المشروع والممنوع في المسجد

نبذة مختصرة

المشروع والممنوع في المسجد : المسجد مدرسة الرجال، ومحضن الأبطال، وبقدر الاهتمام به وتفعيل دوره يوجد الرجال، وفي هذه الرسالة بيان أهمية المساجد في حياة المسلم، مع بيان المشروع والممنوع في المسجد.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 المشروع والممنوع في المسجد

  [مقدمة]

المشروع والممنوع في المسجد

(1/0)


بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71] وبعد. . فعملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يشكر الله من

(1/3)


لا يشكر الناس» فإني أشكر الله سبحانه وتعالى ثم أشكر معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - الذي شرفني بالحديث عن موضوع المشروع والممنوع في المساجد - ضمن أعمال ندوة عمارة المساجد، والمعرض المصاحب لها بجامعة الملك سعود المقرر عقدها في شوال 1419هـ. ذلك لأنه موضوع حيوي مهم لكل مسلم، لا سيما وأن المسجد هو شريان حياة المسلمين في أمور دينهم ودنياهم بما يمارسونه من إقامة الصلوات الخمس والجمعة، وبما يتلقون من دروس ومواعظ، وندوات ومحاضرات، وخطب وحلق قرآن وغيرها، مما يفرح المسلم الذي يهتم ويشارك في بناء المساجد، والحرص عليها عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من سرته حسنته فهو مؤمن، ومن ساءته سيئته فهو مؤمن» فيزيد المهتم بذلك اهتماما وتعاونا، وربما يوقظ غافلا عن هذا الجانب فيشارك فتتضافر الجهود، ويتعاون الجميع على عمارة المساجد حسيا ومعنويا، فيحصل الأجر العظيم مستشعرين قول الحق سبحانه وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليدخل الجنة السهم ثلاثة نفر صانعه يحتسب الأجر ومنبله والمناول له» .

(1/4)


لذا أؤكد على الحرص بالاهتمام بالمساجد، سواء بالرأي والمشورة أو بالجاه أو الشفاعة الحسنة، أو بالمال أو تولي الإمامة والأذان، أو إلقاء المحاضرات والدروس أو تولي حلق القرآن أو الدلالة على الخير كل حسب استطاعته عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «الدال على الخير كفاعله» ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من فعله من غير أن ينقص من أجورهم شيئا» .

  [تعريف المشروع في المسجد]

تعريف المشروع في المسجد: هو ما يشرع فعله في المسجد وجوبا كان ذلك أو استحبابا.

  [تعريف الممنوع في المسجد]

تعريف الممنوع في المسجد: هو ما يمنع فعله في المسجد تحريما أو كراهة.

 [أهمية المساجد في حياة المسلمين]

أهمية المساجد في حياة المسلمين: المسجد لغة: من سجد يسجد سجودا إذا وضع جبهته على الأرض. والمسجد شرعا: الأصل فيه كل موضع من الأرض لقوله صلى الله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» . وهذا من

(1/5)


خصائص هذه الأمة، قال القاضي عياض: لأن من كان قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته، ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما نهي عنه. وقال القرطبي: هذا ما خص الله به نبيه، وكان الأنبياء قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس. ثم إن العُرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس، حتى يخرج المصلى الذي يجتمع فيه للأعياد ونحوها، فلا يعطى حكمه. ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة، لقرب العبد من ربه، اشتق منه اسم المكان للموضع الذي بني للصلاة فيه، فقيل: مسجد، ولم يقولوا: (مركع) مثلا أو غيره مما يشتق من أفعال الصلاة. فالمساجد بيوت الله سبحانه وتعالى ولمكانتها وفضلها ذكرها الله سبحانه في ثمان وعشرين آية من كتابه الكريم، وأضافها إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، فقال سبحانه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] ورغب سبحانه في بنائها وعمارتها وأخبر أن عُمَّارها المؤمنون بالله واليوم الآخر قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 18]

(1/6)


