البراهين الموضحات في نظم كشف الشبهات

نبذة مختصرة

كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد نظمها الشيخ محمد الطيب الأنصاري المتوفي سنة (1363هـ) - رحمه الله تعالى - بإشارة من الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ المتوفي سنة (1378هـ) - رحمه الله تعالى -، وقد طبع هذا النظم سنة (1357هـ) في مطبعة المدينة المنورة باسم " البراهين الموضحات نظم الشيخ محمد الطيب الأنصاري لكشف الشبهات " وأعيد نشره سنة (1413هـ) في دار لينة للنشر والتوزيع بالمدينة المنورة.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 البراهين الموضحات في نظم كشف الشبهات

محمد الطيب بن إسحاق الأنصاري المدني

ولد الشيخ  محمد الطيب بن إسحاق الأنصاري في بلدة تنبكتو بمنطقة المراقد في الصحراء الكبرى الإفريقية عام 1296هـ، وفيها نشأ وتربى، ولما بلغ الثامنة من عمره توفي والده، فكفله جماعة من أقاربه، فحفظ القرآن الكريم، وتلقى العلم في حلقات التدريس على علماء بلده.

وفي عام 1323هـ هاجر إلى المدينة المنورة، ومنها انتقل إلى مكة المكرمة متفرغاً للعبادة والزهد، وتلاوة القرآن، ومطالعة العلوم الشرعية والعربية، ولم يطل به المقام حتى عاد إلى المدينة المنورة ليستقر فيها، ويشارك في التدريس في حلقات المسجد النبوي الشريف، يدرس العلوم العربية، والفقه، والتفسير، وفي عام 1341هـ عين رئيساً لمدرسي المسجد النبوي.

ثم التحق بمدرسة العلوم الشرعية، وتولى رئاسة مدرسيها بناء على طلب مؤسسها والمسؤول عنها السيد أحمد الفيض آبادي، وظل يشتغل بالتدريس والتأليف حتى وفاته سنة 1362هـ فدفن بالبقيع، وصلي عليه صلاة الغائب في المسجد الحرام، وفي المسجد الكبير بالرياض.

كان الشيخ أحد علماء المدينة، وفقهائها الكبار، اتصف بالتقوى والورع والزهد، وبالعلم الوفير، وتتلمذ عليه عدد من العلماء منهم :

إسماعيل حفظي، ومحمد عمر بري، وعلي حافظ، وعثمان حافظ، وعبيد مدني، وأمين مدني، وعبد القدوس الأنصاري، وغيرهم.

 مؤلفاته :

ـ الدرة الثمينة في النحو، نظم فيها شذور الذهب لابن هشام.

ـ اللآلئ الثمينة في شرح الدرة الثمينة.

ـ تحبير التحرير في اختصار تفسير الإمام ابن جرير.

ـ التحفة البكرية في نظم الشافعية.

ـ السراج الوهاج في اختصار صحيح مسلم بن الحجاج.

ـ البراهين الموضحات في نظم كشف الشبهات.

1

قالَ محمدُ المسمَّى الطَّيِّبا

السلفيُّ نِحْلةً ومذهبا

2

الحمدُ لله الكريمُ إِذ كَشَفْ

عنا سحابَ الجَهْل فضلاً فانْكَشَفْ

3

وعَلَّمَ التَّوحيدَ والقرآنا

أَنزلَهُ مفصَّلاً تِبْيانا

4

ثمَّ صلاتُه على مَنْ قد حَما

جوانِبَ التَّوحيدِ أَعظمَ حما

5

والمستجيبين له من صحبِهِ

وآلِه والمنتمي بحبِّهِ

6

هذا وكَشْفُ الشُّبُهات أَلَّفَهْ

إِمامُ وقتِهِ الصحيحُ المعرفةْ

7

محمدُ بن عابد الوهَّابِ

مجدِّدُ الدين بلا ارتيابِ

8

فجا كِتاباً حَجْمُهُ صغيرُ

لكِنَّهُ في علمِهِ كبيرُ

9

وَقَدْ أَشارَ الشيخُ عبدُاللهِ

سليلُهُ ابنُ الحسن الأَوَّاهِ

10

رأْس قُضاةِ الوقتِ في الحِجازِ

بِنَظْمِهِ في قالَبِ الإِيجازِ

11

فصغتُهُ بمقتضى الإِشارةْ

نظماً بديعاً واضح العبارة

12

فقلتُ باسم اللهِ مستعيناً

إِذْ هُوَ حسبي وكفى مُعينا

( بيان أن الدعوة إلى إفراد الله بالعبادة هي دين الرسل )

13

إِفرادُ ربِّ العرشِ بالعبادةِ

دينُ الكرامِ المرسلينَ القادةِ

14

أَرسَلَهم لِيُعلموا عبادهْ

أَنْ يُفْرِدوهُ جَلَّ بالعبَادهْ

15

وَذلِكَ التوحيدُ لاَ يَنْجو أَحدْ

بِغَيرِه من العذابِ والنَّكدْ

16

أَوَّلهمْ نُوحٌ أَتى لمن غَلَوا

في الصالحينَ والكفورِ قَدْ أَتَوْا

17

وُداً سواعاً ويَعوقَ نَسْرا

من قدْ أَضَلُّوا في الأَنامِ كَثْرا

18

وَخَيْرُهُم آخِرُهُم محمدُ

وكلُّهمْ بالمعجزاتِ أُيِّدوا

19

نَبيُّنا هو الذَّي قَدْ كَسَّرا

لهؤُلاءِ الصَّالحينَ صُوَرا

20

أَتَى لِقَومٍ يَتعبدونَ

بالصومِ والكعبةِ يَقْصدونَ

21

وَيَتَقَربونَ بالإِنْفاق

في سَبُلِ الخَيراتِ والإِعتاقِ

22

ويَذْكُرونَ الله لكنْ جَعَلوا

وسائِطاً إِليهمُ تَبْتَسِلُ

23

بَيْنَهُم وبينَ خالِقِ السَّما

كمَثلِ عيسىَ وَعُزَيْزِ مَريما

24

فَجاءَهم نَبيُّنا محمدُ

لِدينِ إِبْراهيمَ قَدْ يجدِّدُ

25

يُخْبِرُ أَنَّ الإعتِقادَ والقُربْ

حَقٌّ لِخالِق السَّماءِ والتُّرَبْ

26

لَيسَتْ لمَرسَلٍ نبيٍّ لاَ ولاَ

لَمَلكٍ مُقَرَّبٍ نالَ العلاَ

27

مع عِلْمِهمْ بأَنَّهُ لاَ يَخلُقُ

إِلا الإِلهُ وكذا لاَ يَرْزُقُ

28

سِواهُ لا يُحيي ولا يُميتُ

سِواهُ جَلَّ مَنْ هو المُميتُ

29

وأَنَّهمْ عَبيدُهْ قد صُرِّفوا

فيما أَرادهُ وَلاَ يَنْحَرِفوا

30

دليلُنا في سورةِ الفلاَح

وَيُوُنُس المعروفُ بالصَّلاح

31

إِذا علِمْتَ أَنَّهمْ أَقَرُّوا

بِذا ولَمْ يَنفَعُهُمْ إِذا فَرَّوا

32

عمّا دعاهُم إِليه أَحمدُ

صَلَّى عليهِ ذو الجلال ِالصمَّدُ

33

عَلِمتَ باليقينِ أَن ما جَحَدْ

المشركونَ هو توحيدُ الأَحَدْ

34

بِحَقِّه من العباداتِ وقَدْ

سماهُ مُشْركو الزَمانِ المعْتقَدْ

35

كَدأْبِهِمْ في كَونِهِمْ يدعونَ

الله دأْباً ثُم يُشركونَ

36

بدعوةِ الأَمْلاكِ للصَّلاحِ

وقُربِهِم مِنْ خالقِ الأَشْباحِ

37

وبِدُعاءِ مُرْسلٍ كَعيسى

أَوْ مَرْيم فبئسَ فِعْلاً بِيْسا

38

وَمِنْهُمُ داعي أُولي الصَّلاحِ

كالَّلاتِ يا لَذا من الجناحِ

39

في سُورةِ الجِنِّ معاً والرَّعدِ

دَليلُنا فاقرأْ تَفُزْ بالقَصْدِ

( بيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتل الكفار ليكون الدين كله لله )

