واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا

نبذة مختصرة

رسالة مختصرة تحث على الاجتماع والائتلاف، والنهي عن التفرق والاختلاف.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

  

 ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾

جمع وتحقيق الفقير إلى الله

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل المؤمنين إخوة في الدين والإيمان، وشبَّههم في تعاوُنهم، وتضامنهم، وتناصرهم، بالجسد الواحد والبُنيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعدُ:

فقد قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 103]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 62 - 63]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أَلَم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وكُنتم متفَرقين فجمعكم الله بي، وعالة فأغانكم الله بي؟))؛ رواه البخاري، ومسلم.

وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا، وأن تناصحوا مَن ولاه الله أمركم))؛ رواه أحمد، ومسلم.

وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاث لا يغل عليهن قلْب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولُزُوم جماعتهم))؛ رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذي، وغيرهم، وصحَّحه ابن حجر؛ أي: لا يكون في القلب غلٌّ، مع وجود هذه الثلاث، فهذه الآيات والأحاديث تدلُّ على وُجُوب الاجتِماع والائتلاف، وفضله، والحثِّ عليه، وتحريم التفرُّق والاختلاف، وسوء عاقبته.

فقد أوْجَبَ الله على المسلمين أن يكونوا إخوة مُجتمعين على الحقِّ، متحابين متعاونين على البرِّ والتقوى، متناهين عن الإثم والعدوان، وشرع لهم ما يقوي هذه الأخوَّة والمحبة، من الاجتماع على الصلوات الخمس، والجُمَعِ، والأعياد، والحج، كما شرع لهم تبادُل التحية، والسلام، والمصافحة، وتشميت العاطس، وإجابة الدَّعْوة، والنصيحة، وعيادة المريض، واتِّباع الجنائز، وتبادل الهدايا، وكل هذا من أسباب المحبة والأُلفة، وإزالة العداوَة والبغضاء، فعلى المسلمين أن يبْتَعدوا عن العداوة والبغضاء، والفرقة والاختلاف، والهجر لغير مقصود شرعي، والشحناء والقطيعة، فهذا ما يُريده الشيطان منهم؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم))؛ رواه مسلم، فلم يزل عدوُّ الله إبليس يُحَرِّش بين المسلمين، ويوغر صدورهم، ويُوَسْوس لهم، ويلقي في قُلُوبهم العداوة والبغضاء، والحسد والتهاجُر، والتقاطع والتنافر والتناحر، حتى وصلتِ الأمة الإسلامية إلى ما وصلت إليه من العداوة والبغضاء، والاختلاف والتفَرُّق شِيَعًا وأحزابًا؛ ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 35]، وهذا ما يُريده أعداءُ الإسلام منهم؛ حتى تضعف شوكتُهم، وتذهب قوَّتُهم، ومعنوياتهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، وهذه هي سياسة الأعداء على حدِّ قولهم: (فَرِّقْ تَسُدْ).

لذا؛ فقد أشار عليَّ بعضُ الإخوة المُحبين الناصحين أن أجمعَ رسالةً في الحثِّ على الاجتماع والائتلاف، والنهي عن التفرُّق والاختلاف، كما جاء في كتاب الله وسُنِّةِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - فيسَّر الله لهذا الموضوع كلماتٍ جوامعَ مُفيدة لجماعةٍ مِن أكابر العلماء - أثابهمُ الله تعالى، ونَفَعَ بعُلومهم - فجمعتُها، وقرأتُها، ورقَّمْتُ آياتها، وخرَّجتُ أحاديثَها التي لم تُخَرَّج في الأصل، فلعلها أن تكون حافزةً للشباب المسلم على الألفة والمحبة، والتعاوُن على البرِّ والتقوى، والبُعد عن التهاجُر والتقاطع، والعداوة والبغضاء والشحْناء؛ وقد قال - صلَّى الله عليه وسلم -: ((تُعْرض الأعمال على الله في كلِّ يوم اثنين وخميس، فيغفر لكل عبدٍ لا يشرك بالله شيئًا، إلا امرأً كانتْ بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: أنْظِروا هذَيْن حتى يصطلحا))؛ رواه مالك، ومُسلم، وغيرهما.

وما دام الطريقُ إلى الله واحدًا وهو الإسلام، الذي نزل به القرآن، وأُرسل به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيجب أن يكونَ الهدفُ واحدًا، وهو الاجتماع والائتلاف، والبُعد عن التفرُّق والاختلاف؛ طاعةً لله ولرسوله، ولتُحقَّق للمسلمين وحدتُهم، وعزَّتهم وقوتهم وسلطانهم، ونصرهم على أعدائهم، وكرامتهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]، وهذه الرسالة مُستفادة من كلام الله تعالى، وكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلام المحققين من أهل العلم، ولعل أئمة المساجد أن يقرؤوها على الجماعة، ولعل الخطباء أن يضمِّنوها خطب الجمعة، وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن ينفعَ بهذه الرسالة من كتبها، أو طبعها، أو قرأَها، أو سمعها، وأن يوحِّد كلمة المسلمين على الحقِّ والهدى، وأن يجعلهم هُداة مُهتدين، وهو حسْبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

المؤلف

عبدالله جار الله الجار الله

في 17 / 11 / 1407هـ.


 ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾[1]

أيها المسلم الكريم:

قف معي قليلاً؛ لنفكِّر سَويًّا في ماضي أمتنا المسلمة، وما كانوا عليه من عزة وهناء، وما كان لهم من مُلك واسع، وعدْل شامل، ومنعة ونفوذ ومهابة لا مثيل لها في جميع أنحاء المعمورة دون أن تكونَ لهم جُيُوش مؤلَّفة، أو أساطيل قوية تمخر البحار، أو دبابات تجوب البراري والقفار، أو طيارات سابحة في الفضاء، أو صواريخ تقذف بعيدة المَدَى، وما نحن فيه اليوم - ويا للأسف - من ذُل، وفُرقة، ومهانة، وعزلة - رغم كثرة عددنا، وعِظَم قوتنا - وكل ذلك نتيجة لما حصل بين المسلمين من تنافُر وتطاحن، وتهاجر وتشاحُن، وإعراضٍ عن كتاب الله وسُنَّةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنَّ الأمَّة الإسلاميَّة لو رجعتْ إلى قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]، فالإسلامُ حين سطع نورُه في مكة المكرمة، وارتفَع صوتُه منَ المدينة المنورة، بعد أن هاجَر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد القبيلتَيْن العظيمتَيْن[2]، اللتين رفعتا لِواء الإسلام، ونصرتا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متفرقتَيْن، فجمعهمُ الله بهداه بعد فُرقتهم، وبيَّن لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الإسلامَ لا يقوم على العُنصرية أو الشعوبية، ولا على القومية والجنسية، ولا يقوم على تفرُّق في العقيدة، أو الرأي أو الوجهة، فإنَّ الدعوة المشوبة بذلك يكون مآلها الفَشَل، ومصيرها الفناء، وبيَّن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الطريق السَّوِي لسعادة الدارَين، وعرَّفهم أنَّ دين الإسلام بُنِيَ على الحق، ومحو فرقة الجنسيَّة؛ وتلا عليهم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وجاء في الحديث: ((كلُّكم لآدم، وآدم مِن تُراب، لا فضْل لعربيٍّ على عجمي إلى بتَقْوى الله))[3]، وبيَّن لهم أنَّ الله واحد، وأنَّ نبي الإسلام واحِد، وأن القِبلة واحدة، وأن كتاب الله واحد، لا يجوز العمل بغَيْر هُداه، فعلى هذا يجب أن تكون كلمةُ المسلمين واحدة، فجمع الله شَمْلهم، ووحَّد كلمتهم، وقضى على الفُرقة التي كانتْ بينهم، وأصبحوا إخْوة متحابِّين، ورجالاً مؤمنين، كلمتهم واحدة، ووجهتهم واحدة، تحت راية الإسلام القوية التي لا تفضِّل أحدًا على أحد إلاَّ بتقوى الله - عزَّ وجلَّ - فقد رفع الإسلامُ أقوامًا كانوا في ذلَّة ومهانة، ووضع أقوامًا كانوا في أعلى قمة المجْد، ومنتهى السؤدد، فلما لَم يؤمنوا بالإسلام، وضعهم الله، فكانوا في أسْفل سافلين، ورحم الله القائل:

لَقَدْ رَفَعَ الإِسْلاَمُ سَلْمَانَ فَارِسًا               َقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ الشَّقِيَّ أَبَا لَهَبْ

أخي المسلم، إذا اتَّحَدَتْ قُلُوب الأمة على الحقِّ، وتألَّفَتْ نُفُوسها على الخير، وطهَّرت مُجتمعها من الرذيلة، وتعاوَن أفرادُها وجماعاتها على البرِّ والتقوى - نالوا الخيرَ العظيم، والسعادة الأبَدية، وفازوا بالرُّقِيِّ المحمود، وشيَّدوا بناء مُسْتقبلهم على أساس منَ الدِّين، ونور من ربِّ العالَمين، أما إذا سادتْ دعوات القوميَّة، والعصبيَّة، والشعوبيَّة، والعنصريَّة، وحصل الشِّقاق، ووجد التفرُّق والتناحُر - كانتِ المصيبةُ العظمى، والطامَّة الكبرى التي تهدم بُنيان الأُمم المشيَّد، وتقضي على حضارتها، وتحكم على مستقبلها بالذُّلِّ والتقَهْقُر، وتنذرها بوَخامة العاقبة، وسوء المصير، فمِن أجل ذلك نَهَى الله الأمَّة الإسلامية عن التناحُر والاختلاف، وحذَّرها من التفَرُّق والانحراف، وتوعَّدها بالفَشَل والإِتْلاف؛ فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

هكذا أيها المسلم الكريم، يُرشدك ربُّك إلى ما هو في صالحك دينًا ودنيا، فقف معي قليلاً؛ لنرجع إلى سيرة أسلافنا الكرام، وما كانوا عليه من شَرَفٍ رفيع، وعزٍّ منيع، وقوة قاهرة قهرت كل جبابرة العالَم، والتي سقط أمامها عروشُ الظُّلم والطغيان، وأوكار الاستبداد والعصيان، ومعاقل الكبرياء الجوفاء، والعز الموهوم، فقد تمكَّن أولئك الأسلاف الأمجاد من نشر لواء الإسلام في جميع أصقاع المعمورة، وبسَطُوا لواء العدْل والمُساواة بين أفراد الأمَّة، ولم يكنْ ذلك - كما قدَّمنا - بكثْرة العدَد، ولا بقوة العدَّة، ولكنه - والله يعلم - إنَّما كان بسبب اتِّصافهم بالإيمان، وتَمَسُّكهم بدينهم القَويم، وتحاكُمهم إلى القرآن، مع صِدْقٍ في الأقوال والأفعال، ووفاء بالوُعُود والعهود، وحب بعضهم لبعض، وإخاء في الله، واتِّحاد كامِل في جميعِ ميادِين الحياة، يا أهْل القرآن، لستُم على شيء حتى تُقيموا القرآن.

