنابه واطمأن إلى حفظه مما يخافه وما يقوم بالقلب من السكون إلى الله والثقة به أمر لا تحيط به العبارة؛ ولهذا أمر الله تعالى عباده بالاستعاذة به وتواترت بها السنة الصحيحة عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم - فهي عبادة من أجلّ العبادات، والعائذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله قد أشرك بالله تعالى الشرك الأكبر، وقد جمع بين الشرك بالرحمن والخيبة والخسران.

السادسة: الاستعاذة بغير الله فيها تفصيل:

1- إنْ استعاذ بالمخلوق الحاضر فيما يقدر عليه فذلك جائز إذا قال:أعوذ بالله ثم بك، أما إنْ قال: أعوذ بالله وبك ولو فيما يقدر عليه كان مشركاً شركاً أصغر ؛ لأن الواو تفيد أن ما بعدها مساوياً لما قبلها.

2- أما إنْ استعاذ بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك أكبر ولو قال أعوذ بالله ثم بك.

السابعة: كلمات الله التي يستعاذ بها: هي القرآن وفيه ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾  [النحل : 40] ، فإن الله تعالى أخبر أنه هدى وشفاء وهذا الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى فهذا الذي شرعه الله تعالى لأهل الإسلام أن يستعيذوا به لا كما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن وغيرهم.

الثامنة: كلمات الله تعالى نوعان:

1- كلمات قدرية كونية: يحصل بها التأثير في الكونيات وهي التي استعاذ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في قولـه: «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر»، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، وقولـه سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِه﴾ [الأنعام : 115]، والكون كله داخل تحت هذه الكلمات.

2- كلمات دينية شرعية: وهي القرآن والأحاديث القدسية، وتلك الكلمات مشتملة علىأمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منهـا العلم بها والعمل، واجتناب المخالفة والزلل، والأمر بما أمر الله به، والنهي عما نهى الله عنه، والتوسل إلى الله تعالى برقية نفسه وغيره بها.

التاسعة: الاستعاذة من شر ما خلق الله أي من شر كل ذي شر أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره إنسي أو جني أو هامة أو دابة أو ريح أو صاعقة أي نوع كان من أنواع البلاء في الدنيا والآخرة، أي من شر كل مخلوق فيه شر.

العاشرة: الشر اسم جامع للسوء والفساد والظلم وجميع الرذائل، ويطلق على شيئين: الألم، وعلى ما يفضي إليه.

الحادية عشرة: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «أعوذ بكلمات الله التامّات» دلالة على أن كلمات الله غير مخلوقة ؛ لأن الاستعاذة بالمخلوقين شرك.

الثانية عشرة: في الحديث فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره.

الثالثة عشرة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك ولا يُسوِّغُ استعماله.

الرابعة عشرة: شرع الله تعالى للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته ومن ذلك كلماته التامات بدلاً عما كان يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن.

الخامسة عشرة: نهى أهل السنة عن العزائم والتعاويذ التي لا يُعْرَفُ معناها خشية أن يكون فيها شرك من سؤال لغير الله أو استعاذة بغيره، فإن درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح.

السادسة عشرة: قال القرطبي - رحمه الله -: هذا خبر صحيح علمنا صدقه دليلاً وتجربة، فمنذ أن سمعته عملت به فلم يضرني شيء إلى أن تركته فلدغتني عقرب ليلةً فتفكرت فإذا بي قد نسيته.

* * *

 14- باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره

وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس : 106-107].

وقولـه: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت : 17].

وقولـه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف : 5].

وقولـه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل : 62].

وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - منافقٌ يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيثُ برسـول الله - صلى الله عليه وسلم - من هـذا المنافق. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاثُ بالله».

ــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: مراد المؤلف - رحمه الله - من الباب بيان تحريم الاستغاثة بغير الله وأنها شرك، فإن كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله أو بالأموات فهي شرك أكبر مناقض للتوحيد، وإن كانت فيما يقدر عليه العبد فيجوز لكن لا تطلب بلفظ الاستغاثة أي: لفظ النداء مع إظهار غاية الاضطرار إلى المستغاث به من دون الله تعالى.

الثانية: الاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة، والغياث هو المغيث، وغياث المستغيثين هو الله تعالى، ومعناه مدرك عباده فـي الشدائد ومجيبهم إذا دعوه ومخلصهم.

الثالثة: أمر الله تعالى بالاستغاثة به فـي كل شدّة ومشقة، فإخلاص الاستغاثة لله تعالى توحيدٌ وإيمانٌ، وصرفها لغير الله شرك وتنديد.

الرابعة: الاستغاثة دعاء الله تعالى مخصوص فـي حالة الشدّة، فإنه سبحانه هو المتفرد بإجابة المضطر إذا دعاه.

ومن الفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا فـي الكرب، وأما الدعاء فهو أعمّ، فيكون من المكروب وغيره، فعطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.

الخامسـة: من استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلاّ الله فهو مشرك كافر؛ لدعوته لغير الله وجحوده ما أوجب الله عليه من التوحيد، وهو أيضاً متهم ينقص عقله، فإن أحداً من الخلق ليس عنده من جلب النفع أو الدفع لما يضر مثقال ذرة لا لنفسه ولا لغيره، بل كل الخلق فقراء إلى الله وهو الغني الحميد.

السادسة: الرزق لا يُبتغى إلا من الله كما أن الجنة لا تطلب إلا من الله تعالى قال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت : 17] لأنه وحده هو المتفرد بالملك والقهر ونفاذ المشيئة، والعطاء والمنع، والضر والنفع دون من سواه، ولذلك نهى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عن دعاء سائر المخلوقين لأنهم كلهم فقراء عاجزون، والدعاء والعبادة لا تصلح إلا للمتفرد الذي يملك النفع والضر، فمن دعا غير الله فـي ما لا يقدر عليه إلا الله أو ابتغى بشيء من العبادة غير الله فقد أشرك وكفر، فهو أنقص الناس عقلاً وأضلُّهم سبيلاً وأخسرهم صفقة.

السابعة: الواحد القهار هو المتفرد بالإجابة لداعيه حال الاضطرار فهو المستغاث فـي سائر الأحوال ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - «إنه لا يُستغاث بي وإنما يُستغاث بالله عز وجل»، وهذا نص منه - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يُستغاث به حماية لجناب التوحيد وسدّاً لذرائع الشـرك وتحذيـراً من وسائله، وإذا كان هــذا مع سيد الخلق فمــن دونه بطريق الأولى.

الثامنة: دلّت الآيات والحديث المذكورة فـي هذا الباب أن دعاء الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، والاستغاثة بغير الله فـي كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر.

* * *

 15- باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف : 191 ، 192].و قولـه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر : 13].

وفي الصحيـح عن أنس قـال: شُجَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ أُحُدٍ وكُسِرتْ رُباعيتُه فقال: «كيف يفلح قومٌ شَجُّوا نبيَّهم؟» فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران : 128]. وفيه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: «اللهم العن فلاناً وفلاناً ﴾ بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ﴾، فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وفي رواية: «يدعـو على صفـوان بن أُميَّة وسُهيل بن عمرو والحارث بن هشام» فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.

وفيه عن أبي هريرة ر قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أُنزِل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾  [الشعراء : 214] فقال: «يا معشـر قريش ـ أو كلمةً نحوها ـ اشتروا أنفسَكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباسُ بنَ عبدِالمطلب لا أغني عنكَ من الله شيئاً، يا صفيَّةُ عمةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا أُغني عنكِ من الله شيئاً، ويا فاطمةُ بنتَ محمد، سليني من مالي ما شئتِ لا أُغني عنكِ من الله شيئاً».

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد الشيخ - رحمه الله - فـي هذا الباب بيان بطلان ما عليه المشركون من عبادة غير الله من الأحياء أو الأموات أو الجمادات ونحوهم ممن لا يسمعون ولا يجيبون، فهم:

1- مخلوقون لا يَخْلُقُون.

2- فقراء لا يملكون حتى القِطمير.

3- عاجزون فلا ينتصرون ولايَنْصُرون.

4- ويكفرون بعبادة من عبدهم يوم يُحشرون.

فمن كان هذا شأنه فليس لـه من كمال الإلهية شيء، ولا يستحقون من العبادة شيئاً.

وفي ذلك أبلغ الردّ على المشركين الذين يدعون الصالحين ونحوهم من دون الله.

الثانية: أكبر براهين التوحيد أن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والملك والتدبير، والكمال فـي الذات والأسماء والصفات من كل وجه وبكل اعتبار، ومَنْ هذا شأنه فهو المستحق أن يُؤلَّه وحده لا شريك له وتُخلص لـه العبادة بجميع أنواعها قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج : 62].

الثالثة: مما يبيّن بطلان الشرك بالصالحين الذين دعاهم الخرافيون من دون الله أنهم خلق لله تعالى، وهم إما غائبون كالملائكة، وإما أموات كالأنبياء والصالحين، أو جمادات كالأحجار ونحوها من الأوثان التي لا تسمع ولا تعقل، فهم لا يحققون مقصود من عبدهم فلا يملكون من قطمير ولا يسمعون الداعي ولو سمعوا ما استجابوا لـه، ويوم القيامة يتبرأ عقلاؤهم من المشركين فتبيّن بذلك ضلال المشركين وخسرانهم يوم الدين: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف : 5] الآيات.

الرابعة: لابد أن يكون المدعو المقصود لقضاء الحاجة وتنفيس الكربة مالكاً للمطلوب وسامعاً للدعاء وقادراً على الاستجابة، والمدعوون من دون الله من جميع الخلق قد عدموا هذه الأشياء كلها، فهم إما أموات كالنبيين والصالحين، أو غائبون كالملائكة، أو عاجزون كالأوثان والأصنام وغيرها من الجمادات، ومن هذه حاله فهو عاجز عن تحقيق المطلوب فبطلت دعوتهم والتعلّق عليهم من دون الله.

الخامسة: من دعا غير الله يسأله ما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك، وذلك بنص التنزيل قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر : 14] فسمى الله تعالى دعوة غيره شركاً، وهو الشرك الأكبر المحبط للعمل المؤيس لمن مات عليه من رحمة الله عز وجل فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار.

السادسة: كاد إبليس اللعين لبعض الناس فزين لهم الشرك فـي قالب محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - والصالحين وتعظيمهم والتعلق عليهم والتبرك بهم ودعائهم من دون الله، وأظهر لهم التوحيد فـي قالب بغض النبي - صلى الله عليه وسلم - وتنقصهم وما شعروا أنهم قد تنقصوا الخالق جل وعلا بأن جعلوا له عدلاً وشريكاً من خلقه سوّوه به فيما هو من خصائصه.

السابعة: من أعظم حجج التوحيد وبراهينه:

أ- توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فإن المتفرد بالخلق والملك والتدبير، والمتفرد بالكمال المطلق من كل وجه وبكل اعـتبار هو الإله الحق الذي ينبغي أن يُقصد بالحاجة ويعبد بالحق ولا يشرك به، فلا يستحق العبادة أحدٌ سواه.

ب- وأيضاً فإن معرفة أوصاف الخلق من الفقر والعجز والموت وغير ذلك من صفات النقص التي يشترك فيها الخلق أدلة على بطلان الشرك ووجوب توحيد الله تعالى بجميع أنواعه فإن الله تعالى هو الخالق لكل مخلوق، والرازق لكل مرزوق، والمدبر لجميع الأمور الذي بيده الملك كله، وإليه يرجع الأمر كله، وإليه تتوجه الخلائق بجميع الحوائج فلا يصح لا عقلاً ولا شرعاً ولا فطرةً أن يجعل له شريك من خلقه فإن ذلك هضمٌ لحقه.

ج- ومما يُبيِّن بطلان التعلق بالصالحين وخسران المشركين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - - وهو أشرف من تعلق به عباد القبور - شُجّ يوم أُحُد وكُسرت رباعيته.. إلخ، فإذا كان أفضل الخلق وخليل الحق وسيد المرسلين لم يدفع عن نفسه ولا عن أصحابه فغيره من باب أولى، فدلّ على أن الصالحين لا يُدْعَونَ مع الله، ولا يجُعلون شركاء لـه؛ فتبين بذلك بطلان الشرك.

د- ومما يبين بطلان الشرك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حيّ بين ظهراني أصحابه دعا على صناديد قريش ممن آذوه وآذوا أصحـابه كالحارث بن هشام وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو ويؤمن على دعائه سادات المهاجرين والأنصار فلم تُقبل دعوته عليهم ولم يستجب له فيهم بل أنزل فـي ذلك قولـه تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية ؛ فدلّ علـى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس لـه من الأمـر ولا يملك من الله شيئاً، وإذا كان هذا شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فغيره من باب أولى.

هـ- ومن أدلة توحيد الحق وبطلان التعلق بالخلق دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - على من آذوه وعذّبوا أصحابه وخلفه سادات المهاجرين والأنصار يؤمِّنون على دعائه فـي الصلاة بعد الرفع من الركوع، ومع ذلك لم يستجب الله لهم لما له من الحكمة، ومن ذلك علمه بأن هؤلاء الذين يدعو عليهم سيهتدون، وفي ذلك أبلغ العبر والعظات، وأن الأنبياء والصالحين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً، وأنهم لا يُدعون من دون الله ولا يُجعلون شركاء له.

و- وكذلك مما يبين بطلان الشرك وقصد الصالحين من دون الله أو معه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صرّح لعشيرته الأقربين وأهل بيته المكرمين بقوله: «اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً».

ز- وكذلك في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئاً» دفعٌ لما عسى أن يتوهمه بعض الناس من التعلّق به - صلى الله عليه وسلم - وأنه قد يغني عنهم بشفاعته، فإذا كان لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يدفع عن نفسه عذاب ربه لو عصى كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام : 15] فكيف يُظن أنه يجلب نفعاً أو يدفع ضراً، أو يدفع عنه عذاب الله، أو أن يشفع بدون استئذان، أو أن يستأذن فـي الشفاعة لمشرك، هذا كله محال ولكن أهل الشرك هلكى فـي أودية الضلال.

 16- باب قول الله تعالى﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ : 23].

في الصحيح عن أبي هريرة ر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قضى اللهُ الأمرَ في السماء ضَرَبتِ الملائكةُ بأجنحتها خَضَعاناً لقوله، كأنه سلسلةٌ على صفوان، ينفُذُهم ذلك ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، فيسمعها مُسترِق السَّمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوقَ بعض وصفه سفيان بكفِّه فحرَّفها وبدَّد بينَ أصابعه فيسمع الكلمة فيُلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخرُ إلى من تحته حتى يُلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يُلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيُقال: أليس قد قال لنا يومَ كذا وكذا: كذا وكذا؟ فَيُصَدَّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء».

وعن النوَّاس بن سِمعَان ر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أراد اللهُ تعالى أن يُوحيَ بالأمر تكلَّم بالوحي أخذتِ السماوات منه رجفةٌ أو قال رِعدَةٌ شديدة، خوفاً من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهلُ السماوات صَعِقُوا وخَرُّوا لله سُجَّداً، فيكونُ أولَ من يرفع رأسَه جبريلُ، فيُكلِّمه اللهُ من وَحيه بما أراد، ثم يمرُّ جبريل على الملائكة كلما مرَّ بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربُّنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحقَّ وهو العليُّ الكبير، فيقولون كلهم مثلَ ما قال جبريلُ. فينتهي جبريلُ بالوحي إلى حيثُ أمرَهُ اللهُ عز وجل».

ـــ

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد المؤلف - رحمه الله - في هذا الباب مزيد إيضاح لبطلان الشرك وبيان ضلال المشركين فـي دعوتهم الخلق مع رب العالمين.

الثانية: لما كانت الملائكة ـ عليهم السلام ـ من أشرف وأقوى من عبد من الصالحين وأقربهم مكانة من رب العالمين، أراد المؤلف أن يبيِّن كمال أدبهم وخوفهم وذلّهم لرب العالمين وأنهم لا يملكون لأنفسهم فضلاً عن غيرهم شيئاً، فكيف يُعبدون من دونه ويُرجى أن يشفعوا بين يديه لمن عبدهم من غير إذن الله تعالى، وبهذا يظهر بطلان عبادتهم مع الله تعالى، وإذا بطلت عبادة الملائكة مع الله تعالى، والتعلّق بهم من دونه فعبادة غيرهم أولى بالبطلان.

الثالثة: من أعظم أدلة وجوب التوحيد وبطلان الشرك ما ذكره الله تعالى من النصوص الدالة على كبريائه وعظمته التي تتضاءل وتضمحل أمامها عظمة المخلوقات العظيمة كالسموات والأرض والجبال والملائكة وخضوع هذه العوالم لله تعالى.

فمثلاً هذه الملائكة مع عظم خلقها لا تثبت أفئدتهم عندما يسمعون كلامه أو تتبدى لهم بعض عظمته ومجده، فيصعقون ويغشى عليهم من الفزع ويحتاجون إلى الله تعالى أن يزيل عنهم فزعهم، وهكذا المخلوقات كلها خاضعة لجلاله، معترفة بعظمته ومجده، خاضعة له خائفة منه فلا يصح عقلاً ولا شرعاً أن تُدعى معه أو من دونه وإنما يُدعى ويُرجى الأحد الصمد الذي لـه الملك وبيده الأمر وإليه المرجع والمآب وعليه الحساب، فمن كان هذا بعض شأنه فهو الربُّ الحق المعبود بالحق، الذي لا يستحق العبادة والتعظيم والتأليه إلاّ هو، فكل العبادة حق له يجب أن تخلص له من الخلق، فلا يشاركه فيها مشارك كائناً من كان.

الرابعة: ما تواترت به النصوص وجُبِلت عليه الفِطَر السليمة من تفرد الله تعالى بأوصاف الكبرياء والعظمة والجلال والجمال وأنواع الكمال التي تتضـاءل عندها عظمة أعظم المخلوقات وتخضع لها كافة البريات دلائل على تفرد الله تعالى بالإلهية واستحقاقه وحده للعبادة، فإن من هـــذا شأنه فهو الرب الذي لا يستحق العبادة والحمـد والثناء والشكـر والتعظيم أحد سواه، فإن المتفرد بالكمال المطلق وأوصاف العظمة والكبرياء ونعوت الجلال والجمال هو الذي ينبغي أن يفرد بالإلهية وتُخلص لـه العبادة الظاهرة والباطنة، فإنها حقه الخاص الذي لا يشاركه فيه مشارك بوجه من الوجوه.

* * *

 17- باب الشفاعة

وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام : 51]. وقولـه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر : 44]. وقولـه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة : 255]. وقولـه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم : 26]. وقولـه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ : 22].

قال أبوالعباس: «نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره مُلْكٌ، أو قِسطٌ منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبقَ إلا الشفاعة فبيَّنَ أنها لا تنفع إلا لمن أذِنَ له الرب كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء : 28] فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده ـ لا يبدأ بالشفاعة أولاً ـ، ثم يُقال لـه: «ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسلْ تُعط، واشفع تُشفَّع».

وقال لـه أبوهريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه». فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ولا تكون لمن أشرك بالله.

وحقيقتها: أن الله سبحانه هو الذي يتفضّل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أُذن له أن يشفع ليُكرمه وينال المقام المحمود.

فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك وتلك منفية مطلقاً، بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص». انتهى كلامه.

ــ

الفوائد على الباب:

الأولى: لما تكلّم الناس فـي أمر الشفاعة واضطربت أقوال كثير منهم وشذّ المبتدعة والمشركون بعقيدة باطلة فيها، أراد الشيخ ــ رحمه الله ــ أن يبيّن الحق فـي أمر الشفاعة بالدليل ليعتقد المؤمن فيها اعتقاداً صحيحاً.

الثانية: الشفاعة لغة: مأخوذة من الشفع وهو الضم ؛ وهي إعانة الطالب للحاجة والمشفوع إليه فيها على تحقيق المطلوب ؛ لأن الشافع ينضم إلى المشفوع لـه عند المشفوع إليه فـي تحصيل حاجته من جلب ما ينفعه، أو دفع ما يضره، فصار كل منهما شفعاً بعد أن كانا وتراً.

واصطلاحاً: سؤال الخير للغير، والشفاعة فـي الآخرة هي: السؤال لفصل القضاء، والتجاوز عن الذنوب، وتخفيف العذاب، وزيادة الثواب لمستحقه.

الثالثة: الله تعالى وترٌ لا يشفعه أحدٌ من خلقه، ولذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولمن رضي الله قوله وعمله، فهو سبحانه الشافع والمشفِّع، فإن الأمر كله إليه وحده لا شريك له بوجه من الوجوه.

الرابعة: تكون الشفاعة حسنة إن أعانت على بر وتقوى أو فـي أمر مباح، وتكون سيئة إن كان فيها إعانة على إثم وعدوان.

الخامسة: قال شيخ الإسلام: «الشفاعة سبب من الأسباب التي يرحم الله بها من يرحم من عباده ،وأحقّ الناس برحمته أهل التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل فـي تحقيق التوحيد علماً وعقيدة وعملاً وبراءةً وموالاةً ومعاداةً كان أحق بالرحمة» وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة.

السادسة: أنواع الشفاعة:

أ- الشفاعات الخاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -:

1/ الشفاعة العظمى لأهل الموقف والتي يتأخر عنها أولو العزم من الرسل، وهي خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.

2/ الشفاعة لأهل الجنة فـي دخولها، فإنه - صلى الله عليه وسلم - أول شافع وأول مشفع، ولا تفتح الجنة لأحد قبله.

3/ الشفاعة فـي عمه أبي طالب فـي تخفيف العذاب عنه ولا يخرجه من النار ولكن يخرجه إلى ضحضاح منها، يغلي دماغه.

ب- الشفاعات العامة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولغيره من خيار عباد الله:

1/ شفاعته لقوم من عصاة أهل التوحيد من أمته قد استوجبوا النار فيشفع فيهم ألا يدخلوها.

2/ شفاعته فـي عصاة من أهل التوحيد دخلوا النار بذنوبهم فيشفع فيهم أن يخرجوا منها، والأحاديث فيها متواترة، وقد أجمع عليها أهل السنة وبدّعوا من أنكرها وهي تتكرر أربع مرات.

3/ شفاعته فـي قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم أن ترجح حسناتهم ليدخلوا الجنة، وقيل إن هؤلاء هم أهل الأعراف.

4/ شفاعته لقوم من أهل الجنة فـي زيادة ثوابهم ورفعة درجاتهم، وهذه لم ينازع فيها أحدٌ وكلها مختصة بأهل الإخلاص.

وهذه الشفاعات للنبي - صلى الله عليه وسلم - منها أوفر حظ وأكمل نصيب ولغيره - صلى الله عليه وسلم - من الملائكة المقربين وإخوانه المرسلين والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين كل منهم بحسب مقامه الذي كتب الله لـه وفي خاصته، ولعله - صلى الله عليه وسلم - يشفع أولاً فـي جملة المشفوع لهم ثم يشفع غيره كلٌّ فيمن أذن الله له فيه ممن رضي الله قولـه وعمله.

السابعة: الناس فـي الشفاعة ثلاث طوائف طرفان ووسط:

الأولى: طائفة أنكرتها كاليهود والنصارى والخوارج والمعتزلة الذين ينكرون الشفاعة فـي أهل الكبائر، فخالفوا الآيات القرآنية الصريحة والأحاديث النبوية الصحيحة وإجماع الأمة وحرموا عباده المحتاجين من سببٍ عظيم من أسباب رحمته لظالمي أنفسهم.

الثانية: طائفة أثبتتها وغلوا فـي إثباتها حتى جوزوا طلبها من الأموات كالأنبياء والأولياء والصالحين حتى أثبتوها لبعض الجمادات والطواغيت.

فقد شذَّ المشركون وأشباههم من أهل الخرافة المنتسبين للأديان السماوية فزعموا ثبوت الشفاعة لمن تعلقوا بهم من الصالحين والطواغيت والأصنام والأوثان وغيرهم من معبوداتهم، فظنوا أن شفاعتهم واقعة ونافعة، وأنها تكون بلا إذن من الله، فتعلقوا بهم من أجل ذلك فقالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ [يونس : 18] وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر : 3]، فرد الله تعالى عليهم وكذّبهم وأبطل زعمهم فقال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر : 18]، وقال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر : 48].

وقد عاب الله تعالى على المشركين وأشباههم من الظالمين في أمر الشفاعة بأنهم اتخذوا شفعاء من دونه وهم لا يملكون شفاعة ولا يعقلون لأنهم إما أموات غير أحياء وإما جمادات، فقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر : 43 ، 44]، وهذا إنكار منه ـ سبحـانه ـ على المشركين الذين اتخذوا شفعاء لا يملكون الشفاعة ولم يطلبوها من الله الذي يملكها فلا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه.

الثالثة: وأما أهل السنة فقد أثبتوا الشفاعة الشرعية كما ذكر الله تعالى فـي كتابه وبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه، ولا تطلب إلا من الله، فإن الشفاعة محض فضل وإحسان، فهي ملك لله تعالى وحده فتطلب ممن يملكها دون ما سواه ؛ لأن ذلك عبادة وتألّه لا يصلح إلا لله وحده.

الثامنة: إذن الله تعالى الوارد فـي القرآن والسنة نوعان:

الأول: الإذن القدري: بمعنى المشيئة والخلق ومنه قولـه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 102] أي: بمشيئته وخلقه، وإلا فإنه سبحانه لم يبح السحر شرعاً وإنما أذن بوقوعه قدراً للابتلاء لمن يشاء، وهكذا قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران : 166] أي من القتل والجراح والتمثيل والهزيمة فبإذنه القدري فإنه خالق أفعال المؤمنين والكفار.

الثاني: الإذن الديني: بمعنى الإباحة والإجازة ومنه قولـه تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر : 5]أي بقدره وشرعه فليس بمجرد المشيئة والقدر.

ومن الإذن الديني قولـه تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة : 255] المراد الإذن بمعنى الإباحة والإجازة ورفع الحرج عن فاعله مع كونه بمشيئته وقضائه فهو إذن بالشرع ليس بمجرد المشيئة والقدر.

التاسعة: مالك الشفاعة هو الله وحده، فلا تُطلب إلا منه سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر : 44].

فالشفاعة لله وحده فإنها من جملة ملكه وإنما يشفِّع سبحانه رسلَه وأنبياءَه ومن شاء من خواص أوليائه ومن شاء من عباده تكريماً للشافع ورحمة للمشفوع لـه، فيجب أن تُطلب منه سبحانه الشفاعةُ، لأنه مالكها فتقول: اللهم شفِّع فيَّ نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -، شفِّع فيَّ والديّ، أو ولدي، وهكذا، فتطلبها قولاً، وتطلبها فعلاً بتوحيد الله تعالى لـه سبحانه والإحسان إلى خلقه وتجنب الأقوال والأفعال التي لا يكون أهلها شفعاء يوم القيامة، أو يحرمون الشفاعة بسببها كالشرك وغيره.

العاشرة: من عظمة الله تعالى وجلاله وكبريائه أنه لا يتجاسر أحدٌ على أن يشفع بين يديه لأحد إلا بإذنه كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الشفاعة قال: «آتي تحت العرش فأخرُّ ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك وقل تُسمع، وسلْ تُعطه، واشفع تُشفع» وقال تعالى عن الملائكة: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم : 26].

الحادية عشرة: لا يشفع أحدٌ عند الله تعالى من الملائكة المقربين والمرسلين والنبيين وسادات المؤمنين إلا بعد إذن الله تعالى للشافع أن يشفع ورضاه عن المشفوع لـه، وإذا كانت هذه حال خواص الخلق فغيرهم من الصالحين والأطفال والأفراط من باب أولى أن لا يشفعوا يوم القيامة إلا بعد الإذن والرضا.

الثانية عشرة: قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ فـي قولـه تعالى:﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلوب لمن عقلها، فإن المشرك إنما أشرك بالله من يرجو حصول نفعه، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من أربع:

إما أن يكون: مالكاً للمطلوب، وإما شريكاً للمالك، أو معيناً وظهيراً له، أو شفيعاً.

فنفى الله الأربع نفياً مرتباً، فنفى الملك والشراكة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها للمشرك وأن الشفاعة بإذنه، فلم يجعل سبحانه طلبها من الميت أو غيره سبباً لإذنه، وإنما السبب كمال التوحيد، والشرك أعظم مانع وحائل بين المشرك وحصول الشفاعة.

الثالثة عشرة: تعلّق المشركون بأعظم سبب يحرمهم من الشفاعة وهو أنهم طلبوها من الملائكة والنبيين بدعائهم إياهم أن يشفعوا لهم وهذا شرك بهم مع الله فـي الشفاعة وهم لا يشفعون لمشرك، فإن المشرك ليس أهلاً للشفاعة.

الرابعة عشرة: طلب الشفاعة والحوائج من الموتى أو من الأحياء ما لا يقدر عليه إلا الله هو أعظم أنواع الشرك، فإن هذا أصل شرك العالَم، والميت قد انقطع عمله وارتهن بكسبه وهو لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، والمشرك جاء بسبب يمنع الإذن لـه بالشفاعة فاستعان فـي حاجته بما يمنع حصولها، فأراد المؤلف أن يبين أن طلب الشفاعة من الأموات والغائبين شرك أكبر وهو أعظم سبب يمنع الشفاعة.

الخامسة عشرة: التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله تعالى وقاية بأن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله ترجو ثواب الله، وتترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله.

السادسة عشرة: أكثر العرب وأشباههم من ضلاّل الأمم لا يؤمنون بالآخرة ولكنهم يعبدون من يعبدون من الآلهة الباطلة ليشفعوا لهم فـي أمور الدنيا ومصالحها من حصول الرزق ودفع أذى الجن والعين والنصر على الأعداء، وأما ضلال المنتسبين للأديان السماوية فيطلبون ممن يدعونهم من دون الله من الصالحين وغيرهم ظانين أنهم يشفعون لهم عند الله من غير إذن وأن شفاعتهم فيهم تقبل وأنهم يدخلون الجنة بسببها ولا يدخلون النار وهذا ضلال مبين فإنهم وقعوا فـي الشرك الذي هو أعظم موانع الشفاعة.

السابعة عشرة: ثبت فـي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إني ادخرت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة فهي نائلة ـ إن شاء الله ـ من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً»، فبيّن - صلى الله عليه وسلم - أن الشفاعة لا تنفع إلا الموحد فهو الذي تدركه الشفاعة فينجو من النار، أما المشرك بعبادة غير الله أو دعوة غير الله معه فقد جاء بما يحول بينه وبين الشفاعة وهو الشرك الذي لا يغفر لمن مات عليه ولا يدخل الجنة ولا تناله من الله رحمة.

الثامنة عشرة: المقام المحمود ثابت للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء : 79] الصحيح أنه الشفاعة العظمى، وهذا هو المشهور. وقيل: إن المقام المحمود هو أن الله تعالى يجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - معه على العرش يوم القيامة، لكن فـي صحة الحديث الوارد بذلك نظر عند أهل العلم بالإسناد.

 18- باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص : 56].

وفي الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعنده عبدالله بن أبي أمية وأبو جهل. فقال له: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أُحاج لك بها عند الله، فقالا لـه: أترغب عن ملة عبدالمطلب؟ فأعاد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأعادا. فكان آخر ما قال: هو على ملة عبدالمطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك» فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة : 113].

و أنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص : 56].

ـــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد المصنف - رحمه الله - بهذا الباب الرد على عُبّاد القبور الذين يعتقدون فـي الأنبياء والصالحين جلب النفع ودفع الضر، فإن سبب نزول الآية هو موت أبي طالب، وقد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على هدايته عند الموت فلم يتيسر لـه ذلك، وذكر الله تعالى أنه لا يقدر على هداية من أحبّ هدايته لقرابته ونصرته، وبهذا يتبيّن أعظم بيان وأوضح برهان أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يملك نفعاً ولا ضراً، ولا عطاءً ولا منعاً، ولا يقدر إلا على ما أقدره الله عليه، وأن الأمر كله بيد الله فبطل بذلك دعاء مَنْ يدعونه - صلى الله عليه وسلم - مِن دون الله أو معه أو الاستغاثة به أو طلب شفاعته منه بعد موته، وإذا كان هذا شأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو أشرف الخلق وخليل الحق، فدعوة غيره والاستغاثة به والاستشفاع به أولى بالبطلان.

الثانية: الهداية المنفية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هداية التوفيق والإلهام لقبول الحق وهو شرح الصدر لقبول الحق والإيمان وإيثاره على غيره، فإن هذه لله تعالى قد استأثر الله بها ؛ لقــولـه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص : 56]، وقولـه: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى : 48].

وأما هداية البيان والإرشاد والدلالة فإنها ثباتة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه لقولـه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى : 52].

الثالثة: ملة عبدالمطلب هي الشرك بالله بعبادة الأوثان والأصنام وجعلها آلهة مع الله، فإن قريشاً وغيرهم كانوا في جاهليتهم يعبدون الأوثان كالعزى واللات ومناة، ولما عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي طالب أن يقول لا إله إلا الله قال لـه أبوجهل وعبدالله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبدالمطلب؟ أخرجا الكلام فـي صيغة الاستفهام مبالغة فـي الإنكار ولعظمة هذه الحجة فـي قلوب الظالمين، ولذلك اكتفيا بها فـي المجادلة فذكّراه الحجّة الملعونة التي يحتج بها المشركون على المرسلين لردّ‍الحق وهي تقليد الآباء والكبراء والأسلاف: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف : 22].

* * *

 19- باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم

وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

 وقول الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء : 171].

في الصحيـح عن ابن عبـاس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح : 23] قـال: «هذه أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبَد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلمُ عُبدَتْ».

وقال ابن القيم: «قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوَّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمدُ فعبدوهم».

وعن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تُطروني كما أطْرَت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ الله ورسوله». أخرجاه.

وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو».

ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثاً.

الفوائد على الباب:

الأولى: للكفر بالله ورسوله أسبابٌ كثيرة، من أعظمها وأغلبها: الغلو فـي تعظيم الصالحين بالعكوف عند قبورهم أو البناء عليها، أو تصوير صورهم، أو اعتقاد قدرتهم في التأثير، أو مشاركتهم الله تعالى في التدبير.

الثانية: من أسباب كفر بعض بني آدم وتركهم دينهم التكبر عن الخلق وردّ الحق، ومنها الحسد والبغي وهو الذي حمل اليهود على الكفر بالإسلام وعداوة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الثالثة: الغلو: تعدي ما أمر الله به بالزيادة عليه.

الرابعة: لا تنتشر البدع ويقع الشرك إلا حيث يُعرَضُ عن العلم الشرعي وتعطل السنن وينصرف الناس عن اتّباع السلف الصالح، فإن قوم نوح لم يضلوا إلا بعد أن نُسي العلم وأعرضوا عن الهدى واتبعوا الهوى، فإذا حدث الاستحسان فـي دين الله تعالى بغير حجة فهناك تظهر البدع وتعظم الفتن ويتحقق الهلاك والخسران.

الخامسة: الواجب الوقوف على النص من قول الله تعالى وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفهمه بفهم السلف الصالح، وبذلك تُسدُّ أبواب البدع وتعصم الأمة من الضلالة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات : 1] أي لا تقولوا فـي دين الله حتى يقول الله ورسوله، ولقد حذّر الله تعالى من اتباع غير سبيل المؤمنين وتوعّد أن يولّي صاحبه ما تولاّه، وأن يصليه جهنم وساءت مصيراً.

السادسة: كان ود وسواع ويعقو ويغوث ونسر رجالاً صالحين من بني آدم قُبيل زمن نوح عليه السلام، وكان لهم أتباع يقتدون بهم فماتوا فـي زمان متقارب فأسف عليهم أتباعهم وحزنوا عليهم حزناً شديداً، فلما دفنوهم عكفوا عند قبورهم، فأوحى الشيطان إليهم أن أنصبوا فـي مجالسهم التي كانوا يجلسون إليها ففعلوا، فلما هلكوا وجاء آخرون وسوس إليهم الشيطان فقال: إن آباءكم كانوا يدعونهم ويستسقون بهم المطر فعبدوهم.

السابعة: كان ضَلال قوم نوح وكفرهم بالله تعالى بسبب الغلو في صالحيهم، والذي تمثّل بالعكوف عند قبورهم أولاً، ثم بتصوير صورهم والجلوس إليهم ثانياً، ثم بدعائهم من دون الله تعالى ثالثاً، وبذلك حدث الشرك لأول مرة فـي العالَم، فدلّ علىخطورة الغلو فـي الصالحين والبدع فـي الدين.

الثامنة: فـي قصة قوم نوح فوائد وعبر:

1- مضرة نقص العلم ونسيانه.

2- مضرة الغلو فـي الدين وأنه سبب الشرك.

3- أن سبب أول شرك في العالم إنما كان بالغلو في محبة الصالحين.

4- أن أول شيء غُيّر به دين المرسلين مزج الحق بالباطل ومحبة الصالحين على خلاف الشرع حيث فعل أناسٌ ممن ينتسب إلى العلم أو الحكم شيئاً أرادوا به خيراً فظن مَنْ جاء بعدهم أنهم أرادوا غيره.

5- النهي عن الغلو وخطر ما يؤول إليه.

6- مضرة العكوف عند القبور وأنه ذريعة إلى الشرك.

7- أن الحكمة من الأمر بطمس التماثيل وإزالتها حتى لا تقع بها الفتنة.

8- مضَرّة التقليد وكيف زَلَّ بأهله وحملهم على المروق من الدين.

التاسعة: ما فعله قوم نوح بصالحيهم من العكوف عند قبورهم واعتياد التردد عليهم فـي أوقات محددة ثم تصويرهم وجعل صورهم فـي مجالسهم والجلوس إليها وسموها بأسمائهم كل ذلك إنما كان بحسن نية، فإنهم إنما قصدوا التذكّر بهم ليكون ذلك أدعى لهم على فعل الخير والتأسّي بهم، ولكن هذا التصرف المبتدع المخالف للشرع كان سبباً فـي وقوع الشرك من بنيهم لأول مرة فـي تاريخ البشرية، وفي ذلك دلالة واضحة على أمور:

الأول: خطر الغلو وهو مجاوزة الشرع.

الثاني: أن حسن القصد لا يبرر البدعة، فإن كل بدعة ضلالة وشر، بل الواجب أن يرتبط حسن القصد بالعمل بالشرع.

الثالث: معرفة سبب أول شرك وقع من بني آدم وهو الغلو فـي الصالحين حيث أدّى إلى عبادتهم مع الله.

العاشرة: هلكت اليهود والنصارى وكفروا بالله العظيــم بالغلو فـي أنبيائهم وصالحيهم وبناء المساجد على قبورهم وتصوير صورهم فـي مواطن عبادتهم.