40

ثُم عَرَفْتَ أَنَّ خَيْرَ الخَلْقِ

قاتَهَلُمْ لِرَدِّهِمْ للحَقِّ

41

وليكونَ واصِباً للهِ

الدينُ كُلُّه بِلاَ اشتباهِ

42

مِنَ الدُّعا والنَّذْرِ واستغاثةِ

والذَّبْحُ والخَوفُ والإسْتعانةِ

43

ورغبةٍ ورهبةٍ وذبحِ

وكلَّها مِنْ غيرِ رَبِّي نَحِّ

(بيان أن قتال الرسول صلى الله عليه وسلم للمشركين بعدم إقرارهم بتوحيد الألوهية مع إقرارهم بتوحيد الربوبية )

44

كَدَأْبِهِمْ في كَونِهِمْ يَدْعونَ

الله دأْباً ثُمَّ يُشرِكونَ

45

بِدعوةِ الأَملاكِ للصَّلاحِ

وقُرْبِهِمْ مِنْ خالِقِ الأَشْباحِ

46

إِذا عَرَفْتَ أَنَّهم فاهو بما

مِنَ الرُّبُوبِيةِ للهِ انْتَمى

47

ولمْ يَكُنْ يُدْخِلُ في الإِسلامِ

وأَنَّ قَصْدَهُم إِلى الكْرامِ

48

مِنَ الملاَئِكِ والأولياءِ

قَصْدٌ إِلى الشَّفاعةِ العَلْياءِ

49

هو الذي أَحلَّ منهُمُ الدِّما

والمالَ بان أَنَّ أحمدٌ سَما

50

إِلى دُعائِهم إِلى التَّوحيدِ

ومالَ أَهلُ الشِّركِ للجُحودِ

51

وهو معنى لاَ إِلهَ إِلاَّ

الله عَزَّ رَبُّنا وَجَلاَّ

52

إِذ الإِله عِنْدَهُم منْ يُقْصَدُ

لأَجلِ ذي الأُمورِ مهما يُوجَد

53

نَبيًّا أَو مَلَكاً أَو وَليّاً

أَو شجراً أَو قَبراً أَو جِنِّياً

54

ما فَسَّروا الإِله بالرزاقِ

وَلاَ المُدبِّرِ وَلاَ الخلاَّقِ

55

بل يَعْلَمون كَوْن ذي الأَوصافِ

للهِ جلَّ الله ذو الأَلطافِ

56

بل إِنَّما يَعْنونَ بالإِلهِ ما

يَريدُ بالسَّيِّدِ أَرْبابُ العَما

57

فجاءَهمُ النبي يَدعوهمْ إِلى

كَلِمةِ التَّوحيدِ نعم عَمَلا

58

وَهِيَ لا إِلهَ إِلا الله

محمدٌ أَرْسَلَهُ الإِلهُ

( بيان مراد النبي صلى الله عليه وسلم بلا إله إلا الله )

59

لكنَّما المرادَ من ذي الكلمةْ

مَدْلولُها لاَ لَفْظُها لتَفهمه

60

وجُهَّلُ الكُفارِ يَعْلمونَ ما

أَرادَهُ بها النبيُّ المُعْتَمى

61

إِفرادُ ربِّ العَرْشِ بالتَّعليقِ

والحبِّ والخُضوعِ بالتَّحْقيق

62

والكفرُ بالطاغوتِ وهو ما عُبِدْ

من دُونه مع البَراءِ للأَبدْ

63

فإِنَّه لمَّا دَعَا بالقَولِ

بها قُريشاً قابلوا بالجَهْلِ

64

وَعجبوا منه فقالوا أَجَعَلْ

الآيةَ اتْلُ تَعْجَبَنْ مِمَّنْ جَفْلْ

( بيان المشركين الأولين أعلم بمعنى لا إله إلا الله )

65

من بعضِ مَنْ يَنْسَب إِلى العِلْمِ

في زمننا فَضلاً عن العوامِ

66

إِذا عرَفْتَ أَنَّهم قَدْ عَرَفوا

مرادهَ فاعجبْ لِمَنْ قَدْ يُعْرَفَ

67

بِسِمَةِ الإِسلامِ وهو يَجْهَلُ

ما عَرَفَ الكفارُ بل يُؤَّوَّلُ

68

ظَنّاً بأَنَّ المقْصدَ النُّطقَ بما

فيها من الحروفِ فانظرْ ذا العمى

69

مِن غيرِ عَقْدِ القَلْبِ من معْناهُ

شَيئاً وذو الحِذْقَ الذي يَراهُ

70

بأَنَّهُ لا يَخْلُقُ الخَلْقَ وَلاَ

يَرْزقُ إِلا الله جَلَّ وَعَلاَ

71

مْن كان أَهلُ الكُفرِ أَعْلَمَ بِذا

منه فلا خَيرَ به فلينبذا

( بيان جهل كثير من الناس بما أتت به الرسل من الدين )

72

إِذا عَرَفْتَ ما ذَكَرْتُ مَعْرِفَهْ

حَقيقَةُ القْصَدِ بِها مُنْكَشفَهْ

73

ثُمَّ عَرَفْتَ أَعْظَمَ المنْهي

عَنْه وذاكَ الشرك أَقْصى الغي

74

لأَنَّ ربَّ العرشِ لَيسَ يَغْفره

ما دونَهُ وَيَسترُهْ

75

لمن يَشا ثُمَّ عَرَفْتَ دينَ مَنْ

أَرْسَلَهُم إِلى الورى ربُّ المننْ

76

ثُمَّ عَرَفْتَ ما عيه أَصْبَحا

غالِبُ أَهْلِ الوَقْتِ مما فَضَحا

77

مِن جَهْلِهمْ بديننا استَفدْنا

فائدتين بِهِما أُسْعِدنا

78

أُولاهما الفَرحُ بالأَفضالِ

مِنْ الإِلهِ جَلَّ ذَو الجَلالِ

79

وَرَحْمَةٍ إِذ حَضَّنا على الفَرَحْ

بذينِ في فليْفْرَحوا لا بالمَرحِ

80

أُخراهُما الخَوفُ العَظيمُ إِذ يَقعْ

في الكُفْرِ خالي الذِّهنْ مما قد وَقَعْ

81

لِكلْمَةٍ تَخْرجُ منه جَهْلاً

أَو ظنَّها قُرْبى تَنيلُ فَضْلاً

82

كَحالِ أَهلِ الكُفرِ لكنْ مَنْ نَظَرَ

في قَولِ أَصْحابِ الكَليمِ المُنْتَقر

83

مَعَ الصلاحِ وَمَع العْلمِ رغَبْ

في كلِّ ما يُنْجيهِ من هذا العطَب

84

فإِنَّهُم أَتوهُ قائلينَ

اجْعلَ لنا في آيةٍ يتلونَ

( بيان أن كل داعٍ  إلى الحق لا بد له من أعداء يدعون إلى ضد ما يدعو إليه )

85

مِنْ حِكْمَةِ الباري إِذا ما أَرْسَلاَ

عَبْداً رَسولاً بِالهُدى أَنْ يَجْعَلا

86

لهُ شياطينَ مِنْ الأَناسي

والجِنَّ أَعداءِ أُولي الأَلباسِ

87

يوحى زخاريفَ الكلامِ بَعْضُهم

لبَعْضِهم لكي يَغُرُّوا مِثلَهُمْ

( بيان أن أعداء التوحيد لهم كتب وحجج وعلوم يغرون بها أمثالهم )

88

وَقَدْ يَكون للأَعادي كُتُبُ

وَحُجَجٌ كَثيرةٌ قَدْ رَتَّبوا

89

ثم الطريقةُ إِلى الإِلهِ لا

بُدَّ لها مِن العِدا والجُهلا

90

عليه قاعدين بالفصاحةِ

والعِلم ِوالحججِ بالبجاحةِ

91

لكي يَصدوا عن سَبيلِ اللهِ

أَمثالَهم مِنْ كلِّ غَاوٍ لاه

(بيان أنه يجب على الموحد أن يتخذ من كتاب الله وسنة رسوله ما يتخذه سلاحاً يقاتل به أعداء التوحيد )

92

إِذاً على منْ كان ذا تَوحيدِ

تَهيئةَ السِّلاحِ بالتَّعْديدِ

93

بِهِ يُقاتل الشياطينَ الأُولى

قالَ إِمامهمْ لربي ذي العُلاَ

94

لأَقعُدَنَّ لهم أتلها في

إِحدى الطِّوال سورة الأَعراف

95

أَقبلْ على اللهِ واصْغيَنْ إِلى

حِجَجَه تَنَل العلا

96

تأْمن وَتَسْلَم منه إِنَّ كَيده

مُضعَّف والله فاسأَل ردَّهُ

97

فجاهلٌ موَحِّدٌ يُنْتَدَبُ

مِنْ عُلماءِ الشركِ أَلفاً يَغْلِبُ

98

وأَنَّ جُنْدَنا لهم دَليلُ

حقٌّ على جميع ما أَقولُ

99

قد غَلَبوا بِحجةِ اللِّسانِ

كقهرهِم بالسَّيفِ والسنانِ

100

وإِنما الخوفُ على موحِّدِ

يَسْلك ذا الطريقَ غيرَ معتدِ

101

مِنَ السِّلاحِ ما به يقاتِلُ

جَميعَ من بباطلٍ يناضلُ

( بيان أن كتاب الله حجة على كل مبطل إلى يوم القيامة وأنه لا يأتي مبطل بشبهة إلا وفي القرآن ما يبطلها )