أخي المسلم، إذا نظَرْنا إلى الفجوة السحيقة التي تردَّى فيها بعضُ أبناء المجتمع الإسلامي اليوم، توضح مدى ما وَصَلُوا إليه من المخالَفة الصريحة لأوامِر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والدلائل على ذلك بارزة يلمسها كلُّ مَن رزق أدنى مقدار من الإيمان، وأكبر دليل على ما تقدَّمَ: هو وُجُود هذه التناحرات التي مُني بها العالَمُ الإسلامي؛ من الدعوة إلى القَوْميَّة، والوُقُوف إلى جانبها، ونبْذ الدعوة الإسلامية، ومُعاداة مَن دعا إليها، وهي الأساس لهذا الدِّين الحنيف، والرمز لمحاسن الشرع الشريف، والعنوان لِمَجْد الإسلام المنيف.

إنَّ المجتمع الإسلامي قد أُصيب بتَشَعُّب الآراء، وتبايُن مذاهب الناس، وتغيرت وجهات الأمة، وأصبح العالَم الإسلامي يتأرْجح ذات اليمين وذات الشمال، لا يدْري ما الله صانعٌ فيه، وإن الذي يضمن السعادة والنجاح، ويُحقق الفوز والفلاح - هو الرُّجوع إلى الله، والسيْر على هدي كتاب الله الذي أنزله نُورًا وبُرهانًا، والتمَسُّك بسُنَّة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - والعمَل بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، والتزام تحكيم كتاب الله وسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرجوع إليهما فيما شجر بين الأمَّة، مِن اختلافٍ في الرأي أو الوجهة؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، ولا يتَحقق ذلك إلاَّ برفْض القوانين الوضعية المستوردة من الخارج، والدخيلة على ديننا وأمتنا وبلادنا، والتي مصدرها آراء الملاحِدة، ومُفكرو أعداء الإسلام؛ ذلك لأنَّ شريعتنا الغرَّاء كاملة، لا تحتاج إلى سواها، وفيها ما يغنينا عن غيرها، إن نحن رجعنا إليها، وحَكَّمناها في جميع شؤوننا؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

هذا؛ ونسأل الله أن يوفِّق قادة الأمة وزعماءَها إلى الاحتكام إليها في جميع ميادين الحياة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحْبه وسلم.


 حث الشارع على الائتلاف والاتفاق، ونهيه عن التعادي والافتراق[4]

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 103]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئٍ منَ الشَّرِّ أن يحقرَ أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه))؛ متَّفق عليه.

وفي الكتاب والسنة منَ الحث على هذا الأصل نصوص كثيرة، تأمر بكلِّ ما يقوي الألفة، ويزيد في المحبَّة، ويدفع العداوة والبغضاء، وما ذاك إلا لما في الاجتماع والاتِّفاق من الخيرِ الكثير، والثمرات الجليلة، والبركة والقوة، ولما في ضدِّه مِن ضد ذلك.

قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]؛ يعني: تَخْتَلفوا، وتذهب روحكم الحقيقية، ومعنويتكم النافعة، وقد جمع الله في هذه الآية الأمر بالسعْي؛ لتحصيل القوة المعنوية بالإيمان والثبات، والصبر والاجتماع، وعدم التنازع والتفرق، وبالقوة المعنوية أيضًا والمادية في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].

فمتى امتَثَل المسلمون أمْر الله، فسعوا في حصول الاتفاق، وإزالة العداوات وأسبابها، وكانوا يدًا واحدة في السعي في مصالحهم المشتَركة، ومقاومة الأعداء، وبتحصيل القوة المادية بكل مقدور ومستطاع، وكان أمرهم شورى بينهم، متى عملوا على ذلك كله، حصل لهم قوة عظيمة يستدفعون بها الأعداء، ويستجلبون بها المصالح والمنافع، وعاد صلاح ذلك إلى دينهم، وجماعاتهم وأفرادهم، ولم يزالوا في رُقي مطَّرِد في دينهم ودنياهم، ومتى أخلُّوا بما أَمَرَهم به دينهم، عاد الضررُ العظيم عليهم، فلا يلوموا إلاَّ أنفسهم، وقد وعد الله العزَّ والنصر لِمَن قاموا بالتقوى، واعتَصموا بحَبْله، وتَمَسكوا بدِينه، وأخبر أن هذا دين جميع المرسلين؛ قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورى: 13]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105].


أيها المسلمون:

عليكم بلُزوم ما حثَّكُم عليه دينكم من المحبة والائتلاف، وإياكم والتفرُّقَ والاختلاف، عليكم بعمل جميع الأسباب المقربة للقلوب، وإياكم والعداواتِ والضغائنَ التي لا تكسب إلا شرًّا، احذروا سَماسرة الأعداء الذين يلقون بين المسلمين بذور العداوة والشقاق، ويدَّعون أنهم مسلمون، وإنما هو غِلٌّ ونفاق، المسلم هو الذي يسعى في جَمْع كلمة المسلمين واتفاقهم، ويحذِّر غاية التحذير من تدابُرهم وافتراقهم، ما طمع الأعداء وتسلطوا إلا بسلاح الفرقة الفتَّاك، ولا استعمروا أقطاركم وسيطروا على مصالحكم، إلا بعد ما انحلَّتْ معنويتكم التي هي الحِصْن الحصين، الواقية من الوُقُوع في الأشراك.

يا أيها المسلمون:

قُوا أنفسكم وقومكم مصارع الهلاك، وتسابقوا إلى استنقاذهم من هوَّة الدمار، أَمَا علمتم أن الأعداء إذا كنتم يدًا واحدة، ينظرون إليكم نظر التعظيم والرهبة والإكبار، فما زالوا يلقون بينكم الشقاق والفُرقة، ويضربون بعضكم ببعض حتى قضوا على معظم مقوماتكم، وما بقى إلا رمق حياة، إن أنتم عالجتموها، وسعيتم في تنميتها وتقويتها، رجيت لكم السلامة والأمن على مستقبلكم، وقد آن الأوان للجد وشد المئزر، والتعاضُد بين المسلمين، وبين حكوماتهم، وجماعاتهم على وجه الحكمة ورعاية المصلحة، فقد وقفوا على الداء، وعرفوا كيفيةَ الطريق إلى العلاج والدواء، وقد تقارَب ما بين حكومات المسلمين، واضطرتهم الأحوال إلى انضمام بعضهم إلى بعض، وعرفوا أن هذا هو الطريق الوحيد لعزِّهم، ونرجو الله أن يوفِّقهم للعمل الناجح، والسعي النافع.

أيها المسلمون:

أنتم الآن في مفترق الطرق بين الأمم، فإما تمسُّكٌ بدينكم، واجتماع به يحصل الفلاح، وإما إعراض وتفكُّك لا يرجى بعده عزٌّ ولا نجاح.

أيها المسلمون:

قوموا لله، واعتصموا بحبْل الله، واطمعوا واثقين بنَصْر الله، فالله مع الصابرين المتَّقين، وهو المولَى، ونعم النصير، طوبَى للرجال المُخصلين، وا شَوْقا إلى الألبَّاء الصادقين، الذين ينهضون هِمم المسلمين في أقوالهم وأفعالهم، ويُحذرون مسالك الشَّرّ في كلِّ أحوالهم، يسعون في تقريب القلوب، ويُجاهدون حق الجهاد في هذا السبيل، دأبهم القيام بدين الله، والنصيحة لعباد الله، كل امرئٍ منهم بحسب مقدوره، هذا بتعليمه وكلامه، وهذا بوَعْظِه وإرْشاده، وهذا بقوَّتِه وماله، وهذا بِجاهه وتوْجيهه إلى السبيل النافع، قد تعددت طرقهم، واتفقتْ مقاصدهم، أولئك هم المفلحون.


 الأمر بالاجتماع والائتلاف، والنهي عن التفرُّق والاختلاف[5]

الحمد لله الذي ألَّف بين قلوب عباده المؤمنين، وجعلهم أنصارًا وأعوانًا وإخوة في الدِّين، أحمده وأستغفره وأتوب إليه، وبه أستعين، وأصلي على رسوله محمد، سيد الأولين والآخرين، وأفضل السابقين واللاحقين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

أما بعدُ:

فهذه كلماتٌ يسيرة تحثُّ على الأمر بإصلاح ذات البَيْنِ، والنهي عن التهاجر والتقاطع، والبغضاء والحقد والحسد، والأمر بالاجتماع والائتلاف، والنهي عن التفرُّق والاختلاف، والاعتصام بحبل الله جميعًا؛ قال الله - عزَّ وجلَّ - وهو أصدق القائلين: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10]، وقال تعالى: ﴿لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 102 - 103]، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

فرتَّب الله - تبارك وتعالى - في هذه الآيات الكريمات الثوابَ الجزيل على الإصلاح والتآلُف بين المؤمنين، وجعَلَ ذلك من أفضل الخِصال المنجية يوم الدِّين، ونبَّه - سبحانه - على أنَّ الاعتصام بحبْله، والاجتماع على طاعته، فيه العزُّ والشرَف في الدنيا والآخرة، وأنَّ الاختلاف يورث الفشَل، والجبن، وذهاب القوة والوحدة، وما كانوا فيه منَ الإقبال والتقدُّم.

وأما الأحاديثُ الواردة في فضْل الإصلاح بين الناس، والنهْي عن التهاجُر، فكثيرة جدًّا، ولنذكر منها ما تيسَّر؛ فمنها ما في الصحيحَيْن، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كل سُلامَى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته صدقة... إلخ))[6] الحديث، فقوله: ((تعدل بين اثنين) أي: توفق بينهما، وتزيل الوحشة الواقعة بينهما، ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي الدرداء: ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة))[7]، وفي حديث أنس - رضي الله عنه - قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، إذ رأيناه ضحك حتى بدتْ ثناياه، فقال عمر - رضي الله عنه -: ما أضحكك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي؟ فقال: ((رجلان من أمتي جَثَيَا بين يدي ربِّ العزَّة - تبارك وتعالى - فقال أحدهما: يا رب، خُذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله - تعالى -: أَعْطِ أخاك مظلمته، قال: يا رب، لم يَبْقَ من حسناتي شيء، فقال: فليحمل من أوزاري، قال: ففاضَتْ عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبكاء، ثم قال: إنَّ ذلك ليومٌ عظيم، يَحْتاج الناسُ إلى مَن يتَحَمَّل عنهم من أوزارهم، فقال الله - عزَّ وجل - للطالب: ارفع بصرك فانظُر في الجنان، فرفع رأسه، فقال: يا رب، أرى مدائن فضَّة، وقصورًا من ذهب مكلَّلة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صِدِّيق هذا؟ لأي شهيدٍ هذا؟ قال: هذا لِمن أعطى ثمنه، قال: يا رب، ومَن يملك ثمنه؟ قال: أنت تملكه، قال: ماذا يا رب؟ قال: تعفو عن أخيك، قال: يا رب، فإنِّي قد عَفَوْتُ عنه، قال الله - عزَّ وجلَّ -: خذ بيد أخيك فادخُلا الجنة))، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم، فإنَّ الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة))[8]، ومعنى قوله: ((اتَّقوا الله) أي: بطاعته فراقبوه، وأصلحوا الحال بترك المنازَعة والمخالَفة.

وأما الأحاديث الواردة في النهي عن التهاجُر والتقاطع، فمنها حديث أبي أيوب - رضي الله عنه - المتفق عليه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يحل للرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيُعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))[9]، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المتفق عليه: ((ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا))[10]، فنهى المسلمين عن التباغُض بينهم في غير ذات الله - عز وجل - بل على هوى النفوس، فإنَّ المسلمين جعلهم الله إخوة، والإخوة يتحابون بينهم، ولا يتباغَضون، وأما البُغض في الله، فهو من أوثق عُرَى الإيمان، وليس داخلاً في النهي، كما في الحديث: ((أوثَق عُرى الإيمان: الحب في الله، والبُغض في الله))[11]، وفي الحديث أيضًا الذي أخرجه مسلم، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبدٍ لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلاً كانتْ بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: أَنظِروا هذَين حتى يصطلحا))[12]، وفي الحديث أيضًا الذي أخرجه مسلم بلفظ: ((تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: يوم الاثنين والخميس، فيُغفَر لكل عبدٍ مؤمنٍ، إلا عبدًا بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: اتركوا هذين حتى يفيئا))[13]، وفي الحديث أيضًا الذي خرجه أحمد، وأبو داود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمَن هجر فوق ثلاث، فمات، دخل النار))[14]، وفي حديث أبي خراش السُّلَمي الذي أخرجه أبو داود: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((دَبَّ إليكم داءُ الأمم قبلكم: الحسد، والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدِّين))[15]، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إياكم وسوءَ ذات البين؛ فإنها الحالقة))[16]، وروي من حديث أبي أمامة مرفوعًا: ((ترفع الأعمال يوم الاثنين، والخميس، فيغفر للمستغفرين، ويترك أهل الحقد كما هم))[17]، وخرَّج أبو داود من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النارُ الحطبَ) أو قال: ((العشب))[18]، وخرج الحاكم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ((سيصيب أمتي داءُ الأمم) قالوا: يا نبي الله، وما داء الأمم؟ قال: ((الأَشَر، والبَطَر، والتكاثُر، والتنافس في الدنيا، والتباغُض، والتحاسُد، حتى يكون البغي، ثم الهرج))[19].

واعلموا - رحمكم الله - أن أكثر ما يقع التشاجر والتشاحن، وسوء ذات البين بسبب النميمة، وسوء الظن بالمسلمين، أما النميمة فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يدخل الجنة نمَّام))[20]، وهي: نقْل كلام إنسان إلى آخر على جهة الإفساد، وفي الأثر: ((يُفْسِدُ النَّمَّامُ والكذَّاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة))، وفي حديث أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لما عُرِجَ بي، مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نحاس يخمشون وجوههم، وصدورهم، فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم))، رواه أبو داود[21]، وفي حديث المستورد بن شداد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أكل برجل مسلم أكلة، فإن الله يطعمه مثلها من جهنم يوم القيامة، ومن كسا ثوبًا برجل مسلم، فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام سمعة ورياء، فإن الله يقوم له يوم القيامة مقام سمعة ورياء))، رواه أبو داود[22]، فاحذروا - رحمكم الله - من الوقوع في أعراض الناس المسلمين، وطهروا أفواهكم من لحومهم، لا سيما أهل الخير، وحملة الشرع؛ فإن الوقوع في لحومهم أعظم.

ومما ينبغي على المسلم أن يقبل عذر أخيه إذا اعتذر إليه، فمَن رد أخاه بعد عذر وتوبة كان عليه من الإثم مثل خطيئة صاحب مكس؛ كما ورد ذلك في حديث جابر الذي رواه البيهقي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من اعتذر إلى أخيه فلم يعذره، ولم يقبل عذره، كان عليه إثم خطيئة صاحب مكس))[23].

وقد وصف الله أصحابَ محمد - صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم - بأنهم أشداء على الكفَّار رُحماء بينهم، ووصف عبادَه المؤمنين المحبِّين المحبوبين بأنهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿المائدة: 54]؛ أي: أهل رقة، وشفقة، وعطف، ولين، ورحمة، لإخوانهم المؤمنين، كالولد مع والده، والعبد مع سيده، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]؛ أي: أهل غلظة، وشدة يلقونهم بوجوه مُكفهِرَّة، عابسة كالأسد على فريسته، ووصفهم نبيُّهم - صلى الله عليه وسلم - في توادِّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم بالجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر[24]، فهكذا كونوا - يا عباد الله - إخوانًا، ولا تتفرق بكم السبل على الطرق المثلى، عن الطريق المنجية، عن الطريق الموصلة إلى الله والدار الآخرة؛ فإنَّ الشيطان له غرض في بني آدم، لكن لما أيس أن يعبدَه المصلون في جزيرة العرب، رضي بالتحريش بين المسلمين، فشنَّ الغارة عليهم، وأتاهم من كل طريق، فمَن اعتَصَم بحبْل الله، وجاهَد العدو، كان على سبيل نجاة، ومن اتَّبع هواه، ولَمْ يلتفتْ إلى ما أمره به مولاه، كان الهلاك إليه أقرب من حبل الوريد.

فيا عباد الله:

اتقوا الله وراقبوه، واعتَصموا بحبْله جَميعًا، ولا تفَرَّقوا؛ ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26].

وأزيلوا ما في قلوبكم من الحسد والبغضاء، والحقد والتهاجُر، ولا تُشَمِّتوا أعداءكم بالتفرُّق والاختلاف، وأغيظوهم بالاجتماع والائتلاف، واشكروه على ما أسداه عليكم ومَنَّ به من النعم الدينية، والدنيوية، والبدنية، التي لا تُحصَى ولا تُستَقصَى، ولا تُغيرُوا فيُغَيِّر الله عليكم؛ فإنَّ الله لا يُغَيِّر ما بقومٍ حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم، ولا تغترُّوا بحلمِه وستْره؛ فإنَّ أخْذه أليم شديد، واتَّقوا الله؛ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]، وأصلحوا قلوبكم، يصلح الله أعمالكم، وأخلصوا أعمالكم، يصلح الله أحوالكم، وارحموا ضعفاءكم، يرفع الله درجاتكم، وواسوا فقراءكم، يوسع الله أرزاقكم، وخذوا على أيدي سفهائكم، يبارك لكم في أعمارِكم.

هذا؛ وأسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يمنَّ على الجميع بالهداية والتوفيق، وأن يسلك بنا وبكم أحسن منهج وأقوم طريق، وأن ينصرَ دينه، ويعلي كلمته، ويجعلنا وإياكم مِن أنصار دينه وشرعه، وأن يحفظ إمامنا إمام المسلمين وولي عهده، إنه جَوَاد كريم، رؤوف رحيم، وصلى الله وسلم على محمد الأمين وآله وصحبه أجمعين.

صالح بن أحمد الخريصي

20 / 5 / 1402هـ.

﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾[25]

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وبعدُ:

فإنَّ الله - سبحانه وتعالى - لَمَّا أرسل رسولَه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أرسله بالحنيفية السمحة، أرسلَه هاديًا مرشدًا، ومعلمًا مصلحًا، جامعًا لا مُفَرِّقًا، وخلال ثلاث وعشرين سنة تَمَّ له ما أراد بإذن ربه، والآيات الآتية تُوَضِّح منهجه، وطريقته - صلى الله عليه وسلم - في جمع العرب المتناحرين والمتفرقين، وتوضح كيف أزال الإسلامُ الفوارقَ بين الطبقات، وجعلها أمة واحدة، ودعا إلى وُجُوب الاجتماع وعدم الفرقة؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: 92]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم))[26]، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، ومن بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سار الصحابة وسار مِن بعدهم السلفُ الصالح، وكان الاختلاف بينهم يسيرًا، كان سبب ذلك هو التفاوت في فَهم النصوص، وجاء الأئمة الأربعة، واجتهدوا لتقريب مفهوم الكتاب والسنة إلى أفهام الناس، وكانوا يقولون: "لا يجوز لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم دليلنا"، ويقول أحدهم ما معناه: إذا وجدتم دليلاً يعارض قوْلِي، فاضربوا بقولي عُرْضَ الحائط، وقصْد أولئك الأئمة معروفٌ، هو مساعدة الناس على فَهم الكتاب والسنة، ولَم يَكُن قَصْدهم أن يأتِي من بعدهم أناس يتَعَصَّبُون لأقوالهم، وبعد ذلك انتشر التقليد والتعَصُّب، وانسدَّ باب الاجتهاد، والبحث والتقَصِّي وراء الأحكام.

ودارت الأيام والسنون، والله ييسر لهذه الأمة بين الفَيْنة والأخرى مَن يوقظها، ويطرد الشكوك والتعصُّب والاختلاف عنها.

وكان بدْء البُعْد والاختلاف بسبب وُجُود الدعوات المناوِئة للإسلام، والتي تريد المسلمين مختلفين في أمرهم، ولا تريد اجتماعهم، ومع علم الكثير بهذا، إلا أننا نُلاحظ عددًا من الجماعات تُمارس الدعوة إلى الله مع وجود تنافر بين هذه الجماعات، فما هو المبرِّر؟ ولماذا لا يتَّحد هؤلاء تحت راية الدعوة إلى الإسلام؟ لا تبليغية، ولا سلفية، ولا إخوانية، وإذا كان يوجد لدى إحدى هذه الجماعات أخطاء - وجَلَّ مَن لا يخطئ - فعند الأخرى مثلها، أو أكثر أو أقل، فلماذا لا يسود التفاهُم والتناصح، والألفة والمحبة، والاجتماع على ضوء الآيات السابقة؟! حتى يسود مجتمعاتنا جُهد مُكَثَّف للدعوة، لا تنافُر، ولا حِقد، ولا كراهية، ولا نقول: إنَّ إحدى هذه الجماعات على خطأ، ولكن نخاف أن تفقد الهمة، وتضعف العزيمة، ويولد جيل من المخلصين لا يعرف إلاَّ التعَصُّب لهذه أو تلك، وهذا ما يريده أعداء الإسلام عاجلاً أو آجلاً، فماذا ننتظر؟ هل ننتظر اليهود والشيوعيين ليوَحِّدُوا صفوف الدعاة إلى الله؟! لماذا لم يختلفوا في باطلهم؟! ولَم يتفَرَّقوا في غيِّهم؟! والمسلمون تفرقوا شِيَعًا، كلٌّ يدَّعي أن الحق معه، هذه أمنية لأعداء الإسلام.

إنَّ الداعية إلى الله لا يحب أن يصرف جهده إلى علم، أو طريقة معينة، فلا يصرف - مثلاً - جهده لعلم من العلوم الإسلامية إلى آخر، وإنما يجب أن يصرف جهده لجميع أنواع العلوم الإسلامية؛ من حديث، وفقه، وتوحيد، وتفسير، ويجب عليه معرفة الأمراض التي تسري في الأمة سريان النار في الهشيم، ومعالجتها، وتوضيح بطلانها.

وأعود فأقول: يجب ضم جميع الجماعات الداعية إلى الله تحت راية واحدة؛ حتى يتَحَقَّق الأملُ المنشود، والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين[27].


 الحث على الألفة بين المسلمين والمودَّة

الحمدُ لله الذي جعل المؤمنين إخوة في الإيمان، فكانوا في شد بعضهم بعضًا وتعاونهم كالبنيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الرحيم الرحمن، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الإنسان، صلى الله عليه وآله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، وسلَّم تسليمًا.

أما بعدُ:

أيها الناس:

اتَّقوا الله تعالى، واعلموا أنكم إخوة في دين أقوى مِن كلِّ رابطة وصِلة، فيوم القيامة لا أنساب بينكم، ولكن ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا المُتَّقِينَ﴾ [الزُّخرف: 67].

أيها المسلمون:

فنَمُّوا هذه الأخوَّة، وقوُّوا تلك الرابطة، بفِعْل الأسباب التي شرعها الله لكم ورسولُه، اغرسوا في قلوبكم الموَدَّة والمحبة للمؤمنين، فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله[28]، ومن أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك[29].

أيها المسلمون:

إن الأمة لا تكون أمةً واحدة، ولا يحصل لها قوة ولا عزَّة، حتى ترتبط بالروابط الدِّينية، حتى تكون كما وصفَها نبيُّها - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا))[30]، لقد أرْسَت الشريعة أُسس تلك الروابط والأواصر، فشرع الله ورسوله للأمة ما يؤلِّف بينها، ويُقوي وحدتها، ويحفظ كرامتها وعزتها، ويجلب المودة والمحبَّة.

شرع للأمة أن يُسَلِّم بعضهم على بعض عند ملاقاته، فالسلام يغرس المحبة، ويقوِّي الإيمان، ويدخل الجنة؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم))[31]، وخير الناس من بدأهم بالسلام[32]، فإذا لقي أحدكم أخاه المسلم، فلْيَقُل: السلام عليكم، وليرد عليه أخوه بجواب يسمعه، فيقول: وعليكم السلام، ولا يكفى أن يقول: أهلاً وسهلاً، أو كلمة نحوها، حتى يقول: وعليكم السلام، ولا يحل للمسلم أن يهجرَ أخاه المسلم؛ لأن ذلك يوجب الكراهية والبغضاء والتفرُّق، إلا أن يكون مجاهرًا بمعصية، ويكون في هجْره فائدة تردعه عن المعصية، فالهجر بمنزلة الداء إن كان نافعًا بإزالة المعصية أو تخفيفها كان مطلوبًا، وإلا فلا؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يحل للمسلم أن يهجرَ أخاه فوق ثلاث، فمَن هجر فوق ثلاث، فمات، دخل النار))[33]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((تعرض الأعمال على الله في كل اثنين وخميس، فيغفر في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا، إلا امرأً كانتْ بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذَيْن حتى يصطلحا))[34].

وشرع للأمة أن يعود بعضُهم بعضًا إذا مَرِضَ، فعيادة المرضى تجلب الموَدَّة، وترقِّق القلب، وتزيد في الإيمان والثواب، فمن عاد مريضًا ناداه منادٍ من السماء: طبت وطاب ممشاك[35]، ومن عاد أخاه المسلم لم يزل في جنى الجنة حتى يرجع[36]، وينبغي لمن عاد المريض ألاَّ يطيل الجلوس عنده، إلا إذا كان يرغب ذلك، وينبغي أن يُذكره بما أعَدَّ الله للصابرين من الثواب، وما في المصائب من تكفير السيئات، وأن لكل كربة فرجة، ويفتح له باب التوبة، والخروج من حقوق الناس، واغتنام الوقت بالذكر، والقراءة، والاستغفار، وغيرها مما يُقَرِّب إلى الله، ويرشده إلى ما يلزمه من الوضوء، إن قدر عليه، أو التيمُّم، وكيف يصلِّي، فإنَّ كثيرًا من المرضى يجهلون كثيرًا من أحكام الطهارة والصلاة، ولا يحقرن أحدُكم شيئًا من تذكير المريض وإرشاده، فإن المريض قد رقَّت نفسه، وخشع قلبه، فهو إلى قبول الحق والتوجيه قريب.

وأمر بالإصلاح بين الناس ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10]، وأخبر أن ذلك هو الخير ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114]، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((تعدل بين اثنين صدقة))[37]، إن الإصلاح بين الناس رأبٌ للصدع، وَلَمٌّ للشعْث، وإصلاحٌ للمجتمع كله، وثوابٌ عظيم لِمَن ابتغى به وجْه الله، إنَّ الموفَّق إذا رأى بين اثنين عدَاوة وتباعُدًا، سعى بينهما في إزالة تلك العداوة والتباعُد، حتى يكونا صديقين متقاربَيْن.

وأمر باجتماع المسلمين على كلمة الحق، والتشاور بينهم في أمورهم حتى تتم الأمور، وتنجح على الوجه الأكمل؛ فإنَّ الآراء إذا اجتمعتْ مع الفَهْم والدراية، وحسن النية، تحقَّق الخبر، وزال الشرُّ - بإذن الله تعالى.

أيها المسلمون:

إنَّ القاعدة الأصيلة بين المسلمين أن يسعوا في كلِّ أمر يؤلِّف بين قلوبهم، ويجمع كلمتهم، ويوَحِّد رأيهم، وأن ينابذوا كل ما يضاد ذلك، ومن أجل ذلك حرَّم على المسلمين أن يهجر بعضهم بعضًا؛ إلا لمصلحة شرعية، وإنك لترى بعض المسلمين حريصًا على الخير، وجادًّا في فعله، لكن غرَّه الشيطان في هجْر أخيه المسلم من أجل أغراض شخصية، ومصلحة دنيوية، ولَم يعلم أن الإسلام الذي منَّ الله به عليه أسمى وأعلى من أن تؤثر الأغراض الشخصية، أو المصالح الدنيوية في الصلة بين أفراده، وحرم على المسلم أن يوقع العداوة بينهم بالنميمة، ويسعى في الإفساد، يأتي إلى شخص فيقول له: قال فيك فلان: كذا وكذا، فيلقي العداوة بينهما، ولم يعلم أنه بنميمته هذه أصبح من المفسدين في الأرض، المتعرِّضين لعقوبة الله؛ فقد مَرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبرَيْن، فقال: ((إنهما ليعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة))[38]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يدخل الجنة نمَّام))[39]، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1][40].


n

الموضوع

 الصفحة

المقدمة

2

واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا

5

حث الشارع على الائتلاف والاتفاق، ونهيه عن التعادي والافتراق

8

الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن التفرق والاختلاف

11

إن هذه أمتكم أمة واحدة

16

الحث على الألفة بين المسلمين والمودة

18

فهرس

21



[1] من رسالة: "توجيهات إسلامية"؛ للشيخ: عبدالله بن محمد بن حميد - رحمه الله تعالى - ص22.

[2] وهما: الأوس والخزرج.

[3] رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن، وصححه الأرناؤوط.

[4] من كتاب "الرياض الناضرة"؛ للشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - ص58 - 61.

[5] للشيخ صالح بن أحمد الخريصي.

[6] البخاري: 3/170 - 171، كتاب الصلح، مسلم: 3/83، كتاب الزكاة.

[7] رواه أبو داود: 5/ 218، كتاب الأدب، والترمذي: 5/ 663، كتاب صفة القيامة، وقال: هذا حديث صحيح.

[8] ذكره ابن كثير في التفسير: 2/ 305، وقال: إن الحديث رواه أبو يعلي، وذكر إسناده، فقال: وإسناد الحديث ضعيف.

[9] البخاري: 8/ 45، كتاب الاستئذان، مسلم: 4/ 1984، كتاب البر والصلة والأدب.

[10] البخاري: 7/ 91، كتاب الأدب، مسلم: 8/ 8، كتاب البر والصلة.

[11] أحمد: 4/ 286، والطبراني في "الكبير" وغيرهما، وهو حسن بمجموع طرقه.

[12] مسلم: 8/ 11، كتاب البر والصلة.

[13] مسلم: 8/ 12، كتاب البر والصلة.

[14] أحمد، وأبو داود 5/ 215، وإسناده صحيح.

[15] رواه الترمذي: 4/ 664، وأحمد، وذكره الهيثمي في: "مجمع الزوائد"، وعزاه إلى البزَّار، وقال إسناده جيد.

[16] الترمذي: 4/ 663 - 664، وقال: هذا حديث صحيح.

[17] ورد في مسلم بلفظين عن أبي هريرة: ((ترفع، و تفتح أبواب الجنة... )).

[18] أبو داود: 5/ 208 - 209، عن إبراهيم بن أبي أسيد عن جده، وقال البخاري في "التاريخ الكبير" 1/ 272 عن هذا الحديث: لا يصح؛ انتهى.

[19] "المستدرك" 4/ 168، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

[20] رواه البخاري، ومسلم.

[21] أبو داود: 5/ 194، وغيره، وهو حديث صحيح.

[22] أبو داود: 5/ 195، وإسناده ضعيف.

[23] رواه ابن ماجه، وله طرق لعله يرتقي بها إلى درجة الحسن، والمكس: الجباية ظلمًا.

[24] في الحديث الذي رواه البخاري، ومسلم.

[25] بقلم مسلم ناصح.

[26] رواه مسلم.

[27] عن مجلة الدعوة، العدد 643 في 11 / 4 / 1398هـ.

[28] رواه أحمد، والبيهقي، والطبراني.

[29] قال في "فتح المجيد": رواه ابن جرير، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم الجملة الأولى منه فقط.

[30] رواه البخاري، ومسلم.

[31] رواه مسلم، وغيره.

[32] كما في الحديث الذي رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما.

[33] قال المنذري: رواه أبو داود، والنسائي بإسناد على شرط البخاري، ومسلم.

[34] رواه مالك، ومسلم، وغيرهما.

[35] كما في الحديث الذي رواه الترمذي، وحسنه، وابن ماجه، وابن حبان، في "صحيحه"، وتمامه ((وتبوأت من الجنة منزلاً)).

[36] كما في الحديث الذي رواه مسلم.

[37] رواه البخاري، ومسلم.

[38] رواه البخاري، ومسلم.

[39] رواه البخاري.

[40] من خطب الشيخ: محمد الصالح العثيمين، ص523.

رأيك يهمنا