الحادية عشرة: فـي قولـه تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾  تحذير لهذه الأمة من أن يفعلوا مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ما فعلت اليهود مع عزير، والنصارى مع المسيح عليهم السلام، حيث تعدّوا ما حدّ الله لهم ورفعوا المخلوقين حتى اتخذوهم آلهة مع الله، والتحذير إنما يكون من الأمر الممكن وقوعه، فكل من دعا نبياً أو وليّاً من دون الله فقد اتخذه إلهاً مع الله، فضاهى اليهود والنصارى في غلوهم وشركهم، ومن تشبّه بقوم فهو منهم.

الثانية عشرة: الزيادة فـي الدين عن المشروع غلو وإفراط، والنقص عن المشروع تفريط وجفاء، والحق هدىً بين ضلالتين، كما في الحديث: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» وفيه: «هلك المتنطعون»، وفيه: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».

* * *

 20- باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله

عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟

في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنَّ أمَّ سَلَمة ذكرتْ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنيسةً رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: «أولئكِ إذا مات فيهم الرجلُ الصالح ـ أو العبدُ الصالح ـ بنوْا على قبر مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصُّور، أولئكِ شرارُ الخلقِ عند الله». فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.

ولهما عنها رضي الله عنها قالت: لما نُزِلَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - طَفِقَ يطرحُ خميصة لـه على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشَفَها، فقال وهو كذلك: «لعنةُ الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد». يُحذِّر ما صنعُوا، ولولا ذلك أُبرزَ قبرُه، غير أنه خَشي أن يُتَّخذَ مسجداً. أخرجاه.

ولمسلم عن جُندَب بن عبدالله قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أنْ يموتَ بخمسٍ وهو يقول: «إني أبرَأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيمَ خليلاً، ولو كنتُ مُتّخذاً من أُمتي خليلاً لاتخذتُ أبابكر خليلاً، أَلاَ وإنَّ مَنْ كان قبلكم كانوا يتخذون قبورَ أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، فإني أنهاكُم عن ذلك».

فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن ـ وهو في السياق ـ من فَعَلهُ.

 والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يُبنَ مسجدٌ، وهو معنى قولـها: «خُشي أن يتخذَ مسجداً»، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنُوا حولَ قبره مسجداً، وكل موضع قُصدَتِ الصلاةُ فيه فقد اتُّخِذَ مسجداً، بل كل موضعٍ يُصَلَّى فيه يُسمَّى مسجداً، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «جُعلت ليَ الأرضُ مسجداً وطهوراً».

ولأحمد بسند جيّد عن ابن مسعود ر مرفوعاً «إن من شِرار الناس من تُدركهم الساعة وهم أحياء ؛ والذين يتخذون القبور مساجد». ورواه أبوحاتم في صحيحه.

الفوائد على الباب:

الأولى: عبادة الله تعالى تشمل كل ما أُريدَ به وجهه مما شرعه سبحانه وأباحه من إرادةٍ أو قولٍ أو فعلٍ، فاعتقاد أنَّ لإيقاع شيءٍ منها عند القبور خصوصية فـي القبول والأثر بدعةٌ وهو ذريعة إلى الشرك.

الثانية: جاءت نصوص الكتاب والسنة بإنكار عبادة الله تعالى عند القبور ومتضمنة الوعيد الشديد والتهديد الأكيد لمن عبد الله تعالى عند القبور عموماً وقبور الصالحين خصوصاً لما فيه من البدعة ولما يفضي إليه من الشرك الأكبر.

الثالثة: أنه إذا كانت عبادة الله تعالى عند القبور منهياً عنها ومحرمة لما فيها من البدعة ولما تفضي إليه من الشرك فإن عبادة أصحاب القبور أشدُّ تحريماً وأعظم فـي الوعيد عليها ؛ لأنها الشرك الأكبر المخرج من الملة والمحبط للعمل الذي يحرم الله على من مات عليه الجنة ويخلده فـي النار.

الرابعة: الشرك الأكبر هو: دعوة غيرالله معه، أو عبادة أحد من الخلق من دونه، وهو أعظـم الذنوب وأظلم الظلـم، فإنه يحبط العمل، ويخرج من الملة، ويخلد من مات عليه فـي النار، ويحرم عليه الجنة.

الخامسة: من مظاهر تعظيم القبور ـ المنهي عنه فـي الشرع ـ البناء عليها، وإسراجها، وشدِّ الرِّحال إليها، والعكوف عندها، وتحرِّي الدعاء والعبادة عندها وذلك كله محرم ؛ لما يفضي إليه من عبادة غير الله، ولما فيه من تشبه واتباع للضُّلاّل من اليهـود والنصارى الذين استحقـوا الغضب وباءوا بالضلال، «ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم».

السادسة: كان أول شرك وقع فـي البشرية نتيجة للغلو فـي الصالحين، وذلك قبيل زمان نوح عليه السلام، حيث غلوا فـي صالحيهم وعظموهم بما يخالف الشرع، وذلك بــ:

1- العكوف عند قبورهم.

2- تصوير صورهم ونصبها فـي مجالسهم والجلوس إليها.

3- الدعاء بهم ودعاؤهم من دون الله عـز وجل، فكان ذلك سبب أول ضلال فـي البشرية والوقوع فـي الشرك الذي هو أعظم الذنوب وصور المحادَّة لعلام الغيوب.

السابعة: زاد اليهود والنصارى على بدع قوم نوح أنهم بنوا المساجد على قبور صالحيهم وصوروا فيها صورهم، فجمعوا بين فتنتين:

1- فتنة تعظيم القبور ببناء المساجد عليها.

2- فتنة تصوير صور الصالحين فـي مساجدهم ومواطن عبادتهم فوقعوا فـي الشرك بالله تعالى، وعدَّوه ديناً يتقربون به إليه.

الثامنة: لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهود والنصارى لبنائهم المساجد على قبور أنبيائهم وصالحيهم وأخبر أنهم من شرار الخلق ومنع المسلمين من أن يفعلوا فعلهم، وهذا يدل على شدة التحريم وعظم الفتننة بذلك. فالويل والهلاك لمن ابتدع ذلك ودعا إليه وزيَّنه للناس وجعله من الدين الذي يتقرب به إلى رب العالمين.

التاسعة: خاف الصحابة رضوان الله عليهم على الأمة ما خافه النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها من ذرائع الشرك الموقعة فيه فسدوا ذرائع الغلو، ومن ذلك:

1- أنهم لم يبرزوا قبره - صلى الله عليه وسلم - خشية أن يُتخذ مسجداً.

2- ولم يكونوا يأتون عند قبره المكرم ليصلُّوا عنده أو يتحرُّوا إجابة الدعاء لقربه.

3- ولم يكونوا يزورونه بالسفر إليه أو فـي يوم معتاد.

العاشرة: منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد بوجوه من النهي والمنع منها:

1- ذم ما فعله اليهود والنصارى وبيان شؤمه.

2- ذم متخذي المساجد على قبور الصالحين ووعيدهم بأشد الوعيد.

3- النهي عن اتخاذ القبور مساجد وتأكيد النهي بقولـه: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنـهاكم عن ذلك».

4- أخبر أن متخذي المساجد على قبور الصالحين من شرار الخلق.

5- وأنه كان ينهى عن ذلك قبل موته بخمس ليالٍ، ثم لعن وهو في سياق الموت من فعله.

الحادية عشرة: الرافضةُ أول من ضلَّ وهَلَكَ بالفتنة بالقبور والدعوة إلى الافتتان بها، ولقد سنوا سنة سيئة لمن بعدهم من طوائف الضَّلال من هذه الأمة، فافتتنوا بالقبور وبالبناء عليها وقصدها والعكوف عندها وفتنة الناس بها، ثم تبعهم على ذلك طوائف ممن ينتسبون للإسلام والسنة، فعليهم وزرهم ووزر من تبعهم إلى يوم القيامة لسنة السوء التي سبقوا إليها.

الثانية عشرة: صرَّح العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم بالنهي عن بناء المساجد على القبور للأحاديث الواردة فـي النهي عن ذلك وذم من فعله، ولما جاء من الوعيد الشديد لمن بنى المساجد على القبور، وقد أفتى جمعٌ من أهل العلم بوجوب هدم المساجد والمباني المقامة على قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم؛ لأنها معصية للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولأنها من ذرائع الشرك ومظاهره ومن أعظم فتنة الناس وإضلالهم عن دينهم الحق وإيقاعهم فـي عبادة الخلق.

الثالثة عشرة: لا تصح الصلاة عند القبور ـ إلا صلاة الجنازة ـ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة إلى القبور ـ كما فـي حديث أبي مرثد الغنوي عند مسلم ـ، والنهي فـي العبادات يقتضي البطلان وعدم الإجزاء، فلا يسقط بها الواجب، ولا تبرأ بها الذمة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» وهكذا جميع العبادات التي تقع عند القبور؛ لأنها وقعت على وجه منهيٌّ عنه فلا تصح.

الرابعة عشرة: لا يجوز ويحرم دفن الجنائز فـي المساجد، وإذا فُعل ذلك وجب نبش الميت وإخراجه من المسجد تطهيراً لـه من ذرائع الشرك وبعداً عن التشبُّه بالضلاَّل من اليهود والنصارى الذين لُعنوا ووُصفوا بأنهم شرار الخلق لاتخاذهم القبور مساجد، وذلك ببناء المساجد على القبور وعبادة الله عند قبور الأنبياء والصالحين.

الخامسة عشرة: مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بناه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسسه على التقوى من أول يوم، فلم يبنه - صلى الله عليه وسلم - على قبر ولا من أجل قبر، ولم يُدفن فيه ميت، والصلاة فيه تعدل أو خير أو أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، ولا يقدح فيه ولا ينقص من شأنه الشرعي إدخال حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي هي إحدى بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه لكون ذلك:

1- من فعل ولاة الجور.

2- ولِما فيه من المخالفة للشرع.

3- ولم يكن ذلك عن فتوى من أهل العلم سلفاً وخلفاً.

وبناءً على ذلك فيجب العلم والاعتقاد:

أ- ببقاء فضيلته ومشروعية الصلاة فيه إلى يوم القيامة؛ لثبوتها بالنصوص الشرعية المحكمة التي لم تُنسخ.

ب- أنه لا يصح الاقتداء بالواقع الحالي للمسجد النبوي، فلا تُدفن الجنائز فـي المساجد، ولا تُلحق القبور بالمساجد، أو تُبنى المساجد بجانب القبور ؛ لأن عمل ولاة الجور ليس تشريعاً يضاهى به شرع الله تعالى ومن اتبعهم على هذا العمل معتقداً شرعيته فهو ممن اتخذهم أرباباً وحكاماً مع الله تعالى.

ج- أن من تعبَّد الله تعالى بقصد زيارة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصلاة فيه من أجل القبر لكونه فيه أو جواره فصلاته منهيٌّ عنها لا تُقبل منه ولا تبرأ بها ذمَّته من أجل فساد اعتقاد المصلي لامن أجل المسجد والمكان.

السادسة عشرة: الظاهر أنه لا يجوز دفن الأموات فـي البيوت بدلالة:

1- عموم قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً».

2- أن ذلك من البدع التي هي من الذرائع الموصلة إلى الشرك.

3- وربما أدَّى ذلك إلى امتهان القبر وحرمة الميت بعد موته كحرمته فـي حياته.

4- وأما دفن النبي - صلى الله عليه وسلم - فـي بيته فلأنه خُشي أن يتخذ قبره مسجداً ؛ ولما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُدفن النبي حيث يموت»، ولإجماع الصحابة على ذلك.

* * *

 21- باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين

يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله

 روى مالك في الموطأ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم : 19] قال: «كان يلت لهم السويق فمات؛ فعكفوا على قبره». وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس «كان يلت السويق للحاج».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زائرات القبور، والمتخذين عليها السُّرُجَ» رواه أهل السنن.

فوائد على الباب:

الأولى: أراد المصنف ـ رحمه الله ـ بهذه الترجمة أن يبيّن أن عبادة الله عند القبور منهي عنها، فهي محرمة لأنها وسيلة إلى الشرك، ومن مظاهر الغلو المذمومة شرعاً.

الثانية: بناء المساجد على قبور الصالحين وتصوير صورهم فيها والعكوف عند القبور من ضلالات أهل الكتاب التي استحقوا عليها اللعن وصاروا بها من شرار الخلق عند الله ؛ لأن ذلك كان ذريعة إلى عبادة المقبورين وفي لعنه - صلى الله عليه وسلم - لمن فعل ذلك ووصفه بأنه من شرار الخلق تحذير أكيد وزجر شديد لهذه الأمة أن تفعل فعل أهل الكتاب، وإنما يحذّر ويزجر عن الأمر المحتمل أو المتأكد وقوعه.

الثالثة: الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر فإن الفتنة في القبور أشد وأبلغ من الفتنة بالأصنام والأوثان، ولهذا ترى أهل الخرافة يتضرعون ويخشعون عند القبور وفي المساجد التي فيها قبور أكثر مما يكون منهم في المساجد التي ليس فيها قبور.

الرابعة: الغلو هو مجاوزة الحد المشروع في التعظيم بالقول أو الفعل أو الاعتقاد.

الخامسة: يفيد قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد» أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها وشبهها، فإن الغالب إطلاقه على ما عُبد من دون الله ولم يكن على صورة حيوان فإن كان على صورة حيوان فيطلق عليه ـ غالباً ـ صنم.

السادسة: يفيد قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» شدة الوعيد لمن فعل ذلك وتحريم البناء على القبور، وتحريم تحري الصلاة عندها وأن ذلك من الكبائر.

السابعة: كره الإمام مالك رحمه الله أن يقول الشخص: زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأن هذا اللفظ قد صار في عرف كثير من الناس يُراد به الزيارة البدعية الشركية، وهي قصد الميت لسؤاله ودعائه والرغبة إليه في قضاء الحوائج إلى غير ذلك.

الثامنة: قد عظمت الفتنة بتعظيم القبور وعبادتها حتى نشأ فيها الصغير وهرم عليها الكبير، وقد خاف عمر ر هذه الفتنة فنهى عن اتباع آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رأى الناس يذهبون إلى الشجرة التي بُويع النبي - صلى الله عليه وسلم - تحتها يصلون تحتها أمر بقطعها لخوفه الفتنة عليهم، ولم كان في الطريق بين المدينة ومكة رأى الناس يذهبون مذاهب قال أين يذهب هؤلاء، قيل: يا أمير المؤمنين، مسجدٌ صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهم يصلون فيه. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعاً.

التاسعة: في تفسير ابن عباس لللاَّت فائدتان:

الأولى: أنه كان يحسن إلى الحجاج بإطعامهم السويق فأحبوه وغلوا فيه لأجل صلاحه، واتخذوا قبره وثناً بتعظيمه وعبادته حتى صار أحد أكبر أوثان أهل الجاهلية.

الثانية: أن صفة عبادته أنهم بنوا على قبره ثم عكفوا عليه ثم دعوه من دون الله تعالى وتبركوا به.

العاشرة: حديث لعنه - صلى الله عليه وسلم - لزائرات القبور من النساء صريح في التحريم، ويفيد فائدتين:

الأولى: أنَّ زيارة النساء للقبور كبيرة من كبائر الذنوب، فإن اللعن لا يكون إلاّ على كبيرة.

الثانية: أنه قرنهن بالمتخذين عليها المساجد والسرج فدل على أن زيارتهن للقبور بدعة كاتخاذ المساجد على القبور والسرج فيها.

الحادية عشرة: الصواب منع النساء من زيارة القبور لما يلي:

1- لم يثبت عن أحد من علماء السلف أنه استحب للنساء زيارة القبور.

2- ولأنه لم يكن النساء في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فـي عهد خلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور.

3- ويؤيده ما ثبت في الصحيحين عن أم عطية رضي الله عنها قالت: نهينا عن اتباع الجنائز.

 22- باب ما جاء في حماية المصطفى - صلى الله عليه وسلم - جناب التوحيد

وسده كل طريق يوصل إلى الشرك

وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة : 128].

وعن أبي هريرة ر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلُغني حيث كنتم». رواه أبوداود بإسناد حسن، ورواته ثقات.

وعن عليّ بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فُرْجَةٍ كانت عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: أَلاَ أُحدِّثكَ حديثاً سمعتُه من أبي عن جدِّي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلُّوا عليَّ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم». رواه في المختارة.

ــ

الفوائد على الباب:

الأولى: حَمَى النبي - صلى الله عليه وسلم - جانب التوحيد حماية محكمة، وسَدَّ كل طريق يوصل إلى الشرك ولو من بعيد؛ لأن الوسائل لها أحكام الغايات.

الثانية: قولـه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآية فإذا كانت هذه صفته - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يترك أمته بدون نصح، ولذلك أمر بالتوحيد وحثّ الناس على ما يكمله، وحذّر أمته من الشرك وأسبابه ووسائله فنهى عن كل فعل يؤدي إلى الشرك، ومن ذلك نهى أمته أن يجعلوا قبره عيداً يعتادون زيارته فـي وقت محدد ويعكفون عنده ويصلون عنده، فإن ذلك كله من اتخاذه عيداً.

الثالثة: امتنّ الله على المؤمنين بأن بعث فيهم - صلى الله عليه وسلم - رسولاً من جنسهم وعلى لغتهم ويعرفون نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وأمانته وصدقه إلى غير ذلك من أوصافه الكريمة التي تقتضي قبول ما جاء به، وتدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - ما ترك شيئاً يقرّب من الجنة ويباعد عن النار إلا دلّ أمته عليه ورغبها فيه، ومن ذلك أنه أنذرهم الشرك وحذّرهم منه ومن وسائله الموصلة إليه؛ لأنه أعظم الذنوب وأكبر الكبائر وأخطر شيء عليهم وأبلغ فـي نهيهم عنه وعن وسائله، ومن ذلك تعظيم القبور والغلو فيها والصلاة عندها وإليها ونحو ذلك.

الرابعة: جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين وصفين أخبر الله بهما ممتناً على الأمة بهما هما في قوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ وقوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - دائماً دائباً فـي دفع المكروه عن الأمة ساعياً فـي تحصيل المحبوب لها.

الخامسة: جاءت نصوصٌ صريحة وصحيحة فـي النهي عن أقوال وأفعال فيها الغلو بالمخلوقين، أو تشبّه بالمشركين ؛ لأن تلك الأمور مضعفة للتوحيد وهي من وسائل الشرك وأسبابه، فالنهي عن هذه الخصال من لطف الله بعباده ورحمته بهم، ومن حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته ونصحه لهم وشفقته عليهم.

السادسة: اتخاذ القبور مساجد بتحري الصلاة والدعاء عندها وبناء المساجد عليها من أقرب وسائل الشرك وأبلغ أسباب الفتن، فإن الفتنة فـي القبور أعظم من الفتنة بالأشجار والأحجار قال تعالى:﴿ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف : 21]فإن ذلك جاء في سياق الذم لمن فعل ذلك؛ ولهذا حذّر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وبالغ في الزجر عنه.

السابعة: من صور اتخاذ القبور مساجد:

الأولى: أن يبني عليها مسجداً وهو فعل ضلاّل اليهود والنصارى إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً غلواً فيه وفتنة، وصوَّروا فيه صور صالحيهم.

الثانية: أن يتخذها مصلى أو يتحرى إجابة الدعاء عندها أو قبول الصدقة، أو أن الصدقة عندها يتحقق بها المقصود من الله وهو من فعل الضلال من أهل الكتاب ومن هذه الأمة أولئك شرار الخلق الذين يتخذون القبور مساجد.

الثامنة: الشرك أعظم الذنوب فـي حق علاّم الغيوب؛ لأنه أظلم الظلم لما فيه من إعطاء الحق لغير مستحقه وهو أخطرها على القلوب، فإنه يفسد القصد وبفساد القصد يفسد القول والعمل، فإن مبنى الأعمال والأقوال على النيات والمقاصد.

التاسعة: جاءت نصوص كثيرة تحث على القيام بكل ما يقوّي التوحيد ويكمّله من الإنابة إلى الله تعالى، وتعليق القلب به سبحانه رغبة ورهبة، وقوة الطمع في إحسانه وفضله، لما في ذلك من تحرير القلب من رقّ المخلوقين، والقيام بالأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة وتكميلها تحقيقاً للتوحيد وإخلاصاً للعبادة لله وحده.

العاشرة: العيد اسم لما يعود ويتكرر من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائداً إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك. قاله شيخ الإسلام.

وقال ابن القيم - رحمه الله -: «العيد ما يُعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من العادة والاعتياد».

الحادية عشرة: خصَّ المؤلف ـ رحمه الله ـ هذا الباب بذكر ما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أُمَّتَه عنه من الأفعال التي هي من وسائل الشرك وذرائعه الموصلة، وسيذكر ـ رحمه الله ـ في آخر الكتاب باباً في النهي عن الأقوال التي تعد من الغلو وذرائع الشرك.

* * *

 23- باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان

وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء : 51].

وقولـه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة : 60].

 وقولـه: ﴿ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: 21].

عن أبي سعيد ر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لتتبعُنَّ سَنَن مَـنْ كان قبلكم حَذو القُذّة بالقـُذّة، حتى لو دخلوا جُحر ضَبٍّ لدخلتموه ﴾.

 قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟. قال: ((فمن؟))خرجاه.

ولمسلم عن ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قـال: «إنَّ الله زَوَى ليَ الأرضَ فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُويَ لي منها، وأُعطيتُ الكنزين: الأحمرَ والأبيض، وإني سألتُ ربي لأمتي أن لا يهلكها بسَنَة بعامة، وأن لا يسلِّط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإنَّ ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيتُ قضاءً فإنه لا يُرَدّ، وإني أعطيتُك لأمّتك أن لا أُهلكهم بسَنَةٍ بعَامّة، وأن لا أسلّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضُهم بعضاً». ورواه البرقاني في صحيحه.

وزاد: «وإنما أخاف على أُمّتي الأئمة المضلّين، وإذا وقع عليهم السيف لم يُرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبُد فئامٌ من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون كلهم يزعُم أنه نبـيٌّ، وأنا خاتم النبيّين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفةٌ من أُمـتي على الحق منصورة، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم، حَتَّـى يَأتـِيَ أَمْرُ اللهِ تبارك وتعالى﴾.

ـــ

الفوائد على الباب:

الأولى: المراد بالترجمة إيضاح دلالة النصوص من الكتاب والسنة على أنه سيكون من هذه الأمة من يعبد الأوثان ويتبع اليهود والنصارى والفرس في ضلالهم، وقد حدث من هذه الأمم عبادة الأوثان والشرك بالله عز وجل.

الثانية: تدل الآية الأولى على أنه سيكون في هذه الأمة من يؤمن بالسحر ويطيع الشيطان ؛ لأن ذلك وقع من أهل الكتاب مثل حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف ومن قبلهم، وإذا كان ذلك وقع من أهل الكتاب فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لتتبعنّ سنن من كان قبلكم» الحديث.

الثالثة: في قولـه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾ الآية فيها دلالة على أنه سيكون من هذه الأمة من يعبد الطاغوت والأوثان ؛ لأن الآية دالّة على ما كانوا عليه من الضلال.

الرابعة: سيكون من هذه الأمة من يبني على القبور ويتخذ القبور مساجد ويعظم القبور بأنواع البدع ؛ لأن ذلك وقع من اليهود النصارى كما دلّ عليه قولـه: ﴿ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾  [الكهف: 21] وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القُذّة بالقُذّة».

الخامسة: في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم..» الإخبار بوقوع وقوع التشبه والاتباع من الأمة لليهود والنصارى والمجوس في كل معصية أو كفر أو بدعة فعلوها، ولهذا وقع في آخر هذه الأمة البناء على القبور وعبادة الأوثان، فوجب على العاقل الناصح لنفسه الحذر من اتباع أهل الشرك والكفر والبدع وكبائر الذنوب حتى لا يُحشر معهم ولا يُعذّب بعذابهم.

السادسة: الاقتتال بين المسلمين من أسباب تسليط العدو عليهم ؛ لأن الله تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: «لا أسلِّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً».

ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: «وإنما أخاف على أُمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ من أُمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أُمتي الأوثان، وإنه سيكون في أُمتي كذّابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيّ، وأنا خاتم النبيين، لا نبيّ بعدي، ولا تزال طائفة من أُمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى».

السابعة: البشارة بظهور الإسلام واتساعه في كافة أرجاء الأرض وخصوصاً المشرق والمغرب لحديث: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها» مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار»، وقوله: «إن هذا الدين لا يترك بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا دخله بعزِّ عزيز أو ذل ذليل..» الحديث.

الثامنة: تأمين الله تعالى لهذه الأمة المرحومة ألا تهلك بسنةٍ بعامة لما جاء في الحديث القدسي: إن الله تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: «أن لا أهلكهم بسَنَة بعامة».

* * *

 24- باب ما جاء في السحر

وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة : 102]. وقولـه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء : 51].

قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان.

وقال جابر: الطواغيت كهّان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حيٍّ واحدٌ.

وعن أبي هريرة ر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكلُ الربا، وأكلُ مال اليتيم، والتولِّي يومَ الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».

وعن جندب مرفوعاً: «حدُّ الساحر ضربةٌ بالسيف». رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف.

وفي صحيح البخاري عن بَجَالَة بن عَبَدَة قال: كتب عمر بن الخطاب ر أنِ اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر.

وصحَّ عن حفصةَ رضي الله عنها أنها أمرت بقتل جاريةٍ لها سَحرتها، فقُتِلتْ. وكذلك صحّ عن جُنْدَب.

قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الفوائد على الباب:

الأولى: وجه إدخال السحر في أبواب كتاب التوحيد لأن كثيراً من أقسامه لا يتأتَّى إلا بالشرك والتوسل بالأرواح الشيطانية إلى مقاصد الساحر، فلا يتم للعبد توحيد حتى يجتنب السحر كله قليله وكثيره.

والسحر حقيقةً لا يكون إلا باستعانة الساحر بالشياطين بتقربه إليهم بما يحبون من أنواع الشرك بالله عز وجل فيخدمونه لقاء ذلك بإنفاذ الضر بالمسحور –بإذن الله الكوني القدري – في عقله أو بدنه أو غير ذلك، فلكل ساحر خادم من الشياطين يخدمه، ولكل ساحر مستعان به من الشياطين يستعين به على تحقيق غرضه فلا يكون السحر إلا بالشرك بالله عز وجل، ولا يكون الشخص ساحراً حتى يشرك بربه.

الثانية: السحر يدخل في الشرك من وجوه:

أ) ما فيه من استخدام الشياطين والتعلق بهم وربما تقرب إليهم ليحققوا مقصوده.

ب) ما فيه من دعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله تعالى في علم استأثر به وسلوك الطرق المفضية إلى ذلك.

ج) ما فيه من التصرفات المحرمة والأفعال المنكرة كالقتل والتفريق بين المتحابين والسعي في تغيير العقول وذلك من أفظع المحرمات وشعب الشرك ووسائله.

الثالثة: السحر:

لغةً: ما خفي مأخذه، ولطف سببه ومنه الصرف والخداع ؛ لأن أصله صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، ويطلق على إخراج الباطل في صورة الحق لقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ ، وقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ من البيان لسحراً».

واصطلاحاً: هو عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان، ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه فيأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة : 102]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق : 4].

الرابعة: للسحر حقيقة وذلك أن الله تعالى لمَّا أثبت لـه ضرراً بإذنه الكوني القدري وأمر بالاستعاذة من أهله دلَّ على أن له حقيقة مع قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف : 116] فإن النفاثات هي النفوس والأرواح الشريرة.

قال القرافي - رحمه الله -: وكان السحر معلوماً للصحابة رضي الله عنهم وكانوا مجمعين على أن له حقيقة قبل ظهور القدرية.

وقال النووي - رحمه الله -: «والصحيح أنه لـه حقيقة وبه قطع الجمهور وعليه عامة العلماء ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة». [روضة الطالبين 9/346].

الخامسة: اعلم أن السحرة إذا أرادوا عمل السحر عقدوا الخيوط، فإذا تكيفت نفس الساحر بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة نفث في تلك العقد وهو النفخ مع الريق فيخرج من نفثه الخبيث نفس ممازج للشر والأذى مقارن للريق الممازج لذلك، ويتساعد مع الروح الشيطاني فيحصل به أذى للمسحور بإذن الله الكوني القدري.

السادسة: دلّت نصوص كثيرة على كفر الساحر ومن تعلّم السحر وعلمه منها:

1) قولـه تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ففي ذلك بيان أن علة كفر الشياطين هي السحر الذي يعلِّمونه للناس، ولم يتعاطاه سليمان عليه السلام لأن السحر كفر والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يتعاطون الكفر لعصمتهم.

2) قولـه تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي ينصحان من أراد أن يتعلمه أن لا يتعلمه لأنه كفر فدل على أن تعلم السحر كفر، وأما هما فيعلمانه ابتلاء من الله للناس وامتحاناً.

3) قولـه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾  وهو الحظ والنصيب في الآخرة من الثواب، والذي لا نصيب لـه في الآخرة من الثواب هو الكافر ؛ لأن المؤمن له نصيب بحسب إيمانه ومن معه مثاقيل الذر من الإيمان لابد أن يدخل الجنة وإن عذب فإن الجنةلا تحرم إلاّ على الكفّار قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف : 50]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة : 72] فدلّ ذلك على كفر الساحر وحبوط عمله بالسحر.

4) قولـه تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس : 77] وقولـه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه : 69] نفي الفلاح عن الساحر دليل على كفره ؛ لأن الذي لا يفلح أبداً هو الكافر، أما المؤمن فإنه يفلح بحسب إيمانه ولابد.

5) قولـه تعالى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس : 81] فدل على أن الساحر مفسد في الأرض، يفسد العقائد بتضليلها، والأخلاق بانحرافها، والأموال بأكلها بالباطل، والأنفس بإهلاكها، والأعراض بتدنيسها، فهو شر على نفسه وعلى المجتمع الذي يوجد فيه بكل حال، ولهذا شرع الله الاستعاذة به من شره.

6) قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى كاهناً أو عرَّافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» والساحر كالعرّاف والكاهن فإنه يدّعي علم الغيب، فإذا كان هذا حال السائل فكيف بالمسؤول ونحوه.

السابعة: من مظاهر ضعف الإيمان بالله ونقص التوكل عليه أن ترى جموعاً غفيرة من أهل الإسلام قد ازدحمت على أبواب بيوت تربع فيها أناس من جهلة المسلمين أو شياطين الإنس والجن من السحرة والكهان والمشعوذين ونحوهم من الدجالين المخرفين تطلب العافية بواسطتهم من حل السحر ونحوه.

الثامنة: السحر منه:

أ- ما يكون كفراً مخرجاً من الملة، وهو من ضروب الردة والإلحاد والزندقة، حيث يستعين الساحر بشياطين الجن بأنواع من الخضوع لهم في مطالبهم الشركية من ذبح أو دعاء أو غير ذلك، وقد يطلب ذلك من الناس إرضاءً للشياطين.

ب- من السحر ما هو وسيلة إلى الكفر، وذلك كاستعمال العقد والنفث فيها وأنواع من الأدوية دون استعانة بالشياطين أو تقرّب إلى غير الله بشيء من حقه، فهذا إن صح واقعاً فليس كفراً بل هو وسيلة إليه، ولكن الغالب أن السحر لا يكون إلا بعبادة الشياطين والكفر بالله عز وجل، ولذا ثبت عن خمسة من الصحابة رضي الله عنهم قتل السحرة بكل حال ترجيحاً لجانب الردة والزندقة وعملاً بالنصوص الصحيحة، فتعلم السحر وتعليمه حرام وكبيرة من كبائر الذنوب بإجماع المسلمين وطريق إلى الشرك والكفر - عند بعض أهل العلم - وكفر عند المحققين منهم.

التاسعة: حكمُ الساحر القتل بالسيف لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «حدُّ الساحر ضربه بالسيف». رواه الترمذي. وقد كتب عمر ر: أنِ اقتلوا كل ساحر وساحرة. وقد صحّ أن أم المؤمنين حفصة أمرت بقتل جارية سحرتها فقُتِلت. رواه الإمام مالك بإسناد صحيح.

العاشرة: المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن الساحر يُقتل من غير استتابة، وبه قال مالك رحمه الله وهو المأثور عن الصحابة ، فإنهم لم يستتيبوا السحرة الذين قتلوهم، فتوبته إن صحَّت تنفعه فيما بينه وبين الله تعالى ولكن لا تعفيه من الحدِّ وهو القتل بضربه بالسيف، معاملةً له معاملة الزنديق والمستهزئ بالله وكتابه ورسوله ونحوهم.

* * *

 25- باب بيان شيء من أنواع السحر

قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن حيّان بن العلاء، حدثنا قَطَن بن قَبيصة، عن أبيه أنه سمع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن العيافةَ والطَّرقَ والطِّيَرَةَ من الجبت».

قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطَّرقُ: الخطُّ يُخطُّ بالأرض.

والجبتُ قال الحسن: رَنَّةُ الشيطان. إسنـاده جيد. ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه.

وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من اقتبس شعبةً من النجوم فقد اقتبس شعبةً من السحر، زاد ما زاد». رواه أبوداود وإسناده صحيح.

وللنسائي من حديث أبي هريرة: «من عَقَد عُقدةً ثم نفث فيهــا فقد سَحَرَ، ومن سَحَرَ فقد أشرك، ومن تعلَّق شيئاً وُكِل إليه».

وعن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَلاَ هل أُنبئكم ما العَضْهُ؟ هي النميمة، القالة بين الناس». رواه مسلم.

ولهما عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من البيان لسحراً».

الفوائد على الباب:

الأولى: ذكر الشيخ - رحمه الله - في هذا الباب أشياء يكثر وقوعها وخفاؤها، حتى اعتقد كثير من الناس أن من صدرت عنه هذه الأمور من أولياء الله، وعدّوها من كرامات الأولياء، وليس كل من جرى على يديه شيء من الخوارق يكون ولياً لله، وإنما يُعرف ولي الله باتّباعه للشرع، واستقامته على السنة ظاهراً وباطناً، فإن العادة تنخرق بإذن الله الكوني القدري بفعل الساحر والمشعوذ وخبر المنجم والكاهن بشيء من الغيب بما يخبره به الشياطين المسترقون للسمع، أو ما يقوله ظناً فيصادف قدراً ماضياً.

الثانية: يُطلق السحر في اللغة على أنواع كثيرة، منها ما يكون من جهة المقال، ومنها ما يكون من جهة الفعل، ومنها ما يكون من جهة الاعتقادات.

الثالثة: ذكر الشيخ رحمه الله في هذا الباب أنواعاً أطلق عليها أنها سحر إما لكونها كفر فهي مثل السحر، أو لأن الشارع أطلق عليها اسم السحر، أو لخفاء تأثيرها على الناس فهي تشبه السحر في خفائه وتشاركه في المعنى اللغوي، وهي:

النوع الأول: التنجيم: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية كالذين يقولون إذا طلع النجم الفلاني يحصل مرض أو موت في الناس، أو يحصل مطر وخصب، أو يحصل بطلوع النجم الفلاني غلاء في الأسعار.

فهذا كله سحر لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد».

فالمنجمون على هذا النحو سحرة وكفرة ؛ لأن المنجم يدّعي علم الغيب بواسطة ما يزعم من الأحوال الفلكية من رخص وخصب أو غلاء وجدب وكل ذلك كفر؛ لأنه تكذيب لله القائل: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل : 65]، ولأنه يدّعى مشاركة الله في شيء من خصائصه وهو علم الغيب فالمنجم ساحر وكافر خارج من الملة، بل هو من كبار الطواغيت.

النوع الثاني: النفث في الخيوط وعقدها: كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق : 4] [الفلق: 4] فعقد الخيوط والنفث فيها مع قراءة أساء الشياطين والتعوذات بهم من أعظم أنواع السحر وهو كفر صريح مخرج من الملة، وإن خلا من الاستعانة بالشياطين والتقرب إليهم فهو وسيلة إلى ذلك وتشبه بهم، والوسائل لها أحكام المقاصد.

النوع الثالث: البيان: الذي يراد به نصرة الباطل وصد الناس عن الحق وهذا داخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من البيان لسحرا» فالمذموم من البيان ما كان فيه تلبيس على الناس وتزيين الباطل في عقولهم وقلوبهم وصرف لهم عن الحق وصدٌّ عنه كما عليه دعاة البدع من أهل الخرافة والتصوف والفلسفة الذين يضادون ما جاءت به الرسل، ويسعون في نشر الباطل وصرف الناس عن الحق، فهذا نوع من السحر منه ما هو كفر ومنه ما هو دون ذلك بحسب مضمونه ومخالفته للشرع.

النوع الرابع: النميمة: وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، فإن النمَّام يفرِّق بين الناس بكلام يوقع بينهم العداوة والبغضاء ويتسبب في القطيعة وربما أشعل الحرب بينهم، وفرّق بين الرجل وزوجه، والوالد وولده، والأخ وأخيه، وبين العالم وطلابه, وربما فرق بين العامة، وأحدث في المجتمع فتنة وشراً فهذا من جنس السحر وعمل السحرة؛ لأنهم كما قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة : 102].

فالنمَّام هكذا يفر ق بين الأحباب ويشعل الحرب بين الأصحاب ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا هل أنبئكم ما العضه؟ - يعني السحر- هو النميمة القالة بين الناس»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة نمّام» فالنميمة تؤثر مثل تأثير عمل السحر، وإن كانت ليست كفراً ولكنها من كبائر الذنوب.

الرابعة: من أخلاق الساحر التي تؤهله لتعلّم السحر:

1- عداوة الدين والاستهزاء به وهجر مواضع العبادة إلا للإفساد والتشويش فيها وتدنيس ما أمكن مما هو محترم شرعاً.

2- الاستعداد التام لارتكاب الفواحش وأنواع المعاصي، والإنغماس الكلي في الفجور والإباحية طاعةً للشياطين إذا كان لا يحصل مقصوده منهم إلا بذلك.

3- أن يكون مثالاً للقذارة الحسية والمعنوية كما تشهد بذلك أحوال السحرة حتى يوافق الشياطين في طباعها وأخلاقها، ويتحلى بالخضوع التام – دون شرط – لها.

4- العزلة والانطواء عن الناس إلا في حال القيام بتنفيذ السحر.

5- الاعتقاد الراسخ بقوة الشيطان وأعوانه ومقدرتهم على ما يريدون والخضوع التام لهم وتنفيذ مطالبهم دون قيد أو شرط.

6- أن يكون قابلاً للتخلق بالكذب والنفاق والمراوغة والبعد عن التحلي بكل ما هو محمود طبعاً وشرعاً.

7- أن يكون جَلْداً عنيداً لا يتزعزع عن اعتقاده الضالّ مهما واجه من أصناف التعذيب وسبل الموت، وكذلك عند رؤية الشيطان وجنده بصورهم المفزعة.

8- أن يهب حياته وماله وذريّته للشيطان.

الخامسة: العيافة المذمومة زجر الطير للتشاؤم أو التفاؤل بالجهة التي يذهب إليها، أما زجر الطير لحاجة فلا بأس بذلك، ما لم يكن الشخص في الحرم أو حال إحرام.