102

لكنه مَنَّ علينا الله

ببعثه النَّبي إِذ آتاهُ

103

بِذا الكتابِ الجامعِ المفصَّلِ

مبيناً لكل أَمرٍ مُشكلِ

104

وهو هُدىً ورَحْمةٌ وَبُشرى

للعُلَماءِ المُصلحين طُرَّا

105

لا يأْت مُفتنٌ لآخر الأَبدْ

بشبهةٍ إِلا وفي القرآنِ ردّ

106

لما له من شُبْهَةٍ مُبَيِّنُ

بُطلاَنَها أَو ذاكَ أَمرٌ بَيِّنُ

107

في سُورةِ الفرقانِ ذا وهو يَعمّ

في كلِ باطْلٍ إِلى يومِ الزَحم

( فصل في ذكر أشياء سئل عنها مؤلف الأصل فأجاب عنها بجوابين مجمل ومفصل )

108

وأَنا أشْيا ذاكر مما ذَكر

الله في كتابهِ عزَّ وَبَرّ

109

إِجابة لبعضِ مُشركي الزَّمَن

أَدلى بشبهةٍ لإِلقاءِ الفتن

110

قلنا جوابُ المُبْطلين مُجْمَل

فيه شِفاءُ العِيِّ أَو مفصل

111

فالأَوَّل الأَمرُ العظيمُ الفائدهْ

لمنْ له عقلٌ يَجي بالعائدهْ

112

وذاكَ أَنَّ الله جلَّ وعلاَّ

في آل عمران قرآناً أَنزلاَ

113

وقَسَّم القرآن بينَ المحكَمِ

والمتَشابهِ الذي لَمْ يَعْلَمِ

114

تأْويلَهُ سوى الإِلهُ الحكمُ

فَمَنْ به يؤْمنْ يفُزْ ويَسلَمُ

115

من يتتبعه يُرِدْ تأْويلَهُ

فَهْوَ من أهل الزيغِ لاَ نرثي لَهُ

116

وأَهلُ فتنةٍ فذانِ جُعِلاَ

علامةَ الزيغِ كما قَدْ نُقِلاَ

117

عنِ النَّبيِّ المصطفى إِذ قالاَ

إِذا رأَيتَ فاطلبِ المقالاَ

118

مثاله أَن يَذْكرَ المشَبِّهُ

قولاً به عليك قَدْ يُشَبِّهُ

119

كأنْ يقولَ أَولياءُ اللهِ لا

خوفٌ عَليهم اتْلُوَنَّ المُنْزَلا

120

والأَنبياء لَهُمُ جاهٌ وحقّ

شَفاعةُ النَّبيِّ في يومِ القَلَقْ

121

أَو استدلَّ بحديثٍ أَنتَ لا

تفهمُ مِنْ معناهُ شيئاً فقلا

122

إِنَّ الَّذي ذَكَرْتَهُ يا مُشرِكُ

وَمَنْ عن الحقِّ المبينِ يؤْفَكُ

123

من آيةٍ أَو مِنْ حديثٍ لستُ

أَفهَمُه لكنَّني أَيقنتُ

124

أَنَّ التناقضَ بآي الذِّكْرِ

مُمْتَنعٌ قَطعاً كذاكَ أَدري

125

إِنَّ كلامَ أَحمدَ لا يختلفْ

مع كلام اللهِ ذا قطعاً عُرِفْ

126

وما ذكرتُ لكَ أَنَّ الله

أَخبرَ أَنَّ كلَّ من قَدْ تاها

127

من مشركي العُرْبِ قَدْ أَقرا

بأَنَّه ربُّ الأَنامِ طُرّا

128

وأَن كفرَهم من التعلُّقِ

على الملائكِ وكلِ متَّقي

129

يرجونَ منهمُ الشفاعةَ كما

في يونسَ قد جاء نصّاً مُحْكَما

130

أَمرٌ جليٌّ مُحكمٌ وبيِّنُ

تغييرُكُمْ معناهُ ليسَ يمكِنُ

131

هذا جوابٌ متقنٌ سديدُ

يفهمهُ الموَفَّقُ الرشيدُ

132

لا تستهينَنْهُ فإِنَّه كما

قد قالَه في فصِّلَتْ ربُّ السما

( الجواب الثاني وفيه ثلاث شبه الشبهة الأولى )

133

أَما المفصَّلُ فإِن الأَعدا

ذوو اعتراضاتٍ تفوق العَدّا

134

فإِنْ يَقولوا نَحْنُ لَسنا نُشرِكُ

وأَحمدُ المختارُ ليسَ يملِكُ

135

لنفسِه فضلاً عن الجيلاني

نَفْعاً وَلاَ ضراً وَلاَ من شاني

136

لكنَّ الأوليا لَهُمْ جاهٌ عَظُم

وشفعاءُ هم لمن بِهم أَلمّ

137

وأَنا مذنبٌ فأدْعوهُم لِما

لَهُم من الجاهِ وقُرْبٍ يُنْتَمى

138

فقُلْ له مَنْ قاتلَ الرسولُ

كلٌّ مُقِرُّون بما تقولُ

139

وإِنَّ ما قد عَبَدوه من وَثَنْ

ليسَ لها التدبيرُ لا وَلاَ عننْ

140

وَإِنما قصدُهم الشَّفاعةْ

والجاهْ فارددْ هذه الشناعةْ

141

بما أَتى موضَّحَاً في المُنْزَلِ

وما بيونسَ وغيرها تُلِي

( الشبهة الثانية )

142

وإِنْ يَقُلْ قَدْ نَزَلتْ فيمن عبدْ

من هذه الأَصنامِ شيئاً وعندْ

143

أَتجعلونَ الصُّلَحا أَصناماً

بما مضى جاوِبْ تنلْ مُراما

144

إِذا أَقرَّ أَنَّ مَنْ قَدْ كَفرا

يشهدُ أَن الله ربَّ ذي الورى

145

أَنَّهم ليس لَهم قصدٌ سوى

شفاعةٍ والجاهِ يا لهم توى

146

لكن أَراد الفرقَ بين فعلِه

وفعلِهم بما أَتى من جهلِه

147

فَقُلْ له فإِنَّ منهم مَنْ عبدْ

أَهلَ الصلاحِ وإِليهم قد صَمَدْ

148

أُولئِكَ الذينَ يدعون أَتتْ

فيهم ومريمُ البتولُ عُبِدَتْ

149

مع ابنها المسيحِ عيسى فقصرْ

على الرسالةِ كما في الذِّكْرِ قَرْ

150

كلاهُما قد يأْكُلانِ ما حَضَرْ

من الطعامِ مثل حالِ البَشَرْ

151

واذكُرْ له براءةَ الأَملاكِ مِنْ

مَنْ عبدوه سبأَ اتلُ تَفْهمَنْ

152

فبانَ أَنَّ قاصدَ الأَصنامِ

في الشركِ مثلُ قاصدِ الأَعلامِ

153

وقاتَلَ الرسولُ هؤُلاءِ

وهؤُلاءِ لِذا على سواءِ

( الشبهة الثالثة وكشفها )

154

إِنْ يَقُلِ الكفارُ قَدْ أَرادوا

منهم قضا حوائجٍ فجادوا

155

وأَنا أَشهدُ بأَنَّ النفعا

والضرَّ من ربِ الأَنامِ قطعا

156

لا أَرتَجي من غيرهِ شيئاً وَلاَ

للصلحا مِنْ الأَمر شيئاً مسجلا

157

لكنَّني أَقصدُهم وأَرجو

من ربِنا أَن يشفعوا فأَنجو

158

فقُلْ له هذا سواءٌ بسوا

مقالةُ الكفارِ عُبَّادُ الهوى

159

فاقرأْ عليه آي ما نعبدُهُم

إِلا وتَمِّمْ تعلمَنَّ كفرَهم

160

وهؤُلاءِ شفعاؤُنا تُلِي

في سورةٍ من الكتابِ المنزَلِ

161

واعلمْ بأَنَّ ذي الثلاثِ الشُّبَه

أَكبرُ ما عندَهمُ فانتبِهِ

162

إِذا علمتَ أَنَّه وضَّحَها

في آيةٍ ربي ونلتَ فهمَها

163

فكلُّ ما جا بعدَهُن أَيسرُ

جوابها لعالمٍ مُيَّسرُ

( فصل في ست شبه أخرى ) (الأولى )

164

وإِنْ يقلْ إِني لستُ أَعبدُ

غيرَ الإِلهِ ثُمَّ ما قَدْ أَجدُ

165

مِنَ الْتِجاءٍ بي إِلى الصلاحِ

ليسَ عبادةً من المباحِ

166

فأَجِبِ أَنَّ الله حقّاً افترضْ

عليكَ إِخلاصَ العبادةِ وحضّ

167

وهو حقُّه عليكَ فأَبِنْ

معنى العبادةِ تكنْ ممَّنْ زُكِنْ

168

أَو لا فكيفَ تدَّعي ما لستَ

تعرفُه فبالخسارِ بؤْتا

169

إِذْ صرتَ لا تعرِفُها أدْهى ولا

أَنواعها فصرتَ رأْسَ الغُفَلا

170

بيانُها أَنَّ الدُّعا تضرُّعاً

وخُفيةً به الإِله قد دعا

171

فمن دعا تضرعاً وخُفيهْ

امتثلَ الأَمرَ بغيرِ مِرْيَهْ

172

وعَبَدَ الرَّحمنَ ثُمَّ إِنْ دعا

وليّاً أو سواه مثل ذا الدُّعا

173

فإِنَّه أَشركَ ذلك الوليّ

معْ ربِّهِ وذا هو الشركُ الجَلِيّ

(جواب ثان )

174

وَقُلْ له أَيضاً إِذا صليتَ

للهِ والنحرَ له أَتيتَ

175

أَلستَ قد عبدتَ ربكَ فلا

بُدَّ يقولُ إي وربِّي ذي العلا

176

ممتثلاً لأَمرِه في الكوثرِ

أَنزلَهُ الله على المُدَّثِرِ

177

فإِنْ نحرتَ لوليِّ أَو نبي

أَلستَ قَدْ أَشركتَ يا هذا الغبي

( جواب ثالث )

178

وَقُلْ له أَيضاً أُولئكَ الأُولى

فيهم كتابُ اللهِ حقّاً نُزِّلا

179

هل يعبدونَ اللاتَ والأَملاكا

والصُّلَحا لاَ بُدَّ حين ذاكا

180

مِنْ أَنْ يقولَ في جوابهِ نعمْ

فقُلْ له مُبَكِّتاً لما التزمْ

181

هل عبدوها بسوى الدعاءِ

والذبحِ والنحرِ والالتجاءِ

182

ونحوِها مع أَنَّهُم أَقرُّوا

أَنْ ليسَ ينفعُ ولا يضرُّ

183

ولا يُدبِّرُ الأُمورَ لاَ وَلاَ

يُحيي ولاَ يُميتُ إِلا ذو العُلا

184

لكنْ أَرادوه الجاهَ والشفاعة

كما فَعلتمُ يا ذوي الشناعةْ

185

وظاهرٌ هذا ظهوراً جداً

فافهمْه واجتنبْه تُدْرِكَ سعدَا

( شبهة رابعة وكشفها )

186

وإِنْ يَقُلْ هل تُنْكِرنْ شفاعةْ

نبيِّنا يومَ تقومُ الساعةْ

187

وتبرأَنْ منها فقل لاَ بَلْ أَنا

مثبتُها راجٍ لها بِلاَ عَنا

188

فكيفَ لا والشافعُ المشفَّع

هو و ذا عليه أَمرٌ مُجْمَعُ

189

لكنني أَطْلُبُها من ربِّي

إِذ هي مُلْكُه بغيرِ رَيْبِ

190

في الزمرِ اتلونَّ قُلْ للهِ

فلا تكنْ عَنْ تَلْوِها بساهِ

191

وهي لا تكونُ قطعاً إِلاَّ

من بعدِ إِذنِ اللهِ عزَّ جلاَّ

192

لقولِهِ ما مِنْ شفيعٍ إِلاَّ

من بعدِ إِذنه تعالى جَلاَّ

193

من ذا الذي يشفعُ عندَه أَتى

في سورةِ العوانِ أَيضاً مثبَتا

194

والشُّفعا لا يشفعونَ إِلاَّ

لِمَنْ أُنيلَ الإرتضاءَ الأعلى

195

ولا ينالُ الإِرتضاءَ الأَعلى

إِلاَّ امرؤٌ موحدٌ للمولى

196

في آل عمرانَ والأنبياءِ

والنجمِ خُذْ ذَيْنِ بِلاَ مراءِ

197

فحينَ بان أَنها للهِ جلّ

جميعُها ولا لغيرِه دخلْ

198

وبعد إِذنِه تكونُ للنَّبي

ومَنْ بِها بفضلِ ربِّهِ حُبِي

199

وليسَ يشفعُ النَّبيُّ في أَحدْ

إِلاَّ بإِذنِ اللهِ في ذاكَ الأَحدْ

200

وليسَ يأْذنُ الإِلهُ في سوى

من هوفي التوحيدِ قلبُه ارتوى

201

تَبَيَّنَ استبدادُ ربِّ الناسِ

بها جميعِها بِلاَ التباسِ

202

أَطْلُبُها منه أَقولُ ربِّ

هَبْ لي شفاعةَ النبيِّ الحِبِّ

203

لا تَحْرِمَنِّيها وفيَّ شَفِّعِ

نَبِيَّنا الموصوفَ بالمُشَفَّعِ

204

ونَحْوَها وليسَ ضِيْقٌ فيه

لكلِّ ما موحدٍ نبيهِ

205

وإِنْ يَقُلْ أُعْطِيَها وأَنا قَدْ

أَسأَلُه ممَّا أَنالَهُ الأَحدْ

206

يَقُلْ نَعم أُعطيها لكن مَنَعْ

سؤَالَها من غيرِهِ فلْتَرْتَدِعْ

207

أَيضاً فقد أُعْطِيَها غيرُ النَّبيّ

ممن بفضلِ ربِّهِ قد اجْتُبِي

208

مثلُ الملائكِ والاوليا فهل

تطلبُها من كلِّ صالحِ العملْ

209

وإِنْ تقلْ أَفعلُ صرتَ عابدا

للصُّلحاءِ للسعيرِ واردا

210

وإِنْ تَقُلْ لا فمقالُكَ بطلْ

أَطْلُبُ ما أُعطي لآخرِ الجدلْ

( شبهة خامسة )

211

وَإِنْ يَقْلُ حاشا وكلا أَن أُرى

أُشركُ بالرَّحمنِ أَو أَنْ أَكفرا

212

لكنَّ الالتجا إِلى الصلاح

ليسَ بشركٍ لا ولاجَناحِ

213

فَقُلْ فهل تَقِرُّ أَنَّ الشركَ قَدْ

حَرَّمَهُ عليك ربُّنا الصَّمَدْ

214

فوقَ الزِّنى وأَنَّهُ لا يغفرُ

فقررنْ أَحسنَ ما يقرَّرُ

215

فَبَيِّنِ الشركَ كمَنْ علَّمَهُ

فإِنَّ ربَّ العرشِ قَدْ عظَّمَهُ

216

فإِنَّه لَمْ يدرِ فأَعْجَبْ ولتقلْ

أَيَتَبَرَّى الشخصُ ممَّا قد جَهِلْ

217

وإِذ جَهلتَهُ فكيفَ لا تَسلْ

عما عليكَ حَرَّمَ الربُّ الأَجل

218

وهل تَظُنُّ أَنَّهُ حرَّمهُ

عليكَ نصّاً ثم ما أَفْهَمَهُ

( الشبهة السادسة )

219

و إِن يقولوا الشركُ شركُ مَنْ عبدَ

مِن هذه الأَصنامِ شيئاًُ وعَنَدْ

220

ونحنُ لا نعبدُها فَقُلْ وما

عبادةُ الأَصنامِ فسِّرْ تَفْهَما

221

فهَل يرونَ تلكَ الاَّ حِجارا

تجيرُ مَنْ بِها قَدِ استجارا

222

أَو أَنها تنفعُ أَو تضرُّ أَو

تُدَبِّرُ الأَمرَ لِمَنْ لها دَعَوا

223

وإِن تَظُنَّ بهم هذا فقد

يُكذِّبُ القرآنُ هذا المعتقدْ

224

أَو قَصْدَهم بنيةً أَو حجرا

أَو قبراً أو خشبةً أَو صوراً

225

يدعونَها ويذبحونَ عِندَها

تقرُّباً بذا لِمَنْ أَوجَدَها

226

بزعْمِهم كما أَتانا في الزُّمَرْ

بأَنَّ مَنْ يَقُلْ كهذا قَدْ كَفَرْ

227

صَدَقْتَ لكنْ قَدْ فعلتَ مثلَ ما

قد فَعَلوه فارتكبتُم مأْثَما

228

وأَنتَ قَدْ أَقررتَ أَنَّ فعلَكُم

عبادةُ الأَصنامِ قطعاً ويْلَكُمْ

229

فصرتُمُ مثلَهُم في الشركِ

والزيغِ من غيرِ مِرىً وشكِّ

230

يُقالُ أَيضاً قولُكَ الشركُ إلى

آخره بَيِّنْهُ لي وفَصِّلا

231

فهل ترى الشِّرْكَ عليها قد قُصِرْ

ودعوةُ الصَّلاحِ أَمرٌ مُغْتَفَرْ

232

ليستْ من الشركِ فهذا كَذَّبَه

كتابُ ربِّنا العظيم المَنْقَبَهْ

233

مبيناً لكفرِ مَنْ تعلَّقا

على الملائكِ وعيسى المُنْتَقَى

234

وغيرِهم مِنْ صُلَحا لابدَّ أنْ

يَقِرَّ أَنَّ ذا هو الشركُ العَلَنْ

235

وهو المرادُ ثم سِرُّ المسأَلةْ

أَنَّ المُشَتِّبه لدى المجادَلَةْ

236

يقولُ لستُ مشركاً بربِّي

فَقُل وما الشركُ إِذاً بالربِّ

237

فسِّرْه لي مُبيناً وإن يَقُلْ

عبادةُ الأَصنامِ من غير خَجَلْ

238

فَقُلْ وما عبادةُ الأَصنامِ

فسِّرْ يَبِنْ أَنْ لستَ بالإِمامِ

239

وإِنْ يَحُدْ وقالَ إِنَّني لا

أَعبدُ إِلا الله جلَّ وعلا

240

فقُلْ وما عبادةُ الرَّحمنِ

موحداً من غيرِ ما نُكرانِ

241

وإِنْ يفسِّرْها بما القرآنُ

فسَّرَها بهِ فنعمَ الشانُ

242

وِإْن يَكُنْ جاهلُها كبيرٌ يدَّعي

ما رأْسُهُ بعلمِهِ لمْ يُرْفَعِ

243

وإِنْ يفسِّرْها بغيرِ ما أَتى

في الذِّكْرِ بينتَ الذي قد ثَبَتا

244

بواضحاتِ الآيِ معنى الشركِ مع

عبادةِ الأَوثانِ حتى يَقْتَنِعْ

245

أَنَّ الذي يفعلُه أَهلُ الزمنْ

هذا بعينهِ هو الشركُ الفتنْ

246

وأَنَّه عبادةُ الله العلي

من غيرِ شركٍ باطنٍ أَو مُنْجلي

247

هي التي صاحوا بِها علينا

وأَنكروا ونَسَبوا إِلينا

248

من الأُمورِ ما هُمُ بهِ أَحقّ

إِذ يَعبدونَ غيرَ خالقِ الفَلَقْ

249

فاعلمْ إِذاً بأَنَّ شركَ مَنْ سَبقْ

أَخفُّ مِن إِشراك مَن قَدِ التحقْ

250

من أَهلِ وقتنا بأَمرين وما

قد جاءَ في القرآن ِنصُّ فاعلما

251

من أَنَّهم لا يُشركون إِلاَّ

في حالةِ الرخاءِ منهم جَهْلا

252

أَما إِذا رَكِبوا في الفُلْكِ

وأَشرفوا على مبادي الهُلْكِ

253

دَعَوا إِلهَ العرشِ مخلصينَ

له الدُّعا إِليهِ مقبلينَ

254

في سورة الإِسرا والأنعامِ الزمرْ

لقمانَ فانْظرْهُ بهذه السُّوَرْ

255

وكُلُّ مَنْ يَفهمُ هذي المسأَلةْ

إِذْ ذُكِرَتْ مُوضَحَةٌ مُفَصَّلَةْ

256

في الذكرِ وهي أَنَّ مَنْ قاتَلَهم

خيرُ الورى ثم استحلَّ ما لهم

257

يَدعونَ ربَّ العرشِ في الرخاءِ

كذاكَ غيرُه بلا مراءِ

258

أَما لدى الضراءِ والشدائدِ

فليسَ يَدعونَ سواء الواحدِ

259

سبحانَه إِليهِ راغبينَ

ومالهمُ من سادةٍ ناسينَ

260

بانَ له خفةُ شركِ مَنْ سَبَقْ

وقوةُ الشركِ الذي لِمَنْ لَحِقْ

261

لكنَّ مَنْ يَفهم هذي المسأَلةْ

بقلبهِ من هؤُلاءِ الجَهَلَةْ

262

والمستعانُ الله مَنْ به هُدِي

بفضلِهِ هو الذي قد يَهْتَدي

263

والأَولونَ إِنما يدعونَ

بجهلهم ناساً مقرَّبينَ

264

كالأَوليا والأَنبيا أَو الحجرْ

ليسَ له ذنبٌ و لا منه ضررْ

265

ومشركو زمانِنا يدعونَ

ناساً بفسقِهم يُخَبِّرونَ

266

كالتركِ للصلاةِ والسرقةِ

مع الزِّنى كذاكَ شربُ الخمرةِ

267

فبانَ أَنَّ مَنْ دعا وعبدا

أَحبابَ ربِّ العالمين السُّعَدا

268

أَو حجرٍليسَ له ذنبٌ ولا

ليسَ له علمٌ بما قَدْ فَعَلا

269

أَهونُ إِشراكاً من الذينا

يدعونَ فُسَّاقاً مُشَعوِذينا

270

يُقَدِّرونَ الخيرَ فيهم مع ما

قد شاهدوا من فِسْقِهِم ومن عمى

( الشبهة العظيمة وأجوبتها )

271

إِذا عرفتَ أَنَّ مَنْ قاتلَهم

خيرُ الورى حتى استباحَ ما لهم

272

أَصحُّ عقلاً وأَخفُّ شركاً

من هؤُلاءِ المشركين النوكا

273

فاسمعْ لما يَلقُونَه من شبهةٍ

عظيمةٍ من عندِهم مشكلةٍ

274

على الذي لمْ يتأَملْ فيها

وَلَمْ يَكُنْ في نفسِهِ نَبيها

275

قالوا الذينَ نُزِّلَ القرآنُ

فيهم أُناسٌ دأْبُهم كفرانُ

276

لم يَشْهدوا أَنْ لا إِله إلاَّ

الله عزَّ ربُّنا وجَلاَّ

277

ويُنكرونَ البعثَ والقرآنُ

عَندَهُمُ سحرٌ أَو البُهْتانُ

278

ونحنُ لا إِله إِلاَّ الله

نَقولُها والكفرُ أَنكَرْناه

279

وأَنَّ أَحمدَ رسولُ اللهِ

والذِّكْرَ صَدَّقْنا بلا اشتباهِ

280

وبالصِّيامِ والصَّلاةِ نَعبُدُ

إِلهَنا وبَعْثَنا لا نَجْحَدُ

281

كيفَ تُسؤُّونا بِهؤُلاءِ

وحالُنا ليسَ على سواءِ

( الجواب الأول )

282

فقُلْ لهُم عندي لهذه الشُّبَهْ

أَجوبةٌ مُفحِمةٌ مُرتَّبةْ

283

أَولها الإِجماعُ أَنَّ مَنْ قَبِلَ

بعضَ الذي أَتى به خيرُ الرسلْ

284

وَرَدَّ بعضاً أَنَّه لمْ يَدخُلِ

في دينِ الإسلامِ الرضيِّ الأَفضلِ

285

بل هو كافرٌ كذا إِن آمنا

ببعضِ ما نَزَلَ ثُمَّتَ انثنى

286

جحداً عن البعضِ كذاكَ إِن أَقرّ

للهِ بالتوحيدِ ثم قد نَكَرْ

287

فرضَ الصلاةِ أَو أَقرَّ بهما

وقال حقُّ المالِ ليسَ مُلزما

288

أَو قَدْ أَقرَّ بالجميعِ وجحدْ

فريضةَ الحجِ إِلى بيتِ الصَّمَدْ

289

وحينَ لَمْ ينقدْ أُناسٌ في أَمد

نبيِّنا للحجِّ أَنزلَ الصمدْ

290

في آل عمرانَ من الآياتِ ما

فيه انزجارٌ مبصرٌ لذي العمى

291

ومن أَقرَّ بجميع ما ذُكِرْ

وَجَحَدَ البعثَ بإِجماعٍ كفرْ

292

وحلَّ منه الدمُ والمالُ كما

في سورة النساء جلَّ حَكَما

293

مُصَرِّحاً بأَنَّ كلَّ مَنْ أَقرّ

ببعضهِ وبعضُه منه نَفَرْ

294

فإِنَّه الكافرُ حقّاً فظهرْ

زوالُ ذي الشبهةِ حتى لا أَثرْ

( الجواب الثاني )

295

وقُلْ له أَيضاً إِذا كنتَ تُقِرّ

بأَنَّ مَنْ صَدَّقَ كلَّ ما ذُكِرْ

296

جميعَه وواحداً منه نَكَرَ

لا شكَّ أَنَّه بذاكَ قد كَفَرْ

297

إِذاً فتوحيدُ الإِلهِ أَعظَمُ

ممَّا أَتى به النَّبيُّ الأَعظمُ

298

من الصَّلاةِ والزكاةِ وسوى

هما كذا من كلِّ ما الشرعُ حوى

299

فكيفَ من جَحَدَ ممَّا قد ذُكِرْ

شيئاً بإِجماعِ الأَنامِ قَدْ كُفِرْ

300

ولو بكلِّ عملٍ قَدْ عَمِلا

جاءَ به خيرُ نبيِّ أْرْسِلا

301

ومَن لتوحيدِ الإِله قد جَحَدْ

ليسَ بكافرٍ ولا أَتى الفَنَدْ

302

سبحانَ ربي فما أَعجبَ ما

أَتاه أَهلُ الجهلِ أَربابُ العمى

( الجواب الثالث )

303

وقُلْ له أَيضاً فأَصحابُ النبي

قَدْ قاتلوا قومُ مُسيلمِ الغبي

304

مع كونهم قد أَسلموا مع النبي

صلى عليه الله مع كلِّ نبي

305

ويشهدونَ بالشهادتينِ

صَلُّوا وأَذنبوا بغيرِ مَيْنِ

306

وإِنْ يَقُلْ هم جعلوا مُسيلمهْ

مثلَ إِمامِ الحنفاءِ المسلمةْ

307

فقُلْ له هذا هو المطلوبُ

جوابُه مُستحضرٌ موهوبُ

308

إِن كانَ مَنْ رفع إِنساناً إِلى

مرتبةِ مَنْ للأَنامِ أُرْسِلا

309

يَكُفُرُ لا تنفعُهُ الصلاةُ

ولا الشهادتانِ والزَّكاةُ

310

ومالُهُ ودمُه حِلاًّ فما

حالةْ مَنْ لقدرِ جبارِ السَّما

311

والأَرضِ يَرَفَعُ نبيًّا أَو وَلي

أَو الصحابي الرفيع المنزلِ

312

سبحانَ ربي شأْنُه ما أَعظَمَهْ

على عُصاةِ أَمرِهِ ما أَحْلَمَهْ

313

فإِنَّه على قلوبِ الجُهَلا

يَطبعُ هذا في الكتابِ أنْزِلا

( الجواب الرابع )

314

وقُلْ لهمُ أَيضاً عليُّ أَحْرَقا

قَوماً غَلَوا فيه وما إِن أَشفقا

315

قَدْ صَحِبوه وتَعَلَّموا على

أَصحابِ خيرةِ الأَنامِ الفُضَلا

316

لكنَّهم يعتقدونَ في علي

مثلَ اعتقادِ بعضِكم في الجُهَّلِ

317

وغيره ممَّنْ تَسمَّى بالولي

في رأْي كلِّ جاهلٍ ومبطل

318

فأَجمَعَ الصَّحبُ على مقتلهِم

وكفرِهم وذا جزاءُ مثلهِم

319

أَتحسبونَ أَنَّ أَصحابَ النبي

يحرِّقونَ من بالإسلام حُبي

320

أَو الصَّحابةُ يُكَفِّرِون

قوماً أُولي الإِيمانِ مسلمينَ

321

أَم تَحسبونَ الإعتقادَ في عَلي

كُفْرٌ وفي مَنْ دونَه دينٌ جَلي

322

أَو الغلوُّ في عليٍّ كُفْرُ

وفي مشايخِ الطريقِ بِرُّ

( الجواب الخامس )

323

أَيضاً بنو عبيدٍ القداحِ

تملكوا المغربَ بالكفاحِ

324

ومصرَ في عهد بني العباسِ

يرون أَنَّهم أَتمُّ الناسِ

325

ديناً وإِسلاماً ويشهدونَ

شهادةَ الحقِّ ويجمَعونَ

326

لمَّا أَتوا جهلا أُموراً منكَرَةْ

تخالفُ الشريعةَ المُطهَّرَةْ

327

أَجمعَ أَهلُ العلم والعرفانِ

على قتالِهم بلا ثنيانِ

328

وأَنَّ قُطرَهم بلادُ حربِ

لغزوهِم قد قامَ كلُّ ندبِ

329

من مسلمي زمانِهم فاستخلصوا

تلكَ البلادَ إِذ لربي أَخلصوا

( الجواب السادس )

330

أَيضاً فقُلْ إِنْ كانَ مَنْ قد غبَروا

من مشركي العربِ لمْ يُكَفَّروا

331

إِلاَّ لكونِهم مُكَذبينَ

بالبعثِ والقرآنِ مُنكِرين

332

وَكَذَّبوا النبي فما الذي ذُكِرْ

في كلِّ مذهب وإِمامٍ مُعتَبر

333

بابُ ارتدادِ مسلمٍ بقولِ

يُخرِجُه عن دينهِ أَو فِعلِ

334

وذَكروا مِنْ ذاكَ أَنواعاً تُحِلّ

دَمَ امرئ إِذ في الكفورِ قَدْ دخلْ

335

وذكروا أَشيا يسيرةً على

قائِلها إِذ قالها مُغَفَّلا

336

أَو هازلاً أَو مازحاً ككلمةِ

يقولُها جهلاً بغير نيَّةِ

( الجواب السابع )

337

وقُلْ لهم أَيضاً أُولئك الأُولى

فَضَحَهم ربُّ السماواتِ العلى

338

إِذ قالَ يحلفونَ باللهِ إِلى

كلمةِ الكفرِ وما لهم تلا

339

أَما سمعتَ أَنَّه كفَّرهم

وهم معَ النبي وما أَعذرَهم

340

مع الجهادِ معه والصلاةِ

والحجِّ والتوحيدِ والزكاةِ

341

كذاكَ مَنْ أَنزلَ لا تعتذِروا

فيهم بمزحٍ وبهزلٍ كفروا

342

وهؤُلاءِ صرَّحَ الرَّحمنُ

بكفرِهم إِذ جابَه القرآنُ

343

من بعدِ إِيمانٍ وهم مع النبي

صلى عليه الله معْ كلِّ نبي

344

في غزوةٍ إِلى تبوكَ تُنسَبُ

فأَوجبوا بِكلمَةٍ ما أَوجبوا

345

تكلّموا بها لخوضٍ ولَعِبْ

بلا اكتراثٍ وهمُ ممَّنْ صَحِبْ

346

فانظُرْ إِلى شبهتِهم وانظرْ إِلى

جوابِها الموضِّح ما قد أَشكلا

347

تأَمَّلَنْهُ إِنَّه أَنفعُ ما

في هذه الأَوراقِ إِذ جَلا العما

( جواب آخر )

348

أَيضاً من الدليل ما الله ذَكَرْ

عن قومِ موسى مع علمٍ قد بَهَرْ

349

ومن علومٍ وصلاحٍ إِذ دَعَوا

موسى فقالوا اجعلْ لنا وما ارعووا

350

وقولُ ناسٍ من صحابةِ النبي

فذاتَ أَنواطٍ لنا اجعلْ يا نبي

351

فأَقسمَ النَّبيُّ أَن قولَهم

نظيرُ ما قالَ اليهودُ ويلهُمْ

352

لكنْ لأَهلِ الشركِ شبهةٌ بها

يُدْلونَ في قصتنا ذي انْتَبِها

353

قالوا فما كَفَّرَ موسى أَحداً

منهم ولا محمدٌ بل شدَّدا

354

قُلنا نعم لو فعلوا لَكُفِّروا

وإِذ همُ ما فَعلوا قد نُفِّروا

355

لكنَّ ذي القصةِ تُستفادُ

منها أُمورٌ عِلْمُها رشادُ

356

مِنْ ذاك أَنَّ المسلمَ العالمَ قد

يُشرك في أَقوالِه ولم يُرِدْ

357

فيتعلمُ إِذاً ويجتهدْ

ويتحرزُ من القولِ الفَنِدْ

358

وأَنَّ قولَ القائلِ التوحيدُ

كُلاًّ فهمناهُ لنا يُفيدُ

359

بأَنَّه في أَكبرِ الجهالةْ

وهو من الشيطانِ في حبالَةْ

360

وأَنَّ مَنْ فاهَ بما يؤُولُ

للكفرِ جاهلاً بِما يقولُ

361

ثُمَّتَ نُبِّهَ وفي الحال رَجَعْ

حالاً ففي الكُفورِ قَطْعاً لم يَقَعْ

362

لكنَّه تَلَفَّظَ الكلاما

عليه إِذ أَتى بما يُلاما

363

كَمِثْلِ ما قد قالَ عالمُ السننْ

مكبراً والله إِنّها السَّنَن

( شبهة أخرى )

364

ذي شبهة أُخرى يَقولون النبي

صلى عليهِ الله مع كلِّ نبي

365

أَنكَرَ ما أَتى به أُسامَةْ

إِذ سَلَّ في غزوتِه حُسامَةْ

366

على الذي قتلَهُ يقولُ لا

إِلهَ إِلاَّ الله جلَّ وعلا

367

قالَ له موبخاً أَبعدَ ما

قَدْ قالَها قتلتَهُ مُتهما

368

قالَ أُمرتُ أَن أُقاتِلَ الورى

حتى يقولوا أَتْمِمَنَّ الأَثرا

369

كذاكَ قَدْ أَتتْ أَحاديثُ نهتْ

عن قتلِ من قَدْ قالَها وكثرتْ

370

هذا وقصدُ هؤُلاءِ الجُهَلا

أَنَّ الذي قد قالَها لن يُقتلا

371

ولا يُكَّفرُ ولو فعلَ ما

فعلَ قُلْ لهم فقطعاً عُلِما

372

أَنَّ الرسولَ قاتلَ اليهودَ معْ

قولِهِمُ بها وذا حقّاً وَقَعْ

373

وصحبُه بني حنيفةٍ رُموا

بالحربِ حتى رجعوا عمَّا ادعوا

374

وهُم إِلى الإِسلامِ يُنسَبونَ

وبالشهادتينِ يَنْطقونَ

375

وهم يقرون بأن من جحد

ركناً من الإسلام يقتل إذ

376

وحَرَّقَ الصَّهْرُ عليُّ قوما

بها يقولونَ وليسَ ظُلْما

377

و أَنكرَ البعثَ ولو كررَ لا

عند إِله إِلا الله جلَّ وعلا

378

فكيفَ لا تَنْفَعُهُ إِذا جَحَدْ

فرْعاً وتنفعُ إِذا التوحيدَ ردّ

379

وهو أَساسُ الدينِ والرأْسُ فلا

أَعجبُ مِنْ ذا الجهلِ عند العُقَلا

380

لكنَّ أَعداءَ الإِلهِ جَهِلوا

معنى الأَحاديثِ التي تأَوَّلوا

381

أَما أُسامةُ فإِنَّه قتلْ

من هو ظاهرٌ بالإِسلامِ اهْتَبَلْ

382

فظَنَّ أَنَّهُ لخوفٍ عن دمِهْ

ومالِهِ أَسلَمَ أَو عن حَرَمِهْ

383

فأَخطأَ الحُكمَ فإِنَّما يجبُ

كفُّ السنانِ عنه دَرْءاً للعَطَبْ

384

حتى يَبينُ منه ما يُخالِفُ

ما يدَّعي فهو بذاكَ تَلِفُ

385

فأَنزلَ الإِلهُ في ذلكَ ما

في سورةِ النساءِ جاءَ مُحْكَما

386

معاتباً وبالتبيُّنِ أَمَرْ

والكفِّ مع تثبُّتٍ بلا ضَرَرْ

387

وبعد هذه الثلاثِ إِنْ ظَهَرْ

خلافُ ما يقولُ فالدمُ هَدَرْ

388

لو كانَ مَنْ أَتى بها لا يُقْتَلُ

لم يَكُ للتَّثْبيتِ مَعْنى يُعْقَلُ

389

وهكذا كلُّ الأَحاديثِ التي

تَأْمُرُ بالكفِّ وبالتثبُّتِ

390

فمظهرُ التوحيدِ والإِسلامِ

يَجِبُ عنه الكفُّ بالتَّمام

391

إِلا إِذا بانَ به خِلافُ ما

أَظهَره فالسيفُ خُذْه حَكَما

392

دليلُنا أَنَّ رسولَ اللهِ قد

عاتبَ من لِقَتْلِ ذا الشخصِ عَمَدْ

393

وهو الذي قالَ أُمرتُ أَنْ إِلى

آخرِ ما قد قَالَهُ خيرُ المَلا

394

هو الذي قد قالَ في الخوارجِ

قولاً يُسيءُ وجْهَ كلّ خارجي

395

معمِّماً في قتلِهِم بأَينما

مشبِّهًا لهم بعادِ اللُّؤَما

396

معْ أَنهم من أَكثرِ الخلائقِ

هيلَلَةً وطاعةً للخالقِ

397

واحتقرَ الصحبُ نفوسَهم لِما

يأْتُونَهُ منِ اجتهادٍ عَظُما

398

تَعَلَّموا العِلْمَ من الصَّحابةِ

ما نَفَعَتْهُم كثرةُ العبادةِ

399

وقولُ لا إِله إِلاَّ الله

محمداً أَرْسَلَهُ الإِلهُ

400

ولا ادِّعا الإِسلام لمَّا أَنْ ظهرْ

منهم خلافُ شرعِنا الأَعلى الأَغَرّ

401

كذا قتالُه اليهودَ اللُّؤَما

كذا بنو حنيفةٍ أَهلُ العَما

402

وهمُّه يغزو بني المصطلقِ

لخبرٍ أَتاهُ غيرِ حقِّ

403

بمنعِهم زكاتِهم فنزلا

في الحجراتِ ما أَتى مُرَتَّلا

404

فبانَ أَنَّ مقصِدَ النَّبيِّ في

كلِّ حديثٍ ماذكرنا فاقْتَفِ

( شبهة أخرى )

405

وشبهةٌ أُخرى لَهُمْ ما ذَكَرا

مُبَيِّنا محمدٌ خيرُ الوَرَى

406

من استغاثةِ الورى بالأَنْبيا

وفي الصحيحِ ذا الحديثُ رُوِيا

407

قالوا وهذا أَوضحُ الدليلِ

مِنْ عِند كلِّ منصفٍ نبيلِ

408

على جوازِ الإستغاثةِ بِمَنْ

يُرْجى لَدَيْهِ الغَوْثَ في كلِّ الزَّمَنْ

409

نقولُ سبحانَ الإِلهِ إِذ طَبَعْ

على قُلَيْبِ كلِّ معتدٍ لُكَعْ

410

نَعم جوازُها بمخلوقٍ بما

عليه يَقْدِرُ لَدَيْنا عُلِما

411

قال تعالى فاسْتَغاثَه الذي

لا غَرْوَ ذا الذي عليه نَحْتَذي

412

وَيستغيثُ الشخصُ بالإِخوان

في الحربِ والرفعِ وفي الحِمْلانِ

413

في كلِّ ما المخلوقُ عنه يَقدِرُ

والإستغاثةُ التي قد تُنْكَرُ

414

هي استغاثةُ العبادةِ التي

فعلتُمُ عندَ قبورِ الجِلَّةِ

415

من أَولياءٍ ودُعا الغِيَّابِ

في غفلةٍ عن مالِكِ الأَربابِ

416

في كلِّ ما لا يقدِرُ المخلوقُ

عليه من أَمرٍ ولا يُطيقُ

417

فالإستغاثَةُ إِذاً بالأَنبيا

يومَ القيامةِ كَما قدْ رُوِيا

418

إِرادةٌ منهم دعاءَ اللهِ

لِما لهم من عندِهِ من جاهِ

419

لأَنْ يُحاسِبَ الورى فتُوزنُ

أَعمالُهُم فيستريحُ المؤْمِنُ

420

مِنْ كَرْبِ ذاك المَوْقِفِ العظيمِ

وطولِهِ وهَوْلِهِ العميمِ

421

نُخبرها دنيا وأُخرى مثل مَنْ

يقول يا أَخي النُهى ادعون

422

بالخيرِ وهو سامعٌ كلامَهُ

وجالسٌ في الجَنْبِ أَو أَمامَهُ

423

كفعلِ أَصحابِ رسولِ اللهِ

إِذْ يَسْأَلونَه دعاءَ اللهِ

424

لهم بخيرٍ في حياتِهِ وفي

مماتِهِ فذاك عنه مُنْتَفِ

425

حاشا وكَلاَّ أَنَّ شخصاً سأَلَهْ

من بعدِ موتِهِ بأَدنى مسأَلَةْ

426

بل أَنْكَرَ الأَسلافُ قَصْدَ قبرِهِ

مِنْ عندِهِ يدعو لأَيِّ أَمرِهِ

427

فكيفَ مَنْ يَدْعو النبي بنفسِهِ

فهوَ أَذَلُّ وأَخسُّ جنسِهِ

( شبهة عرض جبريل على إبراهيم بـ" ألك حاجة " )

428

وشبهةٌ أُخرى لهم عرضُ المَلَكْ

جبريلَ في الهواءِ قائلاً أَلَكْ

429

من حاجةٍ لإِبْراهيمَ إِذْ نُظِمْ

في المَنْجنيقِ لِجَحيمٍ مُصْطَلِمْ

430

قالوا لِذا فالإسْتَعانَةُ نَرَى

جوازَها لعرضِ خيرِ السُّفَرا

431

قَبولَها على الخليلِ فَثَبَتْ

أَن لا تُرى حُرْمًا ولا شِركاً يُبَتّ

432

جوابُ هذي كجوابِ الأُولى

فإِنَّ روحَ القُدسِ جبرائيلا

433

لا شكَّ قادِرٌ على أَنْ يَنْفَعَهْ

إِما بِطَفْءِ النارِ أَو أَنْ يَرْفَعَهْ

434

إِلى السَّما أَو بِتَغَيُّبٍ إِذا

أَمَرَهُ من عنه دافعَ

435

إِذ وضَعَه بمكنةٍ وقوةٍ

أَتى كتاباً وكذا بمرة

436

مثالُهُ كرَجُلٍ غَنِيِّ

مَرَّ بشخصٍ ذا عَنا وَعِيِّ

437

قالَ لهُ هلْ لكَ مِنْ أَنْ أَهَبَكْ

شيئاً من المالِ لتقضي أَرَبَكْ

438

فيُعرِضُ الفقيرُ عن عَطاهُ

مُرْتَجِيَ العطاءِ مِن مَوْلاه

439

لا منةً لأَحدٍ فيها ولا

إِذاً فهذا نِعمَ ما قَدْ فعلا

( خاتمة مهمة تفهم مما قبلها )

440

وَلْنَخْتِمَنْ كلامَنا بمسأَلةْ

مهمةٍ أَعْظِمْ بهذي المسأَلةْ

441

تُفْهَمُ ممَّا قَدْ مَضى ونُفْرِدُ

لَها الكلامَ إِذا بِهِ تُحَدَّدُ

442

لِكَثْرةِ الغَلَطِ فيها وكِبَرْ

شؤُونها وعُظْمِها مع الضَّرَرْ

443

فلا خلافَ أَنَّ توحيدَ العليّ

لا بُدَّ منْ تحقيقِهِ بالعملِ

444

بالقلبِ واللِّسانِ والأَعمالِ

فكلُّ مَنْ عُرِفَ بالإِخلالِ

445

بواحدٍ منها ففي الإِسلامِ لمْ

يَدْخُلْ وفي ضلالةٍ قطعاً أَلَمّ

446

منْ عَرَفَ التوحيدَ ثم ما عَمَلْ

بهِ فكافرٌ كَفِرْعَوْنَ الأَذلّ

447

وفيه يغلطُ كثيرٌ إِذ يُقِرّ

بأَنَّ ذا جميعَهُ حقُّ وبِرّ

448

ونحنُ نفهمُ ونشهدُ بذا

لكِنَّما استعمالُهُ قد نُبِذا

449

إِذ لا يجوزُ عند أَهلِ أَرْضِنا

إِلاَّ الذي بِوَفْقِهِم قدِ اعْتَنى

450

وغير ذلكُمْ من الأَعذارِ

والحالُ أَنَّ قادةَ الكفَّارِ

451

قد يعرِفونَ الحقَّ لكنْ أَنكروا

لِعُذرٍ أو لِغَرضٍ فَكَفَروا

452

وفي العَوانِ يعرِفونَه كما

وفي براءةِ اشْتَرَوْا فَتَمِّما

453

فإِنْ بتوحيدِ الإِلهِ عَمِلا

جهراً وفي قُلَيْبِهِ منه خلا

454

فهوْ منافقٌ وممَّنْ قد كَفَرْ

هو أَشرُّ ومآلُهُ سَقَرْ

455

إِنَّ المنافقينَ في الدَّرْك إِلى

آخرِه فتَتْلُوَنَّ المُنْزَلا

456

وهذه مسأَلةٌ طويلةٌ

لكنَّها مهمَّةٌ جليلةٌ

457

تَبينُ إِنْ تُؤُمِّلَتْ في أَلْسُنِ

أَكثرِ هذا الناسِ في ذا الزَّمَنِ

458

إِذ منهمُ من يعرفُ الحقَّ ولا

يأَتي بمقتضاهُ أَعْني العَمَلا

459

لخوفِ نقصِ الجاهِ أَو دنياهُ أَو

قصدِ مداراةِ الذينَ قَدْ عَصَوْا

460

وبعضُهم يعملُ ظاهراً وَلا

يَعْمَلُ باطِناً وبئسَ عَمَلا

461

لكِنْ عليكَ فَهْمُ آيتينِ منْ

كتابِ ربِّنا لكَ الأَمرُ يَبِنْ

462

إِذ قالَ لا تَعْتَذروا فَحَكَما

بكفرِهِمْ من بعدِ إِيمانٍ سَمَا

463

إِذا عَرَفْتَ أَنَّ بعضَ مَنْ غَزَوْا

معَ النَّبيِّ الرُّومَ ثمَّ قَدْ أَتَوْا

464

بكِلمةٍ قالوا على وجهِ اللَّعِبْ

فكُفِّروا ونالَهُم أَدْهى العَطَبْ

465

يَبينُ أَنَّ مَنْ بكفرٍ نَطَقا

ومن بِهِ عَمِلَ ممَّا عَلِقا

466

في قلبِهِ من خوفِ نَقْصِ مالِهِ

أَو أَجْلِ جاهٍ خافَ مِن زوالِهِ

467

أَو لمداراةِ الأَنامِ أَعْظَمُ

مِنَ الأُلَى بِكلمةٍ تكلَّموا

468

إِرادةَ المزح ِبها والثانيةْ

في سورةِ النحل بحقِّ آتيهْ

469

فقالَ مَنْ كَفَرَ باللهِ إِلى

آخرِه فَلْتَقْرَأَنْ مُرَتِّلا

470

تفهمْ بأَنَّ مَنْ كَفَرَ باللهِ ما إِنْ أَعْذَرا

في النُّطْقِ بالكفرِ سوى مَنْ أُجْبِرا

471

إِن كانَ قلبُه بالإيمانِ اطْمَأَنّ

وغيرُ ذا ففي الكفورِ قَدْ أُبِنْ

472

من بعدِ إِيمانٍ سواءٌ فَعَلا

خوفاً على مالٍ كفِعْلِ الجُهَلا

473

لمزحٍ أَو حبِّ العشيرةِ وما

لِشُبْهِ هذه الأُمور يُنْتَمَى

474

وآيةُ النحلِ بوَجْهَيْنِ تدُلّ

على جميعِ ما ذَكَرْتُ فالأُولّ

475

من قولِه إِلاَّ مَن أكْرِهَ فَلَمْ

يَسْتَثَنْ ِغيرَ مُكْرَهٍ إِذ قَدْ عُلِمْ

476

بأَنَّما الإِكراهُ في الأَفعالِ

يصحُّ والنُّطقِ بلا إِشكالِ

477

أَمَّا الذي في القلبِ مِنْ عقدٍ فلا

يصحُّ فيه بإِتَّفاقِ العُقَلا

478

والثانِ قَولُه تعالى ذلِكا

بأَنَّهم فاقْرا بما هنالكا

479

تَعْلَمْ بأَنَّ الكفرَ والعذابَ لمْ

يَكُنْ بالإعتقادِ مع جَهْلٍ أَلَمّ

480

والبُغضِ للدينِ وحُبِّ الكفرِ

نَعوذُ بالرَّحمنِ مِنْ ذا الخُسْرِ

481

وإِنَّما السببُ فيه أَنَّ لَهْ

خَسيسُ حَظِّ في الدُّنا المُعَجَّلَةْ

482

فهو على الدينِ الحنيفِ آثَرَهْ

فَصار ممَّنْ يَذَرونَ الآخِرَةْ

483

نعوذُ باللهِ منَ الخِذلانِ

ومِن قطيعةٍ ومِنْ كُفْرانِ

484

اللهُ جلَّ وتعالى أَعلمُ

وهو أَعزُّ مَنْ حَمَى وأَكْرَمُ

485

وصَلِّ يا ربِّ على محمدِ

وآلِهِ والصَّحْبِ طولَ الأَبدِ

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا