قالوا عن الإسلام

نبذة مختصرة

قالوا عن الإسلام : هذا الكتاب يقدم مجموعة من الشهادات المنصفة في حق الإسلام، وقرآنه الكريم ونبيه العظيم، وتاريخه وحضارته ورجاله، وهذه الشهادات صدرت عن أعلام معظمهم من غير المسلمين، فيهم السياسي والأديب والشاعر والعالم، والعسكري، والرجل والمرأة.
- يتضمن الكتاب مدخلاً وسبعة فصول، تتفاوت في مساحاتها استناداً إلى حجم المادة المرصودة في كل فصل.
حيث يتحدث الفصل الأول عما قيل في (القرآن الكريم)، ويتحدث ثانيها عن (رسول الله صلى الله عليه وسلم): الشخصية والسيرة والحديث والسنة، بينما يتجه ثالثها، وهو أكبرها حجمًا إلى (الإسلام) بكافة جوانبه العقيدية والتشريعية والتعبدية والأخلاقية والسلوكية. أما الفصل الرابع الذي يتميز باتساع رقعته، أسوة بالذي سبقه، فينتقل للحديث عن معطيات الإسلام التاريخية بصدد اثنتين من أهم المسائل: الانتشار ومعاملة غير المسلمين. وهما مسألتان مرتبطتان أشد الارتباط، متداخلتان كنسيج واحد ولذا تم تناولها في إطار فصل واحد.
وأما الفصل الخامس الذي يميز هو الآخر باتساعه، فيقف عند المعطيات الحضارية، محاولاً قدر الإمكان تجاوز التفاصيل والجزئيات، مركزًا على الشهادات ذات الطابع الاستنتاجي والتقييمي، وبخاصة تلك التي تتحدث عن أبعاد الدور العالمي الذي لعبته حضارة الإسلام في مجرى التاريخ.
أما الفصلان الأخيران الأصغر حجمًا فيعالج أحدهما بعض ما قيل بصدد جانب مهم من النسيج الاجتماعي للإسلام والمجتمع الإسلامي: المرأة والأسرة، ويتناول ثانيهما نماذج من الشهادات التي قيلت عن واقع الإسلام الراهن ومستقبله القريب والبعيد.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 قالوا عن الإسلام

إعداد / الدكتور عماد الدين خليل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم المرسلين، وعلى من دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد:

يطيب للندوة العالمية للشباب الإسلامي أن تضع بين يدي القارئ الكريم هذا العمل العلمي الجديد (قالوا عن الإسلام) الذي ألفه لها الدكتور عماد الدين خليل.

وقد بدأت فكرة هذا الكتاب عندما أعدت الندوة عددًا من النشرات باللغة الإنجليزية للتعريف بالإسلام لغير المسلمين كان من بينها ثلاث مطويات هي:

1-      ماذا قالوا عن الإسلام.

2-      ماذا قالوا عن القرآن.

3-      ماذا قالوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد لاقت تلك النشرات استحسانًا كبيرًا، وأصبحت مادة الدعوة للإسلام داخل المملكة وخارجها وترجمت إلى عدد كبير من اللغات الحية، ومن هنا نشأت فكرة تأليف كتاب جامع لهذه الشهادات، ولقد فكرت الندوة طويلاً في الفكرة ثم أعدت ورقة العمل التي توضح أمرها واستشارت فيها عددًا من العلماء في الداخل والخارج فجاءت الردود مشجعة جدًا، مما يدل على أن هذا الكتاب المقترح سوف يسد – إن شاء الله – ثغرة يحتاج المسلمون إلى سدها. فطلبت الندوة من الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل أن يقوم بتحمل هذا العبء الكبير، فنهض بالكتاب نهوضًا مشكورًا نرجو أن يجده في ميزان حسناته، فقد دقق وتابع واستقصى ومهد بمقدمة مركزة أثرت الكتاب الذي جاء ثمرة لجهده ومعاناته ودل على أكاديمية مخلصة ودقيقة.

وهذا الكتاب يقدم مجموعة من الشهادات المنصفة في حق الإسلام، وقرآنه الكريم ونبيه العظيم، وتاريخه وحضارته ورجاله، وهذه الشهادات صدرت عن أعلام معظمهم من غير المسلمين، فيهم السياسي والأديب والشاعر والعالم، والعسكري، والرجل والمرأة.

وهذه الشهادات تؤكد أن الدنيا لا تخلوا من أحرار الفكر الذين يمكن أن يصلوا إلى الحق أو إلى جوانب منه، ويؤدوا حق الشهادة في ذلك. وإذا كان هذا يشكل بالنسبة لنا مادة للفخر والسرور، فإنه يزيد اعتزازنا بهذا الدين ويلقي علينا مسئولية كبيرة، وهي أن ننهض بواجب البلاغ، متوقعين أن نحقق مساحة من النجاح تتوازى مع إخلاصنا وجهدنا.

وربما يؤخذ على الكتاب أنه اقتصر على الاستشهاد بأقوال الغربيين الذين سبقوا عشر السنوات الماضية، كما اقتصر على الرجوع للترجمات العربية بينما ينبغي الرجوع إلى مختلف اللغات ليكون البحث أكثر شمولاً، وأصدق تمثيلاً ولكن استحالة الاستيعاب والرغبة في الاقتصار على نماذج مختارة وحتى لا يطول الكتاب طولاً مملاً اقتصرنا على هذا الاختصار الذي نرجو أن لا يكون مخلاً.

كما نحب أن ننبه إلى أننا قد لا نتفق بالضرورة مع كل جزئية وردت في هذه الشهادة أو تلك، ذلك لأن لهؤلاء الشهود ظروفهم النفسية والاجتماعية التي قد تحجب عنهم جوانب من الحق، وكان من جملة أهدافنا أن نسوق شهادات غير المسلمين لأن (الحق ما شهدت به الأعداء)، كما تشكل تأكيدًا لقناعة المؤمنين وحافزًا لبعض المتشككين الذين يحسنون الظن فيمن ننقل عنهم من أساطين الحضارة الغربية.

وقد جمع المؤلف – جزاه الله خيرًا – مادة ضخمة من الشهادات والنقول التي رأت جمال الإسلام وكماله، ولكن الندوة تريد أن يحقق الكتاب هدفه بأيسر الطرق فاقترحت على المؤلف أن يختصر اختصارًا لا يخل بالمنهج وذلك بالإبقاء على عدد محدود من الشهادات لكل صاحب شهادة يفي بالهدف الذي اختيرت الشهادات من أجله وهذا الذي كان.

ولذلك فإن الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم هو الطبعة المختصرة من المشروع الأصلي للكتاب.

هذا وإننا نرحب بأي ملاحظة لدراستها والاستفادة منها في الطبعة الثانية، فالكمال لله عز وجل وحده، وكل عمل بشري بحاجة دائمة إلى المراجعة والتقويم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الأمين العام

للندوة العالمية للشباب الإسلامي

د. مانع بن حماد الجهني

 ملاحظات في المنهج

(1)

يبدو أن العقل الغربي – عمومًا – يقف إزاء الإسلام في نقطة التوازن بين الشد والجذب باتجاهين متناقضين: النزعة العلمية الموضوعية والنزعة التحزّبية وكل ما يرتبط بها أو يوازيها من إحساس استعلائي تجاه كل ما هو شرقي، ورغبة منفعية في تدمير ثقة الشرقيين بأنفسهم.. إلى آخره.

بعض الغربيين يقدر على تخليص نفسه من أسر هذه النقطة فيميل إلى معالجة ما يتعلق بالإسلام معالجة موضوعية ويقترب من الحقيقة، بينما يندفع بعضهم الآخر باتجاه القطب المعاكس، فيقف موقفًا مضادًا يتأرجح بين السباب والشتيمة، وبين الحكم المنحاز المغطى من الخارج برداء العلمية وما هو منها بشيء.

وتبقى سائر المواقف الأخرى، كالموجب والسالب، متحركة على طَرفَيْ (النقطة) قربًا أو بعدًا.

إن ما قدّمه الغربيون عامة، والمستشرقون على وجه الخصوص، يتضمن الأبيض والأسود، إن على مستوى المنهج أو الموضوع، وليس كله سواء. بل إن الرجل منهم قد يتضمن كلامه، في نفس الوقت، الأبيض والأسود معًا، لأسباب عديدة منها قوة الجذب التي أشرنا إليها، ومنها الجهل ببعض المسائل، ومنها التأثيرات الذاتية والثقافية... إلى آخره.

"إن العقل الغربي الحديث – كما يقول سير هاملتون جب – يعسر عليه بوجه خاص، أن يقوم بمحاولة استكناه طبيعة المواقف الدينية لدى أناس تختلف نظرتهم إلى الكون اختلافًا بعيدًا عن نظرة (الغربي)، لأن الدين، سواء أكان في صورة قوة محسوسة، أو قوة ذات أثر روحي، يتطلب تدريب ملكة الإدراك الحدسي، أي يتطلب طفرة العقل التي تعبر خضم كل تلك المعلومات والمناهج المتبعة في التحليل العقلي.. وتتخطى حدوده لتستكنه بالتجربة المحسوسة وعلى نحو مباشر عنصرًا من العناصر القائمة في طبيعة الأشياء مما لا يستطيع التعقل أن يصفه أو يحدد هويته. (الإيمان هو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى). أما الرجل الغربي النموذجي الذي ورث الفكر الإنكليزي العقلاني وقيم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأصبح موجهًا عقليًا بقوة ذلك الفكر، أو بقوة الفكر الألماني وقيم السنوات المائة والخمسين الماضية، فقد هزلت وأهملت لديه ملكة الحدس حتى إنه ليأبى أن يسلم بمحض وجودها. ولذلك أصبحت أحكامنا الدينية – نحن الغربيين – شديدة الاختلال"(1).

وهنا يجب أن نقف قليلاً عند مسألة (حدود النص) أو (الشاهد) وضرورة عدم ممارسة الاقتطاع القسري إزاءه، كيف يتم ذلك ؟.

إن علينا أن نلاحظ كيف أن عددًا من الشهادات الإيجابية بحق الإسلام أو جانب من جوانبه، من قبل هذا المؤلف أو ذاك يقابلها في الوقت نفسه ركام من شهادات أخرى سلبية تقف موقفًا مضادًا من الإسلام لكن هذا لا يمنع من اعتبار الشهادات الأولى بمثابة اعتراف (حرّ) بهذه القيمة أو تلك من قيم الإسلام، والتي تدفع الغربيين إلى إعلان رأيهم ذاك دونما أي نوع من أنواع الاضطرار أو القسر.

فكشهادات، وليس كموقف نهائي، يمكن أن تعتمد للدلالة على ما نحن بصدده فأما (الشهادة السلبية) فقد فرضت نفسها على نطاق واسع لأنها الأكثر حضورًا وانتشارًا في الفكر الغربي، ويستطيع المرء أن يجدها بسهولة في معظم الأعمال الغربية التي تمس الإسلام. وأما (الشهادة الإيجابية) فهي التي تحتاج إلى مزيد من التأكيد والتنسيق وإعادة العرض في إطار ملائم.

وهنالك فرق بيّن – بطبيعة الحال – بين خطيئة الاقتطاع القسري للشاهد لتأكيد فكرة ما في سياق معين قد يصل إلى أهداف ومواقع لم يفكر فيها صاحب النص أساسًا، وبين استقصاء الشهادات الإيجابية التي صدرت عن حشد من المفكرين الغربيين، من بين سيل من المعطيات تتميز بموقفها السلبي من الإسلام كما قلنا. فهاهنا تبدو الشهادة صدورًا حرًا، وتقييمًا إيجابيًا لجانب من الإسلام ينبثق عن قناعة تامة للمفكر، الذي يجد نفسه بعد لحظات، أو قبل لحظات يسدّد هجمة لجانب آخر، وربما للجانب نفسه من الإسلام، قد لا تبرّرها الموضوعية، ولكنها – على أية حال – تمثّل بدورها حلقة من قناعات ذلك المفكر.

وبما أن مهمة هذا الكتاب هي محاولة حصر قدر طيب من الشهادات الإيجابية، كما يتضح من هدفه ومنهجه، فإن الأمر يتجاوز كونه اقتطاعًا قسريًا للشاهد، إلى السعي العلمي المتبصّر لاستقصاء المعطيات الإيجابية للمفكر غير المسلم، تلك التي إذا ما عرضت عليه أكد صدقها ثانية وثالثة ورابعة لأنه لم يقلها إلا بدافع قدرة الإسلام، في جانب ما من جوانبه، على تأكيد تميزه، وتفوقه وفاعليته.

وفي المقابل فإن بمقدور أي قارئ أن يتابع الشهادات ذات الطابع السلبي في معظم المصادر التي اعتمدت هاهنا، وغيرها كثير، وهي مسألة ليست من مهمة هذا البحث، وقد تصدى لها بالعرض والنقد والدراسة، ولا يزال، عدد من المختصين والباحثين الإسلاميين ضمن توجهات منهجية أخرى.

إن عنوان الكتاب يحمل بوضوح بنية المنهجية القائمة – أساسًا – على الانتقاء، البحث عن الشهادات الإيجابية البناءة فقط، وأؤكد على الكلمة، تلك التي صدرت عن أناس لم يكونوا يؤمنون بالإسلام، ثم جذب بعضهم إليه، وظل آخرون بعيدين عنه.

ومرة أخرى، فإن ما قيل في الإسلام من مواقع التحزّب والخصومة والمصالح والظنون والأهواء كثير جدًا، وليس ثمة من لم يغترف من سيله الطامي، ولو غرفة بيده، لكي يطلع على ما تتضمنه.

أما مهمة هذا الكتاب فشيء معاكس تمامًا: البحث عن المعطيات التي صدرت من مواقع الرؤية الأكثر نقاء وموضوعية والتي قد يحوطها، بالتأكيد، الكدر من بين يديها ومن خلفها، ومن ثم، وما دام أن الهدف واضح منذ اللحظة الأولى، فسنضطر إلى المنهج الانتقائي لوضع اليد على طرف الإيجاب وحده، فالمسألة ليست مسألة بحث في واقعة ما، أو ظاهرة من الظواهر، أو حتى دين أو مذهب، لكي نتابع ما يتطلبه المنهج العلمي: تسليط الضوء على الأبيض والأسود معًا، وإنما هو محاولة لرصد جانب من الشهادات الإيجابية التي صدرت بحق هذا الدين، من بيئات طالما أساءت إليه، ومن ثم تحمل – أي المحاولة التي يمثلها هذا الكتاب 0 تبريرها العلمي الصريح في اطراح كل ما من شأنه أن يتناقض مع هذا الهدف الواضح المحدّد سلفًا.

وإذا كان الكتاب عملاً انتقائيًا في هذا الاتجاه، فهو انتقائي أيضًا في الاتجاه المعاكس، أي باتجاه إسقاط الكثير من الشهادات الإيجابية بحق الإسلام، تجاوزًا للتكرار والتضخم. ويكفي أن تأتي الشهادة في هذا الجانب أو ذاك من جوانب الإسلام متمثلة بعدد مناسب من النصوص التي تمثل سياقًا نمطيًا لا تعدو سائر الشهادات الأخرى – في إطاره – أن تكون بمثابة تأكيد يكرر نفسه بصيغ قد تكون متباينة شكلاً ولكنها تلتقي في المضمون.

ولابدّ من الإشارة هنا إلى أن الكتاب، من أجل الهدف الآنف الذكر، حاول، قدر الإمكان، تجاوز شهادات التقييم الغربية التي انصرفت إلى ردّ مزاعم بعض الغربيين أنفسهم، أو غير المسلمين عمومًا، لأن هذه الشهادات لا تعدو أن تكون صيغًا ذات طابع (دفاعي) موجهة ضد معطيات سلبية، بينما تتجه مهمة الكتاب، كما رأينا، إلى الاكتفاء بالشهادات الإيجابية (البنائية) التي تتحدث عن هذا الجانب أو ذاك بصيغة التقييم والإعجاب.

إن العدد من الأسماء التي سيجدها القارئ هنا تدلي بشهاداتها عن الإسلام، لا يحمل اعتمادها أي معنى من معاني التبرئة والتنزيه عن الميول والظنون والأهواء، وهي بالتالي ليست دعوة للقارئ إلى التوجه لمعطيات هذه الأسماء، والتسليم بها في تفاصيلها وجزئياتها كافة، أو في منهجها الذي اعتمدته، والذي قد يرتطم ابتداء بالمنهج الموضوعي الصحيح في التعامل مع هذا الدين.

ولو حدث أن توهّم القارئ – لحظة – أن إيراد هذه الأسماء، أو بعضها على الأقل، يتضمن دعوة لتقبّل استنتاجاتها ومناهجها كافة، فإن الغرض من هذا البحث المتواضع سينقلب رأسًا على عقب، وسيقود إلى ضلالة أخرى. والمهم، كما أكدنا أكثر من مرة، هو أن ما يتضمنه الإسلام، وتاريخه وحضارته، من عناصر الجذب، والإشعاع، والقوة والإقناع، والإثارة، والانسجام مع التوجهات الإنسانية الأصيلة، ساق هؤلاء، وأرغمهم، حينًا آخر، على الإدلاء بشهاداتهم الإيجابية جنبًا على جنب، بالنسبة لبعضهم على الأقل، مع حشود من الاستنتاجات الخاطئة المضادة، بل إن بعض تلك الشهادات الإيجابية تتضمن في بنيتها ومفرداتها – كما أشرنا- سلبيات شتى، مما يجده القارئ أحيانًا بسبب من طبيعة المنهج الذي يعتمده الغربيون في التعامل مع الإسلام.

وثمة صيغة أخرى للعمل اضطررنا لتجاوزها خشية أن يتحول الكتاب إلى مشروع مناقشات وجدل ودفع للتهم الباطلة، فيفقد أهميته، وتوجّهه المطلوب، فضلاً عن أن أمرًا كهذا مُورِسَ على نطاق واسع عبر العقود الأخيرة بصدد الفكر الغربي عامة، والاستشراقي على وجه الخصوص.

( 2 )

إن شهادات الغربيين الإيجابية عن الإسلام ليست ذات طبقة واحدة، وإنما عدة طبقات(2)، فبعض الشهادات لا تعدو كونها تأكيدًا لحقائق معينة في نسيج ديننا وحضارتنا، تارة بالترجمة الحرفية لنصوص الوقائع المستمدة من المصادر الإسلامية نفسها، أو الغربية؛ وتارة أخرى، بتركيز هذه النصوص، أو التوسّع فيها، مع المحافظة على جوهرها الأصيل. وهذا التأكيد، أو النقل، يمثل – بحدّ ذاته – اعترافًا ضمنيًا أو مكشوفًا بقيم الدين والحضارة الإسلامية، وتميزهما، فهو – إذن – يحمل أهميته كشهادة، خاصة إذا ما تذكرنا السيل الآخر المضاد من المعطيات الغربية التي استهدفت التشكيك بصحّة هذه الوقائع، وتحققها بالفعل، أو فسرتها تفسيرًا خاطئًا يخرج بها عن كونها عناصر جيدة ترفد المجرى العام البنّاء الذي يشكل الإسلام والحياة الإٍسلامية، ويلقي عليها ظلاً يبعد بها عن جادة اليقين.

فها هي الشهادات الإيجابية تجيء كإقرار أو اعتراف لكي تردّ هذا الهوى وتبعد ذلك السوء، وتعلن بالموضوعية التي يتطلبها التعامل الجادّ مع الحقائق، تأكيدها لما وقع فعلاً لا لما يريد أصحاب الظنون والأهواء أن يكون.

لكن هذه الشهادة لا ترقى إلى مرتبة الطبقة التالية التي تأخذ طابع التقييم الذي يصدر عن غير المسلم، تجاه هذا الجانب أو ذاك من الإسلام.

ثم تأتي الطبقة الثالثة، والأعلى مرتبة من الشهادات، متمثلة بمعطيات أولئك الذين انتموا فعلاً لهذا الدين، وقالوا كلمتهم في هذا الجانب أو ذاك من جوانبه، قبل انتمائهم أو بعده. إن هذه الشهادات تمثل سياقًا يحمل أهميته البالغة فيما نحن بصدده، لأنها تجيء بمثابة الدافع والشهادة في الوقت نفسه الدافع الذي قادهم إلى الإسلام، والشهادة على ما يتضمنه هذا الدين من قيم ومزايا لا تتوفر في المذاهب والعقائد الأخرى. إن هذا الانتماء ليعدّ بحد ذاته شهادة واقعية على صدق هذا الدين في تعامله مع الإنسان المتحضّر، وقدرته على الكسب والانتشار.

وسيتابع هذا الكتاب، بالقدر المناسب، والأنماط، أو الطبقات الثلاث من الشهادات، مانحًا الأولوية للطبقتين الأخيريين، خاصة وأن الطبقة الأولى قد حظيت بحشد غني من الكتاب، فضلاً عن أن أهميتها تنحصر في كونها تأكيدًا فحسب لصدق الوقائع والمعطيات وتحققها في الزمن والمكان.

أما الطبقتان الأخريان من الشهادات فتجيء بمثابة استنتاج، أو تقييد أو استنباط نقدي، تجاه هذا الجانب أو ذاك من بنية الإسلام والحياة الإسلامية وهذا – بلا ريب – يحمل قيمة أكبر بكثير، بل إنه هو الذي يمثل الشهادة المطلوبة هاهنا، لأنه يركز مقولاته في صيغة مبادئ وقيم وتوجهات شمولية، يحكم بها، أو يصوغ بعبارة أدق، الكثير من أوجه الإسلام والحياة الإسلامية. وهكذا سينصب الاختبار بالدرجة الأساسية على هذا النمط مع عدم إغفال النمط الآخر بالكلية.

( 3 )

يبدو من المستحيل استقصاء كل الشهادات التي قيلت بصدد الموضوع، ولكن ما يعوض هذا أن البحث ذو طابع نمطي، إذ تكفي في كل جانب منه شهادة عدد محدد من الأشخاص والمفكرين لكي يكون بمثابة عرض (نموذجي) لجلّ ما قيل في ذلك الجانب، وكثيرًا ما يحدث أن تتناول عدة نصوص مسألة محددة وتمنح تأكيدها أو تقييمها لهذه الموضوعية أو تلك، بالمعطيات نفسها تقريبًا، وهكذا فإن إيرادها جميعًا سوف يقود ولا ريب إلى نوع من التكرار والتضخم. إن قطعة القماش ما دامت ذات نسيج واحد، فإنه لن يكون من قبيل الاعتساف اقتطاع عينات منها لكي تدل عليها جميعًا.

وقد يلحظ المرء عدم توازن في مساحة الشهادات المعروضة عن الجوانب المختلفة للإسلام والحياة الإسلامية، والسبب يرجع – حينًا – إلى مساحة الموضوع الذي تعالجه الشهادات، وحينًا آخر، إلى طبيعة المعطيات التي كانت تنصب بغزارة على جانب ما كالإسلام نفسه أو حضارته أو صيغ انتشاره وتعامله مع غير المنتمين إليه، بينما تقل في جوانب أخرى – ولكن ما دام أن مسألة (كالانتشار والتعامل) أو (الحضارة) هي بمثابة التحقق المنظور للإسلام في واقع الإنجاز التاريخي، فإن اتساع المساحة الخاصة بها تجيء، بحدّ ذاتها، شهادة على عناصر القوة والعطاء والإبداع والالتزام في الأسس الإسلامية التي قامت عليها الممارسة التاريخية، وفي القدرات العقيدية والنفسية والعقلية والأخلاقية التي فجرها الإسلام في اتباعه فدفعهم إلى تقديم هذا العطاء الواسع، الغني، الملتزم، المتشعب.

ولحسن الحظ، فإن الشهادات، بشكل عام، تشكل بمجموعها نوعًا من التكامل حيث ينصب اهتمام كل مجموعة منها على جانب ما من جوانب الإسلام والحياة الإسلامية. وهاهنا من أجل تجاوز التكرار والتضخّم، تم التركيز على أكثر الكتب، المتوفرة، أهمية وغزارة بالنسبة لكل مجموعة مع عدم إغفال المراجع الأقل مادة بطبيعة الحال.

مثلاً، يحمل كل من (إنسانية الإسلام) لمارسيل بوازار و (الطريق إلى مكة) لليوبولد فايس (محمد أسد) و (دفاع عن الإسلام) للورا فيشيا فاغليري و (دراسات في حضارة الإسلام) و ( الاتجاهات الحديثة في الإسلام) لهاملتون جب، أهميته البالغة في كثافة شهاداته عن الإسلام عقيدة وشريعة وعبادة وأخلاقًا وسلوكًا، ومن ثم يمكن اعتبار الكتب المذكورة بمثابة مراجع محورية في الفصل الخاص بالإسلام، حيث تليها في الأهمية سائر المراجع التي قدمت مادة أقلّ.

وما يقال عن الكتب الآنفة الذكر بالنسبة (للإسلام) يمكن أن يقال – مثلاً – عن كتاب (القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم) لموريس بوكاي بالنسبة (للقرآن الكريم)، وكتاب (محمد الرسالة والرسول) لنظمي لوقا، و (حياة محمد) لإميل درمنغم و (الأبطال) لكارلايل، بالنسبة (للرسول صلى الله عليه وسلم)، وكتاب (الدعوة إلى الإسلام) لتوماس آرنولد و (إنسانية الإسلام) لبوازار بالنسبة (لانتشار الإسلام وطرائق معاملة غير المسلمين) وكتاب (حضارة العرب) لغوستاف لوبون و (شمس الله تسطع على الغرب) لزيغريد هونكه و (تأثير الإسلام على أوروبا في العصور الوسطى) لمونتغمري وات بالنسبة (للحضارة الإسلامية)، وكتاب (القوميات والدولة السوفياتية) لهيلين كارير دانكوس و (إنسانية الإسلام) لبوازار و (الطريق إلى مكة) لليوبولد فايس بالنسبة لـ (واقع المسلمين ومستقبلهم).

( 4 )

إن كلمة (الإسلام) التي يتضمنها عنوان الكتاب، تجيء بشكل جامع يضمّ بين جناحيه الجوانب النظرية (العقيدية) والتطبيقية (التاريخية) على السواء باعتبار أن التاريخ الإسلامي بمعطياته السياسية والحضارية، برجالاته وجماهيره وتجاربه، تعبير عن الإسلام بدرجة أو أخرى، أو بعبارة ثانية: الحقل الذي تبرز فيه تأثيرات الإسلام في خطوط متفاوتة العمق. ومن ثم فإن الشهادات لن تقتصر هنا على الإسلام وحده، بقرآنه الكريم ونبيه عليه السلام ومعطياته العقيدية والتشريعية... إلى آخره، وإنما تنسحب على صيغ التحقق في الزمن والمكان، أي في التاريخ.

وبما أن الشهادات المنصبة على التاريخ السياسي والعسكري للإسلام بأحداثه وأشخاصه ووقائعه وتوجهاته، تدور في معظمها ضمن طبقة تأكيد الحقائق لا تقييمها، وتجاوزًا للتضخم فسوف يتم قدر الإمكان تحاشي الشهادات التي قدمت في هذا الإطار، إلا قلّة منها، أما الحضارة فإن أمرها يختلف وأن الشهادات في دائرتها لتتوزع بشكل عادل بين التقييم والتأكيد.

وقد نلحظ – أحيانًا – بعض الغربيين يستخدمون كلمات من مثل (عربي) و(حضارة عربية) و(فكر عربي) و(تاريخ عربي)... إلى آخره رغم أن تحليلهم ينصبّ على مساحة بشرية أوسع بكثير، تضم بين ظهرانيها جماعات وشعوبًا أخرى غير عربية.

لا داعي لأن نعيد القول في هذه المسألة، ويكفي أن ننبّه عليها مرة واحدة والمهم هو أن شهادات هؤلاء الغربيين تتجاوز في مضامينها – معظم الأحيان نطاق التسمية المحدودة صوب كل ما هو إسلامي، يمثل العرب – ولا ريب – مساحة كبيرة منه، إلى جانب جماعات وأقوام وشعوب أخرى كثيرة انضوت إلى هذا الدين، أو عملت في نطاق دوله وحضارته.

ثم إننا يجب أن نلاحظ أن كلمة (الغربيين) التي تتردد في مقدمة هذا الكتاب وفصوله، قُصد بها في معظم الأحيان: غير المسلمين عمومًا سواء كانوا أوروبيين وأمريكيين أو حتى شرقيين، لكن المساحة الأوسع تبقى، ولا ريب، (غربية) بالمفهوم الجغرافي والحضاري.

( 5 )

يتضمن الكتاب مدخلاً وسبعة فصول تتفاوت في مساحاتها استناداً إلى حجم المادة المرصودة في كل فصل.

يتحدث الفصل الأول عما قيل في (القرآن الكريم)، ويتحدث ثانيها عن (رسول الله صلى الله عليه وسلم): الشخصية والسيرة والحديث والسنة، بينما يتجه ثالثها، وهو أكبرها حجمًا إلى (الإسلام) بكافة جوانبه العقيدية والتشريعية والتعبدية والأخلاقية والسلوكية. أما الفصل الرابع الذي يتميز باتساع رقعته، أسوة بالذي سبقه، فينتقل للحديث عن معطيات الإسلام التاريخية بصدد اثنتين من أهم المسائل: الانتشار ومعاملة غير المسلمين. وهما مسألتان مرتبطتان أشد الارتباط، متداخلتان كنسيج واحد ولذا تم تناولها في إطار فصل واحد.

وأما الفصل الخامس الذي يميز هو الآخر باتساعه، فيقف عند المعطيات الحضارية، محاولاً قدر الإمكان تجاوز التفاصيل والجزئيات، مركزًا على الشهادات ذات الطابع الاستنتاجي والتقييمي، وبخاصة تلك التي تتحدث عن أبعاد الدور العالمي الذي لعبته حضارة الإسلام في مجرى التاريخ.

أما الفصلان الأخيران الأصغر حجمًا فيعالج أحدهما بعض ما قيل بصدد جانب مهم من النسيج الاجتماعي للإسلام والمجتمع الإسلامي: المرأة والأسرة، ويتناول ثانيهما نماذج من الشهادات التي قيلت عن واقع الإسلام الراهن ومستقبله القريب والبعيد. وقد حاولتُ هاهنا – قدر الإمكان – أن ألتقط الأقوال ذات الطابع الشمولي، متجاوزًا الكثير مما قيل عن هذه الحركة الإسلامية أو تلك، مما يتضمن حشودًا كبيرة من التفاصيل والجزئيات لا يتسع لها الكتاب.

ويجب أن نلاحظ ما يحدث أحيانًا من تداخل بين معطيات بعض الفصول، فإن عددًا من الشهادات التي تنصب على شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً، قد ترتبط بشكل من الأشكال، بجانب ما من جوانب القرآن الكريم أو الإسلام، أو غيرهما من الموضوعات، وبالعكس. ومهما يكن من أمر فإن تصنيف الشهادة في مواضعها التي يلحظها القارئ إنما يعتمد على مركز الثقل فيها.

هذا وقد رتب الشهود في كل فصل وفق التسلسل الأبجدي لأسمائهم كما نظمت النصوص بالنسبة لكل شاهد وفق سياقها في المصدر المعتمد، وليس وفق الموضوعات الفرعية التي تعالجها، وذلك من أجل سهولة الرجوع إلى المصدر المعني، وأعطي لكل شهادة رقم خاص، وفي حالات محدودة، اعتمد القوس المربع [ ] الذي يخترق النص بإيضاح: أو ربط ما لتمييزه عن سياق النص، كما أن النقاط (...) التي تسبق النص أو تتخلله أو تختتمه، أريد بها التأشير على مكان الحذف في النصّ.

ولقد وردت بعض أسماء الأعلام التي تبدأ بحرف G الإنكليزي (مثل Gibb) حسب رسم الحرف في المصدر المعتمد، حينًا بالغين (غب)، وحينًا بالكاف (كب) أو الكاف الفارسية (كَب) وحينًا بالجيم (جب) التي تلفظ لدى المصريين بالكاف الفارسية. وحبّذا لو تم الاتفاق بين المترجمين العرب على رسم موحّد لهذا الحرف المربك.

أما تعريفات الأعلام فقد وردت مرتبطة بأول فصل يدلي فيه المؤلف بشهاداته، فإذا كان سير توماس آرنولد، على سبيل المثال، قد قدّم شهادة ما في فصل (القرآن الكريم)، ورد تعريفه هناك، وإلا فإن التعريف سيرد في الفصل التالي، وهكذا. وقد استقيت مادة التعريف من المراجع نفسها حينًا، وبخاصة تلك التي يسهم في كتابة فصولها عدد من المؤلفين أو المتحدثين كما هو الحال – مثلاً – بالنسبة لكتاب (تراث الإسلام) الذي أشرف توماس آرنولد على تحريره، وكتاب (الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة) الذي تولى جمعه محمد خلف الله، وكتاب (رجال ونساء أسلموا)، القيّم، ذي الأجزاء العشرة التي تولى جمعها وتأليفها كامل العشّي، وكتاب (ما يقال عن الإسلام) للعقاد. ولكن جلّ التعريفات استمدّت من كتاب نجيب العقيقي (المستشرقون) بأجزائه الثلاثة التي تقدم كشفًا دقيقًا بمعظم المستشرقين: حياتهم وآثارهم(3).

( 6 )

إن الشهادات التي يتضمنها الكتاب تحمل أكثر من مغزى، وواضح أن المغزى الأشد ثقلاً وحضورًا هو ما يحمله هذا الدين في نسيجه وتصوره ومعطياته المتحققة في السلوك والحضارة والتاريخ من قيم وميزات إيجابية فعّالة، تتحرك في خطوط متوازية مع مطامح الإنسان السوي المتوازية، وميوله ومنازعه، حيث لا تعارض ولا تقاطع ولا تفتت ولا ارتطام.

ولكن هناك شيئًَا لا يقل أهمية، فنحن في عصر التعصّب والتباغض والخصام الذي يصنعه دين سماوي منحرف حينًا، ومذهب وضعي حينًا آخر.. التباغض والخصام بين دين ودين ومذهب ومذهب، وما يسوق إليه من صراع كثيرًا ما تسبّب في إراقة أنهار من الدماء البريئة. وكما تتراكم الخبرات الثقافية، والحضارية عمومًا بمرور الزمن، فتزداد نضجًا وتعقيدًا واتساعًا في الطول والعرض والعمق فإنه في مقابل هذا، وعلى الجانب السلبي من حركة الزمن ودلالاتها تلتقي بتراكم خبرات، أو بشكل أدق تجارب وذكريات الحقد الديني والطائفي والمذهبي لكي تبلغ في قرننا هذا شأوًا بعيدًا مترعًا بالحزن والمرارة.

وتجيء هذه الشهادات لكي تمنح السيل الطامي المليء بالوحل والكدر شيئًا من الصفاء، لكي تحاول أن تعيد للعلاقة بين المذاهب والأديان شيئًا من الألفة والمحبة، أن تفتح باب الحوار المتعقل المحب المسؤول بين دين ودين وبين مذهب ومذهب، وأن تكسر حواجز العنف والكراهية وتخفف من عبء التراكم المحزن في ذكريات الاقتتال والدمار والعذاب.

ويقينًا فإنه في بيئة حرّة كهذه، يبدو أنها ستزداد تأصلاً واتّساعًا بمرور الوقت، في بيئة كهذه سيكون الانتصار للإسلام نفسه كما أكد التاريخ ولا يزال، مادام أن الإسلام، مهندس بإعجاز ، على حجم الإنسان، مرسومة خرائطه بإتقان على مساحة دوره في العالم. ومادام أنه الحركة العقيدية التوحيدية التي كانت وستظل بمثابة الطريق الأوحد للتحقق بالوفاق مع الذات والكون والصالح مع سننهما ونواميسهما من أجل سعادة الإنسان وتوحّده.

قد تحقق هذه المحاولة – كذلك – نوعًا من التسهيلات الأكاديمية للباحثين وذلك بوضع حشدٍ من النصوص الموثّقة عن رأي غير المسلمين بالإسلام في كافة مناحيه العقيدية والتطبيقية. وهذه النصوص ستعزز، ولا شك، كل بحث يسعى، بموضوعية وإخلاص، إلى دراسة هذا الجانب أو ذاك من بنية الإسلام.

وتبقى المحاولة بمثابة عمل ناقص، أو مشروع مفتوح، قابل دومًا للإضافة والإغناء، ولئن أخطأت أو قصّرت فإني ألتمس من القارئ الصفح الجميل.

وإلى الله وحده نتوجه بالأعمال

 الموصل: عماد الدين خليل

___________________________________________

(1)     دراسات في حضارة الإسلام، ص 235 – 236 .

(2)     يجب أن نتذكر أن الشهادات (السلبية) تتضمن هي الأخرى طبقات عدة يلي بعضها الآخر، هبوطًا، فهنالك طبقة التشويه، فالتشكيك فالنفي الذي مارسه العقل الغربي كثيرًا إزاء ما يعتبر في المنظور الإسلامي من قبل البداهة والحقائق المسلّم بها. انظر بحثًا للمؤلف بعنوان: (المستشرقون والسيرة النبوية: بحث مقارن في منهج المستشرق البريطاني المعاصر مونتغمري وات) (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1985).

(3)     الطبعة الثالثة (المزيدة والمنقحة)، دار المعارف، القاهرة، 1964 – 1965م.

المدخل

 [ شهادة العقل الغربي : الحواجز والقيمة ]

لابدّ من الاعتراف – منذ البدء – بأن العقل الغربي، بسبب: من حيويته وتوقّده، يمثل – عبر القرن الأخير على وجه الخصوص – مركز ثقل خطير في دائرة التصوّر والفكر والحياة. وبما أن "الدين" - ابتداء – يقدم برنامجًا للفكر وتصورًا للحياة، فإن تفحّص موقف هذا العقل من الدين، يعد ضرورة بالغة إذا ما أريد وضع اليد، بشكل محدّد، على المساحة التي احتلها، ويحتلها وسيحتلّها الدين في خارطة الوجود البشري.

هذه مسألة ذات طابع عام يتضمن مطلق الأديان. وبما أن العقل الغربي قد قال كلمته – أكثر من مرة – في الدين المسيحي الذي يعدّ – إلى حد كبير – القوة الدينية الوحيدة الموازية للإسلام، في الديمومة والانتشار، وبما أن هذا العقل قد أعلن أكثر من مرة، رفضه للنصرانية وانسلاخه عنها بسبب من نقاط الارتطام العديدة بينه وبينها، فإننا نريد أن نتفحّص هنا بعض ما يريد أن يقوله في الدين الآخر: الإسلام.

طبعًا، لقد عانى هذا العقل ولا يزال من حواجز الرؤية الموضوعية التي تمكنه من معاينة الإسلام عن كثب، والحكم عليه بالتجرد والعلمية التي ينادي بها هذا العقل ويتخذها منهج عمل له في التعامل مع الظاهر والموجودات أو كما يحاول أن يقنع نفسه على الأقل.

هذه الحواجز ذات الجذور العميقة والطبقات المتعددة، جعلته، عبر قرون متواصلة، يقول في الإسلام ما يرتطم – ابتداء – ببداهات الروح العلمية التي يؤمن بها ويلحّ عليها. وإننا لنتذكر هنا عبارتين للمستشرق البريطاني المعاصر (مونتغمري وات) يقول في إحداهما: "إذا حدث وإن كانت بعض آراء العلماء الغربيين غير معقولة عند المسلمين، فذلك لأن العلماء الغربيين لم يكونوا دائمًا مخلصين لمبادئهم العلمية، وأن آراءهم يجب إعادة النظر فيها من وجهة النظر التاريخية الدقيقة" [محمد في مكة، ص6]، ويقول في الأخرى: "إن موقف العلماء الغربيين كان غالبًا سيّئًا لما يبدو أنه يتضمنه من إنكار لمعتقدات الإسلام الفقهية. ولذا كانت الدراسات الغربية عن القرآن غير موفقة حتى من وجهة نظر أفضل العلماء" [محمد في مكة، ص55–56].

وبمقدور المرء أن يتابع سيلاً عرمًا من الكتابات والأقوال الغربية في الإسلام، تدفقت عبر أربعة قرون أو خمسة، فإنه غير واجد في معظم مساحاته إلا الكدر الذي يحجب نفاذ الرؤية إلى الأعماق.

هذه مسألة تكاد تكون معروفة للجميع، وليس من مهمة هذا البحث إلا أن يكتفي بالإشارة إليها لكي يمضي، مباشرة، على النقيض الذي يهمّه: رصد الأقوال والمعطيات الأكثر موضوعية، والأقرب إلى العلمية التي يعتمدها العقل الغربي، وغير المسلم عمومًا، وهي أقوال ومعطيات أخذت تتزايد طردًا بمرور الوقت، وبخاصة في العقود الأخيرة، بسبب من قدرة العقل الغربي على كسر العديد من الحواجز التي كانت تصدّه عن التعامل العادل مع هذا الدين، وتمكنه من اجتيازها بصيغٍ تستحق التقدير والإعجاب. بل إن بعض الغربيين – وهذا أمر طبيعي – انتهى به الأمر إلى اعتناق الإسلام كما لو أنه اكتشف – بعد لأي – ما كان يبحث عنه، بالدهشة والفرح والإعجاب نفسها التي تتملك إنسانًا ما فقد وثيقة مستقبله وطموحه ثم هاهو ذا يعثر عليها أخيرًا.

مهما يكن من أمر فإن رصد معطيات كهذه – رغم عدم توازنها الكمي بطبيعة الحال مع التيار المضاد اللاعلمي واللاموضوعي – يمثل ضرورة على أكثر من مستوى، بعضها إنساني، وبعضها عقيدي، وبعضها الآخر أكاديمي صرف.

وهذه الضرورة، بمستوياتها تلك، هي التي تمنح القارئ، شرقيًا كان أم غربيًا، مسلمًا أم غير مسلم، مبررات عمل كهذا، وتلقي الضوء على دوافعه وأهدافه.

إنسانيًا، تجيء شهادات خصوم هذا الدين، بما يمتلكون من قدرات عقلية فذّة، وصيغ حضارية متقدمة، بمثابة سعي مخلص وجاد، غير متحيّز ولا ميّال، لحلّ أزمة الإنسان المعاصر، بإرشاده بشكل مباشر أو غير مباشر إلى أن "الإسلام" هو خلاصه الوحيد، وأن مضلته ليست خطيئة أبدية، ولا طريقًا مسدودًا، بل أن بمقدوره في أية لحظة أن يحظى بخلاصه المنشود، بمجرد أن يفتح عقله وقلبه وأن يعرف، بدافع من عشق الحقّ وحده، ما يمكن أن يقدمه له هذا الدين.

عقيديًا، تجيء شهادات خصوم هذا الدين، لتأكيد وتعزيز ما سبق وإن قاله الإسلام نفسه، في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما عبر عنه من خلال معطيات أجيال من المسلمين، على مستوى العقيدة والشريعة والسلوك والتاريخ والحضارة، من أنه الدين الوحيد الحق، الدين الأخير الذي تنزّل لكي يكون على حجم الإنسان المتحضّر، المسؤول، وعلى حجم مطامحه بالتقدم، ورغبته الملحّة في التوحّد بين الوجود والمصير.

أكاديميًا، تجيء شهادات خصوم هذا الدين لكي تثبت "حقائق" يتحتم أن ترصد، وتوازن سيلاً من المعطيات اللاعلمية واللاموضوعية التي قيلت عن هذا الدين، وتردّ الأمر، أو بعضه، إلى نصابه الحق.

وهذه الدوافع، أو الأهداف الثلاثة، تقود – بالضرورة – إلى المحصّلة الأخيرة التي يبتغيها هذا العمل الأوليّ المتواضع: مخاطبة العقل الغربي، بالصيغ الأكثر إقناعًا وتأثيرًا، عن طريق الاستنتاجات نفسها التي توصل إليها هذا العقل وهو يتعامل مع الإسلام، بقدر طيب من الموضوعية، وإقناعه، أو محاولة إقناعه، بجدّية هذا الدين، وأحقيته في قيادة الإنسان، والحياة في صياغة الوجود البشري والتخطيط للمصير، بعد أن عجزت كافة المذاهب والإيديولوجيات والأديان عن تحقيق هذا الهدف، وأنه ليس ثمة غير الإسلام، بواقعيته، وشموليته، وتوازنه، وانسجامه مع الإنسان، من يقدر على أداء هذا الدور الخطير.

ومن أجل ألاّ يكون هذا التحليل مُجرّد تعميمات غير محددة، فإنه يتحتم قبل البدء بتقديم "الشهادات" أن نضع أيدينا – بالتركيز المطلوب – على الخصائص الأساسية للإسلام، تلك التي كانت بمثابة نقاط إشعاع وتألّق، جذبت أنظار الغربيين ودفعتهم إلى إصدار مقولاتهم تلك، وأن نضع أيدينا – كذلك على الخصائص الأساسية للبيئة الفكرية والنفسية، والحضارية عمومًا، التي تعطي الإنسان المعاصر بعض ما يريده، نعم ولكنها تمنع عنه الكثير مما يريده فيما يوازي حجمه كإنسان، ويلبي مطامحه كمخلوق أريد له أن يلعب دورًا أكبر بكثير، وأعلى بكثير، من هذا الذي يمارسه على مساحة العالم، حتى إذا ما أتيح له أن يلتقي بهذا الدين، وجهًا لوجه، أو من خلال مرايا الآخرين التي تنطبع عليها الملامح، أو بعضها، وعبر الجسور التي يقيمها هذا الرجل أو ذاك، فإنه سيعثر – ولا شك – على ما يدهشه ويعجبه، فتكون ردود الأفعال المتفاوتة، ويكون التعبير ذو الدرجات التي تبدأ "بقول" يقيّم هذا الجانب أو ذاك من جوانب الإسلام، و"شهادة" تبدي إعجابها بهذا الوجه أو ذاك من وجوه أنشطته ومعطياته ونسيجه المتفرّد، وتنتهي بمعانقة هذا الدين، والتسليم به، والانتماء إليه: عقيدة تحمل في بنيتها الصواب المطلق، وتحمل مع هذا الصواب القدرة الفذة المتجددة على مجابهة معضلات العصر، ومعايشة بيئته الصعبة، المضطربة التي يتخبط فيها الإنسان، لكنها ما تلبث أن تستجيب لنداءاته كافة، وتقوده، عبر طرق مستقيمة، كالصراط، إلى مبتغاه.

 [ الإسلام هو الرسالة السماوية الأخيرة للبشرية : دعوة للاختبار ]

إن حقيقة "أن الإسلام هو الرسالة السماوية الأخيرة للبشرية" تحمل أهميتها هنا بقدر ما يتعلق الأمر بفئتين من غير المسلمين ظنت إحداهما أن رحلة الأديان توقفت عند السيد المسيح عليه السلام، وأخذت طابعها الأخير على يديه فليس ثمة بعده من نبوة، ولا بعد دينه من دين. وظنت الفئة الأخرى، أنه بعد المسيحية، كدين أخير، وبعد أن أثبتت عجزها عن قيادة الحياة، والإنسان، وملاحقة المتغيرات الفكرية والحضارية، وبعد أن أخفقت في الاستجابة للتحديات التاريخية المتجددة التي لا ينقطع سيلها، ترك الحبل على الغرب، ودُعي الإنسان، الذي لم تقدر النصرانية على أن تأخذ بيده حتى النهاية، دعي لكي يستجيش قدراته العقلية، وينقذ نفسه بنفسه، وفق برامج عمل مرحلية، تسلمه الواحدة منها للأخرى، معتقدًا أنه بهذا وحده قدير على ملء الفراغ، ومنح الإنسان القدرة على اجتياز رحلة الحياة على هدى وبيّنة.

وليس ثمة مجال للتأكيد هاهنا على إخفاق هذه المحاولات الوضعية المتواصلة، وبقاء الإنسان معلقًا من عنقه في فضاء مخيف، وليس ثمة من يمدّ يده إليه لكي يخلّصه ويهديه سواء السبيل، هذه المحاولات التي كان بعضها ينقض بعضًا، وكانت إحداها تضرب الأخرى لكي تدفع بها بعيدًا عن مركز القيادة والسلطان.

عشرات، بل مئات، من المحاولات، كانت الحياة نفسها محكّ اختبارها وكان فشلها – في نهاية الأمر – معيار عدم قدرتها على أداء الدور الذي أريد للأديان أن تؤديه لصالح الإنسان.

وهكذا فإن اعتبار الإسلام هو "الدين الأخير" يحمل أهميته البالغة، ليس فقط في دحض قناعات الفئتين الآنفتي الذكر، اللتين تشكلان المساحة الكبرى من البشرية، بل باعتباره الدين الوحيد الذي يتحتم الانتماء إليه، والعقيدة المتفردة، من بين كل العقائد السماوية التي نسخها هذا الدين، أو الوضعية التي أثبتت نسبيتها وعدم قدرتها على أداء مهمتها في القيادة المتواصلة، الناجعة للإنسان والحياة. العقيدة القادرة في كل لحظة على تسلم مواقع القيادة، المستعدة في كل زمن ومكان لتأدية دورها المرسوم بعناية لصالح الإنسان، المستجيبة – أبدًا – للمتغيرات والتحديات.

ولم يكن الإسلام ليحمل هذه الصفة المتفردة، ولا ليصدر هذا الحكم الحاسم، باعتباره الدين الأخير الناسخ لما سبقه من أديان، والقادر – في الوقت نفسه على مواصلة الطريق حتى النهاية، دون أن يكون لديه ميزتان أساسيتان نريد أن نقف عندهما بعض الشيء. أولاهما عقيدة تتعلق بطبيعة الارتباط بين الإسلام وبين كافة الأديان السماوية التي سبقته، وثانيتهما حيوية تتعلق بطبيعة الارتباط بين الإسلام وبين كافة الأديان السماوية التي سبقته، وثانيتهما حيوية تتعلق بقدرة هذا الدين على قيادة الحياة البشرية، وتمكنه من تلبية حاجيات الإنسان، بغض النظر عن اختلاف الزمن والمكان، وتفاوت البيئات والأحوال.

إن اختبار هاتين الميزتين، ليس من قبل المسلمين أنفسهم الذين يسلّمون بهما تسليمًا قطعيًا، وإلا ما غدوا مسلمين ولا اقتنعوا بأحقية هذا الدين في الانتماء إليه، وإنما من قبل أولئك الذين يتحركون خارج دائرة الإسلام، ويحرصون، سلبًا أو إيجابًا، على تفحّص ميزات كهذه، لكي ينفوا أو يؤكدوا تلك المقولة التي تعتبر الإسلام دينًا أخيرًا، وهو في الوقت نفسه يملك ديمومته واستمراريته.

إن اختبار هاتين الميزتين (مما يدخل في سياق هذا الكتاب) والاقتناع بصدقهما وواقعيتهما، يمنح الإنسان غير المسلم قناعة كافية، من بين قناعات أخرى كثيرة، بأن دينًا كهذا يستحق "الشهادة" و"التقييم"، بل و"التقبّل" و"الانتماء"، وهذا هو ما تم بالفعل على نطاق ليس بمحدود كما سيتضح من متابعة معطيات الكتاب.

والحق أنه ليس أسهل على المرء من ممارسة اختبار كهذا، جرى ويجري على نطاق واسع، وذلك بمجرد الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو إمرار النظر في معطيات الإسلام العقيدية والتشريعية، أو متابعة جانب من صيرورته التاريخية والحضارية.

إن القرآن الكريم، والسنة بالتالي، لا يؤكدان فحسب "تصديق" الإسلام لكافة الأديان السماوية التي(1) سبقته، وهيمنته على روحها وجوهرها، وصهره معطياتها الأصيلة في كيان ديني متوحّد، ذي نسيح واحد،ولكنهما يتجاوزان ذلك ، بما يتضمنانه من حشود الصيغ والمفردات إلى تأكيد مشهود لحقيقة أن الإسلام هو خاتم الأديان السماوية جميعًا، وجوهرها وروحها، وأنه كآخر محطة في مسارها الطويل، سيحمل كل ما تكفّلت حمله من قيم وأهداف وخبرات، سعت جميعًا عبر أماكن وأزمان متفاوتة، لتأكيد أهميتها للإنسان، ولتنفيذها في واقع الحياة.

إن هذا الاحتواء المؤكد لخبرات ومعطيات الأديان السابقة في أصولها الصحيحة، دفع الكثير من الدارسين إلى ذلك الوهم المعروف وهو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم، قد تعلم من تلك الأديان وأخذ عنها، والأمر ليس كذلك، فإن ما نقضه الإسلام نفسه من تحريفات تلك الأديان، التي ظن أصحابها ولا يزالون، أنها من صلب أديانهم، وما طرده من أجسام غريبة – وثنية الأصول – في كيان هذه الأديان السماوية، يؤكد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم، لم يبعث لكي يتلقى فحسب، أو يرفض فحسب، ولا حتى لكي يمارس عملاً انتقائيًا إزاء مفردات الأديان السابقة، لكي يركّب منها دينًا جديدًا. وإنما المسألة على خلاف هذا كله، فيما يبدو واضحًا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على أشد ما يكون الوضوح: تنزيل دين جديد، متميز، في طبيعة نسيجه، وفي المساحة التي سيتحرك عليها والأهداف التي دعي لتنفيذها، لكنه دين غير معزول عن تراث النبوات السابقة [قبل التحريف]، بل لقد كان يسعى منذ اللحظات الأولى إلى احتضان العناصر الإيجابية من ذلك التراث، وإغناء مكوناته بالجوانب المتألقة من تلك الخبرات، ولكنه – في الوقت نفسه – ما كان يتهادن أبدًا مع كل ما من شأنه أن يمس شخصيته المتميزة، ودعوته المتفردة للتوحيد المطلق، مما هو طارئ على الأديان السابقة، غريب عن نسيجها ذي الخيوط الواحدة الممتدة من السماء.

معنى هذا أن الإسلام ليس بدعًا من الأمر، وأن كل أبناء الأديان الأخرى مدعوون للانضواء إليه، لأنهم بهذا وحده سيكونون صادقين مع أنفسهم، ملبين مطالب الدين الذي ينتمون إليه. وأنهم بانتمائهم للدين الجديد سيعززون القيم الأصيلة لأديانهم السابقة، وسيمكنون لها في الأرض. إنهم بشكل من الأشكال، مدعوون لمغادرة قطاراتهم التي أنهكها المسير، ونفد وقودها، والتحول إلى قطار الإسلام ذي الوقود العجيب، والذي أريد له أن ينطلق لكي يلفّ العالم كلّه، وينقل الأجيال تلو الأجيال من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.

إنه اختبار ليس صعب المنال، والنتيجة يتوخاها الممتحن المخلص كائنة هناك، في نسيج معطيات هذا الدين، منقوشة بوضوح متألّق في صفحات كتابه وكلمات رسوله عليه السلام.

ويقينًا فإنه بمجرد أن يتبيّن هذا اللقاء المرسوم بين الإسلام وبين أشقائه الذين سبقوه على الطريق، بمجرد أن يتضح هذا العناق في الروح، وفي الجوهر، بين الأديان السماوية جميعًا، وقد تبيّن هذا وذاك فعلاً، فإنه سيكون بمثابة واحد من الإغراءات الأشد إثارة، من الوعد المقنع، بأن الانتماء لهذا الدين ليس خيانة ولا هرطقة ولا مروقًا، ولكنه الصدق مع الله، والنفس، والضمير، والتوحد الأكثر حيوية وعطاء مع حركة الدين السماوي في هذا العالم.

ترى، كم من أولئك الذين عاينوا هذه المسألة، خرجوا لكي يقولوا للناس كلمة حق، أو يدلوا بشهادة تقييم لهذا الدين، وكم منهم، انتهوا أخيرًا إلى التحقق بالكلمة، والانتماء إلى دين هو بمثابة دعوة الحنيف واليهودي والنصراني، فضلاً عن الوثني والملحد؟

_____________________________________________

(1)  انظر على سبيل المثال: سورة البقرة، آية 41، 89، 91، 97، 101، آل عمران 3، 81، النساء47، المائدة 48، فاطر 31، الأحقاف 12، 30 يونس 37، يوسف 111 .

 [ الخصائص الأساسية لهذا الدين ]

فماذا عن الاختبار الثاني ؟ محاولة التأكد من قدرة هذا الدين الأبدية على الاستجابة لمطالب الإنسان، فردًا وجماعة، وعلى قيادته عبر الصراط إلى أهدافه المرتجاة ؟

سيكون من قبيل محاولة إثبات أن الشمس تطلع من الشرق، إذا قلنا بأن الإسلام جاء لكي يعالج كافة مناحي الحياة البشرية، الفردية والجماعية، والروحية، والمادية، والتربوية والتشريعية... إلى آخره، فهذه مسألة معروفة لا تحتاج إلى اختبار أو تأكيد، بمجرد أن يطّلع المرء على طبيعة هذا الدين، ويتفحص تركيبه، وبمجرد أن يعرف أنه ما جاء لكي يؤم الناس في الصلوات فحسب، بل لكي يقودهم في الحياة ويرشدهم، وفق برنامج عمل مرسوم، إلى ما يجب أن يفعلوه وما يجب ألا يفعلوه في مسائل الحياة جميعًا.

لكن ثمة "ميزات" تنبثق عن هذه النزعة الشمولية، وتمثل في الوقت نفسه مصدرها الأساسي، هي التي تجعل هذا الدين، من بين سائر الأديان والمذاهب السماوية والوضعية، بمثابة "الضرورة" الدائمة أو الحتمية الوحيدة للإنسان والجماعة البشرية إذا أراد، وأرادت، أن ترجع إلى فطرتها الأصيلة، وتستعيد توازنها المفقود، وتتجاوز تبعثرها وانشطارها وتعاستها.

وهذه الميزات هي التي تأكدت بمرور الوقت، وازدادت صلابة وتبلورًا عن طريق احتكاكها الدائم بالمعطيات الجانحة، سواء كانت وضعية أم دينية محرّفة، وهي التي يسوق اختبارها، ووضع اليد عليها من قبل غير المسلمين إلى تبيّن خصوصية هذا الدين، وتفرّده وقدرته على الاستجابة لمطالب الإنسان الملحّة والسير به صوب أهدافه المرتجاة.

فمن يستطيع – مثلاً – أن ينكر ما يتضمنه الإسلام من توازن بين كافة الثنائيات، ووفاق بينها، بينما هي في سائر الأديان والمذاهب الأخرى تصطرع وتتقاتل، وينفي بعضها بعضًا، أو يطغى على حساب الأخريات متفردًا بالسلطان ؟ إنه ما من دين أو مذهب – كالإسلام – قدر على لمّ هذه الثنائيات في صميم الكينونة الإنسانية، في تركيب الجماعة البشرية، في نسيج النشاط الحضاري، وتحويلها بالتناغم والتلاؤم إلى قوى توحّد ودفع وانسجام في مسيرة الإنسان. إنه اللقاء الموزون بين الظاهر والباطن، والحضور والغياب، والمادة والروح، والقدر والاختيار، والضرورة والجمال، والطبيعة وما وراء الطبيعة، والتراب والحركة، والوحدة والتنوع، والفردية والجماعية، والأخلاقية والمنفعية، والعدل والحرية، والوحي والتجريب، والدنيا والآخرة، والفناء والخلود... هذا اللقاء الذي يشكل بحق واحدًا من نقاط الجذب في الإسلام، ويدفع الكثيرين ممن يعاينونه ويختبرونه إلى الإعجاب والانبهار.

من يستطيع أن ينكر قدرة الإسلام على تلبية مطالب الإنسان أيًا كان موقعه في الزمان أو المكان، وأية كانت درجة رقيّه وتحضره ؟ إنه إذ يخاطب ويخطط لعناصر الديمومة والاستمرار في كيان الإنسان، ونسيج العلاقات الاجتماعية، تلك العناصر التي تعلو على المتغيرات، بل تعمل من خلالها، بحضورها الأبدي، وتتجاوز عوامل التعرية والتآكل التي تأتي بالغناء عن الكثير من القيم والخبرات الموقوتة، إنه إذ يفعل هذا فكأنه يتجاوز معضلة "المرحلية" التي أسرت ولا تزال الكثير من المذاهب والأديان ورفعتها إلى الزوايا الضّيقة، فما لبثت حركة التاريخ أن تجاوزتها، أو أرغمتها على الانسحاب لأنها لم تكن تملك المرونة والانفتاح اللذين يمكناها من مواصلة التعامل مع الإنسان. لقد كان الإسلام، وسيظل، هو الأقدر من بين سائر المذاهب والممارسات، على تلبية حاجيات الإنسان وتطمين منازعه، وإننا بمجرد أن نتفحص سيل المنتمين إلى هذا الدين في القرن العشرين، وهم على ما هم عليه من تقدّم مشهود في السلّم الحضاري، جنبًا إلى جنب مع حشود المنتمين إليه في أماكن وأزمان شتى، وهم على ما هم عليه من تخلّف حضاري، يتبيّن لنا كم أن الإسلام قدير على تلبية مطالب الإنسان، دون أن يشكل انضواء الإنسان إليه أيّ ارتطام على الإطلاق بين حالته التاريخية أو الحضارية وبين الصيغ والخرائط التي يلزم الإسلام باعتمادها والاسترشاد بها عبر اجتيازه رحلة الحياة الدنيا.

ومن يستطيع أن ينكر أن الإسلام جاء لكي يهدي الإنسان ككيان بشري في كافة مكوناته وعلى قدر احتياجاته من غير زيادة أو نقصان، وأنه بينما جنحت المذاهب والنظريات صوب جانب فحسب من جوانب الكينونة البشرية: العقل، أو الروح، أو الغرائز، أو الجسد، أو الحسّ، أو الوجدان... إلى آخره، بينما عانت من التضخم والورم المرضي في هذا الجانب أو ذاك، وضمرت وغابت في جوانب أخرى، نجد الإسلام يتقدم بهندسته المعجزة لكي يتعامل مع الإنسان بمكوناته كافة، ولكي يكون حاضرًا عند كل صغيرة أو كبيرة في معاناته، أية كانت طبيعة هذه المعاناة عقلية أم روحية أم جسدية. وإذا كنا قبل قليل نتكلّم عن أن هذا الدين جاء لكي يكون رسالة السماء الأخيرة للأرض، فإنه سيكون من قبيل التناقض ألا يتضمن ميزة "التلاؤم" الكامل مع الإنسان، فإن الله سبحانه الذي هو أدرى بخلقه والذي يعرف من خلق، يعرف في الوقت نفسه المنهاج الذي يصلح للإنسان والذي يجيء موازيًا تمامًا لحجمه، ملائمًا تمامًا لدوره في الأرض؛ إن المؤمنين يعرفون هذا جيدًا، وهم يعيشونه صباح مساء، وعبر أربعة عشر قرنًا من الزمان كان المسلم وهو يتعامل مع دينه، مقتنعًا حتى النخاع بأنه واجد فيه الجواب على كل سؤال يطرحه، والحل لكل معضلة تجابهه، بل أنه واجد فيه التناسب الفذّ مع منازعه كإنسان، بحيث أن هذه العقيدة لم تنكمش يومًا تاركة إياه يتخبط في اجتهاداته الخاصة التي قد تخطئ وقد تصيب، ولم تتسع يومًا بأكثر مما يجب بحيث يعجز عن ملاحقة مطالبها وإدراك أبعادها الشاسعة، لقد كان المسلم يعرف دائمًا أن إحدى مزايا دينه هو هذا التلاؤم بينه وبين الإنسان، أما غير المسلمين فإنهم كثيرًا ما اختبروا هذا الجانب، فأكد لهم الاختبار صدق المقولة، وكان ذلك من بين عوامل وميزات أخرى، ما دفعهم إلى أن يقولوا كلمتهم فيه، بل أن يعلن بعضهم انتماءه إليه.

من يستطيع أن ينكر – كذلك – حركية هذا الدين، أو دايناميته الأبدية، قدرته على ملاحقة المتغيرات، استجابته للتحديات، حضوره الدائم في مواجهة الأحداث والخبرات؟ من يستطيع، رغم مرور الإسلام بفترات اختناق وتصلّب، طالت حينًا وقصرت أحيانًا، أن يقول بأنه ما استرجع قدرته على الفعل والحوار في أعقاب كل توقف، أو أنه فقد قدرته على الجدل إثر كل اختناق.

إن بمقدور المرء وهو يتفحّص هذا الدين أن يلمح في تركيبه خطين متوازيين كان وجودهما معًا بمثابة حماية لذاتية الإسلام، وتمكين له في الوقت نفسه من التحرك والانفتاح لكي يجابه سائر الحالات والمتغيرات ويستجيب لمختلف الخبرات والتحديات.

أما الخط الأول فيتمثل بعناصر الديمومة والثبات التي لا ينالها التغيير والتي تأبى على المتغيرات، بسبب من كونها حقائق أبدية تجابه حالات دائمة لا تخضع للتبدلات التاريخية والحضارية. وأما الخط الثاني فيتمثل بتلك الإمكانات المرنة التي منحها الإسلام أتباعه كي يجتهدوا أن يجابهوا بها المتغيرات ويستجيبوا للحالات المتجددة استنادًا إلى الأسس والعناصر الدائمة الثابتة. وهكذا يمضي الإسلام القرون تلو القرون وهو يحمل قدرته المزدوجة على حماية ذاته في مواجهة العالم، فيما لم تشهده أية عقيدة أو مذهب آخر، ويحمل مع هذه قدرته الأخرى على التكيف والملاءمة والاستجابة.

إن وحدة الدين والحياة ما تحققت يومًا ما كما تحققت في إطار هذا الدين، وإن ما قاله كبار الدارسين للإسلام من غير أبنائه يؤكد صموده للاختبار في هذا الجانب الحيوي وتفوقه فيه.

وثمة ميزات وملامح كثيرة أخرى سنلتقي بها عبر فصول الكتاب ولن يتسع لها المجال هاهنا، إذ هو على أية حال ليس مجال الحديث عن الإسلام من الداخل، وإنما هي إشارة فحسب إلى أن اختبار بعض هذه الميزات، من الخارج، أكَّد، وسيظل يؤكد تفرّد هذا الدين وقدراته المتجددة التي ما لها من نفاد. ويزيد هذا الاختبار أهمية أنه لا الأديان المحرفة ولا المذاهب الوضعية قدرت على أن تلمّ دفعة واحدة هذه الميزات جميعًا. نعم إنها قد تألّقت في هذا الجانب أو ذاك، ونالت إعجاب الناس لهذه الميزة أو تلك، ثم إن هذا التألق والإعجاب ما غطى سوى مرحلة زمنية محددة فحسب، وما لبث أن انطفأ لكي يتحول الاتباع إلى ما يبهرهم ويقنعهم، إلى عقائد ومذاهب أخرى، أو أنهم علّقوا على الأقل إعجابهم وانبهارهم وفقدوا قناعاتهم بما كانوا قد انتموا إليه يومًا، كما يفعل الكثير من الغربيين اليوم ممّن كانوا نصارى أو ماركسيين في يوم من الأيام.

أما في الإسلام فإننا نجد حشدًا من الميزات، وقدرة في الوقت نفسه على تجاوز أسر الزمان والمكان، والامتداد الدائم، عبر الحالات والمتغيرات والتحديات، لكسب الإنسان، ومنحه القناعة بتفرد هذا الدين وتميّزه على المذاهب والنظريات، وهو يبدو واضحًا في قرننا العشرين هذا بسبب من الخيبة التي مني بها الإنسان وهو يتعامل مع هذه المذاهب والنظريات، الأمر الذي يقودنا إلى وقفة عاجلة عند الخصائص الأساسية للبيئة الفكرية والنفسية والحضارية التي يعيشها الإنسان المعاصر فتدفعه دفعة إلى البحث عن "البديل" أو الإعراب عن الإعجاب به أو بجانب منه على أقل تقدير.

 [ أزمة الإنسان والحضارة الغربية ]

بإيجاز شديد، ومن خلال معاينة أو مطالعة سيل من المعطيات المعاصرة يستطيع المرء أن يضع يديه بسهولة على "الأزمة" التي يعانيها الفكر الغربي بجناحيه العلماني والمادي، والتي يعيشها الإنسان المعاصر، والتي تجابه الحضارة الغربية المتفوقة بنذر التعاسة، وتصيب جسدها الخاوي بالقروح.

وقد تبلورت هذه الأزمة، في جوانبها كافة، من خلال طبيعة الحياة الغربية المعاصرة، وحشود الشهادات التي أدلى بها ولا يزال عدد ليس بالقليل من مفكري الغرب وعلمائه وأدبائه وفلاسفته وفنانيه.

ورغم ما قد يبدو على هذه الشهادات – أحيانًا – من طابع ردّ الفعل الذي يتّسم بالمبالغة أو التهويل، لكنه ردّ فعل ملائم للأزمة التي تعانيها الحياة الغربيّة، وردّ الفعل كما هو معروف يجيء مساويًا للفعل في قوته مخالفًا إيّاه في الاتجاه.

ثم إن هؤلاء، الذين يقولون كلمتهم في الحضارة الغربية، ويدينونها، ليسوا أناسًا عاديين، إنهم – بلا ريب – زهرة الثقافة الغربية وطليعتها التي لا تعبّر عن نفسها فحسب، ولكن عن حشود المثقفين الذين يجتازون الممر الضيق نفسه ويكادون أن يختنقوا، بل عن جماهير الناس العاديين الذين سنلتقي بنماذج منهم في هذا الكتاب، والذين يحسون بالأزمة ولكنهم لا يستطيعون أن يعبروا عنها بالصيغ الأكثر نضجًا، بل ربما، كان تعبير بعضهم أقرب إلى المباشرة والبساطة والفجاجة، من خلال موجات من الموضات السلوكية المنحرفة، يعقب بعضها بعضًا، وهي في عمومها تمنح الدارس محصلة واحدة: الاحتجاج ضد الحياة الغربية المعاصرة، ورفضها.

وبمجرد إلقاء نظرة سريعة على أعمال معروفة من مثل (اللامُنتمي) و(سقوط الحضارة) لكولن ولسون، و(الساعة الخامسة والعشرون) لكونستانت جيور وجيو، و(الخمور الفكرية) لآرثر كوستلر و(الصرخة المختنقة) لسترايت و(الطريق إلى مكة) لليوبولد فايس و(منعطف الاشتراكية الكبير) و(البديل) لروجيه جارودي و(عصر السريالية) لفاولي و(المذكرات) لكازانتزاكي و(الإنسان ذلك المجهول) لألكسيس كاريل و(حدود العلم) لسوليفان ومؤلفات كتاب (العبث واللامعقول) من مثل بكت وجان جينيه ويوشكو وبعض الكتاب الوجوديين وبخاصة كامي وغيرها كثير(1) يمكن أن نتلمس بوضوح حجم المعاناة التي تجابه الإنسان والحضارة الغربية بأجنحتها كافة فتسوق البعض إلى الرفض والانشقاق، والبعض الآخر إلى البحث عن البديل وتسوق فئة ثالثة إلى الإيمان بهذا الدين: الإسلام الذي رأوا فيه خلاصهم الوحيد.

إن انتماء رجل كليوبولد فايس، أو روجيه جارودي إلى الإسلام، وكلاهما يملك عقلاً كبيرًا، ويمثل باتساع ثقافته وعمقها، وبتنوع خبرته، حصيلة الثقافة الغربية العميقة وغنى خبراتها، يعنى أن هذه الثقافة لم تجد في مكوناتها الخاصة بها، على ازدحامها وكثافتها، ما يمنح بعض العقول الكبيرة القناعة والتوازن واليقين. بالعكس، فإن هذا الغنى الثقافي يكشف أكثر فأكثر، ضرورة أن تكون هناك قاعدة أساسية تنبثق عنها هذه الثقافة عقيدة شاملة، بعبارة أخرى، فالثقافة وحدها لا تكفي، وهي تميل في الأغلب، إذا لم تستند إلى أرضية عقيدية أو رؤية شمولية مقنعة، لأن تتبعثر وتتشتّت، وتجرّ معها الإنسان إلى التبعثر والتشتت.

وإلى جانب هذا، ومن خلال المعاناة نفسها برزت على الساحة الغربية ظاهرة (اللاإنتماء) التي حدثنا عنها الباحث البريطاني كولن ولسون في كتابيه المعروفين (اللامنتمي) و(سقوط الحضارة) فأطال الحديث. إن كبار المفكرين والفنانين والأدباء والفلاسفة هناك لم يقدروا على التحقق الذاتي في إطار ثقافتهم تلك، بل لم يجدوا أوليات التوازن، واليقين في خضمّ هذه الثقافة المتلاطم، الكالح، العميق. وكانت مأساتهم تكمن في أنهم كانوا يعون هذا الانفصال المحزن بين الإنسان فردًا ومجتمعًا وبين ثقافته وإن اندفعت قيادات هذه الثقافة وقواعدها نحو نوع من الاندماج أو النسيان – ربما – بسبب من تضاؤل وعيها بانعدام التوازن أو التلاؤم بين الإنسان الغربي وبين ثقافته، نجد بالمقابل ذلك التّيار المضاد: حشدٌ من المثقفين الكبار يتمردون على ثقافة بلغت بهم شوطًا من الطريق، وهم يريدون أن يواصلوا الرحلة صوب المصير فلا تقدر معطياتهم الثقافية على منحهم المزيد. لقد "امتلكوا العالم" كما يقول كولن ولسون ثم "ماذا بعد؟".

إن الإنسان بطبيعة تركيبه ذي النزوع إلى الماورائيات يريد أن يتجاوز العالم إلى الكون، جدران المادية إلى الغيب، الطبيعة إلى ما وراءها، والسلطة إلى الحرية، إنه يريد أن يكسر الأسوار، وينطلق بحثًا عن الإله المفقود. بعبارة أخرى إنهم يريدون العقيدة التي تلبّي نزوعهم الطموح، وإن المرء ليلمس بوضوح هذا التوجه صوب العقيدة الشمولية المتوازنة في معظم المؤلفات الغربية التي أشرنا إلى نماذج منها، والتي حاول أصحابها أن يعالجوا أزمة الوجود الثقافي الغربي على ضوء المصير المقفل والدرب المسدود.

وإننا لنلمح على ضوء هذه الأزمة التي تعانيها الثقافة الغربية الدافع الذي جعل حشدًا من كبار المثقفين الغربيين، عبر الربع الثاني من هذا القرن على وجه التقريب، من مثل آرثر كوستلر واندريه جيد وريتشارد رايت واكناز سيلوني وستيفن بندر ولويس فيشر وبيكاسو واراجون وجارودي وغيرهم يلجأون إلى الماركسية. إنه لم يكن توجهًا حرًّا بمعنى الكلمة، ولكنه ارتماء المرهقين الباحثين عن الخلاص بأية طريقة ومن خلال أي برنامج يمتلك رؤية عقيدية شاملة تأخذ بيد الإنسان، حتى ولو كان الذي يصوغها هو الشيطان.

لكن المشكلة التي سرعان ما تبدت لهؤلاء الذين ارتموا في أحضان الماركسية أنها هي الأخرى تمتح من البئر نفسه الذي يشكل ماؤه نسيج الثقافة الغربية وينفخ الحياة في عروقها.

الفلسفة المادية التي ترفض الغيب والروح، وتنكر وجود الله، وتقطع الطريق إلى الجنة، وتحارب وجود الله.. إنها هي الأخرى تحجّم الإنسان، وتحصره في النطاق الضيّق، وتغلق الأبواب عليه لكي لا ينطلق صوب الآفاق الرحبة التي تتجاوز حدود المنظور والملموس وتتأبى على نداءات الجنس وصرخات الأمعاء.

وإذا كان ثمة فارق فإنه يكمن في امتلاك الماركسية النظرة الشمولية للعقيدة والفلسفة التي استهوت أولئك المثقفين، لكن الجوهر هو الجوهر والنسيج هو النسيج. فما ثمة بد لهؤلاء من الارتداد، كرة أخرى، بحثًا عن حل أكثر قبولاً، وأقدر على تلبية طموح الإنسان، بما أنه "إنسان" لا "حيوان اجتماعي"، ولا مجرد أداة ميكانيكية، أو رقم مضاف إلى الشمال أو اليمين. حلّ يمكّن المثقف الغربي من التحقّق الذاتي الضائع، وإذا كانت الأكثرية القلقة لم تقدر لأسباب شتى، ليس هذا مجال تحليلها أو حتى الإشارة إليها، على أن تجد طريقها صوب الهدف، فإن إسلام عشرات الغربيين بل مئاتهم، إشارة مؤكدة على أن هناك من يقدر على الوصول وعلى أن رحلة البحث عن المصير الموازي لحجم الإنسان ستؤتي ثمارها بإذن الله.

إن الأزمة الغربية الراهنة، في جوانبها الفكرية والنفسية والحضارية، تأخذ أبعادًا شتى، ليس أقلها خطورة – إذن – ذلك الضمور والضحالة الروحية اللذان تعانيهما الحضارة المعاصرة بكافة مذاهبها ونظمها ومعطياتها، الضمور والضحالة اللذان يصلان حدّ الخواء، وانعدام أي بعد يمنح الإنسان المعاصر رؤية أوسع مدى، وتجربة أعمق غورًا، يتجاوز بهما سطحية حياته المادية ورتابة تجربته المباشرة، ويكسر جدران الحس القريب لكي يمدّ في تجربة "الإنسان" ويمنحها كثافة أشد، وتوغلاً أبعد، ومنظورًا لتكون الحياة والعالم والإنسان أكثر غنى، إنه خواء يستل اليقين بكل ما من شأنه أن يمنح الحياة البشرية تفردّها، وتألّقها، وتميزها عن سائر الحيوان، ويعطي أبناءها الفرصة للاستهداء بحشد من القيم، والضوابط والمناهج المرسومة، التي يتحركون على هديها إلى أهداف تليق بهم، وتخلّصهم من الفوضى والتخبّط والارتجال.

إن حضارة تفتقد اليقين الديني لن يكون بمقدورها أن تمنح الإنسان كل ما يري، وإن الإنسان إن لم يجد نفسه في بيئة تتعامل معه كإنسان، بكل مكوناته، وأشواقه، ومنازعه، فإنه سيتمرد – ولا ريب – على هذه البيئة، وينشق عليها، طال الوقت أم قصر.

______________________________________________

(1)  انظر المؤلفات التالية للمؤلف: (تهافت العلمانية)، (الأدب في مواجهة المادية)، (العلم في مواجهة المادية)، (فوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر)، (أضواء جديدة على لعبة اليمين واليسار).

 [ الأخطاء المنهجية للفكر الوضعي ]

وثمة النظرة الأحادية للفكر الغربي الوضعي(1)، والمنهج ذو الوجه الواحد الذي طالما اعتمده هذا الفكر وتشبث به. إنه ملمح لا يقل خطورة عن الملمح السابق ومن ثم سنقف عنده بعض الشيء.

إن المرء كثيرًا ما يتساءل: لماذا يصرّ الفكر الوضعي عمومًا، والغربي بخاصة، على التشبث بجانب واحد من الفكرة ذات الجوانب العديدة ويقف عند مساحة محدودة منها بينما هنالك مساحات أخرى ؟ ولماذا يصرّ على تبسيط الظاهرة وحملها على أن تطلّ على الإنسان بوجه مسطح واحد بينما هنالك وجوه عدّة ؟ ولماذا يتشنّج على طبقة واحدة من الحقيقة بينما هي تتضمن طبقات وطبقات ؟

إن السبب قد يحمل بعدًا نفسيًا ذاتيًا صرفًا، فالمفكّر الوضعي الذي يكتشف جانبًا من الحقيقة، أو مساحة من الظاهرة، أو وجهًا ما من الفكرة، ليسعى للاعتقاد بأن ما اكتشفه هو الجانب الوحيد للحقيقة، والمساحة الكلية للظاهرة، والوجه المتفرد للفكرة، ويبذل جهدًا متواصلاً لإقناع أتباعه بذلك ولشدة التكرار والإلحاح يتوهم هؤلاء بأن ما يقوله هو الحق وأن اكتشافه الفكري هو الصواب وأنه يتضمن أطراف الحقيقة أو الفكرة أو الظاهرة كافة.

إنها نوع من الرغبة في تعبيد الناس للمفكر، وكسب إعجابهم وانبهارهم من خلال أطروحاته الفكرية المعزّزة باستنتاجات ومعطيات متواصلة لتأكيد أنها الحق المطلق وأن ما وراءها الباطل والضلال. وهو يبني موقفه هذا، أو كسبه غير المشروع إذا صحّ التعبير، على ما قد يتضمنه العقل البشري من قصور وعدم قدرة على الإلمام بجوانب الحقيقة، وافتقاده النظرة الكلية التي تستشرف أطراف الظاهرة من كل مكان. هذا العقل الذي يظل يعاني من نقصه هذا طالما هو لم يستهد بدين سماوي، ببرنامج عمل موضوعي يجيء من السماء ويمنح الإنسان والعقل الإنساني، بما يتضمنه من علم إلهي شامل، القدرة على تجاوز النظرة أحادية الجانب، والتوغل لإدراك جوانب الحقيقة ومساحاتها وطبقاتها جميعًا.

إن المفكر الوضعي يمارس هنا نشاطاً ضد المنهج، ضد الموضوعية والتجرد العلمي، وهذه الضدّية تجيء على حساب الحقيقة. نعم، قد يكسب المفكر الجولة وقد يلتف حوله المريدون والأتباع، وقد يُظنّ لفترة طويلة من الزمن أنه وضع يده على مفاتيح الحقيقة وأنه سبر غورها العميق، ولكن الخاسر في هذه اللعبة التي تكررت على الساحة الأوروبية عشرات القرون هو الحقيقة والإنسان الذي يتوخى معرفتها وإدراكها في نهاية الأمر.

ويقوم هذا النشاط الذي يمارسه المفكر ضد المنهج والموضوعية على محاولة توسيع مساحة "الاكتشاف" لجعله يلف الظاهرة كلها، فيمطّه بأي أسلوب لكي يحيط بالفكرة من جوانبها كافة، ويرغمه على التضخّم لكي يوازي الحقيقة طولاً وعرضًا وعمقًا.

والمشكلة أن هذا الاكتشاف الذي يحمل قيمته الكبيرة بحدّ ذاته، قد يغطي مساحة من الظاهرة، قد يفسّر جانبًا من الفكرة، قد ينشر شعاعًا على جهة محدودة من الحقيقة لكي يضيئها. ولكن تبقى دائمًا مساحات وجوانب أخرى من الظواهر والأفكار والحقائق لا يكفي الاكتشاف – إن على مستوى النوع أو على مستوى الكم – لتفسيرها وإضاءتها، لابد من اكتشافات أخرى وإضاءات متتالية، تأخذ طابع التتابع والتكامل، وتسلط على الحقائق والظواهر والأفكار من أطرافها جميعًا، ويسهم فيه خط طويل من المفكرين، وعقول متألقة لا يحصيها عدّ.. وعند ذلك قد تصل إلى تفسير هذه الظاهرة أو تلك وقد لا تصل أساسًا.

إن هذا يتم في ميدان العلوم النظرية (الصرفة) والتطبيقية (التقنية) ولهذا حقّقت هذه العلوم تلك الخطوات العملاقة، وقدّمت للإنسان خدمات جلى لا يستطيع أحد أن ينكر دورها الفعال في استمرار الحضارات وبخاصة الحضارة الغربية المعاصرة.

لكن العلوم الإنسانية شهدت صيغة أخرى في العمل، صيغة الانفراد، والذاتية، والادعاء، والتضخم. ولذا لم تستطع أن تقدم للإنسان عُشر معشار ما قدمته العلوم النظرية والتطبيقية، ولهذا – أيضًا – آلت إلى الفشل والسقوط الواحدة تلو الأخرى.

فعلى سبيل المثال، لماذا يصرّ عقل فذ (كهيغل) على جعل الجدل أو الديالكتيك أو التقابل المتضاد بين الحقائق والتجارب يقتصر على نطاق (الفكرة)؟ ولماذا يجيء (ماركس) و(انجلز) بعده لكي يديناه على أحادية نظرته، بل على وضعها المقلوب، لكنهما ما يلبثان أن يقعا في الخطأ نفسه فيتشنجان على نظرية الديالكتيك المادي، أي الجدل في نطاق المادة وحدها؟ إنهما يتهمان (هيغل) بأنه وضع فلسفة "تمشي على رأسها" لكنهما وهما يسعيان لتعديل الوضع الفلسفي، قدّما فلسفة تمشي على بطنها بحثًا عن الخبز وحده.

أما كان الأولى أن يتجاوز (هيغل) تشبثه بالفكرة، وأن يبعد (ماركس) و(انجلز) قليلاً عن الأرضية المادية، وأن يحاول الطرفان وضع صيغة للجدل أكثر شمولية تتضمن الفكري والمادي معًا؟ ثم لماذا يصرّ الطرفان على أن الجدل بين الأفكار أو الصيغ المادية يأخذ طابع التناقض والتضاد ويقود دومًا إلى الاصطراع؛ ألا يتحتم أن تضاف إليه صيغ أخرى للعلاقة تأخذ طابع (التبادل) بدلاً من التضاد؟ تبادل في الأخذ والعطاء دونما ضرورة تدفع لصراع محتوم، ودونما اطراح لبعض العناصر من هذا الجانب أو ذاك، بل بلورته وتبنّيه وإضافته للموحّد الجديد.. وغير (هيغل) و(ماركس) و(انجلز) كثيرون جدًا.

إن ثمة أسئلة كثيرة تخطر على بال الإنسان وهو يتعامل مع الفكر الوضعي ولئن لم تحظ بأي جواب، فإن هناك ما يشبه القناعة تبرز لكل ذي عينين: أن النظرة أحادية الجانب، تلك التي تأخذ بخناق هذا الفكر، إن هي إلا انعكاس لنوع من الادعاء والغرور، وربما الكذب، سواء شئنا أم أبينا، إن معظم المفكرين الغربيين كما يصفهم كتاب الله {إِن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ} [سورة النجم، الآية 23].

تلك هي أزمة الفكر الوضعي من جهة المفكر نفسه، أي من الزاوية التي يطل بها على العالم، والمنهج الذي يعتمده في التعامل مع الظواهر والحقائق والأشياء. ولكننا نريد أن نقف لحظات في الجهة الأخرى، جهة العقل الغربي المتلقّي وهو يتعامل مع معطيات مفكريه: مذاهب ومدارس وعقائد ونظريات جهة المثقفين الغربيين وهم ينتمون إلى هذه المدرسة أو تلك، وإلى هذا المذهب أو النظرية أو ذاك.

فهاهنا أيضًا نجابه بعدد من الأخطاء المنهجيّة في طبيعة هذا التعامل، ويكمن أكبر هذه الأخطاء وأشدها وضوحًا في المشكلة نفسها التي يعاني منها المفكر واضع النظرية أو مصمّم المذهب، تلك هي – مرة أخرى – النظرة أحادية الجانب حيث يمارس المثقف ما يمكن اعتباره خداعًا وتضليلاً على حساب الحقيقة، أو ما يمكن اعتباره خطأ منهجيًا على أقل تقدير. إنه يصدّق فعلاً أن (الاكتشاف) الذي حققه هذا المفكر أو ذاك، ومطّه ونفخ فيه لكي يجعل منه نظرية أو مذهبًا، يفسر كل شيء، ويلقي ضوءه على كل معضلة أو مسألة غامضة في الوجود والعالم، يصدّق أن هذا الاكتشاف هو الحق المطلق، الرؤية المتفردة، الكشف النهائي للسنن والقوانين التي تحرك العالم وتفسر معطياته في الوقت ذاته. وهم، أي المثقفون، يدفعون أنفسهم إلى نوع من الاستسلام لهذا التصوّر، يصل بهم أحيانًا حدّ الوثنية والتعبّد، فيفقدوه القدرة على أي تفكير مستقل يخرج بهم عن دائرة المذهب الذي انتموا إليه، والمفكر أو الفيلسوف الذي آمنوا به، بل أنهم يعتبرون آية محاولة لتجاوز أطروحات المذهب خروجًا على التعاليم المقدسة، وهرطقة يستحق صاحبها أشد العقاب.

وإذا كان المفكر الوضعي يتخذ موقف المعلم المطلق، أو صاحب الاكتشاف المقدس، لتحقيق حاجة ذاتية في تركيبه الخاص، فما الذي يجعل المثقف المتلقي، أو التابع، يتخذ موقف التسليم المطلق والانقياد الأعمى للفكرة أو الاكتشاف ويتشنج عليهما ويعتبرهما الحق الذي ليس وراءه سوى الضلال؟

قد يلعب البعد النفسي دوره هنا أيضًا، فإن الانتماء لمذهب ما والمبالغة في الاعتقاد بأنه الحق المطلق واليقين الكامل، يمنح الذات فرصة للتحقق والتوازن والامتلاء، ويشبع فيها حاجات كانت في كثير من الأحيان بمثابة الدافع القوي للسلوك البشري. لكن هذا وحده لا يكفي. إنه – مرة أخرى – القصور العقلي، عدم قدرة الإنسان على بلوغ اليقين المطلق، أو رؤية الحقيقة كاملة طالما هو يرفض التلقي عن العلم الإلهي الشامل، ومن ثم يجد نفسه أسير التجزيئيّة والقصور، والرؤية ذات البعد الواحد. وهو من أجل تجاوز محنته، بل بسبب من اعتقاده بقدرته العقلية الفائقة، يندفع للتصديق بهذه النظرية أو تلك، والتسليم بهذا الكشف أو ذاك، لا لأنها بحد ذاتها تحمل الصواب المطلق، بل لأنه هو نفسه لا يملك المقاييس الموضوعية النهائية للحكم عليها ومن ثم فقد يمتلك القناعة الكافية، المناسبة مع قدراته المحدودة، في أن هذا الذي يطرحه مفكر أو فيلسوف ما هو إلا الصدق واليقين والحق، وأن الانتماء إليه يمنح الفكر معادلاته الموضوعية، وتوازنه، واستقراره.

إن المشكلة، مرة أخرى، تكمن في غياب الرؤية الدينية، انعدام المقاييس الموضوعية التي تنبثق عن العلم الإلهي الشامل. وهنا، في الساحة التي يتفرد فيها بالسلطان العقل ذو القدرات النسبية، يصبح الانتماء مجرد اجتهاد شخصي قد يخطئ وقد يصيب، وهو حتى إذا أصاب، فإنه لا يتحقق بالمعرفة الكلية اليقينية الشاملة، لأنه ليس بمقدور عقل بشري أن يبلغ شواطئها.

وهنا قد يسأل المرء: إذا حدث أن طرح مفكر ما كشفًا أو نظرية، تناقض في جوهرها كشف مفكر آخر أو نظريته، فمن يكون من أتباع كلا المفكرين على حق ومن يكون على ضلال؟

إن هذا التناقض الطولي بين مفكر وآخر يعملان في مجال واحد، من مثل التناقض بين (هيغل) و(ماركس) أو بين (دارون) وحفيده، أو بين (فرويد) وبعض تلامذته الذين انشقوا عليه، يكفي لوحده أن يهزّ قناعات الأتباع بكل الربوبيات والصنميات الفكرية، لكن هذا لا يحدث إلا نادرًا، لأن القصور الفكري وضياع المقاييس الشمولية، فضلاً عن الحاجات والدوافع النفسية في الاحتماء بهذه النظرية أو تلك والامتلاء بقناعاتها يمنع هذا المصير.

مهما يكن من أمر، فإن بعض المفكرين بسبب من تضخم إحساسهم بالقدرة على الكشف، وبأن كشفهم هذا قادر على الامتداد لتغطية جوانب الحقيقة كافة وتفسير كل شيء، بسبب من هذا يتجاوزون – أحيانًا – دوائر تخصصهم، ويوغلون في مجالات ودوائر أخرى للمعرفة قد لا يملكون من الأدوات والوسائل ما يمكنهم من أن يحققوا فيها ما حققوه هناك في حقل تخصصهم وإبداعهم. وإذا كان الدافع لهذا السلوك واضحًا، فما الذي يدفع (الاتباع) إلى تقبل هذا الموقف واعتبار معطيات المفكر، حتى في مجالات تبعد عن تخصصه، بمثابة الحقيقة النهائية هي الأخرى؟

(إن هذا بالذات ما يحدث بالنسبة للماركسيين – على سبيل المثال – وهم يتعاملون مع اكتشافات (ماركس) في حقول الاقتصاد والفلسفة والتاريخ، فيرونها جميعًا بمثابة الأمور التي تتجاوز حدود الحقائق الاختبارية إلى نوع من القدسية التي يتحتّم ألا يمسّها أحد بأية صيغة من صيغ التساؤل والشك. فإذا كان (ماركس) في حقل الاقتصاد قدّم في دائرته كشوفًا ذات قيمة، فما الذي يحتم على أتباعه قبول كل معطياته وكشوفاته في مجالين آخرين قد لا يكون صاحب القول الفصل فيهما وهما الفلسفة والتاريخ ؟

إن الفلسفة التي تتعامل مع المادة لا يمكن أن تمنحنا قناعات كافية إن لم تبدأ من المختبر، وتنبثق عن أسس فيزيائية علمية كما يفعل رجال من أمثال (هايزنبرغ) و(اينشتاين) و(كاريل) وغيرهم. والبحث في التاريخ ما لم يستكمل تفاصيل وجزئيات كل عصر وبيئة لا يمكن أن يمنحنا نتائج نهائية.

وعلى ضوء هاتين البديهيتين يمكن أن نقيّم معطيات (ماركس) في هذين الحقلين، ونحن لازلنا نذكر عبارة الباحث الاقتصادي (أوسكار لانكه) وهو أحد أكبر أخصائيين في اقتصاد الدول النامية، فهو بعد أن يستعرض جهود الكتاب الذين اهتموا بدراسة اقتصاد مجتمعات ما قبل الرأسمالية، منذ عصر (ماركس) وحتى عصر (بورشييف) يقول ما معناه: "ولكن هذه الدراسات جميعها مفككة، لذلك فإن الاقتصاد السياسي للنظم الاجتماعية ما قبل الرأسمالية لما يخرج بعد إلى حيز الوجود باعتباره فرعًا منظمًا من فروع الاقتصاد السياسي". ولكن هل يكفي هذا كله لفك الارتباط الوثني بين الأتباع والأرباب وتجاوز تقاليد قرون طوال سادت الفكر الغربي ولا تزال؟.

قد يتساءل المثقف الغربي، ومن حقه أن يتساءل، هل معنى قبول الدين، والإسلام على وجه الخصوص، أن نتخلى – بمعنى من المعاني – عن بعض درجات سلّمنا الحضاري المتقدمة، أو أن نتجاوز "العلمية" التي تميّز هذه الحضارة، والتي هي منهجها وشعارها؟

بعبارة أخرى: هل يحتمّ خلاصنا الديني بالإسلام، أن نضحّي ببعض منجزاتنا العقلية، وخبراتنا الحضارية، من أجل هذا الخلاص ؟ وهل أنه لا مناص من الاختيار بين الاثنين: إما هذا أو ذاك؟

إن الجواب على هذا السؤال المشروع بجانبيه، أي ما يتعلق بالحضارة وما يخصّ العلم، يقتضي وقفة متأنية لكي نعرف ما الذي يقوله الإسلام بصددهما، ما الذي قدّمه أو نسجه؟ وما هي طبيعة منظوره للحضارة، ورؤيته للعلم؟ وهل ثمّة من تأشيرات سلبية على أنشطتهما، أم أنه اللقاء، والحضّ والعطاء؟ هل أنه الانفصال الذي اعتقدته العلمانية الأوروبية كردّ فعل للنصرانية التي وقفت بمواجهة التحضّر والعلم، بشكل أو بآخر، أم أنه التناغم والاتصال؟

لن يسمح هذا المدخل الموجز لتقديم الجواب ويكفي أن نتابع "الشهادات" التي تضمنها هذا الكتاب والتي لا تدع مجالاً للشك في أن الإسلام، بمعنى من المعاني، هو التحضّر والعلم معًا في إطار رؤية دينية تتميز بالشمولية والتوازن.

إنه يتحتّم علينا ألا ننساق وراء المقولة الخاطئة التي اصطنعتها العلمانية الأوروبية، والتي تتركز بعبارة "إما هذا أو ذاك"، أي إما الإيمان أو التحضّر، إما الدين وإما العلم، إما الله وإما الإنسان، وباختصار: إما السماء وإما الأرض.

فهاهنا، في نسيج التصوّر الإسلامي، متناسقًا مع سداه ولحمته، نلتقي الشعار الآخر الذي يتحتم على الغربيين أن يعرفوه جيدًا ويوقنوا به: هذا وذاك، الإيمان والتحضر، الدين والعلم، الله والإنسان، السماء والأرض.

إن الإسلام، بانفتاحه على العلم والتحضّر وتبنيّه لهما، كما سيتبين لنا، يجعل من مرور الزمن، وتراكم الخبرات العلمية والحضارية، سلاحًا بيده وليس ضده، كما فعلت النصرانية وبعض الأديان الأخرى، سيجعل منها عصًا، كتلك التي أمسك بها موسى عليه السلام، فضرب بها البحر ومضى بأتباعه صوب أهدافه المرتجاة.

وإنه من خلال المعطيات العلمية والحضارية ستتبين لكل ذي فكر مصداقية هذا الدين وأحقيته بالتفرّد والسلطان. فما قال به في عصر تنزّله البعيد، جاءت هذه المعطيات لكي تؤكده وتكشف عنه النقاب. وإن القرآن الكريم ليؤكد هذا البعد الزمني في آيتين: إحداهما قول الله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [سورة يونس، الآية 39، وسورة فصّلت، الآية 53]. والثانية: قول الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. بعد الخبرة والتقدم، والزمن الذي يضيف بحساب الكم والنوع إلى نهر العلم والتحضّر.

إن الانتماء للإسلام يضع الإنسان في حالة تساوٍ وتآلف مع السنن الكونية، ويجنبه الارتطام بها، فيمنحه قوة أكبر على التقدم والاندفاع من خلال توافق طاقاته مع طاقات الكون ونواميسه. كما أن الانتماء للدين الذي يدعوه للكشف عن السنن والطاقات المذخورة في الكون والعالم، والإفادة منها يمنحه قدرات مضافة على التحضر والإبداع والتقدم جنبًا إلى جنب مع دعوته للكشف عن قوانين الحركة التاريخية واعتمادها لتنفيذ مهمته العمرانية في العالم والتعجيل بها.

 إن الإسلام، في نهاية التحليل وبدايته كذلك، دعوة إلى التقدم والتحضّر بأي منظور ومن أية زاوية، وإن المنتمين إليهم يجدون فرصتهم الحقيقية لذلك، ليس من قبيل الادّعاء والغرور ولكن من خلال العقل والتحقّق اللذين يحرسهما الإيمان والتقوى ويدفعهما الإحسان إلى المزيد، كما سيتبين لنا من قراءة فصول هذا الكتاب.

______________________________________________

(1)     المقصود هنا المدلول اللغوي لا الاصطلاحي لكلمة (الوضعية).

(2)     محمد علي نصر الله: أضواء على نمط الإنتاج الآسيوي، مجلة آفاق عربية، سنة 2، عدد 6، 7، 8 .

(3)     عالج المؤلف هذه المسألة في الكتب التالية التي يمكن الرجوع إليها لمتابعة التفاصيل: (مدخل إلى موقف القرآن الكريم من العلم)، (حول إعادة تشكيل العقل المسلم)، (التفسير الإسلامي للتاريخ)، و(مؤشرات حول الحضارة الإسلامية).

 الفصل الأول القرآن الكريم

"لقد قمتُ بدراسة القرآن الكريم وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثًا عن درجة اتفاق نصي القرآن ومعطيات العلم الحديث.. فأدركت أنه لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث...".

(العالم الفرنسي موريس بوكاي)

خليل أحمد

[ 1 ]

"يرتبط هذا النبي [صلى الله عليه وسلم] بإعجاز أبد الدهر بما يخبرنا به المسيح [عليه السلام] في قوله عنه: (ويخبركم بأمور آتية)، هذا الإعجاز هو القرآن الكريم معجزة الرّسول الباقية ما بقي الزّمان. فالقرآن الكريم يسبق العلم الحديث في كلّ مناحيه: من طب، وفلك، وجغرافيا، وجيولوجيا، وقانون، واجتماع، وتاريخ... ففي أيامنا هذه استطاع العلم أن يرى ما سبق إليه القرآن بالبيان والتعريف..."(1).

[ 2 ]

"أعتقد يقينًا أني لو كنت إنسانًا وجوديًا... لا يؤمن برسالة من الرسالات السماوية وجاءني نفر من الناس وحدثني بما سبق به القرآن العلم الحديث – في كل مناحيه – لآمنت برب العزة والجبروت، خالق السماوات والأرض ولن أشرك به أحدًا..."(2).

[ 3 ]

"في هذا الظلام الدامس – أيها المسيحي – ينزل القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكشف لك عن الله عز وجل.."(3).

[ 4 ]

"للمسلم أن يعتزَّ بقرآنه، فهو كالماء فيه حياة لكل من نهل منه"(4).

_______________________________________

(1)  إبراهيم خليل أحمد                                    Ibrahim Khalil Ahmad

قس مبشر من مواليد الإسكندرية عام 1919، يحمل شهادات عالية في علم اللاهوت من كلية اللاهوت المصرية، ومن جامعة برنستون الأمريكية. عمل أستاذًا بكلية اللاهوت بأسيوط. كما أرسل عام 1954 إلى أسوان سكرتيرًا عامًا للإرسالية الألمانية السويسرية. وكانت مهمته الحقيقية التنصير والعمل ضد الإسلام. لكن تعمقه في دراسة الإسلام قاده إلى الإيمان بهذا الدين وأشهر إسلامه رسميًا عام 1959. كتب العديد من المؤلفات، أبرزها ولا ريب (محمد في التوراة والإنجيل والقرآن)، (المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي)، و(تاريخ بني إسرائيل).

(2)     محمد في التوراة والإنجيل والقرآن، ص 47 – 48 .

(3)     نفسه، ص 48 .

(4)     نفسه، ص 172 .

آرنولد(1)

[ 1 ]

".. [ إننا ] نجد حتى من بين المسيحيين مثل الفار Alvar [ الإسباني ] الذي عرف بتعصبه على الإسلام، يقرر أن القرآن قد صيغ في مثل هذا الأسلوب البليغ الجميل، حتى إن المسيحيين لم يسعهم إلا قراءته والإعجاب به.."(2).

______________________________________

(1)  سير توماس أرنولد ( 1864 – 1930).                        Sir Thomas Amold

من كبار المستشرقين البريطانيين. صاحب فكرة كتاب (تراث الإسلام) الذي أسهم فيه عدد من مشاهير البحث والاستشراق الغربي. وقد أشرف آرنولد على تنسيقه وإخراجه. تعلم في كمبردج وقضى عدة سنوات في الهند أستاذًا للفلسفة في كلية عليكرة الإسلامية. وهو أول من جلس على كرسي الأستاذية في قسم الدراسات العربية في مدرسة اللغات الشرقية بلندن. وصفه المستشرق البريطاني المعروف (جب) بأنه "عالم دقيق فيما يكتب، وأنه أقام طويلاً في الهند وتعرف إلى مسلميها، وأنه متعاطف مع الإسلام، وكل هذه أمور ترفع أقواله فوق مستوى الشهادات" (دراسات في حضارة الإسلام ص244). ذاع صيته بكتابيه: (الدعوة إلى الإسلام) الذي ترجم إلى كثر من لغة، و(الخلافة). كما أنه نشر عدة كتب قيمة عن الفن الإسلامي.

(2)  الدعوة إلى الإسلام (بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية)، ص 162 .

إيرفنج(1)

[ 1 ]

"كانت التوراة في يوم ما هي مرشد الإنسان وأساس سلوكه. حتى إذا ظهر المسيح [عليه السلام] اتبع المسيحيون تعاليم الإنجيل، ثم حلَّ القرآن مكانهما، فقد كان القرآن أكثر شمولاً وتفصيلاً من الكتابين السابقين، كما صحح القرآن ما قد أدخل على هذين الكتابين من تغيير وتبديل. حوى القرآن كل شيء، وحوى جميع القوانين، إذ إنه خاتم الكتب السماوية.."(2).

[ 2 ]

"يدعو القرآن إلى الرحمة والصفاء وإلى مذاهب أخلاقية سامية"(3).

______________________________________

(1)  واشنجتون ايرفنج                                        W. irving

مستشرق أمريكي، أولى اهتمامًا كبيرًا لتاريخ المسلمين في الأندلس. من آثاره: (سيرة النبي العربي) مذيلة بخاتمة لقواعد الإسلام ومصادرها الدينية (1849)، و(فتح غرناطة) (1859)، وغيرها.

(2) حياة محمد، ص 72 .

(3) نفسه ، ص 304 .

بروز(1)

[ 1 ]

"إنه ليس هناك شيء لا ديني في تزايد سيطرة الإنسان على القوى الطبيعية، (هناك آية في القرآن يمكن أن يستنتج منها أنه لعل من أهداف خلق المجموعة الشمسية لفت نظر الإنسان لكي يدرس علم الفلك ويستخدمه في حياته : {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس 5]. وكثيرًا ما يشير القرآن إلى إخضاع الطبيعة للإنسان باعتباره إحدى الآيات التي تبعث على الشكر والإيمان: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ، لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف 13]. ويذكر القرآن – لا تسخير الحيوان واستخدامه فحسب – ولكن يذكر السفن أيضًا.. فإذا كان الجمل والسفينة من نعم الله العظيمة، أفلا يصدق هذا أكثر على سكة الحديد والسيارة والطائرة؟"(2).

[ 2 ]

".. إن أعظم نتائج العلم يمكن أن تستخدم في أغراض هدمية أو بنائية. وربما كان هذا هو المقصود بما ورد في القرآن خاصًا باستخدام الحديد: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد 25]. وأظهر مثال من هذه الآية بالضرورة هو استخدام النشاط الذري – الذي نشطت بحوثه – لضرورة حربية.."(3).

_______________________________________

(1)  د . ميلر بروز

رئيس قسم لغات الشرق الأدنى وآدابه وأستاذ الفقه الديني الإنجيلي في جامعة (ييل). وعمل أستاذًا بجامعة براون، وأستاذًا زائرًا بالجامعة الأمريكية في بيروت، ومديرًا للمدرسة الأمريكية للبحوث الشرقية بالقدس، ومن مؤلفاته:

          Founders of Great Religions, 1931.

          What means these Stones, 1941.

          Palestine our Business, 1941.

(2)     الثقافة الإسلامية، ص 51 .

(3)     الثقافة الإسلامية، ص 54 .

بلاشير(1)

[ 1 ]

".. إن الفضل [بعد الله] يعود إلى الخليفة عثمان بن عفان [رضي الله عنه] لإسهامه قبل سنة 655هـ في إبعاد المخاطر الناشئة عن وجود نسخ عديدة من القرآن، وإليه وحده يدين المسلمون بفضل تثبيت نصّ كتابهم المنزل، على مدى الأجيال القادمة"(2).

[ 2 ]

"لا جرم في أنه إذا كان ثمة شيء تعجز الترجمة عن أدائه فإنما هو الإعجاز البياني واللفظي والجرس الإيقاعي في الآيات المنزلة في ذلك العهد.. إن خصوم محمد [عليه الصلاة والسلام] قد أخطئوا عندما لم يشاءوا أن يروا في هذا إلا أغاني سحرية وتعويذية، وبالرغم من أننا على علم – استقرائيًا فقط – بتنبؤات الكهان، فمن الجائز لنا الاعتقاد مع ذلك بخطل هذا الحكم وتهافته، فإن للآيات التي أعاد الرسول [عليه الصلاة والسلام] ذكرها في هذه السور اندفاعًا وألقًا وجلالة تخلِّف وراءها بعيدًا أقوال فصحاء البشر كما يمكن استحضارها من خلال النصوص الموضوعة التي وصلتنا"(3).

[ 3 ]

".. إن القرآن ليس معجزة بمحتواه وتعليمه فقط، إنه أيضًا ويمكنه أن يكون قبل أي شيء آخر تحفة أدبية رائعة تسمو على جميع ما أقرته الإنسانية وبجَّلته من التحف.. إن الخليفة المقبل عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] المعارض الفظ في البداية للدين الجديد، قد غدا من أشد المتحمسين لنصرة الدين عقب سماعه لمقطع من القرآن. وسنورد الحديث فيما بعد عن مقدار الافتتان الشفهي بالنص القرآني بعد أن رتّله المؤمنون"(4).

[ 4 ]

".. الإعجاز هو المعجزة المصدقة لدعوة محمد [صلى الله عليه وسلم] الذي لم يرتفع في أحاديثه الدنيوية إلى مستوى الجلال القرآني.."(5).

[ 5 ]

".. في جميع المجالات التي أطللنا عليها من علم قواعد اللغة والمعجمية وعلم البيان، أثارت الواقعة القرآنية وغذت نشاطات علمية هي أقرب إلى حالة حضارية منها إلى المتطلبات التي فرضها إخراج الشريعة الإسلامية. وهناك مجالات أخرى تدخل فيها (الواقعة القرآنية) كعامل أساسي.. ولا تكون فاعليتها هنا فاعلية عنصر منبه فقط، بل فاعلية عنصر مبدع تتوطد قوته بنوعيته الذاتية .."(6).

___________________________________

(1)  بلاشير                                     R. L. Blachere

ولد بالقرب من باريس، وتلقى دروسه الثانوية في الدار البيضاء، وتخرج بالعربية في كلية الآداب بالجزائر (1922)، وعين أستاذًا لها في معهد مولاي يوسف بالرباط، ثم انتدب مديرًا لمعهد الدراسات المغربية العليا بالرباط (1924-19359، واستدعته مدرسة اللغات الشرقية بباريس أستاذًا لكرسي الآداب العربي (1935-1951)، ونال الدكتوراه (1936)، وعين أستاذًا محاضرًا في السوربون (19389، ومشرفًا على مجلة (المعرفة)، التي ظهرت في باريس باللغتين العربية والفرنسية، من آثاره: دراسات عديدة عن تاريخ الأدب العربي في أشهر المجلات الاستشراقية، وكتاب (تاريخ الأدب العربي) (باريس 1952)، وترجمة جديدة للقرآن الكريم في ثلاثة أجزاء (باريس 1947-1952)، وغيرها.

(2)     تاريخ الأدب العربي 2/22 .

(3)     تاريخ الأدب العربي، 2 / 31 .

(4)     القرآن الكريم، ص 102 – 103 .

(5)     القرآن الكريم ، ص 104 – 105 .

(6)     القرآن الكريم ، ص 104 .

بوازار(1)

[ 1 ]

"لابدّ عند تعريف النصّ القدسي في الإسلام من ذكر عنصرين، الأول أنه كتاب منزل أزلي غير مخلوق، والثاني أنه (قرآن) أي كلام حي في قلب الجماعة.. وهو بين الله والإنسانية (الوسيط) الذي يجعل أي تنظيم كهنوتي غير ذي جدوى، لأنه مرضي به مرجعًا أصليًا، وينبوع إلهام أساسي.. وما زال حتى أيامنا هذه نموذجًا رفيعًا للأدب العربي تستحيل محاكاته إنه لا يمثل النموذج المحتذى للعمل الأدبي الأمثل وحسب، بل يمثل كذلك مصدر الأدب العربي والإسلامي الذي أبدعه لأن الدين الذي أوحى به هو في أساس عدد كبير من المناهج الفكرية التي سوف يشتهر بها الكتاب .."(2).

[ 2 ]

"لقد أثبت التنزيل برفضه الفصل بين الروحي والزمني أنه دين ونظام اجتماعي.. ومن البديهي أن التنزيل والسبيل الذي ظن إمكان استخدامه فيه قد طبعا المجتمع بعمق.."(3).

[ 3 ]

".. إن القرآن لم يقدّر قط لإصلاح أخلاق عرب الجاهلية، إنه على العكس يحمل الشريعة الخالدة والكاملة والمطابقة للحقائق البشرية، والحاجات الاجتماعية في كل الأزمنة"(4).

[ 4 ]

".. يخلق الروح القرآني مناخ عيش ينتهي به الأمر إلى مناغمة التعبيرات الذهنية والمساواة بين العقليات والنظم الاجتماعية بأكثر مما تفترض التصريفات السياسية والطوابع الإيديولوجية التي تسند إلى الدول. ولا يكفي قط ما يتردد عن درجة تأثير القرآن الكبرى في (الذهنية الإسلامية) المعاصرة، فهو ما يزال مصدر الإلهام الفردي والجماعي الرئيسي، كما أنه ملجأ المسلمين وملاذهم الأخير"(5).

[ 5 ]

".. [ إن ] الأدوات التي يوفرها التنزيل القرآني قادرة ولا ريب على بناء مجتمع حديث.."(6).

______________________________________

(1)  مارسيل بوازار                          M. Poizar

مفكر ، وقانوني فرنسي معاصر. أولى اهتمامًا كبيرًا لمسألة العلاقات الدولية وحقوق الإنسان وكتب عددًا من الأبحاث للمؤتمرات والدوريات المعنية بهاتين المسألتين. يعتبر كتابه (إنسانية الإسلام)، الذي انبثق عن الاهتمام نفسه، علامة مضيئة في مجال الدراسات الغربية للإسلام، بما تميز به من موضوعية، وعمق، وحرص على اعتماد المراجع التي لا يأسرها التحيز والهوى. فضلاً عن الكتابات الإسلامية نفسها.

(2)     إنسانية الإسلام ، ص 52 – 53 .

(3)     إنسانية الإسلام، ص 206 – 207 .

(4)     إنسانية الإسلام، ص 109 .

(5)     إنسانية الإسلام، ص 343 .

(6)     إنسانية الإسلام، ص 345 .

بوتر(1)

[ 1 ]

".. عندما أكملت القرآن الكريم غمرني شعور بأن هذا هو الحق الذي يشتمل على الإجابات الشافية حول مسائل الخلق وغيرها. وأنه يقدم لنا الأحداث بطريقة منطقية نجدها متناقضة مع بعضها في غيره من الكتب الدينية. أما القرآن فيتحدث عنها في نسق رائع وأسلوب قاطع لا يدع مجالاً للشك بأن هذه هي الحقيقة وأن هذا الكلام هو من عند الله لا محالة"(2).

[ 2 ]

".. إن المضمون الإلهي للقرآن الكريم هو المسؤول عن النهوض بالإنسان وهدايته إلى معرفة الخلق، هذه المعرفة التي تنطبق على كل عصر.."(3).

[ 3 ]

".. كيف استطاع محمد [صلى الله عليه وسلم] الرجل الأمي الذي نشأ في بيئة جاهلية أن يعرف معجزات الكون التي وصفها القرآن الكريم، والتي لا يزال العلم الحديث حتى يومنا هذا يسعى لاكتشافها؟ لابدّ إذن أن يكون هذا الكلام هو كلام الله عز وجل"(4).

___________________________________

(1)  ديبورا بوتر                                        D. Potter

ولدت عام 1954، بمدينة ترافيرز، في ولاية متشيغان الأمريكية، وتخرجت من فرع الصحافة بجامعة متشيغان، اعتنقت الإسلام عام 1980، بعد زواجها من أحد الدعاة الإسلاميين العاملين في أمريكا، بعد اقتناع عميق بأنه ليس ثمة من دين غير الإسلام يمكن أن يستجيب لمطالب الإنسان ذكرًا كان أم أنثى.

(2)     رجال ونساء أسلموا ، ص 8 / 100 .

(3)     رجال ونساء أسلموا، ص 8 / 113 .

(4)     رجال ونساء أسلموا، ص 8 / 109 .

بوكاي(1)

[ 1 ]

"لقد قمت أولاً بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة باحثًا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث. وكنت أعرف، قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات، أن القرآن يذكر أنواعًا كثيرة من الظاهرات الطبيعية ولكن معرفتي كانت وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل. أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول، أي سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخًا في عصرنا. وأما بالنسبة للأناجيل.. فإننا نجد نصّ إنجيل متى يناقض بشكل جلي إنجيل لوقا ، وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمرًا لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض"(2).

[ 2 ]

"لقد أثارت الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن دهشتي العميقة في البداية. فلم أكن أعتقد قط بإمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحدّ من الدعاوى الخاصة بموضوعات شديدة التنوع ومطابقته تمامًا للمعارف العلمية الحديثة، وذلك في نصّ كتب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا. في البداية لم يكن لي أي إيمان بالإسلام. وقد طرقت دراسة هذه النصوص بروح متحررة من كل حكم مسبق وبموضوعية تامة.."(3).

[ 3 ]

".. تناولتُ القرآن منتبهًا بشكل خاص إلى الوصف الذي يعطيه عن حشد كبير من الظاهرات الطبيعية. لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه الظاهرات وهي تفاصيل لا يمكن أن تدرك إلا في النص الأصلي. أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن نفس هذه الظاهرة والتي لم يكن ممكنًا لأي إنسان في عصر محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يكون عنها أدنى فكرة.."(4).

[ 4 ]

".. كيف يمكن لإنسان – كان في بداية أمره أمّيًا -.. أن يصرح بحقائق ذات طابع علمي لم يكن في مقدور أي إنسان في ذلك العصر أن يكونها، وذلك دون أن يكشف تصريحه عن أقل خطأ من هذه الوجهة؟"(5).

____________________________________

(1)  د. موريس بوكاي                            Maurice Bucaille

الطبيب والعالم الفرنسي المعروف. كان كتابه (القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم) من أكثر المؤلفات التي عالجت موضوعًا كهذا، أصالة واستيعابًا وعمقًا. ويبدو أن عمله في هذا الكتاب القيم منحه قناعات مطلقة بصدق كتاب الله، وبالتالي صدق الدين الذي جاء به. دعي أكثر من مرة لحضور ملتقى الفكر الإسلامي الذي ينعقد في الجزائر صيف كل عام، وهناك أتيح له أن يطلع أكثر على الإسلام فكرًا وحياة.

(2)     القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص 150 .

(3)     القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص 145 .

(4)     القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص 145 .

(5)     القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص 150 .

بيكارد(1)

[ 1 ]

".. ابتعت نسخة من ترجمة سافاري (Savary) الفرنسية لمعاني القرآن وهي أغلى ما أملك. فلقيت من مطالعتها أعظم متعة وابتهجت بها كثيرًا حتى غدوت وكأن شعاع الحقيقة الخالد قد أشرق علي بنوره المبارك(2).

___________________________________

(1)  وليم بيرشل بشير بيكارد                             W. B. Beckard

إنكليزي، تخرج من كانتر بوري. مؤلف وكاتب مشهور. ومن بين مؤلفاته الأدبية بالإنكليزية (مغامرات القاسم) و(عالم جديد). شارك في الحرب العالمية الأولى وأسر. عمل فترة من الوقت في أوغندا. أعلن إسلامه عام 1922م.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 2 / 86 .

حتي(1)

[ 1 ]

"إن الأسلوب القرآني مختلف عن غيره، ثم إنه لا يقبل المقارنة بأسلوب آخر، ولا يمكن أن يقلّد. وهذا في أساسه، هو إعجاز القرآن.. فمن جميع المعجزات كان القرآن المعجزة الكبرى"(2).

[ 2 ]

".. إن إعجاز القرآن لم يحل دون أن يكون أثره ظاهرًا على الأدب العربي. أما إذا نحن نظرنا إلى النسخة التي نقلت في عهد الملك جيمس من التوراة والإنجيل وجدنا أن الأثر الذي تركته على اللغة الإنكليزية ضئيل، بالإضافة إلى الأثر الذي تركه القرآن على اللغة العربية. إن القرآن هو الذي حفظ اللغة العربية وصانها من أن تتمزق لهجات"(3).

_______________________________________

(1)  د. فيليب حتى                                      P. Hitti

ولد عام 1886م ، لبناني الأصل، أمريكي الجنسية، تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت (1908م)، ونال الدكتوراه من جامعة كولومبيا (1915م)، وعين معيدًا في قسمها الشرقي (1915-1919)، وأستاذًا لتاريخ العربي في الجامعة الأمريكية ببيروت (1919-1925)، وأستاذًا مساعدًا للآداب السامية في جامع برنستون (1926-1929م)، وأستاذًا ثم أستاذ كرسي ثم رئيسًا لقسم اللغات والآداب الشرقية (1929-1954م)، حين أحيل على التقاعد، أنتخب عضوًا في جمعيات ومجامع عديدة.

من آثاره: (أصول الدولة الإسلامية) (1916م)، (تاريخ العرب) (1927م)، (تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين) (1951م)، (لبنان في التاريخ) (1961م)، وغيرها.

(2)     الإسلام منهج حياة ، ص 62 .

(3)     الإسلام منهج حياة، ص 287 - 288 .

حنا(1)

[ 1 ]

"إنه لابد من الإقرار بأن القرآن، فضلاً عن كونه كتاب دين وتشريع، فهو أيضًا كتاب لغة عربية فصحى. وللغة القرآن الفضل الكبير في ازدهار اللغة، ولطالما يعود إليه أئمة اللغة، في بلاغة الكلمة وبيانها، سواء كان هؤلاء الأئمة مسلمين أم مسيحيين. وإذا كان المسلمون يعتبرون أن صوابية لغة القرآن هي نتيجة محتومة لكون القرآن منزلاً ولا تحتمل التخطئة، فالمسيحيون يعترفون أيضًا بهذه الصوابية، بقطع النظر عن كونه منزلاً أو موضوعًا، ويرجعون إليه للاستشهاد بلغته الصحيحة، كلما استعصى عليهم أمر من أمور اللغة"(2).

______________________________________

(1)  الدكتور جورج حنا                                        G. Hanna (John)

مسيحي من لبنان ، ينطلق في تفكيره من رؤية مادية طبيعية صرفة، كما هو واضح في كتابه المعروف (قصة الإنسان).

(2)  قصة الإنسان ، ص 79 – 80 .

داود(1)

[ 1 ]

".. تناولت نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية، لأنني عرفت أن هذا هو الكتاب المقدس عند المسلمين، فشرعت في قراءته وتدبّر معانيه. لقد استقطب جل اهتمامي، وكم كانت دهشتي عظيمة حين وجدت الإجابة المقنعة عن سؤالي المحيّر: [الهدف من الخلق] في الصفحات الأولى من القرآن الكريم.. لقد قرآت الآيات (30-39) من سورة البقرة.. وهي آيات توضح الحقيقة بجلاء لكل دارس منصف، إن هذه الآيات تخبرنا بكل وضوح وجلاء وبطريقة مقنعة عن قصة الخلق.."(2).

[ 2 ]

".. إن دراستي للقرآن الكريم وضحت أمام ناظري العديد من الإشكالات الفكرية وصححت الكثير من التناقضات التي طالعتها في الكتب السماوية السابقة"(3).

_______________________________________

(1)  عامر علي داود                          A. Ali David

ينحدر من أسرة هندية برهمية، تنصرت على أيدي المبشرين الذين قاموا مع طلائع الاستعمار، كان كثير القراءة للكتب الدينية، ولما أتيح له أن يطلع على القرآن الكريم كان الجواب هو انتماؤه للإسلام.

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 7 / 116 – 118 .

(3)     رجال ونساء أسلموا ، 7 / 118 .

درمنغم(1)

[ 1 ]

"للمسيح [عليه السلام] في القرآن مقام عالٍ، فولادته لم تكن عادية كولادة بقية الناس، وهو رسول الله الذي خاطب الله جهرًا عن مقاصده وحدث عن ذلك أول شخص كلمه، وهو كلمة الله الناطقة من غير اختصار على الوحي وحده.. والقرآن يقصد النصرانية الصحيحة حينما يقول: إن عيسى [عليه السلام] كلمة الله، أو روح الله، ألقاها إلى مريم وأنه من البشر.. وهو يَذمّ مذهب القائلين بألوهية المسيح [عليه السلام] ومذهب تقديم الخبز إلى مريم عبادة ثم أكله وما إلى ذلك من مذاهب الإلحاد النصرانية، لا النصرانية الصحيحة، ولا يسع النصراني إلا أن يرضى بمهاجمة القرآن للثالوث المؤلف من الله وعيسى ومريم"(2).

[ 2 ]

"سيكون القرآن حافزًا للجهاد يردده المؤمنون كما يردد غيرهم أناشيد الحرب، محرضًا على القتال جامعًا لشؤونه، محركًا لفاتري الهمم، فاضحًا للمخلّفين مخربًا للمنافقين، واعدًا الشهداء بجنات عدن"(3).

[ 3 ]

"كان محمد [صلى الله عليه وسلم] يعد نفسه وسيلة لتبليغ الوحي، وكان مبلغ حرصه أن يكون أمينًا مصغيًا أو سجلاً صادقًا أو حاكيًا معصومًا لما يسمعه من كلام الظل الساطع والصوت الصامت للكلام القديم على شكل دنيوي، لكلام الله الذي هو أم الكتاب، للكلام الذي تحفظه ملائكة كرام في السماء السابعة. ولابد لكل نبي من دليل على رسالته، ولابد له من معجزة يتحدى بها.. والقرآن هو معجزة محمد [صلى الله عليه وسلم] الوحيدة، فأسلوبه المعجز وقوة أبحاثه لا تزال.. إلى يومنا يثيران ساكن من يتلونه، ولو لم يكونوا من الأتقياء العابدين، وكان محمد [صلى الله عليه وسلم] يتحدى الإنس والجن بأن يأتوا بمثله، وكان هذا التحدي أقوم دليل لمحمد على صدق رسالته.. ولا ريب أن في كل آية منه، ولو أشارت إلى أدق حادثة في حياة الخاصة، تأتيه بما يهزّ الروح بأسرها من المعجزة العقلية، ولا ريب في أن هنالك ما يجب أن يبحث به عن سرّ نفوذه وعظيم نجاحه"(4).

[ 4 ]

"كان لمحمد [صلى الله عليه وسلم] بالوحي آلام كبيرة.. وحالات مؤثرة كره أن يطلع الناس عليها، ولاحظ أبو بكر [رضي الله عنه] ذات يوم، والحزن ملء قلبه، بدء الشيب في لحية النبي [صلى الله عليه وسلم] فقال له النبي: (شيّبتني هود وأخواتها: الواقعة والحاقة والقارعة). وكان النبي [صلى الله عليه وسلم] يشعر بعد الوحي بثقل في رأسه فيطبه بالمراهم، وكان يدثر حين الوحي فيسمع له غطيط وأنين. وكان إذا نزل الوحي عليه يتحدر جبينه عرقًا في البرد"(5).

[ 5 ]

"كان محمد [صلى الله عليه وسلم]، وهو البعيد من إنشاء القرآن وتأليفه ينتظر نزول الوحي إليه أحيانًا على غير جدوى، فيألم من ذلك، ويود لو يأتيه الملك متواترًا"(6).

____________________________________

(1)  إميل درمنغم                                     E. Dermenghem

مستشرق فرنسي، عمل مديرًا لمكتبة الجزائر، من آثاره: (حياة محمد) (باريس 1929) وهو من أدق ما صنّفه مستشرق عن النبي صلى الله عليه وسلم، و(محمد والسنة الإسلامية) (باريس 1955م)، ونشر عددًا من الأبحاث في المجلات الشهيرة مثل: (المجلة الأفريقية)، و(حوليات معهد الدراسات الشرقية)، و(نشرة الدراسات العربية)... إلخ.

(2)     حياة محمد ، ص 131 – 132 .

(3)     حياة محمد ، ص 195 .

(4)     حياة محمد ، ص 289 – 280 .

(5)     حياة محمد ، ص 283 .

(6)     حياة محمد ، ص 285 .

دي كاستري(1)

[ 1 ]

".. إن العقل يحار كيف يتأتى أن تصدر تلك الآيات عن رجل أمي وقد اعترف الشرق قاطبة بأنها آيات يعجز فكر بني الإنسان عن الإتيان بمثلها لفظًا ومعنى. آيات لما سمعها عتبة بن ربيعة حار في جمالها، وكفى رفيع عبارتها لإقناع عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] فآمن برب قائلها، وفاضت "عين نجاشيّ الحبشة بالدموع لما تلا عليه جعفر بن أبي طالب سورة زكريا وما جاء في ولادة يحيى وصاح القسس أن هذا الكلام وارد من موارد كلام عيسى [عليه السلام].. لكن نحن معشر الغربيين لا يسعنا أن نفقه معاني القرآن كما هي لمخالفته لأفكارنا ومغايرته لما ربيت عليه الأمم عندنا. غير أنه لا ينبغي أن يكون ذلك سببًا في معارضة تأثيره في عقول العرب. ولقد أصاب (جان جاك روسو) حيث يقول: (من الناس من يتعلم قليلاً من العربية ثم يقرأ القرآن ويضحك منه ولو أنه سمع محمدًا [صلى الله عليه وسلم] يمليه على الناس بتلك اللغة الفصحى الرقيقة وصوته المشبع المقنع الذي يطرب الآذان ويؤثر في القلوب.. لخر ساجدًا على الأرض وناداه: أيها النبي رسول الله خذ بيدنا إلى مواقف الشرف والفخار أو مواقع التهلكة والأخطار فنحن من أجلك نودّ الموت أو الانتصار).. وكيف يعقل أن النبي [صلى الله عليه وسلم] ألف هذا الكتاب باللغة الفصحى مع أنها في الأزمان الوسطى كاللغة اللاتينية ما كان يعقلها إلا القوم العالمون.. ولو لم يكن في القرآن غير بهاء معانيه وجمال مبانيه لكفى بذلك أن يستولي على الأفكار ويأخذ بمجامع القلوب.."(2).

[ 2 ]

"أتى محمد [صلى الله عليه وسلم] بالقرآن دليلاً على صدق رسالته، وهو لا يزال إلى يومنا هذا سرًّا من الأسرار التي تعذر فك طلاسمها ولن يسبر غور هذا السر المكنون إلا من يصدق بأنه منزل من الله.."(3).

[ 3 ]

".. قد نرى تشابهًا بين القرآن والتوراة في بعض المواضع، إلا أن سببه ميسور المعرفة.. إذا لاحظنا أن القرآن جاء ليتممها، كما أن النبي [صلى الله عليه وسلم] خاتم الأنبياء والمرسلين"(4).

____________________________________

(1)  الكونت هنري دي كاستري (1850-1927)

مقدم في الجيش الفرنسي، قضى في الشمال الأفريقي ردحًا من الزمن. من آثاره: (مصادر غير منشورة عن تاريخ المغرب) (1950)، (الأشراف السعديون) (1921)، (رحلة هولندي إلى المغرب) (1926)، وغيرهما.

(2)     الإسلام : خواطر وسوانح ، ص 18 – 20 .

(3)     الإسلام : خواطر وسوانح ، ص 20 .

(4)     الإسلام : خواطر وسوانح ص 22 – 23 .

دينيه(1)

[ 1 ]

"لقد حقق القرآن معجزة لا تستطيع أعظم المجامع العلمية أن تقوم بها، ذلك أنه مكن للغة العربية في الأرض بحيث لو عاد أحد أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلينا اليوم لكان ميسورًا له أن يتفاهم تمام التفاهم مع المتعلمين من أهل اللغة العربية، بل لما وجد صعوبة تذكر للتخاطب مع الشعوب الناطقة بالضاد. وذلك عكس ما يجده مثلاً أحد معاصري (رابيليه) من أهل القرن الخامس عشر الذي هو أقرب إلينا من عصر القرآن، من الصعوبة في مخاطبة العدد الأكبر من فرنسيي اليوم"(2).

[ 2 ]

".. أحسّ المشركون، في دخيلة نفوسهم، أن قد غزا قلوبهم ذلك الكلام العجيب الصادر من أعماق قلب الرسول الملهم [صلى الله عليه وسلم] وكلهم كثيرًا ما كانوا على وشك الخضوع لتلك الألفاظ الأخاذة التي ألهمها إيمان سماوي، ولم يمنعهم عن الإسلام إلا قوة حبهم لأعراض الدنيا.."(3).

[ 3 ]

"إن معجزة الأنبياء الذين سبقوا محمدًا كانت في الواقع معجزات وقتية وبالتالي معرضة للنسيان السريع. بينما نستطيع أن نسمي معجزة الآيات القرآنية: (المعجزة الخالدة) وذلك أن تأثيرها دائم ومفعولها مستمر، ومن اليسير على المؤمن في كل زمان وفي كل مكان أن يرى هذه المعجزة بمجرد تلاوة في كتاب الله، وفي هذه المعجزة نجد التعليل الشافي للانتشار الهائل الذي أحرزه الإسلام، ذلك الانتشار الذي لا يدرك سببه الأوروبيون لأنهم يجهلون القرآن، أو لأنهم لا يعرفونه إلا من خلال ترجمات لا تنبض بالحياة فضلاً عن أنها غير دقيقة"(4).

[ 4 ]

"إن كان سحر أسلوب القرآن وجمال معانيه، يحدث مثل هذا التّأثير في [نفوس علماء] لا يمتون إلى العرب ولا إلى المسلمين بصلة، فماذا ترى أن يكون من قوة الحماسة التي تستهوي عرب الحجاز وهم الذين نزلت الآيات بلغتهم الجميلة؟.. لقد كانوا لا يسمعون القرآن إلا وتتملك نفوسهم انفعالات هائلة مباغتة، فيظلون في مكانهم وكأنهم قد سمِّروا فيه. أهذه الآيات الخارقة تأتي من محمد [صلى الله عليه وسلم] ذلك الأمي الذي لم ينل حظًا من المعرفة؟.. كلا إن هذا القرآن لمستحيل أن يصدر عن محمد، وأنه لا مناص من الاعتراف بأن الله العلي القدير هو الذي أملى تلك الآيات البينات.."(5).

[ 5 ]

"لا عجب أن نرى النبي الأمي يتحدى الشعراء، ويعترف لهم بحق نعتهم له بالكذب، أن ائتوا بعشر سور من مثله، فقد آمن بعجزهم عن ذلك"(6).

____________________________________

(1)  ايتين دينيه ( 1861 – 1929 )                Et. Dinet

تعلم في فرنسا، وقصد الجزائر، فكان يقضي في بلدة بوسعادة نصف السنة من كل عام، وأشهر إسلامه وتسمى بناصر الدين (1927)، وحج إلى بيت الله الحرام (1928).

من آثاره : صنف بمعاونة سليمان بن إبراهيم (محمد في السير النبوية)، وله بالفرنسية (حياة العرب)، و(حياة الصحراء)، و(أشعة خاصة بنور الإسلام)، و(الشرق في نظر الغرب)، و(الحج إلى بيت الله الحرام).

(2)     أشعة خاصة بنور الإسلام ، ص 35 .

(3)     محمد رسول الله ، ص 106 .

(4)     محمد رسول الله، ص 118 .

(5)     محمد رسول الله، ص 119 – 121 .

(6)     محمد رسول الله، ص 121 .

ديورانت(1)

[ 1 ]

".. ظل [القرآن] أربعة عشر قرنًا من الزمان محفوظًا في ذاكرة [المسلمين] يستثير خيالهم، ويشكل أخلاقهم، ويشحذ قرائح مئات الملايين من الرجال. والقرآن يبعث في النفوس أسهل العقائد، وأقلها غموضًا، وأبعدها عن التقيد بالمراسم والطقوس، وأكثرها تحررًا من الوثنية والكهنوتية. وقد كان له أكبر الفضل في رفع مستوى المسلمين الأخلاقي والثقافي، وهو الذي أقام فيهم قواعد النظام الاجتماعي والوحدة الاجتماعية، وحرّضهم على اتباع القواعد الصحية، وحرر عقولهم من كثير من الخرافات والأوهام، ومن الظلم والقسوة، وحسّن أحوال الأرقاء، وبعث في نفوس الأذلاء الكرامة والعزة، وأوجد بين المسلمين.. درجة من الاعتدال والبعد عن الشهوات لم يوجد لها نظير في أية بقعة من بقاع العالم يسكنها الرجل الأبيض.."(2).

____________________________________

(1)  ول ديورانت                                W. Durant

مؤلف أمريكي معاصر، يعد كتابه (قصة الحضارة) ذو الثلاثين مجلدًا، واحدًا من أشهر الكتب التي تؤرخ للحضارة البشرية عبر مساراتها المعقدة المتشابكة، عكف على تأليفه السنين الطوال، وأصدر جزأه الأول عام 1935، ثم تلته بقية الأجزاء.

ومن كتبه المعروفة كذلك (قصة الفلسفة).

(2)  قصة الحضارة ، ص 13 / 68 – 69 .

روزنثال(1)

[ 1 ]

"من الدوافع العملية لدراسة التاريخ توفر المادة التاريخية في القرآن مما دفع مفسريه إلى البحث عن معلومات تاريخية لتفسير ما جاء فيه. وقد أصبح الاهتمام بالمادة التاريخية، على مر الزمن، أحد فروع المعرفة التي تمت بالارتباط بالقرآن. وإذا كان الرسول [صلى الله عليه وسلم] قد سمع بعض الأخبار والمعلومات التاريخية، فإن هذا لا يبرر الافتراض بأنه قد قرأ المصادر التاريخية كالتوراة في ترجماتها العربية. لقد وردت في القرآن معلومات تاريخية تختلف عما يدعي اليهود وجوده في التوراة. وقد ذكر الرسول [صلى الله عليه وسلم] أن اليهود والنصارى حرفوا التوراة، وتمسك المسلمون بما جاء في القرآن.. لقد أشار القرآن إلى كثير من الأحداث التي أحاطت بالرسول [صلى الله عليه وسلم].. وكان لذلك أهمية في التاريخ الإسلامي لأن الأحداث التي أشارت إليه الآيات صارت لها أهمية تاريخية كبرى للمسلمين، واستثارت البحوث التاريخية.."(2).

_______________________________________

(1)  فرانز روزنثال                               F. Rosenthal

من أساتذة جامعة ييل.

من آثاره : العديد من الدراسات والأبحاث في المجلات الشهيرة مثل (الثقافة الإسلامية)، (الشرقيات)، (صحيفة الجمعية الأمريكية الشرقية). كما ألف عددًا من الكتب من أشهرها: (مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي)، و(علم التاريخ عند المسلمين).

(2)  علم التاريخ عند المسلمين ، ص 41 – 42 .

ريسلر(1)

[ 1 ]

".. لما كانت روعة القرآن في أسلوبه فقد [أنزل] ليقرأ ويتلى بصوت عال. ولا تستطيع أية ترجمة أن تعبر عن فروقه الدقيقة المشبعة بالحساسية الشرقية. ويجب أن تقرأه في لغته التي كتب بها لتتمكن من تذوق جماله وقوته وسمو صياغته. ويخلق نثره الموسيقى والمسجوع سحرًا مؤثرًا في النفس حيث تزخر الأفكار قوة وتتوهج الصور نضارة. فلا يستطيع أحد أن ينكر أن سلطانه السحري وسموه الروحي يسهمان في إشعارنا بأن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان ملهمًا بجلال الله وعظمته"(2).

[ 2 ]

"كان في القرآن فوق أنه كتاب ديني خلاصة جميع المعارف.. وظل زمنًا طويلاً أول كتاب يتخذ للقراءة إلى الوقت الذي شكل فيه وحدة كتاب المعرفة والتربية. ولا يزال حتى اليوم النص الذي تقوم عليه أسس التعليم في الجامعات الإسلامية. ولا تستطيع الترجمات أن تنقل ثروته اللغوية (إذ يذبل جمال اللغة في الترجمات كأنها زهرة قطفت من جذورها) ولذلك يجب أن يقرأ القرآن في نصه الأصلي"(3).

[ 3 ]

"إن القرآن يجد الحلول لجميع القضايا، ويربط ما بين القانون الديني والقانون الأخلاقي، ويسعى إلىخلق النظام، والوحدة الاجتماعية، وإلى تخفيف البؤس والقسوة والخرافات. إنه يسعى على الأخذ بيد المستضعفين، ويوصي بالبر، ويأمر بالرحمة.. وفي مادة التشريع وضع قواعد لأدق التفاصيل للتعاون اليومي، ونظم العقود والمواريث، وفي ميدان الأسرة حدد سلوك كل فرد تجاه معاملة الأطفال والأرقاء والحيوانات والصحة والملبس، إلخ.."(4).

[ 4 ]

".. حقًا، لقد ظلت شريعة القرآن راسخة على أنها المبدأ الأساسي لحياة المسلم ولم يتعرض ما جاء في القرآن من نظر وأخلاق ونظام لأية تغييرات ولا لتبديلات بعيدة الغور"(5).

[ 5 ]

"يظل القرآن طيلة القرون الأولى للهجرة من جهة المبدأ مصدر الإلهام لكل العقلية الإسلامية فهو يضم بين طرافة الأفكار والأحاسيس الضرورية والكافية لتزويد أعظم الدراسات في الفكر"(6).

____________________________________

(1)  جاك .  س . ريسلر                             J. S. Restler

باحث فرنسي معاصر، وأستاذ بالمعهد الإسلامي بباريس.

(2)     الحضارة العربية ، ص 30 – 31 .

(3)     الحضارة العربية ، ص 45 .

(4)     الحضارة العربية ، ص 51 .

(5)     الحضارة العربية ، ص 75 .

(6)     الحضارة العربية ، ص 212 .

سارتون(1)

[ 1 ]

"[إن] لغة القرآن على اعتبار أنها اللغة التي اختارها الله جل وعلا للوحي كانت، بهذا التحديد، كاملة... وهكذا يساعد القرآن على رفع اللغة العربية إلى مقام المثل الأعلى في التعبير عن المقاصد،.. [وجعل منها] وسيلة دولية للتعبير عن أسمى مقتضيات الحياة"(2).

__________________________________

(1)  جورج سارتون ( 1884 – 1956 )              G. Sarton

ولد في بلجيكا، وحصل على الدكتوراه في العلوم الطبيعية والرياضية (1911)، فلما نشبت الحرب رحل إلى إنكلترا، ثم تحول عنها إلى الولايات المتحدة، وتجنّس بجنسيتها فعين محاضرًا في تاريخ العلم بجامعة واشنطن (1916)، ثم في جامعة هارفارد (1917-1949). وقد انكب على دراسة اللغة العربية في الجامعة الأمريكية ببيروت (1931-1932) وألقى فيها وفي كلية المقاصد الإسلامية محاضرات ممتعة لتبيان فضل العرب على التفكير الإنساني، زار عددًا من البلدان العربية، وتمرس بالعديد من اللغات، ومنح عدة شهادات دكتوراه كما انتخب عضوًا في عشرة مجامع علمية وفي عديد من الجمعيات العالمية، وأشرف على عدد من المجلات العلمية.

من آثاره: خلف أكثر من خمسمائة بحث، وخير تصانيفه وأجمعها: (المدخل إلى تاريخ العلم) في خمسة مجلدات (1927، 1931، 1947).

(2)  الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط ، ص 37 – 38 .

ستشيجفسكا(1)

[ 1 ]

"إن القرآن الكريم مع أنه أنزل على رجل عربي أمي نشأ في أمة أمية، فقد جاء بقوانين لا يمكن أن يتعلمها الإنسان إلا في أرقى الجامعات. كما نجد في القرآن حقائق علمية لم يعرفها العالم إلا بعد قرون طويلة"(2).

________________________________________

(1)  بوجينا غيانة ستشيجفسكا                       Bozena – Gajane Stryzewska

باحثة بولونية معاصرة، درست الإسلام في الأزهر على يد أساتذة ومشرفين أخصائيين زهاء خمس سنوات (1961-1965)، تمكنت خلالها من اللغة العربية كذلك، وكانت قد أنهت دراساتها العليا في كلية الحقوق، وفي معهد اللغات الشرقية في بولونيا.

(2)  تاريخ الدولة الإسلامية وتشريعها ، ص 17 .

ستيفنز(1)

[ 1 ]

"في تلك الفترة من حياتي بدا لي وكأنني فعلت كل شيء وحققت لنفسي النجاح والشهرة والمال والنساء.. كل شيء، ولكن كنت مثل القرد أقفز من شجرة إلى أخرى ولم أكن قانعًا أبدًا. ولكن كانت قراءة القرآن بمثابة توكيد لكل شيء بداخلي كنت أراه حقًا، وكان الوضع مثل مواجهة شخصيتي الحقيقية"(2).

[ 2 ]

"القرآن الكريم يقرر الكثير عن الزواج، وعن العلاقة بين الرجل والمرأة، وعن أي موضوع آخر تقريبًا"(3).

______________________________________

(1)  كات ستيفنز                                C. Stephens

المغني البريطاني – نمساوي الأصل – المشهور. بيع من أسطواناته ما يقدر بالمليون في الستينات وأوائل السبعينات، اعتنق الإسلام عام 1976 بعد أن تعرف على القرآن الكريم بواسطة شقيقه. يقضي الآن معظم وقته في المسجد ويلعب دورًا فعالاً في شؤون الجالية الإسلامية في لندن .

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 10 / 103 .

(3)     رجال ونساء أسلموا ، 10 / 103 .

سلهب(1)

[ 1 ]

"إن الآية التي أستطيب ذكرها هي التي تنبع سماحًا إذ تقول: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت 46]. ذلك ما يقوله المسلمون للمسيحيين وما يؤمنون به لأنه كلام الله إليهم. إنها لعبارات يجدر بنا جميعًا، مسيحيين ومسلمين، أن نرددها كل يوم، فهي حجارة الأساس في بناء نريده أن يتعالى حتى السماء، لأنه البناء الذي فيه نلتقي والذي فيه نلقى الله: فحيث تكون المحبة يكون الله. والواقع أن القرآن يذكر صراحة أن الكتب المنزلة واحدة، وأن أصلها عند الله، وهذا الأصل يدعى حينًا (أم الكتاب) وحينًا آخر (اللوح المحفوظ) أو (الإمام المبين).."(2).

[ 2 ]

".. إن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب. فإذا بهذا الأمي يهدي إلى الإنسانية أبلغ أثر مكتوب حلمت به الإنسانية منذ كانت الإنسانية، ذاك كان القرآن الكريم، الكتاب الذي أنزله الله على رسوله هدى للمتقين.."(3).

[ 3 ]

".. الإسلام ليس بحاجة إلى قلمنا، مهما بلغ قلمنا من البلاغة. ولكن قلمنا بحاجة إلى الإسلام، إلى ما ينطوي عليه من ثروة روحية وأخلاقية، إلى قرآنه الرائع الذي بوسعنا أن نتعلم منه الكثير"(4).

[ 4 ]

"لم يقدّر لأي سفر، قبل الطباعة، أيًا كان نوعه وأهميته، أن يحظى بما حظي به القرآن من عناية واهتمام، وأن يتوفر له ما توفّر للقرآن من وسائل حفظته من الضياع والتحريف، وصانته عما يمكن أن يشوب الأسفار عادة من شوائب"(5).

[ 5 ]

"تلك اللغة التي أرادها الله قمة اللغات، كان القرآن قمتها، فهو قمة القمم، ذلك بأنه كلام الله.."(6).

______________________________________

(1)  نصري سلهب                                         S. Salhab

مسيحي من لبنان ، يتميز بنظرته الموضوعية وتحريه للحقيقة المجردة، كما عرف بنشاطه الدؤوب لتحقيق التعايش السلمي بين الإسلام والمسيحية في لبنان، - كما يزعم – إن على مستوى الفكر أو على مستوى الواقع. وعبر الستينات كتب العديد من الفصول وألقى العديد من المحاضرات في المناسبات الإسلامية والمسيحية على السواء، متوخيًا الهدف نفسه.

من مؤلفاته: (لقاء المسيحية والإسلام) (1970)، و(في خطى محمد) (1970).

(2)     لقاء المسيحية والإسلام ، ص 22 .

(3)     لقاء المسيحية والإسلام ، ص 22 .

(4)     لقاء المسيحية والإسلام، ص 121 .

(5)     لقاء المسيحية والإسلام، ص 337 .

(6)     لقاء المسيحية والإسلام، ص 342 .

سوسه(1)

[ 1 ]

"يرجع ميلي إلى الإسلام.. حينما شرعت في مطالعة القرآن الكريم للمرة الأولى.. فولعت به ولعًا شديدًا.. وكنت أطرب لتلاوة آياته.."(2).

[ 2 ]

".. الواقع أن تحوير وتبديل مصاحف اليهود أثر أجمع عليه العلماء في عصرنا الحالي نتيجة الدرس والتنقيب وقد جاء ذلك تأييدًا علميًا للأقوال الربانية التي أوحيت قبل نيف وثلاثة عشر قرنًا على لسان النبي العربي الكريم صلى الله عليه وسلم. أما الفرقان المجيد.. فقد حافظ المسلمون عليه بحرص شديد وأمانة صادقة فهو حقًا الكتاب المقدس الفريد الذي أجمع الكل على سلامته وطهارته من التلاعب والتحوير، وما على القارئ إلا أن يطالع ما كتبه المستشرقون في هذا الباب.. الذين وصفوا كيفية جمعه وتدوينه، وهؤلاء أجانب غرباء كثيرًا ما يصوّبون أسهمهم الناقدة السامة نحو الإسلام. والواقع أن الدلائل التاريخية واضحة بأجلى وضوح مما لا يترك أي شك في أن الفرقان الكريم لم يطرأ عليه أي تحريف أو تحوير وقد جاء كلام الله بكامله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم دون أن يتغير فيه حرف واحد"(3).

[ 3 ]

"ورد في القرآن أنه جاء مهيمنًا على ما بين يديه من الكتاب، ويستدل من ذلك أن التعاليم الإلهية المقدسة الأصلية قد ضمن القرآن المحافظة عليها بما أوضحه من الحقيقة بإظهار الصحيح والدخيل في الكتب الرائجة في زمان نزوله، وعليه فيكون بهذا البيان والإيضاح قد جاء خير مهيمن على كتب الله الحقيقية وخير حافظ إياها من التلاعب"(4).

[ 4 ]

"الواقع أنه يتعذر على المرء الذي لم يتقن اللغة العربية ولم يضطلع بآدابها أن يدرك مكانة هذا الفرقان الإلهي وسموه وما يتضمنه من المعجزات المبهرة، ولما كان القرآن الكريم قد تناول كل أنواع التفكير والتشريع فقد يكون من العسير على إنسان واحد أن يحكم في هذه المواضع كلها. وهل من مناص للمرء من الانجذاب إلى معجزة القرآن بعد تمعنه في أميّة نبي الإسلام ووقوفه على أسرار حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.. فقد جعل الله تعالى معجزة القرآن وأمّيّة محمد صلى الله عليه وسلم برهانًا على صدق النبوة وصحة انتساب القرآن له.."(5).

[ 5 ]

"إن معجزة القرآن الكريم هي أكثر بروزًا في عصرنا الحالي، عصر النور والعلم، مما كانت عليه في الأزمنة التي سادها الجهل والخمول.."(6).

_______________________________________

(1)  الدكتور أحمد نسيم سوسه                       Dr. A. N. Sousa

باحث مهندس من العراق، وعضو في المجمع العلمي العراقي، وواحد من أبرز المختصين بتاريخ الري في العراق، كان يهوديًا فاعتنق الإسلام متأثرًا بالقرآن الكريم، توفي قبل سنوات قلائل.

ترك الكثير من الدراسات في مختلف المجالات وخاصة في تاريخ الريّ، وفنّد في عدد منها ادعاءات الصهيونية العالمية من الناحية التاريخية، ومن مؤلفاته الشهيرة: (مفصل العرب واليهود في التاريخ)، و(في طريقي إلى الإسلام) الذي تحدث فيه عن سيرة حياته.

(2)     في طريقي إلى الإسلام 1 / 51 .

(3)     في طريقي إلى الإسلام ، ص 1 / 86 .

(4)     في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 87 .

(5)     في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 182 – 183 .

(6)     في طريقي إلى الإسلام ،  1 / 185 .

سيديو(1)

[ 1 ]

"لا تجد في القرآن آية إلا توحي بمحبة شديدة لله.. وفيه حث كبير على الفضيلة خلال تلك القواعد الخاصة بالسلوك الخلقي.. وفيه دعوة كبيرة إلى تبادل العواطف وحسن المقاصد والصفح عن الشتائم، وفيه مقت للعجب والغضب، وفيه إشارة إلى أن الذنب قد يكون بالفكر والنظر، وفيه حض على الإيفاء بالعهود حتى مع الكافرين، وتحريض على خفض الجناح والتواضع، وعلى استغفار الناس لمن يسيئون إليهم، لا لعنهم ويكفي جميع تلك الأقوال الجامعة المملوءة حكمة ورشدًا لإثبات صفاء قواعد الأخلاق في القرآن.. إنه أبصر كلّ شيء.."(2).

[ 2 ]

".. صلح القرآن ليكون نموذجًا للأسلوب وقواعد النحو.. فأوجب ذلك نشوء علم اللغة، فظهور علم البيان الذي درس فيه تركيب الكلام ومقتضى الحال والبديع وأوجه البلاغة، وأضحى لصناعة قراءة القرآن وتفسيره أكثر من مئة فرع، فأدى هذا إلى ما لا حصر له من التأليف في كلّ منها، واغتنت اللغة العربية بتعابير جديدة كثيرة بعيدة من الفساد بمخالطة اللغة الأخرى.."(3).

[ 3 ]

"مما يجدر ذكره أن يكون القرآن، بين مختلف اللغات التي يتكلم بها مختلف الشعوب الإسلامية في آسيا حتى الهند، وفي أفريقية حتى السودان، كتابًا يفهمه الجميع، وأن يربط القرآن هذه الشعوب المتباينة الطبائع برابط اللغة والمشاعر.."(4).

_______________________________________

(1)  لويس سيديو ( 1808 – 1876 )              L. Sedillot

مستشرق فرنسي عكف على نشر مؤلفات أبيه جان جاك سيديو الذي توفي عام 1832 قبل أن تتاح له فرصة إخراج كافة أعماله في تاريخ العلوم الإسلامية. وقد عين لويس أمينًا لمدرسة اللغات الشرقية (1931) وصنف كتابًا بعنوان (خلاصة تاريخ العرب) فضلاً عن (تاريخ العرب العام)، وكتب العديد من الأبحاث والدراسات في المجلات المعروفة.

(2)     تاريخ العرب العام، ص 89 ، 98 – 99 ، 100 ، 117 .

(3)     تاريخ العرب العام، ص 458 .

(4)     تاريخ العرب العام ، ص 458 .

سيرويا(1)

[ 1 ]

".. القرآن من الله بأسلوب سام رفيع لا يدانيه أسلوب البشر، وهو في الوقت عينه، (ثورة عقيدية، هذه الثورة العقيدية لا تعترف – لا بالبابا ولا أي مجمع لعلماء الكهنوت والقساوسة)، حيث لم يشعر الإسلام يومًا بالخشية والهلع من قيام مبدأ التحكيم العقلي الفلسفي فإذا قارنا الإسلام باليهودية والمسيحية نجد بعض الخطوط المميزة والتي لا تبدو مطابقة تمامًا خاصة مع المسيحية.. فالنظام المسيحي اليهودي يخالف الإسلام حيث لا يوجد فراغ بين الخالق والخلق البشري، هذا الفراغ لدى اليهود والمسيحيين مليء بالواسطة.. ولا شيء من هذا يتفق مع الإسلام. فمحمد [صلى الله عليه وسلم] مع كون مبعوثًا ورسولاً من لدن الله لم يتظاهر بإنكار دعوات كل من موسى وعيسى، كل مجهوده انحصر في تنقيتهما على ما جاء في القرآن، الذي وضع في العام الأول مهاجمة مبدأ الثلاثية منبهًا إلى أن عيسى ليس سوى رجل ابن مريم وليس بابن الله والقول بأن الله له ولد، هذا شرك كبير تنشق له السماء وتنفتح له الأرض وتنسحق له الجبال. أما روح القدس فما هو إلا بمثابة ملاك مثل جبريل دوره هو أن ينقل إلى عيسى ومحمد [صلى الله عليه وسلم] الدعوة المقدسة، أما مريم فهي مريم العذراء وليست بأم الله.."(2).

_____________________________________

(1)  هنري سيرويا                            H. Serouya

مستشرق فرنسي.

من آثاره: (موسى بن ميمون: ترجمته وآثاره وفلسفته) (1921)، (الصوفية والمسيحية واليهودية)، (فلسفة الفكر الإسلامي).

(2)  فلسفة الفكر الإسلامي ، ص 32 – 33 .

شاد(1)

[ 1 ]

".. عندما آمنت بالتوحيد بدأت أبحث عن الحجج والبراهين التي تثبت أن القرآن هو كتاب الله تعالى وأنه آخر الكتب السماوية وخاتمها. وإنني أحمد الله إذ مكنني من حل هذه المسألة. فالقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يعترف بكافة الكتب السماوية الأخرى، بينما نجد أنها جميعًا يرفض بعضها بعضًا.. وهذه في الحقيقة هي إحدى خصائص ومميزات القرآن الكريم، آخر الكتب السماوية وخاتمها"(2).

[ 2 ]

".. إن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يحفظه عن ظهر قلب ألوف مؤلفة من البشر في مختلف بقاع الأرض، بينما نجد أن الكتب المقدسة الأخرى محفوظة بالخط المطبوع فقط. ومن هنا لو حدث لسبب أو لآخر أن اختفت الكتب المطبوعة يظل القرآن هو كتاب الله الوحيد المحفوظ في الصدور. وهكذا يحق له أن يتباهى بأنه ظل في مأمن من التحريف لم ينقص منه حرف واحد ولم يزد فيه حرف واحد منذ أن نزل به الوحي على رسول الله [صلى الله عليه وسلم]. فليست هناك أية تناقضات ولا أخطاء من أي نوع في القرآن الكريم، هذا في الوقت الذي تعاني فيه الكتب السماوية الأخرى في نسختها الحالية من الكثير من التغيير والتبديل. وهذا سبب آخر جعلني أؤمن بالإسلام"(3).

________________________________________

(1)  بشير أحمد شاد                         Basheer A. Shad

ولد عام 1928، لأسرة نصرانية هندية بقرية ديان جالو الهندية، كان أبوه ماتياس مبشرًا نصرانيًا ولذا حرص على تنشئة ابنه على ذات الطريق، في عام 1947 أكمل دراسته وبدأ يعمل مبشرًا في لاهور، لكنه مثل كثيرين غيره ما لبث أن فقد قناعاته – كلية – بالنصرانية وانتهى به الأمر بعد عشرين سنة من البحث والمعاناة إلى إعلان إسلامه، (حزيران عام 1968).

(2)     رجال ونساء أسلموا ، ص 7 / 19 – 20 .

(3)     رجال ونساء أسلموا ، ص 7 / 20 .

فاغليري(1)

[ 1 ]

"إن معجزة الإسلام العظمى هي القرآن الذي تنقل إلينا الرواية الراسخة غير المنقطعة، من خلاله، أنباء تتصف بيقين مطلق. إنه كتاب لا سبيل إلى محاكاته. إن كلاً من تعبيراته شامل جامع، ومع ذلك فهو ذو حجم مناسب، ليس بالطويل أكثر مما ينبغي، وليس بالقصير أكثر مما ينبغي. أما أسلوبه فأصيل فريد. وليس ثمة أيما نمط لهذا الأسلوب في الأدب العربي تحدر إلينا من العصور التي سبقته. والأثر الذي يحدثه في النفس البشرية إنما يتم من غير أيما عوض عرضي أو إضافي من خلال سموه السليقي. إن آياته كلها على مستوى واحد من البلاغة، حتى عندما تعالج موضوعات لابد أن تؤثر في نَفَسها وجرسها كموضوع الوصايا والنواهي وما إليها. إنه يكرر قصص الأنبياء [عليهم السلام] وأوصاف بدء العالم ونهايته، وصفات الله وتفسيرها، ولكن يكررها على نحو مثير إلى درجة لا تضعف من أثرها. وهو ينتقل من موضوع إلى موضوع من غير أن يفقد قوته. إننا نقع هنا على العمق والعذوبة معًا – وهما صفتان لا تجتمعان عادة – حيث تجد كل صورة بلاغية تطبيقًا كاملاً فكيف يمكن أن يكون هذا الكتاب المعجز من عمل محمد [صلى الله عليه وسلم]، وهو العربي الأميّ الذي لم ينظم طوال حياته غير بيتين أو ثلاثة أبيات لا ينمّ أي منها عن أدنى موهبة شعرية؟"(2).

[ 2 ]

"لا يزال لدينا برهان آخر على مصدر القرآن الإلهي في هذه الحقيقة: وهي أن نصّه ظل صافيًا غير محرف طوال القرون التي تراخت ما بين تنزيله ويوم الناس هذا، وأن نصه سوف يظل على حاله تلك

من الصفاء وعدم التحريف، بإذن الله، مادام الكون"(3).

[ 3 ]

"إن هذا الكتاب، الذي يتلى كل يوم في طول العالم الإسلامي وعرضه، لا يوقع في نفس المؤمن أيما حسّ بالملل. على العكس، إنه من طريق التلاوة المكررة يحبب نفسه إلى المؤمنين أكثر فأكثر يومًا بعد يوم. إنه يوقع في نفس من يتلوه أو يصغي إليه حسًا عميقًا من المهابة والخشية. إن في إمكان المرء أن يستظهره في غير عسر، حتى إننا لنجد اليوم، على الرغم من انحسار موجة الإيمان، آلافًا من الناس القادرين على ترديده عن ظهر قلب. وفي مصر وحدها عدد الحفاظ أكثر من عدد القادرين على تلاوة الأناجيل عن ظهر قلب في أوروبا كلها"(4).

[ 4 ]

"إن انتشار الإسلام السريع لم يتم لا عن طريق القوة ولا بجهود المبشرين الموصولة. إن الذي أدى إلى ذلك الانتشار كون الكتاب الذي قدمه المسلمون للشعوب المغلوبة، مع تخييرها بين قبوله ورفضه، كتاب الله، كلمة الحق، أعظم معجزة كان في ميسور محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يقدمها إلى المترددين في هذه الأرض"(5).

[ 5 ]

"فيما يتصل بخلق الكون فإن القرآن على الرغم من إشارته إلى الحالة الأصلية وإلى أصل العالم.. لا يقيم أيما حدّ مهما يكن في وجه قوى العقل البشري، ولكنه يتركها طليقة تتخذ السبيل الذي تريد.."(6).

____________________________________

(1)  لورا فيشيا فاغليري                   L. Veccia Vaglieri

باحثة إيطالية معاصرة انصرفت إلى التاريخ الإسلامي قديمًا وحديثًا، وإلى فقه العربية وآدابها.

من آثارها: (قواعد العربية) في جزئين (1937 – 1941)، و(الإسلام) (1946)، و(دفاع عن الإسلام) (19529، والعديد من الدراسات في المجلات الاستشراقية المعروفة.

(2)     دفاع عن الإسلام ، ص 56 – 57 .

(3)     دفاع عن الإسلام ، ص 58 – 59 .

(4)     دفاع عن الإسلام ، ص 59 .

(5)     دفاع عن الإسلام ، ص 59 .

(6)     دفاع عن الإسلام ، ص 60 .

فايس(1)

[ 1 ]

"هكذا، بإلماح إلى وعي الإنسان وعقله ومعرفته بدأ تنزيل القرآن.."(2).

[ 2 ]

"أصبحت إلسا (زوجتي)، شأني أنا، أكثر تأثرًا مع الوقت بذلك الالتئام الباطني بين تعاليم [القرآن] الأخلاقية وتوجيهاته العملية. إن الله بمقتضى القرآن، لم يطلب خضوعًا أعمى من جانب الإنسان بل خاطب عقله: إنه لا يقف بعيدًا عن مصير الإنسان بل إنه (أقرب إليك من حبل الوريد) إنه لم يرسم أي خط فاصل بين الإيمان والسلوك الاجتماعي"(3).

[ 3 ]

".. لقد عرفت الآن، بصورة لا تقبل الجدل، أن الكتاب الذي كنت ممسكًا به في يدي كان كتابًا موحى به من الله. فبالرغم من أنه وضع بين يدي الإنسان منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا فإنه توقع بوضوح شيئًا لم يكن بالإمكان أن يصبح حقيقة إلا في عصرنا هذا المعقد، الآلي. لقد عرف الناس التكاثر في جميع العصور والأزمنة ولكن هذا التكاثر لم ينته قط من قبل إلى أن يكون مجرد اشتياق إلى امتلاك الأشياء وإلى أن يصبح ملهاة حجبت رؤية أيما شيء آخر.. اليوم أكثر من أمس وغدًا أكثر من اليوم.. لقد عرفت أن هذا(4) لم يكن مجرد حكمة إنسانية من إنسان عاش في الماضي البعيد في جزيرة العرب النائية فمهما كان هذا الإنسان على مثل هذا القدر من الحكمة فإنه لم يكن يستطيع وحده أن يتنبأ بالعذاب الذي يتميز به هذا القرن العشرون. لقد كان ينطق لي، من القرآن، صوت أعظم من صوت محمد"(5).

__________________________________

(1)  ليوبولد فايس ( محمد أسد )                        L. Weiss

مفكر، وصحفي نمساوي، أشهر إسلامه، وتسمى بمحمد أسد، وحكى في كتاب القيم (الطريق إلى مكة) تفاصيل رحلته إلى الإسلام. وقد أنشأ بمعاونة وليم بكتول، الذي أسلم هو الآخر، مجلة (الثقافة الإسلامية)، في حيدر آباد، الدكن (1927) وكتب فيها دراسات وفيرة معظمها في تصحيح أخطاء المستشرقين عن الإسلام.

من آثاره: ترجم صحيح البخاري بتعليق وفهرس، وألف (أصول الفقه الإسلامي)، و(الطريق إلى مكة)، و(منهاج الإسلام في الحكم)، و(الإسلام على مفترق الطرق).

(2)     الطريق إلى مكة ، ص 303 .

(3)     الطريق إلى مكة ، ص 318 .

(4)     يشير إلى سورة التكاثر التي أخبرت بإعجاز عن أزمة القرن العشرين.

(5)     الطريق إلى مكة ، ص 328 – 32 9 .

فيشر(1)

[ 1 ]

"إن القرآن كلام الله يشد فؤاد المسلم، وتزداد روعته حين يتلى عليه بصوت مسموع، ولكنه لا يفهم هذه الروعة كما لم يفهمها زملاؤه الذين سبقوه إلى الاعتراف ببلاغة القرآن، واعتمادًا على أثره البليغ في قلوب قرّائه وسامعيه، ثم يقفون عند تقرير هذه البلاغة بشهادة السماع"(2).

[ 2 ]

".. إن القرآن كتاب تربية وتثقيف، وليس كل ما فيه كلامًا عن الفرائض والشعائر، وإن الفضائل التي يحث عليها المسلمين من أجمل الفضائل وأرجحها في موازين الأخلاق، وتتجلى هداية الكتاب في نواهيه كما تتجلى في أوامره.."(3).

__________________________________

(1)  الدكتور سدني فيشر                       Sydney Fisher

أستاذ التاريخ في جامعة أوهايو الأمريكية، وصاحب الدراسات المتعددة في شؤون البلاد الشرقية التي يدين الأكثرون من أبنائها بالإسلام. مؤلف كتاب (الشرق الأوسط في العصر الإسلامي) والذي يناقش فيه العوامل الفعالة التي يرجع إليها تطور الشعوب والحوادث في هذه البلاد وأولها الإسلام.

(2)     الشرق الأوسط في العصر الإسلامي ، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام، ص 54 .

(3)     الشرق الأوسط في العصر الإسلامي ، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام، ص 54 .

جب(1)

[ 1 ]

"إذا رأى أحد أن إلحاح القرآن على فعل الخير غير كثير أثبتنا له بالحجة القاطعة خطأه وسقنا إليه ذلك التعريف الشامل للبر في تلك الآية العظيمة {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة 177]. فالبر إذن تاج الإيمان الحق، حين يدرك المؤمن أخيرًا أن الله شاهد أبدًا، ويستجيب لشهوده في كل أفكاره وأعماله"(2).

[ 2 ]

"هذه، إذن، هي الرسالة التي بلغها القرآن إلى الجيل الأول من المسلمين وظل يبلغها إلى جميع الأجيال منذ ذلك العهد. فالقرآن سجل لتجربة حية مباشرة في ميدان الألوهية، تجربة ذات طرفين: واحد مطلق وآخر متصل بشؤون الحياة العامة، ودعوة للمخلوق كي ينظم حياته ليتمكن من الأخذ بنصيب في تلك التجربة. وحين يتبع المسلم أوامر القرآن ويسعى ليستكنه روح تعاليمه، لا بفكره فحسب بل بقلبه وروحه أيضًا، فإنه يحاول أن يستملك شيئًا من الرؤى الحدسية ومن التجربة التي كانت للرسول الحبيب. ويعظم في عينيه مغزى كل آية فيه، لإيمانه بأنه كلام الله. ولو لم يكن هذا الإيمان شعبة من عقيدته لما تناقصت قيمته لديه من حيث هو منبع حي للإلهام والاستبصار الديني"(3).

[ 3 ]

"مهما يكن أمر استمداد الإسلام من الأديان التي سبقته فذلك لا يغير هذه الحقيقة أيضًا وهي: أن المواقف الدينية التي عبر عنها القرآن ونقلها إلى الناس تشمل بناء دينيًا جديدًا متميزًا"(4).

[ 4 ]

".. على الرغم مما قام به العلماء المتأخرون من تطوير لعلم كلام إسلامي منهجي، يبقى صحيحًا ما ذكرناه سابقًا وهو: أن جمهور الجماعة الإسلامية كان يتألف من شعوب أحدثت لديها ممارسة حقائق الدين ممارسة حدسية أثرًا أقوى وأسرع من كل اثر خلفه أي قدر من الجدل العقلي أو من حذاقته وبراعته"(5).

[ 5 ]

"إننا نخطئ خطأ فاحشًا إذا اقتصرنا على النظر إلى هذه العقيدة نظرتنا لمذهب لاهوتي أتقن بشكل وراثي من جيل إلى جيل منذ ألف وثلاثمائة سنة. إنها على العكس من ذلك يقين وإيمان حي يتجدد ويتأكد باستمرار في قلوب المسلمين وأرواحهم وأفكارهم، ولدى العربي بشكل خاص، حين يدرس النصّ المقدس. لقد عارض المذهب السني المتمسك بشكل عام ترجمة القرآن إلى اللغات الإسلامية الأخرى على الرغم من أن النص العربي يظهر في بعض الأحيان مقترنًا بترجمة تركية أو فارسية أو أُردية وغيرها من اللغات. إن هذا الموقف يستند على محاكمة شرعية متماسكة تصوغ حججها إلى حد ما بشكل عقلاني مستندة في ذلك على اعتبارات بعيدة عن هذا الشكل العقلاني. والواقع أن القرآن لا يمكن ترجمته بشكل أساسي كما هي الحال بالنسبة للشعر الرفيع. إذ ليس بالإمكان التعبير عن مكنون القرآن باللغة العادية، ولا يمكن أن يعبر عن صوره وأمثاله لأن كل عطف أو مجاز أو براعة لغوية يجب أن تدرس طويلاً قبل أن ينبثق المعنى للقارئ. والقرآن كذلك له حلاوة وطلاوة ونظم بديع مرتب لا يمكن تحديده لأنها تعد بسحرها أفكار الشخص الذي يصغي إلى القرآن لتلقي تعاليمه. ولا شك أن تأويل كلمات القرآن إلى لغة أخرى لا يمكن إلا أن يشوهها ويحول الذهب النقي إلى فخار.."(6).

___________________________________

(1)  سير هاملتون الكساندر روسكين جب 1895 – 1967

يعد إمام المستشرقين الإنكليز المعاصرين، أستاذ اللغة العربية في جامعة لندن سنة 1930، وأستاذ في جامعة أكسفورد منذ سنة 1937، وعضو مؤسس في المجمع العلمي المصري، تفرغ للأدب العربي وحاضر بمدرسة المشرقيات بلندن.

من آثاره: (دراسات في الآداب العصرية) (1926)، (الفتوحات الإسلامية في آسيا الوسطى وعلاقتها ببلاد الصين)، (رحلات ابن بطوطة)، (اتجاهات الإسلام المعاصرة)، وهو أحد محرري دائرة المعارف الإسلامية.

(2)     دراسات في حضارة الإسلام ، ص 254 .

(3)     دراسات في حضارة الإسلام ، ص 254 .

(4)     دراسات في حضارة الإسلام ، ص 254 – 255 .

(5)     دراسات في حضارة الإسلام ، ص 255 .

(6)     الاتجاهات الحديثة في الإسلام ، ص 30 – 31 .

كوبولد(1)

[ 1 ]

".. وذكرتُ أيضًا ما جاء في القرآن عن خلق العالم وكيف أن الله سبحانه وتعالى قد خلق من كل نوع زوجين، وكيف أن العلم الحديث قد ذهب يؤيد هذه النظرية بعد بحوث مستطيلة ودراسات امتدت أجيالاً عديدة"(2).

[ 2 ]

"إن أثر القرآن في كل هذا التقدم [الحضاري الإسلامي] لا ينكر، فالقرآن هو الذي دفع العرب إلى فتح العالم، ومكّنهم من إنشاء إمبراطورية فاقت إمبراطورية الإسكندر الكبير، والإمبراطورية الرومانية سعة وقوة وعمرانًا وحضارة.."(3).

[ 3 ]

"الواقع أن جمل القرآن، وبديع أسلوبه أمر لا يستطيع له القلم وصفًا ولا تعريفًا، ومن المقرر أن تذهب الترجمة بجماله وروعته وما ينعم به من موسيقى لفظية لست تجدها في غيره من الكتب. ولعل ما كتبه المستشرق جوهونسن بهذا الشأن يعبر كل التعبير عن رأي مثقفي الفرنجة وكبار مفكريهم قال: (إذا لم يكن شعرًا، وهو أمر مشكوك به، ومن الصعب أن يقول المرء بأنه من الشعر أو غيره، فإنه في الواقع أعظم من الشعر، وهو إلى ذلك ليس تاريخًا ولا وصفًا، ثم هو ليس موعظة كموعظة الجبل ولا هو يشابه كتاب البوذيين في شيء قليل أو كثير، ولا خطبًا فلسفية كمحاورات أفلاطون، ولكنه صوت النبوة يخرج من القلوب السامية، وإن كان عالميًا في جملته، بعيد المعنى في مختلف سوره وآياته، حتى إنه يردد في كل الأصقاع، ويرتل في كل بلد تشرق عليه الشمس"(4).

[ 4 ]

"أشار الدكتور مارديل المستشرق الفرنسي الذي كلفته الحكومة الفرنسية بترجمة بعض سور القرآن، إلى ما للقرآن الكريم من مزايا ليست توجد في كتاب غيره وسواه فقال: (أما أسلوب القرآن فإنه أسلوب الخالق عز وجل وعلا، ذلك أن الأسلوب الذي ينطوي عليه كنه الكائن الذي يصدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهيًا. والحق والواقع أن أكثر الكتاب ارتيابًا وشكًا قد خضعوا لتأثير سلطانه وسحره، وأن سلطانه على ملايين المسلمين المنتشرين على سطح المعمور لبالغ الحدّ الذي جعل أجانب المبشرين يعترفون بالإجماع بعدم إمكان إثبات حادثة واحدة محققة ارتد فيها أحد المسلمين عن دينه إلى الآن. ذلك أن هذا الأسلوب.. الذي يفيض جزالة في اتساق منسق متجانس. كان له الأثر العميق في نفس كل سامع يفقه اللغة العربية، لذلك كان من الجهد الضائع الذي لا يثمر أن يحاول المرء [نقل] تأثير هذا النثر البديع الذي لم يسمع بمثله بلغة أخرى.."(5).

[ 5 ]

"الواقع أن للقرآن أسلوبًا عجيبًا يخالف ما كانت تنهجه العرب من نظم ونثر، فَحُسنُ تأليفه، والتئام كلماته، ووجوه إيجازه، وجودة مقاطعه، وحسن تدليله، وانسجام قصصه، وبديع أمثاله، كل هذا وغيره جعله في أعلى درجات البلاغة، وجعل لأسلوبه من القوة ما يملأ القلب روعة، لا يمل قارئه ولا يخلق بترديده.. قد امتاز بسهولة ألفاظه حتى قلّ أن تجد فيها غريبًا، وهي مع سهولتها جزلة عذبة، وألفاظه بعضها مع بعض متشاكلة منسجمة لا تُحِسُّ فيها لفظًا نابيًا عن أخيه، فإذا أضفت إلى ذلك سموّ معانيه أدركت بلاغته وإعجازه"(6).

__________________________________

(1)  اللادي ايفلين كوبولد

نبيلة إنكليزية، اعتنقت الإسلام وزارت الحجاز، وحجت إلى بيت الله، وكتبت مذكراتها عن رحلتها تلك في كتاب لها بعنوان: (الحج إلى مكة) (لندن 1934) والذي ترجم إلى العربية بعنوان: (البحث عن الله).

(2)     البحث عن الله ، ص 45 .

(3)     البحث عن الله ، ص 51 .

(4)     نفسه، ص 111 – 112 .

(5)     نفسه، ص 112 – 113 .

(6)     نفسه ، ص 113 .

كويليام(1)

[ 1 ]

"من الوجه العلمي، بصرف النظر عن أنه كتاب موحى به، فالقرآن أبلغ كتاب في الشرق.. (وهو حافل بالمنجزات السامية مليء بالاستعارات الباهرة).."(2).

[ 2 ]

"أحكام القرآن ليست مقتصرة على الفرائض الأدبية والدينية.. إنه القانون العام للعالم الإسلامي، وهو قانون شامل للقوانين المدنية والتجارية والحربية والقضائية والجنائية والجزائية. ثم هو قانون ديني يدار على محوره كل أمر من الأمور الدينية إلى أمور الحياة الدنيوية، ومن حفظ النفس إلى صحة الأبدان، ومن حقوق الرعية إلى حقوق كل فرد، ومن منفعة الإنسان الذاتية إلى منفعة الهيئة الاجتماعية، ومن الفضيلة إلى الخطيئة، ومن القصاص في هذه الدنيا إلى القصاص في الآخرة.. وعلى ذلك فالقرآن يختلف ماديًا عن الكتب المسيحية المقدسة التي ليس فيها شيء من الأصول الدينية بل هي في الغالب مركبة من قصص وخرافات واختباط عظيم في الأمور التعبدية.. وهي غير معقولة وعديمة التأثير"(3).

"لقد عثرت في دائرة المعارف العامة popular Encyclopedia على نبذة نصها كما يأتي (أن لغة القرآن معتبرة بأنها من أفصح ما جاء في اللغة العربية فإن ما فيه من محاسن الإنشاء وجمال البراعة جعله باقيًا بلا تقليد ودون مثيل. أما أحكامه العقلية فإنها نقية زكية إذا تأملها الإنسان بعين البصيرة لعاش عيشة هنية).."(4).

[ 4 ]

"هذا القرآن الذي هو كتاب حكمة فمن أجال طرف اعتباره فيه وأمعن النظر في بدائع أساليبه وما فيها من الإعجاز رآه وقد مر عليه من الزمان ألف وثلاثمائة وعشرون سنة كأنه مقول في هذا العصر إذ هو مع سهولته بليغ ممتنع ومع إيجازه مفيد للمرام بالتمام. وكما أنه كان يرى مطابقًا للكلام في زمن ظهوره لهجة وأسلوبًا كذلك يرى موافقًا لأسلوب الكلام في كل زمن ولهجة، وكلما ترقّت صناعة الكتابة قدرت بلاغته وظهرت للعقول مزاياه. وبالجملة فإن فصاحته وبلاغته قد أعجزت مصاقع البلغاء وحيرت فصحاء الأولين والآخرين. وإذا عطفنا النظر إلى ما فيه من الأحكام وما اشتمل عليه من الحكم الجليلة نجده جامعًا لجميع ما يحتاجه البشر في حياته وكماله وتهذيب أخلاقه.. وكذا نراه ناهيًا عما ثبت بالتجارب العديدة خسرانه وقبحه من الأفعال ومساوئ الأخلاق.. وكم فيه ما عدا ذلك أيضًا ما يتعلق بسياسة المدن وعمارة الملك، وما يضمن للرعية الأمن والدعة من الأحكام الجليلة التي ظهرت منافعها العظيمة بالفعل والتجربة فضلاً عن القول.."(5).

[ 5 ]

"أن من ضمن محاسن القرآن العديدة أمرين واضحين جدًا أحدهما علامة الخشوع والوقار التي تشاهد دائمًا على المسلمين عندما يتكلمون عن المولى ويشيرون إليه.. والثاني خلوّه من القصص والخرافات وذكر العيوب والسيئات وإلى آخره، الأمر الذي يؤسف عليه كثيرًا لوقوعه بكثرة فيما يسميه المسيحيون (العهد القديم).."(6).

¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬_____________________________________

(1)  عبد الله كويليام                                          Kwelem

مفكر إنكليزي،ولد سنة 1856، وأسلم سنة 1887، وتلقب باسم: (الشيخ عبد الله كويليام). من آثاره: (العقيدة الإسلامية) (1988)، و(أحسن الأجوبة).

(2)     العقيدة الإسلامية، ص 119 – 120 .

(3)     نفسه، ص 122 – 123 .

(4)     نفسه ، ص 138 .

(5)     نفسه، ص 139 – 140 .

(6)     أحسن الأجوبة عن سؤال أحد علماء أوروبة، ص 23 – 26 .

لاندو(1)

[ 1 ]

"بسبب من أن مهمة ترجمة القرآن بكامل طاقته الإيقاعية، إلى لغة أخرى، تتطلب عناية رجل يجمع الشاعرية إلى العلم، فإننا لم نعرف حتى وقت قريب ترجمة جيدة استطاعت أن تتلقف شيئًا من روح الوحي المحمدي. والواقع أن كثيرًا من المترجمين الأوائل لم يعجزوا عن الاحتفاظ بجمال الأصل فحسب، بل كانوا إلى ذلك مفعمين بالحقد على الإسلام إلى درجة جعلت ترجماتهم تنوء بالتحامل والغرض. ولكن حتى أفضل ترجمة ممكنة للقرآن في شكل مكتوب لا تستطيع أن تحتفظ بإيقاع السور الموسيقي الآسر، على الوجه الذي يرتلها به المسلم. وليس يستطيع الغربي أن يدرك شيئًا من روعة كلمات القرآن وقوّتها إلا عندما يسمع مقاطع منه مرتلة بلغته الأصلية"(2).

[ 2 ]

".. كلف كاتب الوحي، زيد بن ثابت، جمع الآيات القرآنية في شكل كتاب وكان أبو بكر [رضي الله عنه] قد أشرف على هذه المهمة. وفيما بعد، إثر جهد مستأنف بذل بأمر من الخليفة عثمان [رضي الله عنه] اتخذ القرآن شكله التشريعي النهائي الذي وصل إلينا سليمًا لم يطرأ عليه أي تحريف"(3).

".. إن بين آيات قصار السور ترابطًا باهرًا له تأثيره الوجداني برغم أنه ليس ثمة أيما وزن نظامي. وفي الحق إن سماع السور تتلى في الأصل العربي، كثيرًا ما يخلف في نفس المرء تأثيرًا بليغًا. لقد أريد بالقرآن.. أن يتلى في صوت جهير. ويتعين على المرء أن يسمعه مرتلاً لكي يحكم عليه حكمًا عادلاً ويقدره حق قدره.. وبوصفه كلمة الله الحقيقية، كان معجزًا لا سبيل إلى محاكاته، ولم يكن ثمة، بكل بساطة، أيما شيء من مثله"(4).

_____________________________________

(1)  روم لاندو                        R. Landau.

نحّات وناقد فني إنكليزي، زار زعماء الدين في الشرق الأدنى (1937)، وحاضر في عدد من جامعات الولايات المتحدة (1952-1957)، أستاذ الدراسات الإسلامية وشمالي أفريقيا في المجمع الأمريكي للدراسات الآسيوية في سان فرنسيسكو (1953).

من آثاره: (الله ومغامراتي) (1935)، (بحث عن الغد) (1938)، (سلم الرسل) (1939)، (دعوة إلى المغرب) (1950)، (سلطان المغرب) (1951)، (فرنسا والعرب) (19539، (الفن العربي) (1955).. وغيرها.

(2)     الإسلام والعرب ، ص 36 – 37 .

(3)     نفسه ، ص 296 .

(4)     نفسه، ص 296 – 297 .

لوبون(1)

[ 1 ]

".. إن أصول الأخلاق في القرآن عالية علوّ ما جاء في كتب الديانات الأخرى جميعها، وإن أخلاق الأمم التي دانت له تحولت بتحول الأزمان والعروق مثل تحول الأمم الخاضعة لدين عيسى[ عليه السلام].. إن أهم نتيجة يمكن استنباطها هي تأثير القرآن العظيم في الأمم التي أذعنت لأحكامه، فالديانات التي لها ما للإسلام من السلطان على النفوس قليلة جدًا، وقد لا تجد دينًا اتفق له ما اتفق للإسلام من الأثر الدائم، والقرآن هو قطب الحياة في الشرق وهو ما نرى أثره في أدقّ شؤون الحياة"(2).

[ 2 ]

"إن هذا الكتاب [ القرآن ] تشريع ديني وسياسي واجتماعي، وأحكامه نافذة منذ عشرة قرون.."(3).

___________________________________

(1)  كوستاف لوبون                Dr. G. Lebon

ولد عام 1841م، وهو طبيب، ومؤرخ فرنسي، عني بالحضارات الشرقية.

من آثاره: (حضارة العرب) (باريس 1884)، (الحضارة المصرية)، و(حضارة العرب في الأندلس).

(2)     حضارة العرب، ص 431 – 432 .

(3)     النتائج الأولى للحرب (عن: محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية، 1/74).

ليختنستادتر(1)

[ 1 ]

".. إن المسلم العصري يعتقد أن كتابه المنزل يسمح له، بل يوجب عليه، أن يعالج مشكلات عصره بما يوافق الدين ولا يضيع المصلحة أو يصد عن المعرفة كما انتهت إليها علوم زمنه.. وإن مزية القرآن – في عقيدة المسلم – أنه متمم للكتب السماوية ويوافقها في أصول الإيمان، ولكنه يختلف عنها في صفته العامة فلا يرتبط برسالة محدودة تمضي مع مضي عهدها ولا بأمة خاصة يلائمها ولا يلائم سواها. وكل ما يراد به الدوام، ينبغي أن يوافق كل جيل ويصلح لكل أوان"(2).

[ 2 ]

"إنه من الضروري لإدراك عمل القرآن من حيث هو كتاب ديني وكتاب اجتماعي أن ندرك صدق المسلم حين يؤكد أن القرآن يمكن أن يظل أساسًا لإدراك الحكم المعقدة التي تعالج مشكلات المجتمع الحديث. فإن النبي [صلى الله عليه وسلم] يرى أن القرآن هو حلقة الاتصال بين الإله في كماله الإلهي وبين خليقته التي يتجلى فيها بفيوضه الربانية وآيتها الكبرى الإنسان. وإن واجب الإنسان أن يعمل بمشيئة الله للتنسيق بين العالم الإلهي وبين عالم الخلق والشهادة، وخير ما يدرك به هذا المطلب أن تتولاه جماعة إنسانية تتحرى أعمق الأوامر الإلهية وألزمها وهي أوامر العدل للجميع والرحمة بالضعيف والرفق والإحسان. وتلك هي الوسائل التي يضعها الله في يد الإنسان لتحقيق نجاته، فهو ثم مسؤول عن أعماله ومسؤول كذلك عن مصيره"(3).

___________________________________

(1)  الدكتورة إلس ليختنستادتر                     Ilse Lictenstadter

سيدة ألمانية، درست العلوم العربية والإسلامية في جامعة فرانكفورت، ثم في جامعة لندن، وأقامت زهاء ثلاثين سنة بين بلاد الشرقين الأدنى والأوسط، وعنيت عناية خاصة بدعوات الاجتهاد والتجديد والمقابلة بين المذاهب. من مؤلفاتها (الإسلام والعصر الحديث).

(2)     الإسلام والعصر الحديث، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام ، ص 19 .

(3)     نفسه ، ص 19 .

مونتاي(1)

[ 1 ]

"إنني لا اشك لحظة في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وأعتقد أنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنه بعث للناس كافة، وأن رسالته جاءت لختم الوحي الذي نزل في التوراة والإنجيل. وأحسن دليل على ذلك هو القرآن المعجزة. فأنا أرفض خواطر بسكال العالم الأوروبي الحاقد على الإسلام والمسلمين إلا خاطرة واحدة وهي قوله: ليس القرآن من تأليف محمد [صلى الله عليه وسلم]، كما أن الإنجيل ليس من تأليف متّى"(2).

[ 2 ]

".. إن مثل الفكر العربي الإسلامي المبعد عن التأثير القرآني كمثل رجل أفرغ من دمه"(3).

________________________________

(1)  فنساي مونتاي : المنصور بالله الشافعي               F. Montague

فرنسي، رجل بحث وترحال، اختص بدراسة القضايا الإسلامية والغربية، عن كثب، قضى سنوات عديدة في المغرب والمشرق وانتهى الأمر به إلى إعلان إسلامه في صيف عام 1977.

(2)     رجال ونساء أسلموا ،  5 / 45 .

(3)     نفسه ، ص 5 / 50 – 51 .

هوني(1)

[ 1 ]

".. لن أستطيع مهما حاولت، أن أصف الأثر الذي تركه القرآن في قلبي، فلم أكد أنتهي من قراءة السورة الثالثة من القرآن حتى وددتني ساجدة لخالق هذا الكون، فكانت هذه أول صلاة لي في الإسلام.."(2).

____________________________________

(1)  عائشة برجت هوني                   Ayesha Bridget Honey

نشأت في أسرة إنكليزية مسيحية، وشغفت بالفلسفة، ثم سافرت إلى كندا لإكمال دراستها، وهناك في الجامعة أتيح لها أن تتعرف على الإسلام، وأن تنتهي إليه، وقد عملت مدرسة في مدرسة عليا في نيجيريا.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، ص 1 / 59 – 60 .

وات(1)

[ 1 ]

"يعتبر القرآن قلاقل العصر نتيجة أسباب دينية بالرغم من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وأنه لا يمكن تقويمها إلا باستخدام الوسائل الدينية مثل كل شيء. وإنه لمن الجرأة الشك في حكمة القرآن نظرًا لنجاح محمد [صلى الله عليه وسلم] في تبليغ الرسالة التي أمره الله بتبليغها.."(2).

[ 2 ]

"يجب علينا في رأيي، مهما كان موقفنا الديني، أن نعتبر رسالة القرآن انبثاقًا خلاقًا في الوضع المكي. ولا شك أنه كانت توجد مشاكل تتطلب الحلّ، وأزمات حاول البعض تخفيفها، ولكن كان يستحيل الانتقال من هذه المشاكل وتلك الأزمان إلى رسالة القرآن بواسطة التفكير المنطقي.. ولا شك أن رسالة القرآن تحل مشاكل اجتماعية وأخلاقية وفكرية، ولكن لا تحلّها جميعًا دفعة واحدة وليس بصورة بديهية. ولربما قال مؤرخ دنيوي أن محمدًا وقع صدفة على أفكار كانت بمثابة المفتاح لحل المشاكل الأساسية في زمان ليس هذا ممكنًا. ولا يمكن للمحاولات التجريبية ولا للفكر النافذ أن يفند لنا كما يجب رسالة القرآن"(3).

__________________________________

(1)  مونتجومري وات                  Montgomery, Watt

عميد قسم الدراسات العربية في جامعة أدنبرا سابقًا.

 من آثاره: (عوامل انتشار الإسلام)، (محمد في مكة)، (محمد في المدينة)، (الإسلام والجماعة الموحدة)، وهو دراسة فلسفية اجتماعية لردّ أصل الوحدة العربية إلى الإسلام (1961).

(2)     محمد في مكة ، ص 135 .

(3)     نفسه ، ص 135 – 136 .

 الفصل الثاني محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

"إن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي.. إن هذا الاتحاد الفريد الذي لا نظير له للتأثير الديني والدنيوي معًا يخوّله أن يعتبر أعظم شخصية ذات تأثير في تاريخ البشرية".

(العالم الأمريكي مايكل هارث)

إبراهيم خليل أحمد

[ 1 ]

"هذه هي حقيقة يثبتها التاريخ: فبينما كان العالم الشرقي والعالم الغربي بفلسفاتهما العقيمة يعيش في دياجير ظلام الفكر وفساد العبادة، بزغ من مكة المكرمة في شخص محمد رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، نور وضاء أضاء على العالم فهداه إلى الإسلام"(1).

[ 2 ]

"إن سيدنا عيسى عليه السلام يتنبأ عن الرسول الكريم محمد [صلى الله عليه وسلم] بقوله: (وأما متى جاء ذاك: روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية)(2) .."(3).

[ 3 ]

"يقول برنابا: (سيأتي مسيا (أي الرسول) المرسل من الله لكل العالم،.. وحينئذ يسجد لله في كل العالم وتنال الرحمة..)(4) .."(5).

[ 4 ]

".. كلمة إنجيل كلمة يونانية تعني بشارة أو بشرى، ولعل هذا هو الذي نستفيده من سيرة سيدنا عيسى عليه السلام، أنه كان بشرى من الله للرحمة، وبشرى بتبشيره عن المسيا الذي سيأتي للعالمين هدى ورحمة، ألا وهو الرسول الكريم سيدنا محمد [صلى الله عليه وسلم]"(6).

[ 5 ]

"يقول عيسى [عليه السلام] في إنجيل برنابا: (لأن الله سيصعِّدني من الأرض وسيغير منظر الخائن حتى يظنه كل أحد إيّاي. ومع ذلك فإنه حين يموت شر ميتة أمكث أنا في ذلك العار زمنًا طويلاً في العالم ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس تزال عني هذه الوصمة)(7) .."(8).

___________________________________

(1)     محمد في التوراة والإنجيل والقرآن ، ص 47 .

(2)     إنجيل يوحنا ، 16 : 12 و .

(3)     محمد في التوراة والإنجيل والقرآن ، ص 98 .

(4)     إنجيل برنابا ، 82 : 16 – 18 .

(5)     محمد في التوراة ، ص 105 .

(6)     نفسه ، ص 114 .

(7)     إنجيل برنابا ، 80112  - 16 .

(8)     محمد في التوراة ، ص 141 .

آرنولد

[ 1 ]

".. لعله من المتوقع، بطبيعة الحال، أن تكون حياة مؤسس الإسلام ومنشئ الدعوة الإسلامية [صلى الله عليه وسلم]، هي الصورة الحق لنشاط الدعوة إلى هذا الدين. وإذا كانت حياة النبي [صلى الله عليه وسلم] هي مقياس سلوك عامة المؤمنين، فإنها كذلك بالنسبة إلى سائر دعاة الإسلام. لذلك نرجو من دراسة هذا المثل أن نعرف شيئًا عن الروح التي دفعت الذين عملوا على الاقتداء به، وعن الوسائل التي ينتظر أن يتخذوها. ذلك أن روح الدعوة إلى الإسلام لم تجئ في تاريخ الدعوة متأخرة بعد أناة وتفكر، وإنما هي قديمة قدم العقيدة ذاتها. وفي هذا الوصف الموجز سنبين كيف حدث ذلك وكيف كان النبي محمد [صلى الله عليه وسلم] يعد نموذجًا للداعي إلى الإسلام.."(1).

[ 2 ]

".. من الخطأ أن نفترض أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] في المدينة قد طرح مهمة الداعي إلى الإسلام والمبلغ لتعاليمه، أو أنه عندما سيطر على جيش كبير يأتمر بأمره، انقطع عن دعوة المشركين إلى اعتناق الدين.."(2).

[ 3 ]

".. إن المعاملة الحسنة التي تعودتها وفود العشائر المختلفة من النبي [صلى الله عليه وسلم] واهتمامه بالنظر في شكاياتهم، والحكمة التي كان يصلح بها ذات بينهم، والسياسة التي أوحت إليه بتخصيص قطع من الأرض مكافأة لكل من بادر إلى الوقوف في جانب الإسلام وإظهار العطف على المسلمين، كل ذلك جعل اسمه مألوفًا لديهم، كما جعل صيته ذائعًا في كافة أنحاء شبه الجزيرة سيدًا عظيمًا ورجلاً كريمًا. وكثيرًا ما كان يفد أحد أفراد القبيلة على النبي [صلى الله عليه وسلم] بالمدينة ثم يعود إلى قومه داعيًا إلى الإسلام جادًا في تحويل إخوانه إليه.."(3).

____________________________________

(1)     الدعوة إلى الإسلام ، ص 34 .

(2)     نفسه ، ص 54 .

(3)     نفسه ، ص 55 عن: Muir (Sir Wiliam): Life of Mahomet, PP.107-8 (London, 1858-,1) .

واشنجتون إيرفنج

[ 1 ]

"كان محمد [صلى الله عليه وسلم] خاتم النبيين وأعظم الرسل الذين بعثهم الله ليدعوا الناس إلى عبادة الله"(1).

[ 2 ]

"كانت تصرفات الرسول [صلى الله عليه وسلم] في [أعقاب فتح] مكة تدل على أنه نبي مرسل لا على أنه قائد مظفر. فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح في مركز قوي. ولكنه توّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو"(2).

[ 3 ]

"لقي الرسول [صلى الله عليه وسلم] من أجل نشر الإسلام كثيرًا من العناء، وبذل عدة تضحيات. فقد شك الكثير في صدق دعوته، وظل عدة سنوات دون أن ينال نجاحًا كبيرًا، وتعرض خلال إبلاغ الوحي إلى الإهانات والاعتداءات والاضطهادات، بل اضطر إلى أن يترك وطنه ويبحث عن مكان يهاجر إليه هنا وهناك وتخلى عن كل متع الحياة وعن السعي وراء الثراء من أجل نشر العقيدة"(3).

[ 4 ]

"برغم انتصارات الرسول [صلى الله عليه وسلم] العسكرية لم تثر هذه الانتصارات كبرياءه أو غروره، فقد كان يحارب من أجل الإسلام لا من أجل مصلحة شخصية، وحتى في أوج مجده حافظ الرسول [صلى الله عليه وسلم] على بساطته وتواضعه، فكان يكره إذا دخل حجرة على جماعة أن يقوموا له أو يبالغوا في الترحيب به وإن كان قد هدف إلى تكوين دولة عظيمة، فإنها كانت دولة الإسلام، وقد حكم فيها بالعدل، ولم يفكر أن يجعل الحكم فيها وراثيًا لأسرته"(4).

[ 5 ]

"كان الرسول [صلى الله عليه وسلم] ينفق ما يحصل من جزية أو ما يقع في يديه من غنائم في سبيل انتصار الإسلام، وفي معاونة فقراء المسلمين، وكثيرًا ما كان ينفق في سبيل ذلك آخر درهم في بيت المال.. وهو لم يخلف وراءه دينارًا أو درهمًا أو رقيقًا.. وقد خيره الله بين مفاتيح كنوز الأرض في الدنيا وبين الآخرة فاختار الآخرة"(5).

____________________________________

(1)     حياة محمد ، ص 72 .

(2)     حياة محمد ، ص 72 .

(3)     نفسه ، ص 300 .

(4)     نفسه ، ص 302 – 303 .

(5)     نفسه ، ص 303 .

بارت(1)

[ 1 ]

"كان من بين ممثلي حركة التنوير من رأوا في النبي العربي [صلى الله عليه وسلم] أدلة الله، ومشرعًا حكيمًا، ورسولاً للفضيلة، وناطقًا بكلمة الدين الطبيعي الفطري، مبشرًا به"(2).

[ 2 ]

"كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة في بوادي وواحات شبه الجزيرة، يعيثون فيها فسادًا. حتى أتى محمد [صلى الله عليه وسلم] ودعاهم إلى الإيمان بإله واحد، خالق بارئ، وجمعهم في كيان واحد متجانس"(3).

____________________________________

(1)  رودي بارت                   Rudi, Part

عالم ألماني معاصر، اضطلع بالدراسات الشرقية في جامعة هايدلبرج، وكرس حياته لدراسة علوم العربية والإسلام، وصنف فيها عددًا كبيرًا من الأعمال، منها ترجمته للقرآن الكريم التي استغرقت منه عشرات السنين وأصدرها بين عامي 1963 و1966، وله كتاب عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

(2)     الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية ، ص 15 .

(3)     نفسه ، ص 20 .

بروي(1)

[ 1 ]

"جاء محمد بن عبد الله [صلى الله عليه وسلم]، النبي العربي وخاتمة النبيين، يبشر العرب والناس أجمعين، بدين جديد، ويدعو للقول بالله الواحد الأحد، كانت الشريعة [في دعوته] لا تختلف عن العقيدة أو الإيمان، وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة، تضبط ليس الأمور الدينية فحسب، بل أيضًا الأمور الدنيوية، فتفرض على المسلم الزكاة، والجهاد ضد المشركين.. ونشر الدين الحنيف.. وعندما قبض النبي العربي [صلى الله عليه وسلم]، عام 632م، كان قد انتهى من دعوته، كما انتهى من وضع نظام اجتماعي يسمو كثيرًا فوق النظام القبلي الذي كان عليه العرب قبل الإسلام، وصهرهم في وحدة قوية، وهكذا تم للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة، لم تعرف مثلها من قبل.."(2).

___________________________________

(1)  إدوار بروي                     Edourd Perroy

باحث فرنسي معاصر، وأستاذ في السربون.

(2)  تاريخ الحضارات العام ، 3 / 112 .

بلاشير

[ 1 ]

".. إن معجزة النبي [عليه الصلاة والسلام] الحقيقية والوحيدة هي إبلاغه الناس رسالة ذات روعة أدبية لا مثيل لها، فمن هو ذلك الرجل المكلّف بالمهام الثقيلة العبء وهي حمل النور إلى عرب الحجاز في أوائل القرن السابع ؟ إن محمدًا [عليه الصلاة والسلام] لا يبدو في القرآن إطلاقًا، منعمًا عليه بمواهب تنزهه عن الصفات الإنسانية، فهو لا يستطيع في نظر معاصريه المشركين أن يفخر بالاستغناء عن حاجات هي حاجاتهم، وهو يصرّح بفخر أنه لم يكن سوى مخلوق فان: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [الكهف 110]. وهو لم يتلق أي قدرة على صنع المعجزات، ولكنه انتخب ليكون منذرًا ومبشرًا للكافرين. إن نجاح رسالته مرتبط إذن في قيمتها الإحيائية وإلى شكلها المنقطع النظير. ولم يكن محمد [عليه الصلاة والسلام] رغم ذلك، صاحب بيان ولا شاعرًا، فإن الأخبار التي روت سيرته لم تحسن الاحتفاظ بذكرى مفاخراته الشخصية، وثمة عوامل تحملنا على الشك فيما إذا كان عرف استعمال السجع، أو أنه تلقى من السماء فنّ ارتجال الشعر. وعندما قال عنه المكّيّون المشركون أنه شاعر، أو حين عرّضوا بأن مصدر الوحي جنّي معروف أزال الله عنه هذه التهمة: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ، لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس 69–70]. وهكذا يطرح هذا الوحي البالغ جماله حد الإعجاز، الواثق بحمل الناس بقوة بيانه على الهداية، كظاهرة لا علاقة لها بالفصاحة ولا الشعر"(1).

[ 2 ]

".. أما عن انتصار الإسلام فثمَّة أسباب تداخلت وفي طليعتها القرآن والسنة وحالة الحجاز الدينية، ونصح وبيان وأمانة الرجل المرسل لإبلاغ الرسالة المنزلة عليه.."(2).

___________________________________

(1)     تاريخ الأدب العربي ، 2 / 14 – 15 .

(2)     نفسه ، 2 / 50 .

مارسيل بوازار

[ 1 ]

"سبق أن كتب كل شيء عن نبي الإسلام [صلى الله عليه وسلم]، فأنوار التاريخ تسطع على حياته التي نعرفها في أدق تفاصيلها. والصورة التي خلفها محمد [صلى الله عليه وسلم] عن نفسه تبدو، حتى وإن عمد إلى تشويهها، علمية في الحدود التي تكشف فيها وهي تندمج في ظاهرة الإسلام عن مظهر من مظاهر المفهوم الديني وتتيح إدراك عظمته الحقيقية.."(1).

[ 2 ]

"لم يكن محمد [صلى الله عليه وسلم] على الصعيد التاريخي مبشرًا بدين وحسب بل كان كذلك مؤسس سياسة غيّرت مجرى التاريخ، وأثرت في تطور انتشار الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق.."(2).

[ 3 ]

"منذ استقر النبي محمد [صلى الله عليه وسلم] في المدينة، غدت حياته جزءًا لا ينفصل من التاريخ الإسلامي. فقد نقلت إلينا أفعاله وتصرفاته في أدق تفاصيلها.. ولما كان منظمًا شديد الحيوية، فقد أثبت نضالية في الدفاع عن المجتمع الإسلامي الجنيني، وفي بث الدعوة.. وبالرغم من قتاليته ومنافحته، فقد كان يعفو عند المقدرة، لكنه لم يكن يلين أو يتسامح مع أعداء الدين. ويبدو أن مزايا النبي الثلاث، الورع والقتالية والعفو عند المقدرة قد طبعت المجتمع الإسلامي في إبان قيامه وجسّدت المناخ الروحي للإسلام.. وكما يظهر التاريخ الرسول [صلى الله عليه وسلم] قائدًا عظيم ملء قلبه الرأفة، يصوره كذلك رجل دولة صريحًا قوي الشكيمة له سياسته الحكيمة التي تتعامل مع الجميع على قدم المساواة وتعطي كل صاحب حق حقه. ولقد استطاع بدبلوماسيته ونزاهته أن ينتزع الاعتراف بالجماعة الإسلامية عن طريق المعاهدات في الوقت الذي كان النصر العسكري قد بدأ يحالفه. وإذا تذكرنا أخيرًا على الصعيد النفساني هشاشة السلطان الذي كان يتمتع به زعيم من زعماء العرب، والفضائل التي كان أفراد المجتمع يطالبونه بالتحلي بها، استطعنا أن نستخلص أنه لابدّ أن يكون محمد [صلى الله عليه وسلم] الذي عرف كيف ينتزع رضا أوسع الجماهير به إنسانًا فوق مستوى البشر حقًا، وأنه لابد أن يكون نبيًا حقيقيًا من أنبياء الله"(3).

[ 4 ]

".. لقد كان محمد [صلى الله عليه وسلم] نبيًا لا مصلحًا اجتماعيًا. وأحدثت رسالته في المجتمع العربي القائم آنذاك تغييرات أساسية ما تزال آثارها ماثلة في المجتمع الإسلامي المعاصر.."(4).

[ 5 ]

".. مما لا ريب فيه أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] قد اعتبر، بل كان في الواقع، ثائرًا في النطاق الذي كان فيه كل نبي ثائرًا بوصفه نبيًا، أي بمحاولته تغيير المحيط الذي يعيش فيه.."(5).

___________________________________

(1)     إنسانية الإسلام ، ص 40 – 41 .

(2)     نفسه ، ص 42 .

(3)     نفسه ، ص 46 .

(4)     نفسه ، ص 61 .

(5)     نفسه ، ص 66 .

توينبي(1)

[ 1 ]

"لقد كرّس محمد [صلى الله عليه وسلم] حياته لتحقيق رسالته في كفالة هذين المظهرين في البيئة الاجتماعية العربية [وهما الوحدانية في الفكرة الدينية، والقانون والنظام في الحكم]. وتم ذلك فعلاً بفضل نظام الإسلام الشامل الذي ضم بين ظهرانيه الوحدانية والسلطة التنفيذية معًا.. فغدت للإسلام بفضل ذلك قوة دافعة جبارة لم تقتصر على كفالة احتياجات العرب ونقلهم من أمة جهالة إلى أمة متحضرة، بل تدفق الإسلام من حدود شبه الجزيرة، واستولى على العالم السوري بأسره من سواحل الأطالسي إلى شواطئ السهب الأوراسي.."(2).

[ 2 ]

".. لقد أخذت سيرة الرسول العربي [صلى الله عليه وسلم] بألباب أتباعه، وسمت شخصيته لديهم إلى أعلى علّيين، فآمنوا برسالته إيمانًا جعلهم يتقبلون ما أوحي به إليه وأفعاله كما سجّلتها السنة، مصدرًا للقانون، لا يقتصر على تنظيم حياة الجماعة الإسلامية وحدها، بل يرتب كذلك علاقات المسلمين الفاتحين برعاياهم غير المسلمين الذين كانوا في بداية الأمر يفوقونهم عددًا"(3).

___________________________________

(1)  آرنولد توينبي                            Arnold Toynbee

المؤرخ البريطاني المعاصر، الذي انصبت معظم دراساته على تاريخ الحضارات، وكان أبرزها – ولا ريب – مؤلفه الشهير (دراسة للتاريخ) الذي شرع يعمل فيه منذ عام 1921 وانتهى منه عام 1961، وهو يتكون من اثني عشر جزءًا عرض فيها توينبي لرؤيته الحضارية للتاريخ. ولقد وضع المستر سومر فيل – تحت إشراف توينبي نفسه – مختصرًا في جزأين لهذا العمل الواسع بسط فيه جميع آراء المؤلف مستخدمًا عباراته الأصلية في معظم الأحيان، وحذف الكثير من الأمثلة والآراء دون إخلال بالسياق العام للكتاب، وهذا المختصر هو الذي ترجم إلى العربية في أربعة أجزاء، وهو الذي اعتمدناه هنا.

(2)  مختصر دراسة للتاريخ 10 / 381 .

(3)  نفسه ، 3 / 98 .

فيليب حتي

[ 1 ]

"إن اللغة العربية هي لغة القرآن التي كانت الأساس الذي قامت عليه أمة جديدة أخرجت للناس، أمة جاءت بها بعثة محمد [صلى الله عليه وسلم] من قبائل متنافرة متنازعة لم يقدّر لها من قبل أن تجتمع على رأي واحد. وهكذا استطاع رسول الإسلام [صلى الله عليه وسلم] أن يضيف حدًا جديدًا (رابعًا) إلى المأثرة الحضارية ذات الحدود الثلاثة من الدين والدولة والثقافة، ذلك الحد الرابع الجديد كان (إيجاد أمة ذات لغة فوق اللغات).."(1).

[ 2 ]

"إن إقامة الأخوة في الإسلام مكان العصبية الجاهلية (القائمة على الدم والقرابة) للبناء الاجتماعي كان في الحقيقة عملاً جريئًا جديدًا قام به النبي العربي [صلى الله عليه وسلم].."(2).

[ 3 ]

"في الكتاب المعاصرين لنا نفرٌ يحاولون أن يكتشفوا الأعمال الباهرة (التي حققها محمد صلى الله عليه وسلم) أو أن يعالجوا حياته الزوجية على أساس من التحليل النفسي، فلا يزيدون على أن يضيفوا إلى أوجه التحامل وإلى الآراء الهوائية أحكامًا من زيف العلم.."(3).

[ 4 ]

"صفات محمد [صلى الله عليه وسلم] مثبتة في القرآن بدقة بالغة فوق ما نجد في كل مصدر آخر. إن المعارك التي خاضها والأحكام التي أبرمها والأعمال التي قام بها لا تترك مجالاً للريب في الشخصية القوية والإيمان الوطيد والإخلاص البالغ وغير ذلك من الصفات التي خلقت الرجال القادة في التاريخ. ومع أنه كان في دور من أدوار حياته يتيمًا فقيرًا، فقد كان في قلبه دائمًا سعة لمؤاساة المحرومين في الحياة"(4).

[ 5 ]

"إذا نحن نظرنا إلى محمد [صلى الله عليه وسلم] من خلال الأعمال التي حققها، فإن محمدًا الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة والمجاهد يبدو لنا بكل وضوح واحدًا من أقدر الرجال في جميع أحقاب التاريخ. لقد نشر دينًا هو الإسلام، وأسس دولة هي الخلافة، ووضع أساس حضارة هي الحضارة العربية الإسلامية، وأقام أمة هي الأمة العربية. وهو لا يزال إلى اليوم قوة حية فعالة في حياة الملايين من البشر"(5).

___________________________________

(1)     الإسلام منهج حياة ، ص 19 – 20 .

(2)     نفسه ، ص 51 .

(3)     نفسه ، ص 54 .

(4)     نفسه ، ص 54 .

(5)     نفسه ، ص 56 .

جورج حنا

[ 1 ]

".. كان محمد [صلى الله عليه وسلم] يخرج من سويعات [لقائه مع جبريل عليه السلام] بآيات تنطق بالحكمة، داعيًا قومه إلى الرجوع عن غيّهم، والإيمان بالإله الواحد الكليّ القدرة، صابًا النقمة على الآلهة الصنمية، التي كان القوم يعبدونها فكان طبيعيًا أن يحقد عليه أشراف العرب ويضمروا له الشر، لما كان في دعوته من خطر على زعامتهم، وهي ما كانت قائمة إلا على التعبد للأصنام التي جاء هذا الرجل يدعو إلى تحطيمها. لكن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لم يكن يهادن في بث دعوته، ولم يكن يسكت عن اضطهاد أشراف قريش له، بل كان يتحداهم، فيزدادون حقدًا عليه وتآمرًا على حياته. فلم تلبث دعوته حتى تحولت من دعوة سلمية إلى دعوة نضالية. إنه لم يرض بأن يحوّل خدّه الأيسر لمن يضربه على خدّه الأيمن.. بل مشى في طريقه غير هيّاب، في يده الواحدة رسالة هداية، يهدي بها من سالموه، وفي يده الثانية سيف يحارب به من يحاربوه. لقد آمن به نفر قليل في بداية الدعوة، وكان نصيب هذا النفر مثل نصيبه من الاضطهاد والتكفير.. كان هؤلاء باكورة الديانة الإسلامية، والشعلة التي انطلقت منها رسالة محمد [صلى الله عليه وسلم]"(1).

[ 2 ]

"كان محمد [صلى الله عليه وسلم] في المدينة أكثر اطمئنانًا على نفسه وعلى أتباعه ورسالته مما كان في مكة.. كانت يثرب مدينة العامة التابعة، لا مدينة الخاصة المتبوعة. والعامة دائمًا أقرب إلى اقتباس كلمة الحق من الخاصة، لا سيما إذا كانت كلمة الحق هذه، تحررها من عبوديتها للخاصة"(2).

[ 3 ]

"محمد بن عبد الله [صلى الله عليه وسلم] كان ثائرًا، عندما أبى أن يماشي أهل الصحراء في عبادة الأصنام وفي عاداتهم الهمجية وفي مجتمعهم البربري. فأضرمها حربًا لا هوادة فيها على جاهلية المشركين وأسيادهم وآلهتهم. فكفره قومه واضطهدوه وأضمروا له الموت. فهاجر تحت جنح الليل مع نفر من أتباعه، وما تخلى عن النضال في نشر دعوته، وما أحجم عن تجريد السيف من أجلها. فأخرج من جاهلية الصحراء عقيدة دينية واجتماعية تجمع بين مئات الملايين من البشر في أقطار المعمورة"(3).

___________________________________

(1)     قصة الإنسان ، ص 76 .

(2)     نفسه ، ص 77 .

(3)     نفسه ، ص 252 .

أميل درمنغم

[ 1 ]

".. إذا كانت كل نفس بشرية تنطوي على عبرة وإذا كان كل موجود يشتمل على عظة فما أعظم ما تثيره فينا من الأثر الخاص العميق المحرك الخصيب حياة رجل يؤمن برسالته فريق كبير من بني الإنسان!"(1).

[ 2 ]

".. ولد لمحمد [صلى الله عليه وسلم]، من مارية القبطية] ابنه إبراهيم فمات طفلاً، فحزن عليه كثيرًا ولحده بيده وبكاه، ووافق موته كسوف الشمس فقال المسلمون: إنها انكسفت لموته، ولكن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان من سموّ النفس ما رأى به ردّ ذلك فقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد..) فقول مثل هذا مما لا يصدر عن كاذب دجال.."(2).

[ 3 ]

".. تجلت بهذه الرحلة الباهرة [حجة الوداع] ما وصلت إليه من العظمة والسؤدد رسالة ذلك النبي الذي أنهكه اضطهاد عشر سنين وحروب عشر سنين أخرى بلا انقطاع، وهو النبي الذي جعل من مختلف القبائل المتقاتلة على الدوام أمة واحدة.."(3).

[ 4 ]

"[إن] محمدًا [صلى الله عليه وسلم] الذي خلق القيادة لم يطلب معاصريه بغير ما يفرض عليهم من الطاعة لرجل يبلّغهم رسالات الله، فهو بذلك واسطة بين الله رب العالمين والناس أجمعين.. وكان ينهى عن عدّه ملكًا.. ولقد نال السلطان والثراء والمجد، ولكنه لم يغتر بشيء من هذا كله فكان يفضل إسلام رجل على أعظم الغنائم، ومما كان يمضه عجز كثير من الناس عن إدراك كنه رسالته.."(4).

[ 5 ]

".. الحق أن النبي [صلى الله عليه وسلم] لم يعرف الراحة ولا السكون بعد أن أوحي إليه في غار حراء، فقضى حياة يعجب الإنسان بها، والحق أن عشرين سنة كفت لإعداد ما يقلب الدنيا، فقد نبتت في رمال الحجاز الجديبة حبة سوف تجدد، عما قليل، بلاد العرب وتمتد أغصانها إلى بلاد الهند والمحيط الأطلنطي. وليس لدينا ما نعرف به أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] أبصر، حين أفاض من جبل عرفات، مستقبل أمته وانتشار دينه، وأنه أحسّ ببصيرته أن العرب الذين ألّف بينهم سيخرجون من جزيرتهم لفتح بلاد فارس والشام وأفريقية وإسبانية"(5).

___________________________________

(1)     حياة محمد ، ص 8 .

(2)     نفسه ، ص 318 .

(3)     نفسه ، ص 359 .

(4)     نفسه ، ص 360 .

(5)     نفسه ، ص 368 – 369 .

دُرّاني(1)

[ 1 ]

"أستطيع أن أقول بكل قوة أنه لا يوجد مسلم جديد واحد لا يحمل في نفسه العرفان بالجميل لسيدنا محمد [صلى الله عليه وسلم] لما غمره به من حب وعون وهداية وإلهام فهو القدوة الطيبة التي أرسلها الله رحمة لنا وحبًا بنا حتى نقتفي أثره"(2).

[ 2 ]

".. وأخيراً أخذت أدرس حياة النبي محمد [صلى الله عليه وسلم] فأيقنت أن من أعظم الآثام أن نتنكر لذلك الرجل الرباني الذي أقام مملكة لله بين أقوام كانوا من قبل متحاربين لا يحكمهم قانون، يعبدون الوثن، ويقترفون كل الأفعال المشينة، فغير طرق تفكيرهم، لا بل بدل عاداتهم وأخلاقهم، وجمعهم تحت راية واحدة وقانون واحد ودين واحد وثقافة واحدة وحضارة واحدة وحكومة واحدة، وأصبحت تلك الأمة، التي لم تنجب رجلاً عظيمًا واحدًا يستحق الذكر منذ عدة قرون، أصبحت تحت تأثيره وهديه تنجب ألوفًا من النفوس الكريمة التي انطلقت إلى أقصى أرجاء المعمورة تدعو إلى مبادئ الإسلام وأخلاقه ونظام الحياة الإسلامية وتعلم الناس أمور الدين الجديد"(3).

[ 3 ]

".. تحمل [صلى الله عليه وسلم] ثلاثة عشر عامًا كاملةً من المتاعب [في مكة] دون انقطاع، وثمانية سنوات [في المدينة] دون توقف، فتحمل ذلك كله، فلم يتزحزح شعرة عن موقفه، وكان صامدًا، رابط الجأش، صلبًا في أهدافه وموقفه. عرضت عليه أمته أن تنصبه ملكًا عليها وأن تضع عند قدميه كل ثروات البلاد إذا كف عن الدعوة إلى دينه ونشر رسالته. فرفض هذه الإغراءات كلها فاختار بدلاً من ذلك أن يعاني من أجل دعوته. لماذا؟ لماذا لم يكترث أبدًا للثروات والجاه والملك والمجد والراحة والدعة والرخاء ؟ لابدّ أن يفكر المرء في ذلك بعمق شديد إذا أراد أن يصل إلى جواب عليه"(4).

[ 4 ]

"هل بوسع المرء أن يتصور مثالاً للتضحية بالنفس وحب الغير والرأفة بالآخرين أسمى من هذا المثال حيث نجد رجلاً يقضي على سعادته الشخصية لصالح الآخرين، بينما يقوم هؤلاء القوم أنفسهم الذين يعمل على تحسين أحوالهم ويبذل أقصى جهده في سبيل ذلك يقومون برميه بالحجارة والإساءة إليه ونفيه وعدم إتاحة الفرصة له للحياة الهادئة حتى في منفاه، وأنه رغم كل ذلك يرفض أن يكف عن السعي لخيرهم؟ هل يمكن لأحد أن يتحمل كل هذا العناء والألم من أجل دعوة السعي لخيرهم؟ هل يمكن لأحد أن يتحمل كل هذا العناء والألم من أجل دعوة مزيفة؟ هل يستطيع أي مدخول غير مخلص.. أن يبدي هذا الثبات والتصميم على مبدئه والتمسك به حتى آخر رمق دون أدنى وجل أو تعثر أمام الأخطار وصنوف التعذيب التي يمكن تصورها وقد قامت عليه البلاد بأكملها وحملت السلاح ضده؟"(5).

[ 5 ]

"إن هذا الإيمان وهذا السعي الحثيث وهذا التصميم والعزم الذي قاد به محمد [صلى الله عليه وسلم] حركته حتى النصر النهائي، إنما هو برهان بليغ على صدقه المطلق في دعوته. إذ لو كانت في نفسه أدنى لمسة من شك أو اضطراب لما استطاع أبدًا أن يصمد أمام العاصفة التي استمرّ أوارها أكثر من عشرين عامًا كاملة. هل بعد هذا من برهان على صدق كامل في الهدف واستقامة في الخلق وسموّ في النفس كل هذه العوامل تؤدي لا محالة إلى الاستنتاج الذي لا مفر منه وهو أن هذا الرجل هو رسول الله حقًا. هذا هو نبينا محمد [صلى الله عليه وسلم] إذ كان آية في صفاته النادرة ونموذجًا كاملاً للفضيلة والخير، ورمزًا للصدق والإخلاص.. [إن] حياته وأفكاره وصدقه واستقامته، وتقواه وجوده، وعقيدته ومنجزاته، كل أولئك براهين فريدة على نبوته. فأي إنسان يدرس دون تحيّز حياته ورسالته سوف يشهد أنه حقًا رسول من عند الله، وأن القرآن الذي جاء به للناس هو كتاب الله حقًا. وكل مفكر منصف جاد يبحث عن الحقيقة لابدّ أن يصل إلى هذا الحكم"(6).

___________________________________

(1)  الدكتور م. ج. دُرّاني                       Dr. M. H. Durrani

سليل أسرة مسلمة منذ القدم، أصبح نصرانيًا في فترة مبكرة من حياته وتحت تأثير إحدى المدارس التبشيرية المسيحية، وقضى ردحًا من حياته في كنيسة إنكلترا، حيث عمل قسيسًا منذ عام 1939 وحتى عام 1963 حيث جاءه الإسلام "كما يأتي فصل الربيع"، فعاد إلى دين آبائه وأجداده.

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 27 – 28 .

(3)     نفسه ، 4 / 28 – 29 .

(4)     نفسه ، 4 / 29 – 30 .

(5)     نفسه ، 4 / 30 .

(6)     نفسه ، 4 / 30 – 31 .

سانتيلانا(1)

[ 1 ]

"ما كان من محمد [صلى الله عليه وسلم] إلا أن تناول المجتمع العربي هدمًا من أصوله وجذوره وشاد صرحًا اجتماعيًا جديدًا.. هذا العمل الباهر لم تخطئه عين (ابن خلدون) النفاذة الثاقبة. إن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] هدم شكل القبيلة والأسرة المعروفين آنذاك، ومحا منه الشخصية الفردية Gentes والموالاة والجماعات المتحالفة. من يعتنق دين الإسلام عليه أن ينشئ روابطه كلها ومنها رابطة قرباه وأسرته، إلا إذا كانوا يعتنقون دينه (إخوته في الإيمان). فما داموا هم على دينهم القديم فإنه يقول لهم كما قال إبراهيم [عليه السلام] لأهله: (لقد تقطعت بيننا الأسباب.."(2).

[ 2 ]

"كان محمد [صلى الله عليه وسلم] رسول الله إلى الشعوب الأخرى، كما كان رسول الله إلى العرب"(3).

____________________________________

(1)  دافيد دي سانتيلانا ( 1845 – 1931 )                  David de Santillana

ولد في تونس، ودرس في روما، أحرز الدكتوراه في القانون، فدعاه المقيم العام الفرنسي في تونس لدراسة وتدوين القوانين التونسية، فوضع القانونين المدني والتجاري معتمدًا بذلك على قواعد الشريعة الإسلامية ومنسقًا إياهما بحسب القوانين الأوروبية. كان على معرفة واسعة بالمذهبين المالكي والشافعي، وفي سنة 1910 عين أستاذًا لتاريخ الفلسفة في الجامعة المصرية، وله محاضرات قيمة فيها. ثم استدعته جامعة روما لتدريس التاريخ الإسلامي.

من آثاره: (ترجمة وشرح الأحكام المالكية)، كتاب (الفقه الإسلامي ومقارنته بالمذهب الشافعي).. إلخ.

(2)  تراث الإسلام ( إشراف سير توماس آرنولد )، ص 405 – 406 .

(3) نفسه ، ص 406 .

هنري دي فاستري

[ 1 ]

"إن أشد ما نتطلع إليه بالنظر على الديانة الإسلامية ما اختص منها بشخص النبي [صلى الله عليه وسلم] ولذلك قصدت أن يكون بحثي أولاً في تحقيق شخصيته وتقرير حقيقته الأدبية علّني أجد في هذا البحث دليلاً جديدًا على صدقه وأمانته المتفق تقريبًا عليها بين جميع مؤرخي الديانات وأكبر المتشيعين للدين المسيحي"(1).

[ 2 ]

"ثبت إذن أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لم يقرأ كتابًا مقدسًا ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه.."(2).

[ 3 ]

".. ولقد نعلم أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] مرّ بمتاعب كثيرة وقاسى آلامًا نفسية كبرى قبل أن يخبر برسالته، فقد خلقه الله ذا نفس تمحّضت للدين ومن أجل ذلك احتاج إلى العزلة عن الناس لكي يهرب من عبادة الأوثان ومذهب تعدد الآلهة الذي ابتدعه المسيحيون وكان بغضهما متمكنًا من قلبه وكان وجود هذين المذهبين أشبه بإبرة في جسمه [صلى الله عليه وسلم] ولعمري فيم كان يفكر ذلك الرجل الذي بلغ الأربعين وهو في ريعان الذكاء ومن أولئك الشرقيين الذين امتازوا في العقل بحدة التخيّل وقوة الإدراك.. إلا أن يقول مرارًا ويعيد تكرارًا هذه الكلمات (الله أحد الله أحد). كلمات رددها المسلمون أجمعون من بعده وغاب عنا معشر المسيحيين مغزاها لبعدنا عن فكرة التوحيد.."(3).

[ 4 ]

".. لو رجعنا إلى ما وضحه الحكماء عن النبوة ولم يقبل المتكلمون من المسيحيين لأمكننا الوقوف على حالة مشيد دعائم الإسلام وجزمنا بأنه لم يكن من المبتدعين.. ومن الصعب أن تقف على حقيقة سماعه لصوت جبريل [عليه السلام].. إلا أن معرفة هذه الحقيقة لا تغير موضوع المسألة لأن الصدق حاصل في كل حال"(4).

[ 5 ]

"لا يمكن أن ننكر على محمد [صلى الله عليه وسلم] في الدور الأول من حياته كمال إيمانه وإخلاص صدقه، فأما الإيمان فلن يتزعزع مثقال ذرة من قلبه في الدور الثاني [الدور المدني] وما أُوتيه من نصر كان من شأنه أن يقويه على الإيمان لولا أن الاعتقاد كله قد بلغ منه مبلغًا لا محل للزيادة فيه.. وما كان يميل إلى الزخارف ولم يكن شحيحًا.. وكان قنوعًا خرج من [الدنيا] ولم يشبع من خبز الشعير مرة في حياته.. تجرد من الطمع وتمكن من نوال المقام الأعلى في بلاد العرب ولكنه لم يجنح إلى الاستبداد فيها، فلم يكن له حاشية ولم يتخذ وزيرًا ولا حشما، وقد احتقر المال.."(5).

____________________________________

(1)     الإسلام: خواطر وسوانح ، ص 6 .

(2)     نفسه ، ص 16 .

(3)     نفسه ، ص 16 – 17 .

(4)     نفسه ، ص 21 .

(5)     نفسه ، ص 24 .

اينين دينيه

[ 1 ]

"إن الشخصية التي حملها محمد [صلى الله عليه وسلم] بين برديه كانت خارقة للعادة وكانت ذات أثر عظيم جدًا حتى إنها طبعت شريعته بطابع قوي جعل لها روح الإبداع وأعطاها صفة الشيء الجديد.."(1).

[ 2 ]

"إن نبي الإسلام هو الوحيد من بين أصحاب الديانات الذي لم يعتمد في إتمام رسالته على المعجزات وليست عمدته الكبرى إلا بلاغة التنزيل الحكيم.."(2).

[ 3 ]

".. إن سنة الرسول الغرّاء [صلى الله عليه وسلم] باقية إلى يومنا هذا، يجلوها أعظم إخلاص ديني تفيض به نفوس [مئات الملايين] من أتباع سنته منتشرين على سطح الكرة(3).

[ 4 ]

"كان النبي [صلى الله عليه وسلم] يعنى بنفسه عناية تامة، إلى حد أن عرف له نمط من التأنق على غاية من البساطة، ولكن على جانب كبير من الذوق والجمال، وكان ينظر نفسه في المرآة.. ليتمشط أو ليسوي طيات عمامته.. وهو في كل ذلك يريد من حسن منظره البشري أن يروق الخالق سبحانه وتعالى.."(4).

[ 5 ]

"لقد (دعا) عيسى [عليه السلام] إلى المساواة والأخوة، أما محمد [صلى الله عليه وسلم] فوفق إلى (تحقيق) المساواة والأخوة بين المؤمنين أثناء حياته"(5).

____________________________________

(1)     أشعة خاصة بنور الإسلام ، ص 15 .

(2)     نفسه ، ص 16 .

(3)     محمد رسول الله ، ص 51 .

(4)     نفسه ، ص 312 .

(5)     نفسه ، ص 323 .

ول ديورانت

[ 1 ]

".. يبدو أن أحدًا لم يعن بتعليم [محمد صلى الله عليه وسلم] القراءة والكتابة.. ولم يعرف عنه أنه كتب شيئًا بنفسه.. ولكن هذا لم يحل بينه وبين قدرته على تعرف شؤون الناس تعرفًا قلّما يصل إليه أرقى الناس تعليمًا"(1).

[ 2 ]

"كان النبي [صلى الله عليه وسلم] من مهرة القواد.. ولكنه كان إلى هذا سياسيًا محنكًا، يعرف كيف يواصل الحرب بطريق السلم"(2).

[ 3 ]

"إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا إن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان من أعظم عظماء التاريخ، فلقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحًا لم يدانه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله، وقلّ أن نجد إنسانًا غيره حقق ما كان يحلم به.. ولم يكن ذلك لأنه هو نفسه كان شديد التمسك بالدين وكفى، بل لأنه لم يكن ثمة قوة غير قوة الدين تدفع العرب في أيامه إلى سلوك ذلك الطريق الذي سلكوه.. وكانت بلاد العربي لما بدأ الدعوة صحراء جدباء، تسكنها قبائل من عبدة الأوثان قليل عددها، متفرقة كلمتها، وكانت عند وفاته أمة موحدة متماسكة. وقد كبح جماح التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية والمسيحية، ودين بلاده القديم، دينًا سهلاً واضحًا قويًا، وصرحًا خلقيًا وقوامه البسالة والعزة القومية. واستطاع في جيل واحد أن ينتصر في مائة معركة، وفي قرن واحد أن ينشئ دولة عظيمة، وأن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم في نصف العالم"(3).

[ 4 ]

".. لسنا نجد في التاريخ كله مصلحًا فرض على الأغنياء من الضرائب ما فرضه عليهم محمد [صلى الله عليه وسلم] لإعانة الفقراء.."(4).

[ 5 ]

"تدل الأحاديث النبوية على أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان يحث على طلب العلم ويعجب به، فهو من هذه الناحية يختلف عن معظم المصلحين الدينيين.."(5).

____________________________________

(1)     قصة الحضارة ، 13 / 21 – 22 .

(2)     نفسه ، 13 / 38 .

(3)     نفسه ، 13 / 47 .

(4)     نفسه ، 13 / 59 .

(5)     نفسه ، 13 / 167 .

رودنسن(1)

".. [بظهور عدد من المؤرخين الأوروبيين المستنيرين في القرن الثامن عشر] بدأت تتكامل معالم صورة هي صورة محمد [صلى الله عليه وسلم] الحاكم المتسامح والحكيم والمشرع"(2).

____________________________________

(1)  مكسيم رودنسن               

ولد عام 1915، من أساتذة مدرسة الدراسات العليا بباريس، ثم مديرها.

من آثاره: (مباحث في فن الطبخ عند العرب) (1949). ونشر عددًا من الدراسات في المجلات المعروفة من مثل (دانتي والإسلام)، و(حياة محمد والمشكلة الاجتماعية المتعلقة بأصول الإسلام)، و(دراسة الصلات بين الإسلام والشيوعية).

(2)  تراث الإسلام ، (تصنيف شاخت وبوزوث)، 1 / 67 – 68 .

فرانز روزنثال

[ 1 ]

"إن أفكار الرسول [صلى الله عليه وسلم] التي تلقاها وحيًا أو التي أدى إليها اجتهاده نشّطت دراسة التاريخ نشاطًا لا مزيد عليه، فقد أصبحت أعمال الأفراد وأحداث الماضي وحوادث كافة شعوب الأرض أمورًا ذات أهمية دينية، كما أن شخصية الرسول [صلى الله عليه وسلم] كانت خطًا فاصلاً واضحًا في كل مجرى التاريخ، ولم يتخط علم التاريخ الإسلامي هذا الخط قط.."(1).

[ 2 ]

"تبقى حقيقة، هي أن الرسول [صلى الله عليه وسلم] نفسه وضع البذور التي نجني منها اهتمامًا واسعًا بالتاريخ.. لقد كان التاريخ يملأ تفكير الرسول [صلى الله عليه وسلم] لدرجة كبيرة، وقد ساعد عمله من حيث العموم في تقديم نمو التاريخ الإسلامي في المستقبل، رغم أن الرسول [صلى الله عليه وسلم] لم يتنبأ بالنمو الهائل للمعرفة والعلم الذي سيتم باسم دينه"(2).

____________________________________

(1)     علم التاريخ عند المسلمين ، ص 40 .

(2)     نفسه ، ص 45 .

جاك ريسلر

[ 1 ]

"القرآن يكمله الحديث الذي يعد سلسلة من الأقوال تتعلق بأعمال النبي [صلى الله عليه وسلم] وإرشاداته. وفي الحديث يجد المرء ما كان يدور بخلد النبي [صلى الله عليه وسلم]، العنصر الأساسي من سلوكه أمام الحقائق المتغيرة في الحياة، هذه الأقوال ، أو هذه الأحاديث التي يشكل مجموعها السنة دونت مما روي عن الصحابة [رضي الله عنهم] أو نقل عنهم مع التمحيص الشديد في اختيارها وهكذا جمع عدد كبير من الأحاديث.. والسنة هي المبينة للقرآن التي لا غنى عنها للقرآن.."(1).

[ 2 ]

".. كان لزامًا على محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يبرز في أقصر وقت ممكن تفوّق الشعب العربي عندما أنعم الله عليه بدين سام في بساطته ووضوحه، وكذلك بمذهبه الصارم في التوحيد في مواجهة التردد الدائم للعقائد الدينية. وإذا ما عرفنا أن هذا العمل العظيم أدرك وحقق في أقصر أجل أعظم أمل لحياة إنسانية فإنه يجب أن نعترف أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] يظل في عداد أعظم الرجال الذين شرف بهم تاريخ الشعوب والأديان"(2).

____________________________________

(1)     الحضارة العربية ، ص 32 .

(2)     نفسه ، ص 37 .

جورج سارتون

[ 1 ]

"صدع الرسول [صلى الله عليه وسلم] بالدعوة نحو عام 610م وعمره يوم ذاك أربعون سنة، وكان مثل إخوانه الأنبياء السابقين [عليهم السلام] ولكن كان أفضل منهم بما لا نسبة فيه.. وكان زاهدًا وفقيهًا ومشرعًا ورجلاً عمليًا.."(1).

[ 2 ]

"إنه لم يتح لنبي من قبل.. أن ينتصر انتصارًا تامًا كانتصار محمد [صلى الله عليه وسلم].."(2).

[ 3 ]

".. لم يكن محمد [صلى الله عليه وسلم] نبي الإسلام فحسب، بل نبي اللغة العربية والثقافة العربية، على اختلاف أجناس المتكلمين بها وأديانهم"(3).

____________________________________

(1)     الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط ، ص 29 – 30 – 31 .

(2)     نفسه ، ص 43 .

(3)     نفسه ، ص 43 .

نصري سلهب

[ 1 ]

"في مكة . . أبصر النور طفل لم يمرّ ببال أمة، ساعة ولادته، أنه سيكون أحمد أعظم الرجال في العالم بل في التاريخ، ولربما أعظمهم إطلاقًا.."(1).

[ 2 ]

"هنا عظمة محمد [صلى الله عليه وسلم]. لقد استطاع، خلال تلك الحقبة القصيرة من الزمن، أن يحدث شريعة خلقية وروحية واجتماعية لم يستطعها أحد في التاريخ بمثل تلك السرعة المذهلة"(2).

[ 3 ]

".. هذا الرجل الذي ما عرف الهدوء ولا الراحة ولا الاستقرار، استطاع وسط ذلك الخضم الهائج، أن يرسي قواعد دولة، وأن يشرّع قوانين ويسنّ أنظمة، ويجود بالتفسير والاجتهادات.. ولم ينس أنه أب وجد لأولاد وأحفاد، فلم يحرمهم عطفه وحنانه، فكان بشخصيته الفذة الغنية بالقيم والمعطيات والمؤهلات، المتعددة الأبعاد والجوانب، الفريدة بما أسبغ الله عليها من نعم وصفات، وبما حباها من إمكانات، كان بذلك كله، عالمًا قائمًا بنفسه"(3).

[ 4 ]

"تراثك يا ابن عبد الله ينبغي أن يُحيا، لا في النفوس والقلوب فحسب، بل في واقع الحياة، في ما يعاني البشر من أزمات وما يعترضهم من عقبات. تراثك مدرسة يلقى على منابرها كل يوم عظة ودرس. كل سؤال له عندك جواب. كل مشكلة مهما استعصت وتعقدت، نجد لها في آثارك حلاً"(4).

[ 5 ]

".. لم يكن النبي [صلى الله عليه وسلم] رسولاً وحسب، يهدي الناس إلى الإيمان، إنما كان زعيمًا وقائد شعب، فعزم على أن يجعل من ذلك الشعب خير أمة أخرجت للناس. وكان له ما أراد"(5).

____________________________________

(1)     في خطى محمد ، ص 42 .

(2)     نفسه ، ص 196 .

(3)     نفسه ، ص 273 – 274 .

(4)     نفسه ، ص 396 .

(5)     نفسه ، ص 409 .

أحمد سوسة

[ 1 ]

".. أي غاية أسمى وأقرب إلى الإنسانية ودين الله من تلكم الغاية التي كان يرمي إليها الرسول [صلى الله عليه وسلم] في توحيد القلوب وإظهار الحقيقة ؟ لنتصور محمدًا [صلى الله عليه وسلم] وهو يملي على أهل الكتاب وحي الله قائلاُ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران 64].."(1).

[ 2 ]

".. إن نبي الإسلام شخصية تاريخية مبجلة. ما حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم] سوى سلسلة وقائع تاريخية عظيمة الشأن نبيلة المرمى يتجلى فيها مقامه السامي من الحلقة الإنسانية.."(2).

[ 3 ]

".. كان محمد [صلى الله عليه وسلم] أنموذجًا للحياة الإنسانية بسيرته وصدق إيمانه ورسوخ عقيدته القويمة. بل مثالاً كاملاً للأمانة والاستقامة وإن تضحياته في سبيل بث رسالته الإلهية خير دليل على سموّ ذاته ونبل مقصده وعظمة شخصيته وقدسية نبوته"(3).

"إن التاريخ ينبئنا أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] ضحى بكل شيء من أجل رسالته إذ أتيحت له مرات فرصة الاختيار بين أمرين أولهما حياة راحة وهناء وغنى على أن ينبذ [دعوته] وثانيهما حياة عسر واضطهاد مقرونة بنشر رسالته، وقد فضل الأمر الثاني لأن إيمانه برسالته كان قويًا وكان قد أوحي إليه بأنه قد اختاره ربه لبث هذه الرسالة على الإنسانية جمعاء فكان ما أراد الله له"(4).

___________________________________

(1)     في طريقي إلى الإسلام ، 1/72-73 .

(2)     نفسه ، ص 1/174 .

(3)     نفسه ، ص 1 / 174 – 175 .

(4)     نفسه ، 2 / 130 .

لويس سيديو

[ 1 ]

"لقد حلّ الوقت الذي توجه فيه الأنظار إلى تاريخ تلك الأمة التي كانت مجهولة الأمر في زاوية من آسية فارتقت إلى أعلى مقام فطبق اسمها آفاق الدنيا مدة سبعة قرون . ومصدر هذه المعجزة هو رجل واحد، هو محمد [صلى الله عليه وسلم].."(1).

[ 2 ]

".. لم يعد محمد [صلى الله عليه وسلم] نفسه غير خاتم لأنبياء الله [عليهم السلام] وهو قد أعلن أن عيسى بن مريم كان ذا موهبة في الاتيان بالمعجزات، مع أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لم يعط مثل هذه الموهبة، وما أكثر ما كان يعترض محتجًا على بعض ما يعزوه إليه أشد أتباعه حماسة من الأعمال الخارقة للعادة!"(2).

[ 3 ]

".. إن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] أثبت خلود الروح.. وهو مبدأ من أقوم مبادئ الأخلاق. ومن مفاخر محمد [صلى الله عليه وسلم] أن أظهره قويًا أكثر مما أظهره أي مشرّع آخر.."(3).

[ 4 ]

".. ما أكثر ما عرض محمد [صلى الله عليه وسلم] حياته للخطر انتصارًا لدعوته في عهده الأول بمكة، وهو لم ينفك عن القتال في واقعة أحد حتى بعد أن جرح جبينه وخده وسقطت ثنيتاه.. وهو قد أوجب النصر بصوته ومثاله في معركة حنين، ومن الحق أن عرف العالم كيف يحيي قوة إرادته ومتانة خلقه.. وبساطته، ومن يجهل أنه لم يعدل، إلى آخر عمره، عما يفرضه فقر البادية على سكانها من طراز حياة وشظف عيش؟ وهو لم ينتحل أوضاع الأمراء قط مع ما ناله من غنى وجاه عريض.. وكان [صلى الله عليه وسلم] حليمًا معتدلاً، وكان يأتي بالفقراء إلى بيته ليقاسمهم طعامه، وكان يستقبل بلطف ورفق جميع من يودّون سؤاله، فيسحر كلماءه بما يعلو وجهه الرزين الزاهر من البشاشة، وكان لا يضج من طول الحديث، وكان لا يتكلم إلا قليلاً فلا ينمّ ما يقول على كبرياء أو استعلاء، وكان يوحي في كل مرة باحترام القوم له.. ودلّ [صلى الله عليه وسلم] على أنه سياسي محنّك.."(4).

[ 5 ]

"بدت في بلاد العرب أيام محمد [صلى الله عليه وسلم] حركة غير مألوفة من قبل، فقد خضعت لسلطان واحد قبائل العرب الغيرى على استقلالها والفخورة بحياتها الفردية، وانضم بعض هذه القبائل إلى بعض فتألفت أمة واحدة"(5).

____________________________________

(1)     تاريخ العرب العام ، ص 15 .

(2)     نفسه ، ص 90 .

(3)     نفسه ، ص 93 .

(4)     نفسه ، ص 102 – 103 .

(5)     نفسه ، ص 123 .

هنري سيروي

[ 1 ]

"ومحمد [صلى الله عليه وسلم] لم يغرس في نفوس الأعراب مبدأ التوحيد فقط، بل غرس فيها أيضًا المدنية والأدب"(1).

[ 2 ]

"محمد [صلى الله عليه وسلم] شخصية تاريخية حقة، فلولاه ما استطاع الإسلام أن يمتد ويزداد، ولم يتوان في ترديد أنه بشر مثل الآخرين مآله الموت، وبأنه يطلب العفو والمغفرة من الله عز وجل. وقبل مماته أراد أن يظهر ضميره من كل هفوة أتاها فوقف على المنبر مخاطبًا: أيها المسلمون، إذا كنت قد ضربت أحدًا فهاكم ظهري ليأخذ ثأره، أو سلبته مالاً فمالي ملكه. فوقف رجل معلنًا أنه يدينه بثلاثة دراهم، فردّ الرسول [صلى الله عليه وسلم] قائلاً: أن يشعر الإنسان بالخجل في دنياه خيرٌ من آخرته. ودفع للرجل دينه في التو. وهذا التذوق والإحساس البالغ لفهم محمد [صلى الله عليه وسلم] لدوره كنبي يرينا بأن (رينان) كان على غير حق في نعته العرب قبل الإسلام بأنها أمة كانت تحيا بين براثين الجهل والخرافات.."(2).

[ 3 ]

"إن المحاولة الإسلامية في التاريخ ذات أثر كبير، والعبقرية العربية تجد في محمد [صلى الله عليه وسلم] منشئًا لحضارة التوحيد التي تعتبر ذات أهمية كبيرة، إذا فكرنا في القيمة الفلسفية للتوحيد، وفي تفوقها الكبير الذي جعل كل الشعوب الآرية تمارس أفكار تلكم الفلسفة. وهذه الثروة الروحية الغزيرة في الأمة العربية، راجعة إلى الغريزة النبوية والتي تعد واضحة لدى الشعوب السامية، فاليهود الذين يستطيعون الفخر بأنبيائهم الكبار، يقرون بأن روح النبوة قد اختفت لديهم بعد هدم معبدهم الثاني، وهذا ما يفسر بمعنى أكيد العداوة العنيفة والكثيرة التكرار في القرآن بالنسبة إليهم"(3).

[ 4 ]

".. إن الحضارة الفكرية الذهنية الحقيقية لم تظهر وتوجد – لدى العرب – إلا لدى وصول محمد [صلى الله عليه وسلم]"(4).

____________________________________

(1)     فلسفة الفكر الإسلامي ، ص 8 .

(2)     نفسه ، ص 17 .

(3)     نفسه ، ص 31 .

(4)     دفاع عن الإسلام ، ص 24 .

لورافيشيا فاغليري

[ 1 ]

".. كانت حملة كبيرة على سوريا.. رهن الإعداد، عندما أسكت الموت إلى الأبد صوت النبي [صلى الله عليه وسلم] الذي كان قد أحدث هذه الهزة العميقة في تلك القلوب كلها، والذي كان مقدرًا له أن يستهوي عما قريب شعوبًا أخرى تقيم في مواطن أكثر إمعانًا في البعد. وكان في السنة الحادية عشرة من الهجرة"(1).

[ 2 ]

"كان محمد [صلى الله عليه وسلم] المتمسك دائمًا بالمبادئ الإلهية شديد التسامح، وبخاصة نحو أتباع الأديان الموحدة. لقد عرف كيف يتذرع بالصبر مع الوثنيين، مصطنعًا الأناة دائمًا اعتقادًا منه بأن الزمن سوف يتم عمله الهادف إلى هدايتهم وإخراجهم من الظلام إلى النور.. لقد عرف جيدًا أن الله لابد أن يدخل آخر الأمر إلى القلب البشري"(2).

[ 3 ]

"حاول أقوى أعداء الإسلام، وقد أعماهم الحقد، أن يرموا نبي الله [صلى الله عليه وسلم] ببعض التهم المفتراة. لقد نسوا أن محمدًا كان قبل أن يستهل رسالته موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته. ومن عجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل كيف جاز أن يقوى محمد [صلى الله عليه وسلم] على تهديد الكاذبين والمرائين، في بعض آيات القرآن اللاسعة بنار الجحيم الأبدية، لو كان هو قبل ذلك [وحاشاه] رجلاً كاذبًا ؟ كيف جرؤ على التبشير، على الرغم من إهانات مواطنيه، إذا لم يكن ثمة قوى داخلية تحثه، وهو الرجل ذو الفطرة البسيطة، حثًا موصولاً ؟ كيف استطاع أن يستهل صراعًا كان يبدو يائسًا ؟ كيف وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشر سنوات، في مكة، في نجاح قليل جدًا ، وفي أحزان لا تحصى، إذا لم يكن مؤمنًا إيمانًا عميقًا بصدق رسالته ؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين النبلاء والأذكياء، وأن يؤازروه، ويدخلوا في الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالي إلى مجتمع مؤلف في كثرته من الأرقاء، والعتقاء، والفقراء المعدمين إذا لم يلمسوا في كلمته حرارة الصدق ؟ ولسنا في حاجة إلى أن نقول أكثر من ذلك، فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الإجماع على أن صدق محمد [صلى الله عليه وسلم] كان عميقًا وأكيدًا"(3).

[ 4 ]

"دعا الرسول العربي [صلى الله عليه وسلم] بصوت ملهم باتصال عميق بربه، دعا عبدة الأوثان وأتباع نصرانية ويهودية محرّفتين على أصفى عقيدة توحيدية. وارتضى أن يخوض صراعًا مكشوفًا مع بعض نزعات البشر الرجعية التي تقود المرء إلى أن يشرك بالخالق آلهة أخرى.."(4).

[ 5 ]

".. إن [محمدًا صلى الله عليه وسلم] طوال سنين الشباب التي تكون فيها الغريزة الجنسية أقوى ما تكون، وعلى الرغم من أنه عاش في مجتمع كمجتمع العرب، حيث كان الزواج، كمؤسسة اجتماعية، مفقودًا أو يكاد، وحيث كان تعدد الزوجات هو القاعدة، وحيث كان الطلاق سهلاً إلى أبعد الحدود، لم يتزوج إلا من امرأة واحدة ليس غير، هي خديجة [رضي الله عنها] التي كانت سنّها أعلى من سنّه بكثير، وأنه ظل طوال خمس وعشرين سنة زوجها المخلص المحب، ولم يتزوج كرة ثانية، وأكثر من مرة، إلا بعد أن توفيت خديجة، وإلا بعد أن بلغ الخمسين من عمره. لقد كان لكل زواج من زواجاته هذه سبب اجتماعي أو سياسي، ذلك بأنه قصد من خلال النسوة اللاتي تزوجهن إلى تكريم النسوة المتصفات بالتقوى، أو إلى إنشاء علاقات زوجية مع بعض العشائر والقبائل الأخرى ابتغاء طريق جديد لانتشار الإسلام وباستثناء عائشة [رضي الله عنها]، ليس غير، تزوج محمد [صلى الله عليه وسلم] من نسوة لم يكنّ لا عذارى، ولا شابات، ولا جميلات، فهل كان ذلك شهوانية ؟ لقد كان رجلاً لا إلهًا. وقد تكون الرغبة في الولد هي التي دفعته أيضًا إلى الزواج من جديد، لأن الأولاد الذين أنجبتهم خديجة [رضي الله عنها] له كانوا قد ماتوا. ومن غير أن تكون له موارد كثيرة أخذ على عاتقه النهوض بأعباء أسرة ضخمة، ولكنه التزم دائمًا سبيل المساواة الكاملة نحوهن جميعًا، ولم يلجأ قط إلى اصطناع حق التفاوت مع أي منهن. لقد تصرف متأسّيًا بسنة الأنبياء القدامى [عليهم السلام]، مثل موسى وغيره، الذين لا يبدو أن أحدًا من الناس يعترض على زواجهم المتعدد. فهل يكون مرد ذلك إلى أننا نجهل تفاصيل حياتهم اليومية، على حين نعرف كل شيء عن حياة محمد [صلى الله عليه وسلم] العائلية؟"(5).

____________________________________

(1)     نفسه ، ص 33 .

(2)     نفسه ، ص 73 .

(3)     نفسه ، ص 37 – 38 .

(4)     نفسه ، ص 43 .

(5)     نفسه ، ص 99 – 100 .

ليوبولد فايس

[ 1 ]

".. إن العمل بسنة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام. لقد كانت السنة الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وأنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أفيدْهِشُك أن يتقوض ذلك البناء، كأنه بيت من ورق؟"(1).

[ 2 ]

".. إن السنة هي المثال الذي أقامه لنا الرسول [صلى الله عليه وسلم] من أعماله وأقواله. إن حياته العجيبة كانت تمثيلاً حيًا وتفسيرًا لما جاء في القرآن الكريم، ولا يمكننا أن ننصف القرآن الكريم بأكثر من أن نتبع الذي قد بلّغ الوحي"(2).

[ 3 ]

".. إنه على الرغم من جميع الجهود التي بذلت في سبيل تحدي الحديث على أنه نظام ما، فإن أولئك النقاد العصريين من الشرقيين والغربيين لم يستطيعوا أن يدعموا انتقادهم العاطفي الخالص بنتائج من البحث العلمي. وأنه من الصعب أن يفعل أحد ذلك، لأن الجامعين لكتب الحديث الأولى، وخصوصًا الإمامين البخاري ومسلمًا قد قاموا بكل ما في طاقة البشر عند عرض صحة كل حديث على قواعد التحديث عرضًا أشد كثيرًا من ذلك الذي يلجأ إليه المؤرخون الأوربيون عادة عند النظر في مصادر التاريخ القديم"(3).

[ 4 ]

".. إن رفض الأحاديث الصحيحة، جملة واحدة أو أقسامًا، ليس حتى اليوم.. إلا قضية ذوق، قضية قصرت عن أن تجعل من نفسها بحثًا علميًا خالصًا من الأهواء.."(4).

[ 5 ]

".. إن العمل بالسنة [يجعل] كل شيء في حياتنا اليومية مبنيًا على الاقتداء بما فعله الرسول [صلى الله عليه وسلم] وهكذا نكون دائمًا، إذا فعلنا أو تركنا ذلك، مجبرين على أن نفكر بأعمال الرسول وأقواله المماثلة لأعمالنا هذه وعلى هذا تصبح شخصية أعظم رجل متغلغلة إلى حد بعيد في منهاج حياتنا اليومية نفسه، ويكون نفوذه الروحي قد أصبح العامل الحقيقي الذي يعتادنا طوال الحياة.."(5).

____________________________________

(1)     الإسلام على مفترق الطرق ، ص 87 .

(2)     نفسه ، ص 88 .

(3)     نفسه ، ص 92 .

(4)     نفسه ، ص 97 .

(5)     نفسه ، ص 109 .

كارلايل(1)

[ 1 ]

".. هل رأيتم قط .. أن رجلاً كاذبًا يستطيع أن يوجد دينًا عجبًا.. إنه لا يقدر أن يبني بيتًا من الطوب! فهو إذًا لم يكن عليمًا بخصائص الجير والجص والتراب وما شاكل ذلك فما ذلك الذي يبنيه ببيت وإنما هو تل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد، وليس جديرًا أن يبقى على دعائمه اثني عشر قرنًا يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن. وإني لأعلم أن على المرء أن يسير في جميع أموره طبق قوانين الطبيعة وإلا أبت أن تجيب طلبته.. كذب ما يذيعه أولئك الكفار وإن زخرفوه حتى تخيّلوه حقًا.. ومحنة أن ينخدع الناس شعوبًا وأممًا بهذه الأضاليل.."(2).

[ 2 ]

".. إن [محمدًا صلى الله عليه وسلم] لم يتلق دروسًا على أستاذ أبدًا وكانت صناعة الخطّ حديثة العهد آنذاك في بلاد العرب، ويظهر لي أن الحقيقة هي أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لم يكن يعرف الخط والقراءة، وكل ما تعلم هو عيشة الصحراء وأحوالها وكل ما وفق إلى معرفته هو ما أمكنه أن يشاهده بعينيه ويتلقى بفؤاده من هذا الكون العديم النهاية.. أنه لم يعرف من العالم ولا من علومه إلا ما تيسّر له أن يبصره بنفسه أو يصل إلى سمعه في ظلمات صحراء العرب، ولم يضره.. أنه لم يعرف علوم العالم لا قديمها ولا حديثها لأنه كان بنفسه غنيًا عن كل ذلك. ولم يقتبس محمد [صلى الله عليه وسلم] من نور أي إنسان آخر ولم يغترف من مناهل غيره ولم يك في جميع أشباهه من الأنبياء والعظماء – أولئك الذين أشبههم بالمصابيح الهادية في ظلمات الدهور – من كان بين محمد [صلى الله عليه وسلم] وبينه أدنى صلة وإنما نشأ وعاش وحده في أحشاء الصحراء.. بين الطبيعة وبين أفكاره"(3).

"لوحظ على محمد [صلى الله عليه وسلم] منذ [صباه] أنه كان شابًا مفكرًا وقد سمّاه رفقاؤه الأمين – رجل الصدق والوفاء – الصدق في أفعاله وأقواله وأفكاره. وقد لاحظوا أنه ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة. وإني لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام، فإذا نطق فما شئت من لبّ.. وقد رأيناه طول حياته رجلاً راسخ المبدأ صارم العزم بعيد الهم كريمًا برًّا رؤوفًا تقيًا فاضلاً حرًا، رجلاً شديد الجدّ مخلصًا، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة، جمّ البشر والطلاقة حميد العشرة حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان على العموم تضيء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق.. وكان ذكي اللب، شهم الفؤاد.. عظيمًا بفطرته، لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم وهو غني عن ذلك.. فأدى عمله في الحياة وحده في أعماق الصحراء"(4).

[ 4 ]

".. ومما يبطل دعوى القائلين أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لم يكن صادقًا في رسالته.. أنه قضى عنفوان شبابه وحرارة صباه في تلك العيشة الهادئة المطمئنة [مع خديجة رضي الله عنها] لم يحاول أثناءها إحداث ضجة ولا دوي، مما يكون وراءه ذكر وشهرة وجاه وسلطة.. ولم يكن إلا بعد أن ذهب الشباب وأقبل المشيب أن فار بصدره ذلك البركان الذي كان هاجعًا وثار يريد أمرًا جليلاً وشأنًا عظيمًا"(5).

[ 5 ]

".. لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير [صلى الله عليه وسلم] ابن القفار والفوات العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرًا وحنانًا وبرًا وحكمة وحجى ونهى، أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. وكيف وتلك نفس صامتة كبيرة ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين ؟ فبينما نرى آخرين يرضون بالاصطلاحات الكاذبة ويسيرون طبق اعتبارات باطلة. إذ ترى محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لم يرض أن يلتفع بالأكاذيب والأباطيل. لقد كان منفردًا بنفسه العظيمة وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سرّ الوجود يسطع لعينيه بأهواله ومخاوفه ومباهره، ولم يكن هنالك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكأنه لسان حال ذلك السرّ يناجيه: هاآنذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهي مقدس، وما كلمة مثل هذا الرجل إلا صوت خارج من صميم قلب الطبيعة، فإذا تكلم فكل الآذان برغمها صاغية وكل القلوب واعية. وكل كلام ما عدا ذلك هباء وكل قول جفاء.."(6).

[ 6 ]

"إني لأحب محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لبراءة طبعه من الرأي والتصنّع. ولقد كان ابن القفار هذا رجلاً مستقل الرأي لا يعول إلا على نفسه ولا يدعي ما ليس فيه ولم يكن متكبرًا ولكنه لم يكن ذليلاً، فهو قائم في ثوبه المرقع كما أوجده الله وكما أراده، يخاطب بقوله الحرّ المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة. وكان يعرف لنفسه قدرها.. وكان رجلاً ماضي العزم لا يؤخر عمل اليوم إلى غد.."(7).

____________________________________

(1)  توماس كارلايل ( 1795 – 1881 )        Th. Carlyle

الكاتب الإنجليزي المعروف.

من آثاره: (الأبطال) (1940)، وقد عقد فيه فصلاً رائعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، (الثورة الفرنسية).. إلخ.

(2)  الأبطال ، ص 43 .

(3)  نفسه ، ص 5 .

(4)  نفسه ، ص 50 – 51 .

(5)  نفسه ، ص 51 .

(6)     نفسه ، ص 51 – 52 .

(7)     نفسه ، ص 64 .

كاهن(1)

[ 1 ]

"اصطبغت شخصية محمد [صلى الله عليه وسلم] بصبغة تاريخية قد لا تجدها عند أي مؤسس آخر من مؤسسي الديانات الكبرى"(2).

[ 2 ]

"يبدو للمؤرخ المنصف أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان في عداد الشخصيات النبيلة السامية التي سعت في كثير من الحماس والإخلاص إلى النهوض بالبيئة التي عاش فيها أخلاقيًا وفكريًا، كما استطاع في الوقت نفسه أن يكيف رسالته حسب طباع الناس وتقاليدهم بمزيد من الفهم والتنظيم بحيث كفل البقاء والخلود للرسالة التي بشر بها. وحتم علينا أن نلقى محمدًا [صلى الله عليه وسلم] بعواطف الإجلال والاحترام لما تحلى به من سمو الإلهام ومن قدرة على تذليل العقبات الإنسانية عامة والتغلب على مصاعبه الشخصية خاصة. وربما أثارت فينا بعض جوانب حياته شيئًا من الارتباك تبعًا لعقليتنا المعاصرة. فقد أكدت المهاترات على شهوات الرسول [صلى الله عليه وسلم] الدنيوية وألمحت إلى زوجاته التسع اللائي اتخذهن بعد وفاة خديجة [رضي الله عنه]. لكن الثابت أن معظم هذه الصلات الزوجية قد طبعت بطابع سياسي، وأنها استهدفت الحصول على ولاء بعض الأشراف وبعض الأفخاذ. ثم إن العقلية العربية تقرّ الإنسان إذا استخدم طبيعته على نحو ما خلقها الله"(3).

[ 3 ]

".. الحق أننا نتجاوز النقد العلمي الصحيح إذا نحن أنكرنا على كل حديث صحته أو قدمه. ولقد باشر العلماء بمثل هذا التمحيص منذ عهد بعيد فوجدوا أن التحريف أو التلفيق قد لا يعمّان على نسق واحد واستندوا في ذلك إلى بعض الأحاديث التي يمكن اعتبارها سابقة أو حجة يعتد بها. بمعنى أن الموقف النقدي مفروض على الباحث المنصف. وفقهاء المسلمين أنفسهم هم قدوة لنا في هذا المضمار لأنهم – على طريقتهم – قد التزموا بذلك الموقف منذ العصر الوسيط"(4).

____________________________________

(1)  كلود كاهن                                     Cl. Cahen

ولد عام 1909، وتخرج باللغات الشرقية من السوربون ومدرسة اللغات الشرقية ومدرسة المعلمين العليا، وعين محاضرًا في مدرسة اللغات الشرقية في باريس (1938)، وأستاذًا لتاريخ الإسلام في كلية الآداب بجامعة ستراسبورغ (1945)، وفي جامعة باريس.

من آثاره: عدد كبير من الدراسات والأبحاث في المجلات الشهيرة، وحقق العديد من النصوص التاريخية المهمة، كما أنجز عددًا من المؤلفات عن الحروب الصليبية.

(2)  تاريخ العرب والشعوب الإسلامية ، 1 / 14 .

(3)  نفسه ، 1 / 18 .

(4)  نفسه ، 1 / 95 .

هاملتون كب

[ 1 ]

".. اقتضى الأمر نشوء علم جديد غايته جمع الحديث ونقده وتصنيفه وتنسيقه والحصول في النهاية – بقدر الإمكان – على مجموعة متفق عليها يتقبلها الجميع. وقد استأثرت هذه المهمة بالكثير من طاقات الفقهاء والعلماء في القرن الثالث، ولكن القائمين عليها أحرزوا نجاحًا حتى أصبح حديث الرسول [صلى الله عليه وسلم] يعتبر مرجعًا ثانيًا معتمدًا للفقه والعقيدة"(1).

[ 2 ]

".. يكاد يكون من المؤكد أن الآراء التي تعبر عنها الأحاديث [التي تم جمعها في القرن الثالث] تمثل تعاليم القرآن ومبادئه الخلقية تمثيلاً صادقًا"(2).

[ 3 ]

"إن بدايات التاريخ العلمي بالعربية تقترن بدراسة سيرة الرسول [صلى الله عليه وسلم] ودراسة أعماله. وعليه فإننا نجد مصدر هذه الدراسة في جمع الحديث النبوي وبخاصة الأحاديث المتعلقة بمغازي الرسول [صلى الله عليه وسلم]. وكان موطن هذه الدراسة هو المدنية.. ويفسر لنا ارتباط المغازي بالحديث، هذا الارتباط الذي ترك طابعًا لا يمحى في المنهج التاريخي باستخدام هذا المنهج للإسناد، ما طرأ من تغير هائل ظهر منذ هذه اللحظة في طبيعة الأخبار التاريخية عند العرب، ودقتها المؤسسة على النقد. ويمكننا أن نشعر لأول مرة بأننا نستند إلى أساس تاريخي قويم حتى وإن اعترفنا بوجود بعض العناصر المشكوك فيها في أخبار الفترتين، المدنية والمكية، من حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم]"(3).

[ 4 ]

"ومهما نقل في قوة النزعة الإسلامية نحو محمد [صلى الله عليه وسلم] وفي آثارها فإنا لا نوصف بالغلو. فقد كان إجلال الرسول [صلى الله عليه وسلم] شعورًا طبيعيًا محتومًا في عصره وفيما بعده، غير أن ما نومئ إليه شيء يتجاوز الإجلال. فإن العلاقات الشخصية من الإعجاب والحب اللذين بعثهما في نفوس صحابته ظل صداها يتردد خلال القرآن، والفضل في ذلك يعود إلى الوسائل التي أقرّتها الأمة لتستثير بهما مجددين في كل جيل"(4).

[ 5 ]

".. لولا الحديث لأصبح [لمحمد صلى الله عليه وسلم] في أقل تقدير صورة معممة – إن لم نقل بعيدة – في أصولها التاريخية والدينية. أما الحديث فقد صور وجوده الإنساني في مجموعة وفيرة من التفصيلات الحية المحسوسة، وبذلك قدم للمسلمين حين ربط بين المسلمين وبين نبيهم بنفسه الروابط الذاتية الوثيقة التي كانت تصله بأصحابه الأولين، وهي روابط نمت على مر القرون وكانت أقوى من أن تصاب بالضعف. ولم يصبح شخص محمد [صلى الله عليه وسلم] أبدًا ذا صبغة مرسومة مقررة، ويكاد لا يكون من الغلو أن نقول إن حرارة ذلك الشعور الشخصي نحو الرسول الحبيب [صلى الله عليه وسلم] كانت أبدًا أقوى عنصر حيوي في دين الجماهير الإسلامية أو كانت كذلك بين أهل السنة، على الأقل"(5).

".. ما تزال الاحتفالات العائلية تختم بأدعية وأناشيد في تمجيد الرسول [صلى الله عليه وسلم] وكل الأمة تراعيها وتشهدها بحماسة في ذلك اليوم المجيد، يوم مولد النبي [صلى الله عليه وسلم] في الثاني عشر من شهر ربيع الأول. هنالك ترى المجددين والمقلدين والصوفية والسلفية والعلماء وأفراد الجمهور يلتقون جميعًا معًا على بقعة واحدة، وقد يكون بين نزعاتهم العقلية تنوع واسع متباين، ولكنهم جميعًا وحدة متآلفة في إخلاصهم وحبهم محمد [صلى الله عليه وسلم]"(6).

___________________________________

(1)     دراسات في حضارة الإسلام ، ص 20 .

(2)     نفسه ، ص 21 .

(3)     نفسه ، ص 147 .

(4)     نفسه ، ص 257 .

(5)     نفسه ، ص 257 – 258 .

(6)     نفسه ، ص 259 .

ايقلين كوبولد

[ 1 ]

".. هذه هي مدينة الرسول [صلى الله عليه وسلم].. تعيد إلى نفسي ذكرى جهوده في سبيل لا إله إلا الله، وتلقي في روعي صبره على المكاره واحتماله للأذى في سبيل الوحدانية الإلهية"(1).

[ 2 ]

"كان العرب قبل محمد [صلى الله عليه وسلم] أمة لا شأن لها ولا أهمية لقبائلها ولا لجماعتها، فلما جاء محمد [صلى الله عليه وسلم] بعث هذه الأمة بعثًا جديدًا يصح أن يكون أقرب إلى المعجزات فغلبت العالم وحكمت فيه آجالاً وآجالاً.."(2).

[ 3 ]

".. لعمري، ليجدن المرء في نفسه، ما تقدم إلى قبر [الرسول صلى الله عليه وسلم] روعة ما يستطيع لها تفسيرًا، وهي روعة تملأ النفس اضطرابًا وذهولاً ورجاء وخوفًا وأملاً، ذلك أنه أمام نبي مرسل وعبقري عظيم لم تلد مثله البطون حتى اليوم.. إن العظمة والعبقرية يهزان القلوب ويثيران الأفئدة فما بالك بالعظمة إذا انتظمت مع النبوة، وما بالك بها وقد راحت تضحي بكل شيء في الحياة في سبيل الإنسانية وخير البشرية"(3).

[ 5 ]

"لقد استطاع النبي [صلى الله عليه وسلم] القيام بالمعجزات والعجائب، لَمّا تمكن من حمل هذه الأمة العربية الشديدة العنيدة على نبذ الأصنام وقبول الوحدانية الإلهية.. لقد وفّق إلى خلق العرب خلقًا جديدًا ونقلهم من الظلمات إلى النور"(4).

[ 6 ]

"مع أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان سيد الجزيرة العربية.. فإنه لم يفكر في الألقاب، ولا راح يعمل لاستثمارها، بل ظل على حاله مكتفيًا بأنه رسول الله، وأنه خادم المسلمين، ينظف بيته بنفسه ويصلح حذاءه بيده، كريمًا بارًا كأنه الريح السارية، لا يقصده فقير أو بائس إلا تفضل عليه بما لديه، وما لديه كان في أكثر الأحايين قليلاً لا يكاد يكفيه"(5).

___________________________________

(1)     البحث عن الله ، ص 39 – 40 .

(2)     نفسه ، ص 51 .

(3)     نفسه ، ص 52 .

(4)     نفسه ، ص 66 – 67 .

(5)     نفسه ، ص 67 .

كولد تسيهر(1)

[ 1 ]

".. إن محمدًا قد بشر بمذهبه للمرة الأولى بحماس لم يفترا ولم تعوزه المثابرة، وبعقيدة ثابتة بأن هذا المذهب يحقق صالح الجماعة الخاصة، وقد كان في ذلك كله مظهرًا لإنكار الذات برغم سخرية الجمهور"(2).

[ 2 ]

".. الحق، أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان بلا شك أول مصلح حقيقي في الشعب العربي من الوجهة التاريخية"(3).

[ 3 ]

"في هذا العصر نرى النبي [صلى الله عليه وسلم] يستخدم حنكته المفكرة ورويته الدقيقة وتبصره العالمي، في مقاومة خصومه الذين شرعوا في معارضة مقاصده وغاياته في داخل موطنه وخارجه"(4).

____________________________________

(1)  كولد تسيهر (1850-1921م)           Y. Gldziher

تخرج باللغات السامية على كبار أساتذتها في بودابست وليبزج وبرلين وليدن. ولما نبه ذكره عين أستاذًا محاضرًا في كلية العلوم بجامعة بودابست (1873) ثم أستاذ كرسي (1906). رحل إلى عدد من البلدان العربية وتضلع بالعربية على شيوخ الأزهر. انتخب عضوًا في عدد من المجامع العلمية وحضر عددًا من المؤتمرات الاستشراقية.

من آثاره: كتب سيلاً من المقالات والأبحاث في المجلات الآسيوية والغربية بأكثر من لغة. وكتاب (العقيدة والشريعة في الإسلام) (باريس 1920)، و(درس في الإسلام) في جزأين كبيرين. كما حقق العديد من النصوص القديمة.

(2)  العقيدة والشريعة في الإسلام ، ص 12 – 13 .

(3)  نفسه ، ص 13 .

(4)  نفسه ، ص 21 – 22 .

عبد الله لويليام

[ 1 ]

"كان محمد [صلى الله عليه وسلم] على أعظم ما يكون من كريم الطباع وشريف الأخلاق ومنتهى الحياء وشدة الإحساس.. وكان حائزًا لقوة إدراك عجيبة وذكاء مفرط وعواطف رقيقة شريفة. وكان على خلق عظيم وشيم مرضية مطبوعًا على الإحساس.."(1).

[ 2 ]

".. إن بعض كتاب هذا العصر الحاضر كادوا أن يعرفوا بأن الطعن والقدح والشتم والسب ليس بالحجة ولا البرهان فسلموا بذكر كثير من صفات النبي [صلى الله عليه وسلم] السامية وجليل أعماله الفاخرة.."(2).

[ 3 ]

".. ما اهتدى مئات الملايين إلى الإسلام إلا ببركة محمد [صلى الله عليه وسلم] الذي علمهم الركوع والسجود لله وأبقى لهم دستورًا لن يضلوا بعده أبدًا وهو القرآن الجامع لمصالح دنياهم ولخير أخراهم.."(3).

[ 4 ]

"لما شرف محمد [صلى الله عليه وسلم] ساحة عالم الشهود بوجوده الذي هو الواسطة العظمى والوسيلة الكبرى إلى اعتلاء النوع الإنساني وترقيه في درجات المدنية أكمل ما يحتاجه البشر من اللوازم الضرورية على نهج مشروع وأوصل الخلق إلى أقصى مراتب السعادة بسرعة خارقة. ومن نظر بعين البصيرة في حال الأنام قبله عليه الصلاة والسلام وما كانوا عليه من الضلالة.. ونظر في حالهم بعد ذلك وما حصل لهم في عصره من الترقّي العظيم رأى بين الحالين فرقًا عظيمًا كما بين الثريا والثرى"(4).

[ 5 ]

".. امتدت أنوار المدنية بعد محمد [صلى الله عليه وسلم] في قليل من الزمان ساطعة في أقطار الأرض من المشرق إلى المغرب حتى إن وصول أتباعه في ذلك الزمن اليسير إلى تلك المرتبة العلية من المدنية قد حيّر عقول أولي الألباب. وما السبب في ذلك إلا كون أوامره ونواهيه موافقة لموجب العقل ومطابقة لمقتضى الحكمة"(5).

___________________________________

(1)     العقيدة الإسلامية ، ص 96 – 97 .

(2)     نفسه ، ص 113 – 114 .

(3)     نفسه ، ص 38 (عن لوزون في خطبته المذكورة ).

(4)     أحسن الأجوبة عن سؤال أحد علماء أوروبا ، ص 21 – 22 .

(5)     نفسه ، ص 22- 23 .

روم لاندو

[ 1 ]

".. لم ينسب محمد [صلى الله عليه وسلم] في أيّما يوم من الأيام إلى نفسه صفة ألوهية أو قوى أعجوبية. على العكس، لقد كان حريصًا على النص على أنه مجرد رسول اصطنعه الله لإبلاغ الوحي للناس"(1).

[ 2 ]

"كان محمد [صلى الله عليه وسلم] تقيًّا بالفطرة، وكان من غير ريب مهيّأ لحمل رسالة الإسلام التي تلقاها.. وبالإضافة إلى طبيعته الروحية، كان في سرّه وجهره رجلاً عمليًا عرف مواطن الضعف ومواطن القوة في الخلق العربي، وأدرك أن الإصلاحات الضرورية ينبغي أن تقدم إلى البدو الذين لا يعرفون انضباطًا وإلى المدنيين الوثنيين، وفي آن معًا، على نحو تدريجي. وفي الوقت نفسه كان محمد [صلى الله عليه وسلم] يملك إيمانًا لا يلين بفكرة الإله الواحد.. وعزمًا راسخًا على استئصال كل أثر من آثار عبادة الأصنام التي كانت سائدة بين الوثنيين العرب"(2).

[ 3 ]

"كانت مهمة محمد [صلى الله عليه وسلم] هائلة. كانت مهمة ليس في ميسور دجال تحدوه دوافع أنانية (وهو الوصف الذي رمى به بعض الكتاب الغربيين المبكرين الرسول العربي [صلى الله عليه وسلم] أن يرجو النجاح في تحقيقها بمجهوده الشخصي، إن الإخلاص الذي تكشف عنه محمد [صلى الله عليه وسلم] في أداء رسالته، وما كان لأتباعه من إيمان كامل في ما أنزل عليه من وحي، واختبار الأجيال والقرون، كل أولئك يجعل من غير المعقول اتهام محمد [صلى الله عليه وسلم] بأيّ ضرب من الخداع المتعمد. ولم يعرف التاريخ قط أي تلفيق (ديني) متعمد استطاع أن يعمر طويلاً. والإسلام لم يعمر حتى الآن ما ينوف على ألف وثلاثمائة سنة وحسب، بل إنه لا يزال يكتسب، في كل عام، أتباعًا جددًا. وصفحات التاريخ لا تقدم إلينا مثلاً واحدًا على محتال كان لرسالته الفضل في خلق إمبراطورية من إمبراطوريات العالم وحضارة من أكثر الحضارات نبلاً"(3).

[ 4 ]

"كانت مهمة محمد [صلى الله عليه وسلم] هي القضاء على النظام القبلي القوي الذي كان مسؤولاً عن اندلاع نار الحرب، على نحو موصول تقريبًا، بين العرب، والاستعاضة عنه بولاء لله يسمو على جميع الروابط الأسرية والأحقاد الصغيرة. كان عليه أن يعطي الناس قانونًا كليًا يستطيع حتى العرب المتمردون قبوله والإذعان له، وكان عليه أن يفرض الانضباط على مجتمع عاش على العنف القبلي والثأر الدموي لضروب من المظالم بعضها واقعي وبعضها متوهم. كان عليه أن يحلّ الإنسانية محل الوحشية، والنظام محل الفوضى، والعدالة محلة القوة الخالصة"(4).

[ 5 ]

"عندما توفي محمد [صلى الله عليه وسلم] عام 632م كان في نجاح الإسلام ما زكى إيمان خديجة [رضي الله عنها] بالوحي الذي تلقاه زوجها، وكانت العقيدة التوحيدية الجديدة في سبيلها إلى القيام بفتح روحي ومادي لا يضارعه أي فتح في التاريخ البشري"(5).

___________________________________

(1)     الإسلام والعرب ، ص 32 .

(2)     نفسه ، ص 33 .

(3)     نفسه ، ص 33 – 34 .

(4)     نفسه ، ص 34 .

(5)     نفسه ، ص 35 .

لايتنر(1)

[ 1 ]

"بقدر ما أعرف من دينيْ اليهود والنصارى أقول بأن ما علمه محمد [صلى الله عليه وسلم] ليس اقتباسًا بل قد (أوحي إليه به) ولا ريب بذلك طالما نؤمن بأنه قد جاءنا وحي من لدن عزيز عليم. وإني بكل احترام وخشوع أقول: إذا كان تضحية الصالح الذاتي، وأمانة المقصد، والإيمان القلوب الثابت، والنظر الصادق الثاقب بدقائق وخفايا الخطيئة والضلال، واستعمال أحسن الوسائط لإزالتها، فذلك من العلامات الظاهرة الدالة على نبوة محمد [صلى الله عليه وسلم] وأنه قد أوحي إليه"(2).

[ 2 ]

"إن الديانة النصرانية التي ودّ محمد [صلى الله عليه وسلم] إعادتها لأصلها النقي كما بشر بها المسيح [عليه السلام] تخالف التعاليم السّرية التي أذاعها بولس والأغلاط الفظيعة التي أدخلها عليها شيع النصارى.. ولقد كانت آمال محمد [صلى الله عليه وسلم] وأمانيه أن لا تخصص بركة دين إبراهيم [عليه السلام] لقومه خاصة، بل تعم الناس جميعًا، ولقد صار دينه الواسطة لإرشاد وتمدن الملايين من البشر، ولولا هذا الدين للبثوا غرقى في التوحش والهمجية، ولما كان لهم هذا الإخاء المعمول به في دين الإسلام"(3).

[ 3 ]

".. لما بلغ [صلى الله عليه وسلم] السنة الخامسة والعشرين من العمر تزوج امرأة عمرها (أربعون عامًا، وهذه تشابه امرأة عمرها خمسون عامًا في أوربا، وهي أول من آمن برسالته المقدسة.. وبقيت خديجة (رضي الله عنها) معه عشرين عامًا لم يتزوج عليها قط حتى ماتت (رضي الله عنها). ولما بلغ من العمر خمسًا وخمسين سنة صار يتزوج الواحدة بعد الأخرى. لكن ليس من الاستقامة والصدق أن ننسب ما لا يليق لرجل عظيم صرف كل ذاك العمر بالطهارة والعفاف فلا ريب أن لزواجه بسن الكبر أسبابًا حقيقية غير التي يتشدق بها كتاب النصارى بهذا الخصوص، وما هي تلك الأسباب يا ترى ؟ ولا ريب هي شفقته على نساء أصحابه الذين قتلوا.."(4).

[ 4 ]

".. مرة، أوحى الله تعالى إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] وحيًا شديد المؤاخذة لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلاً غنيًا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان [صلى الله عليه وسلم] كما يقول أغبياء النصارى بحقه لما كان لذاك الوحي من وجود"(5).

[ 5 ]

".. إني لأجهر برجائي بمجيء اليوم الذي به يحترم النصارى المسيح [عليه السلام] احترامًا عظيمًا وذلك باحترامهم محمدًا [صلى الله عليه وسلم]، ولا ريب في أن المسيحي المعترف برسالة محمد [صلى الله عليه وسلم] وبالحق الذي جاء به هو المسيحي الصادق"(6).

____________________________________

(1)  لايتنر                         Lightner

باحث إنكليزي، حصل على أكثر من شهادة دكتوراه في الشريعة والفلسفة واللاهوت، وزار الأستانة عام 1854، كما طوف بعدد من البلاد الإسلامية والتقى برجالاتها وعلمائها.

(2)  دين الإسلام ، ص 4 – 5 .

(3) نفسه ، ص 5 .

(4) نفسه ، ص 12 – 13 .

(5) نفسه ، ص 132 – 133 .

(6) نفسه ، ص 6 .

غوستاف لوبون

[ 1 ]

"جمع محمد [صلى الله عليه وسلم] قبل وفاته كلمة العرب، وبنى منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد، فكانت في ذلك آيته الكبرى.. ومما لا ريب فيه أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام، ومنها اليهودية والنصرانية ولذلك كان فضله على العرب عظيمًا.."(1).

[ 2 ]

"إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد [صلى الله عليه وسلم] من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمدًا [صلى الله عليه وسلم] مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله.."(2).

[ 3 ]

"استطاع محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يبدع مثلاً عاليًا قويًا للشعوب العربية التي لا عهد لها بالمثل العليا، وفي ذلك الإبداع تتجلى عظمة محمد [صلى الله عليه وسلم] على الخصوص.. ولم يتردد أتباعه في التضحية بأنفسهم في سبيل هذا المثل الأعلى.."(3).

[ 4 ]

".. لا شيء أصوب من جمع محمد [صلى الله عليه وسلم] لجميع السلطات المدنية والحربية والدينية في يد واحدة أيام كانت جزيرة العرب مجزأة ما استطعنا أن نقدر قيمة ذلك بنتائجه، فقد فتح العرب العالم في قرن واحد بعد أن كانوا قبائل من أشباه البرابرة المتحاربين قبل ظهور محمد [صلى الله عليه وسلم]"(4).

____________________________________

(1)     دين الإسلام ، ص 16 .

(2)     حضارة العرب ، ص 115 .

(3)     نفسه ، ص 116 .

(4)     نفسه ، ص 393 – 394 .

لوقا(1)

[ 1 ]

".. ما كان [محمد [صلى الله عليه وسلم]] كآحاد الناس في خلاله ومزاياه، وهو الذي اجتمعت له آلاء الرسل [عليهم السلام]، وهمة البطل، فكان حقًا على المنصف أن يكرم فيه المثل، ويحيّي فيه الرجل"(2).

[ 2 ]

"لا تأليه ولا شبهة تأليه في معنى النبوة الإسلامية.. وقد درجت شعوب الأرض على تأليه الملوك والأبطال والأجداد، فكان الرسل أيضًا معرضين لمثل ذلك الربط بينهم وبين الألوهية بسبب من الأسباب، فما أقرب الناس لو تركوا لأنفسهم أن يعتقدوا في الرسول أو النبي أنه ليس بشرًا كسائر البشر وأن له صفة من صفات الألوهية على نحو من الأنحاء. ولذا نجد توكيد هذا التنبيه متواترًا مكررًا في آيات القرآن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر" {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف 110]، وفي تخير كلمة (مثلكم) معنى مقصود به التسوية المطلقة، والحيلولة دون الارتفاع بفكرة النبوة أو الرسالة فوق مستوى البشرية بحال من الأحوال. بل نجد ما هو أصرح من هذا المعنى فيما جاء بسورة الشورى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ} [الشورى 48]، وظاهر في هذه الآية تعمد تنبيه الرسول نفسه [صلى الله عليه وسلم] إلى حقيقة مهمته، وحدود رسالته التي كلف بها، وليس له أن يعدوها، كما أنه ليس للناس أن يرفعوه فوقها"(3).

[ 3 ]

".. رجل فرد هو لسان السماء. فوقه الله لا سواه. ومن تحته سائر عباد الله من المؤمنين. ولكن هذا الرجل يأبى أن يداخله من ذلك كبر. بل يشفق، بل يفرق من ذلك ويحشد نفسه كلها لحرب الزهو في سريرته، قبل أن يحاربه في سرائر تابعيه. ولو أن هذا الرسول [صلى الله عليه وسلم] بما أنعم من الهداية على الناس وما تم له من العزة والأيادي، وما استقام له من السلطان، اعتد بذلك كله واعتزّ، لما كان عليه جناح من أحد، لأنه إنما يعتد بقيمة ماثلة، ويعتز بمزية طائلة. يطريه أصحابه بالحق الذي يعلمون عنه، فيقول لهم: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله. ويخرج على جماعة من أصحابه فينهضون تعظيمًا له، فينهاهم عن ذلك قائلاً: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا"(4).

[ 4 ]

"ماذا بقي من مزعم لزاعم؟ إيمان امتحنه البلاء طويلاً قبل أن يفاء عليه بالنصر وما كان النصر متوقعًا أو شبه متوقع لذلك الداعي إلى الله في عاصمة الأوثان والأزلام.. ونزاهة ترتفع فوق المنافع، وسمو يتعفف عن بهارج الحياة، وسماحة لا يداخلها زهو أو استطالة بسلطان مطاع. لم يفد. ولم يورث آله، ولم يجعل لذريته وعشيرته ميزة من ميزات الدنيا ونعيمها وسلطانها. وحرم على نفسه ما أحلّ لآحاد الناس من أتباعه، وألغى ما كان لقبيلته من تقدم على الناس في الجاهلية حتى جعل العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش. لم يمكن لنفسه ولا لذويه. وكانت لذويه بحكم الجاهلية صدارة غير مدفوعة، فسوّى ذلك كله بالأرض أي قالة بعد هذا تنهض على قدمين لتطاول هذ المجد الشاهق أو تدافع هذا الصدق الصادق؟ لا خيرة في الأمر، ما نطق هذا الرسول عن الهوى.. وما ضلّ وما غوى.. وما صدق بشر إن لم يكن هذا الرسول بالصادق الأمين.."(5).

[ 5 ]

"أي الناس أولى بنفي الكيد عن سيرته من (أبي القاسم) [صلى الله عليه وسلم] الذي حول الملايين من عبادة الأصنام الموبقة إلى عبادة الله رب العالمين، ومن الضياع والانحلال إلى السموّ والإيمان، ولم يفد من جهاده لشخصه أو آله شيئًا مما يقتتل عليه طلاب الدنيا من زخارف الحطام؟"(6).

[ 6 ]

"كان [محمد [صلى الله عليه وسلم]] يملك حيويته ولا تملكه حيويته. ويستخدم وظائفه ولا تستخدمه وظائفه. فهي قوة له تحسب في مزاياه، وليست ضعفًا يعد في نقائصه. لم يكن [صلى الله عليه وسلم] معطل النوازع ولكنها لم تكن نوازع تعصف به، لأنه يسخرها في كيانه في المستوى الذي يكرم به الإنسان حين يطلب ما هو جميل وجليل في الصورة الجميلة الجليلة التي لا تهدر من قدره بل تضاعف من تساميه وعفته وطهره. وبيان ذلك في أمر بنائه بزوجاته التسع [رضي الله عنهن].."(7).

___________________________________

(1)  د. نظمي لوقا                              Dr. N. Luka

مسيحي من مصر. يتميز بنظرته الموضوعية وإخلاصه العميق للحق. ورغم إلحاح أبويه على تنشئته على المسيحية منذ كان صبيًا، فإنه كثيرًا ما كان يحضر مجالس شيوخ المسلمين ويستمع بشغف إلى كتاب الله وسيرة الرسول عليه السلام. بل إنه حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز العاشرة من عمره. ألف عددًا من الكتب أبرزها (محمد الرسالة والرسول)، و(محمد في حياته الخاصة).

(2)  محمد الرسالة والرسول ، ص 28 .

(3) محمد الرسالة والرسول ، ص 85 – 86 .

(4)  نفسه ، ص 179 – 180 .

(5)  نفسه ، ص 183 – 186 .

(6)  محمد في حياته الخاصة ، ص 12 .

(7)  نفسه ، ص 39 – 40 ، ويمكن للقارئ أن يرجع للكتاب نفسه (محمد في حياته الخاصة)، فهو بمجمله يمكن أن يعدّ شهادة قيّمة على حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم] العائلية الخاصة.

ماسيه(1)

[ 1 ]

"بفضل إصلاحات محمد [صلى الله عليه وسلم] الدينية والسياسية، وهي إصلاحات موحدة بشكل أساسي، فإن العرب وعوا أنفسهم وخرجوا من ظلمات الجهل والفوضى ليعدّوا دخلوهم النهائي إلى تاريخ المدنية"(2).

[ 2 ]

".. كان محمد [صلى الله عليه وسلم] هو المشرّع الملهم والمحرك الأول للوحدة الدينية بين جميع الأقوام، .. وكان بسيطًا وحازمًا.."(3).

____________________________________

(1)  هنري ماسيه                                  H. Masse

ولد عام 1886، عمل مديرًا للمعهد الفرنسي بالقاهرة، وعين أستاذًا في جامعة الجزائر (1916-1927)، وعضوًا في مجمع الكتابات والآداب وفي المجمع العلمي العربي بدمشق، وانتدبته الحكومة لعديد من المهام الثقافية واختارته اليونسكو في لجنة المستشرقين.

من آثاره: نشر كتابًا عن الشاعر (سعدي) (1919)، وصنف كتابًا بعنوان: (الإسلام) (1957)، كما ترجم وحقق العديد من النصوص العربية، ونشر العديد من الأبحاث في المجلات الاستشراقية الشهيرة.

(2)  الإسلام ، ص 55 .

(3) نفسه ، ص 59 .

مونته(1)

[ 1 ]

"إن طبيعة محمد [صلى الله عليه وسلم] الدينية تدهش كل باحث مدقّق نزيه المقصد بما يتجلى فيها من شدة الإخلاص. فقد كان محمد مصلحًا دينيًا ذا عقيدة راسخة، ولم يقم إلا بعد أن تأمل كثيرًا وبلغ سن الكمال بهذه الدعوة العظيمة التي جعلته من أسطع الأنوار الإنسانية في الدين. وهو في قتاله الشرك والعادات القبيحة التي كانت عند أبناء زمنه كان في بلاد العرب أشبه بنبي من أنبياء بني إسرائيل الذين نراهم كبارًا جدًا في تاريخ قومهم. ولقد جهل كثير من الناس محمدًا [صلى الله عليه وسلم] وبخسوه حقه وذلك لأنه من المصلحين النادرين الذين عرف الناس أطوار حياتهم بدقائقها"(2).

[ 2 ]

"كان محمد [صلى الله عليه وسلم] كريم الأخلاق حسن العشرة، عذب الحديث، صحيح الحكم صادق اللفظ، وقد كانت الصفات الغالبة عليه هي صحة الحكم وصراحة اللفظ، والاقتناع التام بما يعمله ويقوله"(3).

[ 3 ]

".. ندر بين المصلحين من عرفت حياتهم بالتفصيل مثل [محمد [صلى الله عليه وسلم]] وإن ما قام به من إصلاح أخلاق وتطهير المجتمع يمكن أن يعد به من أعظم المحسنين للإنسانية"(4).

[ 4 ]

"لا مجال للشك في إخلاص الرسول [صلى الله عليه وسلم] وحماسته الدينية التي تشبعت بها نفسه وفكره.."(5).

____________________________________

(1)  مونته ( 1856 – 1927 )               Montet

أستاذ اللغات الشرقية في جامعة جنيف، من كتبه (محمد والقرآن)، وترجمة جيدة للقرآن، و(حاضر الإسلام ومستقبله).

(2)  محمد والقرآن ، ص 18 ( عن ستودارد: حاضر العالم الإسلامي 1 / 32 ).

(3)  نفسه ، ( عن ستودارد 1 / 32 ).

(4)  حاضر الإسلام ومستقبله (عن محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية 1/67).

(5)  نفسه ، 1 / 67 .

نهرو(1)

[ 1 ]

".. لربما خامرت هؤلاء الملوك والحكام [الذين تسلموا كتب الرسول [صلى الله عليه وسلم]] الدهشة من هذا الرجل البسيط الذي يدعوهم إلى الطاعة. ولكن إرسال هذه الكتب يعطينا صورة عن مقدار ثقة محمد [صلى الله عليه وسلم] بنفسه ورسالته. وقد هيأ بهذه الثقة وهذا الإيمان لأمته أسباب القوة والعزّة والمنعة وحوّلهم من سكان صحراء إلى سادة يفتحون نصف العالم المعروف في زمانهم.. وقد توفي محمد [صلى الله عليه وسلم] بعد أن جعل من القبائل العربية المتنافرة أمة واحدة تتقد غيرة وحماسًا.."(2).

___________________________________

(1)  جوار لال نهرو                                J. Lal Nahro

ولد في عام 1889، في مدينة الله آباد، في الهند، والتقى بغاندي في أوائل عام 1919، اعتقل عدة مرات، وانتخب رئيسًا لحزب المؤتمر الهندي الوطني عدة مرات، دخل الوزارة، وتولى الشؤون الخارجية، وأصبح نائبًا لرئيس المجلس التنفيذي، أول من تولى رئاسة الوزراء الهندية بعد استقلال الهند، له عدة مؤلفات في التاريخ والسياسة والشؤون الهندية، توفي عام 1964م.

(2)  لمحات من تاريخ العالم ، ص 25 – 26 .

هارث(1)

[ 1 ]

"إن اختياري لمحمد [صلى الله عليه وسلم] ليكون رأس القائمة التي تضم الأشخاص الذين كان لهم أعظم تأثير عالمي في مختلف المجالات، ربما أدهش كثيرًا من القراء،.. ولكن في اعتقادي أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي"(2).

[ 2 ]

"لقد أسس محمد [صلى الله عليه وسلم] ونشر أحد أعظم الأديان في العالم، وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظام. ففي هذه الأيام وبعد مرور ثلاثة عشر قرنًا تقريبًا على وفاته، فإن تأثيره لا يزال قويًا وعارمًا.."(3).

[ 3 ]

".. من وجهة النظر الدينية الصرفة يبدو أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] كان له تأثير على البشرية عبر التاريخ كما كان للمسيح (عليه السلام)"(4).

[ 4 ]

".. إن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] يختلف عن المسيح بأنه كان زعيمًا دنيويًا فضلاً عن أنه زعيم ديني، وفي الحقيقة إذا أخذنا بعين الاعتبار القوى الدافعة وراء الفتوحات الإسلامية، فإن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] يصبح أعظم قائد سياسي على مدى الأجيال"(5).

[ 5 ]

".. إن هذا الاتحاد الفريد لا نظير له للتأثير الديني والدنيوي معًا يخول محمدًا [صلى الله عليه وسلم] أن يعتبر أعظم شخصية مفردة ذات تأثير في تاريخ البشرية"(6).

___________________________________

(1)  الدكتور مايكل هارث                   Michael Hart

أمريكي، حصل على عدة شهادات في العلوم وعلى الدكتوراه في الفلك من جامعة برنستون، عام 1972، عمل في مراكز الأبحاث والمراصد، وهو أحد العلماء المعتمدين في الفيزياء التطبيقية.

(2)  دراسة في المائة الأوائل ، ص 19 .

(3)  نفسه ، ص 19 .

(4)  نفسه ، ص 23 .

(5)  نفسه ، ص 24 .

(6)  نفسه ، ص 25 .

مونتغمري وات

[ 1 ]

"منذ أن قام كارليل بدراسته عن محمد [صلى الله عليه وسلم] في كتابه (الأبطال وعبادة البطل) أدرك الغرب أن هناك أسبابًا وجيهة للاقتناع بصدق محمد. إذ إن عزيمته في تحمل الاضطهاد من أجل عقيدته، والخلق السامي للرجال الذين آمنوا به، وكان لهم بمثابة القائد، وأخيرًا عظمة عمله في منجزاته الأخيرة، كل ذلك يشهد باستقامته التي لا تتزعزع. فاتهام محمد [صلى الله عليه وسلم] بأنه دجال Imposteur يثير من المشاكل أكثر مما يحلّ. ومع ذلك فليس هناك شخصية كبيرة في التاريخ حط من قدرها في الغرب كمحمد [صلى الله عليه وسلم]. فقد أظهر الكتاب الغربيون ميلهم لتصديق أسوأ الأمور عن محمد [صلى الله عليه وسلم] وكلما ظهر أي تفسير نقدي لواقعة من الوقائع ممكنًا قبوله. ولا يكفي، مع ذلك، في ذكر فضائل محمد أن نكتفي بأمانته وعزيمته إذا أردنا أن نفهم كل شيء عنه. وإذا أردنا أن نصحح الأغلاط المكتسبة من الماضي بصدده فيجب علينا في كل حالة من الحالات، لا يقوم الدليل القاطع على ضدها، أن نتمسك بصلابة بصدقه. ويجب علينا أن لا ننسى عندئذ أيضًا أن الدليل القاطع يتطلب لقبوله أكثر من كونه ممكنًا وأنه في مثل هذا الموضوع يصعب الحصول عليه.."(1).

[ 2 ]

"هناك – على العكس – أسباب قوية تؤكد صدق (محمد) [صلى الله عليه وسلم] ونستطيع في مثل هذه الحالة الخاصة أن نبلغ درجة عالية من اليقين، لأن النقاش حول هذه المسألة.. يعتمد على وقائع ولا يمكن أن يتضمن خلافًا في التقدير حول الأخلاقية.."(2).

[ 3 ]

".. ليس توسع العرب شيئًا محتومًا أو آليًا وكذلك إنشاء الأمة الإسلامية. ولولا هذا المزيج الرائع من الصفات المختلفة الذي نجده عند محمد [صلى الله عليه وسلم] لكان من غير الممكن أن يتم هذا التوسع، ولاستنفذت تلك القوى الجبارة في غارات على سوريا والعراق دون أن تؤدي لنتائج دائمة. ونستطيع أن نميز ثلاث هبات مهمة أُوتيها محمد [صلى الله عليه وسلم]. وكانت كل واحدة منها ضرورية لإتمام عمل محمد [صلى الله عليه وسلم] بأكمله. لقد أوتي أولاً موهبة خاصة على رؤية المستقبل. فكان للعالم العربي بفضله، أو بفضل الوحي الذي ينزل عليه حسب رأي المسلمين، أساس فكري (إيديولوجي) حلت به الصعوبات الاجتماعية، وكان تكوين هذا الأساس الفكري يتطلب في نفسه الوقت حدسًا ينظر في الأسباب الأساسية للاضطراب الاجتماعي في ذلك العصر، والعبقرية الضرورية للتعبير عن هذا الحدس في صورة تستطيع إثارة العرب حتى أعمق كيانها.. وكان محمد [صلى الله عليه وسلم] ثانيًا رجل دولة حكيمًا. ولم يكن هدف البناء الأساسي الذي نجده في القرآن، سوى دعم التدابير السياسية الملموسة والمؤسسات الواقعية. ولقد ألححنا خلال هذا الكتاب غالبًا على استراتيجية محمد [صلى الله عليه وسلم] السياسية البعيدة النظر على إصلاحاته الاجتماعية ولقد دلّ على بعد نظره في هذه المسائل الانتشار السريع الذي جعل من دولته الصغيرة إمبراطورية، وتطبيق المؤسسات الاجتماعية على الظروف المجاورة واستمرارها خلال أكثر من ثلاثة عشر قرنًا. وكان محمد [صلى الله عليه وسلم] ثالثًا رجل إدارة بارعًا، فكان ذا بصيرة رائعة في اختيار الرجال الذين يندبهم للمسائل الإدارية. إذ لن يكون للمؤسسات المتينة والسياسة الحكيمة أثر إذا كان التطبيق خاطئًا مترددًا. وكانت الدولة التي أسسها محمد [صلى الله عليه وسلم] عند وفاته، مؤسسة مزدهرة تستطيع الصمود في وجه الصدمة التي أحدثها غياب مؤسسها، ثم إذا بها بعد فترة تتلاءم مع الوضع الجديد وتتسع بسرعة خارقة اتساعًا رائعًا"(3).

[ 4 ]

"كلما فكرنا في تاريخ محمد [صلى الله عليه وسلم] وتاريخ أوائل الإسلام، تملكنا الذهول أمام عظمة مثل هذا العمل. ولا شك أن الظروف كانت مواتية لمحمد فأتاحت له فرصًا للنجاح لم تتحها لسوى القليل من الرجال غير أن الرجل كان على مستوى الظروف تمامًا. فلو لم يكن نبيًا ورجل دولة وإدارة، ولو لم يضع ثقته بالله ويقتنع بشكل ثابت أن الله أرسله، لما كتب فصلاً مهمًا في تاريخ الإنسانية. ولي أمل أن هذه الدراسة عن حياة محمد [صلى الله عليه وسلم] يمكنها أن تساعد على إثارة الاهتمام ، من جديد ، برجل هو أعظم رجال أبناء آدم"(4).

___________________________________

(1)     محمد في مكة ، ص 94 .

(2)     نفسه ، ص 497 – 498 .

(3)     نفسه ، ص 510 – 511 .

(4)     نفسه ، ص 512 .

ولز(1)

[ 1 ]

".. هل تراك علمت قط أن رجلاً على غير كريم السجايا مستطيع أن يتخذك صديقًا؟ ذلك أن من عرفوا محمدًا [صلى الله عليه وسلم] أكثر من غيرهم، كانوا أشد الناس إيمانًا به. وقد آمنت به خديجة [رضي الله عنها] كل حياته على أنها ربما كانت زوجة محبة. فأبو بكر [رضي الله عنه] شاهد أفضل وهو لم يتردد قط في إخلاصه. كان يؤمن بالنبي [صلى الله عليه وسلم] ومن العسير على أي إنسان يقرأ تلك الأيام إلا يؤمن بأبي بكر [رضي الله عنه]، وكذلك علي [رضي الله عنه] فإنه خاطر بحياته من أجل النبي [صلى الله عليه وسلم] في أحلك أيامه سوادًا.."(2).

[ 2 ]

"حجّ محمد [صلى الله عليه وسلم] حجة الوداع من المدينة إلى مكة، قبل وفاته بعام، وعند ذاك ألقى على شعبه موعظة عظيمة.. إنّ أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهب وسلب ومن ثارات ودماء، وتجعل الفقرة الأخيرة منها الزنجي المؤمن عدلاً للخليفة.. إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم، وإنها لتنفخ في الناس روح الكرم والسماحة، كما أنها إنسانية السمة ممكنة التنفيذ، فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي، عما في أي جماعة أخرى سبقتها"(3).

[ 3 ]

"لقد منح [ العرب ] العالم ثقافة جديدة، وأقاموا عقيدة لا تزال إلى اليوم من أعظم القوى الحيوية في العالم أما الرجل الذي أشعل ذلك القبس العربي فهو محمد [صلى الله عليه وسلم](4).

____________________________________

(1)  هربرت جورج ولز (1866 – 1946)     H. G. Wells

الكاتب والأديب البريطاني المعروف. حصل على بكالوريوس العلوم سنة 1888، تولى التدريس بضع سنين ثم انصرف للتأليف. اشتهر بقصصه الذي يعتمد الخيال العلمي من مثل (آلة الزمن) و(الرجل الخفي)، فضلاً عن رواياته النفسية والاجتماعية من مثل (ميكا فيللي الجديد) و(الزواج). ولم يغفل ولز البحث في التاريخ فأنجز عام 1920 (معالم تاريخ الإنسانية) وأعقبه بـ(موجز تاريخ العالم). وكان آخر كتاب أصدره هو (العقل في أقصى تواتراته) (1944). ولولز كتاب في السيرة الذاتية بعنوان: (تجربة في كتابة السيرة الذاتية).

(2)  معالم تاريخ الإنسانية ، 3 / 639 .

(3)  نفسه ، 3 / 640 – 641 .

(4)  موجز تاريخ العالم ، ص 200 – 201 .

 الفصل الثالث الإسلام

"إذا كان هذا هو الإسلام، أفلا نكون جميعنا مسلمين؟".

(الأديب الألماني غوته)

إبراهيم خليل أحمد

[ 1 ]

"قرأت بتأمل وتفكر قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر 53]. وقارنت بين هذه الآية وما ورد في الإنجيل عن الغفران: (بدون سفك دم لا تحصل مغفرة) بالقول: (هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الحبيب لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية). قارنت بين العقيدتين الأولى: أنها مقيدة بقيود: من جانب الله ببذل ابنه الحبيب حسب ما يعتقدون، ومن جانب المرء بضرورة الإيمان بهذا الابن. ومن هذه العقيدة نشأت فريضة كنيسية تعرف بسرّ الشكر، وفيها يؤمن المسيحي باستحالة الخبز إلى جسد المسيح واستحالة الخمر إلى دم المسيح حقيقة، وبتناولهما تصير فيه حياة أبدية. ومن هذه العقيدة نشأت صكوك الغفران.. إنها بدعة وخروج عن الحق الإلهي الذي ندّد به زعماء الإصلاح في القرن الخامس عشر.. فحمدت الله على رحمته الواسعة ومغفرته اليقينية بدون قيد ولا شرط مادي، بل بتوبة صادقة وعزم على الحياة الطاهرة"(1).

[ 2 ]

"قرأت قول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات 13]، وقرأت ما جاء بالإنجيل: (إذن لسنا أولاد جارية، بل أولاد حرة) وزال عني العجب عن التفرقة العنصرية عند الأمريكيين في أيامنا هذه بين البيض والسود، وزاد إعجابي وإجلالي للمسلمين. أن سيد القوم يقف بجانب المواطن العامل والمزارع والتاجر والموظف كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، راكعين ساجدين، يخشون ربهم ويرجونه الرضا والعفو، فأيقنت أن مجد الإسلام والمسلمين في هذا التساند الجميل والتآخي الحبيب.."(2).

[ 3 ]

"للمسلم أن يعتز بدينه، فهو كالشمس تشرق على المسلمين وغير المسلمين وللمسلم أن يعتز بإسلامه، فهو كالهواء النقي لا يستغني عنه الخلق ولا حياة لهم بدونه.."(3).

[ 4 ]

".. إن الإسلام دين المنطق والعقل، لم يجعل وساطة بين الله والإنسان، ولم يترك مقادير الناس تحت رحمة نفر منهم يلوحون لهم بسلطان الكنيسة.."(4).

[ 5 ]

"استوقفني كثيرًا نظام التوحيد في الإسلام، وهو من أبرز معالم الإسلام.. أن التوحيد يجعلني عبدًا لله وحده لست عبدًا لأي إنسان، التوحيد في الإسلام يجرّد الإنسان ويجعله غير خاضع لأي إنسان، وتلك هي الحرية الحقيقية، فلا عبودية إلا لله وحده"(5).

____________________________________

(1)     محمد في التوراة ، ص 10 – 11 .

(2)     محمد في التوراة ، ص 11 .

(3)     نفسه ، ص 32 .

(4)     نفسه ، ص 173 .

(5)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 92 .

أرشر(1)

[ 1 ]

"إن بحثي لنيل إجازة الدكتوراه كان عن التربية وبناء الأمة. ومن هنا عرفت ما تحتاج إليه الأمم لبنائها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وكذلك البناء الروحي واكتشفت أن أركان الإسلام الأساسية تقدم أساسًا عظيمًا وقاعدة قيمة لإعادة بناء الأمة اجتماعيًا واقتصاديًا وروحيًا. ولذلك فإذا سألتني لماذا اعتنقت الإسلام ؟ سأقول لك لأن الإسلام هو دين فريد من نوعه تشكل فيه أركانه الأساسية قاعدة للحكم تهدي كلا من الضمير وكذلك حياة المؤمنين به على حدّ سواء"(2).

[ 2 ]

"إن تعاليم الإسلام هي تعاليم عملية تقدم نموذجًا لبناء الأمم، كمايمنح الإسلام للضالين إحساسًا بالأمل والاتجاه. ويمكن الفرد المسلم من فهم واجباته نحو الله ونحو بني الإنسان بصورة أفضل"(3).

[ 3 ]

"في الوقت الذي تتحدث فيه الأديان الأخرى عن إله واحد، إلا أنها تعبد ربّين أو ثلاثة. أما المسلمون فيعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئًا. وهنا شعور قوي بالأخوة الإسلامية في العالم الإسلامي وخاصة بين أولئك الذين يؤمنون بالإسلام حقًا ويطبقونه بصدق"(4).

___________________________________

(1) الدكتور دوغلاس أرشر : عبد الله أرشر               Douglas Archer

شاب من جامايكا، في منتصف العقد الخامس من العمر، يعمل مديرًا للمعهد التربوي في منطقة الكاريبي، جامايكا، كان بروتستانتيًا، وبعد أن انتمى للإسلام قدم استقالته من عمله كأستاذ لعلم النفس في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تخصص هناك، وعاد إلى بلاده لكي يسهم في دعوة أبناء وطنه إلى الإسلام.

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 5 / 56 .

(3)     نفسه ، 5 / 56 .

(4)     نفسه ، 5 / 56 .

سير توماس آرنولد

[ 1 ]

".. نرى من أسباب الترحيب الحار الذي لقيه محمد [صلى الله عليه وسلم] في المدينة أن الدخول في الإسلام، قد بدا للطبقة المستنيرة من أهالي المدينة علاجًا لهذه الفوضى التي كان المجتمع يقاسيها، وذلك لما وجدوه في الإسلام من تنظيم محكم للحياة، وإخضاع أهواء الناس الجامحة لقوانين منظمة قد شرعتها سلطة تسمو على الأهواء الفردية"(1).

[ 2 ]

".. لا يغرب عن البال كيف ظهر جليًا أن الإسلام حركة حديثة العهد في بلاد العرب الوثنية، وكيف كانت تتعارض المثل العليا في هذين المجتمعين تعارضًا تامًا. ذلك أن دخول الإسلام في المجتمع العربي لم يدل على مجرد القضاء على قليل من عادات بربرية وحشية فحسب، وإنما كان انقلابًا كاملاً لمثل الحياة التي كانت من قبل.. وأصبح النبي [صلى الله عليه وسلم] بذلك رمزًا لأسلوب جديد.."(2).

".. يعبر الشطر الأول من هذه العقيدة [لا إله إلا الله، محمد رسول الله] عن مبدأ يكاد يقبله جميع الناس على أنه فرض لابد منه، على حين يقوم الشطر الثاني منها على فكرة علاقة الناس بالله وهي مسألة تكاد تكون عامة شاملة كذلك بمعنى أن الله تعالى، في فترات من تاريخ العالم، قد وهب بعض تجليه على الخلق، على لسان أنبياء ملهمين. ولا يستطيع أي فرد أن يوضح الطابع العقلي للعقيدة الإسلامية، وما جنته من هذا الطابع من الفائدة في نشر الدعوة، توضيحًا يبعث على الإعجاب، بأكثر مما وضحه البروفيسور مونتيه في العبارات التالية: (الإسلام في جوهره دين عقلي، بأوسع معاني هذه الكلمة من الوجهتين الاشتقاقية والتاريخية. فإن تعريف الأسلوب العقلي Rationalism بأنه طريقة تقيم العقائد الدينية على أسس من المبادئ المستمدة من العقل والمنطق، ينطبق عليها تمام الانطباق.. إن [للإسلام] كل العلامات التي تدل على أنه مجموعة من العقائد التي قامت على أساس المنطق والعقل. وتتلخص العقيدة الإسلامية من وجهة نظر المؤمنين في الاعتقاد بوحدانية الله ورسالة نبيه [صلى الله عليه وسلم]، أما من وجهة نظرنا نحن الذين نحلل عقائده تحليلاً لا روح فيه، فنعتقد في الله وفي الحياة الآخرة، وهذان المبدآن هما أقل ما ينبغي للاعتقاد الديني، وهما أمران يستقران في نفس الرجل المتدين على أساس ثابت من العقل والمنطق، ويلخصان كل تعاليم العقيدة التي جاء بها القرآن، وأن بساطة هذه التعاليم ووضوحها لهي على وجه التحقيق من أظهر القوى الفعالة في الدين وفي نشاط الدعوة إلى الإسلام.. وعلى الرغم من التطور الخصب، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، لتعاليم النبي [صلى الله عليه وسلم] حفظ القرآن منزلته من غير أن يطرأ عليه تغيير أو تبديل، باعتباره النقطة الأساسية التي بدأت منها تعاليم هذه العقيدة، وقد جهر القرآن دائمًا بمبدأ الوحدانية في عظمة وجلاء وصفاء لا يعتريه التحول، ومن العسير أن نجد في غير الإسلام ما يفوق تلك المزايا. وأن هذا الإخلاص لمبدأ الدين الأساسي، والبساطة الجوهرية في الصورة التي يصاغ فيها هذا الدين والدليل الذي كسبه هذا الدين من اقتناع الدعاة الذين يقومون بنشره اقتناعًا يلتهب حماسة وغيرة، إن هذا كله يكون الأسباب الكثيرة التي تفسّر لنا نجاح جهود دعاة المسلمين. وكان من المتوقع لعقيدة محدودة كل التحديد خالية كل الخلوّ من جميع التعقيدات الفلسفية، ثم هي تبعًا لذلك في متناول إدراك الشخص العادي، أن تمتلك - وإنها لتمتلك فعلاً - قوة عجيبة لاكتساب طريقها إلى ضمائر الناس"(3).

[ 3 ]

"كذلك نجد أداء الصلوات الخمس كل يوم على جانب عظيم من التأثير سواء في جذب الناس، أو الاحتفاظ بالمسلمين منهم. وقد أحسن منتسكيو في قوله: [في كتابه المعروف: روح القوانين]: (أن المرء الأشد ارتباطًا بالدين الحافل بكثير من الشعائر، منه بأي دين آخر أقل منه احتفالاً بالشعائر، وذلك لأن المرء شديد التعلق بالأمور التي تسيطر دائمًا على تفكيره). إن دين المسلم يتمثل دائمًا في مخيلته، وفي الصلوات اليومية، يتجلى هذا الدين في طريقة نسكية خاشعة مؤثرة لا تستطيع أن تترك العابد والمشاهد كليهما غير متأثرين.. فإذا استطاع رينان أن يقول: (ما دخلت مسجدًا قط، دون أن تهزني عاطفة حادة، أو بعبارة أخرى، دون أن يصيبني أسف محقق على أنني لم أكن مسلمًا)(4)، كان من اليسير أن ندرك كيف أن منظر التاجر المسلم في صلاته، وسجداته الكثيرة، وعبادته للإله الذي لا يراه، في سكينة واستغراق، قد يؤثر في الأفريقي الوثني الذي وهب إدراكًا قويًا للقوى الخفية.. وقد يحفز حب الاستطلاع على البحث بطبيعة الحال.."(5).

[ 4 ]

"إن هؤلاء المسلمين يعنون بتلك الفرائض وغيرها من الشعائر الدينية ولكن من غير أن يثقلوا بها كواهلهم، أو تجعلهم مغمورين في الحياة، نجد أركان العقيدة الإسلامية تلقى دون انقطاع تعبيرًا ظاهرًا في حياة المؤمن، ومن ثم نجدها، بعد أن أصبحت متشابكة مع نظام حياته اليومية، تشابكًا لا سبيل إلى الفكاك منه، تجعل المسلم الفرد إمامًا ومعلمًا لعقيدته، أكثر إلى حد بعيد مما هي الحال مع أنصار معظم الديانات الأخرى. إن تحدد هذه الطقوس وواقعيتها ودقتها ليدع المؤمن لا يتخالج في نفسه الشك فيما هو مكلف بأدائه، فإذا أدى هذه الواجبات، اطمأن وجدانه إلى أنه قد أنجز كل أوامر الشرع. وقد نجد إلى حد بعيد، في هذه الوحدة التي تربط بين النظامين العقلي والطقسي في هذا الدين، سرّ السيطرة التي أحدثها الإسلام على عقول الناس. (فإذا أردت أن تجذب إليك جماهير كبيرة من الناس، لقنهم الحقيقة في صورة حماسية، دقيقة واضحة، وفي أسلوب مرئيّ محسن.."(6).

___________________________________

(1)     الدعوة إلى الإسلام ، ص 43 عن: Caetani (Leone): Annaii dell'islam         

(2)     نفسه ، ص 61 .

الدعوة إلى الإسلام ، ص 454 – 456 . أما عبارات مونتيه (Montet) فيستمد المؤلف من كتاب :

(3)     La propagande chretienne et ses adversaires musulmans, pp. 17-18 (Paris, 1890). .

(4)     Emest Renan: L'islamisme et la Science, p. 19 (Paris, 1883). .

(5)     الدعوة إلى الإسلام ، ص 458 – 460 .

(6)     نفسه ، ص 460 ، والعبارة الأخيرة ينقلها عن :    B. Kuenen: National Religions and universal Religions, p. 25, (London, 1882). .

إنجرام(1)

[ 1 ]

"إني أعتقد أن الإسلام هو الدين الذي يدخل السلام والسكينة إلى النفس ويلهم الإنسان العزاء وراحة البال والسلوى في هذه الحياة. وقد تسرب روح الإسلام إلى نفسي فشعرت بنعمة الإيمان بالقضاء الإلهي وعدم المبالاة بالمؤثرات المادية من لذة وألم.. لقد درست الدين الإسلامي مدة سنين، ولم أتخذه دينًا إلا بعد بحث قلبي عميق، وتحليل نفسي طويل، لم أغير ديني إلا لكي أجد الراحة من ضجيج الحياة الجنوني، ولأنعم بالسكينة في ظلال الهدوء والتأمل بعيدًا عن متاعب الهموم والمحن التي يسببها التكالب على الكسب والتهالك على المال، الذي أصبح اليوم معبود البشر وإلههم، ولأخلص نفسي من براثن الأغراء وخدع الحياة الباطلة، والشراب والمخدرات وجنون فرقة الجاز. أسلمت لكي أنقذ ذهني وعقلي وحياتي من الهدم والتدمير"(2).

[ 2 ]

"أنا اليوم ابن الإسلام وإني سعيد أكثر مما كنت في أي يوم من أيام حياتي، وفي مدنيتي الغربية ومع ثيابي الغربية. سعيد كمؤمن يدين بالإسلام الخالد الذي هو أكمل دين سماوي ارتضاه الله للبشرية"(3).

___________________________________

(1)  ركس انجرام             R. Ingram

ولد في اسكتلندا، في أواخر القرن الماضي، وشارك في الحرب العالمية الأولى، ثم رحل إلى العديد من بلاد الشرق، ودرس لغاتها وأديانها، وانتهى به المطاف مصورًا سينمائيًا في هوليود. اعتنق الإسلام بعد أن وجد فيه ضالته المنشودة.

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 1 / 32 .

(3)     نفسه ، 1 / 34 .

أوليفر(1)

[ 1 ]

"بعد أن درست الأديان المختلفة في العالم توصلت إلى الاستنتاج بأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يؤثر في أولئك الذين يؤمنون به وكذلك الذين لا يؤمنون به على حدّ سواء. فأعظم فضيلة للإسلام أنه يأسر قلوب البشر بصورة تلقائية ومن أجل هذا تجد في الإسلام سحرًا غريبًا وجاذبية عظيمة تجتذب إليها ذوي العقليات المتفتحة من غير المسلمين"(2).

[ 2 ]

"إن أهم الجوانب، في الإسلام التي أثرت في نفسي هي بساطة تعاليمه وطريقة الحياة البسيطة المستقيمة التي يحياها المسلمون المتمسكون بتعاليم الإسلام [كما] أن الإسلام لا يعتبر أحدًا خاطئًا منذ ولادته والإسلام هو دين السلام فهو يدعو إلى إشاعة السلام والانسجام بين المسلمين، وليس ذلك فحسب بل يضع المسؤولية على عاتق المسلمين لإقامة السلام في العالم كله"(3).

[ 3 ]

".. إن كل من يؤمن بصدق وإخلاص بهذا الدين يسعى إلى تحرير نفسه من الذنب والخطيئة، ويعمل على أن تكون حياته تجسيدًا وتعبيرًا صادقًا عن كافة الفضائل وهذه الرغبة من جانب المسلم تورث الانسجام والاعتدال في المجتمع الإنساني وهذا الاعتدال بدوره يمهد السبيل نحو تقدم الأفراد والمجتمع.."(4).

[ 4 ]

".. الإسلام، على عكس الهندوكية والنصرانية، لا يحتفظ بأي جزء من تعاليمه ويجعله حكرًا لطبقة خاصة من الناس. بمعنى أنه في الإسلام لا يوجد كهنوت ولا رجال دين كطبقة منفصلة متميزة لها امتيازاتها.. فالتعاليم الإسلامية موجهة إلى كافة البشر وهي بسيطة سهلة يستطيع كل إنسان أن يفهمها بكل يسر. فالإسلام يؤكد في تعاليمه أن على الناس أن يفكروا وأن يستخدموا عقولهم في الأمور الدينية.."(5).

___________________________________

(1)  ماري أوليفر                        Mary Oliver

مسيحية لم تستطع عقيدتها أن تمنحها القناعة، فأخذت تدرس البوذية والهندوسية وإذ لم تجد فيها ما كانت تبحث عنه، انتهى بها المطاف إلى الإسلام، حيث اعتنقته مؤمنة بأنه الدين الوحيد الذي يستجيب لمطالب الإنسان.

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 142 .

(3)     نفسه ، 4 / 142 – 143 .

(4)     نفسه ، 4 / 144 .

(5)     نفسه ، 4 / 144 – 145 .

واشنجتون إيرفنج

[ 1 ]

"ينهى الإسلام عن الوثنية تمامًا في جميع صورها. فقد نهى الإسلام عن جميع الطقوس الدينية في الجاهلية التي تتعلق بالوثنية، ودعا إلى توحيد الله، ولكنه احتفظ من بين هذه الطقوس بما هو بعيد عن الوثنية، مثل الحج إلى مكة والطواف بالكعبة.."(1).

[ 2 ]

"عند قدوم محمد [صلى الله عليه وسلم] إلى المدينة اعتنق بعض أهلها من المسيحيين الإسلام. فقد وجدوا تشابهًا بين التعاليم الإنسانية في كل من الإسلام والمسيحية، ولم يلمسوا أي تعارض بين الدينين، وبخاصة أن الإسلام يضع المسيح [عليه السلام] في مقدمة الأنبياء [عليهم السلام]. أما باقي المسيحيين فلم يُبدوا أي عداء للإسلام فقد اعتبروه أفضل بكثير من الوثنية. ولا شك أن الخلافات العديدة التي كانت قد نشبت بين الطوائف المسيحية في الشرق قد مهدت الطريق أمام المسيحيين ليعتنقوا الإسلام"(2).

___________________________________

(1)     حياة محمد ، ص 75 .

(2)     نفسه ، ص 133 – 134 .

باتيل(1)

[ 1 ]

"لقد أيقنت أن الإسلام هو المنهج الذي يحقق غاية [الوجود الإنساني] فهو يمتاز بالبساطة والواقعية والاستعلاء والحساسية والشمول. فالإسلام يحترم كافة الأديان ويوقر جميع الأنبياء.. قال تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة 116]. فهل هناك أبلغ من هذا الدليل على شمول الإسلام وعقيدته وإيمانه بالله الواحد الأحد؟"(2).

[ 2 ]

".. إن قوة الإسلام في ذاته، في خصائصه الروحية وشموله. وهذا هو سرّ غلبته في النهاية.."(3).

___________________________________

(1)  بشير أحمد عبد الرحمن باتيل                B. A. Pattel

ولد في الهند عام 1929م، في أسرة هندوكية عريقة، ولم يجد في دين آبائه ما يمنحه القناعة الكافية، فانقلب إلى الشيوعية، فلم تلبّ مطالبه هي الأخرى، فنقّب بين الأديان وأخيرًا وجد مستقره في الإسلام، وهو الآن يعمل رئيسًا لقسم اللغة الإنكليزية والتاريخ في إحدى المدارس الثانوية في دار السلام، عاصمة تنزانيا.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 1 / 19 .

(3)  نفسه ، 1 / 21 .

رودي بارت

[ 1 ]

"إن العالم الواسع المترامي الأطراف ما كان ليحس بالعرب لو لم يتحولوا بفضل صلتهم بالإسلام إلى عامل من عوامل القوة السياسية، ويصبحوا بذلك ذوي أهمية إن صح هذا التعبير"(1).

[ 2 ]

"إن الشريعة الإسلامية بمعناها الواسع الذي يشمل تنظيم الشعائر كذلك، هي المضمون الحقيقي للروح الإسلامية الأصيلة، وهي التعبير الحاسم عن التفكير الإسلامين إنها النواة الجوهرية للإسلام على الإطلاق"(2).

___________________________________

(1)     الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية ، ص 20 .

(2)     نفسه ، ص 49 . والعبارة المذكورة وردت في مقدمة كتاب جوتتهلف برحبشتر (المميزات الأساسية للشريعة الإسلامية)، (برلين، 1935م).

بالتودانو(1)

[ 1 ]

".. على العكس من الديانة الكاثوليكية التي تدعو إلى السموّ الروحي عن طريق المعاناة فإن الإسلام يحض الناس على مقاتلة الطغيان. إن النصرانية تجنح إلى اتخاذ موقف سلبي تجاه الحياة، بينما يتصدى الإسلام لمشكلات الحياة بشجاعة"(2).

[ 2 ]

".. الحضارة المادية عليلة مملة، فالمرء يدور فيها في شبه دوّامة، والتحديات فيها قليلة، وحتى عند وقوعها لا يكاد يوجد صراع. فالحياة تنتهي بالتسويات وأنصاف الحلول. إنك لا تنمو، فالمرء لا ينمو إلا في ظل التحدّي، والإسلام هو أعظم تحدٍّ في حياة الإنسان! وهكذا قررت أن أكون مسلمة"(3).

___________________________________

(1)  مرسيدس بالتودانو : فاطمة بالتودانو           M. Paltodano .

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 8 / 52 .

(3)  نفسه ، 8 / 53 – 54 .

بيرغ(1)

[ 1 ]

"لا حاجة بنا إلى الإطناب في بيان المميزات الخاصة بالإسلام ولا في بيان اختلافه العظيم عن الهندوكية.. إن نظام الطوائف الذي تحيا به الهندوكية أو تموت لا أثر له في الإسلام، دين الديمقراطية، وقد استمد قوته على الدوام من حبّ الجماهير له حبًا حماسيًا. إن الإسلام يعرف كيف يجعل له في قلوب الناس مكانًا وأن معتنقيه ليفخرون به.. وليس هناك كاهن يشرف على الحياة الدينية. وإن إجماع المسلمين على اختلاف الرأي رحمة من الله، هذا الإجماع الذي يستلفت النظر بلينه وتسامحه ويبرهن لنا برهانًا جديرًا بالذكر على حاجة المسلمين السائدة إلى توحيد الكلمة، يؤيده عدم وجود سلطة معينة ترغم الناس على رأيها"(2).

[ 2 ]

".. إن الحج المفروض على كل مسلم أن يقوم به مرة في حياته إن استطاع إليه السبيل.. وأثر اللغة العربية في العمل على الوحدة، وتشابه طرق التعليم في كل العالم الإسلامي، كل هذه العوامل جعلت فكرة الوحدة الإسلامية باقيةً في المكان الأول، حتى بعد أن تم تمزق إمبراطورية الخلفاء إلى ولايات مختلفة.."(3).

[ 3 ]

".. إن النزعة التي تصبغ كل شيء بصبغة الدين والتي امتاز بها الإسلام منذ أيامه الأولى، جعلته مدة تزيد على اثني عشر قرنًا دينًا متمكنًا في إمبراطوريات انمحت فيها القوميات وكان هو فيها أكبر قوة تعمل على تماسكها.. لقد حاز الإسلام فضلاً لا سبيل لإنكاره بأنه عمل على حل مشكلة التفاهم بين الأمم وهو فضل لا يجحده حتى غير المسلم ممن يتبع دينًا آخر ويعتنق فكرة أخرى في الحياة.."(4).

___________________________________

(1)  ج . ك . بيرغ                J. K. Birge

عمل أستاذًا في جامعة ليدن، وانصب اهتمامه على تاريخ الصوفية في الإسلام، وكتب أبحاثًا عديدة عن جلال الدين الرومي وغيره.

(2)  وجهة الإسلام ( بإشراف كب ). ص 160 – 161 .

(3)  نفسه ، ص 161 .

(4)  نفسه ، ص 199 – 200 .

بنكمرت(1)

[ 1 ]

"الإسلام دين السلامة والمساواة والحرية، والإخاء والكرامة والعزة، يظهر ذلك جليًا في أحكامه ومبادئه وآدابه. فالصوم في الإسلام ليس كالصوم في الأديان الأخرى، لأن مشكلة الإنسان ليست في أن يكبت مطالب جسده، وأن يتخلى عنها حتى تكون أقرب إلى العدم منها إلى الوجود. فهذا أمر ممكن بالمران والتعود.. مثلما يفعل الرهبان حتى يصير جسد الواحد منهم أشبه بهيكل عظمي متحرك. ولكنهم مع ذلك لم يتركوا أي أثر لهم في الحياة كبشر درجوا على وجه هذه البسيطة وعمروا ما أمكنهم عمرانه فيها، بل انصرفوا عن ذلك في عجز وحسرة. لذلك فالإسلام، الذي هو دين الفطرة، لم يرض للمؤمنين بهذا السلوك السلبي الانعزالي ولم يشرعه لهم، بل عدل مطالب الجسد وهذبها ولم يكبتها، ونمى الغريزة وعلاّها ولم يستأصلها، ورسم الطريق السوي للسير بها نحو الكمال. فالصوم في الإسلام تعويد للنفس على الصبر والجهاد ضد الشهوات الآثمة المحرّمة، ومراقبة الله في السرّ والعلن، واستشعار لطعم الحرمان والجوع كي يعطف الصائم على المحرومين. كما أن في الصوم فرصة لإعطاء الجسم راحة من التخمة. فالصوم مفيد للشخص في صحته وروحه وعقله، وللمجتمع في تقاربه وتعاونه واتحاده.."(2).

[ 2 ]

"لم أجد دينًا وضع للزكاة تشريعًا شاملاً كالإسلام. والمجتمع الإسلامي الذي يحرص على إخراج الزكاة يخلو من الفقر والحرمان والتشرد.. إنني أتصور لو أن العالم كله اهتدى إلى الإسلام لما بقي على ظهر الأرض جائع أو محروم. والمجتمع المسلم الذي يلتزم بأحكام الإسلام وآدابه مجتمع نظيف سعيد تنعدم فيه الجرائم بكافة ألوانها.."(3).

__________________________________

(1)  بريشا بنكمرت : عثمان عبد الله                 Berisha Bankmart

من رجال التربية والتعليم،بمملكة تايلاند، نشأ في أسرة بوذية، يتمسك أفرادها بتعاليم وفلسفة بوذا، لكنه لم يطمئن إليها، وراح يبحث، بعد إكمال دراسته، عن دين يجدر أن يكون "دين البشرية ودين الحياة"، كما يصفه، وفي مطلع عام 1971 أعلن إسلامه، وغير اسمه إلى عثمان عبد الله.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 3 / 114 .

(3)  نفسه ، 3 / 115 .

بنوا(1)

[ 1 ]

"تمسكت بالإسلام، بادئ ذي بدء، لأسباب وراء الطبيعة. ولكن أسبابًا أخرى أيضًا دفعتني إلى ذلك. فعلى سبيل المثال، كنت أرفض ما يزعمه الرهبان لأنفسهم بأنهم يملكون صلاحية الغفران للذنوب نيابة عن الله سبحانه وتعالى.."(2).

[ 2 ]

".. إن أساس الصلاة والعبادة بصورة عامة في الدين الإسلامي النظافة أو الطهارة الحسية والمعنوية. وهذه في الحقيقة هي إحدى خصائص هذا الدين العظيم المميزة له عن سائر الأديان.. إن استخدام الماء في عملية الوضوء قبل الصلاة يجعل المسلم في قمة النشاط في جسمه وعقله.. فإذا تذكرنا أن المسلم يؤدي خمس صلوات كل يوم، نجد أنه يغسل يديه ووجهه وقدميه ضمن عملية الوضوء، خمس مرات يوميًا، فهل هناك وسيلة أفضل من هذه لتحقيق النظافة"(3).

[ 3 ]

"إن السكوت عن طهارة الجسد نجده في الأديان الأخرى غير الإسلام، بل يخالطه كذلك شعور بالعداوة فيما يتعلق بالحياة الجسدية للإنسان، بينما اتضح لي أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتمشى مع الفطرة الإنسانية"(4).

[ 4 ]

"إنني الآن سعيد جدًا بديني الجديد، وإنني أعلن مرة أخرى: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله"(5).

___________________________________

(1)  الدكتور علي سلمان بنوا                 Dr. Ali Selman Benoist

طبيب فرنسي من أسرة كاثوليكية، قرأ كثيرًا عن الإسلام بعد اهتزاز قناعاته بمعطيات المسيحية، ثم أعلن إسلامه في شباط من عام 1953م.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 6 / 6 .

(3)  نفسه ، 6 / 7 – 8 .

(4)  نفسه ، 6 / 9 .

(5)  نفسه 6 / 11 .

مارسيل بوازار

[ 1 ]

".. إن من حق المؤرخ أن يعرف أسس ثقافة دينية المرتكز وسمت تطور الإنسانية بميسمها، ولم تزل حتى اليوم مرجعًا خلقيًا وسياسيًا لملايين البشر. ومن الأهمية بمكان تحليل أفكارها الأساسية وتطور هذه الأفكار المحتمل، والكشف عن الطريقة التي حدّد بها ذلك الدين العالمي الطموح مكانة الفرد في المجتمع وتصوّر تنظيم العلاقات بين الشعوب.. إن تقديم الإسلام على أنه مجرد خصم متصارع من النظريات والبنى التشريعية المعاصرة، أمر غير معقول"(1).

[ 2 ]

".. لا تمييز في العقيدة الإسلامية بين الموجب القانوني والواجب الخلقي.. وهذا الجمع المحكم بين القانون والخلق يؤكد قوة النظام منذ البداية.."(2).

".. أليس من الواقعية والتقدمية أن يؤمن المرء بقيمة الإنسان وحريته وإرادته، وأن يتخيل إنشاء قانون تستطيع كل الشعوب الانضواء تحت لوائه؟ لسوف يسهم الإسلام في إنشاء ذلك القانون"(3).

[ 3 ]

".. إن القضية تتمثل في استرجاع فكرة صلاح الإسلام لكل حين من خلال تجلياته الأبدية والماضية والمستقبلية"(4).

[ 4 ]

"لم يكن من ضمن رسالة [محمد صلى الله عليه وسلم] أن يبطل ما أنزل من قبله، بل أن يصدّقه ناقضًا ما لحق الكتب السماوية من تحريف وانتهاك. وكلف تطهير تعاليم الرسل السابقين [ عليهم السلام] من كل مخالفة، والتوسع فيها وتتميمها لتغدو ملائمة للبشرية جمعاء في كل زمان ومكان.."(5).

"من نوافل الأمور رفض الادّعاء المتكرر آلاف المرات في الغرب عن عجز الإسلام عن تنمية نظام سياسي داينامي. فالتاريخ يكذبه تكذيبًا مرًا وقاطعًا.."(6).

_________________________________

(1)     إنسانية الإسلام، ص 14 ، 15 .

(2)     نفسه ، ص 18 ، 19 .

(3)     نفسه ، ص 24 .

(4)     نفسه ، ص 28 .

(5)     نفسه ، ص 43 .

(6)     نفسه ص 365 ، ونكتفي بهذا القدر من أقوال (بوازار) عن (الإسلام) تجاوزًا لتضخّم المادة، فالكتاب كله (إنسانية الإسلام)، إذا أردنا الحق، يعد بمثابة واحدة من أكثر الشهادات الغربية عمقًا وموضوعية ووضح رؤية للإسلام، ويستحسن أن نحيل القارئ إلى صفحات أخرى تضمنت المزيد من المعطيات (الإيجابية) بحق الإسلام وهي: 25 – 26 ، 33، 35، 45-46، 56-59، 64-66، 68-71، 74، 86-88، 92-99، 101-104، 106، 107-108، 116-117، 119-123، 124، 125، 127، 128-130، 131-132، 133-142، 145-147، 150-151، 153، 155-164، 167، 170-173، 178-183، 205-206، 208-210، 217، 220-222، 227-230، 232-233، 240، 243، 244-247، 250-251، 256-257، 259-260، 267، 274-275، 287-293، 343، 347، 361، 363-367، 372-373، 422-423، 428-429.

ديبورا بوتر

[ 1 ]

"لقد تعرضت في السنوات الأخيرة لفلسفات مختلفة وخضت تجارب من الإيحاء الفردي كانت تكشف لي عن جزء من الحقيقة. أما الآن فقد تجلى لي بوضوح أن هذه التجارب هي جزء لا يتجزأ من النظام الشامل للكون وأنها بعزلتها تصبح قطعًا متناثرة من اللغز الكبير. هذا اللغز المتكامل هو الإسلام الذي أحدث ثورة في العالم بما قدم له من نظام شامل للحياة الخلقية والاجتماعية ونظام الحكم والنظام الروحي للإنسان"(1).

[ 2 ]

".. الإسلام الذي هو قانون الله، نجده واضحًا في الطبيعة من حولنا، فبأمر الله وحده تسير الجبال والبحار والكواكب والنجوم وتهتدي في مساراتها، فهي خاضعة لأمر الله خالقها كما تخضع الشخصيات في رواية من الروايات، ولله المثل الأعلى، فهي لا تنطق ولا تفعل إلا ما يقرره الكاتب. وهكذا فكل ذرة في هذا الكون – حتى الجماد منه – هو أيضًا مسلم. ولكن الإنسان مستثنى من هذه القاعدة فقد منحه الله حرية الاختبار فله أن يستسلم لأمر الله، أو يضع قانونه لنفسه ويسير على دينه الذي يرتضيه، وقد اختار مع الأسف الطريق الثاني في معظم الأحوال"(2).

[ 3 ]

".. الإسلام ليس دينًا جديدًا من عند محمد [صلى الله عليه وسلم] ولكنه عندما انتشر في الأرض بعد مضي ستمائة عام على صعود المسيح [عليه السلام] إلى السماء، نشر ثانية الوحي الذي تجسد في الأديان السماوية السابقة، وأعاده إلى أصله النقي الصافي. فجميع الأنبياء الذين أرسلهم الله [عليهم السلام] كانوا مسلمين ورسالتهم كانت واحدة دائمًا.."(3).

[ 4 ]

"الإسلام نظام عالمي ودين كوني جاء لجميع الناس في كل العصور. ولم يحدث أن أقر الإسلام أية تفرقة بسبب العرق أو الوطن أو الثقافة أو الطبقة فكلّ مؤمن بالحقيقة مسلم يتمتع بالأخوة الإسلامية مع كافة الناس في كل عصر ومصر. وهذا هو سرّ قوة الإسلام"(4).

[ 5 ]

".. [إن] الناس في أوروبا وأمريكا يقبلون على اعتناق الإسلام بأعداد [كبيرة].. لأنهم متعطشون للراحة النفسية والاطمئنان الروحي [بل] إن [عددًا] من المستشرقين والمبشرين النصارى الذين بدؤوا حملتهم مصممين على القضاء على الإسلام وإظهار عيوبه المزعومة، أصبحوا هم أنفسهم مسلمين، وما ذلك إلا لأن الحق حجته دامغة لا سبيل إلى إنكارها"(5).

___________________________________

(1)     رجال ونساء أسلموا ، 8 / 100 .

(2)     نفسه ، 8 / 100 – 101 .

(3)     نفسه ، 8 / 101 .

(4)     نفسه ، 8 / 102 .

(5)     نفسه ، 8 / 114 .

تزفسكن(1)

[ 1 ]

"لم يتبيّن لي الفرق الشاسع بين تعاليم الإسلام وبين كثير من العادات الشرقية إلا عندما دخلت عالم الإسلام الروحي عن طريق القرآن والكتابات الإسلامية.. فشعرت ببطء كيف يجذبني الإسلام. وكانت تعاليمه تخاطب عقلي وفطرتي. وكان من أهم ما شدّني إلى النظام الاجتماعي المثالي في الإسلام، تساوي جميع الأجناس، والتسامح الذي لا حدّ له، والحرية التامة في جميع المجالات الدنيوية والروحية، وكذلك الاعتراف بالحياة الدنيا من غير مبالغة، والاجتهاد في طلب العلم الذي يعتبر فريضة على كل مسلم ومسلمة.. وأخيرًا وليس آخرًا أعجبت بالعلاقة المباشرة بين العبد وربه"(2).

[ 2 ]

".. لقد بدا لي، وأنا أتلو كتاب الله، أن الإسلام وحده هو الطريق الذي علمه الله للناس منذ بدء الخليقة وأنه هو الحق"(3).

[ 3 ]

"يصعب عليّ أن أحدّد نواحي معينة أعجبت بها من بين تعاليم الإسلام. إذ من العسير على المرء أن يفهم تفصيلات الإسلام وجزئياته ما لم يكن قد أحاط به بصفة كلية. فكل شيء في الإسلام وثيق الصلة بالآخر. ولذا فإن المسلم المؤمن لا يمكن أن يركز كل اهتمامه في موضوع واحد فحسب.."(4).

[ 4 ]

".. أما ما يتعلق بي شخصيًا فأكثر ما يهمني من تعاليم ديني هي تلك المعلومات والقواعد التي تعينني على تحقيق التكامل الروحي والعقلي.."(5).

___________________________________

(1)  فاطمة تزفسكن                       Fatima Zuesken

فتاة من تشيكوسلوفاكيا كانت تحمل اسم (مونيكا). ولدت عام 1943م، وتخصصت في الرسم الهندسي. قرأت كثيرًا واتصلت بعدد من المسلمين الألمان، وبعد أن اقتنعت بالإسلام دينًا، أعلنت انتماءها إليه عام 1963م.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 2 / 98 – 99 .

(3)  نفسه ، 2 / 99 .

(4)  نفسه ، 2 / 99 .

(5)  نفسه ، 2 / 100 .

آرنولد توينبي

[ 1 ]

"ما هو سر قوة الإسلام على البقاء، بقاؤه بعد وفاة رسوله، ثم زوال بناة إمبراطوريته من العرب، وانهيار من حلوا محلهم من الإيرانيين وانهزام الخلافة العباسية، وتداعي الدول التي قامت فترة على أنقاض الخلافة العباسية، يكمن التفسير في التجربة الروحية التي مرّ بها المهتدون إلى الإسلام من رعايا الخلافة الأموية من غير العرب لقد تأصلت جذور الإسلام في قلوبهم فأولوه أهمية تفوق نظرة العرب إليه. وإن كان منهم من أقبل على اعتناقه في بداية الأمر، تحقيقًا لمنافع عاجلة. ولا جرم أن عقيدة دينية توفق التوفيق كله تحت تأثير فضائلها الذاتية في الفوز بولاء الناس لها، عقيدة لا يستند بناؤها (أو زوالها) على أهواء تلك النظم السياسية التي تنشد استغلال العقيدة لتحقيق غايات تجافي مبادئها، ليعتبر انتصارها الروحاني، أعجب مثال يبين أنه وإن حلّت الكوارث بالأديان العالمية الأخرى التي سمت إلى تحقيق غايات سياسية، إلا أن الإسلام – عكسها – لم يؤثر فيه هذا الاتجاه، وهذا ما يبديه استقراء اتجاهه السياسي منذ عهد الرسول [صلى الله عليه وسلم] نفسه ثم في عهد خلفائه [رضي الله عنهم] من بعده. فإن هجرة النبي العربي [صلى الله عليه وسلم] من مكة إلى المدينة، قد جعلت منه سياسيًا ناجحًا لامعًا، عوضًا عن بقائه بمكة.. قليل الحظ من الأتباع والأنصار"(1).

[ 2 ]

".. إن الإسلام قد أعاد توكيد وحدانية الله، في مقابل الضعف البادي في تمسك المسيحية بهذه الحقيقة الجوهرية.."(2).

[ 3 ]

"في غضون القرن السابع الميلادي، جدّ في النقاش عامل جديد، كأنه ممثل جديد ظهر على مسرح الأحداث التاريخية على نحو رائع ومثير. فقد نشأ حينئذ دين جديد مكتمل النموّ. كان الإسلام يتعصب للتوحيد ويناهض التصوير مثلما يبتغي أي يهودي، وبفضل ما حققه أنصاره في الميدان الحربي من نجاح متوال – وبعد ذلك بقليل في المجال التبشيري كذلك – واجه المسيحيون أمرًا خطيرًا جديدًا يشغل تفكيرهم.. إن انتصارات العرب المسلمين الأولين قد ألقت وقودًا جديدًا على المجادلات التي ظلت تدور أمدًا طويلاً حول (وثنية) المسيحية.."(3).

___________________________________

(1)     مختصر دراسة التاريخ ، 3 / 54 – 55 .

(2)     نفسه ، 3 / 164 .

(3)     نفسه ، 4 / 64 .

جابا(1)

[ 1 ]

".. [لقد] تأثرت على وجه الخصوص ببساطة المجتمع الإسلامي وإحساسه بكرامته، وبالحب الإنساني المتبادل بين أفراده، كما شدّني إليه ذلك الاحترام ومبدأ المساواة المطبق فيه. وظلت شعلة الإيمان بالإسلام متقدة في قرارة نفسي بشكل مضطرد وبطيء، وأخيراً نجحت هذه النار في كسبي نهائيًا إلى الإسلام وهكذا فإن كلاً من قلبي وعقلي اليوم هما بفضل الله يشرقان بحقيقة الإسلام"(2).

".. [كنت] كلما مررت بأحد المساجد للمسلمين في الهند أفعم قلبي الإحساس بعظمة هذا المكان وقدسيته.. كان قلبي يريد الانضمام إلى جماعة المؤمنين في المسجد، وكان النداء والدافع قويًا إلى درجة أنني لم أتمالك نفسي من الدخول إلى المسجد والوقوف في صف المصلين. والحقيقة أنني لم أستطع مقاومة ذلك وظللت أفعله فترة طويلة من الزمن"(3).

[ 3 ]

"إذا أراد الناس أن يعرفوا لماذا فضلت الإسلام على سائر الأديان الأخرى بما فيها دين آبائي وأجدادي فسوف أقول لهم: أن أول ما جذبني إلى الإسلام هو بساطته وصراحته التامة. ونحن بطبيعة الحال لا نستطيع أن نعدد على أصابعنا كافة المميزات والخصائص العظمى لهذا الدين الحنيف.."(4).

[ 4 ]

".. إن مبدأ المساواة في الإسلام لا يوجد له مثيل، لا في البلشفية ولا في أي من المبادئ الأخرى.. كما أن المساواة الإسلامية تغاير تمامًا الأديان الأخرى التي تجعل للسود أماكن مستقلة للعبادة.. أما في الإسلام فالناس جميعًا سواسية كأسنان المشط.. وهم يقفون كتفًا إلى كتف في صف واحد مستقيم بين يدي الله سبحانه وتعالى في المسجد.. يعبدون ربًا واحدًا لا شريك له.."(5).

___________________________________

(1)  كوفهي لال جابا : خالد لطيف جابا    K. Lal Gaba

رجل سياسي ومؤلف وصحفي، ولد في مدينة لاهور، منحدرًا من أسرة هندوكية عظيمة الثراء، عالية التعليم، لها مكانتها بين الهندوس. وبعد أن أعلن إسلامه انتقل للحياة في بومبي. ومن أشهر مؤلفاته كتاب: (الأصوات العامرة)، وآخر بعنوان: (رسول الصحراء).

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 6 / 95 .

(3)  نفسه ، 6 / 96 .

(4)  نفسه ، 6 / 96 .

(5)  نفسه ، 6 / 97 – 98 .

جاوبا(1)

[ 1 ]

"إن أول شيء شدني إلى هذا الدين هو بساطته ووضوحه التام المطلق.. والصفة الثانية التي جذبتني إلى الإسلام العظيم تلك الروح الديمقراطية الأصيلة التي يتميز بها. فالمساواة في الإسلام تختلف عنها في البلشفية التي تعمل على سحق الأغنياء لصالح الفقراء، ولا هي كالمساواة عند النصارى حيث يجلد الرجل الزنجي لا لشيء إلا لأنه وقع بصره على امرأة بيضاء. ويعبد الزنوج ربهم في كنائس خاصة بهم مستقلة عن كنائس البيض. أما في الإسلام فجميع المساجد مفتحة أبوابها لكل مسلم غنيًا كان أم فقيرًا، أسودَ كان أو أبيضَ، ملكًا كان أو عبدًا. وهذه الصفة تقيم صرح وحدة حقيقية راسخة بين المسلمين. ومن أجل ذلك فإن الدين الإسلامي لا يقيم مراسيم خاصة لكل داخل في الإسلام كما تفعل الأديان الأخرى، وإنما حسب المرء أن ينطق بالشهادتين حتى يغدو عضوًا في أعظم أخوة عالمية يتساوى في ظلها الناس جميعًا في الواقع العملي الملموس إلى جانب الناحية النظرية المجردة.. وليس في العالم كله أشمل وأصدق من هذه الأخوة الإسلامية"(2).

[ 2 ]

".. إن الأمر [الآخر] الذي من أجله اخترت الإسلام هو قدرة الإسلام على التلاؤم والتكيف مع متطلبات الحياة الحاضرة، فليس هناك أي دين من الأديان المعاصرة يتمتع بمثل هذه المقدرة على حل المشكلات الحاضرة التي تواجه الإنسان في هذا الزمان.."(3).

___________________________________

(1)  ك . ل . جاوبا                 K. L. Gauba

هندوكي مثقف، ومحامي كبير بالمحاكم العليا، درس الإسلام، ولم يرض أن يظل على دينه الذي ورثه عن آبائه وأجداده، وأخذ يقارن بين الأديان، وانتهى الأمر به إلى اعتناق الإسلام.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 3 / 83 – 84 .

(3)  نفسه ، 3 / 85 .

فيليب حتّي

[ 1 ]

"الإسلام منهج حياة. وهو – بهذا النظر – يتألف من ثلاثة جوانب أساسية، الجانب الديني والجانب السياسي والجانب الثقافي. هذه الجوانب الثلاثة تتشابك وتتفاعل، وربما انقلب بعضها إلى بعض مرة بعد مرة من غير أن نلحظ ذلك"(1).

[ 2 ]

"الإسلام – بما هو دولة – وحدة سياسية تضمّ مجموعًا من المؤسسات القائمة على الشريعة، على المبادئ القرآنية، أنشأها محمد [صلى الله عليه وسلم] في المدينة، ثم تطورت في أيام خلفائه [رضي الله عنهم] على أنقاض الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) ثم بلغت هذه الدولة الإسلامية ذروة لم تبلغ إليها دولة في العصور الوسطى، ولا في العصور القديمة.."(2).

[ 3 ]

"لا سبيل إلى الموازنة بين محمد رسول الإسلام [صلى الله عليه وسلم] وبين عيسى [عليه السلام] مؤسس النصرانية (في رأي النصارى). إن محمدًا لم يكن فيه صفة ذاتية غير طبيعية ولا جاء مسيطرًا على البشر بقوة خارقة، ولكنه كان مبلغًا لرسالة ربه. ويجب أن نذكر أن هذا الرأي هو الرأي الشرعي العلمي في الإسلام.. من أجل هذا كله نجد المسلمين يأبون أن يسموا (محمديين) بالمعنى الذي يسمى به النصارى (مسيحيين)، وهؤلاء المستشرقون المتأخرون الذين لا يزالون يطلقون هذه التسمية غير المقبولة (الخاطئة) على المسلمين إطلاقًا هينًا يجب أن يعلموا أنه لا يحق لهم أن يسمّوا أمة باسم لا تحبه. إن المسلم، في اللغة، هو الذي (أسلم نفسه لله) (خضع لإرادة الله)، فالإسلام – من أجل ذلك – ليس دينًا محمديًا ولكنه دين التسليم بإرادة الله.."(3).

[ 4 ]

"الشريعة [الإسلامية] لا تفرّق بين ما هو ديني وبين ما هو دنيوي. إنها تنص على صلات الإنسان بالله وعلى واجباته نحو الله وتنظّمها كما تفعل في شأن صلات الإنسان بأخيه الإنسان. وجميع أوامر الله ونواهيه – فيما يتعلق بالأمور الدينية والمدنية وسواها – مثبتة في القرآن. وفي القرآن ستة آلاف آية أو تزيد يتعلق نحو ألف آية منها بالتشريع.."(4).

[ 5 ]

"الفقه يمكن أن ينظر إليه على أنه علم إسلامي خالص. وهو – بخلاف عدد كبير من العلوم كالرياضيات والطب والفلسفة – كله نتاج البيئة الإسلامية نفسها. ثم إننا لا نكاد نلحظ في تطوره أثرًا من الفكر الهندي الإيراني أو الفكر الهندي الأوروبي. ومؤسس علم الفقه في الإسلام لم يلتفت إلى الاستعانة بالقانون الروماني ولا بالفلسفة اليونانية.."(5).

___________________________________

(1)     الإسلام منهج حياة ، ص 9 .

(2)     نفسه ، ص 10 .

(3)     نفسه ، ص 53 .

(4)     نفسه ، ص 95 – 96 .

(5)     نفسه ، ص 100 – 101 .

عامر علي داود

[ 1 ]

".. بفضل دراستي الحرّة البعيدة عن كل تعصّب مقيت أصبح إيماني بهذا الدين [الإسلام] قويًا راسخًا. لقد آمنت برسالة القرآن، وأحسست أن الإسلام هو دين الفطرة والكمال، أنزله الله على قلب آخر الأنبياء وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم. لقد اكتشفت أن الإسلام يخاطب الناس مباشرة ودون أية واسطة من أي نوع. من أجل ذلك كان هذا الدين متمشيًا مع الفطرة البشرية"(1).

[ 2 ]

"إن الإسلام يخاطب الإنسان الكامل. وهكذا أيقنت أن هذا الدين هو خير الأديان جميعًا. لقد شرعت في التحدث عن معتقداتي الجديدة، حول الإسلام والنصرانية وصارحت بها العديد من العلماء المرموقين والقسس المعروفين، وكنت صريحًا وصادقًا في مناقشاتي معهم. لقد سألت القسس لماذا يخدعون الناس بإخفاء الحقيقة ولا يخبرونهم بوضوح وصدق أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو رسول الله ؟ ولما سمعوا مني ذلك غضبوا ولكنهم لم يستطيعوا أن يحيروا جوابًا"(2).

___________________________________

(1)     رجال ونساء أسلموا ، 7 / 118 .

(2)     نفسه، 7 / 118 – 119 .

اميل درمنغم

[ 1 ]

"إن الذي أدى إلى تنافر الإسلام والنصرانية وتغلّب الإسلام على النصرانية هو ما كانت عليه النصرانية من الفساد في القرن السابع من الميلاد، وفرق النصرانية الضالة هي التي كان محمد [صلى الله عليه وسلم] شاهدًا عليها، وهو الذي لم يعرف غيرها، والمسائل المشكوك فيها الكثيرة التي مصدرها ما أدخله اليهود على التلمود وغيره.."(1).

[ 2 ]

"كان للدعوة المحمدية في جزيرة العرب أثر عظيم ثابت في تقدم الأسرة والمجتمع وفي تقدم الصحة أيضًا، فقد حسن بها مصير المرأة، وحرّم بها الزنا والمتعة وحياة الغرام، ومنع بها إكراه القيان على البغاء لإثراء سادتهن. والإسلام، وإن أباح الرق، نظم أحكامه فعدّ فك الرقاب من الحسنات ومكفرًا لبعض السيئات.."(2).

[ 3 ]

".. تُعارض الآداب الإسلامية بالنسك النصراني أحيانًا معارضة مصنوعة فالإسلام وإن بدا أكثر تسامحًا في الميل الجنسي، لم يكلف نفسًا إلا وسعها ويرى كمال العبادة في نيل الجسم حقه الشرعي، ولكن زهد الصوفية المسلمين يعدل زهد نساك جميع الأديان، ولكن الإسلام حرم الخمر وفرض الصوم الصارم الذي لم تعرف مثله ديانة أخرى، ولكن المسلمات ملزمات بهندام وزي يبتعدان كثيرًا عن الأزياء الأوروبية العصرية، فمن العبث إذن أن يزعم وجود فروق كبيرة بين الأدبين مع اختلاف في النظر والعمل وتباين في النظريات نفسها.."(3).

[ 4 ]

"كان كثير من المسلمين يكثرون من التوبة والاستغفار والصلاة والصوم، فرأى محمد [صلى الله عليه وسلم] أن القصد أولى من الإفراط. فأشار بالاعتدال في التقشف وبترك كل ما يميت النفس، وحدث أن بعضهم قادوا أنفسهم إلى الحج بربط أنوفهم بأرسان الجمال فقطع محمد [صلى الله عليه وسلم] هذه الأرسان لأن الله ليست له حاجة بجدع الأنوف"(4).

[ 5 ]

"على ما تراه في دعوة النبي [صلى الله عليه وسلم] من المبادئ الأخروية لم يأل النبي جهدًا في تنظيم المجتمع الإسلامي تنظيمًا عمليًا، فكان القرآن كتاب شريعة كما كان مثل كتاب الزبور"(5).

___________________________________

(1)     حياة محمد ، ص 137 .

(2)     نفسه ، ص 290 .

(3)     نفسه ، ص 292 .

(4)     نفسه ، ص 297 – 298 .

(5)     نفسه ، ص 297 – 298 .

م. ح . دُرّاني

[ 1 ]

"أكثر ما استهواني إلى الإسلام كان ولا يزال جوانبه العملية. فإذا أردت أن تشاهد علاقة الحب الحقيقية التي تقول (أحبب جارك مثلما تحب نفسك) فستجدها في أخوة الإسلام لا في الكنيسة حيث يسعى الباب والمطارنة والأساقفة وغيرهم وراء السلطة مستخدمين اسم الله كمبرر لما يفعلون"(1).

[ 2 ]

"الإسلام لديه النظام والقانون والأخلاق جميعًا، فالطقوس الدينية المفروضة على الأشخاص لها هدف خلقي.. فهي تهدف إلى تنظيم الفرد خلقيًا وروحيًا بطريقة معقولة، كما تهدف إلى تطهير عقله وتنقيته وكذلك تقويته كي يؤدي واجباته تجاه الآخرين الذين يعيشون معه. فالإسلام هو الدين الوحيد من حيث كونه نظريًّا وعمليًّا، لا يطلب من المرء أن يؤمن بمبادئ هامدة وأسرار غامضة كما هو الحال في الديانة النصرانية. إذ أن الإسلام يتقبل جوانب الحياة الروحية والمادية على حدّ سواء، ويضع كلاً في موضعه اللائق به، ويقيم فلسفته على أساس أن تغطي كافة جوانب السلوك الإنساني"(2).

[ 3 ]

".. الإسلام، بادئ ذي بدء، يركز أعظم تركيز على النظافة الشخصية والصحية لا نظافة المناسبات والمراسيم، فالاستحمام الإسلامي كما هو معروف، يختلف كثيرًا الاستحمام لدى الآخرين. والمسلمون يمتنعون عن أطعمة معينة تبعًا لأثرها الضار بأخلاق الناس، ويحرم الإسلام المشروبات المسكرة لأنها تحيل الإنسان إلى وحش. والصلوات الخمس اليومية تنأى بالمرء عن الخبث والآثام. ثم هناك شهر للصوم يمتنع المسلم فيه عن الطعام والشراب وحتى التدخين طوال النهار، وهو دورة رائعة للنظام يتدرب فيه المسلم ويقوي نفسه للصمود في وجه الشدائد.. ويصير سيدًا لشهواته ونزواته، فالرجل الذي تعلم أن ينتصر على شهواته ورغباته وأن يقود نفسه هو رجل قوي.."(3).

[ 4 ]

"على صعيد القانون، في مجال العدل والإنسانية، وفي مجال الحكمة والشفقة، فإن قانون الإسلام لا مثيل له بين أديان العالم. فهو يحدد واجبات الفرد تجاه أقاربه وذويه وجيرانه وعائلته وتجاه المجتمع والأمة التي ينتمي إليها. والقانون في الإسلام واسع اتساعًا لا سبيل معه إلى شرحه في بضعة سطور. وسأكتفي بإبراز صفتين من صفاته تحققان الغرض المطلوب في هذه العجالة. فالدعامة الأولى للقانون الإسلامي تتمثل في أنه يقوم على أساس من المساواة والضمير الحيّ وليس على أي اعتبارات عقلية غريبة عليه. وهذا يعني تناسبه وانسجامه مع تغير الزمان وصلاحيته لكل وقت. وهذا صفة كامنة فيه وبذلك فهو جديد وحديث لا يبلى بمرور الزمان ولا يمكن أن يصبح قديمًا أو أن يعفي عليه الدهر. وأما الصفة الثانية فهي أن القانون الإسلامي لا يقيم وزنًا للأشخاص والذوات الشخصية، ولا يعترف بأية امتيازات أو طبقات أو تمييز بسبب المولد أو الغنى أو المكانة. فالملك والفلاح والسائل والعريض الثراء، كل هؤلاء يقفون على قدم المساواة أمام القانون الإسلامي. وهنا أيضًا لا يوجد أي قانون حتى في القرن العشرين يمكن أن يضاهي القانون الإسلامي. فهناك مئات الشواهد التي يزخر بها التاريخ الإسلامي والتي تذكر لنا كيف كان الملوك المسلمون يأتون مذعنين لأوامر القضاة.. والوقوف مع خصومهم جنبًا إلى جنب للدفاع عن أنفسهم في قضايا شتى. حتى إن النبي الكريم نفسه صلى الله عليه وسلم أعلنها ذات مرة بقوله: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها" "(4).

___________________________________

(1)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 31 .

(2)     نفسه ، 4 / 33 .

(3)     نفسه ، 4 / 33 – 34 .

(4)     نفسه ، 4 / 34 – 35 .

دافيد دي سانتيلانا

[ 1 ]

"ذلكم هو شكل النظام الجديد الذي دعا إليه محمد [صلى الله عليه وسلم].. ونحن نجد في ظله أن قيمة الفرد بدأت تتضح وكينونته البشرية أخذت تبرز إلى عالم الوجود فصار يستمد حقوقه وواجباته من إيمانه ويستقيها من معين دينه لا من روابطه الاجتماعية والعرفية. فمن جماعة المؤمنين هؤلاء تكون المجتمع الإسلامي"(1).

[ 2 ]

".. إن أساس الوحدة الاجتماعية يمثله (الله) في الإسلام. فالله هو الاسم الذي يطلق على السلطة العاملة في حقل المصلحة العامة. وعلى هذا المنوال يكون بيت المال هو (بيت مال الله)، والجند هم (جند الله)، حتى الموظفون العموميون هم (عمال الله) وليست العلاقة بين الله والمؤمن بأقل قوة من ذلك ولا يوجد بين المؤمن وربه (وسيط)، وما دام الإسلام لا يقرّ بسلطان كنسي وكهنوتي ولا يعترف بأسرار كنيسة مقدسة، فأي فائدة ترتجى من الوسيط بين الإنسان وبين خالقه الذي كان يعرفه قبل أن يبدعه والذي هو {أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق~ 6]. إن الله بعد أن أرسل إلى البشر خاتمة أنبيائه وكلمته النهائية، لم يعد ثم من ينطق بلسانه أو يعرف عن إرادته. الإنسان وحده ماثل أمام الله في حياته وموته وله أن يخاطبه رأسًا بلا وسيط، أو شفاعة أو (إجراءات).. والإنسان من فجر حياته حتى موته تحت أنظار الله وهو وحده يمثل أمام الله يوم الحشر.. إن اشد المذاهب البروتستانتية صرامة إنما تكاد تكون مذهبًا كهنوتيًا صرفًا إذا ما قورنت بعقيدة التوحيد الراسخة التي لا تلين ولا تتزعزع ولا تسمح بالتدخل بين الخالق والمخلوق.."(2).

[ 3 ]

"إن مبادئ [الإسلام] القانونية على تعدد أشكالها، تؤول إلى غاية واحدة هي الرفاه العام (المصلحة). لذلك فليس لهذا القانون: الإلهي مصدرًا والبشري هدفًا، إلا سعادة البشر ورفاهه. والعين النافذة لا يمكن أن تخطئ رؤية هذه الغاية وإن شق عليها أن تتبينها لأول وهلة. لأن الله لا يمكن أن يعمل شيئًا لا تتجلى فيه الحكمة والرأفة اللتان هما باعثاه الأساسيان. لما كان البشر من روح وجسد فلابد أن يكون للمرء اتجاهان في الحياة: اتجاه روحي واتجاه جسدي (مادي ومعنوي) وعلى هذا الأساس كانت القواعد (الحدود) الإلهية التي وضعها الله لتدبير البشر منقسمة إلى قسمين: ما يتعلق منها بالروح وما يختص منها بالجسد. فالدين والقانون هما نظامان متباينان لكنهما متلاحمان يتم أحدهما الآخر باتحادهما في المصدر والغرض وهو سعادة البشر ورفاهه"(3).

[ 4 ]

"عبثًا نحاول أن نجد أصولاً واحدة تلتقي فيها الشريعتان الشرقية والغربية (الإسلامية والرومانية) كما استقر الرأي على ذلك. إن الشريعة الإسلامية ذات الحدود المرسومة والمبادئ الثابتة لا يمكن إرجاعها أو نسبتها إلى شرائعنا وقوانيننا لأنها شريعة دينية تغاير أفكارنا أصلاً.."(4).

"لما كان الشرع الإسلامي يستهدف منفعة المجموع، فهو بجوهره شريعة تطورية غير جامدة خلافًا لشريعتنا من بعض الوجوه. ثم إنها علم ما دامت تعتمد على المنطق الجدلي.. وتستند إلى اللغة.. إنها ليست جامدة، ولا تستند إلى مجرد العرف والعادة، ومدارسها الفقهية العظيمة تتفق كلها على هذا الرأي. فيقول أتباع المذهب الحنفي أن القاعدة القانونية ليست بالشيء الجامد الذي لا يقبل التغيير. إنها لا تشبه قواعد النحو والمنطق. ففيها يتمثل كل ما يحدث في المجتمع بصورة عامة.. إن المنفعة هي مبدأ الفقهاء والمشرعين، ولقد أدرك العرب بوضوح تام سرّ هذه المرونة وهو الاستعمال بلا ريب.. أن هذا التفاعل المستمر [للفقه] في الحياة يمكن تتبعه في مسالك التاريخ الإسلامي.."(5).

___________________________________

(1)     تراث الإسلام ، ( إشراف سيرتوما آرنولد )، ص 406 .

(2)     تراث الإسلام ، ص 409 – 410 .

(3)     تراث الإسلام ، ص 413 – 414 .

(4)     نفسه ، ص 431 .

(5)     نفسه ، ص 433 – 434 .

هنري دي كاستري

[ 1 ]

".. وجعلتُ أشاهد حركات المصلين وأسمعهم يكررون بصوت مرتفع الله أكبر، الله أكبر، فكان هذا الاسم الإلهي يأخذ من ذهني مأخذًا لم يوجده فيه درس الموحدين ومطالعة كتب المتكلمين.. وكنت أشعر بأنهم في صلاتهم [تلك] أرفع مني مقامًا وأعزّ نفسًا.. وهم يكررون إلى ربهم صلوات خاشعة تصدر عن قلوب ملئت صدقًا وإيمانًا.. فأحسست أنني منجذب بحلاوة الإسلام كأنني أول مرة شاهدت في الصحراء قومًا يعبدون خالق الأكوان.."(1).

[ 2 ]

".. (لا إله إلا الله) ذلك هو أصل الاعتقاد بإله فرد ورب صمد منزه عن النقائص يكاد العقل يتصوره وهو اعتقاد قوي يؤمن به المسلمون على الدوام ويمتازون به على غيرهم من القبائل والشعوب، أولئك حقًا هم المؤمنون.. ولقد يستحيل أن يكون هذا الاعتقاد وصل إلى النبي [] من مطالعته التوراة والإنجيل، إذ لو قرأ تلك الكتب لردّها لاحتوائها على مذهب التثليث وهو مناقض لفطرته مخالف لوجدانه، فظهور هذا الاعتقاد بواسطته دفعة واحدة هو أعظم مظهر في حياته وهو بذاته أكبر دليل على صدقه في رسالته وأمانته في نبوته"(2).

[ 3 ]

"إن دين الأنبياء [عليهم السلام] كان كله واحدًا فهم متحدون في المذهب منذ آدم إلى محمد [عليهما السلام] وقد نزلت ثلاثة كتب سماوية وهي الزبور والتوراة والقرآن. والقرآن بالنسبة إلى التوراة كالتوراة بالنسبة إلى الزبور وإن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] بالنظر إلى عيسى كعيسى بالنظر إلى موسى [عليهما السلام] ولكن الأمر الذي تهم معرفته هو أن القرآن آخر كتاب سماوي ينزل للناس وصاحبه خاتم الرسل فلا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد [صلى الله عليه وسلم] ولن تجد بعده لكلمات الله تبديلاً. إذا تقرر هذا لم يعد هنالك وجه للاستغراب من وجود بعض التشابه بين القرآن والتوراة، فمحمد [صلى الله عليه وسلم] كعيسى [عليه السلام] قال إنه بعث ليتم رسالة من قبله لا ليبيدها فلم يكن من أمره الابتعاد عمن تقدمه ولذلك كان يصرح على الدوام بأنه يعيد على الناس ما نزل على الأنبياء من قبله.. على أن بعض المشابهات لا تحتاج إلى مثل هذا التفسير إذ نفس محمد [صلى الله عليه وسلم] كانت متأثرة بما تأثرت به نفوس الأنبياء من بني إسرائيل، وكان يعبد الله الذي عبدوه فلا عجب أن تشابهت ألفاظ التضرّعات وتجانست أصوات الدعاء"(3).

[ 4 ]

"لقد كان فكر النبي [صلى الله عليه وسلم] في الألوهية من أرفع الأفكار وأسماها، ولكنه تسامح للناس كثيرًا في رغباتهم وما كانوا إليه يميلون. نعم يجب على الرجل أن يعتقد ويعبد الله، ولكن لا يجب عليه أن يحارب نفسه ويعذبها العذاب الأليم ليقهرها.. ومع ذلك فمن الشهوات ما نهى النبي [صلى الله عليه وسلم] عنه وأمر بمجاهدة النفس فيه. فقد حرم على المسلمين شرب الخمر وكل شراب يؤثر مثله، وقد بالغ المسلمون في العمل بهذا النهي، فكان من وراء ذلك أن نجت الأمم الإسلامية من مرض المسكرات وهي الداهية التي تفجع اليوم أممًا كثيرة من المسيحيين، وكانت إحدى الأسباب في اضطراب المجتمع الإنساني وظهور مذهب الفوضويين مما تجهله الأمم الإسلامية. هكذا جذب الإسلام قسمًا عظيمًا من العالم بما أودع فيه من إعلاء شأن النفس بتصور الذات الإلهية على صفات فوق صفات البشر تذكرها خمس مرات في كل يوم، وبما اشتمل عليه من الترفق بطبيعة البشر حيث أتاح للناس شيئًا مما يشتهون"(4).

[ 5 ]

".. إن الرابط عند المسلمين هي أشد قوة منها لدى غيرهم من الأمم التي تدين بدين واحد، لأن القرآن شريعة دينية وقانون مدني وسياسي.."(5).

___________________________________

(1)     الإسلام : خواطر وسوانح ، ص 2 – 3 .

(2)     نفسه ، ص 17 – 18 .

(3)     نفسه ، ص 23 – 24 .

(4)     نفسه ، ص 13 .

(5)     نفسه ، ص 105 – 106 .

إيتين دينيه

[ 1 ]

".. إن الأمم الإسلامية على اختلاف جنسياتها وبلدانها قد طبعها الإسلام بطابعه الواضح المحسوس. بل إن آثاره لا تزال باقية في أهل أسبانيا وإن كانوا قد ارتدوا عنه منذ خمسة قرون"(1).

[ 2 ]

"إن الإسلام [هو] عقيدة التوحيد الإلهية العليا، وله تلك المبادئ السامية التي تقوم عليها تلك العقيدة.. [ونحن نطلب] من خصومنا أن يدلونا عليها في الإنجيل أو في كتاب مقدس آخر إن كانوا صادقين"(2).

[ 3 ]

".. إن الإسلام منذ البداية في أيامه الأولى قد أخذ في محاربة الخرافات والبدع، وهو نفس العمل الذي يقوم به العلم إلى يومنا هذا"(3).

[ 4 ]

"كما أن الإسلام قد صلح منذ نشأته لجميع الشعوب والأجناس فهو صالح كذلك لكل أنواع العقليات وجميع درجات المدنيات.. وبينما تجد الإسلام يهيج من نفسه الرجل العملي في أسواق لندن حيث مبدأ القوم (الوقت من ذهب) إذ هو يأخذ بلب ذلك الفيلسوف الروحاني، وكما يتقبله عن رضا ذلك الشرقي ذو التأملات.. إذ يهواه ذلك الغربي الذي أفناه الفن وتملكه الشعر"(4).

[ 5 ]

"عندما رفع الله إليه مؤسس الإسلام [صلى الله عليه وسلم] كان هذا الدين القويم قد تمّ تنظيمه نهائيًا، وبكل دقة، حتى في أقل تفاصيله شأنًا"(5).

___________________________________

(1)     أشعة خاصة بنور الإسلام ، ص 15 .

(2)     نفسه ، ص 15 .

(3)     نفسه ، ص 18 .

(4)     نفسه ، ص 38 .

(5)     نفسه ، ص 315 .

ول ديورانت

[ 1 ]

"تلك بلا مراء عقيدة نبيلة سامية ألفت بين الأمم المتباينة المنتشرة في قارات الأرض فجعلت منها شعبًا واحدًا، وهي لعمري أعظم معجزة للمسيحية والإسلام"(1).

[ 2 ]

".. إن الذين يجهلون الإسلام هم وحدهم الذين يظنون أنه دين سهل من الوجهة الأخلاقية.. وليس في التاريخ دين غير دين الإسلام يدعو أتباعه على الدوام إلى أن يكونوا أقوياء، ولم يفلح في هذه الدعوة دين آخر بقدر ما أفلح فيها الإسلام.."(2).

[ 3 ]

".. كانت مبادئ [المسلمين] الأخلاقية، وشريعتهم، وحكومتهم، قائمة كلها على أساس الدين. والإسلام أبسط الأديان كلها وأوضحها، وأساسه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.."(3).

[ 4 ]

".. أُحِلّ للمسلمين أن يستمتعوا بالحلال من طيبات الحياة على شريطة ألا يسرفوا فيها. ولكن الإسلام كغيره من الأديان يدعو المسلمين إلى الصوم ليقوى بذلك إرادتهم من جهة، ولتصحّ به أجسامهم من جهة أخرى.."(4).

[ 5 ]

"لفريضة [الحج] العظيمة أغراض وفوائد كثيرة. فهي تقوي إيمان المسلمين واستمساكهم بدينهم، وتمكن الصلة بهذا العمل العاطفي الجماعي بين المسلم ودينه وبينه وبين إخوانه المؤمنين.. فالحج وما ينطوي عليه من مناسك التقى والورع يجمع أبناء الشعوب الإسلامية كافة، يرتدون كلهم ثيابًا بسيطة واحدة، ويتلون كلهم أدعية واحدة بلغة واحدة وهي اللغة العربية، ولعل هذا هو السبب في ضعف حدة الفوارق العنصرية في الإسلام.."(5).

____________________________________

(1)     قصة الحضارة ، 13 / 66 .

(2)     نفسه ، 13 / 67 – 68 .

(3)     نفسه ، 13 / 116 .

(4)     نفسه ، 13 / 123 .

(5)     نفسه ، 13 / 127 – 128 .

راموني(1)

[ 1 ]

"لم يكن لي خيار من المقارنة بين مبدأ توحيد الله في التصور القرآني وبين اعتقادي في الثالوث كمسيحي. فوجدت أن المبدأ الأخير أدنى بكثير من المبدأ الإسلامي. ومن تلك البقعة بالذات بدأت أفقد الثقة في الديانة المسيحية على اعتبار أن الإيمان بالله هو أول وأهم مبدأ في أي دين من الأديان فإذا كان إيماني بالله خاطئًا بالمفهوم الديني الصحيح، فمعنى ذلك أن كل نشاط آخر يصبح عبثًا لا جدوى منه ولا معنى له"(2).

[ 2 ]

".. إنني على يقين تام من أن الإسلام يعزز مبادئه وتعاليمه بالحجج المنطقية على النقيض من الأديان الأخرى. وهكذا فعلى الرغم من الجهود الضخمة التي تبذلها الأديان المختلفة الأخرى فقد عجزت تمامًا عن منافسة الإسلام، ناهيك عن سبقه إلى قلوب الناس.. كما أن الملاحظ أن جميع الدعوات الأخرى في انحسار دائم أمام عظمة الإسلام"(3).

[ 3 ]

"إن الإسلام هو أعظم الأديان ملاءمة لجيلنا المتحضر ولكل جيل. فالإسلام لا يفصل بين الدين والدنيا بحيث تتحول الحياة إلى طريقين مختلفين تمامًا، وهذا يشكل خلاصة الأزمة المعاصرة للإنسان. لقد اعتنقت الإسلام لأنه دين طبقات الناس جميعًا، كبيرها وصغيرها، غنيها وفقيرها، دين الأحرار والعبيد، والسادة والمسودين"(4).

___________________________________

(1)  ناجيمو راموني                     Najimu Ramoni

من غانا، بإفريقية الغربية، ولد لأبوين مسيحيين، عضوين في كنيسة البعثة المعمدانية، وتلقى تعليمه في المدارس التبشيرية، ولما بلغ العشرين بدأ مهمته كمبشر متحمّس، لكنه عثر يومًا على كتاب عن الإسلام قدمه إليه أحد أصدقائه فاهتزّت قناعاته بالنصرانية أمام صدق الإسلام ووضوحه ودقته المعجزة، واستمر في طريق البحث عن الحق حتى خريف عام 1963 حيث أعلن إسلامه.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 9 / 54 – 55 .

(3)  نفسه ، 9 / 57 .

(4)  نفسه ، 9 / 57 – 58 .

ركويل(1)

[ 1 ]

"لقد جذبني إلى الإسلام عوامل كثيرة لا أستطيع حصرها أو الوقوف عليها جميعًا، لأن منها الظاهر الجليّ الذي لا يماري فيه إنسان، ومنها الباطن الخفي الذي يغوص في أعمال الروح ويكمن في خبايا الضمير. لقد قرأت عن الإسلام وقرأت عن القرآن وشيئًا من سيرة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام فلفت نظري الشيء الكثير. لفت نظري بساطة العقيدة الإسلامية وسهولتها، فليست هناك أسرار ولا ألغاز تؤمن بها ولا تناقشها ، بل مردّ الإيمان إلى العقل والنظر في ملكوت الله ، وما في الكون من نظام بديع يهدي ضرورة إلى وجود إله معترف له الخلق والأمر"(2).

[ 2 ]

".. إذا عرفت الله وآمنت بوجوده فالإسلام يقول لك إن الله أقرب إليك من حبل الوريد.. فلا ضرورة إذن للوسيط بينك وبين خالقك، ولا حاجة إلى كاهن تعترف له فيقبل التوبة منك، أو هيكل لا تتم العبادة إلا فيه.."(3).

[ 3 ]

".. أن الجانب الإنساني في الإسلام واضح ملموس، فالناس سواء أمام الله، وإن اختلفوا في حظوظ الدنيا ومتاعها، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.."(4).

___________________________________

(1)  دونالد ركويل : محمد عبد الله                    D. Rikwell

من مواليد تيلور فيل، بالولايات المتحدة الأمريكية، تلقى تعليمه في مدرسة سبرنج فيلد العليا بواشنطن، ثم أتم دراساته في جامعات واشنطن وكولومبيا، حيث نال جوائز علمية كثيرة. وهو شاعر، وناقد أدبي، وكاتب صحفي، اعتنق الإسلام بعد أن لم تقنعه عقيدته النصرانية.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 7 / 9 .

(3)  نفسه ، 7 / 9 – 10 .

(4)  نفسه ، 7 / 10 .

رودريك(1)

[ 1 ]

".. لم يمض وقت طويل حتى أيقنت أن هذا الدين – الإسلام – هو الدين الحق بالمقارنة بكافة الأديان الأخرى"(2).

[ 2 ]

".. الاعتقاد الإسلامي بوحدانية الله، وهو حجر الزاوية بالنسبة للإسلام، أقرب إلى العقل والمنطق من مبدأ التثليث مثلاً. إذ أن فطرتي استساغت الإيمان بالله الواحد.."(3).

[ 3 ]

".. لقد أعجبني كثيرًا موقف الإسلام من الأديان الأخرى [حيث] نجد أن الإسلام ينظر إلى الأديان الكبرى في العالم بأن لها أصلاً سماويًّا واحدًا، وهذا نوع من الاعتراف والتقدير للأديان الأخرى، وهو أقرب إلى المنطق والتسامح من الموقف النصراني الذي يصف كافة الديانات الأخرى غير النصرانية بالوثنية.."(4).

[ 4 ]

"[إن تعاليم الإسلام الخلقية تحقق امتزاجًا تامًا بين المثالية والواقعية، فيستطيع الإنسان بفضلها أن يتعرف إلى الله، ويصبح ربانيًا، بينما يكون منهمكًا في شؤون حياته اليومية.. وليس في الإسلام أي فصل بين الدين والسياسة، فمن واجب الدولة المسلمة أن تراعي معاملاتها نفس المبادئ الخلقية المفروضة على الأفراد. فالسياسة في الإسلام أخلاق أولاً وقبل كل شيء. وهذا ينعكس بالطبع على موقف الدولة المسلمة الحقة من الناس جميعًا ومن الدول الأخرى من حولها وهكذا فليس في الإسلام أي مجال للظلم أو الاستغلال من أي نوع، كما أنه لا سبيل إلى قيام شيء يشبه الاستعمار أو الرأسمالية أو الاغترار بالقوة الباغية ولا مجال لقيام صراع طبقي أو حرب جائرة معتدية.."(5).

[ 5 ]

"لقد تأثرت أعظم التأثر بمبدأ الأخوة في الإسلام الذي يشمل كافة بني البشر بصرف النظر عن اللون أو العنصر أو المعتقد. فالإسلام هو الدين الوحيد الذي استطاع أن يحقق هذا المبدأ العظيم في الواقع العملي، فالناس جميعًا متساوون ومبدأ الأخوة مقدم على كل اعتبار آخر"(6).

___________________________________

(1)  بيجي رودريك                       Peggy Raderik

شاب هندي، نشأ في ظل الاستعمار البريطاني للهند، وكان نصرانيًا فأسلم في منتصف الأربعينات رغم التربية التبشيرية التي تلقاها على يد النصارى الذين كانوا منتشرين في شبه القارة الهندية.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 6 / 112 .

(3)  نفسه ، 6 / 112 .

(4)  نفسه ، 6 / 112 – 113 .

(5)  نفسه ، 6 / 114 .

(6)  نفسه ، 6 / 116 .

مكسيم رودنس

[ 1 ]

"أصبح الناس – في الوقت الذي نتكلم عنه – يستطيعون رؤية الدين الذي كان ينافس المسيحية، بنظرة محايدة بل بشيء من التعاطف، ولعلهم كانوا يبحثون فيه بصورة لا شعورية (ويجدون فيه بالطبع) نفس قيم الاتجاه العقلاني الجديد الذي كان مخالفًا للمسيحية. ففي القرن السابع عشر انبرى كثير من الكتاب للدفاع عن الإسلام ضد الإجحاف الذي ناله في العصور الوسطى وضد مجادلات المنتقصين من قدره، وأثبتوا قيمة وإخلاص التقوى الإسلامية.. وانتقل الجيل التالي من الموضوعية إلى مرحلة الإعجاب.. فكان ينظر إلى الإسلام كدين عقلاني بعيد كل البعد عن العقائد المسيحية المخالفة للعقل.. ثم إنه وفق بين الدعوة إلى حياة أخلاقية وبين حاجات الجسد والحواس والحياة في المجتمع. وخلاصة القول فهو كدين كان قريبًا جدًا من الدين الطبيعي الذي كان يعتقد به معظم (رجال عصر التنوير).."(1).

[ 2 ]

".. ظهر الإسلام لبعض أولئك [اليساريين الأوربيين] على أنه في جوهره عامل (تقدمي) بطبيعته، بل اعتنق بعضهم ذلك الدين الإسلامي.."(2).

[ 3 ]

"في أكتوبر 1965 أشاد مجلس الفاتيكان المسكوني (بالحقائق) التي جاء بها الإسلام والتي تتعلق بالله وقدرته ويسوع ومريم والأنبياء والمرسلين [عليهم السلام].. ولقد أعجب بعض المسيحيين بالقيمة الروحية الدينية الإسلامية وأزعجتهم مواقف الظلم التاريخية التي وقفتها شعوبهم من الإسلام.."(3).

___________________________________

(1)     تراث الإسلام (تصنيف شاخت وبوزوث)، 1 / 64 – 66 .

(2)     نفسه ، 1 / 94 .

(3)     نفسه ، 1 / 95 .

فرانز روزنثال

[ 1 ]

"عندما ظهر الرسول [صلى الله عليه وسلم] كانت اليهودية والنصرانية منتشرين في الجزيرة ولهما آراء متشابهة في التفسير التاريخي للحياة الإنسانية غير أن الدين الإسلامي الذي بشر به الرسول [صلى الله عليه وسلم] كان يتميز بالوضوح والقدرة على تفهم أسس هذا الوجود بصورة واضحة جدًا ومن غير تعسّف. والواقع أن مفاهيم الإسلام أوضح وأقل جمودًا من ناحية العقيدة، ومن مفاهيم اليهود والنصارى الدينية"(1).

___________________________________

(1)  علم التاريخ عند المسلمين ، ص 39 .

جاك ريسلر

[ 1 ]

".. إن هذا الكتاب يمكن أن يتيح لمن يتصفحونه أن يدركوا على أفضل وجه ما الروح الإسلامية، وكيف صيغت هذه الروح على مر العصور. لقد وقف الرجل الغربي تجاه العالم العربي في حيرة وكأنه أمام سرّ غامض، فلم يكن مألوفًا له أي رد فعل من ردود الفعل الإسلامية، ولم يدرك كل نهج في وجود هذه الروح وفي الإحسان بها وفي قوتها الدافقة"(1).

[ 2 ]

"في سعي الإسلام إلى (المطلق) نبذ - لشدة عنايته بوحدة الله ووحدانيته - عقيدة الثالوث المقدس مبتعدًا في ذلك عن المسيحية التي كان يتهمها بنوع من الشرك لاعتقادها في ألوهية ثلاثة أشخاص. ولقد احترم الإسلام احترامًا نادر المثال تاريخ الأديان فاعترف بأن الكتب المقدسة لليهود والنصارى منزلة [قبل أن يمسها التحريف].. وقد أشار النبي [صلى الله عليه وسلم] للدلالة على صدق رسالته إلى ما بين القرآن والكتاب المقدس من توافق وحَثّ بكل تسامح وقوة إدراك في الوقت نفسه، اليهود على إطاعة شريعتهم، والمسيحيين على إطاعة أناجيلهم، وعلى أن يرتضوا القرآن، خاتم الكتب المقدسة والدين الإسلامي خاتم الأديان المنزلة"(2).

[ 3 ]

"كانت الزكاة قبل كل شيء عملاً تعاونيًا حرًا وإداريًا ينظر إليه على أنه فضيلة كبرى. وفي تنظيم جماعة (المدينة) اعتد النبي [صلى الله عليه وسلم] هذا العمل الخير كضريبة شرعية إجبارية لصالح الفقراء والمعوزين. وسيتحول فيما بعد هذا النظام وسيتولد عنه هيئة من موظفين وبيت مال.. لكن إذا كانت الدولة قد صنعت هذا العمل الخيّر مصدرًا لمواردها، فإن مبدأ الزكاة ظل – بفضل القرآن – فضيلة مارسها المسلمون تلقائيًا بوصفه واجبًا دينيًا. وينبغي أن نزجي الثناء لمحمد [صلى الله عليه وسلم] فقد كان أول من شرع ضريبة تجبى من الأغنياء للفقراء، هكذا أوجد القرآن الرحمة الإجبارية"(3).

[ 4 ]

".. الدين الإسلامي ليست له قرابين مقدسة ولا طقوس، والصلاة صلته المباشرة بين الله والمؤمنين.. وفي المسجد ينبض قلب الإسلام.. وفي أرجائه يحس المرء إحساسًا حيًا أنه بحضرة الله . الحق أنه لا شيء في المسجد إلا البساطة.. والجمال والتجانس.."(4).

[ 5 ]

".. على الرغم من تنوع الأجناس والشعوب التي تشكل الإسلام، كان المسلمون يبينون سلفًا عن خصائص متشابهة، وعلى الرغم من كل ما يمكن أن يفرّق بين حضر وبدو، أغنياء وفقراء، كانوا يسلكون تقريبًا مسلكاً واحدًا. ذلك أن أية عقيدة تقوم على أسس ثابتة تحدث ردود فعل مماثلة عند أقوام متفاوتة. وقد وضع روح القرآن قواعد التصرفات اليومية للناس، وخلق الجو المعنوي للحياة، حتى تغلغل شيئًا فشيئًا في الأفكار فانتهى بتشكيل متناسق للعقليات والأخلاق. كما كان تأثير الدين عظيمًا بسبب انتشار اللغة، وبسبب نتائج السياسة الخارجية المشتركة، وكذلك بسبب نتائج نظام اجتماعي معمّم"(5).

[ 6 ]

".. إن اسم الإسلام يمكن أن يؤخذ على ثلاثة معان مختلفة: المعنى الأول دين، والثاني دولة، والثالث ثقافة، وبالاختصار حضارة فريدة"(6).

___________________________________

(1)     الحضارة العربية ، ص 1 (مقدمة الكتاب).

(2)     نفسه ، ص 7 – 8 .

(3)     نفسه ، ص 34 .

(4)     نفسه ، ص 36 .

(5)     نفسه ، ص 50 .

(6)     نفسه ، ص 67 .

جورج سارتون

[ 1 ]

".. [ثمة] حادثة واحدة من أخصب الحوادث نتائج في تاريخ الإنسانية ألا وهي ظهور الإسلام.."(1).

[ 2 ]

"كانت الهجرة حدًا فاصلاً في حياة الرسول [صلى الله عليه وسلم]، وفي تاريخ الدين الجديد. إنها البدء الرسمي للإسلام كدين ودولة معًا.."(2).

[ 3 ]

"ليس في أركان الإسلام [الخمسة] شيء ينفر منه غير المسلم وعلى الرغم من بساطة هذه الفروض وقلة عددها فإنه لم يكن بالإمكان إدخال إصلاح ما عليها يقود إلى أن تثبت العقيدة الإسلامية في نفسه كل مسلم أو تقوى بعد ثبوتها ثم يسهل انتشارها فوق ما ثبتت وقويت وانتشرت فعلاً. إن القيمة العملية للعقيدة الإسلامية لها دليل ذاتي من قوتها ورسوخها وانتشارها.."(3).

[ 4 ]

".. إن فرض الصيام في كل نهار من مطلع الفجر إلى غياب الشمس شهرًا كاملاً كان امتحانًا قاسيًا لكل مسلم.. ولكنه كان وسيلة بارعة لسبر غور الإيمان في صدر كل مسلم ولتثبيت ذلك الإيمان أيضًا.. ولقد أدرك الإسلام الحاجة إلى تنظيم شديد كيما يقوى إيمان المسلمين وتتطهر قلوبهم. من أجل ذلك كان شهر الصيام والحج من التمارين التي تحمل على هذا التنظيم وتقوم به أحسن قيام، إن كثيرًا من كنائسنا نحن قد ضعفت إلى درجة التفاهة لتساهلها ولفقدان التنظيم فيها ولقلة ما تفرضه على أتباعها. إن اتباع هذه الكنائس إذا دفعوا اشتراكاتهم (بدل جلوسهم على مقاعد الكنيسة) عدوا من المؤمنين حقًا. إن مثل هذه الكنائس قد تكون غنية، ومع ذلك فإنها، من حيث التأثير، في حكم المفقودة. فإذا كنتم تريدون أتباع كنائس ذوي إيمان فعليكم أن تفرضوا عليهم نظامًا شديدًا وأن تطلبوا منهم تضحيات حقيقية. ولقد عرف محمد [صلى الله عليه وسلم] ذلك جيدًا، وهذه علامة [أخرى] من علامات عبقرية النبوة فيه"(4).

[ 5 ]

".. [ما تميز به الإسلام] من السماحة والبساطة والاعتدال، يسرّ لأي إنسان في أي موطن، أن يتقبله وينفذ إلى روحه وجوهره منذ اللحظة الأولى.."(5).

[ 6 ]

".. كان النبي محمد [صلى الله عليه وسلم] أشمل في دعوته وأعمق من كل من سواه من الأنبياء"(6).

[ 7 ]

".. حرم الإسلام الخمر في مطلع دعوته، وها نحن اليوم بعد أن انتشرت الخمور وزادت نسبة الكحول فيها إلى درجة فتاكة ندرك حكمة الإسلام وبعد نظره.."(7).

___________________________________

(1)     الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط ، ص 28 .

(2)     نفسه ، ص 30 .

(3)     نفسه ، ص 32 .

(4)     نفسه ، ص 40 – 42 .

(5)     الشرق الأدنى : مجتمعه وثقافته ( بإشراف كويلر يونغ )، ص 140 .

(6)     نفسه ، 140 .

(7)     نفسه ، ص 140 .

يوجينا ستشيجفسكا

[ 1 ]

"ليس معنى الإيمان بالقضاء والقدر أن يترك المسلم العمل لأن القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم أمرا بالعمل والاجتهاد في كل شيء . وقال الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة 105].."(1).

[ 2 ]

"فرض الله سبحانه وتعالى على المسلم خمس صلوات في اليوم ليكون دائم الاتصال بالله، وقبل أن يدخل المسلم الصلاة لابدّ أن يكون طاهرًا ونظيفًا فالإسلام دين النظافة"(2).

[ 3 ]

"كان تاريخ التشريع في عهد الخلفاء الراشدين [رضي الله عنهم] يعتمد على الشورى، وأساسها قول الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران 159]، وكذلك فعل الرسول [صلى الله عليه وسلم] مع أصحابه، فقد كان يستشيرهم في الأمور التي لم ينزل فيها عليه وحي"(3).

[ 4 ]

"كان الفقه مدار سياستهم وروح حياتهم وبه تدبير ملكهم . وكانت حركة الإسلام سريعة الانتشار حتى عمت المشارق والمغارب لأن الإسلام يأمر أهله بالوقوف عند حدود الشريعة وبصيانة حقوق الخلق أجمعين سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين . فكان للفقه (علم التشريع) زمان الخلفاء مكانة أعظم مما عليه علم الحقوق الآن عند الأمم المتمدنة، وكان الفقهاء هم أرباب الشريعة والشورى (نواب الأمة) وبيدهم تدبير كل الأمور ولا يصدر عمل عظيم أو حقير إلا وفاقًا للتشريع وعلى مقتضى الحق"(4).

[ 5 ]

"كان للأمة الحرية المطلقة والرقابة على أعمال الخلفاء الراشدين [رضي الله عنهم] ومدى موافقتها لنصوص الشريعة وخضوعها لآراء الفقهاء، وسيرهم على الحق الواضح والمحجة البيضاء. ولم ينقل أحد من المؤرخين سواء كانوا عربًا أم غيرهم انتقادًا للخلفاء بظلم أو سوء تصرف، بل اعترف الكل بأن عدلهم وحسن سلوكهم وصراحة طريقتهم قد حببت فيهم غيرهم من الشعوب، حتى أسقطوا عروش ملوكهم وخربوا دولهم وأسسوا بدلاً منها دولة الإسلام الذي عشقوه لعدل قوانينه، ونزاهة حكامه وعفتهم ورفقهم واتباعهم لشرعهم لا يتعدونه ، وكانت نصوص الشريعة واضحة لم يدخلها تأويل ولا شبهات"(5).

___________________________________

(1)     تاريخ الدولة الإسلامية وتشريعها ، ص 19 .

(2)     نفسه ، ص 20 .

(3)     تاريخ الدول الإسلامية وتشريعها ، ص 39 .

(4)     نفسه ، ص 67 .

(5)     نفسه ، ص 68 .

ستودارد(1)

[ 1 ]

"كاد يكون نبأ نشوء الإسلام النبأ الأعجب الذي دوّن في تاريخ الإنسان. ظهر الإسلام في أمة كانت من قبل ذلك العهد متضعضعة الكيان، وبلاد منمطة الشأن، فلم يمضِ على ظهوره عشرة عقود حتى انتشر في نصف الأرض ممزقًا ممالك عالية الذرى مترامية الأطراف، وهادمًا أديانًا قديمة كرت عليها الحقب والأجيال، ومغيرًا ما بنفوس الأمم والأقوام، وبانيًا عالمًا حديثًا متراص الأركان، هو عالم الإسلام"(2).

[ 2 ]

"كلما زدنا استقصاء باحثين في سرّ تقدم الإسلام وتعاليمه، زادنا ذلك العجب العجاب بهرًا فارتددنا عنه بأطراف حاسرة عرفنا أن سائر الأديان العظمى إنما نشأت ثم أنشأت تسير في سبيلها سيرًا بطيئًا ملاقية كل صعب، حتى كان أن قيض الله لكل دين منها ما أراده له من ملك ناصر وسلطان قاهر انتحل ذلك الدين ثم أخذ في تأييده والذب عنه حتى رسخت أركانه.. إنما ليس الأمر كذلك في الإسلام الذي نشأ في بلاد صحراوية تجوب فيافيها شتى القبائل الرحالة التي لم تكن من قبل رفيعة المكانة والمنزلة في التاريخ، فلسرعان ما شرع يتدفق وينتشر وتتسع رقعته في جهات الأرض مجتازًا أفدح الخطوب وأصعب العقبات دون أن يكون له من الأمم الأخرى عون يذكر ولا أزر مشدود. وعلى شدة هذه المكاره فقد نصر الإسلام نصرًا مبينًا عجيبًا، إذ لم يكد يمضي على ظهوره أكثر من قرنين، حتى باتت راية الإسلام خفاقة من (البرانس) حتى (هملايا) ومن صحاري أواسط آسيا حتى صحاري أواسط أفريقيا"(3).

[ 3 ]

"الجامعة الإسلامية بمعناها الشامل ومفهومها العام إنما هي الشعور بالوحدة العامة والعروة الوثقى لا انفصام لها في جميع المؤمنين في المعمور الإسلامي. وهي قديمة بأصلها ومنشئها منذ عهد صاحب الرسالة [صلى الله عليه وسلم] أي منذ شرع الرسول يجاهد فالتف حوله المهاجرون والأنصار معتصبين معه بعصبة الإسلام لقتال المشركين. وقد أدرك محمد [صلى الله عليه وسلم] خطورة الجامعة وعلو منزلتها في المسلمين حق الإدراك، وعلم كل العلم ما لها من عظم الشأن.. فغرس غرستها بيديه في نفوسهم، فنمت وتغلغلت وامتدت جذورها وبسقت أغصانها.. فقد كرّ عليها أكثر من ثلاثة عشر قرنًا فما أوهن كرور هذه القرون من الجامعة الإسلامية جانبًا ولا ضعضع لها كيانًا، بل كلما تقادم عليها العهد ازدادت شدة وقوة ومنعة واعتزازًا. حقًا أن الجامعة اليوم بين المسلم والمسلم لأقوى منها بين النصراني والنصراني.. ومن أحب أن يقف حق الوقوف على ما أراده الإسلام من غرض الجامعة وغايتها فلينظر إلى حال المسلمين اليوم وإلى تيار هذا التعاطف والتشاكي يعلم سرّ الجامعة ومكانتها في نفوس المسلمين وفي الواقع ليس من دين في الدنيا جامع لأبنائه بعضهم مع بعض موحد لشعورهم دافع بهم نحو الجامعة العامة والاستمساك بعروقها كدين الإسلام.."(4).

[ 4 ]

"الإسلام في عهده الأول، إنما كانت شمس الحرية مشرقة وهاجة، ودينًا تجلت فيه المنازع الحرة الشريفة، وليس ما طرأ على العالم الإسلامي فيما بعد من الوهن والتدني بحاجب المنصف عن جوهر الإسلام وحقيقة صفائه، فالشريعة الإسلامية كما قال العلامة ليسبار: (إنما هي ديمقراطية شورية جوهرًا وأصلاً، وعدو شديد للاستبداد). وقد أجمل قامباري هذه الحقيقة في شأن الإسلام بقوله: (ليس الإسلام ولا تعاليمه السبب المفضي بآسيا الغربية إلى هذه الحالة المشهودة من التضعضع واختلال الشؤون، ولكن السبب كل السبب في ذلك إنما هو استبداد أمراء المسلمين وحكامهم الذين التووا عن الصراط المستقيم.. وتنكبوا عن طريق صاحب الرسالة والخلفاء الراشدين.. وناصبوا المذاهب الشورية والأصول الحرة العداء).."(5).

[ 5 ]

".. ليست الولادة في البلاد ولا التجنّس على الأصول الرسمية شرطًا لمن يريد أن يكون فردًا من أفراد الأمة الإسلامية في قطر من الأقطار، متمتعًا حق التمتع بحقوق الجنسية الإسلامية. فوطن المسلم هو العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه لذلك يستطيع الهابط أية بلاد إسلامية أن ينال للحال أي وقتًا شاء حقوق الوطني المكرم ذي المقام والمنزلة بين ظهراني القوم. فالعبارة (مصر للمصريين) مثلاً لا تعني ذلك المعنى بعينه الذي نتصوره نحن في الجاري المعتاد. فإذا ما أقام مسلم جزائري أو دمشقي في القاهرة فليس هناك من حائل يحول دون تصرفه وسلوكه واعتباره (مصريًا وطنيًا حرًا) بصحيح معنى العبارة. والسبب في ذلك أن من منازع الإسلام على الدوام صيانة الوحدة بين المسلمين والوحدة الدينية والجغرافية الإقليمية. فجميع الأقطار والممالك والبلدان الإسلامية معروفة عند المسلمين (بدور الإسلام) وضدها (دار الحرب) وهي المواطن التي يقطنها مسلمون يجب عليهم باعتبارهم أمة واحدة متحدة، الذبّ عن سياجها والذود عن حياضها، وهذا هو السبب في أننا نرى أنه كلما أصاب اعتداء أجنبي طرفًا من العالم الإسلامي، هاج الطرف الآخر واضطرب وقام وقعد، على غير أن يكون هناك اشتراك في المصلحة المادية يحمله على ذلك، كأنما المعمور الإسلامي جسم واحد باعتلال عضو منه تتأثر وتعتل سائر الأعضاء"(6).

___________________________________

(1)  لوثروب ستودارد                        Lothrop Stoddard

مؤلف أمريكي يتميز بسعة اطلاعه على معطيات العالم الإسلامي الحديث. ويعد كتابه: (حاضر العالم الإسلامي) من أهم المؤلفات الحديثة التي عالجت قضايا هذا العالم ومجريات أحداثه عبر النصف الأول من هذا القرن. وقد زادته قيمة علمية، التعليقات والإضافات الخصبة التي ألحقها الأمير شكيب أرسلان بطبعته العربية .

(2)  حاضر العالم الإسلامي ، 1 / 1 .

(3)  نفسه ، 1 / 1 – 2 .

(4)  نفسه ، 1 / 287 – 288 .

(5)  نفسه ، 4 / 43 – 44 .

(6)  نفسه ، 4 / 122 .

ستوك(1)

[ 1 ]

".. إن المبادئ الإسلامية التي استوقفت نظري واستقطبت جل اهتمامي أكثر من غيرها.. حين أقبلت على الإسلام، هي أن المسيحية كثيرًا ما تترك جوانب (باهتة) غامضة في التصور الاعتقادي يملؤها الشك والريب. نقاط سكت عنها الدين المسيحي ولم أكن أدري ماذا أفعل تجاهها أما الإسلام فكل شيء فيه واضح لا لبس فيه ولا غموض، وهو يستغرق كافة جوانب الحياة الإنسانية، ويشملها فلا أحس بأدنى شك أو ارتياب، كما لا أشعر في ظله أنني تائه أو ضال بل أعتقد من صميم قلبي أن الإسلام منهج كامل للحياة يغاير المسيحية والحق أن الإسلام هو الدين الكامل الوحيد. كما أن الإسلام يستقطب العقل والقلب فليس فيه أية أسرار أو طلاسم لا سبيل إلى استيعابها بل كل شيء معروض للاستفسار والسؤال عن حكمته وعلة تحريمه أو تشريعه وكل شيء يعتبر محلاً لإعمال الفكر وإنعام النظر قبل اعتناق الإسلام. كما أن فكرة الإسلام عن التوحيد أقرب إلى المنطق والفطرة السليمة من مبدأ التثليث عند النصارى لأن مبدأ التثلث يسهل دحضه وإثبات بطلانه بقليل من التأمل وسعة الأفق. كما أن الإسلام لا يسمح بفصل الدين عن الدنيا، وإنما يزود المرء المسلم بهداية شاملة كاملة تملأ حياته الدنيا وتعده بالأمان والفوز بالجنة في الدار الآخرة"(2).

___________________________________

(1)  فرانك ستوك                                       F. Stock

شاب كاثوليكي، أمريكي، من إنديانا، أتيح له الاحتكاك بأفراد الجالية الإسلامية، بنيويورك، وإنديانا، فشرح الله صدره للإسلام بعد أن استوعب مذاهب النصرانية استيعابًا جيدًا، وكان كاثوليكيًا متعصبًا، وكان انتماؤه للإسلام عام 1967م، عمل على أثره أمينًا لسرّ الدائرة الإسلامية في جامعة إنديانا.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 3 / 79 – 80 .

نصري سلهب

[ 1 ]

"انطلاقًا من وجوب قول الحقيقة، أرى لزامًا عليّ أن أعلن أننا - نحن المسيحيين بصورة عامة - نجهل الإسلام كل الجهل، دينًا وحضارة"(1).

[ 2 ]

"ليس كالإسلام دين يكرم الأنبياء والرسل الذين سبقوا النبي العربي [صلى الله عليه وسلم]، وهو يفرض على المؤمنين به إكرام هؤلاء والإيمان بهم، وليس كالإسلام دين يحترم الأديان الأخرى المنزلة الموحى بها التي سبقته في النزول والوحي.."(2).

[ 3 ]

"أولى الآيات البيّنات.. كانت تلك الدعوة الرائعة إلى المعرفة، إلى العلم عبر القراءة.. (اقرأ).. وقول الله هذا لم يكن لمحمد [صلى الله عليه وسلم] فحسب، بل لجميع الناس، ليوضح لهم، منذ الخطوة الأولى، بل منذ الكلمة الأولى أن الإسلام جاء يمحو الجهل وينشر العلم والمعرفة.."(3).

[ 4 ]

"الإسلام دين الأزمنة جميعها، وقد أعدّ لجميع الشعوب. فهو ليس للمسلمين فحسب، ولا لعرب الجزيرة الذين عايشوا النبي [صلى الله عليه وسلم] وعاصروه فحسب، وليس النبي نفسه صلى الله عليه وسلم نبي العرب والمسلمين فحسب، بل هو نبي كل مؤمن بالله واليوم الآخر والنبيين والكتب المنزلة"(4).

[ 5 ]

"في الدين الإسلامي من الشمول والرحب ما يجعله يفتح ذراعيه لجميع البشر دون أن يؤثر في قوميتهم وولائهم لأمة إليها ينتسبون"(5).

___________________________________

(1)     لقاء المسيحية والإسلام ، ص 20 .

(2)     نفسه ، ص 28 .

(3)     نفسه ، ص 92 .

(4)     نفسه ، ص 403 .

(5)     نفسه ، ص 403 .

سمث(1)

[ 1 ]

".. كل إنسان ذو أخلاقية حرة، وهو مسؤول أمام الله عن أفكاره وأحكامه وأعماله.. والله يرشد الإنسان عن طريق الوحي إلى مبادئ أخلاقية عامة منبعثة عن إرادته الأبدية المقدسة. إلا أن في الإنسان قوة كامنة، إذ أن في استطاعته أن يتقبل هدى الله أو يتحول عنه. وهناك آية هامة: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزاب 72]. لا يتحقق معناها إلا على أساس التسليم بالحرية الإنسانية، فقد عرض الله على جميع مخلوقاته مسؤولية المحافظة على الإيمان، وإدارة العالم باسم الله، فقبل الإنسان أن يحمل هذا العبء، على حين رفضته سائر المخلوقات خوفًا وإشفاقًا. ومع أن الإنسان لم يرع ذلك الإيمان، ولم يدر العالم إدارة ذات قيمة، وسلك مسلك الظلم والجهل، فإن في هذا سر عظمته وخطيئته جميعًا. فلو لم يكن الإنسان حرًا ما ارتكب الخطيئة، ولو لم يكن حرًا ما ساغ أن يحمل الأمانة"(2).

[ 2 ]

".. لما تطور التشريع، وجد مبدأ يمكن أن يكون له القدرة على إخماد النزعات الاستبدادية لبعض الحكام أو الفقهاء، ذلك هو مبدأ الإجماع الذي يعتبر مظهرًا للإرادة العامة. وعلى الرغم من أن الإجماع، في نظر الدقة الفقهية، مقصور على ذوي الدراية من الفقهاء، إنه يحمل في طواياه بذرة مبدأ ديمقراطي، وكان له أحيانًا عند التطبيق.. أثر كبير في التعبير عن إجماع أعم من إجماع صفوة قليلة. أما ما يقع من الأفراد من إساءة استعمال للقوانين، أو من عثرات أخلاقية، فإن الإرادة العامة تقومه، أو من شأنها أن تقومه مع مرور الزمن"(3).

[ 3 ]

"يعد الفرد [في الإسلام] مهمًا لأنه وحدة من القوة الأخلاقية وفي العرف الإسلامي تصور آخر يتعلق بالفرد في الجماعة ويمنح الناس وسيلة للترابط، وإحساسًا بالاتحاد لا يوجد أحيانًا في التصورات الغربية الحديثة للإنسان. هذه الشخصية المتحدة يعمل على تكوينها التصور الخاص (بدار الإسلام) أي تآخي المؤمنين. وليس هذا التصور مجرد تفكير نظري، إنه واقع غير محسوس يضفي على كل مسلم شعورًا بالترابط الوجداني في سمع كل مسلم آخر، كما يهبه إحساسًا بالأمن. فهو ينتمي إلى كل يعلو على فروق اللون، والطبقة، والجنسية (بالمعنى الغربي للكلمة)، ونظم الدولة. إنه يستطيع أن يحس بأنه في داره في أرض شاسعة متناثرة من الساحل الأطلنطي لأفريقيا إلى قلب المحيط الهادي، حيثما كان الإسلام هو الدين السائد والثقافة الغالبة. كل هذا يخلق، أو هو قادر على أن يخلق، روحًا جماعيًا، ووحدة بين شعوب لها أهمية بالغة.. وينبغي أن نذكر أن هذه الأخوة تظهر أقوى ما تظهر عندما يهدد العالم الإسلامي، أو أي قسم من أقسامه، مصدر غير إسلامي.. إن هذه الرابطة قوة حقيقة وفي الإمكان أن تصبح عامل تقوية في العالم الإسلامي كله"(4).

[ 4 ]

"أن الإسلام لا يمكن إطلاقًا أن يتفق والجبرية الاقتصادية أو التفسير المادي للتاريخ.. فالإنسان لا تتحكم فيه المادة أو القوى الاقتصادية، إذ إنه في جوهره موجود روحي، ذو صلة بالله، ومن ثم كان كائنًا أخلاقيًا حرًا. وأن الله – لا المادة – هو المتصرف في الحركات التاريخية"(5).

[ 5 ]

"إن في التصور الإسلامي للإنسان اتجاهًا جمعيًا. فإدراك الإنسان أنه ينتمي إلى كل أكبر، وارتباطه بغيره ممن ينتمون إلى نفس الجماعة التي تؤمن إيمانه، يهيئان للحياة الفردية وضعًا اجتماعيًا ليس له في الغالب وجود في الغرب الذي ينزع إلى الفردية. فالأخوة في الإسلام تهب قوة، وأمنًا ومجالاً من الوعي المشترك قد ينتج عنها ذلك النوع من الترابط الذي يتجاوز حدود الأوطان والأجناس، والذي يعمل الناس متلهفين في سبيل تحقيقه في سائر بلاد العالم.."(6).

___________________________________

(1)  د. هارولد ب. سمث                                   Harold B. Smith

أستاذ، ونائب رئيس قسم الديانات بكلية (ووستر)، بولاية أوهايو، وكان رئيسًا لقسم الفلسفة والأخلاق (بالجامعة الأمريكية) بالقاهرة.

(2)  الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة ، ص 60 – 61 .

(3)  نفسه ، ص 63 .

(4)  نفسه ، ص 63 – 64 .

(5)  نفسه ، ص 75 .

(6)  نفسه ، ص 75 .

سميث(1)

[ 1 ]

".. أنه ما من دين استطاع أن يوحي إلى المتديّن به شعورًا بالعزة كالشعور الذي يخامر المسلم في غير تكلف ولا اصطناع، وأن الفخر بالعربية قد يمازج هذا الشعور أحيانًا.. ولكن اعتزاز المسلم بدينه يعم المسلمين على اختلاف القومية واللغة، وكون الإنسان مسلمًا باعث من بواعث الحمد تسمعه من جميع المسلمين"(2).

[ 2 ]

".. إن الغربي لا يفهم الإسلام حق فهمه إلا إذا أدرك أنه أسلوب حياة تصطبغ به معيشة المسلم ظاهرًا وباطنًا وليس مجرد أفكار أو عقائد يناقشها بفكره أو يتقبلها بغير مناقشة، فليس التفكير بنافع شيئًا إن لم يكن مصحوبًا بتطور المعيشة وتطور أسلوب الحياة الظاهر والباطن في المجتمع الإسلامي.."(3).

___________________________________

(1)  ولفريد كانتويل سميث                                 W. C. Smith

أستاذ الدراسات الإسلامية، بجامعة مونتريال، وقد أقام زمنًا في باكستان، وساح في بلاد الشرق الأوسط، وبعض البلاد الإسلامية، في القارتين الآسيوية والأفريقية، ومن أشهر مؤلفاته: (الإسلام في التاريخ الحديث).

(2)  الإسلام في التاريخ الحديث، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام، ص 78 .

(3)  نفسه ، ص 79 .

سورديل(1)

[ 1 ]

"الإسلام، هو دين التوحيد الذي بشر به محمد بن عبد الله [صلى الله عليه وسلم] في الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، ثم انتشر عبر العصور في جميع أقطار المعمورة. والمسلمون هم الذين يدينون بهذا الدين، والحضارة الإسلامية هي الحضارة التي انبثقت عنه"(2).

[ 2 ]

"الله واحد أزلي ليس كمثله شيء وقادر على كل شيء. ويؤكد القرآن هذه الوحدانية في آيات عدة، لكنها تظهر بصورة أوضح في السورة (112) الشهيرة التي كثيرًا ما اعتبرت أقدم السور: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.. والإيمان بإله واحد هو ما يميز في أعين المسلمين دينهم عن الديانات الأخرى تمييزًا جذريًا، حتى عن المسيحية التي يعتبر اعتقادها بالثالوث مسًا بالوحدانية ويصبغها بصبغة الشرك"(3).

[ 3 ]

"لا سبيل إلى إنكار كون الإسلام قد مارس فضائل حقيقية، لا سيما الفضائل ذات القيمة الاجتماعية. وهي تتجاوب مع دعوة من القرآن نستطيع أن نجد فيما عناه (أوامر)، وتبدو امتدادًا للتقوى كما تحددها الآية (177) من سورة البقرة.. فالتعاون وحسن الضيافة والكرم والوفاء بالعهود مع أفراد الأمة، والاعتدال في الرغائب والقناعة، تلك هي الفضائل التي تميز المسلمين حتى يومنا هذا.."(4).

[ 4 ]

".. ظلت الشريعة دائمًا المصدر الرئيسي لتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية. لذلك نستطيع القول بأن الإسلام، وإن كان دينًا، فهو في الآن ذاته أمة تحدد فيها الصلة الدينية لكل فرد ولجميع الأفراد معًا شروط الحياة وقواعدها والخير المباشر للحياة الأرضية، والخير المباشر لكل مؤمن في الحياة الآخرة، كل ذلك يشكل وحدة، إن لم يكن الإسلام قد أوجدها في جميع تفاصيلها، فإن الإسلام قد تسرب إليها ونفخ الحياة في جميع تفاصيلها"(5).

__________________________________

(1)  دومينيك سورديل                        D. Sourdel

ولد عام 1921، حقق الكثير من النصوص العربية، كان أبرزها (الأعلاق الخطيرة)، لابن شداد، فضلاً عن عدد من الأبحاث في المجلات المعروفة.

(2)  الإسلام ، ص 5 .

(3)  نفسه ، ص 33 – 34 .

(4)  نفسه ، ص 54 .

(5)  نفسه ، ص 68 .

أحمد سوسة

[ 1 ]

".. على المرء الذي وقف على حقيقة الإسلام أن يعترف بأن الإسلام هو في الحقيقة دين الحرية والفطرة بعيدًا عن قيود الكنيسة واستبدادها في المسيحية وغريبًا عن العصبية وتقاليدها الثقيلة في اليهودية.."(1).

".. أن المرء الذي تغلغل في أعماق الحضارة [الغربية] وأدرك منطوياتها ومحصها تمحيصًا دقيقًا نظريًا وعمليًا لابد له من الانقياد بقوة نفسية كمينة إلى منهل العقيدة الإسلامية ليروي غليله منها.."(2).

[ 2 ]

".. ما أعظم سروري الآن حين جاء الاستدلال العلمي الصحيح مؤيدًا للميل الفطري فانتميت إلى الدين الإسلامي بدافع طبيعي غريزي وبتأييد علمي تمحيصي فأصبحت بذلك مسلمًا شعورًا وموطنًا ودينًا"(3).

[ 3 ]

"جاء الإسلام بعد الديانتين التوحيديتين منقحًا موضحًا للحقيقة، معترفًا بجوهر الديانتين السابقتين، مشيرًا إلى التحوير والأخطاء التي طرأت عليهما.. مضيفًا كثيراً من الإرشادات والتعاليم الروحية التي أرادها الله لعباده المؤمنين.. [واضعًا] شريعة تحتوي على كل ما يتعلق بالمجتمع من أمور اجتماعية دينية اقتصادية سياسية. ومن ذلك يتضح أن الإسلام لم يظهر لهداية القبائل الوثنية فحسب وإنما جاء أيضًا لتوحيد الأديان ورفع الشكوك والارتباكات التي انطوت عليها الديانتان اليهودية والمسيحية وإرشاد أتباعهما إلى الدين الجديد. ولكن تأصل جذور الديانتين ونفوذ الأحبار والساسة والعصبية اليهودية بصورة خاصة كل هذه كانت من العوامل التي حالت دون تحقيق التوحيد المنشود. ولو أن هؤلاء كانوا من المهتدين إلى [الإسلام] دين الحقيقة لكان انقشع ضباب الضلال والكراهية والارتباط وانبثق نور السعادة على البشرية جمعاء في جو مشبع بالصفاء والولاء"(4).

"الواقع أنه ليس من دين من أديان العالم البشري حافظ على جوهره وقاعدة تعاليمه كالدين الإسلامي، وهذا ما يمتاز به الإسلام عن الديانتين اليهودية والمسيحية.."(5).

".. إذا كان يصح ما يقال بأن خير الأمور أوسطها، فإن الديانة الإسلامية هي التي تستحق أن تحتل المكانة السامية بين الديانات العالمية لأنها جاءت مشبعة بروح الطبيعة والفطرة معتدلة في طقوسها.. متوسطة في مسلكها.. فهي الشريعة الوسط التي تدعو إلى العمل للدنيا والآخرة في آن واحد.."(6).

".. إن الإسلام هو الدين الصافي الذي أراده الله للإنسانية، صفي بمصفاة وحيه الإلهي ليكون دينًا صالحًا لكل إنسان ولكل زمان ومكان.."(7).

[ 4 ]

"لو أدرك هذا العالم التائه جوهر المبادئ الإسلامية لوجد فيها خير كفيل لحلّ معظم الأدواء البشرية الحالية ولما احتاج إلى عصبة أمم أو نظائرها من الاتجاهات لنشر مبادئ السلم والتعاون لأن الإسلام يضم بين تعاليمه أنبل مبدأ وأمتن أساس لتوطيد عرى العلاقات السلمية بين الأمم.."(8).

___________________________________

في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 52 .

في طريقي إلى الإسلام ، ص / 52 – 53 .

في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 55 .

في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 71 – 72 .

في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 74 – 75 .

في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 77 .

في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 80 .

في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 69 .

لويس سيديو

[ 1 ]

"من شأن مبدأ التوحيد الجليل، الذي نشر بين قوم وثنيين، أن يضرم الحمية في النفس المتحمسة العالية، ويسود هذا المبدأ القرآن، وإليه يعود إبداعه، ويجعل محمد [صلى الله عليه وسلم] هذا المبدأ أساس دينه، وإليه يرجع سبب سموّه على جميع الأديان. ويبدو هذا التوحيد المحض جازمًا تجاه علم اللاهوت الذي تورّط في الفرق النصرانية بعد أن زاد عددها بفعل البدع، ولا مراء في أن عظمة الله العلي وقدرته وحكمته وعدله وحمله أمور تستوقف أنظار ذوي النفوس المثقلة بالأباطيل، و(أحد، أحد) كان وعي المسلمين ببدر، ولا تخلو سورة في القرآن من قول: .. بالتوحيد: (1).

[ 2 ]

".. إن المبدأ الذي يحتويه [القرآن] لم يكن من نوع قضاء القدماء، ولا من نوع قدر بعض المذاهب الحديثة، فليس في القدر الإسلامي ما يميت شجاعة المسلم أو يؤدي إلى فتور همته، فهذا القدر مرادف لسنة الكون التي تهيمن على جميع الناس وتضع حدًا لأعمالنا.. وهنالك من المبادئ ما يؤدي إلى أسوأ النتائج عند سوء فهمها، فما أعظم الفرق بين تأثير مبدأ القضاء والقدر في قوم حطهم الاستعباد وتأثيره في قوم حمس مقاديم لا يبتغون غير الحرب والفتوح"(2).

[ 3 ]

".. الصلاة تمسك الإسلام بغير هياكل وتضمن دوامه بغير كهّان"(3).

[ 4 ]

".. لا ترى [في الإسلام] سلسلة مراتب ولا طوائف كهنوتية ولا طبقات ذات امتيازات"(4).

[ 5 ]

".. اختار [المسلمون بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم] زعيمًا ليحمل الناس على احترام الشريعة فأبدعوا سلطانًا ساميًا خضع له العرب بلا جدال. ولا يعني هذا أن العرب أحدثوا نظامًا استبداديًا يقوم به فرد، وإنما أقاموا حكومة شعبية مستندة إلى شريعة إلهية يديرها ولي أمر منتخب مقيد في سلطته، فحُصر عمل ولي الأمر هذا في وضع نظم للأمن ولوظائف الدولة وواجباتها ولشؤون الحرب دون سنّ القوانين ما دام القرآن قد قيد أمراء المسلمين بربطه النظام الاجتماعي بالدين"(5).

___________________________________

(1)     تاريخ العرب العام ، ص 88 .

(2)     تاريخ العرب العام ، ص 92 .

(3)     تاريخ العرب العام ، ص 104 .

(4)     تاريخ العرب العام ، ص 117 .

(5)     تاريخ العرب العام ، ص 123 – 124 .

شاخت(1)

[ 1 ]

"من أهم ما أورثه الإسلام للعالم المتحضّر قانونه الديني الذي يسمى (بالشريعة) والشريعة الإسلامية تختلف اختلافًا واضحًا عن جميع أشكال القانون إلى حدّ أن دراستها أمر لا غنى عنه لكي نقدر المدى الكامل للأمور القانونية تقديرًا كافيًا.. إن الشريعة الإسلامية شيء فريد في بابه، وهي جملة الأوامر الإلهية التي تنظم حياة كل مسلم من جميع وجوهها، وهي تشتمل على أحكام خاصة بالعبادات والشعائر الدينية كما تشتمل على قواعد سياسية وقانونية.."(2).

[ 2 ]

"تعتبر الشريعة الإسلامية مثالاً له مغزاه على نحو خاص لما يمكن أن يسمى قانونًا دينيًا. بل إن التشريعين المقدسين الآخرين اللذين يعتبران نماذج من القانون الديني، وهما أقرب ما يكونان إلى الشريعة الإسلامية من الناحيتين التاريخية والجغرافية، وهما الشريعة اليهودية والقانون الكنسي، يختلفان عن الشريعة الإسلامية اختلافًا ملموسًا. ذلك لأن الشريعة الإسلامية أكثر تنوعًا في صورتها مما في التشريعين المذكورين، لأنها جاءت نتيجة نظر وتدقيق من الناحية الدينية في موضوعات للقانون كانت بعيدة عن أن تتخذ صورة واحدة.."(3).

[ 3 ]

".. في الطرف المقابل من البحر المتوسط نجد التشريع الإسلامي قد أثّر تأثيرًا عميقًا في جميع فروع القانون.. وهناك تأثير التشريع الإسلامي على قوانين أهل الديانات الأخرى من اليهود والنصارى الذين شملهم تسامح الإسلام وعاشوا في الدولة الإسلامية.. وليس هناك شك في أن الفرعين الكبير للكنيسة المسيحية الشرقية وهما اليعاقبة والنسطوريون لم يترددوا في الاقتباس بحرية من قواعد التشريع الإسلامي وهذا الاقتباس كان في كل تلك الموضوعات التي يمكن أن يتصور المرء أنها تدخل في نظر القاضي المسلم.."(4).

[ 4 ]

"في منتصف القرن الثاني للهجرة تقريبًا أخذ القانون الديني الإسلامي شكله الجوهري وقد أصبح على ما هو عليه الآن ليس مجرد تلك الطريقة الآلية في إدخال اعتبارات مادية ذات صفة خلقية أو دينية في ميدان القانون ولكن بعدّه عملية أخرى ألطف وأدق، وهي تنظيم هذا الميدان وترتيبه بعدّه جزءًا من الواجبات الدينية للمسلمين. وتحوي الشريعة مبدءًا موحدًا فرض نظامًا تركيبيًا عقليًا على مختلف المواد الأولية التي بني منها، غير أن هذا المبدأ غير شكلي أو مستقل، أنه هو مادي إسلامي"(5).

___________________________________

(1)  جوزيف شاخت                           J. S. Shecht

ولد عام 1902، وتخرج من جامعتي برسلا وليبزج، وعين أستاذًا في عدد من الجامعات الألمانية (1927-1934)، وفي الجامعة المصرية (1934)، ومحاضرًا للدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد (1948)، وليدن (1954)، وكولومبيا (1957-1958)، وانتخب عضوًا في عدد من المجامع والجمعيات العلمية. وقد اشتهر بدراسة التشريع الإسلامي وبيان نشأته وتطوره.

من آثاره: حقق العديد من النصوص الفقهية، وألف عددًا من المصنفات مثل: (دين الإسلام) (1931)، و(نشأة الفقه في الإسلام) (1950)، و(خلاصة تاريخ الفقه الإسلامي) (1952).

(2)     تراث الإسلام (تصنيف شاخت وبوزورث)، 3 / 9 .

(3)     تراث الإسلام (تصنيف شاخت وبوزورث)، 3 / 10 .

(4)     تراث الإسلام (تصنيف شاخت وبوزورث)، 3 / 27 – 29 .

(5)     الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية، (تحرير كرونبادم)، ص 107 .

صديق(1)

[ 1 ]

".. إن شكل الصلاة [الإسلامية] هي التي جعلتني أفكر في الإسلام، فقد أردت أن أعرف لماذا يقوم هؤلاء الناس بالصلاة بهذه الكيفية، فاستنتجت أنها خير سبيل يختاره الإنسان لعبادة خالقه، فبدأت وأنا مازلت بروتستانتيًا في أداء الصلاة بالكيفية الإسلامية.. كنت أبحث عن الحقيقة والمعرفة، فبدأت أدرس الأديان بصفة عامة والإسلام على وجه الخصوص، فأيقنت في غضون دراستي أن دنيا تفكيري وإحساسي أقرب للإسلام منها للمسيحية، وبالتدريج اكتشفت أن الإسلام كمنهج حياة كان ينسجم من كافة الوجوه مع فطرتي البشرية. وأستطيع هنا أن أضرب مثالاً نظريًا وآخر عمليًا. فمثلاً عندما درست نصوص الشريعة الإسلامية حول النبي عيسى عليه السلام عرفت أنني لم يحدث قط أن آمنت بأن عيسى عليه السلام ابن الله، كما عرفت فيما بعد من أستاذ بروتستانتي أن عددًا كبيرًا من المسيحيين – حوالي 80% منهم – أقرب إلى الإسلام منهم إلى المسيحية في هذه الناحية على الأقل من عقيدتهم. أما من الناحية العملية فحتى قبل إسلامي كنت أنفر من الخمور والرقص وما شابه ذلك من الأمور التي عرفت فيما بعد أنها محرمة في الإسلام. وهكذا كان الإسلام بالنسبة لي كعملية اكتشافي لفطرتي {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم 30].."(2).

___________________________________

(1)  محمد صدّيق

ولد عام 1944، في برلين، بألمانيا الغربية، أنهى دراسته الثانوية، وعمل كاتبًا في أحد المصارف، اعتنق الإسلام عام 1962 .

(2)  رجال ونساء أسلموا، 1 / 24 – 25 .

لورافيشيا فاغليري

[ 1 ]

"نشأ الإسلام، مثل ينبوع من الماء الصافي النمير، وسط شعب همجي يحيا في بلاد منعزلة جرداء بعيدة عن ملتقى طرق الحضارة والفكر الإنساني. وكان ذلك الينبوع غزيرًا إلى درجة جعلته يتحول، وشيكًا، إلى جدول، ثم إلى نهر، ليفيض آخر الأمر فتتفرع منه آلاف القنوات تتدفق في البلاد. وفي تلك المواطن التي ذاق فيها القوم طعم تلك المياه الأعجوبية سويت المنازعات وجمع شمل الجماعات المتناحرة. وبدلاً من الثأر الذي كان هو القانون الأعلى والذي كان يشد العشائر المنحدرة من أصل واحد في رابطة متينة، ظهرت عاطفة جديدة، هي عاطفة الأخوة بين أناس تشد بعضهم إلى بعض مثل عليا مشتركة من الأخلاق والدين. وما إن أمسى هذا الينبوع نهرًا لا سبيل إلى مقاومته حتى طوق تياره الصافي العنيف ممالك جبارة تمثل حضارات قديمة. وقبل أن توفق شعوب تلك الممالك إلى إدراك مغزى الحدث الحقيقي داهمها ذلك التيار، قاهرًا البلاد، محطمًا الحواجز، موقظًا بصخبه عقولاً وسنى، منشئاً من أكبر عدد من الشعوب المتباينة، مجتمعًا موحدًا"(1).

[ 2 ]

"أن الآية القرآنية التي تشير إلى عالمية الإسلام بوصفه الدين الذي أنزله الله على نبيه [صلى الله عليه وسلم] (رحمة للعالمين)(2) هي نداء مباشر للعالم كله. وهذا دليل ساطع على أن الرسول [صلى الله عليه وسلم] شعر في يقين كلّي أن رسالته مقدر لها أن تعدو حدود الأمة العربية وأن عليه أن يبلغ (الكلمة) الجديدة إلى شعوب تنتسب إلى أجناس مختلفة، وتتكلم لغات مختلفة.."(3).

[ 3 ]

"بفضل الإسلام هزمت الوثنية في مختلف أشكالها. لقد حرّر مفهوم الكون، وشعائر الدين، وأعراف الحياة الاجتماعية من جميع الهولات أو المسوخ التي كانت تحط من قدرها، وحررت العقول الإنسانية من الهوى. لقد أدرك الإنسان آخر الأمر، مكانته الرفيعة.. لقد حررت الروح من الهوى، وأطلقت إرادة الإنسان من القيود التي طالما أبقته موثقًا إلى إرادة أناس آخرين، أو إلى إرادة قوى أخرى يدعونها خفية. لقد هوى الكهان، وحفظة الألغاز المقدسة الزائفون، وسماسرة الخلاص، وجميع أولئك الذين تظاهروا بأنهم وسطاء بين الله والإنسان والذين اعتقدوا بالتالي أن سلطتهم فوق إرادات الآخرين، لقد هوى هؤلاء كلهم عن عروشهم. إن الإنسان أمسى خادم الله وحده، ولم تعد تشده إلى الآخرين من الناس غير التزامات الإنسان الحرّ نحو الإنسان الحرّ. وبينما قاسى الناس في ما مضى مظالم الفروق الاجتماعية، أعلن الإسلام المساواة بين البشر، لقد جُعل التفاضل بين المسلمين، لا على أساس من المحتد أو أي عامل آخر غير شخصية المرء، ولكن على أساس من خوف الله، وأعماله الصالحات، وصفاته الخلقية والفكرية ليس غير.."(4).

___________________________________

(1)     دفاع عن الإسلام ، ص 21 – 22 .

(2)     سورة الأنبياء، الآية 107، وانظر سورة يوسف، الآية 104، سورة ص، الاية 87، سورة القلم، الآية 52، سورة التكوير، الآية 27 .

(3)     عن الإسلام ، ص 24 – 25 .

(4)     عن الإسلام ، ص 45 – 47 .

ليوبولد فايس

[ 1 ]

".. إن أي إنسان لديه قسط من العلم – حتى ولو كان سطحيًا يسيرًا – عن تعاليم الإسلام، يعرف أن هذه التعاليم لا تقف عند حد تنظيم العلاقة بين الإنسان وخالقه، ولكنها تتعدى ذلك إلى وضع نظام محدد للسلوك الاجتماعي يجب على المسلم اتباعه كأثر من آثار تلك العلاقة وكنتيجة لها.."(1).

[ 2 ]

"إن علينا ألا ننسى أبدًا أن رسالة الإسلام رسالة خالدة، كما أننا كلما ازدادت ثقافتنا وانداحت دائرة علومنا استطعنا أن نفهم بصورة أوضح من ذي قبل كنوز الحكمة التي ينطوي عليها القرآن الكريم وأسوة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولذلك فإن حقنا في الاجتهاد المستقل على ضوء القرآن والسنة ليس مسموحًا به فحسب بل نحن منتدبون لأدائه في كل الأمور.. التي اكتفت الشريعة بوضع مبادئ عامة لها"(2).

[ 3 ]

".. إن الإسلام دعوة خالدة إلى التقدم المطرد في كل نواحي الحياة الفكرية والروحية والسياسية على حد سواء"(3).

[ 4 ]

"إن دفع الظلم عن الناس وإقامة معالم العدل في الأرض هي الغاية النهائية التي تستهدفها رسالة الإسلام الاجتماعية. وعلى هذا المثل الأعلى للعدالة – مع المسلمين وغير المسلمين على حد سواء – يتوقف قيام الدولة الإسلامية وسقوطها، هذه الدولة التي ليست هي في الحقيقة سوى الجهاز السياسي لتحقيق هذا المثل الأعلى"(4).

[ 5 ]

".. من الأرض اليباب الميتة، من وسط الوديان الرملية والتلال الجرداء انبثق أعظم دين مؤكد للحياة في تاريخ الإنسان"(5).

___________________________________

(1)     منهاج الإسلام في الحكم ، ص 17 .

(2)     منهاج الإسلام في الحكم ، ص 60 – 61 .

(3)     منهاج الإسلام في الحكم ، ص 63 – 64 .

(4)     منهاج الإسلام في الحكم ، ص 72 .

(5)     منهاج الإسلام في الحكم ، ص 400 .

ونكتفي بهذا القدر من أقوال (ليوبولدفايس) عن الإسلام، تجاوزًا لتضخم المادة، فكتاب: (الطريق إلى مكة) كله يعد بمثابة واحدة من أكثر الشهادات الغربية عمقًا وأصالة في إدراك الإسلام، ويستحسن أن نحيل القارئ إلى صفحات أخرى تضمنت المزيد من المعطيات عن الموضوع وهي: 19-20، 123، 168-171، 178، 184-185، 235-236، 306، 312-315، 318، 321-323، 325-326، 349، 350، 381-382، 396-402.

سيدني فيشر

[ 1 ]

"إن الوحدانية المنزهة هي أجل مطالب الإيمان عند النبي [صلى الله عليه وسلم] ويوصف الإله مع الوحدانية بصفات العلم المحيط والقدرة المحيطة والرحمة والكرم والغفران.. إن توكيد صفات البأس والجبروت في كتاب الإسلام إنما تقدم في أوائل الدعوة التي واجه بها النبي [صلى الله عليه وسلم] جماعة الكفار الملحدين من الملأ المكي المتغطرس المستطيل بالجاه والعزة، ولكن المسلم يعلم من صفات الله أنه واسع الرحمة، وأنه أقرب إلى الإنسان من حبل وريده، وأنه هو نور السماوات والأرض، وهي الصفة.. التي كان لها أبعد الأثر في اجتذاب العقول إلى معانيه الخفية"(1).

[ 2 ]

".. إننا إذا نظرنا إلى مجال الإسلام الواسع في شؤون العقائد الدينية والواجبات الدينية والفضائل الدينية، لم يكن في وسع أحد إلا أن يحب محمدًا [عليه السلام] نبيًا مفلحًا جدًا ومصلحًا موفقًا لأنه كما قال بعض الكتاب وجد مكة بلدة مادية تجارية تغلب عليها شهوة الكسب المباح وغير المباح ويمتلئ فراغ أهلها بمعاقرة الخمر والمقامرة والفحشاء، ويعامل فيها الأرامل واليتامى وسائر الضعفاء كأنهم من سقط المتاع. فإذا بمحمد – عليه السلام – وهو فقير من كل ما يعتز به الملأ قد جاءهم بالهداية إلى الله وإلى سبل الخلاص، وغيّر مقاييس الأخلاق والآداب في أرجاء البلاد العربية"(2).

___________________________________

(1)     الشرق الأوسط في العصر الإسلامي ، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام ، ص 54 .

(2)     نفسه ، ص 54 – 55 .

فيلويز(1)

[ 1 ]

".. الإسلام يحقق الانسجام التام مع الحياة في هذا العالم. فهو دين سهل لا التواء فيه ولا تعقيد، مباشر، مجرد من كافة الافتراضات التي لا سبيل إلى الإيمان بها. وأشكال العبادة في الإسلام تعكس كل صدق وإخلاص وأمانة"(2).

[ 2 ]

".. [إن] المنجزات العلمية تتفق تمامًا مع مبادئ الإسلام، لأن الإسلام هو دين العلم"(3).

[ 3 ]

".. أصبحت مسلمًا لأن الإسلام هو الدين الحق الوحيد نظريًا وعمليًا ومن كافة الوجوه. وسرعان ما تتبدد الشكوك والشبهات دفعة واحدة عندما تجيش نفسي بشعور قوي يتملكها وهو أن الإسلام هو الصراط المستقيم"(4).

__________________________________

(1)  ح. ف. فيلويز                                  F. Filweas

ضابط بحرية بريطاني، شارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية، نشأ في بيئة نصرانية، تأصلت فيها التقاليد المسيحية بشكل عميق، ومع ذلك فقد هداه الله إلى الإسلام بعد أن اطلع على القرآن الكريم وقرأ عددًا من المؤلفات الإسلامية، وذلك عام 1924.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 6 / 54 .

(3)  نفسه ، 6 / 61 .

(4)  نفسه ، 6 / 62 .

قرار(1)

[ 1 ]

".. تأثرت كثيرًا بدافع المساواة بين المسلمين، كما أعجبني أن يكون الإسلام دينًا عالميًا، فقد وجدت في الإسلام دينًا يوحد جميع الأديان والألوان في ظل نظام ديني فريد. فهناك أخوة حقيقية بين المسلمين لا ولم يعرف مثلها المجتمع المادي الغربي على الإطلاق، كما لا تستطيع العبارات الجوفاء كالشيوعية مثلاً أن تقدم مثلها أبدًا"(2).

[ 2 ]

".. شعرت أنني كمسلمة يمكنني أن أحيا حياة كاملة جديرة بالحياة، وأن الإسلام يجعل المرء يشبع حاجاته الروحية والمادية على حد سواء في توازن يضمن تطور عقلية ثقافية مبدعة، ويحقق اجتهادًا دائبًا لتحسين الوضع المادي للإنسان على أساس من العلاج لا للإنسان وحده بل لجميع الخلائق"(3).

[ 3 ]

".. أن الإسلام قد أحدث تغييرًا في حياتي كلها، إذ حرّرني من اليأس العنيد والتذمر والاستسلام وهي نتائج نجمت عن النظرة المادية التي تهيمن على كثير من الناس في المجتمعات الغربية.."(4).

___________________________________

(1)  جميلة قرار                     Jamila Qarar

ولدت في النمسا، عام 1949، لأبوين ملحدين، وحاولت أن تكون مسيحية إلا أن النصرانية لم تستطع إقناعها، فيممت شطر الإسلام وسمعت وقرأت عنه، وما لبثت أن اعتنقته وهي في العشرين من عمرها.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 4 / 106 – 107 .

(3)  نفسه ، 4 / 107 .

(4)  نفسه ، 4 / 107 .

قرة العين(1)

[ 1 ]

".. كنت مهتمة بدراسة الأديان، فلمست السماحة والمنطق في الدين الإسلامي.. ووجدت أن اهتمامي بالإسلام تجاوز مرحلة مجرد الاطلاع أو القراءة أو الاستماع إلى مرحلة الارتباط بهذا الدين. ووجدت نفسي سعيدة لأنني أخيرًا وجدت الدين الذي يمكنني من التعامل مع نفسي وربي أولاً على أساس سليم مما ينعكس في تعامل صحي وأخلاقي مع باقي أفراد المجتمع"(2).

[ 2 ]

"كنت أشعر أن شيئًا ما فيما أقرأ يقنعني عقليًا ويملأ فراغًا روحيًا من قلبي كذلك، كنت أشعر والحمد لله بأنني اقرأ عن دين جديد وليس بجديد على نفسي. كانت القراءة تجيب بالمنطق والحجة على تساؤلات كثيرة كانت تدور داخلي من قبل ولم أكن أجد لها إجابة. باختصار وجدت في الإسلام الرضا الذي كنت أنشده من قبل عندما كنت مسيحية أبحث عن الحقيقة فلا أهتدي إليها"(3).

[ 3 ]

".. الإسلام [هو] دين العقل والإقناع"(4).

___________________________________

(1)  قرّة العين                                 Q. Al-Aine

سيدة أمريكية، تنحدر من أسرة مسيحية متدينة، وفي نيويورك مدينة ناطحات السحاب والمادية والجريمة كان الرّد: هو الإسلام. وقد تسمّت باسمها الجديد بعد إسلامها، تخرجت من جامعة بنسلفانيا، وكانت لديها رغبة جارفة للقراءة والبحث، وبخاصة في مجال الأديان حيث وجدت الجواب على تساؤلاتها كافة في الإسلام.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 10 / 110 .

(3)  نفسه ، 10 / 111 .

(4)  نفسه، 10 / 114 .

توماس كارلايل

[ 1 ]

"لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متدين من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب وأن محمدًا [صلى الله عليه وسلم، وحاشاه] خدّاع مزور، وأن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول [صلى الله عليه وسلم] ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنًا لنحو مائتين مليون من الناس أمثالنا، خلقهم الله الذي خلقنا. أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء، كذبة وخدعة ؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدًا، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بله ومجانين وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة كان الأولى بها ألا تخلق"(1).

[ 2 ]

".. (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له) هو الحق، وكل ما خلاه باطل، خلقنا ويرزقنا.. إن الإسلام هو أن نسلم الأمر لله، ونذعن له، ونسكن إليه، ونتوكل عليه، وأن القوة كل القوة هي في الاستقامة لحكمته، والرضا بقسمته أيًا كانت في هذه الدنيا وفي الآخرة، ومهما يصبنا به الله ولو كان الموت الزؤام فلنتلقه بوجه مبسوط ونفس مغتبطة راضية ونعلم أنه الخير وأن لا خير إلا هو. ولقد قال شاعر الألمان (غيته): (إذا كان ذلك هو الإسلام فكلنا إذن مسلمون). نعم كل من كان فاضلاً شريف الخلق فهو متخلق بأخلاق الإسلام، وإن لم يكن مسلمًا.. إن من السخف أن يجعل الإنسان من دماغه الضئيل ميزانًا للعالم وأحواله. بل عليه أن يعتقد أن للكون قانونًا عادلاً، وإن غاب عن إدراكه، وأن الخير هو أساس الكون والصلاح روح الوجود.. عليه أن يعرف ذلك ويعتقده ويتبعه في سكون وتقوى.."(2).

[ 3 ]

"في الإسلام خلّة أراها من أشرف الخلال وأجلّها وهي التسوية بين الناس. وهذا يدل على أصدق النظر وأصوب الرأي. فنفس المؤمن راجحة بجميع دول الأرض، والناس في الإسلام سواء. والإسلام لا يكتفي بجعل الصدقة سنة محبوبة بل يجعلها فرضًا حتمًا على كل مسلم، وقاعدة من قواعد الإسلام ثم يقدرها بالنسبة إلى ثروة الرجل.. جميل والله هذا، وما هو إلا صوت الإنسانية، صوت الرحمة والإخاء والمساواة.."(3).

[ 4 ]

".. هذا الدين [الإسلام] فيه للمبصرين أشرف معاني الروحانية وأعلاها، فاعرفوا له قدره ولا تبخسوه حقه. ولقد مضى عليه مئتان وألف عام وهو الدين القويم الصراط المستقيم لخمس العالم. وما يزال فوق ذلك دينًا يؤمن به أهله من حبّات أفئدتهم. ولا أحسب أن أمة من النصارى اعتصموا بدينهم اعتصام المسلمين بإسلامهم، إذ يوقنون به كل اليقين ويواجهون به الدهر والأبد.. وأن كلمة التوحيد والتكبير والتهليل لترنّ آناء الليل وأطراف النهار في إرواء تلك الملايين الكثيفة. وأن الفقهاء ذوي الغيرة في الله والتفاني في حبه ليأتون شعوب الوثنية بالهند والصين والمالاي [ماليزيا] فيهدمون أضاليلهم ويشيدون مكانها قواعد الإسلام، ونعم ما يفعلون"(4).

[ 5 ]

"لقد أخرج الله العرب بالإسلام من الظلمات إلى النور وأحيا به من العرب أمة هامدة.. وهل كانت إلا فئة من جوالة الأعراب خاملة فقيرة تجوب الفلاة منذ بدء العالم لا يسمع لها صوت ولا تحس منها حركة فأرسل الله لهم نبيًا بكلمة من لدنه ورسالة من قبله فإذا الخمول قد استحال شهرة والغموض نباهة والضعة رفعة والضعف قوة والشرارة حريقًا، ووسع نوره الأنحاء.. وعقد شعاعه الشمال بالجنوب والمشرق بالمغرب، وما هو إلا قرن بعد هذا الحادث حتى أصبح لدولة العرب رجل في الهند ورجل في الأندلس، وأشرقت دولة الإسلام حقبًا عديدة ودهورًا مديدة بنور الفضل والنبل والمروءة والبأس والنجدة، ورونق الحق والهدى على نصف المعمورة. وكذلك الإيمان عظيم وهو مبعث الحياة ومنبع القوة، ومازال للأمة رقي في درج الفضل.. مادام مذهبها اليقين ومنهاجها الإيمان.."(5).

___________________________________

(1)     الأبطال ، ص 42 – 43 .

(2)     نفسه ، ص 53 – 54 .

(3)     نفسه ، ص 65 .

(4)     نفسه ، ص 66 .

(5)     نفسه ، ص 66 – 67 .

جارودي(1)

[ 1 ]

"إن الإسلام لم يعد ذلك (الكافر) في زمن الصليبيين أو الـ(إرهابي) في حرب التحرير الجزائرية، ولم يعد ذلك الأثر في المتحف الذي يتفحصه المستشرق بعين العالم الاختصاصي بعاديات الحضارات، انطلاقًا من الحكم السبقي بامتيازية الغرب.. بل لم يعد أكثر من هذا، ذلك الانفجار العلمي المذهل الذي كان، عند الخروج من العصور الوسطى قد فتح الطريق ببساطة لعلومنا (الحديثة).. إنما الإسلام هو تلك الرؤية لله وللعالم وللإنسان، التي تنيط بالعلوم وبالفنون وبكل إنسان وبكل مجتمع مشروع بناء عالم إلهي وإنساني لا انفصام فيه باقتضاء البعدين الأعظمين، المفارقة والجماعة، التسامي والأمة"(2).

[ 2 ]

"أن الله أكبر من أعظم الملوك، وإليه وحده يدان بالإجلال المطلق، فها هنا المبدأ بحق لا يجوز التصرف فيه، بالصمود في وجه كل طغيان وبمعارضة كل سلطة، الأساس الإلهي للمساواة بين جميع الناس من وراء أي تسلسل في المراتب الاجتماعية.."(3).

[ 3 ]

"سوف يكون غريبًا اعتبار عقيدة قادت المسلمين في غضون ثلاثة أرباع القرن، إلى تجديد أربع حضارات كبرى وإلى الإشعاع على نصف العالم، عقيدة قدرية، منقادة. هذه الدينامية في الفكر والعمل هي عكس القدرية: لقد اقتادت ملايين الناس إلى التأكد من أنه كان يمكنهم أن يعيشوا على نحو آخر"(4).

[ 4 ]

".. بفضل مبدأي الإسلام الأساسيين: مبدأ السلطة لله وحده وهو الذي يجعل كل سيادة اجتماعية نسبية، ومبدأ الشورى الذي يستبعد أية وساطة بين الله والشعب، يزال، في آن واحد، أي استبداد مطلق يضفي القداسة على السلطة، ويصبو إلى أن يجعل من القائد إلهًا على الأرض.."(5) .

[ 5 ]

"أن الجهاد الأكبر [في الإسلام] هو كفاح ضد الذات، ضد الميول التي تجذب الإنسان بعيدًا عن مركزه. وهو ما يقوده، باجتذابه نحو رغبات جزئية، إلى أن يصطنع لنفسه (أوثانًا) وبالنتيجة يمنع عن الاعتراف بوحدانية الله. والانتصار على هذه (الوثنية) الداخلية أصعب كثيرًا أيضًا من الانتصار على المشركين في الخارج. ومازلنا نجد اليوم في هذا درسًا عظيمًا لكثير من (الثوريين) الذين يطمعون بتغيير كل شيء إلا أنفسهم. كما كان، فيما مضى، شأن الكثير من (الصليبيين)، الذين كانوا في القدس وفي أسبانيا (المراد استردادها)، أو ضد هنود أمريكا، يريدون أن يفرضوا على الآخرين مسيحية يهزؤون منها بكل عمل من أعمالهم"(6).

___________________________________

(1)  روجيه جارودي                           Roger Garandy

المفكر الفرنسي المعروف، وأحد كبار زعماء الحزب الشيوعي الفرنسي، سابقًا، تتميز ثقافته بالعمق والشمولية، والرغبة الجادة في البحث عن الحق مهما كان الثمن الذي يكلفه. أتيح له منذ مطلع الأربعينات أن يحتك بالفكر الإسلامي والحياة الإسلامية. وازداد هذا الاحتكاك بمرور الوقت، وتمخض عن اهتزاز قناعاته المادية وتحوله بالتدريج إلى خط الإيمان، الأمر الذي انتهى به إلى فصله من الحزب الشيوعي الفرنسي، كما قاده في نهاية الأمر (أواخر السبعينات) إلى اعتناق الإسلام، حيث تسمى بـ(رجاء جارودي).

كتب العديد من المؤلفات منها: (حوار الحضارات)، (منعطف الاشتراكية الكبير)، (البديل)، (واقعية بلا ضفاف)، وبعد إسلامه أنجز سيرة ذاتية خصبة وعددًا من المؤلفات، أبرزها: (وعود الإسلام)، فضلاً عن العديد من المحاضرات التي ألقاها في أكثر من بلد.

(2)  دعوة الإسلام ، ص 22 .

(3)  نفسه ، ص 31 .

(4)  نفسه ، ص 30 – 33 .

(5)  نفسه ، ص 36 .

(6)  نفسه ، ص 45 .

كالفرلي(1)

[ 1 ]

"يفصل كثير من الناس، بتأثير ميراثهم الثقافي وظروفهم الاجتماعية وتعليمهم، بين الدين والدولة، ويأخذ البروتستانت الغربيون هذا الفصل قضية مسلمة. ولكن الواقع أن هذا الفصل بين الدين والدولة أمر جديد في المسيحية ابتدعته فيها أقلية مذهبية، ولم يعرف الإسلام أو سواه من الأديان العالمية مبدأ الفصل.."(2).

[ 2 ]

"لنضرب مثلاً على الدراسة [النزيهة] بمقال كتبه الأستاذ آرثر جيفري –Arthur Jeffery في مجلة العالم الإسلامي، عدد يناير، سنة 1940، يعرف فيه [إحدى] الترجمات الإنجليزية للقرآن.. فقد اعترف اعترافًا صريحًا بالقيم الروحية الممتازة في دين لا يدين هو به.."(3).

___________________________________

(1)  ادوين كالفرلي                               E. Calverley

ولد عام 1882م، تخرج باللغات الشرقية من جامعة برنستون، وعين عضوًا في البعثة العربية التي نظمتها الكنيسة في الولايات المتحدة (1909-1930)، ومحاضرًا في مدرسة كنيدي للبعثات (1930-1932) وأستاذًا للعربية والإسلاميات فيها (1932-1951) ومحررًا لمجلة عالم الإسلام، (1947-1952) وأستاذًا زائرًا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة (1944-1945).

من آثاره: (القرآن) (1924)، (العبادة في الإسلام) (1925)، (محمد) (19369، (الإسلام (1938).. إلخ.

(2)  الشرق الأدنى: مجتمعة وثقافية (بإشراف كويلر يونغ)، ص 173 .

(3)  نفسه ، ص 186 .

كلود كاهن

[ 1 ]

".. تملي شريعة الإسلام فرائض على الناس تجاه خالقهم، وتجاه أنفسهم فيما بينهم. فهي إذن – على حد تعبيرنا الحديث – شريعة دينية اجتماعية، والتمييز بين الدين والدنيا أمر غريب على الإسلام. على أن أهم فريضة تجاه الخالق هي الإيمان به والإذعان لمشيئته وذلك هو المقصود من كلمة (الإسلام). والمسلم هو من يدين بالإسلام. كذلك أوجب على الناس أعمالاً محددة لا قيمة لها إلا بالنية الحسنة.."(1).

[ 2 ]

"من المقتضيات الأساسية للمجتمع الإسلامي إنشاء نظام اجتماعي يقوم على أساس مستمد من الشريعة الإلهية.. بمعنى أن الإسلام لم يعهد مبدئيًا ذلك المفهوم الروماني – الذي قبلت به المسيحية – قبولاً جزئيًا – والذي يعترف بشرعية دولة قائمة بحدّ ذاتها تملك القدرة على التشريع تشريعًا قيمًا مقبولاً – ولو تحت إشراف من الإله – دون اللجوء في كل حالة من الحالات إلى توجيه إلهي. فالقاعدة الثابتة – من حيث المبدأ – هي الشرع الحنيف الذي أوحي به للناس دفعة واحدة ولابد من وضعه موضع التنفيذ. بل إن الخليفة لا يملك سلطة معنوية إلا بقصد تطبيق هذا الشرع.."(2).

[ 3 ]

".. قد ندعو [علماء الكلام المسلمين] بعلماء الدين مع تحفظ واحد وهو أن ندرك أن الإيمان عند المسلم – ومن الناحية المبدئية – أمرٌ عقلي صرف، فلم يوجد إذن نظريًا انفصام يباعد بين الإيمان والعقل على نحو ما عهدته مثلاً الفلسفة المسيحية"(3).

[ 4 ]

"إن الإسلام لا يعترف بأي تمييز بين الأفراد. ولا يخص المدينة – بوصفها مجموعة – بأي خاصة نوعية، كما لا يقر أي نظام لسكانها (البورجوازيين).."(4).

[ 5 ]

"نشأ الرسول [صلى الله عليه وسلم] في مجتمع بلا دولة، فكان، على نحو لا تتبينه إلا العقول العصرية مبشرًا بدين، ومنظمًا لمجتمع دنيوي. ونتج عن ذلك أن القانون الاجتماعي صار جزءًا متماسكًا مع القانون الديني، كما كان احترام القانون الاجتماعي جزءًا مكملاً لطاعة الله تعالى. كان الوحي بذاته – إذن – هو الأساس المشترك للعقيدة وللتنظيم الزمني. فكان المجتمع نفسه هو الدولة والدين، ولم يتسنّ لأحدهما أن يبقى وحده نظامًا قائمًا بذاته.. لقد كان هذا التوجيه حاسمًا، ولم تستطع العقول أن تتخلى عنه إلى مدة غير قصيرة، وكان من نتائجه في العصور التالية أن الرجل المسلم أصبح يطلب من نظامه السياسي أن يكون على جانب من الكمال، فإن فقد ذلك فقد أيضًا مبدأ الطاعة المحتمة عليه إزاء هذا النظام.."(5).

___________________________________

(1)     تاريخ العرب والشعوب الإسلامية ، 1 / 19 .

(2)     نفسه ، 1 / 91 .

(3)     نفسه ، 1 / 104 .

(4)     نفسه ، 1 / 188 .

(5)     الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية (تحرير كرونباوم)، ص 200 – 201 .

هاملتون كب

[ 1 ]

"كانت التعاليم الاجتماعية التي جاء بها محمد [صلى الله عليه وسلم] في أساسها، إعادة لإحقاق المبادئ الأخلاقية التي تشترك فيها ديانات التوحيد، فازداد ترسيخ معنى الأخوة بين جميع أفراد الجماعة الإسلامية، وأنهم سواسية من حيث القيمة الشخصية الفطرية دون نظر إلى ما في مكانتهم الدنيوية ووظائفهم وثرواتهم من تباين واختلاف. وتعمقت جميع العلائق الواجبات المتبادلة التي تستتبعها هذه المبادئ. وقد تم ترسيخ ذلك كله وتعميقه حين وضعه الإسلام على أساس من الولاء الخفي والخضوع العلني لإله واحد.. وكانت لتعاليم الرسول [صلى الله عليه وسلم] نتائج اجتماعية ملموسة تحدّدت صيغتها كما هو الحال في جميع الحركات الدينية بما تركته من آثار في البيئة التاريخية الواقعية"(1).

"ومنذ البداية نشأ تيار [فقهي] يعارض بعض مظاهر المفهوم الرسمي، ويعارض سيطرة الدولة على الأمور الدينية، كما تجلى إصرار الفقهاء على أن الفقيه مسؤول تجاه نفسه فقط. وقد وقع النزاع علنًا عندما قام المأمون وخلفاؤه يحاولون فرض المبادئ ذات الصبغة اليونانية التي نادى بها فريق المعتزلة (مذهبًا رسميًا)، ويضطهدون زعماء السنة المعارضين. وانتهى الصراع بانتصار السنة، وكان برهانًا قاطعًا على استقلال النظام الديني الإسلامي عن الخلافة وغيرها من المؤسسات السياسية، وعلى أن الحكام السياسيين لا يستطيعون الإشراف على مصادر سلطان الدين لأنها ملك للجماعة ولا علاقة لأحد بها، وأن الخلافة ذاتها نابعة من ذلك السلطان وأنها رمز سياسي له. وكانت هذه الأحداث ذات أهمية أساسية في مستقبل الإسلام كله، ذلك أنها حاولت دون أن يرتبط بأي نظام سياسي، وأمدت النظام الديني والجماعة معه بالحرية اللازمة للتطور على أسس ما يحويه الإسلام من طبيعة ومنطق ذاتيين.."(2).

[ 2 ]

"أن الفكر الإسلامي يأبى أن يقيد بقيود الصيغ الخارجية. ويظل هذا الفكر يحدث ضغطًا مستمرًا يظهر أثره في تجديد التشكيل للنظرية على نحو هادئ، وهذا التشكيل المتجدد، تحت ذلك الظاهر المتشدد، هو الذي يميز كل ضروب النشاط التأملي في الإسلام، حيث ظل الإسلام بناء دايناميًا حيًا"(3).

[ 3 ]

"ومظهر [آخر] بارز يميز التشريع الإسلامي، وهو أن مهمة التعريف والتصنيف استغرقت، خلال القرون الثلاثة الأولى، الطاقات الفكرية لدى الأمة الإسلامية، إلى حد لا نظير له. إذ لم يكن المسهمون في هذا الميدان هم علماء الكلام والمحدثين والإداريين فحسب، بل إن علماء اللغة والمؤرخين والأدباء أسهموا بأنصبة في هذه المجموعة من المؤلفات التشريعية، وفي مناقشة القضايا التشريعية، وقلما تغلغل الشرع في حياة أمة وفي فكرها هذا التغلغل العميق مثلما فعل في الأدوار الأولى من المدنية الإسلامية"(4).

[ 4 ]

".. أن المبدأ المحوري في القرآن هو – يقينًا – مبدأ وحدة لا هوادة فيها، وهو يرفض فكرة وجود وسطاء بين الله والإنسان، على الأقل في هذا العالم. فالإسلام حين وضع الإنسان أمام الله دون عناصر وسائطية روحية كانت أول شخصية أكد بالضرورة مدى التباين بين الله والإنسان. وعلى الرغم من وجود آيات قرآنية ذات حدس روحي، فإن العنصر العقائدي المستمد من القرآن لا يستطيع إلا أن يصدر من افتراض التعارض بين الألوهية والإنسانية ومن تساوي الناس جميعًا (وهذه نتيجة ضرورية للموقف الأول) في علاقتهم بالله من حيث إنهم مخلوقات. وفي هذه المفارقة الكلية يقع التوتر الديني الذي يمثل – في الواقع – المظهر الأصيل المميز للإسلام"(5).

[ 5 ]

"جدير بالقول أن الإسلام.. يتمتع بخاصة جوهرية هامة، وهي تسامحه في وجود وجهات مختلفة ضمن الطائفة، بل إنه يستمد من ذلك مجده وفخره. وأبرز مثل على هذا التسامح هو وجود المدارس المذهبية باسم فقهاء القرنين الثاني والثالث الهجريين.."(6).

___________________________________

(1)     دراسات في حضارة الإسلام ، ص 6 .

(2)     نفسه ، ص 15 .

(3)     نفسه ، ص 195 .

(4)     نفسه ، ص 263 .

(5)     نفسه ، ص 270 .

(6)     نفسه ، ص 40 .

كرونباوم(1)

[ 1 ]

"جعل [الإسلام] الفرد مسؤولاً عن مصيره في الدار الآخرة، فأكمل مجرى حركة الفردية الشرعية والخلقية أو قدمها تقدمًا خطيرًا. وفضلاً عن ذلك فقد جعل الإسلام كل لحظة في حياة المؤمن ذات أهمية كبرى مستديمة، فالجهد الذي يبذله للفوز بالنجاة لا ينبغي أن يتراخى"(2).

[ 2 ]

"أن الإسلام بتأكيده: أن لا غنى عن الجماعة للقيام ببعض الفرائض الأساسية المطلوبة من الفرد المسلم أكد ضرورة التنظيم السياسي. وبينما كان العربي في الجاهلية يفكر بمفاهيم العشيرة والقبيلة فإن المسلم أصبح يفكر بمفاهيم المجتمع السياسي القائم من منطلق الإيمان، ولهذا كان مقدرًا في آخر الأمر أن يسيطر على العالم. فلم يعد البشر منقسمين إلى قبائل مختلفة بل إلى مؤمنين وكفار، وكان لابد لهذا الانقسام أن يستمر حتى بعد الموت"(3).

[ 3 ]

"أن النجاح المحدود الذي صادفته المحاولات السابقة للإسلام لتأسيس دولة يرجع في بعضه في الأقل إلى فقدان (الإيديولوجي) الذي ينبغي أن تمثله أو تحققه الدولة المقترحة. أما الدولة الإسلامية فكان عليها – مقابل ذلك – أن تطبق تعاليم الدين وتيسر الظروف الممكنة والضمانات الكافية للقيام بها في مواعيدها. ولذا كان تنظيمها وسياستها معتمدين على اعتبارات دينية في شكلها المثالي"(4).

[ 4 ]

"أن ما حققه الإسلام من تغيير الثقافة العربية المتوارثة عن السلف يمكن تلخيصه في أربع تغييرات أساسية:

‌أ-       توسيع المشاعر الإنسانية وتنقيتها.

‌ب-     توسيع نطاق العالم الفكري والوسائل التي تمكن الإنسان من السيطرة عليه.

‌ج-     إبداع نظام سياسي لم يسبق إليه في محل نشأته، مقبول من الوجهة الخلقية وفعال في الوقت نفسه.

‌د-      تصوير أسلوب جديد (مقرر) للحياة، ومعنى ذلك إيجاد مثل أعلى جديد للبشر ونموذج مفصل لتحقيقه في حياة نموذجية تمتد من الحمل إلى ما بعد يوم القيامة.."(5).

[ 5 ]

".. أن الهوّة الموجودة في حضارتنا (الغربية) بين الميادين السياسية والميادين الدينية لا توجد إلى هذا الحدّ أبدًا في العالم الإسلامي.."(6).

___________________________________

(1)  الدكتور كوستاف فون كروبنام                   G. E. Von Grunebaum

نمساوي الأصل، تخرج من جامعتي فينّا، وبرلين، وعين أستاذًا مساعدًا للدراسات العربية والإسلامية، في جامعة نيويورك (1938-1942)، وفي جامعة شيكاغو (1943-1949) وأستاذًا فيها (1949-1957)، وأستاذًا لتاريخ الشرق الأدنى في جامعة كاليفورنيا (1957)، ثم رئيسًا لقسم دراسات الشرق الأدنى فيها.

من آثاره: (الشعر العربي) (1935)، (دراسات عربية) (1937)، (التفسير الحديث للإسلام) (1947)، (الإسلام في العصر الوسيط) (1945)، والعديد من الأبحاث في المجلات المعروفة.

(2)  الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية (تحرير كروبناوم)، ص 35 .

(3)     نفسه ، ص 35 – 36 .

(4)     نفسه ، ص 36 .

(5)     نفسه ، ص 37 .

(6)     نفسه ، ص 69 – 70 .

كلايتون(1)

[ 1 ]

".. بعد أن نفهم حقيقة الإسلام يسهل علينا أن نعرف السبب الذي يجذب الإنسان للانضواء تحت لوائه. فكل مسلم يعرف أن الإسلام معناه الخضوع والإذعان الكامل لمشيئة الله. فعندما نولد نكون مسلمين. ولكننا بعد ذلك نترك سبيل الله ونتبع السبل المضلّة المفرّقة، والإسلام دين الفطرة. وكل مولود يولد على الفطرة قبل أن يشب عن الطوق لنفرض عليه عقيدة أخرى تتنافى وإرادة الله. ويمكن القول بأن الصخور والشجر مسلمة لأنها تخضع لسنة الله في الخلق. ومن ذلك نعلم أننا إذا سعينا إلى صرف المسلم عن عقيدته ودينه وشدّه إلى أية ملّة أخرى فمعنى ذلك أننا نتدخل ضد سنة الله الفطرية. ولابد للفطرة أن تنتقم {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم 30].."(2).

[ 2 ]

"كان الناس يخلعون أحذيتهم أو نعالهم وينتظمون في صفوف طويلة الواحد منها وراء الآخر. وقد أثار دهشتنا ونحن نرقبهم في صمت أنه لا توجد فوارق من أي نوع بين أفراد هذا الاجتماع. فلقد كان البيض والصفر والسود، على جانب الفقراء والأغنياء والشحاذين والتجار يقفون جنبًا إلى جنب دون أدنى التفات إلى العنصر أو المكانة الاجتماعية في الحياة.. إن روح الأخوة التي تجلت في ذلك الجمع المتباين من الناس قد تركت انطباعًا لا يمكن أن يمحى من نفسي ما حييت.."(3).

___________________________________

(1)  توماس محمد كلايتون                       Thomas M. Clayton

مسيحي أمريكي لم تمنحه المسيحية القناعات الكافية فانشق عليها، وحدث أن عثر يومًا على ترجمة لمعاني القرآن الكريم، ففتحت أمامه الطريق إلى الحقيقة، فازداد انكبابًا على دراسة المؤلفات الإسلامية والاتصال بعدد من الدعاة، الأمر الذي انتهى به إلى اعتناق الإسلام عام 1947.

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 3 / 101 .

(3)     نفسه ، 3 / 103 .

إيفلين كوبولد

[ 1 ]

"سألني كثيرون كيف ومتى أسلمت؟ وجوابي على ذلك أنه يصعب عليّ تعيين الوقت الذي سطعت فيه حقيقة الإسلام أمامي فارتضيت الإسلام دينًا. ويغلب على ظني أنني مسلمة منذ نشأتي الأولى. وليس هذا غريبًا إذا ما راح المرء يفكر بأن الإسلام هو الدين الطبيعي الذي يتقبله المرء فيما لو ترك لنفسه ولم يفرض عليه أبواه الدين الذي يعتنقانه فرضًا. ألم يصف أحد مشاهير النقاد في أوروبا: (بأنه دين العقل والإنسانية)؟"(1).

[ 2 ]

"الإسلام كلمة تعني التسليم لله، وهي تعني السلام أيضًا، ويعرف المسلم بأنه الرجل الذي يسير في حياته وفاقًا لمشيئة خالقه وأوامره والذي يعيش بسلام مع الله وعباده. ولعل أجمل ما في الإسلام ما يضطرب فيه من وحدانية إلهية، وأخوة إنسانية، وخلوه عن التقاليد والبدع والتصاقه اللصوق كله بما في الحياة من أمور عملية.. والإيمان في القرآن إنما يقوم على العمل الصالح وليس هناك في الإسلام إيمان دون ما عمل صالح أبدًا.."(2).

"من فوائد الحج أنه يوطد الوحدة الإسلامية ويغذي الأخوة التي أنشأها محمد [صلى الله عليه وسلم] وهو يدعو المسلمين في كل عام مرة واحدة إلى التعارف والتقارب والتحدث فيما بينهم.. فالحج والحالة هذه ليس فرضًا دينيًا فحسب، وإنما هو إلى ذلك كله، جمعية أمم عظمى. ولقد أشار إلى هذه الظاهرة الخطيرة الأستاذ سنوك [هيروغرنجه المستشرق الهولندي] فقال: (لقد سبق الإسلام الحكومات الأوروبية في التوحيد بين الأمم والتقارب بين الشعوب بما أقره من وجوب الحج على كل مسلم يستطيع إلى الحج سبيلاً، ولعمري إن هذه الديمقراطية والأخوة التي أقرها الإسلام وجعلها عامة بين أتباعه لما يخجل الجماعات الأخرى التي لم تفطن لها ولا دعت إليها"(3).

[ 3 ]

"من المعلوم أنه لا كهنوت في الإسلام، وليس هناك واسطة بين المسلم وربّه.."(4).

[ 4 ]

".. إذا لم يكن في الإسلام إلا هذه الأخوة التي قتلت التفرقة وجعلت من الإنسانية شخصًا واحدًا لا يعلو واحدها على رفيقه إلا بالتقوى والعمل الصالح، لكفى ولكان الإسلام خير الأديان وأقربها إلى الله وأرفعها درجات. ولقد أشار المستر بيكتول الكاتب الإنكليزي، إلى هذه الظاهرة الغريبة الفذة في تاريخ الإنسانية، وراح يضرب الأمثال بهذا الاختلاف العظيم يعمّ الغرب من أقصاه إلى أقصاه ويفصل بين المرء وولده وشقيقه ونسيبه وجاره، وكيف أن الإسلام يقف وحيدًا في هذه الظاهرة حيث تقوم الأخوة الإسلامية فيه مقام العصبية والجوار وغيرها من الصلات.."(5).

[ 5 ]

".. أن الإسلام دين حي، حي في قلوب أتباعه ومريديه، وهو دين كلما تقدمت به الأيام زادت حيويته وقوي أمره وتبسط سلطانه وفشت دعوته ولولا ذلك لما أمكنه أن يعيش وأن يظل محتفظًا بقوته وتأثيره وحب أتباعه له"(6).

[ 6 ]

"أن روحانية الإسلام قوية شديدة، فهي أبدًا تدفع المسلمين بعضهم إلى بعض وتجعل منهم قوة إنسانية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر مما لا يوجد مثله في العالم الحاضر"(7).

___________________________________

(1)     البحث عن الله ، ص 9 .

(2)     نفسه ، ص 12 .

(3)     نفسه ، ص 13 .

(4)     نفسه ، ص 13 .

(5)     نفسه ، ص 13 .

(6)     نفسه ، ص 13 .

(7)     نفسه ، ص 13 .

كولد تسيهر

[ 1 ]

"علينا إن أردنا أن نكون عادلين بالنسبة إلى الإسلام، أن نوافق على أنه يوجد في تعاليمه قوة فعالة متجهة نحو الخير، وأن الحياة طبقًا لتعاليم هذه القوة يمكن أن تكون حياة طيبة لا غبار عليها من الوجهة الأخلاقية. هذه التعاليم تتطلب رحمة جميع خلق الله، والأمانة في علاقات الناس بعضهم ببعض، والمحبة والإخلاص، وقمع غرائز الأثرة، كما تتطلب سائر الفضائل التي أخذها الإسلام عن الأديان السابقة، والتي يعترف محمد [صلى الله عليه وسلم] بأنبيائها [عليهم السلام] أساتذة له، ونتيجة هذا كله أن المسلم الصالح يحيا حياة متفقة مع أدق ما تتطلبه الأخلاق"(1).

[ 2 ]

"وقد اقتنع هؤلاء الرجال [الفقهاء] العمليون من أول الأمر بأنهم جميعًا على الحق، وأنهم يخدمون مبدءًا واحدًا، وعلى هذا الأساس كانوا يتبادلون الاحترام الواجب.. ولم يظهر التعصب المذهبي إلا عندما ازداد العجب عند الفقهاء، الأمر الذي كان موضع لوم أهل الجد منهم.. وقد بقي إلى يومنا هذا الاعتقاد السائد بأن الأعمال المخالفة للمذاهب الفقهية يجب الاعتراف بأنها كلها مستحقة للتصديق على التساوي ما دامت ترجع إلى تعاليم الأئمة وأعمالهم، أولئك الذين أجمع المسلمون على الاعتراف بإمامتهم وحدها.."(2).

[ 3 ]

"وسنلاحظ حقًا أن هذا المبدأ [الفقهي وهو الإجماع] بالنسبة للإسلام يحمل في طياته بذور التحرر والتطورات المستطاعة، فهو يقدم، ضد ديكتاتورية الجمود وقتل الشخصية، قوة للتعادل، وقد حقق على الأقل في الماضي كعامل مهم مطابقة الإسلام للعصر وقتئذ، فماذا عسى يمكن أن يكون باستعماله في المستقبل؟ وفي الحق أن هذا المبدأ المتبع ملحوظ عند مجددي الإسلام في عصرنا، فهو الباب الذي يجب بواسطته أن تنفذ إلى بناية الإسلام عوامل القوى الشابة"(3).

[ 4 ]

"والحياة في الفقه ليست مقصورة على أمور العبادات وحدها، فالفقه الإسلامي ضمّ فروع الحياة والحقوق المدنية والسياسية والعقوبات. ولا يفلت فصل من فصول الفقه من أن يدخل تحت قاعدة مبنية على أساس ديني، وكل الأمور المتعلقة بالحياة الشخصية أو العامة داخلة في الواجبات الدينية وبواسطة هذا يعتقد الفقهاء أن كل حياة المؤمنين موافقة لطلبات الدين"(4).

[ 5 ]

"ومعرفة الأقوال المتفرعة الكثيرة في دائرة الفقه الإسلامي، من الأدلة التي يسوقها أصحاب المذهب لتأييد مذاهبهم عند الاختلاف في الرأي أو العمل في مذهب آخر، وكذلك نقد هذه الأدلة من وجهة نظر المذهب نفسه، كل ذلك يصور لنا فراغًا عاليًا من الفقه في الإسلام، ويقدم فرصة دائمة لمعرفة الذكاء العلمي في هذه الدائرة التي هي للإسلام في أوطانه ذات فائدة وأهمية خاصة، نظرًا لأهمية هذه الأبحاث، في هذه الدائرة، قد ظهرت فيها منذ العصور القديمة للمدارس الفقهية كتب كثيرة"(5).

___________________________________

(1)     العقيدة والشريعة في الإسلام ، ص 29 .

(2)     نفسه ، ص 59 .

(3)     نفسه ، ص 63 .

(4)     نفسه ، ص 65 .

(5)     نفسه ، ص 66 .

عبد الله كويليام

[ 1 ]

".. أنه ليس بين الأديان أقرب للفهم من الدين الإسلامي للذين يفقهونه، كما أنه ليس بينها أثبت ولا أرفق منه. فهو بقاعدتيه: وحدانية الله والجزاء الآجل، يمنح القلوب حقوقها من السكينة والارتياح ويذهب بالإرادة المذهب الذي يلائمها وتحتاج إليه بدون أن تسوم العقل قيود هو بالطبع يأباها. وليس في الاكتشافات العلمية الحديثة، ولا في المسائل التي انتهى حلها والتي تحت الحلّ ما يغاير مثل هذه الحقائق الإسلامية الوضاءة والسهلة المأخذ. ولهذا فإن التوفيق الذي نبذل كل جهدنا معاشر المسيحيين لإيجاده بين العقل والاعتقاد في ديننا المسيحي هو سابق موجود في الديانة الإسلامية. وإنني بكلامي هذا عن الدين المسيحي إنما أشير إلى تلك الزيادات الموافقة وغير الموافقة التي أدخلت على نصرانية الإنجيل التي هي في الحقيقة كإسلام القرآن"(1).

[ 2 ]

".. أن الشريعة المحمدية تشمل الناس جميعًا في أحكامها، من أعظم ملك إلى أقلّ صعلوك فهي شريعة حيكت بأحكم وأعلم منوال شرعي لا يوجد مثله قط في العالم"(2).

[ 3 ]

"إن الأساس المهم والمبدأ العظيم في الإسلام هو الاعتقاد بإله واحد في وحدانيته ونبذ الخرافات بأي وجه كانت..".

[ 4 ]

".. مهما ارتقى العقل في درجات الكمال فليرتقِ فإنه لا يخرج عن حدّ تلك الأحكام الجليلة، أعني الأحكام التي انطوت عليها الشريعة الإسلامية، فاتباعها في كل زمان ضروري لا محيص للعقل عنه"(3).

___________________________________

(1)     العقيدة والشريعة في الإسلام ، ص 62 ، ( عن لوازون في خطبته المذكورة ).

(2)     نفسه ، ص 123 ، ( عن كتاب شكوى وارن هاسنتج ، لادماند بورك ).

(3)     نفسه ، ص 129 -  30 .

كوينج(1)

[ 1 ]

"يحدثنا القرآن الكريم عن الإنسان ومحاولته الوصول إلى خالقه في هذه الآيات البينات {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة 164]، ويحدثنا الكتاب المقدس عن هذا المعنى في هذه العبارة: (أن قدرة الله الأزلية وألوهيته منذ خلق العالم، تتجلى في مخلوقاته بنور الفكر الإنساني).."(2).

[ 2 ]

".. أن تاريخ الدين بوجه عام وتاريخ التوحيد على وجه خاص يظهرنا على أن الإيمان بالله وحده هو الجواب الشافي الوحيد عن كل سؤال عن أصل الكون والإنسانية والغاية من وجودهما فلا يمكن أن يكون للحياة الإنسانية من هدف إلا الله وحده وكل تديّن في الإنسان مرده في الأصل – عن إدراك أو بغير إدراك واع – إلى الإيمان بإله واحد، ولقد كان هناك توحيد حين ظهر الإسلام واتخذ الإسلام التوحيد سبيلاً لأتباعه المؤمنين. ولا شك أن الغزالي على حق يقرر أن الإيمان بالله وحده هو المقصد الأسمى للقرآن الكريم.."(3).

[ 3 ]

".. لنقلها إذن في صراحة ووضوح: أن التوحيد عدو لكل من نصب نفسه معيارًا للحياة الإنسانية في هذه الأرض، وهذه الحقيقة هي التي ترسم لنا حدود مسؤولياتنا.. وليكن همنا في هذه الأيام العصيبة أن نعين الناس على أن يستجيبوا لأمر الله فيقيسوا حياتهم وفق أمره ومشيئته وفي هذه الاستجابة لنداء الفطرة (كما يدعوها المسلمون) المستكنة في قلب كل بشر، جوهر الإيمان بالله الحق المبين. ولعلنا بذلك نخطو الخطوة الحاسمة في إقرار التوحيد بين البشر"(4).

__________________________________

(1)  الكاردينال كوينج                                Quenge

رئيس أساقفة النمسا.

(2)     عقيدة التوحيد في العالم المعاصر ، ص 10 .

(3)     نفسه ، ص 15 – 16 .

(4)     نفسه ، ص 17 .

كيبون(1)

[ 1 ]

"أن ما يثير دهشتنا هو ثبات الإسلام لا انتشاره، فإن نفس الطابع النقي الكامل، الذي كان له في مكة والمدينة، ما زالت تجيش به صدور المسلمين في الهند وأفريقيا وتركيا"(2).

[ 2 ]

"أن في عبقرية النبي العربي [صلى الله عليه وسلم]، وفي خلال أمته وفي روح دينه، أسباب انحلال الدولة [الرومانية] الشرقية وسقوطها، وأن أبصارنا لتتجه دهشة إلى ثورة من أعظم الثورات التي طبعت أمم الأرض بطابع خالد"(3).

___________________________________

(1)  إدوارد كيبون (1737 – 1794 )                  Edward Gilbbon

ولد في بلدة بتني بجنوب إنكلترا، من أسرة غنية، كان أبوه عضوًا في البرلمان الإنكليزي، درس في جامعة أكسفورد، وفي لوزان بسويسرا سافر إلى أكثر من بلد، وفاز بمقعد في مجلس العموم البريطاني. يعد كتابه: (اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها) الذي صدر في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، واحدًا من أهم الأسفار التاريخية. وقد أعيد طبعه مرارًا، وترجم إلى معظم اللغات الأوروبية.

(2)     اضمحلال الإمبراطورية الرومانية، ( عن محمد عبد الله عنان: مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام، ص 11 ).

(3)     نفسه ، ص 12 .

كيمن(1)

[ 1 ]

".. حينما اكتشفت أوروبا مرة أخرى فكرة الفصل بين الكنيسة والدولة وجدت قوّتها، لم يستطع الإسلام أن يقوم بعمل من هذا القبيل، لأن ذلك غير معروف في تاريخه مطلقاً"(2).

[ 2 ]

".. أن الفقهاء في العهد العباسي لم يكتبوا مؤلفاتهم وهم بمعزل تام عن محيطهم، ولا شك في أنهم اشتغلوا بتكوين الآراء النظرية، كما فعل المشرعون الأوروبيون، ولكنها كانت نظريات دعا إليها الواقع بحيث أن أصحاب المذاهب المختلفة استطاعوا مثلاً أن يؤلفوا رسائل في القانون العام تكاد تكون متطابقة تمامًا"(3).

___________________________________

(1)  جاك دوشين كيمن                         J. Duchessne Gnillemin

ولد عام 1911 متخصص بالدراسات الإيرانية، وأستاذ في جامعة ليينج، وله مباحث في أسماء الأعلام الإيرانية وفي دين زرادشت.

(2)     الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية ( تحرير كرونباوم )، ص 18 .

(3)     نفسه ، ص 18 – 19 .

كين(1)

[ 1 ]

".. كنت أنطوي على نفسي وأقرأ في شغف وفهم كل ما تصل إليه يدي من كتب الأديان المختلفة، وأتعمق في هذه القراءات التي استمرت عشر سنوات كاملة. وأخيرًا وصلت إلى نتيجة هامة وبلغت الحقيقة التي ظللت أبحث عنها طويلاً، وهي أنني سأعتنق الإسلام وأكون مسلمًا.. لقد انتهيت في يقين إلى أن الدين الإسلامي هو دين العقل والمنطق، وهو دين الحياة الدنيا والآخرة، وهو أيضًا دين المادة والروح معًا"(2).

[ 2 ]

".. لقد بحثت طويلاً في سرّ الوجود وتعمقت في أبحاثي بحكم دراساتي للفلسفة وعلم النفس، ورأيت أن الإسلام هو أقرب الأديان إلى السماء وإلى النفس الإنسانية فتأكد يقيني بأنه الدين الكريم الذي أرتضيه وأؤمن به.."(3).

___________________________________

(1)  الدكتور آرثر كين: علي عمر كيم                Dr. A. Keen

فيلسوف أميركي، اشتغل بالصحافة، ثم اتجه إلى الكتابات الاجتماعية، والفلسفية، ثم تفرغ للتأليف، فألف عدة كتب في علم النفس العلاجي وشن هجمات مركزة ضد التدخين والخمور، قرأ كثيرًا ، وانتهى إلى أن الإسلام هو الطريق الوحيد، فأعلن إسلامه عام 1961 بمدينة نيويورك، وزار القاهرة، وأعلن شهادته مرة أخرى أمام شيخ الجامع الأزهر محمود شلتوت – رحمه الله – وحينذاك "امتلأت نفسه بالطمأنينة والراحة" و"أصبح الإسلام جزءًا لا يتجزأ من حياته".

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 9 / 155 .

(3)     نفسه ، 9 / 155 – 156 .

لامير(1)

[ 1 ]

"لقد جاءني الإسلام كما يأتي النبع الدافئ إلى الأرض الباردة بعد الشتاء المظلم، فأدفأ روحي وسربلني بثوب من تعاليمه القشيبة. فما أوضح تعاليم الإسلام وأعذبها، وما أعظم منطقها!"(2).

[ 2 ]

"لا أستطيع أن أسجل مدى فرحتي بهذا الدين الذي أخذ ينفرج أمام نظري، فقد أحسست أن هذا هو الدين الذي كنت أنتظره وأنه الدين الذي آمنت به. لقد كان إعلان دخولي في الإسلام ترجمة ظاهرة لصوت ضميري. فهل يمكن أن يكون هناك أي شيء أعظم حجة من العقيدة الإسلامية"(3).

[ 3 ]

"أن الإسلام هو أقدم وأول الأديان جميعًا، وهو بتصوره الشامل للحياة قد أثر في ثقافة جل بلاد العالم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبصفة كلية أو جزئية. وسبب ذلك أنه دين يساير الفطرة"(4).

[ 4 ]

"في الوقت الذي تهاوت فيه تعاليم الأديان الأخرى ومبادئها أمام جبروت العلم أخذ علماء الدنيا في الوقت الحاضر يتطلعون إلى الإسلام طالبين السلوى، لأن تعاليمه أقرب إلى العلم من أي دين آخر. بل إن الإسلام يحض على العلم. وهو دين تقدمي يناسب كافة المناخات والبلاد، كما يصلح لجميع العصور"(5).

[ 5 ]

"أإه دين زاخر بالحياة والحركة. وإنه من واجب جميع المثقفين أن يملأوا الفراغ الروحي بالإسلام.. أن الإسلام لديه رسالة لابد أن يقدمها للعالم. إنه نور بوسعه أن ينير العالم أجمع.."(6).

___________________________________

(1)  فاطمة سي لامير                                 F. Lamear

ألمانية، لم تقنعها الديانة النصرانية، فأخذت تتصل منذ مطلع عام 1951، عن طريق المراسلة، بعدد من المسلمين الذين شرحوا لها مبادئ الإسلام، فانشرح صدرها له وانتمت إليه.

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 3 / 93 .

(3)     نفسه ، 3 / 95 .

(4)     نفسه ، 3 / 95 .

(5)     نفسه ، 3 / 95 – 96 .

(6)     نفسه ، 3 / 96 .

روم لاندو

[ 1 ]

".. حين يكون صيام رمضان في البلاد العربية الحارة صيفًا، يصبح الامتناع عن الطعام والشراب خلال ساعات النهار الطويلة امتحانًا حقيقيًا للإيمان.. أن الصوم ولّد ضبطًا ذاتيًا عند شعب كان بطبيعته انفعاليًا شديد العناد"(1).

[ 2 ]

".. أن التوكيد النصراني التاريخي على الألم وإماتة الجسد يكاد يكون مفقودًا بالكلية في الإسلام. والثنائية المسيحية، ثنائية الجسد والروح، هي في نظر المسلم شيء غير معقول، أو في أحسن الأحوال شيء غير واقعي.."(2).

[ 3 ]

"الإسلام في أساسه دين عملي. فالقواعد والأنظمة التي ينصّ عليها القرآن ليست جامدة، ولقد كيّفت وفقًا لما قضت به الأحوال والظروف. وهذه السياسة إنما يؤيدها كثير من المسلمين عندما يستشهدون بالآية القرآنية التي مفادها أن الله يريد أن ييسّر السبيل للناس. إن المسلم ليجد أن في ميسوره التزام أحكام دينه، وهكذا ينعم بالأمن وطمأنينة النفس.. أن هدف النصرانية الممعن في الروحية، ذلك الهدف الذي هو الانتصار على ضعف الجسد، يكاد يكون متعذر التحقيق في هذه الحياة، ولولا محبة الله إذن لكان خليقًا بحياة المسيحي أن تكون سلسلة من ضروب الإخفاق والخيبة التي لا سبيل إلى التغلب عليها. إن في إمكان المسلم أن يبلغ مثل دينه الأعلى هنا على سطح الأرض، ولكن النصراني يتطلع إلى الاتحاد بالمسيح [عليه السلام] في المستقبل بوصفه غاية الغايات في حياته الدينية"(3).

[ 4 ]

".. في الإسلام لم يول كل من الدين والعلم ظهره للآخر ويتخذ طريقًا معاكسة لا، والواقع أن الأول كان باعثًا من البواعث الرئيسية للثاني"(4).

[ 5 ]

"العلم الإسلامي لم ينفصل عن الدين قط. والواقع أن الدين كان هو ملهمه وقوته الدافعة الرئيسية. ففي الإسلام ظهرت الفلسفة والعلم معًا إلى الوجود لا ليحلا محل ألوهية الدين (البدائية) ولكن لتفسيرها عقليًا، لإقامة الدليل عليها وتمجيدها.. إن المسلمين وفّقوا، طوال خمسة قرون كاملة، إلى القيام بخطوات حاسمة في مختلف العلوم من غير أن يديروا ظهورهم للدين وحقائق وأنهم وجدوا في ذلك الانصهار عامل تسريع وإنجاح لا عامل تعويق وإحباط"(5).

___________________________________

(1)     الإسلام والعرب ، ص 49 .

(2)     نفسه ، ص 51 .

(3)     نفسه ، ص 52 .

(4)     نفسه ، ص 246 .

(5)     نفسه ، ص 280 – 281 .

لايتنر

[ 1 ]

"كل مسلم قيم ومهيمن على دينه مباح له التكلم بخصوص الأمور الدينية فليس هو رقيقًا للمشايخ. يعبد الله وحده لا يحتاج إلى وسيط، وإنما كان متى أدركته أوقات الصلاة فهنالك محل لعبادته، ولعلماء المسلمين الحرية التامة للاحتراف والاشتغال ولكن أكثر علمائهم يتعاطون تعليم الدين للناس. وأي مسلم يستطيع أن يقول: (إني بتسليم نفسي لإرادة الله) نائب عن الدين الذي علمه محمد [صلى الله عليه وسلم]. والحق يقال بأن كافة المسلمين في الدنيا مرشدون بهذا الهدى الاجتماعي.."(1).

[ 2 ]

".. الصلاة عمادها الطهارة والنظافة، ومعلوم أن النظافة من الإيمان والوضوء والصلاة لهما أعمال دقيقة جدًا وليس بإمكان أحد القسيسين أن يقول بحق أحد النصارى بأننا نستطيع تعلمها من أي مسلم نصادفه. وأما الزكاة فيحق لها أن تدعى (الصلاة النقدية).. ولكي تكون مقبولة عند الله فمن الواجب على المزكين أن يبيّنوا ملكيتهم لما وهبوه شرعًا ولا يجوز أن يكون فيه ما حرم كسبه.. وكل من يعطي فوق فريضة الزكاة فأجره على الله. والحج إلى مكة (المشرفة) مهم جدًا لأنه يتكون منه اجتماع المسلمين من كافة أقطار العالم ويتأتى عنه التعارف والاتحاد، وهذا شيء ليس للنصارى فيه من نصيب. وفوق هذا فإنه من أقوى العوامل والأسباب على نشر العلم والآداب.. أما الصوم فهو تمرين يعتاده الإنسان وله نفع عظيم، كما أن الطهارة والنظافة معقولان، كذلك الصوم المتمّم للأحوال الصحية التي يطلبها الطبيب"(2).

[ 3 ]

".. إنا نرى الأغبياء من النصارى يؤاخذون دين الإسلام كأنه هو الذي قد سنّ الاسترقاق، مع أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] قد حضّ على عتق الرقاب وهذه أسمى واسطة لإبطاله حقيقة"(3).

[ 4 ]

"الحق يقال إن الامتناع عن أكل لحم الخنزير وشرب المسكر واللحم الذي لم يحسن ذبحه، وإزالة كل مضرّ، وغير ذلك من الأشياء التي نهى عنها الإسلام، لمن أعظم الأمور النافعة للعاملين بها وليست لإتعابهم"(4).

[ 5 ]

"في المساجد ترى المساواة التامة بين المصلين فلا يوجد فيها مقاعد خاصة بأحد، وأي إمام يمكنه أن يؤم المصلين. ولا يوجد منظر أبهج من منظر جماعة المسلمين يصلون وهم خاشعون صامتون"(5).

___________________________________

(1)     دين الإسلام ، ص 6 .

(2)     نفسه ، ص 7 – 8 .

(3)     نفسه ، ص 7 .

(4)     نفسه ، ص 8 .

(5)     نفسه ، ص 9 .

كوستاف لوبون

[ 1 ]

".. أن الإسلام يختلف عن النصرانية في كثير من الأصول، ولا سيّما في التوحيد المطلق الذي هو أصل أساسي، وذلك أن الإله الواحد الذي دعا إليه الإسلام مهيمن على كل شيء ولا تحفّ به الملائكة والقديسون وغيرهم ممن يفرض تقديسه، وللإسلام وحده أن يباهي بأنه أول دين أدخل التوحيد إلى العالم. إن سهولة الإسلام العظيمة تشتق من التوحيد المحض، وفي هذه السهولة سرّ قوة الإسلام، والإسلام، وإدراكه سهل، خال مما نراه في الأديان الأخرى ويأباه الذوق السليم، غالبًا، من المتناقضات والغوامض، ولا شيء أكثر وضوحًا وأقل غموضًا من أصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد، وبمساواة جميع الناس أمام الله.. وأنك، إذا ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة، رأيته يعرف ما يجب عليه أن يعتقد ويسرد لك أصول الإسلام في بضع كلمات بسهولة، وهو بذلك عكس النصراني الذي لا يستطيع حديثًا عن التثليث والاستحالة وما ماثلهما من الغوامض من غير أن يكون من علماء اللاهوت.."(1).

[ 2 ]

".. الإسلام [يعدّ] من أشد الأديان تأثيرًا في الناس، وهو مع مماثلته لأكثر الأديان في الأمر بالعدل والإحسان والصلاة.. إلخ، يعلّم هذه الأمور بسهولة يستمرئها الجميع، وهو يعرف، فضلاً عن ذلك، أن يصبّ في النفوس إيمانًا ثابتًا لا تزعزعه الشبهات"(2).

[ 3 ]

"الإسلام من أكثر الأديان ملاءمة لاكتشافات العلم، ومن أعظمها تهذيبًا للنفوس وحملاً على العدل والإحسان والتسامح.."(3).

[ 4 ]

"تأثير دين محمد [صلى الله عليه وسلم] في النفوس أعظم من تأثير أي دين آخر، ولا تزال الأعراف المختلفة التي اتخذت القرآن مرشدًا لها تعمل بأحكامه كما كانت تفعل منذ ثلاثة عشر قرنًا.."(4).

[ 5 ]

"ليس المسلمون أجانب في نظر بعضهم إلى بعض مهما اختلفت الشعوب التي ينتسبون إليها، ولا فرق في دار الإسلام بين الصيني المسلم والعربي المسلم في التمتع بجميع الحقوق، وبهذا تختلف الحقوق الإسلامية عن الحقوق الأوروبية اختلافًا أساسيًا"(5).

__________________________________

(1)     حضارة العرب ، ص 125 .

(2)     نفسه ، ص 125 – 126 .

(3)     نفسه ، ص 126 .

(4)     نفسه ، ص 417 .

(5)     نفسه ، ص 389 .

نظمي لوقا

[ 1 ]

"ما أرى شريعة أدعى للإنصاف، ولا أنفى للإجحاف والعصبية من شريعة تقول: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ} [المائدة 8]، فأي إنسان بعد هذا يكرم نفسه وهو يدينها بمبدأ دون هذا المبدأ، أو يأخذها بدين أقل منه تساميًا واستقامة ؟"(1).

[ 2 ]

"عقيدة [الإسلام] عقيدة واحدة بسيطة يقطع الإيمان بها الطريق على كل حيرة وخوف، ويبعث الطمأنينة في كل نفس. وباب هذه العقيدة مفتوح لكل إنسان، لا يصدّ عنها أحد بسبب جنسه أو لونه.. وهكذا يجد كل إنسان له مكانًا في ظل هذه العقيدة الإلهية على أساس من المساواة العادلة، التي لا تفاضل معها إلا بالتقوى، تقوى الله رب (العالمين).."(2).

[ 3 ]

"كان لابدّ من عقيدة ترفع عن كاهل البشر لعنة [الخطيئة الأولى]، وتطمئنهم إلى العدالة التي لا تأخذ البريء بالمجرم، أو تحمّل الولد وزر الوالد، وتجعل للبشرية كرامة مضمونة. ويحسم القرآن هذا الأمر.. حين يجعل المسؤولية أساس الكرامة الإنسانية، وأساس كل حرية، وكل أخلاق ممكنة. وهذا ما قطع به الإسلام ووضع به حجر الأساس لكرامة بني آدم.. والحق أنه لا يمكن أن يقدر قيمة عقيدة خالية من أعباء الخطيئة الأولى الموروثة إلا من نشأ في ظل تلك الفكرة القاتمة، التي تصبغ بصبغة الخجل والتأثم كل أفعال المرء، فيمضي في حياته مضيّ المريب المتردّد، ولا يقبل عليها إقبال الواثق بسبب ما أنقض ظهره من الوزر الموروث. إن تلك الفكرة القاسية تسمّم ينابيع الحياة كلها. ورفعها عن كاهل الإنسان منّة عظمى، بمثابة نفخ نسمة حياة جديدة فيه، بل هو ولادة جديدة حقًا، وردّ اعتبار لا شك فيه. إنه تمزيق صحيفة السوابق، ووضع زمام كل إنسان بيد نفسه.."(3).

[ 4 ]

"هكذا يكون الإنسان [في الإسلام] متكامل الجوانب، لا يشكو [فصام] الروح والجسد، ذلك الفصام الذي عانى منه الكثيرون. ولا يعرف (الفصم) إلا من يكابده. وبهذا يكون الإنسان سيد الأرض حقًا، لا ينظر إلى طيّباتها نظرة الحسير، ولا يمشي في جنباتها مشية الأسير، ولا يثقل كاهله الخزي من نوازعه، في يده زمام نفسه. وقد أحل له ما لم يرد فيه تحريم، تقرّ به عينه في غير حرج ولا غضاضة"(4).

[ 5 ]

"نظام واحد يمسك الدين والدنيا، ويسلك المعاش والعبادة والمعاد، ولهذا قلما يرد ذكر الصلاة في القرآن من غير آثارها العملية.. إن الصلاة التي تتكرر في اليوم جملة مرات، لا يلهي عنها بيع ولا شراء، سبب قوي بين الإنسان والله.. ولكن أين تكون تلك الصلاة؟ هل لابدّ فيها من وساطة رجال الدين؟ هنا تبرز خصوصية الإسلام.. فكل مكان في أرض الله الطاهرة يصلح مسجدًا ومحرابًا لا هياكل ولا كهانة ولا وسطاء بين الله والإنسان بعد اليوم! ولا وصاية على ضمائر الناس! فكلهم أمام الرحمن سواء. والصلة بينهم وبين ربهم صلة مباشرة لا أمت فيها ولا التواء.. وليس من حق أحد كائنًا من كان أن يتدخل بين المرء وربه، أو يدعي لنفسه القوامة على ضميره وعقيدته.."(5).

___________________________________

(1)     محمد الرسالة والرسول ، ص 26 .

(2)     نفسه ، ص 72 – 73 .

(3)     نفسه ، ص 76 – 78 .

(4)     نفسه ، ص 84 .

(5)     نفسه ، ص 147 – 149 .

لويس(1)

[ 1 ]

"لم تنشأ أمام محمد [صلى الله عليه وسلم] وأصحابه مشكلة الاختيار بين الله وقيصر، أعني ذلك الفتح الذي لم يقع المسيح [عليه السلام] به وإن وقع في حبائله الكثير من المسيحيين. ففي الإسلام لا يوجد (قيصر) بل يوجد الله وحده، وكان محمد [صلى الله عليه وسلم] رسوله الذي يعلم ويحكم باسمه. فكانت السلطة نفسها، الصادرة عن المصدر نفسه، تدعم الرسول [صلى الله عليه وسلم] في كلتا المهمتين (مهمة الدين والدولة) وكان الوحي ذاته يقدم محتوى المهمة الأولى وأساس الثانية. وعندما توفي محمد [صلى الله عليه وسلم] كانت مهمته الروحية والنبوية – وهي نشر رسالة الله – قد تمت، وبقي عمله الديني، ومعه العمل السياسي. وكان قوام هذا العمل هو نشر شريعة الله بين البشر وذلك عن طريق توسيع عضوية وسلطة الجماعة التي تعترف بذلك القانون وتؤيده. وكان لابد من وكيل أو خلف للرسول [صلى الله عليه وسلم] لقيادة هذه الجماعة. وتجمع الكلمة العربية (الخليفة) بين المعنيين"(2).

[ 2 ]

"أصبح من التجديدات الشائعة حديثًا التمييز بين (نظام الحكم) و(النظام الديني) في الإسلام. ولكن مهما كان مدى انطباق هذا التمييز على الإمبراطورية الإسلامية اللاحقة – وحتى هذا كان موضع تساؤل – فإنه لم يكن على الإطلاق منطبقًا على صدر الإسلام. ففي عهد الخلفاء الراشدين [رضي الله عنهم] نجد أن الحكومة هي المؤسسة الدينية ولا يوجد غيرها.. والواقع أنه لم يكن يوجد في المفهوم الإسلامي مقابل حقيقي لمثل تلك الأضداد: ديني ودنيوي، روحي وزمني، كهنوتي وعلماني، وحتى المقدس المدنّس، ولم يظهر مثل هذا التضاد إلا بعد وقت طويل جدًا، حيث استحدثت كلمات جديدة للتعبير عن مفاهيم جديدة، أما في العهد الأول للإسلام فلم تكن الثنائية التي تدل عليها تلك الكلمات المعروفة لذا لم يكن هنالك من كلمات للتعبير عنها. ولقد قيل إن الخليفة يجمع في آن واحد بين شخصيتي الباب والإمبراطور، على أن التشبيه مضلّل. فلم تكن للخليفة وظائف بابوية أو حتى كهنوتية، ولم يكن يتلقى التعليم الرسمي لرجال الدين من العلماء. ولم يكن واجبه عرض الدين ولا تفسيره بل كان واجبه هو دعمه وحمايته، وإيجاد الظروف التي من شأنها أن تمكن الناس من العيش حياة إسلامية صالحة في هذه الدنيا وبذلك يعدون أنفسهم ضمن حدود الإسلام، وأن يدافع عن هذه الحدود ضد الهجمات الخارجية. وكان من واجبه – ما أمكنه ذلك – توسيع تلك الحدود، حتى يصل العالم كله، عندما يحين الوقت، إلى اعتناق الإسلام"(3).

[ 3 ]

"رغم زوال الخلافة وتجزئة عالم الإسلام إلى عدد كبير من الكيانات السياسية المستقلة المنفصلة والمتحاربة في كثير الأحيان، فقد بقي الشعور بالهوية والتماسك، وبأن المسلمين (أمة واحدة من دون الناس) قويًا وفعالاً.."(4).

___________________________________

(1)  برنارد لويس                                  B. Lewis

ولد عام 1916، وتخرج من جامعتي لندن وباريس، وعين معيدًا للتاريخ الإسلامي في جامعة لندن (1938)، والتحق بوزارة الخارجية (1941-1954)، وعمل أستاذًا لتاريخ الشرقين الأدنى والأوسط في جامعتي لندن (1949)، وكاليفورنيا (1955-1956).

(2)     تراث الإسلام ، ( تصنيف شاخت وبوزورث ) 1 / 230 .

(3)     نفسه ، 1 / 232 – 233 .

(4)     نفسه ، 1 / 252 .

الس لينحتنستادتر

[ 1 ]

".. أن تاريخ الحكم الإسلامي يدحض ظنون [بعض الغربيين من أن الإسلام لا يصلح لإقامة دولة تساس فيها الأمور على قواعد المصلحة الاجتماعية وحسن العشرة بين المسلمين وغير المسلمين]، وأن مفكري الإسلام في جميع العصور بحثوا قواعد الحكم والعرف من الوجهة الفلسفية وأخرجوا لأممهم مذاهب في السياسة والولاية تسمو إلى الطبقة العليا.."(1).

___________________________________

(1)  الإسلام والعصر الحديث ، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام ، ص 23 – 24 .

ليون(1)

[ 1 ]

"من روائع الإسلام أنه يقوم على العقل وأنه لا يطالب أتباعه أبدًا بإلغاء هذه الملكة الربانية الحيوية. فهو على النقيض من الأديان الأخرى التي تصرّ على أتباعها أن يتقبلوا مبادئ معينة دون تفكير ولا تساؤل حرّ، وإنما تفرض هذه المبادئ فرضًا بسلطان الكنيسة. أما الإسلام فإنه يعشق البحث والاستفسار ويدعو أتباعه إلى الدراسة والتنقيب والنظر قبل الإيمان.. أن الإسلام يؤيد الحكمة القائلة: برهن على صحة كل شيء ثم تمسّك بالخير. وليس هذا غريبًا، إذ أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها. فالإسلام دين العقل والمنطق.. لذلك نجد أن أول كلمة نزلت على النبي محمد [صلى الله عليه وسلم] كلمة اقرأ، كما نجد أن شعار الإسلام هو الدعوة إلى النظر والتفكر قبل الإيمان.. فالإسلام هو الحق وسلاحه العلم، وعدوه اللدود هو الجهل.."(2).

[ 2 ]

".. أن كلمة إسلام ترادف كلمة (حق) وكلمة (حقيقة)، وأنه في ظل شمس الإسلام الرائعة الدائمة الإشراق والتي تستضيء بنور العقل والمعرفة يتم التوصل إلى الحق، ولكن لابد لتحقيق ذلك من أن يستخدم الإنسان فكره ويقدح زناد عقله الذي وهبه الله إياه. [وهكذا] فإن من أهم مصادر التشريع في الإسلام: الاجتهاد الذي يعتمد على النظر والدراسة وإعمال الفكر.."(3).

___________________________________

(1)  البروفيسور هارون مصطفى ليون                P. H. M. Lyon

إنكليزي، اعتنق الإسلام عام 1882، وكان زميلاً وعضوًا فخريًا في العديد من الجمعيات الدينية في أوروبا وأميركا، وكان أستاذًا قديرًا في علم اللغويات، وهو عالم جيولوجيا له مكانته، وقد تلقى العديد من الأوسمة الفخرية، أحدها من السلطان عبد الحميد الثاني – رحمه الله -.

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 7 / 6 – 7 .

(3)     نفسه ، 7 / 8 .

مارسيه(1)

[ 1 ]

".. أن الحج المتوجب على كل مسلم يستطيع إليه سبيلاً أن يؤديه مرّة في حياته، لا يقل أهمية عن المبادلات التجارية في ترابط أبعد أجزاء العالم الإسلامي.. أما الصلاة، وهي فعل العبادة وخضوع الإنسان لخالقه، فيؤديها المؤمن خمس مرات يوميًا وفي ساعات معينة بعد أن يطهر نفسه بالوضوء، متوجهًا نحو مكة المكرمة، حيث الكعبة المشرفة، مرددًا الصيغ الدينية، وهو يقوم بحركات السجود والركوع المنتظمة بدقة. ويمكن تأدية الصلاة بصورة منفردة وفي أي مكان يجد المرء نفسه فيه، على أن تكون الأرض بعيدة عن كل نجاسة، على أن صلاة الجماعة هي المستحبة.. وتكون الصلاة المشتركة في المسجد، والمسجد أساسًا هو بيت الصلاة، ومخطط بنائه منسجم مع ممارسة العبادة، فمن أجل الصلاة يقف المسلمون جنبًا إلى جنب يؤلفون جبهة عريضة وتنتظم خلف هذا الصف صفوف أخرى بنفس النظام، ويقف الإمام الذي يؤم الصلاة في مقدمة المصلين، وقد أدار ظهره لهم ووجهته ووجهة المصلين، الذين يقومون بنفس الحركات التي يقوم بها ويرددون التلاوات نفسها، هي القبلة، أي اتجاه مكة، حيث الكعبة قطب الإسلام وبيت الله على الأرض"(2).

[ 2 ]

".. على أية حال، يكاد لا يوجد في البلاد الإسلامية منشآت عامة أو خاصة لا تحمل طابع الدين. فلقد تغلغل الإسلام في الحياة البيتية كما دخل حياة المجتمع وصاغت الطبائع التي نشرها شكل البيوت والنفوس.."(3).

[ 3 ]

".. أن العقيدة الأساسية في الإسلام هي الوحدانية المطلقة، فلا إله إلا الله ولقد ظهرت تعاليم الرسول محمد [صلى الله عليه وسلم] كرد فعل قوي ضد تعدّد الأرباب والأنصاب التي كان يقدسها العالم العربي، وضد الوثنية الإغريقية الرومانية ولمجابهة الثالوث الذي يؤمن به المسيحيون ليس لله شريك ولم يلد ولم يولد، لا يمكن أن يشبه بأي مظهر إنساني، ولئن كان القرآن قد حرم عبادة الأصنام بجمال، فإن الحديث الشريف (السّنّة) فعّل ذلك وتوسّع فيه.. وليس من الممكن أن ننكر أن هذا المنع احتفظ بكل قوته في تزيينات العمارة الدينية ولوازم العبادة، وأنه أثر على تطور الفن الإسلامي بأسره.. وهكذا فإن الإسلام وضع طابعه على إطار الحياة اليومية. وحتى عندما يكون الفن مطبقًا في أمور دنيوية فإن من البلاد الإسلام يبقى فنًا مسلمًا"(4).

___________________________________

(1)  جورج مارسيه (1905-1946)                      G. Marcy

مستشرق فنرسي، كتب العديد من الدراسات والأبحاث في الشريعة واللغة، نشرها في عدد من المجلات الشهيرة مثل (المجلة الجزائرية)، و(المجلة الأفريقية)، و(حولية معهد الدراسات الشرقية)، وغيرها.

(2)     الفن الإسلامي ، ص 12 – 13 .

(3)     نفسه ، ص 15 .

(4)     نفسه ، ص 16 – 17 .

هنري ماسيه

[ 1 ]

"في القرآن يظهر إبراهيم [عليه السلام] عدة مرات مع عنوان الحنيف، ويبدو أن هذه العبارة السابقة لعصر محمد [صلى الله عليه وسلم] كانت تدل على أناس لا يعتنقون المسيحية ولا اليهودية ، ويتطلعون بغموض إلى دين أكثر تجردًا من العقائد والمذاهب، إلى توحيد كامل.. [ولكن محمد صلى الله عليه وسلم] سينتهي إلى التوحيد، إلى دين أساسي وفطري ليست الأديان الأخرى سوى دلالات عليه، توحيد يبلور نهائيًا أحلام الحنفاء الغامضين، بحيث يجب أن نرى بهم مبشرين بمحمد [صلى الله عليه وسلم]"(1).

[ 2 ]

"تضاعفت فجأة أهمية النصوص المقدسة لأن دراستها لم تكن قضية تديّن فقط بل قضية تطبيق عملي. وبدأ الفقه ينتظم ولكن بوفاق تام مع القانون السماوي.."(2).

___________________________________

(1)     الإسلام ، ص 39 – 40 .

(2)     نفسه ، ص 123 .

متز(1)

[ 1 ]

"جرت العادة منذ العصر الأول للإسلام بأن لا يسمى العبيد عبيدًا، بل يسمى العبد فتى والأمة فتاة؛ وقد نسب هذا – كما نسب كثير غيره إلى أمر النبي [صلى الله عليه وسلم]. وكان من التقوى وشرف النفس ألا يضرب الرجل عبده، ويروى عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه قال: "شر الناس من أكل وحده ومنع رفده وضرب عبده". وهذا الشعور نبيل عبر عنه أبو الليث السمرقندي (المتوفى سنة 387هـ-997م) بروايته هذا الحديث. وفي القرن الرابع الهجري اتخذ بعضهم من قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات 10]. نقدًا يوجهونه لمن يضرب عبده.."(2).

[ 2 ]

"كان في الإسلام مبدأ في مصلحة الرقيق، وذلك أن الواحد منهم كان يستطيع أن يشتري حريته بدفع قدر من المال، وقد كان للعبد أو الجارية الحق في أن يشتغل مستقلاً بالعمل الذي يريده.. وكذلك كان من البر والعادات المحمودة أن يوصي الإنسان قبل مماته بعتق بعض العبيد الذين يملكهم"(3).

[ 3 ]

"كان المسلم يستطيع أن يرتحل في داخل حدود المملكة (الإسلامية) في ظل دينه وتحت رايته، وفيها يجد الناس يعبدون الإله الواحد الذي يعبده، ويصلون كما يصلي، وكذلك يجد شريعة واحدة وعرفًا واحدًا، وعادات واحدة. وكان يوجد في هذه المملكة الإسلامية قانون عملي يضمن للمسلم حق المواطن، بحيث يكون آمنًا على حريته الشخصية أن يمسّها أحد، وبحيث لا يستطيع أحد أن يسترقّه على أي صورة من الصور. وقد طوّف (الرحالة المعروف) ناصر خسرو في هذه البلاد كلها في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) دون أن يلاقي من المضايقات ما كان يلاقيه الألماني الذي كان ينتقل في ألمانيا في القرن الثامن عشر للميلاد"(4).

___________________________________

(1)  آدم متز (1869-1917)                         A. Metz

تخرج من جامعات ألمانيا، وعين أستاذًا للغات السامية، في جامعة بازل بسويسرا، وقد تخصص بالأدب العربي في العصر العباسي.

من آثاره: (أبو القاسم وتقاليد بغداد في عصره) (1902)، (نهضة الإسلام في القرن الرابع الهجري) (1922)، وقد ترجم إلى العربية بعنوان: (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري).

(2)  الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 1 / 288 – 289 .

(3)     نفسه ، 1 / 290 .

(4)     نفسه ، 1 / 4 .

فنساي مونتاي

[ 1 ]

".. إذا اعتنق الإنسان الإسلام، فإنه يكون قد اختار دينًا، أعني اختار طريقًا فيه تجاوز للذات، أي أنه اتخذ لنفسه تصورًا للكون ومنهجًا للحياة، والتحق بصفة واضحة بأمة وتوحدها عقيدة.."(1).

[ 2 ]

"في الوقت الذي نرى فيه العالم المعاصر يجعل من التقنية غاية تبرر الواسطة، ويا للأسف، فإن الالتجاء إلى الإسلام يجعل المرء يرفض هذا المفهوم ويتمسك بقيم أسمى.. إن انتمائي للإسلام يمثل بالنسبة لي تحقيق ما في أعماق نفسي ونهاية المطاف المنطقية لوجودي.."(2).

[ 3 ]

"إن الإسلام لم يناد بالخطيئة الأولى.. وبناءً عليه فإننا لا نجد في الإسلام أي شعور بالذنب في مفهومه الإنكلوسكسوني وهو مصدر العصاب المسيحي حسب تعبير الدكتور صولينياك الطبيب الكاثوليكي. ومن جهة أخرى فإن الصفة والزهد في نظر الإسلام ليسا مثلاً بعيدة المنال بالنسبة للبشر.."(3).

[ 4 ]

".. تجوّلت في الأرض [الإسلامية] فوجدت نفس المنهج في الحياة ونفس العقيدة وقد حق للكاتب الفرنسي لوي ماسنيون أن يسمي الإسلام (تيوقراطية المساواة) وكان يرى في المجتمع الإسلامي مجتمع الشجاعة والبساطة وعدم الكلفة دون إفراط في الزهد"(4).

[ 5 ]

".. أركان الإسلام الخمسة تتمثل، بالإضافة إلى الالتزام الشخصي، تضامنًا في الشهادة والصلاة والصوم والزكاة والحج.."(5).

_________________________________

(1)     رجال ونساء أسلموا ، 5 / 41 .

(2)     نفسه ، 5 / 41 – 42 .

(3)     نفسه ، 5 / 46 – 47 .

(4)     نفسه ، 5 / 50 .

(5)     نفسه ، 5 / 50 .

مونته

[ 1 ]

"أن الديانة الإسلامية كعقيدة توحيد، ليس فيها شيء مجهول في ديانات التوحيد الأخرى إلا أن ظهورها في جزيرة العرب بروح عربية عالية جعل لها طابعًا جديدًا باهرًا. وقد [سميت] الإسلام إشارة إلى تمام الانقياد لإرادة الله، وهي في هذه العقيدة مشابهة للمسيحية إلا أنها تتجلى في القرآن بقوة لا تعرفها النصرانية.. ولقد منع القرآن الذبائح البشرية، ووأد البنات والخمر والميسر، وكان لهذه الإصلاحات تأثير غير متناه في الخلق بحيث ينبغي أن يعدّ محمد [صلى الله عليه وسلم] في صف أعاظم المحسنين للبشرية. أن حكمة الصلاة خمس مرات في اليوم هي إبقاء الإنسان من الصباح إلى المساء تحت تأثير الديانة، ليكون دائمًا بعيدًا عن الشر، وحكمة الصيام تعويد المؤمن غلبة شهوات الجسم وزيادة القوة الروحية في الإنسان، وحكمة الحج هي توطيد الإخاء بين المؤمنين وتمكين الوحدة العربية. فهذا هو البناء العظيم الذي وضع محمد [صلى الله عليه وسلم] أساسه، وثبت ولا يزال ثابتًا بإزاء عواصف الدهور"(1).

[ 2 ]

"لما كان الإسلام دينًا من الأديان أصبح قوة أدبية عظيمة جدًا جديرة بالاحترام من وراء الغاية، ولذا تقضي الحال بأن تقوم الصِلات مع أهله على أساس الإخاء والحب، وأهم الشروط في هذه الروابط الحسنة احترام الإسلام احترامًا مطلقًا. وأن هذا الدين بفضل ما نشره بعض الباحثين من العلماء المجردين عن الأغراض، وما وقف عليه بعض أرباب الرحلات قد أصبح معروفًا في أوروبا معرفة تامة، وغدًا يقدر قدره أكثر من قبل"(2).

________________________________

(1)     محمد والقرآن ، ص 22 ، (عن ستودارد: حاضر العالم الإسلامي ، 1 / 32 – 33).

(2)     الإسلام ، ( عن محمد كرد علي : الإسلام والحضارة العربية 1 / 72 ).

ميليما(1)

[ 1 ]

".. أن الإسلام ليس فقط مجموعة من الشرائع والقوانين.. بل أن الفضائل الخلقية تأتي أولاً، وأن العلم لابد أن يؤدي إلى الإيمان"(2).

[ 2 ]

"ما هو جمال الإسلام في نظري، وما الذي شدني بالذات إلى هذا الدين؟ لقد أحببت الإسلام لأنه يؤمن بإله خالق واحد من اليسير على كل إنسان الإيمان به. الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. الله الحكيم، القوي، الجميل الذي لا تحد إحسانه ورحمته حدود.. وهناك تلك العلاقة المباشرة بين خالق هذا الكون وبين مخلوقاته وخاصة الإنسان الذي سخر له الله كل ما في الأرض جميعًا منه. فالمؤمن ليس بحاجة إلى وسيط، لأن الإسلام لا يعترف بالقسس ورجال الدين، والاتصال بالله في الإسلام يعتمد على الإنسان نفسه.. وهو مسؤول عن عمله، ولا يمكن التكفير عن خطاياه بتضحية بديلة يتقدم بها إنسان آخر.."(3).

[ 3 ]

".. المسلم مأمور أن يبحث عن الحقيقة في كل مكان، وحيثما وجدها فهو أحق الناس بها، وهو مدعو للإعراب عن تقديره واحترامه للخصائص الطيبة الخيرة في الأديان الأخرى"(4).

[ 4 ]

".. أن مبدأ الأخوة الإسلامية الذي يضم تحت جناحه كافة البشر بصرف النظر عن اللون أو الجنس أو المعتقد، هذا المبدأ هو الذي جعل الإسلام الدين الوحيد القادر على تطبيق الأخوة في حيز الواقع لا في المجال النظري فحسب. فالمسلمون في كل مكان من العالم يعرفون أنهم جميعًا إخوة في الله.."(5).

[ 5 ]

".. لقد أعجبني اهتمام الإسلام بالمادة والروح باعتبارهما قيمتين أساسيتين، فالتطور العقلي والروحي للإنسان مرتبط في الإسلام وفي الفطرة على السواء ارتباطًا وثيقًا لا سبيل إلى فصله بحاجات الجسد، وعلى المرء أن يتصرف بطريقة تجعل المادة تحت سلطان الروح والعقل فيه.. أن أعظم العبادات في الإسلام هي ما يكون في خضم الحياة.."(6).

________________________________

(1)  الدكتور ر. ل. ميليما                          Dr. R. L. Mileama

رئيس القسم الإسلامي في المتحف الاستوائي بأمستردام في هولندا، وهو مؤلف عدد من الكتب الإسلامية بالهولندية ومتضلع في العديد من اللغات. انتمى للإسلام عام 1955 خلال رحلة له إلى باكستان بعد تأمل وبحث طويلين.

(2)   رجال ونساء أسلموا ، 6 / 121 .

(3)     نفسه ، 6 / 121 .

(4)     نفسه ، 6 / 123 .

(5)     نفسه ، 6 / 124 .

(6)     نفسه ، 6 / 124 – 125 .

جواهر لال نهرو

[ 1 ]

"إن الإسلام هو الباعث والفكرة لليقظة العربية بما بثه في أتباعه من ثقة ونشاط.. [ولقد] كانت ثقة العرب وإيمانهم عظيمين. وقد أضاف الإسلام إليهما رسالة الأخوة والمساواة والعدل بين جميع المسلمين. وهكذا ولد في العالم مبدأ ديمقراطي جديد. و[أية] مقارنة بين رسالة الأخوة الإسلامية وحالة النصرانية المنحلّة تجعل المرء [يدرك] مقدار سحر هذه الرسالة وتأثيرها لا على العرب وحدهم ولكن على جميع شعوب البلدان التي وصل إليها العرب!"(1).

[ 2 ]

".. كان للدين الذي بشر به محمد [صلى الله عليه وسلم]، بما فيه من سهولة وصراحة وإخاء ومساواة، تجاوب لدى الناس في البلدان المجاورة، لأنهم ذاقوا الظلم على يد الملوك الأوتوقراطيين والقساوسة المستبدين. لقد تعب الناس من النظام القديم وتاقوا إلى نظام جديد فكان الإسلام فرصتهم الذهبية لأنه أصلح الكثير من أحوالهم ورفع عنهم كابوس الضيم والظلم"(2).

_________________________________

(1)     لمحات من تاريخ العالم ، ص 24 ، 26 .

(2)     لمحات من تاريخ العالم ، ص 27 .

هاريس(1)

[ 1 ]

"أن المسيحية والإسلام في عالم العقيدة هما الديانتان الجديرتان بالعناية، وكل ما عداهما فهو بربرية"(2).

_________________________________

(1)  الدكتور ليندون هاريس                   L. Haris

علم من أعلام التبشير في القارة الأفريقية. مؤلف كتاب (الإسلام في أفريقيا الشرقية) والذي يتناول فيه أحوال الإسلام والمسلمين في هذه المنطقة لغرض اطلاع العاملين في التبشير على حقيقة الموقف للاستعداد لها بما يصلح من أساليب العمل.

(2)  الإسلام في أفريقيا الشرقية ، عن: العقاد: ما يقال عن الإسلام ، ص 65 . والعبارة المذكورة اقتبسها المبشر هاريس عن الحكيم الإنكليزي الدكتور صمويل جونسون .

هاملتون(1)

[ 1 ]

"لقد ظل جمال الإسلام ونقاؤه البسيط يشدّني إليه دائمًا منذ أن بلغت سن الرشد.."(2).

[ 2 ]

"يعترف الإسلام بالعبقرية والنبوغ والتميز الشخصي. فهو دين بناء وعمارة لا دين تخريب. فإن كان هناك على سبيل المثال رجل يملك أرضًا وهو على جانب من الثراء فلا يحتاج إلى فلاحة أرضه وقد تركها بورًا فإذا انقضت مدة معينة على ذلك الحال تنتقل ملكيتها بصورة طبيعية إلى الأراضي العامة، وتنص الشريعة الإسلامية على أن ملكيتها تنتقل إلى يد أول رجل يقوم بزراعتها"(3).

[ 3 ]

"الإسلام يحظر على معتنقيه لعب الميسر والانخراط في أية صفقة من صفقات اليانصيب كما يحرم كافة المشروبات الروحية ويمنع الربا الذي كان في حالات كثيرة سببًا في الشقاء الذي أصاب بني الإنسان. لذلك فالإسلام يحول دون أي نوع من الاستغلال الديني قد يقترفه أحد الناس ضد التعساء"(4).

[ 4 ]

"بينما نجد أن الإسلام يهدي البشرية في حياتها العملية اليومية، فإن ما يسمى بالنصرانية المعاصرة تعلم أتباعها بصفة غير مباشرة وفي مجال الواقع أن يعبدوا الله في أيام الآحاد فحسب وأن يفترسوا عباده ومخلوقاته في بقية أيام الأسبوع"(5).

________________________________

(1)  عبد الله أرشيبالد هاملتون                        A. A. Hamilton

عرف قبل إسلامه بلقب سير شارلز إدوارد أرشيبالد، اعتنق الإسلام عام 1923، وكان سياسيًا إنكليزيًا معروفًا.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 2 / 79 .

(3)  رجال ونساء أسلموا ، 2 / 80 .

(4)  رجال ونساء أسلموا ، 2 / 81 .

(5)  رجال ونساء أسلموا ، 2 / 82 .

هاو(1)

[ 1 ]

"لقد وجدت في الدين الإسلامي الإجابات الشافية [عن معضلة الروح والمادة]، فعلمت أن للجسد حقًا علينا كالروح تمامًا. وأن الحاجات الجسدية هي في نظر الإسلام غرائز طبيعية تستحق الإشباع وليست أمورًا شريرة مستقذرة، بل لابدّ من إشباعها من أجل أن يعيش الإنسان قويًا منتجًا فعالاً. إلا أن الإسلام قد وضع قواعد أساسية لإشباع هذه الحاجات على أسس سليمة تحقق الرضا للنفس وتلتزم بأوامر الله. فالزواج في الإسلام مثلاً هو الطريقة الوحيدة المشروعة لإشباع الغريزة الجنسية، والصلاة والصوم والتعبد والإيمان بالله هي الأخرى وسائل لإشباع الجانب الروحي من الإنسان، وبذلك يتحقق التوازن الذي لابدّ منه لحياة إنسانية كريمة"(2).

[ 2 ]

".. [لقد] أردت أن أكون مسلمة بعد أن اقتنعت تمامًا بالدين الإسلامي. وأحب أن أضيف هنا أنه في ممارسة تعاليم الدين الإسلامي يكتشف الإنسان طبيعته البشرية وشخصيته الإنسانية الحقيقية، ويعرف ذاته. إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي قدم لي الإجابات المقنعة على أسئلتي الحائرة"(3).

________________________________

(1)  روز ماري : مريم هاو                    R. Mary Howe

صحفية إنكليزية، نشأت في عائلة نصرانية متديّنة، لكنها مع بلوغها مرحلة الوعي بدأت تفقد قناعاتها الدينية السابقة وتتطلع إلى دين يمنحها الجواب المقبول. وفي عام 1977 أعلنت إسلامها، وهي تعمل الآن في صحيفة (العرب تايمز) اليومية الكويتية التي تصدر بالإنكليزية.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 8 / 19 – 20 .

(3)  رجال ونساء أسلموا ، 8 / 22 .

هونكه(1)

[ 1 ]

"لقد أوصى محمد [صلى الله عليه وسلم] كل مؤمن رجلاً كان أو امرأة بطلب العلم، وجعل من ذلك واجبًا دينيًا. وكان يرى في تعمق أتباعه في دراسة المخلوقات وعجائبها وسيلة التعرف على قدرة الخالق. وكان يرى أن المعرفة تنير طريق الإيمان.. ويلفت أنظارهم إلى علوم كل الشعوب، فالعلم يخدم الدين والمعرفة من الله وترجع إليه، لذلك فمن واجبهم أن يصلوا إليها وينالوها أيًا كان مصدرها ولو نطق بالعلم كافر. وعلى النقيض تمامًا يتساءل بولس الرسول Paulus مقرًا: (ألم يصف الرب المعرفة الدنيوية بالغباوة)؟ مفهومان مختلفان، بل عالمان منفصلان تمامًا، حدّدا بهذا طريقين متناقضين للعلم والفكر في الشرق والغرب وبهذا اتسعت الهوة بين الحضارة العربية الشامخة والمعرفة السطحية المعاصرة في أوروبا حيث لا قيمة لمعرفة الدنيا كلها.."(2).

[ 2 ]

"لم تلبث الديانة [الإسلامية] الفتية السائرة في طريقها بعزم وثبات، أن اصطدمت بالديانات الأخرى في كل مكان. فهنا يقف رجال المذاهب المسيحية وجهًا لوجه أمام رجال المذاهب الإسلامية على أتم استعداد للمجادلة، وهنا تقسم هذه المجادلات واختلاف وجهات النظر المسلمين أنفهسم إلى مدارس ومذاهب، وكان من الممكن أن يؤدي هذا إلى نهاية النهضة العربية الإسلامية وهي في مهدها. ولكن ما حدث كان على خلاف ذلك تمامًا، فإن إكراه الإسلام للفتى على أن يجرب قواه الفكرية مع ديانات وفلسفات أخرى في محاجات فكرية وفلسفية قد أفاده أكبر إفادة وأكسبه خبرة ومرانًا"(3).

[ 3 ]

"الإسلام لا يعرف وسيطًا بين العبد والرب.. ولم يكن لديه طبقة من الكهنة.. وعلى العموم فإن مجال حرية الرأي كان أوسع [مما هو عليه الحال في الديانات الأخرى..].."(4).

[ 4 ]

".. لم تكن المساجد مجرد أماكن تؤدى فيها الصلوات فحسب، بل كانت منبرًا للعلوم والمعارف، كما ارتفعت فيها كلمات الرسول [صلى الله عليه وسلم] فوق مجد التديّن الأعمى. ألم يقل [صلى الله عليه وسلم] أقوالاً، كان يكفي لأن يقولها في روما حتى يحاكم عليها بتهمة الهرطقة؟ أو ليس هو القائل بأن حبر الطالب أقدس من دم الشهيد؟"(5).

[ 5 ]

".. لم يكن المسجد تقليدًا للكنيسة بالمرة، حتى ولو ارتفعت سقوفه فوق عمد، كانت يومًا ما، تحمل سقف كنيسة. فمفهوم المسجد يختلف عند المسلمين تمام الاختلاف منذ البداية عن مفهوم المسيحيين للكنيسة. فليس المسجد بيت الله المقدس الذي يتقرب فيه المؤمن من الله عن طريق وساطة الكاهن. فمن قبيل التبرك، أصبح بناء الكنيسة يرمز حرفيًا، وليس معنويًا، إلى مملكة السماء التي يحكمها المسيح [عليه السلام] وإلى البيت المقدس الذي هبط من السماء إلى الأرض. وظلت الكنيسة تحمل هذا المعنى على مر العصور.. أما المسجد فقد تحرر من تلك الأفكار، وكان هدفه بسيطًا واقعيًا. فالعالم كله مسجد كبير بني لله.. ولم يفرض عليه الإسلام ضرورة الصلاة في مسجد أو معبد. وعبادته ليست مرتبطة بوجود كاهن مبارك يمثل دور الوسيط بينه وبين ربّه، فكل إنسان في نظره عبد لله قادر على أن يؤم المصلين في المسجد.. فالجامع هو الذي يجمع المسلمين. وهو ليس بالمكان الخاص الذي يرتفع ببركاته وقدسيته، كالكنيسة، على بقية منازل الناس ومساكنهم. ولهذا لم يهتمّ المسلمون كثيرًا بمظهر المساجد الخارجي. والصلاة للجميع على قدم المساواة فيقف العالم بجوار السقاء وقائد الجيش بجوار الجندي، والإمام بملابسه العادية لا يميزه شيء عن الآخرين.. فالكل سواسية كأسنان المشط. وقد كان هذا الأساس الديمقراطي للإسلام هو الذي جعل المساجد تتسع ولا ترتفع لتضم مزيدًا من الأروقة للمؤمنين المتساوين في الحقوق والواجبات.. والمسجد لا يحاول التأثير على الفرد موضوعيًا أو حسيًا فهو بيت الله، والله واحد لا شريك له ولم يكن له كفوًا أحد"(6).

________________________________

(1)  دكتورة زيغريد هونكه                         Dr. Sigrid Hunke

مستشرقة ألمانية معاصرة، وهي زوجة الدكتور شولتزا، المستشرق الألماني المعروف الذي تعمق في دراسة آداب العرب والاطلاع على آثارهم ومآثرهم. وقد قضت هونكه مع زوجها عامين اثنين في مراكش، كما قامت بعدد من الزيارات للبلدان العربية.

من آثارها: (أثر الأدب العربي في الآداب الأوروبية) وهو أطروحة تقدمت بها لنيل الدكتوراه من جامعة برلين، و(الرجل والمرأة) وهو يتناول جانبًا من الحضارة الإسلامية (1995)، و(شمس الله تسطع على الغرب) الذي ترجم بعنوان: (شمس العرب تسطع على الغرب)، وهو ثمرة سنين طويلة من البحث والدراسة.

(2)  شمس العرب تسطع على الغرب، ص 369 .

(3)     شمس العرب تسطع على الغرب ، ص 372 .

(4)     شمس العرب تسطع على الغرب ، ص 373 .

(5)     شمس العرب تسطع على الغرب ، ص 396 .

(6)     شمس العرب تسطع على الغرب ، ص 477 – 479 .

عائشة برجت هوني

[ 1 ]

".. الإسلام في تصوري وكما يراه أحد الأوربيين المسلمين كمثل نموذج هندسي بديع كامل يكمل كل جزء من أجزائه بقية الأجزاء الأخرى ويكمن سرّ جماله في انسجام هذه الأجزاء وتلاؤمها. وهذه الخاصية الإسلامية هي التي تمارس تأثيرها العميق في النفس الإنسانية. فإذا تأملنا تصور الإسلام العميق لعموم الأشياء والأهداف والدوافع والأفعال وتفسيراتها للحكمة الإسلامية فإن ذلك يثير دهشتنا. وإذا نظرت إلى أحكام الإسلام وتفصيلاته وجدت فيها خير هاد لحياة اجتماعية نظيفة تنبثق من قيم خلقية صحيحة. فالمسلم مثلاً يذكر اسم الله في مبدأ كل عمل. ومن هنا يتمّ الترابط بين حياته اليومية ودينه فتتزن الحياة وتنسجم"(1).

_________________________________

(1)  رجال ونساء أسلموا ، 1 / 60 .

هيمز(1)

[ 1 ]

".. الحقيقة الأساسية في الإسلام هي الوحدانية، الله واحد ومحمد رسول الله، أما الشرك فقد وضع جانبًا. فلا أب ولا ابن ولا فصل بين ما هو مقدس وما هو دنيوي وما هو شرقي وما هو غربي. فهناك عالم واحد ودين واحد وإنسانية واحدة. لهذا تجد تركيزًا شديدًا على أخوة الإنسان في الإسلام. وليس هذا من الأمثلة التي لم تحقق بعد، بل هو حقيقة واقعة مشهودة. ولا سبيل إلى التفرقة العنصرية في ظل هذه الأخوة وسواء كانت بشرة الإنسان بيضاء أو صفراء أو حمراء أو برونزية أو سوداء، فليس لذلك أدنى اعتبار أو وزن.."(2).

[ 2 ]

".. المسئولية الكاملة [في الإسلام] تقع على عاتق الفرد.. دون أدنى وساطة من قسّيس بينه وبين الله.."(3).

[ 3 ]

"هذه بعض الأمور التي تجذبني إلى الإسلام: فهناك فكرة التوحيد بأن الله واحد لا يشبهه شيء، والاعتراف بالأنبياء السابقين كموسى وعيسى [عليهم السلام] الذين جاءوا بالدين نفسه، وعدم وجود رجال الدين أو صور وهي أمور تخلق فجوة مصطنعة بين السماء والأرض، وهناك توكيد على نظام محدّد للأخلاق.."(4).

[ 4 ]

".. الإسلام يعلم الناس أن من واجبهم أن يجعلوا الدنيا مكانًا أفضل لحياتهم بدلاً من أن يطالبهم بهجر الدنيا والانزواء في ركن منها وفي عيونهم الدموع. وهذا هو الجهاد الحق، ومعناه الحق ضد الأنانية والجهل والألم. فإذا قيل إن الإسلام ليس مجرد دين بل هو بالإضافة إلى ذلك نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي هذا القول ليس انتقادًا للإسلام بل هو اعتراف بفكرة التوحيد فيه. فنحن نقرأ في القرآن الكريم أن الله حكيم عليم (له مقاليد السماوات والأرض) فكيف إذن نفصل جزءًا من الحياة عن الجزء الآخر ونقول إن الدين يتعلق فقط بأزمنة وأمكنة"(5).

[ 5 ]

".. أن الإسلام يشدني إليه – كذلك – لأنه يقدم لنا فلسفة كاملة للحياة"(6).

________________________________

(1)  ميخائيل هيمز                          Heimes

إنكليزي، قادته نقاط الجذب والإشعاع في الإسلام إلى انتمائه إليه بعد فترة طويلة مع انحرافات النصرانية.

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 55 .

(3)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 56 .

(4)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 60 .

(5)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 59 – 60 .

(6)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 60 – 61 .

مونتكومري وات

[ 1 ]

"أن فكرة (الأمة) كما جاء بها الإسلام هي الفكرة البديعة التي لم يسبق إليها ولم تزل إلى هذا الزمن ينبوعًا لكل فيض من فيوض الإيمان يدفع بالمسلمين إلى (الوحدة) في (أمة) واحدة تختفي فيها حواجز الأجناس واللغات وعصبيات النسب والسلالة. وقد تفرد الإسلام بخلق هذه الوحدة بين أتباعه فاشتملت أمته على أقوام من العرب والفرس والهنود والصينيين والمغول والبربر والسود والبيض على تباعد الأقطار وتفاوت المصالح، ولم يخرج من حظيرة هذه الأمة أحد لينشق عليها ويقطع الصلة بينه وبينها، بل كان المنشقّون عنها يعتقدون أنهم أقرب ممن يخالفونهم إلى تعزيز وحدتها ولمّ شملها ونفي الغرباء عنها"(1).

[ 2 ]

"أن عقيدة الإسلام تزوّد أبناءه في كل عصر (بالصورة المحركة) التي ينظرون إليها ويترسّمونها (Dynamic Image) أي الطيف أو المثال الذي يحفز السائر إلى الحركة والتقدم ويهوّن عليه مشقة الطريق.. وسرّ هذه القوّة في العقيدة الإسلامية أنها منحت الفرد مقياسًا للحياة أرفع وأسلم من مقياس العصبية والمنعة وهو مقياس الضمير المستقل عن أصحاب السيادة، وأنها – مع هذا الاستقلال الفردي – لم تترك الجماعة بغير وجهة تصمد عليها، فأبدعت لها فكرة (الأمة) وحررت هذه الفكرة من ربقة العصبية وحدود الوراثة، فأصبح معنى (الأمة) قابلاً للتطور مع الحوادث و(الظروف).."(2).

________________________________

(1)     الإسلام والجماعة المتحدة ، عن: العقاد ، ما يقال عن الإسلام ، ص 183 .

(2)     الإسلام والجماعة المتحدة ، عن: العقاد ، ما يقال عن الإسلام ، ص 184 .

واجنر(1)

[ 1 ]

".. {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران 19]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ 28]، لقد تركت هذه الآيات العظيمة أثرًا بالغًا في نفسي لأن فيها دليلاً على ذلك الطابع العالمي الذي يتميز به الإسلام، فضلاً عما يمتاز به من النظم والتشريعات الأخرى، وبيانه الكامل لحقيقة سيدنا عيسى عليه السلام. فهل هناك أقوى وأصدق من تلك التعاليم المتحررة التي توصينا باحترام كل ما جاء به جميع الرسل والأنبياء؟ لا شك أن الدين الإسلامي هو دين الحق والصدق والبرهان"(2).

[ 2 ]

".. الإسلام دين العلم ويكفي أن أول آية في القرآن أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، هي قوله تعالى: {اقْرَأْ}.. وهذا اتجاه فريد يصعب وجوده في تاريخ الكنائس والأديان الأخرى. ولهذا تجدني وصلت من خلال الدراسات الإسلامية وما قرأته في كتاب الله تعالى الذي لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وصلت إلى ما أبغيه لنفسي من الاستقرار والأمان.."(3).

[ 3 ]

".. هل هناك أهدى من هذا الكتاب [القرآن الكريم] الذي يشتمل على حلّ لكل مشاكل الحياة بكل ما تشتمل عليه من نظم دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية؟ إن من يقف على تلك التعاليم السامية يجزم بأنها بمثابة روح الحياة ونعيمها وأنها بعينها الحقيقة الخالدة التي لا مواربة فيها ولا التواء. ولهذا جاء اقتناعي بهذا الدين بعد الدراسة والبحث والتأمل والتفكير.."(4).

________________________________

(1)  واجنر م. ( فيصل محمد )            Wagner M. (Faisal Muhammed)

شاب هولندي، أشهر إسلامه في كانون الأول من عام 1952، بعد دراسة مستفيضة شغلت كل وقته وتفكيره. وهو دائم الاطلاع على المؤلفات الإسلامية، كما أنه يقوم بتأليف بعض الكتب التي تفنّد أضاليل الغربيين عن الإسلام فضلاً عن المحاضرات التي يتحدث فيها عن مزايا الإسلام.

(2)  رجال ونساء أسلموا ، 5 / 36 .

(3)     رجال ونساء أسلموا ، 5 / 37 .

(4)     رجال ونساء أسلموا ، 5 / 37 – 38 .

هـ. ج. ولز

[ 1 ]

".. ناهض الإسلام مسيحية القرن السابع الفاسدة، وتقاليد المجوس الزرادشت المنحلّة.. فلا مجال هناك لإنكار أن الإسلام يتميز بصفات كثيرة نبيلة"(1).

[ 2 ]

"هذا الإلحاح على الرفق والرعاية في الحياة اليومية إنما هو واحد من فضائل الإسلام الكبرى بيد أنه ليس الفضيلة الوحيدة فيه. ويعادل هذا في الأهمية التوحيد الذي لا هوادة فيه، والذي يتجرد من كل اعتزال يهودي، وهو توحيد يدعمه القرآن الكريم. وكان الإسلام منذ البداية قوي المقاومة إلى حدّ بعيد لعمليات الصقل والتفاخر اللاهوتية التي أربكت المسيحية وفرقت كلمتها وقضت على روح عيسى [عليه السلام] وكان مصدر قوته الثالث في وصفه الدقيق لطرائق الصلاة والعبادة وبيانه الصريح عن المغزى المحدود العرفي للأهمية المنسوبة إلى مكة. وأقفل دون المؤمنين باب كل قربان، ولم يترك سم خياط مفتوحًا ينفذ منه كاهن القربان في الغفران القديم إلى مسرح العقيدة الجديدة.. ولا يزال للإسلام حتى يومنا هذا فقهاء ومعلمون ووعاظ، ولكن ليس له كهنة ولا قساوسة"(2).

[ 3 ]

"كان [الإسلام] مليئًا بروح الرفق والمساحة والأخوة، وكان عقيدة سهلة يسيرة الفهم.. وقد وقفت ضده اليهودية وهي التي أخذت من الرب كنزًا تكتنزه بيمينها، ثم المسيحية، وهي تتكلم وتبشر آنذاك وبلا نهاية بالتثليث والمبادئ والهرطقات التي لم يكن ليستطيع أي رجل عادي أن يميز فيها الرأس من الذنب، كما حاربته المزدكية نحلة المجوس الزرادشتيين الذين أوحوا بصلب ماني. ولم تكن كتلة الناس الذين جاءتهم دعوة الإسلام وتحديه، يهتمون إلا بشيء واحد هو أن ذلك الرب (الله) [سبحانه]، الذي كان يبشر به الرسول [صلى الله عليه وسلم]، كان بشهادة الضمير المنطوية عليه قلوبهم، رب صلاح وبرّ وأن القبول الشريف لمبادئه وطريقته يفتح الباب على مصراعيه – في عالم تقلقل وخيانة وانقسامات لا تسامح فيها – على أخوة عظيمة متزايدة من رجال جديرين بالثقة في الأرض.. وقد أوصل محمد [صلى الله عليه وسلم] مبادئه الجذابة إلى سويداء قلوب البشرية، دون أي رمزية مبهمة ودون أي تعتيم للهياكل ولا ترتيل للقسوس"(3).

[ 4 ]

"يحتوي الإسلام.. الشيء الكثير من القوة والإلهام. فمن خصائصه التوحيد الذي لا هوادة فيه، وإيمانه البسيط المتحمّس بحكم الله للناس.. وخلوه من التعقيدات اللاهوتية. ومن خصائصه كذلك أنه منفصل تمام الانفصال عن كاهن القرابين ومعبدها، وهو بمأمن حصين من كل انزلاق نحو القرابين الدموية. والقرآن حين يذكر طبيعة الحج إلى مكة بصورة محددة واضحة الشعائر، إنما يجعلها بمأمن من كل احتمال للنزاع في شأنها. كما أن النبي [صلى الله عليه وسلم] اتخذ كل احتياط ليحول دون تأليهه بعد مماته. وثمة عنصر ثالث للقوة يكمن في إصرار الإسلام على أن المؤمنين جميعًا متساوون تمامًا أمام الله، مهما اختلفت ألوانهم أو أصولهم أو مراكزهم. هذه هي الأمور التي جعلت الإسلام قوة فعالة في الشئون الإنسانية.."(4).

________________________________

(1)     معالم تاريخ الإنسانية ، 3 / 640 .

(2)     معالم تاريخ الإنسانية ، ص 3 / 642 .

(3)     معالم تاريخ الإنسانية ، 3 / 642 .

(4)     موجز تاريخ العالم ، ص 202 .

وليامز(1)

[ 1 ]

"إن هذه التقاليد [الإسلامية] تشمل مبادئ المساواة بين الأرواح الإنسانية أمام الله وتقرر أواصر الأخوة العالمية بين جميع المؤمنين بغير نظر إلى العنصر أو اللون، كما تقرر فريضة الدفاع عن الضعيف وحمايته ممن يجورون عليه، وإغاثة المعوزين والمحرومين وبذل الحياة نفسها في سبيل الصراط المستقيم.."(2).

[ 2 ]

".. أن النظريات [الإسلامية] لا تعارض نظامًا من الأنظمة الدستورية في الأمم الديمقراطية، على اختلاف هذه الأنظمة في أساليب الإدارة وتوزيع السلطة على طريقة الجمهوريات الرئاسية أو النيابية، وأن الحاكم لا يملك أن يستأثر بالسلطة على أي وجه من الوجوه مستندًا إلى نصوص القرآن"(3).

________________________________

(1)  البروفيسور رشبروك وليامز                 Rushbrook Williams

صاحب الدراسات الواسعة في شؤون الشرق الأوسط وشؤون الهند والباكستان. من مؤلفاته (دولة الباكستان).

(2)     دولة الباكستان ، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام، ص 137 .

(3)     دولة الباكستان ، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام ، ص 138 .

وود(1)

[ 1 ]

".. أن الإسلام يحتم على سائر الحكام أن يفعلوا كل ما يدعو إلى حسن توزيع العدل والإنصاف في الحكم والتجرد من شوائب الأغراض والحظوظ الشخصية، وفي الحديث النبوي ما يدل على أن في التحلّي بهذه النعوت فخر الدين ورسوخ الملك وحفظ أمان الأمة.. وهذا شيء معروف وراسخ في الإسلام. وهذه سيرة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي [رضي الله عنهم] فإن زهدهم بالدنيا وإعراضهم عن أعراضها دليل على أن العمل بالشرع الإسلامي يأتي بالنتائج الحسنة"(2).

_________________________________

(1)  السر ريشار وود                  R. Wood

قائد عسكري، ورجل دبلوماسي بريطاني، عمل قنصلاً لدولته في دمشق في ستينات القرن الماضي، ثم نقل إلى تونس لكي يكون وكيل بلاده السياسي هناك، كانت له صلات عديدة بعلماء المسلمين وشيوخهم.

(2)  الإسلام والإصلاح ، ص 15 – 16 ، 16 – 17 .

يول(1)

[ 1 ]

"أن بساطة الإسلام والتأثير القوي للمساجد وجدية المؤمنين المتمسكين به، هذه العوامل هي التي جذبت انتباهي منذ البداية. إلا أنني عندما عزمت على الدخول في هذا الدين واتباع تعاليمه وجدت أسبابًا أكثر عمقًا مما أكد عزمي وشدّ من أزري. فالنظرة الواقعة إلى الحياة، والمشورة الصادقة، والدعوة إلى الإحسان والرحمة والنزعة الإنسانية الخيرة العريقة – هذه وغيرها من العوامل كانت بالنسبة لي أعظم دليل على صدق هذا الدين.."(2).

[ 2 ]

"جاءنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم بنظام ديني يصلح للتطبيق في الحياة العادية ولم يقدم لنا عقيدة عمياء تحميها قوة غيبية بالرغم من إهمالنا الذاتي، فالثقة في الإسلام عبارة عن ثقة في أننا إذا فعلنا كل شيء على أحسن وجه ممكن عندها يمكننا أن نثق فيما يأتي به الإرادة الإلهية"(3).

[ 3 ]

".. أن التسامح الواسع الأفق الذي يتسم به الإسلام في معاملة الأديان الأخرى يجعله محبّبًا لدى جميع من يحبّون الحرّية.. وهذا موقف كريم بكل تأكيد حقق سبقًا كبيرًا على موقف الأديان الأخرى. كما أن تحرر الإسلام الكامل وخلوّه من عبادة الأوثان يعتبر علامة واضحة على قوة العقيدة الإسلامية ونقائها التام"(4).

[ 4 ]

"أن الاعتدال والتوسط في كل شيء هما الفكرة الأساسية للإسلام.."(5).

[ 5 ]

".. عندما توقفت في المساجد الرائعة في أسطنبول، دمشق، القدس، القاهرة، الجزائر، طنجة وفارس وغيرها من المدن أحسست بشعور قوي بمدى الرفعة التي يحققها الإسلام للبشر دون الاستعانة بأي زخارف أو صور أو تماثيل أو موسيقى أو مراسم وتراتيل. فالمسجد عبارة عن مكان للتأمل الهادئ وإنكار الذات أمام الحقيقة الأولى وهي الله الواحد.. والمسلم لا يقبل وساطة أي إنسان بينه وبين ربه مهما كان ذلك الإنسان"(6).

________________________________

(1)  علي يول                      Ali Yol

شاب دانمركي، تعرف على الإسلام عام 1973 خلال إحدى رحلاته إلى المغرب، وبعد عدد من اللقاءات مع بعض المسلمين هناك عبر أكثر من رحلة أعلن انتماءه للإسلام، وهو الآن يعيش في كوبنهاجن العاصمة.

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 127 .

(3)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 127 .

(4)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 127 – 128 .

(5)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 128 .

(6)     رجال ونساء أسلموا ، 4 / 128 .

يونغ(1)

[ 1 ]

".. أن الإسلام قد أسهم بصفة فعالة في تقدم الجماعة الإنسانية، وقد استبدل بالنظام القبلي الذي ورثه – والذي يقوم على رابطة الدم – نظام الجماعة المشتركة في العقيدة والتي يقوم ترابطها الاجتماعي على أساس من الأخوة والمساواة.."(2).

[ 2 ]

"أن النظرية القانونية الإسلامية وما جرى عليه العمل في صدر الإسلام يستمد قاعدة الوحدة والنظام من الله لا من (المدينة) ولا من الدولة والمسلم إلى اليوم يحسّ إحساسًا واضحًا بحكم الله في الحياة اليومية.."(3).

[ 3 ]

".. الإسلام يختلف عن المسيحية الرومانية في أنه لا يتخذ لنفسه نظم الكنيسة والقسيسين والقرابين. ولقد تبدو البروتستانتية الخالصة دينًا كهنوتيًا إذا وازناها بالإسلام الذي يحرص على التوحيد الخالص والذي لا يحتمل أي تدخل بين الإنسان وخالقه"(4).

[ 4 ]

".. أن المسلم [يملك] المقدرة على استعمال طريقة التجربة في كل الأوضاع الممكنة لنموذج ما، ليأخذ من الحياة أقصى ما تستطيع أن تعطيه.."(5).

_________________________________

(1)  كويلر يونغ                       Prof. T. Guyler Young

أستاذ العلاقات الأجنبية بجامعة برنستون، ورئيس قسم اللغات والآداب الشرقية بها، كان مساعد أستاذ اللغات السامية بجامعة تورنتو. من أهم مؤلفاته: Near Eastern Culture and Society, 1951 .

(2)     الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة، 242 – 243 .

(3)     الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة، ص 243 .

(4)     الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة، ص 243 .

(5)     الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة، ص 257 .

يونغ(1)

[ 1 ]

"لقد كان ظهور الإسلام في الجزيرة العربية خيرًا عظيمًا ساقه الله إلى العرب قاطبة. ولكنه لم يشكل انفصالاً عن ماضي هذه الجزيرة. لقد غير في ثقافة معاصريه بشكل فوري، ولكنه لم يطمس تمامًا تلك الثقافة"(2).

[ 2 ]

"فجر الإسلام في العرب طاقات حماس كامنة، وجدت متنفسها في إقامة إحدى الإمبراطوريات العظمى في العالم"(3).

[ 3 ]

"بدأ القانون كتطبيق عملي للدين وللعلاقات الاجتماعية التي سنها النبي محمد [صلى الله عليه وسلم]، وهي لا تفرق بين موضوعي الدين والدنيا، ودراسة القانون عند المسلمين تعرف بالفقه (حرفيًا:الفهم). وتعتمد هذه الدراسة أساسًا على القرآن، ثم الحديث (كلام النبي محمد [صلى الله عليه وسلم] وأفعاله) ويصف السير هاملتون جب(4) بنيان هذا القانون بأنه (أحد الأبحاث الفذة للفكر البشر).."(5).

____________________________________

(1)  د. لويس يونغ                          Lewis Young

باحث إنكليزي، معاصر، وأستاذ جامعي، له العديد من المؤلفات والأبحاث، أبرزها كتاب: (العرب وأوروبا).

(2)     العرب وأوروبا ، ص 29 – 30 .

(3)     العرب وأوروبا ، ص 32 .

(4)     Mohammedanism, P. 90 (London,, 1953) .

(5)     العرب وأوروبا، ص 37 – 38 .

 الفصل الرابع انتشار الإسلام ومعاملة غير المسلمين

"كان المثل الأعلى الذي يهدف إلى أخوة المؤمنين كافة في الإسلام، من العوامل القوية التي جذبت الناس بقوة نحو هذه العقيدة".

(المؤرخ البريطاني توماس آرنولد)

سير توماس آرنولد

[ 1 ]

"أن الذي دفع المسلمين إلى أن يحملوا رسالة الإسلام معهم إلى شعوب البلاد التي دخلوها، وجعلهم ينشدون لدينهم بحق مكانًا بين ما نسميه أديان الرسالة لهي حماسة من ذلك النوع، من أجل صدق عقيدتهم. وليس موضوع هذا الكتاب: (الدعوة إلى الإسلام)، إلا صورة من تاريخ ظهور هذه الحماسة في تبليغ الدعوة ودواعي وألوان نشاطها. وأن انتشار مائتي مليون من المسلمين في الوقت الحاضر(1) لهو الشاهد على ما كان لهذه الحماسة من أثر خلال الثلاثة عشر قرنًا التي تلت ظهور الإسلام"(2).

[ 2 ]

"يرجع انتشار هذا الدين في تلك الرقعة الفسيحة من الأرض إلى أسباب شتى: اجتماعية وسياسية ودينية، على أن هنالك عاملاً من أقوى العوامل الفعالة التي أدت إلى هذه النتيجة العظيمة، تلك هي الأعمال المطردة التي قام بها دعاة المسلمين، وقفوا حياتهم على الدعوة إلى الإسلام، متخذين من هدي الرسول [صلى الله عليه وسلم] مثلاً أعلى وقدوة صالحة"(3).

[ 3 ]

".. أن ما أحرزته سيوف المسلمين من نجاح واسع النطاق، منقطع النظير، قد زعزع عقيدة الشعوب المسيحية التي أصبحت تحت حكمهم، ورأت أن هذه الفتوح قد تمت بعون من الله، وأن المسلمين قد جمعوا بين النعيم في الدنيا وبين التوفيق الإلهي، وأن [الله] لم يجعل النصر إلا في أيدي عباده المختارين. وهكذا ظهر نجاح المسلمين دليلاً على صدق دينهم"(4).

[ 4 ]

".. لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي. ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها فرود وإيزابلا دين الإسلام من إسبانيا، أو التي جعل بها لويس الرابع عشر المذهب البروتستانتي مذهبًا يعاقب عليه متّبعوه في فرنسا أو بتلك السهولة التي ظل بها اليهود مبعدين عن إنكلترا مدة خمسين وثلاثمائة سنة. وكانت الكنائس الشرقية في آسيا قد انعزلت انعزالاً تامًا عن سائر العالم المسيحي الذي لم يوجد في جميع أنحائه أحد يقف إلى جانبهم باعتبارهم طوائف خارجة عن الدين. ولهذا فإن مجرد بقاء هذه الكنائس حتى الآن يحمل في طياته الدليل القوي على ما قامت عليه سياسة الحكومات الإسلامية بوجه عام من تسامح نحوهم"(5).

_________________________________

(1)     كان ذلك زمن تأليف توماس آرنولد لكتابه (الدعوة إلى الإسلام) في أواخر القرن الماضي، أما الآن فقد زاد هذا العدد إلى أربعة، وربما، خمسة أضعافه.

(2)     الدعوة إلى الإسلام ، ص 25 .

(3)     الدعوة إلى الإسلام ، ص 27 .

(4)     الدعوة إلى الإٍسلام ، ص 94 .

(5)     الدعوة إلى الإٍسلام ، ص 98 – 99 .

الدورمييلي(1)

[ 1 ]

"في عصر الانحطاط العميق بالبلدان التي كانت من قبل تعد قسمًا من إمبراطورية دقلديانوس القديمة، نهض فجأة في قلب الصحاري العربية خصم من الخصوم تابع تلك الإمبراطورية العجوز المترنحة، كما هو من ألدّ خصوم الممالك الجديدة التي كانت ناشئة في الغرب. وظل هذا الخصم يزداد عظمة في مرأى العين، كما لو كانت عناية الله الدائمة هي التي تقود عساكره المخلصين إلى الجهاد والنصر المبين، حتى تلا فتح سورية ومصر بعد قليل تقوّض إمبراطورية الساسانيين، وأصبح أخلاء قسطنطين – الذين اقتطعت منهم فعلاً أقاليم كثيرة – مهددين بمثل ذلك المصير"(2).

[ 2 ]

".. بباعث من تلك الدوافع القوية التي تشمل أحيانًا جميع الناس، وتكاد تبدو متعذرة الفهم للمراقب الخارج عن دائرتها أو الذي لم شهد مثلها من قبل، فاض أولئك العرب.. من شبه الجزيرة، التي هي موطنهم الأول فأسسوا الإسلام، أو أقاموا سلطان الإسلام على قسم عظيم من العالم المتحضر القديم، تحدوهم رغبة جدّ عنيفة في الدعوة الدينية.."(3).

[ 3 ]

".. أن السكان الساميين في سوريا ومصر، الذين قاسوا كل صنوف الضغط والهول – على الأخص بسبب الضرائب – من قبل الحكومات الأجنبية التابعة للدولة البيزنطية أو المملكة الساسانية، لم يستطيعوا أن يروا في العرب إلا محررين مخلصين، كما أن المسيحيين القائلين بوحدة الطبيعة (طبيعة المسيح) [عليه السلام] في الشرق استطاعوا أن يعتمدوا على التسامح الإسلامي، بعد أن كانوا يخشون الاضطهاد من قبل نصارى القسطنطينية.."(4).

[ 4 ]

".. كانت شروط الفتح الإسلامي تسمح ببقاء بذور الحضارات [القديمة] عند طوائف كبيرة من الأهالي، الذين واصلوا التمتع بعاداتهم، وقوانينهم، ولغاتهم، على شريطة أن يعطوا بانتظام قيم الجزية المفروضة على من لا يدخل في جماعة المسلمين. وكان طبيعيًا مع ذلك أن تتأسس الروابط والعلاقات بين الفاتحين وأهل البلاد في وقت مبكر، سواء أكان ذلك بسبب الجوار، أم بسبب اعتناق الأهالي كثيرًا وقليلاً للإسلام بوجه خاص.."(5).

"التسامح العظيم الذي تحلى به الخلفاء الأمويون، وملوك الطوائف.. لم يمتد لواؤه على ما حكموه من شعوب، أو على المسلمين القادمين من إفريقية والمشرق فحسب، بل انبسط ظله أيضًا على العلماء المسيحيين الذين أقبلوا مهطعين من أبعد الأقطار لتلقي العلوم في المدن المزدهرة التي لا تحصى، في ذلك القطر الساحر [الأندلس] الآخذ بمجامع الألباب"(6).

________________________________

(1)  الدو مييلي                                   A. Mieli

مستشرق فرنسي، تفرغ لتاريخ العلوم. تولى وكالة المجمع الدولي لتاريخ العلوم وأسس مجلة (آركيون) التي تسجل نشاطه.

من آثاره: (تاريخ العلوم) (باريس 1935)، (العلم العربي وأثره في التطوير العلمي العالمي) (1938)، (علم الفلك في العالم الإسلامي) (1941)، (علم النبات عند العرب) (1941)، (علم الجغرافيين العرب) (1941)، (العلم الإسلامي) (19429، (الرياضيات العربية) (1942)، (التشريح العربي) (1942). وغيرها.

(2)     العلم عند العرب ، ص 74 .

(3)     العلم عند العرب ، ص 75 .

(4)     العلم عند العرب ، ص 81 .

(5)     العلم عند العرب ، ص 123 .

(6)     العلم عند العرب ، ص 454 .

أندرسن(1)

[ 1 ]

"لقد تكررت ملاحظة الآثار العميقة التي أحدثها مجيء الإسلام في حياة الزنوج في أفريقيا وفي ثقافتهم. وهكذا يذهب (ميك) إلى حد القول: أنه (يعني الإسلام) لم يؤدّ إلى تغييرات عميقة في التركيب الجنسي لهذه الشعوب فحسب، وإنما أتى معه بحضارة جديدة، أعطت الأجناس الزنجية المولدة الطابع الثقافي المميز الذي يحملونه اليوم ومازال مسيطرًا على حياتهم السياسية ومؤسساتهم الاجتماعية.. أن الإسلام جاء بالحضارة إلى القبائل البربرية (الهمجية) وحول جماعات منفصلة من الوثنيين إلى أمم أنه جعل الخطوة مع العالم الخارجي ممكنة، أنه وسع النظر، ورفع مستوى المعيشة بإنشائه جوًا اجتماعيًا راقيًا، وأسبغ على أتباعه الوقار، واحترام النفس، واحترام الناس. أن الإسلام أدخل فن القراءة والكتابة، وبفضله تم تحريم تعاطي المسكرات.. والثأر والعادات البربرية الأخرى وجعل من الزنجي السوداني مواطنًا عالميًا"(2).

[ 2 ]

"هناك مدارس في كل بلدة مسلمة [في نيجيريا الشمالية] يقوم بها المعلمون (المالام) خاصة فيرسل الوالدون أطفالهم في سن مبكرة جدًا.. وفي المراكز الكبرى يحضر الأطفال إلى الصف ساعة في الصباح وساعة في المساء. والإناث يتلقين التعليم أيضًا.."(3).

_________________________________

(1)  ج. ن. د. اندرسن                             S. N. D. Anderson

مستشرق بريطاني. من آثاره: (الشرع والفقه الإسلامي)، (صحيح القانون المقارن، 1949)، و(جريمة القتل في الإسلام، 19519. وغيرها.

(2)  الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية (تحرير كرونباوم)، ص 405 – 406 عن:

C. K. Meek: the Notyhern Tribes of Nigeria I/I, 4, 5 (London, 1925).

(3)  الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية (تحرير كرونباوم)، ص 407 – 408 ، عن المرجع السابق 2 / 8 .

بارتولد(1)

[ 1 ]

"كانت في بلاد الخلافة الممتدة من رأس سان فنسنت الواقعة جنوبي البرتغال إلى سمرقند مؤسسات مسيحية غنية، قد حافظت على أملاكها غير المنقولة الموقوفة عليها. وكان نصارى بلاد الخلافة يتعاملون مع عالم النصرانية بدون مشقة، ويتمكنون من أن يتلقوا منهم إعانات لمؤسساتهم الدينية وكان في المؤتمر الديني الذي انعقد في القسطنطينية سنة 680-681م مندوب من القدس أيضًا. ثم أن المسيحيين المقيمين ببلاد الخلافة كانوا مرتبطين بعضهم ببعض ارتباطًا وثيقًا.."(2).

[ 2 ]

"انتشر الدين الإسلامي في القرن الرابع للهجرة في قبائل الترك الرحل وفي بعض مدن التركستان الصينية بواسطة التجارة وبدون استخدام أي سلاح فكان الأتراك الذين استولوا على البلاد الإسلامية في القرن الرابع الهجري مسلمين"(3).

_________________________________

(1)  ف بارتولد (1879 – 1930)                         V. Barghold

تخرج من جامعة بطرسبرغ (1891)، وعين أستاذًا لتاريخ الشرق الإسلامي فيها (1901)، فكان أول من درس تاريخ آسيا الوسطى. وعني بالشرق الإسلامي وحقق المصادر العربية المتعلقة به وتخرج عليه عدد من المستشرقين. وقد انتخب عضوًا في مجمع العلوم الروسي (1912) ورئيسًا دائمًا للجنة المستشرقين فيه بعد الثورة البلشفية حتى وفاته.

تربو آثاره على الأربعمائة، أشهرها: (تركستان عند غزو المغول لها) في مجلدين (1898-1909)، (تاريخ دراسة الشرق في أوروبا وآسيا) (1911)، (حضارة الإسلام) (1918)، (تاريخ تركستان) (1922)، (مغول الهند) (1928)، (تاريخ أتراك آسيا الوسطى) (19349. وغيرها.

(2)     تاريخ الحضارة الإسلامية ، ص 54 .

(3)     تاريخ الحضارة الإسلامية ، ص 122 .

بروفنسال(1)

[ 1 ]

"أن الهدف الذي نبتغيه هو إلقاء الضوء على تداخل Interpenetration الإسلام والمسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية وهو تداخل حقيقي مستمر في إسبانيا في العصور الوسيطة سواء في داخل الحدود الإسلامية أم في خارجها. وكذلك هو في أن نظهر الأندلس على أنها لم تكن حتى في ذات الوقت الذي تعرف بأنها لا تقهر، لتمتشق الحسام في وجه جيرانها، وإنما كانت هناك سنوات طويلة لهدنات حقيقية أعطت الأندلس خلالها أكثر مما أخذت، كما برهنت في أغلب الأحيان على عقل متسامح إزاء رعاياها المسيحيين لم يعد أحد يماري فيه اليوم"(2).

[ 2 ]

"ما من مكان كانت العلاقات الدائمة ضرورية فيه بين الإسلام والمسيحية، أكثر منها في أسبانيا العربية، فإن معظم سكانها قد احتفظوا، على الأقل في القرن الأول من حكم الإسلام، بالديانة القديمة في دولة الفيزيقوت [القوات الغربيون]، وفيما بعد، حتى عقب اعتناق أعداد غفيرة من الرعايا النصارى أهل الذمة للإسلام، للاستفادة من نظام مالي أفضل، بقيت نسبة ضخمة من الرعايا المسيحيين تشكل في المدن الأندلسية وحدات مزدهرة، لها كنائسها وأديرتها ورئيسها المسؤول (Depensar) وجابيها الخاص (Censor) وقاضيها الذي يطبق في محكمته، تحت إشراف الإدارة الأموية، القانون القوطي القديم من Liber Judicrum أما الاضطهادات التي عانتها فقد كان يسببها دومًا مسيحيون متهوّسون يرفضون أن يتراجعوا عن القدح في معتقد سادة البلاد.. وكان أمراء الأندلس وخلفاؤها يقرون بصورة دائمة تقريبًا اختيار أصحاب الرتب الكهنوتية: مطران طليطلة وأسقف قرطبة. حتى إنهم كانوا يستعملون هؤلاء الأحبار في سفارات أومهمات سياسية سرية في الوقت المناسب. فلم تكن رؤية الإيكليريكيين الأسبان يتضلعون في معرفة اللغة العربية وآدابها من الأمور النادرة مطلقًا. وهذا ما يجعلنا نفترض وجود اختلاط ودّي، واثق ومتصل بين مختلف عناصر السكان. بل نملك على هذه الناحية شهادة معاصرة لا نستطيع الارتياب في قيمتها، ذلك لأنها صادرة عن واحد من أنشط أبطال المقاومة ضد الإسلام في شبه الجزيرة في القرن التاسع ألا وهو الفارو القرطبي Le Cardouan Alvaro . فبينما يحزن لفتور مسيحيي أسبانيا وجهلهم باللاتينية، نراه يمجد بفصاحة نادرة الثقافة الإسلامية الإسبانية التي كانت في طور التكوين.."(3).

__________________________________

(1)  ليفي بروفنسال (1894-1956)                  F. Levi – Proven Cal

ولد في الجزائر ونال الليسانس من كلية الآداب فيها (1913) واشترك في الحرب. وفي سنة 1919 انتدب للعمل في معهد الدراسات العليا المغربية في الرباط. وعين أستاذًا فيه (1920)، ثم مديرًا له (1926-1935) وفي تلك الأثناء قدم رسالة دكتوراه. وفي سنة 1928 انتدبته كلية الآداب بالجزائر أستاذًا لتاريخ العرب والحضارة الإسلامية. كما كان يحاضر في السوربون. وتقلب في الوظائف العلمية والإدارية والسياسية، وشارك في الحرب الثانية، وأنشأ مجلة أرابيكا Arabica للدراسات العربية عام 1954. وقد عد المرجع الأول في الغرب لتاريخ الأندلس، وانتخب عضوًا في عدد من المجامع العلمية.

كتب المئات من الأبحاث والدراسات، نشر بعضها في مصنّفات مستقلة، ونشر بعضها الآخر في أشهر المجلات والحوليات الاستشراقية، وانصبّ معظمها على تاريخ وحضارة المغرب والأندلس.

(2)     حضارة العرب في الأندلس ، ص 70 – 71 .

(3)     حضارة العرب في الأندلس ، ص 71 – 72 .

أدوار بروي

[ 1 ]

"بين أوروبا الغربية الآخذة مدنيتها بالقهقرى، وبين العالم الآسيوي الذي يستجمع بعد نشاطه ويسترجع عافيته.. ظهر الإسلام كالشهاب الساطع، فحيّر بفتوحاته السريعة القاصمة، وباتساع رقعة الإمبراطورية الجديدة التي أنشأناها نحن أمام شعب كان للأمس الغابر مجهول الاسم، مغمور الذكر، فإذا به يتّحد ويتضامّ في بوتقة الإسلام، هذا الدين الجديد الذي انطلق من الجزيرة العربية اكتسحت جيوشه ببضع سنوات الدولة الساسانية وهدت منها الأركان، ورفرفت بنوده فوق الولايات التابعة للإمبراطورية البيزنطية في آسيا وأفريقيا ولم تلبث جيوشه أن استولت بعد قليل على معظم إسبانيا وصقلية، وأن تقتطع لأمد من الزمن، يقصر أو يطول، بعض المقاطعات الواقعة في غربي أوروبا وجنوبها ودقت جيوشه بعنف شديد أبواب الهند والصين والحبشة والسودان الغربي وهددت فرنسا والقسطنطينية.. وقد تهاوت الدول أمام الدفع العربي الإسلامي كالأكر، وتدحرجت التيجان عن رؤوس الملوك كحبات سبحة انفرط عقدها النظيم وذابت الأديان التي سيطرت على الشعوب والأقوام كما يذوب الشمع أمام النار بعد أن أطلّ على الدنيا دين جديد.."(1).

[ 2 ]

"قلما عرف التاريخ والحق يقال، فتوحات كان لها، في المدى القريب، على الأهلين، مثل هذا النزر الصغير من الاضطراب يحدثه الفتح العربي لهذه الأقطار فمن لم يكن عربيًا من الأهلين لم يشعر بأي اضطهاد قط. فاليهود والنصارى الذين هم أيضًا من أهل الكتاب، حق لهم أن يتمتعوا بالتساهل وأن لا يضاموا. وكان لابدّ من الوقوف هذا الموقف نفسه من الزرادشتية والبوذية والصابئة.. وغيرها من الملل والنحل الأخرى. والمطلوب من هؤلاء السكان أن يظهروا الولاء للإسلام ويعترفوا بسيادته وسلطانه، وأن يؤدوا له الرسوم المترتبة على أهل الذمة تأديتها.. وفي نطاق هذه التحفظات التي لم يكن لتؤثر كثيرًا على الحياة العادية، تمتع الزمن بكافة حرياتهم.."(2).

[ 3 ]

"انتظمت العلاقات بين الدولة وسكان البلاد الأصليين بسهولة كلية وفقًا لروح القانون المعمول به في البلاد.. وبقيت كل ملة أو طائفة محتفظة بقانونها الخاص وبالموظفين الذين يسهرون على الشؤون الدينية عندها باستثناء ما كان منها تابعًا للحق العام.. ونلاحظ تطورًا ملحوظًا يطرأ على وضع النصارى بعد أن احتفظت بيعهم بجانب من ممارسة العدالة في الأمم الخاصة.. وهكذا برز البطاركة والأساقفة، الرؤساء الأعلون لطوائف تعلو سلطتهم سلطة الموظفين الإداريين المحليين، حتى إن اليهود أنفسهم لم يجدوا بأسًا في الاحتفاظ برؤسائهم الدينيين وبربابنتهم وبحاخامهم الأكبر"(3).

[ 4 ]

".. انتشرت، حوالي السنة 1000م، عادة القيام بالحج، تزايد السفر إلى الأرض المقدسة لأنه اعتبر أعظم الممارسات [النصرانية] نفعًا للخلاص الأبدي، وقلما ضايقه العرب، الذين كانوا متساهلين جدًا، كما يبدو من جهة ثانية أن الغزو التركي لم يجعل الدخول إلى معابد فلسطين أكثر صعوبة إلا أن فرسان الغرب، وقد تمكنت منهم فكرة الحرب المقدسة، أخذوا في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، يؤدون فريضة الحج جماعات صغيرة مسلحة كما أخذوا بعد عودتهم يبسطون شعورهم بأن الفتح ليس أمرًا مستحيلاً.. وجاء الاندماج التركي أخيرًا يهدد بيزنطية آنذاك تهديدًا جديًا خطيرًا، ففكر الغرب بوجوب وقاية المسيحية من جهة الشرق.."(4).

[ 5 ]

".. ما لابدّ من التنويه به عاليًا أن هؤلاء السلاطين [العثمانيين] لم يظهروا أي تحرج أو تعصب تجاه المسيحيين، في وقت وزمان كان فيه ديوان التفتيش يبطش بالناس بطشًا وينزل بهم الهلع.. وفي عهد كان اليهود والمسلمون يطردون، دونما رحمة أو شفقة، من إسبانيا.. وبالرغم من إسكان عدد كبير من الجاليات الإسلامية في البلقان، واعتناق بعض الجماعات البلقانية الإسلام فلم يأت العثمانيون شيئًا مهمًا ليمنعوا السواد الأكبر من سكان البلاد البلقانية من الاحتفاظ بنصرانيتهم.."(5).

_________________________________

(1)     تاريخ الحضارات العام ، 3 / 109 .

(2)     تاريخ الحضارات العام ، 3 / 116 .

(3)     تاريخ الحضارات العام ، 3 / 116 .

(4)     تاريخ الحضارات العام ، 3 / 312 .

(5)     تاريخ الحضارات العام ، 3 / 589 – 590 .

مارسيل بوازار

[ 1 ]

"لقد أظهرت الرسالة القرآنية وتعاليم النبي [صلى الله عليه وسلم] أنها تقدمية بشكل جوهري، وتفسّر هذه الخصائص انتشار الإسلام السريع بصورة خارقة خلال القرون الأولى من تاريخه"(1).

[ 2 ]

"فتح الإسلام الباب للتعايش على الصعيد الاجتماعي والعرقي حين اعترف بصدق الرسالات الإلهية المنزلة من قبل على بعض الشعوب.. لكنه بدا أنه يرفض الحوار في الوقت ذاته على الصعيد اللاهوتي حين.. أزال من العقيدة كل ما اعتبر زيفًا مخالفًا للتوحيد بالمعنى الدقيق للكلمة. وأتاح منطق تعاليمه القوي وبساطة عقيدته وما يرافقها من تسامح، أتاح كل هذا للشعوب التي فتح بلادها حرية دينية تفوق بكثير تلك التي أتاحتها الدول المسيحية نفسها.."(2).

[ 3 ]

".. لقد تألفت (أمم) من نوع معين، واتحدت، وخضعت لنظامها الديني الخاص وانخرطت في البنية الاجتماعية للمجتمع الإسلامي الذي يحميها"(3).

[ 4 ]

".. حاول الإسلام منذ القرن السابع للميلاد أن يقدم حلاً لمشكلة الأقليات فريدًا في نوعه. وتستحق جماعة غير المسلمين على أرض الإسلام أن تتناول بالتحليل، لأنه ثبت أنها نهج لا مثيل له، في الوقت الذي كان فيه الغرب على أهبة الخروج من العصور الوسطى وإدراك ضرورة وضع الأنظمة المحدودة للعلاقات مع الغرباء"(4).

".. منذ بدء الفتح العربي الإسلامي، كان المحاربون المسلمون قد فرضوا على أنفسهم روحًا من التسامح مع غير المسلمين ومع الشعوب المغلوبة. وفي زمن لم يكن فيه العنف يعرف شرعًا ولا عاطفة، أصدر أبو بكر [رضي الله عنه]: أول خليفة للنبي [صلى الله عليه وسلم] إلى جنوده التعليمات المشهورة المرنة كثيرًا التي تختصر الروح الخلقي للقانون الإسلامي.."(5).

_________________________________

(1)     إنسانية الإسلام ، ص 74 .

(2)     إنسانية الإسلام ، ص 184 .

(3)     إنسانية الإسلام ، ص 186 .

(4)     إنسانية الإسلام ، ص 187 .

(5)     إنسانية الإسلام ، ص 278 .

ترند(1)

[ 1 ]

".. في القرن العاشر [الميلادي] تردّى معظم أوروبا في همجية ووحشية مريعة، على حين أن المسلمين في إسبانيا ضربوا مثلاً رائعًا بما كفلوه لغيرهم من ذوي العقائد المخالفة لمذهبهم من سعة العيش والتسامح.."(2).

[ 2 ]

"آثر الغزاة المسلمون أن يشتروا من السكان المسيحيين بقرطبة جانبًا من الكاتدرائية القديمة. ورأوا أن ذلك خير لهم من أخذها عنوة واغتصابًا، وهذا شاهد ينطق بما اشتهروا به من التسامح مع أصحاب العقائد المخالفة لعقيدتهم"(3).

[ 3 ]

".. أن العرب المتنصرين التعساء المعروفين بالموريسكو Moriscos لقوا من المسيحيين من المعاملة السيئة مالا يقابله إلا ما لقيه المسيحيون من المسلمين من التسامح في مرحلة سابقة من تاريخ إسبانيا الإسلامية والمسؤول عن كل ذلك الأمر من بدايته إلى نهايته هم رجال الكنيسة.."(4).

_________________________________

(1)  جون براند ترند (1887 – 1958)       J. Brand Trend

رائد من رواد تاريخ إسبانيا. أستاذ في جامعة كمبردج. قام بعدة رحلات في إسبانيا والبرتغال ومراكش ومكسيكو واشتغل في معهد الدراسات الشرقية بلندن.

من آثاره (صورة لإسبانيا الحديثة)(1921)، (موسيقى تاريخ إسبانيا) (1925)، (لغة إسبانيا وتاريخها) (1953)، وكثير من الكتب الأخرى في هذا المجال.

(2)     تاريخ العالم (نشره السير جون. أ. هامرتن)، المجلد الخامس ، ص 29 .

(3)     تاريخ العالم (نشره السير جون. أ. هامرتن)، 5 / 737 .

(4)     تاريخ العالم (نشره السير جون. أ. هامرتن)، 5 / 755 .

تريتون(1)

[ 1 ]

"أما النواحي الشرقية القصوى من الدولة الإسلامية فإن الشعوب المحكومة كانت تعامل معاملة تنطوي على مثل هذا العطف [الذي حظيت به في النواحي الأخرى].."(2).

[ 2 ]

"ولما تدانى أجل (عمر بن الخطاب) أوصى من بعده وهو على فراش الموت بقوله: (أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، وأن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم)(3) وفي الأخبار النصرانية شهادة تؤيد هذا القول، وهي شهادة (عيثويابه) الذي تولى كرسي البطريركية من سنة 647 على 657م إذ كتب يقول: (أن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون، أنهم ليسوا بأعداء للنصرانية بل يمتدحون ملّتنا ويوقرون قسيسينا وقدّيسينا، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديرتنا). والظاهر أن الاتفاق الذي تم بين (عيثويابه) وبين العرب كان من صالح النصارى، فقد نصّ على وجوب حمايتهم من أعدائهم، وألا يحملوا قسرًا على الحرب من أجل العرب، وألا يؤذوا من أجل الاحتفاظ بعاداتهم وممارسة شعائرهم، وألا تزيد الجزية المجباة من الفقير على أربعة دراهم، وأن يؤخذ من التاجر والغني اثنا عشر درهما، وإذا كانت أمة نصرانية في خدمة مسلم فإنه لا يحق لسيدها أن يجبرها على ترك دينها أو إهمال صلاتها والتخلي عن صيامها"(4).

[ 3 ]

"كان العرب في أيامهم الأولى يلتزمون جادة الصبر والأناة، إذ كثيرًا ما نقرأ عن مدن استسلمت بشروط، ثم ثارت وتمردت على العرب، ثم استسلمت مرة أخرى فأعادوا لها عهودها الأولى"(5).

[ 4 ]

"ومن الأدلة الطيبة على ما كانت تسترشد به الحكومة الإسلامية في معاملتها الذميين ما جاء في الأمر الذي وجد بين أوراق البردي اليونانية المحفوظة في (المتحف البريطاني)، وعلى الرغم من فساد قسم منه فقد جاء في الباقي "خوفًا من الله، وحفظًا للعدالة والحق في توزيع القدر المفروض عليهم.. ولكن تجب معاملة الجميع بالعدل، وأخذ الشيء من كل منهم بقدر طاقته".."(6).

________________________________

(1)  آرثر ستانلي تريتون              A. S. Tritton

ولد عام 1881 وتعلم في عدد من الكليات البريطانية وعين مساعد أستاذ للعربية في أدنبرا (1911) وكلاسكو (1919) وأستاذ في عليكرة في الهند (1921) ومدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن (1931-38-47) وقد وجه جل اهتمامه إلى الفقه وطوّف في عدد من البلدان العربية.

من آثاره: (أئمة الزيدية بصنعاء واليمن) (1925)، (الخلفاء ورعاياهم من غير المسلمين) (1930)، (علم الكلام في الإسلام) (1947)، (الإسلام إيمان وشعائر) (1950)، (مواد في التربية الإسلامية) (1957). كما نشر عددًا من الأبحاث في المجلات الاستشراقية وبخاصة (مجلة الجمعية الملكية الآسيوية).

(2)     أهل الذمة في الإسلام ، ص 43 .

(3)     يحيى بن آدم: كتاب الخراج ، ص 54 .

(4)     أهل الذمة في الإسلام ، ص 158 – 159 .

(5)     أهل الذمة في الإسلام ، ص 160 .

(6)     أهل الذمة في الإسلام ، ص 163 – 164 .

أرنولد توينبي

[ 1 ]

"في القرن السابع الميلادي حرّر العرب المسلمون سلسلة من الدول الشرقية من سطوة إغريقية – رومانية مسيحية: من سوريا شرقًا إلى إسبانيا غربًا عبر شمال أفريقيا، وكانت هذه الدول تحت حكم يوناني أو روماني مدة ألف عام تقريبًا.. بعد ذلك، وبالتحديد ما بين القرنين الحادي عشر والسادس عشر [الميلاديين] استمر الفتح الإسلامي متدرجًا فشمل تقريبًا جميع بلاد الهند وانتشر الإسلام بصورة سلمية في مناطق أبعد وأوسع، في إندونيسيا والصين شرقًا، وفي أفريقيا الإستوائية شرقًا وجنوبًا، وكذلك روسيا خضعت، وقتيًا، في أواخر القرون الوسطى، وكل ما تبقى من العالم المسيحي الأرثوذكسي الشرقي في آسيا الوسطى وجنوب شرقي أوروبا خضع في القرنين الرابع والخامس عشر [الميلاديين] لحكم المسلمين العثمانيين، وحاصر الأتراك فيينا للمرة الثانية في أواخر القرن السابع عشر (1682-1683م)، ورغمًا عن أن فشل هذا الحصار أرّخ بداية تحول في التيار لمصلحة الغرب ومواجهته للدولة العثمانية الغازية، فقد بقي علم (الهلال) يرفرف فوق السواحل الشرقية (لبحر الأدرياتيك) مقابل (كعب) إيطاليا حتى عام 1912م"(1).

[ 2 ]

".. أصبحت يثرب بعد انقضاء ثلاثين سنة على الهجرة، عاصمة إمبراطورية شملت لا مجرد الممتلكات الرومانية في سوريا ومصر، بل ضمت كذلك أملاك الإمبراطورية الساسانية بأسرها.. وتستمد يثرب حقها في بقائها مقر الحكومة إلى كونها النواة التي انبثقت منها إمبراطورية العالم العربي في اندفاع جارف يوحي حقًا بأنه من الأفعال الربانية.."(2).

[ 3 ]

"ثمة حالة.. نابهة الذكر لهذا التسامح المنشود، يفرضها نبي على أتباعه وهو في موضعه الجليل. فإن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] قد أمر أتباعه بالتسامح الديني تجاه اليهود والمسيحيين الذين خضعوا سياسيًا للحكم الإسلامي. فقدم محمد [صلى الله عليه وسلم] بذلك لقاعدة التسامح، تفسيرًا قوامه أن أفراد هاتين الجماعتين الدينيتين غير المسلمتين، هم أهل كتاب كالمسلمين أنفسهم. وليس أدل على روح التسامح التي بعثت الحياة في الإسلام منذ بدايته، من أن المسلمين قد طبقوا مبدأ التسامح الديني على أتباع زرادشت الذي خضعوا للحكم الإسلامي وإن لم يقل بذلك الرسول الكريم نفسه"(3).

[ 4 ]

".. لم يكن الاختيار بين الإسلام أو القتل، ولكن بين الإسلام أو الحرية وتلك سياسة مستنيرة، أجمعت الآراء على امتداحها.. لقد [سلك] الإسلام طريقة بين رعايا الخلافة غير العرب، مستندًا على مزاياه وفضائله الذاتية، وكان انتشارًا بطيئًا، لكنه كان مؤكدًا.. ويحتمل أن الهداية إلى الإسلام بصورة جماعية لم تبدأ قبل القرن التاسع الميلادي – أو تصل نهايتها – حتى حلول فترة اضمحلال الإمبراطورية العباسية من القرن الثالث عشر. ويمكن القول بالتأكيد، أن هذه الغلات التي حصدت من حقل التبشير الإسلامي، كانت حصيلة حركة شعبية تلقائية، ولم تنجم قط عن ضغط سياسي.."(4).

[ 5 ]

"أن المسلمين قد سبقوا بناة الإمبراطورية من الإسبانيين والبرتغاليين في إظهار إخلاصهم لمعتقداتهم الدينية. فإن المسلمين قد تزاوجوا منذ البداية مع من تولوا هدايتهم إلى دينهم، دون اعتبار لاختلاف الجنس. بل أنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك. فإن المجتمع الإسلامي قد ورث عن نص وارد في القرآن، إقرارًا بطائفة من الأديان (عدا الإسلام) هي – رغم ما بها من قصور - أديان سماوية أصيلة، نزل بها الوحي، وهذا الإقرار، أسبغ على اليهود والمسيحيين أولاً، ثم اتسع فشمل بعد ذلك الزرادشتيين والهندوس.."(5).

________________________________

(1)     الإسلام والغرب والمستقبل ، ص 16 – 17 .

(2)     مختصر دراسة التاريخ ، 3 / 73 – 74 .

(3)     مختصر دراسة التاريخ ، 3 / 42 .

(4)     مختصر دراسة التاريخ ، 2 / 355 ، 356 ، 357 .

(5)     مختصر دراسة التاريخ ، 3 / 418 .

فيليب حتي

[ 1 ]

".. من المدهش حقًا أن دولة تدعو إلى دين غريب تظهر في شبه جزيرة العرب التي كانت مغمورة في التاريخ، استطاعت أن تجرد إحدى الإمبراطوريات العالميتين من أغنى مقاطعاتها في آسيا وأفريقيا، وأن تقضي على الأخرى، قضاء مبرمًا، في مدى عشر سنين.. أما كيف اتفق هذا الحدث المذهل ولماذا اتفق، فذلك لأن وراءه قصة من أروع القصص في العصور الوسطى كلها"(1).

[ 2 ]

"[أن] أبرز ما يلفت النظر في الفتوح العربية ليس تلك السرعة وذلك النظام اللذين تمت بهما – بغير دمار لا مبرر له إلا قليلاً – ولكن تلك السهولة التي انتقلت بها البلاد المفتوحة من حال الحرب إلى حال السلم، ومن التغلّب إلى الإدارة.."(2).

________________________________

(1)     الإسلام منهج حياة ، ص 153 – 154 .

(2)     الإسلام منهج حياة ، ص 162 .

جورج حنا

[ 1 ]

".. أن المسلمين العرب لم يعرف عنهم القسوة والجور في معاملتهم للمسيحيين بل كانوا يتركون لأهل الكتاب حرية العبادة وممارسة طقوسهم الدينية، مكتفين بأخذ الجزية منهم.."(1).

[ 2 ]

".. لم يرو المؤرخون المسيحيون أنفسهم مثل هذه الوحشية [التي مارسها الصليبيون] على المسلمين. لم يكن هؤلاء وحشيين في معاملة الأسرىالأهلين المسيحيين. فإذا انتصروا كانوا يكتفون بضرب الجزية على أعدائهم ولا يفظّعون بهم. بعد معركة طبرية التي انتصر فيها صلاح الدين الأيوبي على خصمه الملك (غي ده لوسينيان).. عف صلاح الدين عن التفظيع بالأسرى الذين نجوا من الموت المريع أثناء المعركة، وجردهم من السلاح وضرب عليهم الجزية وأطلق سراحهم مع قائدهم الملك (غي). وليست هذه الحادثة وحدها هي الدليل على الفرق الكبير بين معاملة الغزاة لأعدائهم، وبين معاملة أعدائهم.. هي واحدة من المئات التي جاءت في كتب التاريخ عن الحروب الصليبية ومعظمها من تأليف المؤرخين المسيحيين من الفرنج بالذات"(2).

________________________________

(1)     قصة الإنسان ، ص 89 – 90 .

(2)     قصة الإنسان ، ص 92 – 93 .

إميل درمنغم

[ 1 ]

".. كانت الفتوح الإسلامية جزاءً مقدرًا وخزيًا كبيرًا على النصرانية الشرقية المتفرقة المنحطة.. وكان سلطان العرب غلاً أكرهت به أوروبا على الصواب، فكان ظهور العرب ووعيدهم حافزين للنصرانية إلى سلوك سبيل الإصلاح والترقي"(1).

[ 2 ]

"لم يشرع الجهاد لهداية الناس بالسيف، ففي القرآن: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة 256]، والقرآن يأمر المسلمين بالاعتدال وبأن لا يبدؤوا بالاعتداء.."(2).

[ 3 ]

"كتب الفوز للعرب لأنهم كانوا أهلاً للفوز، وتمّ النصر للإسلام لأنه عنوان رسالة كان الشرق كثير الاحتياج إليها، واحتمل المسلمون ضروب العذاب قبل الهجرة ولم يستطيعوا لها ردًا، فلما كانت الهجرة وكان ما أبدوه من المقاومة، والنصر، اتخذوا التسامح الواسع دستورًا لهم. أجل لم يبق للمشركين مقام في دار الإسلام، ولكنه أصبح لأهل الكتاب من اليهود والنصارى فيها حق الحماية وحرية العبادة وما إليهما وصاروا من المجتمع إذا ما أعطوا الجزية. قال النبي [صلى الله عليه وسلم]: (من آذى ذميًا فأنا خصمه)، وما أكثر ما في القرآن والحديث من الأمر بالتسامح، وما أكثر عمل فاتحي الإسلام بذلك ولم يرو التاريخ أن المسلمين قتلوا شعبًا، وما دخول الناس أفواجًا في الإسلام إلا عن رغبة فيه، وهنا نذكر أن عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] لما دخل القدس فاتحًا أمر بأن لا يمسّ النصارى بسوء وبأن تترك لهم كنائسهم، وشمل البطرك بكل رعاية رفض الصلاة في الكنيسة خوفًا من أن يتخذ المسلمين ذلك ذريعة لتحويلها إلى مسجد. وهنا نقول ما أعظم الفرق بين دخول المسلمين القدس فاتحين ودخول الصليبيين الذين ضربوا رقاب المسلمين فسار فرسانهم في نهر من الدماء التي كانت من الغزاة ما بلغت به ركبهم. وعقد النية على قتل المسلمين الذين تفلتوا من المذبحة الأولى"(3).

________________________________

(1)     حياة محمد ، ص 144 .

(2)     حياة محمد ، ص 196 .

(3)     نفسه ، ص 369 – 370 ، وانظر المرجع نفسه ص 370 ، هامش رقم 1 .

هنري دي كاستري

[ 1 ]

"أن [أتباع] محمد [صلى الله عليه وسلم] هم وحدهم الذين جمعوا بين المحاسنة ومحبة انتشار دينهم وهذه المحبة هي التي دفعت العرب في طريق الفتح وهو سبب لا حرج فيه، فنشر القرآن جناحيه خلف جيوشه المظفرة إذا أغاروا على الشام وساروا سير الصواعق إلى أفريقيا الشمالية من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلنطي ولم يتركوا أثرًا للتعسف في طريقهم إلا ما كان لابد منه في كل حرب وقتال، فلم يقتلوا أمة أبت الإسلام.. فكلما التقى المسلمون بأمة خيروها بين واحد من ثلاثة الإسلام أو الجزية أو تحكيم الحرب حتى تضع أوزارها. هكذا كانت الأوامر التي زود بها أبو بكر الصديق خالد بن الوليد [رضي الله عنهما] من أنفذه إلى الشام"(1).

[ 2 ]

"إذا انتقلنا من الفتح الأول للإسلام إلى استقرار حكومته استقرارًا منظمًا رأيناه أكثر محاسنة وأنعم ملمسًا بين مسيحيي الشرق على الإطلاق. فما عرض العرب أبدًا شعائر الدين المسيحي بل بقيت روما نفسها حرّة في المراسلات مع الأساقفة الذين ما زالوا يرعون الأمة الخالية.. وكان الوئام مستحكمًا بين المسلمين والمسيحيين.. ومع هذه المسالمة العظيمة من جانب المنتصر مع المغلوب، ضعفت الديانة النصرانية جدًا ثم زالت بالمرة من شمال أفريقيا.. ولم يكره أحد على الإسلام بالسيف ولا باللسان بل دخل القلوب عن شوق واختيار وكان نتيجة ما أودع في القرآن من مواهب التأثير والأخذ بالألباب. نعم قد اعتنق الإسلام قوم مشوا وراء منافعهم ولكنهم قليلون بجانب من أسلم عن اعتقاد صادق وميل صحيح.. وصار من اللازم أن يثبت الإسلام لمن أراده على يد القاضي ويحرر بذلك محضر يذكر فيه أن المسيحي اعتنق الإسلام عن اعتقاد تام غير خائف ولا مكره، إذ لا يجوز أن يكره أحد على تغيير دينه"(2).

[ 3 ]

".. قرأت التاريخ وكان رأيي بعد ذلك أن معاملة المسلمين للمسيحيين تدل على ترفع في المعاشرة عن الغلظة وعلى حسن مسايرة ولطف مجاملة وهو إحساس لم يشاهد في غير المسلمين آن ذاك.."(3).

[ 4 ]

".. أن الدين الإسلامي لم ينتشر بالعنف والقوة بل الأقرب للصواب أن يقال أن كثرة مسالمة المسلمين ولين جانبهم كانا سببًا في سقوط المملكة العربية. ومن المظنون أن المسلمين لو عاملوا الأندلسيين مثل ما فعل المسيحيون بالأمم الساكسونية، لأخلدت إلى الإسلام واستقرت عليه، لأنها مع تمتعها بحرية دينها المسيحي كانت كثيرة الانشقاق والأحزاب. وما لنا ولهذه الظنون والتخمينات وأمامنا أمر واحد ينبغي الوقوف عنده وهو أن ديانة القرآن تمكنت من قلوب جميع الأمم اليهودية والمسيحية والوثنية في أفريقيا الشمالية وفي قسم عظيم من آسيا حتى إنه وجد في بلاد الأندلس من المسيحيين المتنورين من تركوا دينهم حبًا في الإسلام كل هذا بغير إكراه، إلا ما كان من لوازم الحروب وسيادة حكومة الفاتحين ومن دون أن يكون للإسلام دعاة وقوّام مخصصون وهو ما يقنعنا بأن للإسلام جاذبية وقوة انتشار.. لأنه لا يزال ينتشر حتى الآن.."(4).

[ 5 ]

".. إننا نعتقد أن استطلاع حال هذا الدين في العصر الحاضر لا يبقي أثرًا لما زعموه من أنه إنما انتشر بحدّ الحسام. ولو كان دين محمد [صلى الله عليه وسلم] انتشر بالعنف والإجبار للزم أن يقف سيره بانقضاء فتوحات المسلمين مع أننا لا نزال نرى القرآن يبسط جناحيه في جميع أرجاء المسكونة.."(5).

_________________________________

(1)     الإسلام : خواطر وسوانح ، ص 35 – 36 .

(2)     الإسلام : خواطر وسوانح ، ص 39 – 40 .

(3)     الإسلام : خواطر وسوانح ، ص 44 .

(4)     الإسلام : خواطر وسوانح ، ص 86 .

(5)     الإسلام : خواطر وسوانح ، ص 48 – 50 .

اتيين دينيه

[ 1 ]

".. من الحقائق التاريخية أن النبي [صلى الله عليه وسلم] أعطى أهل (نجران) المسيحيين نصف مسجده ليقيموا فيه شعائرهم الدينية. وها نحن أولاً نرى المسلمين إذا بشروا بدينهم فإنهم لا يفعلون مثل ما يفعل المسيحيين في الدعوى إلى دينهم، ولا يتبعون تلك الطرق المستغربة التي لا تتحملها النفس والتي يحبها الذوق السليم. وقد أنصف القس ميثون الحقيقة في كتابه (سياحة دينية في الشرق) حيث يقول: إنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التسامح وفضائل حسن المعاملة وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب والأمم"(1).

[ 2 ]

"ليس من فخار المسيحية أن تضم في تعدادها أولئك الذين يباعون لها من ولدان العبيد ولا أولئك اليتامى الذين ينشأون في مهادها نشأة دينية مسيحية. أما الذين يعتنقون الإسلام في وقتنا هذا من المسيحيين وغيرهم فإنما هم الخاصة سواء كانوا من الهيئات الاجتماعية الأوروبية أو الأمريكية، كما أن إخلاصهم في ذلك لا شك فيه لأنهم أبعد ما يكونون عن الأغراض المادية"(2).

[ 3 ]

".. أن الإسلام بلغ من تماسك بنائه، ومن حرارة إيمان أهله، ما جعله يبهر العالم بوثبته الهائلة التي لا نظن أن لها في سجلات التاريخ مثيلاً، ففي أقل من مائة عام، ورغم قلة عددهم، استطاع العرب الأمجاد وقد اندفعوا لأول مرة في تاريخهم، خارج حدود جزيرتهم.. أن يستولوا على أغلب بقاع العالم المتحضر القديم: من الهند إلى الأندلس"(3).

[ 4 ]

"المسلمون، على عكس ما يعتقده الكثيرون، لم يستخدموا القوة أبدًا خارج حدود الحجاز.. لإكراه غيرهم على الإسلام. وإن وجود المسيحيين في أسبانيا لدليل واضح على ذلك، فقد ظلوا آمنين على دينهم طوال القرون الثمانية التي ملك فيها المسلمون بلادهم وكان لبعضهم مناصب رفيعة في بلاط قرطبة. ثم إذا بهؤلاء المسيحيين أنفسهم يصبحون أصحاب السلطان في هذه البلاد فكان أول هم لهم أن يقضوا قضاء تامًا على المسلمين"(4).

[ 5 ]

"إن القدوة الحسنة التي لا تقترن بمحاولة التبشير المتعصبة، لهي أقوى أثرًا في النفوس التقية من مضايقات القسس المبشرين. ولقد اضطر العالم (دوزي) – رغم تعصبه ضد الإسلام – إلى الاعتراف بأن الكثير من المسيحيين الذين كانوا في إسبانيا (اعتنقوا الإسلام عن عقيدة).."(5).

"... وكيف لا يكون المسلم متسامحًا وهو يجل الأنبياء الذين يجلّهم اليهود والنصارى فموسى بالنسبة إليه (كليم الله) وعيسى (روح الله) يجب تبجيله كما يبجل محمد (حبيب الله): {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة 285].."(6).

___________________________________

(1)     أشعة خاصة بنور الإسلام ، ص 18 – 19 .

(2)     أشعة خاصة بنور الإسلام ، ص 39 .

(3)     محمد رسول الله ، ص 315 .

(4)     محمد رسول الله ، ص 332 .

(5)     محمد رسول الله ، ص 333 .

(6)     محمد رسول الله ، ص 333 .

ول ديورانت

[ 1 ]

".. الحق أن حادث [الفتوحات] الجلل الذي تمخضت عنه جزيرة العرب، والذي أعقبه استيلاؤها على نصف عالم البحر المتوسط ونشر دينها الجديد في ربوعه، لهو أعجب الظواهر الاجتماعية في العصور الوسطى"(1).

[ 2 ]

".. كان أهل الذمة المسيحيون، والزردشتيون، واليهود، والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد نظيرًا لها في المسيحية في هذه الأيام. فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم.. وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم.."(2).

[ 3 ]

"على الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون أو بسبب هذه الخطة، اعتنق الدين الجديد معظم المسيحيين، وجميع الزردشتيون والوثنيين إلا عددًا قليلاً جدًا منهم، وكثيرون من اليهود.. وحيث عجزت الهلينية عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام، وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها، وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي، فإن هذه الأقاليم كلها انتشرت فيها العقائد والعبادات الإسلامية، وآمن السكان بالدين الجديد وأخلصوا له، واستمسكوا بأصوله إخلاصًا واستمساكًا أنسياهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى، واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدة من الصين وحتى الأندلس، وتملك خيالهم وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث فيهم آمالاً تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها، وأوحى إليهم العزة والأنفة، حتى بلغ عدد من يعتنقونه ويعتزون به في هذه الأيام [مئات الملايين] من الأنفس، يوحد هذا الدين بينهم، ويؤلف قلوبهم مهما يكن بينهم من الاختلافات والفروق السياسية"(3).

[ 4 ]

".. في وسعنا أن نحكم على ما كان للدين الإسلامي من جاذبية للمسيحيين من رسالة كتبت في عام 1311م تقدر عدد سكان غرناطة المسلمين في ذلك الوقت بمائتي ألف، كلهم ما عدا 500 منهم من أبناء المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام. وكثيرًا ما كان المسيحيون يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين"(4).

[ 5 ]

".. إن المسلمين – كما يلوح – كانوا رجالاً أكمل من المسيحيين، فقد كانوا أحفظ منهم للعهد، وأكثر منهم رحمة بالمغلوبين، وقلما ارتكبوا في تاريخهم من الوحشية ما ارتكبه المسيحيون عندما استولوا على بيت المقدس في عام 1099م.."(5).

________________________________

(1)     قصة الحضارة ، 13 / 7 .

(2)     قصة الحضارة ، 3 / 130 – 131 .

(3)     قصة الحضارة ، 13 / 133 .

(4)     قصة الحضارة ، 13 / 297 .

(5)     قصة الحضارة ، 13 / 383 .

بيجي رودريك

[ 1 ]

".. انظر إلى أي مدى يحترم الإسلام والأديان الأخرى ويوقّرها ويسمح في ظل الدولة المسلمة بممارسة كافة الشعائر الدينية.. فالنصارى واليهود هم أهل ذمة عند المسلمين ما لم يحاربوهم، وقد تمتعوا عبر التاريخ الإسلامي الطويل بكافة امتيازات المواطنين ولم يحدث أن سمعوا كلمة يسيء إليهم"(1).

[ 2 ]

".. ما إن كان الإسلام يدخل بلدًا من البلدان المفتوحة حتى يقبل أهلها جميعًا على اعتناقه ويعاملون معاملة الفاتحين سواء بسواء، ومن احتفظ منهم بدينه لقي أكرم معاملة. فمصر وشمال أفريقيا والصومال وبلاد أخرى كثيرة هي أمثلة على البلاد التي فتحها المسلمون العرب فأسلم أهلها وحملوا الإسلام إلى غيرهم وعاشوا أعزة مكرمين في ظل دولة إسلامية مئات من السنين. فلا مجال إذن للمقارنة بين الفتوحات الإسلامية وبين الاستعمار البغيض الذي يسلب الشعوب كل شيء.."(2).

[ 3 ]

".. قوانين الجهاد في الإسلام تعتبر أكثر القوانين إنسانية ورأفة، فهي تضمن السلامة التامة للنساء والولدان والشيوخ وجميع غير المحاربين فليس هناك في نظر الإسلام أبشع من جريمة قصف المستشفيات والمدارس وأماكن العبادة ومساكن المدنيين في المنطقة المعادية. وإنما يجعل الإسلام لهذه المرافق الإنسانية قدسيتها ويحذر من المساس بها فهذه هي الوصية التي كان يوصي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قادة المسلمين، وكذلك كان موقف الخلفاء الراشدين من بعده [رضي الله عنهم] بل لقد ظلت هذه سمة بارزة في جميع الحروب الإسلامية على مر العصور.."(3).

[ 4 ]

"الإسلام أذن لرسوله بالجهاد لرفع الظلم والاضطهاد.. ولإزالة العقبات التي تقف في وجه الدعوة للإسلام، تلك الدعوة التي لا تكره أحدًا على الدخول في هذا الدين وإنما تدعو الناس إليه وتترك لهم الحرية الكاملة للاختيار. ولذلك ما إن يدخل الناس في الإسلام حتى يتمسكوا به، ويستميتوا في الدفاع عنه.. إن الإسلام هو دين السلام، السلام مع الله والسلام مع الناس جميعًا"(4).

_______________________________

(1)     رجال ونساء أسلموا ، 6 / 113 – 114 .

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 6 / 114 –  115 .

(3)     رجال ونساء أسلموا ، 6 / 115 .

(4)     رجال ونساء أسلموا ، 6 / 116 .

جاك ريسلر

[ 1 ]

"قامت الانتصارات المدوية للعرب على أسباب متنوعة يتجلى أهمها في الخلق السامي الذي كان قد تشرّبه العرب عن الدين الجديد، فقد طبعهم هذا الخلق على جرأة واحتقار للموت، جعلهم لا يغلبون.."(1).

[ 2 ]

".. كان الفتح العربي يملك الرضا الضمني من السكان الذين كانوا يكرهون الإغريق والفرس ويكرهون استبدادهم الديني والسياسي، ونظام ضرائبهم الفادحة ولم يعد الوطنيون قادرين على أن يتحملوا أخيرًا هذا الاستبداد المتغطرس من حكام أصبح تفوقهم ضربًا من الذكريات. تلك هي الأسباب التي من أجلها استقبلت هذه الشعوب المتاخمة جيرانها ذوي التاريخ الطويل كأنهم ذوو قربى قد أقبلوا لتحريرهم من ظلم الغاصبين الأجانب الممقوت.."(2).

[ 3 ]

"لا نزاع في أن اللغة والدين اللذين انتشرا معًا قاما بدور خطير في هذا العمر الضخم لتقريب هذه الإمبراطورية الشاسعة وتحويل أبنائها إلى الإسلام. وحطمت هاتان القوتان الحواجز التي كانت تفرق بين الفاتحين وأهل البلاد وحولوا بعض الأجانب إلى عقيدتهم أكثر مما كان لروما في العصر القديم في هذا الميدان والأنجلوساكسون في الفترة المعاصرة. فالذي كان يدين بالإسلام وكان يتحدث ويكتب اللغة، يسمح له أن يعد عربيًا، وهذا حدث خطير في تاريخ الحضارة الإسلامية. ولقد ألغت تلك القوة الموحدة بهذا الأسلوب الحدود السياسية، ومنحت بنحو ما شكلاً موحدًا لبلاد مترامية الأطراف في ثلاث قارات وأصبحت فيما بعد خالية من القيود. وكان المسلم يجد في كل مكان نفس الدين ونفس الصلوات، ونفس الشرائع".

[ 4 ]

".. أن المنتصرين سيعتنقون دين المغلوبين الذين نهكوهم، وسوف يجعل من أنفسهم مدافعين بحماسة عن هذا الدين. وتثير هذه الظاهرة العجب، لكنها ليست من الندرة في تاريخ العالم الإسلامي. لقد كان هذا بالنسبة للأتراك السلجوقيين ثم بالنسبة لأبناء عمومتهم المغول بعد ذلك في القرن الثالث عشر [الميلادي] وأخيرًا بالنسبة للأتراك العثمانيين في القرن الرابع عشر، وسيظفر الدين الإسلامي بألمع انتصار طيلة الأزمنة الممعنة في ظلال الفشل والغزو.."(3).

[ 5 ]

"كانت جميع الأديان لها حق الممارسة المطلقة في عبادتها، وكان اليهود المطارد لديهم مطلق الحرية في اقتناء الثروات ووصلوا أحيانًا إلى مراكز سامية، واختلط المسيحيون مع المسلمين.. ونحدث أنهم احتفلوا بأعيادهم معًا في المسجد وفي الكنيسة، ونتيجة لهذه الحرية البالغة أقصى حد شوهد بعض المسيحيين يتخذون لأنفسهم أكثر من زوج على الرغم من تحريم الكنيسة.."(4).

_________________________________

(1)     الحضارة العربية ، ص 39 .

(2)     الحضارة العربية ، ص 39 – 40 .

(3)     الحضارة العربية ، ص 241 .

(4)     الحضارة العربية ، ص 154 .

جورج سارتون

[ 1 ]

".. أن الفاتحين العرب كانوا بلا ريب أميين، ولكنهم كانوا موحدين تمامًا، وكان يعمر قلوبهم إيمان وطيد. وفي هذه أيضًا انتصر النبي [صلى الله عليه وسلم] انتصارًا بيّنًا. أن الفتوح العربية لم تكن نتيجة صراع بين برابرة جياع وبين سكان مدن أخذوا يتقهقرون في سلّم المدنية، بل كان في الأكثر صراعًا بين دين جديد وثقافة جديدة ناشئة في المحل الأول، ثم بين ثقافات منحلة متعادية قلقة في المحل الثاني.."(1).

[ 2 ]

"أن تفاصيل تلك الجهود المدهشة في الفتح الإسلامي تهم المؤرخين السياسيين ولكن الحالة النفسية للأسس التي تقوم عليها تلك الفتوح فيما يتعلق بالجانبين (بالعرب ثم بالروم والفرس) هي ذات أهمية كبرى لمؤرخي العلم. لقد سبق للإيمان المسيحي أن تزلزل بالمنازعات اللاهوتية التي امتدت قرونًا عديدة، والحرمانات المتبادلة، فقاد ذلك إلى أن استقبل النصارى في الشرق الأوسط جيوش الفاتحين المسلمين على أنها منقذة لهم من استبداد الكنيسة الأرثوذكسية ثم أن الإسلام.. كان لا يزال غضًا موحدًا، كما أن المجاهدين المسلمين كانت تملك عليهم لبّهم آمال عظام.. وكان الإيمان في الإسلام بسيطًا، كريمًا ومعتدلاً، ومن ذلك فقد كان بالإمكان أن تشيع فيه الحماسة حين البأس على حد بعيد فينقلب المجاهدون حينئذ ذوي حمية إما أن يبلغوا بها الظفر أو أن يسقطوا دونه شهداء. لقد كان الظفر والاستشهاد عندهم سِيَّين.."(2).

وبمساعدة هذه المؤثرات العجيبة، كان يشعر المسلم في كل مكان بأنه في بلده، سواء أكان في رحلاته خارج الحدود أم في معاملاته مع تجار البلاد الأجنبية"(3).

________________________________

(1)     الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط ، ص 46 .

(2)     الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط ، ص 47 .

(3)     الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط ، ص 47 .

لوثروب ستودارد

[ 1 ]

"كان لنصر الإسلام هذا النصر الخارق عوامل ساعدت عليه، أكبرها أخلاق العرب، وماهية تعاليم صاحب الرسالة [صلى الله عليه وسلم] وشريعته والحالة العامة التي كان عليها الشرق المعاصر في ذلك العهد.. لقد استطاع محمد، وهو يبشر بالوحدانية تبشيرًا عاريًا عن زخارف الطقوس والأباطيل أن يستثير حق الاستثارة من نفوس العرب الغيرة الدينية الكامنة.. وإذ هبوا لنصرة دعوة ابن عبد الله - من بعد ما ذهبت من صدورهم الأحقاد المزمنة والعداوات الشديدة التي كان من شأنها من قبل الذهاب بحولهم وقوتهم - وانضم بعضهم على بعض كالبنيان المرصوص تحت لواء الرسالة في رأسها نور للناس وهدى للعالمين، أخذوا يتدفقون تدفق السيل من صحاريهم في شبه الجزيرة ليفتحوا بلاد الإله الواحد.."(1).

[ 2 ]

".. لم يمض سوى اليسير من الزمن حتى كان السواد الأعظم من الأمم المغلوبة قد دخل في دين النبي العربي أفواجًا، إيثارًا له.. على ذينك الدينيين الذين صارا غاية في الانحطاط والتدنّي.. ولم يكن العرب قط أمة تحب إراقة الدماء وترغب في الاستلاب والتدمير، بل كانوا، على الضدّ من ذلك، أمة موهوبة جليلة الأخلاق والسجايا.."(2).

[ 3 ]

".. كان الخليفة عمر [رضي الله عنه] يرعى حرمة الأماكن المقدسة النصرانية أيما رعاية، وقد سار خلفاؤه من بعده على آثاره، فلا ضيّقوا على النصارى ولا نالوا بمساءة طوائف الحجاج الوافدين كل عام إلى بيت المقدس من كل فج من فجاج العالم النصراني.."(3).

[ 4 ]

"لا شيء أدل على هذه النهضة الإسلامية الحديثة الكبرى من هذه اليقظة الروحانية الدينية التبشيرية، الناشئة والمنتشرة خلال مئة السنة الأخيرة ولا غرابة في ذلك فقد كان الإسلام على الدوام دين هداية للناس وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، هذا التاريخ شاهد حق على ما قام به المبشرون المسلمون في أول عهد الإسلام من الأعمال الجليلة التي لم يقم بمثلها غيرهم من المبشرين. ولا ننسى أن روح التبشير ونشر الدعوة في سبيل الرسالة لم تبرح حية على الدوام، على انحطاط الممالك الإسلامية وتدنيها. فلذلك ما انفك الإسلام طيلة القرون الوسطى ينتشر في الهند والصين، وبينما كانت الرسالة المحمدية تنتشر في نائي تلك الأصقاع، كان الترك ينشرونها ويرفعون أعلامها في شبه جزيرة البلقان، وبين القرنين الرابع عشر والسادس عشر كان المبشرون المسلمون يفتحون بلاد غربي أفريقيا، وجزائر الهند الهولندية، وجزائر الفيلبين فتحًا دينيًا مبينًا"(4).

[ 5 ]

".. عند اعتبار شأن انتشار الإسلام هذا الانتشار يجب أن تعلم العلم اليقين أن كل مسلم هو بغريزته وفطرته مبشر بدينه، ناشر له بين الشعوب غير المسلمة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وعلى ذلك أن نشر الرسالة المحمدية لم يقم به رجال التبشير وحدهم.. بل شاركهم فيه جماعات عديدة من السياح والتجار والحجاج على اختلاف الأجناس. ولا يؤخذن من هذا أن لم يقم في المسلمين مبشرون ارتشفوا كؤوس الحمام في سبيل الدعوة الإسلامية فعدد المبشرين الذين هم على هذا الطراز كثير، وذلك ظاهر بين في أمر الطرق الدينية مما لا يحتاج إلى برهان.. وهذه الأعمال التي قام بها المبشرون المسلمون في غربي أفريقية وأوسطها خلال القرن التاسع عشر إلى اليوم لعجيب من العجائب الكبرى، وقد اعترف عدد كبير من الغربيين بهذا الأمر. فقد قال أحد الإنكليز في هذه الصدد منذ عشرين سنة (إن الإسلام ليفوز في أواسط أفريقية فوزًا عظيمًا حيث الوثنية تختفي من أمامه اختفاء الظلام من حلول الصباح، وحيث الدعوة النصرانية باتت كأنها خرافة من الخرافات). وقال مبشر بروتستنتي فرنسي (ما برح الإسلام [يتقدم] منذ نشوئه حتى اليوم فلم يعثر في سبيله إلا القليل، وما زال يسير في جهات الأرض حتى بلغ قلب أفريقية مذللاً أشق المصاعب ومجتازًا أشد الصعاب، غير واهن العزم فالإسلام حقًا لا يرهب في سبيله شيئًا، وهو لا ينظر إلى النصرانية، منازعته الشديدة، نظرة المقت والازدراء، فلهذا هو حقيق بالظفر والنصر، إذ بينما كان النصارى يحلمون بفتح أفريقية في نومهم، فتح المسلمون جميع بقاع القارة في يقظتهم).."(5).

________________________________

(1)     حاضر العالم الإسلامي ، 1 / 2 .

(2)     حاضر العالم الإسلامي ، 1 / 3 – 4 .

(3)     حاضر العالم الإسلامي ، 1 / 13 -  14 .

(4)     حاضر العالم الإسلامي ، 1 / 300 – 301 .

(5)     حاضر العالم الإسلامي ، 1 / 301 – 302 .

نصري سلهب

[ 1 ]

".. أن المسيح [عليه السلام] وأمه والمسيحيين يحتلون في آيات القرآن الكريم منزلة فريدة [وبالتالي] في نفوس المسلمين وقلوبهم. ذلك أن المسلمين يحفظون كلام الله في كتابه ويؤمنون به كل الإيمان، وربما كانوا في إيمانهم العميق هذا أكثر تكريمًا للمسيح ولأمه من بعض المسيحيين أنفسهم، وإذا كان التاريخ قد سجل في صفحاته نزاعات وحروبًا مؤسفة وقعت بين مسيحيين ومسلمين، فليس من المحتوم أن تكون الأسباب العميقة والخفية لتلك الحروب ذوات طابع ديني.. ومهما يكن من أمر فإن حروبًا أخرى أوسع نطاقًا وأعمق أثرًا وأكثر عددًا وأبلغ ضرراً قد وقعت مسيحيين ومسيحيين، وهي - كما لا نجهل - أفظع الحروب على إطلاقها وأكثرها هولاً.."(1).

[ 2 ]

".. خاضت المسيحية الحروب الصليبية ضد الإسلام لإنقاذ الأماكن المقدسة كما يحلو للمؤرخين أن يرددوا، والحروب الصليبية هذه كانت إحدى الأخطاء التاريخية العظمى.. فالأماكن المقدسة لم تكن في خطر ولم يحاول واحد من الحكام المسلمين أن يمحوها أو أن يزيلها من الوجود. بل على العكس من ذلك فقد تجنب الخليفة عمر [رضي الله عنه]، في فجر الإسلام، الصلاة في كنيسة القيامة بغية الحفاظ على طابعها المسيحي. وكذلك فعل الآخرون، على مرّ الزمن"(2).

[ 3 ]

"العهدة العمرية [التي منحها ابن الخطاب رضي الله عنه لأهل بيت المقدس] هل تعدلها عهدة في التاريخ نبلاً وعدلاً وتسامحًا: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل القدس من أمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم.. لا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم..). أي خاسر حربًا من حروب التاريخ حظي بمثل هذه العهدة من غالب منتصر؟.. ويبقى المسلمون في الشرق، وفي فلسطين بالذات، ثلاثمائة سنة وألفًا، فلا يمس فيها للمسيحي أثر، بل تستمر الكنائس والأماكن المقدسة في حرمة ومنعة.."(3).

________________________________

(1)     لقاء المسيحية والإسلام ، ص 41 .

(2)     لقاء المسيحية والإسلام ، ص 54 .

(3)     لقاء المسيحية والإسلام ، ص 331 .

أحمد سوسه

[ 1 ]

".. يستحسن بأتباع موسى وعيسى [عليهما السلام] أن يراجعوا التاريخ الإسلامي ليقفوا على ما يأمر به الإسلام بشأن الرفق بالأطفال والنساء والشيوخ وغير المقاتلين بصورة عامة. ويثبت لنا التاريخ عدا ذلك أن المسلمين ساروا وفق شريعتهم القاضية بوجوب عدم مس الأطفال والنساء والشيوخ بكل أمانة وحرص حتى في الظروف التي كان فيها العدو المقابل يقتل الأطفال والنساء وغير المحاربين من المسلمين.."(1).

[ 2 ]

".. وجد اليهود تحت راية الإسلام أمنًا وعدلاً اتقوا به شر الاضطهاد والاعتداء، وقد مضت عليهم قرون عديدة وهم في خير وثراء.."(2).

[ 3 ]

".. من جملة ما حمله [الصليبيون إلى بلادهم] تلك الخلة [الإسلامية] الشريفة، خلة احترام الأديان وإطلاق الحرية لأهل الدين في تأدية فرائضهم مع احترام ما يجلّونه من العادات والتعاليم الروحية.."(3).

[ 4 ]

".. أن الإسلام شريعة العدل والإنسانية وأنه ينطوي على مبادئ تفوق السيف في قوتها واستقامتها، وأن منهج اللطف في دعوته إلى حقيقة التوحيد يجتذب القلوب ويسحر العقول ويأسر الناس بلا سيف ولا قتال"(4).

________________________________

(1)     في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 94 .

(2)     في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 130 .

(3)     في طريقي إلى الإسلام ، 1 / 133 .

(4)     في طريقي إلى الإسلام ، 2 / 38 .

بشير أحمد شاد

[ 1 ]

".. السؤال الذي كان يقلقني هو أننا نحن النصارى نزعم أن الإسلام.. انتشر بحدّ السيف. فقلت لنفسي: فلماذا تقبل الناس الإسلام ولا يزالون يعتنقونه في كل ركن من العالم؟ لماذا يهتدي الناس في كل بلد إلى هذا الدين كل يوم دون إكراه أو جبر من أي نوع؟"(1).

[ 2 ]

"لم يحدث قط في حياتي أن لقيت أو سمعت عن رجل واحد من غير المسلمين أكره على الدخول في الإسلام قسرًا. وهذا ينطبق على الناس في الهند وباكستان وفي بقية أجزاء العالم. ففي الهند مثلاً ظل الحكام المسلمون سادة القارة وحكامها لعدة قرون ورغم ذلك بقي الهندوس يشكلون دائمًا أغلبية السكان. فقد سمح لهم، كما سمح لكافة الطوائف الأخرى بممارسة شعائرها الدينية بكل حرية في ظل الحكم الإسلامي. كما لم يحدث قط أن نزل جندي مسلم واحد على أرض إندونيسيا أو ماليزيا.. ومع ذلك فالغالبية العظمى من الشعب الإندونيسي هم من المسلمين. وأكثر من نصف سكان [ماليزيا] مسلمون. فكيف يزعمون أن الإسلام قد انتشر بالسيف؟ لقد وجدت، على العكس من ذلك، أن الإسلام هو دين الرحمة والحب والتعاطف الإنساني. وهذه كلها اتهامات جائرة ومفتريات لا أساس لها من الصحة. وهذه نقطة أخرى من أجلها اعتنقت الإسلام"(2).

________________________________

(1)     رجال ونساء أسلموا ، 7 / 17 – 18 .

(2)     رجال ونساء أسلموا ، 7 / 21 – 22 .

شبولر(1)

[ 1 ]

"أن المسيحية والإسلام يقفان موقفين مختلفين في موضوع الأقليات الدينية. أن المسيحية لم تسمح بوجود الأديان الغريبة في أراضيها (باستثناء الدين اليهودي) أما في الإسلام فكان يوجد تبادل ثقافي بين المسلمين وغير المسلمين.. وهذا الفرق الملحوظ يمكن تفسيره بأن المسيحية شهدت قيام دين منافس لها (وهو الإسلام الذي كان ظهوره، إذا تكلمنا من الناحية الواقعية مناقضًا لادعاء المسيحية بأنها آخر وحي منزل). أما الإسلام فقد اعترف نظامه الديني منذ البداية بالعقائد الأخرى التي كانت تعيش معه جنبًا إلى جنب.. وبهذه الطريقة أصبح من الممكن أن ينقل النساطرة الثقافة الكلاسسيكية وأن يقوم اليهود بدورهم في بلاد الأندلس الإسلامية"(2).

_________________________________

(1)  بارتولد شبولر                               b. Spuler

تخرج من الجامعات الألمانية، وعين معيدًا للدراسات الإسلامية دفعة لغات الشرق الأدنى (1939) في جامعة جوتنجن، وأستاذ كرسي في جامعة ميونخ (1942) وعدد من الجامعات الأخرى كما عمل أستاذًا زائرًا في جامعتي أنقرة واستنبول (1955-19569 يجيد العديد من اللغات، وتخرج عليه عدد من المتخصصين من البلدان الإسلامية.

من آثاره: (مغول إيران) (1939) و(المغول في روسيا) (1943) و(تاريخ البلدان الإسلامية) (1952-1953).

(2)  الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية (تحرير كرونباوم)، ص 239 .

لورافيشيا فاغليري

[ 1 ]

"أن التاريخ لم يشهد، قط، ظاهرة مثل [ظاهرة الفتوحات] هذه من قبل ومن العسير على المرء أن يقدر السرعة التي حقق بها الإسلام فتوحه، والتي تحوّل بها من دين يعتنقه بضعة نفر من المتحمسين إلى دين يؤمن به ملايين الناس. ولا يزال العقل البشري يقف ذاهلاً دون اكتشاف القوى السّرّيّة التي مكنت جماعة من المحاربين.. من الانتصار على شعوب متفوقة عليه تفوقًا كبيرًا في الحضارة، والثروة، والخبرة، والقدرة على شن الحرب. ومن أدعى الأمور إلى الدهشة أن نلاحظ كيف استطاع أولئك الناس أن يحتلوا تلك المناطق كلها، وأن يثبتوا بعد ذلك فتوحهم على نحو جعل حتى الحروب المتعاقبة قرنًا بعد قرن عاجزة عن إخراجهم منها، وكيف استطاعوا أن يلهبوا نفوس أتباعهم بتلك الحماسة الفائقة لمثلهم العليا، وأن يحتفظوا بحيوية نابضة لم تعرفها الأديان الأخرى حتى بعد انقضاء عشرة قرون على وفاة محمد [صلى الله عليه وسلم]، وأن يفرغوا في عقول أتباعهم، على الرغم من انتسابهم إلى عصر وثقافة مختلفين كل الاختلاف عن عصر المسلمين الأولين وثقافتهم إيمانًا متقدًا لا يحجم عن القيام بأيما تضحية مهما غلت"(1).

[ 2 ]

".. لقد تحرك الجيش [الإسلامي] في سرعة، وتتابعت المعارك، وبدا النجاح وكأنه قد جعل لأقدام الفاتحين أجنحة: فقد ترددت في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان [رضي الله عنهم] أصداء الأنباء البهيجة الحاملة بشائر الانتصارات الرائعة. وقد اتبعت هذه الانتصارات بتنظيم البلدان المفتوحة وتوطيد أقدام العرب فيها. ولم يكن هذا الصنيع أقل إعجازًا من الفتوح نفسها. لقد قوضت حضارتان وزعزع دينان، وإذا بفيض جديد من حياة عارمة يتدفق في عروق تلك الشعوب الخائرة القوى. لقد تجلى أمام عيون العالم المندهش دين جديد، بسيط، سهل، يخاطب القلب والعقل جميعًا، وأقيم شكل جديد من أشكال الحكومة كان أسمى إلى حد بعيد – في خصائصه ومبادئه الأخلاقية – من تلك المعروفة في ذلك العصر. وبدأ الذهب الذي كان مخبوءًا في صناديق السراة ينتقل إلى أيدي الفقراء، مستهلاً نظامًا في التداول السليم كرة أخرى وفي ظل من حكومة تسيّرها مثل عليا ديمقراطية أمينة، وجد الرجال المثقفون البارعون الأذكياء تشجيعًا من النظام الجديد، فاستطاعوا أن يبلغوا أسمى المناصب العامة. ومن الممكن القول، في اطمئنان، أن البلاد المفتوحة عرفت – على الرغم من بعض الحالات المحتومة النادرة التي تجاوز فيها الجند حدودهم أثناء الفتح – عهدًا من الرخاء والازدهار، وشهدت غنى لم تشهده آسيا منذ قرون طويلة. وإلى هذا فقد نعمت حياة الشعوب المغلوبة وحقوق المدنية وأموالها بدرجة من الحماية تقارب تلك التي نعم بها المسلمون أنفسهم"(2).

[ 3 ]

"أزعج التحول السياسي والديني العميق [الذي أحدثته الفتوحات] طائفة من الناس فراحوا يتساءلون ما الذي أدى إلى حدوثه، ولكن كثيرًا منهم كان عميًا، أو كانوا يغمضون أعينهم عمدًا هائمين طويلاً وعلى نحو يائس في متاهة التخمينات الخاطئة. إنهم لم يستطيعوا أن يدركوا أن القوة الإلهية وحدها كان في ميسورها أن تقدم الحافز الأول لمثل هذه الحركة الواسعة. إنهم لم يريدوا أن يعتقدوا أن حكمة الله وحدها كانت مسؤولة عن رسالة محمد [صلى الله عليه وسلم]، آخر الأنبياء الكبار حملة الشرائع [عليهم السلام] والنبي الذي ختم سلسلتهم إلى الأبد. أن مثل هذه الرسالة كان يتعين عليها أن تكون رسالة عالمية لجميع أفراد الجنس البشري من غير تمييز وعلى اختلاف الجنسيات والأوطان والأعراق. لقد كان أولئك إما عميًا وإما غير راغبين في أن يروا.."(3).

[ 4 ]

".. كان العرب المنتصرون مستعدين دائمًا – حتى وهم في أوج قوتهم وانتصارهم – لأن يقولوا لأعدائهم: (ألقوا السلاح وادفعوا جزية يسيرة نسبغ عليكم حماية كاملة. أو اتخذوا الإسلام دينًا وادخلوا في ملتنا تتمتعوا بالحقوق نفسها التي نتمتع بها نحن). وإذا نظرنا إلى ما أوحي إلى محمد [صلى الله عليه وسلم] أو إلى الفتوح الإسلامية الأولى سهل علينا أن نرى مدى الخطأ الذي ينطوي عليه الاتهام القائل بأن الإسلام فرض بالسيف وأن انتشاره السريع الواسع لا يمكن تفسيره إلا بهذه الوسيلة"(4).

[ 5 ]

"كان المسلمون لا يكادون يعقدون الاتفاقات مع الشعوب حتى يتركوا لها حرية المعتقد، وحتى يحجموا عن إكراه أحد من أبنائها على الدخول في الدين الجديد. والجيوش الإسلامية ما كانت تتبع بحشد من المبشرين الملحاحين غير المرغوب فيهم، وما كانت تضع المبشرين في مراكز محاطة بضروب الامتياز لكي ينشروا عقيدتهم أو يدافعوا عنها. ليس هذا فحسب. بل لقد فرض المسلمون، في فترة من الفترات، على كل راغب في الدخول في الإسلام، أن يسلك مسلكًا لا يساعد من غير ريب على تيسير انتشار الإسلام. ذلك أنهم طلبوا إلى الراغبين في اعتناق الدين الجديد أن يمثلوا أمام القاضي ويعلنوا أن إسلامهم لم يكن نتيجة لأي ضغط، وأنهم لا يهدفون من وراء ذلك إلى أي كسب دنيوي. والواقع أن اليهود والنصارى لم يمنحوا حرية المعتقد الديني فحسب، بل عهد إليهم في تولّي المناصب الحكومية حين كانت مؤهلاتهم الشخصية من القوة بحيث تلفت انتباه الحاكمين.."(5).

_________________________________

(1)     دفاع عن الإسلام ، ص 22 .

(2)     دفاع عن الإسلام ، ص 26 – 28 .

(3)     دفاع عن الإسلام ، ص 28 .

(4)     دفاع عن الإسلام ، ص 32 .

(5)     دفاع عن الإسلام ، ص 35 – 36 .

روجيه جارودي

[ 1 ]

"أسطورة أخرى ينبغي القضاء عليها: تلك التي أراد الاستعمار الفرنسي فرضها حين صوّر التوسع العربي بدءًا من القرن الميلادي الثامن على أنه تدفق (الهمجية الآسيوية) على الغرب"(1).

[ 2 ]

"أن ما يطلقون عليه اسم (غزو إسبانية) لم يكن غزوًا عسكريًا. لقد كان عدد سكان إسبانية في ذلك الحين زهاء عشرة ملايين نسمة ولم يزد عدد الفرسان العرب في الأراضي الإسبانية البتة على سبعين ألفًا وإنما لعب التفوق الحضاري دورًا حاسمًا"(2).

[ 3 ]

"أن ما حققه العرب في إسبانيا يجعلنا نفكر في الحرب الثورية التي نهض بها ماو [في الصين] فقد جلبوا معهم نظامًا اجتماعيًا أعلى جدًا من النظام الراهن، وسرعان ما ظهروا بمظهر محررين. أولاً بإنقاذ الأقنان من وصاية ملوك [القوط] في عصر انحطاطهم. ثم بعدم امتلاكهم الأراضي – والقرآن يمنع ذلك – ولكن بالاكتفاء بالخراج"(3).

[ 4 ]

".. لماذا هبّ هذا "الإعصار" القادم من الشرق وانتشر بمثل هذه السرعة العظمى من بحر الصين إلى المحيط الأطلسي؟ إن العامل الحاسم هو أن (العربي) قد جلب معه أشكالاً أعلى في مجالات التنظيم الاجتماعية وحتى الاقتصادية، ولذا نجده يحظى بقبول الجماهير في عالم يقر نظام الرق وهو في حالة تفسّخ تام"(4).

[ 5 ]

".. حدثني مبشر في [كميرون] وهو يائس فقال: (إن بعثاتنا تقدم المسيحية على نحو كما لو أن الله لم يظهر في صورة إنسان وإنما ظهر في صورة غربي). فكيف ندهش أمام تقدم الإسلام المذهل في أفريقية السوداء في عصر الاستقلال إعرابًا عن رفض المستعمر؟"(5).

__________________________________

(1)     حوار الحضارات ، ص 96 .

(2)     حوار الحضارات ، ص 97 .

(3)     حوار الحضارات ، ص 97 .

(4)     حوار الحضارات ، ص 101 .

(5)     حوار الحضارات ، ص 267 .

ادوين كالغرلي

[ 1 ]

".. لم يحمل المسلمون أثناء غزواتهم المنتصرة أحدًا يجبر المسيحيين أو اليهود على اعتناق الإسلام. فقد أقر الإسلام لأهل الكتاب بحرية ممارسة شعائر دينهم بشرط دفع الجزية. وكل ما طالبهم به هو أن يسلموا للدين الجديد بالسيادة المدنية والسياسية التي تمثلت في الدولة الإسلامية.."(1).

[ 2 ]

".. احتفظ المسلمون للأقليات غير المسلمة في البلاد [التي فتحوها] بحقوقهم وامتيازاتهم الدينية.."(2).

[ 3 ]

".. في القرآن آية كريمة تفيض بالصدق والحكمة يعرفها المسلمون جميعًا ويجب أن يعرفها غيرهم، وهي تقول بأن: {لا إكراه في الدين} [البقرة 256].."(3).

_____________________________________

(1)     الشرق الأدنى: مجتمعه وثقافته (بإشراف كويلر يونغ)، ص 163 – 164 .

(2)     نفسه ، ص 164 .

(3)     الشرق الأدنى ، ص 182 .

كلود كاهن

[ 1 ]

"يبدو لنا نشوء الإسلام مع فتوحاته الخاطفة وكأنها من الأمور الخارقة. ثمة شعب خامل الذكر – حتى تلك الفترة من الزمن – استطاع أن يجمع كلمته بدافع عقيدة جديدة. وما هي إلا سنوات حتى بسط سلطانه على الإمبراطورية الساسانية قاطبة وكذلك على جميع الأقاليم الآسيوية والأفريقية التابعة للدولة البيزنطية باستثناء غربي آسيا الصغرى، ثم لم يلبث أن ضمّ إليه الجزء الأكبر من إسبانيا بالإضافة إلى جزيرة صقلية، واستولى مؤقتًا على مواقع أخرى في قارة أوروبا. وهو في الوقت نفسه قد طرق أبواب الهند والصين والحبشة والسودان الغربي وبلاد غالية ومدينة القسطنطينية. فتداعت أمامه أعرق الدول، وخضعت لهذا الدين الجديد جميع الديانات التي استقرت في البلاد المترامية الأطراف من نهر سيحون حتى السنغال"(1).

[ 2 ]

".. حافظت الأقوام المغلوبة على حرية إقامة شعائرها لا يحدّها في ذلك سوى الامتناع عن تلك التظاهرات العامة التي تؤذي المسلمين في المناطق الآهلة بهم. كما حافظت تلك الأقوام على شرائعها الخاصة.. ورأى المسلمون في أداء الضريبة لهم اعترافًا بالسيادة العليا للأمة الإسلامية ولقاء ذلك استبقى الأهالي ما يملكون من عقارات ونزل العرب خارج ممتلكاتهم.. وكان على المغلوبين أيضًا واجب الوفاء والإخلاص للفاتحين، وبخاصة في فترات الحروب كإيواء المسلمين وتزويدهم بالأخبار والامتناع عن إفشاء المعلومات للعدو.."(2).

[ 3 ]

"حقيق بنا أن نبدد بعض الأخطاء التي دامت قرونًا عديدة. فقد قاتل الصليبيون الأتراك في العهود اللاحقة ونظمت في الغرب الدعوة لمكافحتها فاستنتجوا من ذلك أن النظام السياسي [السلجوقي] الجديد قد وصم بتعصب من نوع خاص، وهذا أمر باطل.. [لأن] الاضطهاد الوحيد الذي سجله التاريخ وقتئذ هو ذلك الذي أمر به الخليفة (الحاكم) في مصر. وهو حادث شاذ تم خارج الإمبراطورية التركية وقبل قيامها. ولم يميّز المؤرخون الغربيون بين آسيا الصغرى (وفيها كان التركمان سببًا في قيام الاضطراب..) وبين كافة العالم السلجوقي. وبين أيدينا العديد من الشهادات والقرائن التي تنهض دليلاً على أن المسيحيين من أهل البلاد كانوا على العكس من ذلك قد هلّلوا فرحًا لحكومة السادة الجدد عقب عودة النظام [بمجيء السلاجقة] ولم يخطر لهم مطلقًا أن يستنجدوا بالغرب لينقذوهم"(3).

[ 4 ]

"لا تعني السمة الإسلامية الواضحة للدول السلجوقية أنها تضم فقط الرعايا المسلمين، كما لا تعني أن الذميين قد ضاقوا بها ذرعًا. وحقيق بنا – هنا أيضًا أن نبدد كثيرًا من الأخطاء الصادرة أحيانا عن نية حسنة. قلنا إن الفتح التركماني كان قاسيًا وإنه أدى في بعض الظروف إلى كوارث فاجعة. لكن الوضع القانوني للنصارى المحليين لم يختلف عما كان عليه في الدول الإسلامية العريقة بعد أن استقر النظام السياسي في البلاد، ولو أن المناوشات استمرت على الحدود بصورة متقطعة، بل غالبًا ما كان وضعهم في آسيا الصغرى أفضل من الناحية الفعلية بحكم غالبيتهم العددية الثابتة. وهكذا تقدم لنا الدولة السلجوقية تداخلاً لعناصر متباينة جدًا، ولا نرى فيها أناسًا متذمرين حقًا، أو أناسًا يعاودهم الحنين فعلاً إلى استرجاع الماضي أو استعادة السيادة البيزنطية مثلاً، وهي لم تترك في أذهان الناس ذكريات سعيدة فقط في مجال الفدائية والمنازعات الطائفية.."(4).

[ 5 ]

"استطاع الإسلام أن يعوض عن الخسائر التي تكبدها في البحر المتوسط بمكاسب حصل عليها في أفريقيا السوداء وآسيا الجنوبية الشرقية. ففي السودان كانت القوافل المغربية قد نشرت الإسلام منذ زمن بعيد.. أما الزعماء الزنوج المحليون فقد وجدوا في الإسلام مبادئ وتعاليم تساعدهم على إنشاء مؤسسات سياسية أرسخ بنيانًا من تلك التي عهدوها قديمًا في بلادهم. وامتدت سيادة إمبراطورية (مالي) (القرن الرابع عشر) مع حاضرتها (تومبوكتو) في المركز، وكذلك سيادة إمبراطورية (غاوا) التي خلفتها في القرن الخامس عشر من الغابات العذراء حتى الواحات الصحراوية المغربية. وانتشرت الثقافة الإسلامية في تلك البقاع على يد العلماء المغاربة ومختلف النازحين (الأندلسيين). وفي بلاد (تشاد) التقت تأثيرات مغربية ومصرية. ثم لم يلبث أن قدم النخاسون الأوربيون فأوقفوا هذا التقدم الثقافي الذي أحدثه الإسلام – ولو من بعض الوجوه – قبل مجيء الغربيين بأمد بعيد"(5).

______________________________________

(1)     تاريخ العرب والشعوب الإسلامية ، 1 / 5 – 6 .

(2)     نفسه ، 1 / 28 .

(3)     نفسه ، 1 / 355 .

(4)     نفسه ، 1 / 367 .

(5)     نفسه ، 1 / 404 .

هاملتون كب

[ 1 ]

"انبثق الإسلام انبثاقًا مفاجئًا في بلاد العرب، وأقام بسرعة تكاد تعزّ على التصديق، في أقل من قرن من الزمن، إمبراطورية جديدة في غربي آسيا وشواطئ البحر المتوسط الجنوبية والغربية"(1).

[ 2 ]

"لقد تمت الفتوحات [الإسلامية] دون أن تزعزع اقتصاديات البلاد المفتوحة، وعلى أثرها أقام الفاتحون توًا سلطة مركزية منظمة"(2).

[ 3 ]

"في التاريخ أمثلة على توسّع الدول لا سبيل إلى تعليلها، لكن ليست هناك سوى أمثلة قليلة جدًا على دولة تكونت على هذا النحو واستطاعت أن تبلغ مابلغته الدولة الإسلامية من استمرار واستقرار نسبيين"(3).

[ 4 ]

"لنأخذ بعين الاعتبار المظاهر الخارجية للحيوية التي برهن عليها الإسلام خلال الحقبة [التالية] من الزمن مثل قيام الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأدنى وإمبراطورية المغول في الهند.. ازدهار إندونيسيا، ماليزيا، ازدياد عدد المسلمين في الصين، طرد الإسبانيين والبرتغاليين من مراكش، امتداد المنطقة الإسلامية في أفريقيا الغربية والشرقية. كان من السهل واليسير على المؤرخين القدامى أن ينظروا إلى جميع هذه الأحداث أو أغلبها نظرتهم إلى حركات عسكرية صرفة. ولا يمكن بالطبع أن يغيب عن الذهن هذا العنصر المتعلق بالقوة العسكرية الغازية التي وضعها الإسلام بتلك الفترة. ومع ذلك فإن أية عقيدة غازية تنمو وتمتد هي عقيدة حية. إنها تبين منذ ذلك الوقت أنها أكثر من مجموعة من المعتقدات والتطبيقات الجافة. نحن كذلك نعرف في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى الإيمان الذي تلعبه هذه العقيدة الحية التي مهدت الطريق بل كل شيء لهذه القوة العسكرية وساعدتها بعد ذلك على التشكل وتكييف التركيب الداخلي وتنظيم الإمبراطورية، كما ساعدت على ترميم التخريبات الناتجة عن الحروب، وإعادة تنظيم التركيب الاجتماعي.."(4).

____________________________________

(1)     دراسات في حضارة الإسلام ، ص 4 .

(2)     نفسه ، ص 8 .

(3)     نفسه ، ص 45 .

(4)     الاتجاهات الحديثة في الإسلام ، ص 28 – 29 .

كرامرز(1)

[ 1 ]

"لو رسمنا خريطة تبين الأحوال السياسية الأوروبية والأفريقية وغربي آسيا في حوالي منتصف القرن العاشر [الميلادي] لوجدنا أن القسم الأعظم من العالم المسكون كان مسكونًا بأمم تخضع للحكم الإسلامي وتسودها الحضارة الإسلامية. إنها لم تكن في ذلك الزمن وحدة سياسية متينة العرى، بل كانت مرتبطة فيما بينها برباط قوي من الدين والحضارة، حتى إن سكانها – مع أنهم لم يكونوا من المسلمين فقط – كانوا يشعرون بأنهم رعايا دولة إسلامية مترامية الأطراف مركزها الديني مكة ومحورها السياسي بغداد. هذه الإمبراطورية العظيمة نمت وبلغت أشدها في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام، بسلسلة من الفتوحات ابتدأت بالمدينة المنورة، وكان ميدانها ومركز ثقلها شبه جزيرة العرب.. ومع أن الأقاليم [التي فتحها الإسلام] تختلف إذا قورنت بالبلاد التي يسكنها المسلمون الآن فضلاً عن أنها أوسع رقعة، فالحقيقة التي لا يمكن دحضها أنها كانت تؤلف كتلة دينية واحدة فضلاً عن وحدة سياسية متينة العرى متراصة البنيان جمعت بينها قوة السلاح وجعلت سكانها يقفون في العالم كأعظم قوة مركزية متحدة عرفها البشر.."(2).

[ 2 ]

".. إن أورشليم [القدس] المركز الديني الأسمى لأوربا النصرانية دخلت منذ السنة 638م في حوزة الإسلام. إلا أن الفتح الإسلامي لم يمنع من زيارة القبر المقدس أو يحول بين الأوربيين المسيحيين وبين إنجاز هذه الفريضة الدينية.."(3).

_____________________________________

(1)  البروفيسور جي. م. ج كرامرز           Prof. J. M. Kramers

ولد بهولندة، سنة 1891، وكان أستاذًا للتركية والفارسية في جامعة ليدن حتى سنة 1939، اشتغل من 1915 حتى 1921 مترجمًا للسفارة الهولندية في الأستانة. كان أحد المساهمين في كتابة كثير من الموضوعات في دائرة المعارف الإسلامية، وألف كتاب: (فن التاريخ عند الأتراك العثمانيين) (1944).

(2)  تراث الإسلام ، ( إشراف سيرتوماس ارنولد )، ص 127 – 128 .

(3)  نفسه ، ص 129 .

جوليفيه كستلو

[ 1 ]

".. ما كان الحكم التركي الذي امتد ظله إلى المجر ظالمًا ولا قاسيًا، فقد كان العثمانيون يرعون أديان الشعوب المحكومة ويحترمون عاداتها وظلت تركية متمسكة بهذه القاعدة إلى القرن العشرين، وما تعمدت قط أن تتمثل العناصر بل اكتفت بفرض الضرائب عليهم. وقد رأينا الشعوب التي خضعت لحكم السلطنة أضاعت قوميتها وكانت مع هذا أيام استعبادها أسعد حالاً من العصور المضطربة المحاربة أيام استقلالها، وربما لم تربح إلى اليوم من هذا التبدل في الحكم.."(1).

__________________________________

(1)  قانون التاريخ، ( عن محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية )، 2 / 496 – 497 .

كمبل(1)

[ 1 ]

".. لا يقتصر نفور [الأفريقي] من السير على المنهاج الغربي، بل يتعداه إلى وجوب البحث عن منهاج آخر أوفق للعقل الأفريقي والظروف الأفريقية، مع تفضيل الإسلام – لتسليمه بمواطن الضعف الإنساني وإغضائه عن فوارق الألوان – على المسيحية بما تدعو إليه من الدقة وتشتمل عليه من الكهنوتية المعقدة والاعتراف بالفوارق الكثيرة، فضلاً عن الارتباط بين وجودها ووجود الطبقات الحاكمة.."(2).

_____________________________________

(1)  جورج كمبل                           G. Kimble

رئيس قسم الجغرافية بجامعة إنديانا الأمريكية، مؤلف كتاب (أفريقية الاستوائية) في مجلدين.

(2)  أفريقية الاستوائية ، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام ص 112 – 113 .

ايفلين كوبولد

[ 1 ]

".. إن الإسلام لا يعرض لمعتنقي الأديان الأخرى بسوء وهو لا يحملهم على قبول دينه والنزول تحت شرعته.. كما أنه لم يحارب الذين لم يعتنقوا دينه، ولا عمل على قتلهم وحرقهم وتعذيبهم كما فعل غيره وسواه، وآية القرآن الكريم ظاهرة بينة {لا إكراه في الدين} [البقرة 256].."(1).

[ 2 ]

"هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل بيت المقدس فاتحًا ظافرًا.. أدركته الصلاة وكان في داخل كنيسة القيامة، فخرج منها وصلى خارجها. ولما سأله البطريرك عن سبب ذلك قال له: أخشى أن يتخذ المسلمون بعدي من صلاتي هذه في الكنيسة حجة لقلبها إلى مسجد فيخرقون المعاهدة بذلك.. وبذلك حفظ الفاروق للمسيحية كنيستهم الأولى.."(2).

[ 3 ]

"لما استرجع السلطان صلاح الدين بيت المقدس بعد معارك عديدة، وطرد الصليبيين من البلاد أظهر في حروبه ومعاركه كل ألوان الرفق والرحمة والعطف والعفو عند المقدرة، وقد حفظ له كثير من كتاب الغرب هذه الصفات، ولم يتأخروا من المجاهرة بها والإقرار بأنه كان أشرف الأعداء وأطهر الفاتحين"(3).

[ 4 ]

"مما يجدر ذكره أن صلاح الدين لما افتتح القدس وكانت أفعال الصليبيين الدامية بأهلها لا تزال ملء السمع والبصر، وأبى أن يعامل المغلوبين إلا بالحسنى والرفق، ورفض الانتقام من الذين أساءوا وأحرقوا ودمروا وزاد ندى فسمح لجميع المسيحيين بمغادرة المدينة تحت رعاية رجاله ومحافظة قواده"(4).

____________________________________

(1)     البحث عن الله ، ص 93 .

(2)     نفسه ، ص 94 .

(3)     نفسه ، ص 95 .

(4)     نفسه ، ص 95 – 96 .

كولدتسيهر

[ 1 ]

".. أنه مما لا يمكن إنكاره أن الأوامر القديمة التي وضعت للمسلمين الفاتحين إزاء أهل الكتاب الخاضعين لهم، أثناء هذه المرحلة الأولى من التطور الفقهي كانت قائمة على روح (التسامح) وعدم التعصب. وأن ما يشاهد اليوم مما يشبه أن يكون تسامحًا دينيًا في علاقات الحكومات الإسلامية، ونجد ظواهر هذا التشريع في الإسلام في كتب الرحالة في القرن الثامن عشر، يرجع إلى ما كان في النصف الأول من القرن السابع من مبادئ الحرية الدينية التي منحت لأهل الكتاب في مباشرة أعمالهم الدينية"(1).

[ 2 ]

"روح التسامح في الإسلام قديمًا، تلك الروح التي اعترف بها المسيحيون المعاصرون أيضًا، كان لها أصلها في القرآن: {لا إكراه في الدين} [البقرة 256]..، وقد جاءت الأخبار عن السنين العشر الأولى للإسلام بمثل للتسامح الديني للخلفاء، إزاء أهل الأديان القديمة، وكثيرًا ما كانوا يوصون في وصاياهم للفاتحين بالتعاليم الحكيمة، ومن المثل لذلك عهد النبي [صلى الله عليه وسلم] مع نصارى نجران، الذي حوى احترام منشآت النصارى، ثم هذه القواعد التي أعطاها لمعاذ بن جبل عند ذهابه إلى اليمن (لا يزعج يهودي في يهوديته). وفي هذه الدائرة العالية كانت أيضًا عهود الصلح التي أعطيت للنصارى الخاضعين للدولة البيزنطية التي اندمجت في الإسلام وبموجبها كانوا – في مقابل دفع الجزية – يستطيعون مباشرة شؤونهم الدينية من غير إزعاج لهم.."(2).

[ 3 ]

"وكما أن مبدأ التسامح كان جاريًا في الأعمال الدينية، كذلك من جهة أخرى كان يراعى فقهيًا، فيما يتعلق بالمعاملات المدنية والاقتصادية بالنسبة لأهل الكتاب مبدأ الرعاية والتساهل، فظلم أهل الذمة، وهم أولئك المحتمون بحمى الإسلام من غير المسلمين، كان يحكم عليه بالمعصية وتعدي الشريعة. ففي بعض المرات عامل حاكم إقليم لبنان الشعب بقسوة عندما ثار ضد ظلم أحد عمال الضرائب، فحكم عليه بما قاله الرسول [صلى الله عليه وسلم]: (من ظلم معاهدًا، وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة). وفي عصر أحدث من هذا ما رواه بورتر Porter في كتابه (خمس سنين في دمشق) من أنه رأى بالقرب من بصرى (بيت اليهود) وحكى أنه كان في هذا الموضع مسجد هدمه عمر [رضي الله عنه] لأن الحاكم قد اغتصبه من يهودي ليبني عليه هذا المسجد"(3).

_____________________________________

(1)     العقيدة والشريعة في الإسلام ، ص 45 .

(2)     العقيدة والشريعة في الإسلام ، ص 46 .

(3)     نفسه ، ص 46 – 47 .

عبد الله كويليام

[ 1 ]

"إن سرعة انتشار الإسلام [في العصر الحديث] يرجع إلى عدم الخلط والخبط في أصوله وبنيانه الأمر الذي جعل له مكانًا ثابتًا في قلوب أهله وكل من تدين به بخلاف النصرانية فإنها مزعزعة الأركان قلّما يكون لها ثبات عند الإنسان لما فيها من التبديل والتغيير والتحريف والتحوير.. لقد أفاد الإسلام التمدن أكثر من النصرانية ونشر راية المساواة والأخوة، وهذه الأدلة نذكرها نقلاً عن تقارير الموظفين من الإنكليز. وعن ما كتبه أغلب السيّاح عن النتائج الحسنة التي نتجت من الدين الإسلامي، فإنه عندما تتدين به أمة من الأمم السودانية [الأفريقية] تختفي من بينها في الحال عبادة الأوثان واتباع الشيطان والشرك، وتحرم أكل لحم الإنسان وقتل الرجال ووأد الأطفال وتضرب عن الكهانة، ويأخذ أهلها في أسباب الإصلاح وحبّ الطهارة اجتناب الخبائث والرجس، والسعي نحو إحراز المعالي وشرف النفس، ويصبح عندهم قِرى الضيف من الواجبات الدينية وشرب الخمر ولعب الميسر من المحرمات، والرقص القبيح ومخالطة النساء دون تمييز منعدمة، يحسبون عفة المرأة من الفضائل ويتمسكون بحسن الشمائل"(1).

[ 2 ]

"[زعم عدد من الكتاب الغربيين] أن الإسلام في شرقي أفريقيا قائمة قواعده الأساسية على التجارة في الرقيق وجميع وسائل القسوة والانحطاط. إن روايات كهذه مجردة بالمرة عن الحقيقة، لا يمكن تصديقها وتصور وقوعها وإني بدون تردد أثبت وأقول عن سعة خبرة واطلاع عن شرقي أفريقيا وأواسطها بما ليس في إمكان [أولئك الكتاب] أن يأتوا بمثله: أنه لو كان للنخاسة وجود في هذه البقاع فما ذلك إلا لأن الإسلام لم يدخل فيها وبرهان ذلك أن الإسلام من خصائصه إبطال النخاسة إبطالاً دائمًا"(2).

[ 3 ]

"لنزدلف الآن إلى غربي أفريقيا والسودان الأوسط – حيث أتاحت لي الفرص زيارة هذه الجهات – فأقول إننا إذا قلبنا الطرق وأجلنا النظر نجد الإسلام كجسم قوي تدب فيه روح الحياة والنشاط وتتحرك فيه عوامل الحماسة والإقدام كما كان في أيامه الأولى. فترى الناس تدخل فيه أفواجًا أفواجًا وتقبل عليه بإقبال عجيب يشبه أيامه السالفة.. وأن دعاة الدين المسيحي يحاولون قلب الحقائق وإلقاء تبعة آثام النخاسة على عاتق الإسلام.. وتراهم لقصورهم عن إدراك مزايا هذا الدين المبين يصفون انتشاره بداهية دهماء على الأفريقيين ويقولون – كما لقن إليهم في حداثتهم – بأن دين محمد [صلى الله عليه وسلم] لم تقم له قائمة إلا بقوة النار [والسيف].. هذه هي التخيلات المطبوعة في أذهانهم والتي يشيعونها عن انتشار الإسلام، وهي على ما أظن تصورات توارثوها جيلاً عن جيل"(3).

[ 4 ]

".. على هذا المنوال انغرست بذور المدنية بين عدة قبائل همجية [في أفريقيا] ونما فيه الإسلام نموًا هائلاً إلى حد رنّ فيه صدى هذه البلاد وملأ الآفاق، وهاهو يقام فيها في الصباح والظهر وما يلي ذلك من الأوقات كلمة النداء في الإسلام – الأذان – فبعد ما كان الناس يسجدون للأشجار ويعبدون الأحجار صاروا يسجدون الآن لله الواحد القهار.."(4).

_____________________________________

(1)     العقيدة الإسلامية ، ص 15 – 17 عن: (كانن إسحاق تيلي في خطبة له بمؤتمر الكنيسة الإنكليزية بتاريخ 7 أكتوبر سنة 1887، نشرت بجريدة التايمس في اليوم التالي).

(2)     نفسه ، ص 26 – 27 عن: _المستر جوزيف تومبسن J. Tompson الرحالة الإنكليزي الشهير، جريدة التايمز، 14 نوفمبر 1887).

(3)     نفسه ، ص 29 – 30 (عن مقال تومبسن المذكور).

(4)     نفسه ، ص 32 – 33 ( عن مقال تومبسن المذكور ).

جاك كيمن

[ 1 ]

"إن الشريعة الإسلامية، امتزجت بعناصر وطنية أفريقية، تؤلف عاملاً من عوامل التوحيد. ولما كانت الوثنية بين زنوج أفريقيا تتميز في جوهرها بالشعور الإقليمي الضّيق كان لابدّ من اتساع نطاق الإسلام في هذا العصر الذي تزايدت فيه المواصلات، وتضاعفت الاتصالات. وقد احتفظ الإسلام في المناطق التي نفذ إليها قبل المسيحية والأوربيين، بتأثيره الموحد. أما في غير ذلك من الأماكن فقد ظل منافسًا للمسيحية لأنه أسهل اعتناقًا إن الإسلام قد رفع مستوى الحضارة لدى الزنوج.."(1).

_____________________________________

(1)  الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية (تحرير كرونباوم)، ص 26 .

روم لاندو

[ 1 ]

"في عصر كان (السلب والنهب) هو القاعدة التي يتبعها كل جيش منتصر لدى دخوله مدينة ما، يبدو العهد الذي أعطاه خالد بن الوليد [رضي الله عنه] لأهل دمشق إنسانيًا إلى أبعد الحدود ومعتدلاً إلى أبعد الحدود. ويبدو جليًا، في الواقع، أن الكتائب العربية اعتبرت نفسها محررة للشعب المضطهد وحاملة رسالة الإسلام إليه في آن معًا. وقد اتخذ من شروط الاستسلام هذه نموذج احتذي في ما بعد عند فتح المدن السورية والفلسطينية الأخرى"(1).

[ 2 ]

"إذا اعتبرت القرون الوسطى عصر إيمان وحرب فالحرب الصليبية هي أكمل تعبير عنها وأشنعه. والذي لا ريب فيه أن العقل الأوروبي الوسيطي  Medieval قد اعتبر الحروب الصليبية حروبًا مقدسة من أجل قضية مقدسة. ففي الإسلام لم يعلن أي (جهاد) عام ضد الصليبيين، ولم يوجّه الخليفة، دفّة هذه الحروب. أما في الغرب فقد فني الباب في تلك القضية واعتبرها قضيته الذاتية. والواقع أن الحروب الصليبية، كحركة دينية كشفت – من طريق التعصب والتطرف الدينيين – عن أسوأ مظاهر النصرانية الوسيطية كلها. لقد نجحت الحروب المقدسة في خلق شقة واسعة تفصل ما بين الشرق والغرب بدلاً من أن يعيد تدعيم الجسر الرابط ما بين ثقافتين تجمع ما بينهما في نهاية المطاف مفاهيم إيمانية مشتركة، ومصالح ثقافية تمتنع على الإحصاء.."(2).

[ 3 ]

"على نقيض الإمبراطورية النصرانية التي حاولت أن تفرض المسيحية على جميع رعاياها فرضًا، اعترف العرب بالأقليات الدينية وقبلوا بوجودها. كان النصارى واليهود والزرادشتيون يعرفون عندهم بـ (أهل الذمة)، أو الشعوب المتمتعة بالحماية. لقد ضمنت حرية العبادة لهم من طريق الجزية.. التي أمست تدفع بدلاً من الخدمة العسكرية. وكانت هذه الضريبة مضافًا إليها الخراج، اقل في مجموعها من الضرائب التي كانت مفروضة في ظل الحكم البيزنطي. كانت كل فرقة من الفرق التي تعامل كملّة، أي كطائفة نصف مستقلة استقلالاً ذاتيًا ضمن الدولة. وكانت كل ملّة تخضع لرئيسها الديني.."(3).

[ 4 ]

"من وجهة نظر منطقية وعقلانية نستطيع أن نفترض أنه كان خليقًا بالنصارى أن يتحالفوا مع المسلمين النّزاعين إلى الوفاء بالمعاهدات لكي يدفعوا عن الإنسانية بلاء المغول. والواقع أنه كان في ميسورهم أن ينهجوا هذا النهج ومع ذلك فنحن نجد أن ما حدث كان هو العكس تقريبًا. فقد وجه زعيم العالم المسيحي، الباب أنوسنت الرابع، بعثتين إلى منغوليا. وكان القديس لويس الورع، قد أبى على نحو موصول أن يتفاوض مع المسلمين بأية حال، ومع ذلك فإنه لم يجد أية غضاضة على معتقداته الدينية أن يوجه موفدين لمفاوضات المغول الوثني"(4).

[ 5 ]

"كان الإسبان قد نعموا، في ظل الحكم الإسلامي، بمعاملة متسامحة تحررية، ولكنهم لم يكونوا الآن [بعد انتصارهم النهائي] في وضع نفسي يساعدهم على تبني السياسة المتدينة نفسها فراحوا يحنثون، في حرارة دينية متعصبة، بالعهود الغليظة التي أخذوا على أنفسهم باحترام الدين الإسلامي والممتلكات الإسلامية. فإذا بهم يحرقون الكتب العربية ويلقون معظم الآثار التي كانت عنوان تفوق الثقافة الإسلامية. وفي عام 1499م دشن الكاردينال كزمينز برنامجًا للتنصير الإجباري شعاره: إما المعمودية وإما الإخراج من البلاد. ونشطت محاكم التفتيش نشاطًا رهيبًا. وأكره كثير من المسلمين واليهود على مغادرة إسبانيا. وعام 1556م أجبر الملك فيليب الثاني من بقي من المسلمين في البلاد على التخلي عن لغتهم ودينهم ومؤسساتهم. حتى إذا كانت سنة 1609 أمضي مرسوم ملكي نهائي إلى ترحيلهم ترحيلاً كاملاً. ودوّن المؤرخون عدد المسلمين الذين أبعدوا أو قتلوا، ما بين سقوط غرناطة ومطلع القرن السابع عشر، بثلاثة ملايين ونيف"(5).

_____________________________________

(1)     الإسلام والعرب ، ص 60 .

(2)     نفسه ، ص 115 .

(3)     نفسه ، ص 119 .

(4)     نفسه ، ص 130 .

(5)     نفسه ، ص 180 .

كوستاف لوبون

[ 1 ]

"ثبتت أصول شريعة الرسول [صلى الله عليه وسلم] وفنون العرب ولغتهم أينما حلت، ولم يدر في خلد أحد من الفاتحين الكثيرين الذين قهروا العرب إقامة حضارة مقام حضارة العرب، وانتحلوا كلهم دين العرب وفنونهم، واتخذ أكثرهم العربية له لغة، وتقهقرت أمام الإسلام في الهند ديانات قديمة، وجعل الإسلام مصر الفراعنة القديمة، التي لم يكن للفرس واليونان والرومان فيها سوى نفوذ قليل، عربية تامة العروبة، وعرفت أقوام الهند والفرس ومصر وأفريقية لهم سادة غير أتباع محمد [صلى الله عليه وسلم] فيما مضى ولم يعرفوا لهم سادة غير المسلمين بعد أن رضوا بالإسلام دينًا"(1).

[ 2 ]

"ساعد وضوح الإسلام البالغ وما أمر به من العدل والإحسان كل المساعدة على انتشاره في العالم، ونفسر بهذه المزايا سبب اعتناق كثير من الشعوب النصرانية للإسلام، كالمصريين الذين كانوا نصارى أيام حكم قياصرة القسطنطينية فأصبحوا مسلمين حين عرفوا أصول الإسلام، كما نفسر السبب في عدم تنصّر أي أمة بعد أن رضيت بالإسلام دينًا، سواء أكانت هذه الأمة غالبة أم مغلوبة"(2).

[ 3 ]

".. أن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارًا في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام واتخذوا العربية لغة لهم فذلك لما رأوا من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل"(3).

[ 4 ]

".. لو وفق موسى بن نصير [في اجتياز أوربا] لجعل أوربا مسلمة، لحقق للأمم المتمدنة وحدتها الدينية، ولأنقذ أوربا، على ما يحتمل، من دور القرون الوسطى الذي لم تعرفه إسبانية بفضل العرب"(4).

_____________________________________

(1)     حضارة العرب ، ص 27 .

(2)     نفسه ، ص 125 .

(3)     نفسه ، ص 127 – 128 .

(4)     نفسه ، ص 267 .

برنارد لويس

[ 1 ]

"الواقع أن الذي غزا أتراك آسيا الوسطى، لم يكن المسلمين بل كان الإسلام ذاته. فقد كان المتصرفون والمبشرون المتجولون.. يتنقلون بين القبائل التي لم يتم إخضاعها فيما وراء النهر، ينشرون الدين البسيط، دين الكفاح الذي ازداد على الحدود بين الإسلام والوثنية"(1).

[ 2 ]

".. هروب اليهود الإسبان إلى تركيا معروف للجميع، لكنه ليس الحالة الوحيدة على الإطلاق. وعندما انتهى الحكم العثماني في أوروبا، كانت الأمم المسيحية التي حكمها العثمانيون خلال عدة قرون لا تزال هناك، بلغاتها وثقافاتها ودياناتها – إلى حد ما – بمؤسساتها.. أما إسبانيا وصقلية فليس فيها اليوم مسلمون أو ناطقون باللغة العربية.."(2).

[ 3 ]

"لم يكن اللاجئون المسلمون واليهود، ولا المسيحيون من ذوي الآراء الدينية والسياسية المنشقة، هم الأوربيين الوحيدين الذين استفادوا من الحكم العثماني إذ إن الفلاحين في المناطق التي غزيت قد تمتعوا – بدورهم – بتحسّن كبير في أوضاعهم. فقد جلبت الحكومة الإمبراطورية العثمانية الوحدة والأمن مكان الصراع والفوضى.. [وأصبح] الفلاحون يتمتعون بقدر من الحرية في حقولهم أكبر بكثير من ذي قبل، وكانت الضرائب التي يدفعونها تقدّر بصورة مخففة وتجمع بطريقة إنسانية، وذلك بالمقارنة بما كان يجري في أنظمة الحكم السابقة والمجاورة.. فحتى القرن التاسع عشر كان الأوربيون الذين يزورون البلقان يعلقون على أوضاع فلاحي البلقان الحسنة وعلى رضاهم عن هذه الأوضاع، وكانوا يجدونه أفضل من الأوضاع السائدة في بعض أنحاء أوروبا المسيحية. وكان الفرق أوضح بكثير في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، في عصر حركات التمرد الكبيرة التي كان يقوم بها الفلاحون في أوروبا. وحتى عملية الداوشرمة Deushrime وهي عملية الجمع القسري للأولاد من بين الفلاحين المسيحيين من أجل تجنيدهم في الجيش العثماني وفي خدمة الدولة لم تخل من نواح إيجابية. فبهذه الوسيلة كان أقل القرويين شأنًا يستطيع أن يرتقي إلى أعلى المراكز وأكثرها نفوذًا وقد ارتقى الكثيرون بالفعل وأحضروا أسرهم معهم، وهو شكل من أشكال المرونة الاجتماعية كان مستحيلاً في المجتمعات الأرستقراطية للعالم المسيحي المعاصر للعثمانيين"(3).

_____________________________________

(1)     تراث الإسلام ( تصنيف شاخت وبوزورث 1 / 279 ).

(2)     نفسه ، 1 / 286 – 287 .

(3)     نفسه ، 1 / 287 – 288 ، وانظر المرجع نفسه 1 /  288 .

الس ليختنستادتر

[ 1 ]

"لقد جسمت العداوة المسيحية خطر الحرب المقدسة في إخضاع البلاد التي لا تدين بالإسلام للسيطرة الإسلامية، إذ أن القتال لم يكن له كل هذا العمل في انتشار الفتوح حتى في إبان القرن الأول بعد الدعوة، وإنما تم معظم هذا الفتوح بالتسليم ومعاهدات الصلح، ووردت في هذه المعاهدات فقرات تبيح لأهل الكتاب من أبناء البلاد المفتوحة أن يحتفظوا بعقائدهم وشعائرهم بشروط ليس على الجملة بالمرهقة. فليست فكرة النار والمدن بالفكرة الصحيحة التي يؤيدها الواقع، ومن الميسور كما يقول المؤرخ توينبي أن يسقط الدعوة التي شاعت بين جوانب العالم المسيحي غلوًا في تجسيم أثر الإكراه في الدعوة الإسلامية، إذ لم يكن التخيير ببلاد الروم والفرس بين الإسلام والسيف وإنما كان تخييرًا بين الإسلام والجزية وهي الخطة التي استحقت الثناء لاستنارتها حين اتبعت بعد ذلك في البلاد الإنجليزية على عهد الملكة اليصابات.."(1).

_____________________________________

(1)  الإسلام والعصر الحديث ، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام، ص 22 – 23 .

آدم متز

[ 1 ]

"إن أكبر فرق بين الإمبراطورية الإسلامية وبين أوروبا التي كانت كلها على المسيحية في العصور الوسطى وجود عدد هائل من أهل الديانات الأخرى بين المسلمين وأولئك هم (أهل الذمة) الذين كان وجودهم من أول الأمر حائلاً بين شعوب الإسلام وبين تكوين وحدة سياسية.. واستند أهل الذمة إلى ما كان بينهم وبين المسلمين من عهود وما منحوه من حقوق فلم يرضوا بالاندماج في المسلمين وقد كان وجودهم سببًا لظهور مبادئ التسامح التي ينادي بها المصلحون المحدثون وكانت الحاجة إلى المعيشة المشتركة وما ينبغي أن يكون فيها من وفاق مما أوجد من أول الأمر نوعًا من التسامح الذي لم يكن معروفًا في أوروبا في العصور الوسطى ومظهر هذا التسامح نشوء علم مقارنة الأديان، أي دراسة الملل والنحل على اختلافها، والإقبال على هذا العلم بشغف عظيم"(1).

[ 2 ]

"ولم يكن في التشيع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب الأعمال، وكان قدمهم راسخًا في الصنائع التي تدرّ الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة وتجارًا وأصحاب ضياع وأطباء. بل إن أهل الذمة نظموا أنفسهم بحيث كان معظم الصيارفة والجهابذة في الشام مثلاً يهودًا، على حين كان أكثر الأطباء والكتبة نصارى. وكان رئيس النصارى في بغداد هو طبيب الخليفة، وكان رواد اليهود وجهابذتهم عنده.."(2).

[ 3 ]

"كانت حياة الذمي عند أبي حنيفة وابن حنبل تكافئ حياة المسلم، ودية المسلم، وهي مسألة مهمة جدًا من حيث المبدأ.. ولم تكن الحكومة الإسلامية تتدخل في الشعائر الدينية لأهل الذمة، بل كان يبلغ من بعض الخلفاء أن يحض مواكبهم وأعيادهم ويأمر بصيانتهم.. وكذلك ازدهرت الأديرة بهدوء.."(3).

[ 4 ]

"ومن الأمور التي نعجب لها كثرة عدد العمال والمتصرّفين غير المسلمين في الدولة الإسلامية.."(4).

[ 5 ]

"[كان تسامح المسلمين في حياتهم مع اليهود والنصارى، وهو التسامح الذي لم يسمع بمثله في العصور الوسطى، سببًا في أن لحق بمباحث علم الكلام شيء لم يمكن قط من مظاهر العصور الوسطى، وهو علم مقارنة الملل.."(5).

_____________________________________

(1)     الحضارة الإسلامية في القرن الرابع ، 1 / 57 .

(2)     نفسه ، 1 / 68 – 69 .

(3)     نفسه ، 1 / 69 – 70 .

(4)     نفسه ، 1 / 87 .

(5)     نفسه ، 1 / 366 .

جواهر لال نهرو

[ 1 ]

"المدهش حقًا أن نلاحظ هذا الشعب العربي الذي ظل منسيًا أجيالاً عديدة بعيدًا عما يجري حوله قد استيقظ فجأة ووثب بنشاط فائق أدهش العالم وقلبه رأسًا على عقب. وأن قصة انتشار العرب في آسيا وأوروبا وأفريقيا، والحضارة الراقية والمدنية الزاهرة التي قدّموها للعالم هي أعجوبة من أعجوبات التاريخ"(1).

[ 2 ]

"سار العرب من فتح إلى فتح، وكثيرًا ما ربحوا الحروب بدون قتال. وفي غضون خمسة وعشرين عامًا من وفاة الرسول [صلى الله عليه وسلم]، فتح العرب جميع بلاد فارس وسوريا وأرمينية وجزءًا من أواسط آسيا الشرقية ومصر وجزءًا من شمال أفريقيا. وقد سلمت لهم مصر بسهولة لأنها كانت قد قاست كثيرًا من استبداد الإمبراطورية الرومانية ومن الحروب الطائفية.."(2).

[ 3 ]

".. أن العرب كانوا في بداية يقظتهم متقدين حماسًا لعقيدتهم وأنهم كانوا مع ذلك قومًا متسامحين لأن دينهم يأمر في مواضع عديدة بالتسامح والصفح. وكان عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] شديد الحرص على التسامح عندما دخل بيت المقدس، أما مسلمو إسبانيا فإنهم تركوا للجالية المسيحية الكبيرة هناك حرية العبادة.. والواقع أن أبرز ما يميز هذه الفترة من التاريخ هو الفرق الشاسع بين العرب المسلمين وتعصب النصارى الأوربيين!"(3).

[ 4 ]

".. كانت حياة العرب في زمن محمد [صلى الله عليه وسلم] غريبة، وكانت عزيمتهم تختلف عن عزيمة الجنود والجيوش التي كان يعتمد عليها الملوك. لقد برز هؤلاء العرب بعقيدة متوقدة قهرت الجبال ونشرت الإسلام في الآفاق كما تنتشر النار في الهشيم.. برزوا شامخين في عالمهم فدانت أمام زحفهم المظفر الجيوش الجرارة كانت الشعوب الأخرى متململة من أمرائها، فلاح العرب كبارقة الأمل لهذه القوة التي كانت ترقب الفرج والثورة الاجتماعية"(4).

[ 5 ]

"إذا عدت النظافة عيبًا في العرب، فقد أسند إليهم عيب آخر ألا وهو التسامح الديني ويكاد المرء لا يصدق أن ذلك هي التهمة الرئيسية الموجهة للعرب في كتاب رئيس أساقفة فالنسيا الذي وضعه في عام 1602 بعنوان (إلحاد العرب وخياناتهم) وطالب فيه بإقصاء العرب عن إسبانيا. وقد قال: (أن العرب يحبذون جدًا حرية الضمير في الشؤون المتعلقة بالدين، شأنهم في ذلك شأن الأتراك والمسلمين الذين تركوا لأتباعهم الحرية الدينية). ولعمري ما أجمل هذا المدح الذي قصد به ذم مسلمي إسبانيا الذين يمتازون بتسامحهم الديني في الوقت الذي استرسل فيه المسيحيون الأوروبيون في التعصب والغلظة"(5).

_____________________________________

(1)     لمحات ، ص 23 .

(2)     نفسه ، ص 27 .

(3)     نفسه ، ص 31 .

(4)     نفسه ، ص 33 .

(5)     نفسه ، ص 48 .

ليندون هاريس

[ 1 ]

"أن ابن القبيلة الأفريقي يلمح نظافة المسلم شخصًا وبزة، كما يلمح المكانة التي يكسبها بأدب (الحشمة) الاجتماعية وتتعلق مكانة الرجل الأفريقي بهذه الحشمة والمصطلح عليها، وهي مكانة ذات شأن حيث يعيش الناس على مرأى بعضهم من بعض في حيزهم المحدود فلا جرم أن يعتز المسلم بهذه الحشمة فوق اعتزازه بكل شيء لأنها مقياس خلقه وحياته، وبها يستدعي المناظرة ومحاولة التشبه به من أبناء البلاد الأصلاء"(1).

_____________________________________

(1)  الإسلام في أفريقيا الشرقية ، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام ، ص 69 – 70 .

زيغريد هونكه

[ 1 ]

"لعلّ من أهمّ عوامل انتصارات العرب ما فوجئت به الشعوب من سماحتهم فما يدعيه بعضهم من اتهامهم بالتعصب والوحشية إن هو إلا مجرد أسطورة من نسج الخيال تكذبها آلاف من الأدلة القاطعة عن تسامحهم وإنسانيتهم في معاملاتهم مع الشعوب المغلوبة. والتاريخ لا يقدم لنا في صفحاته الطوال إلا عددًا ضئيلاً من الشعوب التي عاملت خصومها والمخالفين لها في العقيدة بمثل ما فعل العرب. وكان لمسلكهم هذا أطيب الأثر مما أتاح للحضارة العربية أن تتغلغل بين تلك الشعوب بنجاح لم تحظ به الحضارة الإغريقية ببريقها الزائف ولا الحضارة الرومانية بعنفها في فرض إرادتها بالقوة"(1).

[ 2 ]

" {لا إكراه في الدين} [البقرة 256] هذا ما أمر به القرآن الكريم، وبناء على ذلك فإن العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام. فالمسيحيون والزرادشتيون واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها، سمح لهم جميعًا دون أي عائق يمنعهم، بممارسة شعائر دينهم. وترك لهم المسلمون بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى. أو ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال ومتى؟ ومن ذا الذي لم يتنفس الصعداء بعد الاضطهاد البيزنطي الصارخ وبعد فظائع الإسبان واضطهادات اليهود؟ إن السادة والحكام المسلمين الجدد لم يزجوا بأنفسهم في شئون تلك الشعوب الداخلية. فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع [الميلادي] لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: (أنهم يمتازون بالعدل ولا يظلموننا البتة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف)"(2).

[ 3 ]

".. أن الإنسانية والتسامح العربي هما اللذان دفعا الشعوب ذات الديانة المختلفة إلى أن تعيش في انسجام مدهش.. وأن تبدأ نموها وتوسعها وازدهارها ولأول مرة يتحرر أصحاب المذاهب المسيحية.. من اضطهاد كنيسة الدولة فتنتشر مذاهبهم بحرية ويسر.. واستطاع العربي بإيمانه العميق أن يكون أبلغ سفير وداعية لديانته، لا بالتبشير وإيفاد البعثات وإنما بخلقه الكريم وسلوكه الحميد. فكسب بذلك لدينه عددًا وفيرًا لم تكن أية دعاوى مهما بلغ شأوها لتستطيع أن تكسب مثله"(3).

[ 4 ]

"أن الأديرة المسيحية في سورية، التي كادت أن تنمحي في عصر الحكم المسيحي وصلت إلى ذروة عظمتها في الدولة الإسلامية، أو ليس هذا بغريب؟"(4).

[ 5 ]

"أو ليس من العجيب أن نتساءل لماذا نفسر كما يحلو لنا، والعرب المسلمون قد فتحوا فعلاً جزءًا من أوروبا هو الأندلس، فلم يقضوا على المسيحية التي يزعمون أن شار مارتل قد حماها، ولم يقضوا على المدنية الغربية التي لم يكن لها وجود؟!.."(5).

_____________________________________

(1)     شمس العرب تسطع على الغرب ، ص 357 – 358 .

(2)     شمس العرب تسطع على الغرب، ص 364.

(3)     نفسه ، ص 366 – 367 .

(4)     نفسه ، ص 368 .

(5)     نفسه ، ص 540 – 541 .

مونتكومري وات

[ 1 ]

"يعني التأكيد – على إخضاع مشركي الجزيرة للإسلام – أن الإسلام قد انتشر بحدّ السيف. حقًا أن القبائل الوثنية في الجزيرة العربية كان عليها أن تختار الإسلام أو السيف، إلا أن تعامل المسلمين كان مختلفًا تجاه اليهود والمسيحيين والزرادشتيين وغيرهم ممن اعتبرت دياناتهم شقيقة للإسلام، رغم الدعوى القائلة بأن الأتباع المعاصرين لتلك الديانات قد ابتعدوا عن جوهرها. ومهما كان الأمر فقد كان بالإمكان قبولهم نوعًا من الحلفاء للمسلمين في معظم الأقطار التي فتحتها العرب. لذلك فإن غرض الجهاد لم يكن يهدف إلى تحويل أولئك السكان نحو الإسلام بقدر ما كان يهدف إلى اعترافهم بالحكم الإسلامي وبمنزلة أناس يحميهم الإسلام. وبعامة فإنهم (أهل الذمة)، وكانت الطائفة الذمية مجموعة من الناس تعتنق ديانة واحدة لها استقلالها الداخلي برعاية رئيس ديني كالبطريك أو الرابي، وكان على كل فرد من أفراد المجموعة الذمية دفع ضريبة شخصية إلى الحاكم المسلم، إضافة على مبالغ مختلفة أخرى تحدد استنادًا على شروط الاتفاقية مع المجموعة. وكانت تلك الضرائب أحيانًا أقل وطأة من الضرائب التي كانت تدفع للحكام السابقين. وكانت حمايتهم بصورة فعالة بالنسبة للدولة الإسلامية تمثل كلمة شرف تلتزم بها الدولة وتنفذها ثم إن وضع أهل الذمة لم يكن سيئًا رغم بعض القيود المفروضة عليهم.."(1).

[ 2 ]

".. كانت هناك مناطق مثل شرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا انتشر الإسلام فيها نتيجة نشاط رجال الأعمال إذ لم يكن للمسلمين في تلك المناطق الوثنية أية سرية في ممارسة الصلاة خمس مرات يوميًا، وأن إخلاص هؤلاء المسلمين والتزامهم المتزن بالإسلام الحنيف أذهل الوثنيين الذين كانت لهم علاقات تجارية مع المسلمين مما أدى إلى اعتناق الإسلام والاختلاط عن طريق الزواج إلى تكوين مجتمعات إسلامية صغيرة وسط المناطق الوثنية ونمت تلك المجتمعات بصورة تدريجية.."(2).

_____________________________________

(1)     تأثير الإسلام على أوروبا في العصور الوسطى ، ص 13 – 14 .

(2)     نفسه ، ص 30 .

هـ. ج. ولز

[ 1 ]

".. أنشأ أبو بكر [رضي الله عنه]، بذلك الإيمان الراسخ الذي يزحزح الجبال ينصب نفسه في بساطة وحسن تبصّر، لتنظيم إخضاع العالم بأسره لله، بجيوش صغيرة من ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف عربي، بناء على تلك الرسائل التي بعث بها النبي [صلى الله عليه وسلم] من المدينة إلى ملوك العالم.. والحملات العسكرية التي بدأت عند ذاك، من ألمع ما خلد تاريخ العالم.. وكان [المسلمون] في كل مكان يخيرون الناس بين أشياء ثلاثة: فإما أن تدفع الجزية، وإما أن تسلم بالله الحق وتنضمّ إلينا، وإما أن تقاتل.. ولم يحدث في أي مكان شيء اسمه المقاومة الشعبية.. فإن فاضل الناس بين البلاط الفارسي وبين العرب، كان العرب - أعني عرب السنين العظيمة - أنظف الطرفين وأطهرهما بشكل ظاهر، وكانوا أكثر عدالة وأوسع رحمة. وانضم العرب المسيحيون دون تردد إلى الغزاة كذلك انضم إليهم كثير من اليهود. وكما كان الحال في الغرب كان كذلك في الشرق إذا استمر الجهاد الإسلامي لنشر الإسلام"(1).

[ 2 ]

".. استطاع الجنس السامي في بضع سنين باسم الله ورسوله [صلى الله عليه وسلم] أن يسترد تقريبًا كل الأملاك التي خسرها للفرس الآريين قبل ذلك بألف سنة، وسقط بيت المقدس مبكرًا.. وكان النصارى ينعمون بالتسامح في مقابل دفع الجزية فقط، وتركت الكنائس بأسرها والآثار المقدسة بأجمعها في حوزتهم"(2).

[ 3 ]

".. لقد ساد الإسلام لأنه كان خير نظام اجتماعي وسياسي استطاعت الأيام تقديمه. وهو قد انتشر لأنه كان يجد في كل مكان شعوبًا بليدة سياسيًا، تسلب وتظلم وتخوّف ولا تعلم ولا تنظم، كذلك وجد حكومات أنانية سقيمة لا اتصال بينها وبين أي شعب أصالة. كان أوسع وأحدث وأنظف فكرة سياسية اتخذت سمة النشاط الفعلي في العالم حتى ذلك اليوم، وكان يهب بني الإنسان نظامًا أفضل من أي نظام آخر. وكان النظام الرأسمالي الاسترقاقي في الإمبراطورية الرومانية، والأدب والثقافة والتقاليد الاجتماعية في أوروبا قد انحلت انحلالاً تامًا وانهارت قبل أن ينشأ الإسلام.."(3).

_____________________________________

(1)     معالم تاريخ الإنسانية ، 3 / 643، 644 – 645 .

(2)     نفسه ، 3 / 647 .

(3)     نفسه ، 3 / 649 .

ريشار وود

[ 1 ]

"ميز صاحب الشريعة الإسلامية [صلى الله عليه وسلم] بين أهل الكتاب – وهم النصارى واليهود – وبين المشركين من العرب الذين تعرضوا لما أنزل الله على رسوله [صلى الله عليه وسلم]. ولقد وقع بين الخليفة الثاني عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] وبين بطريق بيت المقدس اتفاق يضمن حماية النصارى ومنحهم امتيازات، وفى بها. ثم تولى الأمر بعده خلفاؤه إلى زمن السلاطين الآن. وبهذا بقيت طوائف نصرانية متعددة آمنة نامية مترفهة تحت حكم المسلمين، بل كانت في بعض الأحيان تمتاز حالتها الاجتماعية على حالة مواطنيها من المسلمين"(1).

[ 2 ]

"أن الذي يبحث بحثًا دقيقًا عن أسباب الفتن التي سفكت فيها الدماء في المشرق يعلم أن الباعث الوحيد على حدوثها هو إصبع السياسة الأجنبية التي تنتهز الفرص لإيقاد نار الفتنة بين ذوي الأحقاد، ولم يكن أولئك المفسدون يحسبون أن هذه الفتن تجر إلى القتل والفظائع. ومن هذا القبيل واقعة الدروز والموارنة، وواقعة الصقالبة والبلغاريين، فقد تبين أن الاعتداء إنما كان يبتدئ من جانب النصارى"(2).

[ 3 ]

".. أن القرآن قد سمح للذميين بحرية ممارسة شعائر دينهم، وأوجب مساواتهم في الحقوق المدنية والجنائية مع سائر الأهالي، ولم يمنع من استشارتهم في مصالح الوطن"(3).

[ 4 ]

".. أن النصارى [في الدولة العثمانية] متمتعون بالحرية التامة.. ونحن لم ننفرد بهذا القول فإن كثيرين من علماء الإنكليز والروس ألفوا كتبًا أكدوا فيها أن أرباب الفلاحة خارج البلاد العثمانية يحسدون البلغار العثمانية على حسن حالهم وأمنهم في منازلهم وبساتينهم الخصبة وما تحت يدهم من الأطيان والمواشي، وصوامع كنائسهم مشرفة على كل الجهات. بل يقول هؤلاء المؤلفون أن البلغار العثمانيين أحسن حظًا من المسلمين العثمانيين"(4).

[ 5 ]

".. للرؤساء الروحيين والأساقفة [في الدولة العثمانية] أن يتوسطوا لدى رجال الحكومة في حماية أبناء طوائفهم، وهذا زيادة في الاحتياط لكيلا ينال غير المسلمين حيف أو ظلم.. وقد زالت تمامًا الموانع التي كانت موجودة في سبيل تشييد الكنائس والمجامع اليهودية، وأبيح لغير المسلمين من عثمانيين وأجانب إنشاء ما يشاءون من المعابد. والواقع أن الكنائس كثر عددها جدًا وقد اعترف بذلك القسس الأميركيون. ومما يبرهن على تساهل الحكومة العثمانية في ذلك إعفاؤها كل ما يجيء برسم الكنائس والأديار والمستشفيات وغيرها من الضريبة الجمركية.. وهذا أمر لا نعلم أنه يوجد في بلاد أخرى. وزيادة في عناية الدولة العثمانية بحماية غير المسلمين صدر أمر سلطاني ينذر بالعقاب كل من يصدّهم عن عبادتهم.. ولا ريب في أن الدولة العثمانية قد صرفت جهد الطاقة لإرضاء رعاياها النصارى واليهود، وإزالة الفروق التي كانت موجودة بينهم وبين المسلمين، ومشاركتهم في الإدارة العامة، وتقليدهم المناصب الرفيعة، وإعلاء شأنهم وإثبات حقوقهم. وفوق ذلك كله فهي قد أذنت لهم بعقد جمعيات تتفاوض فيما تراه صالحًا لدينهم ودنياهم.. حتى صار النصارى يتعلمون من دولة إسلامية ما يرمي إليه الدين من الحضّ على الرفق واللين والتساهل والصبر.. أما اعتراض المعترضين بأن المساواة بين الطوائف غير كاملة – ما دام النصارى لم يشتركوا في الجندية العثمانية – فجوابنا عليه أن الذنب في ذلك على النصارى أنفسهم لا على الباب العالي، إذ النصارى مع حرصهم على نوال كل الحقوق لم يقبلوا أن يدخلوا تحت ما يقابلها من الواجبات"(5).

_____________________________________

(1)     الإسلام والإصلاح ، ص 19 – 20 .

(2)     نفسه ، ص 20 .

(3)     نفسه ، ص 21 .

(4)     نفسه ، ص 22 .

(5)     نفسه ، ص 25 – 27 .

لويس يونغ

[ 1 ]

"على الرغم من سجل أوروبا الطافح بالتزمت الفكري واللاتسامح الديني، على النقيض من المسلمين، فإنها ظلت ترفض الاعتراف بما للعرب من يد طولى على حضارتها وتتجاهل دورهم الحضاري وتقلل من شأنه"(1).

[ 2 ]

".. أن التسامح الديني الذي مارسه الإسلام في القرون الوسطى، يفوق التسامح الديني الذي مارسته المس