السادسة: إنما كانت العيافة من السحر لأنها استنادٌ على أمرٍ خفي ليس بيّناً.

السابعة: بعض هذه الأشياء المذكورة في الباب تسمى سحراً من جهة كونها تضر وتؤذي وإن لم تكن سحراً من جهة المعنى والحقيقة ؛ لأنها تعمل عمل السحر في الإفساد، ولهذا يطلق عليها سحرٌ لما فيها من الشر والإفساد.

الثامنة: وبعض هذه الأشياء توصف بأنها سحر لأنها تشاركه في المعنى اللغوي، حيث إنها تؤثر على النفوس تأثيراً خفياً في الواقع وحقيقة الأمر كالبيان، أو من جهة التوهم كالطيرة والعيافة والقول بتأثير النجوم، أو من جهة التشبه والمصادفة كالعقد والنفث.

التاسعة: التطيّر هو التشاؤم بمرئي أو بمسموع، وقيل: هو التشاؤم بمعلوم مرئياً كان أو مسموعاً، زماناً كان أو مكاناً أو شخصاً، وإنما أضيفت إلى الطير لأن غالب التشاؤم عند العرب كان بالطير، وهي استناد على أمر خفي، ولهذا كانت من السحر وفيها جعل ما ليس سبباً في المقصود سبباً له.

العاشرة: الخط المنهي عنه ما كان على سبيل السحر والكهانة وهي من وحي الشيطان لأنهم يستعملونه في السحر ويتوصلون إليه، وتفعله النساء غالباً، والله أعلم بكيفيته، أما خط الأرض للمصالح كسترة الصلاة، وإيضاح حدود الأملاك فليس من هذا الباب.

الحادية عشرة: التشاؤم ينكد العيش، ومبناه على سوء الظن بالله وهو من خصال الجاهلية ووساوس الشيطان، فالواجب على العاقل طرحه وعدم الالتفات إلى ما يقع في النفس منه، وعليه الضراعة إلى الله تعالى بطلب السلامة والحرص على ما ينفع والسعي فيه، عملاً بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يعجبه التفاؤل، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز..» الخ.

الثانية عشرة: تعلم علم النجوم وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كالاستدلال باقتران نجمتين أو القمر بإحدى الكواكب على سعادة أو نحوس أو نحو ذلك من السحر؛ لأن الحوادث الأرضية من الله تعالى ولا علاقة للنجوم فيها، فهي لا تؤثر سلباً ولا إيجاباً، وإنما كان من السحر لأنه استدلال بأمور خفية لا علاقة لها بالمقصود.

الثالثة عشرة: علم النجوم من السحر، وهو ما يعتقده المنجمون وأتباعهم في النجوم من التأثير فإن ذلك شيء باطل، كما أن تأثير السحر بنفسه دون إذن الله الكوني القدري باطل.

الرابعة عشرة: في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ومن سحر فقد أشرك» نصٌّ على أن الساحر مشرك، وذلك لأن السحر لا يتأتى بدون الشرك، وإنما يتوصل إليه بالطرق الشيطانية الشركية.

الخامسة عشرة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلّق شيئاً وُكل إليه» فيه الحث على التعلق بالله جل وعلا في جميع الأمور حتى تتيسر، فإن من تعلق بالله وتوكل عليه كفاه، وأما من تعلّق بالخلق كالسحرة والقبور والأسباب فإن الله يكِلهم إلى من تعلقوا به، ومن وكل إلى الخلق وُكِلَ إلى ضعف وعجز فكان عاقبة أمره خسراً، وأعظم ذلك خسارة الدين مع ما يحصل من ذهاب العزة والكرامة في الدنيا، والذلة والعبودية للخلق.

السادسة عشرة: من عقد ثم نفث من أجل السحر فهذا هو الذي يصدق عليه أنه سحر لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أما إذا عقد ثم نفث لأجل أن تشتد العقدة فليس من ذلك.

السابعة عشرة: النميمة من كبائر الذنوب ومن السحر لما يحصل فيها من التفريق بين الناس وقطع الصلات وقلب المودة عداوةً، ولما ينشأ عنها من التفريق بين المتحابين والفساد في المجتمع، وهي من أسباب عذاب القبر لقوله - صلى الله عليه وسلم - في صاحبي القبر: «أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة» ومن موجبات الحرمان من دخول الجنة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة قتّات» أي: نمام.

الثامنة عشرة: البيان المذموم والموصوف بأنه من السحر ما كان فيه ردٌّ للحق وصرف الناس عنه وتزيين للباطل وإغراء به ؛ لما يحصل به من إفساد الناس وإلحاق الضرر بهم.

* * *

 26- باب ما جاء في الكهان ونحوهم

روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أتى عرَّافاً فسأله عن شيء فصدَّقه، لم تُقْبَل لـه صلاةٌ أربعين يوماً».

وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -». رواه أبوداود.

وللأربعة، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أتى عرَّافاً أو كاهناً فصدَّقه بما يقولُ فقد كَفَر بما أُنزلَ على محمد - صلى الله عليه وسلم -».

ولأبي يعلى بسندٍ جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً.

وعن عمران بن حُصَين مرفـوعاً: «ليس منا من تَطَّيَر أو تُطيِّر لـه، أو تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له، أو سَحَر أو سُحِرَ له، ومن أتى كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كَفَر بما أُنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -» رواه البزّار بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قولـه «ومن أتى..» إلى آخره.

قال البغوي: العرَّافُ: الذي يدَّعي معرفة الأمور بمقدمات يُستدلُّ بها على المسروق ومكان الضالَّة ونحو ذلك. وقيل: هو الكاهن. والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيّبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبرُ عمّا في الضمير.

وقال أبوالعباس ابن تيمية: العرَّافُ اسمٌ للكاهن والمنجِّم والرمّال ونحوهم، ممن يتكلّم في معرفة الأمور بهذه الطرق.

وقال ابن عباس في قوم يكتـبون «أبا جاد» وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق.

ـــ

الفوائد على الباب:

الأولى: لما ذكر المؤلف - رحمه الله - السحر وأنواعه ذكر أحكام الكهان ونحوهم لمشابهتهم السَحَرة وأراد بيان ما جاء بشأنهم من التغليظ الأكيد والوعيد الشديد.

الثانية: من ادّعى مشاركة الله تعالى في علم الغيب بأي طريقة من الطرق كهانة أو عرافة أو غيرهما أو صدّق ذلك فقد كفر ؛ لأنه جعل نفسه شريكاً لله تعالى فيما هو من خصائصه، فإنه تعالى المتفرد بعلم الغيب، وقد كذب على الله ورسوله وقد كذب من ادّعى علم الغيب.

الثالثة: الكهان هم الذين يتعاطون الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدّعون معرفة الأسرار بمقدمات يزعمونها، أو يأخذونها عن مسترقي السمع، ومن الكهان من لـه رِئِيٌ من الجن أي صاحب يخبره ببعض أسرار الناس، وحكمهم أنهم كفار يجب القضاء عليهم وتعزيرهم وتكذيبهم وعدم سؤالهم.

الرابعة: كثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك، والتقرب إلى من تتخذ وسائط إليه من الشركاء من الجن ونحوهم يستعان بها في دعوى علم الغيب فهي شركٌ من جهتين: دعوى علم الغيب، والتقرب إلى غير الله بشيء من حق الله تعالى من دعاء أو نذر أو سجود وغير ذلك.

الخامسة: إبعاد الشارع للخلق عن الخرافات المفسدة للأديان والعقول.

السادسة: خصوا العرّاف بمن يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، كالذي يدّعي معرفة المسروق ومكان الضالة فهو الذي يخبر عن الواقع كالمسروق وسارقه، والضالة ومكانها، أما الكاهن فهو الذي يزعم أن له تابعاً من الجن يلقي إليه الأخبار.

السابعة: «من أتى عرّافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة.. الخ» فيه دلالة على أن السؤال المجرد لا يجوز ؛ لأن فيه رفعاً من شأنهم وبسؤالهم ووسيلة إلى تصديقهم وتعظيماً لقدرهم ولشعوذتهم، فينبغي تناسيهم لقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «ليسوا بشيء، لا تأتوهم». رواه مسلم. وذلك احتقاراً لهم وإعراضاً عنهم وإماتة لهم ولشأنهم.

الثامنة: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى عرّافاً أو كاهناً فصدّقه» دلالة على أن إتيانهم لا يجوز، وأن تصديقهم في ادعاء علم الغيب كفر ؛ لأن علم الغيب لله وحده وهم ليسوا رسلاً، وكذلك الكاهن كافر إذا ادعى علم الغيب، ومن صدّقه فهو كافر ؛ لأنه لم يؤمن بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل : 65]، فظاهر قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى عرّافاً أو كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر..» إلخ أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان.

التاسعة: قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «لم تقبل لته صلاة أربعين يوماً» ظاهره أن الوعيد مترتب على مجيئه وسؤاله سواء صدقه أو شك في خبره، فإن في بعض روايات الحديث: «من أتى عرّافاً فسأله عن شيء لم تقبل لـه صلاة»، والأصل في نفي القبول نفي الصحة إلا بدليل، وإذا لم تكن صحيحة لم تكن مجزئة، أي لا ثواب لـه فيها لاقترانها بالمعصية وإن كانت مجزئة لسقوط الفرض عنه في الدنيا لوجود شروطها وأركانها فإنه لا تلزمه الإعادة إجماعاً.

العاشرة: الحديث الذي فيه الوعيد بعدم قبول الصلاة أربعين ليلة ليس فيه ذكر تصديقه، والأحاديث التي فيها إطلاق الكفر مقيدة بتصديقه.

الحادية عشرة: روى البزار بإسناد على شرط مسلم عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أتى كاهناً أو ساحراً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» وهو يدل على كفر الكاهن والساحر والمصدق لهما في ذلك لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر والمصدق لهما يعتقد ذلك ورضي به وذلك كفر.

الثانية عشرة:عن أبي هريرة ر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد» وعند أحمد والترمذي: «من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضاً، أو امرأة في دبرها فقد برئ مما أُنزل على محمد».

الثالثة عشرة: في الطبراني عن واثلة بن الأسقع مرفوعاً: «من أتى كاهناً فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدقه بما قال كفر».

الرابعة عشرة: الأحاديث التي فيها الكفر مقيدة بتصديقه وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، وهل الكفر في هذا الموضع:

أ) كفر دون كفر فلا ينقل عن الملة؟.

ب) أو يتوقف فيه كما هو أشهر الروايتين عن أحمد؟.

ج) أو هو أكبر؟.                  

الصواب أنه من الكفر الأكبر، فالذي يصدّق العراف أو الكاهن يكفر بما أنزل على محمد بل هو غير مؤمن به، وهو راض بالكهانة وهي كفر لما فيها من ادّعاء الغيب، والمصدق للعراف والكاهن يعتقد علمهما بالغيب ورضي به فهو طاغوت، وقد أمرنا اللهُ بالكفر بالطاغوت.

الخامسة عشرة: حديث «ليس منا من تَطيّر..» الخ فيه أن كل من فعل هذه الأمور أو عُملت لـه فقد برئ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكونها إما شركاً كالطيرة، أو كفراً كالكهانة والسحر، فمن فعل ذلك أو فُعلت له ورضي بها فهو كالفاعل؛ لقبوله الباطل واتباعه، وهذا الحديث من نصوص الوعيد تُمَر كما جاءت فإنها أبغ في الزجر.

* * *

 27- باب ما جاء في النشرة

 عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن النُّشْرَة فقال: «هي من عمل الشيطان» رواه أحمد بسند جيد، وأبوداود وقال: سُئل أحمدُ عنها فقال: ابنُ مسعود يَكْرَهُ هذا كله.

وفي البخاري عن قتادة قلت لابن المسيَّب: رجلٌ به طِبٌّ أو يُؤخَّذُ عن امرأته، أَيُحَلُّ عنه، أو يُنَشَّرُ؟ قال: لا بأسَ به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفعُ فلم يُنْهَ عنه. انتهى.

ورُوي عن الحسن أنه قال: لا يَحُلُّ السِّحر إلا ساحر.

قال ابن القيم: «النُّشرة حَلُّ السحر عن المسحور، وهي نوعان: أحدهما: حَلٌّ بسحرٍ مثله، وهو الذي مِنْ عمل الشيطان، وعليه يُحمَلُ قولُ الحسن، فيتقرّب الناشر والمنتشرُ إلى الشيطان بما يحبّ، فيبطُلُ عملُه عن المسحور. والثاني: النُّشْرة بالرُّقية والتعوّذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز».

الفوائد على الباب:

الأولى: النشرة هي حلّ السحر عن المسحور.

الثانية: حلّ السحر عن المسحور يكون بأحد أمرين:

الأول: حلّه بالرقى الشرعية والأدوية المباحة وهذا لا بأس به ؛ لأنه مما يراد به الإصلاح وهو مما ينفع.

الثاني: حلّ بسحر مثله، والراجح المنع من ذلك لما يأتي:

أ- أنه تعاطي لما حرم الله تعالى من الأسباب.

ب- أن فيه ترويجاً لصنعة السحرة وتشجيعاً لأهلها.

ج- أن فك السحر لا يكون غالباً إلا بالاستعانة بالشياطين وعبادتهم من دون الله، حيث يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان ليبطل عمله وهذا عبودية لغير الله ورضىً بالشرك بالله تعالى، وهذا ينافي التوحيد ويضاده بالكلية.

الثالثة: قوله - صلى الله عليه وسلم - - لما سُئل عن النشرة -: «هي من عمل الشيطان» يعني المعروفة في الجاهلية التي هي حلّ السحر عن المسحور بسحر مثله.

الرابعة: من النشرة الجائزة التي استعملها العلماء ونفع الله بها:

أ- قراة سورة الفاتحة عدة مرات، وكذلك آية الكرسي، وآيات السحر التي في سور الأعراف ويونس وطه والصافات، وكذا قراءة المعوذتين والكافرون، وينفث مع القراءة على المريض المسحور وعلى زوجته وأولاده إن كانوا معه.

ب- أخذ ورقات من شجر السدر الأخضر وتدق وتجعل في ماء ثم تقرأ عليه الآيات السابقة فيشرب منه المسحور ما تيسر ثلاث مرات أو أكثر ثم يغتسل بالباقي فيزول عنه السحر بإذن الله تعالى، فهذا معروف بالتجربة وليس فيه مخالفة للشرع.

* * *

 28- باب ما جاء في التطير

وقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾  [الأعراف : 131]. وقولـه: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس : 19]. الآية.

عن أبي هريرة ر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا عدوى، ولا طِيَرة، ولا هامةَ، ولا صَفَرَ». أخرجاه. زاد مسلم: «ولا نوء، ولا غُول».

ولهما عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا عدوى، ولا طِيَرة، ويعجبني الفألُ». قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمةُ الطيبة».

ولأبي داود بسند صحيح عن عُقبة بن عامر قال: ذُكرتِ الطِّيَرةُ عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أحسَنها الفألُ، ولا تَرُدُّ مُسلماً، فإذا رأى أحدُكم ما يكره فليقل: اللهمّ لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفعُ السيئـاتِ إلا أنت، ولا حول ولا قوةَ إلا بك».

ولـه من حديث ابن مسعـود مرفوعاً: «الطيرةُ شرك، الطيرة شـرك، وما منا إلاّ... ولكن اللهَ يذهبه بالتوكل» رواه أبوداود والترمذي وصححه وجعل آخره من قول ابن مسعود.

ولأحمد من حديث عبدالله بن عمرو: «مَنْ ردَّتهُ الطيرةُ عن حاجتــه فقد أشرك». قالوا: فما كفّارة ذلك؟ قال: «أن تقول: اللهم لا خيرَ إلا خيرُك، ولا طيرَ إلا طيرُك، ولا إله غيرُك».

وله من حديث الفضل بن العباس: «إنما الطيرةُ ما أمضاكَ أو ردَّكَ».

الفوائد على الباب:

الأولى: التطيّر لغة: مصدر تَطَيَّرَ يَتَطَيَّرُ تَطَيُّرَاً مأخوذ من الطير، وأصله معرفة أو تحري الخير أو الشر بدلالة الطير، وهو التشاؤم بالطير.

الثانية: التطيّر شرعاً: التشاؤم بالمكروه من مسموع أو مرئي أو معلوم أو زمان أو مكان أو شخص، فالتطيّر هو التشاؤم أو التفاؤل بحركة الطير من السوانح والبوارح والنطيح والقعيد، أو بغير الطير من الحوادث، أو الأشخاص ونحو ذلك مما يمضي أو يرد عن المقصود من سفر أو تجارة أو خطبة ونحو ذلك من الحاجات لتوهمه تأثيرها فيها.

الثالثة: كانت الطيرة تصدّ أهل الجاهلية عن حاجاتهم ومقاصدهم لاعتقادهم أنها أسباب أو علامات على الضرر أو النفع فنفاها الشرع وأبطلها وأخبر أنها لا تأثير لها في جلب نفع أو دفع ضر، فالطيرة من خصال أهل الجاهلية وأئمة الكفر من آل فرعون وضلاّل أهل الكتاب والمشركين وأشباههم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف : 131]، وقال تعالى عن قوم صالح: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل : 47] ومن تشبه بقوم فهو منهم وحُشر معهم، وفي ذلك أبلغ الزجر عن الطيرة وأهلها.

الرابعة: لما كانت الطيرة من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد الواجب أو من الشرك الأكبر المناقض له بحسب ما يقوم بقلب المتطير، ذكرها الشيخ رحمه الله في «كتاب التوحيد» تحذيراً منها ؛ لكونها من إلقاء الشيطان ووساوسه.

الخامسة: الطيرة قسمان:

الأول: أن يعتقد أن ما تطير به يستقل في جلب النفع، أو دفع الضر، وأنها تفعل بذاتها فهذا شرك في الربوبية لكونه اعتقد خالقاً مدبراً مع الله تعالى، وشرك في الألوهية لأنه تعلق قلبه بغير الله خوفاً ورجاءً فيما لا يقدر عليه إلا الله.

الثاني: أن يعتقد أنها سبب للخير أو الشر أو علامة عليه والله هو الفاعل، فهذا من الشرك الأصغر ؛ لأنه جعل ما ليس سبباً لا شرعاً ولا قدراً سبباً، وكذلك جعله علامة على ما يخاف أو يرجى من دون حجة شرعية أو حسية.

السادسة: حقيقة الطيرة هي أنه إذا عزم على فعل شيء من الأمور النافعة في الدين والدنيا فيرى أو يسمع ما يكره أثر في قلبه أحد أمرين:

 الأول: الاستجابة لذلك العارض فيترك ما كان عازماً عليه تطيراً وينتهي عنه، فهذا يدل على تعلّق قلبه بذلك المكروه غاية التعلّق وخوفه من المخلوقين وتعلقه بأمور ليست أسباباً وانقطاع قلبه من تعلقه بالله، وهذا من طرق الشرك وذرائعه.

الثاني: أن لا يستجيب لذلك الداعي ولكن يؤثر في قلبه حزناً وهَمَّاً وغَمَّاً وإن كان دون الشرك إلا أنه شر وضرر على العبد لما يحدثه من ضعف القلب ووهن التوكل وربما أصابه مكروه فظنه منه فيقوى تطيره.

السابعة: من صفات المؤمنين الكُمَّل الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب ترك الطيرة وعدم الالتفات إليها توحيداً لله تعالى في ربوبيته وإخلاصاً لـه في عبادته واعتماداً عليه وثقةً به، واعتقاداً أنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، فلا إله غيره ولا رب سواه، ولا مدبر معه ولا من دونه كما جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: «ولا يتطيرون» وذلك لتحقيقهم التوحيد وبراءتهم من الشرك والتنديد.

الثامنة: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «لا عدوى...» إلخ المراد نفي مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره بدون إذن الله عز وجل الكوني القدري فلم ينفِ - صلى الله عليه وسلم - سراية العلة وإنما نفى إضافة السراية إلى العلة على ما يعتقده أهل الجاهلية من أن العدوى تنتقل بنفسها وإنما المراد أن العدوى أو سراية العلة لا تكون إلا بإذن الله القدري الكوني فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك إنما يكون بقضاء الله وقدره، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر الظاهرة إذا كان في عافية منها كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «فر من المجذوم فرارك من الأسد».

وقال أيضاً: «لا يورد ممرض على مصح»، وقال في الطاعون: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه» ؛ لأن هذه كلها أسبابٌ للمرض والتلف ظاهرة، وأما إذا ابتلي الإنسان بشيء من أهل هذه الآفات فليصبر وليتوكل على الله وليثق به ويحسن الظن به، ويباشر ما أوجبه الله عليه نحوه وذلك جائز، وقد أخذ - صلى الله عليه وسلم - بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة وقال: كل بسم الله، ثقة بالله وتوكلاً عليه.

التاسعة: قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «ولا طيرة» الراجح أن المراد النفي وإبطال الطيرة التي كانت تعانيها الجاهلية، والنفي أبلغ من النهي ؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، وفي صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ر أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ومنا أناس يتطيرون. قال: «ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنّكم».

فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن تأذِّيه وتشاؤمه بالطيرة إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يصده لا ما رآه وسمعه، فأوضح - صلى الله عليه وسلم - لأمته فساد الطيرة ليعلموا أن الله تعالى لم يجعلها علامة، ولا نصبها سبباً، وليس فيها دلالة لما يخافونه ويحذرونه، لتطمئن قلوبهم إلى ربهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته في ربوبيته وإلهيته وعبادته التي خُلقوا من أجلها وينالوا بتحقيقها سعادة الدارين، كل ذلك لقطع علائق الشرك الذي هو أعظم أسباب دخول النار.

العاشرة: الفأل الحسن لا يخل بعقيدة الإنسان ولا بعمله، وليس فيه تعلق القلب بغير الله بل فيه من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة، وهو من باب حسن الظن بالله تعالى ولذلك استثني من الطيرة ؛ لمضادته لها.

وصفته: أن يعزم العبد على أمر مشروع من زواج، أو عقد من العقود، أو حالة من الأحوال المهمة، ثم يرى في تلك الحال ما يسره، أو يسمع كلاماً يسره مثل: يا غانم، أو يا رابح، فيتفاءل ويزداد طمعه في حصول مقصوده وتيسيره، فهذا كله خير وآثاره خير.

الحادية عشرة: الفأل من الطيرة باعتبار أنه ليس سبباً في تحصيل المقصود ولا علامة عليه ولكنه استثنى وأخرج منها في الحكم لأن مبناه على حسن الظن بالله تعالى ولموافقته الطبيعة الإنسانية، ولما فيه من النفع في تقوية الهمة في طلب المصلحة مع الاستبشار والسرور وانشراح الصدور ودفع الهم والحزن والعجز وهو لا يعتمد على الفأل.

الثانية عشرة: ليس في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنْ يكن الشؤم ففي ثلاث..» الخ دلالة على جواز الطيرة، وإنما غايته الإخبار بأن الله تعالى قد يخلق من هذه الأشياء أعياناً مشؤومة على من قاربها وساكنها.

الثالثة عشرة: من رحمة الله تعالى بعباده أن دلّهم وهداهم إلى ما يخلصهم من الطيرة إذا وقعت في نفوسهم لدفع شرها وإزالة أثرها ومن ذلك:

1- الدعاء لقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم لا يأتِ بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك»، وقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك».

2- تحقيق التوكل على الله سبحانه والمضي إلى الحاجة غير ملتفت لما وقع في نفسه.

* * *

 29- باب ما جاء في التنجيم

 قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: «خلقَ اللهُ هذه النجومَ لثلاث: زينةً للسماء، ورُجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يُهتدى بها. فمن تأوَّل فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبَه، وتكلَّف ما لا علمَ له به». انتهى.

وَكَرِهَ قتادةُ تعلّمَ منازلَ القمرِ. ولم يرخِّص ابنًُ عيينة فيه. ذكره حربٌ عنهما. ورخّص في تعلُّم المنازل أحمد وإسحاق.

وعن أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: مدمنُ الخمر، وقاطعُ الرحم، ومصدِّقٌ بالسحر». رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه.

الفوائد على الباب:

الأولى: التنجيم لغة: هو الحزر والحدس، أي: الظن والتخمين بما يعتقد المنجِّم في النجوم من تأثير.

واصطلاحاً: هو الاستدلال بالنجوم والأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية.

الثانية: لما كان التنجيم منه ما هو شرك أكبر ينافي التوحيد، ومنه ما هو شرك أصغر ينقص كماله الواجب، ومنه ما هو مباح ينتفع به أدخل المؤلف هذا الباب ليبيِّن ما يمنع منه وما يشرع وليحذر من الممنوع لخطره وعظم ضرره.

الثالثة: التنجيم نوعان:

أحدهما: علم التأثير: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية وذلك مما ينافي التوحيد ويوقع في الشرك الأكبر لما فيه من نسبة الحوادث إلى غير من أحدثها وهو الله تعالى وما فيه من ادعاء مشاركة الله تعالى في علم الغيب وهو من أعظم خصائصه سبحانه، وهذا من التحكم على الغيب وتعاطي العلم الذي قد استأثر الله بعلمه.

وعن أبي موسى ر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرّحم، ومصدّق بالسِحر» رواه أحمد وابن حبّان في صحيحه.

الثاني: علم التسيير: وهو ما يدرك بطريق المشاهدة والخبر الذي يعرف به الزوال وتعلم به جهة القبلة وغيرها ومواقيت الصيام والحج وآجال البيوع والعدد وإبان البذر وغرس الأشجار وقطع ما يحتاج إلى قطع وغيرها، فيهتدى به إلى ما ينفع ولا يُدعى به علم الغيب وهذا جائز أو واجب ؛ لما يترتب عليه من المصالح الشرعية والدنيوية وقد ذكر الشيخ رحمه الله ذلك ليفرِّق بينه وبين تنجيم أهل الجاهلية.

الرابعة: قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا يدخلون الجنة..» إلخ ونحوه من نصوص الوعيد أحسن ما يقال فيه عند أهل الحق: إن كل عمل دون الشرك والكفر المخرج من الملة ومات عليه صاحبه من غير توبة فإنه يرجع فيه إلى مشيئة الله تعالى، فإن عذّبه فقد استوجب العذاب، وإن غفر له فبفضله ورحمته.

* * *

 30- باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء

وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة : 82].

وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهنّ: الفخرُ بالأحساب، والطعن في الأنســاب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». وقال: «النائحة إذا لم تتب قبلَ موتها تُقام يومَ القيامة وعليها سربالٌ من قطران، ودرعٌ من جَرَب». رواه مسلم.

ولهما عن زيد بن خالد ر قال: صلّى لنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحُديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلمَّـا انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربُّكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قال أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوءِ كذا وكذا فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب».

ولهما من حديث ابن عباس معناه. وفيه: قال بعضهم: لقد صدق نوءُ كذا وكذا. فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قولـه ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: 75-82].

الفوائد على الباب:

الأولى: الاستسقاء هو: طلب السقيا ؛ لأن مادة استفعل تدل على طلب الفعل كالاستغفار طلب المغفرة، والاستهداء طلب الهداية، وقد تدل على المبالغة في الفعل مثل استكبر أي بلغ في الكبر غايته.

الثانية: الأنواء جمع نوء، وهي منازل النجوم الثمانية والعشرون التي يقارنها القمر في منازله، ينزل القمر كل ليلة منها منزلة كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس : 39] يسقط في المغرب كل ثلاث عشرة ليلة منها منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلتها في ذلك الوقت من المشرق ما خلا الجبهة فإنها أربعة عشر يوماً فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة.

الثالثة: الاستسقاء بالأنواء نوعان:

أ- شرك أكبر: مثل سؤال النوءَ ـ أي النجم ـ المطرَ، كأن يقول: يا نوء كذا أسقنا، فهذا شرك أكبر في الإلهية ؛ لأنه دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.

وكذلك إذا اعتقد أن النجم هو الذي يأتي بالمطر دون الله فهذا شرك في الربوبية ؛ لأنه اعتقد وجود خالق مدبر معطي غير الله وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون : 117].

ب- شرك أصغر: كأن يعتقد أن النوءَ سبب للمطر والله تعالى هو الذي يأتي به، فإن كل من جعل شيئاً سبباً - والله تعالى لم يجعله سبباً لا بوحيه ولا بقدره - فهو مشرك شركاً أصغر.

الرابعة: قولـه تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: تنسبون المطر إلى النوء تقولون مطِرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وهو أولى ما فسرت به الآية.

والمعنى أنكم تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به بنسبته إلى غير الله تعالى، تقولون: مُطِرنا بنوء كذا وكذا، أو تقولون: لقد صدق نوء كذا.

الخامسة: المراد بالرزق في قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾أمران:

الأول: العلم ـ وهو القرآن وما جاء فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيان ـ: أي تجعلون حظكم من شكر ما جاءكم من حديث الوحي أنكم تكذبون به مداهنة للكفار لخوفكم منهم.

الثاني: المطر: تكذبون به فتنسبونه إلى الأنواء، والمعنى توبيخ الكفار الذين يقابلون نعمة الله عليهم بالقرآن الذي به حياة القلوب، أو المطر الذي به حياة الأبدان بالتكذيب وذلك كفر بالنعمة والمنعم.

السادسة: الجاهلية ما قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - سُموا بذلك لفرط جهلهم وكل ما خالف ما جاءت به الأنبياء والمرسلون فهو جاهلية، وكل ما كان من فعل الجاهلية أو وصف بأنه جاهلية فهو محرم مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة المنكرات إلى الجاهلية ذم لها ؛ فإن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم كقولـه تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب : 33] وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم بالجملة.

السابعة: الفخر بالأحساب هو التعالي والتعاظم على الناس بشرف الآباء والأجداد ومآثرهم جنساً ككونه من بني هاشم مثلاً، أو عملاً ككونهم مشهورين بالشجاعة والكرم، وهذا جهل عظيم، فإنه لا كرم إلا بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات : 13]، ولأبي داود عن أبي هريرة ر مرفوعاً: «إن الله قد أذهب عنكم عُبِيّة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أوفاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدمُ من تراب، ليدعنَّ رجالٌ فخرهم بأقوام، إنما هم فحم من فحم جهنم ؛ أو ليكوننّ أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها».

الثامنة: الطعن في الأنساب: ذمُّ وعيب الناس في أصلهم وقراباتهم ونفيهم عن القبائل والدور التي ينتسبون إليها احتقاراً لهم، وهو من عمل الجاهلية، قال - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر ر ـ لما عيَّرَ رجلاً بأمه ـ: «أعيّرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية»، أما إذا كان نفي نسب الرجل إلى قبيلة ونسبته إلى أخرى على وجه التصحيح للنسب وإزالة الخطأ والوهم فذلك علم شريف يحتاج إليه في أحوال عديدة فليس من الجاهلية ،وكان الصدِّيق وغيره من الصحابة ممن اعتنى بذلك وعرف به.

 وفي ذلك تنبيه على أن الرجل مع علمه وفضله ودينه قد يكون فيه بعض الخصال المسماة بجاهلية أو يهودية، أو نصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه ولكن ينقص إيمانه.

التاسعة: تقوى الله تعالى تمنع العبد من التعالي والتعاظم الذي ينتج منه التكبر وهو بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الخلقِ، فإن التقي كلما ازدادت نعمة الله عليه ازداد تواضعاً للحق وإحساناً ورحمة بالخلق.

العاشرة: النياحة: رفع الصوت بالندب، وهو تعداد محاسن الميت على وجه الجزع عليه والافتخار على غير ذويه، والبكاء وضرب الخدود وشق الجيوب ونحوها من أمور أهل الجاهلية التي تنافي الصبر، وفيها اعتراض وتسخط على قضاء الله وقدره، والنياحة من الكبائر لشدة الوعيد فيها.

فأما البكاء من غير رفع صوت ولا ندب ولا غيره من أمور الجاهلية ؛ فلا ينافي الرضاء بقضاء الله وقدره، بل هو كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «رحمة يجعلها الله في قلوب الرحماء من عباده».

الحادية عشرة: النياحة شؤم كلها، فإنها تهييج للأحزان وسخط واعتراض على قدر الله وقضائه وعذاب للحي والميت، ولا ترد قضاءً ولا ترفع بلاءً.

الثانية عشرة: ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها..» إلخ يدل ـ كما يرى بعض أهل العلم ـ على أن ذنب النياحة لا يكفَّر إلا بالتوبة ؛ لأنه من كبائر الذنوب والكبائر لا تُمحى بالحسنات، فلا يمحوها إلا التوبة.

الثالثة عشرة: مذهب جمهور أهل العلم أن التوبة تكفّر الذنب وإن عظم، بل هذا مجمع عليه في الجملة، وكذلك الذنوب ما خلا الشرك والردة تكفر بالحسنات الماحية والمصائب المكفّرة ودعاء المسلمين بعضهم لبعض وبالشفاعة بإذن الله وعفو الله عمن شاء ممن لا يشرك به شيئاً.

الرابعة عشرة: في إطلاق الكفر على بعض الخصال التي هي من أمور الجاهلية دلالة على أن من الكفر ما لا يخرج من الملة، وتنبيه على أن هذه الخصال من شُعب الكفر ومن وسائله التي قد توقع فيه، وفيه ردٌّ على كل من المرجئة القائلين بأن الذنوب لا تضر الإيمان، والوعيدية الذين يكفِّرون بالكبائر دون الشرك والمخلدين لمن مات على شيء من ذلك في النار.

 الخامسة عشرة: من فوائد حديث خالد بن زيد:

(1) إخراج العالم المسألة للمتعلم بالاستفهام عنها ليكون الجواب أوقع في الذهن.

(2) من حسن الأدب لمن سُئل عما لا يعلم أن يكِل العلم إلى عالمه فيقول الله أعلم.

(3) الفضل والرحمة صفتان لله تعالى يثبتان لله تعالى على ما يليق بجلاله من غير تمثيل ولا تعطيل كما هو مذهب السلف الصالح.

(4) أن نسبة النعمة إلى الله تعالى إيمان، ونسبتها إلى غيره كفر أصغر كفر نعمة، حيث جعل من نسبها إليه مؤثراً فيها وهو من الشرك في الربوبية، والمشرك كافرٌ.

السادسة عشرة: في قولـه تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ قسمٌ من الله تعالى، والله جلّ وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه على ما يشاء.

وفي إقسامه تعالى بشيء من مخلوقاته فوائد منها:

1-      تنبيه على أن ذلك المقسم به من آيات التوحيد ودلائل القدرة.

2-      أن ذلك المقسم به من نعم الله على عباده التي ينبغي أن تشكر وتغتنم في طاعته.

3- حث العباد على الانتفاع بهذه الأمور المقسم بها في طاعة الله ما أمكن، فإن ذلك من الشكر، أما المخلوق فليس له أن يقسم بغير الله عز وجل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بشيء من دون الله فقد أشرك»، وذلك أن القسم تعظيم للمقسم به وهذا التعظيم لا يصلح إلا لله عز وجل.

السابعة عشرة: مواقع النجوم فيها قولان:

أ) قال ابن عباس: نجوم القرآن فإنه نزل جملة من السماء العليا إلى السماء الدنيا ثم نزل مفرقاً في السنين بعده، ويكون المعنى ليس الأمر كما زعمتم في القرآن إنه سحر وكهانة بل هو قرآن كريم، ومواقع النجوم نزوله شيئاً بعد شيء.

ب) وقال مجاهد: مواقع النجوم مطالعها ومشارقها، واختار هذا ابن جرير.

* * *

 31- باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة : 165]. وقولـه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ـ إلى قوله ـ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة : 24]الآية.

عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». أخرجاه.

ولهما عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكرهُ أن يُقـذف في النار». وفي رواية: «لا يجدُ أحدٌ حلاوة الإيمان حتى..» إلى آخره.

وعن ابن عباس قال: «من أحبّ في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنالُ وَلاَيَةُ الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان ـ وإن كثرت صلاتُه وصومُه ـ حتى يكون كذلك، وقد صارت عامّةُ مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً». رواه ابن جرير.

وقال ابنُ عباس في قولـه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة : 166]. قال: المودّة.

ـــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: قال شيخ الإسلام رحمه الله: محركات القلوب إلى الله ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأقواها المحبة وهي مقصودة لذاتها؛ لأنها تُراد في الدنيا والآخرة.

فالمحبة تُعين العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر قوتها وضعفها يكون سيره.

والخوف يمنعه أن يخرج عن الطريق، فإن المقصود منه الزجر والمنع من الخروج عن الطريق وهو يزول في الآخرة، والرجاء يقوده.

فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنها لا تصح العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبداً لله لا لغيره.

الثانية: أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده، وهي أصل التأله والتعبد له بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل، ومن تكميلها وتفريعها الحب في الله، فيحب العبد ما يحبه ربه من الأعمال والأشخاص والبقاع والأحوال، ويبغض ما يبغضه من ذلك ويعاديه.

الثالثة: المحبة أنواع:

الأول: محبة الله تعالـى وهي أصل الإيمان والتوحيد، وهي التذلل لله عز وجل وتعظيمه وإجلاله، وأن يقوم بقلب العبد ما يفضي إلى ذلك من امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهذه خاصة بالله تعالى، فمن أحب مع الله تعالى غيره محبة عبادة فهو مشرك شركاً أكبر.

الثاني: المحبة في الله تعالـى وهي تابعة لمحبة الله وهي الثانية من أنواع محبة العبادة، وذلك بمحبة ما يحبه الله من:

الأشخاص: كالمرسلين والنبيين والصالحين.

والأعمال: كالصلاة والزكاة ونحوها من عمل الخير.

والأزمان: كرمضان وعشر ذي الحجة والأمكنة: كالمساجد ومناسك الحج ومشاعره وغيرها.

الثالث: المحبة الطبيعية كمحبة الإنسان لما يلائمه من قريب وحبيب من مأكول ومشروب ومنكوح، وهذه إذا خلت من معصية الله فهي مباحة، وتكون عبادة إذا اقترنت بالنية الصالحة، وتكون عوناً على طاعة الله ومحبته إذا دخلت في العبادات، وأما إن صدّت عن ذلك أو كانت وسيلة إلى ما لا يحبه الله كانت من المنهيات، بل تكون من الشرك الأصغر إن حملت على ترك واجب أو فعل محرم من غير إكراه.

الرابع: المحبة الشركية وهي المحبة مع الله كحب المشركين لأندادهم وهي أصل الشرك وأساسه، فحب الإنسان لغير الله كحب الله شرك أكبر مخرج من الله، وهذا يقع فيه بعض العبّاد الجهال وأهل الأهواء، فيحبون ساداتهم وصالحي موتاهم، وأيضاً يقع فيه بعض الأحياء مع رؤسائهم، فيعظم أولئك المفتونون هؤلاء المحبوبين كما يعظمون الله أو أشد، بسبب فرط محبتهم فيهلكون بهم ويدخلون الجحيم بسببهم: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء : 96 - 98].

