حاشية كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد

نبذة مختصرة

كتاب التوحيد : هو كتاب يحتوي على بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة بالدليل من القرآن الكريم والسنة النبوية، قال عنه المصنف ـ رحمه الله ـ في حاشيته : « كتاب التوحيد الذي ألفه شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ أجزل الله له الأجر والثواب ـ ليس له نظير فـي الوجود، قد وضّح فيه التوحيد الذي أوجبه الله على عباده وخلقهم لأجله، ولأجله أرسله رسله، وأنزل كتبه، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه، فصار بديعاً فـي معناه لم يسبق إليه، علماً للموحدين، وحجة على الملحدين، واشتهر أي اشتهار، وعكف عليه الطلبة، وصار الغالب يحفظه عن ظهر قلب، وعمَّ النفع به ... ».

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 حاشية كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد

تأليف

شيخ الإسلام

الشيخ محمد بن عبد الوهاب

قدس الله روحه

بقلم

الفقير إلى ربه القدير

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي النجدي

رحمه الله تعالى

1312 - 1392 هـ


بسم الله الرحمن الرحيم

ترجمة مؤلف المتن

شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-

هو الإمام العلامة الرباني، محيي السنة مجدد الدعوة، وحيد الزمان، بقية أكابر السلف، أبو علي شيخ الإسلام/ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ابن الشيخ سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة الحنظلي التميمي. ولد سنة 1115 هـ. في بلدة العيينة من أرض نجد، وقرأ القرآن قبل بلوغه العشر.

وكان حاد الفهم سريع الإدراك، يتعجب أهله من فطنته وذكائه، أخذ عن والده وغيره، ثم رحل للتزود من طلب العلم، فأتى البصرة والحجاز مرارًا والأحساء وغيرها، وتضلع عن علماء تلك الأقطار، ومنهم: محمد حياة السندي المدني، والشيخ إسماعيل العجلوني، وعلي أفندي الداغستاني، والشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني، وغيرهم وأجازوه، وتنور وظهر له ما كان الناس عليه من الجهل بالتوحيد، وما وقعوا فيه من عبادة غير الله، وحج ووقف بالملتزم، وسأل الله أن يظهر هذا الدين بعد أن عفا بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس.

وقصد المدينة المنورة وحضر عند علمائها، وارتحل يريد الشام، وحصل له عائق لما اقتضته الحكمة الإلهية من ظهور هذا الدين في البلاد النجدية، فرجع إليها وقدم على والده في بلدة حريملاء، ودعا إلى السنة المحمدية، ثم ارتحل إلى العيينة، وأزال ما في الجبيلة وتلك الجهات من القباب والمساجد المبنية على قبور الصحابة وغيرها، ثم قدم الدرعية، وتلقاه الإمام محمد بن سعود وبادره بالقبول، فشمر في الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة

وسائر شرائع الإسلام، والنهي عن الشرك بالله وسائر المحرمات، وأقام الله به علم الجهاد، وأدحض به شبه أهل الشرك والعناد، وجد الإمام في نصرته، وألبّ عليهم رؤساء العربان والبلدان، واستصرخوا عليهم بأهل نجران وأهل الحجاز وغيرهم فثبتهم الله ونصرهم على قلة منهم، وانتشر التوحيد، وعمرت به نجد بعد خرابها، واجتمعت بعد افتراقها، وكان لهم الغلبة والظهور.

وبالجملة فمحاسنه وفضائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، افتخرت به نجد على سائر الأمصار، وزها عصره على سائر الأعصار، وشهد له أهل عصره ومن بعدهم بالعلم وتجديد الدين، وتواتر الثناء عليه عن فضلائهم وأكابرهم.

قال العلامة الشيخ محمد بن علي الشوكاني قاضي صنعاء:

لقد أشرقت نجد بنور ضيائه

وقام مقامات الهدى بالدلائل

فما هو إلا قائم في زمانه

مقام نبي في إماتة باطل

وقال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني:

وقد جاءت الأخبار عنه بأنه

يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي

وينشر جهرا ما طوى كل جاهل

ومبتدع منه فوافق ما عندي

ويعمر أركان الشريعة هادما

مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد

وقال الشيخ ملا عمران نزيل لنجة:

فأتاهم الشيخ المشار إليه بالنـ

صح المبين وبالكلام الجيد

يدعوهمو لله أن لا يعبدوا

إلا المهيمن ذا الجلال السرمدي

لا يشركوا ملكا ولا من مرسل

كلا ولا من صالح أو سيد

وقال عالم الأحساء الشيخ حسين بن غنام:

لقد رفع المولى به رتبة الهدى

بوقت به يعلى الضلال ويرفع

سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى

وعام بتيار المعارف يقطع


فأحيا به التوحيد بعد اندراسه

وأوهى به من مطلع الشرك مهيع

سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها

سواه ولا حاذى فناها سميدع

وشمر في منهاج سنة أحمد

يشيد ويحمي ما تعفى ويرفع

 وقال الشيخ عبد القادر بن بدران الدمشقي: ((ولما امتلأ وطابه من الآثار وعلم

السنة، وبرع في مذهب أحمد أخذ ينصر الحق ويحارب البدع، ويقاوم ما أدخله الجاهلون في هذا الدين الحنيفي والشريعة السمحاء، ولم يزل مثابرا على الدعوة حتى توفاه الله)).

وقال في الفكر السامي: ((أصبح ابن عبد الوهاب ذا شهرة طبقت العالم الإسلامي وغيره، معدودا من الزعماء المؤسسين للمذاهب الكبرى)) ا هـ.

بل شهد له الموافق والمخالف أنه المصلح الأكبر، وكان -رحمه الله- مع قيامه بأعباء الدعوة ومجاهدة المشبهين والمبطلين متبتلا في العبادة كثير الإفادة غزير الاستفادة، رحل إليه في طلب العلم من جميع النواحي، ومجالسه مشهورة بالتدريس، معمورة بالفقهاء في جميع فنون العلم.

وصنف مصنفات شهيرة سارت في الآفاق، منها: كتاب كشف الشبهات، وكتاب أصول الإيمان، وفضائل الإسلام، وفضائل القرآن، وكتاب السيرة المختصرة، والسيرة المطولة، وكتاب مجموع الحديث، ومختصر الشرح الكبير والإنصاف، ومختصر الصواعق، وفتح الباري، والهدي، والعقل والنقل، وكتاب الإيمان، وله رسائل ونصائح وأجوبة، وله الاستنباط من كتاب الله ما يقصر عنه الفحول الأفاضل، وهذا الكتاب في التوحيد وما يجب من حق الله على العبيد، الذي لم يعلم له نظير في الوجود.

قال فيه الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله:

قد ألف الشيخ في التوحيد مختصرا

يكفي أخا اللب إيضاحا وتبيانا

فيه البيان لتوحيد الإله بما

قد يفعل العبد للطاعات إيمانا


حبا وخوفا وتعظيما له ورجا

وخشية منه للرحمن إذعانا

 وغير ذلك مما كان يفعله

لله من طاعة سرا وإعلانا

وفيه توحيدنا رب العباد بما

قد يفعل الله إحكاما وإتقانا

وفيه توحيدنا الرحمن أن له

صفات مجد وأسماء لمولانا

وفيه تبيان إشراك يناقضه

بل ما ينافيه من كفران من خانا

أو كان يقدح في التوحيد من بدع

شنعاء أحدثها من كان فتانا

أو المعاصي التي تزري بفاعلها  

مما ينقص توحيدا وإيمانا

فساق أنواع توحيد الإله كما

قد كان يعرفه من كان يقظانا

وساق فيه الذي قد كان ينقصه

لتعرف الحق بالأضداد إمعانا

مضمنا كل باب من تراجمه

من النصوص أحاديثا وقرآنا

الشيخ ضمنه ما يطمئن له

قلب الموحد إيضاحا وتبيانا

فاشدد يديك بهذا الأصل معتصما

 يورثك فيما سواه الله عرفانا

وانظر بقلبك في مبنى تراجمه

تلقى هنالك للتحقيق عنوانا

وللمسائل فانظر تلقها حكما

يزداد منهن أهل العلم إتقانا

وقل جزى الله شيخ المسلمين كما

قد شاد للملة السمحاء أركانا

وقال الشيخ أحمد بن مشرف رحمه الله تعالى:

وألف في التوحيد أوجز نبذة

بها قد هدى الرحمن للحق من هدى

نصوصا من القرآن تشفي من العمى

وكل حديث للأئمة مسند

ومن استقرأه علم ذلك.

أخذ عنه العلم عدة من العلماء الأجلاء من بنيه وبنيهم، وغيرهم من علماء الدرعية وسائر النواحي. وممن تأهل منهم أبناؤه: الشيخ عبد الله وحسين وعلي. وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر، والشيخ عبد العزيز الحصين.


 والشيخ سعيد بن حجي، والشيخ محمد بن سويلم، والشيخ محمد بن سلطان وغيرهم ممن ولي القضاء، وممن لم يله الخلق الكثير.

توفي -رحمه الله- وأسكنه الفردوس الأعلى سنة 1206 هـ، وكان يوما مشهودا، وحصل بموته الخطب الجليل والفادح العظيم، ورثاه جماعة من العلماء ذكرنا منها طرفا في مجموع الرسائل. ومن أراد الاطلاع على حقيقة حاله وما منحه الله وما جرى له وعليه، فعليه بروضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، للشيخ حسين بن غنام رحمهما الله تعالى.



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بتوحيد رب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن (كتاب التوحيد) الذي ألفه شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب -أجزل الله له الأجر والثواب- ليس له نظير في الوجود، قد وضح فيه التوحيد الذي أوجبه الله على عباده وخلقهم لأجله، ولأجله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع، وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه، فصار بديعا في معناه لم يسبق إليه، علمًا للموحدين وحجة على الملحدين، واشتهر أي اشتهار، وعكف عليه الطلبة، وصار الغالب يحفظه عن ظهر قلب، وعم النفع به، وتصدى لشرحه والتعليق عليه جماعة من الجهابذة النبلاء، وأول من تصدى لشرحه وأجاد حفيده الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله، ثم هذبه وكمله حفيده أيضًا الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وأبرزا فيهما من البيان ما ينبغي أن يرجع إليه، وعلق عليه أيضًا الشيخ عبد الرحمن حاشية مفيدة، وعلق عليه تلميذه الشيخ حمد بن عتيق، وتلميذه الشيخ عبد الله أبا بطين وغيرهم، ولشدة الاعتناء بهذا السفر الجليل تطفلت عليه بوضع حاشية مختصرة منتخبة مما أبرزوه وغيره، تسهيلا للطالب، متوخيا فيها ما يلقيه أشياخنا الشيخ عبد الله ابن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سعد ابن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ محمد ابن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف وغيرهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



بسم الله الرحمن الرحيم(1)

ــــــــــــــــــ

(1) ابتدأ بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وتأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم في مكاتباته، وعملاً بحديث: «كل أمر ذي بال» أي حال وشأن يهتم به شرعًا «لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع»، وفي رواية: «أبتر» أي ناقص البركة وهو وإن تم حسا لم يتم معنى وحقيقة ؛ ولم يفتتح المصنف كتابه بخطبة تنبئ عن مقصوده؛ مفتتحة بالحمد والشهادة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ولعله حمد وتشهد نطقًا عند وضع الكتاب؛ واقتصر على البسملة ؛ لأنها من أبلغ الثناء والذكر ، وللخبر، وكان صلى الله عليه وسلم يقتصر عليها في مراسلاته. فكأنه أجراه مجرى الرسائل إلى أهل العلم . لينتفعوا بما فيه تعلمًا وتعليمًا . وقال حفيده: وقع لي نسخة بخطه رحمه الله بدأ فيها بالبسملة وثنى بالحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

والحمد ذكر محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، ومعنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هو الثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم والعناية به . وإظهار شرفه وفضله وحرمته. وعلى هذا فالابتداء بالبسملة حقيقي وبالحمدلة نسبي إضافي . أي بالنسبة إلى ما بعد الحمد يكون مبدوءًا به.

والباء متعلقة بمحذوف، اختير كونه فعلاً خاصًا متأخرًا، لئلا يتقدم فيه غير ذكر الله عز وجل، وليصح الابتداء في كل قول وعمل؛ ولأن الحذف أبلغ فلا حاجة إلى النطق بالفعل لدلالة الحال على أن كل قول أو فعل فإنما هو باسم الله. والتقدير باسم الله أؤلف حال كوني مستعينًا بذكره متبركًا به؛ و«الاسم» مشتق من السمو وهو الارتفاع أو الوسم وهو العلامة، لأن كل ما سمي فقد نوه باسمه ووسم، و«الله» علم على=


.......................................................................

ـــــــــــــــ

= ربنا تبارك وتعالى. وهو أعرف المعارف الجامع لمعاني الأسماء الحسنى، وهو مشتق بمعنى أنه دال على صفة له . وأصله: «الإله» حذفت الهمزة وأدغمت اللام في اللام فقيل: «الله»، ومعناه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين و«الرحمن» رحمان الدنيا والآخرة. و«الرحيم» رحمة خاصة بالمؤمنين . و«الرحمن» دال على الصفة القائمة به. و«الرحيم» دال على تعلقها بالمرحوم.


 كتاب التوحيد(1)

ـــــــــــــــــ

(1) كتاب: مصدر كَتَبَ يَكْتُبُ كِتَابًا وَكِتَابَةً وَكتبًا، ومدار المادة على الجمع، ومنه تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا، والكتيبة لجماعة الخيل. والكتابة بالقلم لاجتماع الحروف والكلمات، والمراد به هنا المكتوب، أي هذا مكتوب جامع لخصائص التوحيد وحقوقه ومكملاته، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر. أو البدع القادحة في التوحيد، أو المعاصي المنقصة للتوحيد، وبيان الوسائل والذرائع الموصلة إلى الشرك والمقربة منه بالبراهين القاطعة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.

والتوحيد: مصدر وحّده يوحّده توحيدا، جعله واحدًا أي فردًا، ووحّده قال: إنه واحد أحد، أو قال: لا إله إلا الله. والواحد والأحد وصف اسم الباري تعالى لاختصاصه بالأحدية.

وأقسام التوحيد ثلاثة:

(الأول) توحيد الربوبية. وهو العلم والإقرار بأن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه، والمدبر لأمور خلقه جميعهم.

(والثاني) توحيد الأسماء والصفات. وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال ونعوت الجلال، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.

(والثالث) توحيد الإلهية. وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ويتعلق بأعمال العبد وأقواله الظاهرة والباطنة، خلاف ما زعمه المتكلمة والصوفية وغيرهم من أن المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وأنهم إذا أثبتوا ذلك فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأن من أقر بما يستحقه -سبحانه- من الصفات، ونزهه عن كل ما نزه عنه، وأقر أنه -سبحانه- خالق كل شيء فهو الموحّد، =


 قول الله تعالى: }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّّ لِيَعْبُدُونِ{(1).

ـــــــــــــــــ

= بل لا يكون موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده، ويقر أنه وحده هو الإله المستحق للعبادة; ويلتزم بعبادته وحده لا شريك له.

وأقسام التوحيد الثلاثة متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمتى أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر لم يكن موحدًا. والقسم الثالث هو مقصود المصنف.

-رحمه الله تعالى- بتصنيف هذا الكتاب، وإن كان قد ضمنه النوعين الآخرين؛ لأن هذا النوع هو أول دعوة الرسل أن: }اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ{، ولعموم البلوى في زمانه بعبادة القبور والأشجار وغيرها، ودعوة الأنبياء والأولياء والصالحين وغيرهم، فمن أجل ذلك صرف العناية في بيان ذلك.

وإن شئت قلت كما قال ابن القيم وغيره: التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات. وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية والعبادة. وبهذا التوحيد ولأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل آية متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه؛ فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، وهو التوحيد العلمي الخبري.

وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد دونه وهو الإرادي الطلبي. وإما أمر ونهي، وهو حقوق التوحيد ومكملاته. وإما خبر عن أهل التوحيد وجزائهم وأهل الشرك وجزائهم، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي الشرك وأهله وجزائهم، وركنا التوحيد الصدق والإخلاص.

قال ابن القيم:

والصدق والإخلاص ركنا ذلك التوحيد كالركنين للبنيان

وحقيقة الإخلاص توحيد المراد فلا يزاحمه مراد ثان

(1) قول بالجر عطف على التوحيد، ويجوز الرفع على الابتداء. والعبادة لغة: التذلل والانقياد. وشرعا: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال=


 وقوله: }وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ{(1)

ــــــــــــــ

= الظاهرة والباطنة. (وما خلقت) أي ما خلق الله الثقلين الجن والإنس إلا لحكمة عظيمة، وهي عبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه. ففعل الأول وهو خلقهم ليفعلوا هم الثاني وهو عبادته، لا ليفعل هو سبحانه بهم الثاني فيجبرهم على العبادة; فإن من سبقت عليه الشقاوة لم يرد سبحانه وقوع العبادة منه، لما له في ذلك من الحكمة.

وقال بعض السلف: إلا لآمرهم وأنهاهم. واختاره الزجاج والشيخ وغيرهما; قال تعالى: }أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً{ لا يؤمر ولا ينهى. وقال: (اعبدوا ربكم) أي اتقوه، فقد أمرهم بما خلقوا له وأرسل الرسل بذلك، وكلما وردت العبادة في القرآن فمعناها توحيد الله بجميع أنواع العبادة.

وسميت وظائف الشرع عبادات؛ لأنهم يفعلونها خاضعين لله فيكونون من أهل رضاه.

قال تعالى: }مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ{ أخبر أنه سبحانه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وفي الآية بيان عظم شأن التوحيد؛ إذ كان الخلق كلهم لم يخلقوا إلا له.

(1) الطاغوت: مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، وكل من تعدى حده بأي نوع من الطغيان فهو طاغوت، ويكون واحدًا وجمعًا، ويؤنث ويذكر، وللسلف فيه تفاسير لا تنافي بينها، وكلها ترجع إلى ما قال ابن القيم: ((الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع)) ا هـ.

وأخبر تعالى أنه بعث في كل طائفة وقرن وجيل من الناس رسولا منذ حدث الشرك في قوم نوح إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، يأمرهم (أن اعبدوا الله) أي وحدوا الله بالعبادة، (واجتنبوا) اتركوا وفارقوا عبادة ما سواه. ولهذا خلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب، و (اجتنبوا) أبلغ من اتركوا، =


 وقوله: }وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً{(1) الآية(2)

ــــــــــــــ

= فإن اتركوا لعدم الفعل، واجتنبوا تقتضي ذلك وتقتضي المباعدة والمجانبة، وهذه الآية هي معنى لا إله إلا الله فإنها تضمنت النفي والإثبات، كما تضمنته لا إله إلا الله، ففي قوله: (اعبدوا الله) الإثبات، وقوله: (اجتنبوا الطاغوت) النفي. وهذه طريقة القرآن يقرن النفي بالإثبات، فينفي ما سوى الله، ويثبت عبادة الله وحده، والنفي المحض ليس بتوحيد وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا هو حقيقة التوحيد، ففيها بيان عظم شأن التوحيد، وإقامة الحجة على العباد، ومعنى لا إله إلا الله. قال المصنف: ((وفيه الحكمة في إرسال الرسل، وأن الرسالة عمت كل أمة، وأن دين الأنبياء واحد)).

(1) أي أمر ووصى وأوجب على ألسن رسله أن يعبد وحده دون ما سواه، والمراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي الديني، فإن القضاء ينقسم إلى قسمين كوني قدري، وشرعي ديني، واشتملت هذه الآيات على جملة الشرائع، وابتدئت بالتوحيد فدل على أنه أوجب الواجبات؛ إذ لا يبتدأ إلا بالأهم فالأهم، وختمت بالنهي عن الشرك، فدل على أنه أعظم المحرمات، وفيها معنى لا إله إلا الله، فإن قوله: (ألا تعبدوا) هو معنى لا إله، وقوله: (إلا إياه) هو معنى إلا الله.

(2) أي وقضى أن تحسنوا بالوالدين إحسانا، كما قضى بعبادته وحده لا شريك له كقوله: }أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ{، وعطف حقهما على حقه دليل على تأكد حقهما، وأنه أوكد الحقوق بعد الله، وأكده أيضًا بالمصدر المؤكد لما فرضه من حقهما؛ لأن الله جعلهما سببا لخروجك من العدم، ولم يخص نوعا من أنواع الإحسان ليعم جميع أنواعه، وتواترت السنة ببر الوالدين وتحريم عقوقهما: }إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ{ أي لا تسمعهما قولا سيئاً حتى=


وقوله: }وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً{ الآية.(1) وقوله تعالى: }قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً{(2).

ـــــــــــــــــ

= ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ، تنبيها بما هو فوق ذلك من القول السيء، والفعل السيئ (ولا تنهرهما) أي لا يصدر إليهما منك قول قبيح: }وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً{ لينا طيبا بأدب وتوقير: }وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ{ أي تواضع لهما: }وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا{ أي في كبرهما وعند وفاتهما: }كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً{ أي كما رحماني في تربيتهما لي في صغري أو لتربيتهما. وقوله: "الآية" أي إلى آخر الآية، أو اقرأ الآية.

(1) يأمر سبحانه عباده بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه، وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا، وقرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه، فدلت على أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة. والشرك تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.

و(شيئًا) نكرة في سياق النهي فتعم الشرك قليله وكثيره.

وتسمى هذه الآية آية الحقوق العشرة؛ وذلك لأنها تضمنت عشرة حقوق. وابتدأت بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، فدلت على أن التوحيد هو أوجب الواجبات، وأن الشرك أعظم المحرمات. وفيها تفسير التوحيد، وأنه عبادة الله وحده وترك الشرك وهذا وجه مطابقتها للترجمة قاله حفيد المصنف، وفي بعض النسخ المعتمدة تقديمها على آية الأنعام فقدمتها لمناسبة كلام ابن مسعود.

(2) أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله: (تعالوا) أي هلموا وأقبلوا (أتل) أي أقص عليكم وأخبركم بـ: }مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ{ حقا لا تخرصا ولا ظنا، بل وحيا منه وأمرًا من عنده، : }أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً{ كأن في الكلام=


.....................................................................

ـــــــــــــــــ

= محذوفا تقديره: وصاكم ألا تشركوا به شيئًا. فيكون المعنى حرم عليكم ما وصاكم بتركه من الإشراك به، ولهذا إذا سئل الصحابة -رضي الله عنهم- عما يقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يقول: " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا " وذكر سبحانه في هذه الآية جملا من المحرمات، وابتدأها بالنهي عن الشرك، والنهي عنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، فدل على أن التوحيد أوجب الواجبات. وأن الشرك أعظم المحرمات، وهذا وجه مطابقتها للترجمة (وبالوالدين إحسانا) قال القرطبي: ((الإحسان إلى الوالدين برهما، وحفظهما وصيانتهما، وامتثال أمرهما، وإزالة الرق عنهما، وترك السلطنة عليهما)). و (إحسانا) نصب على المصدرية، أي أحسنوا بالوالدين إحسانا: }وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ{ أي لا تئدوا بناتكم خشية العيلة والفقر فإني رازقهم وإياكم، أي لا تخافوا من الفقر بسبب رزقهم فهو على الله، وخص الأولاد لأن قتلهم يجمع بين القتل وقطيعة الرحم. فالعناية بالنهي عنه آكد، وكان قتل البنات شائعا فيهم. وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، فنهاهم الله عن ذلك: }وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ{ نهي عام عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي. (وظهر وبطن) حالان تستوفيان أقسام ما جعلتا له من الأشياء: }وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ{ قتلها (إلا بالحق)، وهذا مما نص على النهي عنه تأكيدا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش.

(ذلكم وصاكم به) إشارة إلى هذه المحرمات التي أولها النهي عن الشرك، والوصية الأمر المؤكد المقرر، وسميت وصية الميت وصية؛ لأنه يعهدها لمن بعده ليتمسكوا بها. (لعلكم تعقلون) لعل للتعليل أن الله وصانا بهذه الوصايا وأمرنا بها، وأكد علينا فيها لنعقلها ونعمل بها: }وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{ نهي عام عن القرب الذي يعم وجوه التصرف إلا ما يحسن، والسعي في نمائه. (حتى يبلغ أشده) أي الرشد وزوال السفه مع البلوغ: }وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ{ أمر بإقامة العدل في الأخذ=


....................................................................

ـــــــــــــــــ

= والإعطاء: }لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا{ أي من اجتهد في أداء الحق وأخذه فإن أخطأ بعد استفراغ الوسع وبذله الجهد فلا حرج عليه: }وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى{ أمر بالعدل في القول والفعل على القريب والبعيد، فلا يميل إلى الحبيب والقريب: }وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى{. (وبعهد الله أوفوا) أي وبوصية الله التي وصاكم بها فأوفوا، بأن تطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه: }ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{ تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه: }وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً{ أي الذي أوصيكم به في هاتين الآيتين المشتملتين على ترك المنهيات وأعظمها الشرك، وفعل الواجبات وأعظمها التوحيد. صراطا مستقيما

واضحا سهلا واسعا (فاتبعوه) وهذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم. و (أن) في موضع نصب أي: أتل (أن هذا صراطي) أي طريقي ومسلكي وشريعتي (مستقيما) قيما. والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام، وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا إليه، وهو شريعة الله لا اعوجاج فيه، ولا طريق إليه سواه، وقد جمع ثلاثة أمور: السهولة والسعة والقرب، فهو أقرب الطرق إلى الله وأوسعها وأسهلها، ولو اجتمع أهل الأرض وأضعاف أضعافهم لوسعهم، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله، وجعله موصلا لعباده إليه، وهو إفراده بالعبودية، وإفراد رسله بالطاعة. فأمر باتباعه ونهايته الجنة، وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة منها نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. (ولا تتبعوا السبل) البدع والشبهات، }فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ{ أي تميل وتشتت بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده. وهذه الآيات قيل: إنها المحكمات المذكورة في قوله: }مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ{.

وروى الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود قال " خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا بيده ثم قال "هذا سبيل الله مستقيما"، ثم خطّ خطوطا عن يمينه وشماله، ثم=


 قال ابن مسعود رضي الله عنه(1): " من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمة(2) فليقرأ قوله تعالى: }قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ{ إلى قوله: }وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ{ " الآية(3).

ـــــــــــــــــ

= قال: "وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ: }وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{"، وذكر أولا (تعقلون) ثم (تذكرون) ثم (تتقون)؛ لأنهم إذا عقلوا تذكروا، فإذا تذكروا خافوا، وكأن المصنف قال: كتاب التوحيد الذي هو الحكمة في إيجاد الثقلين كما في الآية الأولى، والذي هو الحكمة في إرسال الرسل كما في الآية الثانية، والذي هو أوجب الواجبات كما في الآية الثالثة والرابعة والخامسة، والذي ضده هو الشرك أعظم المحرمات كما في الآية الخامسة، والذي هو حق الرب على العباد الذي افترضه عليهم، ولا يقبل منهم سواه كما يأتي في حديث معاذ بن جبل، والذي حقيقته وتفسيره عبادة الله وحده لا شريك له كما في الآية الرابعة وحديث معاذ.

(1) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن صحابي جليل، من السابقين الأولين، ومن كبار علماء الصحابة، شهد بدرا وما بعدها، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم وكان صاحب نعليه، وحدث عنه كثيرا، وأمّره عمر على الكوفة ومات سنة 32 هـ. وأثره هذا رواه الترمذي وغيره وحسنه.

(2) بفتح التاء وكسرها، والخاتم حلقة ذات فص من غيرها. وحقيقة الختم الاستيثاق.

(3) أي من أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كتبت وختم عليها فلم تغير ولم تبدل، فليقرأ: }قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ{ الآيات الثلاث؛ لأن كل آية=


 وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه(1) قال: " كنت رديف

ـــــــــــــــــ

= منها ختمت بقوله: (ذلكم وصاكم به)، فالرسول صلى الله عليه وسلم لو وصى لم يوص إلا بما وصى به الله تعالى، فصارت وصية الله تعالى، ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم بالمعنى; ولذلك شبهها بالكتاب الذي كتب ثم ختم فلم يزد فيه ولم ينقص. وليس المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبها وختم عليها، وإنما هذه الآيات كأنها وصية ختمها الرسول صلى الله عليه وسلم فلا حاجة بنا أن يوصي، فإن الله قد وصى بما في هذه الآيات؛ لأن فيها ما يكفي عن توصية الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: " ائتوئي بكتاب أكتب لكم فيه شيئًا لا تضلوا بعدي "، وذلك في أثناء مرضه صلى الله عليه وسلم، فحيل بينهم وبين أن يكتب، وكثر اللغط. فقال: "اخرجوا عني". فقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: " إن الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين أن يكتب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الوصية " فذكرهم ابن مسعود رضي الله عنه أن عندهم من القرآن ما يكفيهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو وصى لم يوص إلا بما في كتاب الله.

وفي صحيح مسلم: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله". وروى الحاكم وصححه عن عبادة مرفوعا: "أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث"، ثم تلا }قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ.{ حتى فرغ من الآيات الثلاث. ثم قال: "من أوفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئًا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه".

(1) ابن عمرو بن أوس بن كعب بن عمرو الخزرجي الأنصاري، أبو عبد الرحمن صحابي جليل مشهور من أعيان الصحابة كان إليه المنتهى في العلم والأحكام والقرآن، قال -عليه السلام-: " يحشر أمام العلماء برتوة " أي بخطوة أو رمية سهم، شهد بدرا وما بعدها، واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة يوم الفتح يعلمهم دينهم، ثم بعثه إلى اليمن قاضيًا معلمًا، مات بالشام في طاعون عمواس سنة 18 هـ، وله 38.


 النبي صلى الله عليه وسلم على حمار(1) فقال لي: " يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟(2) وما حق العباد على الله؟(3) قلت: الله ورسوله أعلم(4).

ـــــــــــــــــ

(1) وفي رواية: اسمه عفير، أهداه إليه المقوقس صاحب مصر. والرديف هو الذي تحمله خلفك على ظهر الدابة، وفيه تواضعه صلى الله عليه وسلم لركوب الحمار والإرداف عليه، خلافا لما عليه أهل الكبر.

(2) أخرج السؤال بصيغة الاستفهام؛ ليكون أوقع في النفس، وأبلغ في فهم المتعلم، وحق الله على العباد هو ما يستحقه عليهم من عبادته وحده.

قال ابن القيم:

حق الإله عبادة بالأمر لا

بهوى النفوس فذاك للشيطان

من غير إشراك به شيئًا هما

سببا النجاة فحبذا السببان

(3) ليس على الله حق واجب بالعقل كما تزعمه المعتزلة، لكن هو سبحانه كتب ذلك على نفسه تفضلاً وإحسانًا، فهو متحقق لا محالة؛ لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده: }وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ{، كتب على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه الحق، لم يوجبه عليه مخلوق.

قال شيخ الإسلام: كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة، كما يستحق المخلوق على المخلوق:

ما للعباد عليه حق واجب

كلا ولا سعي لديه ضائع

إن عذبوا فبعدله أو نعموا

فبفضله وهو الكريم الواسع

(4) فيه حسن الأدب من المتعلم، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم.

قال ابن مسعود: " من كان عنده علم فليقل به، وإلا فليقل: الله أعلم ".


 قال: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا(1)، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا(2). قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس(3)؟

ـــــــــــــــــ

(1) أي يوحدوه بالعبادة ويفردوه، ويتجردوا من الشرك قليله وكثيره

صغيره وكبيره، ومن لم يتجرد من الشرك لم يكن آتيا بعبادة الله وحده. بل هو مشرك قد جعل لله ندا في عبادته.

وأصل العبادة التذلل والخضوع، قال الشيخ: ((العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل)). وعرفها ابن القيم فقال:

وعبادة الرحمن غاية حبه

مع ذل عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادة دائر

ما دار حتى قامت القطبان

ومداره بالأمر أمر رسوله

لا بالهوى والنفس والشيطان

قال المصنف: ((وفيه أن العبادة هي التوحيد لأن الخصومة فيه)).

(2) أي ألا يعذب من يعبده ولا يشرك به شيئًا، والعذاب كل ما يعيي الإنسان ويشق عليه، من العذب وهو المنع، فسمي عذابا لأنه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره من مثل فعله. قال الحافظ: اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم; إذ من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذب الله عز وجل (ومن كذب الله فهو مشرك. وفي رواية: " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار ".

(3) يعني بفضل التوحيد، وفضل من تمسك به عند الله، ففيه فضل التوحيد وعظم شأنه، وأنه حق الرب الذي أحقه وافترضه على عباده، ولا يقبل منهم سواه، وعظم شأن أهله، وهو ألا يعذبهم. وفيه تفسير التوحيد وأنه عبادة الله وحده وترك الشرك به. وفيه استحباب بشارة المسلم بما يسره. وفيه ما كان عليه الصحابة من الاستبشار بمثل هذا.


 قال: لا تبشرهم فيتكلوا " (1) أخرجاه في الصحيحين(2).

ـــــــــــــــــ

(1) وفي رواية: " إني أخاف أن يتكلوا " أي يعتمدوا على ذلك، فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة اعتمادًا على ما يتبادر من ظاهر الحديث. وفي رواية: فأخبر بها معاذ عند موته تأثما أي تحرجا من الإثم. قال أبو المظفر: ((لم يكن يكتمها

إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة في الطاعة. فأما الأكياس فإذا سمعوا بمثل هذا زادوا في الطاعة فلا وجه لكتمانها عنهم)).

قال المصنف: وفيه جواز كتمان العلم للمصلحة، والخوف من الاتكال على سعة رحمة الله. وسئل عن معنى هذا الحديث، ومعنى " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله " فقال: معنى حديث معاذ عند السلف على ظاهره، وهو من الأمور التي يقولون: أمرّوها كما جاءت، يعني نصوص الوعد والوعيد، وقوله: " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله " على ظاهره، وهو أن الله لو يستوفي حقه من عبده لم يدخل أحد الجنة، ولكن كما قال: }لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ{.

(2) أي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما اللّذين هما أصح الكتب المصنفة. والبخاري هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي، الحافظ الكبير صاحب الصحيح والتاريخ والأدب المفرد وغير ذلك. روى عن أحمد والحميدي وابن المديني وطبقتهم، وعنه مسلم والنسائي والترمذي وغيرهم، ولد سنة 194 هـ، وتوفي سنة 256 هـ.

و مسلم هو ابن الحجاج بن مسلم أبو الحسين القشيري النيسابوري، صاحب الصحيح والعلل والوحدان وغير ذلك، روى عن أحمد وابن معين وابن أبي شيبة والبخاري وطبقتهم، وعنه الترمذي وخلق. ولد سنة 204، وتوفي بنيسابور سنة 261هـ.


 باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب(1)

وقول الله تعالى: }الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ(2) أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ{(3).

ـــــــــــــــــ

(1) "باب" خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا باب، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف، و "ما" يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية. أي باب بيان عظيم فضل التوحيد وتكفيره للذنوب وهو أشمل وأولى؛ لرفع وهم أن ثم ذنوبا لا يكفرها التوحيد وليس بمراد، ولا ريب أن التوحيد أفضل الأعمال على الإطلاق، وأعظمها تكفيرا للذنوب، ولما ذكر معنى التوحيد، وكانت الأنفس لها تشوق وتشوف إلى معرفة المعاني، ونيل الفضائل وتحصيلها، ناسب ذكر فضله وتكفيره للذنوب؛ ترغيبا فيه، وتحذيرا من الشرك.

والباب لغة: المدخل إلى الشيء. واصطلاحا: اسم لجملة من العلم تحته فصول ومسائل غالبا، وليس مرادهم الحصر بل إنه المقصود بالذات والمعظم.

(2) أي أخلصوا العبادة لله وحده، ولم يخلطوا توحيدهم بشرك، ولبس الشيء بالشيء تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومنه سمي الشرك ظلمًا والمشرك ظالمًا؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها.

(3) أي هم الآمنون في الدنيا والآخرة المهتدون إلى الصراط المستقيم، ولما نزلت هذه الآية شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنوا أن الظلم=


 عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه(1)

ـــــــــــــــــ

= المشروط هو ظلم العبد نفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: " ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم: بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان: }إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{ ". فبين صلى الله عليه وسلم أن من لم يلبس إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء، كما كان أيضًا من أهل الاصطفاء في قوله: }ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ{، فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة، الشرك، وظلم العباد في نفس أو مال أو عرض، وظلم نفسه بما دون الشرك، كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقا، بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه، كما لو ظلمها ببخله ببعض الواجبات حبا للمال، أو أحب ما يبغضه الله حتى يقدم هواه على محبة الله ونحو ذلك.

وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "بشرك" الشرك الأكبر، فيؤخذ منه أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام، بل مراده صلى الله عليه وسلم نفي نوعي الشرك، فإن أهل الكبائر معرضون للوعيد، مع أنها دون الشرك الأصغر بإجماع أهل السنة، ومع ذلك لم يحصل لهم الأمن التام والاهتداء التام، كما وردت به نصوص الكتاب والسنة، فصاحب الشرك الأصغر أولى بلحوق الوعيد له، فظهرت مطابقة الآية للترجمة، وذلك أن من مات على التوحيد لم يلبسه بشرك فله الأمن على ما تقدم، بخلاف غيره من الأعمال مع عدمه، فتبين بذلك أفضلية التوحيد وأنه السبب في النجاة من النار.

(2) ابن قيس بن أصرم الخزرجي الأنصاري أحد النقباء، شهد بدرا وما بعدها، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا، مات بالرملة سنة 34 هـ، وله 72.


 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،(1)

ـــــــــــــــــ

(1) أي من تكلم بها عارفًا لمعناها عاملاً بمقتضاها باطنًا وظاهرًا، فإن الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به، فلو كان عن جهل لم تكن شهادة، وتقتضي الصدق، وتقتضي العمل بذلك، وبهذا يتبين أنه لابد من العلم بها والعمل والصدق. فبالعلم ينجو من طريقة النصارى، وبالعمل ينجو من طريقة اليهود، وبالصدق ينجو من طريقة المنافقين، و "وحده" تأكيد وبيان لمضمون معناها، حال من الاسم الشريف، وهو تأكيد للإثبات. و "لا شريك له" تأكيد للنفي، تأكيد بعد تأكيد، اهتمام بمقام التوحيد.

قال النووي: ((هذا حديث عظيم جليل الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد؛ فإنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج من ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها، فاقتصر صلى الله عليه وسلم في هذه الأحرف على ما يباين جميعهم)) ا هـ.

ومعنى "لا إله إلا الله" لا معبود بحق إلا الله، فتضمنت هذه الكلمة العظيمة نفيا وإثباتا، فـ"لا إله" نفت الإلهية عن كل ما سوى الله. و "إلا الله" أثبتت الإلهية لله وحده، فنفت جميع ما يعبد من دون الله، وأثبتت العبادة لله وحده لا شريك له، والعبادة إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع.

وقال شيخ الإسلام: ((الإله هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع; ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وأهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله)) ا هـ.

والحاصل أن لا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد ذلك، وقبله وعمل به، وأما من قالها من غير علم بمعناها، ولا اعتقاد ولا عمل بمقتضاها=


 وأن محمدًا عبده ورسوله،(1) وأن عيسى عبد الله ورسوله،(2)

ـــــــــــــــــ

= من نفي الشرك وإخلاص القول والعمل لله وحده فغير نافع بالإجماع، بل تكون حجة عليه. والمشركون الأولون جحدوها لفظا ومعنى، فإنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم: " قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا " قالوا: (أجعل الآلهة إلها واحدا). ومشركو زماننا أقروا بها لفظا وجحدوها معنى، فتجد أحدهم يقولها ويأله غير الله بأنواع العبادة، بل يخلصون العبادة في الشدائد لغير الله، فهم أجهل من مشركي العرب، والمتكلمة وغيرهم يزعمون أن معنى الإله هو القادر على الاختراع، وأن من أقر بأن الله وحده خالق كل شيء فهو الموحد، وليس الأمر كذلك حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه سبحانه وحده هو المستحق للعبادة، ويلتزم بها.

(1) أي وشهد أن محمدًا عبده ورسوله بصدق ويقين، وذلك يقتضي اتباعه وتعظيم أمره ونهيه ولزوم سنته، وأتى بهاتين الصفتين وجمعهما رفعا للإفراط والتفريط؛ فإن كثيرا ممن يدعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولا وفعلا، حتى جوزوا الاستغاثة به في جميع ما يستغاث بالله فيه، أو فرط بترك متابعته، والرضى عن سنته بالأوضاع والقوانين الباطلة، وشهادتهم ناقصة على حسب ما معهم من تلك الأمور. و "عبد" بمعنى "متعبد" عام، وبمعنى "عابد" خاص بمن عبد الله، وإضافته إلى الله إضافة تشريف كقوله: (أسرى بعبده)، ومعناه هنا المملوك العابد، والعبودية الخاصة وصفه، و"رسوله" أي مرسله بأداء شريعته.

(2) وفي رواية: وابن أمته، خلافًا لما يعتقده اليهود أنه ابن زانية. أو ما يعتقده النصارى أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فلابد أن يشهد أنه عبد الله ورسوله عن علم ويقين، بل لا يصح توحيد عبد علم بمقالتهم في عيسى حتى يتبرأ منهم ومن مقالتهم، ويأتي بما هو الحق في ذلك، وهو شهادة أن عيسى عبد الله ورسوله.


وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه،(1) والجنة حق والنار حق،(2) أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" "(3) أخرجاه.

ـــــــــــــــــ

(1) أي خلقه من أنثى بلا ذكر بالكلمة التي أرسل بها جبرائيل إلى مريم فنفخ في جيب درعها قال تعالى: }إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ{ خلقه بقوله: (كن)، وأوجده بقدرته وحكمته، فكان بقوله: (كن)، وسمي كلمة؛ لوجوده بقوله تعالى: (كن)، فليس هو (كن)، ولكن كان ب (كن)، ف (كن) من الله قولا، وليس (كن) مخلوقا، وعيسى روح من الأرواح التي خلقها واستنطقها، وأخذ عليها الميثاق بقوله: }أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى{ بعثه إلى مريم فدخل فيها. قال الحافظ: ((وصفه بأنه منه فالمعنى أنه كائن منه، أي مكون ذلك وموجده بقدرته وحكمته)) ا هـ.

والمضاف إلى الله إذا كان عينا قائمة بنفسها كعيسى امتنع أن تكون صفة لله، وإنما هو إضافة مخلوق إلى خالقه، وهو على قسمين: إضافة تشريف وتكريم كبيت الله، وخليل الله، وروح الله. وإضافة لا تقتضي تشريفا كقوله: }وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ{ أي كائنة منه كونها وأوجدها سبحانه، وأما إذا كان المضاف إليه معنى لا يقوم بنفسه ولا بغيره من المخلوقات كالسمع والبصر، وجب أن يكون صفة لله قائما به، وفيه إثبات صفة الكلام خلافا للجهمية، فإنهم جعلوا كلام الله مخلوقا، والنصارى جعلوا كلامه معبودا.

(2) أي وشهد أن الجنة التي أخبر الله في كتابه أنه أعدها للمتقين حق ثابتة لا شك فيها، وأن النار التي أخبر أنه أعدها للكافرين حق ثابتة، وأنهما الآن مخلوقتان موجودتان.

(3) أي على ما كان فيه من صلاح أو فساد، وهذه الجملة جواب الشرط، أي من شهد إلى آخره أدخله الله الجنة بإخلاصه وصدقه

والإيمان برسوله وما أرسل به، وإن كان مقصرًا وله ذنوب، فهذه الحسنة العظيمة ترجح بجميع السيئات=


 ولهما في حديث عتبان(1) " فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"(2).

ـــــــــــــــــ

= فإنه يدخل الجنة على أحد ثلاثة تقادير. إما أن يلقى الله سالما من جميع الذنوب فيدخلها من أول وهلة، أو يلقى الله وهو مصر على كبيرة أو ذنب، وهو بين أمرين إما أن يعفو الله عنه فيدخله الجنة، أو يجازيه بجرمه ثم يدخله الجنة، ففيه فضل التوحيد وذلك أن من مات على التوحيد فمصيره إلى الجنة بكل حال.

(1) أي وللبخاري ومسلم في حديث طويل أخرجاه في صحيحيهما بكماله، وهذا طرف منه، عن عتبان بكسر العين بن مالك بن عمرو بن العجلان الخزرجي السالمي، صحابي مشهور بدري مات في خلافة معاوية.

(2) هذا هو حقيقة معناها، فإن من قالها يبتغي بها وجه الله لا بد أن يعمل بما دلت عليه من الإخلاص ونفي الشرك، فإن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو ولوجود مانع، ومما قيدت به في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "غير شاك" وفي الصحيح: " من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة ". وفي رواية: " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار "، ولمسلم: " لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة "، وله أيضًا: " من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة "، وفيهما مرفوعا: " ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة "، فيحمل المطلق على المقيد.

قال شيخ الإسلام وغيره: قالها بصدق وإخلاص ويقين ومات على ذلك، فإن حقيقة التوحيد انجذاب القلب إلى الله جملة بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك، فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيرًا=


...................................................................

ـــــــــــــــــ

= ممن يقولها يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال.

قال الشارح وغيره: لا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من سبعة شروط لا تنفع قائلها إلا باجتماعها:

(أحدها) العلم المنافي للجهل. (الثاني) اليقين المنافي للشك. (الثالث) القبول المنافي للرد. (الرابع) الانقياد المنافي للترك. (الخامس) الإخلاص المنافي للشرك. (السادس) الصدق المنافي للكذب. (السابع) المحبة المنافية لضدها. ونظمها بعضهم فقال:

علم يقين وإخلاص وصدقك مع

محبة وانقياد والقبول لها

وركناها النفي والإثبات، نفي الإلهية عما سوى الله، وإثباتها لله وحده، وأكثر من يقولها اليوم لا يعرف معناها، ولا يعرف الإخلاص ولا اليقين، أو يقولها تقليدا أو عادة ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالبهم من يفتن عند الموت، وفي الحديث: " سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته "، وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث؛ فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب أصلا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرمه الله ولا كراهة لما أمر الله به، وهذا هو الذي يحرم على النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار، ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته بحسناته ومات مصرا على ذلك فإنه يستوجب النار، وإن قال لا إله إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك بل أتى بعدها بسيئات رجحت على حسنة توحيده، وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة فيضعف إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين=


وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه(1) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال موسى عليه السلام:(2) يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به(3).

ـــــــــــــــــ

= مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر، فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم.

فإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها وقسا القلب، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غير الله، واطمأن إلى الباطل، واستحلى الرفث ومخالطة أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس في قلبه، فلا يقوى قولها على محو السيئات، فترجح سيئاته على حسناته. قال الحسن: " ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال " اهـ.

وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل، وأن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصا لله تعالى.

(1) واسمه سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري مشهور بكنيته ونسبته إلى بني خدرة، صحابي جليل وأبوه صحابي، استصغر بأحد وشهد ما بعدها، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا وأبي بكر وعمر وغيرهما، وعنه جمع من الصحابة والتابعين، مات سنة 74 هـ.

(2) ابن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق رسول بني إسرائيل، وكليم الرحمن، قيل: ولد قبل عيسى سنة 1571، وتوفي سنة 1451.

(3) أي علمني شيئًا يجتمع لي فيه الأمران أثني عليك به وأحمدك وأسألك به.


قال: قل يا موسى لا إله إلا الله.(1) قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا(2)

ـــــــــــــــــ

(1) أي فإذا قلتها فقد دعوتني وأثنيت علي، فإن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ودعاء العبادة نحو: لا إله إلا الله وسبحان الله، وهو مستلزم لدعاء المسألة، ودعاء المسألة نحو "رب اغفر لي" متضمن لدعاء العبادة، وذلك أنه مأمور بهذا فإذا فعله فهو فاعل عبادة، ولا إله إلا الله اشتملت على الأمرين بل أعلاهما وأولاهما، وهي أكثر الأذكار وجودا وأيسرها حصولا، فإن أحرفها كلها جوفية ليس فيها حرف شفوي، فيمكن قائلها أن يقولها من غير فتح فمه، وهو أسلم وأبعد عن الرياء، وفي كونها جوفية أيضًا إشارة إلى أنها تخرج من القلب; وأحرفها كلها مهملة فتنبئ عن التجرد من كل معبود سوى الله، وهي أفضل الأذكار وأعظمها معنى، فهي الكلمة العظيمة، وهي العروة الوثقى، وكلمة التقوى، وكلمة الإخلاص، وهي التي قامت بها السماوات والأرض، وشرعت لتكميلها السنة والفرض، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، فمن قالها وعمل بها صدقا وإخلاصا وقبولا ومحبة أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، وفيه أن الذاكر بها يقولها كلها، ولا يقتصر على لفظ الجلالة ولا على "هو" كما يفعله غلاة المتصوفة، فإن ذلك بدعة وضلالة، و "لا" نافية للجنس نفيا عاما إلا ما استثني،

وخبرها محذوف تقديره لا إله حق إلا الله.

قال الله تعالى: }ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ{. فإلهيته تعالى هي الحق، وكل ما سواه من الآلهة فإلهيته باطلة.

(2) وفي رواية: قد علمت أن لا إله إلا الله، أي وإنما أريد شيئًا تخصني به من بين عموم عبادك، فإن من طبع الإنسان ألا يشتد فرحه جدا إلا بشيء يختص به دون غيره، مع أن من رحمة الله وسنته المطردة أن ما اشتدت إليه الحاجة والضرورة=


 قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري،(1) والأرضين السبع في كفة،(2) ولا إله إلا الله في كفة،(3) مالت بهن لا إله إلا الله ".(4)

ـــــــــــــــــ

= كان أكثر وجودا كالهواء والماء والملح، ولما كان النطق بلا إله إلا الله ضرورة فطرية كانت أكثر الأذكار وأيسرها وأفضلها وأعظمها. قال الشارح: ((وثبت بخط المصنف "يقولون" بالجمع، والذي في الأصول "يقول" بالإفراد، وهو في المسند من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ الجمع)).

(1) عامر بالنصب عطف على السماوات أي لو أن السماوات السبع ومن فيهن من العمار غير الله تعالى، فاستثنى ممن في السماوات نفسه المقدسة؛ لأنه العلي الأعلى تعالى وتقدس، وهو العلي العظيم علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، العظيم الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، وجميع المخلوقات في كف الرحمن كالخردلة في يد أحدنا.

(2) بكسر الكاف وتشديد الفاء أي وضعن في كفة الميزان.

(3) يعني في كفة الميزان الأخرى. وفيه إثبات الميزان، وأنه حق، قال تعالى: }وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ{ توزن فيه الصحائف التي تكون أعمال العباد مكتوبة فيها، وله كفتان إحداهما للحسنات والأخرى للسيئات بإجماع السلف.

(4) أي رجحت بهن، فدل على عظم شأنها، وذلك لما اشتملت عليه من نفي الشرك وتوحيد الله الذي هو أفضل الأعمال وأساس الملة والدين، ولما يجتمع لقائلها من الذكر والدعاء، وما يحصل له من تكفير الذنوب والخطايا، فمن قالها بإخلاص ويقين وعمل بمقتضاها ولوازمها وحقوقها، واستقام على ذلك دخل الجنة، فإن هذه الحسنة لا يوازنها شيء. وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن نوحا عليه السلام قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله؛ فإن=


 رواه ابن حبان والحاكم وصححه.(1)

ـــــــــــــــــ

= السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ولا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله ". وهي أفضل الذكر. ففي الحديث الصحيح: " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".

وللنسائي وابن ماجه وغيرهما: " أفضل الذكر لا إله إلا الله ". وللترمذي وغيره: " دعوة أخي ذي النون: لا إله إلا أنت "، وله أيضًا وحسنه وصححه الذهبي: " يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب، فيقال: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ".

قال الشيخ: ((ليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المثابة؛ لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عظم

قدره حتى صار راجحا على هذه السيئات)). وقال ابن القيم: ((والأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض)).

قال: وتأمل حديث البطاقة، ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة، والكثير منهم يدخل النار بذنوبه، بل اليهود أكثر من يقولها، والذي يقولها ويخالفها أعظم كفرًا ممن يجحدها أصلا؛ فإن الكافر الأصلي أهون كفرا من المرتد.

(1) ابن حبان: بكسر الحاء محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد بن مرة بن هدبة بن سعد الدارمي، أبو حاتم التميمي البستي الشافعي الحافظ، صاحب التصانيف منها: الصحيح، والتاريخ، والثقات، والضعفاء، روى عن النسائي وأبي يعلى=


 وللترمذي(1) وحسنه عن أنس:(2)

ـــــــــــــــــ

= وابن خزيمة وخلق، وعنه الحاكم وغيره، قال الحاكم: ((كان من أوعية العلم ومن عقلاء الرجال)). مات بمدينة بست في عشر الثمانين سنة 354 هـ.

و الحاكم: هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حمدويه، أبو عبد الله الضبي النيسابوري الشافعي الإمام الحافظ الرحال، سمع من نحو ألفي شيخ منهم: الدارقطني والقفال والبيهقي وغيرهم، يعرف بابن البيع، صاحب التصانيف منها: المستدرك وتاريخ نيسابور. قال أبو حاتم: ((قام الإجماع على ثقته)). ولد سنة 321 هـ، ومات سنة 405 هـ. وصححه أي قال: هذا حديث صحيح أي ثابت على شرط الشيخين، وما انفرد بتصحيحه ولم يكن مردودا بعلة فهو دائر بين الصحة والحسن، وأصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان فالحاكم.

(1) واسمه محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، وقيل: ابن السكن السلمي أبو عيسى صاحب الجامع وأحد الحفاظ، وله في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه فيه غيره، وكان ضرير البصر. وترمذ: نسبة لبلدة قديمة بطرف جيحون مات بها سنة 279 هـ. وقال: ((أردت بالحسن ما لا يكون في سنده متهم بالكذب، ولا يكون شاذا، ويروى من غير وجه)). وقال الشيخ: ((الحسن في اصطلاحه ما روى من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا شاذ، ولا مخالف للأحاديث الصحيحة)).

(2) رضي الله عنه ابن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة الخزرجي الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنين، وقال له: ((اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة)). قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن عشر، فقالت أمه: هذا غلام يخدمك. آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة 92 هـ، وقد جاوز المائة.


سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا،(1) ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا(2) لأتيتك بقرابها مغفرة(3) "

ـــــــــــــــــ

(1) قراب بضم القاف: ملؤها أو ما يقارب ملأها.

(2) أي ثم مت حال كونك لا تشرك بي شيئًا، وهذا شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من أتى الله بقلب سليم، ومن أتى بلا إله إلا الله وهو مشرك لم تصح منه أصلا، ولم ترجح حسناته بسيئاته، ولا يحرم على النار.

(3) أي ملء الأرض، ذكر المصنف -رحمه الله- آخر الحديث وهو حديث قدسي، وأوله: "قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني" إلخ.

وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي ذر: " ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئًا جعلت له مثلها مغفرة".

وأخرج الطبراني في الثلاثة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: يا ابن آدم مهما عبدتني ورجوتني ولم تشرك بي شيئًا غفرت لك على ما كان منك، وإن استقبلتني بملء السماء والأرض خطايا وذنوبا استقبلتك بملئهن من المغفرة وغفرت لك ولا أبالي " حسنه السيوطي.

فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، فإن أكمل العبد توحيده وأخلصه لله، وقام بشروطه أوجب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب، ومنعه من دخول النار، فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب ولو كانت قراب الأرض. وفيه سعة كرم الله وجوده، وكثرة ثواب التوحيد وتكفيره الذنوب. قال المصنف:=


....................................................................

ـــــــــــــــــ

= تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة، فإنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين، وفيه أن الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله، والتنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه، وفيه أنك إذا عرفت حديث أنس عرفت أن قوله في حديث عتبان: " إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " أن ترك الشرك ليس قولها باللسان فقط، فمغفرة الذنوب مشروطة بالسلامة من الشرك قليله وكثيره، فالذي لا يسلم من الأكبر لا تنفعه أصلاً، والذي مات ومعه الأصغر تضعف معه، فلا يقوى قولها على تكفير السيئات، والذي معه البدع والمعاصي ينقص ثوابها.


  

 باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب(1)

وقول الله تعالى: }إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{.(2)

ـــــــــــــــــ

(1) أي هذا باب فيه أدلة من الكتاب والسنة تدل على أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، لما ذكر التوحيد وفضله ناسب أن يذكر تحقيقه، فإنه لا يحصل كمال فضله إلا بكمال تحقيقه، وتحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد، وتحقيقه من وجهين: واجب ومندوب، فالواجب تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي.

فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه، فلا يكون العبد محققا للتوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه، ويسلم من البدع والمعاصي، والمندوب تحقيق المقربين، تركوا ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وحقيقته هو انجذاب الروح إلى الله، فلا يكون في قلبه شيء لغيره، فإذا حصل تحقيقه بما ذكر، فقد حصل الأمن التام، والاهتداء التام.

(2) وصف الله خليله -عليه السلام- بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وأثنى عليه بها فقال: (كان أمة) أي إمامًا على الحنيفية، قدوة يقتدى به، معلمًا للخير، أو لما اجتمع فيه من صفات الكمال والخير والأخلاق الحميدة ما يجتمع في أمة استحق اسمها، والقولان متلازمان، فإنه أمة على الحق وحده، وإمام لجميع الحنفاء، يقتدون به في ذلك. (قانتا) أي خاشعًا مطيعًا، والقنوت دوام الـطاعة، والمصلي إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت، قال تعالى: }أَمَّنْ =


 وقوله: }وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ{.(1)

ـــــــــــــــــ

= هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ{. (حنيفا) أي منحرفا عن الشرك إلى التوحيد، مقبلا على الله، معرضا عن كل ما سواه، فالحنيف هو المستقيم، وعند العرب ما كان على دين إبراهيم، وانتصب (حنيفا) على الحال: }وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{ فارقهم بالقلب واللسان والبدن، وأنكر ما كانوا عليه من الشرك، وما ذاك إلا من أجل تحقيقه التوحيد، بل ضم إلى ذلك البراءة من المشركين، وعاب ما كانوا عليه وكفرهم، كما قال الله عنه: }إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ{، فتبرأ من العابد قبل المعبود، وضم إلى ذلك أن اعتزلهم، فلم يكن منهم بأي اعتبار كان.

قال تعالى: }وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ{ إلى قوله: }فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ{ فهذا هو تحقيق التوحيد، وبه تظهر مناسبة الآية للترجمة، حيث وصف خليله بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وقد أمرنا بالتأسي والاقتداء به، فقال: }قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ{. وقال المصنف: }إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً{) لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين، }قَانِتاً لِلَّهِ{ لا للملوك ولا للتجار المترفين. }حَنِيفاً{ لا يميل يمينا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين: }وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{ خلافا لمن كثر سوادهم، وزعم أنه من المسلمين.

(1) وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بهذه الصفات الحميدة، فقال: }إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ{ خائفون وجلون: }وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ{ أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، ثم طبع على أعمالهم الصالحة بطابع الإخلاص، وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، فقال: }وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ{ لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه، ويعلمون أنه لا إله إلا هو الأحد الصمد، ومن كان كذلك فقد بلغ النهاية من تحقيق التوحيد، =


 عن حصين بن عبد الرحمن(1) قال: كنت عند سعيد بن جبير(2) فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة(3)؟ فقلت: أنا(4)

ـــــــــــــــــ

= الموجب لدخول الجنة بغير حساب، ومن لا فلا، وذلك لأن الأعمال من حيث هي لا تصح مع الأكبر، فإن سلم من الأكبر فإن الأعمال لا تزكو ولا تنمو إلا بالسلامة من الأصغر.

(1) رحمه الله تعالى، هو ابن عم منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، وقيل: ابن عتاب بن فرقد السلمي أبو الهذيل الكوفي، أحد الأعلام، ومن كبار أصحاب الحديث، ثقة روى عن جابر وعمارة وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه شعبة والثوري وجماعة، مات سنة 136 هـ، وله 93.

(2) رحمه الله هو ابن هشام الوالبي الأسدي مولاهم، أبو محمد الإمام الفقيه، وكان من جلة أصحاب ابن عباس، روى عنه وعن ابن الزبير وغيرهما، وعنه ابناه عبد الملك وعبد الله، وأبو إسحاق ويعلى وجماعة، قتل بين يدي الحجاج سنة 95 هـ. فما أمهله الله بعده ولم يذق غمضًا حتى مات، ورؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلت بكل قتيل قتلة، وبسعيد بن جبير سبعين قتلة.

(3) أي كوكبًا رجم به تلك الليلة، والقائل هو سعيد بن جبير، والكوكب النجم، و "انقض" بالقاف والضاد أي سقط، "والبارحة" هي أقرب ليلة مضت، قال ثعلب وغيره يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحة، وهي مشتقة من برح إذا زال، وفيه فضيلة السلف، وأن ما يرونه من الآيات السماوية لا يعدونه عادة، بل يعلمون أنه آية من آيات الله.

(4) أي قال حصين بن عبد الرحمن: أنا رأيته.

ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة(1) ولكني لدغت،(2) قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت،(3) قال: فما حملك على ذلك؟(4) قلت: حديث حدثناه الشعبي(5). قال: وما حدثكم؟(6)

ـــــــــــــــــ

(ا) القائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون أنه رأى الكوكب المنقض وهو يصلي، فنفى عن نفسه إيهام العبادة، وهذا يدل على حرص السلف على الإخلاص، و "أما" بالتخفيف حرف استفهام بمنزلة ألا، فإذا وقعت "إن" بعدها كسرت، أو الهمزة للاستفهام، و "ما" اسم بمعنى شيء، أي ذلك الشيء حق، وعلى هذا تفتح أن بعدها، والأنسب هنا الأول.

(2) بضم اللام وكسر الدال، يقال: لدغته العقرب وذوات السموم، تلدغه لدغا لسعته، أي أصابته بسمها، واللدغ واللسع واللسب بمعنى، أو اللسع بالناب واللدغ بالفم، يعني فأوجب لي اللدغ الاستيقاظ، لا أني كنت أصلي.

(3) لفظ مسلم: "استرقيت" أي طلبت من يرقاني.

(4) سأله عن مستنده في فعله، هل كان مقتديًا أولاً؟ ففيه طلب الحجة على صحة المذهب.

(5) رحمه الله هو عامر بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل الشعبي الحميري الهمداني، أبو علي، ولد في خلافة عمر، من كبار فقهاء التابعين وثقاتهم، روى عن علي وسعد بن أبي وقاص وغيرهما، وعنه أبو إسحاق السبيعي وأشعث وخلق، يقول: ((ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته)). مات سنة 103هـ. و "حديث" بالرفع فاعل بفعل محذوف، أي حملني على الاسترقاء حديث إلخ.

(6) يعني الشعبي به من جواز الرقية.


 قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب(1) أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة ".(2) قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع،(3)

ـــــــــــــــــ

(1) ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي المتوفي بمرو سنة 62 هـ.

(2) أي لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وإنما خص العين والحمة لكونهما تصدران من أنفس خبيثة شريرة روحانية شيطانية، فالرقية بالقوى الرحمانية كالنفث والريق أولى وأشفى ما يدفع الإيماني الروحاني به هذين النوعين، ولا يمنع جواز الرقية من غيرهما من الأمراض؛ لأنه أمر بالرقية مطلقًا، وقد رقا صلى الله عليه وسلم ورقي، والعين هي إصابة العائن غيره بعينه إذا نظر إليه، عدوًا كان العائن أو حاسدًا أو غيرهما، فتؤثر فيه بإذن الله فيمرض بسببها، ومن أسباب العين أن يتعجب الشخص من الشيء يراه فتتبعه نفسه، فيتضرر ذلك الشيء منه، يقال: عانه يعينه فهو عائن، إذا أصابه بالعين، ويندفع شره بأسباب منها: التعوذ بالله من شره، والصبر عليه، وفراغ القلب من الاشتغال به، والإحسان إليه مهما أمكن، والصدقة وتقوى الله والتوكل عليه، والإقبال إليه، ومعرفة أن الأسباب كلها بيده سبحانه.

و "الحمة" بضم الحاء وتخفيف الميم: الحية والعقرب وشبههما، أو السم أو الإبرة، وفي رواية: من الحية والعقرب.

(3) أي فعل الحسن من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به، بخلاف من يعمل على جهل، أو لا يعمل بما يعلم، فذلك المسيء، وهذا الحديث رواه أحمد وابن ماجه عنه مرفوعا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين مرفوعًا، ورجال أحمد ثقات، وأصله في الصحيحين، وفيه فضيلة علم السلف، وحسن أدبهم، وتلطفهم في تبليغ العلم، وأن من عمل بما بلغه فقد أحسن، ولا يتوقف العلم به على معرفة كلام أهل المذاهب وغيرهم.


 ولكن حدثنا ابن عباس(1) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرضت عليَّ الأمم(2) فرأيت النبي ومعه الرهط(3)، والنبي ومعه الرجل والرجلان(4)، والنبي وليس معه أحد(5)،

ـــــــــــــــــ

(1) عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ابن

عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، حبر الأمة وترجمان القرآن، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل "، فصار آية في العلم والفهم، مات بالطائف سنة 68 هـ. قال المصنف: ((وفيه عمق علم السلف، لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني)) ا هـ. فإن حصين بن عبد الرحمن رضي الله عنه انتهى إلى ما سمع عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن أخبره سعيد بن جبير عن درجة أرفع من تلك الدرجة وهي التوكل.

(2) الله أعلم متى عرضت، وعرضها أن الله تبارك وتعالى أراه مثالها إذا جاءت الأنبياء ومن تبعهم يوم القيامة.

(3) والذي في صحيح مسلم "الرهيط" بالتصغير، والرهط بالسكون ويفتح، الجماعة دون العشرة جمعه أرهط وأرهاط، ولا واحد له من لفظه.

(4) أي أتباعه الواحد والاثنان لقلة متبعه.

(5) أي يبعث في قومه فلا يتبعه منهم أحد، بل منهم من قتله قومه، فإن الناجي من الأمم هم القليل، ولكن هم السواد الأعظم، وإن كانوا أقل القليل، فإنهم الأعظمون قدرا عند الله وإن قلوا، فليحذر المسلم أن يغتر بالكثرة، قال المصنف: ((وفيه ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة، وأن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها، والمراد أمة الإجابة لا أمة الدعوة)).


 إذ رفع لي سواد عظيم(1) فظننت أنهم أمتي(2)، فقيل لي: هذا موسى وقومه(3)، فنظرت فإذا سواد عظيم(4) فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب(5) ".

ـــــــــــــــــ

(1) السواد: ضد البياض، أي رفع لي أشخاص كثيرة، من بعد لا أدري من هم.

(2) لكثرتهم، وإنما ظن ذلك لما أوحي إليه وأطلع عليه من كثرة أمته، ولم يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأشخاص التي ترى من بعد لا يدرك منها إلا الصورة.

(3) أي موسى بن عمران كليم الرحمن. وقومه: أتباعه على دينه من بني إسرائيل، ففيه فضيلة أتباعه منهم، وأنهم كثيرون جدًا، بل هم أكثر الأمم تابعا لنبيها بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: }وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ{ أي في زمانهم، وذلك أن في زمانهم وقبله ممن كفر خلقا لا يحصون كحزب جالوت وبختنصر وغيرهم.

(4) وفي رواية: "قد سد الأفق". وفي صحيح مسلم: " ولكن انظر إلى الأفق فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر ههنا وههنا في آفاق السماء فإذا سواد قد ملأ الأفق".

(5) لتحقيقهم التوحيد، وفيه فضيلة هذه الأمة وأنهم أكثر الأمم تابعا لنبيهم صلى الله عليه وسلم، وقد كثروا في عهد الصحابة -رضي الله عنهم- وفي وقت الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، فملؤوا القرى والأمصار والقفار، وكثر فيهم العلم، وما زالوا على السنة في القرون الثلاثة المفضلة.

وقد قلوا في آخر الزمان حقيقة لا دعوى، لا سيما وقد كثرت فيهم عبادة غير الله، واستحلال كثير من المحرمات.

قال المصنف: وفيه فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية والكمية الكثرة والعدد، والكيفية=


 ثم نهض فدخل منزله(1)، فخاض الناس في أولئك(2) فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم،(3) وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا(4)،

ـــــــــــــــــ

= فضيلتهم في صفاتهم، وفي رواية: "ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفا". وفي رواية: " تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر ". وأخرج أحمد والبيهقي وغيرهما: " فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفا ". قال الحافظ: ((وسنده جيد)).

ولمسلم: " مع كل واحد منهم سبعون ألفا ".

(1) أي قام من مجلسه الذي حدثهم فيه بهذا الحديث، فدخل منزله أي داره، وله تسعة أبيات بحجرها من جريد مستورة بمسوح الشعر عن يسار المصلي، قبل أن يزاد المسجد، ثم أدخلت فيه بعد ذلك.

(2) أي تباحث الحاضرون وأفاضوا وتناظروا واختلفوا في شأن السبعين ألفا بأي عمل نالوا هذه الدرجة، فإنهم عرفوا أنهم إنما نالوا ذلك بعمل هو أفضل الأعمال. وفي لفظ: فتذاكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه إباحة المناظرة والمباحثة في معاني نصوص الشرع على وجه الاستفادة ولو كان بغير علم، وجواز الاجتهاد فيما لم يكن فيه دليل، لكن لا يجزم بصواب نفسه، قال المصنف: ((وفيه عمق علم السلف؛ لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. وفيه حرصهم على الخير)).

(3) فإنهم أفضل الخلق بعد الرسل، لا كان ولا يكون مثلهم.

(4) من أن لهم مزية على من ولد في الجاهلية وهو كذلك، وقد يكون من أدركته الجاهلية أفضل كما في الحديث: " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ". وكما وقع لعمر وخالد وغيرهما.


 وذكروا أشياء(1)، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه(2) فقال: " هم الذين لا يسترقون(3) ولا يكتوون(4)

ـــــــــــــــــ

(1) أي غير هاتين الخصلتين. وفي رواية: قالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكن آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا.

(2) بما تفاوضوا فيه من أمر هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب.

(3) أي لا يطلبون من يرقيهم استسلاما للقضاء وتلذذا بالبلاء، وهكذا ثبت في الصحيحين، وفي رواية لمسلم: "ولا يرقون" قال شيخ الإسلام: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا يرقون"، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الرقى فقال: " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل ". وقال: " لا بأس بالرقى إذا لم تكن شركا ". وقد رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، ورقى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن، وإنما المراد وصف السبعين ألفا بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم.

(4) أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، وقوله: "ولا يكتوون" أعم من أن يسألوا ذلك أو يفعل بهم باختيارهم، والكي في نفسه جائز، كما في الصحيح عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع له عرقا وكواه ". " وكوى أنس من ذات الجنب، والنبي صلى الله عليه وسلم حي ". رواه البخاري. وفي الصحيح عن ابن عباس مرفوعًا: " الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي ". وفي لفظ: " وما أحب أن أكتوى".

قال ابن القيم: ((قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها فعله، والثاني عدم محبته، والثالث الثناء على من تركه، والرابع النهي عنه، ولا تعارض بينها؛=


 ولا يتطيرون(1) وعلى ربهم يتوكلون(2).

ـــــــــــــــــ

= فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل وأكمل، أي في تحقيق التوحيد، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هم الذين أخلصوا أعمالهم وتركوا ما لا بأس به، حذرا مما به البأس. وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة)) ا هـ.

فمن تركهما توكلا لا تجلدا ولا تصبرا فهو من كمال تحقيق التوحيد، ومن تركهما تجلدا وتصبرا لم يكن تركه من التوحيد في شيء فضلا عن أن يكون من تحقيقه.

(1) أي لا يتشاءمون بالطير ونحوها. ويأتي بيان الطيرة في بابها إن شاء الله تعالى.

(2) فتركوا الشرك رأسا ولم ينزلوا حوائجهم بأحد فيسألونه الرقية فما فوقها، وتركوا الكي وإن كان يراد للشفاء، والحامل لهم على ذلك قوة توكلهم على الله، وتفويض أمورهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وصدق الالتجاء إليه، وإنزال حوائجهم به سبحانه وتعالى، والاعتماد بالقلب الذي هو نهاية تحقيق التوحيد، وهو الأصل الجامع الذي تفرعت عنه تلك الأفعال والخصال، وعطفه على تلك من عطف العام على الخاص؛ لأن كل واحدة منها صفة خاصة من التوكل وهو أعم من ذلك، والحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلاً، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلا على الله كالاكتواء والاسترقاء، وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعًا؛ لما في الصحيحين: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله ".

وأخرج أحمد" يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد، قالوا: ما هو؟ قال: الهرم".=


 فقام عكاشة بن محصن(1) فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم(2). ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم(3)، قال: سبقك بها عكاشة "(4).

ـــــــــــــــــ

قال ابن القيم: ((وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب، وتعطيلها يقدح في التوكل، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً، ولا توكله عجزا)).

(1) بضم العين وتشديد الكاف، ومحصن بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد ابن حرثان بضم الحاء ابن قيس بن مرة الأسدي، من السابقين، شهد بدرًا، واستشهد في قتال الردة مع خالد بيد طليحة سنة 12 هـ.

(2) وفي رواية للبخاري: " اللهم اجعله منهم ". فقتل شهيدا. وفيه طلب الدعاء من الفاضل لكن في حياته، أما بعد وفاته فشرك أكبر.

وفي رواية: منهم أنا؟ قال: "نعم".

(3) ذكره مبهما، ولا حاجة إلى البحث عن اسمه.

(4) أي قال ذلك سدًّا للذريعة لئلا يتتابع الناس فيسأل من ليس أهلا فيرد، فيعرفه الحاضرون، وسبق إلى الأمر بادر إليه، وسبقه إليه تقدمه وخلفه.

فال المصنف: ((وفيه استعمال المعاريض، وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم حيث لم يقل أنت منهم، ولا لست منهم)). والحديث أورده المصنف غير معزو، وقد رواه البخاري مختصرًا ومطولاً، ومسلم واللفظ له، والترمذي وغيرهم.


 باب الخوف من الشرك(1)

وقول الله تعالى: }إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ{(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي باب وجوب الخوف من الشرك وتحتمه والتحذير منه، وبيان ما يتعلق به من الخسران الأبدي والعذاب السرمدي، وخاف الشيء: فزع منه واتقى ضد أمن. لما ذكر التوحيد وفضله وتحقيقه ناسب أن يذكر الخوف من ضده وهو الشرك، ليحذره المؤمن ويخافه على نفسه، قال حذيفة: " كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه ".

وفي الحديث: " من أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه ". فيحذر المؤمن زوال تلك النعمة، وكان صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قيل له: يا رسول الله وإن القلوب لتتقلب؟ قال: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء". فإن شاء سبحانه أقامها على دينه، وإن شاء أزاغها، وحقيقة الخوف من الشرك صدق الالتجاء إلى الله والاعتماد عليه والابتهال والتضرع إليه، والبحث والتفتيش عن الشرك ووسائله وذرائعه، ليسلم من الوقوع فيه.

(1) أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، أي عادل غيره به فيما يختص به سبحانه، وصارف خالص حقه لغيره، ومشبه المخلوق العاجز بمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وإذا كان من مات على الشرك لا يغفر له، وجب على العبد شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه عند الله، ومع كونه أعظم الذنوب عند الله سبحانه، ولا يغفر لمن لقيه به فهو هضم للربوبية، وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين.


 }وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ{(1). وقال الخليل -عليه السلام-: }وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ{(2)(3).

ـــــــــــــــــ

(1) أي يغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء من عباده، وفي الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم أعطى ثلاثًا منها " وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات " يعني الكبائر، ففيه فضل السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، فتبين بهذه الآية ونحوها أن الشرك أعظم الذنوب؛ لأن الله أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، وأما ما دونه من الذنوب فهو داخل تحت المشيئة، إن شاء غفر لمن لقيه به، وإن شاء عذبه، ولا يجوز أن يحمل قوله: }وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ{ على التائب؛ فإن التائب من الشرك مغفور له بنص القرآن، وفي الآية رد على الخوارج المكفرين بالذنوب، وعلى المعتزلة القائلين بتخليد أصحاب الكبائر في النار.

(2) هو إبراهيم بن آزر بن ناحور بن شاروخ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ ابن أرفخشذ بن سام بن نوح، ولد ببابل قبل عيسى بألفي عام، وهاجر إلى الشام، وتوفي ا بعد أن عاش 157 سنة. ومعنى إبراهيم بالسريانية أب رحيم. والخلة أخص من المحبة؛ ولهذا اختص بها الخليلان إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم. ويأتي قوله: " فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ".

(3) أي اجعلني وبني في حيز وجانب عن عبادة الأصنام، وباعد بيننا وبينها، وهذا مما يخيف العبد، فإذا كان الخليل -عليه السلام- إمام الحنفاء الذي جعله الله أمة وحده وابتلي بكلمات فأتمهن، وقد كسر الأصنام بيده، يخاف أن يقع في الشرك، فكيف يأمن الوقوع فيه من هو دونه بمراتب بل أولى بالخوف منه وعدم الأمن بالوقوع فيه. قال إبراهيم التيمي: ((ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم)). وقد وقع فيه الأذكياء من هذه الأمة بعد القرون المفضلة، فبنيت المساجد والمشاهد على القبور وغيرها، وصرفت لها العبادات بأنواعها، وأشبهوا ما وقع في الجاهلية وأعظم=


 وفي الحديث: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء ".(1)

ـــــــــــــــــ

= واتخذوا ذلك دينا، وهي أوثان وأصنام، فإن الصنم ما كان مصورا على أي صورة، والوثن ما عبد مما ليس له صورة كالحجر والأبنية، وقد يسمى الصنم وثنا، كما قال الخليل: }إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً{. فالأصنام أوثان كما أن القبور بالنص أوثان، فالوثن أعم.

وقال بعض العلماء: كل ما عبد من دون الله، بل كل ما يشغل عن الله يقال له صنم، وقد بين الخليل -عليه السلام- السبب الذي أوجب له الخوف من ذلك بقوله: }رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ{. فإذا عرف الإنسان ذلك أوجب له الخوف أن يقع فيما وقع فيه الكثير، ولا يأمن الوقوع فيه إلا جاهل به، وبما يخلص منه من العلم بالله، وبما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم من توحيده والنهي عن الشرك به.

(1) يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه، أي أشد خوف أخافه عليكم، وهذا من شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته ورحمته بهم، فلا خير إلا دلهم عليه ولا شر إلا حذرهم عنه، وهذا الحديث أورده المصنف مختصرًا غير معزو، وقد رواه أحمد والطبراني والبيهقي بأسانيد جيدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ". والشرك قسمان: أكبر وأصغر، وبينهما فرق في الحكم والحد، فالأكبر: أن يسوي غير الله بالله فيما هو من خصائص الله كالمحبة، وحكمه أنه لا يغفر لصاحبه أبدا إلا بالتوبة، وأنه يحبط جميع الأعمال، وأن صاحبه خالد مخلد في النار. والأصغر: هو ما أتي في النصوص أنه شرك، ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، وحكمه أنه لا يغفر =


 وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار ". رواه البخاري(1).

ـــــــــــــــــ

= لصاحبه إلا بالتوبة لعموم }إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ{، وأنه يحبط العمل الذي قارنه، ولا يوجب التخليد في النار، ولا ينقل عن الملة، ويدخل تحت الموازنة، إن حصل معه حسنات راجحة على ذنوبه دخل الجنة وإلا دخل النار، وإذا كان صلى الله عليه وسلم يخافه على أصحابه الذين وحدوا الله ورغبوا إلى ما أمروا به، وهاجروا وجاهدوا وعرفوا ما دعاهم إليه نبيهم، فكيف لا يخافه وما فوقه من لا يدانيهم، ومن لا نسبة له إليهم في علم ولا عمل؟ خصوصا إذا عرف أن أكثر الناس اليوم بل كثير من علماء الأمصار لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، لم يعرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله، ويقولون: من قالها فهو المسلم وإن فعل ما فعل.

فينبغي للإنسان أن يحذر كل الحذر، ويخاف أن يقع في الأكبر إذا كان الأصغر مخوفا على الصالحين، وهو وجه إيراده له مع أن الترجمة تشمل النوعين، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن أمته بوقوع الشرك، وقد عمت به البلوى في أكثر الأقطار، حتى اتخذوه دينا مع ظهور البراهين في النهي عنه والتخويف منه. وفيه أن الرياء من الشرك، وأنه من الأصغر، وأنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.

(1) وهذا الحديث فيه أيضًا التحذير من الشرك والتخويف منه، فمن جعل لله ندا في العبادة يدعوه ويسأله ويستغيث به، نبيا كان أو غيره دخل النار.

قال ابن القيم:

والشرك فاحذره فشرك ظاهر

ذا القسم ليس بقابل الغفران =


 ولمسلم عن جابر رضي الله عنه(1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة(2)، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار "(3).

ـــــــــــــــــ

وهو اتخاذ الند للرحمن أيا

كان من حجر ومن إنسان

يدعوه أو يرجوه ثم يخافه

ويحبه كمحبة الديان

والند المثل والشبيه، يقال: فلان ند فلان ونديده، أي مثله وشبيهه، واتخاذ الند على قسمين: أن يجعل لله شريكا في أنواع العبادة أو بعضها، فهذا شرك أكبر، والثاني ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكيسير الرياء، قال الشيخ: وكبخله - لحب المال - ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه لما يبغضه الله، حتى يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر.

(1) ابن عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي الأنصاري، صحابي جليل أحد المكثرين عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه جماعة، ومناقبه مشهورة، ولأبيه مناقب مشهورة مات بالمدينة سنة 74 هـ، وله 94 سنة.

(2) أي من مات لم يتخذ مع الله شريكا في الإلهية، ولا في الخلق، ولا في العبادة دخل الجنة، ففيه فضيلة السلامة منه.

ومن حديث أبي ذر: " أتاني جبرائيل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق "، وفي الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر ". ودخول من مات غير مشرك الجنة مقطوع به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرًا عليها دخلها أولاً، وإلا فهو تحت المشيئة، فإن عفا عنه دخلها أولاً، وإلا عذب ثم خرج من النار وأدخل الجنة.

(3) فإذا كان التغيظ في النهي عن الشرك بهذه الشدة فينبغي شدة الخوف منه. وقوله: "شيئًا" نكرة تعم قليل الشرك وكثيره، أما الأكبر فلا عمل معه ألبتة=


..................................................................

ـــــــــــــــــ

= ويوجب الخلود في النار، ولا فرق بين الكافر عنادا وغيره، ولا بين من انتسب إلى ملة الإسلام أو خالفها، ومن المعلوم بالضرورة من الدين المجمع عليه عند أهل السنة أن من مات على الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من الله رحمة، ويخلد في النار أبد الآباد. وأن من مات لا يشرك بالله شيئًا يدخل الجنة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحن. وأما الشرك الأصغر كيسير الرياء، وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ومالي إلا الله وأنت، ونحو ذلك فيطلق عليه الشرك كما في حديث: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " ونحو ذلك، ولكن لا يخرج بذلك من الملة بالكلية، ولا يستحق اسم الكفر على الإطلاق، فهو أخف من الأكبر، وقد يكون أكبر بحسب حال قائله ومقصده، واقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء، واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم، فالمراد من مات حال كونه مؤمنا بجميع ما يجب الإيمان به إجمالا في الإجمالي، وتفصيلا في التفصيلي، وفيه قرب الجنة والنار، والجمع بن قربهما في حديث واحد متقارب في الصورة.


 باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله(1)

وقول الله تعالى: }قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي{(2) الآية.

ـــــــــــــــــ

(1) لما ذكر المصنف التوحيد وفضله وتحقيقه وما يوجب الخوف من ضده، نبه بهذه الترجمة على أنه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه، فإن الرجل إذا علم وجب عليه العمل، فإذا علم وعمل وجبت عليه الدعوة إلى الله، حتى يكون من ورثة الأنبياء وعلى طريقهم وطريق أتباعهم، قال الحسن لما تلا: }مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ قال: " هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته "، وقال: }إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ{ هذا خليفة الله. والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى توحيده والإيمان به وبما جاءت به رسله، وذلك يتضمن الدعوة إلى أركان الإسلام وأصول الإيمان والإحسان، بل الأمر بما أمر به، والنهي عما نهى عنه، ولا تتم إلا بذلك، وأول ما يبدأ به الدعوة إلى التوحيد الذي هو معنى الشهادة، كما كان شأن المرسلين وأتباعهم كالمصنف رحمه الله، وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره.

(2) يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل: يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة لله وحده طريقتي ومسلكي ودعوتي إلى الله وحده لا شريك له، لا إلى حظ ولا رياسة، بل إلى الله، على بصيرة بذلك ويقين وبرهان وعلم مني به (أنا ومن=


...................................................................

ـــــــــــــــــ

= اتبعني) أي ويدعو إليه على بصيرة أيضًا من اتبعني وصدقني وآمن بي، والبصيرة المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل، وهي الخصيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة وهي أعلى درجات العلماء. (وسبحان الله) أي أنزه الله وأعظمه وأقدسه وأجله عن أن يكون له شريك في ملكه أو نظير أو نديد، تعالى وتقدس عن ذلك علوًّا كبيرًا. }وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{ في الاعتقاد والعمل والمسكن، لست منهم ولا هم مني، بأي نسبة كانوا بحيث لا يعد منهم بوجه من الوجوه، إن نظر في الاجتماعات فليس منهم، وإن جلسوا في المجالس فليس منهم، وإن خرجوا إلى المحافل فليس منهم، فليس منهم في أي حال من الأحوال، وفيه وجوب الهجرة، وهو معلوم بالكتاب والسنة والإجماع، وبذلك يظهر وجه المطابقة بين الآية والترجمة. والنصوص في الدعوة إلى الله كثيرة كقوله: }ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{.

وقوله: }وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ{. وهي واجبة على من اتبعه أن يدعو إلى الله كما دعا إليه.

وذكر ابن القيم أن مراتب الدعوة ثلاثة أقسام: وذلك بحسب حال المدعو، فإنه إما أن يكون طالبًا للحق محبًّا له مؤثرًا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال، وإما أن يكون مشتغلاً بضد الحق لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب، وإما أن يكون معاندًا معارضًا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجلاد إن أمكن.

ولا بد في الدعوة إلى الله من شرطين: أن تكون خالصة لوجه الله، وأن تكون على وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون الداعي عارفا بما يدعو إليه، فإن أخل بالأول كان مشركًا، وإن أخل بالثاني كان مبتدعًا.

وقال الشيخ: يحتاج إلى شروط كما في الحديث، ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يكون فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، =


 وعن ابن عباس رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن(1). قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب(2) فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله "(3)

ـــــــــــــــــ

= حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه، فالفقه قبل الأمر: ليعرف المعروف فيأمر به، ويعرف المنكر فينكره، والرفق عند الأمر: ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود، والحلم بعد الأمر: ليصبر على أذى المأمور المنهي.

وقال المصنف: ((فيه أن الدعوة إلى الله طريق من اتبعه صلى الله عليه وسلم، وفيه التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه، وأن البصيرة من الفرائض، وأن من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيها لله عن المسبة.

وأن من دلائل قبح الشرك كونه مسبة لله، وفيه إبعاد المسلم عن المشركين ألا يصير منهم ولو لم يشرك)).

(1) أرسله داعيا إلى الله سنة عشر قبل حجه صلى الله عليه وسلم، ولم يزل على اليمن واليا وقاضيا إلى أن قدم في خلافة أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها. قال الشيخ: ((ومن فضائله أنه بعثه إلى اليمن مبلغا عنه ومفقها ومعلما وحاكما)) ا هـ.

وفيه مشروعية بعث الإمام الدعاة إلى الجهات يدعون إلى الله، بل يتعين عليه بتأكد.

(2) يعني بذلك اليهود والنصارى لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب، وقد أوتوا علوما في أصول الأديان وفروعها، وليسوا أميين كسائر العرب، فنبهه على ذلك ليتهيأ لمناظرتهم، يعني خذ أهبتك لهم، فإنهم أهل علم، ليسوا كغيرهم.

وقال الحافظ: ((هو كالتوطئة للوصية ليجمع همته عليها)).

(3) فإنه لا بد أن يأتوك بعلوم وأشياء، ولكن لا يكن همك إلا هذا الشأن. و"شهادة" بالرفع على أنه اسم يكن مؤخر، و"أول" خبرها، ويجوز العكس.


 وفي رواية: " إلى أن يوحدوا الله(1)، فإن هم أطاعوك لذلك(2)

ـــــــــــــــــ

(1) هذه الرواية في كتاب التوحيد من صحيح البخاري، أشار بها المصنف إلى التنبيه على معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن معناها توحيد الله بالعبادة ونفي عبادة ما سواه، وفي رواية: " فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله "، وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وفي رواية للبخاري: " أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله "، فهذه الروايات يفسر بعضها بعضا، والمراد بذلك العلم والعمل بما دلت عليه، من إفراد الله بالعبادة، بخلاف من قال: أول واجب النظر في الوجود، أو القصد إلى النظر، فلا واجب على المكلفين أعظم من التوحيد علمًا وعملاً، ومن أدلته هذا النص وغيره؛ فإن قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " مع قوله: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب" يعني أنهم أهل علوم وكتب وحجج، ومع ذلك أمره أن يدعوهم إلى إفراد الله بالعبادة، لكونهم محتاجين إلى أن تبين لهم ذلك، فإن منهم من يجهله، أو يعلمه ولكن الشهوة تمنعه من ذلك، وحب المال والجاه والرياسة والعياذ بالله، وفيه أنه لا يحكم بإسلام شخص إلا بالنطق بالشهادتين كما هو مذهب أهل السنة.

وقال الشيخ: قد علم بالإضرار من دين الرسول، واتفقت الأمة أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا، وإذا لم يتكلم مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين.

قال المصنف: ((وفيه أن التوحيد أول واجب، والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ عشر سنين كلها في الدعوة إلى التوحيد، والنهي عن ضده وهو الشرك، وفيه أن الإنسان قد يكون من أهل العلم، وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها، والتنبيه على التعليم بالتدريج، والبداءة بالأهم فالأهم)).

(2) أي شهدوا وانقادوا لذلك، وكفروا بما يعبد من دون الله.


 فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة(1)، فإن هم أطاعوك لذلك(2) فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) ثنى بالأعمال بعد التوحيد لأنها لا تصح بدونه، فهو شرط لصحة جميع الأعمال. وفيه أن الصلاة أول واجب بعد الشهادتين، وأن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، فإن حصل دعي إلى الصلاة، وإلا لم يدع إليها، فإن الصلاة وغيرها من سائر الأعمال لا تصح بدونه، ولا يلزم من ذلك ألا يكون الكفار مخاطبين بها، ويزاد في عذابهم، وجمهور العلماء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، المأمور بها والمنهي عنها، كالتوحيد إجماعا لقوله: }قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ{.

(2) وأقاموا الصلاة الشرعية، وفي رواية الفضل بن العلاء: "فإذا صلوا".

(3) فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة، وقرنها الله بالصلاة في أكثر من ثمانين موضعا من كتابه، منها: }وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ{. وعن ابن مسعود مرفوعا: " أمرت بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له".

وحديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ". وفيه أنها تؤخذ من الأغنياء فترد على الفقراء، وهو محتمل لفقراء المسلمين، وفقراء تلك البلدة، والمحلة، والقبيلة، والطائفة. وأنه يكفي إخراجها في صنف واحد، بل دلت السنة على جواز دفعها إلى شخص واحد، وإنما خص الفقراء لأنهم أكثر من تدفع إليهم، ولأن حقهم آكد من بقية الأصناف الثمانية. وفيه أن الإمام أو نائبه هو الذي يتولى قبضها، ومن امتنع منها أخذت منه قهرًا.


 فإن هم أطاعوك لذلك(1)، فإياك وكرائم أموالهم(2)، واتق دعوة المظلوم(3)؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب "(4). أخرجاه.

ـــــــــــــــــ

(1) أي أدوا الزكاة المشروعة فاقبلها منهم، وفي رواية الفضل: " فإذا أقروا بذلك فخذ منهم ".

(2) في أخذ الزكاة، بنصب "كرائم" على التحذير، جمع كريمة خيار المال، وفي المطالع: هي الجامعة للكمال الممكن في حقها، من غزارة لبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم وصوف. وفيه أنه يحرم على العامل أخذ كرائم الأموال، ويحرم على صاحبه إخراج شراره، بل الوسط; لأن ذلك سبب لإخراجها بطيب نفس، ونية صحيحة، فإن طابت نفسه بالكريمة جاز.

(3) أي اجعل العدل وترك الظلم وقاية بينك وبين الله تقيك دعوة المظلوم، والمتقي من اتقى الله في عمله، ففعل كما أمر خالصاً لله. وفيه التنبيه على التحذير من جميع أنواع الظلم، فيجب على كل عامل وغيره أن يتحرى العدل فيما استعمل فيه، فلا يظلم بأخذ زيادة على الحق، ولا يحابي بترك شيء منه.

(4) أي فإن دعوة المظلوم لا ترد ولا تحجب عن الله عز وجل). وفيه مشروعية بعث الإمام العمال لجباية الزكاة، وأنه يعظ عماله وولاته، ويأمرهم بتقوى الله، وينهاهم عن الظلم، ولم يذكر في هذا الحديث الصوم والحج.

قال الشيخ: أجاب بعض الناس أن بعض الرواة اختصره وليس كذلك، ولكن ذلك بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتان ثم الصلاة، ولهذا لم يذكر وجوب الحج في عامة الأحاديث، إنما جاء في الأحاديث المتأخرة، أو أنه يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض التي يقاتل عليها كالصلاة والزكاة، وتارة الصلاة والصيام لمن لم يكن عليه زكاة، ويذكر تارة الصلاة والزكاة والصوم، فإما أن=


 ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه(1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: " لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله(2)،

ـــــــــــــــــ

= يكون قبل فرض الحج، وإما أن يكون المخاطب لا حج عليه، وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض، ولهذا ذكر تعالى في كتابه القتال عليهما؛ لأنهما عبادتان ظاهرتان. ولما بعث معاذا إلى اليمن لم يذكر في حديثه الصوم؛ لأنه تبع وهو باطن، ولا ذكر الحج لأن وجوبه خاص ليس بعام، ولا يجب في العمر إلا مرة.

(1) ابن مالك بن خالد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، صحابي شهير، وأبوه صحابي أيضًا، ذكر سهل أنه مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس عشرة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة 88، وقيل: 91 هـ، وقد جاوز المائة، روى عنه ابن عباس وأبو هريرة وابن المسيب والزهري وغيرهم.

(2) أي قال يوم حصار خيبر سنة 7 هـ، وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: كان علي رضي الله عنه قد تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر، وكان أرمد، وقال: أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم !؟ فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله (في صباحها، قال صلى الله عليه وسلم: " لأعطين الراية - أو ليأخذن الراية - غدًا رجلاً يحبه الله ورسوله، أو قال: يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية، ففتح الله عليه ". وفي رواية بريدة: " إني دافع اللواء إلى رجل يحبه الله ورسوله ".

وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف الراية واللواء، لكن روى أحمد والترمذي من حديث ابن عباس: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه=


يفتح الله على يديه"(1). فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها(2)

ـــــــــــــــــ

= أبيض، وعن أبي هريرة: مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله، والراية علم الجيش، يرجعون إليه عند الكر والفر، جمعها رايات، وكذا لواء الجيش علمه، وهو دون الراية، سمي لواء لأنه يلوى لكبره فلا ينشر إلا عند الحاجة، والغد اليوم التالي ليومك على أثره. والمحبة مواطأة القلب على ما يرضى الرب، وأصلها الميل إلى ما يوافق المحب، وفيه فضيلة علي رضي الله عنه وزيادة منقبته؛ لشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بذلك بخصوصه.

قال الشيخ: هذا أصح حديث روي لعلي من الفضائل، وليس هذا الوصف مختصا به، ولا بالأئمة؛ فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين لا يتولونه، أو يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج، وفيه إثبات صفة المحبة خلافا للجهمية.

(1) أخبرهم صلى الله عليه وسلم على وجه البشارة بحصول الفتح، وكان قد اشتد عليهم الحصار، فهو علم من أعلام النبوة؛ لإخباره عنه قبل وقوعه في وقت مخصوص، فوقع طبق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم.

(2) بنصب ليلة، ورفع أي على البناء، لإضافتها وحذف صدر صلتها، أي سهروا تلك الليلة يبحثون ويتفاوضون، ويتناظرون فيمن سيعطاها. قال المصنف: "يدوكون" أي يخوضون، يعني فيمن يدفعها إليه، وفيه يقال: داك القوم يدوكون، إذا وقعوا في اختلاط واضطراب ودوران. وخاضوا في الحديث تفاوضوا فيه; وفيه حرص الصحابة على الخير، واهتمامهم به، وعلو مرتبتهم في العلم والإيمان، فينبغي التنافس في الخير، وعلو الهمة في طلبه.


 فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو(1) أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟(2) فقيل: هو يشتكي عينيه(3)، فأرسلوا إليه(4) فأُتي به، فبصق في عينيه(5)

ـــــــــــــــــ

(1) حرصًا عليه لكونه محبوبًا عند الله، وتفتح هذه البلدة على يديه، ففيه أن فعل الأسباب المباحة أو الواجبة أو المستحبة لا ينافي التوكل. وفي رواية لمسلم: أن عمر قال: ((ما أحببت الإمارة إلا يومئذ; رغبة فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم)). فإن قيل: إذا كان هذا ليس من خصائص علي رضي الله عنه فلم تمناه بعض الصحابة؟ أجاب شيخ الإسلام بأنه إذا شهد النبي صلى الله عليه وسلم لمعين بشهادة، أو دعا له بدعاء، أحب كثير من الناس أن يكون له مثل تلك الشهادة، ومثل ذلك الدعاء، وإن كان يشهد ويدعو لخلق كثير، ولكن تعيينه الشخص من أعظم فضائله. قال المصنف: ((وفيه فضيلة علي يعني لشهادته له على التعيين)).

(2) هو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته فاطمة الزهراء، الخليفة الرابع، من أسبق السابقين، ومن أهل بدر وبيعة الرضوان، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومناقبه مشهورة، قتله ابن ملجم في رمضان سنة 40 هـ، وفيه سؤال الإمام عن رعيته، وتفقد أحوالهم، وسؤاله عنهم في مجامع الخير.

(3) أي من الرمد كما تقدم. وفي صحيح مسلم: فأتى به أرمد. وفيه عن سلمة: فأرسلني إلى علي، فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه فبرأ.

(4) من يأتيه به، قال الشارح: وفي نسخة بخط المصنف: فأرسل إليه. مبني للفاعل، ويحتمل أنه لما لم يسم فاعله.

(5) بفتح الصاد أي بزق، ويقال: بزق ثم تفل ثم نفث ثم نفخ.


ودعا له فبرأ(1) كأن لم يكن به وجع(2)، وأعطاه الراية(3) فقال: انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم(4)، ثم ادعهم إلى الإسلام(5)،

ـــــــــــــــــ

(1) بفتح الراء والهمزة، أي عوفي في الحال عافية كاملة.

(2) من رمد ولا ضعف بصر، وذلك بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث: ((فدعا له فاستجيب له)).

وللطبراني عن علي رضي الله عنه: ((فما رمدت ولا صدعت منذ دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلي الراية)). وفيه علم من أعلام النبوة.

(3) أي دفعها إليه مع ما به من وجع العين، ولم يسع في طلبها. قال المصنف: فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع ومنعها ممن سعى.

(4) بضم الفاء وكسر الراء وسكون السين، أي امض برفق وتؤدة ولين، متمهلا على رسلك، من غير عجلة ولا طيش حتى تنزل بساحتهم، وساحة القوم وسوحهم ما قرب من حصونهم، وفيه الأدب عند القتال، وترك الطيش والأصوات المزعجة، وأمر الإمام عماله بالرفق واللين، من غير ضعف ولا انتقاض عزيمة.

(5) أي والإيمان فإن الإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، كما أنه إذا أفرد الإيمان دخل فيه الإسلام بلا نزاع، والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والخضوع له، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وأصل الإسلام هو التوحيد، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

وإن شئت قلت: هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وما اقتضته الشهادتان من إخلاص العبادة لله وحده دون ما سواه، فإن من عبد معه غيره لم يكن مسلما، والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وهذا=


 وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه(1)، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم "(2).

ـــــــــــــــــ

= هو الشاهد للترجمة. وهكذا ينبغي لأهل الإسلام أن يكون قصدهم بجهادهم هداية الخلق إلى الإسلام والدخول فيه، وفيه مشروعية الدعوة قبل القتال، وإن كانوا قد دعوا قبل ذلك، فيندب إعادة الدعوة؛ ليعلم المشركون أن قصد المسلمين لهم بالدعوة والقتال هو دخولهم في الإسلام، ليس المراد التشفي منهم وأخذ أموالهم، لكن إن كانوا قد بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ابتداء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون. فالدعوة دعوتان: واجبة وهي دعوة التبليغ، ومندوبة وهي تبليغهم قبل القتال كما فعل علي رضي الله عنه.

(1) أي في الإسلام إذا أجابوك إليه فأخبرهم بما يجب من حقوقه التي لا بد لهم من فعلها، كالصلاة والزكاة وغيرهما من شرائع الإسلام، بقوله: " فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها "، فإن امتنعوا عن شيء من حقها فالقتال باق، فالنطق بالشهادتين سبب العصمة، لا أنه نفسه العصمة، أو هو العصمة لكن بشرط العمل؛ فإن لله حقوقا في الإسلام من لم يأت بها لم يكن مسلما. وفيه أيضًا بعث الإمام الدعاة إلى الله كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه.

قال عمر: " والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسننكم".

(2) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر في محل رفع على الابتداء، والخبر خير. وحمر بضم الحاء المهملة وسكون الميم، والنعم بفتح النون والعين، أي هداية رجل على يديك خير لك من الإبل الحمر، وإنما عبر بها لأنها أنفس أموال العرب إذ ذاك. وكانوا يضربون بها المثل، والمراد خير من الدنيا وما عليها. وتشبيه أمور=


 يدوكون أي: يخوضون(1).

ـــــــــــــــــ

= الآخرة بأمور الدنيا للتقريب إلى الإفهام، وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها. وفيه الترغيب في الدعوة إلى الله لتحصل للداعي هذه الفضيلة بهداية رجل واحد، ولهذا حلف النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ولو لم يحلف، ترغيبا في هذا العمل وحضا عليه، ولو لم يهتد بالدعوة إلا رجل واحد، فكيف بهداية الفئام؟ كما وقع للمصنف -رحمه الله-، وغيره من أئمة الدين. وفيه جواز الحلف على الخبر والفتيا ولو لم يستحلف.

(1) فسر المصنف -رحمه الله- هذه اللفظة بأن المراد خوض السامعين، وبحثهم في هذا الخير وتمني حصوله.


 باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله(1)

وقوله تعالى: }أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ{(2) الآية .

ـــــــــــــــــ

(1) عطف الشهادة على التوحيد من عطف الدال على المدلول؛ فإن التوحيد هو معنى لا إله إلا الله ومدلولها مطابقة، يعني باب بيان إيضاح التوحيد، توحيد الإلهية والعبادة؛ لأنه هو المقصود بالذات من تصنيف الكتاب، وبيان مدلول شهادة أن لا إله إلا الله من النفي والإثبات، وما تضمنته من إخلاص العبادة لله وحده دون ما سواه، فالتفسير تارة بذكر ما تحت اللفظ من معنى، وتارة بذكر الضد والمنافي; فإن قيل: قدم في أول الكتاب ما يبين معنى لا إله إلا الله وما تضمنته من التوحيد، فما فائدة هذه الترجمة؟ قيل: في هذه الآيات التي في هذا الباب بخصوصها مزيد بيان لمعنى كلمة الإخلاص، وما دلت عليه من توحيد العبادة، والحجة على من تعلق على الأولياء والصالحين.

(2) يتبين معنى هذه الآية بذكر ما قبلها وهو قوله تعالى: }قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ{ صيغة عموم شمل كل مدعو من دون الله من الأنداد، وارغبوا إليهم، فإنهم يعني جميع من يدعي من دون الله: }فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ{ أي بالكلية (ولا تحويلا) أي ولا يحولونه إلى غيركم؛ فإن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له، فهو المستحق أن يفرد بجميع العبادة: }أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ{ أي يدعوهم أهل الشرك، ممن لا يملك كشف الضر ولا تحويله من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم، عباد أمثالهم مقهورون مربوبون. (فالذين) اسم موصول=


...................................................................

ـــــــــــــــــ

= يتناول كل مدعو من دون الله. قال ابن عباس: " كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا "، والذين هم يدعون: }يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ{ أي يتبارون في طلب القرب، فيطلبون القرب من الله بالإخلاص له، وطاعته فيما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه. وقال ابن عطية: أخبر تعالى أن هؤلاء المعبودين يطلبون التقرب إلى الله، والتزلف إليه، فـ (أيهم) مبتدأ وخبره (أقرب) و(أولئك) يراد بهم المعبودون، وهو مبتدأ، وخبره (يبتغون)، والضمير في (يدعون) للكفار، وفي (يبتغون) للمعبودين، و (الوسيلة) ما يتقرب به، وتوسل إلى الله عمل عملا تقرب به إليه، ولما أعد الله لأوليائه الكرامة، جعل لذلك وسيلة، وهي عبادة الله بامتثال ما أمر به، وأعظم القرب التوحيد الذي بعث الله به رسله، وهو الذي يقربهم إلى الله أي إلى عفوه ورضاه، ووصف ذلك بقوله: }وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ{ فلا يرجون أحدا سواه، ولا يخافون غيره. قال شيخ الإسلام: ((فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوا، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين، سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها، فقد تناولته هذه الآية كما تتناول من دعا الملائكة والجن، فقد نهى الله عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية، ولا يحولونه من موضع إلى موضع آخر كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: (ولا تحويلا) فذكر نكرة تعم أنواع التحويل، فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين، أو دعا الملائكة فقد دعا من لا يغيثه، ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله)) ا هـ.

فإذا كان دعاء الأولياء والصالحين شركا، عرفنا أن التوحيد هو دعاء الله وحده لا شريك له، فكان في هذه الآية تفسير التوحيد، وأنها دلت على أن دعوة الله وحده هي التوحيد، وهذا وجه مطابقة الآية للترجمة، وهو تفسير الشيء بضده.


 وقوله تعالى: }وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي{(1) الآية.

وقوله: }اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ{(2) الآية.

ـــــــــــــــــ

(1) وتمامها: }فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ{ في ذريته من بعده، يدينون بها (لعلهم يرجعون) إليها، والكلمة هي: لا إله إلا الله بإجماع أهل العلم. وقد عبر عنها الخليل بمعناها الذي أريدت به، فعبر عما نفته بقوله: }إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ وعما أثبتته بقوله: }إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي{ أي خلقني، فقصر العبادة على الله وحده، ونفاها عن كل ما سواه ببراءته من ذلك. قال ابن كثير: ((هذه الكلمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله، جعلها في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله منهم، ففي الآية معنى لا إله إلا الله مطابقة، فإن هذه اللام تسمى لام النفي، ولام التبرئة، فتبين أن معناها النفي والإثبات، والتجريد والتفريد، والولاء والبراء، وتبين أن معنى لا إله إلا الله توحيد الله بإخلاص العبادة له، والبراءة من عبادة كل ما سواه)).

(2) الأحبار العلماء، والرهبان هم العباد، وجعلوهم مشرعين في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل، فصاروا بذلك أربابا؛ لأن التشريع من خصائص الربوبية، كما أن العبادة من مستحقات الربوبية، وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية لعدي لما قال: إنهم لم يعبدوهم، فقال: " بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم ". رواه أحمد وغيره، وحسنه الترمذي. وقوله: (والمسيح ابن مريم) أي اتخذوه ربا بعبادتهم له:

}وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{. فدلت على أن من أطاع غير الله في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحله فقد اتخذه ربا ومعبودا، وجعله لله شريكا، وذلك ينافي التوحيد، فكل معبود رب، وكل مطاع ومتبع على غير ما=


....................................................................

ـــــــــــــــــ

= شرعه الله ورسوله فقد اتخذه المطيع ربا ومعبودا، والرب هو المعبود، ولا يطلق معرفا إلا على الله تعالى، قال تعالى: }وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ{ وهذا وجه مطابقة الآية للترجمة، أن من اتخذ شخصا يحلل ما حلل، ويحرم ما حرم فهو مشرك. والتوحيد الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله هو إفراد الله بالطاعة في تحريم ما حرم، وتحليل ما حلل، وهذه الآية كقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: }قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{ يعني وأنتم كفار، ونحن بريئون منكم، وأنتم بريئون منا.

قال شيخ الإسلام: ((وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على هذا التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرمه الله، أو تحريم ما أحل اتباعا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله شركا.

الثاني: أن يكون اعتقادهم بتحريم الحلال، وتحليل الحرام ثابتا؛

لكونهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت "إنما الطاعة في المعروف"، ثم ذكر المحرم للحلال إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن خفي عليه الحق، وقد اتقى الله، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، ولكن من علم أن هذا خطأ ثم اتبعه، وعدل عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم فله نصيب من هذا الشرك، لاسيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باليد واللسان، مع علمه بأنه مخالف للرسول صلى الله عليه وسلم فهذا شرك، وإن كان المتبع للمجتهد عاجزا، وفعل ما يقدر عليه فلا يؤاخذ إن أخطأ)).


 وقوله تعالى: }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ{(1) الآية.

ـــــــــــــــــ

(1) (من) للتبعيض، أي فريق من الناس، وقد ذكر حال المتخذين الأنداد على سبيل الذم، فإنه ذكر حال المشركين حيث جعلوا لله أندادا، أي أمثالا ونظراء يعبدونهم معه و (يحبونهم كحب الله) أي يسوونهم في المحبة المقتضية الذل للمحبوب، والخضوع له كحب الله. وهو الله لا إله إلا هو، لا ضد له، ولا ند له، ولا شريك له، وكل من صرف من العبادة شيئًا لغير الله رغبة إليه، أو رهبة منه فقد اتخذه ندا لله، وفي الصحيحين: عن ابن مسعود مرفوعا قال: " أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك ": }وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ{ من أصحاب الأنداد لأندادهم، ولحبهم له، وتمام معرفتهم به لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده. ثم توعد المشركين فقال: }وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ{ يقول: لو علموا ما يعاينونه هنا، وما يحل بهم من الأمر الفظيع على شركهم، لانتهوا عما هم فيه من الضلالة.

قال المصنف: ((ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند حبا أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟)) ا هـ.

فمن أشرك مع الله غيره في المحبة فقد جعله شريكا لله في العبادة، واتخذ ندا من دون الله، وذلك هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه لقوله: }وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ{ والمراد محبة التأله والتعظيم المختصة برب العالمين، التي هي إحدى القاعدتين اللتين عليهما مدار العبادة كما قال ابن القيم:

وعبادة الرحمن غاية حبه

مع ذل عابده هما قطبان


 وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه(1)

ـــــــــــــــــ

= إلى أن قال:

ليس العبادة غير توحيد المحـ

بَة مع خضوع القلب والأركان

وهذا هو الذي اعترف به المشركون، وهم بين أطباق الجحيم، أنهم صاروا في الجحيم بسببه حيث قالوا: }إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ{، ومن المعلوم أنهم ما ساووهم به في الحلق والتدبير، إنما ساووهم به في هذه المحبة، فدلت الآية على أن من اتخذ ندا مع الله يحبه كمحبة الله فقد أشرك الشرك الأكبر المنافي للتوحيد، فإذا عرفنا أن هذا شرك، فالتوحيد ضده، وهو أن يفرد الرب بهذه المحبة المختصة التي هي التوحيد، وبذلك ظهر معنى التوحيد

وتفسيره، وشهادة أن لا إله إلا الله. وأما محبة الملائمات وهي المحبة الطبيعية فلا تكون شركا، ويأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.

(1) أي وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو مالك اسمه سعد بن طارق، كوفي ثقة مات في حدود الأربعين ومائة، وأبوه طارق بن أشيم الأشجعي صحابي له أحاديث. ورواه أحمد بلفظ " من وحد الله، وكفر بما يعبد من دون الله " فهذا يفسر لا إله إلا الله، فعلق صلى الله عليه وسلم عصمة المال والدم في هذا الحديث بأمرين: الأول: قول لا إله إلا الله عن علم ويقين، كما قد قيد ذلك في قولها في غير ما حديث، فإن من قالها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قبل وجود النفاق، لا يقولها إلا عن صدق وعمل بها، وعلم بما دلت عليه من النفي والإثبات. والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها، والبراءة مما ينافيها؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم علق عصمة الدم بالأمرين جميعا، قولها عن علم ويقين، والكفر بما=


..................................................................

ـــــــــــــــــ

= يعبد من دون الله، ففيه أنه لا يحرم ماله ودمه إلا إذا قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، فإن قالها ولم يكفر بما يعبد من دون الله لم يأت بما يعصم ماله ودمه، وفيه معنى قوله: }فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا{.

قال المصنف: ((وهذا من أعظم ما يبين لك معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها وأعظمها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع)) ا هـ. وهذا هو الشرط المصحح لقول لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذه الخمس التي ذكر أصلا، قال تعالى: }وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وقال: }فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ{ الآية، أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعا، بل أجمعوا على أن من قال: لا إله إلا الله ولم يعتقد معناها، ولم يعمل بمقتضاها، أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات.

وفي الصحيحين: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ". وفي رواية: " ويؤمنوا بي وبما جئت به "، فلا بد من الإيمان بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فأيما طائفة امتنعت عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، فإنه يجب قتالها كما قاتل أبو بكر مانعي الزكاة، واتفق عليه الصحابة والفقهاء، ويكفي المصنف ما ذكره العلماء من كل مذهب في باب حكم المرتد، فإنهم ذكروا فيه أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان. والكفر لغة الستر، وكفر يكفر كفرا وكفرانا: ضد آمن، وسمي الكافر كافرا لأنه مغطى على قلبه، وشرعا: تكذيبه صلى الله عليه وسلم في شيء مما جاء به.


 وحسابه على الله عز وجل "(1). وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي الله تبارك وتعالى هو الذي يتولى حسابه، وهو المطلع على السرائر، فإن كان صادقا جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقا عذبه العذاب الأليم. وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن أتى بالتوحيد والتزم شرائعه ظاهرا، وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك.

(2) ترجمة الكتاب فاتحته، وشرحها تفسيرها وتبينها، وتوضيح معناها; وذلك أن ما بعدها فيه ما يبين التوحيد، ويوضح معنى لا إله إلا الله، وفيه بيان أشياء كثيرة من الشرك الأصغر والأكبر، وما يوصل إلى ذلك من الغلو والبدع وتنزيه الرب تعالى عما لا يليق بجلاله، وقد جمع -رحمه الله- في هذا الكتاب على اختصاره من بيان التوحيد ما لم يسبقه إليه سابق، ولا لحقه فيه لاحق، وما لا يعذر أحد عن معرفته، فمن استحضره استغنى به عن غيره في بيان التوحيد، والرد على كل مبتدع.


 باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه(1)

وقول الله تعالى: }قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ{(2) الآية.

ـــــــــــــــــ

(1) من تبعيضية، ولبس بضم اللام، يعني من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد لبس الحلقة. وهي: كل شيء استدار من صفر وغيره، والخيط ونحوهما: كالودعة والتميمة والمسمار والخرزة ونحو ذلك، لرفع البلاء: إزالته بعد نزوله، أو دفعه: منعه قبل نزوله، ويجمع ذلك شيء واحد، وهو الطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، واتخاذ تلك الأشياء ونحوها من أعمال الجاهلية، وكانوا يعلقونها على أولادهم ودوابهم، وذلك ينافي التوحيد بالكلية، أو ينافي كماله؛ لأن الشافي الكافي من كل شيء هو الله سبحانه، وطلب الشفاء والبركة بالحلق والخيوط وغيرها هضم لجناب التوحيد، ولبسها على قسمين: اعتقاد أنه سبب، فشرك أصغر، أو يدفع أو ينفع فشرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن هنا متصرفا بالنفع والضر غير الله، والمصنف -قدس الله روحه- ابتدأ في تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، بذكر شيء مما يضاد ذلك من أنواع الشرك الأكبر والأصغر، فإن الضد لا يعرف إلا بضده كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. فمن لم يعرف الشرك لم يعرف التوحيد وبالعكس، وقدم الأصغر الاعتقادي ترقيًّا من الأدنى إلى الأعلى.

(2) أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: }قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ{ أي أخبروني عن الذين تدعون من دون الله، وتسألونهم من الأنداد والآلهة: }إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ{ مرض أو فقر أو بلاء أو شدة: }هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ{ أي أنتم تعلمون=


عن عمران بن حصين(1)

ـــــــــــــــــ

= أنهم لا يقدرون على ذلك أصلا، وتعترفون بذلك، (أو أرادني برحمة) صحة وعافية وخير: }هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ{ أي أنتم تعلمون أنهم لا يستطيعون شيئًا من الأمر، وتعترفون أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك، فإذا علمتم أنهم لا يقدرون على ذلك فلم تعلقون عليهم من دون الله، (قل) يا محمد (حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) أي الله كافي من توكل عليه، والتوكل التفويض والاعتماد، فإذا كانت آلهتهم التي يدعون من دون الله لا قدرة لها على كشف ضر أراده الله بعبده، أو إمساك رحمة أنزلها على عبده، فيلزمهم بذلك أن يكون الله سبحانه وتعالى هو معبودهم وحده المفوض إليه جميع أمورهم، لزوما لا محيد لهم عنه.

وهذا في القرآن كثير يقيم تعالى الحجة على المشركين بما يبطل شركهم بالله، وتسويتهم غيره به في العبادة، بضرب الأمثال وغير ذلك مما يعلمون به أن ذلك لله وحده، ويقرون به على ما يجحدونه من عبادته وحده، هذا وهم إنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط وشفعاء عند الله: }مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى{ لا على أنهم يكشفون الضر، ويجيبون دعاء المضطر، كما قال تعالى: }ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ{.

قال مقاتل: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا؛ لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها، وإذا كان ذلك كذلك بطلت عبادتهم الآلهة مع الله، وإذا بطلت فلبس الحلقة والخيط ونحوهما كذلك. والمصنف -رحمه الله- استدل بالآية النازلة في الأكبر على الأصغر، كما استدل بها ابن عباس وحذيفة وغيرهما، وهذه الآية وأمثالها تبطل تعلق القلب بغير الله في جلب نفع، أو دفع ضر وأن ذلك لا يكون إلا بالله وحده، وأن جميع أنواع العبادة لا يصلح منها شيء لغير الله، كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وكذلك لا يصلح شيء من أنواع التعلقات بغير الله عز وجل.

(1) رضي الله عنه ابن عبيد بن خلف الخزاعي صحابي ابن صحابي أسلم عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، وقال الطبراني:=


 " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي رجلا في يده حلقة من صفر(1) فقال ما هذه؟ قال من الواهنة(2). فقال انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا(3)،

ـــــــــــــــــ

= أسلم قديما هو وأبوه وأخته، وكان ببلاد قومه، ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها سنة 52هـ.

(1) وفي رواية الحاكم: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عضدي حلقة صفر"، فالمبهم في رواية أحمد هو عمران راوي الحديث، والحلقة كان المشركون يجعلونها في أعضادهم، من نحاس أصفر وغيره، يزعمون أنها تحفظهم من أذى العين والجن ونحوهما، وكذا لبس حلقة الفضة للبركة، أو لمنع البواسير، وخواتيم لها فصوص مخصوصة للحفظ من الجن وغيرها.

(2) يحتمل أن الاستفهام للاستفصال عن سبب لبسها، ويحتمل أن يكون للإنكار، قال الشارح: وهو أظهر. ولفظه: "ويحك ما هذه"؟ قال: من الواهنة، والواهنة عرق يأخذ بالمنكب وباليد كلها فيرقى منها، وقيل: مرض يأخذ بالعضد، أو ريح فيه تأخذ الرجال دون النساء، وربما علق عليها جنس من الخرز يقال له خرز العصمة، وإنما نهى عنها لأنها إنما تتخذ لتعصم من الألم، وفيه اعتبار المقاصد.

(3) انزعها بكسر الزاي، وأصل النزع الجذب بقوة والقلع، من نزعت الشيء من موضعه نزعا من باب ضرب، قلعته وانتزعته مثله، أي انبذها عنك.

وهو لفظ أحمد، وهو أبلغ، فإنه يتضمن النزع وزيادة، وهو الطرح والإبعاد، وهذا زجر له وإنكار عليه، وقد أخبره صلى الله عليه وسلم أنها لا تنفعه بل تضره، وأن هذا الداء الذي لبسها له لا يزول، بل لا تزيده إلا وهنًا أي ضعًا، معاملة له بنقيض قصده؛ لأنه علق قلبه بما لا ينفعه ولا يدفع عنه، وكذا كل أمر نهى عنه فإنه لا ينفع غالبا، وإن نفع بعض النفع فضرره أكبر من نفعه، وابتلاء من الله وامتحان. وهكذا=

فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا(1) ". رواه أحمد بسند لا بأس به(2).

ـــــــــــــــــ

= شأن الأمور الشركية، ضررها على أصحابها في الدنيا في الغالب والآخرة، وذلك من أجل التفات قلوبهم إلى غير الله) ومن تعلق شيئًا وكل إليه، ومن وكل إلى غير الله هلك. وإذا كان هذا في الأصغر الذي يجامع أصل التوحيد، فكيف بالأكبر الذي ينافيه بالكلية؟

(1) نفى عنه الفلاح لو مات وهي عليه؛ لأنه شرك والحالة هذه، والفلاح من أجمع الكلمات التي نطقت بها العرب، وهو الفوز والظفر والسعادة. وفي رواية: "وكلت إليها". قال المصنف: ((فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، وأنه لم يعذر بالجهالة، والشاهد منه إنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وأنه دليل على المنع من لبس الحلقة والخيط ونحوهما لذلك، وفيه إنكار المنكرات الشركية حتى إن من العلماء من جعلها ركنا سادسا من أركان الإسلام)).

(2) وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي، ورواه أيضًا بنحوه عن أبي عامر الخراز عن الحسن.

وأحمد رضي الله عنه هو ابن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ناصر السنة، العالم الرباني أبو عبد الله الشيباني المروزي ثم البغدادي، إمام عصره، وأعلمهم بالفقه والحديث، وأشدهم ورعا ومتابعة للسنة. يقول فيه ابن النحاس: ((عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته الدنيا فأباها، والشبه فنفاها)). وقال إسحاق بن راهويه: ((هو حجة بين الله وبن عبيده في أرضه)). حملت به أمه في مرو وولد ببغداد سنة 164هـ، وطاف البلاد، وسمع من سفيان وبشر ويحيى وهشيم ووكيع وابن مهدي=


 وله عن عقبة بن عامر مرفوعا(1): " من تعلق تميمة فلا أتم الله له(2)،

ـــــــــــــــــ

= وعبد الرزاق وخلائق لا يحصون، وعنه ابناه وابن المديني والبخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة وخلائق لا يحصيهم إلا الله عز وجل، ذكر الحفاظ بعضهم، وأنه كان يجتمع في مجلسه أكثر من خمسة آلاف، وفضائله سارت بها الركبان، وملأ ذكره الأمصار والبلدان، صنف المسند ثلاثين ألف حديث غير المكرر، والتفسير مائة ألف وعشرين ألفا، والناسخ والمنسوخ، والزهد وغيرها.

توفي رضي الله عنه سنة 241 هـ، وحضر جنازته نحو من ألف ألف وستين ألفا، وقيل أسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود والنصارى.

(1) إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعقبة هو ابن عامر بن عمرو بن عبس بن عمرو بن عدي الجهني، صحابي مشهور فاضل روى كثيرا، وعنه جماعة من الصحابة والتابعين. أحد من جمع القرآن، فصيحا عالما شهد الفتوح وصفين، ولي إمارة مصر ثلاث سنين، ومات قريبا من الستين.

(2) أي علقها عليه أو على غيره من طفل أو دابة ونحو ذلك، متعلقا بها قلبه في طلب خير أو دفع شر، فلا أتم الله له ما قصده، دعاء عليه بنقيض قصده، أن الله لا يتم له أمره، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم على متعلقها يفيد أنه محرم، وتحريمه يفيد أنه من المحرمات الشركية، وإنما كان شركا لما يقوم بقلبه من التعلق على غير الله، في جلب نفع أو دفع ضر، وكمال التوحيد لا يحصل إلا بترك ذلك، وكانوا يتلمحون من تعليقها تمام أمر من علقت عليه أن يتم له أمره، وذكر التميمة منكرة تعميما، حسما للمادة التي تؤول إلى الشرك.

قال المنذري: ((التميمة خرزة كانوا يعلقونها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات، وهذا جهل وضلال؛ إذ لا مانع ولا دافع=


 ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له(1) ". وفي رواية: " من تعلق تميمة فقد أشرك ".

ـــــــــــــــــ

= غير الله)). وفي النهاية: ((التمائم جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم، فأبطله الإسلام)) ا هـ. والتمائم أعم من ذلك، فتكون من عظام، ومن خرز، ومن كتابة، ومن غير ذلك.

 (1) ودعة بفتح فسكون وتفتح، و "لا ودع" بتخفيف الدال أي لا ترك له ما يحب، أو لا جعله في دعة وسكون، بل حرك عليه كل مؤذ، وهذا دعاء عليه أيضًا، معاملة له بنقيض قصده، وكانوا يتلمحون من اسمها الدعة والسكون. قال في النهاية: ((الودعة شيء أبيض يجلب من البحر، يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم، وقيل يشبه الصدف يتقون به العين)). وفيه وعيد شديد لمن فعل ذلك، يفيد أنه محرم، وإذا تقرر أنه محرم فالرواية الثانية بينت أنه من المحرمات الشركية، ومع كونه شركا فقد دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقيض مقصوده، ورواه أبو يعلى والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وأقره الذهبي.

(2) وذلك " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل عليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله بايعت تسعة وأمسكت عن هذا؟ فقال: "إن عليه تميمة"، فأدخل يده فقطعها فبايعه، وقال: من تعلق تميمة فقد أشرك ". رواه أحمد من حديث عقبة بن عامر. ورواه الحاكم بنحوه، ورواته ثقات. وإنما جعلها صلى الله عليه وسلم شركا؛ لأنه أراد رفع القدر المكتوب، وطلب دفع الأذى من غير الله تعالى الذي هو النافع الضار، والتعلق يكون بالفعل أو بالقلب أو بهما، وإنما كان شركا من جهة تعلق القلب على غير الله في جلب نفع أو دفع ضر، فكان شركا من هذه الحيثية. قال الشيخ: من تعلق قلبه بمخلوق فالمخلوق عاجز، وهو من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة، وذلك أن يرجو العبد قضاء حاجته من غير ربه=


ولابن أبي حاتم عن حذيفة(1) أنه " رأي رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه(2)،

ـــــــــــــــــ

= وصرف القلب عن التعلق بالمخلوق بمعرفة ألا خالق إلا الله، فلا يستقل سواه بإحداث أمر من الأمور بل ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فإذا تحقق العبد ذلك كان سببا لأن ينال مطلوبه.

(1) رضي الله عنه ابن اليمان بن حسل، ويقال حسيل بن جابر بن ربيعة العبسي، حليف الأنصار، صحابي جليل ابن صحابي من السابقين، أصاب أبوه دما فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان؛ لكونه حالف اليمانية، وأراد شهود بدر فصده المشركون، وشهد أحدا فاستشهد أبوه بها لما هزم المسلمون وصاح الشيطان أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فإذا هو بأبيه، فقال: أي عباد الله أبي أبي، فما احتجزوا عنه حتى قتلوه، فقال حذيفة: غفر الله لكم، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى مسلم أنه أخبره بما كان وما يكون حتى تقوم الساعة، واستعمله عمر على المدائن، فلم يزل بها حتى توفي سنة 36 هـ.

و ابن أبي حاتم هو أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر، الرازي الحنظلي التميمي، الإمام الحافظ الثبت صاحب الجرح والتعديل، والعلل، والتفسير، وغيرها، روى عن أبي سعيد الأشج، ويونس ابن عبد الأعلى وطبقتهما، مات سنة 327 هـ.

(2) أي عن الحمى، وكان الجهال يعلقون الخيوط والتمائم، يزعم أحدهم أنها لا تصيبه الحمى إذا لبس ذلك أو لا تضره، ولفظه: " دخل حذيفة على مريض، فرأى في عضده سيرا فقطعه وانتزعه ". وروى وكيع عن حذيفة أنه " دخل على مريض يعوده فلمس عضده، فإذا فيه خيط، فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، فقطعه وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك ". وفيه وجوب إزالة المنكر=

وتلا قوله: }وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ{(1).

ـــــــــــــــــ

= مع القدرة على ذلك، وإن كان يعتقد أنه سبب، فإنه لا يجوز من الأسباب إلا ما أباحه الله، مع عدم الاعتماد عليه، وأن تعليق الخيوط والحروز والطلاسم والتمائم ونحو ذلك شرك يجب إنكاره، وإزالته بالقول والفعل، وإن لم يأذن فيه صاحبه، بل يفيد شرعية المثابرة في قطع المنكرات، والمبادرة إلى إزالتها بلا ممالأة لأحد؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". هذا حكم ما يوجد من المنكرات، وأهمها الأمور الشركية.

(1) قال ابن عباس: " تسألهم من خلقهم؟ فيقولون الله، وهم مع ذلك يعبدون غيره " وفي استدلال حذيفة بهذه الآية على أنه شرك، دليل على صحة الاستدلال على الشرك الأصغر بما نزل في الأكبر؛ لشمول الآية النوعين، ودخوله في مسمى الشرك. ودليل على صحة استدلال المصنف بالآية أول الباب، وكمال علم الصحابة بالتوحيد، وما ينافيه أو ينافي كماله.


 باب ما جاء في الرقى والتمائم(1)

في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري(2) أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره(3) " فأرسل رسولا(4) أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر(5)

ـــــــــــــــــ

(1) أي من النهي عما لا يجوز من ذلك، وذكر ما ورد عن السلف في ذلك، ولم يجزم بكونهما من الشرك؛ لأن فيهما تفصيلا. (والرقى) جمع رقية، وهي العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع. (والتمائم) جمع تميمة، خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها يتقون بها العين في زعمهم، ويتلمحون من اسمها أنه يتم لهم مقصودهم فأبطلها الشرع.

(2) رضي الله عنه بفتح الباء وكسر الشين قال ابن سعد: اسمه قيس بن عبد الله، ويقال: ابن عبيد بن الحريث بمهملتين مصغر الحارث، ابن عمرو بن الجعد الساعدي، ويقال المازني، من بني مازن بن النجار. وقال ابن عبد البر وغيره: لا يوقف له على اسم صحيح، شهد الخندق وأحدا وهو غلام، روى عنه عباد وعمارة وغيرهما، ومات بعد الستين، ويقال: إنه جاوز المائة، وحديثه في الصحيحين وغيرهما.

(3) قال الحافظ: ((لم أقف على تعيينه)).

(4) هو زيد بن حارثة كما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده.

(5) يبقين بالياء المثناة والقاف المفتوحتين، ويحتمل أن يكون بضم الياء وكسر القاف. و "قلادة" فاعل على الأول، ومفعول على الثاني، وهي ما يعلق في رقبة البعير وغيره، من وتر ونحوه، والبعير يقع على الذكر والأنثى، وجمعه أبعرة=

أو قلادة إلا قطعت(1) ". وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك "(2) رواه أحمد وأبو داود.

ـــــــــــــــــ

= وأباعر وبعران. والوتر بفتحتين واحد أوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره، وقلدوه الدواب، اعتقادا منهم أنه يدفع عن الدابة العين، ويدفع عنهم المكاره، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أنها لا ترد من أمر الله شيئًا.

(1) شك الراوي هل قال شيخه: "قلادة من وتر"، أو قال: "قلادة" وأطلق ولم يقيد. وروي عن مالك أنه سئل عن القلادة فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر. ولأبي داود: "ولا قلادة" بغير شك، فتكون أو بمعنى الواو. قال البغوي: تأول مالك أمره -عليه الصلاة والسلام- بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد، ويعلقون عليها العوذ، يظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئًا. ووجه الدلالة من الحديث أن الأوتار والتمائم في الحكم شيء واحد، ويؤيده قوله: " من تعلق تميمة فلا أتم الله له ".

(2) ولفظه عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، أن " عبد الله رأى في عنقي خيطا فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه. قالت: فأخذه ثم قطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". فقلت: لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي، فإذا رقى سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقى كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي=


 وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا(1): "من تعلق شيئًا وُكِل إليه". رواه أحمد والترمذي(2).

ـــــــــــــــــ

= لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا ". ورواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال: صحيح، وأقره الذهبي.

والمراد بالرقى المنهي عنها ما كان من جنس رقى الجاهلية، والتمائم ما يعلق على الحيوانات، من خرز ونحوه، ويأتي التفصيل فيهما. والتولة ممنوعة مطلقا إجماعا، قال الحافظ: التولة بكسر التاء وفتح الواو، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما كان من الشرك لما يراد به من دفع المضار، وجلب المنافع من غير الله تعالى. وقال علي رضي الله عنه: " إن كثيرًا من هذه الرقى والتمائم شرك فاجتنبوها ". رواه وكيع، والإمام أحمد -رحمه الله- تقدمت ترجمته.

و أبو داود هو الإمام الحافظ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني صاحب الإمام أحمد، صنف السنن والمراسيل وغيرها. ولد سنة 202 هـ، وتوفي في شوال بالبصرة سنة 275هـ.

(1) عكيم بضم العين المهملة مصغر، ويكنى أبا معبد الجهني الكوفي، مخضرم. قال البخاري وغيره: أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف له سماع صحيح، ذكر أنه جاء كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جهينة قبل وفاته بشهر، قال الخطيب: سكن الكوفة، وقدم المدينة في حياة حذيفة، وكان ثقة، روى عنه ابن أبي ليلى وابن وهب والوزان وغيرهم، مات في إمرة الحجاج.

(2) وقال: حسن غريب، وأبو داود والنسائي وغيرهما من طرق، والتعلق يكون بالقلب، ويكون بالفعل، ويكون بهما جميعا، فمن تعلق شيئًا وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلق بالله وأنزل حوائجه به والتجأ إليه، وفوض أمره إليه كفاه، ومن تعلق بغيره، أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمائمه=


 التمائم شيء يعلق على الأولاد من العين(1)، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه(2).

ـــــــــــــــــ

= ونحو ذلك، وكله الله إلى ذلك وخذله، وهذا أمر معروف بالنصوص والتجارب: }وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ{. وأخرج أحمد عن وهب: أوحى الله إلى داود: " يا داود أما وعزتي وعظمتي، لا يعتصم بي عبد من عبادي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له من بينهن مخرجا، أما وعزتي وعظمتي، لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء من يديه، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي بأي أوديتها هلك ". وشاهده في الكتاب والسنة. والأشياء التي يتعلق بها على قسمين:

الأول: ما هو سبب، فهذا ينظر هل أباحه الشرع أو لا؟.

القسم الثاني: ما ليس بسبب، فلا يتعلق به بالكلية، والذي يتعلق به يشترط فيه شرطان:

أحدهما: أن يتحقق أنه سبب.             والثاني: أن يكون مباحا.

(1) وكذا قال الخلخالي وغيره: التمائم جمع تميمة، وهي ما يعلق بأعناق الصبيان، من خرزات وعظام لدفع العين، وهذا منهي عنه؛ لأنه لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وأسمائه وصفاته.

(2) لأن النهي عام، وأما تخصيصه بغير تمائم القرآن فتخصيص بغير مخصص، وقد اختلف السلف في تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته، فروي عن بعضهم تجويز ذلك، منهم عبد الله بن عمرو وأحمد في رواية، وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك. وقال بعضهم: لا يجوز ذلك، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وعقبة وأحمد في رواية اختارها الأكثر؛ لهذا الحديث وما في معناه=


 والرقى هي التي تسمى العزائم(1)، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة(2).

ـــــــــــــــــ

= وصححه الشارح لوجوه:

(الأول) عموم النهي ولا مخصص للعموم.

(والثاني) أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء

الحاجة وغيرها من الحالات القذرة.

(والثالث) سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك، ولو لم يكن إلا هذه العلة وحدها لكفى بها حجة في المنع، سدا لذرائع الشرك.

(والرابع) أنه صلى الله عليه وسلم قد كان يرقى ورقي، فلو كان تعليق تمائم القرآن جائزا لأمر به. وليس في كتاب الله تعالى، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يدل على إجازة تعليق شيء من القرآن، ولا ثبت عن أحد من الصحابة المقتدى بهم تجويزه ولا فعله مع توفر الدواعي إليه، وما ذاك إلا لأنه ينافي التوكل والإخلاص، ولعل عبد الله بن عمرو يعلقه في الألواح، لا أنه تميمة.

(1) واحدتها عزيمة وهي الرقية، وعزم الراقي قرأ العزائم، أو العزائم آيات من القرآن تقرأ على ذوي العاهات، وقيل أنواع منها ما ينفث به على المريض، وما يجعل في ماء ويسقاه المريض، ومنها هذه العزائم التي تكتب في صحن ونحوه.

(2) يشير إلى أن الرقى الموصوفة بكونها شركا هي التي يستعان فيها بغير الله، من دعاء غير الله، والاستغاثة والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الملائكة والأنبياء والجن ونحو ذلك، وأما الرقى بالقرآن وأسماء الله وصفاته وما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا حسن جائز، أو مستحب كما تقدم، وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك: " كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا". قال الخطابي: وقد رقى ورقي، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله فهي مباحة=


 والتولة شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته(1). وروى الإمام أحمد عن رويفع(2) قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا رويفع لعل الحياة ستطول بك(3)،

ـــــــــــــــــ

= أو مأمور بها، وإنما جاء المنع فيما كان بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرا، أو قولا يدخله الشرك.

قال شيخ الإسلام: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقى به فضلا عن أن يدعو به، ولو عرف معناه، وإنما يرخص لمن لا يحسنها، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارا، فليس من دين الإسلام. قال السيوطي: أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون من كلام الله وبأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى.

(1) وكذا قال غيره، وبهذا فسره ابن مسعود رضي الله عنه راوي الحديث، كما في صحيح ابن حبان والحاكم، قالوا: " يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقى والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: شيء تصنعه النساء يتحببن به إلى أزواجهن " وتقدم قول الحافظ، أنه من الشرك؛ لما يراد به من دفع ضر، أو جلب نفع من غير الله تعالى، وتسمى الصرف والعطف.

(2) هو ابن ثابت بن السكن بن عدي بن الحارث، من بني مالك بن النجار الأنصاري، له ثمانية أحاديث، نزل البصرة، وولي برقة وطرابلس، فافتتح أفريقية سنة 47 هـ، وتوفي ببرقة سنة 56 هـ، والحديث رواه أبو داود من طريقين، والنسائي وغيرهما.

(3) فيه علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ؛ فإن رويفعا طالت حياته إلى سنة 56 هـ.


 فأخبر الناس(1) أن من عقد لحيته(2)، أو تقلد وترا(3)، أو استنجى برجيع دابة أو عظم(4)،

ـــــــــــــــــ

(1) فيه دليل وجوب إخبار الناس بما أمروا به ونهوا عنه، مما يجب فعله أو تركه، وليس مختصاً برويفع، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس وجب إعلامهم به. فإن الله قد أخذ العهد على العلماء، فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك فالتبليغ فرض كفاية.

(2) بكسر اللام لا غير، والجمع لحى بالكسر والضم، ويفسر على وجهين: (أحدهما) ما كانوا يفعلونه في الحرب، يعقدون لحاهم، وذلك من زي الأعاجم يفتلونها ويعقدونها تكبرا وعجبا.

(والثاني) معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل التأنيث. قال ابن العراقي: والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة، كما في رواية محمد بن الربيع: "أن من عقد لحيته في الصلاة"، ويشبه هذا ما يفعله كثير من أهل الفسق والكبر، من فتل أطراف الشوارب وإبقائها مخالفة لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما أنه قال: " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى ".

(3) أي جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته، وهذا الشاهد للترجمة، وفيه مع ما تقدم أنه شرك لما كانوا يقصدونه بتعليقه على الدواب وغيرها. وفي رواية محمد بن الربيع: " أو تقلد وترا يريد تميمة ". وكل دليل يصلح في الأوتار يصلح أن يكون دليلا في التمائم وبالعكس.

(4) الرجيع العذرة والروث، سمي رجيعا لأنه يرجع من حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا، أي أزال النجو به أو بعظم. وفي صحيح مسلم: " لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام؛ فإنها زاد إخوانكم من الجن ". والاستنجاء بها كبيرة، وظاهر المذهب لا يجزئ، وفي الحديث "إنهما لا يطهران".


 فإن محمدا بريء منه(1) ". وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة(2) ". رواه وكيع(3). وله عن إبراهيم: " كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن "(4).

ـــــــــــــــــ

(1) وعيد شديد، ويدل على أنه من الكبائر تبرؤه صلى الله عليه وسلم ممن فعل هذه الأمور الأربعة وإجراء أحاديث الوعيد على ظاهرها أبلغ في الزجر، ولا يجوز صرفها عن ظاهرها بالتأويل.

(2) أي كان له مثل ثواب من أعتق رقبة لأنه مستعبد للشيطان، فإذا قطعها أعتقه من أسر الشيطان، ففيه فضل قطع التمائم وأنها شرك، ومثل هذا الأثر لا يقال بالرأي، وقال الشارح: له حكم الرفع، وهو مرسل تابعي، وألحق ابن العربي بالصحابة ما يجيء عن التابعي مما لا مجال للاجتهاد فيه، فنص على أنه في حكم المرفوع، وذكر أنه مذهب مالك والأكثر على خلافه. ووكيع هو ابن الجراح بن وكيع بن مليح بن عدي الرؤاسي أبو سفيان، الثقة الحافظ العابد الكوفي، قال الإمام أحمد: ((ما رأيت أوعى للعلم، ولا أحفظ منه)). وقال ابن معين: ((ما رأيت أفضل منه)). صاحب تصانيف، منها الجامع وغيره، روى عنه الإمام أحمد وطبقته، وكان من كبار التاسعة مات سنة 197 هـ.

(3) أي ولوكيع بن الجراح عن إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو ابن ربيعة بن ذهل النخعي الكوفي الثقة الفقيه، مفتي أهل الكوفة، من كبار الفقهاء، روى عن الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد ومسروق وعلقمة وغيرهم. وعن عائشة ولم يثبت سماعه منها، وعنه الأعمش وحماد وخلق، مات سنة 96 هـ، وله 50 سنة، ومراده -رحمه الله- أصحاب عبد الله بن مسعود: كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد وعبيدة السلماني ومسروق والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وغيرهم من سادات التابعين.

(4) وهذه الصيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم، وفي زمانهم كانوا يطلقون الكراهة على المحرم. وصححه الشارح؛ لأن ما كان من غير القرآن قد تقدم النهي عنه، وما كان من القرآن فإنه يتعين النهي عنه أيضًا لما تقدم.


 باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما(1)

وقول الله تعالى: }أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى{(2) الآيات.

ـــــــــــــــــ

(1) أي وما يشبههما كبقعة ومغارة وزاوية وقبر ومشهد وموطئ وأثر ونحو ذلك. و (من) اسم شرط، والجواب محذوف تقديره: فقد أشرك بالله. ويحتمل أن (من) موصولة فيكون معناها باب بيان حكم من تبرك بالأشجار والأحجار ونحوها، وما يترتب عليه من الوعيد، وحكمه أنه مشرك الشرك الأكبر؛ لكونه تعلق على غير الله في حصول البركة من غيره، وإن كان الله جعل فيه بركة. والتبرك طلب البركة ورجاؤها واعتقادها، أو عائدة وأمل بركة تعود إليه من جهتها، من جلب نفع أو دفع ضر. وتبرك به تيمن وفاز منه بالبركة، واستبرك به تفاءل بالبركة، والبركة النماء والزيادة.

(2) أي هل نفعت أو ضرت، يعني أنتم تعلمون أن ذلك ليس إليها، فلم تعبدونها وتجعلونها شركاء لله؟ وهذه الأوثان الثلاثة هي أعظم أوثان الجاهلية من أهل الحجاز، ولهذا نص عليها بأعيانها، وإلا ففي الحجاز أوثان غيرها، لكن خص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها أكبر أصنام العرب إذ ذاك، فصارت الفتنة بها أشد. فأما اللات فقرئ بالتخفيف والتشديد، فعلى الأولى قالوا: هي صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف، وعلى الثانية قال ابن عباس: " رجل كان يلت السويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره ". ولا منافاة بين عبادتهم الصخرة أو قبره. وأما العزى فكانت شجرة سمر عليها بناء وأستار بنخلة الشامية المسماة بالمضيق بين مكة والطائف، كانت قريش تعظمها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى إلخ. ولما فتح رسول=


...................................................................

ـــــــــــــــــ

= الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث إليها خالدا فقطع الشجرة وهدم البيت، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجع فإنك لم تصنع شيئًا"، فلما رجع وجد امرأة عريانة ناشرة شعرها، تحفن التراب على وجهها فقتلها، فقال صلى الله عليه وسلم: "تلك العزى". وأما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة. قال الشيخ: ((كانت لأهل المدينة، ومن قال: إنها لغطفان؛ فلأنها كانت تعبدها، وهي في جهتها)) ا هـ.

وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمونها، ويهلون منها للحج، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا فهدمها يوم الفتح. ومناسبة الآية للترجمة أن عبادة المشركين لها إنما كانت بالتفات القلوب رغبة إليها في حصول ما يرجونه ببركتها، من نفع أو دفع ضر، فصارت أوثانا تعبد من دون الله، فالتبرك بقبور الصالحين كاللات، وبالأشجار والأحجار كالعزى ومناة، من جنس فعل أولئك المشركين مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك فقد ضاهى عباد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك، مع أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك، قال تعالى: }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى{. أي كيف تجعلون هذه الإناث أندادا لله وتسمونها آلهة، وذلك أنهم اشتقوا اسم اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. وقيل: أتجعلون لكم ما تحبون وهم الذكور، وتجعلون لله الإناث؟ وهذا من قولهم: الملائكة بنات الله: }تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى{. أي جور وباطل }إِنْ هِيَ{ يعني ألوهية هذه الأوثان: }إِلاَّ أَسْمَاءٌ{أي مجرد تسمية: }سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ{ من تلقاء أنفسكم: }مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ{ أي من حجة وبرهان، وتسمية الحجة سلطانا لما فيها من السلطة على القلوب والعقول، بالمصير لقبول المدلول: }إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ{ أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم: }وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ{ فنهاية برهانهم مبني على أمرين: فساد العلم، وفساد الإرادة. وكل فساد في الوجود من الشرك فما دونه دائر على فساد العلم وفساد الإرادة أو هما جميعا، كما أنه لا استقامة إلا لمن عنده علم=


 عن أبي واقد الليثي(1) قال: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين(2) ونحن حدثاء عهد بكفر(3)، وللمشركين سدرة يعكفون عندها(4)

ـــــــــــــــــ

= صحيح وإرادة صحيحة: }وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى{ أرسل إليهم الرسل بالحق المنير، والحجة القاطعة بإبطال عبادتها، وفي هذه الآيات من الدلائل القطعية على بطلان عبادة هذه الطواغيت وأشباهها مما لا مزيد عليها.

(1) واسمه الحارث بن عوف، صحابي مشهور أسلم قبل الفتح، وكان يحمل لواء بني ليث وضمرة وسعد بن بكر يوم الفتح، وخرج إلى مكة فجاور بها سنة ومات سنة 68 هـ، وله 85 سنة.

(2) وفي حديث عمرو بن عوف عند الحاكم وغيره: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، ونحن ألف ونيف حتى إذا كنا بين حنين والطائف إلخ. وحنين واد بشرقي مكة، بينه وبينها بضعة عشر ميلا، قاتل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن بعد الفتح، والقصة مشهورة.

(3) أي قريب عهدنا بالكفر؛ لأنه ممن أسلم يوم الفتح، يشير إلى أهل مكة الذين أسلموا قريبا، فلذلك خفي عليهم هذا الشرك; ولهذا اعتذروا مما صدر منهم. قال المصنف: ((فيه أن غيرهم لا يجهله ذلك، وأن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة)).

(4) أي يلبثون ويقيمون عندها ويعظمونها. والعكوف هو البقاء واللبث والإقامة على الشيء في المكان، عبادة وتعظيمًا وتبركًا؛ وإنما عكفوا عندها لما كانوا يأملونه فيها من البركة، كما يعكف عباد القبور اليوم عندها ويجاورون، وتدفع الصدقات والنذور لتلك القبور، وفي حديث عمرو بن عوف قال: كان يناط بها السلاح=


 وينوطون بها أسلحتهم(1)، يقال لها: ذات أنواط(2)، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط(3)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر إنها السنن(4)

ـــــــــــــــــ

= فسميت ذات أنواط، وكانت تعبد من دون الله، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم صرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها إلخ. فيجمع بينهما بأن عبادتها هي العكوف عندها رجاء لبركتها.

(1) أي يعقلونها عليها لتنالهم بركتها، فعبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك، وبهذه الثلاثة العكوف والتعظيم والتبرك عبدت الأوثان من دون الله، ولفظ ابن إسحاق وغيره: "وكانت لقريش شجرة خضراء عظيمة، يأتونها كل سنة فيعلقون عليها سلاحهم، ويعكفون عندها ويذبحون لها ".

(2) جمع نوط وهو مصدر، سمي به المنوط، وإنما سميت بذلك لكثرة ما يناط بها من السلاح. وفي رواية: " فتنادينا من جانبي الطريق، ونحن نسير إلى حنين يا رسول الله اجعل لنا " إلخ.

(3) سألوه أن يجعل لهم شجرة مثلها يتبركون بها، ويعلقون عليها أسلحتهم، ويعكفون عندها، ظنا منهم أن هذا أمر محبوب عند الله، وأنه صلى الله عليه وسلم لو جعل لهم مثل ذلك لجاز اتخاذها لحصول البركة، فطلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فهم أجل قدرا من أن يقصدوا مخالفة النبي على الله عليه وسلم.

(4) أي الله أجل وأعظم، صيغة تعجب، وإن كان إجلالا لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله وعظمته، ومما لا يليق بجلاله وعظمته أن يتخذ شجرة يطلب منها البركة. "إنها السنن" يعني سلكتم كما سلك الذين من قبلكم السنن المذمومة، والسنن بضم السين الطرق، والمراد تقليد من تقدمهم من أهل الشرك، وفي رواية: "سبحان الله"=


 قلتم، والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة،(1) قال: إنكم قوم تجهلون(2)

ـــــــــــــــــ

= والمراد تعظيمه تعالى، وتنزيهه أن يشرك معه أحد في عبادته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل التسبيح والتكبير في حال التعجب، تعظيما لله وتنزيها له سبحانه إذا سمع من أحد ما لا يليق به سبحانه، مما فيه هضم للربوبية، وتنقص في الألوهية، وهكذا ينبغي لكل مسلم أن يسبح ويكبر إذا سمع ما لا ينبغي أن يقال في الدين.

(1) أي اجعل لنا مثالا نعبده كما لهم آلهة، ولم يكن ذلك شكا منهم في وحدانية الله تعالى، وإنما معناه اجعل لنا شيئًا نعظمه، ونتقرب به إلى الله. وشبه صلى الله عليه وسلم مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل، بجامع أن كلا طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان فالمعنى واحد. فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة، فدل على أن التبرك بالأشجار والأحجار شرك أكبر، لتسويته صلى الله عليه وسلم بين مقالتهم ومقالة بني إسرائيل، وحلف صلى الله عليه وسلم على ذلك وإن لم يستحلف مزيد تحذير وكمال شفقة، وتأكيدا لهذا الخبر وتعظيما له، فإن التبرك بالأشجار والأحجار يجعلها آلهة وإن لم يسموها آلهة، فما يفعله من يعتقد فيها من التبرك بها، والعكوف عندها، والذبح لها هو الشرك الأكبر وإن سمى عمله ما شاء من الأسماء. فأهل هذه الأزمنة يسمون شركهم توسلا وتشفعا وهو من أعظم الشرك.

(2) يعني عظمة الله: }إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ{ أي هالك وباطل مضمحل وزائل ما كانوا يعملونه من عبادة الأصنام، ولم يكفروا بطلبهم لأنهم حدثاء عهد بالإسلام، ولأنهم لم يفعلوا. وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، أبو الأسباط الاثني عشر، كان في القرن التاسع عشر قبل المسيح، وغالب بني إسرائيل هم اليهود، ومعنى إسرائيل عبد الله، وكذا كل اسم فيه إيل.


 لتركبن سنن من كان قبلكم "(1). رواه الترمذي وصححه(2).

ـــــــــــــــــ

(1) بضم السين، أي لتتبعن أنتم أيها الأمة طرق اليهود والنصارى ومناهجهم وأفعالهم، ويجوز فتح السين على الإفراد، أي طريقهم، وقد وقع كما أخبر صلى الله عليه وسلم فركبوا طرق من كان قبلهم.

وفي الصحيحين: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " الحديث، وفي رواية: " لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع ". وهو خبر معناه الذم، وفيه علم من أعلام النبوة. وأن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة، وفيه الخوف منه، وأن الإنسان قد يستحسن شيئًا يظنه يقربه إلى الله وهو أبعد ما يبعده. وفيه النهي عن التشبه بأهل الجاهلية وأهل الكتاب فيما كانوا يفعلونه، إلا ما دل الدليل على أنه من شرعنا، وأن ما ذم الله به اليهود والنصارى أنه لنا، فإنما قاله لنا لنحذره، فلا يجوز التبرك بالصالحين؛ لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه مع غير النبي صلى الله عليه وسلم لا أبي بكر ولا غيره، ولا فعله التابعون مع قاداتهم في العلم والدين، وللنبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته خصائص كثيرة، لا يصلح أن يشاركه فيها غيره، فلا يجوز أن يقاس عليه أحد من الأئمة لعدم المقاربة فضلا عن المساواة له صلى الله عليه وسلم في الفضل والبركة، وعدم تحقق الصلاح فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، ولو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، ولأنه لا يؤمن أن يفتنه وتعجبه نفسه، ولا يتبرك بالكعبة ولا غيرها، سدا لذريعة الشرك، بل تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبره صلى الله عليه وسلم لما كان موجودا، فكرهه مالك وغيره لأنه بدعة، وذكر أنه لما رأى عطاء فعله لم يأخذ عنه العلم.

(2) وقال: وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة، ورواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن إسحاق وابن عيينة وابن أبي حاتم والطبراني وغيرهم بنحوه.


 باب ما جاء في الذبح لغير الله(1)

وقول الله تعالى: }قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ.{ الآية(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي من الوعيد على ذلك، وبيان أنه شرك أكبر ناقل عن الملة؛ لأنه عبادة من أجل العبادات، وقربة من أفضل القربات المالية، فصرفه لغير الله شرك، كمن يذبح لقبر أو شجرة أو حجر أو ملك أو نبي أو جني أو لطلعة سلطان أو للزيران أو غير ذلك.

(2) أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغيره: }إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي{ أي ذبحي، والناسك المخلص لله }وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي{ أي ما أحيا عليه وما أموت عليه، من الإيمان والعمل الصالح لله رب العالمين خالصا لوجهه: }لا شَرِيكَ لَهُ{ في شيء من ذلك، ولا في غيره من أنواع العبادة، فالصلاة أجل العبادات البدنية، والنسك أجل العبادات المالية، فمن صلى لغير الله فقد أشرك، ومن ذبح لغير الله فقد أشرك، ومطابقة الآية للترجمة أن الله تعبد عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك، كما تعبدهم أن يتقربوا إليه بالصلاة، وإذا تقربوا إلى غيره بالذبح فقد جعلوا له شريكا في عبادته، وهو ظاهر في قوله: }لا شَرِيكَ لَهُ{ نفى أن يكون لله شريك في هذه العبادات. وقوله: }وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ{ أي من هذه الأمة؛ لأن إسلام كل نبي متقدم على قومه، فدلت هذه الآية أن أقوال العبد وأفعاله الظاهرة والباطنة لا يجوز صرف شيء منها لغير الله، ومن صرف منها شيئًا لغير الله فقد أشرك، والقرآن كله يدل على ذلك.


 وقوله: }فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ{(1). عن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات:(2) " لعن الله من ذبح لغير الله(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) يعني لا لغيره، قال شيخ الإسلام: أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين، وهما الصلاة والنسك، الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن، وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى ما أعده، عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله، الذين لا حاجة لهم إلى ربهم، ولا ينحرون له خوفا من الفقر. ولهذا جمع بينهما في قوله: }قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي{ والنسك الذبيحة لله ابتغاء وجهه، فالصلاة أجل ما يتقرب به إلى الله، وما يجتمع للعبد في الصلاة من الخشوع والذل والإقبال لا يجتمع له في غيرها، كما يعرفه أهل القلوب الحية، وما يجتمع له عند النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص من قوة اليقين، وحسن الظن أمر عجيب، فإنه إذا سمحت نفسه بالمال لله مع وقعه في النفس، ثم أذاق الحيوان الموت مع محبته له، صار بذلك أفضل من بذل سائر الأموال، فدل على أنه عبادة من أفضل العبادات، وكان صلى الله عليه وسلم كثير الصلاة، كثير النحر، وقد تضمنت الصلاة كثيرا من أنواع العبادة، وكذا النسك تضمن أمورا من العبادة التي لا يجوز صرف شيء منها لغير الله، ومن صرف منها شيئًا لغير الله فقد أشرك.

(2) تطلق الكلمة على الجملة المفيدة كقوله: (كلا إنها كلمة) إشارة إلى قوله: }رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ{، وعلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، وكهذه الأربع، وعلى الخطبة، وعلى القصيدة.

(3) اللعن الطرد والإبعاد عن مظان الرحمة ومواطنها، واللعين والملعون من حقت عليه اللعنة أو دعي عليه بها، واللعن من الخلق السب والدعاء. قال شيخ الإسلام: إن الله يلعن من استحق اللعنة بالقول، كما يصلي على من استحق الصلاة=


 لعن الله من لعن والديه(1)، لعن الله من آوى محدثا(2)،

ـــــــــــــــــ

= من عباده. وقال في قوله تعالى: }وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ{ ظاهره أن ما ذبح لغير الله، مثل أن يقول هذه ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم وقال فيه باسم المسيح أو نحوه، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح ونحوه فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا إليه حرم، وإن قال فيه: بسم الله كما يفعله طوائف من منافقي هذه الأمة، الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور، وما يفعل بمكة من الذبح للجن، وذكر المروزي أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أهل به لغير الله، ووجه مطابقة الحديث للترجمة لعن من ذبح لغير الله، وبدأ بلعنه قبل غيره لغلظ تحريمه.

(1) فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري أنه قال: " من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه " فيكون هو السبب في لعن والديه، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم سابا لاعنا لأبويه بتسببه إلى ذلك وتوسله إليه وإن لم يقصده، ويوجد من يباشرهما بالسب، وظاهر الخبر أن يتولى الابن لعنهما بنفسه، فلعن من نطق بسبهما، ولما أخبر أنه إذا سب أبا الرجل سب أباه كان كمن تولى ذلك بنفسه، وفيه دليل على أن من تسبب في شيء جاز أن ينسب إليه ذلك الشيء، وهذا الحديث أصل في قطع الذرائع.

(2) بفتح الهمزة ممدودة وهو الفار المستحق للحد الشرعي، فيحول بينه وبين أن يقام عليه، وفي الحديث: " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره ".

وفي الحديث: " إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع ".=


 لعن الله من غير منار الأرض ".(1) رواه مسلم(2).

ـــــــــــــــــ

= قال ابن الأثير: ((ويروى بكسر الدال وفتحها، فمعنى الكسر: من نصر جانيا وآواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه. وبالفتح هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضى به والإقرار عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه)). قال ابن القيم: ((هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه، فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم)).

(1) علامات حدودها أي قدم أو أخر ليغتصب من أرض جاره، سميت منارا لإنارتها بين الحقين أي حجزها وتمييزها بينهما، فيكون من ظلم الأرض الذي قال فيه -عليه الصلاة والسلام-: " من ظلم شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة ". متفق عليه. أو لإنارتها على الطرق، وهي الأعلام التي توضع على السبل، فإذا غيرها ضل السالك.

وقال المصنف: ((هي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير; وفيه الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعصية على سبيل العموم)) ا هـ. فالحديث دليل على جواز لعن أنواع الفساق، كقوله: " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده". وأما لعن الفاسق المعين فقيل: يجوز، اختاره ابن الجوزي. وقيل: لا يجوز اختاره أبو بكر عبد العزيز والشيخ، والشيخ عبد المغيث وصنف في ذلك مصنفا ذكره عنه الشيخ، وأنه المعروف عن أحمد.

(2) من طرق وفيه قصة، ورواه أحمد كذلك عن أبي الطفيل قال: قلنا لعلي: أخبرنا بشيء أسرّه إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ما أسرّ إلى شيئًا كتمه الناس، ولكن سمعته يقول. فذكره، وفي آخره: " ولعن الله من غير تخوم الأرض " يعني المنار.


 وعن طارق بن شهاب(1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب(2). قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟(3) قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئًا(4)،

ـــــــــــــــــ

(1) هو ابن عبد شمس بن هلال بن عوف البجلي الأحمسي أبو عبد الله، قال الحافظ: رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو رجل. وروى أبو داود والبغوي أنه قال: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وغزوت في خلافة أبي بكر)). وقال أبو داود: رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، فروايته عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح، توفي سنة 83هـ.

(2) أي بسبب ذباب ومن أجله، ولعل هذين الرجلين من بني إسرائيل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يحدث عنهم.

(3) كأنهم تقالوا هذا العمل، واستغربوه وتعجبوا منه، كيف بلغ الذباب إلى هذه الغاية التي بسببه دخل رجل الجنة ورجل دخل النار، أو احتقروه كيف كان تقريب الذباب سببا لدخول الجنة أو النار، فاستفهموه ليبين لهم ما استغربوه، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما صير هذا الأمر الحقير عندهم عظيما، يستحق هذا عليه الجنة، ويستوجب الآخر عليه النار.

(4) وإن قلّ تعظيما لصنمهم، والصنم ما كان منحوتا على صورة وعبد من دون الله، ويطلق عليه الوثن كما مر، وكل ما عبد من دون الله يقال له صنم، بل كل ما يشغل عن الله يسمى صنما، ولا يجاوزه أي لا يمر به ولا يتعداه حتى يقرب له شيئًا.


 قالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقرب(1)، قالوا: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا(2) فخلوا سبيله فدخل النار(3). وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله عز وجل(4)،

ـــــــــــــــــ

(1) يعني للصنم، احتج بالعدم فلما عرفوا موافقته بالذبح لغير الله، واعتذر طمعوا فيه، وقنعوا منه بأيسر شيء؛ لأن قصدهم موافقتهم على ما هم عليه من الشرك.

(2) حصل به موافقتهم، وظاهره أنه لو وجد بدنة لقربها.

(3) بسبب قربانه الذباب للصنم؛ لأنه قصد غير الله بقلبه، وانقاد بعمله فوجبت له النار. ففيه بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل، وأنه يوجب النار لقوله: }مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ{. فإذا كان هذا فيمن- قرب ذبابا، فكيف بمن يستسمن الإبل وغيرها، ليتقرب بنحرها لمن كان يعبده من دون الله، من قبر أو مشهد أو طاغوت وغير ذلك؟ وفيه التحذير من الوقوع في الشرك، وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدري، والحذر من الذنوب وإن كانت صغيرة في الحسبان، كما قال أنس: " إنكم تعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات ". وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده ابتداء، وإنما فعله تخلصا من شر أهل الصنم، وفيه أنه كان مسلما، وإلا لم يقل دخل النار في ذباب، وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان.

(4) أبى عليهم، وبادأهم بالإنكار، وعظم عليه أن يقرب لصنمهم شيئًا، ونفر من الشرك وصرح بإخلاص العبادة لله عز وجل.


 فضربوا عنقه فدخل الجنة "(1). رواه أحمد(2).

ـــــــــــــــــ

(1) لامتناعه عن التقريب لغير الله، إيمانا واحتسابا وإجلالا وتعظيما لله، ففيه بيان فضيلة التوحيد والإخلاص وتفاوت الناس في الإيمان. قال المصنف: ((وفيه معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم، مع كونهم لم يطلبوا منه إلا العمل الظاهر، ودل الحديث على أن الذبح عبادة، وأن صرفه لغير الله شرك، وأن الذابح لغير الله يكون من أهل النار)).

(2) وكذا أورده ابن القيم وغيره. ورواه أحمد في كتاب الزهد، وأبو نعيم في الحلية، موقوفا على سليمان بن ميسرة. قال الحافظ: سليمان بن ميسرة الأحمسي عن طارق بن شهاب، وعنه الأعمش وغيره، روى عن طارق وله صحبة، ووثقه النسائي وغيره.


 باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله(1)

وقول الله تعالى: }لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً{ الآية(2).

ـــــــــــــــــ

(1) لا نافية، ويحتمل أنها للنهي، واستظهره الشارح. أي لا يجوز الذبح لله بمكان أعد للذبح لغير الله؛ لأن ذلك فيه مشابهة ومضارعة للمشركين ظاهرة في المكان، وهو منهي عنه، كما في الحديث: "من تشبه بقوم فهو منهم". ولو قصد الذابح وجه الله؛ لأنه إحياء للمحل الشركي، وتعظيم له، فيكون وسيلة إلى وجود الشرك ورجوعه، وسد الذرائع من أهم ما جاءت به الشريعة، بل لا يجوز بعدا عن الشرك ومواضع الغضب، وكان أهل نجد كغيرهم يذبحون للجن لطلب الشفاء منهم لمرضاهم، ويتخذون للذبح لهم مكانا مخصوصا في دورهم، فأزال الله ذلك عنه بدعوة شيخ الإسلام قدس الله روحه.

(2) أي لا تصل في مسجد الضرار، وكان بناه جماعة من المنافقين مضارة لمسجد قباء، وكفرا بالله ورسوله، : }وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ{. وهو أبو عمرو الفاسق، وكان بناؤه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك. فسألوه أن يصلي فيه رجاء بركة صلاته، وذكروا أنهم بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية. فقال: " إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله "، فلما قفل ولم يبق بينه وبين المدينة إلا يوم أو بعضه، نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه وهدمه وحرقه قبل قدومه. ومطابقة الآية للترجمة أن هذا المسجد لما أسس على معصية الله والكفر به، صار محل غضب، فنهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوم فيه، لوجود العلة المانعة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يصلي إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله، وهذا قياس صحيح يؤيده الحديث الآتي. وقوله:=


 عن ثابت بن الضحاك(1) قال: " نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة(2)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا(3)،

ـــــــــــــــــ

=: }لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ{ حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بني على التقوى، وهي طاعة الله ورسوله، وجمعا لكلمة المسلمين، ومعقلا للإسلام وأهله. وكان صلى الله عليه وسلم يزوره، وفي الصحيح: " صلاة في مسجد قباء كعمرة ". وقال بعضهم: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمارى فيه رجلان، فقال صلى الله عليه وسلم: " هو مسجدي هذا " رواه مسلم. ولا منافاة، فإنه إذا كان مسجد قباء بهذا الوصف قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بهذه الصفة بطريق الأولى. وقوله: }فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا{ " لما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فيه فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به"؟ قالوا: ما نعلم إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا، فقال: هو ذاك فعليكموه ": }وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ{ الذين يتنزهون من القذرات والنجاسات بعدما يتطهرون من أوضار الشرك وأقذاره.

(1) رضي الله عنه ابن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب بن عبد الأشهل الأشهلي الخزرجي الأنصاري، صحابي مشهور، شهد بيعة الرضوان، روى عنه أبو قلابة وغيره، مات أيام ابن الزبير، وقيل سنة 64 هـ.

(2) هضبة من وراء ينبع، قريبة من ساحل البحر، والرجل يحتمل أنه كردم ابن سفيان والد ميمونة، كما صرح به أبو داود وغيره في الرواية الآتية.

(3) الوثن يتناول كل معبود من دون الله من صورة أو قبر، وفي رواية أو نصب، وفي رواية أو طاغية، قال المصنف: وفيه المنع منه إذا كان فيه وثن من=


 قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا(1)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك(2)؛

ـــــــــــــــــ

= أوثان الجاهلية يعبد ولو بعد زواله، وهو الشاهد من الحديث للترجمة؛ لأن في بعض الروايات بيان أنه سأله في حجة الوداع بعد زوال الأوثان من تلك الجهات، فكل موضع أسس للمعصية لا يجوز الذبح فيه ولا الصلاة.

(1) قال شيخ الإسلام: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع، فالعيد يجمع أمورا: منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات، وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا، قال المصنف: ((وفيه استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك، والمنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد من أعياد الجاهلية ولو بعد زواله)). قال الشارح: وفيه سد الذريعة، وترك مشابهة المشركين، والمنع مما هو وسيلة إلى ذلك، فإن قيل: لم جعل محل اللات بالطائف مسجدا؟ قيل: لو ترك هذا المحل بهذه البلدة خشي أن يفتتن به، فيرجع إلى جعله وثنا، فجعله مسجدا والحالة هذه تنسي ما كان يفعل فيه، ويذهب به أثر الشرك، فاختص هذا المحل لهذه العلة، وهي قوة المعارض والله أعلم.

(2) دل على أن الوصف سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاء خلو المكان عن هذين الوصفين، فلو كان في ذلك المكان الذي نذر أن ينحر فيه وثن أو عيد لمنعه ولم يستفصل في نيته، فدل على أنه لا عبرة هنا بالنية، فلما خلى من الموانع أمره أن يوفي بنذره، وذلك في حجة الوداع. وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن "امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، لمكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية، قال: "لصنم"؟ قالت: لا. قال: "لوثن" قالت: لا. قال: "أوفي بنذرك" ". وله عن ميمونة، بنت كردم " قالت: خرجت=


 فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله(1)، ولا فيما لا يملك آدم "(2)، رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما(3).

ـــــــــــــــــ

= مع أبي، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أبده بصري، فدنا إليه أي فأخذ يقدمه، فأقر له ووقف، فقال: يا رسول الله إني نذرت إن ولد لي ولد ذكر أن أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من الغنم؟ قال: لا أعلم، إلا أنها قالت خمسين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل بها من الأوثان شيء"؟ قال: لا. قال: "فأوف بما نذرت لله". قال: فجمعها فجعل يذبحها فانفلتت منه شاة فطلبها وهو يقول: اللهم أوف بنذري، فذبحها ". ويحتمل أن يكون نذر إبلا وغنما. ويحتمل أن يكون ذلك قضيتين.

(1) دل على أن أماكن الشرك والمعاصي لا يجوز أن تقصد العبادة فيها وأن هذا نذر معصية لو وجد في المكان مانع، وما كان من نذر المعصية لا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء، وهل فيه كفارة يمين؟ على قولين: أحدهما: تجب لحديث عائشة: " لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين ". رواه أحمد وأهل السنن، واحتج به أحمد، لكن قال الترمذي وأبو داود وغيرهما: لا يصح. قال الشيخ: ظاهر مذهب أحمد لزوم الكفارة، وكذلك مذهب أكثر السلف، وهو قول أبي حنيفة وغيره.

والثاني: لا كفارة عليه؛ لحديث الباب، وحديث عائشة الآتي، وهو مذهب مالك والشافعي، وحكى الوزير أنه مذهب الثلاثة، واختاره شيخ الإسلام.

(2) كأن يقول: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أعتق عبد فلان، ونحو ذلك، فإن التزم في ذمته شيئًا كعتق رقبة وهو في تلك الحال لا يملكها ولا قيمتها، فإن شفي مريضه صح نذره، وثبت ذلك في ذمته.

(3) أي شرط البخاري ومسلم، مخرج لرواته، فيهما، وشرطهما اتصال الإسناد بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة. وله شواهد، وقال الحافظ: صحيح الإسناد.


 باب من الشرك النذر لغير الله(1)

وقول الله تعالى: }يُوفُونَ بِالنَّذْرِ{(2). وقوله تعالى: }وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ{(3).

ـــــــــــــــــ

(1) لكونه عبادة يجب الوفاء به إذا نذره لله، فإذا صرفه لغير الله كان شركا في هذه العبادة، كالذبح لغير الله. والنذر مصدر نذر ينذر، أي أوجب على نفسه شيئًا لم يكن واجبا عليه شرعا، تعظيما للمنذور له، وكل الأبواب التي ذكرها المصنف تدل على أن من أشرك مع الله غيره في القصد والطلب فقد ناقض كلمة الإخلاص.

(2) مدح الله الذين يتعبدون له بما أوجبوه على أنفسهم من الطاعات، وهو سبحانه لا يمدح إلا على فعل واجب أو مستحب، أو ترك محرم، وذلك هو العبادة، فمن فعل ذلك لغير الله متقربا إليه فقد أشرك.

(3) يخبر تعالى أن ما أنفقناه من نفقة أو نذرناه من نذر متقربين به إليه أنه يعلمه، ويجازينا عليه، فدل ذلك على أنه عبادة، فالنذور من عباد القبور ليشفعوا لهم شرك؛ لأنه عبادة لهم، فإنه معلوم بالضرورة أن من صرف شيئًا من العبادة لغير الله فقد أشرك.

وقال صنع الله الحلبي: ((والنذر لغير الله إشراك مع الله، كالذبح لغير الله)).

وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك: الركوع والسجود والنذر والذبح واليمين.

والحاصل أن النذر لغير الله فجور، فمن أين تحصل لهم الأجور؟

وقال شيخ الإسلام: وما نذره لغير الله كالأصنام والشمس والقمر ونحو ذلك، بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوق=


 في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها(2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه(2)،

ـــــــــــــــــ

= ليس عليه وفاء، فإن كلاهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله ويقول ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف وقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله " متفق عليه.

(1) أي في صحيح البخاري عن أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق أبي بكر -رضي الله عنهما-، زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأعلم الناس بحديثه، تزوجها وهي ابنة سبع، ودخل بها وهي ابنة تسع، وأفضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلا خديجة ففيها خلاف، فلا تفضل إحداهما على الأخرى، فإن لخديجة من الفضائل في بدء الوحي ما ليس لعائشة، من سبقها بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وتأييده في تلك الحال. ولعائشة من العلم بالأحاديث والأحكام ما ليس لخديجة، لعلمها بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن، وبيان الحلال من الحرام، وكان الصحابة يرجعون إليها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فيما أشكل عليهم من أحواله وحديثه، توفيت سنة 57 هـ.

(2) أي يجب عليه الوفاء بذلك النذر الذي نذره خالصا لله، فصار عبادة، وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة لشرط يرجوه كأن يقول: إن شفى الله مريضي فعليَّ أن أتصدق بكذا، وجب عليه إن حصل له ما علق نذره على حصوله، حيًّا كان أو ميتًا، فإن كان حيًّا لزمه الوفاء به، وإن كان ميتا يفعل عنه، لوجوبه في ذمته، إلا أبا حنيفة فقال: لا يلزمه إلا بما جنسه واجب بأصل الشرع، والحديث حجة عليه، والأمر بالوفاء به دال على أنه عبادة، وقد علمنا من الآيتين والحديث أن النذر عبادة، فصرفه لغير الله شرك أكبر، ومنه الذين ينذرون الزيوت والشموع والأطياب للقبور، والمراد نذر الطاعة، لا نذر المجازات الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: " إنه لا يأتي بخير ".


 ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه(1) ".

ـــــــــــــــــ

(1) أي لا يوفي به؛ لأنه نذر معصية، زاد الطحاوي " ليكفر عن يمينه ". وقال ابن القطان: ((عندي شك في هذه الزيادة، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية)).

وقال الحافظ: ((اتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلفوا هل ينعقد موجبًا للكفارة أولا؟)) وتقدم.

ولمسلم عن عقبة مرفوعًا: "كفارة النذر إن لم يسم كفارة يمين". وقد يستدل بحديث الباب على صحة النذر في المباح، كما هو مذهب أحمد وغيره، ويؤيده حديث المرأة التي قالت: " نذرت أن أضرب على رأسك بالدف. فقال: أوفي بنذرك ". رواه أحمد وغيره. وأما نذر اللجاج والغضب وهو تعليقه بشرط يقصد المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق أو التكذيب، فيخير بين فعله وكفارة يمين.

وقال الشيخ: موجب الحلف بنذر اللجاج والغضب عند الحنث، هو التخيير بين التكفير وبين فعل المنذور، وأكثر أهل العلم على أنه يجزئه كفارة يمين، وهو قول فقهاء الحديث.

وإن نذر مكروها كالطلاق استحب أن يكفر ولا يفعله.


 باب من الشرك الاستعاذة بغير الله(1)

وقول الله تعالى: }وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً{(2).

ـــــــــــــــــ

(1) الاستعاذة الإلتجاء والإعتصام والتحرز، وحقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، فالعياذ لدفع الشر، وأما اللياذ فطلب الخير. قال الشاعر:

يا من ألوذ به فيما أؤمله

ومن أعوذ به فيما أحاذره

لا يجبر الناس عظما أنت كاسره

ولا يهيضون عظما أنت جابره

فالعائذ بالله قد هرب إليه، واعتصم واستجار به، ولجأ إليه، والتزم بجنابه مما يخافه.

وهذا تمثيل، وإلا فما يقوم بالقلب من ذلك أمر لا تحيط به العبارة، وقد أمر الله عباده بها في مواضع من كتابه، وتواترت بها السنة عن المعصوم صلى الله عليه وسلم، وهي عبادة من أجل العبادات، فصرفها لغير الله شرك أكبر، وإن استعاذ بالمخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه فجائز، وسيأتي جواز: أعوذ بالله ثم بك.

وإن قال: أعوذ بالله وبك ولو فيما يقدر عليه كان مشركا شركا أصغر؛ لأن الواو تفيد أن ما بعدها مساو لما قبلها، عكس ثم، فإنها إنما تفيد التعقيب، وإن كان فيما لا يقدر عليه كان مشركا الشرك الأكبر، ولو قال أعوذ بالله ثم بك.

(2) أخبر عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته رهقا وهو الطغيان.

وذلك أن الرجل من العرب في الجاهلية كان إذا نزل واديا أو مكانا موحشا وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم خوفا منهم، زادوهم رهقا، أي خوفا وإرهابا وذعرا. فذمهم الله بهذه الآية=


 وعن خولة بنت حكيم(1) قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق(2)،

ـــــــــــــــــ

= وأخبر أنهم يزيدونهم رهقا نقيض قصدهم، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يقول أحدهم إذا نزل منزلا "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق".

ووجه الاستدلال بالآية: أن الله حكى عن مؤمني الجن أنهم ذكروا أشياء من الشرك، كانوا يعتقدونها في الجاهلية، من جملتها الاستعاذة بغير الله.

قال المصنف: ((فيه أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شرٍ أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك)).

(1) ابن أمية بن حارثة السلمية يقال لها أم شريك، ويقال: إنها هي الواهبة، وكانت قبل تحت عثمان بن مظعون. قال عمر بن عبد العزيز: ((نعمت المرأة الصالحة)).

(2) أي أعتصم بكلمات الله الكاملات، التي لا يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر، أو الشافية الكافية، أو الكلمات هنا القرآن. من شر ما خلق، أي من شر كل مخلوق قام به الشر، لا من شر كل ما خلق الله.

فإن الجنة والملائكة والأنبياء لا شر فيهم، وما موصولة وليس المراد بها العموم الإطلاقي، بل التقييدي الوصفي، والشر اسم جامع للسوء والفساد والظلم وجميع الرذائل والخطايا، ويقال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضي إليه. وقد شرع الله للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته بدلا عما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن، والأمر على جهة=


 لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك(1) ". رواه مسلم.

ـــــــــــــــــ

= الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى.

وهذا الحديث مما استدل به أهل السنة على أن كلام الله غير مخلوق؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، ونهوا عن التعازيم والتعاويذ التي لا يعرف معناها، خشية أن يكون فيها شرك.

ومن ذبح لغير الله أو استعاذ به، أو تقرب إليه بما يحب فقد عبده، وإن لم يسم ذلك

عبادة.

(1) قال القرطبي: ((هذا خبر صحيح، علمنا صدقه دليلا وتجربة منذ سمعته عملت به فلم يضرني شيء، إلى أن تركته فلدغتني عقرب ليلة، فتفكرت فإذا بي نسيته)). قال المصنف: ((فيه فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره)).


 باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره(1)

وقول الله تعالى: }وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ...{(2)

ـــــــــــــــــ

(1) الاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصرة، والاستعانة طلب العون، والغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال غياث المستغيثين، أي مدرك عباده في الشدائد إذا دعوه، ومجيبهم ومخلصهم.

والفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، وأما الدعاء فهو أعم منها؛ لأنه يكون من المكروب وغيره، فعطف الدعاء كل الاستغاثة من عطف العام على الخاص، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة، والمراد بيان تحريم الاستغاثة بغير الله، أو دعاء غيره من الأموات والغائبين، وأنه من الشرك الأكبر.

(2) نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو أحدًا من سائر المخلوقين العاجزين عن إيصال النفع ودفع الضر، وأنه لا يجوز إلا ممن يملكه وهو الله وحده، وهذا النهي خرج مخرج الخصوص، والمراد به العموم، فهو عام لجميع الأمة: }فَإِنْ فَعَلْتَ{ أي دعوت أحدا من دون الله: }فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ{ أي من المشركين.

ولها نظائر، يخاطب تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك وهو مبرأ منه، لكنه أبلغ في الزجر والتحذير عن دعاء غير الله عز وجل، وفي الحديث: " الدعاء مخ العبادة ". وفي لفظ: " هو العبادة ". صححه الترمذي وغيره، وأتى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بضمير الفصل، والخبر المعرف بالألف واللام؛ ليدل على الحصر وأن العبادة ليست=


 }وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ{(1) الآية، وقوله: }فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ{(2) الآية.

ـــــــــــــــــ

= غير الدعاء، أو إنما هي الدعاء نفسه، ثم الدعاء نوعان:

(دعاء مسألة) وهو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو دفع ضر، فالمعبود لا بد أن يكون مالكا لذلك، ولذلك أنكر الله على من عبد من لا يملك ضرا ولا نفعا.

(والنوع الثاني) دعاء عبادة بأي نوع من أنواع العبادة، وهو ما لم يكن فيه صيغة سؤال وطلب، وهما متلازمان.

(1) أي إن أصابك بفقر أو مرض أو غير ذلك من أنواع الضر فلا يكشف ذلك إلا الله وحده، فإنه المتفرد بالملك والقهر، والعطاء والمنع، والضر والنفع دون كل ما سواه، فيلزم من ذلك أن يكون هو المدعو وحده لا شريك له، فإن العبادة لا تصلح إلا لمالك الضر والنفع، ولا يملك ذلك ولا شيئًا منه إلا هو سبحانه، فهو المستحق للعبادة وحده دون من لا ينفع ولا يضر: }قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ{ الآية ونحوها. وفي حديث ابن عباس: " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ".

(2) أي اطلبوا الرزق عند الله وارغبوا إليه فيه عنده وحده لا شريك له دون ما سواه؛ لأنه المالك له، وغيره لا يملك شيئًا من ذلك، وتقديم الظرف يفيد الاختصاص، " واعبدوه" أي أخلصوا له العبادة وحده لا شريك له.

وهذا من باب عطف العام على الخاص، فإن ابتغاء الرزق عند الله من العبادة التي أمر بها "واشكروا له" على ما أنعم به عليكم "إليه ترجعون" أي يوم القيامة فيجازي كلا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، قال المصنف: ((وفيه أن طلب الرزق لا يبتغى إلا من الله كما أن الجنة لا تطلب إلا منه)).


 وقوله: }وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ{(1) الآيتين.

وقوله: }أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ{(2) الآية.

ـــــــــــــــــ

(1) حكم سبحانه أنه لا أضل ممن يدعو من دون الله أيّ مدعو كان، من وثن أو ولي أو غير ذلك، وأن ذلك المدعو لا يستجيب له ما طلب منه إلى يوم القيامة، فصارت دعوته له هي الغاية في الضلال والخسار: }وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ{، فالداعي لمن هو غافل عنه لا أضل منه }وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً{. (يتبرءون منهم، كما قال الله عنهم: }تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ{.}وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ{ أي جاحدين لها، فلا أضل ممن لا يحصل له إلا نقيض قصده، يتبرأ منه معبوده، ويجحد عبادته له، وأثبت تعالى أن دعاء غير الله عبادة له وأنه في غاية الضلال، وأكثر ما يستعمل في السؤال والطلب. وذكر المصنف فيها خمسة أمور أنه لا أضل ممن دعا غير الله، وأنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه، وأن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له، وأن تلك الدعوة عبادة للمدعو، وكفر المدعو بتلك العبادة، وأن هذه الأمور هي سبب كونه أضل الناس.

(2) يحتج تعالى على المشركين في اتخاذهم الشفعاء من دونه بما قد علموه من إجابة المضطرين، وكشف السوء النازل بهم من عنده، وجعلهم خلفاء أحياء بعد أمواتهم.

}أإله مع الله{ أي أإله سوى الله يفعل هذه الأشياء بكم، وينعم عليكم هذه النعم؟ أي أنتم تعلمون وتعترفون أنه لا يفعل ذلك سوى الله، فإذا كانت آلهتكم لا تجيبكم في حال الاضطرار، فلا يصلح أن تجعلوها شركاء لله الذي يجيب المضطر ويكشف السوء }قليلا ما تذكرون{ وتعتبرون نعم الله وأياديه عندكم، فلذلك أشركتم به غيره. ومن تأمل هذه الآيات ونظائرها تبين له أن الله احتج على المشركين بما أقروا به على ما جحدوه من قصر العبادة عليه.


 وروى الطبراني بإسناده(1): " أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين(2)، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق(3)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عز وجل "(4).

ـــــــــــــــــ

(1) إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وقد بيض المصنف لاسم الراوي، والطبراني هو الإمام الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطين، أبو القاسم اللخمي المعمر، صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها، روى عن جماعة منهم: أبو زرعة والنسائي وإسحاق وخلق، وعنه ابن ريدة وأبو نعيم وخلق، وكان واسع الحفظ، بصيرًا بالعلل والرجال، عاش مائة، وسمع وهو ابن ثلاث عشرة، وتوفي سنة 360 هـ.

(2) هو عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين.

(3) أي يرفع عنا أذيته فإنه قد آذى الله ورسوله.

(4) وهذا نص منه صلى الله عليه وسلم أنه لا يستغاث به، حماية لجناب التوحيد وسدا لذرائع الشرك، وتحذيرا من وسائله، وإذا كان هذا مع سيد الخلق فمن دونه بطريق الأولى.

قال شيخ الإسلام: ((والاستغاثة بمعنى أن يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو اللائق بمنصبه، لا ينازع فيها مسلم فإن الصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء، ويستسقون به، كما في الصحيح وغيره، وأما بالمعنى الذي نفاها فهي مما يجب نفيها، قال: وقد يكون في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله، وهذا يرد عليه فهمه، كما روى الطبراني " أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم=


..............................................................................

ـــــــــــــــــ

= منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر رضي الله عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ". فهذا إنما أراد به صلى الله عليه وسلم المعنى الثاني، وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وذكر قول أبي يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول أبي عبد الله القرشي كاستغاثة المسجون بالمسجون، ودعاء موسى: وبك المستغاث، قال: ولما كان هذا المعنى هو المفهوم عند الإطلاق، وكان مختصا بالله، صح إطلاق نفيه عما سوى الله)) ا هـ.

وقد تبين بما ذكر من الآيات والأحاديث أن دعاء الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله، في كشف الضر، أو تحويله هو الشرك الأكبر، بل هو أكبر أنواعه.


 باب قول الله تعالى: }أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً{(1) الآية.

ـــــــــــــــــ

(1) أراد المصنف -رحمه الله- بهذه الترجمة الرد على كل مشرك كائنا من كان، وبيان حال المدعوين من دون الله، أنهم لا ينفعون ولا يضرون، سواء في ذلك الأنبياء والصالحون وغيرهم، وقوله: "أيشركون" استفهام إنكار وتوبيخ، وتعنيف للمشركين في عبادتهم مع الله من لا يخلق شيئًا، وليس فيه ما يستحق به العبادة؛ فإنه إذا كان معبودهم لا يخلق شيئًا بطلت عبادتهم له، وتقرر أن الخالق سبحانه هو المستحق للعبادة وحده، وقوله: "وهم يخلقون" أي ومن أشركوه مع الله في عبادته مخلوق، والمخلوق لا يستحق أن يكون شريكاً للخالق في العبادة التي خلقهم لها، وأخبر أنهم مع ذلك "لا يستطيعون لهم نصرا" أي لمن سألهم النصرة "ولا أنفسهم ينصرون" وهاتان الصفتان أبلغ مما قبلهما، أي فكيف يشركون به من لا يستطيع نصر عابديه، ولا نصر نفسه؟ وذلك برهان ظاهر قاطع ببطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله، فإنه إذا كان المدعو لا يقدر أن ينصر نفسه فلأن لا ينصر غيره من باب الأولى، بل من هذه حاله فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلها معبودا؟ فبطل تعلق المشركين بهذه البراهين، وهي كونهم لا يخلقون بل يخلقون، عبيد لمن خلقهم لعبادته، والعبد لا يكون معبودا، ولا قدرة لهم على نفع عابدهم، ولا على نفع أنفسهم، وخاب سعيهم، وظهر أنهم أخسر الناس صفقة.


 وقوله: }وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ{(1) الآية.

وفي الصحيح عن أنس قال: " شجّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد(2)

ـــــــــــــــــ

(1) أول الآية قوله: }ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ{. يخبر سبحانه أن الملك له وحده، والملوك وجميع الخلق تحت تصرفه وتدبيره، فهو المستحق للعبادة وحده، ولهذا قال: }وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ{.

وهو القشرة على النواة نكرة في سياق النفي، ومع دخول "من" عليه من أبلغ النفي، فمن كانت هذه صفته لا يجوز أن يرغب إليه في دفع ضر، أو جلب نفع، وأخبر أنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو فرض أنهم يسمعون فلا يستجيبون لداعيهم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم، أي يجحدونه ويتنصلون منه، ويتبرءون ممن فعله معهم، ثم قال: "ولا ينبئك" أي يخبرك بعواقب الأمور، ومآلها وما تصير إليه "مثل خبير" بها، يعني نفسه تبارك تعالى، فإنه سبحانه أخبر بالواقع لا محالة، عن حال المدعوين من الملائكة والأنبياء وغيرهم، بما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي الملك وسماع الدعاء، والقدرة على الاستجابة، فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته.

(2) جبل معروف شرقي المدينة، كانت عنده الوقعة المشهورة، فأضيفت إليه، والشج الجرح في الرأس والوجه خاصة، وهو أن يضربه بشيء فيشق جلده، والحديث في الصحيحين، علقه البخاري عن حميد عن ثابت عن أنس، ووصله أحمد والترمذي والنسائي عن حميد عن أنس، ووصله مسلم عن ثابت عن أنس، وقد أخرج ابن إسحاق في المغازي عن أنس، قال: " كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فنزلت هذه الآية "=


 وكسرت رباعيته(1)، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟(2) فنزلت: }لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ{"(3).

ـــــــــــــــــ

= وذكر ابن هشام من حديث أبي سعيد أن عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في وجهه، وأن عبد الله بن قميئة جرحه في وجنته، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، وأن مالك بن سنان مص الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وازدرده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " لن تمسك النار".

(1) الرباعية بفتح الراء وتخفيف الباء كل سن بعد ثنية، وللإنسان أربع رباعيات، قال الحافظ: كسرت فذهب منها فلقة، ولم تقلع من أصلها، وذكر ابن هشام أيضًا أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم السفلى، وجرح شفته السفلى، وجزم به غيره، وقال عليه السلام: " اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرًا " فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار.

وروى الطبراني من حديث أبي أمامة قال: " رمى عبد الله بن قميئة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فشج وجهه، وكسر رباعيته، فقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال له: "مالك أقماك الله" فسلط عليه تيس الجبل، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة ". وفي الحديث إثبات وقوع الابتلاء والأسقام بالأنبياء لينالوا جزيل الثواب، ولتعرف الأمم ما أصابهم، فيتأسوا بهم، وليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون، فلا يفتتن بهم، ويغلى فيهم، فيعبدون من دون الله.

(2) أي كيف يحصل لهم الظفر والفوز والسعادة، مع فعلهم هذا بنبيهم، زاد مسلم: " كسروا رباعيته، وأدموا وجهه ".

(3) أي ليس لك من الحكم في عبادي شيء، وإنما أنت عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم، وليس لك إلا ما أمرتك به فيهم، وليس ذلك بهوان بالنبي صلى الله عليه وسلم على الله، فإنه أكرم خلق الله عليه، وأفضلهم على الإطلاق، ولكن ليتبين نزول قدره صلى الله عليه وسلم عن مقام الربوبية، فإنما هو عبد الله ورسوله.


 وفيه عن ابن عمر -رضي الله عنهما-(1) " أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا(2) بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: }لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ{(3) ".

ـــــــــــــــــ

(1) أي في صحيح البخاري، ورواه النسائي وغيره عن عبد الله بن عمر بن الخطاب الصحابي الجليل، الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاح، ففي الصحيح أنه قال لحفصة: " إن أخاك، أو إن عبد الله رجل صالح ". وهو معروف بالورع، ليس في زمانه له نظير في ذلك، أسلم مع أبيه وهو صغير، وكان من أهل العلم، كثير الإتباع، شديد التحري والاحتياط، أجيز يوم الخندق، وأفتى ستين سنة، وبلغ ستاً وثمانين.

(2) هذا القنوت على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، كما بينه في الرواية الآتية، وذلك بعد ما شج رأسه، وكسرت رباعيته يوم أحد، وأصل اللعن الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السبّ، وتقدم.

(3) أي يدعو عليهم بعد التسميع، فأخبره الله أنه ليس له من الأمر شيء إلا ما أمر به، ومعنى "سمع الله لمن حمده" استجاب دعاء الحامدين له وقبله، فاستجب يا ربنا، ولك الحمد على ذلك، والحمد ضد الذم، ويكون على محاسن المحمود مع المحبة له، وفرق بينه وبين المدح بأن الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخبارًا مجردًا عن حب وإرادة، وهو المدح، أو يكون مقرونا بحبه وإرادته فهو الحمد.


 وفي رواية: " يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام(1)، فنزلت: }لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ{(2) ". وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه(3).

ـــــــــــــــــ

(1) إنما دعا عليهم لأنهم رؤوس المشركين يوم أحد، هم وأبو سفيان بن حرب، وأشد الناس عداوة له صلى الله عليه وسلم وهم السبب في غالب ما جرى عليه، ومع ذلك ما استجيب له صلى الله عليه وسلم فيهم.

(2) (أو يتوب عليهم أو يعذبهم) فتاب عليهم فأسلموا، وحسن إسلامهم، والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم دعا في الصلاة، وهو أشرف الخلق، وخلفه الصحابة يؤمنون على دعائه، وهم صفوة الخلق بعد الرسل، ومع ذلك أنزل الله هذه الآية، فلا يبقى في قلب أحد شيء من التعلق بغير الله عز وجل، فإن في هذا كله أكبر دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لا يملك ولا يقدر إلا على ما أقدره الله عليه، فبطل ما يعتقده فيه المشركون أنه ينفع دعاؤه بعد موته صلى الله عليه وسلم أو دعاء أحد من سائر الأنبياء والصالحين بهذه البراهين. قال المصنف: ((وفيه القنوت في النوازل وتسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم، ولعن المعين في القنوت)) ا هـ.

وفيه إثبات التسميع والتحميد للإمام، ومحل القنوت بعده، وآكديته في الفجر، وإن كان قد ورد في غيره فهذا الحديث أصح.

(3) أي في صحيح البخاري، وله طرق كثيرة في الصحيحين والمسانيد والسنن وغيرها، عن أبي هريرة وغيره، واسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر، قال النووي: ((على الأصح من ثلاثين قولا، كني بهريرة كانت له في صغره، وهو أول من كني بهذا)) ا هـ.

وكان اسمه في الجاهلية عبد شمس، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وهو ابن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف ابن عتاب الدوسي، من حفاظ الصحابة وفضلائهم وأكابرهم، لم يحفظ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد منهم أكثر منه، مات سنة 57 هـ، وله 78.


 قال: " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: }وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ{ فقال: يا معشر قريش أو كلمة نحوها(2)، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) عشيرة الرجل هم بنو أبيه الأدنون، أو قبيلته؛ لأنهم أحق الناس ببره وإحسانه الديني والدنيوي، كما قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً{. وهذه نذارة خاصة، وإلا فقد أمره الله أيضًا بالنذارة العامة، كما قال (أن أنذر الناس) وقد بلغهم ما أمر به صلى الله عليه وسلم.

وفي الصحيح من رواية ابن عباس: " صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، وهو الجبل المعروف أسفل جبل أبي قبيس، فقال: يا صباحاه حتى اجتمع عليه ما بين أخشبي مكة، ولمسلم: فهتف يا صباحاه فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، وفي رواية: إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو، فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف يا صباحاه ".

(2) المعشر الجماعة الذين أمرهم واحد، ويتناول الأنبياء والإنس والجن، جمعه معاشر، والكلمة بالنصب عطف على ما قبلها، وهو شك من الراوي، هل قال: يا معشر قريش، أو قال ما يقارب ذلك، خاطب العامة أولا.

(3) وفي رواية: " أنقذوا أنفسكم من النار ". وعند الطبراني عن أبي أمامة: "اشتروا أنفسكم من النار، واسعوا في فكاكم " أي خلصوها بتوحيد الله، والإيمان به وبرسوله، واتباعي فيما جئتكم به، مما أنزل الله علي من توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وترك ما كنتم تعبدونه من دون الله من الأوثان والأصنام، فإن ذلك هو الذي ينجيكم من عذاب الله، لا الاعتماد على الأحساب والأنساب، =


 يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا "(1).

ـــــــــــــــــ

= فإن ذلك غير نافع لكم، وفي صحيح البخاري: " يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا".

وإنما الله -سبحانه- هو المتصرف في خلقه بما شاء، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

(1) عباس وصفية وفاطمة بالرفع، ويجوز النصب، وقال النووي: النصب أفصح، و(ابن) و(عمة) و(بنت) بالنصب لا غير، أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا يغني عنهم من الله شيئًا، فأنذر الأقربين نذارة خاصة، وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئًا، وبلغهم وأعذر إليهم، فأنذر قريشا ببطونها، وقبائل العرب في مواسمها، وأنذر عمه وعمته وهم أقرب الناس إليه، وإنما أفردهم لشدة قرابتهم، وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئًا، وأن مجرد قربهم منه غير نافع لهم، ولا منج من عذاب الله إذا لم يؤمنوا به، ويقبلوا ما جاءهم به من التوحيد وسائر شرائع الإسلام، وترك الشرك، ثم خص بالنذارة من هي بضعة منه، وقال: " سليني من مالي ما شئت "؛ لأن هذا هو الذي يقدر عليه صلى الله عليه وسلم، وأما ما كان من أمر الله فلا قدرة لأحد عليه، فإذا كان لا ينفع ابنته وعمه وعمته وقرابته فغيرهم بطريق الأولى والأحرى، وبين أنه لا ينجي من عذاب الله إلا الإيمان والعمل الصالح، وفيه أنه لا يجوز أن يسأل العبد إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا، وأما النجاة من النار ونحو ذلك من كل ما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يجوز أن يطلب إلا من الله تعالى.

قال المصنف: ((فإذا صرح صلى الله عليه وسلم -وهو سيد المرسلين- أنه لا يغني شيئًا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، من الالتجاء إلى غير الله، وسؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله، تبين له التوحيد وغربة الدين)).


 باب قول الله تعالى: }حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ{(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي أزيل الفزع عن قلوب الملائكة، من الغشية التي تصيبهم عند سماع كلام الله عز وجل بالوحي إلى جبريل، يأمره الله عز وجل فتسمع الملائكة كلامه كجر سلسلة الحديد على الصفوان، فتنفزع عند ذلك تعظيماً لله وهيبة له. قال ابن عطية: ((في الكلام حذف يدل عليه الظاهر، كأنه قال: ولا هم شفعاء كما تزعمون أنتم، بل هم عبدة مسلمون لله أبدا منقادون)).

(2) أي قالوا: قال الله الحق، وذلك لأنهم إذا سمعوا كلام الله صعقوا، ثم إذا أفاقوا أخذوا يسألون، فيقولون: }مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فيقولون: قال الحق، فهو سبحانه الحق وقوله الحق ودعوته وحده هي الحق: }وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ{، علو القدر وعلو الشرف وعلو القهر وعلو الذات فله العلو الكامل من جميع الوجوه والكبير الذي لا أكبر منه ولا أعظم منه تبارك وتعالى. أراد المصنف -رحمه الله- بهذه الترجمة بيان حال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم من عبد من دون الله، فإذا كان هذا حالهم مع الله وهذه هيبتهم وخوفهم منه وخشيتهم له، فكيف يدعون من دون الله؟ وإذا كانوا -مع ما هم عليه من جلالة القدر- لا يجوز أن يدعوا من دون الله فغيرهم ممن لا يقدر على شيء من الأموات والأصنام أولى أن لا يدعى ولا يعبد من دون الله. قال المصنف: ((وفيها من الحجة على إبطال الشرك خصوصا من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب)) ا هـ.

وفيها إثبات صفة القول لله تعالى، وأنه قال ويقول.


 في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء(1) ضربت الملائكة بأجنحتها، خضعانا لقوله(2)، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك(3)، }حَتَّى إِذَا فزع عن قلوبهم، قالوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُم قَالُوا: الحق وهو العليُّ الكَبِيرُ{(4).

ـــــــــــــــــ

(1) أي إذا تكلم الله بالأمر الذي شاء كونه، وذلك بوحيه إلى جبريل به، كما صرح به في الحديث الآتي، وكما روى أبو داود وغيره من حديث ابن مسعود: " إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماوات. إلخ ".

(2) أي لقول الله تعالى، وذلك أن الله إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السماوات كلامه أرعدوا وخافوا وفزعوا، هيبة وخضعانا لقوله تبارك وتعالى، مع أنهم عباد مكرمون، أعطاهم الله من القوة والعظمة ما لا يعلمه إلا هو تعالى، ومع ذلك يعتريهم هذا الخوف والاضطراب، فعبادتهم من دون الله باطلة، وإذا كان هذا الحال معهم، فبطلان عبادة غيرهم بطريق الأولى، و (خضعانا) بفتحتين، من الخضوع وفي رواية بضم أوله وسكون ثانيه بمعنى خاضعين.

(3) بفتح الياء وسكون النون وضم الفاء والذال، أي كأن صوت الرب المسموع سلسلة على صفوان، وهو الحجر الأملس، ينفذهم ذلك، أي يخلص ذلك القول ويمضي في قلوب الملائكة حتى يفزعوا منه، وعند أبي داود وغيره: " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفاء، فيصعقون فلا يزالون كذلك، حتى يأتيهم جبرائيل ".

(4) أي حتى إذا أزيل عنها الخوف والغشي، قالت الملائكة بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا: قال الله الحق، علموا أن الله لا يقول إلا الحق، فهو=


 فيسمعها مسترق السمع(1)، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه(2)، فحرفها وبدد بين أصابعه(3)، فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن(4)،

ـــــــــــــــــ

= سبحانه الحق، وقوله الحق، (وهو العلي الكبير) الذي لا أعظم منه، ولا أكبر منه تبارك وتعالى.

(1) أي يسمع مسترق السمع الكلمة التي قضاها الله، وسمعتها الملائكة وتحدثوا بها، ومسترق السمع هو من الشياطين، فإنهم يركب بعضهم بعضا حتى يصلوا إلى حيث يسمعون تحدث الملائكة بالأمر يقضيه الله. وفي صحيح البخاري من حديث عائشة: " إن الملائكة تنزل في العنان، وهو السحاب، فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم ". وسماعهم من الذين في العنان لا ينفي سماعهم من الذين في السماء.

(2) أي وصف ركوب الشياطين بعضهم فوق بعض بما يأتي، وسفيان هو ابن عيينة بن أبي عمران ميمون، الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ حجة، من كبار الأئمة، روى عن عبد الملك بن عمير والسبيعي وخلق، وعنه الأعمش وشعبة وجماعة، مات سنة 198 هـ، وله 91.

(3) حرفها، بحاء مهملة وراء مشددة: ميلها، و (بدد) أي فرق وباعد بين أصابعه من غير مماسة بعضها لبعض، ولا لصوق بعضها لبعض.

(4) أي يسمع المسترق وهو الشيطان الفوقاني الكلمة التي سمعت من السماء، فيلقيها إلى الشيطان الذي تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، ثم الآخر إلى من تحته، وهكذا حتى يلقيها آخرهم على لسان الساحر، أو على لسان الكاهن، وحينئذ يقع الرجم.


 فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه(1)، فيكذب معها مائة كذبة(2)، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟(3)

ـــــــــــــــــ

(1) أي الشهاب، وهو النجم الذي يرمى به، أي ربما أدرك الشهاب المسترق لتلك الكلمة التي سمعت من السماء، قبل إلقائها فأحرقه، وربما ألقى الكلمة قبل أن يدركه، لما لله في ذلك من الحكمة، وإلا فلا يفوته سبحانه شيء، والحديث يدل على أنه كان يرمى قبل البعثة، كما رواه أحمد ومسلم وغيرهما عن ابن عباس: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه، فرمي بنجم عظيم فاستنار، قال: "ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟" قالوا: كنا نقول: لعله يولد عظيم أو يموت عظيم، قال: "فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح هذه السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويخطف الجن السمع فيرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه ويقرفون وينقصون ".

(2) بفتح فسكون، أي يكذب الساحر أو الكاهن مع تلك الكلمة التي ألقاها إليه وليه من الشياطين مائة كذبة، ويزيد وينقص، أو يكذب الشيطان مع الكلمة التي استرقها مائة كذبة، ويخبر بالجميع وليه من الإنس فما جاؤوا به على وجهه فهو صدق، وما خلط فيه فهو كذب، ومع هذا يفتتن الإنس بذلك، ويقبلون ما جاؤوا به مع كثرة الكذب.

(3) احتجاج من أهل الباطل لباطله، قال الشارح: ((وهكذا في نسخة بخط المصنف، كما في صحيح البخاري سواء)).


 فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء(1) ". وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه(2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) الباء سببية، أي يصدق الساحر أو الكاهن أولياؤه من الإنس، بسبب تلك الكلمة، ويروج معها مائة كذبة. وفي الصحيح عن عائشة: " قلت: يا رسول الله إن الكهان كانوا يتحدثون بالشيء فنجده حقا، قال: تلك الكلمة الحق يخطفها الجني، فيقذفها في أذن وليه، ويزيد فيها مائة كذبة ". قال المصنف: ((وفيه قبول النفوس للباطل، يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة كذبة)) ا هـ.

وفيه أن الشيء إذا كان فيه نوع من الحق، فلا يدل على أنه حق كله، فكثيرا ما يلبس أهل الضلال الحق بالباطل، ليكون أقبل لباطلهم، وفي هذه الأحاديث وما بعدها وما في معناها إثبات علو الله على خلقه، على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه لم يزل متكلما إذا شاء يسمعه الملائكة، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.

(2) بكسر السين، ابن خالد بن عمرو بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب العامري الكلابي، ويقال: الأنصاري، صحابي وأبوه أيضًا صحابي، يقال: وفد أبوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا له، وزوجه أخته الكلابية.

(3) هذا في جميع الأمور التي يقضيها الرب تبارك وتعالى، كما يدل عليه حديث أبي هريرة، والإرادة صفة من صفات الله عز وجل وهي نوعان: إرادة شرعية دينية، مستلزمة لمحبة الله ورضاه. وإرادة قدرية كونية عامة شاملة، وهو سبحانه يريد الخير ويأمر به، وينهى عن الشر ولا يأمر به، وإن كان مريدًا له، فكل الأشياء كائنة بمشيئته وقدرته وخلقه، وفيه النص على أن الله يتكلم بالوحي متى شاء، قال المصنف: ((وفيه إثبات الصفات خلافا للأشعرية)).


 أخذت السماوات منه رجفة(1)، أو قال: رعدة شديدة(2) خوفا من الله عز وجل(3)، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا(4)،

ـــــــــــــــــ

(1) (السماوات) مفعول مقدم، والفاعل رجفة، أي أصاب السماوات من كلام الله رجفة، وأصل الرجفة الحركة والاضطراب، أي تحركت واضطربت، وهو صريح في أنها تسمع كلام الله تعالى، كما روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: " إذا قضى الله أمرًا تكلم تبارك وتعالى، رجفت السماوات والأرض والجبال، وخرت الملائكة سجدا ".

(2) شك من الراوي هل قال النبي صلى الله عليه وسلم رجفة، أو قال: رعدة شديدة، وهما متقاربان أو متحدان في المعنى، أي رجفة واضطراب خوفا من الله، وهذا من شدة حرص السلف على ألفاظ الحديث، وإن كانت تجوز روايته بالمعنى بشروطها المعروفة.

(3) هذا ظاهر في أن السماوات لها معرفة وإحساس، تخاف من الله بما جعل فيها من الإحساس والمعرفة بمن خلقها، وقد أخبر الله أن هذه المخلوقات العظيمة تسبحه وتقدسه، كقوله: }تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ{. وثبت سماع تسبيح الطعام وهو يؤكل، والحصى والجذع، وهذه المخلوقات تسبح الله وتخشاه حقيقة، ولا يقال بلسان الحال.

(4) أي يقع منهم الأمران الصعوق، - وهو هنا الغشي- ويقع منهم السجود، والله أعلم أيهما قبل الآخر، وفيه إثبات عظمة الله تعالى، وعلو ذاته وقدرته وقهره، فإذا كانت السماوات على عظمتها وسعتها وما فيها من السكان ترجف ويصعق من=


 فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل(1)، فيكلمه الله من وحيه بما أراد(2)، ثم يمر جبرئيل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل: قال الحق وهو العلي الكبير(3). فيقولون كلهم مثل ما قال جبرائيل(4)،

ـــــــــــــــــ

= فيها، هيبة لله وخوفا منه، فالالتجاء إلى غيره، والتعلق عليه من أبطل الباطل وأمحل المحال؛ إذ هو سبحانه بيده أزمة الأمور، وكل من سواه مخلوق مربوب لا يملك نفعا ولا ضرا، وفي الحديث: " أن الأمة لو اجتمعوا أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ".

(1) بفتح "أول" خبر "يكون"، مقدم على اسمها، ويجوز العكس، وإنما كان أول من يرفع رأسه جبرائيل؛ لأنه سفير الله وبين رسله وأمينه على وحيه. واسم جبرائيل عبد الله، وميكائيل عبيد الله، وإسرافيل عبد الرحمن، وكل شيء يرجع إلى إيل فهو معبد لله، قاله علي بن الحسين وغيره. وفيه فضيلة جبرائيل، وقد وصفه الله بقوله: (إنه لقول) أي تبليغ: }رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ{. ورآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته، وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، فإذا كان هذا عظم أحد المخلوقات فخالقها أعظم وأجل وأكبر، بل السماوات والأرض ومن فيهن في كف الرحمن جل وعلا كخردلة في يد أحدنا، فكيف يسوى به غيره في العبادة؟.

(2) فيه التصريح بأن الله يوحي إلى جبرائيل بما أراده من أمره كما تقدم.

(3) فيه إثبات علو الله تعالى وتقدس، وأنه قال ويقول، خلافا للجهمية.

(4) أي يقولون: قال الحق، وهو العلي الكبير، تبارك وتعالى.


 فينتهي جبرئيل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل "(1).

ـــــــــــــــــ

(1) من السماء والأرض، فالآية المذكورة والأحاديث تقرر أن الملك العظيم الذي تصعق الأملاك من كلامه، خوفا منه ومهابة، ولا يعلمون إلا ما علمهم به، وترجف منه المخلوقات، لا يجوز شرعا ولا عقلا أن يجعل له شريك من خلقه في عبادته التي هي حقه عليهم، وهم بهذه المثابة من هيبته وخشيته. وقصد المصنف الرد على المشركين عبدة الأوثان وغيرهم، فإنه إذا كان هذا حال الملائكة عند مجرد سماع كلام الله، مع ما أعطاهم الله من شدة القوة، وعظم الخلقة التي لا يعلمها إلا الله، علم أنه لا يجوز صرف شيء من أنواع العبادة لهم، لعجزهم عن النفع والضر، فكيف بمن هو دونهم بمراتب؟ ولكن أهل الشرك لا يفقهون، ثم هو سبحانه قد أرسل الرسل، وأنزل الكتب، تزجرهم عن ذلك الشرك، وأقام البراهين على بطلانه.


 باب الشفاعة(1)

وقـول الله تـعـالى: }وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُـحْشَرُوا إِلَى

ـــــــــــــــــ

(1) أي بيان الشفاعة وإيضاحها، وبيان حكمها وحقيقتها، وبيان ما أثبته القرآن منها وما نفاه، ولما كان المشركون في قديم الدهر وحديثه إنما وقعوا في الشرك لتعلقهم بأذيال الشفاعة، كما أخبر الله عنهم، حتى إنه صلى الله عليه وسلم لما ألقى الشيطان في تلاوته " وإن شفاعتهن لترتجى " رضي المشركون عنه، وسجدوا معه، ظنوا أنه صلى الله عليه وسلم قاله، وأنه وافقهم على دينهم، من دعاء الملائكة والأصنام للشفاعة. أراد المصنف -رحمه الله- في هذا الباب إقامة الحجج على أن ذلك هو عين الشرك، وأن الشفاعة التي يظنها من دعا غير الله أنه يشفع كما يشفع الوزير عند الملك، منفية دنيا وأخرى، وإنما الله الذي يأذن للشافع ابتداء، لا يشفع الشافع ابتداء كما يظنه أعداء الله. والشفاعة: مصدر من الشفع ضد الوتر، وشفع فيه أعانه. وفي النهاية: ((هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم)) ا هـ.

وهي نوعان: شفاعة منفية، وهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.

ومثبتة، وهي التي تطلب من الله، ولا تكون إلا لأهل التوحيد، ومقيدة بأمرين: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع له.

والناس في الشفاعة ثلاث طوائف: طرفان ووسط، فطائفة أنكروها كاليهود والنصارى والخوارج المكفرين بالذنوب، وطائفة أثبتوها وغلوا في إثباتها، حتى جوزوا طلبها من الأولياء والصالحين، وأهل السنة والجماعة أثبتوا الشفاعة الشرعية، كما ذكر الله في كتابه، ولا تطلب إلا من الله، كأن تسأله تعالى أن يشفع فيك نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن الشفاعة محض فضل وإحسان.


 رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ{(2)، وقول الله تعالى: }قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً{(3).

ـــــــــــــــــ

(1) الإنذار الإعلام بأسباب المخافة، والتحذير منها، (أنذر) أي خوف يا محمد بالقرآن (الذين يخافون) يخشون (أن يحشروا) أي يجمعوا ويبعثوا إلى ربهم يوم القيامة، وهم المؤمنون المخلصون، أصحاب القلوب الحية الواعية الذين لم يتخذوا لهم من دون الله وليا ولا شفيعًا، بل أخلصوا قصدهم وطلبهم وجميع أعمالهم لله وحده، ولم يلتفتوا إلى أحد سواه فيما يرون نفعه ويخافون ضره.

(2) أي لا قريب لهم، ولا شفيع يشفع فيهم من عذابه إذا أراده بهم. قال الزجاج: موضع (ليس) نصب على الحال، كأنه قال: متخلين من ولي وشفيع، والعامل فيه (يخافون). وقال ابن كثير: ليس لهم يومئذ: }مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ{ فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به من عذاب يوم القيامة، ويتركون التعلق على الشفعاء وغيرهم؛ لأنه ينافي الإخلاص الذي لا يقبل الله من أحد عملاً بدونه.

(3) اللام للملك، أي هي ملك لله تعالى، فليس لمن تطلب منه شيء منها، وإنما تطلب ممن يملكها دون ما سواه؛ لأن ذلك عبادة وتأله لا يصلح إلا له تعالى، وقال قبلها: }أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ{ فأخبر -سبحانه- أن وقوع الشفاعة على هذا الوجه منتفٍ عقلاً وشرعًا، فقوله: }لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ{ تقرير لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه؛ لأنه مالك الملك، فيجب اندراج ملك الشفاعة في ذلك، فإذا كان هو مالكها بطل أن تطلب ممن لا يملكها.

قال ابن جرير: نزلت لما قال الكفار: ما نعبد أوثاننا هذه إلا لتقربنا إلى الله زلفى، قال الله: }لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{. فتعلمون أن من طلبها من غير الله أنه خاسر السعي، وأنها غير حاصلة له؛ لأنه طلبها=


 وقوله: }مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ{(1). وقوله: }وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى{(2).

ـــــــــــــــــ

= من غير مالكها، بل طلبها من غير الله إفك وافتراء، كما قال تعالى: }فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ{.

(1) قد تبين مما تقدم من الآيات أن الشفاعة التي نفاها القرآن هي التي تطلب من غير الله، وفي هذه الآية رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله، من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها، وظنوا أنهم يشفعون عنده بغير إذنه، فأنكر عليهم، وبين عظيم ملكوته وكبريائه، وأن أحدا لا يتمكن أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له، وأن الشفاعة إنما تقع في الدار الآخرة بإذنه، كقوله: }يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّّّّّّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً{. فبين -تعالى- أنها لا تقع إلا بشرطين: إذن الرب للشافع أن يشفع، ورضاه عن المأذون فيه. وهو سبحانه لا يرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة إلا ما أريد به وجهه، ولقيه العبد به مخلصا غير مشرك.

(2) (كم) تكثيرية (لا تغني) أي لا تجدي ولا تنفع (شفاعتهم شيئًا إلا من بعد) إذن الرب تبارك وتعالى لمن شاء أن يشفع له، ورضي قوله وعمله، فصار ممن استحق الشفاعة، وذلك لمن سلم من الشرك قليله وكثيره، وهذه الآية كقوله: }مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ{. وقوله: }وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ{. وإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجى شفاعة هذه الأنداد عند الله؟ سبحان الله ما أعظم شأنه !.


 وقوله: }قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ{ الآيتين(1). قال أبو العباس:(2)

ـــــــــــــــــ

(1) أي: }قُلِ{ يا محمد لهؤلاء المشركين: }ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ{ أنهم آلهة من دون الله، ليكشفوا الضر الذي نزل بكم، ثم وصفهم بقوله: }لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ{ من خير وشر، ونفع وضر: }وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ{ لا يملكون شيئًا استقلالا، ولا على سبيل الشركة: }وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ{ عوين يعينه بشيء: }وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ{ في الشفاعة، قاله تعالى تكذيبا لهم حيث قالوا: }هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ{.

قال ابن القيم وغيره في هذه الآية: أنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها، فقد قطع الله بها جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون، على أي وجه كان، فإن المشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من أربع: إمّا أن يكون مالكا لما يريده، أو شريكا للمالك، أو معينا وظهيرا، أو شفيعا، فنفى -سبحانه- المراتب الأربع نفيا مرتبا، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه، ولم يجعل -سبحانه- الاستغاثة بالميت أو غيره سببا لإذنه، وإنما السبب كمال التوحيد، لا ما يمنع الإذن، فالمشرك قد أتى بأعظم حائل بينه وبين حصول الشفاعة، فهو كمن استعان في حاجة بما يمنع حصولها.

(2) هذه كنية شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحراني، العالم الرباني، مفتي الأمة، بحر العلوم، ناصر السنة، قامع البدعة، صاحب المصنفات المشهورة المقبولة، المؤيدة بالكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة، الجديرة بأن تحفظ في أعماق القلوب، من تدبرها علم أنه قد جمع من العلوم النقلية والعقلية، ومن الإحاطة=


 نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون(1)، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله(2)، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب(3)

ـــــــــــــــــ

= بمذاهب أهل الملل والنحل، وآراء المذاهب، وما قالت الفرق، ما لم يعلم مثله عن أحد من العلماء، وبين هذا الدين وعقائده، ورد سائر البدع بما لم يسبق إليه، ترجم له طوائف من الحفاظ، وأثنوا عليه في أسفار، وشهرته وإمامته في علوم الإسلام، وتفننه تغني عن الإطالة في وصفه، قال ابن دقيق العيد: ((كأن العلوم بين عينيه، يأخذ ما يشاء، ويدع ما يشاء)). ولد سنة 661 هـ، وتوفي -قدس الله روحه، ونور ضريحه- سنة 728 هـ.

(1) أي نفى في هذه الآية الكريمة عما سواه -تعالى وتقدس- كل ما يتعلق به المشركون من الاعتقاد في غير الله، من الملك والشركة والمعاونة والشفاعة، فإن هذه الأمور الأربعة هي التي يتعلق بها المشركون.

(2) فنفى الملك بقوله: }لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ{. ونفى القسط بقوله: (وما لهم) أي لمن يدعون من الملائكة وغيرهم (فيهما) أي في السماوات والأرض (من شرك). ونفى العون بقوله: }وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ{. أي ما لله ممن يدعونهم عوين، فمن ليس بمالك، ولا شريك للمالك، ولا ظهير له، فكيف يدعى من دونه؟ فهو -سبحانه- الذي يأذن للشافع ابتداء فيشفع، فبنفي هذه الأمور عن كل مدعو غير الله- وهي التي لا بد أن يكون المدعو مالكا لأحدها حتى يستحق أن يدعى- بطلت دعوة غير الله؛ إذ ليس عند غيره من النفع والضر ما يوجب قصده بشيء من العبادة.

(3) وهو سبحانه لا يأذن إلا لأهل التوحيد.


 كما قال تعالى: }وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى{(1). فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن(2)، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع(3). وقال له أبو هريرة: " من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه "(4).

ـــــــــــــــــ

(1)أي لمن رضي الله عنه من أهل الإيمان به وحده، وقال ابن عباس: ((إلا لمن قال لا إله إلا الله)).

(2) أي التي تطلب من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كقول أحدهم: الشفاعة، أو اشفع لي، منتفية دنيا وأخرى كما أخبر الله به في كتابه، ولو طلبها منه على سبيل الشفاعة إلى الله، فهو فعل المشركين الذي كفرهم الله به، فإنهم يقولون: }مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى{.

قال تعالى مكذبا لدعواهم ومكفرا لهم: }إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ{.

(3) هذا قطعة من حديث الشفاعة، المخرج في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره في أهل الموقف، وهو إخبار منه صلى الله عليه وسلم بتحقيق الشفاعة، وأنه لا يشفع إلا من بعد إذن الله تعالى له في الشفاعة، وفي المشفوع فيهم.

(4) هذا الحدث رواه البخاري وغيره، قال: " قلت: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه ". وفي رواية: " خالصا مخلصا من قلبه ". والمراد=


فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله(1).

ـــــــــــــــــ

= مع قوله: محمد رسول الله، لكن قد يكتفى بها لاقتضائها لها، و (خالصا) احتراز من المنافق و(أسعد) أفعل تفضيل، وقيل أي سعيد الناس، أو المخلص أكثر سعادة بها، فجعل أسعد الناس بشفاعته أكملهم إخلاصا.

ورواه أحمد وابن حبان وصححه وفيه: " وشفاعتي لمن قال لا إله إلا الله مخلصا، يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه " وفي صحيح مسلم عنه قال: " لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا ". فهذان الحديثان ونحوهما مما يبين أنها لأهل التوحيد والإخلاص بإذن الله، وكذا في أحاديث الشفاعة كلها، إنما يشفع في أهل التوحيد كما في الكتاب العزيز.

وقال الحافظ: ((المراد بهذه الشفاعة المسؤول عنها بعض أنواع الشفاعة، وهي التي يقول "أمتي أمتي" "فيقال: أخرج من في قلبه وزن كذا من الإيمان". وأما الشفاعة العظمى في الإراحة من كرب الموقف، فأسعد الناس بها من يسبق إلى الجنة)) ا هـ.

وله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات: الشفاعة الكبرى في أهل الموقف ليقضى بينهم، وشفاعته في أهل الجنة في دخولها، ولقوم من العصاة الذين يدخلون النار بذنوبهم، ويشفع لمن استوجب النار، ولقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم، وبعض الكفار في تخفيف عذابهم.

(1) فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم زعمهم الكاذب، وأخبر أن أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد لله وحده، لا الالتجاء إلى الأولياء والصالحين وغيرهم، ودعاؤهم وطلبهم الشفاعة، فلا تنال بذلك، بل هو أصل شرك العالم، ولكن كما قال بعض السلف: من جهل المشرك اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا أنه يشفع له، وينفعه عند الله، كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع من والاهم، ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا يأذن في الشفاعة إلا من رضي قوله وعمله، وهو لا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله.


 وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليكرمه(1) وينال المقام المحمود(2)، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك(3)، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع(4)، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص(5). انتهى كلامه رحمه الله(6).

ـــــــــــــــــ

(1) أي بالشفاعة فيمن أذن له أن يشفع فيه، فهذا هو حقيقة أمر الشفاعة، لا كما يظنه المشركون والجهال أن الشفاعة هي كون الشفيع يشفع ابتداء فيمن شاء، فيدخله الجنة، وينجيه من النار، ولهذا يسألونها من الأموات وغيرهم.

(2) أي الذي يحمده فيه الخلائق كلهم، بل وخالقهم، وهو الشفاعة.

(3) وهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كيا رسول الله اشفع لي.

(4) كقوله: }مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ{ والآيتين بعدها في الباب، فلما أثبتها في مواضع ونفاها في مواضع علمنا قطعا أنها شفاعتان.

(5) أي قيدها صلى الله عليه وسلم بقوله: " من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه "؛ لئلا يتوهم المشركون أنها نائلتهم، وإنما تنال الموحدين الذين استحقّوا دخول النار بسبب ذنوبهم، فيشفع لهم في الخروج بعد التطهير، كما تواتر: " أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة- مثقال ذرة، مثقال خردلة- من إيمان ".

(6) أي كلام شيخ الإسلام الذي ساقه المصنف هنا، فقام مقام الشرح والتفسير في هذا الباب، وهو كاف واف بتحقيق مع الإيجاز.


 باب قوله الله تعالى }إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ{(1) الآية.

في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه(2)

ـــــــــــــــــ

(1) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمنفي هنا هداية التوفيق والإلهام، وهو خلق الهدى في القلب وإيثاره وذلك لله وحده، وهو القادر عليه، كقوله: }لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ{.

}فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ{، }وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ{ وأما هداية البيان والإرشاد والدلالة فقال الله تعالى: }وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{. فهو المبين عن الله، والدال على دينه وشرعه.

أراد المصنف -رحمه الله- بهذه الترجمة الرد على عباد القبور، الذين يعتقدون في الأنبياء والصالحين النفع والضر، فيسألونهم من أنواع المطالب الدنيوية والأخروية، فإن سبب هذه الآية موت أبي طالب، وإذا كان صلى الله عليه وسلم قد حرص على هدايته عند موته فلم يتيسر له ذلك، ودعا له بعد موته، ونهي عن ذلك، وذكر الله أنه لا يقدر على هداية من أحب هدايته لقرابته ونصرته، تبين أعظم بيان، ووضح أوضح برهان أنه صلى الله عليه وسلم لا يملك ضرا ولا نفعا، ولا عطاء ولا منعا، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يقدر إلا على ما أقدره الله عليه، وأن الأمر كله بيد الله، فبطلت عبادته من دون الله، وإذا بطلت عبادته- وهو أشرف الخلق- فعبادة غيره أولى بالبطلان.

(2) أي في الصحيحين عن ابن المسيب بفتح الياء، واسمه سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء، والفقهاء الكبار السبعة من التابعين، اتفق أهل الحديث أن مراسيله أصح المراسيل. قال ابن المديني: ((لا أعلم في التابعين أوسع علما منه)). مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين. وأبوه المسيب صحابي، بقي إلى خلافة عثمان، وكذلك جده حزن صحابي، استشهد باليمامة.


 قال: " لما- حضرت أبا طالب الوفاة(1) جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم(2)، وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل(3)، فقال له: يا عم قل: لا إله إلا الله(4)

ـــــــــــــــــ

(1) أي حضرته علاماتها ومقدماتها، وإلا فلو كان قد انتهى إلى المعاينة لم ينفعه الإيمان لو آمن.

(2) حرصًا على هدايته وشفقة عليه، لما رأى منه النصح والاجتهاد، فيما يصلح أمره، والذب عنه بماله وحاله وولده، وصنع الصنائع التي لم يصنعها أحد من الأقارب والأباعد معه صلى الله عليه وسلم وفيه جواز- عيادة المشرك إذا رجي إسلامه، وحمل العلم إذا كان فيه مصلحة راجحة.

(3) ويحتمل أن يكون المسيب حضر مع الإثنين فإنهم كلهم من بني مخزوم، وكانوا إذ ذاك كفارا، فقتل أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران، وكانت كنية أبي جهل أبا الحكم فسماه النبي صلى الله عليه وسلم أبا جهل، وأخبر أنه فرعون هذه الأمة.

(4) أمره صلى الله عليه وسلم بقولها ليحصل له بذلك الفوز والسعادة والظفر، ولعلمه صلى الله عليه وسلم بعلم أبي طالب بما دلت عليه، من نفي الشرك بالله، وإخلاص العبادة لله وحده، فإن من قالها عن علم ويقين وقبول فقد برئ من الشرك والمشركين، ودخل في الإسلام؛ لأن العرب يعلمون ما دلت عليه، فلا يقولها إلا من ترك الشرك وبرئ منه، وكذلك الحاضرون يعلمون ما دلت عليه من نفي الشرك والبراءة منه، ولهذا عارضوه بما يأتي، و (عم) منادي مضاف، يجوز فيه إثبات الياء وحذفها، وإبقاء الكسرة دليل عليها كما هنا، وفيه ثلاث لغات أخر.


 كلمة أحاج لك بها عند الله(1). فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟(2) فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأعادا(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) (كلمة) بالنصب بدل من لا إله إلا الله، ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف، و (أحاجّ) بتشديد الجيم من المحاجة، وهي مفاعلة من الحجة، والجيم مفتوحة على الجزم في جواب الأمر، أي أشهد لك بها عند الله، وبرهانا أعتذر بها لك عنده وفيه دليل على أن الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها في تلك الحال معتقدا ما دلت عليه من النفي والإثبات لنفعته، ودخل بها في الإسلام.

(2) لما علما من شدة تمسكه بملتهم، مع حياطته النبي صلى الله عليه وسلم وخشيا أن تترك تلك الآلهة والأوثان التي يتعلقون بها من دون الله، ذكراه الحجة الملعونة التي يحتج بها المشركون على المرسلين، وهي تقليد الآباء والكبراء، : }إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ{. فإن ملة عبد المطلب الشرك وعبادة الأوثان، كما كانت قريش وغيرهم في جاهليتهم كذلك، وأخرجا الكلام مخرج الاستفهام مبالغة في الإنكار، لعظمة هذه الحجة في قلوب الظالمين، ولذلك اكتفيا بها في المجادلة، مع مبالغته صلى الله عليه وسلم وتكريره.

قال المصنف: ((فلأجل عظمتها ووضوحها عندهما اقتصرا عليها، وفيه المسألة الكبيرة: تفسير قوله: "قل: لا إله إلا الله" بخلاف ما عليه من يدعي العلم، وفيه أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال للرجل: قل: لا إله إلا الله، فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام)).

(3) أي أعاد النبي صلى الله عليه وسلم على عمه قوله: "قل: لا إله إلا الله" وفي رواية: "فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدها عليه "، يعني أنه بالغ صلى الله عليه وسلم وكرر، لعله أن يحصل لعمه هذا الفوز العظيم، فأعادا معارضته صلى الله عليه وسلم بقولهما: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ لأنهما=


 فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب(1)، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله(2)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك"(3).

ـــــــــــــــــ

= عرفا أن أبا طالبا لو قالها لبرئ من ملة عبد المطلب، وهي الشرك بالله في الإلهية، فصارا سببا لصدوده عن الحق، وعن هذا الخير العظيم الذي فيه السعادة الأبدية. قال المصنف: وفيه مضرة أصحاب السوء على الإنسان، فينبغي الحذر من قربهم، والحذر من الاستماع لهم كما قيل:

إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم

ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى

وفيه مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر إذا زاد على المشروع، بحيث إن تجعل أقوالهم حجة يرجع إليها عند التنازع.

(1) "آخر" منصوب على الظرفية، أي آخر تكليمه إياهم، ويجوز فيه الرفع. قال الحافظ: ((الظاهر أن أبا طالب قال: أنا.. كما في المسند، فغيره الراوي بلفظة (هو) استقباحا للفظ المذكور، وهو من التصرفات الحسنة)).

(2) تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وذلك لما لله فيه من الحكمة، وليعلم أن هذا الدين لا ينال بالنسب، وإنما يحصل بالتقوى.

(3) اللام للقسم، وفي رواية لهما: " أما والله لأستغفرن لك ". وفيه جواز الحلف من غير استحلاف وكأنه هنا لتأكيد العزم على الاستغفار، تطييبا لنفس أبي طالب، وكانت وفاته بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفيت خديجة أم المؤمنين -رضي الله عنها- بعده بثمانية أيام.


 فأنزل الله عز وجل: }مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى{(1). وأنزل الله في أبي طالب: }إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ{ "(2).

ـــــــــــــــــ

(1) الإتيان بالفاء المفيدة للترتيب في قوله: فأنزل الله، تفيد أنها نزلت في أبي طالب، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أتى قبر أمه لما اعتمر، فاستأذن ربه أن يستغفر لها، فنـزلت هذه الآية، ولا منافاة، فإنه قد تتعدد أسباب النزول، وهذه الآية عامة في حقه صلى الله عليه وسلم وحق غيره، وفيه تحريم الاستغفار للمشركين وتحريم كل موالاتهم ومحبتهم، بل إذا حرم الاستغفار لهم فمحبتهم وموالاتهم أولى.

(2) أي: }إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ{ أي لقرابتك أو أحببت أن يهتدي، : }وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ{ فله الحكمة البالغة في إضلال من شاء، : }وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ{ أي بمن قدر له الهدى. وأجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وهي عامة، ومن حكمة الرب في عدم هدايته ليبين لعباده أن ذلك إليه سبحانه دون من سواه، فلو كان عند النبي صلى الله عليه وسلم - الذي هو أفضل خلقه- من هداية القلوب، وتفريج الكروب، والنجاة من العذاب، ونحو ذلك شيء لكان أحق الناس بذلك، وأولاهم به عمه الذي كان يحوطه ويحميه إلى أن بلّغ الوحي، وعادى قومه هو وأولاده، وقام بنصرته بالمال والرجال، وأقر أن ما جاء به هو الحق، إلا أنه لم ينقد إليه، ولم يتبرأ من دين المشركين، فظهر بذلك بطلان التعلق عليه صلى الله عليه وسلم - فضلا عن غيره- بشيء من خصائص الرب جل وعلا. قال المصنف: ((وفيه الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه)).


 باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين(1)

وقول الله عز وجل: }يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ{(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي باب ما جاء من الدليل والبرهان على أن سبب كفر بني آدم أو سبب أول كفر بني آدم، وتركهم دينهم الذي خلقوا له، ولا صلاح ولا فلاح لهم إلا به هو الغلو في الصالحين من الأنبياء والأولياء وغيرهم بالقول والاعتقاد فيهم، وضابط الغلو: تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه، ولما ذكر بعض ما يفعله عباد القبور مع الأموات من الشرك، أراد أن يبين السبب في ذلك، ليحذروا الغلو مطلقا لا سيما في الصالحين، فإنه أصل الشرك قديما وحديثا، لقرب الشرك بالصالحين من النفوس، فإن الشيطان يظهره في قالب المحبة والتعظيم.

(2) في موضعين من كتابه، أي لا تتعدوا ما حد الله لكم، ولا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، وأهل الكتاب هنا هم اليهود والنصارى، والغلو كثير في النصارى؛ فإنهم غلوا في عيسى فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله، واليهود تنقصوه فحطوه من منزلته، حتى جعلوه ولد بغي، فالنصارى أفرطوا، واليهود فرطوا، والخطاب وإن كان لأهل الكتاب، فهو تحذير لهذه الأمة أن يفعلوا مع نبيهم ما فعلت النصارى مع المسيح، واليهود مع العزير.

قال تعالى: }أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ{. ومن تشبه بهم من هذه الأمة وغلا في الدين بإفراط أو تفريط فهو منهم، فكل من دعا نبيا أو وليا من دون الله=


 في الصحيح " عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: }وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً{(1). قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح(2)

ـــــــــــــــــ

= فقد اتخذه إلهًا، وضاهى النصارى في شركهم، واليهود في تفريطهم.

وقد نهى الله عن الغلو في كتابه في مواضع، كقوله: }فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ{ الآية وغيرها، والغلو شامل لجميع أمور الدين، فشمل الغلو في محبة الصالحين.

(1) كان هؤلاء أهل دين وفضل وخير، وماتوا في زمن متقارب فأسفوا عليهم، وصاروا يترددون على قبورهم، فأتاهم الشيطان وسول لهم أن يصوروا صورهم؛ ليكون أسهل عليهم من المجيء إلى قبورهم، ولم يكونوا قصدوا عبادتهم، وإنما قصدوا التذكر بهم؛ ليكون أدعى لهم على فعل الخير والتأسي بهم.

(2) هذا الأثر اختصره المصنف، ولفظ البخاري عنه: " صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد، فأما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت، لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين في قوم نوح ". وروى ابن جرير عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوروا صورهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم.


 فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم(1)، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عُبدت "(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي فلما هلك أولئك الصالحون، وحزن عليهم قومهم حزنا شديدا، وسوس لهم الشيطان، وألقى إليهم أن انصبوا إلى مجالسهم حالة التعليم والتذكير

أنصابا على صورهم المعلومة عندكم، جمع نصب، والأمر منه بالكسر، والمراد بالأنصاب هنا الأصنام المصورة على صور أولئك الصالحين التي نصبوها في مجالسهم؛ ليتذكروا أفعالهم بها، وسموها بأسمائهم حتى لا تنسوهم، وكلما ترونها تذكركم إياهم، وقد أخرج الشيطان لهم هذه الحيلة في قالب المحبة؛ لعدم قدرته عليهم إلا بهذه الدرجة، ومقصوده من بعدهم الذين لم يعرفوا ما نصبت له، ليوسوس لهم أنهم كانوا معبودين في أولاكم.

(2) أي فعل أولئك ما أوحاه الشيطان إليهم من تصوير صالحيهم، ولم تعبد تلك الصور، لقرب عهدهم بمعرفة الهالكين وما صوروا لأجله، حتى إذا هلك الذين صوروا الأصنام، ونسي العلم الذي فيه بيان الشرك والتوحيد، أو نسي العلم الذي نصبوا لأجله الأنصاب، وهو تذكر العلم الذي كانوا يأخذونه عنهم، والعبادة التي كانوا يفعلونها؛ ليتأسوا بهم فيها، عبدت تلك الصور، وفي رواية: أنهم قالوا: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله، فهذا هو السبب في عبادة هؤلاء الصالحين، وهذه هي الشبهة التي ألقاها الشيطان على المشركين من الأولين والآخرين. وفي رواية: "ونسخ" أي درست آثاره بذهاب العلماء، حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنا منهم أنه ينفعهم.

وعبدت تلك الأصنام لما قال لهم إبليس: إن من كان قبلكم كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فصارت هذه الأصنام بهذا التصوير سلما لعبادتها، ففيه مضرة=


 قال ابن القيم: ((قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم))(1).

ـــــــــــــــــ

= فقد العلم، و مضرة الغلو فإن كل ما عبد من دون الله من -قبر أو صنم- فالأصل في عبادته الغلو واندراس العلم، والجهل بحقيقة دين المرسلين، فالله المستعان.

قال الكلبي: ((كان لعمرو بن ربيعة رئي من الجن، فأتاه فقال: أجب أبا ثمامة، وادخل بلا ملامة، ثم ائت سيف جدة تجد بها أصناما معدة، ثم أوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى جدة فوجد بها ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، وفي الأصنام التي كانت عبدت على عهد نوح وإدريس، ثم إن الطوفان طرحها هناك، فاستثارها عمرو، وحضر الموسم، ودعا إلى عبادتها فأجيب)) ا هـ.

وعمرو بن ربيعة وهو عمرو بن لحي، أول من غير دين إبراهيم، والمعبود في الحقيقة هو الشيطان الذي زين لهم عبادتها، وأمرهم بها كما قال تعالى: }أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ{.

(1) ابن القيم هو الإمام العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية، الثقة الحجة الورع الزاهد، المتفنن في سائر العلوم، صاحب التصانيف الرائقة السائرة المقبولة، أخذ عن شيخ الإسلام والمزي وغيرهما، وعد في أكابر السلف، مات -قدس الله روحه- سنة 751 هـ، وما ذكره -رحمه الله- هو بمعنى ما ذكره البخاري وابن جرير وغيرهما، إلا أنه ذكر عكوفهم على قبورهم قبل تصوير تماثيلهم، وذلك أعظم الوسائل الموصلة إلى الشرك، بل هو الشرك؛ لأن العكوف لله في المساجد عبادة، فإذا كان على القبور صار عكوفهم- تعظيما=


.............................................................

ـــــــــــــــــ

= ومحبة- عبادة لها، وقد تقدم أن العكوف هو البقاء والإقامة على الشيء في المكان عبادة وتعظيما وتبركا، كما كان المشركون يفعلون ذلك عند أصنامهم، لما يعتقدون فيها من البركة. والأمد: الزمان، أي طال عليهم الزمان، ونسوا ما قصده الأولون، فتبين أن مبدأ الشرك هو الغلو فيهم، وأن سبب تلك العبادة ما جرى من الأولين من التعظيم بالعكوف على قبورهم، ونصب صورهم في مجالسهم، فصارت بذلك أوثانا تعبد من دون الله، وهذا أول شرك حدث في الأرض.

قال القرطبي: ((وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها)) ا هـ.

أي فعبدوهم وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، إلى أن دعوا الناس إلى عبادتها، واتخاذها أعيادا ومناسك، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم، ثم نقلهم إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وعادوا أهل التوحيد، ووالوا أهل الشرك والتنديد، وزعموا أنهم أولياء الله: }وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ{.

قال المصنف: وفيه أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب، وفيه معرفة أن أول شرك حدث على وجه الأرض بشبهة محبة الصالحين، ومعرفة أول شيء غير به دين الأنبياء، وقبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها، وأن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل بأمرين: الأول: محبة الصالحين. والثاني: فعل أناس من أهل العلم والدين شيئًا أرادوا به خيرا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا غيره. ومنها معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه، ومنها مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح، ومعرفة النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها ومعرفة شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.

قال حفيده: ((ومنها مضرة التقليد، وكيف آل بأهله إلى المروق من الإسلام؟)).


 وعن عمر رضي الله عنه(1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله ". أخرجاه(2).

ـــــــــــــــــ

(1) هو ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي العدوي، أمير المؤمنين، وأفضل الصحابة بعد الصديق -رضي الله عنهما-، ولي الخلافة بعده عشر سنين ونصفًا، فامتلأت الدنيا عدلا، وفتحت في أيامه ممالك كسرى وقيصر، استشهد في ذي الحجة سنة 23 هـ، قتله أبو لؤلؤة الخارجي.

(2) الإطراء: مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، أي لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى -عليه السلام- حتى ادعوا فيه الإلهية، وإنما أنا عبد الله ورسوله، فصفوني بذلك كما وصفني ربي، فقولوا: عبد الله ورسوله، لا تجاوزوا هذا القول، فأبى المشركون إلا مجاوزة أمره، وارتكاب نهيه، وعظموه بما نهاهم عنه، وضاهوا النصارى في غلوهم وشركهم، وناقضوا أمره أعظم مناقضة، وأظهر لهم الشيطان هذا الشرك في قالب التعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم ومحبته، والتوحيد والإخلاص في قالب التنقص، حتى جوزوا الاستغاثة به في كل ما يستغاث فيه بالله، ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله، وارتكبوا ما نهوا عنه، وشاقوا الله ورسوله. وفيه أن الألفاظ التي يذكرها بعض الناس في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما لا يحبه صلى الله عليه وسلم، ولا يحب إلا ما جاء الأمر به حتى في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وفيما يثني عليه ويمدح به، ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته، ومحبته إنما يصدقها تجريد التوحيد الذي بعث من أجله، وتجريد المتابعة، وتقديم محبته على النفس والمال والولد والناس أجمعين، والثناء عليه بما أثنى به عليه ربه، أو أثنى به هو على نفسه، من غير غلو ولا تقصير.


..... قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو(1) "

ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هلك المتنطعون(2) قالها ثلاثا(3) ".

ـــــــــــــــــ

(1) أي التشدد في الدين ومجاوزة الحد، بأن يزاد في مدح الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك، فهو الداء العضال الذي هلكت به الأمم الماضية، وهذا الحديث ذكره المصنف -رحمه الله- غير معزو، وقد رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع: هلم القط لي حصيات من حصى الخذف، فلما وضعتها في يده قال: نعم بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ". لفظ ابن ماجه، وإسناده صحيح، وشواهده في الكتاب والسنة. وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار. وقال شيخ الإسلام: ((هذا الحديث عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال)).

(2) أي المتكلفون المتعمقون المتأنقون، الغالون في الكلام، المتكلمون بأقاصي حلوقهم، مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل متعمق قولا وفعلا، أو الغالون في عباداتهم، بحيث تخرج عن قوانين الشريعة، أو الذي يدخل الباطل في قالب الحق لقوة فصاحته، وأما الفصاحة التي توضح الحق وترد الباطل، وتظهر عظمة العلم والدليل فممدوحة.

(3) أي قال هذه الكلمة ثلاث مرات، مبالغة في الإبلاغ والتعليم، وقد بلغ البلاغ المبين صلى الله عليه وسلم ومطابقة هذا الحديث للترجمة أن التنطع من الغلو والزيادة؛ لما فيه من الخروج إلى ما يوصل إلى الشرك بالله عز وجل. وهذا الحديث رواه أحمد أيضًا وأبي داود وغيرهما.


 باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده(1)؟

في الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها-: " أن أم سلمة ذكرت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كنيسة رأتها بأرض الحبشة(2)

ـــــــــــــــــ

(1) أي باب ذكر ما ورد في النصوص من التغليظ والتهديد، والوعيد الشديد على من يعبد الله عند قبر رجل صالح مع أنه لا يقصد إلا الله، ومع كونه معصية فهو وسيلة وذريعة من أعظم الوسائل والذرائع إلى الشرك، وقد أبدى صلى الله عليه وسلم وأعاد، وكرر وغلظ في ذلك، فكيف إذا عبد الرجل الصالح؟ فإنه أحق وأولى بما هو أعظم من هذا التغليظ، والمقصود أنه إذا كانت عبادة الله عند القبور منهيًّا عنها، ومغلظًا فيها، فكيف بعبادة صاحب القبر؟! فإن ذلك شرك أكبر، وعبادة الله عنده وسيلة إلى عبادته، وكلما أدى إلى محرم فهو محرم، فإن الوسائل لها حكم الغايات، فوسائل الشرك محرمة؛ لأنها تؤدي إليه، ولما رأى المصنف -قدس الله روحه- تهافت الناس على عبادة القبور، نوع التحذير من الافتتان بالقبور، وأخرجه في أبواب مختلفة، ليكون أوقع في القلوب، وأحسن في التعليم، وأعظم في الترهيب، وأبلغ في التحذير.

(2) أم سلمة هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، القرشية المخزومية، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أبي سلمة، وكانت قد هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة، وتوفيت سنة 62 هـ، والكنيسة- بفتح الكاف=


 وما فيها من الصور(1)، فقال أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح -أو العبد الصالح- بنوا على قبره مسجدا(2)، وصوروا فيه تلك الصور(3)، أولئك شرار(4) الخلق عند الله ".

ـــــــــــــــــ

= وكسر النون- متعبد النصارى، وفي رواية: "يقال لها: مارية"، وفيه أن أم سلمة ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته، وهو في الصحيحين، وفيهما أيضًا أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) أي وذكرت له ما فيها من تلك الصور، وفي رواية: "وذكرتا له من حسنها وتصاوير فيها".

(2) أي موضعًا للعبادة، وإن لم يسم مسجدًا كالكنائس والمشاهد، و "أولئك" بكسر الكاف، خطاب للمرأة، والرجل الصالح هو القائم بحقوق الله، وحقوق عباده، وفيه التحري في الرواية، وجواز الرواية بالمعنى لمن يحسن ذلك.

(3) بكسر الكاف أيضًا، وتفتح كالماضية، والإشارة إلى ما ذكرت له أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في تلك الكنيسة، كما في بعض ألفاظ الحديث، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، ذكرهم على وجه العيب والذم والإشانة.

(4) شرار بكسر الشين جمع شر كالخيار جمع خير، وإنما سموا بذلك لضلالهم، وسنهم لمن بعدهم الغلو في قبور صالحيهم حتى أفضى بهم ذلك الغلو إلى عبادتها، وهو عام فيمن فعل فعلهم من هذه الأمة، وأي زجر وأي تغليظ وتقريع وتعيير أبلغ من هذا؟ وهم إنما صوروا صورهم ليتأسوا بهم، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك وأنذر، وأبدى وأعاد، =


 فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل(1).

ـــــــــــــــــ

= أولا بالبناء على القبور، ثم بالتصوير، ثم بكونهم شرار الخلق؛ سدًّا للذريعة المؤدية إلى الشرك.

وفيه ونحوه دلالة ظاهرة على تحريم بناء المساجد على القبور، وزخرفتها وإسراجها، وعبادة الله عندها، أو تعليق شيء من الصور عليها، لا سيما وقد لعن صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك كما سيأتي.

(1) هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث، أدرجه المصنف -رحمهما الله تعالى- غير منسوب؛ لأنه معلوم عند غالب من يقرأ هذا الكتاب، وعنى -رحمه الله- أن الذين بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بهما كثير من الخلق، فأما فتنة القبور فلأنهم افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها تعظيما مبتدعا، فآل بهم إلى الشرك. وأما فتنة التماثيل- أي الصور- فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها وبنوا عليها المساجد، وصوروا فيها تلك الصور، آل بهم الأمر إلى أن عبدوها، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين، كاللات والعزى وود وغيرها، وهذه العلة هي التي لأجلها نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت الكثير من الأمم في ذلك، والفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام وأشد؛ فإن الشرك بقبر رجل يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدون عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ويلهجون بذكرهم أكثر مما يذكرون الله، وينفقون نفائس الأموال في ذلك، ولأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة.

قال شيخ الإسلام: وإذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بها، فهذا عين المحادة، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما قد علموه بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد، فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت=


 ولهما عنها قالت: " لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه(1)، فإذا اغتم بها كشفها(2)، فقال -وهو كذلك-: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"(3).

ـــــــــــــــــ

= النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه، وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وصرحوا بتحريم ذلك، ومن أطلق الكراهة منهم فينبغي أن تحمل كراهته على

التحريم، إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عنه، ولعن فاعله.

(1) نزل بضم النون وكسر الزاي، أي لما نزل به ملك الموت لقبض روحه الشريفة، والملائكة الكرام، وروى بالفتح، أي لما نزل به الموت. وفي رواية: نزلت، أي لما حضرت المنية والوفاة. و"طفق" بفتح الطاء وكسر الفاء وتفتح، أي جعل، "والخميصة" كساء له أعلام.

(2) أي إذا غمته فاحتبس نفسه عن الخروج كشفها عن وجهه؛ لشدة ما يعالج صلى الله عليه وسلم من كرب الموت.

(3) أي قال صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة الحرجة، وهي شدة النزع، لشدة اهتمامه، واعتنائه بمقام التوحيد، وخوفه أن يعظم قبره، كما فعل من مضى: "لعنة الله على اليهود والنصارى"، وفي لفظ: " قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " أي كنائس وبيعا، أي يتعبدون ويسجدون فيها لله، وإن لم يسموها مساجد، فإن الاعتبار بالمعنى لا بالاسم، وفي لفظ لمسلم: " كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ". ومثل ذلك القباب والمشاهد المبنية على=


 يحذر ما صنعوا(1)، ولولا ذلك لأبرز قبره(2)، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا". أخرجاه(3).

ـــــــــــــــــ

= قبور الأنبياء والصالحين، فإنما هي المساجد الملعون من بناها على قبورهم، فأفاد أن هذا من أخوف ما خافه صلى الله عليه وسلم على أمته، ولولا أن ضرره عظيم لما ذكره في هذا المقام، وخص قبور الأنبياء لأن عكوف الناس على قبور أنبيائهم أعظم، واتخاذها مساجد أشد، ولم يكن هذا اللعن في سياق الموت لهذه الطائفتين إلا على سبيل التحذير الشديد؛ لئلا تقع أمته في شيء من فعلهم عند قبره، فلعنهم على تحري الصلاة عندها، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله؛ لأنه ذريعة إلى عبادتها، فكيف إذا عبدها؟ وهذا هو الغاية التي يكون اتخاذ القبور مساجد ذريعة إليها، واللعنة ليست مختصة باليهود والنصارى، بل تعم من فعل فعلهم.

(1) هذا من كلام عائشة -رضي الله عنها- أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى تحذيرا لأمته أن يفعلوا ما فعلت اليهود والنصارى، فيقع بهم من اللعنة ما وقع بهم، فإنه من الغلو في الأنبياء، وأعظم وسائل الشرك، قال القرطبي: ((وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام)).

(2) وفي لفظ: لأبرزوا قبره، أي ولولا تحذير النبي صلى الله عليه وسلم ما صنعوا، ولعنه من فعل ذلك لأبرز قبره، أي لدفن خارج بيته، أو مع قبور الصحابة الذين كانت قبورهم في البقيع.

(3) أي البخاري ومسلم، ويغنى عنه قوله في أوله: ولهما؛ فلعله سبقة قلم، و"خشي" روي بفتح الخاء وضمها، فعلى الفتح يكون هو الذي خشي ذلك صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يدفنوه في المكان الذي قبض فيه، وعلى رواية الضم يحتمل أن يكون الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الأمة، فلم يبرزوا=


 ولمسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه(1) قال: " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس(2) وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل(3)؛

ـــــــــــــــــ

= قبره خشية أن يقع ذلك غلوا وتعظيما، لما تقرر عندهم من مناقضة ذلك لدين الإسلام، بما أبدى وأعاد صلى الله عليه وسلم من النهي والتحذير منه ولعن فاعله. قال القرطبي: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأعلوا- حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره، خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة، إذا كان مستقبل المصلي، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره.

قال المصنف: وفيه ما ذكر صلى الله عليه وسلم فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه على قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل، والنهي عن التماثيل، وتغليظ الأمر في ذلك، ونهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر، وأنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، ولعنه إياهم على ذلك، وأن مراده بذلك تحذيرنا عن قبره، ومنها العلة في عدم إبراز قبره.

(1) هو أبو عبد الله البجلي العلقي، والعلق بطن من بجيلة من كهلان، ويقال: جندب الخير، وينسب إلى جده سفيان، صحابي مشهور، مات بعد الستين.

(2) أي خمس ليال، وقيل خمس سنين، والأول أظهر؛ لكونه لعن أيضًا وهو في سياق الموت من فعله.

(3) نفى أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله عز وجل والخليل المنقطع إليه، المحبوب غاية الحب، مشتق من الخلة بفتح الخاء وهي تخلل المودة في القلب، كما قال الشاعر:=


 فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا(1)، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا(2)، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد(3)،

ـــــــــــــــــ

قد تخللت مسلك الروح مني

وبذا سمي الخليل خليلا

والخلة فوق المحبة، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة، وبرئ من الشيء سلم وخلص. قال القرطبي: ((وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه صلى الله عليه وسلم قد امتلأ من محبة الله وتعظيمه ومعرفته، فلا يسع لمخالة غيره)).

(1) أي فلا أريد مع خلة ربي أحدا، بل حسبي ذلك؛ لئلا تزاحم خلة غيره خلته، وفيه إثبات أنه خليل الله، ولا ينافي عبوديته لله.

(2) فيه إثبات فضيلة الصديق رضي الله عنه؛ إذ لو كان النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الفرض والتقدير متخذا خليلا لاتخذ أبا بكر، وفي صحيح مسلم: " ولكن أخي وحبيبي ". قال المصنف: فيه الرد على الرافضة والجهمية اللتين هما شر أهل البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة. وفيه التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة، وفيه إشارة إلى خلافته؛ لأن من كانت محبته لشخص أشد، كان أولى بالنيابة عنه من غيره، وقد استخلفه على الصلاة بالناس، وغضب لما قيل له: يصلي بهم عمر، وذلك في مرضه الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم. واسم أبي بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، الصديق الأكبر، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفضل الصحابة بالإجماع، ومناقبه مشهورة، مات 13 هـ، وله 63.

(3) (ألا) حرف استفتاح، واتخاذها إما أن يكون سجودا لها تعظيما وعبادة، أو توجها منهم إليها حالة الصلاة، جمعا بين العبادة وتعظيم الأنبياء، وعلى كل تقدير فإنهم يستحقون اللعن بذلك، والحديث أعم من ذلك، فيشمله ويشمل بناء المساجد والقباب عليها.


 ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك(1) ". فقد نهى عنه في آخر حياته(2)، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله(3)، والصلاة عندها من ذلك(4) وإن لم يبن مسجد(5)،

ـــــــــــــــــ

(1) يحذر الأمة أن تتخذ القبور مساجد كالذين من قبلهم، وأكد النهي فقال: "فإني أنهاكم عن ذلك" أي عن اتخاذها مساجد، سدًّا لذريعة الشرك، ففيه النهي عن اتخاذ القبور مساجد من ثلاثة أوجه:

(الأول) ذم من كان قبلهم على ذلك.

(والثاني) تحذيرهم أن لا يتخذوها.

(والثالث) قوله: "فإني أنهاكم عن ذلك" فبالغ في النهي، نصيحة لأمته عن أعظم ما يحل بهم.

(2) أي كما في حديث جندب، وهذا وما بعده من كلام شيخ الإسلام.

(3) كما في حديث عائشة رضي الله عنها؛ لأن التردد على القبور يوجب التأله لأربابها، ويورث عبادتهم، و (سياق) أصله سواق، قلبت الواو ياء لكسر السين، وسياق وسواق مصدران من ساق يسوق، والمراد سياق الموت، سمي بذلك كأن روحه الشريفة تساق لتخرج من البدن.

(4) أي من اتخاذها مساجد، فمن صلى عند القبور فقد اتخذها مساجد، فهو داخل في لعن الرسول صلى الله عليه وسلم ومرتكب نهيه شاء أم أبى، وفائدة التنصيص على زمن النهي، يقضي بأنه من الأمر المحكم الذي لم ينسخ؛ لكونه صدر في آخر حياته صلى الله عليه وسلم.

(5) أي إن الصلاة عند القبور وإليها من اتخاذها مساجد الملعون من فعله، ولو بدون بناء مساجد.


 وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجدا(1)؛ فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا(2)، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا(3)، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا(4).

ـــــــــــــــــ

(1) أي معنى قول عائشة رضي الله عنها: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا، كما اتخذت اليهود والنصارى قبور أنبيائهم مساجد، وعن أبي سعيد مرفوعا: " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ". أخرجه الخمسة. وفي الصحيح أن " عمر رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر، فقال: القبر القبر " فإنه مستقر عندهم ما نهاهم عنه النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عند القبور، وفي هذا وأمثاله إبطال زعم من زعم أن النهي لأجل النجاسة، وهو أبعد شيء عن مقاصد الشارع، بل العلة الخوف على الأمة من نجاسة الشرك، كما هو معلوم من النصوص المستفيضة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

(2) لما علموا من تشديده صلى الله عليه وسلم في ذلك وتغليظه، ولعن من فعله.

(3) لكونه أعد لها، وإن لم يبن فيه مسجد، و (قصد إلى الشيء) توجه إليه.

(4) وإن لم يقصد بذلك، كما إذا عرض لمن أراد أن يصلي، فأوقع الصلاة في ذلك الموضع الذي حانت الصلاة عنده، من غير أن يقصد ذلك الموضع بخصوصه، فإنه يصير بفعل الصلاة فيه مسجدا، فالأول في الأمكنة المعدة للصلاة، وهذا في أي موضع صلى فيه وإن لم يعد لها.


 كما قال صلى الله عليه وسلم: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "(1). ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء(2)، والذين يتخذون القبور مساجد(3) ".

ـــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي "، وفيه: " وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "، فسمى الأرض مسجدا، بمعنى أنه تجوز الصلاة في كل بقعة منها، إلا ما استثنى من المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها، كالمقبرة والمكان النجس، قال البغوي: أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، فأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا، تخفيفا عليهم وتيسيرا، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم.

وقوله: " طهورا" أراد به التيمم، وفيه المبالغة في النهي عن بناء المساجد عند القبور كيف بين لهم أولا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في النـزع لم يكتف بما تقدم، بل لعن حالة النـزع من فعل ذلك.

(2) أي ينفخ في الصور نفخة الفزع وهم أحياء أو مقدماتها، كخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، وهذا أيضًا من أبلغ التغليظ؛ فإنه أخبر عمن تقوم عليهم الساعة أنهم هم شرار الخلق، كقوله: " ويبقى شرار الناس "، وقوله: " حتى لا يقال في الأرض الله الله ". و(شرار الناس) بكسر الشين: جمع شر، ضد خيارهم.

(3) أي وإن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد بالصلاة عندها وإليها، وبناء المساجد عليها، وتقدم في الأحاديث الصحيحة أن هذا من عمل اليهود والنصارى، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لعنهم على ذلك، تحذيرا للأمة أن يفعلوا مع نبيهم وصالحيهم فعلهم، وهـذا المعنى متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم=


 ورواه أبو حاتم في صحيحه(1).

ـــــــــــــــــ

= معلوم بالاضطرار من دينه، وكل ذلك شفقة منه صلى الله عليه وسلم على الأمة، وخوف من أن يقودهم ذلك إلى الشرك بها وأصحابها، وتقدم الإجماع على النهي عن البناء على القبور، والقطع بتحريمه، وفي صحيح مسلم: "نهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه".

قال شيخ الإسلام: لا فرق بين الجديدة والعتيقة، انقلبت تربتها أو لم تنقلب، ولا فرق أن يكون بينه وبين الأرض حائل أولا، لعموم الاسم وعموم العلة، وإن كان موضع قبر أو قبرين؛ لأنه لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ومعلوم أن قبورهم لا تنجس، فمن علق النهي بنجاسة التربة خاصة، فهو بعيد عن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تجوز في مسجد بني في مقبرة سواء كان له حيطان تحجز بينه وبين القبور، أو كان مكشوفا، وفي صحيح مسلم من حديث أبي مرثد: " لا تصلوا إلى القبور". وقال ابن القيم: ((وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول مقاصده، جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغة: "لا تفعلوا"، "إني أنهاكم" ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحق بمن عصاه؛ فإن هذا وأمثاله صيانة منه لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك، وغضب لربه أن يعدل به سواه)) اهـ. وقد وقع بسبب البناء على القبور من المفاسد التي لا يحيط بها على التفصيل إلا الله، ما يغضب لله من أجله من في قلبه رائحة إيمان، ولقد أبدى صلى الله عليه وسلم وأعاد، وحذر من ذلك، حتى في النزع سدا لذريعة الشرك قبل وقوعه، وتحذيرا للناس منه، وقد طبق العالم اليوم، وعادت الجاهلية الأولى، بل زادوا عليهم دعاءهم في الشدائد، واعتقاد النفع والضر فيهم من دون الله عز وجل فإنا لله وإنا إليه راجعون.

(1) أبو حاتم هو محمد بن حبان، تقدمت ترجمته، وأن أصح ما صنف في الصحيح بعد الصحيحين صحيح ابن خزيمة فابن حبان فالحاكم.


 باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله(1)

روى مالك في الموطأ(2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يُعبد(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) أي ذكر ما ورد من الدليل والبرهان أن الغلو- وهو مجاوزة الحد- في قبور الأنبياء والصالحين بالبناء عليها، واتخاذ المساجد عليها، والصلاة عندها، والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع الغلو يجعلها أوثانا؛ لأنه يورث التأله والعبادة شيئًا فشيئًا، والوثن يعم الأصنام وغيرها مما يعبد من دون الله، كما عبدت اللات والعزى ومناة وغيرها.

(2) أي روى مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، إمام دار الهجرة، أحد الأئمة الأربعة، وأحد الحفاظ. قال أحمد: ((مالك أثبت في كل شيء)). وقال البخاري: ((أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر)). وروى عن جماعة من التابعين، نافع وغيره، وعنه الشافعي والأوزاعي وخلق، ولد سنة 93 هـ، ومات سنة 179 هـ.

روى هذا الحديث عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلا، ومرسله ثقة. ورواه البزار عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد مرفوعا، وسنده من تقبل زيادته، وله شاهد عند أحمد من حديث أبي هريرة، والموطأ اشتهر في عصره حتى قال الشافعي: ((ما تحت أديم السماء كتاب أكثر صوابا بعد كتاب الله من موطأ مالك)). وهو كما قال؛ فإن حديثه أصح من حديث نظرائه.

(3) خاف صلى الله عليه وسلم أن يقع في أمته ذلك، كما وقع من اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، فرغب إلى ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، وقد استجاب=


 اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد(1) ". ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد(2):

ـــــــــــــــــ

= الله دعاءه فصان قبره، وأحاطه بثلاثة جدران، مثلثة لا يستطيع أحد الوصول إليه ولا استقباله.

قال ابن القيم:

فأجاب رب العالمين دعاءه

وأحاطه بثلاثة الجدران

حتى غدت أرجاؤه بدعائه

في عزة وحماية وصيان

فدل الحديث على أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لو عبد لكان وثنا، لكن حماه الله بما حال بينه وبين الناس، فلا يوصل إليه، ودل على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها، وقد عظمت الفتنة بالقبور بتعظيمها وعبادتها، حتى اتخذت دينا يضلل من أنكر عبادتها.

(1) أتى صلى الله عليه وسلم بهذه الجملة بعد دعائه ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، تنبيها على سبب لحوق شدة الغضب عليهم ولعنهم، وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد، وفيه إشارة إلى ما ترجم له المصنف، وفيه تحريم البناء على القبور والصلاة عندها، وأنه من الكبائر. وكره مالك أن يقول: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وعلل الكراهة بقوله: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".

قال المصنف: ((وفيه أنه لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه)).

(2) ابن جرير هو الإمام الحافظ محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، وقيل: يزيد بن كثير بن غالب الطبري من أهل آمد طبرستان، صاحب التفسير والتاريخ والأحكام وغيرها. قال ابن خزيمة: ((لا أعلم على وجه الأرض أعلم من محمد بن جرير)). وكان من المجتهدين، وله أصحاب يتفقهون على مذهبه، ولد سنة 224 هـ، ومات سنة 310هـ.

وسفيان هو ابن سعيد بـن مسروق الثـوري من ثـور بن عبد مـناة بـن أد=


 "}أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى{ قال: كان يلت لهم السويق(1)، فمات فعكفوا على قبره "(2).

ـــــــــــــــــ

= ابن طابخة، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه مجتهد، وله أيضًا أتباع يتفقهون على مذهبه، مات سنة 161 هـ، وله 64.

ومنصور هو ابن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة أبو عتاب السلمي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، روى عن أبي وائل والنخعي والحسن وغيرهم، وعنه أيوب والأعمش وغيرهما، مات سنة 132 هـ، ومجاهد هو ابن جبر بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة أبو الحجاج المخزومي المقري، مولى السائب المكي، ثقة إمام في العلم والتفسير، أخذه عن ابن عباس وغيره، وروى عن علي والعبادلة وغيرهم، وعنه عطاء وعكرمة وغيرهما، ولد سنة 21 هـ، ومات وهو ساجد سنة 104 هـ.

(1) أي للحاج، والسويق دقيق الحنطة أو الشعير، ولته خلطه وبله بالسمن أو الماء.

(2) وفي رواية: كان اللات رجلاً في الجاهلية، وكان له غنم، فكان يسلو من رسلها، ويأخذ من زبيب الطائف والأقط، فيجعل منه حيسا، فيطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللات، رواه سعيد بن منصور والفاكهي. والمعنى أن اللات كان رجلاً صالحًا يطعم الحجاج السويق، فلما مات غلوا فيه وعظموه لأجل عمله الصالح الذي كان يعمله، فعكفوا على قبره حتى عبدوه، وصار قبره وثنا من أوثان المشركين، فقد تقرر أن سبب عبادة اللات هو الغلو في قبره حتى صار وثنا يعبد، كما كان ذلك هو السبب في عبادة الصالحين ود وسواع وغيرهما، وكما كان ذلك هو السبب في عبادة الصالحين اليوم من الأموات وغيرهم، فإنهم غلوا فيهم، وبنوا على قبورهم القباب والمشاهد، وجعلوها ملاذا لقضاء المآرب، وهو الشاهد للترجمة. والعكوف على الشيء: الإقبال عليه مواظبا والاحتباس فيه، والاستدارة حوله، ومنه الاعتكاف في المساجد.


 وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج(1). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور(2)،

ـــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم عن أبي الأشعث عن أبي الجوزاء، وهو أوس بن عبد الله الربعي بفتحتين من ربيعة الأزد، روى عن أبي هريرة وابن عباس وغيرهما، وعنه بديل وقتادة والأشعث وغيرهم، ثقة مشهور مات سنه 83 هـ.

(2) اللعن: الطرد والإبعاد ويقع بالقول، "وزائرات " جمع زائرة، وفي رواية "زوارات القبور"، وفيه دلالة صريحة على تحريم زيارة النساء القبور وهو قول أكثر أهل العلم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور نهيا عاما، ثم أذن فيه بقوله: "فزوروها" وحديث الإذن مخصص بهذا الحديث، فهو من العام المخصوص، ولم تدخل النساء في الإذن لأوجه: (منها) أن قوله: "فزوروها" صيغة تذكير، ولو كان للعموم لكان النساء على عهده صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه يزرنها. (ومنها) أنه علل الإذن للرجال بأن ذلك يذكر الموت، ويرقق القلب، وتدمع العين، والمرأة يخرجها إلى الجزع والندب والنياحة لما فيها من الضعف، والعلة في المنع أنهم كانوا حديثي عهد بكفر، فلما طال مكثهم في الإسلام نسخ لزوال العلة، والعلة في النساء باقية بحالها، وليس في زيارتهن من المصلحة ما يعارض تلك المفسدة؛ لأنه ليس في زيارتهن إلا دعاؤهن للميت، أو اعتبارهن به، وذلك ممكن في بيوتهن، وفي الحديث: " ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت ". وفي الصحيح نهيه النساء عن اتباع الجنائز.


 والمتخذين عليها المساجد والسرج(1)". رواه أهل السنن(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخذين على القبور المساجد المبنية، والموقدين عليها السرج وكذا الصلاة عندها، والدعاء ونحو ذلك، وهذا حرام باتفاق العلماء. وفي صحيح مسلم: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها ". وإذا كانت المساجد بنيت لذكر الله، وقراءة القرآن والصلاة، كانت القبور بذلك مساجد. قال ابن القيم: ((اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها من الكبائر)). ووجه إيراد المصنف هذا الحديث في هذا الباب دون الذي قبله هو أنه لعن المتخذين عليها المساجد والسرج، وقرن بينهما، فهما قرينان فدل على أنه لأجل نجاسة الشرك؛ إذ ليس لعن المسرجين من أجل نجاسة البقعة، فكذا البناء.

(2) أبو داود والترمذي وابن ماجه، ولم يخرجه النسائي، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه من طريقين: عن أبي هريرة عند أحمد والترمذي وصححه، وعن حسان عند ابن ماجه.

قال شيخ الإسلام: ((هذا الحديث تعددت طرقه، فهو في الأصل معروف، ومثله حجة بلا ريب)).


 باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك(1)

وقـول الله تـعـالى: }لَقَـدْ جَـاءَكُمْ رَسُــولٌ مِـنْ أَنْفُسِكُمْ

ـــــــــــــــــ

(1) المصطفى المختار، والجناب هو الجانب، والمراد حمايته صلى الله عليه وسلم التوحيد عما يقرب منه، أو يخالفه من الشرك وأسبابه؛ إذ هو أعظم الفرائض، بل لا تصح إلا به، وهو الذي جاءت الرسل بالقيام به، والنهي عما ينافيه، ومع حمايته لجنابه أجتهد في سد كل طريق يوصل أمته إلى الشرك، وحذر وأنذر، وأبدى وأعاد، وخص وعم، وقطع الوسائل والذرائع المفضية إليه، فصلّى الله عليه وسلّم كما بلغ البلاغ المبين، وفي الأبواب المتقدمة شيء من حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، ولكن أراد المصنف -رحمه الله- هنا حمايته الخاصة.

(2) يخبر تعالى عباده على سبيل الامتنان أنه بعث فيهم رسولا عظيما، أرسله إليهم من أنفسهم، أي من جنسهم، يرجعون معه إلى نفس واحدة، وبلغتهم ولسانهم، يعرفونه ويتحققون مكانه، ويعلمون صدقه وأمانته ونصيحته وشفقته، وذلك أقرب وأسرع إلى فهم الحجة، وأبعد من اللجاجة، ويقتضي مدحا لنبيه صلى الله عليه وسلم وأنه من صميم العرب، كما قال تعالى: }لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ{ الآية.

وقال جعفر للنجاشي: ((إن الله بعث فينا رسولا منا، نعرف نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته)).


 عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ{(1) الآية. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تجعلوا بيوتكم قبورا(2)،

ـــــــــــــــــ

(1) أي شديد عليه جدا الذي يعنت أمته، وهو لحاق الأذى الذي يضيق به الصدر، ولا يهتدي للمخرج عنه، والذي يشق عليها من كفر وضلال

وامتحان، وفي الحديث: " بعثت بالحنيفية السمحة ". وفي الصحيح: " إن هذا الدين يسر "، فشريعته كلها سهلة سمحة كاملة، يسيرة على من يسرها الله عليه. وقوله: " حريص عليكم " أي راغب ومجتهد على هدايتكم، وحصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، والحرص شدة طلب الشيء على الاجتهاد فيه، حتى قال: " ما بقي شيء يقرب من الجنة، ويباعد من النار إلا وقد بينته لكم ". وقوله: }بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ{. أي بليغ الرأفة والشفقة بهم لا بغيرهم، كقوله تعالى: }وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ{. وقال عليه السلام: " ما بعث الله من نبي إلا كان عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم من شر ما يعلمه لهم ". فاقتضت هذه الأوصاف أن أنذر أمته وحذرهم عن الشرك الذي هو أعظم الذنوب، ولا ريب أن الإنذار عنه زبدة رسالته، وقد بين صلى الله عليه وسلم لأمته ذرائعه الموصلة إليه، وأبلغ في نهيهم عنها، ومن ذلك تعظيم القبور والغلو فيها، والصلاة عندها وإليها، ونحو ذلك مما يوصل إلى عبادتها، وهذا وجه الدلالة من الآية.

(2) أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور؛ لأن النهي عن الصلاة عند القبور قد تقرر عندهم، فنهاهم أن يجعلوا بيوتهم كذلك، وأمر بتحري العبادة فيها، ونهاهم عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى، ومن تشبه بهم من هذه الأمة. وفي الصحيحين: " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا ". ولمسلم: " لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه ". وفي هذا ونحوه إبعاد لأمته عن الشرك.


 ولا تجعلوا قبري عيدًا(1)، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم(2) ". رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات(3).

ـــــــــــــــــ

(1) نهى صلى الله عليه وسلم عن زيارة قبره على وجه مخصوص، واجتماع معهود كالعيد الذي يكون على وجه مخصوص في زمان مخصوص، وذلك يدل على المنع في جميع القبور؛ لأن قبره أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان، والعيد اسم لما يعود من الاجتماع العام ويتكرر على وجه معتاد، أو يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، من المعاودة والاعتياد، والمكان الذي يقصد فيه الاجتماع، وانتيابه للعبادة وغيرها، وهو الشاهد للترجمة، نهى أن يتخذ قبره عيدا للصلاة والدعاء وغير ذلك من وسائل الشرك، كما اتخذ المشركون أعيادا زمانية ومكانية، وقد أبطلها الشرع، وعوض عنها عيد الفطر وعيد الأضحى والكعبة والمشاعر.

(2) يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم عنه، فلا حاجة لكم إلى اتخاذه عيدا تنتابونه وترددون إليه لأجل ذلك، ومن اتخاذه عيدا أن تتكرر زيارته على وجه مخصوص، وتبليغه صلى الله عليه وسلم حيث صلي عليه من خصائصه. وقال الحسن بن الحسن: ((ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء)). وأنكر مالك: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى جعله عيدا.

(3) وقال الحافظ ابن عبد الهادي: هو حديث حسن، جيد الإسناد. وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحة.

وقال شيخ الإسلام: ((ومثل هذا إذا كان له شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة)).


 وعن علي بن الحسين(1) " أنه رأى رجلا يجيئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه(2) وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيدا(3)

ـــــــــــــــــ

(1) يعني ابن علي بن أبي طالب، المعروف بزين العابدين، أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم.

قال الزهري: ((ما رأيت قرشيا أفضل منه)). مات سنة 93 هـ، وأبوه الحسين، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته، حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهد يوم عاشوراء سنة 61 هـ، وله 56.

(2) الفرجة بضم الفاء وسكون الراء، وهي الكوة في الجدار والخوخة ونحوهما، والرجل المبهم صرح باسمه سعيد بن منصور في سننه أنه سهيل بن أبي صالح، قال: " رآني الحسن بن الحسن بن علي عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم ". وذكر الحديث. وفيه حرص السلف على قطع الوسائل والذرائع، وسد أبوابها المفضية إلى الشرك.

(3) فيه دليل على النهي عن قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها؛ لأن ذلك نوع من اتخاذها عيدا، ويدل أيضًا على أن قصد الرجل القبر لأجل السلام إذا لم يكن يريد المسجد من اتخاذه عيدا المنهي عنه، قال شيخ الإسلام: ما علمت أحدا رخص فيه؛ لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا، ويدل أيضًا على أن قصد القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه؛ لأن ذلك من اتخاذه عيدا وأنه لم يشرع، وكره مالك

لأهل المدينة كلما دخل الإنسان المسجد أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؛=


 ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم "(1).

ـــــــــــــــــ

= لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، وإنما كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون، فإذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا، ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة أفضل وأكمل، وكانت الحجرة في زمانهم يؤتى إليها من الباب، ومع التمكن لا يدخلون عليه، لا للسلام ولا للصلاة، ولا للدعاء لأنفسهم ولا لغيرهم، فلم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره؛ لنهيهم بقوله: " لا تتخذوا قبري عيدا " وغير ذلك، وإنما كان يأتي أحدهم من خارج، إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر يفعله، فيقول: " السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه "، ثم ينصرف ولا يقف للدعاء. قال شيخ الإسلام: لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة، فصار بدعة، واتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، وفي هذا الحديث أيضًا دليل على منع شد الرحل إلى قبره صلى الله عليه وسلم أو غيره من القبور والمشاهد؛ لأن ذلك من اتخاذها أعيادا، ومن أعظم أسباب الإشراك بها كما هو الواقع، واتفق الأئمة على المنع من ذلك؛ لما في الصحيحين: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ". فدخل في النهي شدها لزيارة القبور والمشاهد، بل هي أولى بالنهي، وإذا نوى بشد الرحل زيارة القبر فقط حرم، وإن نواه والمسجد جاز.

(1) وفيما رواه منصور عن أبي صالح: "ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء". فإن قيل: إذا سمع سلام المسلم عند قبره حصلت المزية بسلامه. قيل: هذا لو حصل الوصول إلى قبره كسائر قبور المسلمين، أما وقد منع الناس من الوصول إليه بثلاثة الجدران فلا تحصل المزية، سواء سلم عليه عند قبره، أو في مسجده إذا دخله،

أو في أقصى المشرق أو المغرب، فالكل يبلغه كما وردت به الأحاديث، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المسلم بنفسه، إنما فيها أن ذلك يعرض عليه، ويبلغه صلى الله عليه وسلم.


 رواه في المختارة(1).

ـــــــــــــــــ

(1) هو كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين. ومؤلفه هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ، ضياء الدين الحنبلي، أحد الأعلام. قال الذهبي: ((أفنى عمره في هذا الشأن، مع الدين المتين، والورع والفضيلة التامة والإتقان)). قال شيخ الإسلام:

((تصحيحه في مختارته خير من تصحيح الحاكم بلا ريب)). مات سنة 643 هـ.

وروى هذا الحديث أبو يعلى، والقاضي إسماعيل، ورواه سعيد بن منصور في سننه من طريقين عن أبي صالح وأبي سعيد مولى المهدي. قال شيخ الإسلام: ((فهذان المرسلان يدلان على ثبوت الحديث)). ا هـ.

وقد روي من وجوه مسندة. وقال الشارح حافظ عصره: ((هذا والذي قبله جيدان، حسنا الإسنادين)). قال شيخ الإسلام: ((فانظر هذه السنة، كيف مخرجها من أهل المدينة، وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا له أشد)).


 باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان(1)

وقول الله تعالى: }أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ{(2).

ـــــــــــــــــ

(1) لما ذكر المصنف -رحمه الله- التوحيد وما ينافيه من الشرك، أو ينافي كماله، أو ما يكون وسيلة إلى ما ينافيه، ذكر أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة بعبادة الأوثان، والوثن يطلق على كل من قصد بأي نوع من أنواع العبادة، من صنم أو قبر أو مشهد أو غير ذلك، لقول الخليل: }إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً{، مع قوله: (قالوا نعبد أصنامًا). وقال -عليه الصلاة والسلام- لعدي وفي عنقه صليب: " ألق عنك هذا الوثن ".

(2) (ألم تر) ألم تنظر (إلى الذين أوتوا) أعطوا (نصيبا) حظا (من الكتاب) اليهود والنصارى (يؤمنون) يصدقون (بالجبت) الشيء الفشل، الذي لا خير فيه من أمور الدين، وقال الجوهري: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر. (والطاغوت) الشيطان، وسيأتي تمام الكلام فيهما.

وقوله: }وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً{ أي يفضلون الكفار على المسلمين، بجهلهم وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم، وأخرج أحمد وغيره من غير وجه عن ابن عباس وغيره: " أنه جاء حيي بن الأخطب، وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا: أنتم أهل الكتاب، وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوما، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج من غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا، فأنزل الله هذه الآية ". قال=


وقوله: }قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ{(2).

ـــــــــــــــــ

= المصنف: وفيه معرفة الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع، هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ أي فالإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع هو موافقة أصحابها مع بغضها، ومعرفة بطلانها، كفعل علماء السوء مع أهل الحق، حرفة يهودية، ووراثة غضبية. ومطابقة الآية للترجمة أنه إذا كان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، فهذه الأمة التي أوتيت القرآن لا يستنكر ولا يستبعد أن تعبد الجبت والطاغوت؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن هذه الأمة ستفعل مثلما فعلت الأمم قبلها.

(1) يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (قل) يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب الطاعنين في دينكم الذي هو توحيد الله، وإفراده بالعبادة دون ما سواه (هل) أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة، مما تظنونه بنا في قولكم: لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا شرا من دينكم، وديننا هو توحيد الله وإفراده بالعبادة، وهم أنتم أيها المتصفون بهذه الصفات المذمومة المفسرة بقوله: (من لعنه الله) وأبعده من رحمته وطرده، (وغضب عليه) غضبا لا يرضى بعده أبدا (وجعل منهم القردة) أصحاب السبت (والخنازير) كفار مائدة عيسى. وعن ابن عباس: كلاهما من أصحاب السبت، فشبابهم مسخوا قردة، وشيوخهم مسخوا خنازير، وقد " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال: إن الله لم يهلك قومًا فجعل لهم نسلاً ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك " رواه مسلم.

(2) أي وجعل منهم من عبد الطاغوت، أي أطاع الشيطان فيما سول له، قال شيخ الإسلام: الصواب أنه معطوف على قوله: (من لعنه الله وغضب عليه) فهو فعل ماض، معطوف على ما قبله أي: ومن عبد الطاغوت، ولم يعد لفظ (من)؛=


 وقوله: }قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً{(1).

عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم(2) حذو القذة بالقذة(3)، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه(4).

ـــــــــــــــــ

= لأنه جعل هذه الأفعال كلها صفة لصنف واحد، وهم اليهود. وقوله: (أولئك شر مكانا) أي مما تظنون بنا (وأضل عن سواء السبيل) ومطابقة الآية للترجمة أنه إذا كان اليهود ممن عبد الطاغوت، فكذلك يكون في هذه الأمة.

(1) أي قال ذلك أصحاب الكلمة والنفوذ، في زمن أصحاب الكهف (لنتخذن عليهم مسجدا) ليعرفوا فيقصدهم الناس ويتبركون بهم، ذمهم الله بذلك، تحذيرا لنا أن نتخذ القبور أوثانا، وتقدم لعن النبي صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى لاتخاذهم المساجد على قبور أنبيائهم، وأن مراده تحذيرنا أن نفعل فعلهم، فيجرنا ذلك إلى الشرك، ويأتي إخباره بذلك، وهو وجه الاستدلال بالآية.

(2) "تتبعن" بضم العين وتشديد النون، أي لتسلكن طرق من كان قبلكم من الأمم، في عبادة الأوثان وغيرها مما ذمهم الله به، وهو الشاهد للترجمة، وبه أيضًا تظهر مناسبة الآيات للترجمة.

(3) بنصب "حذو" على المصدر، أي تحذون حذوهم، و "القذة" بضم القاف واحدة القذذ، وهي ريش السهم، مبالغة منه صلى الله عليه وسلم في الوصف، أي لتفعلن أفعالهم، ولتتبعن طرائقهم، حتى تشبهوهم وتحاذوهم في كل ما فعلوه، كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى وتساويها، لا تزيد واحدة على الأخرى.

(4) أي لو تصور دخولهم جحر ضب مع ضيقه لدخلتموه، لشدة سلوككم طريق من قبلكم، و "الجحر" بضم

فسكون غار الضب. وفي حديث آخر: " حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية لكان فيكم من يفعل ذلك ". وهذا كله شدة مبالغة =


 قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن ". أخرجاه(1).

ولمسلم عن ثوبان رضي الله عنه(2)

ـــــــــــــــــ

= منه صلى الله عليه وسلم وبيان أن أمته لا تدع شيئًا مما كان يفعله اليهود والنصارى إلا فعلته كله، لا تترك منه شيئًا، وقد أكد هذا الخبر بأنواع من التأكيدات، من ذلك اللام في قوة: والله لتتبعن، ثم بنون التوكيد، ثم بقوله: "حذو القذة بالقذة"، ثم بالغ أشد مبالغة في التشبه بهم، حتى إن اليهود والنصارى لو دخلوا جحر ضب لدخلته هذه الأمة، ولهذا قال سفيان بن عيينة وغيره من السلف: " من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى ".

(1) أي البخاري ومسلم واللفظ له، و "اليهود" بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سننهم؟ ويجوز النصب بفعل محذوف تقديره: تعني، و "من" استفهام تقرير، أي فمن القوم إلا هم، فبين صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ونحوه أن كل ما وقع من أهل الكتاب، مما ذمهم الله به في هذه الآيات وغيرها لا بد أن يقع جميعه في هذه الأمة، وهذا اللفظ وإن كان خبرا، فمعناه النهي عن متابعتهم، وهذا من علامة نبوته صلى الله عليه وسلم ومن معجزاته، فقد سلك كثير من أمته مسلك اليهود والنصارى في إقامة سائر شعائرهم في الأديان، وفي عاداتهم من تعظيم القبور، واتخاذها مساجد حتى عبدوها، وإقامة الحدود والتعزيرات على الضعفاء دون الأقوياء، وملابسهم ومراكبهم، والتسليم بالإشارة، واتخاذ الأحبار والرهبان أربابا، والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإقبال على كتب البدع والضلال، وغير ذلك مما نهى الله عنه.

(2) ثوبان يقال إنه من العرب، من بني حكمي بن سعد، وقيل من السراة، مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم اشتراه فأعتقه، وخدمه ولازمه إلى أن مات صلى الله عليه وسلم، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة 54 هـ.


 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها(1)، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها(2)، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) أي زواها جميعها، يقال: زويت الشيء، جمعته وقبضته، يريد تقريب البعيد منها، حتى اطلع عليه صلى الله عليه وسلم اطلاعه على القريب، بأن طويت له، وجعلت مجموعة كهيئة كف في مرآة ينظره، فأبصر ما تملكه أمته من أقصى مشارق الأرض ومغاربها، وفي رواية أبي داود: " فأريت مشارق الأرض ومغاربها ". قال القرطبي: ((ظاهر اللفظ يقتضي أن الله قوى إدراك بصره، ورفع عنه الموانع المعتادة، فأدرك البعيد من موضعه، كما أدرك بيت المقدس من مكة، وأخذ يخبرهم عنه وهو ينظر إليه)).

(2) زوي يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل، وأن يكون مبنيا للمفعول. ولأحمد وغيره: " إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها " وقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وقال القرطبي: ((هذا الخبر وجد مخبره كما قال صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة، الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق مما وراء خراسان والنهر، وكثير من بلاد السند والهند والصغد، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، ولذلك لم يذكر أنه أريه ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه)).

(3) بالنصب على البدلية، قال القرطبي: يعني به كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنز قيصر وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما، وقد قال: " والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " وعبر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأن الغالب عندهم الذهب، وبالأبيض عن كسرى؛ لأن الغالب عندهم الجوهر والفضة، =


 وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة(1)، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم(2)، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد(3)،

ـــــــــــــــــ

= وقد وجد ذلك في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله، وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر لما فتح بلاده.

(1) هكذا ثبت بأصل المصنف بالباء، وهي رواية في صحيح مسلم وغيره، وفي بعضها بحذفها، قال القرطبي: وكأنها زائدة؛ لأن عامة صفة السنة، والسنة الجدب الذي يكون به الهلاك العام، ويسمى الجدب والقحط سنة، ويجمع على سنين كقوله: }وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ{ أي الجدب المتوالي.

(2) أي لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم من الكفار، فيستأصل معظمهم وجماعتهم، وبيضة كل شيء حوزته، وقال الجوهري وغيره: بيضة القوم ساحتهم، سأل الله أن لا يسلط العدو على معظم المسلمين وجماعتهم وإمامهم ما داموا بهذه الأوصاف المذكورة، ولو اجتمع عليهم كل من بين أقطار الأرض حتى يقع منهم ما ذكر فقد يسلطون عليهم.

(3) أي إذا حكمت حكمًا مبرمًا نافذًا أو معلقًا فإنه لا يرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده، كما قال صلى الله عليه وسلم: " ولا راد لما قضيت "، وفي بعض الروايات قال: " دعوت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأجابني، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، وأجابني، وسألته الثالثة أن لا يجعل بأسهم بينهم شديدًا ومنعني هذا، وقال: حتى يهلك بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا ". وحتى هنا للغاية يعني إذا فعل بعضهم ببعض هكذا سلط عليهم العدو حينئذ، وما داموا مجتمعين على الحق فلا يسلط عليهم، ولكن عند فرقتهم يسلط عليهم عقوبة لهم.


 وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة(1)، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها(2) حتى(3) يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا ". ورواه البرقاني في صحيحه(4).

ـــــــــــــــــ

(1) ولفظ أبي داود: " ولا أهلكهم بسنة عامة " أي أعطاه الله سؤاله لأمته أن لا يهلكها بسنة عامة، وهي الجدب الذي يهلك أخضرهم ويابسهم، فأجاب الله دعاءه، وكان في الأمم السابقة عذاب الاستئصال بخلاف هذه الأمة، فإن الله -وله الحمد والمنة- قد دفع عنها ذلك، ببركة دعاء نبيها صلى الله عليه وسلم.

(2) أي وإني أعطيتك لأمتك أن لا أسلط عليهم عدوا من سواهم فيتولاهم جميعا، ويهلكهم ويذلهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض. ولفظ أبي داود: "من بين أقطارها"- جوانبها، أي لم يسلطهم الله عليهم، كما فعل بالأمم الماضية المكذبة، وهذا أيضًا من خصائص هذه الأمة ببركة نبينا صلى الله عليه وسلم.

(3) (حتى) لإنتهاء الغاية، أي أن أمرها ينتهي حتى يوجد ذلك منهم، فإن الله لا يسلط الكفار على معظم المسلمين وجماعتهم وإمامهم، ما داموا بضد هذه الأوصاف المذكورة في قوله: " حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا ". فأما إذا وجدت هذه الأوصاف فقد يسلط الكفار على جماعتهم ومعظمهم كما وقع، فقد سلط بعضهم على بعض، لكثرة اختلافهم وتفرقهم، ولكن بحمد الله لا تزال طائفة منهم باقية على الحق، تقوم بها الحجة على الخلق، منصورة كما سيأتي.

(4) البرقاني بفتح الباء، الموحدة وسكون الراء، نسبة إلى قرية كانت بنواحي خوارزم، خربت وكانت مزرعة. هو الإمام الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن محمد=


 وزاد: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين(1)،

ـــــــــــــــــ

= ابن غالب الخوارزمي الشافعي، روى عن الدارقطني وغيره، وعنه الخطيب وغيره. قال الخطيب: كان ثبتا ورعا، لم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفا بالفقه، كثير التصانيف. صنف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان، وجمع حديث الثوري وحديث شعبة وطائفة، وهذا المسند هو صحيحه الذي عزا إليه المصنف هذا الحديث. ولد سنة 336 هـ، ومات سنة 425 هـ.

وروى هذا الحديث أيضًا بتمامه أبو داود وغيره عن ثوبان.

(1) أي الأمراء والعلماء والعباد الذين يقتدى بهم الناس، وهم يحكمون في الناس بغير علم فيضلونهم ويضلونهم، فهم ضالون عن الحق، مضلون لغيرهم. قال تعالى: }وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ{.

وقال عمر لزياد بن حدير: " يا زياد هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين ". وقال معاذ: " احذروا زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم ".

وقال عبد الله بن المبارك:

وهل أفسد الدين إلا الملوك

وأحبار سوء ورهبانها

وأتى صلى الله عليه وسلم بإنما التي هي للحصر، بيانا لشدة خوفه على أمته من أئمة الضلال، فيوقعوهم في الإثم، لما أطلعه الله عليه من غيبه أنه سيقع، ولم يخف من جدب السنين ولا تسليط العدو.

وروى الدارمي " إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ".

وحذر صلى الله عليه وسلم أمته وأنذرهم عن الإحداث في الدين، وابتداع دين لم يشرعه الله ولعن من فعل ذلك، وأخبر الله تبارك وتعالى: أنه أكمل الدين، وأن القول عليه بغير علم رتبة فوق رتبة الشرك، فقال: }وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ{. فكل من أحدث حدثًا ليس في كتاب الله، ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فهو ملعون، وحدثه=


 وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة(1)، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين(2)، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان(3)،

ـــــــــــــــــ

= مردود، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ". وقال: " من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا". وقال: "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".

(1) وفي رواية أبي داود: " وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع إلى يوم القيامة ". وقد وقع كما أخبر، فإنه لما وقع بقتل عثمان رضي الله عنه لم يرفع، وكذلك يكون إلى يوم القيامة، ولكن يكثر تارة ويقل أخرى، ويكون في جهة دون أخرى.

(2) الحي واحد الأحياء، وهي القبائل، وفي رواية أبي داود: " حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين ". والمعنى أنهم يكونون معهم، ويرتدون برغبتهم عن الإسلام وأهله، ولحوقهم بأهل الشرك.

(3) الفئام مهموز: الجماعات الكثيرة. ولفظ أبي داود: " حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان " وهو الشاهد للترجمة، وفيه الرد على من أنكر وقوع الشرك وعبادة الأوثان في هذه الأمة مما هو مشاهد، وفي الصحيحين: " لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات دوس على ذي الخلصة " طاغية دوس التي كانوا يعبدونها في الجاهلية. وفي صحيح مسلم: " لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى ". وقيل: إن القبر المنسوب إلى ابن عباس في الطائف قبر اللات، فإن قيل: ورد? "أن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ". قيل: قد أجيب عنه بأجوبة منها: أن يأسه غير معصوم، ومنها أنه يئس أن تطبق على عبادة الأصنام.


 وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي(1)، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي(2)، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة(3)

ـــــــــــــــــ

(1) وفي رواية "دجالون"، والدجل التمويه، والمراد ممن تقوم لهم شوكة وتبدو لهم شبهة، وأما مطلقا فلا يحصون، قال القاضي عياض: ((عد من تنبأ ممن اشتهر بذلك وعرف واتبعه جماعة على ضلاله، فوجد هذا العدد فيهم)). اهـ.

وقد ظهر مصداق ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، ممن كان لهم أصحاب يصدقونهم ويأخذون بطريقهم، كمسيلمة باليمامة، والأسود باليمن، وطليحة في بني أسد، وسجاح في تميم، والمختار بن أبي عبيد في عصر ابن الزبير، والحارث في عصر عبد الملك بن مروان، وفي عصر بني العباس جماعة، وصار لكل منهم شوكة. وأما من ادعاها مطلقة فكثيرون، وغالبهم ينشأ فيهم عن جنون وسوداء، وقد أهلك الله من وقع منهم ذلك، واتضح كذبهم، وآخرهم الدجال الأكبر أعاذنا الله من فتنته.

(2) الخاتم بفتح التاء بمعنى الطابع، وبكسرها بمعنى فاعل الطبع والختم، أي "هوصلوات الله وسلامه عليه آخر النبيين، لا نبي يوحي الله إليه بعده إلى قيام الساعة، وقال تعالى: }وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ{.

قال الحسن: الخاتم الذي ختم به، وعيسى إنما ينزل في آخر الزمان حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم مصليا إلى قبلته، فهو كأحد أمته، بل هو أفضل هذه الأمة. قال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لينزلن فيكم عيسى ابن مريم حكما مقسطا، فليكسر الصليب، وليقتل الخنزير، وليضع الجزية ".

(3) قائمة بالعلم والجهاد والذب عن الدين، قال بعض السلف: هم أهل الحديث. ويحتمل أن تكون هذه الطائفة جماعة متعددة من أنواع المسلمين، منهم محدثون وفقهاء ومجاهدون وآمرون وناهون، والمراد العاملون بكتاب الله وسنة=


 لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم(1) حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى(2) ".

ـــــــــــــــــ

= نبيه صلى الله عليه وسلم ولا يلزم منه أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، ولا في قطر واحد، بل يجوز اجتماعهم في بلد وقطر وجهة، وافتراقهم في بلدان وأقطار وجهات من الأرض. وفي رواية: " لا تزال هذه الأمة قائمة " أي على أمر الله، ففيه حماية إجماع هذه الأمة عن أن تزل عن أمر الله، ولا تسمى أمته إلا الذين يعتد بإجماعهم، وفيه أن الإجماع حجة.

(1) كما أخبر الله بذلك في كتابه بنصره لهم، كما في قوله: }وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ{. وكقوله: }لِيُظْهِرَهُ{ أي يعليه وينصره: }عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ{ أي على سائر الأديان. وغيرهما من الآيات. قال المصنف: ((وفيه الآية العظيمة أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، والبشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة)).

(2) ونص شيخ الإسلام وغيره على تواتر " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله " أي إلى قيام الساعة، كما روى الحاكم من حديث عقبة ابن عامر: " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك ". ولعل المراد به ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قبض ما بقي من المؤمنين بالريح الطيبة، ووقوع الآيات العظام، ثم لا يبقى إلا شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة، وكل جملة من هذا الحديث علم من أعلام النبوة; فإن كل ما أخبر به صلى الله عليه وسلم مما يقع فيه وقع كما أخبر. و(تبارك) كمل وتعاظم وتقدس، جاء بناؤه على السعة والمبالغة من باب مجد، والمجد كثرة صفات الجلال والكمال، والسعة والفضل، فدل على كمال بركته وعظمها وسعتها، ولا يقال إلا لله سبحانه وتعالى كما أطلقه على نفسه في قوله: (تبارك الله رب العالمين) وغيرها، فهو سبحانه المتبارك، وما بارك فيه فهو المبارك. وقوله: (تعالى) أي تعاظم، جاء أيضًا على بناء السعة والمبالغة، فهو دال على كمال العلو ونهايته.


 باب ما جاء في السحر(1)

وقول الله تعالى: }وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَـا لَهُ فِـي الآخِرَةِ مِنْ

ـــــــــــــــــ

(1) أي من الوعيد وبيان منافاته للتوحيد، وتكفير فاعله. والسحر في اللغة: الصرف، وهو عبارة عما خفي ولطف سببه، سمي سحرًا لأنه بأمور خفية لا تدرك بالأبصار، أو لأنه يصرف الشيء عن جهته، وسحره عمل له السحر، وعن الأمر صرفه. وفي الحديث: " إن من البيان لسحرا " شبهه به لكون البيان يحصل منه ما يحصل من السحر، وسمي السحر سحرًا لأنه يقع خفيًا آخر الليل، وقوله: (سحروا أعين الناس) أخفوا عنهم عملهم، ولا يتوصل إليه إلا بالتقرب إلى الأرواح الخبيثة بشيء مما تحب، والاستعانة بالتحيل على استخدامها بالإشراك بها والاتصاف بهيئاتها الخبيثة، ولهذا لا يعمل السحر إلا مع الأنفس الخبيثة المناسبة لتلك الأرواح، وتأثيره بإذن الله الكوني القدري لا الشرعي الديني، فإن الله لم يأذن فيه. ولما كان من أنواع الشرك ذكره المصنف تحذيرا منه كغيره من أنواع الشرك، وهو عزائم ورقى وكلام يتكلم به، وأدوية وتدخينات وغير ذلك، ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه.

قال تعالى: }فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ{. وقال: }وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ{ يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن، وقد سحر لبيد بن الأعصم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر في بئر ذروان، حتى إنه ليخيل إليه صلى الله عليه وسلم أنه يفعل الشيء وما يفعله، وإنما هو في جسده الشريف، وظاهر جوارحه الكريمة، لا في عقله وقلبه، فلا يقدح في مقام النبوة.


خَلاقٍ{(1). وقوله: }يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ{(2). قال عمر: " الجبت السحر(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) أي ولقد علم أهل الكتاب الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان به، (لمن اشتراه) أي السحر ورضي به، عوضا عن شرع الله ودينه، لا نصيب له ولا حظ له في الآخرة، وأنه لا دين له، وهذا من أبلغ الوعيد، فدلت الآية على تحريمه، وهو كذلك محرم في جميع أديان الرسل، قال تعالى: }وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى{. وذهب أكثر السلف إلى أنه يكفر لقوله: }إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ{. وقوله: }وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ{. وما تلته هو السحر: }وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا{. وقوله: }يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ{.

وأجمع الأئمة على كفر من تعلمه واستعمله، إلا الشافعي فقال: إذا تعلمه قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر.

وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ المشهور في المذهب يقتل، وفاقا لمالك وقول بعض الصحابة، فإن قتل بسحره قتل إجماعا إلا أبا حنيفة فقال: حتى يتكرر، أو يقر بذلك في حق معين.

(2) قال الجوهري وغيره: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك، و (الطاغوت) مجاوزة الحد، وكل شيء جاوز المقدار والحد في العصيان فهو طاغوت.

(3) تفسير عمر هذا من تفسير الشيء ببعض أفراده، ومراده أن السحر داخل في الجبت، وفي الكليات: ((الجبت الشيطان أو الساحر)). اهـ، والجبت هو الباطل، والسحر منه؛ لأنه باطل خلاف الحق.


 والطاغوت الشيطان(1)". وقال جابر: " الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد(2)".

ـــــــــــــــــ

(1) رواه ابن أبي حاتم وغيره، وكذا قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وغيرهم، وهو أيضًا تفسير له ببعض أفراده. وقال الحافظ: ((قوله: الطاغوت الشيطان قوي جدا، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها)) ا هـ.

والطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فمعناه ما قاله ابن القيم: ((الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع)).

(2) جابر هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه، وأراد أن الكهان من الطواغيت، فهو من أفراد المعنى، وليس المراد الحصر، والشيطان أراد به الجنس لا الشيطان الذي هو إبليس خاصة، بل تنزل عليهم الشياطين ويخاطبونهم، ويخبرونهم بما يسترقون من السمع، فيصدقون مرة ويكذبون مائة كذبة، ويزيدون وينقصون، والحي واحد الأحياء وهم القبائل، أي في كل قبيلة كاهن يتحاكمون إليه ويسألونه عن المغيبات، ويخبرهم من إخبار الشيطان له، فلطاعته لها تنزل عليه، كما قال تعالى: }تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ{. وكذلك كان الأمر قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فأبطل الله ذلك بالإسلام، وحرست السماء بكثرة الشهب.

وهذا الأثر رواه ابن أبي حاتم بنحوه عن وهب، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها قال: إن في جهينة واحدا، وفي أسلم واحدا، وفي هلال واحدا، وفي كل حي واحدا، وهم كهان كانت تنزل عليهم الشياطين. ومطابقة هذا الأثر للترجمة أن الساحر طاغوت، إذ كان يطلق على الكاهن فالساحر أولى.


 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات(1)، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله(2)، والسحر(3)، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق(4)،

ـــــــــــــــــ

(1) اجتنبوا ابعدوا، وهو أبلغ من قول لا تفعلوا ودعوا واتركوا؛ لأن النهي عن القربان أبلغ من النهي عن المباشرة، قال تعالى: }وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ{ والموبقات المهلكات، جمع موبقة، سميت موبقات؛ لأنها تهلك فاعلها في الدنيا، لما يترتب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب.

وقال ابن عباس: ((هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع)). وفي رواية: ((إلى السبعمائة)).

(2) أي إحدى السبع الموبقات الشرك بالله وهو أن يجعل لله ندا يدعوه ويرجوه ويخافه كما يخاف الله، بدأ به لأنه أعظم ذنب عصي الله به، ولأن فاعله مخلد في النار، قال تعالى: }مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ{.

وقال: }إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{. ولما " سئل -عليه السلام- أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك ".

(3) أصله في اللغة: صرف الشيء عن وجهه كما تقدم، وقال البيضاوي: هو ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان، مما لا يستقل به الإنسان، وهو الشاهد من الحديث للترجمة.

(4) أي قتل النفس المسلمة المعصومة التي حرم الله قتلها إلا بالحق، أي بأن تفعل ما يوجب قتلها كالشرك، والنفس بالنفس، والزاني بعد الإحصان، واختلفوا في توبته، فقال ابن عباس وغيره: لا تقبل لقوله: }وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ{. وقال جمهور السلف والخلف: تقبل توبته لقوله تعالى بعد ذكر الشرك=


 وأكل الربا(1)، وأكل مال اليتيم(2)، والتولي يوم الزحف(3)، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات(4)".

ـــــــــــــــــ

= وقتل النفس: }إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً{. وعن ابن عباس ما يوافق قول الجمهور، وكذا قتل المعاهد، لقوله -عليه السلام-: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة ".

(1) وهو فضل مال بلا عوض، وأكله تناوله بأي وجه كان.

قال تعالى: }الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ{ إلى قوله: (وحرم الربا) قال ابن دقيق العيد: ((وهو مجرب لسوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك)).

(2) المراد التعدي فيه، وعبر بالأكل لأنه أعم وجوه الانتفاع، قال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً{. واليتيم في الأصل: المنفرد، وهو من مات أبوه ولم يبلغ.

(3) أي الفرار والإدبار عن الكفار وقت التحام القتال، وإنما يكون كبيرة إذا فر إلى غير فئة المسلمين، أو غير متحرف لقتال كما قال تعالى: }وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ{.

(4) القذف في الأصل الرمي البعيد، وشرعا الشتم والعيب والبهتان. و (المحصنات) جمع محصنة بفتح الصاد، أي التي أحصنها الله تعالى وحفظها من الزنا، وبالكسر التي حفظت فرجها من الزنا، والمراد بهن الحرائر العفيفات، ولا يختص بالمتزوجات، بل حكم البكر كذلك إجماعا، إلا من دون تسع سنين، وقال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{. وقذفهن رميهن بزنا أو لواط، والغافلات وصف أغلبي أي عن=


 وعن جندب مرفوعا:(1)" حد الساحر ضربه بالسيف "(2). رواه الترمذي وقال: (الصحيح أنه موقوف)(3).

ـــــــــــــــــ

= الفواحش وما رمين به، فهو كناية عن البريئات؛ لأن الغافل برئ عما بهت به، والمؤمنات بالله احترازًا من قذف الكافرات، فإنه ليس من الكبائر، وإن كانت ذمية فمن الصغائر، لا يوجب الحد، وفي الأمة المسلمة التعزير دون الحد، وأورد المصنف -رحمه الله- هذا الحديث غير معزو، وهو متفق عليه.

(1) هو جندب بن كعب بن عبد الله بن جزء بن عامر بن مالك بن عامر بن دهمان، الأزدي الغامدي، أبو عبد الله وربما نسب إلى جده، وهو جندب الخير، وفد مع قومه على النبي صلى الله عليه وسلم قاله الكلبي، وقال ابن حبان: صحابي وروى ابن السكن عن بريدة مرفوعا قال: "جندب وما جندب؟ يضرب ضربة فيكون أمة وحده"، وأخرج البخاري في تأريخه أنه كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانا فأبان رأسه، فعجبنا فأعاده، فجاء جندب الأزدي فقتله. زاد البيهقي: إن كان صادقا فليحيي نفسه، قتل جندب رضي الله عنه بصفين.

(2) روي بالهاء وبالتاء وكلاهما صحيح، وبهذا الحديث أخذ مالك وأحمد وأبو حنيفة فقالوا: يقتل الساحر. ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر

إلا إن عمل في سحره ما يبلغ به الكفر كما تقدم، وهو رواية عن أحمد. قال الشارح: والأول أولى؛ ولأثر عمر الذي ذكره المصنف، وعمل به الناس في خلافته من غير نكير فكان إجماعا.

(3) ورواه الطبراني عن جندب البجلي. وقال الحافظ: ((الصواب أنه غيره)). وقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من وجهين عن الحسن عن جندب الأزدي " أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات; وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. فذكره."


 وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة(1) قال: " كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة(2). قال: فقتلنا ثلاث سواحر "(3).

وصح عن حفصة -رضي الله عنها- " أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت "(4).

ـــــــــــــــــ

(1) بجالة بفتحتين وعبدة بفتحتين، العنبري التميمي بصري ثقة، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وكان كاتبا لجزء بن معاوية في خلافة عمر.

(2) ظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو المشهور عن أحمد، وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة. وعنه يستتاب وفاقا للشافعي، واختاره الشيخ وغيره؛ لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، وصحح الشارح الأول لظاهر عمل الصحابة، فلو كانت الاستتابة واجبة لفعلوها أو بينوها، وقياسه على المشرك لا يصح؛ لأنه أكثر فسادا وتشبيها من المشرك وقال الشيخ وغيره: إن رأى الإمام قتله كالزنديق فله ذلك للمصلحة.

(3) أي قال ذلك بجالة، ولم يذكر البخاري قتل السواحر، ولعل المصنف -رحمه الله- أراد أصله لا لفظه، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والبيهقي والقطيعي وغيرهم.

(4) أي الجارية، وهذا الأثر يؤيد قتل الساحر. وقد رواه عبد الرزاق ومالك في الموطأ في (باب ما جاء في الغيلة والسحر) وقال بعد ذلك: الساحر الذي يعمل السحر ولم يعمل ذلك له غيره، هو مثل الذي قال

الله فيه: }وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ{.

وحفصة هي أم المؤمنين ابنة عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد خنيس بن حذافة سنة 2 أو 3 هـ بعد عائشة، ولدت قبل البعثة بخمس، وماتت سنة 41 أو 45 هـ.


 وكذلك صح عن جندب(1). قال أحمد: (عن ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أشار المصنف -رحمه الله- إلى جندب بن كعب بن عبد الله الأزدي قاتل الساحر المتقدم ذكره، وتعددت الطرق عنه به.

(2) أي قال أحمد بن حنبل -رحمه الله-: صح قتل الساحر أو جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني عمر وحفصة وجندب. وروي عن عثمان وابن عمر وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز، وهو المشهور عند أكثر أهل العلم، وعمل به في خلافة عمر من غير نكير.


 باب بيان شيء من أنواع السحر(1)

قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر(2) حدثنا عوف عن حيان بن العلاء(3) حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه(4)

ـــــــــــــــــ

(1) لما ذكر المصنف -رحمه الله- ما جاء في السحر ذكر شيئًا من أنواعه لكثرة وقوعها، وخفائها على الناس، حتى اعتقد كثير أن من صدر عنه خارق فهو ولي لله، وحتى آل الأمر إلى أن عبد أربابها، وهذا العمل بعينه من الناس أحوال شيطانية، واستدراج من الشيطان لبني آدم إلى الشرك، ولا بد للمسلم أن يفرق بين ولي الله وبين عدو الله، من ساحر وكاهن ونحوهم، ممن قد يجري على يديه شيء من الخوارق، وأولياء الله هم أحبابه المتقربون إليه بالطاعات وترك المحرمات، وإن لم تجر على أيديهم خوارق، وإن جرت فكرامة من الله، وليست وحدها دليلا على الولاية.

(2) هو أبو عبد الله المعروف بغندر الهذلي مولاهم البصري، ثقة روى عن شعبة وخلق، ولازمه عشرين سنة، وعنه الإمام أحمد وغيره مات سنة 206 هـ.

(3) عوف هو ابن أبي جميلة، أبو سهل العبدي البصري، المعروف بعوف الأعرابي، روى عن أبي العالية والحسن وجماعة، وعنه شعبة والثوري وغيرهم، مات سنة 146 هـ، وله 86 سنة. وحيان بن العلاء، ويقال: أبو العلاء البصري مقبول.

(4) قطن بفتحتين أبو سهل البصري صدوق، وأبوه قبيصة بفتح أوله ابن مخارق بن شداد بن معاوية بن ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر البصري، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ونزل البصرة.


 أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت(1) ". قال عوف: " العيافة زجر الطير والطرق الخط يخط بالأرض "(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي السحر، قال القاضي: والجبت في الأصل الشيء الفشل الذي لا خير فيه، ثم استعير لما يعبد من دون الله، وللساحر والسحر.

(2) والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادات العرب، ولذلك صار كثيرا في أشعارهم.

ويقال: عاف يعيف عيفة إذا زجر وحدس وظن، والاعتبار في ذلك غالبا بأسمائها كما يتفاءل بالعقاب على العقاب، وبالغراب على الغربة، بالهدهد على الهدى، والفرق بينها وبين الطيرة أن الطيرة هي التشاؤم بها، وقد تستعمل في التشاؤم بغير الطير من حيوان وغيره، وكانت بنو أسد يذكرون بالعيافة ويوصفون بها، حتى قيل إن قوما من الجن تذاكروا عيافتهم، فأتوهم فقالوا: ضلت لنا ناقة فلو أرسلتم معنا من يعيف، فقالوا لغليم منهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم فلقيهم عقاب كاسرة أحد جناحيها، فاقشعر الغلام وبكى، فقالوا: ما لك؟ فقال: كسرت جناحا، ورفعت جناحا، وحلفت بالله صراخًا، ما أنت بإنسي وما تبغي لقاحا.

(3) يخطه الرمالون وغيرهم ويدعون به علم المغيبات. وقال ابن عباس: هو الذي يخطه الحازر، يأتي صاحب الحاجة فيعطيه حلوانا، فيقول له: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازر غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطا كثيرة بالعجلة، لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: أبن عيان أسرع البيان، فإن بقي خطان فهو علامة النجح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة، وأما ما رواه مسلم وغيره عن=


 "والجبت قال الحسن: رنة الشيطان ". إسناده جيد(1). ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه(2).

ـــــــــــــــــ

= معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومنا رجال يخطون. فقال: " كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك ". فقال النووي وغيره: من وافق خطه فهو مباح له، لكن لا طريق لنا إلى العلم باليقين بالموافقة، فلا يباح بل يصير من أنواع الكهانة، لمشاركته لها في المعنى اهـ.

قال المصنف: وخط ذلك النبي عدم لا يوجد من يعرفه. وفي النهاية وغيرها: الطرق الضرب بالحصى والودع والخرز الذي يفعله النساء. قال الشارح: وأيا ما فهو من الجبت.

(1) الحسن هو ابن أبي الحسن البصري المشهور، واسم أبيه يسار الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل مات سنة 110 هـ، وقد جاوز 90 سنة، فسر -رحمه الله- الجبت ببعض أفراده. قال المصنف: ((عادة السلف يفسرون اللفظ العام ببعض أفراده، وقد يكون السامع يعتقد أن ذلك ليس من أفراده، وهذا كثير في كلامهم جدا، ينبغي التفطن له)) ا هـ.

والرنين هو الصوت، ورن يرن رنينا: صوت وصاح ورفع صوته بالبكاء، والرنة الواحدة والصوت، وله رنة أي صيحة فالمعنى صوت توجعًا وتغيظًا، ويدخل فيه كل أصوات الملاهي وغيرها.

وأضافه إلى الشيطان لأنه الذي يدعو إلى ذلك، وذكر بقي بن مخلد في تفسيره وغيره أن إبليس رن أربع رنات: رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورنة- حين نزلت فاتحة الكتاب. وعن سعيد بن جبير أنه لما لعن تغيرت صورته، ورن رنة فكل رنة منها إلى يوم القيامة. وعن ابن عباس: " لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة رن إبليس واجتمعت إليه جنوده ".

(2) أي رووا من هذا الحديث ما أسند عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكروا التفسير الذي فسره ابن عوف، وقد رواه أبو داود بالتفسير المذكور بدون قول الحسن رحمه الله.


 وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر(1)، زاد ما زاد ". رواه أبو داود بإسناد صحيح(2).

ـــــــــــــــــ

(1) اقتبس أخذ وحصل وعلم، وقبست العلم واقتبسته إذا علمته، والقبس الشعلة من النار، واقتباسها أخذها منها، والشعبة الطائفة والقطعة، ومنه: " الحياء شعبة من الإيمان " أي جزء منه ولفظ أبي داود: " من اقتبس علما من النجوم "، وإنما شبه صلى الله عليه وسلم علم النجوم بعلم السحر؛ لأن حرمته منصوصة في القرآن العزيز، أي من علم طائفة من علم النجوم المحرم فقد اقتبس شعبة من السحر المحرم تعلمه، ولفظ رزين: "من اقتبس بابا من علم النجوم بغير ما ذكر الله، فقد اقتبس شعبة من السحر".

فصرح صلى الله عليه وسلم بأن علم النجوم من السحر، وقال تعالى: }وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى{.

(2) وصححه الذهبي والنووي، رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما، ولفظ أحمد: "ما زاد زاد" أي كلما زاد المقتبس من تعلم النجوم زاد اقتباسه من شعب السحر، وفي الإثم الحاصل بزيادة الاقتباس من شعبه، وزيادة البعد من الله، فإنما يعتقدونه في النجوم من معرفة الحوادث التي لم تقع، وربما تقع في مستقبل الزمان، مثل إخبارهم بوقت هبوب الرياح، ومجيء المطر ووقوع الثلج، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار ونحوها، ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب، واجتماعها وافتراقها باطل، كما أن تأثير السحر باطل، بل هو مما استأثر الله به.

قال تعالى: }إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ{. وقال -عليه الصلاة والسلام-: " ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعـلم متى يأتي المـطر


 وللنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه(1): " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر(2) فقد أشرك(3)،

ـــــــــــــــــ

= إلا الله ". وغير ذلك مما استأثر الله بعلمه.

وأما ما يدرك بطريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة ونحو ذلك، فغير داخل فيما نهى عنه، قال تعالى: }وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ{.

(1) يعني مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والنسائي هو الإمام الحافظ أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن، صاحب السنن الكبرى والمجتبي وغيرهما، روى عن محمد بن المثني وابن بشار وقتيبة وخلق لا يحصون، وكان إليه المنتهى في العلم بعلل الحديث، مات بفلسطين سنة 303 هـ وله 88 سنة.

(2) العقدة جمعها عقد وهي ما تعقده السحرة، ويقال لها عزيمة أيضًا، وذلك أن السحرة إذا أرادوا عمل السحر عقدوا الخيوط، ونفثوا على كل عقدة، حتى ينعقد ما يريدونه من السحر بإذن الله تعالى، ولهذا أمر الله بالاستعاذة من شرهم في قوله: }وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ{ يعني السواحر اللاتي يفعلن ذلك، والنفث و النفخ من الريق، وهو دون التفل، والنفث فعل الساحر، فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفس مما زج للشر والأذى، مقترن بالريق الممازج لذلك، وقد يتساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيصبه السحر بإذن الله القدري الكوني لا الشرعي.

(3) هذا نص في أن الساحر مشرك، وقد حكى الحافظ عن بعضهم أنه لا يتأتى إلا مع الشرك.


 ومن تعلق شيئًا وكل إليه(1)". وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا هل أنبئكم ما العضه(2) هي النميمة القالة بين الناس ". رواه مسلم(3).

ـــــــــــــــــ

(1) أى ومن تعلق قلبه شيئًا بحيث يعتمد عليه ويرجوه، وكله الله إلى ذلك الشيء وخذله، وخلى بينه وبينه؛ فإن تعلق قلبه بربه كفاه وتولاه، كما قال تعالى }أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ{.

ومن تعلق على السحرة والشياطين وغيرهم من المخلوقين وكله الله إلى من تعلق به، ومن وكل إلى غير الله هلك وخسر خسرانا مبينا، وضل ضلالا بعيدا، بل من تعلق قلبه بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر فقد أشرك.

(2) (ألا) أداة تنبيه (أنبئكم) أخبركم و (العضه) بفتح فسكون هو أكثر ما يروى في كتب الحديث، وفي كتب الغريب بكسر ففتح، العضاهة الكذب والبهتان والسحر، وعلى الأول من عضه الرجل يعضه عضها وعضيهة وعضهة كذب وسحر ونم. قال الزمخشري: ((أصلها العضهة، فعلة من العض، وهي من البهت، فحذفت لامه كما حذفت من السنة والشفة، وتجمع على عضين)).

قال النووي: تقديره ألا أنبئكم بالعضه الفاحش الغليظ التحريم، وإيراد المصنف له هنا يدل على أن معناه عنده أو السحر.

(3) النميمة فعيلة بمعنى مفعولة، ونم الحديث ينمه نمًّا قتّه ورفعه إشاعة له وإفسادا، وسعى به ليوقع فتنة أو وحشة، والنمام الذي يتحدث مع القوم فينم عليهم، فيكشف ما يكره كشفه، سواء كره المنقول عنه أو إليه أو غيرهما، وسواء كان الكشف بالعبارة أو بالإشارة أو بغيرهما، فحقيقتها إفشاء السر، وهتك الستر عما يكره كشفه. والقالة: كثرة القول، وإيقاع الخصومة بما يحكي بعضهم لبعض.=


 ولهما عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من البيان لسحرًا"(1).

ـــــــــــــــــ

= وفي الحديث: "ففشت القالة بين الناس". قال يحيى بن أبي كثير: " يفسد النمام والكذاب في ساعة، ما لا يفسد الساحر في سنة ".

وقال أبو الخطاب: ((ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس)).

قال في الفروع: ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة، أشبه السحر، وهذا يعرف بالعرف والعادة أنه يؤثر وينتج ما يعمله الساحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين، لكن يقال: الساحر إنما يكفر لوصف السحر، وهو أمر خاص، ودليله خاص وهذا ليس بساحر، وإنما يؤثر عمله ما يؤثره السحر، فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة; وبه يظهر مطابقة الحديث للترجمة؛ إذ هو من أنواع السحر لما فيه من القطيعة; بل قد يكون تارة أعظم لما ينشأ من فساده. وعلى كل من حملت إليه أن لا يصدقه؛ لأنه فاسق وأن ينهاه ويبغضه، ولا يظن بأخيه السوء، ولا يحمله ما نقل فيه على التجسس والبحث، ولا يرضى لنفسه ما نهي النمام عنه، فيقول: حكى فلان كذا إلا لمصلحة. واتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة، وفيه دليل على أنها من الكبائر.

(1) وأورد البخاري وغيره سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، أنه " قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا ". أو " إن بعض البيان لسحر ". يعني إن بعض البيان يعمل عمل السحر، ومعنى السحر إظهار الباطل في صورة الحق، والبيان البلاغة والفصاحة، وإنما شبهه بالسحر لحدة عمله في سامعه، وسرعة قبول القلب، وتقدم أن هذا من التشبيه البليغ؛ لكون ذلك يعمل عمل السحر، فيجعل الحق في قالب الباطل، =


..............................................................................

ـــــــــــــــــ

= والباطل في قالب الحق، فيستميل به قلوب الجهال، حتى يقبلوا الباطل وينكروا الحق. قال صعصعة بن صوحان: " صدق نبي الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق". والمراد البيان الذي فيه تمويه على السامع وتلبيس، شبهه بالسحر لفساده.

وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن عمر مرفوعًا: " إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة بلسانها ". وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره، ويبطل الباطل ويبينه فهذا ممدوح، كحالة الرسل وأتباعهم.

" وسأل رجل عمر بن عبد العزيز عن حاجة فأحسن المسألة، فقال: هذا والله السحر الحلال ".


 باب ما جاء في الكهان ونحوهم(1)

روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم(2)

ـــــــــــــــــ

(1) أي باب ذكر ما جاء في أحكام الكهان من التغليظ الأكيد، والوعيد الشديد، وما جاء من الأحكام في نحوهم كالعرافين والمنجمين والرمالين. لما ذكر السحر وأنواعه ذكر أحكام الكهان ونحوهم؛ لمشابهتهم للسحرة، والكهان هم الذين يتعاطون الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعون معرفة الأسرار، ويأخذون عن مسترق السمع. قال الشارح: الكاهن لفظ يطلق على العراف والذي يضرب بالحصى والمنجم، وقال الخطابي: ((الكهان -فيما علم بشهادة الامتحان- قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطبائع نارية، فهم يفزعون إلى الجن ويستفتونهم في الحوادث، فيلقون إليهم الكلمات)) ا هـ.

وكانوا قبل البعثة كثيرين كشق وسطيح، فمنهم من يزعم أن له تابعا من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها، من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم العراف، كالذي يدعي معرفة المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وبعد البعثة قل مسترقو السمع؛ لأن الله حرس السماء بالشهب، وأكثر ما يقع ما يخبر به الجن أولياءهم من الإنس مما يسمونه كشفا وكرامة وولاية، وقد اغتر بهم كثير من الناس يظنون أنهم أولياء الله وهم من أولياء الشيطان، كما قال تعالى: }وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ{ الآية.

(2) هي حفصة بنت عمر -رضي الله عنهما-، ذكره أبو مسعود الثقفي في مسندها، وكذلك سماها بعض الرواة.


 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين يوما "(1). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ". رواه أبو داود(2).

ـــــــــــــــــ

(1) وفي بعض روايات الصحيح: "من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة". قال الشارح: ليس في مسلم "فصدقه بما يقول"، فظاهر الحديث أن الوعيد مرتب على مجيئه، سواء صدقه أو شك في خبره؛ لأن إتيان الكهان منهي عنه، كما في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم "فلا تأتهم"، ولأنه إذا شك في خبره فقد شك في أنه لا يعلم الغيب، وذلك موجب للوعيد، بل يجب أن يقطع ويعتقد أنه لا يعلم الغيب إلا الله. وقوله: لم تقبل له صلاة أي لا ثواب له فيها، لاقترانها بالمعصية، وإن كانت مجزئة بسقوط الفرض عنه في الدنيا لوجود شروطها وأركانها، فإنها لا تلزمه الإعادة إجماعا، وفيه النهي عن إتيان الكاهن ونحوه، وإذا كانت هذه حال السائل فحال المسؤول أسوأ وأشر وأعظم.

قال القرطبي: ((يجب على من قدر على ذلك من محتسب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئًا من ذلك من الأسواق، وينكر عليهم أشد النكير، وعلى من يجيء إليهم)).

(2) هذا الحديث مختصر، ولفظه: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضا أو امرأة في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ". ورواه أحمد والترمذي والنسائي بنحوه وغيرهم، وله شواهد صحيحة.


وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن(1).............." من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم "(2). ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفًا(3).

ـــــــــــــــــ

(1) هكذا بيض المصنف لاسم الراوي، والأربعة هم أهل السنن أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا وإسناده على شرط الصحيح، وصححه العراقي في آماليه، وقواه الذهبي، والمصنف تبع فيه الحافظ في الفتح، أو لعله أراد الذي قبله.

(2) المراد بالمنزل الكتاب والسنة، أي من ارتكب الكهانة فقد برئ من دين محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه.

وفي الطبراني عن واثلة مرفوعًا: " من أتى كاهنًا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدقه بما قال كفر ".

والأحاديث التي فيها الكفر مقيدة بتصديقه، وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر فلا ينقل عن الملة، أو يتوقف فيه كما هو أشهر الروايتين عن أحمد؟ والذي يصدق العراف أو الكاهن لم يكفر بالطاغوت، بل مؤمن به، وغالب الكهان قبل النبوة إنما يأخذون عن الشياطين.

(3) أي مثل حديث أبي هريرة موقوفًا على ابن مسعود، وأبو يعلى هو الإمام الحافظ محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي، صاحب التصانيف كالمسند وغيره، روى عن يحيى بن معين وخلق، مات سنة 307هـ. وهذا الأثر رواه البزار أيضًا، ولفظه: " من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ". ومثل هذا له حكم الرفع، وفيه دليل على كفر الكاهن=


 وعن عمران بن حصين مرفوعا: " ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سَحَرَ أو سُحر له(1)، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ". رواه البزار بإسناد جيد(2).

ـــــــــــــــــ

= والساحر مع ما تقدم؛ لأنهما يدعيان علم الغيب الذي استأثر الله به، كما أخبر به في كتابه، وذلك كفر والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به وذلك كفر أيضًا؛ لأن الله أمرنا في كتابه بالإيمان به وحده، والكفر بهذه الأمور كقوله تعالى: }يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ{.

(1) فيه وعيد شديد فيدل على أن هذه الأمور من الكبائر، ولا ينافي ما تقدم من أن الطيرة شرك. وقوله: تطير أي فعل الطيرة، أو تطير له أي قبل قول المتطير له وتابعه، وكذا الكهانة، كالذي يأتي الكاهن ويصدقه ويتابعه، وكذا من عمل الساحر له السحر، فكل من تلقى هذه الأمور عمن تعاطاها أو عملت له عالما راضيا بذلك فقد برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لكونها إما شركا كالطيرة، أو كفرا كالكهانة والسحر، فمن رضي بذلك وتابع فهو كالفاعل؛ لقبوله الباطل واتباعه، ويأتي حديث: " ثلاثة لا يدخلون الجنة ". وذكر منهم: المصدق بالسحر.

(2) ورواه أبو نعيم من حديث علي، فتعدد طرقه تثبت أن له وجودا في الأصل، وإن كان فيها مقال، وقال المنذري: ((إسناد البزار جيد)). ا هـ. والبزار هو الإمام الحافظ المشهور أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، صاحب المسند الكبير سماه البحر الزخار، صدوق روى عن ابن بشار وابن المثنى وخلق، أصله من البصرة ومات في الرملة سنة 292هـ.


 ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: " ومن أتى" إلى آخره(1).

قال البغوي: (العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك)(2). وقيل: هو الكاهن، والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل(3). وقيل: الذي يخبر عما في الضمير(4).

ـــــــــــــــــ

(1) فهو من رواية البزار، وقال المنذري: ((إسناد الطبراني حسن)).

(2) البغوي هو الإمام الحجة منسوب إلى بغ مدينة بين هراة ومرو، ويقال لها أيضًا: بغشور. واسمه الحسين بن مسعود، محي الدين الفراء الشافعي، عالم خراسان وصاحب التصانيف كالتهذيب وشرح السنة والمصابيح والتفسير، سمع عن جماعات منهم القاضي الحسين والمليحي والداودي والصيرفي، وعنه محمد العطاري ومحمد أبو الفتوح الطائي وجماعة، مات سنة 516هـ. وظاهر كلامه أن العراف هو الذي يخبر عن الواقع كالسرقة وسارقها والضالة ومكانها وغير ذلك بأسباب ومقدمات، بأقيسة فاسدة يدعي معرفتها بها، وخيالات شيطانية، وربما تنزلت عليه الشياطين، وما زجت أنفاسه الخبيثة أنفاس إخوانه من الشياطين، فإنها تنزل على الكاهن والمنجم والرمال والساحر ونحوهم، وكل من ادعى شيئًا من هذه الأمور لقوله تعالى: }تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ{.

(3) ويدعي معرفة الأسرار، ويأخذ عن مسترق السمع ونحو ذلك، وسمي عرافا لادعائه المعرفة.

(4) أي وقيل: الذي يخبر عما في الضمير داخل أيضًا في اسم العراف.


 قال أبو العباس ابن تيمية: (العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم(1) ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق)(2).

وقـال ابـن عبـاس في قــوم يكــتبون أبــا جــاد(3)

ـــــــــــــــــ

(1) كالحازر الذي يدعي علم الغيب، أو يدعي الكشف. وقال أيضًا: والمنجم يدخل في اسم العراف، وعند بعضهم هو في معناه. وقال أيضًا: والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء، وحكى ذلك عن العرب، وعند آخرين هو من جنس الكاهن وأسوأ حالا منه، فيلحق به من جهة المعنى. وقال الإمام أحمد: ((العرافة طرف من السحر، والساحر أخبث)). وقال ابن القيم: ((من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفا وعرافا)).

(2) فهؤلاء أدخلهم شيخ الإسلام في اسم العراف، والمقصود من هذا معرفة من يدعي معرفة علم شيء من المغيبات، فهو إما داخل في اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به، وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشياطين، ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة والسحر، ونحو ذلك من علوم الجاهلية أعداء الرسل كالفلاسفة والكهان والمنجمين، وجاهلية العرب قبل البعثة، وكل هذه الأمور يسمى صاحبها كاهنا وعرافا أو ما في معناهما، ومن أتاهم فصدقهم بما يقولون لحقه الوعيد، وكذا الذي يعزم على المصروع، ويزعم أنه يجمع الجن وأنها تطيعه، والذي يحل السحر، فإذا كان ذلك لا يحصل إلا بالشرك والتقرب إلى الجن فإنه يكفر.

(3) كتابة أبي جاد وتعلمها لمن يدعي بها علم الغيب هو الذي جاء فيه الوعيد، وهو الذي يسمى علم الحروف، فيقطعون حروف أبجد هوز حطي كلمن سعفص=


 وينظرون في النجوم(1): " ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق "(2).

ـــــــــــــــــ

= قرشت ثخذ ضظغ، فيجعلون الألف واحدا والباء اثنين، إلى نهاية الحرف العاشر، ثم يبدءون بالكاف عشرة واللام عشرين، وهكذا إلى الشين مائتين، إلى أن تتم هذه الحروف، وأما تعلمها للتهجي وحساب الجمل فلا بأس به.

(1) أي ويعتقدون أن لها تأثيرا، فيأخذون أمورهم ومقاصدهم بما يبين لهم على زعمهم الفاسد من النجوم بأعداد وحساب، يزعمون أنهم يدركون بذلك علم الغيب، يعني فهذا النوع أيضًا من العرافين.

(2) لا أرى بالفتح بمعنى لا أعلم، ويجوز الضم بمعنى لا أظن لهم عند الله من نصيب. وهذا الأثر رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا، ولفظه: " رب معلم حروف أبي جاد، دارس في النجوم، ليس له عند الله خلاق يوم القيامة ". ورواه عنه حميد بن زنجويه بلفظ: " رب ناظر في النجوم ". وقد استأثر الله بعلم الغيب كما قال: }وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ{. وفيه من الفوائد عدم الإغترار بما يؤتاه أهل الباطل من معارفهم وعلومهم، والحذر من كل علم لا تعلم صحته من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.


 باب ما جاء فى النشرة(1)

عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " سئل عن النشرة؟ فقال: هي من عمل الشيطان "(2). رواه أحمد بسند جيد وأبو داود(3) وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله(4).

ـــــــــــــــــ

(1) بضم النون من نشر الشيء فرقه، فالنشرة ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من يظن أن به سحرًا أو مسًّا من الجن، سميت بذلك لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي يحل ويكشف ويزال عنه، ومنه الحديث: ((فلعل طبا أصابه) ثم نشره ب: }قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ{ أي رقاه.

(2) أي الأكبر أو جنس الشياطين، و(أل) في النشرة للعهد أي النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، هي من عمل الشيطان أو بواسطته؛ لأنهم ينشرون عن المسحور بأسحار واستخدامات شيطانية، فهذه حرام بالاتفاق.

(3) في سننه عن جابر، ورواه الفضل بن زياد في كتاب المسائل، عن عبد الرزاق عن عقيل بن معقل بن منبه عن عمه وهب بن منبه عن جابر، قال ابن مفلح: إسناده جيد، وحسنه الحافظ.

(4) أراد أحمد -رحمه الله- أن ابن مسعود يكره النشرة التي هي من عمل الشيطان، كما يكره تعليق التمائم مطلقًا، فدل على أنه يذهب إلى ما ذهب إليه ابن مسعود، وهو تحريم هذا كله، ومستنده الحديث. وروى ابن أبي شيبة وأبو داود في المراسيل عن الحسن رفعه: " النشرة من عمل الشيطان ".


 وللبخاري عن قتادة(1) " قلت لابن المسيب: رجل به طب(2) أو يؤخذ عن امرأته(3) أيحل عنه أو ينشر(4)؟ قال: لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح(5)، فأما ما ينفع فلم ينه عنه ". انتهى(6).

ـــــــــــــــــ

(1) أي روى في صحيحه تعليقًا، وفي بعض النسخ وفي البخاري، ووصله الأثرم عن قتادة بنحوه، وقتادة هو ابن دعامة بن قتادة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سدوس البصري، ثقة فقيه من أحفظ التابعين، قالوا إنه ولد أكمه سنة 61هـ، روى عن أنس وغيره، وعنه أيوب السختياني، مات سنة 117هـ.

(2) بكسر الطاء أي سحر، يقال طب الرجل بالضم إذا سحر، ويقال: كنوا عن السحر بالطب تفاؤلاً، كما يقال للديغ: سليم، والطب اسم للبرء من الداء، أو اسم للداء من الأضداد.

(3) بفتح الواو مهموز وتشديد الخاء المعجمة، أي يحبس عن امرأته ولا يصل إلى جماعها، والأخذة بضم الهمزة والتأخيذ رقية بسحر تحبس بها السواحر أزواجهن عن غيرهن من النساء، وأخذ سحر، أو خرزة يؤخذ بها، وأخذته رقته بالسحر، أي فماذا يصنع به؟

(4) يحل بضم الياء وفتح الحاء مبني للمجهول من حل العقدة يحلها نقضها وفكها، وينشر بضم الياء وتشديد الشين، ونشر عنه إذا رقاه، كأنك تفرق عنه العلة.

(5) أي لا بأس بمعالجته بأمور مباحة، لم يرد بها إلا المصلحة ودفع المضرة.

(6) هذا من ابن المسيب رضي الله عنه يحمل على نوع من النشرة لا محذور فيه، كالرقى بأسماء الله وكلامه، ولا يعلم أنه سحر، وحاشاه رضي الله عنه أن يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر، فإنما هو فساد وكفر.


 وروي عن الحسن أنه قال: " لا يحل السحر إلا ساحر "(1).

قال ابن القيم: النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور(2). والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة فهذا جائز(3).

ـــــــــــــــــ

(1) ذكره عنه ابن الجوزي في جامع المسانيد، وقال: هي حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر.

(2) فيزول ذلك السحر، والناشر هو الذي يحل السحر، والمنتشر هو الذي يحل عنه السحر بطلبه أو رضاه، وهو حرام، وتقدم حكمه وذكر الوعيد عليه.

(3) ذكر المصنف -رحمه الله- كلام هذا الإمام الجليل، لما فيه من الجمع بين القولين، وبيان أنه لا تنافي بينهما، وإنما يصدق بعضها بعضا، ومما جاء في النشرة المباحة ما رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله، تقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور: }فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ{ إلى قوله: }مجرمون وقوله: }فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{. الأربع الآيات، وقوله: }إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ{ الآية.

وقال ابن بطال: في كتاب وهب بن منبه إنه يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله، فالنوع الثاني الذي ذكر ابن القيم يشير إلى نحو هذا، وعليه يحمل قول من أجاز النشرة من العلماء، إحسان ظن بهم، وما كان بالسحر فيحرم.


 باب ما جاء في التطير(1)

ـــــــــــــــــ

(1) أي من النهي عنه والوعيد فيه، مصدر تطير يتطير، والطيرة اسم مصدر من تطير طيرة، كما يقال تخير خيرة، ولم يجئ في المصادر على هذه الزنة غيرهما، والتطير التشاؤم بالشيء بما يقع من المرئيات أو المسموعات في قلوب أهل الشرك والعقائد الضعيفة، الذين لا يجعلون توكلهم على الله، وأصله التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء والعطاس والنجوم وغير ذلك، فكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله، وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر، وإنما هو خواطر وحدوس وتخمينات لا أصل لها. قال المدائني: ((سألت رؤبة بن العجاج ما السانح؟ قال: ما ولاك ميامنه، قلت: فما البارح؟ قال: ما ولاك مياسره، والذي يجيء من خلفك فهو القاعد والقعيد)). ا هـ.

ومن العرب من يتشاءم بالبارح، ويتبرك بالسانح وبالعكس، ولم تكن قاطبة تعتقد هذا وتقول به، بل قد جاء عن بعضهم إنكاره ومنه:

وما أنا ممن يزجر الطير همه

أطار غراب أم تعرض ثعلب

ولا السانحات البارحات عشية

أمَرَّ سليم القرن أم مَرّ أعضب

وغير ذلك مما هو مشهور عنهم، وفي الصحيح عنه -عليه الصلاة والسلام- حين سئل عنه قال: "ذلك شيء يجده أحدكم فلا يصدنه". وقال: "إذا تطيرت فلا ترجع". ولا يضر إلا من أشفق منه وخاف واعتنى به، فيكون أسرع إليه من السيل إلى منحدره، وتفتح له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه، ويفتح له الشيطان من المناسبات القريبة والبعيدة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه، وينكد عليه عيشه، ولما كان التطير من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب؛ لكونه من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، ولكونه يتعلق القلب به خوفا وطمعا، ولكونه منافيا للتوكل على الله، واعتقاد نفع أو ضر بسبب طائر ونحوه، أفرده المصنف -رحمه الله- بالترجمة، وإن كان من الشرك الأصغر فهو من أقبح الشرك.


 وقول الله تعالى: }أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ{(2).

وقوله: }قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ{ الآية(3).

ـــــــــــــــــ

(1) (ألا) أداة تنبيه، و (إنما) أداة حصر، أي إنما جاءهم الشؤم من قبله، قدره وقضاه عليهم بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله، ردا لمقالة آل فرعون الكاذبة الباطلة، حيث قال الله تعالى عنهم: }فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ{ أي الخصب والرخاء والسعة والعافية، : }قَالُوا لَنَا هَذِهِ{ أي نحن الجديرون والحقيقون به، ونحن أهله، : }وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ{ بلاء وقحط، : }يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ{ فيقولون: هذا بسبب موسى وأصحابه أصابنا بشؤمهم كما يقول المتطير لمن يتطير به، فأخبر سبحانه أن طائرهم عنده، فقال تعالى: }أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ{، أي ليس شؤمهم إلا عند الله، أي من قبله وحكمه الكوني القدري.

قال ابن عباس: ((طائرهم ما قضي عليهم وقدر لهم)). وقال الزجاج: ((الشؤم الذي وعدوا به من العقاب عنده، لا ما ينالهم في الدنيا)).

(2) تسجيل على أكثرهم بالجهالة وعدم العلم، وأنهم لا يدرون، ولو فهموا وعقلوا لعلموا أن موسى ما جاء إلا بالخير والبركة والفلاح لمن آمن به واتبعه.

(3) وهذه الآية أيضًا رد على من كذب الرسل، فأصيبوا بالبلاء، فإنهم لما ضاقت عليهم الحيل وعييت عليهم العلل، ادعوا أن سبب البلاء جاء من قبل الرسل وبسببهم، ف: }قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ فقالت لهم الرسل: } طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ{ أي سبب شؤمكم، أو حظكم وما نالكم من شر معكم بسبب أفعالكم وكفركم، لا من قبلنا كما تزعمون، ولا بسببنا بل ببغيكم وعدوانكم، وسوء عقيدتكم وقبح أعمالكم، فما وقع بكم من الشر فعملكم الخبيث سببه الجالب له، وذلك بقضاء الله وقدره وحكمته وعدله، ويحتمل أن يكون المعنى: }طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ{ أي راجع عليكـم، فالتطير الذي حصـل=


 وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا عدوى ولا طيرة(1)

ـــــــــــــــــ

= لكم إنما يعود عليكم، وقوله: }أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ{ أي من أجل أنّا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله قابلتمونا بهذا الكلام، : }بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ{. قال قتادة: أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا؟ ومناسبة الآيتين للترجمة أن التطير من عمل الجاهلية المشركين، وقد ذمهم الله به ومقتهم، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التطير، وأخبر أنه شرك كما سيأتي.

(1) العدوى الفساد وما يعدي من جرب وغيره، أي يتجاوز من واحد إلى آخر من الإعداء كالدعوى، يقال أعداه الداء يعديه إعداء.

إذا أصابه مثل ما بصاحب الداء، وذلك بأن يكون ببعير جرب مثلا فتتقى مخالطته بإبل أخرى حذرا أن يتعدى ما به من الجرب إليها، فيصيبها ما أصابه فأبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه وطبعه يتعدى، فأخبر -عليه الصلاة والسلام- أن الله هو الذي يمرض وينزل الداء.

فإن قيل: جاء عنه صلى الله عليه وسلم " وفر من المجذوم كما تفر من الأسد "، وقال: " لا يورد ممرض على مصح ".

وقال في الطاعون: " من سمع به في أرض فلا يقدم عليه ". قيل: اختلف العلماء في ذلك، والأولى ما قاله البيهقي وابن القيم وابن رجب وغيرهم من أهل التحقيق في ذلك وهو أن قوله: "لا عدوى" على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله، وأن الأمور تتعدى بطبعها، وإلا فقد يجعل الله بمشيئته وتقديره مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببا لحدوث ذلك، أو ذريعة إلى إعدائه أو لأذيته بالتوهم والخوف، وذلك سبب لإصابة المكروه به. ولهذا قال: " فر من المجذوم ". ولما قال -عليه الصلاة والسلام-: " لا يعدي شيء. قال له أعرابي: النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتـجرب كلها، فـقال: فمن أجرب الأول؟ لا=


...............................................................................

ـــــــــــــــــ

= عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصائبها ورزقها ". رواه أحمد وغيره، فأخبر أن ذلك كله بقضاء الله وقدره، ولكن العبد مأمور باتقاء الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء، وفي النار، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، فإن هذه أسباب للمرض والتلف.

قال ابن حبيب في المجذومين: يحكم عليهم بتنحيتهم ناحية، إذا كثروا، وهو الذي عليه فقهاء الأمصار، وأرسل -عليه الصلاة والسلام- إلى المجذوم في وفد ثقيف: " ارجع فقد بايعناك ". وإذا قوي توكل العبد جاز له، كما أخذ -عليه الصلاة والسلام- بيد المجذوم، وقال: " كل، باسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه ".

وقوله: "ولا طيرة" يحتمل أن يكون نفيا أو نهيا أي لا تطيروا، والخبر قطعا يدل على أن المراد النفي والإبطال لهذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه، ولما قيل له -عليه الصلاة والسلام-: " ومنا أناس يتطيرون. قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم ".

فأخبر أن تأثيره وتشاؤمه بالطير إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لما رآه وسمعه، فبين فساد الطيرة، وأن الله لم يجعل فيها دلالة، ولا نصبها سببًا. وفي المصباح: ((كانت العرب إذا أرادت المضي لمهم مرت بمجامع الطير وأثارتها لتستفيد هل تمضي أو ترجع؟ فنهى الشارع عن ذلك، وقال: "لا هامة ولا طيرة"، وقال: "أقروا الطير في وكناتها" أي على مجاثمها)). اهـ. ومر طائر يصيح فقال رجل:- خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر، فأنكر عليه لئلا يعتقد تأثيره، وصاح غراب فقال رجل: خير. فقال طاووس: وأي خير عند هذا؟ لا تصحبني.

وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: " إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس ". ونحوه فالمراد لمن يتشاءم بها، فيكون شؤمها عليه، وإلا فمن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشؤمة عليه=


 ولا هامة ولا صفر " أخرجاه(1).

ـــــــــــــــــ

= لحديث أنس: " الطيرة على من تطير".

وقال ابن القيم: إخباره بالشؤم ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانا مشؤومة على من قاربها وساكنها، وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر، كما يعطي الوالدين ولدا مباركا يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدًا مشؤومًا يريان الشر على وجهه، والله خالق الخير والشر، فيخلق بعض هذه الأعيان مباركة، ويقضي بسعادة من قاربها، ويخلق بعضها مشؤومة يتضرر بها من قاربها، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، كما خلق سائر الأسباب، وكما خلق المسك وضده، وذلك مدرك بالحس، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر.

(1) الهامة بتخفيف الميم وقد تشدد: البومة، إذا وقعت إلى بيت أحدهم يقول: نعت إلي نفسي، أو أحدا من أهل داري، أو يخرب المنزل، وقيل: إن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت، وقيل: روحه تنقلب هامة تطير، ولا تزال تنادي على قبره ونحوه، للأخذ بثأره. قال النووي: ((ويجوز أن يكون المراد النوعين، فإنهما جميعا باطلان، وجاءت السنة بنفي ذلك وإبطاله، وضلالة الجاهلية فيما تعتقده من ذلك)).

و"صفر" بفتح الفاء قيل: المراد تأخيرهم المحرم إلى صفر، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه، يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه، وكانوا يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنه شهر مشؤوم، فأبطل صلى الله عليه وسلم ذلك، والتشاؤم به من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام، وتشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح خاصة. وقيل: صفر حية في البطن، وهي دود تصيب الماشية والناس، وربما قتلت صاحبها، وكانت أعدى من الجرب عند العرب، وهذا المشهور عند أكثر أهل العلم، منهم: سفيان وأحمد والبخاري وجابر بن عبد الله وهو راوي الحديث، ويجوز أن يكونا مرادين معا، وأن الصفرين جميعا باطلان.

زاد مسلم: " ولا نوء ولا غول(1)".

ولهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل(2).

ـــــــــــــــــ

(1) النوء واحد الأنواء يزعمون أنهم يمطرون به، وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، والغول بالضم اسم وجمعه أغوال وغيلان، قال الجمهور: كانت العرب تزعم أن الغول، وهي جنس من الشياطين في الفلاة، تتراءى للناس وتتلون تلونا في صور شتى، فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، فنفاه النبي صلى الله عليه وسلم وأبطله، ويقال: ليس المراد نفي وجود الغول، بل ما تزعمه العرب من تصرفه في نفسه أو أنها لا تستطيع أن تضل أحدًا مع ذكر الله، لحديث: " لا غول ولكن السعالي سحرة الجن "، أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: " إذا تغولت الغيلان، فبادروا بالأذان "، أي ادفعوا شرها بذكر الله، فدل أنه لم يرد بنفيها عدمها.

(2) الفأل مهموز فيما يسوء ويسر، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وإنما أعجبه الفأل لأنه حسن ظن بالله، والعبد مأمور بحسن الظن بالله، وإذا أمل الفائدة منه ورجا العائدة من كل سبب ضعيف أو قوي فهو على خير، والتشاؤم سوء ظن بالله، وإذا قطع الإنسان ظنه بالله كان عمله من الشر، والطيرة فيها سوء ظن بالله، وتوقع للبلاء، والتفاؤل نحو أن يكون الرجل مريضا فيسمع من يقول: يا سالم، أو يا مفلح، أو يكون طالبا ضالة فيسمع من يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته، وتفرح نفسه وتنشط من غير اعتماد عليه، وإنما هو حسن ظن بالله، وإن أوجب مضيا أو ردا صار من الطيرة.

ولما طلع سهيل بن عمرو عام الحديبية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سهل أمركم ".


 قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة(1) ".

ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر(2) قال: " ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحسنها الفأل(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) بين صلى الله عليه وسلم أن الفأل يعجبه، فدل على أنه ليس من الطيرة المنهي عنها. قال ابن القيم: ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، والله جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلامة والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر ونحو ذلك، فإذا سمعت الأسماع أضدادها أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها وأثار لها خوفا وتطيرا وانكماشا، وانقباضا عما قصدته وعزمت عليه، فأورث لها ضررا في الدنيا ونقصا في الإيمان ومقارفة للشرك.

(2) صوابه عن عروة بن عامر، وكذا رواه العسكري من طريق حبيب بن أبي ثابت عنه، كما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وهو مكي اختلف في نسبه، فقال أحمد: عروة بن عامر القرشي. وقال غيره الجهني. واختلف في صحبته، وقال المزي: ((لا صحبة له تصح)).

(3) تقدم أنه صلى الله عليه وسلم قال: " ويعجبني الفأل ". وصحح الترمذي أنه كان إذا خرج لحاجة يحب أن يسمع يا نجيح يا رشيد، ولأبي داود إذا بعث عاملا سأله عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، وإذا كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه، ففيه استعمال الفأل. قال ابن القيم: ((أخبر أن الفأل من الطيرة، وهو خيرها، فأبطل الطيرة، وأخبر أن الفأل منها، ولكنه خير منها، ففصل بين الفأل والطيرة؛ لما بينهما من الامتياز والتضاد ونفع أحدهما ومضرة الآخر)).


 ولا ترد مسلما(1)، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت(2)، ولا حول ولا قوة إلا بك(3) ".

وعن ابن مسعود مرفوعا: " الطيرة شرك الطيرة شرك(4).

ـــــــــــــــــ

(1) أي لا ترد المسلم عن شيء قصده لإيمانه أنه لا نافع ولا ضار إلا الله، وإنما ترد المشرك الذي يعتقدها، قال الطيـبي: ((تعريض بأن الكافر بخلافه)).

(2) أي لا تأتي الطيرة بالحسنات، ولا تدفع المكروهات بل أنت وحدك لا شريك لك الذي تأتي بالحسنات وتدفع السيئات، والحسنات هنا النعم، والسيئات المصائب. كقوله: }وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ{ إلى قوله: }وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ{، ففيه نفي تعليق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر، وهذا هو التوحيد، وفيه التصريح بأنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا، فيعد من اعتقدها سفيها مشركا.

(3) أي ولا تحول ولا انتقال من حال إلى حال، ولا قوة على ذلك إلا بالله وحده لا شريك له، وهذا استعانة به سبحانه على فعل التوكل وعدم الالتفات إلى الطيرة التي قد تكون سببا لوقوع المكروه عقوبة لفاعلها، ومعاملة له بنقيض قصده، وهذا الدعاء إنما يصدر عن حقيقة التوكل الذي هو أقوى الأسباب في جلب الخيرات ودفع المكروهات.

(4) ولفظ أبي داود: "الطيرة شرك الطيرة شرك الطيرة شرك" ثلاثا. وهذا صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك؛ لما فيها من تعلق القلب على غير الله، ولو لم يكن فيها إلا سوء الظن بالله لكفى بها قبحا.

قال في شرح السنن: ((وإنما جعل الطيرة من الشرك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا مع الله)).


 وما منا إلا.. ولكن الله يذهبه بالتوكل(1)". رواه أبو داود والترمذي وصححه(2)، وجعل آخره من قول ابن مسعود(3). ولأحمد من حديث ابن عمرو(4):

ـــــــــــــــــ

(1) أي وما منا أحد إلا ويعتريه ويخطر له ويقع في قلبه من الطيرة شيء، فحذف اعتمادا على فهم السامع، ولكن لما توكلنا على الله في جلب النفع ودفع الضر أذهبه الله عنا بتوكلنا عليه، واعتمادنا عليه والاستناد عليه. وللطبراني وغيره من حديث حارثة: " ثلاث لازمة أمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن، قيل: وما يذهبهن؟ قال: إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض ". قال المصنف: ((فيه أن الواقع في القلوب مع كراهته لا يضر، بل يذهبه الله بالتوكل)).

(2) ورواه ابن ماجه وابن حبان وغيرهم.

(3) وهو قوله: وما منا إلا إلى آخره، نقله الترمذي عن سليمان بن حرب، ووافقه على ذلك أهل العلم وهو المتعين؛ فإنه صلى الله عليه وسلم معصوم من الشرك بالإجماع. وقال ابن القيم: وهو الصواب؛ فإن الطيرة نوع من الشرك، كما هو في أثر مرفوع: " من ردته الطيرة فقد قارف الشرك ".

(4) هو أبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، كان اسمه العاص فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، أحد السابقين المكثرين، وأحد العبادلة الفقهاء، من أحفظ الصحابة، واختلف في وفاته وموضعها، فقيل: مات بالطائف ليالي الحرة سنة 63هـ، وقيل غير ذلك.


 " من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك(1). قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك(2) ".

وله من حديث الفضل ابن عباس(3)

ـــــــــــــــــ

(1) وذلك أن الطيرة هي التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع، فإذا رده شيء من ذلك عن حاجته التي عزم عليها كإرادة السفر ونحوه، فمنعه عما أراده وسعى فيه ما رأى وما سمع تشاؤما فقد دخل في الشرك؛ لكونه لم يخلص توكله على الله بالتفاته إلى ما سواه، فكان للشيطان منه نصيب.

(2) أي لا معبود بحق سواك، فإذا قال ذلك وأعرض عما وقع في قلبه، ولم يلتفت إليه كفر الله عنه ما وقع في قلبه ابتداء، لزواله من قلبه بهذا الدعاء المتضمن للاعتماد على الله وحده، والإعراض عما سواه، ففيه أن

الطيرة لا تضر من كرهها، ومضى في طريقه، وأما من استرسل مع الشيطان في ذلك فقد يعاقب بالوقوع فيما يكره؛ لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله الذي الخير كله بيديه، يجلبه لعبده بمشيئته وقدرته وإرادته، ويدفع عنه الضر بقدرته وإحسانه، فلا خير إلا منه، وهو الذي يدفع الشر عن عبده، وما أصابه من ذلك فبذنبه، كما قال: }مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ{. قال المصنف: الطيرة تعم أنواعا، منها ما لا إثم فيه كما قال عبد الله: وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل، فإذا وقع في القلب شيء وكرهه ولم يعمل به، بل خالفه وقال ذلك لم يضره شيء، فإن عمل من الحسنات شيئًا فهو أبلغ وأتم في الكفارة، ولو قدرنا أن تلك الطيرة من الشرك الخفي أو الظاهر ثم تاب، وقال هذا الكلام على طريق التوبة فكذلك.

(3) أي روى أحمد من حديث الفضل بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومـا فبرح=


 " إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك(1) ".

ـــــــــــــــــ

= ظبي فمال في شقه فاحتضنته، فقلت: يا رسول الله تطيرت، فقال: "إنما الطيرة".. " إلى آخره، وفي إسناده انقطاع بين ابن مسلمة راويه وبين الفضل، شهد الفضل الفتح وحنينا، وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان رديفه في حجة الوداع، وكان أكبر أولاد العباس، وبه يكنى، مات رضي الله عنه سنة 13هـ، وله 22 سنة.

(1) هذا حد الطيرة المنهي عنها فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقاعدة كلية، وهي ما يحمل الإنسان على المضي فيما أراده أو يمنعه من المضي فيه، فتلك الطيرة، ومن مضى أو امتنع بسببها فقد أشرك، وأما الفأل الذي كان يحبه -عليه الصلاة والسلام-، ففيه نوع بشارة فيسربه العبد ولا يعتمد عليه، بخلاف ما يمضيه أو يرده؛ فإن للقلب عليه نوع اعتماد، وهذا فرق واضح بين الطيرة والفأل.


 باب ما جاء في التنجيم(1)

ـــــــــــــــــ

(1) أي ذكر ما لا يجوز منه وذمه وتحريمه، وما ورد من الوعيد فيه، وذكر ما يجوز. قال شيخ الإسلام: التنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كالمطر والربيع والمحل وغير ذلك. وقال: السحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وذلك أن علم النجوم الذي هو من السحر نوعان: علمي وهو الاستدلال بحركات النجوم على الحوادث وعملي وهو الذي يقولون فيه: إنه تأثير القوى السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية كالطلاسم ونحوها. وفي كشف الظنون: هو علم يعرف به الاستدلال على حوادث علم الكون والفساد بالتشكلات الفلكية، وهي أوضاع الأفلاك والكواكب كالمقارنة والتثليث والتسديس والتربيع إلى غير ذلك، وينقسم إلى حسابيات وطبيعيات ووهميات. وقال الخطابي: ((علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع، كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنهم يدركون معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، ويدعون أن لها تأثيرا في السفليات وأنها تجري على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم قد استأثر الله به لا يعلمه سواه)). وقال الشارح: ((علم التنجيم على ثلاثة أقسام:

أحدها: القول بأن الكواكب فاعلة مختارة، وأن الحوادث مركبة على تأثيرها، وهذا كفر بالإجماع.

الثاني: الاستدلال على الحوادث بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها، فلا شك في تحريمه، وتقدم أنه من الشرك، وإن قالوا: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، فإن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به، وينبغي أن يقطع بكفره.

والثالث: ما ذكره المصنف في تعلم المنازل للتسيير لا التأثير)).

قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء(1)، ورجومًا للشياطين(2)، وعلامات يهتدي بها(3)، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه(4)،

ـــــــــــــــــ

(1) قال تعالى: }وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ{ أي زينا السماء الدنيا منكم التي هي أدنى سماء إليكم من غيرها بمصابيح، جمع مصباح وهو السراج، عبر بها عن الكواكب، ونكرها للتعظيم، أي بمصابيح عظيمة ليست كمصابيحكم التي تعرفونها.

(2) قال تعالى: }وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ{ أي جعلنا المصابيح رجوما جمع رجم سمي به ما يرجم به أي يرمي، والمراد بالشياطين مسترقو السمع كما تقدم. وروى ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعًا: " أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان، وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وزينها بمصابيح النجوم، وجعلها رجوما للشياطين، وحفظها من كل شيطان رجيم "

(3) أي دلالات على الجهات والبلدان ونحو ذلك، "يهتدي بها " بصيغة المجهول أي يهتدي بها الناس في ذلك، قال تعالى: }وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ{، لا في علم الغيب كما يزعمه المنجمون، وتقدم وجه بطلان زعمهم، وأنه لا حقيقة له.

(4) أي فمن زعم فيها غير ما ذكر الله في كتابه من هذه الثلاث فقط فادعى بها علم الغيب، بأن زعم أن فيها سعدًا ونحسًا ونحو ذلك، فقد أخطأ حيث زعم شيئًا ما أنزل الله به من سلطان، وأضاع نصيبه أي حظه من الدين ومن كل خير.


 وتكلف ما لا علم له به " انتهى(1).

وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه(2).

ـــــــــــــــــ

(1) وأشغل نفسه بما يضره ولا ينفعه، ولا سبيل له إليه، وليس مأمورا به، وهذا الأثر أخرجه البخاري في صحيحه تعليقا، كما قال المصنف -رحمه الله-، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والخطيب وغيرهم، ولفظه: " إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدي بها، وجعلها رجوما للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن ناسا جهلة بأمر الله، قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء " ا هـ.

والأحاديث في ذم التنجيم والتحذير منه كثيرة، منها قوله: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر ". وقوله: " مما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم ". رواه عبد بن حميد من وجهين محتجًا به من طرق، ونحوه عند ابن عساكر وأبي يعلى وابن عدي والخطيب وحسنه السيوطي، وغير ذلك مما هو معلوم، وأصله في الكتاب والسنة كثير، وأجمع عليه السلف والأئمة، وقول قتادة -رحمه الله- يدل على أن علم التنجيم هذا قد حدث في عصره، فأوجب له إنكاره على من اعتقده وتعلق به، وهذا العلم مما ينافي التوحيد ويوقع في الشرك؛ لأنه ينسب الحوادث إلى غير من أحدثها وهو الله تعالى بمشيئته وإرادته، كما قال تعالى: }هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ : }قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأََّرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ{.

فسلك مسلك قتادة سدًّا للباب وحسمًا للمادة؛ لئلا يتوصل إلى الممنوع. وهذا القسم من علم النجوم هو تعلم منازل الشمس والقمر للاستدلال بذلك على=


 ذكره حرب عنهما(1) ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق(2).

ـــــــــــــــــ

= القبلة وأوقات الصلوات والفصول، وإذا كان هذا كراهة بعض السلف لعلم التسيير فكيف بعلم التأثير؟ قال الخطابي: أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر الذي يعرف به الزوال وتعلم به جهة القبلة فإنه غير داخل فيما نهي عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئًا بأكثر من أن الظل ما دام متناقصا فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصح إدراكه بالمشاهدة إلا أن أصل هذه الصناعة قد دبروها بما اتخذوه من الآلات التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصدته، وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة، فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة من الأئمة الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين، ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به عنها، مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة ويشاهدها حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم، إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم، ولا مقصرين في معرفتهم.

(1) أي عن قتادة وابن عيينة، وحرب هو ابن إسماعيل بن خلف الحنظلي الإمام الحافظ أبو محمد الكرماني الفقيه، من جلة أصحاب أحمد، روى عنه وعن إسحاق وابن المديني وغيرهم، وله كتاب المسائل التي سأل عنها أحمد وغيره، مات سنة 280هـ.

(2) إسحاق هذا هو ابن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي النيسابوري الإمام المعروف بابن راهويه، سمي بذلك لأن أباه ولد في طريق مكة، فقالت المرابذة: راهويه؛ لأنه ولد في الطريق، إمام من أئمة المسلمين، وروى عنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، مات سنة 239هـ، وإنما رخصا فيه لأن فيه مصلحة ومنفعة دينية، كعلم الأوقات والطرقات، ودنيوية كقطع الأشجار وجذ الثمار، وروى=


 وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يدخلون الجنة(1): مدمن الخمر(2)، وقاطع الرحم(3)،

ـــــــــــــــــ

= ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به. قال ابن رجب: والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير فتعلم ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطرق جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه لإشغاله عما هو أهم منه، ورجح الشيخ وابن القيم أن تعلم معرفة وقت الكسوف الشمسي والقمري لا يدخل في النهي.

(1) يعني الأشعري واسمه عبد الله بن قيس بن حضار بن حرب بن عامر، صحابي جليل مشهور باسمه وكنيته، قدم المدينة مع جعفر، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض اليمن، وعمر على البصرة، ثم عثمان على الكوفة، مات بالكوفة، وقيل: بمكة سنة 50هـ، وقيل غير ذلك.

(2) هذا من أحاديث الوعيد نقرها ونمرها كما جاءت، ولا نتأولها تأويلات تخرجها عن مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغيرها عن معانيها التي دلت عليه، وهو أبلغ في الزجر، وأردع عن الجرائم، وأحسن ما يقال: إن كل عمل دون الشرك والكفر المخرج من الملة فهو راجع إلى مشيئة الله، فإن عذبه به فقد استوجب العذاب، وإن غفر له فبفضله ورحمته.

(3) أي المداوم على شربها حتى مات ولم يتب، سميت خمرًا لمخامرتها العقل، أو لتغطيته، أو لتخمير المشروب.

(4) أي القرابة بكونه لا يقوم بواجبها، كما قال تعالى: }فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ{.


 ومصدق بالسحر(1) ". رواه أحمد وابن حبان في صحيحه(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي بجميع أنواعه ومنه التنجيم، كما في الحديث: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر".

وهذا وجه مطابقة الحديث للترجمة، وليس المراد أن يعتقد أنه حق، لكن إذا صدق ساحرا بما يخبر به ففيه الوعيد على ذلك، وإن كان يرى ويعتقد أنه حرام، وكل هذه الثلاثة المذكورة في الحديث من الكبائر. قال الذهبي والشيخ وغيرهما: ويدخل فيه تعلم السيميا وعملها وهي محض السحر، ويدخل فيه عقد المرء عن زوجته، ومحبة الزوج لامرأته وبغضها وبغضه وأشباه ذلك، بكلمات مجهولة.

(2) ورواه الطبراني والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي.


 باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء(1)

وقول الله تعالى: }وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ{. وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه

ـــــــــــــــــ

(1) أي من النهي عن ذلك والوعيد الشديد، والتغليط الأكيد، وبيان أنه كفر، والاستسقاء طلب السقيا، والمراد به هنا نسبة السقيا ومجيء المطر إلى الأنواء جمع نوء، والنوء في أصله ليس هو نفس الكوكب، فإنه مصدر ناء ينوء نوءًا نهض وطلع، فالنوء هو الطالع سمي نوءا؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء مقابله الطالع بالمشرق، وقيل: ناء سقط وغاب، ولا تخالف بين القولين، وهي ثمانية وعشرون نجمًا، معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها، مشهورة بمنازل القمر، ينزل كل ليلة منزلة منها في كل شهر. قال تعالى: }وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ{. تسقط كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلها ذلك الوقت من المشرق، تنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر وينسبونه إلى النجم الساقط، ويقولون: مطرنا بنوء كذا.

(2) أي تجعلون حظكم من شكر الله عليكم إذا أصابكم المطر والبركة والخير: }أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ{ بنسبة النعم لغير الله من الكواكب والمخلوقات التي لا قدرة لها على شيء، وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: }وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ{"يقول: شكركم: }أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ{ تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا " ويأتي عن ابن عباس نحوه، وروي عن جمهور المفسرين، وبه يظهر وجه استدلال المصنف بالآية. ويقال: وتجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون، والآية تشمل المعنيين.

(3) هو الحارث بن الحارث الشامي صحابي، يكنى أبا طالب وخلطه غير واحد بأبي مالك الأشعري، وهو متقدم الوفاة، وهذا متأخر حتى روى عنه أبو سلام كما في صحيح مسلم.


 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن(1): الفخر بالأحساب(2)، والطعن في الأنساب(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) خرج مخرج الذم نسبة إلى الجهل، أي ستفعلها هذه الأمة إما مع العلم بتحريمها أو مع الجهل بذلك، مع كونها من أعمال الجاهلية المذمومة المكروهة المحرمة، ولكنها تارة تكثر وتارة تقل، وذلك بظهور الإسلام وضعفه، والمراد بالجاهلية هنا ما قبل المبعث، سموا بذلك لفرط جهلهم، وكل ما يخالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو جاهلية. قال شيخ الإسلام: ((أخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم، ذما لمن لم يتركه، وهذا يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، كما قال تعالى: }وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى{. فإن في ذلك ذما للتبرج، وذما لحال الجاهلية الأولى، وهذا يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة)).

(2) أي التشرف بالآباء والتعاظم بعدّ مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم، وذلك جهل عظيم؛ إذ لا شرف إلا بالتقوى: }إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ{،  }وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى{ ولأبي داود: " إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم من تراب". قال المصنف: ((فخر الإنسان بعمله منهي عنه، فكيف افتخاره بعمل غيره)

(3) أي الوقوع فيها بالتنقص والعيب وقصد الذم، والحط من الرتبة كليس فلان من ذرية فلان أو آل فلان، قدحا لا لبيان المطلوب شرعا، ويأتي أيضًا. ولما عير أبو ذر رجلا بأمه قال -عليه الصلاة والسلام-: " إنك امرؤ فيك جاهلية ". متفق عليه، قال شيخ الإسلام: ((فدل على أن الطعن في الأنساب من عمل الجاهلية المذموم، وأن المسلم قد يكون فيه شيء من هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب كفره)) اهـ، والمراد العملية لا الاعتقادية.


 والاستسقاء بالنجوم(1)، والنياحة(2) ". وقال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة(3)

ـــــــــــــــــ

(1) أي نسبة السقيا ومجيء المطر إلى النجوم نسبة تأثير أو إيجاد، وهو الذي خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، فأخرج أحمد وغيره " أخاف على أمتي ثلاثا: استسقاءً بالنجوم، وحيف السلطان، وتكذيبا بالقدر ". فإذا قال: مطرنا بنوء كذا أو بنجم كذا، فلا يخلو إما أن يعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر فهذا شرك أكبر بالإجماع، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم في الأموات والغائبين لجلب نفع أو دفع ضر، وإما أن ينسب إنزال المطر إلى النجم، مع اعتقاد أن الله هو الفاعل، وصحح الشارح أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم، وصرح ابن مفلح في الفروع أنه يحرم قول: مطرنا بنوء كذا، وجزم في الإنصاف بتحريمه، ولم يذكرا خلافا، وهو الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم ونفاه وأبطله، وأخبر أنه من أمر الجاهلية، حماية منه لجناب التوحيد، وسدًّا لذرائع الشرك ولو بالعبارات الموهمة التي لا يقصدها الإنسان، وذلك لأنه نسب ما هو من فعل الله إلى خلق مسخر لا ينفع ولا يضر، ولا قدرة له على شيء فيكون شركا أصغر، والله أعلم. وفيه التنبيه على ما هو أولى منه كدعاء الأموات وسؤالهم الذي هو عين الشرك، وهذا بخلاف ما لو قال: مطرنا في نوء كذا، فكما لو قال: مطرنا في شهر كذا فلا بأس بذلك.

(2) أي رفع الصوت بالندب على الميت، وإفراط رفعه بالبكاء، وإن لم يقترن بندب ولا نوح، وضرب الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك؛ لأن ذلك تسخط بقضاء الله وقدره، وذلك ينافي الصبر الواجب، وهي من الكبائر لشدة الوعيد والعقوبة، فأما البكاء من غير نياحة ولا ندب وشق جيب فقال شيخ الإسلام: ((البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب، ولا ينافي الرضا بقضاء الله)).

(3) أي تبعث من قبرها، وتوقف يوم الحساب والجزاء، وفيه تنبيه على أن التوبة تكفر الذنب وإن عظم، وهو إجماع في الجملة لقوله تعالى: }إِلاَّ مَنْ تَابَ{ =


 وعليها سربال من قطران(1) ودرع من جرب ". رواه مسلم(2). ولهما عن زيد بن خالد الجهني(3) قال: " صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية(4) على إثر سماء كانت من الليل(5)،

ـــــــــــــــــ

= الآية، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، ولذلك لا يجوز إطلاق الوعيد على شخص عرف بفعل ذنوب توعد الشرع عليها بوعيد لذلك، ولأنها تكفر أيضًا بالحسنات الماحية والمصائب، ودعاء المسلمين بعضهم لبعض، وبالشفاعة بإذن الله، وعفو الله عمن شاء ممن لا يشرك به شيئًا.

(1) واحد السرابيل وهي الثياب والقمص، يعني أنهن يلطخن بالقطران، فيكون لهن كالقمص حتى يكون اشتعال النار والتصاقها بأجسادهن أعظم، ورائحتهن أنتن، وألمها بسبب الحر أشد، وقال ابن عباس: " القطران هو النحاس المذاب " اهـ. ليكون أشد لحر النار وصليها أعاذنا الله منها.

(2) الدرع ثوب ينسج من حديد يلبس في الحرب وقاية من سلاح العدو، والجرب داء، ويقال: خلط غليظ يحدث تحت الجلد من مخالطة البلغم الملح للدم، فيحدث منه بثور صغار له حكة شديدة ألبستهما عوضًا عن الثوبين اللذين مزقتهما في الدنيا من أجل المصيبة.

(3) المدني صحابي مشهور شهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، مات سنة 68هـ، وله 85 سنة، وقيل غير ذلك.

(4) صلى لنا أي صلى بنا، فاللام بمعنى الباء، والحديبية بتخفيف الياء وتشدد تقدم أنها قرية سميت ببئر هناك على مرحلة من مكة، تسمى الآن الشميسي، كان بها الصلح سنة 6 من الهجرة، وهو الفتح المبين.

(5) إثر بكسر الهمزة وهو ما يعقب الشيء، و"سماء" أي مطر كان في تلك الليلة، سماه بذلك لكونه ينزل من جهة السماء، والسماء يطلق على كل ما ارتفع.


 فلما انصرف أقبل على الناس(1) قال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟(2) قالوا: الله ورسوله أعلم(3) قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر(4)، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته. فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب(5)،

ـــــــــــــــــ

(1) أي لما التفت إليهم من صلاته بوجهه الشريف صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أنه أراد السلام لا القيام من مكانه، كما يدل عليه قوله: أقبل على الناس أي التفت إلى المأمومين كما هو معلوم من حاله وحال أصحابه، وإتيانهم بالذكر المندوب.

(2) لفظ استفهام، ومعناه التنبيه. وفي النسائي: " ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟"، وهذا من الأحاديث القدسية، وفيه إلقاء العالم على أصحابه المسألة ليختبرهم.

(3) أي من كل عالم، وفيه حسن الأدب للمسئول إذا سئل عما لا يعلم أن يكل العلم إلى عالمه، وذلك واجب.

(4) يعني إذا اعتقد أن للنوء تأثيرا في إنزال المطر فهذا كفر؛ لأنه شرك في الربوبية، وإن لم يعتقد ذلك فهو من الشرك الأصغر؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره؛ لأن الله لم يجعل النوء سببا لإنزال المطر فيه، ودل على أنه لا يجوز لأحد أن يضيف أفعال الله إلى غيره، والإضافة في قوله: (عبادي) هنا للعموم؛ لقوله: " مؤمن بي وكافر "، كقوله: }فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ{.

قال المصنف: ((وفيه التفطن للإيمان في هذا الموضع، يشير إلى أنه الإخلاص)).

(5) أي من نسب المطر إلى الله، واعتقد أنه أنزله بفضله ورحمته من غير استحقاق من العبد على ربه، وأثنى به عليه، فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته. وفي رواية: "فأما من حمدني على سقياي، وأثنى علي فذاك من آمن بي". والفـضل والرحمة=


 وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب(1) ".

ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: " قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا(2)، فأنزل الله هذه

ـــــــــــــــــ

= صفتان لله، ومذهب أهل السنة والجماعة أن ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الذات، كالحياة والعلم، وصفات الأفعال كالرحمة التي يرحم الله بها عباده، كلها صفات لله قائمة بذاته، ليست قائمة بغيره، وفيه أن النعم لله لا يجوز أن تضاف إلا إليه وحده، وهو الذي يحمد عليها، ولا ينافي الدعاء لمن أحسن إليك وذكر ما أولاك من المعروف، إذا سلم دينك، والسر -والله أعلم- أن العبد يتعلق قلبه بمن يظن حصول الخير من جهته وإن كان لا صنع له في ذلك، وذلك نوع شرك خفي فمنع من ذلك.

(1) يعني نسبة المطر إليه، قال الشافعي وغيره: على ما كان أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه يمطر نوء كذا، فذلك كفر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وقال المصنف: فيه التفطن للكفر في هذا الموضع يشير إلى أن نسبة النعمة إلى غير الله كفر، ولهذا قطع بعض العلماء بتحريمه، وإن لم يعتقد تأثير النوء بإنزال المطر، فيكون من جحد النعم؛ لعدم نسبتها إلى الذي أنعم بها، ونسبتها إلى غيره كما سيأتي. ولما كان إنزال الغيث من أعظم نعم الله وإحسانه إلى عباده لما اشتمل عليه من منافعهم، فلا يستغنون عنه أبدا كان من شكره أن يضيفوه إليه سبحانه ويشكروه؛ فإن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، والله سبحانه هو المنعم على الإطلاق.

(2) أي صدق سحاب ومطر النجم الفلاني، ولفظه عن ابن عباس قال: مطر الناس عـلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر"، قالوا هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد=


 الآية. }فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ{ إلى قوله: }تُكَذِّبُونَ{(1).

ـــــــــــــــــ

= صدق نوء كذا وكذا ". قال: فنزلت هذه الآية، وفي رواية أخرى: " ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم كافرين ".

(1) هذا قسم من الله سبحانه، يقسم بما شاء من خلقه على ما شاء، والأكثرون أن المراد نجوم السماء، ومواقعها مغاربها ومطالعها، وجوابه: }إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ{ فتقديره: ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر وكهانة، بل هو قرآن كريم، وقال ابن عباس: يعني نجوم القرآن، نزل جملة ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا في السنين بعدد مواقعها، أي وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به عليه، : }إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ{ أي إنه وحي الله وتنزيله وكلامه، لا كما يقوله الكفار: إنه سحر أوكهانة أو شعر، بل هو قرآن كريم، أي عظيم كثير الخير؛ لأنه كلام الله: }فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ{ معظم محفوظ موقر. قيل: هو اللوح المحفوظ، وصحح ابن القيم أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله: }فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ{. ويدل عليه قوله: }لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ{ يعني الملائكة، وقال جماعة: }لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ{من الجنابة والحدث. والمراد بالقرآن ههنا المصحف؛ لما رواه مالك وغيره أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم " أن لا يمس القرآن إلا طاهر ". وقوله: }تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ{ أي هذا القرآن منزل من رب العالمين، لا كما يقولون: إنه سحر وكهانة وشعر، أو مخلوق، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، منزل من رب العالمين: }نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ{ على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين: }أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ{ الذي ذكرت نعوته الموجبة لإعظامه: }أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ{ متهاونون به.

وعن ابن عباس وغيره مكذبون. وقوله: }وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ{ أي: شكركم التكذيب، وأكثر الروايات أنها نزلت في القائلين بنوء كذا وكذا من غير تعرض لما تقدم.


 باب قول الله تعالى: }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ{ الآية(1).

ـــــــــــــــــ

(1) لما كان من المحبة محبة خاصة لا تصلح إلا لله عز وجل، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، ولا يجوز تعليقها بغير الله أصلا، ومتى أحب العبد بها غيره تعالى كان مشركا شركا لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وقد سوى المشركون بين الله وبين آلهتهم فيها، ترجم لها المصنف -رحمه الله- بهذه الآية الكريمة؛ ليظهر ويوضح ما دلت عليه من الشرك باتخاذ الند، وهو المثل والشرك في محبة التأله والتعظيم التي هي أصل دين الإسلام، وبكمالها يكمل، وبنقصها ينقص. قال ابن كثير: يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، وما لهم في الآخرة من العذاب والنكال، حيث جعلوا لله أندادا، أي أمثالا ونظراء: }يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ{ أي يساوونهم بالله في المحبة والتعظيم، وهو اختيار شيخ الإسلام في الآية، كما حكى الله هذه التسوية عنهم في قوله: }تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ{. وقال: }ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ{.

وهذا الند وهذه التسوية وهذا العدل إنما هو في المحبة لا في الخلق والربوبية؛ فإنه ليس أحد من أهل الأرض يثبته، بخلاف المحبة؛ فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا وساووهم به وعدلوهم بربهم في المحبة والتعظيم: }وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ{ أي أشد حبَّا لله من أصحاب الأنداد لله، وقيل لأندادهم، فدلت الآية على أن من أحب شيئًا كحب الله فقد اتخذه ندا لله، قال المصنف: ((وفيه أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر)). اهـ.  والمحبـة قسمـان: مشتركة ومختصة. والمشتركة ثلاثة أنواع: طبيعية كمحبة الجائع للطعام، ومحبة إجلال وإعظام، ومحبة إشفاق كمحبة الولد لوالده والوالد لولده، ومحبة أنس وإلف كمحبة الشريك=


 وقوله: }قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ{ إلى قوله: }أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ{ الآية(1).

ـــــــــــــــــ

= في تجارة أو صناعة أو سفر أو غير ذلك، فهذه الثلاثة لا تستلزم التعظيم، ولا يؤاخذ أحد بها، ولا تزاحم المحبة المختصة، فلا يكون وجودها شركا في محبة الله، لكن لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه من تلك. وأما المختصة فهي محبة العبودية، المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم والطاعة والإيثار على مراد النفس، فهذه لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره فقد أشرك الشرك الأكبر.

(1) أمر الله نبيه أن يتوعد من أحب هذه الأصناف فآثرها أو بعضها على حب الله ورسوله، وفعل ما أوجب الله عليه من الأعمال التي يحبها ويرضاها، كالهجرة والجهاد ونحو ذلك. وكانت نزلت في المسلمين الذين بمكة، لما أمروا بالهجرة قالوا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا، وذهبت تجارتنا، وخربت ديارنا وقطعنا أرحامنا، وكان منهم من يتعلق به أهله وولده، ويقولون: ننشدك بالله أن لا تضيعنا فيرق لهم ويدع الهجرة، فبدأ الله بالآباء والأبناء والإخوان، وكذا الأصدقاء ونحوهم، وزهدهم فيه، ثم قطع علائقهم عن زخارف الدنيا فقال: }وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا{أي اكتسبتموها، وأصل الإقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره: }وَتِجَارَةٌ{أي أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح: }تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا{بفوات وقت رواجها: }وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا{ أي منازل تعجبكم الإقامة فيها: }أَحَبَّ إِلَيْكُمْ{أي إن كانت هذه الأشياء أحب إليكم: }مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ{.

والمراد بالحب هنا الحب الاختياري المستتبع لأثره، الذي هو الملازمة وتقديم الطاعة، لا ميل الطبع؛ فإنه أمر جبلي لا يمكن تركه، ولا يؤاخذ العبد عليه، ولا يكلف بالامتناع منه.}فتربّصوا{ أي انتظروا ماذا يحل بكم من عقابه. قال المصنف: ((وفيه الوعيد على من كانت الثمانية أحب إليه من دينه)) اهـ. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: }قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي{.


 عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". أخرجاه(1) ولهما عنه(2)

ـــــــــــــــــ

= فإنه لما كثر المدعون لمحبة الله طولبوا بإقامة البينة، فجاءت هذه الآية ونحوها، فمن ادعى محبة الله وهو يحب ما ذكر على الله ورسوله فهو كاذب، كمن يدعي محبة الله وهو على غير طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) أي لا يؤمن الإيمان الواجب، والمراد كماله، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلام العرب، ولابن حبان: " لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان ". ومعنى الحقيقة هنا الكمال، حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى العبد " من ولده ووالده والناس أجمعين "؛ لأن بسببه صلى الله عليه وسلم الحياة الأبدية، والإنقاذ من الضلال إلى الهدى، بل ولا يحصل هذا الكمال إلا بأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه، كما في قصة عمر لما قال له: " لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك. قال له عمر: فإنك الآن أحب إلي من نفسي. فقال: الآن يا عمر ". رواه البخاري. ومحبته صلى الله عليه وسلم تقتضي طاعته واتباع ما أمر به، وتقديم قوله دون من سواه.

قال شيخ الإسلام: وكل مسلم يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام، وكل مسلم لا بد أن يكون مؤمنًا، وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق؛ لأن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين، وفي هذا الحديث أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة من عمل القلب، وفيه أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها.

(2) أي وللبخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه.


 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان(1): أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما(2)، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) أي ثلاث خصال من وجدن فيه تامة وجد بهن حلاوة الإيمان، لما يحصل به من لذة القلب ونعيمه وسروره وغذائه، والحلاوة هنا هي التي يعبر عنها بالذوق، وهي حلاوة محسوسة، يجدها أهل الإيمان في قلوبهم، أعلى من حلاوة المطعوم الحلو في الفم، فيستلذ الطاعات ويتحمل المشقات في رضى الله، ويحبه بفعل طاعته وترك مخالفته، وقد شبه الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: }ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ{، فالكلمة هي كلمة الإخلاص، والشجرة الإيمان، وأغصانها الأمر والنهي، وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات، وحلاوة الثمر جني الثمرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة، وبه تظهر حلاوتها.

(2) وفي لفظ: " أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين ". والمراد بالسوى هنا ما يحبه الإنسان بطبعه، كمحبة المال والولد والأزواج ونحوها، وثنى الضمير هنا لتلازم المحبتين، ومحبة الله تستلزم محبة طاعته؛ فإنه يحب من عبده أن يطيعه، والمحب يحب ما يحب محبوبه ولا بد.

(3) أي يحب المرء الذي يعتقد إيمانه وعبادته، لا يحبه إلا لله، أي لأجل طاعة الله، وكان الصحابة يؤثر بعضهم بعضا على نفسه محبة في الله ولله وتقربا إليه، قال الله عنهم: }وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ{. ومن لازم محبة الله محبة أهل طاعته، كمحبة أنبيائه ورسله والصالحين من عباده، ومحبة الله ومحبة من يحبه الله من كمال الإيمان، وحقيقة الحب في الله أن لا ينقص بالجفاء ولا يزيد بالبر.


 وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار(1) ".

وفي رواية: " لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى " إلى آخره(2). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: " من أحب في الله وأبغض في الله(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) يعود أي يرجع، فمعناه يصير والعود والرجوع بمعنى الصيرورة، والمقصود أنه يستوي عنده الأمران، كراهة عوده إلى الكفر ككراهة قذفه في النار. وفيه دليل على فضيلة من أكره على الكفر فأبى إلا أن يقتل. قال شيخ الإسلام: أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئًا واشتهاه، إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، والسرور أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى، فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة، وتفريغها ودفع ضدها، فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وتفريغها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ودفع ضدها أن يكره ضد الإيمان كما يكره أن يقذف في النار.

(2) هذه الرواية أخرجها البخاري في الأدب من صحيحه، ولفظه: " لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما".

(3) أي أحب أهل الإيمان بالله وطاعته من أجل ذلك، فالحب في الله من ثمرات حب الله، ومن موجبات الإسلام. "وأبغض في الله" أي أبغض من كفر بالله وأشرك=


 ووالى في الله وعادى في الله(1)، فإنما تنال ولاية الله بذلك(2)، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك(3)،

ـــــــــــــــــ

= به وعصاه، لارتكابه ما يسخط الله، وإن كانوا أقرب الناس إليه، كما قال تعالى: }لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ{ الآية.

(1) والى بالمحبة والنصرة بحسب القدرة، وعادى من كان عدوا لله ممن أشرك به وكفر وظاهر بالمعاصي، وهذا والذي قبله من لوازم محبة العبد لله، فمن أحب الله أحب فيه ووالى أولياءه وعادى أهل معصيته وأبغضهم، وكلما قويت محبة العبد لله في قلبه قويت هذه الأعمال المترتبة عليها، وبكمالها يكمل توحيد العبد، وبضعفها يضعف، وهذه المراتب الأربع هي ثمرة الإيمان ودعائم الملة.

(2) أي توليه لعبده، والولاية بفتح الواو وتكسر المحبة والنصرة، وبالكسر الإمارة، والمراد هنا الأولى. وأخرج أحمد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق الولاية لله ".

(3) أي لا يحصل له ذوق الإيمان ولذته وسروره والفرح به، وإن كثرت عبادته حتى يكون كذلك، أي حتى يحب في الله ويبغض في الله، ويعادي في الله ويوالي في الله، قال تعالى: }قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ{. وفي حديث أبي أمامة مرفوعا: " من أحب في الله وأبغض في الله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان " رواه أبو داود، وللترمذي من حديث معاذ=


 وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا(1)، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا(2) ". رواه ابن جرير(3).

وقال ابن عباس في قوله: }وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ{ قال: المودة(4).

ـــــــــــــــــ

= نحوه، وزاد أحمد: "ونصح لله"، وله عن عمرو بن الجموح: " لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله ". ومن حديث البراء: " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ".

(1) أي إذا ضعف داعي الإيمان أحب دنياه وأحب لها، وآخى لأجلها، وهذا هو الغالب على أكثر الخلق؛ فإنك لا تجد غالبهم إلا وهو يقدم محبة دنياه، ويؤثر ما يهواه على ما يحبه الله ورسوله، وإذا كانت البلوى قد عمت بهذا في زمن ابن عباس خير القرون، فما زاد الأمر بعد ذلك إلا شدة، حتى وقعت الموالاة على الشرك والبدع والفسوق والعصيان، ووقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من غربة الإسلام، وأنه سيعود غريبا كما بدأ.

(2) أي لا ينفعهم بل يضرهم، كما قال تعالى: }الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ{.

(3) وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم الجملة الأولى منه فقط.

(4) أي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، يتواصلون بها ويتحابون بها، تقطعت بهم، وخانتهم أحوج ما كانوا إليها، وصارت عداوةً يوم القيامة، وتبرأ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: }إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ{.

وأول الآية: }إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا{. فـالمتبعـون كـانوا=


................................................................................

ـــــــــــــــــ

= على الهدى وأتباعهم ادعوا أنهم على طريقتهم، وهم مخالفون لهم، ويزعمون أن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم، فيتبرؤون منهم يوم القيامة، فإنهم اتخذوهم أولياء من دون الله، وهكذا حال كل من اتخذ من دون الله وليا؛ فإن الله عز وجل أبطل ذلك العمل، وقطع تلك الأسباب، ولم يبق إلا السبب الواصل بين العبد وربه، وهو تجريد عبادته وحده من الحب والبغض والعطاء والمنع والموالاة والمعاداة، وتجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو السبب الذي لا ينقطع بصاحبه. وهذا الأثر رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.


 باب قول الله تعالى: }إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ{(1).

ـــــــــــــــــ

(1) لما كان الخوف من الله أجل مقامات الدين وأشرفها وأفضلها، وأجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله تعالى، نبه المصنف بالترجمة بهذه الآية على وجوب إخلاص الخوف لله، وقد ذكره الله في غير موضع من كتابه، كقوله: }يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ{، }وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ{: }وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ{، وغير ذلك من الآيات. و }إِنَّمَا{ أداة حصر، والشيطان علم لإبليس اللعين، }يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ{ أي يخوفكم بأوليائه، ويوهمكم أنهم ذو بأس شديد، وقال قتادة: يعظمهم في صدوركم. }فَلا تَخَافُوهُمْ{ أولياءه الذين خوفكم إياهم، }وَخَافُونِ{في مخالفة أمري، وتوكلوا علي فإني كافيكم وناصركم عليهم، وهذا هو الإخلاص الذي أمر الله به عباده ورضيه منهم، : }إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ{ جعله شرطًا في الإيمان؛ لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس، ولأن من عرف أن الخوف عبادة، وصرفه لغير الله شرك، لم يصرفه لغيره،

وكلما قوي إيمان العبد زال خوف أولياء الشيطان من قلبه، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم، قال المصنف: وفيه أن إخلاص الخوف من الفرائض، والخوف على ثلاثة أقسام:

(أحدها) خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أو غير ذلك أن يصيبه بما يكره، كما قال تعالى: }وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ{، وهو الواقع من عباد القبور ونحوها، يخافونها ويخوفون بها أهل التوحيد.

(الثاني) أن يترك ما يجب عليه من جهاد وأمر بمعروف ونهي عن منكر لغير عذر خوفا من بعض الناس، فهذا محرم، وهو نوع من الشرك بالله المنافي لكمال التوحيد، وهذا هو سبب نزول الآية، كقوله:

}الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَـعُوا لَكُـمْ فَاخْـشَوْهُمْ{. وفي=


 وقوله: }إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ{(1).

ـــــــــــــــــ

= الحديث: " إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر أن لا تغيره؟ فيقول: رب خشية الناس، فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى ". رواه أحمد وغيره.

(الثالث) الخوف الطبيعي، وهو الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك، فهذا لا يذم، كقوله: }فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ{.

وأما خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: }ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ{ ونحو ذلك، فهو أعلى مراتب الإيمان.

(1) (إنما) أداة حصر، يخبر تعالى أنه لا يعمر مساجده حقيقة إلا الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا بجوارحهم، وداوموا على إقام الصلاة بأركانها وواجباتها وسننها، وأعطوا الزكاة مستحقيها، وأخلصوا لله الخشية، أي المخافة والهيبة التي ينبني عليها أساس العبادة، والتي هي مخ عبودية القلب، ولا تصلح إلا لله وحده، وهي الشرط الذي هو وجه مناسبة الآية للترجمة، ولا محالة أن الإنسان يخشى المحاذير الدنيوية، ولكن ينبغي له أن يخشى في ذلك قضاء الله وتصريفه. وقوله: }فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ{ أي وأولئك هم المهتدون، وكل عسى في القرآن فهي واجبة.

وفي الحديث: " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ". قال تعالى: }إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ{الآية. رواه أحمد والترمذي وغيرهما. فأثبت تعالى عمارتها للمؤمنين بعد أن نفى ذلك عن المشركين؛ لأن عمارة المساجد بالطاعة والعمل الصالح، لا مجرد العمارة بالبناء فقط، وإن كان يدخل فيها، ويعم ترميمها وتنظيفها، فلا تكون عامرة إلا بالإيمان والعمل الصالح، الخالص من شوائب الشرك والبدع، وإدامة العبادة والذكر، وصيانتها عما لم تبن له.


 وقوله: }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ{ الآية(1). وعن أبي سعيد مرفوعا: " إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله(2)،

ـــــــــــــــــ

(1) أي ومن بعض الناس من يدعي الإيمان بلسانه، ولم يثبت في قلبه: }فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ{، أي لأجل الله جل وعلا، فأصابته محنة اعتقد أنها من نقمة الله فارتد عن الإسلام.

قال ابن عباس: يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله. وقال ابن القيم: ((أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة، أنه إذا أوذي في الله: }جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ{ له -وهي أذاهم ونيلهم له بالمكروه، وهو الألم الذي لا بد أن ينال الرسل وأتباعهم ممن خالفهم- جعل ذلك في فراره منه، وتركه السبب الذي يناله به، : }كَعَذَابِ اللَّهِ{ الذي فر منه المؤمنون بالإيمان، فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحملوا ما فيه من الألم الزائل المفارق عن قريب، وهذا لضعف بصيرته فر من ألم أعداء الرسل إلى موافقتهم، ففر من ألم عذابهم إلى عذاب الله، فجعل ألم فتنة الناس بمنزلة ألم عذاب الله، وغبن كل الغبن إذ استجار من الرمضاء بالنار، وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر الله جنده وأولياءه قال: إني كنت معكم، والله عليم بما انطوى عليه صدره من النفاق)) اهـ. فلا ينبغي للعبد أن يخاف غير الله، ولا يصدق عليه الإيمان الشرعي إلا باعتقاد القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح، وفيه الخوف من مداهنة الخلق، والمعصوم من عصمه الله، ومطابقة الآية للترجمة أن الخوف من الناس أن ينالوه بما يكره بسبب الإيمان بالله من جملة الخوف من غير الله.

(2) الضعف بالضم في لغة قريش، وبالفتح في لغة تميم ضـد القـوة والصحة، فالمضموم مصدر ضعف ضعفا كقرب قربا، والمفتوح من بـاب قـتل، واليقـين ضد=


وأن تحمـدهم عـلى رزق الله(1)، وأن تذمهم عـلى مـا لم يؤتـك الله(2)،

ـــــــــــــــــ

= الشك: كمال الإيمان. وقال ابن مسعود: ((اليقين الإيمان كله، والصبر نصف الإيمان)). وروي عنه مرفوعا. ويدخل فيه تحقيق الإيمان بالقدر السابق، كما في حديث ابن عباس مرفوعا: " فإن استطعت أن تعمل بالرضى في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ". وفي رواية: كيف أصنع باليقين؟ قال: " أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ". فمن ضعفه أن تؤثر رضاهم على رضى الله، فتوافقهم على ترك المأمور أو فعل الحظور، استجلابا لرضاهم، وذلك لأنه لم يقم بقلبه من إعظام الله وإجلاله وهيبته ما يمنعه من استجلاب رضى المخلوق، بما يجلب له سخط خالقه، وبهذا الاعتبار يدخل في نوع من الشرك؛ لأنه آثر رضى المخلوق على رضى الخالق، وتقرب إليه بما يسخط الله، ومن قوي إيمانه آثر رضى الخالق على رضي المخلوق، فحصل له رضي الله ورضى الخلق.

(1) وتشكرهم على ما وصل إليك من أيديهم بأن تضيفه إليهم وتحمدهم عليه، وتنسى الله عز وجل فإن المتفضل في الحقيقة هو الله الذي قدره لك وأوصله إليك، وإذا أراد أمرا قيض له أسبابًا. ولا ينافي هذا الحديث: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"؛ لأن شكرهم إنما هو بالدعاء لهم، لكون الله ساقه على أيديهم، فتدعو لهم أو تكافئهم لحديث: "من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه".

فإضافة الصنيعة إليهم إنما هو لكونهم صاروا أسبابًا في إيصال المعروف إليك، وإلا فالذي قدره وساقه هو الله وحده.

(2) لأنه لم يقدر لك ما طلبته على أيديهم، فلو قدره لك لساقته المقادير إليك.


 إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره(1) ".

ـــــــــــــــــ

(1) بل كل شيء بقضاء الله وقدره سبحانه وبحمده، قال تعالى: }مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{. ومن علم أن المتفرد بالعطاء والمنع هو الله وحده، وأنه هو الذي يرزق بسبب وبلا سبب ومن حيث لا يحتسب، لم يمدح مخلوقًا على رزق، ولم يذمه على منع، ويفوض أمره إلى الله، ويعتمد عليه في أمر دينه ودنياه، ويسلم قلبه له، وقد بايع جماعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يسألوا الناس شيئًا ولم يبح إلا لضرورة، محافظة على كمال الحب لله، وإخلاص التوكل عليه.

قال شيخ الإسلام: اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله، وما وعد الله أهل طاعته، واليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بقدر الله لم تكن موقنًا لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك إما ميل إلى ما في أيديهم، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديقه بما وعد الله نصرك ورزقك، وكفاك مؤنتهم، وإرضاؤهم بما يسخطه إنما يكون خوفًا منهم، ورجاءً لهم، وذلك من ضعف اليقين، وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يقدر كان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم، ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، ولكن من حمده الله ورسوله منهم فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله منهم فهو المذموم، ولما قال بعض وفد بني تميم: "أي محمد أعطني فإن حمدي زين وذمي شين ". قال: "ذلك الله عز وجل".


 وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من التمس رضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ". رواه ابن حبان في صحيحه(1).

ـــــــــــــــــ

(1) بهذا اللفظ، ورواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي، وأعله بمحمد بن مروان السدي، وقال: ضعيف.

وفيه أيضًا عطية العوفي ذكره الذهبي في الضعفاء والمتروكين، ومعناه صحيح، وتمامه: " وإن الله بحكمته جعل الروح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ".

وفيه: أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من مسمى الإيمان، والشاهد من حديث الباب قوله: " ومن التمس رضى الناس بسخط الله ".

ورواه الترمذي عن رجل من أهل المدينة، قال: كتب معاوية إلى عائشة أن اكتبي لي كتابا، توصيني فيه ولا تكثري عليَّ، فكتبت إليه: سلام عليك أما بعد: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من التمس رضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس". والسلام عليك. "التمس" أي طلب وقال شيخ الإسلام: وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته. "من أرضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، لم يغنوا عنه من الله شيئًا". هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف: "من أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، عاد حامده من الناس ذامًا". وهذا من أعظم الفقه في الدين؛ فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، والله كاف عبده: }وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِـنْ حَيْثُ لا يَحْتَـسِبُ{. والله يـكفيه=


...............................................................................

ـــــــــــــــــ

= مؤنة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبينت العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا، وأما كون حامده ينقلب له ذامًا فهذا يقع كثيرًا، ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى لا تحصل ابتداء عند أهوائهم. وفي هذا الحديث بيان عقوبة من خاف الناس وآثر رضاهم على رضى الله، وأن العقوبة قد تكون في الدين كقوله: }فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ{ الآية.


 باب قول الله تعالى: }وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ{(1).

وقوله تعالى: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ{ الآية(2).

ـــــــــــــــــ

(1) التوكل الاعتماد والتفويض، وهو من عمل القلب، يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان إذا اعتمدت عليه، أراد المصنف بالترجمة بهذه الآية بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله؛ فإن تقديم المعمول يفيد الحصر، أي " وعلى الله فتوكلوا " لا على غيره، فهو أجمع أنواع العبادة، وأعلى مقامات التوحيد، وأعظمها وأجلها؛ لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة، فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل من سواه صح إخلاصه ومعاملته مع الله، ولذلك أمر الله به في غير آية من كتابه، بل جعله شرطًا في الإيمان والإسلام، كما في الآية، وقوله: }إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ{، فدل على انتفاء الإيمان والإسلام بانتفائه. وقال شيخ الإسلام: وما رجا أحد مخلوقا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه؛ فإنه شرك. والتوكل قسمان: أحدهما التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت، فهذا شرك أكبر. وأما التوكل على الأحياء الحاضرين والسلاطين ونحوهم فيما أقدرهم الله عليه، من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك فهو نوع شرك أصغر، والمباح أن يوكل شخصًا بالنيابة عنه في التصرف من أمور دنياه، فهذا جائز بالإجماع، لكن لا يقول: توكلت عليه، بل وكلته؛ فإنه ولو وكله فلا بد أن يتوكل في ذلك على الله.

(2) وجلت خافت، قال ابن عباس: المنافقون لا يدخل في قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آياته، ولا يتوكلون على الله، =


 وقوله: }يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ{(1).

وقوله: }وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ{(2).

ـــــــــــــــــ

= ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ{الآية، فأدوا فرائضه. وقال السدي: ((هو الرجل يهم يريد أن يظلم، أو قال: يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله. فيوجل قلبه)). رواهما ابن جرير وغيره. وقوله: }وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً{. دلت على زيادة الإيمان ونقصانه، وقد أجمع عليه أهل السنة: }وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ{ أي لا يرجون غيره بل يعتمدون عليه، ويفوضون أمورهم إليه، فوصفهم –تعالى- بأعلى مقامات الإحسان وهي الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده، وهذه تقتضي كمال الإيمان، وحصول أعماله الظاهرة والباطنة.

(1) أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد، ونظيرها قوله: }فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ{. فالرغبة والتوكل والحسب ونحو ذلك لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود لا يكون إلا لله وحده، وبه يظهر مطابقة الآية للترجمة، فإذا كان هو الكافي لعبده وحده، وجب أن لا يتوكل إلا عليه.

(2) أي كافيه، وقد جعل الله سبحانه لكل عمل جزاء، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته، وإذا كان الله سبحانه نفسه كافيًا عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه فلا مطمع فيه لعدو، ولو توكل عليه حق توكله فكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له فرجًا ومخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وفيها دليل على فضل التوكل وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار، والتنبيه بالقيام بالأسباب مع التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزًا، ولا عجزه توكلاً، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها.


 وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: }حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{(1). قالها إبراهيم -عليه السلام- حين ألقي في النار(2)، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: }إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{. رواه البخاري والنسائي(3).

ـــــــــــــــــ

(1): }حَسْبُنَا اللَّهُ{ أي كافينا فلا نتوكل إلا عليه، قال تعالى: }أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ{.

}وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{ أي نعم الموكول إليه أمور عباده، ونعم من توكل عليه المتوكلون، كما قال: }وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ{. ومخصوص نعم محذوف، تقديره: نعم الوكيل الله، فهو سبحانه حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه.

(2) وفي رواية: "كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبنا الله ونعم الوكيل ". رواه البخاري. وذلك لما دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فأبوا، فكسَّر أصنامهم، فجمعوا له حطبا، وأضرموا له نارًا، ورموه بالمنجنيق، }قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ{، فعارضه جبرائيل في الهوى، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، : }حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فقال الله: }كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ{.

(3) وذلك بعد منصرف قريش والأحزاب من أحد، فمر بهم ركب من عبد القيس فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قالوا: هل أنتم مبلغون عنا محمدا رسالة؟ قالوا: نعم. قالوا: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو=


.................................................................................

ـــــــــــــــــ

= بحمراء الأسد، خارجًا لقتالهم في سبعين راكبا، منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو عبيدة -لما بلغه أن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا الكرة عليهم- فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقال: }حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ{، ورد الله كيد أبي سفيان، وألقى الرعب في قلبه، فرجع إلى مكة. وفي الحديث: "إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ". فهي كلمة التفويض والاعتماد، والكلمة التي شرع أن تقال عند الكروب والشدائد. وفيه أن التوكل أعظم الأسباب في حصول الخير، ودفع الشر في الدنيا والآخرة.


 باب قول الله تعالى: }أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ{(1).

(1) أراد المصنف بالترجمة بهذه الآية التنبيه على أن الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب، وأنه ينافي التوحيد، كما أن القنوط من رحمة الله كذلك، وذلك يرشد إلى أن المؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، كما دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، فلا يغلب جانب الرجاء فيأمن مكر الله، ولا يغلب جانب الخوف فييأس من روح الله. قال بعض السلف: ((من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن)). قال تعالى: }أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ{ ومعنى الآية أن الله تعالى لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل، بين أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من مكر الله، وعدم الخوف منه، وذلك أنهم أمنوا مكر الله لما استدرجهم بالسراء والنعم، فتمادوا في المعاصي والمخالفات، واستبعدوا أن يكون ذلك مكرا. وفي الحديث: " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج ". رواه أحمد وغيره.

وقال الحسن: ((من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له)). وفسر السلف المكر باستدراج الله العبد بالنعم إذا عصى، وإملائه له حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر. قال المصنف: ((مكر الله هو أنه إذا عصاه وأغضبه أنعم عليه بأشياء يظن أنها من رضاه عليه)) اهـ. وخوف العبد ينشأ من أمور: معرفته بالجناية وقبحها، وتصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها، وكونه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب، وبهذه الثلاثة يتم له الخوف، وقوته بحسب قوتها وضعفها، وذلك قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد.


 وقوله: }وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ{(1).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " سئل عن الكبائر فقال: الإشراك بالله، واليأس من روح الله(2)،

ـــــــــــــــــ

(1) القنوط استبعاد الفرَج، واليأس منه -والفرق بينهما لطيف- وسوء الظن بالله، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم منافيان لكمال التوحيد، ذكرهما المصنف تنبيها على أنه لا يجوز لمن خاف الله أن يقنط من رحمته، بل يكون خائفًا راجيًا، يخاف ذنبه ويعمل بطاعة الله ويرجو رحمة ربه، كما قال تعالى: }وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ{. وقال: }أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ{. ومعنى الآية أن الله لما بشر إبراهيم بإسحاق استبعد ذلك على كبر سنه، فقالت له الملائكة: }بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ{ الذي لا ريب فيه، : }فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ{ أي الآيسين. فقال: }وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ{. فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم، لكنه قال ذلك على وجه التعجب، والضالون المخطئون طريق الصواب، أو الكافرون، كقوله: }إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ{. وفي الترمذي وغيره مرفوعًا: " العاجز الراجي لرحمة الله أقرب منها من العابد القنط ". وقال تعالى: }قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ{ الآية. وقال الشيخ: ((القنوط بأن يعتقد بأن الله لا يغفر له إما بكونه إذا تاب لا يقبل توبته، وإما أن يقول: نفسه لا تطاوعه على التوبة بل هو مغلوب معها، فهو ييأس من توبة نفسه)).

(2) أي قطع الرجاء والأمل من الله، فيما يرومه ويقصده ويخافه ويرجوه، قال تعالى: }وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ{ وذلك إساءة ظن بالله، وجهل بسعة رحمته وجوده ومغفرته، والإشراك بالله في ربوبيته أو عبادته هو أكبر الكبائر بالإجماع، ولهذا بدأ به، وقد تقدم في غير موضع.


 والأمن من مكر الله(1)".

وعن ابن عباس قال: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله(2)، واليأس من روح الله ". رواه عبد الرزاق(3).

ـــــــــــــــــ

(1) أي من استدراجه للعبد، أو سلبه ما أعطاه من الإيمان، وذلك جهل بالله وبقدرته، وثقة بالنفس وعجب بها، وهذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم ورجاله ثقات، إلا أن في سنده شبيب بن بشر لينه أبو حاتم، ووثقه ابن معين. وقال ابن كثير: ((في إسناده نظر والأشبه أن يكون موقوفًا)).

(2) قال أبو السعادات: ((القنوط هو أشد اليأس، وفي التنبيه على الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط، ولا ييأس بل يرجو رحمة الله، فينبغي له عند استكمال العافية والنعم أن يرجح جانب الخوف؛ فإنه إذا غلب الرجاء الخوف فسد القلب، وعند المصائب والموت يغلب جانب الرجاء، ويحسن الظن بالله عز وجل)).

(3) هو ابن همام بن نافع الحميرى مولاهم، أبو بكر الصنعاني الحافظ، المصنف الشهير، سئل أحمد: أرأيت أحدًا أحسن حديثًا من عبد الرزاق؟ قال: لا. روى عن أبيه وعمه وهب ومعمر وغيرهم، وعنه ابن عيينة

ومعتمر وهما من شيوخه، وأحمد وإسحاق وخلق، ولد سنة 126هـ، ومات ببغداد سنة 211هـ. ورواه أيضًا ابن جرير بأسانيد صحاح، ولا يظن أن الكبائر محصورة في هذين الحديثين فقط، فقد تقدم حديث: " اجتنبوا السبع الموبقات ". وقول ابن عباس: ((هن إلى السبعين أقرب منهن إلى السبع)). وفي رواية: ((إلى السبعمائة)). وقد عرفوها بما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان، أو لعن أو غضب أو عذاب، ومن برئ منه الرسول صلى الله عليه وسلم، أو قال: "ليس منا". وما سوى ذلك صغائر، وليس المراد ليتهاون بها، بل كل المعاصي يجب اجتنابها، فكم من صغيرة عادت كبيرة.


 باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله(1)

وقول الله تعالى: }وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ{(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أراد المصنف -رحمه الله- بيان وجوب الصبر على الأقدار وبيان فضله، وتحريم ضده المنقص لكمال التوحيد، والإيمان عند أهل السنة: نطق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان يزيد وينقص. والصبر في اللغة: الحبس والكف، ومنه: قتل فلان صبرا، إذا أمسك وحبس، ومنه: }وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ{ أي احبس نفسك معهم. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والصبر ضياء". ولهما: " ما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر ". وقال علي: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ثم رفع صوته وقال: أما إنه لا إيمان لمن لا صبر له. قال أحمد: ذكره الله في تسعين موضعًا من كتابه، وهو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: صبر على ما أمر الله به، وصبر عما نهى الله عنه، وصبر على ما قدره الله من المصائب، وهو واجب بالإجماع.

(2) أول الآية: }مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ{ أي بقدره ومشيئته وإرادته الكونية القدرية، وحكمته التامة، كقوله: }مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا{ الآية. }وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ{ أي من أصابته مصيبة فعلم أنها من قدر الله فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرًا منه، كما قال: }وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَـيْهِمْ صَـلَوَاتٌ مِنْ رَبِّـهِمْ وَرَحْمَةٌ=


 قال علقمة: ((هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم))(1).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اثنتان في الناس هما بهم كفر(2):

ـــــــــــــــــ

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{. وفي الحديث الصحيح: " عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ". وقوله: }وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ تنبيه على أن ذلك إنما يصدر عن علمه المتضمن لحكمته، وذلك يوجب الصبر والرضى.

(1) هذا الأثر رواه الأعمش عن ابن ظبيان قال: كنا عند علقمة، فقرئ عليه هذه الآية: }وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ{إلى آخرها، وهذا سياق ابن جرير، وقد رواه ابن أبي حاتم، وصححه الشارح، وروي أيضًا عن ابن مسعود، وهذا التفسير منهم للإيمان المذكور في الآية باللازم؛ إذ هو لازم للإيمان الراسخ في القلب، وفيه دليل على أن الأعمال من مسمى الإيمان، وفيها بيان أن الصبر سبب لهداية القلوب، وأنها من ثواب الصابر. وقال سعيد بن جبير: }وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ{ يعني يسترجع يقول: }إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ{. وعلقمة: هو ابن قيس بن عبد الله بن علقمة بن سلامان بن كهل بن بكر بن عوف، ويقال: ابن المنتشر بن النخع الكوفي، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع من أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وهو من كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم، مات بعد الستين وله تسعون.

(2) "هما" أي الإثنتان، بالناس أي فيهم، "كفر" حيث كانتا من أعمال الجاهلية هما قائمتان بالناس، ولا يسلم منهما إلا من سلمه الله، فأطلق الكفر على من قامت به خصلة من هاتين الخصلتين، لكن ليس من قامت به شعبة من شعب الكفر يصير=


 الطعن فى النسب(1)، والنياحة على الميت(2) ".

ولهما عن ابن مسعود مرفوعًا: " ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب(3)،

ـــــــــــــــــ

=كافرا الكفر المطلق، حتى يقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس من قامت به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا الإيمان المطلق، حتى يقوم به أصل الإيمان. وفرق بين الكفر المعرف بأل وذلك المخرج من الملة، كما في قوله: " ليس بين العبد وبين الكفر والشرك إلا ترك الصلاة "، وبين الكفر المنكر في الإثبات فذلك يقتضي التشديد والتهويل والزجر.

(1) أي عيبه، ويدخل فيه أن يقال: ليس هذا ابن فلان مع ثبوت نسبه، أو ليس بنو فلان من بني فلان مع انتسابهم إليهم، وهذا مع عدم وجود دلائل ظاهرة، أو حكم شرعي بنفيه، فلا يجوز الطعن بمستور النسب ومجهوله، فإن الناس مأمونون على أنسابهم. أما إذا كان ذلك لبيان النسب وإثباته وترجيعه إلى أصله فهذا لا يدخل في هذا الوعيد.

(2) أي رفع الصوت بالندب وتعداد فضائل الميت ومحاسنه، والتوجع والتفجع؛ لما فيه من التسخط على قدر الله المنافي للصبر، كقول النائحة: واعضداه واناصراه. ونحو ذلك، والشاهد فيه تحريم الجزع المنافي لكمال التوحيد، وفيه دليل على وجوب الصبر، وأن من الكفر ما لا ينقل عن الملة.

(3) هذا من نصوص الوعيد، وقد كره السلف تأويلها؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر، وهو يدل على أن ذلك ينافي كمال الإيمان الواجب، وخص الخد لكونه في الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه مثله، والجيوب جمع جيب، وهو الذي يدخل فيه الرأس من الثوب، وشقها تمزيقها جزعا على الميت، وذلك من عادة أهل الجاهلية.


 ودعى بدعوى الجاهلية(1) ".

وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا(2)،

ـــــــــــــــــ

(1) قال شيخ الإسلام: هو ندب الميت. وقال غيره: هو الدعاء بالويل والثبور. وقال ابن القيم: الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعضهم على بعض، يدعو إلى ذلك ويوالي عليه، وعن أبي أمامة أنه -عليه الصلاة والسلام- لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور. رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان، وهذه الأمور من الكبائر؛ لما اشتملت عليه من التسخط على الرب جل وعلا، وقد يعفى عن اليسير منها إذا لم يكن على وجه النوح والتسخط، نص عليه أحمد. " ولما دخل أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وضع فمه بين عينيه، ويده على صدغيه، وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه ". رواه أحمد. وصح عن فاطمة أنها قالت: " يا أبتاه أجاب ربا دعاه " الحديث. والحديث لا يدل على البكاء أصلا، وإنما يدل على النهي عما ذكر فيه، وعلى البكاء برنة، وحلق شعر، وخمش وجه، ونحو ذلك.

وأما البكاء على وجه الرحمة والرأفة ونحو ذلك فحسن مستحب، لا ينافي الرضى بقضاء الله، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه، ولما مات إبراهيم قال صلى الله عليه وسلم: " تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ".

(2) أي صب عليه المصائب والبلاء صبا؛ لما فرط من الذنوب منه، فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافى به يوم القيامة. وفي الصحيح: " ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة ". فالمصائب نعمة؛ لأنها تكفر الذنوب، وتـدعو إلى الصـبر، فيثاب عليـها، وتقتضي الإنابة إلى الله والـذل له، والإعراض =


وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي(1) به يوم القيامة ".

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء(2)، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم(3)،

ـــــــــــــــــ

= عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح، إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاص أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون شرا عليه من جهة ما أصابه في دينه، فهذا العافية خير له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة.

(1) يوافي بضم الياء وكسر الفاء، منصوب بحتى، أي لا يجازى بذنبه في الدنيا، بل يؤخر عنه العقوبة، حتى يجيء في الآخرة مستوفي الذنوب وافيها، فيستوفي ما يستحقه من العذاب، وهذا مما يزهد العبد في الصحة الدائمة، خوفًا أن تكون طيباته عجلت له في الحياة الدنيا، وفيه أن البلاء للمؤمن من علامات الخير، والخوف من الصحة الدائمة خشية أن تكون علامة شر، والتنبيه على رجاء الله، وحسن الظن به فيما يقضيه لك مما تكره، وهذه الجملة هي آخر الحديث. ورواه الترمذي وحسنه والحاكم والطبراني، والحاكم أيضًا عن عبد الله بن مغفل، وابن عدي عن أبي هريرة، ولما روى الترمذي هذا الحديث والذي بعده بإسناد واحد وصحابي واحد، وكان معناهما واحدًا، ساقهما المصنف كالحديث الواحد.

(2) بكسر العين وفتح الظاء فيهما، ويجوز ضمها مع سكون الظاء، أي من كان ابتلاؤه أعظم كمية وكيفية كان ثوابه أعظم وفضله أجزل، فإذا صبر واحتسب فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منها، ورجح ابن القيم أن ثوابها تكفير الخطايا فقط، إلا إذا كانت سببًا لعمل صالح كالصبر والرضى والتوبة والاستغفار فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منها.

(3) هذا صريح في حصول الابتلاء لمن أحبه الله، ولهذا ورد في حديث سعد: " أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه، =


فمن رضي فله الرضي(1)، ومن سخط فله السخط". حسنه الترمذي(2).

ـــــــــــــــــ

= فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ". وهذا ونحوه من أدلة التوحيد، فإذا عرف العبد أن الأنبياء والأولياء يصيبهم البلاء في نفوسهم، الذي هو في الحقيقة رحمة، ولا يدفعه عنهم إلا الله، عرف أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا دفعا، فلأن لا يكون لغيرهم أولى وأحرى، وفي أثر إلهي: "أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعائب".

(1) أي من رضي بما قضاه الله وقدره عليه من الابتلاء، فله الرضى من الله جزاء وفاقا، والرضى قد وصف الله به نفسه في مواضع من كتابه، ومذهب السلف إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يليق بجلاله وعظمته، فإذا رضي الله عنه حصل له كل خير، وسلم من كل شر، والرضى هو أن يسلم العبد أمره إلى الله، ويحسن الظن به، ويرغب في ثوابه.

(2) سخط بكسر الخاء وهو الكراهية للشيء، وعدم الرضى به، أي من سخط على الله فيما دبره، فله السخط من الله، وكفى بذلك عقوبة. وعن محمود بن لبيد مرفوعا: " إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع ". وقال المنذري: رواته ثقات. وقد يستدل به على وجوب الرضى، واختار الشيخ وغيره عدم الوجوب، وقال: لم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه، وأعلى من الرضى أن يشكر الله على المصيبة، لما يرى من إنعام الله عليه بها.


 باب ما جاء في الرياء (1)

وقول الله تعال: }قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ{ الآية (2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي من النهي والتحذير عنه، وبيان أنه من الشرك الأصغر، ما لم يرد في أصل العمل وإلا كان من الأكبر، ولما كان خلوص العمل من الشرك والرياء شرطًا في قبوله، لمنافاة الشرك والرياء للتوحيد، نبه عليه المصنف تحقيقًا للتوحيد. والرياء مصدر راءى يرائي مراءاة ورياء، وهو أن يري الناس أنه يعمل عملاً على صفة، وهو يضمر في قلبه صفة أخرى، فهو مستحق للذم والعقاب، ولا ثواب له إلا فيما خلصت فيه النية لله تعالى. وقال الحافظ: ((الرياء إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدونه عليها)) ا هـ. والفرق بينه وبين السمعة، أن الرياء لما يرى من العمل كالصلاة والصدقة، والسمعة لما يسمع كالقراءة والوعظ والذكر، ويدخل في ذلك التحدث به. وهذه الترجمة والتي بعدها في الشرك في النية، وهو البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله، أو نوى شيئًا غير التقرب إلى الله وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص أن يخلص لله في أقواله وأفعاله وإراداته ونياته.

(2) أي (قل) يا محمد: }إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ{ فليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك لله وحده لا شريك له، أوحي إلي أن توحدوه: }فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ{ يخاف المصير إليه، ويأمل لقاء الله ورؤيته. وقال شيخ الإسلام: ((فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة، وقالوا: لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه يوم القيامة)) اهـ. وفسر اللقاء بالمعاينة؛ فـإنه تـعالى أجل وأعظم من أن تحـيط به=


 وعن أبي هريرة مرفوعا: " قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك(1)، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ". رواه مسلم(2).

ـــــــــــــــــ

= الأبصار: }فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً{ وهو ما كان موافقا لشرع الله، مقصودًا به وجهه، : }وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً{ أي لا يرائي بعمله، بل لا بد أن يريد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، أن يكون خالصا لله، وأن يكون صوابًا على شريعة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن القيم: أي كما أنه إله واحد لا إله إلا هو، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يتفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالص من الرياء، المقيد بالسنة. و(أحدا) نكرة في سياق النهي فتعم، والآية دليل على أن أصل الدين الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وتضمنت النهي عن الشرك كله قليله وكثيره صغيره وكبيره.

(1) أي أنا أغنى عن المشاركة، وذلك أنه لما كان المرائي قاصدا بعمله الله وغيره، كان قد جعل لله شريكا، فإذا كان كذلك فالله هو الغني على الإطلاق، وجميع الخلق فقراء إليه بكل اعتبار، فلا يليق بكرمه وغناه التام أن يقبل العمل الذي جعل له فيه شريك؛ فإن كماله وكرمه وغناه يوجب أن لا يقبل ذلك، وأخرج أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس: " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، فمن أشرك بي شيئًا فإن جدة عمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني ".

(2) أي من قصد بعمله غيري من المخلوقين تركته وشركه، وفي بعض الأصول وشريكه، وبعضها وشركته. ولابن ماجه: " فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك " أي=


..............................................................................

ـــــــــــــــــ

= فمن عمل شيئًا لي ولغيري لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير، فعمل المرائي باطل لا ثواب له، ويأثم به. والضمير في "تركته" يجوز أن يرجع إلى العمل.

قال ابن رجب: ((العمل لغير الله أقسام: فتارةً يكون رياء محضًا كحال المنافقين، قال تعالى: }وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً{ وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة أو الحج أو غيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، وإن كان أصله لله ثم طرأ عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ثم دفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أو لا؟ فيجازى على أصل نيته، فيه خلاف، رجح أحمد وغيره لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى)) ا هـ.

ولا يظن الظان أنه يكتفى فيه بحبوط عمله فلا له ولا عليه، قال الشيخ: بل هو مستحق للذم والعقاب، وقد دل الكتاب والسنة على حبوط العمل بالرياء، وجاء الوعيد عليه، وأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين، ففرح بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك لم يضره، وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه، فقال: " تلك عاجل بشرى المؤمن " رواه مسلم.

وفي حديث أبي هريرة: يدخل عليَّ الرجل في بيتي وأنا أصلي فيسرني ذلك، فقال: "يرحمك الله، لك أجران: أجر السر وأجر العلانية"؛ لأنه لم يقصد رؤية أحد عند الشروع، ولا قام بقلبه أن يراه أحد.


 وعن أبي سعيد مرفوعا: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟(1) قالوا: بلى يا رسول الله; قال: الشرك الخفي(2).

ـــــــــــــــــ

(1) "أخوف" اسم تفضيل مبني على زيادته على غيره في أصل الفعل، أي أشد خوف خافه صلى الله عليه وسلم على أصحابه أكثر مما خافه عليهم من فتنة المسيح الدجال؛ لخفائه وقوة الداعي إليه، وعسر التخلص منه، لما يزينه الشيطان والنفس الأمارة في قلب صاحبه.

(2) سماه خفيًّا؛ لأنه عمل قلب لا يعلمه إلا الله، ولأن صاحبه يظهر أن عمله لله، وقد قصد به غيره، أو شركه فيه بتزيين صلاته لأجله. وعن شداد بن أوس قال: " كنا نعد الرياء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر ". رواه ابن جرير وغيره، وصححه الحاكم.

قال ابن القيم: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا أكبر بحسب حال قائله ومقصده، ولا خلاف أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله، وكذا المتابعة كما قال الفضيل في قوله: }لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً{ قال: ((أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة)). وقوله: بلى، فيه الحرص على العلم، وأن من عرض عليك أن يخبرك بما فيك فلا ينبغي لك رده، بل قابله بالقبول والتعلم.


 يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ". رواه أحمد(1).

ـــــــــــــــــ

(1) ورواه ابن ماجه وابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهم، وفيه قصة، ولفظ ابن ماجه: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: "ألا أخبركم" الحديث. وفسر صلى الله عليه وسلم ما خافه على أصحابه بتزيين صلاة الرجل لأجل الناظر إليه، وسماه أيضًا شرك السرائر، وحذرهم منه فيما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن محمود بن لبيد قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إياكم وشرك السرائر، قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر ". وفيه شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ونصحه لهم، وأن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال، وإذا كان يخافه على سادات الأولياء مع قوة إيمانهم وعلمهم، فغيرهم ممن هو دونهم بأضعاف أولى بالخوف من الشرك أكبره وأصغره.


 باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا(1)

وقوله تعالى: }مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ{ الآيتين(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أراد المصنف -رحمه الله- بهذه الترجمة وما بعدها أن العمل لأجل الدنيا شرك، ينافي كمال التوحيد الواجب، ويحبط الأعمال، وهو أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل، ولا يسترسل معه، فإن قيل: فما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟ قيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة، وهو ما إذا أراد الإنسان بعمله التزين عند الناس، والتصنع لهم والثناء، فهذا رياء، وهو أيضًا إرادة الدنيا بالتصنع عند الناس، وطلب المدحة منهم والإكرام، ويفارق الرياء لكونه عمل عملا صالحا أراد به عرضا من الدنيا، كمن يجاهد ليأخذ مالا، أو يجاهد للمغنم، أو غير ذلك، ولهذا سماه عبدا لذلك، بخلاف المرائي؛ فإنه إنما يعمل ليراه الناس ويعظموه، والذي يعمل لأجل الدراهم أعقل من المرائي، وكلاهما خاسر، نعوذ بالله من موجبات غضبه.

(2) قال ابن عباس: }مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{ أي ثوابها: }وَزِينَتَهَا{ أي مالها: }نُوَفِّ{أي نوفر لهم ثواب: }أَعْمَالَهُمْ{ بالصحة والسرور في المال والأهل والولد: }وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ{ لا ينقصون }أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ لأنهم لم يعملوا إلا للحياة الدنيا وزينتها: }وَحَبِطَ{ في الآخرة: }مَا صَنَعُوا{ فيها، فلم يكن لهم ثواب؛ لأنهم لم يريدوا به الآخرة، إنما أرادوا به الدنيا، وقد وفي إليهم مـا أرادوا }وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{:  أي كان عملهم في نفسه بـاطلاً؛ لأنـه=


................................................................................

ـــــــــــــــــ

= لم يعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له، قيل: ثم نسختها: }مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ{ الآية يعني قيدتها، فلم تبق الآية على إطلاقها. وقال الضحاك: من عمل صالحا من أهل الإيمان من غير تقوى عجل له ثواب عمله في الدنيا. ورجحه ابن القيم. وقال قتادة: يقول تعالى: ((من كانت الدنيا همه وطلبته ونيته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة)). وثبت من حديث أبي هريرة: " إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب. قال فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ فقد قيل ذلك. وذكر صاحب المال وأن الله يقول له: بل أردت أن يقال: فلان جواد. وذكر المجاهد وأن الله يقول له: بل أردت أن يقال: فلان جريء فقد قيل ذلك. ثم قال: يا أبا هريرة أولئك أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. وهؤلاء لهم أعمال، لكن لم يريدوا بها وجه الله، ولما سئل عنه كاد يغشى عليه خوفا، وكذا معاوية لما سمعه، وقال: صدق الله: }مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{ الآية ".

وسئل المصنف -رحمه الله- عن هذه الآية فقال: ذكر عن السلف فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم، ولا يعرفون معناه، فمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله، من صلاة وصدقة وصلة وإحسان وترك ظلم ونحو ذلك، مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكن لا يريد به ثواب الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعمة عليهم، ولا هم له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا قد يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب، وهذا النوع ذكره ابن=


 في الصحيح(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدينار(2)،

ـــــــــــــــــ

= عباس.

(النوع الثاني) وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد في الآية أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رئاء الناس، لا طلب ثواب الآخرة.

(النوع الثالث) أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا، مثل أن يحج لمال يأخذه، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر أيضًا هذا النوع في تفسير هذه الآية، وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو رياستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد كما هو واقع كثيرا.

(النوع الرابع) أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك، لكنه على عمل يكفره كفرا يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى وكثير من هذه الأمة، إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام، وتمنع قبول أعمالهم، فهذا النوع أيضًا قد ذكر في هذه الآية عن أنس وغيره، وكان السلف يخافون منها، قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة لتمنيت الموت؛ لأن الله يقول: }إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ{. بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلاة والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه الله، طالبا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالا صالحة قاصدا بها الدنيا، مثل أن يحج فرضه ثم يحج بعده لأجل الدنيا، كما هو واقع فهو لما غلب عليه منهما. وقد قال بعضهم: القرآن كثيرًا ما يذكر أهل الجنة الخلص، وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، وهو هذا والله أعلم.

(1) أي صحيح البخاري في الجهاد بلفظ: " تعس عبد الدينار والدرهم والخميصة والخميلة ". وفي رواية: "والقطيفة" إلخ وبعضه في الرقاق.

(2) تعس بكسر العين ويجوز الفتح، أي سقط. وقال الحافظ: والمراد هنا هلك، وقال: وهو ضد سعد أي شقي. وفي النـهاية: ((يقال تعس يتعس إذا عثر =


 تعس عبد الدرهم(1)، تعس عبد الخميصة(2)، تعس عبد الخميلة(3)، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط(4)، تعس وانتكس(5)

ـــــــــــــــــ

= وانكب لوجهه)) اهـ. فتعس دعاء عليه بالهلاك، وقيل: التعس الشر، ومنه قوله: }فَتَعْساً لَهُمْ{ أراد إلزامهم الشر. وقيل: البعد. وعبد الدينار طالبه الحريص على جمعه، القائم على حفظه، لا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض إلا لأجله، سماه عبدا له لشدة شغفه وحرصه عليه، ولكونه هو المقصود بعمله، وكل من توجه بقصده لغير الله فقد جعله شريكا له في عبوديته، وخص العبد بالذكر دون المالك والجامع إيذانا بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها، كالأسير الذي لا يجد خلاصا، والدينار مثقال معروف من الذهب، مضروب من المعاملات القديمة، قيل: أصله فارسي، وقيل: عربي.

(1) وهو قطعة من الفضة، سميت به للمعاملة وهو ستة دوانق نصف مثقال وخمسه، ويزن المثقال اثنتين وسبعين شعيرة متوسطة.

(2) جمعها خمائص، ثوب خز أو صوف معلم، أو هو الكساء المربع له أعلام، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة.

(3) بفتح الخاء جمعها خمل، كل ثياب لها خمل من أي شيء كان، والطنفسة والخمل الهدب، وفي رواية: "القطيفة"، وفسرت بذلك، بدأ بعبد العين ثم بعبد العروض، فكأن المراد كل ما كان من الدنيا نقدا أو عرضا.

(4) يؤذن بشدة الحرص على ذلك، كما قال تعالى: }فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ{ فصار سخطهم ورضاهم لغير الله.

(5) قال الحافظ: ((أي عاوده المرض)). وفي النهاية: ((انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة)). قال الطيـبي: ((فيه الترقي بالدعاء عليه؛ لأنه إذا تعس انكب على وجهه، وإذا انتكس انقلب على رأسه بعد أن سقط)).


 وإذا شيك فلا انتقش(1).

ـــــــــــــــــ

(1) أي إذا أصابته شوكة فلا يقدر على إخراجها بالمنقاش، دعاء عليه أيضًا، حتى لو تصيبه الشوكة في رجله لم يجد من يأخذها بالمنقاش، لحقارته وهوانه، والمراد أن من كانت هذه حاله فإنه يستحق أن يدعى عليه بما يسوءه في العواقب، وأنه يجد أثر هذه الدعوات، في الوقوع فيما يضره في العاجلة والآجلة. قال شيخ الإسلام: فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، وذكر فيه ما هو دعاء بلفظ الخبر، وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه، ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي رضي، وإن منع سخط، كقوله: }فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ{ فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا منها برياسة أو بصورة، ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده، وهكذا حال من طلب المال، فإن ذلك يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: ما يحتاج إليه العبد كطعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك، فهذا يطلب من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده، يستعمله في حاجته، بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، من غير أن يستعبده، فيكون هلوعا. وما لا يحتاج إليه العبد، فينبغي أن لا يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدًا ومعتمدًا على غير الله، فلا يبقى معه حقيقة العبودية، ولا حقيقة التوكل على الله بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غيره، وهذا أحق الناس بقوله: "تعس" إلخ، فهذا هو عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله، فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإن منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما يحب الله، ويبغض ما يبغض الله، فهذا الذي استكمل الإيمان.


 "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله(1)، أشعث رأسه(2)، مغبرة قدماه(3)، إن كان في الحراسة كان في الحراسة(4)،

ـــــــــــــــــ

(1) طوبى اسم الجنة، وقيل شجرة فيها، لما روى أحمد من حديث أبي سعيد: " قال رجل: يا رسول الله وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة، مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكامها ". وروى ابن جرير وغيره عن وهب: أن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وقيل: طوبى فرح وقرة عين، وقيل غبطة، وقيل حسنى، و "عنان" بكسر العين سير اللجام، لما ذكر حال من سخطه ورضاه لأطماع الدنيا، إن حصلت رضي وإن لم تحصل سخط، قاطعًا النظر عن رضى الله وسخطه، حتى صار عبدًا لتلك، بين حال عبد الله الصادق، الساعي في مراضي الله، والمبتعد عن مساخطه، ولو كان في ذلك مشقة النصب والتعب، فقال: "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله" إلخ أي ملازمها في جهاد المشركين، قال -عليه الصلاة والسلام-: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر فهو في سبيل الله ".

(2) أشعث صفة لعبد، مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف للوصف ووزن الفعل، ورأسه مرفوع على الفاعلية، أي هو ثائر الشعر، أشغله الجهاد في سبيل الله عن التنعم بالادهان وتسريح الشعر.

(3) مغبرة بالجر صفة ثانية لعبد، أي من الغبار والتراب، بخلاف المترفين المتنعمين.

(4) الحراسة بكسر الحاء، أي إن كان في حماية الجيش عن أن يهجم العدو عليهم فهو فيها، غير مقصر ولا غافل.


 وإن كان في الساقة كان في الساقة(1)، إن استأذن لم يؤذن له(2)، وإن شفع لم يشفع(3) ".

ـــــــــــــــــ

(1) أي وإن كان في آخر الجيش فهو فيها، يقلب نفسه في مصالح الجهاد، فكل مقام يقوم فيه سواء كان ليلا أو نهارًا، رغبة في ثواب الله، وطلبا لمرضاته، ومحبة لطاعته. قال ابن الجوزي: المعنى أنه خامل الذكر، لا يقصد السمو، فأين اتفق له السير سار، فكأنه قال: إن كان في الحراسة استمر فيها، وإن كان في الساقة استمر فيها، وإنما ذكر الحراسة والساقة؛ لأنهما أشد مشقة.

وفيه فضل الحراسة في سبيل الله، وأخرج أحمد وغيره عن عثمان مرفوعًا: " حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها ".

(2) أي إن استأذن على الأمراء ونحوهم لم يؤذن له؛ لأنه لا جاه له عندهم ولا منزلة، ولأنه ليس من طلابها، وإنما يطلب ما عند الله، لا يقصد بعمله سواه.

(3) بفتح أوله وثانيه، أي لو ألجأ الحال إلى أن يشفع في أمر يحبه الله ورسوله لم يشفَّع بتشديد الفاء مبني للمفعول، أي لم تقبل شفاعته عند الأمراء ونحوهم، وهذه الأمور ونحوها لا تكون لهوان المؤمن على الله، بل لكرامته، وفيه فضل الخمول والتواضع وفضل الجهاد في سبيل الله.

وعن أبي هريرة أن رجلا قال: " يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله. فقال: هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ فقال: أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال: أما والذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت فضل المجاهدين في سبيل الله؛

إن فرس المجاهد في سبيل الله ليستن في طوله، فيكتسب له بذلك حسنات ".


 باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا(1)

وقال ابن عباس: " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر"(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي شركاء مع الله، كما قال تعالى: }اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{. وإنما تجب طاعة الأحبار والرهبان إذا أمروا بطاعة الله، فهي تبع لا استقلال، وأما إذا أمروا بمعصية الله فلا سمع لهم ولا طاعة، " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " كما هو معلوم بالضرورة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولما كانت هذه الطاعة من أنواع العبادة، بل هي العبادة، فإنها طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسن رسله، نبه المصنف بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الرب تعالى بها، وأنه لا يطاع سواه إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله، والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال وتحليل الحرام.

(2) "يوشك" أي يقرب ويدنو ويسرع، وهذا القول من ابن عباس -رضي الله عنهما- جواب لمن قال له: إن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- لا يريان التمتع بالعمرة إلى الحج، ويريان إفراد الحج أفضل. وكان ابن عباس يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج واجب؛ لحديث سراقة بن مالك حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوها عمرة، ويحلوا إذا طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، =


....................................................................

ـــــــــــــــــ

= فقال سراقة: ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد". وحديث: " افعلوا ما أمرتكم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به " في أحاديث. فلهذا قال ابن عباس -لما عارضوا الحديث برأي أبي بكر وعمر- ((يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء)). الحديث.

فإذا كان هذا قول ابن عباس في الخليفتين الراشدين، فكيف بمن ترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول من هو دونهم؟ وقال الشافعي: ((أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد)). وما زال العلماء يجتهدون في الوقائع، لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم، وفي عصر الأئمة الأربعة إنما طلب الحديث ممن هو عنده باللقاء والسماع، ويسافر الرجل في طلب الحديث إلى الأمصار عدة سنين، ثم اعتنى الأئمة بالتصانيف، ودونوا الأحاديث، ورووها بأسانيدها، وبينوا صحيحها من حسنها من ضعيفها، وناسخها ومنسوخها، والفقهاء صنفوا في كل مذهب، وذكروا حجج المجتهدين، فسهل الأمر على طالب العلم، فعليه أن ينظر في مذاهب العلماء، وما استدل به كل إمام ويأخذ من أقوالهم ما دل عليه الدليل، إذا كان له ملكة يقتدر بها، كما قال تعالى: }فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ{. وإذا لم يكن له ملكة، سأل أعلم من يجده؛ لقوله تعالى: }فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ{.

وفي كلام ابن عباس ما يدل على أنه من بلغه الدليل فلم يأخذ به تقليدا لإمامه فإنه يجب الإنكار عليه بالتغليظ؛ لمخالفة الدليل، وأجمع الأئمة على هذا، وأنه لا يسوغ التقليد إلا في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها، فهذا هو الذي عناه العلماء بقولهم: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وأما من خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه بالإجماع، وليس ما خالف الكتاب والسنة مذهبًا لأحد من الأئمة، وهم أجل من أن يقال ذلك في حقهم، لتصريحهم بذلك، ونهيهم عن تقليدهم إذا استبانت السنة.


 وقال الإمام أحمد: ((عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته(1) يذهبون إلى رأي سفيان(2)،

ـــــــــــــــــ

(1) أي عرفوا إسناد الحديث، وصحة إسناد الحديث، فإذا صح إسناد الحديث فهو دليل على صحة الحديث عند أهل الحديث وغيرهم من العلماء.

(2) هو الثوري الإمام الزاهد الثقة الفقيه تقدمت ترجمته، كان له أصحاب يأخذون عنه، ومذهبه مشهور، يذكره العلماء في الكتب التي يذكر فيها مذاهب الأئمة، فقول الإمام أحمد إنكار منه لذلك، وأنه يؤول إلى زيغ القلوب الذي يكون به المرء كافرا، وقد عمت البلوى بهذا المنكر، خصوصا ممن ينتسب إلى العلم، نصبوا الحبائل في الصد عن الكتاب والسنة، كقولهم: لا يستدل بالكتاب والسنة إلا المجتهد والاجتهاد قد انقطع. وقولهم: الذي قلدناه أعلم منك بالحديث وبناسخه ومنسوخه، ونحو ذلك من الأقوال التي غايتها ترك الكتاب والسنة، والاعتماد على قول من يجوز عليه الخطأ، ومعه بعض العلم لا كله، وإن ظنوا أنهم اتبعوا الأئمة، فإنهم في الحقيقة قد خالفوهم واتبعوا غير سبيلهم، وذلك إنما نشأ عن الإعراض عن تدبر الكتاب والسنة، والإقبال على كتب من تأخر، والاستغناء بها عن الوحيين، والواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه كائنا من كان، كما قال تعالى: }اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ{.

فإذا قرأ كتب العلماء ونظر فيها، وعرف أقوالهم، وجب عليه أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة؛ فإن كل مجتهد من العلماء ومن تبعه وانتسب إلى مذهبه لا بد أن يذكر دليلا، والحق في المسألة واحد، والمنصف يجعل النظر في كلامهم وتأمله طريقا إلى معرفة المسائل، واستحضارها ذهنا، وتمييزا للصواب من الخطأ بالأدلة التي يذكرها المستدلون، وبذلك يعرف من هو أسعد بالدليل من العلماء، فيتبعه، والأئمة -رضي=


 والله تعالى يقول: }فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{(1) أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك(2)؛

ـــــــــــــــــ

= الله عنهم- لم يقصروا في البيان، بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة، لعلمهم أن من العلم شيئًا لم يعلموه، وقد يبلغ غيرهم، وذلك كثير. وقال مالك: ((كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وكلهم قالوا نحو ذلك، بل قال الشافعي: ((إذا صح الحديث بما يخالف قولي فاضربوا بقولي الحائط)). لكن في كلام أحمد إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم، وإنما ينكر على من بلغته الحجة وخالفها لقول إمام من الأئمة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: " كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلوا. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ".

(1) عداه بعن لتضمين معنى الإعراض، أي فليحذر الذين يلوذون عن أمره ويدبرون معرضين، " أن يصيبهم فتنة " في الدنيا. قال الضحاك: ((يطبع على قلبه فلا يؤمن أن يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه)): }أَوْ يُصِيبَهُمْ{ في الآخرة: }عَذَابٌ أَلِيمٌ{ موجع على خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال شيخ الإسلام: ((فإذا كان المخالف أمره قد حذر من الكفر والشرك أو من العذاب الأليم، دل على أنه قد يكون مفضيا إلى الكفر والعذاب الأليم، ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب الأليم هو مجرد فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما يقترن به من الاستخفاف في حق الآمر كما فعل إبليس)).

(2) وفي رواية أبي طالب عنه قال: قال الله تعالى: }وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ{ فيدعون الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي.


 لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك))(1).

عن عدي بن حاتم رضي الله عنه(2) " أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ": }اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ{ الآية. " فقلت: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم ".

ـــــــــــــــــ

(1) أي لعل الإنسان الذي تصح عنده سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رد بعض قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، تنبيه منه -رحمه الله- أن رد قول الرسول صلى الله عليه وسلم سبب لزيغ القلب، وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: }فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ{.

وفي رواية الفضل عنه: وجعل يتلو: }فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ{ الآية. وإذا كان رفع الصوت فوق صوته سببًا لحبوط العمل، فما ظنك برد أحكامه وسننه لقول أحد من الناس كائنًا من كان؟! وإذ علمت أن مخالفة أمره سبب للشرك، علمت أن من رد قوله وخالف أمره لقول أحمد أو غيره له النصيب الكامل، والحظ الوافر من هذه الآية.

(2) هو الطائي المشهور بالسخاء والكرم، ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي، بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طي بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، قدم عدي رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة 9هـ، فأسلم وثبت في الردة، وحضر فتوح العراق، وحروب علي، وعاش مائة وعشرين سنة، ومات سنة 68هـ.


 رواه أحمد والترمذي وحسنه(1).

ـــــــــــــــــ

(1) وروي من طرق تثبت أنه محفوظ، فرواه ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي وغيرهم. وقول عدي: "لسنا نعبدهم". ظن أن العبادة المراد بها التقرب إليهم بأنواع العبادة من السجود والذبح والنذر، وقوله: "أليس يحرمون" إلخ صريح في أن طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام عبادة لهم من دون الله، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، لقوله: }وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{. وقال: }وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ{.

وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوه؛ لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلد، وهو من هذا الشرك العظيم، والذنب الوخيم، ومنهم من يغلو في ذلك، ويعتقد أن الأخذ بالدليل غير ممكن اليوم كما تقدم. قال شيخ الإسلام: وهؤلاء الذين: }اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ{ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وعكسه، يكونون على وجهين:

أحدهما: أنهم يعلمون أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل، اتباعا لرؤسائهم مع علمهم بأنهم خالفوا دين الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون.

الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال، وتحليل الحرام ثابتا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص.

فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، ثم اتباع هذا المحرم والمحلل إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه، ولكن من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إذا اتبعه على خطئه، فله نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله، وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزا عن معرفة الحق=


...............................................................................

ـــــــــــــــــ

= على التفصيل، وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ، وأما إن قلد شخصا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن الحق معه، فهذا من أهل الجاهلية، فإن كان متبوعه مصيبًا كان عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطئا كان آثما، كمن قال في القرآن برأيه فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار.

قال المصنف: وفيه تقريب الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صارت عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين، وأما طاعة الأمراء ومتابعتهم بما يخالف ما شرعه الله ورسوله، فقد عمت به البلوى قديما وحديثًا في أكثر البلاد، بعد الخلفاء الراشدين، وهلم جرا، وقد قال تعالى: }فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{.


  

 باب قول الله تعالى: }أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ{(1).

(1) ترجم المصنف -رحمه الله- بهذه الآية، الدالة على كفر من أراد التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإن كان مع ذلك يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله والمرسلين قبله، كما ذكر ذلك في سبب نزولها أنها نزلت في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذلك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، كما ذكره المصنف. أو أنها نزلت في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية أو غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فحيث كان التوحيد هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملا على الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مستلزما له، نبه المصنف على ما تضمنه التوحيد واستلزمه، من تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع؛ إذ هذا هو مقتضى الشهادة ولازمها، فمن عرفها لا بد له من الانقياد لحكم الله، والتسليم لأمره الذي جاء على يد رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن شهد أن لا إله إلا الله، ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع، فقد كذب في شهادته. ومعنى الآية أن الله أنكر على من يدعي الإيمان بما أنزله الله على رسوله وعلى الأنبياء قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن قوله: }أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ{ استفهام إنكار وتبكيت، وذم لمن =


 }وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً{ الآيات(1).

ـــــــــــــــــ

= عدل عن الكتاب والسنة، ورغب فيما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا، كما تقدم من قول ابن القيم: إنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فكل من حاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد حاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله عباده المؤمنين أن يكفروا به، أي بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه؛ فإن التحاكم ليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله، ومن كان يحكم بهما. فمن حاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده، وخرج عما شرعه الله ورسوله، وكذلك من عبد شيئًا دون الله فإنما عبد الطاغوت، فهو الذي دعا إلى كل باطل وزينه لمن فعله، وهذا ينافي التوحيد؛ فإن التوحيد هو الكفر بكل طاغوت عبده العابدون من دون الله. فمن دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول، ورغب عنه، وجعله شريكا لله في الطاعة، وخالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر الله به في قوله: }فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ{ الآية.

وفي آية الباب أنكر الله زعمهم الإيمان وأكذبهم؛ لما في ضمن (يزعمون) من نفي إيمانهم؛ فإن (يزعمون) إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب، يحققه قوله: }وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ{؛ لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، فإذا اختل هذا الركن لم يكن موحدا، ومن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله، والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصح به الأعمال، وتفسد بفساده، كما في قوله: }فَمَن يَكْفُر بِالطَّاغُوت وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى{.

(1) يعني أن الشيطان يريد أن يضل هؤلاء -المتحاكمين إلى الطاغوت- عن سبيل الحق والهدى ضلالاً بعيدًا، فيجور بهم جورا شديدا، فبين تعالى في هذه الآية أن التحاكم إلى الطاغوت مما يأمر به الشيطان، ويزينه لمن أطاعه، وأن ذلك مما أضل به الشيطان من أضله، وأكده بالمصدر، ووصفه بالبعد، فدل على أن ذلك من أعظم الضلال، والبعد عن الهدى، فلا يمكنهم الرجوع إلى الحق أبدا، =


 وقوله: }وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ{(1).

ـــــــــــــــــ

= }وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً{. فإن المنافقين يكرهون الحق وأهله، ويهوون ما يخالفه من الباطل، فيمتنعون بذلك من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون غيرهم، فبين تعالى صفتهم، وأن من فعل ذلك أو طلبه، وإن زعم أنه مؤمن فإنه في غاية البعد من الإيمان، قال ابن القيم: هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى أنه من المنافقين، و (يصدون) لازم، وهو بمعنى يعرضون؛ لأن مصدره (صدودا).

وما أكثر من اتصف بهذا الوصف خصوصا من يدعي العلم، فإنهم صدوا عما توجبه الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه إلى أقوال من يخطئ كثيرا، ممن ينتسب إلى الأئمة الأربعة في تقليدهم من لا يجوز تقليده، وجعلوا قوله المخالف لنص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة هو المعتمد عندهم، الذي لا تصح الفتوى إلا به، بل ومن يجعل المعتمد النظم والقوانين الإفرنجية ويدعي الإسلام. وقال شيخنا: ((المرتضي بالسياسات والقوانين كافر يجب قتله، وإن المنافقين أشد من الكفار الخلص، ومن ظن أن حكم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه فهو كافر بإجماع المسلمين فالله المستعان)).

(1) قال أبو العالية وغيره: يعني لا تعصوا في الأرض؛ لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض، فدلت الآية على أن كل معصية فساد في الأرض.

ومناسبة الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعمال المنافقين، وهو من أعظم الفساد في الأرض، ولغرورهم المؤمنين بقولهم الذي لا حقيقة له، وموالاتهم الكافرين، يقولون: نريد أن نداري الفريقين، ونصطلح مع هؤلاء وهـؤلاء، وفي الآية التنبيه على عدم الاغترار بأهـل الأهواء، وإن زخـرفوها=


 وقوله: }وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا{(1).

وقوله: }أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ{ الآية(2).

ـــــــــــــــــ

= بالدعوى، والتحذير من الاغترار بالرأي ما لم يقم على صحته دليل من كتاب أو سنة، ويترتب عليه من الفساد أمور كثيرة، تخرج صاحبها من الحق، وتدخله في الباطل.

(1) قال أكثر المفسرين: أفسدوا فيها بالمعاصي، والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعثة الرسل، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله؛ فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به، هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة هو بالشرك بالله، ومخالفة أمره، ولا صلاح للأرض ولأهلها إلا أن يكون الله هو المعبود وحده دون ما سواه، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع له ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وغيره وإنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة.

ووجه مطابقة الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد في الأرض من المعاصي، فلا صلاح لها إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله وهو سبيل المؤمنين، قال تعالى: }وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً{.

(2) قال ابن كثير: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكسخان الذي وضع لهم كتابًا مجموعًا من أحكام اقتبسه من شرائع شتى، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره، وصار في بنيه شرعًا، يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة، ومن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله حـتى يـرجع إلى حكم الله ورسـوله، =


 عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"(1).

ـــــــــــــــــ

= فلا يحكم بسواه في قليل ولا في كثير. وقوله: }وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ{. استفهام إنكار، أي لا حكم أحسن من حكمه تعالى، وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس له في الطرف الآخر مشارك، أي ومن أعدل من الله حكما لمن عقل عن الله شرعه، وآمن وأيقن أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، العليم بمصالح عباده، القادر على كل شيء، والحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.

(1) الهوى مقصور، مصدر هواه أحبه، وشرعا: ميل النفس إلى مشتهيات الطبع. أي لا يكون مؤمنا كامل الإيمان حتى يكون ما تهواه نفسه وتحبه وتميل إليه. "تبعا" موافقا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يخرج عنه إلى ما يخالفه بحال، فهذه صفة أهل الإيمان الخلص، وأما إن كان بخلاف ذلك أو في بعض أحواله أو أكثرها، فإنه ينتفي عنه من الإيمان كماله الواجب، كما في حديث: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " الحديث. يعني أنه بالمعصية ينتفي عنه كمال الإيمان الواجب وينقص إيمانه، فلا يطلق عليه الإيمان إلا بقيد المعصية أو الفسوق، فيقال: مؤمن عاص، أو يقال: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فيصير معه مطلق الإيمان الذي لا يصح إسلامه إلا به، لا الإيمان المطلق، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وبه جاء الكتاب والسنة، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، خلافًا للخوارج والمعتزلة؛ فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعتزلة لا يطلقون عليه الإيمان، ويقولون بتخليده في النار، وكلا الطائفتين ابتدع في الدين، وترك ما دل عليه الكتاب والسنة.

وقد قال تعالى: }إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِــمَنْ يَشَاءُ{. فقيد ما دون الشرك بالمشيئة، وتواترت الأحاديث بما يحقق ما=


 قال النووي: ((حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح))(1).

ـــــــــــــــــ

= عليه أهل السنة، كما في الصحيحين وغيرهما: " أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة من إيمان ".

(1) هذا الحديث رواه الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي بإسناد صحيح في كتاب "الحجة على تارك المحجة"، وهو كتاب يتضمن ذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة. ورواه الطبراني وأبو بكر بن عاصم والحافظ أبو نعيم في الأربعين التي شرط لها أن تكون من صحيح الأخبار، ومعناه صحيح قطعا، وشاهده في القرآن كثير، كقوله تعالى: }فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ{ الآية، وقوله: }مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وقوله: }فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ {. ونحو هذه الآيات.

وسمى الهوى المخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إلها، فقال: }أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ{ أي لا يهوى شيئًا إلا ركبه، ووصف المشركين باتباع الهوى في مواضع كثيرة من كتابه، وسائر البدع إنما تنشأ عن تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه. والنووي: هو محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن حزام بن محمد بن جمعة، الحزامي الحواربي الشافعي، الإمام المشهور، صاحب المصنفات المفيدة، ولد بنوى قرية من قرى دمشق سنة 631هـ، وتوفي سنة 676هـ.


 وقال الشعبي: " كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة(1)، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، عرف أنه لا يأخذ الرشوة(2). وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود; لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة، فيتحاكما إليه(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) الخصومة الجدل، وتخاصم القوم واختصموا تجادلوا وتنازعوا.

والشعبي: هو عامر بن شراحيل الكوفي، عالم زمانه تقدمت ترجمته. قال مكحول: ((ما رأيت أفقه منه)).

وروى ابن إسحاق وغيره أنه كان بين الجلاس بن الصامت قبل توبته ومعتب بن قشير ورافع بن زيد وبشير، وكانوا يدعون الإسلام فدعاهم رجال من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوهم إلى الكهان، فنزلت الآية. وروي عن ابن عباس أن المنافق اسمه بشر، فالله أعلم.

(2) هي بتثليث الراء وأصلها من الرشاء الذي يوصل به إلى الماء، الجعل يعطيه أحد الخصمين للقاضي أو غيره ليحكم له، أو يحمل له على ما يريد، ورشاه أعطاه الرشوة، وراشاه مراشاة حاباه وصانعه.

(3) جهينة حي مشهور من قضاعة، والكاهن: طاغوت يتحاكمون إليه كما في سائر أحياء العرب في الجاهلية، انتهى كلام الشعبي رحمه الله. رواه ابن جرير وابن المنذر بنحوه. وفيه ما يدل على أن المنافق يكون أشد كراهة لحكم الله ورسوله من اليهود والنصارى، وهو أشد عداوة منهم لأهل الإيمان، كما هو الواقع في هذه الأزمنة وقبلها من إعانتهم العدو على المسلمين، وحرصهم على إطفاء نور الإسلام والإيمان، ومن تدبر ما في التاريخ، وما وقع منهم من الوقائع، عرف أن هذا حال المنــافقين قديما وحديثا، وقد حذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم من طاعتهم والقرب=

فنزلت: }أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ{ " الآية(1).

وقيل: " نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف(2).

ـــــــــــــــــ

= منهم، وحضه على جهادهم، فقال: }يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ{.

(1) ولابن جرير وغيره في سبب نزولها، تفاخرت النضير وقريظة، فدخلوا المدينة إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي، وذكر القصة.

وأبو برزة هذا غير أبي برزة الصحابي.

(2) يهودي من طيئ من بني نبهان، وأمه من بني النضير، وكان شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم والأذى له، وقد خرج اللعين إلى مكة يحرض على قتاله صلى الله عليه وسلم، ويرثي قتلى بدر لقريش، ويفضل دين الجاهلية على دين الإسلام، ولما رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار، يهجو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فانتقض بذلك عهده، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لي بكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله"؟ فقال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم" قال: فأذن لي أن أقول له شيئًا، قال: "قل"، فأتاه فقال له: إن هذا الرجل قد سألنا الصدقة، وإنه قد عنانا، قال: وأيضًا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا، قال: نعم رهنوني نساءكم، ثم قال: أبناءكم، ووعـده أن يرهنه اللأمة، فواعده أن يأتيه ليلاً، فأتاه هو وأبو نائلة، ومعهما عباد ابن بشر وأبو عبس، فنزل إليهم، فقالت، له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ وفي=


 ثم ترافعا إلى عمر فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله "(1).

ـــــــــــــــــ

= رواية: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب، قال محمد: فإذا جاء فإني مائل بشعره فأشمه، فإذا استمكنت منه فدونكم فاضربوه، فلما نزل متوشحا، قالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال: تأذن لي أن أشمه؟ قال: نعم، فاستمكن منه، ثم قال: دونكم فقتلوه، وذلك في السنة الثالثة من الهجرة ".

(1) هذه القصة رويت من طرق متعددة، فهي مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولا يغني عن الإسناد، وفيها أن المنافق المغموص بالنفاق، إذا أظهر نفاقه قتل، كما في الصحيحين وغيرهما. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك قتل من أظهر نفاقه منهم تأليفا للناس؛ فإنه قال: " لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ".

وفيها أيضًا أن من طعن في شيء من الدين، أو في أحكام النبي صلى الله عليه وسلم قتل، وأن معرفة الحق لا تكفي عن العمل والانقياد؛ فإن اليهود يعلمون أن محمدًا رسول الله،  ويتحاكمون إليه في كثير من الأمور.


 باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات(1)

وقول الله تعالى: }وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ{ الآية(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي هذا باب بيان حكم من جحد شيئًا من أسماء الله تعالى وصفاته، وأنه يكفر بذلك، ولما كان التوحيد لا يحصل إلا بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته، نبه عليه المصنف -رحمه الله-، وتقدم أن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة، فمن أقر بربوبية الله تعالى وإلهيته وجحد أسماءه وصفاته أو شيئًا منها فقد كفر.

(2) سبب نزول الآية معلوم، ويأتي طرف منه، والمراد أن بعض كفار قريش يجحدون اسم الرحمن عنادا، فأنزل الله هذه الآية، وقال تعالى: }قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى{.

فالرحمن: اسمه وصفته، ودل هذا الاسم على أن الرحمة وصفه القائم به سبحانه، وهي من صفات الكمال.

ومطابقة الآية للترجمة ظاهرة؛ لأن الله سمى جحود اسم من أسمائه كفرا، فدل على أن جحود شيء من أسمائه وصفاته كفر، فمن جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فله نصيب من الكفر، بقدر ما جحده من الاسم أو الصفة، وإن أقر بجنسها لكن زعم أنها أعلام محض، لا تدل على صفات قائمة به تعالى، فجحود معنى هذا الاسم ونحوه من الأسماء كجحود لفظه؛ فإن الجهمية يزعمون أنها لا تدل على صفة قائمة بالله تعالى، وتبعهم على ذلك طوائف من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، فلهذا كفرهم كثير من أهل السنة.

قال ابن القيم:

ولقد تقلد كفرهم خمسون في

عشر من العلماء في البلدان

فجحدوا ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات=


 وفي صحيح البخاري قال علي:"حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله"(1)؟

ـــــــــــــــــ

= كماله ونعوت جلاله، وبنوا هذا التعطيل على أصل فاسد أصلوه من عند أنفسهم، ولم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموه من خصائص صفات المخلوقين، فشبهوا الله في ابتداء آرائهم الفاسدة بخلقه، ثم عطلوه من صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات، فشبهوا أولا، وعطلوا ثانيا، وشبهوا ثالثة بكل ناقص أو معدوم، وتركوا ما دل عليه صريح الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة من إثبات ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، على ما يليق بجلال الله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال تعالى: }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{. وصنف أئمة السنة في الرد عليهم المصنفات الكثيرة المشهورة، كالإمام أحمد وطبقته، وشيخ الإسلام وطبقته، وخلق لا يحصون من أهل السنة والجماعة.

وقوله تعالى: }قُلْ هُوَ رَبِّي{ أي قل يا محمد ردا عليهم في كفرهم بالرحمن: (هو) أي الرحمن عز وجل: }رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ{ أي لا معبود سواه: }عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ{ أي إليه مرجعي وتوبتي.

(1) أسنده البخاري. وفي لفظ: " أتحبون أن يكذب الله ورسوله ". زاد ابن أبي إياس في كتاب العلم له عن عبد الله بن داود عن معروف: ودعوا ما ينكرون، أي ما يشتبه عليهم فهمه، مما قد يؤدي إلى رد الحق وعدم قبوله، ويفضي بهم إلى التكذيب. وقال ابن مسعود: ((ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة)). رواه مسلم. وكان معاوية ينهى عن القصص؛ لما فيه من التساهل في النقل، ويقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور. وهذا الأثر قاله علي رضي الله عنه حين كثر القصاص في خلافته، وصاروا يذكرون أحاديث لا تعرف من هذا=


 وروى عبد الرزاق عن معمر(1) عن ابن طاوس(2)

ـــــــــــــــــ

= القبيل، فربما استنكرها بعض الناس وردها، وقد يكون لبعضها أصل ومعنى صحيح، فيقع بعض المفاسد لذلك. وضابطه: أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فأرشدهم أن لا يحدثوا عامة الناس إلا بما هو معروف، ينفع الناس في أصل دينهم وأحكامه، من بيان الحلال والحرام الذي كلفوا به علما وعملا، دون ما يشغل عن ذلك، أو يؤدي إلى رد الحق وعدم قبوله، فيفضي إلى التكذيب. وفي الأثر دليل على أنه إذا خشي ضررا من تحديث الناس ببعض ما لا يعرفون فلا ينبغي، وليس على إطلاقه؛ فإن كثيرا من الدين والسنن يجهله الناس، فإذا حدثوا به كذبوا بذلك وأعظموه، فلا يترك العالم تحديثهم، بل يعلمهم برفق ويدعوهم بالتي هي أحسن.

(1) معمر بفتحتين وسكون العين، ابن راشد، أبو عروة بن أبي عمرو الأزدي الحداني مولاهم البصري ثم اليماني، أحد الأعلام، شهد جنازة الحسن البصري، وروى عن قتادة وثابت والزهري، وهو أحد أصحابه يروي عنه كثيرا، وعنه يحيى بن أبي كثير وابن عيينة وابن المبارك وطبقتهم، مات سنة 153هـ.

(2) هو أبو محمد الأبناوي عبد الله بن طاوس اليماني الفقيه بن الفقيه، روى عن أبيه وعطاء وعمرو بن شعيب وغيرهم، وعنه ابناه طاوس ومحمد وعمرو بن دينار ومعمر وخلق، قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية، مات سنة 131هـ. وأبوه طاوس بن كسيان الجندي الإمام العلم، مولى بحير بن ريسان، وقيل: مولى همدان، من أبناء الفرس، كان ينزل الجند، وقيل اسمه ذكوان، وطاوس لقبه. وقال ابن حبان: ((أمه من فارس وأبوه من النمر بن قاسط)).


 عن أبيه عن ابن عباس أنه " رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكارا لذلك(1)، فقال: ما فرق هؤلاء؟(2) يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه "(3).

ـــــــــــــــــ

(1) أي اضطرب وارتعد من وقع ما ورد على قلبه، لما سمع الحديث في الصفات؛ لجهله بذلك، والاستنكار: استفهامك شيئًا تنكره، واستنكر الأمر جهله.

(2) بفتح الفاء والراء وضم القاف مخففًا، و (ما) استفهامية، أي ما خوف هؤلاء وفزعهم، يستفهم من أناس من أصحابه، يشير إلى أناس ممن يحضر مجلسه من عامة الناس، إذا سمعوا شيئًا من محكم القرآن حصل معهم فرق، أي خوف، فإذا سمعوا شيئًا من أحاديث الصفات انتفضوا كالمنكرين للمعنى، فلم يحصل منهم الإيمان الواجب الذي أوجبه الله على عباده، والمراد الإنكار عليهم؛ فإن الواجب على العبد التسليم والإذعان والإيمان بما صح عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يحط به علما. ولهذا قال الشافعي: ((آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم)). ولا يتم الإيمان إلا بقبول اللفظ بمعناه الذي دل عليه ظاهرا، فإن لم يقبل معناه أورده، أو شك فيه لم يكن مؤمنا به، فيكون هلاكا. ويجوز فتح القاف مع تشديد الراء وتخفيفها، أي ما فرق هذا وأضرابه بين الحق والباطل، ولا عرفوا ذلك.

(3) أي يجدون لينا وقبولا للمحكم، ويهلكون عندما يشتبه عليهم فهمه ومعرفته، والهلاك يقال لمن ارتكب أمرًا عظيمًا، فهؤلاء الذين ذكرهم ابن عباس تركوا ما وجب عليهم من الإيمان بما لم يعـرفوا معـناه من القرآن، وهو حـق لا يـرتاب=

ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله: }وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ{(1).

ـــــــــــــــــ

= فيه مؤمن. وذكر ابن جرير وغيره عن جماعة من الصحابة وغيرهم، أن المحكم هو الناسخ الذي يعمل به، والمتشابه هو المنسوخ. وقيل: (الم) و (المص) و (المر)، ولم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم بإدخال أسماء الله تعالى وصفاته أو شيء منها في المتشابه الذي استأثر الله بعلم معانيه، أو لا معنى له، بل هي حق على حقيقتها، ولها معان حقيقة فهمها السلف على ما يليق بجلال الله وعظمته، وفسروها بما يخالف تأويل الجهمية وأضرابهم، وما قاله النفاة أنها من المتشابه دعوى بلا برهان، وفي الأثر دليل على ذكر آيات الصفات وأحاديثها بحضرة عوام المؤمنين وخواصهم، وأن من رد شيئًا منها أو استنكره بعد صحته فهو ممن لم يفرق بين الحق والباطل، وينكر عليه استنكاره، وفيه دليل على أن من أنكر شيئًا من الصفات فهو من الهالكين؛ لأن الواجب الإيمان به، فهمه أو لم يفهمه.

(1) قال قتادة وغيره من السلف: لما صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشا كتب (بسم الله الرحمن الرحيم) فقالوا: أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم. وقال مجاهد وغيره: قالوا: لا نكتب الرحمن، ولا ندري ما الرحمن؟ ولا نكتب إلا باسمك اللهم، فنزلت الآية.

وعن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ساجدا "يا رحمن يا رحيم"، فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدا، وهو يدعو مثنى مثنى، فأنزل الله: }قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى{ ذكر ذلك ابن جرير وغيره.


 باب قول الله تعالى: }يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا{ الآية(1).

قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي(2).

وقال عون بن عبد الله:(3)

ـــــــــــــــــ

(1) ترجم المصنف بهذه الآية حضًا على التأدب مع جناب الربوبية عن الألفاظ الشركية الخفية، كنسبة النعم إلى غير الله؛ فإن ذلك باب من أبواب الشرك الخفي؛ لدلالتها على كفرهم بنعم الله، بإضافتها إلى غيره وإشراكه فيها، مع معرفتهم أن الله هو مسديها، وأنهم إنما جحدوها عتوًا وعنادًا. وذكر بعض ما ذكره بعض العلماء في معناها، وذكر المفسرون عن السدي وغيره: هي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وعن آخرين أنها ما عدد الله في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم.

(2) ولفظه قال: ((هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، يعرف هذا كفار قريش ثم ينكرونه، بأن يقولوا هذا كان لآبائنا فورثونا إياه)). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما، وقائل هذا جاحد نعمة الله، غير معترف بها.

(3) هو ابن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله الكوفي الزاهد، روى عن أبيه وعائشة وابن عباس، وعنه قتادة وأبو الزبير والزهري، وثقه أحمد وابن معين، مات قبل 120هـ.


 يقولون: لولا فلان لم يكن كذا(1). وقال ابن قتيبة: يقولون هذا بشفاعة آلهتنا(2).

وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" الحديث. وقد تقدم(3): ((وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به))(4).

قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقا(5)،

ـــــــــــــــــ

(1) قال: إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان لم يكن كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا. رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وهذا يتضمن قطع إضافة النعمة عمن لولاه لم تكن؛ فإنه –سبحانه- هو وحده المنعم على الحقيقة.

(2) أي أن الكفار إذا قيل لهم: من رزقكم؟ أقروا بأن الله هو الذي يرزقهم، ثم ينكرونه بقولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا، وهذا يتضمن الشرك، مع إضافة النعم إلى غير وليها، والآية تعم ما ذكره العلماء في معناها. وابن قتيبة: هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضي دينور، النحوي اللغوي صاحب التصانيف البديعة المشهورة، روى عن إسحاق بن راهويه وجماعة، وتوفي سنة 276هـ.

(3) أي في باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.

(4) يعني مثل قوله: }وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ : }يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا{. وخبر: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر". وما قاله بعض السلف.

(5) أي ماهرا في صنعته، وهو صاحب السفينة، سمي بذلك لملازمته المـاء الملح، ومعناه أن الله إذا أجرى السفينة وسلمها، نسبوا ذلك إلى الريح والملاح، =


 ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير(1).

ـــــــــــــــــ

= ونسوا الله عز وجل الذي أجرى لهم الفلك في البحر رحمة بهم، وإن كان المتكلم بذلك لم يقصد أن الريح والملاح هو الفاعل لذلك من دون خلق الله وأمره، وإنما أراد أنه سبب لذلك، لكن لا ينبغي أن يضيف ذلك إلا إلى الله وحده، فهو المنعم على الإطلاق: }وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ{.

(1) وكلام الشيخ يدل على أن حكم هذه الآية عام فيمن نسب النعم إلى غير الله الذي أنعم بها، وأسند أسبابها إلى غيره مما هو مذكور في كلام المفسرين وغيره. قال المصنف: ((وفيه اجتماع الضدين في القلب، وتسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة)).


 باب قول الله تعالى: }فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ{(1).

ـــــــــــــــــ

(1) ترجم المصنف - رحمه الله - بهذه الآية الكريمة، التي ابتدأها الله عز وجل بأعلى المقامات التي أجلها عبادة الله وحده، وامتن عليهم بإيجادهم، وما أوجده لأجلهم، فلا يجعلوا له أندادا، أي شركاء ونظراء، يصرفون لهم شيئًا مما يستحقه سبحانه وتعالى، فيقعوا في الشرك الأصغر أو الأكبر، وساق في الباب ما ألحق بالأصغر، فإن من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ، وإن لم يقصد المتكلم بها معنى لا يجوز، بل ربما تجري على لسانه من غير قصد، وإن كانت الآية نزلت في الأكبر، فالسلف يحتجون بما نزل في الأكبر على الأصغر، كما فسرها ابن عباس وغيره، وقد قال تعالى في أول الآية بعد أن عدد فرق المكلفين: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{ تنجون من عذاب الله }الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ{ أي ومن كان هذا وصفه فهو المستحق أن يعبد وحده: }فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ{ أشباها ونظراء، تصرفون أنواع العبادة أو شيئًا منها لهم، كحال عبدة الأوثان، الذين كانوا يعبدونها من دون الله: }إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ{ أنه ربكم لا يرزقكم غيره. قال أبو العالية وقتادة: }فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً{ أي عدلاء شركاء. وقال ابن زيد: هي الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له. وقال قتادة ومجاهد: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله، وقال ابن عباس: أي لا تشركوا به شيئًا من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر: }وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ{ أنه ربكم، لا يرزقكم غيره.

وقال مجاهد: }وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ{ أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.

حكاه ابن كثير وغيره، وذكر حديث الحارث الأشعري " إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات: أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مـثل ذلك كمثل رجـل اشترى عبدًا من خالص ماله، بذهب أو ورق، فجعل يعمل=


 قال ابن عباس في الآية: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل(1)، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي(2)، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص(3)، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص(4)، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت(5)

ـــــــــــــــــ

= ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك، وإن الله خلقكم ورزقكم، فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ". وهذه الآية دالة على توحيد الله بالعبادة، وقد استدل بها كثير من المفسرين على وجود الصانع، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، والآيات الدالة على هذا المقام كثيرة جدا.

(1) الصفا الحجر الأملس، ذكر ما مثل به من الشرك؛ لخفائه على الأكثر حتى لا يكاد يفطن له، ولا يعرفه إلا القليل، وضرب المثل لخفائه بما هو أخفى شيء، أي أنه أخفى من دبيب النمل الأسود على الصفا الأسود في ظلمة الليل الأسود، وهذا يدل على شدة خفائه على من يدعي الإسلام، وعسر التخلص منه.

(2) أي من الشرك الحلف بغير الله كالحلف بحياة المخلوق، والحلف بالمخلوق شرك.

(3) وفي بعض الأصول: كلبة، وهي واحدة الكلاب، وهي ما تتخذ لحفظ المواشي وغيرها، واللصوص: السراق جمع لص ويثلث.

(4) البط: من طير الماء، الأوز، واحدته بطة، يتخذ في البيوت، فإذا دخلها غير أهلها استنكره وصاح، والواجب نسبة ذلك إلى الله، فهو الذي يحفظ عباده، ويكلؤهم بالليل والنهار.

(5) لأن المعطوف بالواو يكون مساويا للمعطوف عليه.


 وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلانا(1)، هذا كله به شرك. رواه ابن أبي حاتم(2). وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله قال: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك(3) ".

ـــــــــــــــــ

(1) أي لا تجعل في مقالتك فلانا، بل لولا الله وحده. ولا تقل: لولا الله وفلان. قال الشارح: ثبت بخط المصنف فلان بلا تنوين.

(2) أي هذا كله شرك بالله تعالى، وقد وقع هذا اليوم على ألسن كثير ممن لا يعرف التوحيد ولا الشرك، فيجب التنبه لهذه الأمور؛ فإنها أكبر الكبائر، وهذا من ابن عباس -رضي الله عنهما - تنبيه بالأدنى من الشرك على الأعلى، وتقدم تفسيره للآية أيضًا.

(3) وفي رواية: " فقد كفر ". وفي رواية: " فقد أشرك ". والصواب عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، وورد مثل هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه بهذا اللفظ، والشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد، وهو الكفر بالله، وقد يفرق بينهما، فيخص الشرك بقصد الأوثان وغيرها من المخلوقات مع الاعتراف بالله، فيكون الكفر أعم. وما أورده المصنف يحتمل أن يكون شكا من الراوي، ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو، فيكون قد كفر وأشرك، كما جاء مصرحا به عند أحمد: " فقد كفر وأشرك ".

ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر، كما قال الجمهور: لا يكفر كفرا ينقل عن الملة، لكنه من الشرك الأصغر، كما نص عليه ابن عباس وغيره.

لكن ما يفعله عباد القبور، وهو ما إذا طلب منهم اليمين بالله أسرعوا، وإذا طلب منهم اليمين بالشيخ أو حياته ونحوه لم يقدم أحدهم عليه إن كان كاذبا، فهذا شرك أكبر بلا ريب؛ لأنه صار المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله عز وجل وهذا=


 رواه الترمذي وحسنه وصححه، الحاكم(1). وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقا(2).

ـــــــــــــــــ

= ما بلغ إليه شرك عباد الأصنام، فمن كان جهد يمينه الحلف بالشيخ ونحوه فهو أكبر شركًا منهم. وفيه دليل على أنه لا تجب الكفارة بالحلف بغير الله مطلقًا؛ لأنه لم يذكر فيه كفارة، فليس فيه كفارة إلا النطق بكلمة التوحيد والاستغفار.

(1) وأقره الذهبي، وكذا أخرجه أحمد من طرق، وأبو داود، وصححه ابن حبان. وقال ابن العراقي: إسناده ثقات. وفي الصحيح وغيره عن ابن عمر مرفوعا: " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ".

وعن بريدة مرفوعًا "من حلف بالأمانة فليس منا". رواه أبو داود، وتواترت النصوص بالنهي عن الحلف بغير الله، ودلت على أنه شرك، لكنه لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار. وأجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله أو بصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره، وأما قوله: "أفلح وأبيه"، "أما وأبيك".

فقد أجيب عنه بأنه ليس من جنس اليمين المقصودة، بل هو مما يجري على الألسن من غير قصد، كقولهم: تربت يداك، أو أنه كان قبل النهي عن الحلف بغير الله ثم نسخ، فما ورد فيه ذكر الحلف بغير الله فهو جار على العادة قبل النهي، لأن ذلك هو الأصل، حتى ورد النهي؛ يؤيده ما في الصحيح عن ابن عمر وغيره، وقيل غير ذلك.

(2) رواه الطبراني وابن جرير وغيرهما، قال المنذري: ورواته رواة الصحيح.

وجاء عن ابن عباس وابن عمر نحوه، وذلك أن الحلف بالله كاذبا كبيرة، والحلف بغير الله شرك وكفر، وإن كان أصغر فهو أكبر من الكبائر بإجماع السلف.

قال شيخ الإسلام: ((وإنما رجح ابن مسعود الحلف بالله كاذبا، على الحلف بغيره صادقا، لأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغـيره، فحسنة التوحيد أعظـم من حسنة الصدق، وسيئة الكـذب، أسهل من سيئة=


 وعن حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان " رواه أبو داود بسند صحيح(1).

وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك. ويجوز أن يقول: بالله ثم بك، قال ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان(2).

ـــــــــــــــــ

= الشرك)) اهـ. فإذا كان هذا حال الشرك الأصغر فكيف بالشرك الأكبر الموجب للخلود في النار، كدعوة غير الله والاستغاثة به، والرغبة إليه وإنزال حوائجه به، كما هو حال الأكثر من هذه الأمة في هذه الأزمان وما قبلها.

(1) ورواه أحمد وابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجه والبيهقي، وله شواهد، ومعناه صحيح بلا ريب؛ وذلك لأن العطف بالواو يقتضي المساواة؛ لأنها في وضعها لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وتسوية المخلوق بالخالق في نوع من أنواع العبادة شرك، فإن كان في الأصغر مثل هذا فهو أصغر، وإن كان في الأكبر فهو أكبر، كقول الله عنهم: }إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ{ بخلاف المعطوف بـ (ثم)؛ فإن المعطوف بها يكون متراخيا عن المعطوف عليه بمهلة، فلا محذور لكونه صار تابعا.

(2) رواه عبد الرزاق وابن أبي الدنيا، وتقدم الفرق بين ما يجوز وما لا يجوز من ذلك، وهذا في الحي الحاضر الذي له قدرة وسبب، فإنه يجوز في حقه ما هو تحت قدرته ووسعه، وأما الأموات الذين لا إحساس لهم بمن يدعوهم ولا قدرة لهم على نفع ولا ضر، فلا يقال في حقهم شيء من ذلك، فلا يجوز التعلق عليهم بشيء ما، بوجه من الوجوه، والقرآن يبين ذلك، وينادي بأنه يجعلهم آلهة إذا سئلوا شيئًا من ذلك، أو رغب إليهم أحد بقوله أو عمله الباطن أو الظاهر، ومطابقة الحديثين والأثرين للترجمة ظاهرة على ما فسره ابن عباس في الآية.


 باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله(1)

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحلفوا بآبائكم(2)، من حلف بالله فليصدق(3)، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله". رواه ابن ماجه بإسناد حسن(4).

ـــــــــــــــــ

(1) أي من الوعيد لكونه من الفعل المنافي لكمال التوحيد؛ لدلالته على قلة تعظيمه لجناب الربوبية، فإن القلب الممتلئ بمعرفة عظمة الله وجلاله لا يفعل ذلك.

(2) فيه النهي عن الحلف بالآباء، ولا مفهوم له، فقد تقدم النهي عن الحلف بغير الله مطلقا، وأنه من الشرك.

(3) أي وجوبًا لأن الصدق مما أوجبه الله على عباده، وحضهم عليه في كتابه، ولو لم يحلف بالله، فكيف إذا حلف به؟ قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ{.

وقال: }وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ{. وقال: }إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ{. وهو حال أهل البر كما قال تعالى: }وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ{ إلى قوله: }أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا{. وفيه تأكد وجوب الصدق في اليمين بالله، لأن اليمين الغموس من الكبائر.

(4) ولفظه: " ومن لم يرض بالله فليس من الله ". وله شواهد من الكتاب والسنة، وهذا وعيد شديد لمن لم يرض، أما إذا لم يكن له بحكم الشريعة على خصمه إلا اليـمين، فأحلفه فلا ريب أنه يجب عليه الرضى، وظاهره وإن كان يعتقد كذبه في =


................................................................................

ـــــــــــــــــ

= الباطن. قال الشارح: ((وحدثت عن المصنف أنه حمل حديث الباب على اليمين في الدعاوى)) اهـ. ولا يستحلفه بغير الله تعالى أو صفة من صفاته كالطلاق والعتاق، والحالف إذا بلغ فسقه بحيث استعظم غير الله وحلف به، فليس محلا للصدق، ولا عبرة بحلفه أصلا، وأما إذا كان مما يجري بين الناس مما قد يقع في الاعتذارات من بعضهم لبعض ونحو ذلك، فهذا من حق المسلم على المسلم أن يقبل منه إذا حلف له معتذرًا أو متبريًا من تهمة، ومن حقه عليه أن يحسن به الظن إذا لم يتبين كذبه، كما قال عمر رضي الله عنه: "ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك شرًا، وأنت تجد لها في الخير محملاً". وهو من محاسن الأخلاق ومكارمها، وكمال العقل وقوة الدين.


 باب قول: ما شاء الله وشئت(1)

عن قتيلة " أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت". رواه النسائي وصححه(2).

ـــــــــــــــــ

(1) وأنه من الشرك؛ لما فيه من التسوية بين الخالق والمخلوق في المشيئة.

(2) قتيلة بمثناة مصغر، بنت صيفي الأنصارية، صحابية مهاجرة، لها هذا الحديث في سنن النسائي، ورواه عنها عبد الله بن يسار الجعفي، ورواه الطبراني وابن سعد وابن منده وغيرهم. والحديث نص في أن هذا اللفظ من الشرك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر اليهودي على تسميته بذلك، ونهى عنه، وقال لمن قال ذلك: " أجعلتني لله ندا "؟ وأقر من سماه تنديدا، كما جاء بلفظ "إنكم تنددون" وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك، والعبد وإن كان له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا قدرة له على أن يشاء شيئًا إلا إذا كان الله قد شاءه، كما قال تعالى: }وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ{.

قال الشارح: ولو أتى بـ (ثم) وأراد أنه شريك لله تعالى في المشيئة فالنهي باقٍ بحاله، بل يكون في هذه الصورة أشد ممن أتى بالواو، مع عدم هذا الاعتقاد، وفيه قبول الحق ممن جاء به كائنًا من كان، وبيان النهي عن الحلف بالكعبة، وأنه شرك مع أنها بيت الله التي حجها فرض، وهذا يبين أن النهي عن الشرك بالله عام، لا يصلح منه شيء، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا للكعبة التي هي بيت الله في أرضه، ولا غير ذلك من سائر المخلوقات.


 وله أيضًا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- " أن رجلا قال: للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله ندًّا؟ بل ما شاء الله وحده(1) ".

ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها(2)

ـــــــــــــــــ

(1) وفي رواية: " قل ما شاء الله وحده " ورواه ابن ماجه وابن مردويه وغيرهما. وهذا يقرر ما تقدم من أن هذا شرك؛ لوجود التسوية في العطف بالواو، وفيه أن من سوى العبد بالله ولو في الشرك الأصغر فقد جعله ندًا لله؛ لقوله: " أجعلتني لله ندا؟!" أي شريكًا، استفهام إنكار، أي ليس لك أن تسويني بالله.

قال ابن القيم: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة، فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، ويقول: نذرا لله ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، وأرجو الله وفلانا ونحو ذلك، فوازن بين هذه الألفاظ وببن قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى حمى التوحيد، وسد طرق الشرك في الأقوال والأفعال، وقال المصنف: فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك، يشير إلى صاحب البردة حيث جعل عياذه ولياذه بغير الله.

(2) الطفيل: هو ابن عبد الله بن الحارث بن سخبرة بن جرثومة الخير بن عادية بن مرة بن الأوس بن النمر بن عثمان الأزدي، صحابي له هذا الحديث، قدم أبوه عبد الله مكة قبل الإسلام، فحالف أبا بكر، وتوفي عن أم رومان، فخلف عليها أبو بكر، فولدت له عبد الرحمن وعائشة. وابن ماجه إنما روى عن حذيفة بهذا اللفظ، وعن الطفيل بنحوه، ورواه أحمد والنسائي، ورجح الحفاظ أن ابن عيينة وهم في روايته عن حذيفة.


 قال: " رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله(1). قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد(2). ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) أي نعم القوم أنتم، لولا ما أنتم عليه من الشرك والمسبة لله بنسبة الولد إليه، وهذا لفظ الطبراني.

وفي رواية له ولأحمد: ((رأيت فيما يرى النائم كأني مررت برهط من اليهود، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود)) والرهط والنفر الجماعة أقل من العشرة.

(2) عارضوه بشيء مما في المسلمين من الشرك الأصغر، أي نعم القوم أنتم لولا ما فيكم من هذا الشرك، وكذلك جرى له مع نفر من النصارى، وفيه معرفة اليهود والنصارى للشرك وإن كان أصغر، وهم مع ذلك يشركون بالله الشرك الأكبر.

(3) فيه سنة تقديم حمد الله والثناء عليه في الخطب، وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وعدم احتجابه عن الناس كالملوك، واعتنائه بالرؤيا؛ لأنها من أقسام الوحي.


 ثم قال: أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها(1)، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده"(2).

ـــــــــــــــــ

(1) وفي رواية أحمد والطبراني: " إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها ".

وهذا الحياء ليس حياء عن الإنكار عليهم، بل كان صلى الله عليه وسلم يكرهها؛ ويستحيي أن ينكرها، لأنه لم يؤمر بإنكارها، فلما جاء الأمر الإلهي بالرؤيا الصالحة خطبهم، ونهى عن ذلك نهيا بليغا.

(2) هذه الرؤيا حق، أقرها صلى الله عليه وسلم وعمل بمقتضاها، ونهاهم أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد؛ لما فيه من مطلق التسوية بين الخالق والمخلوق، وأمرهم أن يقولوا ما شاء الله وحده، كما في الحديث قبله، ولا ريب أن هذا أكمل في الإخلاص، وأبعد عن الشرك، وأفضل وأكمل من قول ما شاء الله ثم شاء محمد؛ لما في قول: ما شاء الله وحده من التصريح بالتوحيد، المنافي للتنديد من كل وجه، فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص، ويجوز أن يقال: ما شاء الله ثم شاء فلان كما تقدم. وفيه معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ".

وإن كانت هذه رؤيا منام، فقد أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أنها حق.

قال المصنف: وفيه أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي، وأنها قد تكون سببا لشروع بعض الأحكام.


 باب من سب الدهر فقد آذى الله(1)

وقول الله تعالى: }وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ{ الآية(2)

ـــــــــــــــــ

(1) لأنهم إذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، فإنما سبوا فاعله حقيقة وهو الله سبحانه، والساب مرتكب أحد أمرين: إما مسبة الله أو الشرك، فإن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله تعالى الله وتقدس. ومناسبة هذا الباب للكتاب ظاهرة؛ لأن سب الدهر يتضمن الشرك، ولفظ الأذى في اللغة: هو لما خف أمره وضعف أثره من الشر والمكروه، وهو بخلاف الضر، فقد أخبر سبحانه، أن العباد لا يضرونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور.

(2) أي يقول مشركو العرب والفلاسفة الإلهيون وأضرابهم: ما حياتنا إلا حياة الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها تكذيبا منهم بالبعث بعد الموت، : }نَمُوتُ وَنَحْيَا{ يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة، جحدا للمنقول ومكابرة للمعقول؛ ولهذا قالوا: }وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ{ أي ما يفنينا إلا ممر الليالي والأيام، فيسبون الدهر، والله يقول: " يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار ". وأكذبهم بقوله: }وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ{ أي يقين علم: }إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ{ يتوهمون ويتخيلون، ومطابقة الآية للترجمة ظاهرة؛ لأن من سب الدهر فقد شاركهم في سبه، وإن لم يشاركهم في الاعتقاد.


 وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار ".(1) وفي رواية: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر(2) ".

ـــــــــــــــــ

(1) الحديث أخرجاه في الصحيحين وغيرهما من طريق معمر وغيره من أوجه عن أبي هريرة وغيره، بهذا اللفظ وغيره، وفي الحديث زيادة وهي "بيدي الأمر" وفي رواية " لا تقولوا: يا خيبة الدهر؛ فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما ".

وفي رواية: " يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار ".

ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم بلفظ: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله: }وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا{ الآية. فقال الله: " يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار " وأخرج ابن إسحاق عن أبي هريرة: "يقول الله: استقرضت عبدي فلم يعطني، ويسبني عبدي: وادهراه، وأنا الدهر ".

قال بعض السلف: كانت العرب في جاهليتها من شأنها ذم الدهر، أي سبه عند النوازل، فكانوا إذا أصابهم شدة أو بلاء أو ملامة قالوا: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وقالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعل ذلك هو الله، فإذا أضافوا ما نالهم من الشدائد إلى الدهر فإنما سبوا الله عز وجل؛ لأن الله هو الفاعل لذلك حقيقة، فنهى الله عن سب الدهر بهذا الاعتبار، وقد تبين معناه من قوله: "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار". وتقليبه تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه.

(2) ومعنى هذه الرواية هو ما صرح به من قوله "وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار" يعني أن ما يجري فيه من خير وشر إنما هو بإرادة الله وتدبيره، بعلم منه تعالى وحكمة لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشـأ لم يكن، =


...............................................................................

ـــــــــــــــــ

= فالواجب حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، كما قال تعالى: }وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{.

قال المصنف: وفيه أنه يكون سابا وإن لم يقصده بقلبه، ونسبة الفعل إلى الدهر، ومسبته قد فشت في كلام العرب، كقول ابن المعتز:

يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا

وأنت والد سوء تأكل الولدا

وقول أبي الطيب:

قبحا لوجهك يا زمان فإنه

وجه له في كل قبح برقع

وهذا ونحوه داخل في الحديث وفيه مفاسد، منها سب من ليس أهلا للسب؛ فإن الدهر خلق مسخر، ومنها أن سبه متضمن للشرك، فإنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم، ومنها أن السب إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، ورب الدهر هو المعطي المانع الخافض الرافع، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبته مسبة لله عز وجل ومنه: هذه سنة خبيثة، وعكسه قولهم: هذه تبسمة زمان يعني للأوقات التي يكثر فيها الخير، وليس منه وصف السنين بالشدة؛ لقوله تعالى: }ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ{. وقال بعض الشعراء:

إن الليالي من الزمان مهولة

تطوى وتنشر بينها الأعمار

فقصارهن مع الهموم طويلة

وطوالهن مع السرور قصار


 باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه(1)

في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله(2) ". قال سفيان: مثل شاهان شاه(3).

ـــــــــــــــــ

(1) كحاكم الحكام وسلطان السلاطين، وسيد السادات. أشار المصنف رحمه الله إلى النهي عن ذلك قياسا على ما في حديث الباب؛ لكونه شبهه في المعنى. وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد؛ لمنافاة هذه الألفاظ لكماله، فيكون فيه شائبة من الشرك وإن لم يكن أكبر، ولا يخفى ما في إطلاقه على غير الله من الجرأة على الله، وسوء الأدب معه؛ فإن كل لفظ يقتضي التعظيم والكمال، لا يكون إلا لله وحده.

(2) فهو الذي يستحق هذا الاسم، ولا يصدق إلا عليه، فهو ملك الأملاك لا مالك أعظم ولا أكبر منه، فهو مالك الملك، وأزمة الملوك بيده، و"تسمى" بفتح التاء أي سمى نفسه، وقيل بضم الياء التحتية، أي يدعى بذلك، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم تحريم التسمي بذلك بقوله: "لا مالك إلا الله"، فالذي تسمى بذلك قد كذب وفجر، وبلغ الغاية في الكفر، وارتقى إلى ما ليس له بأهل، فصار أحقر الناس عند الله يوم القيامة، معاملة له بنقيض قصده.

وأخرج الطبراني: " اشتد غضب الله على من زعم أنه ملك الأملاك ".

(3) بكسر النون والهاء، وقد تنون، وهو عند العجم عبارة عن ملك الأملاك وسلطان السلاطين، ولهذا مثل به سفيان بن عيينة؛ لأنه عبارة عنه بلغة العجم، =


 وفي رواية: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه(2) ". قوله: " أخنع " يعني أوضع(2).

ـــــــــــــــــ

= فمراده - رحمه الله - أن الحديث متناول لمثل هذا بأي لسان كما هو ظاهر، فلا ينحصر في لفظ بعينه، بل كل ما أدى إلى هذا المعنى فهو داخل في الحديث.

(1) أغيظ من الغيظ، وأخبث من الخبث، والغيظ مثل الغضب والبغض، فيكون بغيضا إلى الله، خبيثا عنده، مغضوبا عليه، فاجتمعت في حقه هذه الأمور لتعاظمه في نفسه، وتعظيم الناس له بهذه الكلمة التي هي من أعظم التعظيم، فتعظمه في نفسه وتعظيم الناس له بما ليس له بأهل: وضعه عند الله يوم القيامة، فصار أبغض الخلق إلى الله وأخبثهم عنده وأحقرهم؛ لأن الخبيث البغيض عند الله يكون يوم القيامة أحقر الخلق وأخبثهم؛ لتعاظمه في نفسه على خلق الله بنعم الله عليه، عكس من تواضع لله؛ فإن الله يرفعه.

وهذه من الصفات التي نؤمن بها ونثبتها على ما يليق بجلال الله وعظمته، وزعم بعض المتأخرين أن التسمي بقاضي القضاة ونحوه جائز، واستدل بحديث "أقضاكم علي". ورده العراقي وغيره، وقال: لا يخفى ما في ذلك من الجرأة على الله، وسوء الأدب معه.

(2) هذا هو معنى أخنع، ورواه مسلم عن أحمد عن أبي عمرو الشيباني. قال القاضي عياض: معناه أنه أشد الأسماء صغارا، وبذلك فسره أبو عبيد، والخانع الذليل، فيفيد ما تقدم في معنى "أغيظ"، أنه يكون حقيرا بغيضا عند الله، وفيه التحذير من كل ما فيه تعاظم كالقيام على المعظمين، كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا وغير ذلك.


 باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك(1)

" عن أبي شريح، أنه كان يكنى أبا الحكم(2)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم(3).

ـــــــــــــــــ

(1) أي وجوب احترام أسماء الله تعالى، وهو تعظيمها ووجوب تغيير الاسم لأجل احترام أسماء الله تعالى، وذلك من تحقيق التوحيد. واحترمه: رعى حرمته وهابه، وغير الاسم: حوّله وبدله، وجعل غيره مكانه.

(2) أبو شريح هو هانئ بن يزيد الكندي، أسلم يوم الفتح، له عشرون حديثا، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بحديث، وروى عنه أبو سعيد المقبري، ونافع بن جبير وطائفة، قال ابن سعد مات بالمدينة سنة 68 هـ.

و"يكنى" بسكون الكاف وفتحها، ما صدر بأم أو أب، وقد تكون بالأوصاف كأبي المعالي، أو إلى ما يلابسه كأبي هريرة، وقد تكون للعلمية الصرفة كأبي بكر، واللقب ما أشعر بمدح كـ(زين العابدين) ونحوه، أو ذم كأنف الناقة ونحوه.

(3) الحكم اسم من أسماء الله تعالى، الذي إذا حكم لا يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله تعالى. قال تعالى: }وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ{.

فهو سبحانه الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزله على أنبيائه ورسله، وما من قضية إلا وله تعالى فيها حكم مما أنزله على نبيه من الكتاب والحكمة، لكن قد يخفى على بعض الناس، وقد يسر الله معرفة أكثر ذلك لأكثر العلماء، فلا تجتمع هذه الأمة على ضلالة، وإن اختلفوا في بعض الأحكام فلا بد أن يـكون المصيب فيهم واحدا، فمن رزقه الله قوة الفهم وأعطاه ملكة يقتدر بها على=


 فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين(1).

ـــــــــــــــــ

= فهم الصواب من أقوال العلماء ومستنداتهم، أدرك الصواب من ذلك. وإليه سبحانه الحكم، أي الفصل بين العباد في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: }وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ وقال: }فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ{ فالحكم إلى الله، هو الحكم إلى كتابه وكذا الرد إليه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته، وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "بم تحكم"؟ قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟"، قال: بسنة رسول الله.

قال: "فإن لم تجد"؟ قال: أجتهد رأيي. وهو من أجل علماء الصحابة، فساغ له الاجتهاد بخلاف ما يقع اليوم وقبله من أهل التفريط في الأحكام، ممن يجهل حكم الله ورسوله، فيظن أن الاجتهاد يسوغ له، مع الجهل بالكتاب والسنة. وأما يوم القيامة فلا يحكم بين الخلق إلا الله عز وجل يحكم بينهم سبحانه بعلمه، والحكم إنما هو بالحسنات والسيئات، يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر ظلامته إن كان له حسنات، وإلا أخذ من سيئات المظلوم فطرح على سيئات الظالم، ولا يظلم أحدا مثقال ذرة. وفيه دليل على المنع من التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به، والمنع مما يوهم عدم الاحترام لها كالتكني بأبي الحكم ونحوه.

(1) أي أنا لم أكن نفسي بهذه الكنية، وإنما كنت أحكم بينهم فكنوني بها، والمعنى - والله أعلم- أن أبا شريح كان مرضيا عند قومه، يتحرى ما يصلحهم إذا اختلفوا فيرضون صلحه، فسموه أبا الحكم لذلك، لأن مدار صلحه على الرضا لا على الإلزام، ولا على أحكام الكهان وأهل الكتاب، ولا إلى أوضاع الجاهلية.

وأما ما يحكم به الجهلة من الأعراب ونحوهم فليس من هذا الباب، لما فيه من النهي الشديد، والخروج عن حكم الله ورسوله إلى ما يخالفه، قال تعالى: }أَفَحُكْمَ =


 فقال: ما أحسن هذا!(1) فما لك من الولد؟ قلت: شريح ومسلم وعبد الله، قال فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال فأنت أبو شريح ". رواه أبو داود وغيره(2).

ـــــــــــــــــ

=الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ{.

وقال: }وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ{ وهذا كثير، فمن الناس من يحكم بين الخصمين برأيه وهواه، ومنهم من يتبع في ذلك سلفه، ويحكم بما كانوا يحكمون به، ومنهم من يحكم بالقوانين اليونانية، وهذا كفر إذا استقر وغلب على من تصدى لذلك ممن يرجع الناس إليه إذا اختلفوا، وقد يلتحق بهذا بعض المقلدة لمن لم يسغ تقليده، فيعتمد على قول من قلده، ويدع ما دل عليه الكتاب والسنة.

(1) أي ما أحسن هذا الحكم بينهم، لما صار صاحب إنصاف وتحر للعدل بينهم، والإرضاء لهم من الجانبين استحسنه صلى الله عليه وسلم، أو ما أحسن ما ذكرته من الكنية، والأول أولى.

(2) فرواه النسائي والحاكم، وزاد: ((فدعا له ولولده)). وقال ابن مفلح: وإسناده صحيح، وكناه بالكبير فهو السنة، كما جاء في غير ما حديث، وإن لم يكن له ابن فيكنى بأكبر بناته، وكذلك المرأة، وغير كنيته صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله هو الحكم على الإطلاق، ومنه تسمية الأئمة بالحكام، فينبغي ترك ذلك والنهي عنه لهذا الحديث، وفيه الرعاية للأكبر منا في التكريم، وأن استعمال الاسم الشريف الحسن مكروه في حق من ليس كذلك.


 باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول(1)

وقول الله تعالى: }وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ{ الآية(2).

ـــــــــــــــــ

(1) أي باب بيان حكم من هزل بشيء فيه ذكر الله عز وجل أو القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني فقد كفر لاستخفافه بالربوبية والرسالة، وذلك منافٍ للتوحيد، وكفر بالإجماع، ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء، والهزل المزح، والهذل ضد الجد، وهو أن لا يراد باللفظ ظاهره ومعناه، بل يراد به غير ذلك لمناسبة تقتضيه.

(2) أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين الذين تكلموا بكلمة الكفر استهزاء، ليقولن معترفين ومعتذرين: }إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ{ أي لم نقصد الاستهزاء والتكذيب، وإنما قصدوا الخوض في الحديث واللعب، وخاض في الحديث أفاض فيه، وفي الباطل دخل فيه. واللعب ضد الجد مزح، وفي الأمر استخف به وفعل فعلا يقصد به اللذة والتنزه، فأخبرهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن عذرهم هذا لا يغني عنهم من الله شيئًا، وأنهم كفروا بعد إيمانهم بهذه المقالة التي استهزءوا بها، ولم يعبأ باعتذارهم. قال شيخ الإسلام: وقول من يقول: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: }قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ{؛ فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان فهم لم يظهروا للناس، إلا لخواصهم وهم مع خواصهم ما زالوا كذلك، ولم يدل اللفظ أنهم ما زالوا منافقين. وقوله: }إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ{ أي مخشى =


 عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة دخل حديث بعضهم في بعض(1) أنه "قال رجل في غزوة تبوك(2) ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا(3)

ـــــــــــــــــ

= ابن حمير الأشجعي حليف بني سلمة، قال ابن إسحاق: قال: لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي عناه بالآية، فسمي عبد الرحمن، وسأل أن يقتل شهيدا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر. وقوله: }نُعَذِّبْ طَائِفَةَ{ أي لا يعفى عن جميعكم، ولا بد من عذاب بعضكم: }بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ{ أي بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة.

(1) أي ما ذكر عنهم مجموعًا من رواياتهم متقارب المعنى، وقد ذكره كذلك شيخ الإسلام، فلذلك دخل بعضه في بعض. ومحمد بن كعب أو ابن سليم بن أسد أبو حمزة القرظي من حلفاء الأوس، كان أبوه من سبي قريظة، روى عن جماعة من الصحابة، وعنه يزيد بن عجلان وموسى بن عبيدة وغيرهم، ثقة عالم. قال نافع: ما رأيت أحدا أعلم منه في تأويل القرآن، توفي سنة 120 هـ. وزيد بن أسلم هو العدوي مولى عمر، أبو عبد الله أو أبو أسامة المدني، ثقة عالم، روى عن أبيه وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم، وعنه أولاده الثلاثة وغيرهم، قال نافع لعلي بن الحسين: تخطأ مجالس قومك لعبد عمر، فقال: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه، وأثر ابن عمر رواه ابن جرير وغيره بنحو هذا اللفظ، وأثر ابن كعب وزيد وقتادة معروف، لكن بغير هذا اللفظ والمعنى متقارب.

(2) وكانت في رجب سنة 9 هـ. قال ابن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ومخشي بن حمير الذي تاب الله عليه، وهو لم يقل ذلك، وإنما حضره.

(3) ولفظ ابن جرير وغيره: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا. أي أوسـع، يريد كثرة الأكل، وهو وإن كان مذموما لكن المنافقون قد افتروا أعظم فرية=


 ولا أكذب ألسنا(1)، ولا أجبن عند اللقاء(2)، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء(3)، فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق(3)،

ـــــــــــــــــ

= في نسبة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فإن الصحابة - رضي الله عنهم - أقنع الناس، وأحسنهم اقتصادا في الأكل وغيره، والمنافقون والكفار أوسع بطونا، وأكثر أكلا كما صرحت بذلك الأحاديث، وأدرك بالحس والمشاهدة. والقراء جمع قارئ، وهم عند السلف الذين يقرءون القرآن، ويعرفون معانيه، أما قراءته من غير فهم معناه فلا يوجد في ذلك العصر، وإنما حدث بعد ذلك من جملة البدع.

(1) بل المنافقون أكذب خلق الله كما وصفهم الله بقوله: }أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ{ والصحابة - رضي الله عنهم - عدول بالإجماع، اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه وحفظه، وهم من الصدق بالمنزلة العالية، والغاية التي ليس فوقها غاية رضي الله عنهم وأرضاهم.

(2) يعني لقاء العدو، وقد كذب في ذلك، بل المنافقون هم الجبناء: }يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ{، وشجاعة الصحابة رضي الله عنهم مشهورة، وما ظهر لهم من الشجاعة والبطولة لا يعرف لها نظير، ولهذا قال له عوف: كذبت أي فيما نسبته إليهم.

(3) وفي رواية ابن إسحاق: يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم مقرنين في الحبال ; إرجافا وترهيبا للمؤمنين.

(4) فيه المبادرة بالإنكار والشدة على المنافقين، وجواز وصف الرجل بالنفاق إذا ظهر منه ما يدل عليه.


 لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم(1)، فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه(2)، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق(3)، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الحجارة لتنكب رجليه(4)،

ـــــــــــــــــ

(1) هذا ونحوه من النصيحة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليس من النميمة في شيء، فذكر أفعال الفساق لولاة الأمور ليردعوهم، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا من الغيبة والنميمة.

(2) أي قد جاء الوحي من الله بما قالوه. وفي رواية: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن. وفي رواية ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار: " أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قد قلتم كذا وكذا" فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه ".

(3) أي لم يقصدوا حقيقة الاستهزاء، وإنما قصدوا الخوض واللعب، والمراد الهزل لا الجد والتحدث كما يتحدث الركبان إذا ركبوا رواحلهم، وقصدوا ترويح أنفسهم، وتوسيع صدورهم ليسهل عليهم السفر، وقطع الطريق.

(4) نسعة بكسر النون سير مضفور عريض يشد به الرحال، سمي نسعا لطـوله، أو يجعل زماما للبعير وغيره، والحقب أيضًا حبل أو سير يشده الرحال في بطن=


 وهو يقول: }إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ{ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: }أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ{، ما يلتفت إليه ولا يزيده عليه ".

ـــــــــــــــــ

= البعير، ويقال: إنهما واحد. وفي رواية: وأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة، وقال محمد بن كعب وغيره: وإن رجليه ليسفعان الحجارة، وما يلتفت إليه.

وفي رواية ابن إسحاق: فقال وديعة بن ثابت ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها: يا رسول الله: }إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ{. وقال مخشي ما تقدم ذكره عنه.

(1) رواه ابن جرير وغيره، أي ما يلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنافق فيقبل عذره، ولا يزيده على قوله: }أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ{ أي فليس لكم عذر لأن هذا لا يدخله الخوض واللعب، وإنما تحترم هذه الأشياء وتعظم ويخشع عندها، إيمانا بالله ورسوله، وتعظيما لآياته وتصديقا وتوقيرا، والخائض واللاعب متنقص لها.

ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله وعدم احترامهم، أو الوقيعة فيهم لأجله، وفيه أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها، أو عمل يعمله، قال المصنف: القول الصريح في الاستهزاء هذا وما شابهه، وأما الفعل الصريح فمثل مد الشفة، وإخراج اللسان ورمز العين، وما يفعله كثير من الناس عند الأمر بالصلاة والزكاة فكيف بالتوحيد؟ وقال: فيه -وهي العظيمة- أن من هزل بهذا أنه كافر، والفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله، وبين العفو الذي يحبه الله والغلظة على أعداء الله، وأن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل.


 باب ما جاء في قول الله تعالى: }وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي{ الآية(1).

قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به(2). وقال ابن عباس: يريد من عندي(3).

وقوله: }قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي{ قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب(5) وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل(6).

ـــــــــــــــــ

(1) أراد المصنف - رحمه الله - بهذه الترجمة بيان أن زعم الإنسان استحقاقه ما حصل له من النعم بعد الضراء مناف لكمال التوحيد، أي يقول تعالى: ولئن آتينا الإنسان خيرا وعافية وغنى، من بعد بلاء وشدة أصابته، ليقولن: إني كنت مستحقه، فكفر نعمة الله إذا لم ينسبها إليه تعالى.

(2) أي بكسبي وأنا خليق به وجدير به، رواه عبد بن حميد وابن جرير بنحوه.

(3) أي يريد بقوله: (هذا لي) هذا من عندي.

(4) قاله قارون فخسف الله به الأرض عقوبة له.

(5) رواه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقال ابن كثير: قال قتادة، : }عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي{ على خبر عندي.

(6) قاله السدي والبغوي وابن جرير وغيرهم.


 وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف(1). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى(2)، فأراد الله أن يبتليهم(3)،

ـــــــــــــــــ

(1) رواه ابن جرير وغيره، وليس فيما ذكروه اختلاف، وإنما هو أفراد المعنى. ونحو هاتين الآيتين قوله: }ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ{ أي أنه في حال الضر يضرع إليه، ثم إذا خوله نعمة منه طغى وبغى. وقال: }إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ{ أي لما يعلم الله استحقاقي له، ولولا

أني عند الله خصيص لما خولني هذا، قال الله: }بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ{ أي ليس الأمر كما زعم، بل إنما أنعمنا عليه لنختبره فيما أنعمنا عليه، أيطيع أم يعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك، : }وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ{ أنه استدراج وامتحان، ليشكر أو يكفر، : }قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ{ يعني قارون وأشباهه، فإنه قال: }قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي{وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه: لولا أنه يستحق ذلك لما أعطي.

(2) بالنصب بدل من اسم "إن"، والأبرص من به داء البرص، وهو بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد المزاج، والأقرع من به قرع، وهو داء يصيب الصبيان في رءوسهم، ثم ينتهي بزوال الشعر أو بعضه، والقرع الصلع. والأعمى من فقد بصره، ولا يقع إلا على العينين جميعا.

(3) أي يختبرهم بنعمته كما قال تعالى: }وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً{. ولفظ البخاري: "بدا لله" بالباء الموحدة والدال المهملة، وكسر لام الجلالة، قال ابن قرقور: ضبطناه بالهمز يعني ابتدأ، ورواه كثير من الشيوخ بلا همز.


 فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به(1). قال: فمسحه فذهب عنه قذره، فأعطي لونا حسنا، وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟(2) قال: الإبل، -أو البقر شك إسحاق(3) - فأعطي ناقة عُشَرَاء(4)، فقال: بارك الله لك فيها(5). قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به(6)، فمسحه فذهب عنه(7)،

ـــــــــــــــــ

(1) اللون هيئة كالبياض والحمرة، والجلد

ظاهر البشرة وهو: غشاء الجسد، و"قذرني" بكسر الذال، أي كرهوا مخالطتي، ونفروا عني، واستأذوا من رؤيتي، وعدوني مستقذرا من أجله.

(2) لما زال عنه البرص الذي هو أكره منظر، وكان لا يبرأ في العادة، خيره في أنفس الأموال، ليجمع له أكبر النعم البدنية والمالية اختبارا.

(3) أي ابن عبد الله بن أبي طلحة، راوي الحديث.

(4) بضم العين وفتح الشين وبالمد، وهي: الحامل التي أتى على حملها عشرة أشهر أو ثمانية، وقيل: يقال لها إلى أن تلد، وهي من أنفس الإبل.

(5) أي دعا له الملك بالبركة، وهو مجاب الدعوة بإذن الله.

(6) وعابوني به.

(7) ولم يكن البرء من عادته غالبا.


 وأعطي شعرا حسنا(1)، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل، فأعطي بقرة حاملا، وقال: بارك الله لك فيها(2). قال: فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري، فأبصر به الناس، فمسحه فرد الله إليه بصره(3)، قال: أي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدا(4)، فأنتج هذان وولد هذا(5)، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم(6).

ـــــــــــــــــ

(1) بعد أن كان أقرع يقذره الناس.

(2) أي دعا له الملك بالبركة، كما دعا لمن قبله، وحاملا أي حبلى، ولم يقل حاملة؛ لأن هذا نعت لا يكون إلا للإناث.

(3) الذي لم يكن البرء من عادته.

(4) أي ذات ولد. وقال بعضهم: الشاة الوالد التي عرف منها كثرة الولد والنتاج، ودعا له بالبركة.

(5) أنتج بفتح الهمزة والتاء. وفي رواية: فنتج. وقال غير واحد: بالضم فيها أي تولى صاحب الناقة وصاحب البقرة نتاجهما، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة، وولد بتشديد اللام أي تولى ولادها، وهو بمعنى نتج في الناقة، فالمولد والناتج والقابلة بمعنى واحد.

(6) أي كان لكل واحد منهم ما يملأ الوادي من الإبل والبقر والغنم.


 قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته(1)، فقال: رجل مسكين وابن سبيل(2)، قد انقطعت بي الحبال في سفري(3)، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك(4)، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري(5)، فقال: الحقوق كثيرة(6).

ـــــــــــــــــ

(1) أي أتى الملك في صورة الأبرص التي كان عليها أولا لما اجتمع به، وهو كونه أبرص فقيرا ترقيقا لقلبه، وإنما ذكره حالته الأولى ليكون أبلغ في إقامة الحجة عليه.

(2) رجل خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنا.

(3) الحبال بالحاء المهملة والباء الموحدة أي أسباب المعيشة في سفري، وقيل الطريق. وفي رواية لمسلم: بالياء المثناة التحتية جمع حيلة، أي لم يبق لي حيلة أراد أنك كنت هكذا، وليس بتعريض بل هو تصريح على وجه ضرب المثال والإيهام أنه صاحب القصة؛ ليتيقظ المخاطب كما أوهم الملكان داود أنهما صاحبا القصة.

(4) أي فلا وصول لي إلى مرادي إلا بالله سبحانه ثم بك، إظهارا لشدة حاجته إليه.

(5) بعيرا منصوب بمحذوف تقديره: أسألك بالذي إلخ، يعني أطلب منك بعيرا أتبلغ به أي أتوصل به، من البلغة وهي الكفاية. وفي البخاري: "أتبلغ عليه" أي أتوصل عليه إلى مرادي، عدد عليه ما أنعم الله به عليه ليكون أرق له.

(6) أي حقوق المال كثيرة علي، ولا أقدر على أدائها، أو حقوق المستحقين كثيرة فلا يحصل لك بعير، وهو إنما أراد دفعه، وليس بصادق.


 فقال: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله عز وجل المال(1)؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر(2)، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت(3). قال: ثم إنه أتى الأقرع في صورته(4)، فقال له مثل ما قال لهذا(5)، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا(6)،

ـــــــــــــــــ

(1) استفهام توبيخ، يذكره ما كان عليه من قبل، وما أنعم الله به عليه، ليعترف لله.

(2) نصب كابرا بنزع الخافض، أي ورث هذا المال من كبير، ورثه عن كبير آخر في الشرف، فجحد نعم الله عليه مع قرب تجددها، ومع تصريح السائل الخبير، بما وجب عليه لها من الشكر الذي هو أعظم الأسباب في هذه النعم، ومع شدة حاجة السائل، فلم يقر لله بنعمة، ولم ينسبها إليه، ولا أدى حقه فيها، فحل عليه السخط، لمبالغته في جحد النعمة وكفر مسديها.

(3) أي ردك الله إلى ما كنت عليه سابقا من البرص والفقر، أو رده بلفظ الماضي مبالغة في الدعاء عليه.

(4) لم يقل وهيئته اختصارا أو اكتفاء.

(5) أي قال للأقرع مثل ما قاله للأبرص، رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك الشعر الحسن، والجلد الحسن، بقرة أتبلغ بها في سفري.

(6) أي كرد الأبرص على هذا السائل بقوله: الحقوق كثيرة، فقال له الملك: ألم تكن أقرع يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر.


 فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت(1). قال: ثم إنه أتى الأعمى في صورته وهيئته(2)، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك وأعطاك المال شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله عز وجل(3).

فقال: أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم(4)، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك ". أخرجاه(5).

ـــــــــــــــــ

(1) أي إلى ما كنت عليه قبل من القرع والفقر.

(2) وهي أنه أعمى فقير.

(3) أي لا أشق عليك في رد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي. ولفظ البخاري: " لا أحمدك " بالحاء المهملة والميم، أي على ترك شيء أو أخذ شيء مما تحتاج إليه من مالي، ويحتمل: لا أطلب منك الحمد أي لا أمتن عليك.

(4) يعني أنت ورفيقاك، والمعنى اختبرتم هل تذكرون سوء حالتكم، وتشكرون نعمة ربكم عليكم أولا؟.

(5) أي البخاري ومسلم وهذا لفظه، فالأعمى اعترف بنعمة الله عليه، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيها، فاستحق الرضى من الله بقيامه بشـكر النعمة، لما أتى بأركانها الإقرار بها، ونسبتها إلى المنعم، وبذلها فيما يحب، وكفر=

.............................................................................

ـــــــــــــــــ

= صاحباه نعمة الله عليهما، فاستحقا السخط بذلك.

قال ابن القيم: الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضًا، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها فقد كفرها، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها، ولكن لم يخضع له، ولم يحبه ولم يرض به وعنه، لم يشكرها أيضًا، ومن عرفها وعرف المنعم بها، وأقربها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في رضاه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها، فلا بد للشكر من علم القلب وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له، وفي هذا الحديث بيان حال من كفر النعم ومن شكرها، وجواز ذكر من مضى ليتعظ به من سمعه، ولا يكون ذلك غيبة فيهم، ولعله السر في ترك تسميتهم.


 باب قول الله تعالى: }فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا{ الآية(1)

قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله(2).

ـــــــــــــــــ

أول الآية: }هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ{ يعني من أبينا آدم، : }وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا{ يعني حواء: }لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا{ ويألفها، يمتن تعالى على عباده بذلك. وقيل في قوله: }فَلَمَّا تَغَشَّاهَا{وطئها": }حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً{ لم يثقلها إنما هو نطفة وعلقة ومضغة، : }فَمَرَّتْ{ استمرت عليه واستخفته: }فَلَمَّا أَثْقَلَتْ{ كبر في بطنها وصارت ذات ثقل بحملها، : }دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً{ بشرا سويا: }لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ{ لك على هذه النعمة المتجددة، : }فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا{ فلم يؤديا شكرها على الوجه المرضي، بل أشركا في طاعة الله، كما روي بتسميته عبد الحارث (إبليس)، وكان اسمه في الملائكة الحارث، ثم استطرد من ذكر الشخص إلى الجنس فقال: }فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{ أي تنزه الله من إشراك كل مشرك في عبادته وطاعته. وروى الترمذي عن سمرة مرفوعا: " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره ". لكن قال ابن كثير: معلول من ثلاثة أوجه، وساق الروايات عن الحسن بغير هذا، وقال: هذه أسانيد صحيحة وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية.

لأنه شرك في الربوبية والإلهية، فإن الخلق كلهم ملك لله وعبيد له، استعبدهم لعبادته وحـده، وتوحيـده في ربـوبيته وإلهيته، والعبـودية عبـوديتان: عبودية عامة كقوله: }إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً{. وعبودية =


 كعبد عمر وعبد الكعبة وما أشبه ذلك(1)، حاشا عبد المطلب(2).

ـــــــــــــــــ

= خاصة بأهل الطاعة والإخلاص كما قال تعالى: }أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ{ ونحوها. وابن حزم: هو عالم الأندلس أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري، صاحب التصانيف توفي سنة 456 هـ، وله 72 سنة. وقوله: اتفقوا مراده أجمعوا لا حكاية الاتفاق على طريقة المتأخرين.

(1) كعبد النبي وعبد علي، وكان أهل الجاهلية يعبدون أولادهم لآلهتهم، كعبد اللات وعبد مناة. وقال ابن القيم وغيره: لا تحل التسمية بعبد علي وعبد الحسين وعبد الكعبة ونحو ذلك، وكيف تجوز وقد أجمع على تحريمها؟

(2) استثناء من العموم، أي فلم يتفقوا على تحريم التسمية به ; لأن أصله من عبودية الرق، وذلك أن عمه المطلب بن هاشم بن عبد مناف قدم المدينة، وكان ابن أخيه هذا نشأ في أخواله بني النجار من الخزرج؛ لأن هاشما تزوج فيهم امرأة فجاءت منه بهذا الابن، وسماه شيبة، فلما شب في أخواله، وبلغ سن التمييز