فالمساجد دور عبادة وذكر وتضرع وخضوع لله سبحانه، ومواضع تسبيح، وابتهال وتذلل بين يدي الله سبحانه، ورغبة فيما عنده من الأجر الكبير ومقام تهجد، وترتيل لكتاب الله وحفظ له، وغوص وراء معانيه، كما أخبر سبحانه أن تعطيل المسجد، ومنع الناس من ذكر الله فيه ظلم، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114] وجعل القرآن الكريم الدفاع عن المساجد وحمايتها مطلبا من مطالب هذا الدين يشرع لأجله القتال في سبيله، قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40] قال القرطبي رحمه الله تعالى عن هذه الآية: أي لولا ما شرعه الله سبحانه وتعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما يبنيه أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة وليس هذا بغريب فالمساجد أحب البقاع إلى الله، وهي

(1/7)


قلعة الإيمان ومنطلق إعلان التوحيد لله سبحانه وتعالى، فهي المدرسة التي خرجت الجيل الأول، ولا زالت بحمد الله تخرج الأجيال، وهي ميدان العلم والشورى والتعارف والتآلف، إليها يرجع المسافر أول ما يصل إلى بلده شاكرا الله سلامة العودة مستفتحا أعماله بعد العودة بالصلاة في المسجد إشعارا بأهميته وتقديمه على المنزل تذكيرا بنعمة الله سبحانه وتوثيقا للرابطة القوية للمسجد. ولذا تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أول عمل قام به بعد هجرته من مكة إلى المدينة بناء المسجد المسمى مسجد قباء. والذي ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله سبحانه: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] وسار على ذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم في القرون المفضلة، ومن بعدهم من السلف الصالح، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسس مسجده على التقوى، ففيه الصلاة والقراءة والذكر وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم.

(1/8)


 [مشروعية عمارة المساجد الحسية]

مشروعية عمارة المساجد الحسية أ- العمارة لغة: ما يعمر به المكان، وعمارة المساجد بمعناها العام تشمل العمارة بنوعيها الحسية والمعنوية، فهي تشمل بناء وإنشاء المساجد، وترميمها وخدمتها وتنظيفها، والصلاة فيها ولزومها وعبادة الله فيها، وتعيين الأئمة والمؤذنين فيها، وفتح حلق الذكر فيها من تعليم القرآن والفقه والتفسير والحديث وغيرها من العلوم النافعة، وإجراء الأرزاق على العاملين فيها، وإنارتها وفرشها والوقف عليها، مما فيه مصلحة لها، كوقف مساكن للإمام والمؤذن والمعلم وطلاب العلم فيها وعمل المياضئ وغير ذلك من مصالحها. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 18] الآية. قال: قد أثبت الإيمان في الآية لمن عَمَّر المساجد بالصلاة فيها وتنظيفها وإصلاح ما وهي منها وآمن بالله. [الأدلة من الكتاب على مشروعية عمارة المساجد] الأدلة من الكتاب على مشروعية عمارة المساجد جاء الحث على عمارة المساجد في كتاب الله تعالى إما

(1/9)


في عموم الأدلة الدالة على مشروعية الإنفاق في سبيل الخير وإما نصا صريحا في عمارة المساجد فهي على نوعين: النوع الأول: النصوص العامة: ومن ذلك: (1) قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92] ففي هذه الآية حث على الإنفاق في سبيل الخير، واستنهاض للهمم في الإنفاق من أغلى ما يملكه الإنسان في سبيل الله تعالى، ولذلك لما سمع أبو طلحة رضي الله عنه هذه الآية بادر إلى وقف أحب أمواله إليه، وهي بيرحاء (حديقة مشهورة) . (2) قوله تعالى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115] النوع الثاني: الأدلة الخاصة بعمارة المساجد: ومن ذلك: (1) قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] والمراد بالبيوت هنا المساجد، ومعنى

(1/10)


أذن: أي أمر وقضى، ومعنى ترفع: تبنى وتعلى، قاله مجاهد وعكرمة فيما نقله القرطبي. وقال الشيخ ابن سعدي: {أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها: بنائها، وكنسها وتنظيفها من النجاسات والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسات، وعن الكفار، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله. فالله تعالى أمر ووصى بعمارة المساجد والقيام عليها وصيانتها، بل ذكر تعالى أن عمارة المساجد هي وظيفة الأنبياء كما في قوله تعالى: (2) {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] فالله تعالى يشيد بنبيه وخليله إبراهيم عليه السلام ببناءه للبيت الحرام. وتشير الآية إلى أن بناء المساجد من الأعمال الخيرية التي يثاب عليها الإنسان مع القبول، فجاء في آخر الآية ما يرشد إلى أن بناء البيت من الأعمال الصالحة التي عملها

(1/11)


إبراهيم مع ابنه إسماعيل، حيث سألا ربهما أن يتقبل منهما عملهما إنه هو السميع العليم. (3) قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] ففي هذا النص القرآني شهادة لعُمَّار المساجد، ذلك أن عمارة المساجد من شأن المؤمنين وهم الحقيقيون بعمارة المساجد حسيا ومعنويا. [الأدلة من السُنَّة على مشروعية عمارة المساجد] الأدلة من السُنَّة على مشروعية عمارة المساجد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في عمارة المساجد وبنائها، فمن ذلك: (1) حديث عثمان رضي الله عنه وفيه: أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة» . (2) رواية محمود بن لبيد أن عثمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(1/12)


«من بنى مسجدا لله بنى له في الجنة مثله» . (3) عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة» . (4) عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى لله مسجدا صغيرا كان أو كبيرا بنى له الله بيتا في الجنة» . (5) عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى مسجدا لله كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة» . (6) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته عِلْما عَلَّمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته» . (7) ما رواه البخاري وغيره عن أنس رضي الله عنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى بني النجار فقال:

(1/13)


«يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا» .

  [الأدلة على مشروعية المساجد الحسية من آثار الصحابة والتابعين]

ما أثر عن الصحابة والتابعين في مشروعية عمارة المساجد لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لأصحابه رضوان الله عليهم، فحين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتخلفوا عن مشاركته في عمارة المسجد، بل ساهموا في توسعة المسجد مرات متعاقبة، وكان لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمارة المساجد مكانة في نفوس أصحابه، فأنشأوا المساجد وعمروها في أماكن مختلفة، ومواقع متعددة أشير إلى بعض مساهمات الصحابة والتابعين في هذا المجال، فمن ذلك: (1) بناء أبي بكر الصديق مسجدا بفناء داره وذلك قبل الهجرة، مما يعد أول ما بني من المساجد في الإسلام، فعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار وبكرة وعشية، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره،

(1/14)


فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين) . (2) بناء عمار بن ياسر مسجدا يصلي فيه، وهو أول ما بني في الإسلام بالمدينة، فقد ذكر الجراعي بعض الروايات التي تفيد أن أول من اتخذ مسجدا في بيته يصلي فيه عمار بن ياسر. وأشار إلى سبق أبي بكر لعمار في بناء المسجد، فيكون المراد أن عمار بنى أول مسجد في الإسلام بالمدينة. (3) مشاركة الصحابة رضوان الله عليهم في بناء مسجد قباء، وهو المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم، فإنه بني قبل مسجد النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم. ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاركه صحابته الكرام ببناء مسجد قباء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول

(1/15)


مَنْ وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر فوضع حجرا إلى جانب حجر رسول الله، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى حجر أبى بكر، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه إلى جنب حجر عمر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليضع كل رجل حجره حيث أحب» . (4) المشاركة في بناء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم إلى المدينة فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم إنه أرسل إلى ملأ بني النجار فجاءوا متقلدين بسيوفهم. قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد. قال: فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاءوا فقال صلى الله عليه وسلم: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا» قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. قال أنس: فكان فيه ما أقول: كان فيه نخل وقبور

(1/16)


المشركين وخرب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت قال: فصفوا النخل قبلة وجعلوا عضادتيه حجارة، ولم يكتف عمر ببناء المسجد الأقصى فقط، بل أمر ببناء مسجد عند كل كنيسة. بالإضافة إلى إنشاء المساجد فقد كان للصحابة والتابعين جهود مشكورة في أعمال التوسعة للمساجد القائمة، وسأقتصر على ذكر بعض التوسعات في المساجد الثلاثة فقط. أولا: المسجد الحرام: بادر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون إلى توسعة المسجد الحرام كلما اقتضت الحاجة لذلك، فكانت أول توسعة للمسجد الحرام في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم في عهد عثمان رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير، ثم توالت التوسعات من حكام المسلمين من أمويين وعباسيين ومماليك وعثمانيين. ثم بعد ذلك تعاقب على توسعته وعمارته حكام المسلمين على مر التاريخ، فعمَّره المماليك ثم العثمانيون، حتى كانت العمارة والتوسعة العملاقة في العهد السعودي والتي لم

(1/17)


تتوقف حتى الآن، وآخرها توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله، وهي مستمرة ومتجددة لا تتوقف. ثانيا: المسجد النبوي: كما قام صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون بتوسعة المسجد الحرام فلم يقصروا في عمارة وتوسعة المسجد النبوي الشريف فأول توسعة للمسجد النبوي الشريف كانت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى توسعة المسجد، فبادر عثمان بن عفان رضي الله عنه بالقيام بتكليف هذه التوسعة، فعن قتادة رضي الله عنه قال: كانت بقعة إلى جانب المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يشتريها ويوسعها في المسجد وله مثلها في الجنة» فاشتراها عثمان فوسعها في المسجد، وفي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه احتاج المسجد إلى بعض الإصلاحات، فجدده أبو بكر رضي الله عنه، وفي خلافة عمر بن الخطاب قام عمر رضي الله عنه بتوسعته وبنائه سنة سبع عشرة للهجرة. وفي عهد عثمان رضي الله عنه جدده عثمان تجديدا

(1/18)


كاملا سنة تسع وعشرين هجرية وزاد فيه زيادة كبيرة، فزاد فيه من ناحية القبلة ومن الغرب، وزاد فيه من الشمال أيضا، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وطلى الجدران بالقصة أو الجبس، وجعل عمده من الحجارة بدل اللبن، وسقفه بخشب الساج، وفتح نوافذ في أعلى الجدار قرب السقف. ثم بعد ذلك توالت التوسعات وتحسين العمارة على أيدي الحكام المسلمين من أمويين وعباسيين وغيرهم، حتى أعاد الخليفة الوليد بن عبد الملك بناءه فيما بين سنتي ثمان وثمانين وإحدى وستين هجرية، وذلك على أيدي واليه في المدينة عمر بن عبد العزيز، فزاد فيه من جهة الشرق والغرب والشمال، وأدخل فيه حجر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان البناء من الحجارة المنقوشة، وجعل سواريه من الحجارة المطابقة، وحشيت بعمد الحديد. إلى أن جاءت التوسعة السعودية الكبيرة وآخرها توسعة خادم الحرمين الشريفين العملاقة جزاه الله عن المسلمين خيرا. ثالثا: المسجد الأقصى: لا شك أن أول من بنى المسجد الأقصى بعد الفتح

(1/19)


الإسلامي هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ولقد اهتم الخلفاء والملوك ببناء المسجد الأقصى وعمارته في مختلف العصور، وبقي عامرا حتى احتله اليهود فهدموا كثيرا من المباني الإسلامية، وأحرقوا المسجد وأقاموا الحفريات حوله نسأل الله تعالى أن يخلصه من أيديهم.

(1/20)


 [مشروعية الوقف على المساجد]

مشروعية الوقف على المساجد الوقف لغة: مصدر وقف وهو الحبس والتسبيل. وشرعا: هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. قد دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة على مشروعية الأوقاف. فمن الكتاب: قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] فإن أبا طلحة رضي الله عنه لما سمعها بادر إلى وقف أحب أمواله إليه، وهي بيرحاء (حديقة مشهورة) . ومن السنة: (1) ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية أو علْم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» ، والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف، ولذلك قال النووي في شرح هذا الحديث: فيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه. . . والصدقة الجارية هي الوقف.

(1/21)


(2) ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ": أصاب عمر بخيبر أرضا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» . فتصدق عمر بأنه لا يباع أصلها ولا يوهب، ولا يورث في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول فيه. قال ابن حجر: وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف. (3) فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري وغيره عن عمرو بن الحارث ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخي جويرية بنت الحارث قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا، ولا عبدا ولا أمة، ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة. قال ابن حجر: إنه تصدق لمنفعة الأرض، فصار حكمها حكم الوقف.

(1/22)


أما إجماع الصحابة: فقد قال القرطبي: أن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزبير وجابرا كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة ومشهورة. وقال ابن قدامة: قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذا مقرة إلا وقف، وهذا إجماع منهم، ولا شك أن أعظم الأوقاف ما كان على دور العبادة من المساجد والمدارس ونحوها.

(1/23)


 [مشروعية الصرف على عمارة المساجد وصيانتها]

مشروعية الصرف على عمارة المساجد وصيانتها عمارة المساجد تحتاج إلى دعم مستمر وتمويل متواصل، حتى يمكن أن تقوم المساجد برسالتها، ويمكن إبراز أهم مصادر تمويل عمارة المساجد على النحو الآتي: (1) الأوقاف المحبسة لعمارة وصيانة المساجد: وهي الأوقاف التي وقفت على المساجد، واشترط محبسوها أن يصرف ريعها وغلتها في عمارة المساجد وصيانتها، وهذا يعتبر من أهم عمارة المساجد على مر التاريخ. (2) الأوقاف الخيرية العامة: أي الأوقاف الخيرية التي جعلت غلتها في وجوه البر العامة؛ لأن عمارة المساجد من أعظم وجوه البر. (3) بيت مال المسلمين: وهي الأموال العامة التي في خزانة الدولة الإسلامية مما ينفق منه على مصالح المسلمين المختلفة (وهو يتمثل في هذا الوقت بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد) . (4) تبرعات أهل الخير والإحسان وتحبساتهم: وما زال

(1/24)


هذا المصدر معمول به منذ بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بعمارة مسجده في المدينة المنورة أول ما هاجر إلى يومنا هذا يتسابق أهل الخير من المسلمين على عمارة المساجد وصيانتها والإيصاء بعمارتها وإنشائها لما علموه من حث الشارع على هذه العمارة وترغيبه فيها. ومن مشاريع الدولة التي تنفذها وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد التي لم يقتصر نشاطها داخل المملكة، بل قامت ببناء المساجد الكثيرة خارج المملكة، وتبرعات أهل الخير والإحسان الذين شجعتهم الدولة على البذل والإحسان انطلاقا من قوله سبحانه وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] فتضافرت جهود الدولة مع جهود المواطنين في سبيل بناء المساجد وصيانتها.

(1/25)


 [الممنوعات في المساجد]

الممنوعات في المساجد 1 - يمنع وينزه المسجد عن النجاسات والقاذورات: وفي الحديث عن أنس بن مالك: «بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه، دعوه) فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه، فقال: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن» ، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه صلى الله عليه وسلم. هذا لفظ مسلم. 2 - يستهين بعض الناس بالبصاق: فلا يبالون بأن يبصقوا على الأرض أو على الجدران في أي مكان حتى في المسجد، وإذا كان البصاق على الأرض في الطرقات أذى وإضرار للغير، ومجافاة لآداب السلوك - وبخاصة بعد انتشار المناديل الورقية وغيرها- فإن فعله في المسجد أكثر إيذاء، حتى عده الشارع خطيئة، فقد روى الشيخان عن قتادة عن أنس عن

(1/26)


النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» ، وروى مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت عليَّ أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالهم الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن» . 3 - تنزيه المسجد عن الروائح الكريهة: سواء أكانت من آثار أطعمة أو من غيرها، وقد ترجم البخاري لذلك بقوله: (باب ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث) . روى مسلم من حديث طويل عن عمر أنه خطب الناس يوم الجمعة، وفيه (ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد، فأمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلها فليمتهما طبخا) قال العلماء: ويلحق بالثوم والبصل والكراث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها. قال القاضي عياض: ويلحق به من أكل فجلا وكان يتجشأ.

(1/27)


4 - لا يدخل المسجد حائض ولا جنب عند جمهور العلماء، لحديث عائشة قالت: (جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» ، وقد أجاز بعض العلماء مرور الجنب في المسجد دون الجلوس فيه، لقوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] وأجاز بعضهم المكث للجنب في المسجد إن توضأ. 5 - من فقد شيئا فليطلبه خارج المسجد: ولا يرفع صوته في المسجد ليعرف بما ضاع منه، ويطلب ردها ممن وجدها، فقد جاء النهي عن هذا فيما رواه مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا» ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:

(1/28)


«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة. . وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة» رواه أحمد وأصحاب السنن. 6 - يمنع رفع الصوت في المسجد: استنبط العلماء من النهي عن نشدان الضالة في المسجد، وعن البيع والشراء فيه كراهة رفع الصوت في المسجد؛ لأن رفع الصوت ملازم لما سبق. 7 - يمنع اتخاذ المسجد على قبر: فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يشغله مرضه الذي توفي فيه عن أن يحذر الأمة من ذلك، حتى ولو كان القبر قبر نبي، خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، وربما أدَّى ذلك إلى الشرك، كما آل الأمر بكثير من الأمم السابقة. فعن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . 8 - يمنع شد الرحال لغير المساجد الثلاثة: ولم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم إلا إلى المساجد الثلاثة التي قال

(1/29)


عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» . .) أي المسجد النبوي. نقل القرطبي عن بعض العلماء تلخيصا جيدًا، مما ينبغي أن يراعي في الآداب والممنوعات في المسجد فقال: وقد جمع بعض العلماء في ذلك خمس عشرة خصلة، فقال: من حرمة المسجد أن يسلم وقت الدخول إن كان القوم جلوسًا، وإن لم يكن في المسجد أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأن يركع ركعتين قبل أن يجلس، وألا يشتري أو يبيع، ولا يسل فيه سهما ولا سيفا، ولا يطلب فيه ضالة، ولا يرفع فيه صوتا بغير ذكر الله تعالى، ولا يتكلم فيه بأحاديث الدنيا، ولا يتخطى رقاب الناس، ولا ينازع في المكان، ولا يضيق على أحد في الصف، ولا يمر بين يدي مصل، ولا ييصق ولا يتنخم ولا يتمخط فيه، ولا يفرقع أصابعه، ولا يعبث بشيء من جسده، وأن ينزه عن النجاسات والصبيان والمجانين، وإقامة الحدود، وأن يكثر ذكر الله تعالى ولا يغفل عنه. فإذا فعل هذه الخصال فقد أدَّى حق المسجد، وكان حرزا له وحصنا من الشيطان الرجيم.

(1/30)


- ويمنع الزخارف والنقوش التي لا فائدة منها، بل فيها إضاعة المال والإسراف والتبذير، وإشغال المصلين عن العبادة. والمتأمل في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وسلف الأمة أن مساجدهم كانت متواضعة وبسيطة في مبانيها، ولكنها كبيرة في معانيها، حيث خرجت أجيالا مؤمنة بالله فتحوا القلوب بطاعة الله وفتحوا البلاد بأخلاقهم، وسماتهم الحسنة، وإيمانهم العميق وسيرتهم السوية الرضية. حتى انتشر الإسلام في بقاع الدنيا طولها وعرضها، وهذا هو ما يرجوه كل مؤمن بالله مخلص لدينه وعقيدته.

(1/31)


 [مشروعية عمارة المساجد المعنوية]

مشروعية عمارة المساجد المعنوية المسجد في الإسلام وكما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مكانا لإقامة الصلاة فحسب، بل كان منطلق أنشطة كثيرة تخدم الإسلام والمسلمين فهو مقر الإرشاد والتوجيه والتعليم وحلق القرآن الكريم والندوات والمحاضرات المتنوعة الدروس العلمية الثابتة، والدورات العلمية بين الحين والحين وخطب الجمعة التي بمثابة الدرس الأسبوعي، ينبغي أن تعالج القضايا الأسبوعية بحكمة ورزانة وتعقل وبرفق، ويكون الخطيب كالطبيب مع المريض، يتلمس المرض ثم يضع عليه الدواء الناجح من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وآثار الصحابة والتابعين بعيدا عن المثيرات أو التجريح الشخصي، ويكون عمله بنية صالحة وإخلاص لله، ما من شك أن ذلك سيكون له الأثر الكبير في الصلاح والإصلاح، وهذا ولله الحمد يوجد منه كثير، ونأمل المزيد، كل ذلك ينبغي أن يكون بإشراف مخلص ونية صالحة من المسؤولين، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

(1/32)


 [خاتمة]

خاتمة ونسأل الله حُسْن الخاتمة إن مما ينبغي الاهتمام به والتنبيه عليه ولفت النظر له أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قائد البشرية ومعلم الناس الخير بقوله وفعله وهدايته للناس فيما يهمهم في أمر دينهم ودنياهم ومعاشهم ومعادهم- وهو الرؤوف بأمته الرحيم بها- كان أول عمل قام به صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة تأسيس المسجد لما له من رسالة سامية وغاية عظيمة، وهدف نبيل وعاقبة حميدة في الدنيا والآخرة، فمنه انطلقت جحافل الإيمان البانية تخرج الناس من الظلمات إلى النور، نور العلم والمعرفة لهداية البشرية وإخراجها من ظلمات الجهل إلى نور العلم ملتزمة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم تتأدب بآدابه، وتسير على نهجه القويم وسيرته الفذة على الصراط المستقيم، وعلى هذا درج المسلمون الأوائل باهتمامهم بالمسجد فإذا أرادوا الإقامة في بلد كان أول ما يشتغلون به بناء المسجد. لذا يجب على المسلمين أفرادا وحكومات أن يعطوا المسجد العناية التامة والتعاون المثمر وذلك بعمارته الحسية بالبناء وتلمس الأماكن المحتاجة إلى ذلك ليعم الخير، وعمارته المعنوية

(1/33)


بأداء رسالته في الصلاة جماعة فروضا ونوافل وإقامة الجمعة والجماعات، وقراءة القرآن والذكر والتسبيح والتهليل والاعتكاف وتعلم العلم وتعليمه وعقد المحاضرات والندوات التي تحيي المسجد، وتبث فيه روح المحبة والإخاء والتكافل الاجتماعي، وصيانته عما لا يليق به وجعله مصدر إشعاع ونور وهداية، كما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما نشهده اليوم من عناية بالمساجد ما يبشر بالخير ويدعو بالتفاؤل. وفي الختام نكرر شكرنا وتقديرنا ودعاءنا بالتوفيق والهداية والسداد لخادم الحرمين الشريفين وحكومته الموفقة على الاهتمام بالمساجد داخل المملكة وخارجها. ولوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ممثلة في معالي الوزير الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ومعالي نائبه والعاملين المخلصين فللجميع دعاءنا بالتوفيق والسداد. والله الموفق، محمد بن علي العرفج عضو الدعوة بفرع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالرياض

(1/34)


رأيك يهمنا