الرابعة: يحرك محبة الله تعالى ويزيدها ويقويها في القلب أمور منها: كثرة ذكر الله تعالى، ومطالعة آلائه ونعمائه، وتدبر معاني أسمائه وصفاته، والتفكر في آياته في الأنفس والآفاق، وحسن تدبيره في مخلوقاته.

الخامسة: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه..» الخ نفي الإيمان تارة يراد به نفي الكمال، وتارة يراد به نفي الوجود أي الأصل، والمنفي في هذا الحديث نفي الكمال، إلا إذا خلا القلب من محبة الرسول إطلاقاً فلا شك أن هذا نفي للأصل.

السادسة: يُحَبُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لحب الله لـه ولما أمر الله تعالى به من حبه ولقيامه أكمل قيام بعبادة الله ودعوته إلى الله وجهاده وصبره لإعلاء كلمته، ولما قام به من تبليغ رسالات الله والنصح لعباده، وما كان عليه من الخُلُق العظيم.

السابعة: الذنوب تنقص محبة العبد لربه بحسبها إلا أن يتوب إلى الله تعالى منها، ولكن لا تزيلها إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب عن نفاق.

* * *

 31- باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة : 165]. وقولـه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ـ إلى قوله ـ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 24] الآية.

عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». أخرجاه.

ولهما عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكرهُ أن يُقـذف في النار». وفي رواية: «لا يجدُ أحدٌ حلاوة الإيمان حتى..» إلى آخره.

وعن ابن عباس قال: «من أحبّ في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنالُ وَلاَيَةُ الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان ـ وإن كثرت صلاتُه وصومُه ـ حتى يكون كذلك، وقد صارت عامّةُ مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً». رواه ابن جرير.

وقال ابنُ عباس في قولـه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166]. قال: المودّة.

ـــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: قال شيخ الإسلام رحمه الله: محركات القلوب إلى الله ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأقواها المحبة وهي مقصودة لذاتها؛ لأنها تُراد في الدنيا والآخرة.

فالمحبة تُعين العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر قوتها وضعفها يكون سيره.

والخوف يمنعه أن يخرج عن الطريق، فإن المقصود منه الزجر والمنع من الخروج عن الطريق وهو يزول في الآخرة، والرجاء يقوده.

فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنها لا تصح العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبداً لله لا لغيره.

الثانية: أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده، وهي أصل التأله والتعبد له بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل، ومن تكميلها وتفريعها الحب في الله، فيحب العبد ما يحبه ربه من الأعمال والأشخاص والبقاع والأحوال، ويبغض ما يبغضه من ذلك ويعاديه.

الثالثة: المحبة أنواع:

الأول: محبة الله تعالـى وهي أصل الإيمان والتوحيد، وهي التذلل لله عز وجل وتعظيمه وإجلاله، وأن يقوم بقلب العبد ما يفضي إلى ذلك من امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهذه خاصة بالله تعالى، فمن أحب مع الله تعالى غيره محبة عبادة فهو مشرك شركاً أكبر.

الثاني: المحبة في الله تعالـى وهي تابعة لمحبة الله وهي الثانية من أنواع محبة العبادة، وذلك بمحبة ما يحبه الله من:

الأشخاص: كالمرسلين والنبيين والصالحين.

والأعمال: كالصلاة والزكاة ونحوها من عمل الخير.

والأزمان: كرمضان وعشر ذي الحجة والأمكنة: كالمساجد ومناسك الحج ومشاعره وغيرها.

الثالث: المحبة الطبيعية كمحبة الإنسان لما يلائمه من قريب وحبيب من مأكول ومشروب ومنكوح، وهذه إذا خلت من معصية الله فهي مباحة، وتكون عبادة إذا اقترنت بالنية الصالحة، وتكون عوناً على طاعة الله ومحبته إذا دخلت في العبادات، وأما إن صدّت عن ذلك أو كانت وسيلة إلى ما لا يحبه الله كانت من المنهيات، بل تكون من الشرك الأصغر إن حملت على ترك واجب أو فعل محرم من غير إكراه.

الرابع: المحبة الشركية وهي المحبة مع الله كحب المشركين لأندادهم وهي أصل الشرك وأساسه، فحب الإنسان لغير الله كحب الله شرك أكبر مخرج من الله، وهذا يقع فيه بعض العبّاد الجهال وأهل الأهواء، فيحبون ساداتهم وصالحي موتاهم، وأيضاً يقع فيه بعض الأحياء مع رؤسائهم، فيعظم أولئك المفتونون هؤلاء المحبوبين كما يعظمون الله أو أشد، بسبب فرط محبتهم فيهلكون بهم ويدخلون الجحيم بسببهم: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء : 96 - 98].

الرابعة: يحرك محبة الله تعالى ويزيدها ويقويها في القلب أمور منها: كثرة ذكر الله تعالى، ومطالعة آلائه ونعمائه، وتدبر معاني أسمائه وصفاته، والتفكر في آياته في الأنفس والآفاق، وحسن تدبيره في مخلوقاته.

الخامسة: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه..» الخ نفي الإيمان تارة يراد به نفي الكمال، وتارة يراد به نفي الوجود أي الأصل، والمنفي في هذا الحديث نفي الكمال، إلا إذا خلا القلب من محبة الرسول إطلاقاً فلا شك أن هذا نفي للأصل.

السادسة: يُحَبُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لحب الله لـه ولما أمر الله تعالى به من حبه ولقيامه أكمل قيام بعبادة الله ودعوته إلى الله وجهاده وصبره لإعلاء كلمته، ولما قام به من تبليغ رسالات الله والنصح لعباده، وما كان عليه من الخُلُق العظيم.

السابعة: الذنوب تنقص محبة العبد لربه بحسبها إلا أن يتوب إلى الله تعالى منها، ولكن لا تزيلها إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب عن نفاق.

 32- باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران : 175]. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة : 18]. وقولـه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت : 10].

عن أبي سعيد ر مرفوعاً: «إنّ من ضُعْف اليقين أن تُرضيَ الناس بسخط الله، وأن تحمدَهم على رزق الله، وأن تذمَّهُم على ما لم يُؤتك الله، إن رزق الله لا يجرُّه حرصُ حريص، ولا يردُّهُ كراهيةُ كاره».

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من التمس رضى الله بسخط الناس ر وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه النا». رواه ابن حبان في صحيحه.

الفوائد على الباب:

الأولى: هذا الباب عقده المصنف ـ رحمه الله تعالى ـ لبيان وجوب تعلق الخوف والخشية بالله وحده، والنهي عن تعلقها بالمخلوقين، وبيان أنه لا يتم التوحيد إلا بذلك، ولابد في هذا الموضع من تفصيل يتضح به الأمر ويزول به الاشتباه، فاعلم أن الخوف يقع تارة عبادة، وتارة يقع طبيعة وعادة، وذلك بحسب أسبابه ومتعلقاته.

الثانية: الخوف عبودية القلب التي لا تصلح إلا لله تعالى، كالتوكل والمحبة والرجاء، وهومن أعظم مقامات الدين وأجلّها وأجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله - عز وجل - ولهذا نهى الله المؤمنين أن يخافوا غيره فدلّ على أن إخلاص الخوف لله من كمال شروط الإيمان.

الثالثة: الخوف من حيث هو ثلاثة أقسام:

 الأول: خوف السر: وهو أن يخاف من وثن، أو ميّت مطلقاً، أو مخلوق أن يضره فيما لا يقدر عليه إلا الله أو فيما يقدر عليه من غير إرادة الله، وهذا الخوف شرك ينافي التوحيد ويبطله بالكلية.

الثاني: الخوف الطبيعي: كالخوف من سبع أو نحوه مما ظهر سبب الخوف منه، فهذا لا يُذمّ، ومنه قول موسى عليه السلام: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء : 14].

الثالث: الخوف من الخلق: الذي يحمل المرء على ترك ما يجب لله تعالى عليه، أو فعل ما حرّمه الله عليه من غير إكراه يضره، أو يُتعدى على حرمته، فهذا محرم وهو نوع من الشرك بالله الذي ينافي كمال التوحيد الواجب، ومنه ما جاء في الحديث أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة ما منعك إذ رأيت المنكر أن لا تغيّره، فيقول: يا ربِّ خشيت الناسَ، فيقول: كنت أحق أن تخشان.

الرابعة: من كيد الشيطان لأهل الإيمان أنه يخوفهم من جنده وأوليائه حتى لا يجاهدوهم ولا يأمروهم بمعروف ولا ينهوهم عن منكر، ولذا بيّن الله تعالى لنا ذلك ونهانا أن نخاف أولياء الشيطان فقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ والمعنى عند جميع المفسرين يخوفكم بأوليائه. قال قتادة: يعظمهم في صدوركم، يعني حتى تخافوهم، فدل على أنه كلما قوي إيمان العبد زال خوف أولياء الشيطان من قلبه، وكلما ضعف إيمان العبد قويَ خوف أولياء الشيطان في قلبه.

الخامسة: من صفة عمّار المساجد الذين أثنى الله عليهم بها وشهد لهم بالإيمان أنهم أخلصوا الخشية لله وحده دونما سواه، ولذلك أوجب لهم تحقق الهداية بقولـه: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة : 18]فإن «عسى» من الله واجبة وهي حقّ.

السادسة: قال شيخ الإسلام: «اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله وما وعد أهل طاعته، ويتضمن القيام بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم يعني الناس بسخط الله لم تكن موقناً لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك:

* إما ميلٌ لما في أيديهم فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم.

* وإما ضعف تصديقه بما وعد الله به أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم، وإرضاؤهم بما يسخط الله إنما يكون خوفاً منهم ورجاءً لهم وذلك من ضعف اليقين». اهـ.

السابعة: من أعظم الفقه في الدين أن ترضي الله ولو سخط الناس، وأن لا ترضي الناس بسخط الله، فإنه من أرضى الله ولو بسخط الناس فقد اتقى الله وكان عبده الصالح والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق : 2 ، 3]، ويقول: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر : 36]، ويقول عن نفسه: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف : 196].

 33 – باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة : 23]

وقولـه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال : 2].

وقولـه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال : 64]. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق : 3].

عن ابن عبــاس قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران : 173]. قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا لـه ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران : 173]. رواه البخاري والنسائي.

ــ

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد المؤلف - رحمه الله - بهذه الترجمة بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله تعالى، فإن تقديم المعمول وهو لفظ الجلالة (الله) يفيد الحصر، أي وعلى الله فتوكلوا لا على غيره.

الثانية: حقيقة التوكل على الله أن يعلم العبد أن الأمر كله لله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه سبحانه وحده هو النافع الضار، المعطي المانع، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فبعد هذا العلم يعتمد بقلبه على ربه في جلب مصالح دينه ودنياه وفي دفع المضار، ويثق غاية الوثوق بربه في حصول مطلوبه وهو مع هذا باذل جهده في فعل الأسباب النافعة فمتى استدام العبد هذا العلم وهذا الاعتماد والثقة فهو المتوكل على الله حقيقة وليبشر بكفاية الله له ووعده للمتوكلين، ومتى علق ذلك بغير الله فهو شرك، ومن توكّل على غير الله وتعلّق به وكل إليه وخاب أمله.

الثالثة: التوكل على غير الله أنواع:

الأول: توكل اعتماد وتعبّد: كأن يعتقد أن المتوكَّل عليه هو الذي يجلب له كل خير ويدفع عنه كل شر فيفوض أمره إليه تفويضاً كاملاً في جلب المنافع ودفع المضار، مع اقتران ذلك بالخوف والطمع، فهذا شرك أكبر، سواءٌ كان المتوكل عليه حياً أو ميتاً، وذلك كتوكل عُبّاد القبور ومريدي الصوفية على شيوخهم ؛ لأن هذا التفويض لا يصح إلا لله تعالى.

الثاني: أن يتوكل على غير الله بشيء من الاعتماد عليه، لكن فيه إيمان بأنه سبب وأن الأمر إلى الله تعالى كتوكل كثير من الناس على ملوكهم وأمرائهم، وهذا شرك أصغر.

الثالث: أن يتوكل على شخص على أنه نائب عنه على أن المتوكل فوضه، كتوكل بعض الناس على وكلاء البيع والشراء والخصومات ونحوها مما تدخله النيابة، فهذا جائز، وقد وكّل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه على شيء من أموره.

الرابعة: التوكل من أجمع أنواع العبادة وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة فإنه إذا توكل على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل من سواه صحّ إخلاصه ومعاملته مع الله، ولذا أمر الله به في غير آية من كتابه، بل جعله شرطاً في الإيمان والإسلام كما في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس : 84]، فدلّ على انتفاء الإيمان والإسلام بانتفائه، قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: «وما رجا أحدٌ مخلوقاً أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه شرك».

* * *

 34- باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف : 99].

وقولـه: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر : 56].

وعن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن الكبائر فقال: «الشرك بالله، واليأسُ من رَوْح الله، والأمنُ من مكر الله».

وعن ابن مسعود قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمنُ من مكر الله، والقُنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله. رواه عبدالرزاق.

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد المؤلف رحمه الله أن يبيِّنَ أن الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب المنافية لكمال التوحيد الواجب، وأنه دليل على ضعف الإيمان، فإن من أمِنَ مكر الله لم يبال بماترك من الواجبات ولا بما فعل من المحرمات لعدم خوفه من الله تعالى.

الثانية: أ- القنوط من رحمة الله هو الظن بالله أن لا يغفر الذنوب مع التوبة.

ب- والأمن من مكر الله هو الإقامة على الذنب يتمنى على الله المغفرة.

ج- واليأس من روح الله هو استبعاد الفرج من الله تعالى والظن بأنه لا يكون.

الثالثة: قال بعض السلف: من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة. وقال الحسن البصري - رحمه الله -: من وسّع عليه فلم يرَ أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قُتر عليه فلم يرَ أنه ينظر له فلا رأي له.

الرابعة: المكر هو الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، ومكر الله تعالى صفة فعل لائقة به يضاف إليه بقيد، فإنها متعلقة بمشيئته، فإنه سبحانه يمكر بالماكرين برسله وأوليائه، ومن مظاهر مكره بالعصاة استدراجهم بالنعم.

الخامسة: القنوط نوعان:

أ- يتعلق بالدنيا كاستبعاد الشفاء والرزق والخير.

ب- يتعلق بالآخرة كاستبعاد التوبة وقبولها والمغفرة والجنة.

عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن الكبائر فقال: «الشرك بالله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكر الله».

السادسة: ما ذكر في هذا الباب من القنوط واليأس من روح الله والأمن من مكر الله كبائر تنافي كمال التوحيد الواجب.

السابعة: من علامات القنوط واليأس:

1-      الكسل وترك محاولات العمل

2- ترك الدعاء.

الثامنة: دواعي الخوف من الله:

1-      الذنوب وكثرتها.

2- شدة أخذ الله للظالمين.

3- عدل الله.

4- التقصير في العمل.

التاسعة: يجب على العبد في هذه الحياة أن يجمع بين الخوف والرجاء، فهما لـه بمثابة جناحي الطائر، فلا يغلّب الرجاء دائماً حتى لا يأمن مكر الله، ولا يغلب الخوف دائماً حتى لا يقنط من رحمة الله، لكن في وقت الغنى والسعة يغلّب جانب الخوف حتى ينكف عن المعاصي، وفي حال الضيق والشدة وعند الموت يغلّب جانب الرجاء حتى يحسن الظن بربه، ولا يقنطه الشيطان من رحمه الله.

العاشرة: الكبائر جمع كبيرة، وهي: كل معصية توعّد عليها بلعنة أو غضب أو بنار أو نفي فلاح ونحو كذلك.

الحادية عشرة: الصغائر جمع صغيرة، وهي: كل معصية محرمة لم يتوعد عليها بوعيد.

الثانية عشرة: مواضع يغلب فيها الرجاء:

1- النظر إلى عفو الله مع ترك المعصية، فإن لم يترك المعصية صار غروراً.

2- عند المصائب والهموم.

3- مع التوبة النصوح.

4- مع الاجتهاد في الطاعات.

* * *

 35- باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله

وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن : 11].قال علقمةُ: هو الرجلُ تُصيبُه المصيبةُ فيعلمُ أنها من عند الله فيرضى ويُسلّم.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعنُ في النسب، والنياحةُ على الميّت».

ولهما عن ابن مسعود مرفوعاً: «ليس منا من ضرب الخدود، وشقَّ الجيوبَ، ودعا بدعوى الجاهلية».

وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أراد الله بعبده الخيرَ عجّل لـه العقوبةَ في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشرّ أمسك عنه بذنبه حتى يُوافي به يوم القيامة». وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحبّ قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» حسنه الترمذي.

الفوائد على الباب:

الأولى: في هذا الباب تنبيه من المؤلف - رحمه الله - على شيءٍ من أعمال القلوب، فإنه لما كان الصبر على الأقدار الكونية قليلاً في الناس أفرده الشيخ رحمه الله في هذه الترجمة لينبه على وجوبه وأنه من كمال الإيمان، ومن مجانبة أهل الجاهلية فيما هم فيه من السخط والجزع والاعتراض على الأقدار عند المصائب.

الثانية: أقدار بمعنى مقدورات الله المؤلمة من مرض وتعب وهَمّ وحزن وفوات محبوب، والصبر على ذلك من تمام الاعتراف بربوبية الله تعالى، والتحقيق لعبادته.

الثالثة: يتحقق الصبر بحبس النفس عن الجزع وما يقع في القلب من الأمور غير المرضية، وحبس اللسان عن الشكوى لغير الله وعن النياحة، وحبس الجوارح عن أمور الجاهلية من اللطم والشق والمخاطرة بالنفس، هذا من جهة المقدورات المؤلمة.

الرابعة: الصبر أنواع:

أحدها: الصبر على طاعة الله، فلا يملها ويتركها.

الثاني: الصبر عن معصية الله فلا يقتحمها ويجترئ عليها، ومن ذلك الصبر عن الأهواء المضلة فلا يصغي إليها ولا يستمع إلى شبهات أهلها.

الثالث: الصبر على الأقدار المؤلمة فلا يسخطها ويفعل ما يخالف الشرع وهو موضوع الباب.

 الخامسة: إيراد المؤلف رحمه الله لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾  وقول علقمة: يرضى ويسلم، فيه:

1- أن الصبر على أقدار الله من الإيمان بالله، وأنه سبب لهداية الله تعالى للعبد هداية توفيق وقبول.

 2- أن من أصابته مصيبة فعلم أنها بقدر الله فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله تعالى هدى الله قلبه وعوّضه عما فاته من الدنيا هُدىً في قلبه ويقيناً صادقاً، وقد يخلف الله عليه خيراً مما أخذ منه.

السادسة: أقدار الله تعالى تعم القضاء والمقضي، فأقدار الله تعالى التي هي فعله وقضاؤه لابد من التسليم لها والشكر على المحبوب منها، والصبر على ما يكرهه العبد منها، وإن رضي فتلك درجة طيبة عالية من الإيمان، وإن لم يرضَ فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

أما المقدورات والمقضيات فيشكر العبد على النعماء ويصبر على البلاء ويستغفر ويتوب من السيئات والأخطاء ولا يرضى بها.

السابعة: المصائب من القدر، والقدر راجع إلى حكمة الله تعالى، وحكمة الله تعالى هي وضع الأمور مواضعها اللائقة بها ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام : 83] فيضع الأمور مواضعها الموافقة للغايات المحمودة.

فالمصيبة إذا أصابت العبد فإن الخير له فيها إذا صبر وسلَّم لله تعالى ؛ لأنها من قضاء الله الموافق لحكمته وتدبيره لملكه قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء : 23].

والصبر على المصائب واجب من الواجبات ؛ لأن فيه ترك الاعتراض والتسخط على أقدار الله تعالى، أما الرضا ففيه تفصيل:

أ- فمن حيث هو قضاء الله تعالى وفعله فيجب الرضا به ؛ لأنه حق وعدل وإحسان.

 وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعنُ في النسب، والنياحة على الميت».

ب- وأما المقضي فالمصيبة التي لا فعل للعبد فيها فالرضا غير واجب بل هو من كمال الإيمان وآيات الإحسان.

الثامنة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» المقصود بالكفر هنا الكفر الأصغر ؛ لأن القاعدة أن الكفر إذا جاء منكراً فالمراد به الأصغر، وهو كفر دون كفر، أما إذا جاء معرفاً بالألف واللام الدالة على الاستغراق فالمراد به الأكبر وهكذا إذا جاء بعد (قد) عند بعض أهل العلم فالمراد به الأكبر مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة: «من تركها فقد كفر».

التاسعة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من ضرب الخدود …» إلخ هذا من نصوص الوعيد تمر كما جاءت ،فإنه أبلغ في الزجر كما هي قاعدة السلف، فلا يفسر إلا لحاجة وتفسيره هنا ليس من المؤمنين كاملي الإيمان، فهو نفي كمال لا نفي أصل لانعقاد الإجماع على أن المسلم لا يكفر بالمعاصي دون الشرك أو جحد معلوم من الدين بالضرورة.

العاشرة: لا يكفر بالنياحة والطعن ؛ لأنه ليس من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافراً الكفر المطلق حتى يقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمناً الإيمان المطلق حتى يقوم به أصل الإيمان.

وفرقٌ بين الكفر المعرف بالألف واللام وبين كفر منكر في الإثبات

ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ.

الحادية عشرة: متى علم العبد أن المصيبة بإذن الله تعالى، وأن لـه الحكمة في تقديرها وله النعمة السابغة في تقديرها على العبد رضي بقضاء الله وسلّم لأمره وصبره على المكاره تقرباً إلى الله ورجاء لثوابه، وخوفاً من عقابه، واغتنامه لأفضل الأخلاق فاطمأن قلبه وقوي إيمانه وتوحيده.

الثانية عشرة: قال شيخ الإسلام: البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب، ولا ينافي الرضا بقضاء الله بخلاف البكاء عليه لفوات حظه.

الثالثة عشرة: وقال شيخ الإسلام أيضاً: المصائب مع الصبر نعمة ؛ لأنها مكفّرة للذنوب ؛ ولأنها تدعو إلى الصبر فيثاب عليها، ولأنها تقتضي الإنابة إلى الله والذل، فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا، ومعلوم أن هذا من أعظم النعم، ولو كان الرجل من أفجر الناس فلابد أن يخفف عنه عذابه بمصائبه.

الرابعة عشرة: الأقرب أن المصائب مكفرات ما لم تحمل على معصية، أو يترتب عليها ترك واجب لحديث أنس ر، وهي رافعة للدرجات مع الرضا والشكر والذكر لحديث: «إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم».

* * *

 36- باب ما جاء في الرياء

وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف : 110].

عن أبي هريرة مرفوعاً: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركتُه وشركَه». رواه مسلم.

وعن أبي سعيد مرفوعاً: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجّال؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الشركُ الخفي؛ يقوم الرجلُ فيصلِّي، فيزيِّن صلاتَه لما يرى من نظر رجل». رواه أحمد.

الفوائد على الباب:

الأولى: مقصود هذا الباب التحذير من الرياء وهو إظهار العمل ليراه الناس ويثنوا عليه، أو ليحصل على غرض دنيوي، وأنه شرك ينافي كمال التوحيد الواجب.

الثانية: تعريف الرياء:

لغة: مصدر رآءى يرآئي رياءً، مشتق من الرؤية.

اصطلاحاً: تزيين العمل الذي يبتغى به وجه الله تعالى ابتغاء مدح الناس وثنائهم والمنزلة في صدورهم، أو تحصيل حظ من دنياهم وتحصيل ما يُطْمَع فيه من الناس.

والسمعة رياء لكنها تختص بالمنطوقات والمسموعات كتحسين القراءة والوعظ والتدريس من أجل رياء الناس.

قلت: ومنه التحدّث عن عمل عمله سراً ومضى من أجل ذلك، والرياء غالباً يكون في الأفعال، والسمعة تكون في الأقوال.

الثالثة: لابد في العمل حتى يكون مقبولاً من أمرين:

الأول: موافقته للشريعة في أصله وكيفيته بأن يكون مما شرع الله تعالى وعلى الوجه المأثور عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - وبهذا يسلم من البدعة.

الثاني: أن يكون خالصاً لله تعالى من حيث القصد والنية، فلا يكون فيه شرك لأحد، وبهذا يسلم من الشرك.

الرابعة: تضمن قوله تعالى:﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾  النهي عن الشرك بجميع أنواعه، والمراءاة شرك أصغر أو خفي، فعمّت الآية النهي عن جميع أنواع الشرك فلا يلتفت بشيء من حق الله تعالى إلى أحد من خلقه كائناً من كان لا برياء و لا بسمعة.

الخامسة: إذا كان الباعث على العبادة الرياء فهي باطلة مثل أن يصلي ركعتين تحية المسجد من أجل فلان، أما إذا كان قد دخل في العبادة لله تعالى ثم طرأ عليه الرياء فأطال أو أحسن أحد أجزائها من أجل الناظرين إليه فهذا القدر إن استمر عليه ولم يجاهد نفسه على دفعه يبطل وحده ولا يبطل الأصل.

السادسة: قال ابن القيم رحمه الله: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركاً أكبر بحسب حال قائله.

السابعة: قال السعدي رحمه الله: واعلم أن الرياء فيه تفصيل:

1- فإن كان الحامل للعبد على العمل قصد مراءاة الناس واستمر على هذا القصد الفاسد فعمله حابط وهو شرك أصغر ويخشى أن يتذرع به إلى الشرك الأكبر.

2- وإن كان الحامل على العمل إرادة وجه الله مع إرادة مراءاة الناس ولم يقلع عن الرياء بعمله فظاهر النصوص بطلان هذا العمل.

3- وإن كان الحامل للعبد على العمل وجه الله وحده ولكن عرض له الرياء في أثناء عمله فإن دفعه وخلص إخلاصه لله لم يضره، وإن ساكنه واطمأن إليه نقص العمل وحصل لصاحبه من ضعف الإيمان والإخلاص بحسب ما قام في قلبه من الرياء ونقاوة العمل لله وما خالطه من شائبة الرياء.

الثامنة: الرياء آفة عظيمة يحتاج إلى علاج شديد ومجاهدة النفس على الإخلاص ومدافعة خواطر الرياء والأغراض الضارة والاستعانة بالله على دفعها لعل الله يخلص إيمان العبد ويحقق توحيده.

التاسعة: في الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك» فيه بيان براءة الله تعالى من الأعمال التي فيها شرك فلا يقبلها الله تعالى، فهذا يدل على خطورة الرياء ووجوب الإخلاص لله عز وجل.

العاشرة: الإخلاص في العبادة من أسباب التمتع برؤية الله تعالى يوم القيامة لقولـه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. قال شيخ الإسلام: أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف بما يقتضي المعاينة، وقالوا: لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه وتعالى يوم القيامة.

الحادية عشرة: قال ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ العمل الصالح هو السالم من الرياء المقيد بالسنة، وفي الآية دليل على أن أصل الدين الذي بعث الله به المرسلين هو إفراد الله بأنواع العبادة كما قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾  [الأنبياء : 25] والمخالف لهذا الأصل من هذه الأمة:

(1) إما طاغوت ينازع الله تعالى في ربوبيته وإلهيته ويدعو الناس إلى عبادته.

(2) أو طاغوت يدعو الناس إلى عبادة الأوثان.

(3) أو مشرك يدعو غير الله ويتقرب إليه بأنواع العبادة أو بعضها.

(4) أو شاك في التوحيد.

(5) أو جاهل يعتقد أن الشرك دين يقرب إلى الله وهذا هو الغالب على أكثر العوام.

الثانية عشرة: الشرك الأصغر أخوف على المسلم من الدجال ؛ لما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد مرفوعاً: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجّال؟» ذلك:

(1) لأن الدجّال يُعرف بعلامات لكن الشرك الخفي أشدّ منه ؛ لأنه يكون في القلوب ولا يطلع عليه إلا الله.

(2) وأيضاً فإن جمهور الأمة لا يتعرضون لفتنة الدجال وإنما يتعرض له آخرها، والرياء يُبتلى بها عامة الأمة.

الثالثة عشرة: الرياء هو شرك السرائر لما روى ابن خزيمة في صحيحه عن محمود ابن لبيد قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أيها الناس، إياكم وشرك السرائر» قالوا: وما شرك السرائر؟ قال: «يقوم الرجل فيصلي فيزيّن صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر».

 37- باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا

وقول الله تعالى: ﴿كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15-16].

في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تَعِس عبدُ الدينار، تعس عبدُ الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبدُالخميلة، إن أُعطيَ رضي، وإن لم يُعطَ سَخـِط، تعس وانتكَس، وإذا شِيكَ فلا انتقش، طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعـثَ رأسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قدمَاه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يُؤذن لـه، وإن شَفَعَ لم يُشفّع».

ـــ

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد الشيخ أن يبيِّن بهذه الترجمة وما بعدها أن العمل لأجل الدنيا شرك ينافي كمال التوحيد الواجب ويحبط العمل، وهو أعظم من الرياء ؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من أعماله.

الثانية: هذا باب عظيم من أبواب هذا الكتاب المبارك، نبّه المؤلف عليه لعموم خطره على المكلفين بأن يعمل الإنسان العمل من طاعة الله تعالى لا يريد به إلا الدنيا فهو أعم من الرياء ؛ لأن الرياء نوع من أنواع إرادة الإنسان بعمله الدنيا.

الثالثة: إرادة الإنسان بعمله الدنيا أقسام:

القسم الأول: أن يعمل العمل الذي شرعه الله تعالى مخلصاً لله تعالى فيه لكن لا يريد به ثواب الآخرة وإنما يريد الدنيا، وذلك نوعان:

أحدهما: أن يكون هذا العمل لم يرغب الشرع فيه بذكر ثواب الدنيا كالصلاة والصيام، فلا يجوز للإنسان أن يريد بذلك الدنيا ولو كان مريداً للدنيا كان مشركاً الشرك الأصغر كأن يصوم ليصح بدنه.

الثاني: طاعات رغب الله تعالى فيها بذكر ثواب الدنيا مع ذكر ثواب الآخرة مثل بر الوالدين وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله ونحوها فهذه الأعمال ونحوها إذا عملها العامل يريد ثوابها في الدنيا والآخرة فلا بأس بذلك؛ لأن الله تعالى ما ذكر ثواب الدنيا إلا ليحض عليها كقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل قتيلاً فله سلبه»، فذلك لا يدخل في هذا الباب ؛ لأن ذكر ثواب الدنيا من زيادة الترغيب ؛ ولأن قلب العامل متعلق بالآخرة ومنتظر لثواب الله تعالى فيها.

القسم الثانـي: أن يعمل العمل من أجل المال فقط مثل طلب العلم الشرعي لأجل الدنيا من وظيفة ونحوها من حفظ القرآن لإمامة مسجد يجد منافعه، فهذا عمل ظاهره أنه صالح وفي الحقيقة أنه ليس بصالح ؛ لأنه أراد الدنيا.

القسم الثالث: العمل من أجل الرياء والسمعة، وتقدم الكلام عليه فـي الباب الذي قبله.

القسم الرابع: الذي يعمل عملاً صالحاً ومعه ناقض من نواقض الإسلام، فهذا ليس بمؤمن صادق؛ لأنه لو كان صادقاً لوحّد الله تعالى.

الرابعة: مَنْ عَمِلَ عَمَلَ الآخرة لا يريد به إلاّ عرض الدنيا فعمله الذي أرأد به الدنيا حابط وهو داخل تحت طائلة الوعيد في قوله تعالى: ﴿كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية لكن معه أصل الإيمان فليس مثل الكفار الفاقدين لأصل الإيمان، والذين نزلت هذه الآية فيهم لكن تشملهم الآية هذه بعمومها، فلهم من الوعيد بحسب ما ارتكبوه فهذا يحبط عمله الذي أراد به الدنيا وما عداه لا يحبط لأن معه أصل الإيمان الذي يصحح العمل الذي لم يخالطه شرك، فإن عُذِّبَ كان عذابه بحسب جرمه، وإن عفى الله عنه فبفضله، وفيما يلي تفصيله:

أ- إن كانت إرادة العبد كلها للدنيا، ولم يكن لــه همة وإرادة لوجه الله والدار الآخرة، فهذا ليس له في الآخرة من نصيب، وهذا العمل لا يكاد يصدر من مؤمن، فإن المؤمن وإن كان ضعيف الإيمان فلابد أن يريد الله والدار الآخرة.

ب- وأما من عمل لوجه الله ولأجل الدنيا، والقصدان متساويان أو متقاربان، فهذا ناقص الإيمان وضعيف التوحيد، وعمله ناقص بحسب ذلك.    

جـ- وأما من عمل لله وحده عن إخلاص تام ولكن يأخذ على عمله جُعلاً معلوماً من بيت المال أو الأموال الموقوفة يستعين به على الدين والعمل، كما يجعل للآمر والمجاهدين والمعلمين، فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده ؛ لكونه لم يرد بعمله الدنيا وإنما أراد الدين وقصد أن يكون ما حصل لــه معيناً على قيام الدين، ولهذا جُعل من الأموال الشرعية كالزكوات وأموال الفيء وغيرها جزءاً لمن يقوم بالوظائف الدينية والدنيوية النافعة.

الخامسة: في قولـه تعالى: ﴿كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا...﴾ الآية، الآية في الكفار كالمنافقين الداخلين في الإسلام للدنيا ولكن عمومها يفيد الحذر من إرادة الإنسان بعمله الدنيا ولو في بعض الأمور ؛ لأن ذرائع الشرك والكفر قد توصل إليهما، والوسائل لها أحكام الغايات.

السادسة: أمور الدنيا من مال أو أثاث وسكن ونحوها نوعان:

الأول: ما يحتاج العبد إليه كطعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك فهذا يطلب من الله ويرغب إليه فيه فيكون المال عنده يستعمله لحاجته كحماره وبساطه من غير أن يستعبده.

الثانـي: ما لا يحتاج العبد إليه فلا ينبغي أن يعلق قلبه به حتى لا يكون مستعبداً له ومعتمداً على غير الله فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله ولا حقيقة التوكل على الله بل فيه شعبة من العبادة لغير الله والتوكل على غير الله وهذا أحق بقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «تعس عبد الدينار» ولو طلبها من الله فإن أعطاه إياها رضي وإن منعه سخط، وإنما عبْدُ الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما يحب الله، ويبغض ما يبغض الله، فهذا الذي استكمل الإيمان.

السابعة: الإخلاص لله تعالى هو أساس الدين، وروح التوحيد ولبّ العبادة، وهو أن يقصد العبد بعمله كله وجه الله تعالى، ويبتغي به مرضاته وثوابه وفضله، بأن يقوم بأركان الإيمان الستة وشرائع الإسلام الخمس وحقائقه، فيعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فيعلم أن الله يراه، فيقوم بحقوق الله تعالى وحقوق عباده مكملاً لها بأدائها على أحسن وأكمل وجه يستطيعه، قاصداً بذلك وجه الله والدار الآخرة مع كثرة الاستغفار لجبر نقصه وكثرة الذكر لتكميل ثوابه، وأعظم ما يضر بذلك مراءاة الناس والعمل لأجل مدحهم وتعظيمهم، أو العمل لأجل الدنيا، فإن في ذلك ذلة الدنيا وخسران الآخرة.

 38- باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله

و تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أرباباً من دون الله

وقال ابنُ عباس: «يُوشِكُ أن تنزلَ عليكم حجارةٌ من السماء ! أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقولون: قال أبوبكر وعمر؟».

وقال الإمام أحمدُ بن حنبل: عجبتُ لقومٍ عرَفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول:﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] أتدري ما الفتنة؟ الفتنةُ الشرك، لعلّه إذا ردَّ بعض قولـه أن يقع في قلبه شيءٌ من الزَّيغ فيهلك.

عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: 31] الآية فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟». فقلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم» رواه أحمد والترمذي وحسنه.

ــــــــــــــــــــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: لما كانت طاعة الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه هي العبادة ؛ نبه المصنف - رحمه الله تعالى - على وجوب اختصاص الله تعالى بها، وأن لا يطاع سواه إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

الثانية: تجب طاعة العلماء والأمراء بطاعة الله تبعاً لا استقلالاً فإذا أمروا بمعصية الله تعالى فلا سمع ولا طاعة، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إنما الطاعة في المعروف.

الثالثة: قول ابن عباس يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء.. الخ، يرد بذلك على الذين عارضوا قول رسول - صلى الله عليه وسلم - في متعة الحج: «افعلوا ما أمرتكم به»، وكان ابن عباس ر يستدل بهذا الحديث على وجوب المتعة في الحج، وعارضه بعض الناس بأن أبا بكر وعمر كانا ينهيان عن المتعة في الحج ويريان أفضلية الإفراد وهو اجتهاد منهما من باب السياسة الشـرعية للأمة لما ينبني علـى الإفراد من المصالح الشرعية في زمانها( )، فعندئذٍ قال ابن عباس هذا الكلام، فإذا كان هذا قول ابن عباس فيمن عارض الحديث برأي الخليفتين الراشدين، فكيف بمن ترك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقول من هو دونهم، بل لا يذكر معهما وربما كان على غير هديهما.

الرابعة: قال الإمام الشـافعي - رحمه الله -: «أجمع المسلمون على أن مَـنْ استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وما زال العلماء يجتهدون في الوقائع لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم».

الخامسة: بعد أن اعتنى الأئمة بالتصنيف ودونوا الأحاديث بأسانيدها وميزوا صحيحها من سقيمها وناسخها من منسوخها وذكروا حجج المجتهدين فصار طالب العلم له حالان:

الأولى: إن كان له ملكة يقتدر بها على تحري الحق فلينظر في مذاهب العلماء وما استدل به كل إمام ويأخذ من أقوالهم ما دل عليه الدليل عمـــلاً بقول الله تعـــالى:﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾  [النساء: 59].

الثانية: إذا لم يكن له ملكة فعليه أن يسأل من أهل العلم من المجتهدين أقرب إلى الحق عملاً بقولـه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾  [النحل:43].

السادسة: في كلام ابن عباس دلالة على أن من بلغة الدليل وجب عليه أن يأخذ به، فإذا لم يأخذ به تقليداً لإمامه فإنه يجب الإنكار عليه بالتغليظ لمخالفة الدليل، وأجمع الأئمة على هذا، وأنه لا يسوغ التقليد إلا في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها، فهذا الذي عناه العلماء بقولـه: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وأما من خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه بالإجماع، وليس ما خالف الكتاب والسنة مذهباً لأحد من الأئمة وهم أجل من أن يقال ذلك في حقهم لتصريحهم بذلك ونهيهم عن تقليدهم إذا استبانت السنة.

السابعة: الواجب على المكلف إذا بلغه الدليل أن ينتهي إليه ويعمل به وإن خالفه من خالفه كائناً من كان كما قال تعالى: ﴿تَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3].

الثامنة: في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] التغليظ في الإنكار على من خالف الشرع، فإذا كان المخالف أمر الله قد حُذِّر من الكفر والشرك أو من العذاب الأليم ففي ذلك دلالة على أن مخالفة أمره مفضية إلى الكفر والشرك أو العذاب الأليم، وذلك والله أعلم، لما يقترن به من الاستخفاف بحق الآمر جل وعلا.

التاسعة: في قول الإمام أحـمد: «لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع فـي قلبه شيء من الزيغ فيهلك»، أنَّ ردَّ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبب لزيغ القلب وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5].

العاشرة: إذا كان رفع الصوت فوق صوته سبباً لحبوط العمل فردُّ أحكامه وسنته لقول أحد أعظم وأخطر.

الحادية عشرة: قولــه - صلى الله عليه وسلم -: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه» تصريح في أن تحريم الحلال وتحليل الحرام عبادة لهم من دون الله ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفر إلا بالتوبة.

الثانية عشرة: طاعة العلماء في تحليل الحرام وتحريم الحلال فيها تفصيل:

(1) أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحل الله اتباعاً لهم مع علمهم بمخالفة دين الله فهذا كفر وشرك أكبر وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون.

(2) أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، الذين معهم أصل الإيمان متعرضون للوعيد إلا أن يعفو الله عنهم.

الثالثة عشرة: فـي حديث عدي بن حاتم دليلٌ على أن طاعة العلماء والأمراء والعباد فـي معصية الله تعالى مع العلم بمخالفتهم عبادةٌ لهم من دون الله ومن الشرك الأكبر لقولـه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾  ـ أي يزينون لهم ذلك ـ ﴿ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾  [الأنعام: 121]، وقد وقع فـيها كثير من الخلق فسموا طاعة الرهبان ولاية ،وطاعة الأحبار فقهاً، وطاعة الملوك سياسة وإصلاحاً.

الرابعة عشرة: قال عمر ر: يَهدِم الإسلامَ: زلةُ العَالِم، وجدالُ المنافـق بالقرآن، وحكمُ الأئمة المضلين.

الخامسة عشرة: يعتذر المقلِّد عن الأخذ بالكتاب والسنة بأعذار باطلة منها:

1- أن الأخذ بالحديث اجتهاد، والاجتهاد انقطع منذ أزمنة.

2- أو أن يقول: الإمام الذي أقلده أعلم مني فهو لا يقول إلا بعلم، ولا يترك هذا الحديث مثلاً إلا عن علم.

3- أو أن الأخذ بالحديث اجتهاد، والمجتهد يُشترط فيه كذا وكذا من الشروط التي ذكرها العلماء، ولعلّها قد لا تُوجد تامة إلا فـي أبي بكر وعمر، وهذا إن صحّ عنهم فمرادهم بذلك الاجتهاد المطلق، أما أن يكون ذلك شرطاً فـي جواز العمل بالكتاب والسنة فكذب على الله وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الأئمة العلماء.

 39- باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 60] الآيات. وقولـه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:11]. وقولـه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ الآية [الأعراف: 56]. وقولـه: ﴿أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].

عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواهُ تبعاً لما جئت به» قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح.

وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقــين ورجل من اليهود خُصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ـ لأنه عَرَف أنه لا يأخذ الرِّشوة ـ وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود ـ لعلمه أنهم يأخذون الرِّشوة ـ فاتفقا على أن يأتيا كاهناً في جُهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية [النساء: 60].

وقيل: نزلت في رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف. ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرضَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله.

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بهذه الترجمة التحذير من التحاكم إلى غير شرع الله، وأن الواجب التحاكم إلى شريعة الله تعالى في جميع الأمور كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾  [النساء: 65]، وقـال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] فهذه الآيات وما جاء في معناها دالة على وجوب التحاكم إلى شريعة الله، وأنه لا يجوز التحاكم إلى غير الله كائناً من كان، فأراد المؤلف بهذه الترجمة بيان هذا الأساس العظيم والأصل المجمع عليه ؛ لأنه مقتضى التوحيد، والتحاكم إلى غير الشرع إما ينافي التوحيد بالكلية، أو ينافي كماله الواجب بحسب حال المتحاكم.

الثانية: قد بيَّنَ الله تعالى في هذه الآيات المترجم بها للباب أن من يدعي الإسلام والإيمان وهو ليس كذلك كالمنافقين، إذا جاءت الحوادث والخصومات طلبوا التحاكم إلى غير الله تعالى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت هو كل ما عُبد من دون الله وهو أيضاً كل من حكم بغير ما أنزل الله عن عمد وهوى، فالمنافقون يريدون أن يتحاكموا إلى من يوافق أهواءهم ويقبل منهم الرشوة حتى يحكم لهم، وهذا دليل على نفاقهم وضلالهم واتباعهم للشيطان ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾  ولهذا يعرضون عن الحق ويصدون عنه صدوداً.

الثالثة: الواجب على أهل الإسلام أن يحذروا صفات أهل النفاق وأن يبتعدوا عن أخلاقهم الذميمة التي منها الصدود عن شـرع الله والتحاكم إلى من يحكم بغير ما أنزل الله تعالى.

الرابعة: الصلاح والهدى والاستقامة وصلاح الأرض بتحكيم شرع الله، والتحاكم إليه سبحانه واتباع شريعته ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾  [الأعراف: 50] فإنه سبحانه العالم بمصالح العباد، والعالم بعواقب الأمور، وما ينتهي إليه كل شيء، وحكمه سبحانه يتضمن إيصال الحق إلى المستحق ودفع الظلم عن الناس والقضاء على أسباب الفساد والفتنة. فإنه تعالى أعلم.

الخامسة: من آيات المنافقين دعوى الإيمان والإسلام قولاً ولكن إذا وقعت الحوادث والخصومات طلبوا التحاكم إلى الطاغوت من العرّافين والكهنة والسحرة أو العادات العشائرية والقوانين الوضعية لطمعهم في تحصيل مقاصدهم الباطلة، وأكل أموال الخلق بواسطة الحيل والرشاوى والتفسيرات الباطلة لمواد القوانين ونحو ذلك.

السادسة: إذا دُعي المنافقون وأشباههم إلى الشريعة ولامهم لائم على صدودهم عنها زعموا أنهم مصلحون، وأنهم يحاولون التوفيق بين القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية يقولون: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: 62].

السابعة: لا صلاح للبلاد والعباد إلا تحت حكم شريعة الرحمن الذي خلق الإنسان وعلمه البيان وأنزل القرآن فإنه تعالى هو العالم بأحوال عباده وما يصلحهم وما ينفعهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: 14] فكما أن الخَلقَ خلق الله تعالى فيجــب أن يحكمهم حاكمهم بـِشرعه، ومن أراد غير شريعة الله فليخلق خلقاً يحكمهم بما يرى.

الثامنة: شأن المنافقين وأشباههم في كل زمان الإعراض عن شرع الله والتكبر على عباد الله.

التاسعة: التحاكم إلى غير شرع الله كفر، بدليل قولـه سبحانه في الذين يتحاكمون إلى الطاغوت: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا﴾  ويؤكده قولـه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ وكونه أكبر أو أصغر بحسب اعتقاد صاحبه وحاله.

العاشرة: الرب هو الإله الحق الذي لـه الحكم القدري والشرعي والجزائي، وهو سبحانه الذي يجب أن يؤلَّه ويُعبَد وحده لا شريك لـه، ويُطاع طاعة مطلقة، فلا يعصى عمداً بحيث تكون جميع الطاعات كلها تبعاً لطاعته، وهذا هو تحقيق الرضا به رباً وإلهاً، فلا يجوز لأحد كائناً من كان أن يتخذ غير الله حكماً فإن ذلك هو الكفر بعينه، فإن الحكم كله له كما أن العبادة كلها له.

الحادية عشرة: يجب على جميع المكلفين رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله وكل من تحاكم إلى غير حكم الله ورسوله فقد تحاكم إلى الطاغوت، وإن زعم أنه مؤمن فهو كاذب، فإن الإيمان لا يصح ولا يتم إلا بتحكيم الله ورسوله وطاعة الله ورسوله في جميع الدين وسائر الحقوق، ومن تحاكم إلى غير الله ورسوله فقد اتخذ من تحاكم إليه نداً لله في الحكم.

* * *

 40- باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات

وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: 30].

وفي صحيح البخاري قال عليٌّ: «حدِّثوا الناسَ بما يعرفون، أتريدون أن يُكذّب الله ُ ورسولُه؟».

وروى عبدالرزاق عن مَعْمر عن ابن طاوُس عن أبيه، عن ابن عباس: «أنه رأى رجلاً انتفض لَمّا سمع حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصفات استنكاراً لذلك، فقال: ما فَرَق هؤلاء؟ يجدون رِقّة عند مُحكمه، ويهلكون عند متشابهه». انتهى.

ولما سمعت قريشٌ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الرحمنَ، أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: 30].

الفوائد على الباب:

الأولـى: مقصود الباب بيان وجوب إثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهذا هو الذي جاءت به الرسل وكان عليه السلف الصالح من الأمة وأتباعهم بإحسان.

الثانيـة: نبّه المصنف رحمه الله بهذه الترجمة على أن من جحد شيئاً من الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة لم يصح توحيده، فإنّ جَحْدَها كُفْرٌ يخرج من ملة الإسلام، ونفيها وتعطيل الله تعالى منها بأنواع التأويلات والتحريفات الباطلة لمعاني ألفاظها التي تدل عليها ظواهرها، أو إثباتها واعتقاد مماثلة الله تعالى لخلقه فيها من شر البدع وأعظم الضلال.

الثالثـة: لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - علياً ر بكتابة وثيقة صلح الحديبية وقال لـه اكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» قال المشركون: لا نعرف الرحمن. فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ فسمى الله جحود اسمه الرحمن الذي هو اسم وصفه كفراً، فدلّ ذلك على أن جحود شيء من الأسماء والصفات كفر، فتبّاً للجمهية والمعطلة ما أخسر صفقتهم.

الرابعـة: في قولـه تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ بيان أن الرحمن هو ربنا وإلهنا وأن كفر الكافرين بالرحمن كفر بالله، وسمّى الله تعالى إنكارهم الصفة كفراً بالرحمن ؛ لأن الرحمن اسم ووصف لله تعالى وهم لم ينكروا اسم الله تعالى وإنما أنكروا وصفه بالرحمن، فدلت الآية على كفر من أنكر الأسماء والصفات.

الخامسة: إذا كان المشركون جحدوا اسماً من أسماء الله ووصفاً من أوصافه الدالة على كماله فكفَّرهم الله بذلك، فجحود معناه كجحود لفظه والجهمية يزعمون أنه لا يدل على صفة قائمة بالله تعالى وتبعهم طوائف من المعتزلة والأشعرية، فلهذا كفَّرهم كثير من أئمة السنة.

السادسة: إنما جحدت الجهمية ومن تبعهم على التعطيل ما وصف وسمى الله به نفسه وسمــاه ووصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - بناء على أصل باطل أصّلوه من عند أنفسهم قالوا: هذه صفات الأجسام فيلزم من إثباتها أن يكون الله جسماً.

فهم بهذا لم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموا من خصائص المخلوقين، فمثّلوا الله بخلقه أولاً، ثم عطلوه سبحانه من صفات كماله، وشبهوه ثانياً بالناقصات والمعدومات، فالممثل يعبدُ صنماً، والمعطِّل يعبد عدماً، والموحد ـ المثبت لأسماء الله وصفاته ـ يعبد إلهاً أحداً صمداً.

السابعة: أصل الإيمان وقاعدته التي ينبني عليها هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، وكلما قوي علم العبد بذلك وإيمانه به وتعبده لله به قوي توحيده، فإذا علم العبد أن الله تعالى متوحد بصفات الكمال متفرد بنعوت العظمة والجلال والجمال وليس لـه في كماله مثل أوجب ذلك للعبد معرفة أن الله وحده هو الإله الحق وأن إلهية ما سواه باطلة، فمن جحد شيئاً من أسماء الله وصفاته فقد أتى بما يناقض توحيد الأسماء والصفات وينافيه، وذلك من شعب الكفر، أو يكون كفراً أكبر بحسب اعتقاده، فإنه دائرٌ بين التمثيل والتعطيل والتكذيب.

الثامنة: يجب الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، فإن فهم على وجهه وإلا وُكل إلى عالمه وترك إنكاره ورده الذي هو طريق المنافقين والهالكين.

أما أهل الحق فإنهم يؤمنون بكل ما جاء في الكتاب والسنة ويعملون به، وما اشتبه عليهم أمره ردوه إلى المحكم ووكلوا ما جهلوا منه إلى عالمه وهو الله عز وجل، ومن ذلك كيفيات الصفات فإنه لا يعلمها إلا الله، وأما معانيها فمعلومة من طريق اللغة العربية التي خاطب الله بها الناس، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذا منهاج حق يجب سلوكه فـي جميع الصفات الثبوتية الذاتية، والفعلية، والذاتية الفعلية.

 41- باب قول الله تعـالـى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الكَافِرُونَ﴾ [النحل: 83].

قال مجاهد ما معناه: هو قولُ الرجل: هذا مالي، ورثته عن أبائي.

وقال عون بن عبدالله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا.

وقال ابن قُتيبة: يقولون هذا بشفاعة آلهتنا.

وقال أبوالعباس ـ بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: «أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر» الحديث، ـ وقد تقدم ـ: وهذا كثيرٌ في الكتاب والسنة، يذُمُّ سبحانه من يُضيف إنعامه إلى غيره، ويشرك به.

قال بعض السلف: هو كقولـهم كانت الريحُ طيبةً والملاّحُ حاذقاً، ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير.

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد الشيخ - رحمه الله - بهذا الباب الحث على الاعتراف بنعم الله وشكر الله تعالى عليها، فإن كثيراً من الناس يغفلون عن الاعتراف بها وشكرها بل ويتمتعون بها ولا يعترفون بأنها من الله فلا يشكرونه عليها، بل ينسبونها إلى أسبابهم وقوتهم وحذقهم وعملهم ونحو ذلك، فلا ينسبون النعم إلى مسديها وموليها وهو الله عز وجل بل ينسبونها إلى أسلافهم وأسبابهم، وهذا ينقص كمال التوحيد الواجب وقد ينافيه بالكلية.

الثانية: الواجب أن تنسب النعم إلى الله تعالى ويحمد عليها ثم يذكر السبب الذي يسَّره الله فتضاف إلى الله تعالى عن إيمان به وثناء عليه، ثم تذكر الأسباب على وجه الإخبار بها لا على وجه إضافة النعمة إليها، فيقول هذا من الله تعالى وجعل سبحانه من سببه كذا وكذا ويقول: لولا الله ثم فلان لكان كذا وكذا، فإن الله تعالى هو الذي يسّر الأسباب وسخرها ونفع بها.

الثالثة: من شكر النعم استعمالها في طاعة الله تعالى والنأي بها أن تكون سُلّماً أو ذريعة إلى معاصيه سبحانه.

الرابعة: إنكار النعم المراد به إنكار إضافتها إلى الله لكونهم يضيفونها إلى السبب متناسين المسبب الذي هو الله عز وجل، فهم لا ينكرون مجيء المطر ولكن ينكرون إضافته إلى الله الذي خلق السبب فوجد به المسَبَّب.

الخامسة: قول الرجل: «هذا مالي ورثته عن آبائي» فيه تفصيل:

(1) فإن كان مجرد خبر محض ومثله قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وهل ترك لنا عقيل من رباع» فهذا ليس به بأس.

(2) وإن كان إضافته إلى السبب الذي هو الآباء متناسياً المسبب وهو الله عز وجل فهذا من كفر النعمة ؛ لأن الله تعالى هو المنعم بالمال، فبتقدير الله اغتنى الآباء، وبالإرث وهو شرع الله انتقل المال إلى الأبناء.

السادسة: إضافة الشيء إلى سببه كقوله: «لولا فلان لم يكن كذا» فيه تفصيل:

(1) فإن كان سبباً خفياً لا تأثير له إطلاقاً كنسبة ما لا يقدر عليه إلا الله إلى غير الله فهو شرك أكبر ؛ لأنه اعتقد أن من نسب إليه السبب متصرف مع الله في الربوبية كنسبة الخرافيين بعض ما يحصل لهم إلى الموتى الذين يعظمونهم ويدعونهم من دون الله تعالى.

(2) أن يضيفه إلى سبب ظاهر لكن لم يثبت شرعاً ولا حساً أنه سبب، كنسبة دفع العين إلى الأوتار والتمائم، فهذا شرك أصغر.

(3) أن يضيفه إلى سبب ظاهر ثابت شرعاً أو حساً أنه سبب، فهذا ليس فيه شيء لكن لا ينسى ذكر المسبب فهذا جائز، أما إذا نسي المسبب فهذا شرك أصغر.

السابعة: إضافة الشيء إلى سببه الذي خلقه الله دون مسببه وهو الله عز وجل نقص في العقل وجهل بالشرع لأمور:

الأول: أن الله تعالى وحده هو الخالق للأسباب التي حصلت بها النعم، أو اندفعت بها النقم فكان الواجب أن ينسب الشيء إليه ؛ لأنه هو المنعم.

الثاني: أن السبب قــد لا يؤثر ولـو وُجد لقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «ليس السَّنَةُ أن لا تُمطروا بل السِّنَةُ أن تُمطروا ثم لا تنبت الأرض». رواه مسلم.

الثالث: أن السبب وإن وجد قد يكون له مانع يمنع من تأثيره.

الثامنة: منكرو إضافة النعم إلى الله تعالى وقعوا في الشرك من جهتين:

* فإضافتهم النعم إلى غير الله بإضافتها إلى الأسباب على أنها فاعلة هذا شرك في الربوبية.

* ومن حيث ترك القيام بالشكر الذي هو العبادة إخلال بتوحيد الإلهية.

التاسعة: الأمر بمخالفة الكفار إن لم يأتِ ما يعارضه فهو يدل على الوجوب كإعفاء اللحى ونحوه، أما إن جاء ما يعارضها فهي تدل على الاستحباب كالصلاة في النعلين، فقد جاء في سنن أبي داود والنسائي عن عبدالله بن السائب قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح - يعني يصلي - ووضع نعليه عن يساره.

* * *

 42- باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22].

قال ابن عباس في الآية: «الأندادُ هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاةٍ سوداء في ظلمة الليل. وهو أن تقول: والله، وحياتِك يا فلان، وحياتي. وتقول: لولا كُليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البطُّ في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء اللهُ وشئتَ. وقول الرجل: لولا اللهُ وفلان. لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك». رواه ابن أبي حاتم.

وعن عمر بن الخطاب ر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك». رواه الترمذي وحسّنه، وصحّحه الحاكم.

وقال ابن مسعود: «لأن أحلِفَ بالله كاذباً أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقاً».

وعن حذيفة ر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقولوا: ما شاء اللهُ وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان». رواه أبوداود بسند صحيح.

وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان.

ـــ

 الفوائد على الباب:

الأولى: مقصود الباب: النهي عن أن يجعل لله نداً في طاعته وعبادته وأمثالاً في أسمائه وصفاته.

الثانية: من تحقيق التوحيد الاحتراز من الألفاظ الشركية وإن لم يقصد المتكلم بها معنى لا يجوز، ولو جرت على اللسان من غير قصد.

الثالثة: من أسباب اتقاء الشرك الأصغر:

1) الدعاء بالسلامة منه: مثل قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إنّا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً ونحن نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه». رواه أحمد والطبراني.

2) الحذر من الألفاظ الشركية.

3) ذكر نقص العمل وعظم حق الله ـ عز وجل ـ.

4- علم العبد بأن الله معه أينما كان.

5- معرفة خطر هذا الشرك، وأنه يحبط ما قارنه من عمل وهو ذريعة إلى الأكبر.

الرابعة: قول ابن عباس: «الشرك أخفى من دبيب النمل..» إلخ أي إن هذه الأمور من الشرك خفيةٌ في الناس لا يكاد يتفطن لها ولا يعرفها إلا القليل، وضرب مثلاً لخفائها بدبيب النمل، فهذا يوجب العناية والمجاهدة على إخلاص النية والمرابطة على توقي حصائد الألسن.

الخامسة: روى ابن أبي الدنيـا في «الصمت» عن ابن عباس قال: إن أحدكم ليشرك بكلبه يقول: لولاه لسُرقنا الليلة.

السادسة: جاء في الصحيح النهي عن الحلف بغير الله فمن ذلك:

1) في الصحيحين من حديث ابن عمر: «إن الله ينهاكم عن الحلف بآبائكم».

2) وعن حذيفة مرفوعاً: «من حلف بالأمانة فليس منا». رواه أبوداود.

3) وعند ابن حبان والحاكم عن ابن عمر: «كل يمين يحلف بـها دون الله شرك».

السابعة: قال ابن عبدالبر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع. فقد أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله، أو بصفة من صفاته، أجمعوا على المنع من الحلف بغيره.

الثامنة: الكذب من المحرمات في جميع الملل، والحلف بغير الله أكبر من الكذب فالحلف بغير الله من أكبر المحرمات.

* * *

 43 - باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حُلف لـه بالله فليرضَ، ومن لم يَرضَ فليس من الله» رواه ابن ماجه بسند حسن.

ـــــــــــــــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: المراد من الباب بيان ما جاء من الوعيد الشديد لمن لم يقنع بالحلف لكونه ينافي كمال التوحيد الواجب، فمن حلف بالله فقد عظّمه، ومن حُلِفَ لـه بالله فقد عُظِّمَ اللهُ عنده باليمين، فليرضَ بذلك وإنْ فاته من الدنيا ما فات، فإن الله يعوضه ـ عاجلاً أو آجلاً ـ خيراً كثيراً جزاءَ تعظيمه الله وتوحيده له.

الثانية: نهانا الله تعالى أن نحلف بغيره فيجب علينا التسليم والإذعان، وعلى العبد أن لا يقسم إلا بالله تعالى أو بصفة من صفاته.

وأما الله تعالى فيقسم بما شاء من خلقه، وقد أقسم سبحانه وتعالى بمخلوقات كثيرة لما في ذلك:

(1) من الدلالة على قدرة الرب جل وعلا ووحدانيته وإلهيته وعلمه وحكمته وغير ذلك من صفات كماله.

(2) أن يعرفهم عظم شأنها ومنَّتَه عليهم بها.

(3) حثهم على الانتفاع ـ ما أمكن منها ـ ومن ذلك اغتنام الأوقات بالطاعة والشكر والذكر، والانتفاع بالآيات والمخلوقات.

الثالثة: الصواب أن الحلف بغير الله من الشرك الأصغر والكفر الأصغر فلا ينقل من الملة، وأما أمره - صلى الله عليه وسلم - لمن حلف بأبيه أن يقول لا إله إلا الله فذلك لا يدل على كفره وليس تجديداً للإسلام كما زعمه قوم، ولكن أمره بذلك كفارة له مع استغفاره.

الرابعة: حلف عبّاد القبور الذين إذا حلفوا بالمعظمين لديهم صدقوا، وإذا حلفوا بالله كذبوا كفر أكبر وشرك أكبر بلا ريب؛ لأن المحلوف به عندهم أخوف وأعظم وأجل من الله وهذا لم يبلغ إليه شرك عباد الأصنام فإن جهد اليمين عندهم القسم بالله، وهؤلاء جهد اليمين عندهم القسم والحلف بمعظميهم فهم أكبر شركاً من عُبّاد الأصنام.

الخامسة: جاء في البخاري في حديث الأعرابي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «أفلح وأبيه إن صدق»، وعند مسلم لمن سأله أي الصدقة أفضل: «أما وأبيك لتنبأنه».

فالجواب عن الحديث الأول:

1- أن اللفظة غير محفوظة بل تردّها الآثار الصحاح ولم تقع في رواية مالك أصلاً، وقد جاء من رواية إسماعيل بن جعفر: «أفلح إن صدق».

2- أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير قصد المقسم به، والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف، وهذا مردود فإن أحاديث النهي جاءت عامة مطلقة دون تفريق بين من قصد القسم ولم يقصد.

والصواب أن هذا كان في أول الأمر ثم نسخ، وهذا الجواب هو الحق، ويؤيده أن ذلك كان شائعاً مستعملاً حتى ورد النهي عنه ومن ذلك:

1) حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدرك عمر وهو يحلف بأبيه فقال: «ألا إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم». متفق عليه.

2) وعنه ر: «من كان حالفاً فليحلف بالله وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: لا تحلفوا بآبائكم)). رواه مسلم.

وعن سعد بن أبي وقاص قال: حلفت مرة باللات والعزى فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم انفث عن يسارك ثلاثاً ولا تعد» رواه النسائي وابن ماجه. وفي هذا المعنى أحاديث فيما ورد فيه ذكر الحلــف بغير الله، فهو جارٍ على العادة قبل النهي ؛ لأن ذلك هو الأصل حتى ورد النهي.

السادسة: في قول ابن مسعود ر: لأن أحلف بالله كاذباً...الخ:

1) قال ذلك لأن الحلف بالله توحيد والحلف بغيره شرك، فإذا قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أخف من سيئة الشرك.

2) أن الحلف بغير الله صادقاً أعظم من اليمين الغموس.

3) أن الشرك الأصغر أكبر الكبائر.

4) ارتكاب أقل الضررين إذا كان لابد من أحدهما.

السابعة: إذا توجهت اليمين على الخصم فحلف بالله وهو معروف بالصدق أو ظاهره الخير والعدالة فإنه يتعين الرضا والقناعة بيمينه لأمرين:

الأول: ما عليه المسلمون من تعظيم ربهم وإجلاله.

الثاني: أنه ليس لدى المدعي يقين يعارض حلف المدعى عليه.

الثامنة:

(أ): إذا بُذلت اليمين بالله تعالى من المدعى عليه فلم يرض المدعي إلا بالحلف بالطلاق أو دعاء الحالف على نفسه بالعقوبات فهذا داخل في وعيد من لم يقنع بالحلف لما فيه من سوء الأدب مع الله تعالى وترك تعظيم الله والاستدراك على الله ورسوله والاستهانة بيمين المسلم وحقه.

(ب): من عرف منه الفجور والكذب فإذا حلف على ما تُيُقِن فجـوره فيه فإنه لا يدخل تكذيبه وعدم القناعة بحلفه في الوعيد، للعلم بكذبه وأنه ليس في قلبه من تعظيم الله ما يطمئن الناس إلى يمينه فتعين إخراج هذا النوع من الوعيد ؛ لأن حالته معلومة.

العاشرة: وجوب الصدق في الحلف لقولــه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، وقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بالله فليصدق» فإن الصدق في الحلف من توحيد الله وإجلاله وتعظيمه وخشيته.

الحادية عشرة: قال الشيخ سليمان بن حمدان في حاشيته: «حُدثت عن المصنف أنه حمل حديث الباب على اليمين في الدعاوى كمن يتحاكم عند الحاكم فيحكم على خصمه باليمين فيحلف فيجب عليه أن يرضى».

الثانية عشرة: وقال الشيخ سليمان بن حمدان أيضاً: «إذا لم يكن للمدعي بينة، عرض القاضي عليه هل يطلب إحلاف خصمه؟ فإن طلب ذلك أحلفه، أي لا يحكم عليه باليمين ابتداءً، فإن نكل الخصم عن اليمين حكم عليه القاضي بالنكول، وإن حلف فعلى المدعي أن يرضى بالحلف ولا تكون يمين خصمه مبطلة لدعواه بل إذا وجد بينة فله إقامة الدعوى وإقامة البينة.

الثالثة عشرة: قال في فتح المجيد: «أما إذا لم يكن لــه بحكم الشريعة على خصمه إلا اليمين، فأحلف فلا ريب أنه يجب عليه الرضا».

الرابعة عشرة: أما إذا كانت اليمين فيما يجري بين الناس من الاعتذارات من بعضهم لبعض ونحو ذلك فهذا من حق المسلم أن يقبل منه إذا حلف معتذراً أو متبرئاً من تهمة ومن حقه عليه أن يحسن الظن به إذا لم يتبين خلافه، كما قال عمر رضي الله عنه: ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك شراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً.

الخامسة عشرة: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث عن الحلف بالآباء وقد جاء النهي عن الحلف بغير الله مطلقاً في أحاديث أخرى.

السادسة عشرة: أوجب الله الصدق على عباده ورغبهم فيه في كتابه ولو لم يحلفوا، فكيف إذا أكد الخبر بالحلف؟.

السابعة عشرة: قبول عذر المعتذر وتصديق الحالف الذي لم يتبيّن كذبه، وحسن الظن بالمسلم من محاسن الأخلاق ومكارمها، ومن الأدلة على كمال العقل والدين.

* * *

 44- باب قول: ما شاء الله وشئت

عن قُتَيْلَـة أن يهودياً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء اللهُ وشئتَ، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربّ الكعبة، وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئتَ. رواه النسائي وصححه.

ولـه ـ أيضاً ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رَجُلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما شاء اللهُ وشئت. فقال: «أجعلتني لله نداً؟ ما شاء الله وحده».

ولابن ماجه، عن الطفيل أخي عائشة لأمّها قال: رأيت كأني أتيتُ على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القومُ، لولا أنكم تقولون: عُزير ابنُ الله. قالوا: وأنتم لأنتم القومُ، لولا أنكم تقولون: ما شاء اللهُ وشاء محمد. ثم مررتُ بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيحُ ابنُ الله. قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحتُ أخبرتُ بها من أخبرتُ، ثم أتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته قال: «هل أخبرتَ بها أحداً؟». قلت: نعم. فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فإن طُفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمةً كان يـمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده».

الفوائد على الباب:

الأولى: قول ما شاء الله وشئت من أنواع الشرك اللفظي الأصغر ؛ لأن فيه عطف مشيئة المخلوق على مشيئة الخالق جل وعلا بحرف العطف وهو الواو المقتضي للتشريك والمساواة بين المعطوف والمعطوف عليه.

الثانية: الأَوْلَى قول ما شاء الله وحده ؛ لأنه وإن كان العبد لـه مشيئة فهي تابعة لمشيئة الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ [التكوير:29].

الثالثة: في إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لليهودي في قولـه: «إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة» دلالة صريحة على أن قول: «ما شاء الله وشئت» شرك وقد أكده - صلى الله عليه وسلم - بأمره لأصحابه أن يقولوا: «ما شاء الله ثم شئت»، فأرشدهم إلى اللفظ الذي لا محذور فيه.

الرابعة: في الحديث دليل لأهل السنة على اعتقادهم أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى في كل شيء مما شرعه الله تعالى وما يخالفه من أفعال العباد وأقوالهم فالكل بمشيئة الله تعالى وإرادته، فما وافق ما شرعه رضيه وأحبه من العبد وما خالفه كرهه ولم يرضه قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7].

الخامسة: أن الحلف بالكعبة ونحوها من الخلق من الشرك الأصغر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر اليهودي على قولـه: «إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة» وأمرهم أن يقولوا: ورب الكعبة.

السادسة: قولـه: «ما شاء الله وشئت» من الشرك الأصغر وقد يكون من الأكبر إذا اعتقد أنه له مشيئة مستقلة يتصرف بها.

السابعة: معرفة اليهود للشرك الأصغر مع أنَّ كثيراً ممن يدعي الإسلام لا يعرفون الشرك الأكبر بل يصرفون خالص العبادات من الدعاء والذبح والنذر لغير الله ويظن أن ذلك من الدين.

الثامنة: قبول الحق ممن جاء به وإن كان عدواً مخالفاً للدين؛ لقبول النبي - صلى الله عليه وسلم - قـول اليهودي لما كان حقاً.

التاسعة: في الحديث الردّ على القدرية والمعتزلة نفاة القدر الذين يثبتون للعبد مشيئة تخالف ما أراده الله وشاءه من العبد.

العاشرة: يجوز قول «ما شاء الله ثم شئت» لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه أن يقولوا «ما شاء الله ثم شئت»، ولما جاء في قصة الأعمى والأبرص والأقرع وفيه: قال الملك «لا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك».

الحادية عشرة: من الوحي الإلهي الشرعي للنبي - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصالحة في حياته لقصة رؤيا الطفيل، وفيها قال - صلى الله عليه وسلم -: «فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله وحده» ويدل عليه أيضاً تشريع الأذان برؤيا عبدالله بن زيد وغيره، فالرؤيا الصالحة في زمن التشريع وحيٌ – وإن كانت مناماً – يثبت بها ما يثبت بالوحي أمراً ونهياً إذا أقرَّها النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* * *

 45- باب من سب الدهر فقد آذى الله

وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24] الآية.

في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال الله تعالى: يُؤذيني ابنُ آدم، يَسُبُّ الدهرَ، وأنا الدهرُ، أُقلِّبُ الليلَ والنهارَ».

وفي رواية: «لا تسبُّوا الدهرَ، فإن الله هو الدهر».

الفوائد على الباب:

الأولى: مناسبة الباب للكتاب أن سبّ الدهر يتضمن الشرك بالله أو نقص كمال التوحيد بسبِّ الله تعالى.

 الثانية: لفظ الأذى في اللغة يطلق على ما خف أمره وضعف أثره من الشر والمكروه بخلاف الضر، فإنه لما قوي أثره وعظم أمره فيه، فقد أخبر سبحانه أن العباد لا يضرونه لكن يؤذونه إذا سبُّوا مقلب الأمور.

الثالثة: سبُّ الدهر بإضافة ما نالهم من الشدائد إليه، وهم بذلك يسبون فاعله.

الرابعة: سابّ الدهر مرتكب لأحد أمرين:

أ) الشرك بالله وذلك إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله.

ب) مسبّة الله إذا اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وسبّ الدهر سبّ لمن فعله، وذلك هو مسبة الله تعالى.

الخامسة: أن سبَّه متضمن للشرك فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم: قد ضر من لا يستحق الضرر، ورفع من لا يستحق الرفع، وحرمان من لا يستحق الحرمان، وأعطى من لا يستحق العطاء، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة.

السادسة: الله تعالى هو رب العالمين ومالك الملك ومدبره بإرادته ومشيئته وعلمه وحكمته، بيده سبحانه الأمر يقلّب الليل والنهار، يصرفها سبحانه كيفما شاء بما يحبه الناس وبما يكرهونه، لا يشاركه في ذلك غيره، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالواجب حمده سبحانه في الحالين - الشدة والرخاء - وحسن الظن والرجوع إليه بالتوبة والإنابة قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾  [الأعراف: 168].

السابعة: مطابقة قولــه تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ للباب أن من سبَّ الدهر فقد شارك مشركي العرب والفلاسفة الدهريين في سبّ الله عز وجل، وإن لم يشاركهم في الاعتقاد.

الثامنة:

أ- قول الكفار وأشباههم ما حكى الله عنهم بقوله ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ مردودٌ من وجوه:

الأول: دلالة الكتاب والسنة، فإن الكتاب والسنة قد دلا على ثبوت الآخرة ووجوب الإيمان بها وكفر من أنكرها وأنه لابد للعباد من حياة أخرى سوى هذه الحياة الدنيا يُقَرر فيها العباد بأعمالهم ويجزون عليها، والكتب السماوية المتقدمة تؤكد ذلك، فهذه دلالة المنقول.

الثاني: دلالة المعقول وهو أن كثيراً من الناس أحسنوا فـي هذه الدنيا ولم يُشكروا على إحسانهم، ومنهم من ظُلِم فلم يُؤخذ الحق لـه، ومنهم من ظَلَم فلم يُعاقب على ظلمه، فمن غير المعقول أن يكون الناس بعد موتهم تراباً أبداً، فلا بعث ولا حياة، ولا ثواب ولا عقاب، فإن حكمة أرحم الراحمين وأعدل العادلين تأبى ذلك ولذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85] أي بعث تجزى عليه على دعوتك ويجزى عليه المكذبون الظالمون لك.

ب- وأما قولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ فهذا أيضاً يرده المنقول والمحسوس.

فأما المنقول فإن نصوص الكتاب و السنة تدل على أن الإحياء والإماتة بيد الله عز وجل فإنه هو الذي يحيي ويميت وإليه ترجعون.

وأما المحسوس فإنّا قد علمنا من بقـي سنـين طويلة ولم يهلكه الدهــر مثل نوح عليه السلام ونحوه من المعمرين لم يهلكهم الدهر في سن أكثر الناس بينما يموت أطفال رضع في وقت رضاعتهم، وشباب في عز شبابهم.

التاسعة: كانت العرب في جاهليتها تذمّ الدهر وتسبه عند النوازل فإذا أصابتهم شدة أو بلاء قال أحدهم: وادهراه، أو قال: يا خيبة الدهر، ويقولون عمن هلك من أسلافهم: أبادهم الدهر، أو أصابتهم قوارع الدهر ونحو ذلك، فيسندون الإهلاك والابتلاء ونحو ذلك من أفعال الربوبية إلى الدهر ويسبونه، إنما فاعل ذلك هو الله، فإذا أضافوا ما أصابهم أو أصاب غيرهم إلى الدهر فإنما يسبون الله عز وجل؛ لأن الله تعالى هو الفاعل حقيقة وله في ذلك الحكمة البالغة: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23] فنهى الله تعالى عن سبِّ الدهر بهذا الاعتبار.

العاشرة: مذهب مشركي العرب والفلاسفة الدهريين التكذيب بالبعث بعد الموت وإنكار القيامة والمعاد جحداً للمنقول ومكابرة للمعقول فيقولون ما أخبر الله تعالى بقولـه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، فتفنى الأجيال بمرور الأيام والليالي، فيسبُّون الدهر ويؤذون الله تعالى بذلك يقول تعالى في الحديث القدسي: «يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهر وأنا الدهر، أقلّب الليل والنهار» وأكذبهم بقولـه: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: 24].

الحادية عشرة: ليس من سبّ الدهر وصف السنين بالشدة كقولـه تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: 48]، وقولـه تعالى عن يوم القيامة: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ *  عَلَى الكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: 9-10] أو أن يقال هذا يوم بارد، أو هذا يوم حار؛ لأنه مجرد إخبار ووصف وليس فيه ذم لفاعله وخالقه.

الثانية عشرة: من سب الدهر بنسبة الفعل إليه فقد سبّ الله عز وجل وإن لم يقصد السب فهو مذموم ومتعرض للوعيد مطلقاً.

الثالثة عشرة: من سبِّهِم للدهر قولهم:

يا دهر ويحك ما أبقيتَ لي أحداً

                   وأنتَ والد سُوءٍ تأكُل الوَلداَ

وقول المتنبئ:

قُبْحَاً لوجهكَ يا زمَانُ فإنّه

                   وجهٌ لَهُ في كُلّ قُبحٍ بُرقُع

وهذا في شعرهم ونثرهم كثير وفيه مفاسد، منها:

1-      سبّ من ليس أهلاً للسبّ، فإن الدهر خلق مسخر.

2-      وأن السبَّ متضمن للشرك فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر أو ينفع.

3-      ومنها أن السب إنما يقع على المتصرف في الدهر وهو الله عز وجل، وهو سبحانه المعطي المانع، الباسط القابض، المعز المذل، فمسبّة الدهر مسبة لله عز وجل، والدهر ليس له من الأمر شيء.

الرابعة عشرة: ليس الدهر من أسماء الله تعالى كما توهمه ابن حزم في عَدِّه الدهر من أسماء الله تعالى الحسنى، ولو كان كذلك لكان الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ صادقين.

الخامسة عشرة: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «في مسبة الدهر ثلاث مفاسد:

الأولى: سبّ من ليس أهلاً للسبّ، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله منقاد لأمره متذلل لتسخيره فإنه أولى بالسب بالذم.

الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبّه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك الحرمان، أعطى من لا يستحق العطاء، وعند شاتميه من أظلم الظلمة.

الثالثة: أن السبّ منهم إنما يقع على من فعل الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السموات والأرض، فإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر فإن ربّ الدهر هو المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل، والدهر ليس لـه من الأمر من شيء، فمسبتهم مسبة لله عز وجل، وثناؤهم نسبة للنعمة إلى غير مسديها وموليها.

السادسة عشرة: الخبر عن الدهر ثلاثة أقسام:

الأول: أن يقصد الخبر المحض دون الذم كأن يقال: يوم بارد وشهر حار وعام قحط، فهذا جائز ؛ لان المقصود الإخبار لا الذم ومنه قول لوط - عليه السلام -: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: 77].

الثاني: أن يخبر عنه على وجه العيب والذم معتقداً أنه هو الفاعل الذي يقلّب الأمور، فهذا شرك أكبر ؛ لأنه اعتقد أن الدهر متصرفٌ مع الله في الملك، ولذلك نسب الحوادث إليه وهذا شرك في الربوبية وهو الذي عليه أهل الجاهلية.

الثالث: أن يخبر عن الدهر مع اعتقاده أن الفاعل هو الله وحده ولكن لأن الدهر محل هذه الأمور المكروهة فهذا محرم ؛ لأن سب الدهر في الحقيقة يعود إلى الله فيكون السب لله عز وجل.

السابعة عشرة: ليس الدهر من أسماء الله تعالى، وذلك لوجوه:

الأول: أن ذلك يجعل المخلوق خالقاً، والمقلَّب مقلِّباً، والعقل يأبى أن يجعل المخلوق المفعول خالقاً فاعلاً.

الثاني: أن الكلمة حقيقة في معناها الذي دلَّ عليه السياق والقراءة وهنا في الكلام محذوف تقديره: وأنا مقلب الدهر ؛ لأنه فسره بقوله: أقلّب الليل والنهار.

الثالث: أن الأصل في أسماء الله تعالى أن تكون حسنى بالغة في الحسن غايته بأن تشتمل على وصف جميل ومعنى حسن.

الرابع: أن الدهر اسم من أسماء الزمن ليس فيه معنى لأنه اسم زمن فلا يحمل معنى يمكن أن يوصف الله تعالى به.

الثامنة عشرة: تقليب الله للدهر له حكم عظيمة قد تظهر لنا وقد لا تظهر ؛ لأن حكمة الله تعالى أعظم من أن تحيط بها عقولنا ولو لم يكن من حكمة الله تعالى إلا ظهور سلطانه وتمام قدرته لكان كافياً لما فيه من دفع أولي الألباب إلى خشية الله تعالى والتضرع إليه.

ومن وجوه الحكمة أن يبتلي الله المكلفين بالطاعات فـي مختلف الأحوال، فالحر والقَرّ، والسلم والحرب، والصحة والسقم، والعسر واليسر، والغنى والفقر ونحو ذلك، فتتجلَّى عبوديتهم لله تعالى فـي كل حال.

* * *

 46- باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه

في الصحيح عن أبي هريرة ر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أخنعَ اسمٍ عند الله رجلٌ تسمَّى مَلِكَ الأملاك، لا مَالِكَ إلا الله».

قال سفيان: مثلُ شاهان شاه. وفي رواية: «أغيظُ رجلٍ على الله يوم القيامة وأخبثه».

قولـه: «أخنع»: يعني أوضع.

ــ

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد المؤلف - رحمه الله - بهذه الترجمة بيان النهي عن التسمي بالأسماء التي لها تعلق بمشابهة الله تعالى فما كان من الأسماء مختص به تعالى مثل: الله، الرحمن، مالك يوم الدين، الخلاق، أحكم الحاكمين، حاكم الحكام، سلطان السلاطين، وما أشبه ذلك، فليس لأحد من المخلوقين مهما كان شأنه أن يتسمى بها لما في ذلــك من المضاهاة لله تعالى، وذلك نقص في التوحيد ودخول فيما لا ينبغي.

الثانية: وقع في بعض الأزمنة التسمي بقاضي القضاة على الإطلاق، وهذا لا ينبغي ؛ لأن معناه حاكم الحكام، وإن كان مرادهم حاكم البلد أو الدولة أو نحو ذلك، لكن إطلاقها غير مناسب، أما لو قيل قاضي قضاة مصر أو نحو ذلك فهذا أسهل، ولكن ترك ذلك أولى.

الثالثة: ذكر المؤلف - رحمه الله - حديث أبي هريرة: «إن أخنع اسم عند الله تعالى رجل تسمّى ملك الأملاك» فقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأنه يوصف بوصف لا يليق إلا بالله تعالى، فتسمِّي المخلوق بذلك لا يجوز ؛ لأنه لا يليق بالمتسمي به ولا يناسبه وليس هو أهلاً لـه بل هو رفع لنفسه في مقام لا يليق به، وإنما يليق بالله وحده، ولهذا جاءت السنة بإنكار هذا الاسم وأشباهه والترغيب في التسمي بالأسماء اللائقة بالمخلوق مثل: عبدالله وعبدالرحمن ومحمد وأحمد، وأسماء الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، والأسماء التي لها معاني حسنة، فإن الاسم يؤثر فـي مسماه، لذا قيل: الأسماء قوالب المعاني.

أما الأسماء التي فيها الوصف العام والتفضـيل العام مثل ملك الملوك وقاضي القضاة ونحو ذلك مما لا يليق إلا بالله فلا يجوز للعبد أن يتسمَّى به تكميلاً لتوحيده وإيمانه وحفظاً له مما ينقصه أو ينافيه.

وكذلك لا يجوز التسمي بوصف من الأوصاف الثابتة لله تعالى مثل حكيم وعليم وعزيز إذ الحظ في ذلك الاسم التزكية والوصفية لما فيه من مضاهاة الله تعالى فيما هو من خصائصه، أما إذا كان للعَلَمية فقط فلا بأس بذلك.

* * *

 47- باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك

 عن أبي شُرَيح أنه كان يُكنى أبا الحَكَم، فقال لـه النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله هو الحَكَم، وإليه الـحُـكْمُ»، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمتُ بينهم، فرضيَ كلا الفريقين. فقال: «ما أحسن هذا، فمالك من الولد؟». قلت: شُريحٌ ومسلمٌ وعبدُ الله. قال: «فمن أكبرهم؟» قلت: شُرَيح. قال: «فأنت أبوشُريح». رواه أبوداود وغيره.

ـــ

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بيان وجوب احترام أسماء الله تعالى والحذر من امتهانها أو احتقارها أو تسمية غير الله بشيء من الأسماء التي اختص الله بها، ومشروعية تغيير الاسم من أجل ذلك.

الثانية: فيه بيان الأدب الذي يجب أن يصدر من قلب الموحد ولسانه، فإن الموحّد متأدب مع الله تعالى وأسمائه وصفاته ودينه، فلا يهزأ بشيء فيه ذكر الله، ولا يقول عن الله شيئاً إلا بعد تدبر، وكذلك لا يسمي أحداً بأسماء الله ويغير الاسم لأجل هذا.

الثالثة: يجب احترام أسماء الله تعالى وتعظيمها، ومن ذلك أن ما لا يصلح منها إلا لله لا يسمى به غيره.

الرابعة: المناسبة أن الأسماء التي تشبه أسماء الله التي لُحظ فيها الوصف لا تجوز التسمية بها ويجب تغييرها تأدباً مع الله تعالى.

الخامسة: لا يجُعل لله نداً في النيات والأقوال والأفعال، ولا يُسمى أحدٌ باسم فيه مشاركة لله في أسمائه وصفاته.

السادسة: في ذلك دفع لوسائل الشرك حتى في الألفاظ التي يُخشى أن يندرج فيها بألاَّ يظن مشاركة أحد لله تعالى في شيء من خصائصه.

السابعة: من احترام أسماء الله ألا تمتهن فلا يجعل ما كتب اسم الله عليه في أماكن لا تليق بها ولا سُفَراً لموائد الطعام ونحو ذلك.

الثامنة: أسماء الله تعالى نوعان:     

الأول: أسماء اختص الله بها، فلا يسمى بها غيره وذلك كالله والرحمن والخالق والأحد ورب العالمين ونحوها.

الثانـي: أسماء مشتركة يسمى بها غيره سبحانه فيكون لله تعالى منها ما يليق بجلاله، وللعبد ما يليق بحاله.

التاسعة: المقصود بأسماء الله ـ هنا ـ أي المختصة به.

العاشرة: الكنية ما صُدِّر بأب أو أم، وقد تكون بالأوصاف كأبي الفضائل وأبي المعالي وأبي الخير وأبي الحكم وقد تكون بالنسبة إلى الأولاد كأبي سلمة وأبي شريح أو إلى ما يلامسه كأبي هريرة، وقد تكون للعلمية المحضة كأبي بكر.

الحادية عشرة: الحَكَمُ هو الله تعالى وهو لم يلد ولم يُولَد ولم يكن لـه كفؤاً أحد، والله هو البالغ الغاية في الحكم، وله الحكم على وجه الاستقلال، والحكم راجع إليه، وفي دخول «هو» بين لفظ الجلالة و«الحَكَم» في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله هو الحكم» ما يشعر بالاختصاص.

الثانية عشرة: قولــه - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله هو الحكم وإليه الحُكم» يفيد أن هذا الاسم لا يصلح إلا لله، فلا يسمى به غيره، ولا يكنى به أحد من الخلق تأدباً مع الله تعالى واحتراماً لأسمائه.

الثالثة عشرة: ظاهر كلام المؤلف أنه يرى أن الحديث صالح للاحتجاج، ولهذا اعتمده واكتفى به واستدل به أنه لا يسمى مخلوق بالحَكَم وأبا الحَكَم ؛ لأن هذا وصف لله تعالى فهو الحاكم بين عباده وله الحكم في الدنيا والآخرة.

الرابعة عشرة: قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله هو الحَكم وإليه الحُكم» فيه إنكار هذه التسمية وبيان علة ذلك، وإنما كان ذلك لأن هذه العلمية يلاحظ فيها الصفة.

الخامسة عشرة: من الأدب ألا يُسمى غير الله باسم لله مختص به.

السادسة عشرة: تغيير الاسم على الوجوب ومن الأسماء المختصة بالله تعالى: القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، الجبار ؛ لأن التسمية بها من باب الشرك في الأسماء والصفات.

السابعة عشرة: فضل الإصلاح بين الناس، وأنه عمل صالح جليل لما فيه من الخير والأجر مع ابتغاء وجه الله تعالى، وينبغي لكبراء الناس السعي في الإصلاح بين الناس والاجتهاد في إرضاء كلا الطرفين لزوال الخصومات وقطع دابر العداوة والشحناء والفتن، فإن الإصلاح الذي لا يخالف الشرع أفضل من الحكم لما فيه من طيب النفوس وبقاء المودة وشيوع المحبة، وقد سعى النبي - صلى الله عليه وسلم - فـي الإصلاح بين الناس حتى تخلَّف عن صلاة الجماعة مرة من أجل ذلك.

الثامنة عشرة: جاءت أحاديث صحيحة فيها إقـرار لأسماء عدد من الصحابة رضي الله عنهم فلم يغيرها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي من هذا القبيل كالحكم والحكيم وهي أصح من هذه الرواية مثل الحكم بن عمرو الغفاري وحكيم بن حزام، ويجمع بينها أن هذه الأسماء لُحِظَ بها العَلمية المحضة ولم يرد فيها الصفة.

التاسعة عشرة: الله تعالى هو الحكم الذي إذا حكم لا يرد حكمه وإليه الحكم أي يرجع إليه في الآخرة، وهو تعالى حاكم بين عباده بحكمه القدري الكوني النافذ وحكمه الشرعي الديني الحسن وحكمه الجزائي على العمل يوم القيامة، فهذه الصفة لا تليق إلا بالله عز وجل.

العشـرون: إذا كان الاسم من أسماء الله غير المختصة وسـمى به المخلوق بناء على صفة قامت به مثل أبا الحكم لكونه يحكم بين الناس فلا تجوز هذه التسميـة، وهكذا لو سمي شخص بالرحيم أو العزيز أو القوي مراعاة لما تضمنه الاسم من الصفة المتوفرة بالمخلوق فلا يجوز ذلك لما فيه من منازعة الله تعالى في أسمائه.

الحادية والعشرون: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «ما أحسن هذا» الثناء على المحسن ولو كان كافـراً ومثله قولـه: «أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل».

الثانية والعشرون: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «فمن أكبرهم؟» دليل على أن السنة التكنية بأكبر الأولاد.

الثالثة والعشرون: الأسماء العادية التي في ظاهرها تزكية إذا لحظ فيها التزكية فلا تجوز، أما إذا لحظ فيها العلمية المحضة فقط فلا بأس مثل: صالح وخالد وإيمان وهدى.

* * *

 48- باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول

وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65].

عن ابـن عمرَ ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة - دخل حديــث بعضُهم في بعض ـ أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرَّائنا هؤلاء، أرغَبَ بُطوناً، ولا أكذب ألسُناً، ولا أجبنَ عند اللقاء ـ يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه القُرّاء ـ، فقال لـه عوف بن مالك: كذبتَ، ولكنّك منافق، لأخبرنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. فذهب عوفٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ وقد ارتحل وركِبَ ناقته ـ فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوضُ ونتحدَّثُ حديثَ الركبِ نقطَعُ به عناء الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه مُتَعَلِّقاً بنسعَة ناقةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن الحجارة تنكبُ رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؟. ما يلتفت إليه، وما يزيده عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد المؤلف رحمه الله أن يبيِّنَ أن الهزل بذكر الله منافٍ للإيمان بالكلية ومخرج من الدين ؛ لأنه مناقض لأصل الدين الذي هو الإيمان بالله وكتبه ورسله.

الثانية: الاستهزاء هو الانتقاص واللعب والسخرية.

الثالثة: هذا الباب لبيان حكم المستهزئين بالله والقرآن والرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنهم مرتدون وإن كانوا مسلمين، فإن الاستهزاء ردة وكفر.

الرابعة: من الإيمان بالله تعظيم كتاب الله ودينه ورسوله، والهزل بذلك أشد من الكفر المجرد ؛ لأن هذا كفر وزيادة وهو الاستخفاف والازدراء.

الخامسة: المستهزئ مستخف بعظمة الله وربوبيته ؛ لأن الاستهزاء يتنافى مع تعظيم الله.

السادسة: يصدق على المستهزئين والهازلين قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله يزل بـها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» , وفي معناه: «سبعين خريفاً»، وفي معناه قولـه - صلى الله عليه وسلم - في الرجل الذي قال: «والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألّى علي أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له وأحبطت عملك».

السابعة: قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ الآية والحديث في تفسيرها فيه أن الاستهـزاء يدل على نفاق في قلب من صدر عنه وخبث وحقد على الإسلام وأهله.

الثامنة: قول المنافق: «ولا أكذَبَ ألسناً» يدل على تكذيبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.

التاسعة: أجمع العلماء على كفر من استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بدينه ولو كان هازلاً لا يقصد حقيقة الاستهزاء لما جاء في سبب نزول الآية، وأن الله تعالى صرّح بكفرهم ولم يعبأ باعتذارهم.

العاشرة: القرّاء جمع قارئ وهم عند السلف الذين يقرأون القرآن ويعرفون معانيه، فأما قراءته من غير فهم معانيه فلم يكن موجــــوداً في ذلك العصر وإنما حدث بعد ذلك.

الحادية عشرة: قول عوف: «كذبتَ، ولكنك منافق، لأخبرنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» فيه أن ذكر أفعال المنافقين والفساق لولاة الأمور ليزجروهم ويقيموا عليهم أحكام الشريعة ليس من الغيبة والنميمة، بل هومن النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولعباده.

الثانية عشرة: في الباب بيان خطورة اللسان وأنه جارحة خطيرة ينبغي تقوى الله تعالى فيه وإلا فإنه من موارد الهلاك قال - صلى الله عليه وسلم -: «وهل يُكَبُّ الناس في النار على وجوههم ـ أو قال على مناخرهم ـ إلا حصائد ألسنتهم».

الثالثة عشرة: في قولـه تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الفرق بين العفو الذي يحبه الله والغلظة على أعداء الله، وأن من الأعذار ما لا ينبغي أن يُقبل.

الرابعة عشرة: الكفار صنفان:

أ‌)        معرضون عن دين الله وذكره وهداه قال تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 24].

ب) معارضون لذلك وهم المحاربون لله ورسوله القادحون في الله ودينه ورسوله وهم أغلظ كفراً وأعظم فساداً، والهازل بشيء من ذلك من هذا النوع ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: 8].

الخامسة عشرة: الراجح عند المحققين أنه لا تقبل توبة الزنديق

ـ وهو المنافق المستهزئ بالله ودينه ورسوله ـ في أحكام الدنيا، أما عند الله فأمره إلى الله تعالى.

السادسة عشرة: يجب قتل الزنديق وإن أظهر التوبة، فإن التوبة لا تعصم دمَ المستهزئ بالله تعالى ورسولـه - صلى الله عليه وسلم - ودينه، وإن كانت تنفعه في الآخرة إذا صحت باكتمال شروطها وانتفاء موانعها.

* * *

 49- باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: 50].

قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوقٌ به.

وقال ابن عباس: يريد من عندي.

وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78] قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني لـه أهل.

وهذا معنى قول مجاهد: أُوتيته على شرف.

وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى. فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم مَلَكَاً فأتى الأبرص فقال: أيُّ شيء أحبُّ إليك؟ قال: لونٌ حسنٌ، وجلدٌ حسن، ويذهب عني الذي قد قَذَرني الناس به. قال: فمسَحَه، فذهب عنه قذره، وأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً. قال: فأي المال أحبُّ إليك؟ قال: الإبل ـ أو البقر (شك إسحاق) ـ فأُعطي ناقة عُشراء، وقال: بارك اللهُ لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحبُّ إليك؟ قال: شعرٌ حسن، ويذهبُ عني الذي قذرني الناس به. فمسحه فذهبَ عنه. وأُعطي شعراً حسناً. فقال: أيُّ المال أحب إليك؟ قال: البقرُ ـ أو الإبل ـ فأُعطيَ بقرةً حاملاً، قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرُدَّ الله إليَّ بصري فأُبصرَ به الناسَ، فمسحه، فردَّ الله إليه بصره. قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ قال: الغنمُ. فأُعطي شاةً والداً، فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجلٌ مسكين قد انقطعت بي الحبالُ في سفري، فلا بلاغَ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك ـ بالذي أعطاك اللونَ الحسن والجلد الحسن والمال ـ بعيراً أتبلَّغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذّرُك الناس، فقيراً فأعطاك الله عـز وجل المال؟ فقال: إنما وَرِثتُ هذا المال كابراً عن كابر. فقال: إن كنتَ كاذباً فصيَّركَ اللهُ إلى ما كنتَ. قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردَّ عليه مثل ما ردَّ عليه هذا. فقال: إن كنت كاذباً فصيَّرك اللهُ إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته فقال: رجلٌ مسكينٌ وابنُ سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليومَ إلا بالله ثم بك ـ أسألك بالذي ردَّ عليك بصرك ـ شاةً أتبلغُ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فردّ الله إليَّ بصري، فخذ ما شئتَ ودعْ ما شئت، فوالله لا أجهدُك اليوم بشيء أخذتَه لله. فقال: أمسكْ مالَك، فإنما ابتُلِيتُم، فقد رضي الله عنك وسخطَ على صاحبيك». أخرجاه.

الفوائد على الباب:

الأولى: من زعم أن ما أُوتيه من النعم فإنما هو بكدِّه وحذقه وفطنته، أو أنه مستحق لذلك لما يظن على الله من الحق فهذا كله كذب منافٍ للتوحيد.

الثانية: المؤمن الحق من يعترف بنعم الله الظاهرة والباطنة ويضيفها إلى الله تعالى ويثني بها عليه، ويستعين بها على طاعته، ولا يرى لـه حقاً على الله، وإنما عليه وأنه عبد محض من جميع الوجوه.

الثالثة: إنكار النعم والكفر بها وجحودها وعدم نسبتها إلى الله طبيعة من طبائع بني آدم إلا من عصمه الله من ذلك، فإن أكثر الناس يضيفون النعم إلى أعمالهم وأسبابهم.

الرابعة: الحث على شكر النعم والاعتراف بالفضل لله وحده فهو سبحانه الذي يسَّر الأسباب ونفع بها.

الخامسة: الأدب أن يعترف المرء أولاً بأن النعم من الله، ويلهج بذكر الله تعالى وشكره والثناء عليه، ثم يذكر الأسباب وأن الله تعالى جعلها من دواعي تحصيل المقصود.

السادسة: في حديث الأبرص والأقرع والأعمى فوائد:

1) الحث على شكر النعم والاعتراف بها لله تعالى.

2) الأدب في السؤال، حيث قال: «لا بلاغ لي إلا بالله ثم بك».

3) بيان قدرة الله تعالى وأنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون.

4) ملازمة الشكر والحذر من كفر النعم فإنه من أعظم أسباب العقوبات وزوال النعم.

السابعة: في مقال الأعمي أداء لأركان الشكر وهي الإقرار بالنعمة في قوله: «كنت أعمى فردّ الله إلي بصري..» ونسبتها إلى المنعم وبذلها فيما يحب الله سبحانه.

الثامنة: قال الحسن البصري رحمه الله: إن الله ليبتلي أهل البيت بالسائل ليس من الجن والإنس. فلعله يشير إلى هذه القصة.

التاسعة: قال ابن القيم - رحمه الله -: أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع والذل والمحبة لـه، إلى أن قال: فلابد في الشكر من علم القلب وعمل يتبع العلم وهو الميل إلى المنعم ومحبته.

* * *

 50- باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: 190].

قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبَّدٍ لغير الله، كعبدِ عمر وعبد الكعبة وما أشبه ذلك، حاشا عبدالمطلب.

وعن ابن عباس في الآية قال: لما تغشَّاها آدمُ حملتْ، فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعانني أو لأجعلنّ له قرني أَيِّل فيخرُجُ من بطنكِ فيشقه، ولأفعلنّ، ولأفعلنّ ـ يخوفهما ـ سميّاه عبدَ الحارث. فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً. ثم حملت، فأتاهما فقال مثل قولـه، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً. ثم حملت فأتاهما فذكر لهما، فأدركهما حُبُّ الولد، فسمَّيَاه عبد الحارث. فذلك قولـه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا﴾ [الأعراف: 19]. رواه ابن أبي حاتم.

وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته.

وله بسند صحيح عن مجاهد في قولـه: ﴿لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: 189] قال: أشفقا أن لا يكون إنساناً. وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما.

 الفوائد على الباب:

الأولى: الفرق بين هذا الباب وما قبله أنّ الأول فـي النعم عامة، وهذا فـي نعمة خاصة وهي هبة الولد.

الثانية: مقصود الترجمة أن من أنعم الله عليهم بالأولاد، ثم كمّل النعمة بأن سوّى خلقهم وحسّن صورتهم فجعلهم صالحين في أبدانهم، وتمام ذلك بما يرجونه منه سبحانه أن يصلحهم في دينهم، فعليهم أن يشكروا نعم الله عليهم بأن لا يُعبِّدوا أولادهم لغير ربهم الذي خلقهم، ولا يضيفوا إنعامه سبحانه إلى غيره، فإن ذلك من كفران النعم وقد أُمروا أن يشكروا نعمة الله عليهم.

الثالثة: أراد المؤلف - رحمه الله - من هذا الباب بيان تحريم التعبيد لغير الله تعالى ـ كائناً من كان ـ فلا يُسمى مثلاً: عبدالنبي، ولا عبد علي، ولا عبدالحسين ونحو ذلك( ).

قلت:

 1- لأن الله تعالى ذمَّ من عبَّد أولاده لغير الله.

2- ولأن الأسماء قوالب المعاني فإنها تؤثر فـي مسمَّاها، فإذا عُبِّدت لغير الله تعالى كان خطراً عليهاأن تُبتلى بالشرك.

الرابعة: الإشراك في نعمة الولد أنواع:

1- نسبة إلى غير الله إيجاداً وخلقاً، وهذا شرك أكبر لأنه ادعاء خالق مع الله.

2- ويدخل في الآية إضافة سلامته إلى القابلة والطبيب وهذا شرك أصغر.

3- ويدخل في الآية تقديم محبته على محبة الله فيشركا بالله بمعصيتهما لله من أجله.

4- أن يُعبَّد لغير الله في التسمية.

 الخامسة: إنما استثني عبدالمطلب:

1-      لأن أصله من عبودية الرقّ لا من التعبيد لغير الله.

2-      ولأنه اشتهر به ولزمه ذلك الاسم فلم يبقَ للأصل معنىً مقصوداً.

3-      ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرّ تسمية من كان اسمه كذلك - فـي زمانه - فلم يغيّره كعبدالمطلب بن ربيعة وغيره.

4-      ولقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «أنا ابن عبدالمطلب» فأخبر عن اسم جده منتسباً إليه، ولو كان لا يجوز لبيَّنه، فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

السادسة: قال شيخ الإسلام:

«كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله تعالى فيضيفون فيه التعبيد إلى غير الله من شمس أو وثن أو بشر وغير ذلك ما قد يشرك بالله، فغيَّر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فعبدهم لله وحده فسمى جماعة من أصحابه:

فكان اسم عبدالرحمن بن عوف عبدالكعبة فسمّاه عبدالرحمن.

وكان اسم أبي هريرة عبدشمس فغير اسمه.

وكان اسم أبي سفيان عبدالعزى فسماه عبدالرحمن.

وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبدالقيوم.

 فشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده تعبيد الخلق لربهم كما سنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية، والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية».

السابعة: ذهب ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين إلى أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا﴾ آدم وحواء - عليهما السلام – سميا ولدهما عبدالحارث؛ إذا وسوس لهما الشيطان بذلك وخوفهما أنهما إن لم يسمياه بذلك الاسم أن يخرج ميتاً أو غير ذلك، فلم يطيعاه، فمات لهما الأول والثاني فأدركهما حب الولد فسمياه (عبدالحارث ) فأشركا فـي طاعته فـي التسمية لا فـي عبادته، فلم يقصدا تعبيده لغير الله.

ومن أدلتهم ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى سمرة بن جندب ر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لما ولدت حواء طاف بـها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال سميه عبدالحارث فإنه يعيش فسمته عبدالحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره».

والحديث رواه ابن جرير عن محمد بن بشار ـ بندار ـ– عن عبدالصمد بن عبدالوارث به.

ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى عن عبدالصمد به. وقال: حديث حسن.

وأخرجه الحاكم فـي مستدركه من حديث عبدالصمد مرفوعاً وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

الثامنة: وذهب آخرون منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم - رحمهم الله - إلى أن الذين جعلا لله شركاء فيما آتاهما المشركون من ذرية آدم وحواء لا آدم وحواء عليهما السلام، فالضمير فـي قولـه تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا﴾ عائد على الجنس أي الذكر والأنثى من ذرية آدم وحواء على وجه العموم لا على آدم وحواء عليهما السلام، ومن حجتهم:

1- ضعف حديث ابن عباس، فقال فيه الذهبي فـي «الميزان»: حديث منكر، وأعلّه ابن كثير بثلاث علل:

الأولى: قول ابن أبي حاتم الرازي أن عمر بن إبراهيم ـ أحد رواة السند ـ إلى ابن عباس لا يُحتج به.

الثانية: أنه قد رُويَ من قول سمرة ر.

الثالثة: قول الحسن: هم اليهود والنصارى.

2- أن آدم وحواء – عليهما السلام – قد اجتباهما ربهما وهداهما فلم يكونا ليشركا بالله تعالى.

3- قالوا: وكأن القول بأنهما آدم وحواء مأخوذ من أهل الكتاب.

4- أن مذهب الحسن أنه ليس المراد بالسياق آدم وحواء وإنما المراد به من ذريتهما.

5- أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء.

6- ولأن الخبر فـي ذلك موقوف فليس فيه خبر صحيح وهذا من الأخبار التي لا تتلقى إلا بالوحي.

التاسعة: والراجح ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما ومن معه، وذلك لأمور:

الأول: أن الآية من أولها إلى آخرها خبر عن آدم وحواء من حين خلقهما الله تعالى إلى أن جعلا لـه شركاء فيما آتاهما من الولد ولذا ذكرا بضمير التثنية، فدعوى أن المراد الذرية لا يسيغها لفظ الآيات الكريمة وسياقها.

الثاني: دعوى أن المراد بهما الذرية بدليل قولـه تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ حيث جاء بما يفيد الجمع لا يقتضي صرف الآية عن مدلولها لفظاً ومعنى ؛ لأن أقل الجمع اثنان ولا مانع أن يكون سبب نزولها آدم وحواء عليهما السلام وحكمها عام يشمل المشركين من ذريتهما كغيرها من الأسباب.

الثالث: أما دعوى أن أثر ابن عباس مأخوذ من أهل الكتاب فذلك بعيد ؛ لأنه تلقّاه عنه جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف المفسرين المتأخرين جماعة لا يحصون لكثرتهم.

الرابع: وعلى فرض تلقيه عن أهل الكتاب فهو مما دلّ على صحته ظاهر سياق الآيات الكريمات فيكون من القسم الذي شهـد شرعنا بصحته.

الخامس: صحة حديث سمرة، وإذا صحَّ الحديث فلا قول لأحدٍ مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كلَّفه الله ببيان ما نُزل إليه من ربه، فإن الحديث صحيح مرفوعاً وموقوفاً.

وأما تعليل ابن كثير لحديث سمرة فجوابه:

أ- أما قول ابن أبي حاتم الرازي: إن عمر بن إبراهيم هو البصري وهو لا يحتج به.

فجوابه: أنه قد وثقه ابن معين، وروى أبوبكر بن مردويه متابعاً من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة بن جندب مرفوعاً.

ب- وأما أنه قد روي من قول سمرة.

فجوابه: أن ذلك لا يقتضي عدم رفع سمرة للحديث؛ لأن رفعه لـه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما الصحابي، ولأنه يجوز أن يسمع الرجل حديثاً فيفتي به ـ أي كأنه من قولـه ـ فـي وقت ويرفعه فـي وقت آخر وهذا جاء فـي أحاديث كثيرة عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم.

ج- وأما قول الحسن: «هم اليهود والنصارى».

 فجوابه: أن هذا لا يُعدّ من الحسن عدولاً عما رواه سمرة، ولا ينفي أن يكون سبب نزول الآية آدم وحواء عليهما السلام وحكمهما عام فـي ذريتهما.

ومما يزيد صحة رفع الحديث رواية الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ لـه فـي مسنده، والأصل أنه لا يروى فيه إلا الأحاديث المرفوعة دون أقوال الصحابة. قاله الحافظ ابن حجر.

قلت: فدلّ على صحة القصة وأن المراد بالَّذَيْنِ جعلا لله شركاء فيما آتاهما آدم وحواء عليهما السلام أمور:

1- أثر ابن عباس وهو صحيح وهو من هو فـي تفسير القرآن، فهو حَبْر الأمة وترجمان القرآن.

2- حديث سمرة وهو صحيح.

3- وسياق الآيات.

العاشرة: قال شيخنا العلاَّمة ابن باز ـ رحمه الله ـ فـي ترجيح ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما ومن معه:

1- ولكن ظاهر السياق يأبى هذا – يعني أن المراد من جنس بني إسرائيل – بل هو كما قال ابن عباس وغـيره من السلف، وأن المعصية قد وقعت منهما، والمعصية قد تقع من الأنبياء إذا كانت صغيرة كما قال العلماء.

2- ويحتمل أنهما لما فعلا ذلك كانا يعتقدان ذلك جائزاً، فلهذا فعلاه ولم يعلما أنه منكر، وإنما كرهاه أولاً ثم خضعا لوسوسته وما أراد.

3- وبَيَّن الله فيما أنزلـه على محمد أنه لا يجوز وهذا الحكم يناط بشريعة محمد فهي الشريعة العامة ـ وقلت: والخاتمة ـ أما شرع من ما كان قبلنا ففيه إباحة لبعض المسائل ومنع لبعضها».

الحادية عشرة: أفاد سبب نزول الآية وتغيير النبي - صلى الله عليه وسلم - أسماء من عُبِّدوا لغير الله تعالى إلى أسماء عبدهم فيها لخالقهم وإلههم أن الحق مشروعية تغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية ؛ لما فـي ذلك من تحرير المسميات من العبودية لغير الله تعالى وإشعارها بحق الله تعالى عليها من العبودية والطاعة، ولما فـي التغيير من أسماء الجاهلية إلى الأسماء الإسلامية من الانفصام الشعوري عن الجاهلية والوثنية.

الثانية عشرة: ذكر بعض السلف الفرق بين شرك الطاعة وشرك العبادة، فشرك الطاعة يكون بغير محبة للمطاع وذلٍّ لـه، ولكن اتباعاً لأمره، أما شرك العبادة المقرونة بالحب والذل والتعظيم ويقارفها خوف السر فإن كانت لله فهي توحيد، وإن كانت لغيره فهي شرك.

الثالثة عشرة: الجمع بين صفتي الألوهية والربوبية في قولـه: ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا﴾ لأن الدعاء من حق الألوهية وهبة الولد من إحسان الربوبية، والظاهر أنهما قالا: اللهم ربنا، فإن هذا من دعوات الصالحين في القرآن.

 الرابعة عشرة: في قول قتادة «شركاء في طاعته» أن طاعة الأولاد في معصية الله فإن ذلك من الإشراك به.

* * *

 51- باب قول الله تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: 180] الآية.

ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يشركون.

وعنه: سَمَّوا اللاَّت من الإله، والعُزَّى من العزيز.

وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها.

الفوائد على الباب:

الأولى: مقصود الترجمة الرد على الذين يتوسلون بذوات الأموات وأنواع التوسلات الباطلة، وأن المشروع التوسل بالأسماء والصفات والأعمال الصالحات.

الثانية: أخبر تعالى أن له الأسماء، وأنها حسنى قد بلغت الغاية في الحسن، فلا أحسن منها ولا أكمل، فله سبحانه من كل صفة كمال أكملها، ومن كل اسم حسن أحسنه وأتمه معنى، وأبعده عن النقص وأنزهه من كل شائنة.

الثالثة: دعاء الله بأسمائه وصفاته دعاء ثناء ودعاء مسألة بحيث يثني عليه بها ويسأله الحاجات بها فيسأل في كل مطلوب بالاسم الذي يكون مقتضياً لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلاً إلى مطلوبه بذلك الاسم، وهكذا فـي الصفات تُراعى مناسبة الصفة للمطلوب، فنقول مثلاً:

1- يا غفور اغفر لي، يا واسع المغفرة اغفر لي.

2- اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني.

3- يا غياث المستغيثين أغثني.

4- اللهم يا معلم إبراهيم علّمني.

الرابعة: لم يثبت في إحصاء أسماء الله تعالى حديث، بل إن الأحاديث في إحصائها مضطربة.

الخامسة: دلّ قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «أسألك بكل اسم هو لك..إلخ» أن جعل أسماء الله ثلاثة أقسام:

1- قسمٌ سمى الله تعالى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.

2- وقسم أنزله في كتابه وتعرف به إلى عباده.

 3- وقسمٌ استأثر به في علم الغيب عنده فلم يطلع عليه أحداً من خلقه.

السادسة: الإلحاد في أسماء الله هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت وهو أنواع، منها:

1- تسمية الأصنام بها كاللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.

2- تسمية الله بما لا يليق بجلاله كتسميته بالعقل الفعال أو القوة الخفية.

3- وصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله كقول اليهود: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾  [المائدة: 64]، وقولهم: -﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ ﴾ [آل عمران 181].

4- تمثيل الله تعالى بخلقه كزعم اليهود والنصارى ومشركي العرب أن الله تعالى اتخذ صاحبة وولداً.

السابعة: ما يجري صفةً أو خبراً عن الرب تعالى أقسام:

1- ما يرجع إلى نفس الذات مثل موجود.

2- ما يرجع إلى صفاته ونعوته كالعليم والقدير.

3- ما يرجع إلى أفعاله كالخالق والرازق.

4- ما يتضمن التنزيه المحض ولابد من تضمنه ثبوتاً كالقدوس والسلام.

5- الاسم الدال على أكثر من صفة لا تختص بصفة معينة نحو: المجيد، العظيم، الصمد، الحي، فإن هذه الأسماء دالة على جملة أوصاف.

6- صفة تحصل من اقتران الاسمين والوصفين وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو الغني الحميد، الحميد المجيد، فإن الغنى صفة والحمد صفة من صفات الكمال، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما.

الثامنة: دلالة الأسماء الحسنى من جهة التضمن أنواع:

الأول: الاسم العلم المتضمن لجميع معاني الأسماء الحسنى كالله والرب والرحمن والحي والقيوم والصمد.

ولهذا تأتي الأسماء كلها صفات لهذا الاسم (الله) أي تابعه.

الثاني: ما يتضمن صفة ذات الله عز وجل كالسميع والبصير والعليم والقدير.

الثالث: ما يتضمن صفة فعل كالخالق الباري المصور.

الرابع: ما يتضمن تنزهه سبحانه عن النقائص والعيوب، كالقدوس، السلام.

التاسعة: معنى إحصاء الأسماء الحسنى فسر بأمور:

1- حفظها وعقل معانيها والثناء على الله بها وسؤاله بها.

2- ما كان منها يسوغ الاقتداء به والتحلي بمعناه في مقامه كالرحيم والعليم والكريم والحليم، فيمرن العبد نفسه بالمجاهدة على أن يتصف من ذلك الوصف بما يليق به، فإن الله تعالى يرحم من عباده الرحماء، ويجاوره فـي جنته الكرماء، ويحب أهل الجود والإحسان.

3- وما كان يختص به سبحان كصفات الجلال كالجبار والعظيم والمتكبر، فعلى العبد الإقرار بها والخضوع لها، وعدم منازعة الله تعالى في شيء منها، بل يتوسل إلى الله تعالى بما يليق بحاله منها.

4- وما كان فيه معنى الوعد كالغفور والشكور والجواد فليقف منه عند الطمع.

5- وما كان فيه معنى الوعيد كالعزيز، ذي انتقام شديد العقاب سريع الحساب فليقف منه عند الخشية والرهبة والخوف.

6- ومنها شهود العبد إياها وإعطاؤها حقها معرفةً وعبوديةً وتسليماً وتعظيماً واستسلاماً، كشهود علوِّه سبحانه وفوقيته على خلقه واستوائه على العرش بائناً من خلقه مع إحاطته بهم علماً وقدرة وغير ذلك.

ويشهد نزول أوامر التدبير في أقطار العالم من الإحياء والإماتة والإعزاز والإذلال والخفض والرفع والإعطاء والمنع وإعطاء الملك من يشاء ونزعه ممن يشاء، ومداولة الأيام بين الناس إلى غير ذلك من أنواع التصرفات التي لا معقب لها ولا راد، ومشيئته نافذة فـي الملك وجميع العباد، بل هي نافذة فيها كما يشاء لا يتصرف فيها سواه: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: 5]، فمن وفَّى هذا المشهد حقَّه معرفة وعبودية وشهد علمه المحيط وسعة سمعه وبصره وكمال حياته وقيوميته وغيرها استغنى بالله تعالى عن خلقه ولم يلتفت إليهم فـي حاجته، ولا يُرزق هذا المشهد إلى السابقون المقربون، ومنْ هُم على منهاجهم سائرون، نسأل الله أن يجعلنا منهم، آمين.

* * *

 52- باب لا يقال: السلام على الله

في الصحيح عن ابن مسعود ر قال: كنا من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة. قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقولوا السلامُ على الله، فإن الله هو السلام».

الفوائد على الباب:

الأولى: السلام دعاء للمسلم عليه، والله تعالى هو المدعو وهو غني عن دعاء الخلق، فنهى عن السلام عليه تنزيهاً لله وتحقيقاً لجناب التوحيد.

الثانية: الله تعالى سالم من كل نقص وعيب، ومنزَّهٌ عن كل مثال، بل هو الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل عيب جلّ وعلا.

الثالثة: الحكمة من النهي عن قول السلام على الله أن ذلك يوهم حاجة الله تعالى إلى دعاء عباده لـه بالسلامة من النقائص والعيوب، وهذا لا يليق بالله تعالى لأنه قدحٌ في غناه سبحانه وكماله بالاحتياج إلى خلقه.. كيف وهو المدعو المقصود بجميع الحوائج؟ والله سبحانه هو السلام الغني الحميد، فقول السلام على الله فيه سوء أدب معه.

الرابعة: ولما كان المقصود من السلام التحية أرشد الله عباده إلى لفظ يدل على التحية اللائق به ولا يوهم تنقصاً لـه، ويفرق بين تحية الخالق والمخلوق، فتحية الخالق التعظيم، وتحية المخلوقين الدعاء وهو قول التحيات لله.

الخامسة: التعظيم بالتحية لا ينبغي إلا لله وحده، فاستبدال بعض الناس السلام في مخاطباتهم بالتحية لا يجوز فينبغي النهي عنه ؛ لأن السلام تحية لا تصلح لله وفيه تعليمهم التحية التي تصلح لله.

السادسة: أن معنى قولنا «السلام عليكم» أي: نزلت بركته عليكم، ففي السلام معنيين:

الأول: ذكر الله عز وجل باسمه السلام.

والثاني: الدعاء وهو طلب السلامة من الله تعالى للمسلَّم عليه، وهو مقصود المسلِّم.

السابعة: اسم الله السلام له معنيان:

الأول: المسلم لعباده أي الذي يعطي السلام فلا يقال السلام على الله ؛ لأن هذا دعاء والله غني عن كل أحد وليس بحاجة إلى الدعاء له، وإنما المشروع تعظيمه وتقديسه والإيمان به بأنه موصوف بصفات الكمال ونعوت العظمة والجلال.

الثاني: السالم من كل نقص وعيب، فله سبحانه الكمال المطلق من كل وجه، وبكل اعتبار في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

ويقال للمخلوق: «السلام عليه»؛ لأنه محتاج إلى العافية والدعاء.

* * *

 53- باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت

في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقولنّ أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مُكْرِهَ له». ولمسلم: «وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيءٌ أعطاه».

ـــ

الفوائد على الباب:

الأولى: من كمال الإيمان والتوحيد عزم المسألة وعدم التردد، وأن الموحد إذا دعا ربه فليعزم، ولا يتردد فإن الله تعالى هو الغني الحميد، فلا ينبغي للداعي أن يستثني في دعائه ؛ لأن ذلك يوهِم أحد أمرين:

الأول: استغناء المخلوق وعدم حاجته إلى ربه، فكأنه غير مضطر ولا محتاج، وهذ ينافي الذل والعبودية والفقر إلى الله تعالى.

الثاني: عجز الله تعالى وفقره، وهو سبحانه الرب الغني القادر ولا مكره لـه سبحانه، وليس بعاجز ولا فقير بل هو غني حميد جواد ماجد، لا يَمَلّ من الإعطاء، ولا ينفد ما عنده.

الثانية: ينبغي أن يكون المؤمن شديد الرغبة فيما عند الله، شديد التعلق بالله، شديد اللجوء إليه والانطراح والانكسار بين يديه، وأن يسأل سؤال راغبٍ مضطرٍ، ولا يقول إذا دعا لنفسه أو لإخوانه إن شاء الله لا تعليقاً ولا تبريكاً فلا يستثني أبداً.

الثالثة: لما كان العبد لا غناء له عن ربه ومغفـــرته طــرفة عين كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15] نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول اللهم اغفر لي إن شئت لما فيه من إيهام الاستغناء عن مغفرة الله ورحمته أو سوء الظن به تعالى وذلك مضاد للتوحيد.

الرابعة: قولـه: «اللهم اغفر لي إن شئت» يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام بالمطلوب وهذا القول فيه:

أ- أنه إن حصل المطلوب وإلا استغنى عنه، ومن كانت هذه حاله لم يتحقق ذل العبودية والاضطرار إلى الله تعالى الذي هو خالص العبادة، وكان دليلاً على قلة معرفته بفقره إلى ربه وبرحمة الله.

ب- وأيضاً فإنه لا يكون موقناً بالإجابة وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة».

الخامسة: لفظ البخاري في كتاب الدعوات عن أبي هريرة ر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإن الله لا مكره لـه»، ولفظ مسلم عنه ر قال: «لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء فإن الله صانع ما شاء لا مكره لـه».

السادسة: الله تعالى لا يضطره إلى فعل شيء دعاء ولا غيره، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد؛ ولذلك قيد تعالى الإجابة بمشيئته قـــال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: 41]، وإنما الدعاء والحاجة إلى الله تعالى عبودية ينتفع بها الداعي ويجني حُسن عقباها ويحمد أثرها وكريم ثوابها.

السابعة: من حسن الأدب مع الله أن لا يعلّق مسألته لربه بشيء ؛ لسعة فضله وإحسانه وجوده وكرمه.

الثامنة: فيه النهي عن الاستثناء في الدعاء وبيان العلة.

 54- باب لا يقول: عبدي وأمتي

في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقلْ أحدُكم: أطعمْ ربَّكَ، وَضِّئ ربَّك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدُكم: عبدي وأمَتي، وليقلْ: فتايَ وفتاتي وغلامي».

ــ

الفوائد على الباب:

الأولى: نهى عن هذا القول لما فيه من إيهام المشاركة لله تعالى في الربوبية، فاجتنابه فيه أدب مع الله تعالى وحماية لجناب التوحيد.

الثانية: نهى أن يقول المولى لسيده ربي، وإن كان يجوز لغة لكن نهى عنها شرعاً تحقيقاً للتوحيد وسداً لذرائع الشرك لما فيها من تشريك المخلوق مع الخالق وهو جلّ وعلا رب العباد جميعهم فإذا أطلقته على المخلوق وعلى الخالق وقع الشبه في اللفظ فينبغي أن يجتنب هذا اللفظ في حق المخلوق.

الثالثة: نهى السيد أن يقول عبدي وأمتي لما في إطلاق هاتين الكلمتين من التشريك في اللفظ فإنه قد يحدث فـي نفسه شيء من التعاظم الذي يُوجب مقت الله له وهوانه عليه، فنهى عن ذلك تعظيماً لله تعالى وحماية للتوحيد.

الرابعة: سبب المنع أن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله وترك الإشراك به فأمر بترك المضاهاة بالاسم لئلا يدخل في معنى الشرك ولا فرق في ذلك بين الحر والعبد، وأما من لا تعبد عليه كسائر الحيوانات والجمادات فلا يكره أن يطلق ذلك عليه عند الإضافة كقول رب الدار، رب الثوب، ورب البعير أو الإبل.

الخامسة: ظاهر النهي يقتضي التحريم.

* * *

 55- باب لا يُرُّد من سَأل بالله

عن ابن عمـر قال: قال رسـول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من سأل بالله فأعطوه ومن استعاذ بالله فأعيـذوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا لـه حتى تُرَوا أنكم قد كافأتموه». رواه أبوداود والنسائي بسند صحيح.

ــــــــــــــــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: إذا قال السائل: بالله، أي بإيمانك بالله وهو سبب للإعطاء، فمن لم يعطِ مع الإمكان فذلك دليل نقص إيمانه وتوحيده؛ لأن إعطاءه سؤاله الممكن من إعظام الله تعالى وإجلاله إذا كان مطلوبه غير منهي عنه شرعاً وهو مقدور عليه فإذا لم يعطه مع ذلك فهو محرم أو مكروه.

الثانية: ظاهر الحديث النهي عن رد من سأل بالله لكن في ذلك تفصيل:

فإذا سأل ما له فيه حق، أو سأل المحتاج من عنده فضل فيجب إعطاءه بحسب الحال.

أما إذا سأل أمراً محرماً، كأن يُعفى من حدٍّ، أو ما ليس له فلا يعطى سؤاله، ولا كرامة.

الثالثة: وهكذا تجب إعاذة من استعاذ بالله إذا لم يكن ممنوعاً شرعاً وكان مقدوراً عليه.

الرابعة: ثمرة مكافأة من صنع معروفاً ليتخلص القلب من الرق إلى للمحسن بسبب إحسانه ويتعلق القلب بالله تعالى.

الخامسة: الدعاء مكافأة من لم يقدر على المكافأة لمن أحسن إليه، وقد روى الترمذي وصححه النسائي وابن حبان عن أسامة بن زيد مرفوعاً: «من صنع إليه معروفاً فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء».

* * *

 56- باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة

عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة»  رواه أبوداود .

ــــــــــــــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: لما كان وجه الله تعالى عظيماً فلا يُسأل به إلا أعلى المطالب وهي الجنة التي فيها النعيم المقيم والنظر إلى وجه الله الكريم، لذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُسأل بوجه الله إلا الجنّة»، وذلك تعظيماً لوجه الله تعالى.

الثانية: حديث الباب فيه لين وضعف لكنه ينجبر بما جاء من الروايات الأخرى في المعنى.

الثالثة: في الحديث تنبيه للسائل أن يحترم أسماء الله وصفاته وأن لا يسأل بوجه إلا الجنة، فلا يسأل به المطالب الدنيوية فإنها أهون من أن تُسأل بوجهه سبحانه وتعالى.

الرابعة: دلّت النصوص الأخرى بأنه يُسال بوجه الله ما يقرب إلى الجنة ويُستعاذ به من النار ومن الشيطان كما في الدعاء المأثور عند دخول المسجد وفيه: «أعوذ بالله العظيم ووجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان» حيث استعاذ بوجه الله من الشيطان، وهكذا ما جاء في معناه.

الخامسة: فـي الحديث إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق بجلال الله وعظمته، وقد دلّت على ذلك نصوص كثيرة من القرآن وصحيح السنة وهو مذهب أهل السنة.

السادسة: حديث الباب فـي سؤال الله تعالى بوجهه الجنة، وأما سؤال المخلوق بوجه الله فحرام جاء بشأنه وعيد شديد كما روى الطبراني مرفوعاً عن أبي موسى: «ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سُئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجراً»، وفي الترمذي عن ابن عباس وابن حبان فـي صحيحه عن أبي هريرة ر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بشرِّ البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الذي يُسأل بوجه الله ولا يعطي».

* * *

 57- باب ما جاء في اللو( )

وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: 154]. وقولـه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 168] الآية.

في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «احرِص علـى ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزنَّ، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر اللهُ وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان».

ــــــــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: «لو» تستعمل على وجهين:

أحدهما: على وجه الحزن على ما فات والجزع على ما وقع من المقدور، فهذا الذي نهى عنه كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا...﴾ الآية [آل عمران 156]. وهو الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولـه: «لا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا» الحديث، وفيه: «فإن لو تفتح عمل الشيطان» أي تفتح عليك الحزن والجزع وذلك يضر ولا ينفع بل اعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، كما قال تعالـى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ [التغابن: 11] قالوا: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلّم.

الثاني: أن يقول «لو» لبيان علم نافع كقولـه تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 32]، ولبيان محبة الخير وإرادته كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سُقتُ الـهَدي..» وكما في الحديث: «لو أن لي مثل مال فلان لعملت مثل الذي يعمل»، وقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «وددتُ لو أن موسى صبر ليقص الله علينا من خبرهما» فهو من هذا الباب، فإن نبينا - صلى الله عليه وسلم - أحب أن يقص خبرها فذكرها لبيان محبته للصبر المترتب عليه معرفة ما يكون لما في ذلك من المنفعة ولم يكن في ذلك جزع ولا حزن ولا ترك لما يحب من الصبر على المقدور، ومحبة الخير وإرادته محمود والجزع والحزن وترك الصبر مذموم.

الثانية: المؤمن الموحّد يعلم أن كل شيء بقضاء وقدر، وأن فعل الأسباب لا يمنع ما قدره الله تعالى وقضاه، ولهذا يعظم ربه في تصرفه في ملكوته فلا يتمنى ما فاته على وجه الاعتراض على القدر والحزن على الفائت ؛ بل يسلِّم لله تعالى في قضائه وقدره ويصبر لله على مصيبته ويتوب إلى الله تعالى من خطيئته فيتحلى بأمور منها:

1- الصبر على المصائب لله تعالى به.

2- الشكر على النعماء فإنها من فضل الله تعالى ومَنِّه.

3- التوبة إلى الله تعالى من التقصير في حقه.

الثالثة: إساءة الظن بالله تعالى من الشيطان ومن ضعف التوحيد ونقص الإيمان بالقدر والتشبه بالمنافقين وأهل الجاهلية.

 58 – باب النهي عن سب الريح

عن أُبيّ بن كعب ر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَسُبُّوا الريحَ، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أُمِرَت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أُمِرت به». صححه الترمذي.

ــــــــــــــــــــ     

الفوائد على الباب:

الأولى: الريح هي الهواء الذي يصرفه الله عز وجل بأمره وبمقتضى علمه وحكمته تارة تكون شديدة وأخرى تكون هادئة، ومرةً باردة، وأخرى حارة، وأحياناً تكون مرتفعة، وأحياناً تكون نازلة فكل ذلك بقضاء وقدر على ما يريده سبحانه، وكل ذلك من آياته العظيمة الدالة على قوته وقدرته وحكمته ورحمته.

الثانية: الريح مخلوقة لله تعالى مدبرة بتدبيره ومن سبّ خلقاً فقد سب خلقه ولولا أن المتكلم بسب الريح لا يخطر لـه هذا لمعنى في قلبه غالباً لكان الأمر أفظع من ذلك فإن مسبّة الله تعالى كفر وإلحاد ومنازعة له في سلطانه ولكن ذلك لا يخطر على قلب السابّ.

الثالثة: لما كان سبّ الريح وغيرها من المخلوقات نقصاً في الإيمان وقدحاً في التوحيد نبه المؤلف على ذلك ليعلم المؤمن أنَّ سبَّ الريح مما يضعف الإيمان وينقص التوحيد فلا يسبّ الريح إلا جاهل أو أحمق أو ملحد، وإنما أفرده الشيخ رحمه الله بباب مستقل لكثرة وقوعه من الناس والحاجة الداعية إلى التنبيه بشأنه.

الرابعة: سب الريح لعنها وشتمها فهو العيب والذم والقدح واللعن، ولهذا جاء في حديث رواه أحمد وأبوداود عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً: «الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبُّوها ولكن سلوا الله خيرها، وتعوذوا بالله من شرها».

الخامسة: إن سبها مع اعتقاد أنها مخلوقة مدبرة حرام، لأنه فـي الحقيقة والمعنى يؤول إلى سبِّ خالقها.

أما إن سبّها على أنها فاعلة مؤثرة فهو شرك في الربوبية من خير الريح إزالة الروائح ودفع السفن وخير ما فيها أي ما تحمله من اللقاح، ومن خير ما أمرت به من إثارة السحابة. وشر ما فيها من الحر والبرد والحشرات والأمراض والأتربة، وشر ما أمرت به مثل إهلاك الناس.

السادسة: سب الريح مع تحريمه فإنه حمق وضعف في العقل والرأي، فإن الريح مصرفة مدبرة بتدبير الله تعالى وتسخيره، فالسابّ لها يقع سبُّه على من صرفها.

السابعة: جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما جاء ما أرسلت به».

وجاء في هذا - أيضاً ــ: «اللهم لا تجعلها ريحاً واجعلها رياحاً، واجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً». فكمال الإيمان الأدب مع الله تعالى والطاعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بترك سبّ الريح وغيرها من المخلوقات.

الثامنة: في النهي عن سبِّ الريح تأديب من الله تعالى لعباده من وجهين:

الأول: لما كانت الريح خلقاً لله تعالى مسخراً مقهوراً مدبراً تهبُّ بأمر الله تعالى لها ومشيئته وقدرته ؛ كان سبّها راجعاً إلى من سخّرها وخلقها، وهذا اعتراض على الله تعالى فـي تدبيره وحكمته، وهو نقص في الإيمان وقدح في التوحيد.

الثاني: أن الذي يلعنها ويسبها إنما يلعن نفسه ويسبها، لما روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنها أن رجلاً لعن الريح عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لا تلعنوا الريح فإنـها مأمورة، وإن من لعن شيئاً ليس لـه بأهل رجعت اللعنة إليه».

التاسعة: شرع الله تعالى لعباده أن يسألوه ما ينفعهم، وأن يستعيذوا به من شر ما يضرهم وفي ذلك العبودية لله وحده، والطاعة لـه والإيمان به واستدفاع الشرور به والتعرض لفضله ورحمته، وهذه حال الموحدين.

العاشرة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى ناشئاً في السماء أقبل وأدبر، ودخل وخرج، وروى ذلك في وجهه حتى إذ أمطرت سرى عنه وسُرّ، فتقول له عائشة: لم ذاك يا رسول الله. قال: «ألم تسمعي قول أولئك يعني ما قاله الله عنهم ولهم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾  [الأحقاف: 24-25].

الحادية عشرة: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سبِّ الريح عند هبوبها، لما فيه من الضرر العظيم والخطر البالغ، وأرشد الأمة إلى الرجوع إلى خالقها ومسخّرها ومدبّرها وأن يسألوه من خيرها وخير ما أُمرت به، ويستعيذوا به من شرها وشر ما فيها وشر ما أُمِرت به، فما استجلبت نعمة الله تعالى بمثل شكره وطاعته، وما استدفعت نعمه بمثل الالتجاء إليه والتعوذ والاضطرار إليه.

الثانية عشرة: في الدعاء عند هيجان الريح وحدوث ما يكره من شدة حَرّ أو برد أو ضرر من قوتها رجوع إلى الله تعالى بالتوحيد وضراعة إليه بالعبودية والطاعة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - واستدفاع الشر بأعظم الأسباب، والاستعاذة بالله تعالى من أسبابه، والسؤال من فضله والتعرض لنعمته وهذه حال أهل التوحيد والإيمان ومخالفة أهل الفسوق والعصيان، والإرشاد إلى الكلام النافع والحذر مما يضر.

الثالثة عشرة: ينبغي أن يجمع المرء بين الدعاء أي سؤال الله تعالى خير الريح ونحوها، والاستعاذة به سبحانه من شرها، وما فيها وما أُمرَت به مع فعل الأسباب الممكنة لتحصيل الخير واتقاء الشر والتوكل على الله عز وجل في ذلك.

الرابعة عشرة: الخوف من الله جلّ وعلا إذا ظهرت التغيرات في السماء واجب خوفاً من العذاب، فإنه سبحانه كما يتعرف إلى عباده بالرخاء يتعرف إليهم بالشدة فيريهم مظاهر قدرته حتى يعلموا ربوبيته وقهره وجبروته، ويعلموا حلمه وتودده ورحمته.

والخوف يكون بالفزع إلى الله تعالى بصادق التوبة وخالص الضراعة وكما الإنابة ونحو ذلك.

الخامسة عشرة: قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «وما أُمِرَت به» الأمر حقيقي، فإن الله تعالى يأمرها أن تهب على صفة معينة، ويأمرها فتتوقف، كل ذلك بمشيئته، وكل المخلوقات يجعل الله تعالى فيها إدراكاً لأمره سبحانه كما قال تعالى عن السماء والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]، وقال تعالى للقلم: «اكتب. قال: ربي وما أكتب. قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى بذلك».

* * *

 59- باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ﴾ الآية [آل عمران: 154].

وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الآية [الفتح: 6].

قال ابنُ القيِّم في الآية الأولى: «فُسِّر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسولَه، وأن أمرَه سيضمحل، وفُسِّر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، ففُسِّر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر ؛ وإنكار أن يتمَّ أمرُ رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأن يظهره على الدين كلِّه. وهذا هو ظنُّ السوء الذي ظنّه المنافقون والمشركون في سورة الفتح.

وإنما كان هذا ظنّ السوء لأنه ظنُّ غير ما يليقُ به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق.

فمن ظنَّ أنه يُديلُ الباطلَ على الحق إدالةً مستقرة يضمحلُّ معها الحقُّ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدَرُه بحكمةٍ بالغةٍ يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجرّدة، فذلك ظنُّ الذين كفروا، فويلٌ للذين كفروا من النار.

وأكثر الناس يظنون بالله ظنَّ السَّوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يَسلَم من ذلك إلا من عَرَفَ اللهَ وأسماءَه وصفاته وموجبَ حكمتــِه وحمدِه، فليعتنِ اللبيبُ الناصحُ لنفسه بهذا، وليتبْ إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظنَّ السَّوء، ولو فتَّشتَ من فتشت لرأيتَ عنده تعنُّتَاً على القدر وملامةً له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقِلٌ ومستكثر، وفتِّش نفسَكَ؛ هل أنت سالم؟

 فإنْ تَنْجُ منها تنجُ من ذي عظيمةٍ وإلاَّ فإني لا إِخالُك ناجيا

ــ

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد المؤلف – رحمه الله – بهذه الترجمة التنبيه على وجوب حسن الظن بالله تعالى، وأنه من واجبات التوحيد.

الثانية: لا يتم توحيد العبد وإيمانه حتى يعتقد جميع ما أخبر الله به من أسمائه وصفاته وكماله وآثارهما فـي الأنفس والآفاق وتصديقه فيما أخبر به أنه يفعله وكل ما وعد به، ومن ذلك نصرة الدين وإحقاق الحق وإبطال الباطل.

الثالثة: كل ظن ينافي ذلك ؛ كأن يظن أنه تعالى لن يظهر دينه ولن ينصر رسوله وعباده، أو أنه يديل الكفر وأهله على الإيمان وأهله إدالة دائمة، أو أنه لن يتحقق ما وعد به وما أخبر عنه أنه واقع في الدنيا والآخرة فكله من ظنون الجاهلية لما فيه من سوء الظن بالله وتكذيب خيره والشك في وعده.

الرابعة: يجب حسن الظن بالله تعالى في جميع ما يفعله في هذا الكون باعتقاد أنه لحكمة بالغة قد تدركها العقول، وقد لا تدركها فإنه تعالى هو العليم الحكيم القدير الذي يضع الأمور مواضعها اللائقة بها، فكل أفعاله تعالى عين الحكمة والصواب والحق الذي لا يصلح غيره مكانه.

ولكن قد يفعل سبحانه شيئاً يريد أن يسوء به من شاء من خلقه عدلاً فيه لحدوث ما يقتضيه من المخلوق كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: 17].

الخامسة: ظن العبد بربه فيما يفعله ينقسم إلى قسمين:

أولاً: من عبد الله تعالى مخلصاً لـه بمقتضى شريعته فيجب عليه أن يحسن الظن بالله تعالى بأنه يقبل العمل ويتوب على من تاب من التقصير والزلل.

ثانياً: أما المفرط الهازل فعليه أن يحذر ربه وأن يتوب إليه من ذنبه، فإن ظن أن الله لا يكره عمله أو لا يغضبه فإن ذلك من ظن السوء بالله، وهو من الأمن من مكر الله.

السادسة: ظن السوء بالله تعالى بأن فعله تعالى سفهاً أو ظلماً، أو لإرادات مجردة عن حكمة لائقة به كل ذلك من ظنون السوء بالله تعالى وهم من أعظم المحرمات وأقبح الذنوب.

السابعة: يقدر الله على عبده بعض الأمور المكروهة لحكم عظيمة، منها: تكفير السيئات ورفع الدرجات وكثرة الحسنات بالصبر والاحتساب، ومن أعظمها أن يختبرهم ليتبيّن ما في صدورهم من الإيمان بقضاء الله وقدره، واستسلامهم لذلك ويظهر صبرهم أو جزعهم واعتراضهم على قضائه وقدره وعدم تسليمهم لحكمته.

الثامنة: في قولـه تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 6] إثبات صفة الغضب لله تعالى وهي من الصفات الفعلية اللائقة بجلاله، وليس غضبه تعالى كغضب الإنسان، فإنه لا يلزم من التوافق في المعنى واللفظ التوافق في المثلية والكيفية لقولـه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ [الشورى: 11] فلا يعطل الله تعالى من صفاته، ولا تكيف صفاته بصفات مخلوقاته ؛ لقولـه تعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: 27] أي الكمال المطلق من كل وجه وبكل اعتبار.

التاسعة: فسر قولـه تعالى:  ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:154] بعدة تفسيرات، كلها تدخل في عموم اللفظ، ولا منافاة بينها، منها:

1- أن الله تعالى لا ينصر رسوله وعباده وأن أمره سيضمحل.

2- أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله تعالى وحكمته، ومعنى هذا أن يكون في ملكه ما لا يريد.

3- وفسِّر بإنكار الحكمة وأن ما حدث لم يكن لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد.

العاشرة: لا يتم توحيد العبد ولا يكمل إيمانه حتى يعتقد أن الله تعالى لا يفعل شيئاً ولا يقدِّر على عبده شيئاً ولا يشرع في دينه شيئاً إلا لحكمة بالغة يستحق عليها سبحانه الحمد والشكر.

الحادية عشرة: من سوء الظن بالله تعالى والذي يقع من بعض الناس وهو من ظن الجاهلية:

1- أن يظن أن الله تعالى لا يجيب دعاء من دعاه.

2- ولا يثيب ولا يتقبل من تعبد لله بمقتضى شريعته.

الثانية عشرة: لا يسلم من ظن السوء بالله تعالى إلا من عرف الله عز وجل وما له من الحكم والأسرار فيما يقدّره ويشرعه، وكذلك من عرف أسماءه وصفاته ومعانيها ومقتضياتها وآثارها في الأنفس والآفاق.

الثالثة عشرة: ضابط ظن السوء، أن يظن بالله تعالى ما لا يليق به.

الرابعة عشرة: مناسبة الباب لكتاب التوحيد أن ظن السوء ينافي كمال التوحيد والإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، وقد ينافي أصله بالكلية.

* * *

 60- باب ما جاء في منكري القدر

وقال ابنُ عمر: والذي نفس ابن عمرَ بيده؛ لو كان لأحدهم مثلَ أُحُدٍ ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قَبلَه اللهُ منه حتى يؤمِن بالقدر. ثم استدلَّ بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمنَ بالقدر خيره وشره». رواه مسلم.

وعن عُبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعمَ الإيمان حتى تعلمَ أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك. سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أولَ ما خلق الله القلمَ، فقال لـه: اكتب. فقال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتُب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». يا بني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ مات على غير هذا فليس مني» وفي رواية لأحمد: «إن أول ما خلق الله تعالى القلمُ فقال له: اكتُب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة»

وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فمن لم يُؤمن بالقدر خيره  وشره أحرقه اللهُ بالنار».

وفي المسند والسنن عن ابن الدَّيلَمي قال: أتيتُ أُبيَّ بن كعب فقلــت: في نفسي شيء من القدر، فحدِّثني بشيءٍ لعلَّ الله يُذهبُه من قلبي. فقال: لو أنفقتَ مثلَ أُحُد ذهباً ما قَبِله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، ولو مُت على غير هذا لكنتَ من أهل النار. قال: فأتيتُ عبدالله بن مسعود وحُذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكلُّهم حدثني بمثل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه.

ــــ

الفوائد على الباب:

الأولى: لما كان الإيمان بالقدر من أركان الإيمان وضع المؤلف له هذا الباب ؛ لأن هذا مما يحصل به التوحيد وينتفي به الكفر، وليرد على منكري القدر ببيان ما جاء في إنكاره من الوعيد الشديد والتحذير الأكيد.

الثانية: القدر لغة: مصدر قدّرتُ الشيء أقدّره قدراً، وهو العلم بالشيء والإحاطة بمقداره.

القدر اصطلاحاً: هو علم الله بالأشياء قبل كونها على صفتها وكيفيتها وزمانها الذي أراد الله تعالى ووجودها فيه بمشيئته وخلقه وكتابة ذلك في اللوح المحفوظ ووقوع كل شيء على ما قدّره الله ،فهو قدرة الله أي ما قدَّره الله في هذا الملكوت، فهو النظام المتقن الذي وضعه الله لهذا الكون علويّه وسفليِّه، والقوانين العامة والسنن الثابتة التي ربط بها سبحانه المسببات بأسبابها فلا تتخلف إلا لحكمة وعن قدرة، فالكل بقدرة الله وعلمه وحكمته، فهو سر الله في الخلق.

الثالثة: القضاء لغة: هو الحكم والفصل وقطع الشيء وإمضاؤه والفراغ منه.

واصطلاحاً: هو إنفاذ ما سبق به علم الله وجرى بما به قلمه بمشيئته وخلقه على الكيفية التي علم، والصفة التي أراد في زمانه ومكانه فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، يضع الأمور مواضعها اللائقة بها، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، فأمره نافذ في ملكه وخلقه على ما أراد، وهذا من تمام ربوبيته وملكه وعزته وقهره وحكمته.

الرابعة: الإيمان بالقدر هو الاعتقاد الجازم والتصديق التام بأنه لا يكون شيء في هذا الملك إلا وقد سبق به علم الله تعالى، وجرى به قلمه وهو كائن بإذنه وإرادته وموجود بخلقه، فلا يخرج شيء عن مشيئته وتقديره ولا محيد لأحد عما قدره الله، ولا يتجاوز ما خط له حتى أفعال العباد فإنها حاصلة بقدرته وواقعة بمشيئته وخلقه خيرها وشرها، يهدي من يشاء فضلاً، ويضل من يشاء عدلاً، لا يُسأل عما يفعل، ولا يخرج أحد عما قدر.

الخامسة: الإيمان بالقدر والقضاء ركنٌ من أركان الإيمان لا يصح الإيمان إلا به، وقد تواترت الأدلة من الكتابة والسنة على إثباته وتقريره قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:49]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: 38]، وقال جلّ ذكره: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2].

ومن السنة حديث جبريل المشهور وسؤاله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدين وفيه قال: أخبرني عن الإيمان. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». رواه مسلم من حديث عبدالله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما.

وروى عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء».

 وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على الإيمان بالقدر، فقد روى مسلم في صحيحه عن طاووس – رحمه الله – قال: أدركتُ ناساً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: كل شيء بقدر.

قال: وسمعت عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز». والكيس: هو النشاط والحذق في الأمور، والعجز ضده.

وقال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ: تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله تعالى.

السادسة: القدر والقضاء إذا اجتمعا في الذكر افترقا في المعنى فأصبح لكل منهما معنى يخصه، فيراد بالقدر العلم السابق والكتابة لذلك العلم، ويراد بالقضاء المشيئة والخلق أي الحكم بما سبق القدر والفراغ منه، وإذا افترقا فذكر أحدهما دون الآخر دلَّ على معناه ومعنى الآخر.

السابعة: للقدر درجات يجب الإيمان بها، ومن أنكر شيئاً منها لم يحقق الإيمان بالقدر، وهي أربع درجات دلت عليها نصوص الشرع وقررها أهل العلم:

الأولـى: علم الله تعالى بكل شيء في الملكوت ؛ ما كان منه وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فأحاط الله سبحانه علماً بالموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات سواءً في ذلك أفعاله وأفعال خلقـه ؛ طاعاتهم ومعاصيهم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 75]، وقال سبحانه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]، وفي الصحيحـين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».

الثانية: كتابة الله تعالى لما علمه في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ومن ذلك ما هو كائن إلى يوم القيامة، فكل ما علمه الله سبحـانه مكتوب على ما هو عليه كما علمه الله تعالى قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ:29]، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: 70]، وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة».

الثالثة: المشيئة: فما شــــاء الله كونه كان، وما لم يشاء لم يكن قـــال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29].

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم أرحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء، فإن الله صانع ما شاء، لا مكره لـه».

الرابعة: الخلق: فإن الله تعالى هو الخلاق العليم فهو خالق كل شيء، أوجد المخلوقات بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة، فخلق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، لا خالق غيره، ولا رب سواه قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: 102]، وقال تعالــى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: 62]، وقال تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96].

وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض».

الثامنة: ذكر العلماء من الفروق بين القدر والقضاء بـ:

1- أن القدر هو التقدير للشيء قبل قضائه.

2- وأما القضاء فهو الفراغ من الشيء وفواته.

وقالوا على وجه التقريب للمعنى: إن القدر بمنزلة تقدير الخياط للثوب، فهـو قبل أن يفصّله يقدره فيزيد وينقّص، فإذا فصّله قضاه وفرغ منه وفاته التقدير.

فالقدر سابق للقضاء، والقضاء هو تنفيذ القدر وإمضاؤه.

التاسعة: الإيمان بالقدر على درجتين:

الأولى: سبق علمه لكل شيء وكتابته لذلك ومنه أعمال العباد وما يصيرون إليه، فأعمال العباد تجري على ما سبق من علمه.

الثانية: خلقه أفعال العباد ومشيئتها منهم وإرادتها إرادة كونية.

وما وجدت من معاصي العباد تعلقت به مشيئته الكونية ولم تتعلق به محبته الشرعية، وما لم يوجد منها لم تتعلق به مشيئته ولا محبته.

العاشرة: لا حجة للعاصي في القدر على فعل المعاصي، وذلك لأمور:

1- أن الله تعالى أمر العباد ونهاهم، ولم يكلفهم ما لا يستطيعــون قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا﴾ [البقرة: 286]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] ولو كان مجبوراً على العمل ما كان مستطيعاً، وكل أحد يعلم أنه مختار غير مجبور، والمكره معفوٌ عنه لفقد الاختيار.

2- أن الله تعالى أضاف أعمال العباد إليهم وجعلها كسباً له: ﴿اليَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: 17] ولو لم يكن له قدرة في الفعل واختيار له ما نسب إليه.

3- والعاصي حين يباشر المعصية لا يدري ما قدر له حتى يحتج به.

4- أن الله تعالى أرسل الرسل ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾، ولو كان القدر حجة للعاصي لم تنقطع بإرسال الرسل.

الحادية عشرة: الله تعالى له الخلق والأمر، وأمره سبحانه نوعان:

1- أمر كوني قدري تعلقت به مشيئته الكونية.

2- أمر ديني شرعي تعلقت به محبته.

فما وجدت من طاعات العباد تعلقت به المحبة والمشيئة فهو محبوب للرب واقع بمشيئته، وما لم يوجد فقد تعلقت به محبته الشرعية.

الحادية عشرة: أفعال العباد تنسب إلى الله خلقاً وإلى العباد كسباً، وذلك لأمرين:

أحدهما: أن فعل العبد من صفاته والعبد وصفاته مخلوقان لله تعالى.

الثاني: أن فعل العبد صادر عن إرادة قلبية وقدرة بدنية ولولاهما لم يكن فعل والذي خلق هذه الإرادة والقدرة هو الله تعالى، وخالق السبب خالقٌ للمسبب، فنسبة فعل العبد إلى خلق الله له نسبة مسبب إلى سبب لا نسبة مباشرة.

ونسبته إلى العبد نسبة مباشرة ؛ لأنه هو المباشر له حقيقة، فلذلك نسب الفعل إليه كسباً وتحصيلاً.

الثانية عشرة: اتفق السلف على أنه لا يقبل من شخص العمل حتى يؤمن بالقدر، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن من مات على غير ذلك كان من أهل النار لكفره أو لبدعته.

الثالثة عشرة: منكرو القدر قالوا إن الأمر أُنف، وزعموا أن القدر ينافي العدل؛ إذ كيف تقدر الأمور ومنها الكفر والمعاصي ثم يعاقب عليها، فأرادوا بذلك تنزيه الله عن الظلم بزعمهم، فنسبوا إلى الله الجهل وهو أعظم مما أرادوا أن ينزهوا الله عنه، وكذبوا الله تعالى فيما أخبر به عن نفسه من العلم والقدرة والخلق والكتابة.

الرابعة عشرة: خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وهيأ له أسباب التكريم، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، ووهبه عقلاً يميّز به بين ما ينفعه وما يضره من المعاني، كما يميّز بين ما ينفعه من المواد، وأمره بعبادته مخلصاً له الدين بالاستقامة على الشرع الذي أنزلـه إليه، وأن يتبع الرسول الذي بعثه إليه، وجعله قادراً على فعل الطاعة ورغبة فيها بذكر حسن عاقبتها وكثرة ثوابها، ونهاه عن المعصية وجعله ممكّناً منها وزجره عنها بذكر عقوبتها وسوء عاقبتها في الآخرة.

فهداه السبيل لما ينفعه ونبهه على ما يضره وجعله مختاراً لما شاء قادراً عليه، وهذا سر تكريمه، فما فعله من خير أو شر فهو كسبه يتعرض لجزائه من الثواب أو العقاب؛ لأنه فعله يُسند إليه شرعاً وعقلاً وحساً:

1- باشره بمحض اختياره.

2- على علم بنتيجته وعاقبته.

3- استعمل القدرة والقوى التي منحه الله إياها.

فيكون أهلاً لجزائه، فإن أطاع فطاعته وثوابه من فضل الله عليه.

وإن عصى فمعصيته وما قدر يصيبه من عقوبة من عدل الله فيه.

فمسؤوليته عن عمله وأهليته لثوابه أو عقابه لاستعماله ما جعل الله له من الاختيار والقدرة، فإن استعملها في الطاعة فله ثواب ذلك، وإن استعملها في المعصية فعليه وزر ذلك، والله خالقه وخالق عمله.

 61- باب ما جاء في المصورين

عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قال الله تعالى: ومَنْ أظلمُ ممن ذهبَ يخلُق كخلقي، فليخلُقُوا ذرَّة، أو ليخلُقُوا حبَّة، أو ليخلقوا شَعِيرةً» أخرجاه.

ولهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أشدُّ الناسِ عذاباً يومَ القيامة الذين يُضاهئون بخلق الله».

ولهما عن ابن عباس: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كل مصور في النار، يُجعل له بكل صورة صورها نفس يُعذَّب بها في».

ولهما عنه مرفوعاً: «من صوَّر صورةً في الدنيا كُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ».

ولمسلم عن أبي الهيَّاج قال: قال لي عليٌّ: «ألاَ أبعثك على ما بعثني عليه رسول ُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ألاَّ تدعَ صورةً إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سوَّيتَه».

الفوائد على الباب:

الأولى: أراد المؤلف أن يبيّن فـي هذا الباب أن التصوير من جملة الكبائر التي تقدح فـي التوحيد وتعرض فاعله لغضب الله والنار وتنقص إيمانهم.

والمصورون هم الذين يضاهئون بخلق الله فـي تصوير الحيوانات سواء باليد أو بأي آلة إذا كان المصوَّر من ذوات الأرواح.

الثانية: التصوير لغة: التخليق والتكوين والتحسين والتشكيل لما فيه الروح قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 6].

الثالثة: من أسماء الله تعالى الخالق البارئ المصور ومن صفاته الخلق والبرء والتصوير، فالمصور اسم الله سبحانه والتصوير صفته، ومعناها التمييز، فالمصور مبدع صور المخترعات على غير مثال سبق ولا رسم ارتسمه ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ـ فالمصور هو الذي خص كل مخلوقٍ بما يميزه عن الآخر وبما تحصل به مصلحته، والصورة فـي الأصل ما يتميز به الشيء عن غيره،

الرابعة: المصورون ينازعون الله تعالى فـي أسمائه وصفاته بعملهم ما يضاهي أي يشابه خلقه، فكانوا بذلك أظلم الناس ؛ لتعدّيهم على سلطان الربوبية وخصائص الإلهية.

الخامسة: المضاهاة المشابهة فالمصور لما صوَّر الصورة على مثل ما خلق الله صار مضاهئاً لخلق الله فكان أشد الناس عذاباً ؛ لذا كان ذنبه من أعظم الذنوب.

السادسة: التصوير مضاهاة بخلق الله تعالى وهو منشأ الوثنية، وما دخل على القرون قبلنا من الوثنية إنما هو من هذا الباب ؛ لأن صورة المألوف تعظيم وإذا ارتسمت فـي الحافظة وبقي ذكرها يمر على البصر الناظر إليها من رسمها لابد أن تستولي على قلبه وتحل فيه حلول التعبد له.

السابعة: من عظيم ظلم المصورين قصد المضاهاة بخلق الله وهذا شرك فـي الربوبية ؛ لأنه اعتقد مماثلته لله تعالى فـي الخلق والتصوير قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22]، ومن السنة الحديثان الأول والثاني في الباب: «قال الله تعالى: ومن أظلـم ممن ذهب يخلق كخلقي» و «أشد النّاس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله».

الثامنة: لا أظلم من المصور المضاهي لله تعالى فيما هو من خصائصه، فإن الله تعالى لـه الخلق والأمر وهو رب كل شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء وهو الذي صور جميع المخلوقات على غير مثال سابق وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: 7]، فالمصور لما صوّر الصورة على الشكل الذي خلق الله من إنسان وبهيمة صار مضاهياً لخلق الله فصار لا أظلم منه وما صوره يُعذّب به يوم القيامة حتى يكمل خلقه بنفخ الروح فيه وليس بقادر فيكون ذلك أطول لعذابه وأشقى له.

التاسعة: خلق الله تعالى الأرواح بها إحساس وحركة، وخلق النباتات فيها قوة النماء والحياة بالماء فتحدى الله تعالى المصورين المضاهين لـه بأن يخلقوا ذرة، أو حبة، للتنبيه على ما هو أعظم منها وأكبر فإنهم إذا لم يستطيعوا خلق الحبة والذرة فلن يستطيعوا خلق ما هو أعظم منها، بل هم أضعف وأعجز وأحقر.

العاشرة: المصور متشبه بالله تعالى فـي فعله ؛ لأن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والتصوير، والمصور بتصويره يجعل نفسه نداً لله تعالى فـي الربوبية، فإن التصوير من أفعال الربوبية قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، وقال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: 64].

الحادية عشرة: التصوير من أعظم وسائل الشرك، فإن أول شرك فـي العالم شرك قوم نوح، وكان سببه التصاوير بجعل تماثيل لصالحيهم: ود وسواع وغيرهم، وهو من أسباب وقوع الشرك فـي بني إسرائيل بتصوير صور أنبيائهم وصالحيهم فـي مواضع عبادتهم ومساجدهم.

الثانية عشرة: قال النووي - رحمه الله -: قال العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر المتوعّد عليها بهذا الوعيد الشديد وسواءً صنعه لما يُمتَهَن أم لغيره فصنعه حرام بكل حال، وسواء كان فـي ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها.

الثالثة عشرة: قد أجمع العلماء على أن التصوير لذوات الأرواح من الكبائر والمحرمات إذا كان له ظل، أما إذا لم يكن له ظل كالصور في الجدران والألواح والملابس وغيرها فقد رخص فـيها بعض التابعين، وأجمع الأئمة الأربعة والجمهور على أنه محرم أيضاً كالذي له ظل، وهذا هو الصواب.

لأن الأحاديث تعم ما كان لـه ظل وما لا ظل لـه وتعم التصوير الشمسي وغيره، ومما يدل على العموم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم على عائشة ورأى عندها ستراً فيه تصويراً تغيّر وغضب وقال: «إن أصحاب هذه الصور يُعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم» والستر ليس فيه شيء من الظل، ومن جنسه التصوير الشمسي، ويدل عليها أيضاً ما وقع يوم الفتح لما كان في الكعبة صور فقدم له أسامة ماءً فمحاها النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الرابعة عشرة: التعليل في أحاديث التصوير ورد بألفاظ عدة، فعُلّل بعضها: بالمضاهاة يعني المشابهة وهذا نقيض تحريم ما خلق الله مطلقاً لوجود المضاهاة والحياة.

وبعضها: بتكليفه أن ينفخ فيه الروح. وبعضها: بقوله: «احيوا ما خلقتم»، وهذا لا ينفي تحريم ما علته المضاهاة والحياة، وإلا لم يكن للتعليل بذلك فائدة.

الخامسة عشرة: التصوير بالآلة (الفوتوغراف)، والتصوير بالأصباغ وقع خلاف فـي حكمها بين العلماء المعاصرين، فقال جماعة – وهم قليل – إنها تجوز، واستدلوا بتعليلات وقياسات، فقاسوه على المرآة، وقالوا: إن المصور لا عمل له، وإنما العمل للآلة وهو بمثابة الناقل، فهو استنسخ صورة لما صوّر الله.

وذهب جمهور العلماء إلى أنه محرم ،وذكروا أدلة إيجابية منها:

عموم حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «كل مصور في النار»، وحديث: «من صوّر صورة كُلف أن ينفخ فيها الروح»، وحديث أبي هريرة ر: «ومن أظلم ذهب يخلق كخلقي» وهذا مضاهي لله في الخلق.

وردوا على من قال أن التصوير بالآلة كالمرآة بالفرق بينهما من وجوه:

قال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -:

1- التصوير بالآلة فيه استقرار وبقاء، أما بالمرآة فلا يبقى ولا يستقر.

2- أن التصوير بالآلة عن عمل ومعالجة بخلاف الظهور على المرآة فلا عمل فيه ولا معالجة.

3- ومن حيث اللغة والعرف والعقل فإنه لا يمكن أن يُقال لمن وقف أمام المرآة أنه مصور. بينما يقال فـي حق من صوّر بالآله أنه مصور لغةً وشرعاً وعقلاً.

أما قولهم أن المصور بالآلة ليس له عمل فهو مردود من وجوه:

1- أنه يأتي بالآلة ويضع فـيها الفيلم.

2- ويوجه الآلة ويحرّكها للتصوير.

3- ثم يضبط العدسات بمقاسات معينة، ثم يضغط على زر التصوير.

4- ثم يقوم بتحميض الصورة بالألوان أو بدونها وربما عدّل فيها وبدّل.

فهذه كلها أعمال تباشر عملية التصوير بالآلة.

قال الشيخ حمود التويجري - رحمه الله – متهكماً لمن لم يفرق بين التصوير بالآلة والوقوف أمام المرآة: «لو قال قائل: إنه لا يحرم من الخمر إلا ما اعتصر بالأيدي فقط، أما المعتصر بالآلات فلا يحرم، يعني: هل قولـه حق أم أنه من أبطل الباطل، فكذا التصوير بالآلة محرم شديد التحريم كالتصوير باليد. ويقال أيضاً: لو أن إنساناً حمل بندقية فضغط على الزناد فقتل فلا يقول عاقل إنه ليس بقاتل وليس له عمل».

قلت أيضاً:

أ- ويُقال أن هذه تعليلات وقياسات فـي مقابل النصوص، والتعليل فـي مقابل النص فاسد الاعتبار.

ب- ويقال أيضاً: إن التصوير الفوتغرافي أعظم مفسدة من التصوير باليد نظراً لسهولة وكثرة انتشاره وما يُعالج به لتزيين الصورة وتكميلها وغير ذلك.

ج- ويقال أيضاً: إن عندكم تناقضاً فـي كلامكم، لو أن شخصاً صور باليد فإنه محرم، وإذا صوّر نفس الشخص بالآلة فإنه يجوز مع أن الشخص – المصوٍّر والمصوَّر – واحد، والعمل وهو التصوير واحد، والتناقض فـي القول دليل على فساده وبطلانه.

 الخامسة عشرة: فـي قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «كل مصور فـي النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها فـي جهنم». متفق عليه. ولهما عنه مرفوعاً: «من صوّر صورة في الدنيا كلّف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» التغليظ الشديد فـي المصورين والتنبيه على العلة وهي ترك الأدب مع الله.

السادسة عشرة: وفي التصوير الآلي شدة عذاب المصورين لكثرة ما يصورون من الخلق فإنهم قد يصوّرون فـي الدقيقة آلاف الصور، فإذا كان المصور سيُجعل له بكل صورة نفس يُعذّب بها حتى يحيي ما صور، فما أشدّ العذاب وما أعظم الهوان !.

 السابعة عشرة: يحرم تصوير ما لا ظل له وما له ظل مطلقاً ويجب طمس الصورة وهتك ما هي فيه، ويدل عليه ما أخرجه الإمام أحمد عن علي ر قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فـي جنازة فقال: «أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثناً إلا كسره، ولا قبراً إلا سوّاه، ولا صورة إلا لطخها» الحديث، وفيه: ثم قال: «من عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أُنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -». قال المنذري - رحمه الله -: إسناده جيد.

وقال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها: «ما هذه النمرقة؟» قلت: لتجلس عليها وتوسدها. قال: «إن أصحاب هذه الصور يقال لهم أحيوا من خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فـيه صورة». قال الحافظ: قدم الجملة الأولى اهتماماً بالزجر عن اتخاذ الصور ؛ لأن الوعيد إذا حصل لصانعها فهو حاصل لمستعملها ؛ لأنه لا تصنع إلا لتستعمل، فالصانع متسبب، والمستعمل مباشر، فيكون أولى بالوعيد.

الثامنة عشرة: في حديث أبي الهيّاج الأسدي: «ألا تدع صورة إلا طمستها» دلالة على وجوب إتلاف الصور لمن قدر على إتلافها وإزالتها لمضاهاتها لخلق الله، وطمسها إن كانت غير مجسمة وقرنها بتسوية القبور المشرفة تنبيه على عظم الفتنة بالصور مثل الفتنة فـي القبور، فهما مشتركتان فـي الفتنة بأربابها وأنهما من ذرائع الشرك.

ويُستفاد منه: أنه لا فرق فـي تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، وبين أن تكون مدهونة أو منقوشة، أو منقورة أو منسوجة، معلقة أو مفروشة.

إذا أزيل من صور ذوات الأرواح ما لا تبقى معه الروح كالرأس والوجه فهذا جائز، ومن أدلته:

1- حديث جبريل: «مر برأس التمثال فيقطع». فدل على أن التمثال مقطوع الرأس يجوز.

2- حديث: «إنما الصورة الرأس» فما ليس فيه رأس فيجوز.

3- وفي حديث الشفاعة قال - صلى الله عليه وسلم - ـ في عصاة الموحدين الذين يدخلون النار بذنوبهم ـ «ويحرّم الله صورهم على النار» يعني: وجوههم، فدلّ على أن الصورة هي الوجه.

 التاسعة عشرة: جاء ذكر التماثيل فـي القرآن الكريم فـي معرض الذم والتشنيع على أهلها ؛ لأنها كانت تتخذ للعبادة من دون الله - عز وجل – كما فـي قصص نوح وإبراهيم عليهما السلام، ولم يرد ذكرها فـي مقام الإنعام والامتنان إلا فـي قصص سليمان: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ﴾ [سبأ: 13] الآية وهذا محمول عند المفسرين على أحد وجهين:

الأول: أنه تماثيل ما لا روح فيها كالأشجار والجبال والمباني ونحوها.

الثاني: أنها تماثيل ذات أرواح وأنها كانت مباحة فـي شريعة سليمان ثم حُرّمت فـي شريعتنا.

والوجه الأول أرجح ؛ لأن التماثيل لها علاقة بالشرك والبدع، والشرائع حاسمة فـي هذا الباب فلا يمكن أن تحل ما كان وسيلة إليها.

فدين الإسلام - وهو دين جميع الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ دين التوحيد وعدو الشرك الذي هو أعظم الذنوب، ولذلك حرّم الصور لأنها من أعظم الوسائل إلى هذا المنكر العظيم.

وكم فـي السنة الصحيحة الصريحة من النصوص التي فيها النهي عن التصوير والوعيد الشديد للمصورين والأمر بطمس الصور وهتكها ،و التحذير من سوء عاقبتها على الدين والمصورين فـي الدارين.

العشرون: ما يحتاجه الناس فـي ضروريات حياتهم وما يصاحبها من صور يستثنى فيقال بجواز استعمالها - للحاجة - ؛ ولأنه يفعل ذلك وهو كاره لها، كصور إثبات الهوية وجوازات السفر ونحوها.

الحادية والعشرون: تحنيط الحيوانات لا ينبغي:

1- لما فيه من إضاعة المال والوقت بلا فائدة.

2- ولأنه اقتناء للميتة.

3- وقد يحتج بعض الناس بأنها صورة وقد يعتقد فيها باطلاً كما يعتقد بعض الناس أنها تمنع الجن وما أشبه ذلك.

* * *

 62- باب ما جاء في كثرة الحلف

وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89].

عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الحَلِف مَنفَقةٌ للسلعة، مَمْحَقةٌ للكَسْب». أخرجاه.

وعن سلمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاثةٌ لا يكلمهم اللهُ ولا يُزكيهم ولهم عذابٌ أليم: أُشيمطٌ زانٍ، وعائل مستكبر، ورجلٌ جعل اللهَ بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه». رواه الطبراني بسند صحيح.

وفي الصحيح عن عمران بن حُصين ر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال عمران: فلا أدري أذكَرَ بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً، «ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يُستشهـدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، وينذرون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السِّمَنُ».

وفيه عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قومٌ تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه».

وقال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهدِ ونحن صغار.

الفوائد على الباب:

الأولى: مقصود المؤلف رحمه الله من الترجمة بيان أن كثرة الحلف نقص في الإيمان والتوحيد؛ لأن كثرة الحلف مدعاة إلى التوهم والكذب، وهي مظهر من مظاهر نقص التوحيد وضعفه ومن سوء الأدب مع الله تعالى ؛ ولأنه يُظنُ به الكذب لكثرة حلفه.

الثانية: يجب حفظ اليمين إلا من حاجة داعية إليه، مثل تأكيد أمر في تأكيده مصلحة، أو إذا توجهت إليه اليمين عند الخصومة لقولــه تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾.

الثالثة: أصل اليمين إنما شرعت تأكيداً للأمر المحلوف عليه وتعظيماً للخالق، ولهذا وجب أن لا يحلف إلا بالله، وكان الحلف بغيره شركاً، ومن تمام هذا التعظيم أن لا يحلف بالله إلا صادقاً، وأن يحترم اسم الله العظيم فلا يبتذله بكثرة الحلف، ولا بالكذب فإن ذلك ينافي التعظيم الذي هو روح التوحيد ولُبُّه.

الرابعة: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب» دلالة على أن كثرة الحلف من أسباب الوقوع في الخطأ ومن أمارات النقص، فإن اعتنائه باليمين قد ينفق سلعته لكن يوقعه في خطأ أكبر وهو محق الكسب وقلة البركة مع الإثم العظيم، وذلك بسبب تساهله باليمين.

الخامسة: في حديث الثلاثة الذين لا يكلمهم الله.. الحديث: دلالة على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي إليه وضعفه ؛ لأنه يدل على خبث الطوية.

السادسة: النذر لا ينبغي ؛ لأنه كما قال - صلى الله عليه وسلم - لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل، لكن متى ما نَذَرَ نَذْرَ طاعة وجب عليه الوفاء، فإن الوفاء بالنذر من صفات المؤمنين التي أثنى الله تعالى عليهم بها ووعدهم الجنة عليها.

أما نذر المعصية فلا يجوز الوفاء به، والصواب أن عليه كفارة اليمين لأنه قصد به تعظيم الله بالتقرب إليه ولكن أخطأ في تعيين المنذور به، ولما جاء من الحديث في ذلك.

السابعة: في قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس قرني..» الحديث: تنبيه على فضل الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم خير أتباع الأنبياء والمرسلين، وأفضل الناس بعد النبيين وخير قرون الأمة، ثم التابعون وتابعوهم بإحسان، فإن هؤلاء الثلاثة خير قرون الأمة، وتقدمهم في التفضيل حسب تقدمهم في الذكر.

 الثامنة: في قول إبراهيم بن يزيد النخعي: «كانوا يضربوننا على الشهادة ونحن صغار» تنبيهٌ على عناية السلف الصالح بتربية أبنائهم، وأنهم كانوا يؤدبونهم على الشهادة والحلف حتى لا يعتادوها فيكون عرضة للخطأ والكذب والتساهل في هذه الأمور عند كبرهم، فكانوا يربونهم على الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، وهذا هو الواجب على كل مسلم.

* * *

 63- باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه

 وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الآية [النحل: 91].

عن بريدة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أَمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، فقال: «اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تُمثِّلُوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيتَ عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ـ أو خلال ـ فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهــم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، نبيه، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تُنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا». رواه مسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فوائد على الباب:

الأولى: مراد المؤلف - رحمه الله - بيان وجوب تعظيم ذمة الله تعالى وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والحذر من إخفارهما وجعلهما للناس فإن ذلك وسيلة لإخفارهما.

الثانية: الإخفار «رباعي» مصدر أخفر إخفاراً هو نقض العهد، أما الخفر «ثلاثي»، خفر يخفره فهو الحماية والنصر ومنه الخفير وهو الحامي، فأخفره أزال حمايته وعهده.

الثالثة: تعظيم ذمة الله وذمة رسوله من كمال التوحيد الواجب وإخفارهما نقص فـي التوحيد وضعف فـي الإيمان.

الرابعة: على المسلمين أن يحذروا من التعرض للأحوال التي يخشى منها نقض العهود والإخلال بالمواثيق ونحوها مما هو من مظاهر نقص تعظيم الرب وصد الناس عن دينه.

الخامسة: من كمال التوحيد تعظيم الله فـي دعائه وعبادته وتحقيق طاعته وكذلك فـي التعامل مع خلقه على وفق شرعه، ومن هذا توجيهه - صلى الله عليه وسلم - للتعامل مع العدو فـي أشد الحالات وهي حال الجهاد، فإن تحقيق التوحيد وتعظيم المعبود جل وعلا يقتضي من المؤمن أن لا يقع منه مقال أو حال أو فعل ينافي التوحيد أو ينقص كماله الواجب.

السادسة: السنة أطلقت من تؤخذ منهم الجزية كما فـي حديث الباب: «وإذا لقيت عدوك من المشركين..» إلخ، والقرآن قيّد بأهل الكتاب – وهو من تقييد القرآن للسنة-، وألحقت السنة بأهل الكتاب المجوس فـي أخذ الجزية منهم لا فـي حِلّ الطعام والنساء وغيرهما.

السابعة: أمر الله تعالى بالوفاء بالعهود ونهى عن نقضها بعد توكيدها بالأيمان الشديدة والمعاهدة وصحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يُرفع لكل غادر يوم القيامة لواء عند أُسته ينادى عليه: هذه غدرة فلان بن فلان». وهذا فيه وعيد عظيم على الغدر، وتنبيه على وجوب الوفاء بالعهد.

الثامنة: من عاهد بذمة الله وذمة رسوله فعليه أن يوفي وإن كان قد أخطأ فـي العهد بذمة الله وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يكون خطأوه مسوغاً للإخفار بذمة الله وذمة رسوله.

التاسعة: لا يجوز لولي الأمر أو قائد الجيش الالتزم بإنزال العدو على حكم الله ورسوله لأنه لا يدري هل يصبه أم لا؟، فإنه إن لم يصبه صار كاذباً على الله ورسوله ولكن ينزلهم على حكمه واجتهاده ويتحرى فيهم حكم الله ورسوله.

العاشرة: فـي قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» ) وجوب الاستعانة بالله تعالى على ما ينفع ودفع ما يضر، وأن لا يعتمد المرء على أسبابه أو على الخلق فقط.

الحادية عشرة: فـي قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله» بيان أن بعض الشر أهون من بعض ،وأن الكبائر تتفاوت فـي العظم والإثم ودرء كبرى المفاسد، وإلا فإنه لا يجوز إخفار ذمة المؤمنين ولا ذمة الله وذمة رسوله.

* * *

 64- باب ما جاء في الإقسام على الله

عن جُندب بن عبدالله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قال رجلٌ: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عـز وجل: مَنْ ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرتُ له وأحبطتُ عملك». رواه مسلم.

وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجلٌ عابد. قال أبوهريرة: تكلَّم بكلمةٍ أوبقت دنياه وآخرته.

الفوائد على الباب:

الأولى: الإقسام على الله هو: أن يحلف على الله أن يفعل كذا، أو لا يفعل كذا، كقول هذا الرجل: والله لا يغفر الله لفلان، أو لا والله لا يوفق الله فلاناً.

الثانية: مناسبة الحديث للباب أن الإقسام على الله على وجه التعاظم والعجب ينافي كمال التوحيد، أو ينافيه بالكلية.

الثالثة: ظاهر صنيع المؤلف فـي الترجمة وما أورده فـي الباب مستدلاً لها أنه أراد بيان ما جاء من الوعيد فـي الإقسام على الله تعالى لأن فيه جرأة أكثر الناس عليه، وتزكيةً لنفوسهم، وغمطاً لغيرهم، كالإقسام بأن الله لا يعطي فلاناً، أو لا يغفر له، أو لا يفعل له كذا، وهذا كله ظلم وجور، وقولٌ على الله بلا علم.

فلما كان الإقسام على الله تعالى غالباً يأتي من العجب بالنفس والإدلال على الله وسوء الأدب معه أورد المصنف هذا الباب فـي كتاب التوحيد ليحذر منه ويبيّن خطره.

الرابعة: الإقسام على الله يكون على حالين:

الأولـى: حال التألّي والتكبر والتجبر والرفعة، فيتألّى بنفسه حتى يجعل له على الله حقاً، فهذا منافٍ لكمال التوحيد الواجب، وقد ينافي أصله مثل ما جاء فـي حديث الباب، ولهذا كان من عقوبته حبوط عمله.

الثانية: أن يقسم على الله تعالى معتقداً صحة ظنه أو محسناً للظن بربه راجياً للطفه وفرجه كقول أنس بن مالك بن النضر: «والله لا تكسر سن الربيِّع»، فيقسم على جهة الحاجة والذل والافتقار إلى الله تعالى والطمـع فـي فضله ورحمته فهذا جائز، ومنه قـولـه - صلى الله عليه وسلم - فـي أنس بن النضر: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» لأنه قام فـي قلبه من عبودية الله تعالى والذلّ لـه ما كان من أسبابه إجابة سؤاله وقضاء حاجته.

الخامسة: لا ينبغي للعاقل أن يقسم على الله تعالى ؛ لأنه ليس عنده علم من الله تعالى وليس له عليه حق.

السادسة: يجب على المؤمن أن يحذر من الغيرة الخاطئة الخاسرة التي يترتب عليها قولٌ أو فعلٌ يخالف الشرع فيتقيد بالقيود الشرعية فـي إنكار المنكر، والنظر إلى الحدود حتى لا يُسيءَ الأدبَ مع ربه ولا يحبط عمله ويكون ظالماً لغيره.

السابعة: جاء فـي الحديث: «ويل للمتألِّين من أمتي»، وفي رواية: «من المتألِّي على الله» ومما يدخل فـي هذا الوعيد الذين يحكمون على الله بغير حجة فيقولون فلان فـي الجنة وفلان فـي النار، أو فلان لا يهديه الله ونحو ذلك مما هو تحكّم على الله وحجر عليه ورجم بالغيب.

الثامنة: قد يدخل فـي معنى الإقسام على الله قول بعض الناس: فلان لا يستاهل هذا المال أو المرض أو المصيبة أو تلك المرأة، أو أن يهديه الله، فإن ذلك من التألّي على الله والحجر عليه بلا برهان، واعتراض على حكم الله القدري بالباطل.

التاسعة: إذا رأيت صاحب معصية كبيرة فانهَهُ عنها بما جاء به الشرع المطهر وادع له بالهداية ولا تحكم عليه بعدم المغفرة والهداية، فقد يغفر الله ويهديه بما ييسره له من أسباب الهداية والمغفرة وأنت لا تدري.

العاشرة: فـي حديث أبي هريرة ر خطورة اللسان وأنه يجب حفظه وفيه شاهد لحديث: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالاً يزلّ بـها أبعد مما بين المشرق والمغرب».

الحادية عشرة: ظاهر كلام أبي هريرة ر أن الإقسام على الله على هذا الوجه أحبط عمل هذا الرجل فكفر المقسم بالكلية ؛ لأنه تكلّم بكلمة أوبقت دنياه وأخراه.

* * *

 65- باب لا يستشفع بالله على خلقه

عن جبير بن مطعم قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، نُهِكَت الأنفُس، وجاع العيال، وهلكت الأمــوال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سبحان الله، سبحان الله» فما زال يسبِّحُ حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظمُ من ذلك، إنه لا يُستشفعُ بالله على أحدٍ من خلقه». وذكر الحديث. رواه أبوداود.

الفوائد على الباب:

الأولى: الاستشفاع بالله على أحد من خلقه من سوء الأدب مع الله، فإن الله تعالى أعظم شأناً من أن يستشفع به على أحد من خلقه، فإنه الكبير المتعال، ذو العظمة والجلال الذي لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يُعكس الأمر ويُجعل شافعاً عند الخلق؟! وهو الذي خضعت له الرقاب وذلّت له الصلاب.

الثانية: فـي حديث الباب بيان أن معنى الاستشفاع بالشخص فـي كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - هو الاستشفاع بدعاء الشخص وطلب شفاعته، وليس هو السؤال بذاته ولهذا أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قولـه: «نستشفع بالله عليك»؛ لأن الله تعالى لا يسأل أحداً من خلقه أن يقضي حوائج عباده.

الثالثة: حديث «إنا نستشفع بالله عليك» حسّنه الذهبي، وضعّفه غيره؛ لأن فيه ابن إسحاق وقد عنعن، وفيه محمد بن جبير وهو مجهول.

فالحـديث ضعيف؛ لأن المضعِّف فسّر ضعفه، ولكن معنى الحديث صحيح، فإنه لا يجوز أن يستشفع بالله على أحد من خلقه ؛ لأن الاستشفاع بالله عند أحدٍ من خلقه هضم لحق الله تعالى، وقد دلّ النقل والعقل على أن الله تبارك وتعالى كاملٌ من جميع الوجوه، فإنه الغني الحميد العلي العظيم، ولم يكن لـه كفؤاً أحد، فلا يحتاج إلى أحد، بل كل أحد فـي غاية الافتقار والضرورة إلى الأحد الصمد.

* * *

 66- باب ما جاء في حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - حمى التوحيد

وسده طرق الشرك

عن عبدالله بن الشِّخِّير قال: انطلقت في وفــدِ بني عامر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: أنت سيدنا. فقال: «السيد اللهُ تبارك وتعالى». قلنا: وأفضلُنا فضلاً، وأعظمُنا طَوْلاً. فقال: «قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان». رواه أبوداود بسند جيد.

وعن أنس ر أن ناساً قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابنَ خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبدالله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» رواه النسائي بسند جيد.

الفوائد على الباب:

الأولى: بيَّن المؤلفُ - رحمه الله – فـي هذا الباب ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فـي حمايته التوحيد من الأقوال الشركية.

الثانية: ضمَّن الشيخُ ـ رحمه الله تعالى ـ هذا الباب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن الأقوال التي فيها إطراءٌ له - صلى الله عليه وسلم - ومبالغة فـي تعظيمه ومدحه، واختياره - صلى الله عليه وسلم - خطابه والثناء عليه بالعبودية والرسالة فإنها هي التي أثنى الله تعالى بها عليه فـي أشرف المقامات كالصلاة وإنزال القرآن والإسراء ونحو ذلك.

الثالثة: حمى النبي - صلى الله عليه وسلم - جانب التوحيد من شرك يبطله، أو بدعة تقدح فيه، أو معصية تنقصه حرصاً على أمته وخوفاً عليهم أن يقعوا فيما وقع فيه من قبلهم من الأمم، فلم يترك طريقاً ولا وسيلة تؤدي إلى الشرك إلا نهى عنها وحذرهم منها.

الرابعة: بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالحنيفية السمحة، فهي حنيفية فـي التوحيد - مائلة عن الشرك -، سمحة فـي العمل، فهي أشدّ الشرائع فـي تحقيق التوحيد والإبعاد عن الشرك، وأسمح الشرائع فـي العمل.

الخامسة: بالغ النبي - صلى الله عليه وسلم - وحذّر وأنذر وأبدأ وأعاد ،وخصّ وعمّ فـي حماية التوحيد من الشرك.

السادسة: من حمايته - صلى الله عليه وسلم - لجناب التوحيد وسدِّه طرق الشرك قولـه: «لا تجعلوا قبري عيداً» أي: لا تزوروه على وجه مخصوص، ولا تكثروا زيارته لأن ذلك من ذرائع الشرك، ولما كان قصد الزائر الصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قبره بَيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك يبلغه وإن كان على بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب فلا حاجة لاتخاذه عيداً.

السابعة: من حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - جناب التوحيد نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن رفع القبور واتخاذها عيداً والغلو فـي أصحابها والبناء عليها وإسراجها والعكوف عندها وتحرّي الصلاة عندها والتماس إجابة الدعاء عندها، أو قبول الصدقة حتى عند قبره الشريف ؛ لأن هذه من البدع وذرائع الشرك التي هلكت بها اليهود والنصارى وغيرهم من سابق الأمم.

الثامنة: حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتهد وبالغ فـي نصح أمته وهدايتها إلى كل خير، وتحذيرهم وإبعادهم عن كل شر فـي الدنيا والآخرة، وكفى بشهادة الله لـه بقوله سبحانه: ﴿                  ﴾ [التوبة: 128]. وعند الطبراني بإسناد جيد عن أبي ذر ر قال: تركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلّب جناحيه فـي الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علماً وقال: «ما من شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بينتُه لكم».

وفي صحيح مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا آخذ بحُجُزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبونني وتقحمون فيها».

* * *

 67- باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ...﴾ [الزمر: 67] الآية.

عن ابن مسعود ر قال: جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد، إنَّا نجدُ أنَّ اللهَ يجعلُ السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلقِ على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذُه تصديقاً لقول الحَبْر، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ...﴾ الآية [الزمر: 67]. أخرجاه. وفي رواية لمسلم: «والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزُّهُنَّ فيقول: أنا الملك، أنا الله». وفي رواية للبخاري: «يجعل السموات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع». أخرجاه.

ولمسلم عن ابن عمر مرفوعاً: «يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقـول: أنا الملـك؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟».

ورُويَ عن ابن عباس قال: ما السمواتُ السبع والأرضون السبع في كفِّ الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم.

وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة أُلقيت في تُرس». قال: وقال أبوذر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقةٍ من حديد أُلقيت بين ظهري فلاةٍ من الأرض».

وعن ابن مسعود قال: «بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيءٌ من أعمالكم». أخرجه ابن مهدي عن حمّاد بن سلمة عن عاصم عن زِرّ عن عبدالله. ورواه بنحوه المسعوديُّ عن عاصم عن أبي وائل عن عبدالله. قاله الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى. قال: وله طرق.

وعن العباس بن عبدالمطلب قال: قال رسـول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بيني آدم» أخرجه أبوداود وغيره.

الفوائد على الباب:

الأولى: ذكر المصنِّف - رحمه الله - فـي هذا الباب من النصوص الدالّة على عظمة الله تعالى وكبريائه ومجده وجلاله وخضوع المخلوقات بأسرها لكبريائه وعزته ؛ لأن هذه النعوت العظيمة والأوصاف الكاملة من أكبر الأدلة وأظهر البراهين على أن الله تعالى هو الإله الحق المعبود بالحق، المحمود وحده، الذي يجب أن يذلّ ويخضع لـه، وأن يُعظّم ويحب ويُجلّ ويكرّم ويُخلص لـه الدين ويبرأ مما يصفه ويعامله به المشركون الجاحدون.

الثانية: هذا الباب جامع لأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وتوحيد الأسماء والصفات، وقد أحسن المؤلف صنعاً فـي إيراده ليكون ختاماً للكتاب ليكون خاتمة له، فإنّ من فقُهَ هذا الباب وفهمه ذلَّ لله تعالى وخضع لعظمته.

الثالثة: أكثر الخلق ما قدروا الله حق قدره:

أ‌-       لا من جهة عظمة ذاته وعلو صفاته وكمال أفعاله.

ب‌-     ولا من جهة حكمته فـي خلقه الجن والإنس وبعثه الرسل وإنزال الكتب، فإنهم لو قدروه حق قدره وعظموه حق تعظيمه لذلُّوا لـه وخضعوا وأخلصوا عبادته، ولم يعبدوا معه غيره ويذلوا لسواه.

الرابعة: من تعظيم الله تعالى ترك الإشراك به، فمن أشرك بالله تعالى فما قدر الله حق قدره.

الخامسة: دل حديث الحبر برواياته وما جاء فـي معناه على أمور:

1- عظم الخالق جلّ وعلا ؛ لأن عظمة المخلوقات تدل على عظمة خالقها سبحانه وأن هذه المخلوقات ليست شيئاً بالنسبة لله تعالى.

2- إثبات الصفات لله تعالى كصفة اليدين والكف والأصابع واليمين والشمال، وهي شمال بالنسبة لليمين، وإلا فكلتا يدي ربي يمين مباركة.

3- أن أصابع الرحمن خمسة.

السادسة: فـي ضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - تصديقاً لقول الحَبْر قبول الحق ممن جاء به، فإن الحقّ أحقّ أن يُتبع، والحكمة ضالّة المؤمن أنى وجدها فهو أحقّ بها، وفي حديث أبي هريرة ر ـ فـي حراسته لصدقة الفطر من رمضان ومجيء الشيطان لـه ليال ـ وتعليمه إياه فضل آية الكرسي وأن من قرأها عند النوم لا يزال عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «صدقك وهو كذوب» ما يبيِّن منهاج النبي - صلى الله عليه وسلم - فـي ذلك.

السابعة: حديث ابن مسعود حسنٌ بطرقه، فقد صححه ابن القيّم، وجوّد شيخنُا العلاّمة عبدالعزيز بن باز ـ رحمهم الله ـ إسناده.

الثامنة: من دلائل عظمة الله تعالى:

1- أن الأرض على عظمتها قبضته يوم القيامة.

2- السموات مطويات بيمينه.

3- وضعه الخلائق على عظمتها على أصابعه الخمسة.

4- عظمة الخلق، وأنه كلما ارتفع اتسع، فإن عظمة الخلق تدل على عظمة الخالق.

التاسعة: دلّت الأحاديث التي أوردها المصنف كثف كل سماء ومسافة بينهما وما فوق السماوات علىأن الخلق كلما ارتفع اتسع وأن الكرسي على صغره بالنسبة للعرش فهو محيط بالسماوات والأرض كالقبة والمخلوقات فـي جوفه.

العاشرة: لا منافاة بين ما جاء فـي الروايات من تقدير كثف كل سماء ومسافة ما بينهما بخمسمائة عام وبثنتين أو ثلاث وسبعين سنة، فالأول: يقدر بسير الإبل المحملة بالتجارة، والثاني: بسير البريد، فإن نسبة الأخير إلى الأول السدس.

الحادية عشرة: دلت أحاديث الباب على إثبات علو الله تعالى على خلقه بجميع أنواعه: علو الصفة، علو القهر، علو الذات، وقد دلّ على علو الله على خلقه أكثر من ألف دليل، وقد أجمع عليه أهل السنة والجماعة.

الثانية عشرة: تضمن حديثا ابن مسعود برواياته و ابن عباس رضي الله عنهم على إثبات أنواع الصفات الثلاثة:

أ- صفات الذات: كاليدين، والكف، والأصابع، والعلو.

ب- صفات الفعل: وضع المخلوقات على الأصابع وهزهنّ، وطيّ السموات يوم القيامة، وأخذها بيده اليمنى.

ج- الصفات الذاتية الفعلية كالقول.

الثالثة عشرة: من أسباب قوة اليقين ورسوخ الإيمان التفكّر فـي خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما من الآيات والمخلوقات؛ ولهذا أمر الله تعالى به فـي آيٍ من كتابه وأثنى على أهله، وبيَّنَ حسن ثمرته وجميل عاقبته، وهكذا النبي - صلى الله عليه وسلم - فـي أحاديث هذا الباب يوجه إلى التفكُّر فـي خلق السموات والأرض لما يثمره ذلك من تعظيم الله والذلّ والانقياد لـه وتنزيهه عن الشركاء والأنداد ومماثلة الخلق وسائر النقائص والعيوب.

الرابعة عشرة: حديث العباس بن عبدالمطلب اختلف فـي تصحيحه أهل العلم، فصحّحه البيهقي وابن حزم وأبونعيم، وقوّاه ابن القيم فـي تهذيب السنن، وقال أبوالعباس ابن تيمية: تلقاه الأئمة بالقبول.

وذهب آخرون إلى تضعيفه كالذهبي وغيره ؛ لأن فيه عبدالله بن عميرة وهو ضعيف. والله أعلم.

المصادر:

شبكة الألوكة

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا