نبذة مختصرة

رسالة كُتبت من قبل لفيف من العلماء والمثقفين المسلمين، اجتمعوا لبحث تطور العلاقة مع الغرب، والأسلوب الأمثل والأعقل للتعامل مع تنامي ظاهرة التعدي على حرمات الإسلام ومقدسات المسلمين.

تفاصيل

دعوة للمراجعة!

رسالة موجهة إلى قادة الفكر والرأي في الغرب

من مؤتمر (تعظيم حُرُمات الإسلام) - المنعقد بالكويت

- مقدمة:

باسم الله الإله الواحد، الذي لا إله إلا هو، ولا معبود بحق سواه، رب الأنبياء: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد خاتم النبيين (صلوات الله وسلامه عليهم جميعا)، كتبت هذه الرسالة من قبل لفيف من العلماء والمثقفين المسلمين، اجتمعوا لبحث تطور العلاقة مع الغرب، والأسلوب الأمثل والأعقل للتعامل مع تنامي ظاهرة التعدي على حرمات الإسلام ومقدسات المسلمين، من قبل أشخاص ومؤسسات وهيئات رسمية ودينية وإعلامية في الغرب.  ونحن الموقعين نوجه هذه الرسالة إلى المفكرين والمثقفين وصناع القرار في الغرب، وإلى الزعامات الدينية والشعبية، بشأن تلك الظاهرة، ولهم نقول:

عندما يكثر ويتكرر التعدي على رموز وحرمات أمة ما من قبل جماعات من أمم أخرى، فلا بد أن تنشأ ردود أفعال، وترد العديد من الأسئلة حول أسباب هذا التعدي والظروف التي تسهم في استمراره، غير أن الخيار الأنسب لمصلحة البشرية جمعاء هو أن يتوقف الظلم والعدوان؛ فليس هناك أمة على وجه الأرض تعاني الآن من الاحتلال والقهر والظلم من بعض القوى الغربية قدْرَ ما تعانيه الأمة الإسلامية، وليست هناك شعوب أو أمم في عالم اليوم تعاني من الاستهزاء والاستهانة بحُرُماتها ودينها قدر ما تعاني منه هذه الأمة؛ حتى أصبحت هذه الظاهرة تمثل تحدياً وتعدياً غير مقبول على أمة ذات رسالة سماوية وتاريخ عريق وحضارة أصيلة يمثل أهلها اليوم أكثر من ربع سكان العالم.  من أجل ذلك رأينا أن نلفت الأنظار إلى موقفنا من تلك الظاهرة، حتى يُتدارَك الخطأ ويُصحَّح المسار.

- علاقاتنا الحالية:

ندرك أن الموقف الغربي بالعموم منذ أول احتكاك له بالإسلام لم يكن موقفاً إيجابياً لاعتبارات متعددة، من أهمها: أن الأوربيين لم يتعاملوا مع الإسلام بصفة مباشرة، وظل عامل التوجس والخوف ملازماً لهم، وتحوَّل الأوربيون المشتّتون لصناعة تكتل ديني  نصراني ضد الإسلام، ومن ثَم تحول الإسلام في ذلك الوقت إلى عدو خارجي يمكن أن يجمع أوربا بعد أن كانت شتاتًا يقتل بعضهم بعضاً. نحن على يقين أن التعميمات تؤدي إلى الكثير من الأخطاء في الحكم،  وندرك أيضاً أن أوربا وأمريكا قد حاولتا خلال القرون الماضية التخلص من بعض ما شاب الحضارة الغربية من عيوب ونقائص في مجال التعامل مع المخالفين، لكن السنوات الأخيرة نسفت تلك المحاولات، ولهذا نؤكد أننا نعني بالغرب هنا عموم المجتمع الغربي، وليس فقط القوى المعادية للإسلام، ونخاطب في رسالتنا المنصفين أيضاً، وندرك أن الغرب ليس كله سواء.

- من صور التعدي:

إننا ننبه قادة الفكر والرأي في الغرب، إلى خطورة هذه الظاهرة المتزايدة والمتعددة، فلا يعقل ولا يقبل أن نشهد في أقل من ثلاثة أعوام حملات تعدٍّ على حرماتنا، تبدأ من التعدي على كتاب ربنا المعظم (القرآن الكريم) بتأليف ونشر وتوزيع كتاب بديل يسخر فيه من ديننا عقيدة وشريعة وأخلاقاً وتاريخاً.  ثم تبدأ بعد ذلك حملة مغرضة ومسفة، ضد شخص نبينا المصطفى، صلى الله عليه وسلم، تنعته بأبشع الصفات، وتصوره رسماً بأكثر الرسومات سخرية واستهزاءً، حيث بدأ ذلك من خلال صحف بالدانمارك، ليتكرر في بلدان أوروبية عديدة، إما بالمشاركة أو بالتأييد.  ثم تطور الأمر إلى وضع أسوأ بكثير، عندما وصف بابا الفاتيكان الإسلام والقرآن والنبي محمداً صلى الله عليه وسلم في خطاب علني بصفات أقل ما يقال فيها إنها جائرة.

لم تغفل الأمة الإسلامية أيضاً عن متابعة صور الاستفزاز المتكرر بإهانة القرآن الكريم، على أيدي الجنود الأمريكيين في معسكرات الاعتقال في (أبو غريب) بالعراق و(جوانتنامو) في كوبا، حيث اقترنت إهانة الإنسان مع إهانة القرآن. وبمزيد من الدهشة والتعجب يراقب المسلمون حملة التعدي على الحريات الشخصية للمسلمين المواطنين منهم والمقيمين في كبرى عواصم البلدان الغربية. كما لا ننسى التذكير بالاعتداءات على المساجد التي تتكرر في العراق وأفغانستان الواقعتين تحت الاحتلال، بالنسف المباشر أحياناً، وبالاقتحام بحجة البحث عن مسلحين وقتلهم وقتل الناس داخلها أحياناً أخرى.

وهناك نظرة من الكراهية تظهر بشكل متكرر من خلال أقوال الكثير من القادة والسياسيين، ومن خلال كتابات بعض المفكرين، وكذلك من خلال بعض المنتجات الإعلامية المتعددة من أفلام ومسلسلات وقصص درجت على وصم الإسلام والمسلمين بالنقائص والعنف والإرهاب.

إن سكوت أغلبية قادة الفكر والرأي عن استنكار تكرار هذه الظواهر في بلادكم يجعلنا في حيرة من اختيار الخندق الذي نضعكم فيه: هل هو خندق الحريات وحقوق الإنسان واحترام الآخرين، أم خندق كبت حرياتهم ومصادرة هوياتهم؟  إننا نتساءل: هل أنتم مع التطاول وازدراء الأنبياء باسم حرية الرأي، أم مع الحرية ضد ظاهرة المصادرة؟

- الهجوم على نبي الإسلام (عليه الصلاة والسلام):

رغم أن بعض الحضارات حاربت المسلمين، إلاّ أنّ معظم تلك الحضارات لم تحتفظ بتراث من الكراهية تجاه نبي الإسلام مثلما احتفظت به دويلات أوروبا وكنائسها. إن العـداء النصراني للإسـلام ولنـبي الإسلام خـارج أوروبـا الغربية لم يتحول إلى كراهية تاريخية، يجري الاحتفاء بها وتأكيدها في المناسبات الدينية وعلى حوائط الكنائس والأديرة كما حدث في أوروبا الغربية، وهي ظاهرة تستحق التوقف عندها، ووضع السبل الكفيلة بالحد من آثارها.

إننا نسأل هنا: لماذا يسعى البعض في الغرب إلى هدم كل القدوات التاريخية والمعاصرة؟ إن الذي يعيش بلا قدوة.. هو بلا مستقبل. وأمة بلا تاريخ هي بناء بلا أساس؛ فهل على هذا الأساس تتركز الإساءة إلى نبينا؟ إننا على يقين أن التيار المادي الانحلالي في الغرب يريد للبشرية بوجه عام وللمسلمين بوجه خاص التخلص من النماذج الإنسانية المضيئة ، وليس الهجوم على أخيار الأمة من الأنبياء وأتباعهم إلا حلقة في مسلسل التخلص من القدوات التاريخية.  سيظهر في مقابل ذلك حرص الأمة الإسلامية على عدم التنازل مطلقاً عن الدفاع عن نبيها وعن سائر النبيين؛ فهذه نقطة فاصلة لا نسمح بتجاوزها مهما كانت المسوِّغات المتعلقة بما يسمى بحرية الفكر والرأي.  إن العالم الإسلامي لا يمكن أن يتقبل رغماً عنه نتائج الحرية الفكرية في الغرب، كما أن الغرب لا يحب أن يتحمل نتائج بعض الحريات الإنسانية الأخرى في الشرق.  إننا ندعو إلى وقفة جادة من المفكرين الغربيين للتعامل مع هذه الظاهرة، ونحن نتوقع من المفكر الغربي أن يكون حريصاً على مكتسبات حضارة الغرب، وليس عن حق الغرب - فيما يزعم البعض- في سباب الآخرين والاستهزاء بهم وبخاصة الأنبياء.

- الاعتداء على المسجد الأقصى (مسجد كل الأنبياء):

إن من التعدي على حرمات ومقدسات الأمة الإسلامية احتلال المسجد الأقصى وتكرار الاعتداءات عليه، والتي تجري بمساندة أو سكوت معظم الحكومات الغربية وتأييد بعض التيارات الدينية الغربية، لقد لفت نظرنا أن الفيتو الأمريكي أصبح لا يستخدم غالباً في أروقة الأمم المتحدة إلا للدفاع عن الاعتداءات الصهيونية المتكررة على أرض فلسطين المحتلة وإلا لحماية السيطرة اليهودية على المسجد الأقصى الذي لن تتنازل عنه الأمة الإسلامية مطلقاً.  ونكرر تساؤلنا لقادة الفكر والرأي في الغرب: أين مواقفكم في مواجهة الظلم الحاصل على مقدسات المسلمين في فلسطين، وعلى الشعب الفلسطيني الذي يحرم من أبسط حقوقه؟ 

نحن نراقب التناقض الصارخ بين دعوة الغرب للمسلمين بتبني النموذج الغربي للديمقراطية، بينما تحارب الحكومات الغربية نفسُها ما أسفرت عنه الانتخابات المعبرة عن اختيار الفلسطينيين لحكومتهم. إن سكوت المفكرين والمثقفين الغربيين عن التجاوزات بحق الإنسانية والمقدسات في فلسطين يمثل وصمة عار على جبين دعاة الحرية والديمقراطية في العالم أجمع. ولهذا ندعوكم إلى إزالة هذه الوصمة بالانضمام إلى الكثير من المنصفين من مفكري العالم ومثقفيه ممن يدافعون عن حقوق الأمم والشعوب في استعادة مقدساتها وأراضيها المحتلة، واستعادة حقها في اختيار من يمثلها ويدير شؤونها السياسية والاجتماعية، وحقوقها في الكرامة الإنسانية ومقاومة الظلم والاحتلال والتصدي للقهر والإذلال بكل الوسائل المشروعة.

- الاستهزاء بالحجاب الإسلامي:

إن الحرية الشخصية مكفولة في الديمقراطيات الغربية، كما ينادي الغرب في أدبياته الفكرية والاجتماعية، ومن ثم فإن من حق المرأة - ديمقراطياً - ألا تمنع من حريتها الشخصية في أن تلبس ما تشاء مما لا يخالف القواعد الأخلاقية أو القيم العامة للمجتمعات.  لكن العالم الإسلامي فوجئ بتزايد حملة الهجوم والاستهزاء بالحجاب الإسلامي في الغرب، وهو ما يناقض المبادئ الديمقراطية التي يجري الترويج لها في العالم الإسلامي.  ولم تتحرك جمعيات الحركة النسوية العالمية للدفاع عن حقوق المرأة المسلمة، فهل حرية العري مقبولة ويدافع عنها وحرية الاحتشام تحارب وتتهم؟!

إن حقوق الإنسان في الغرب تكفل حق الحفاظ على الهوية، بل وحمايتها وليس الهجوم عليها؛ فكيف يقبل الغرب أن يهاجم حق مواطنيه من المسلمين في اختيار ما يناسبهم من الملبس؟ وأين الغرب من إرثه الفكري والديني والاجتماعي؟ فقد كانت المرأة الغربية المتحلية بالأخلاق - ولا زالت - تلبس الملابس المحتشمة التي تقترب كثيراً من الحجاب الإسلامي، كما في حال الراهبات ونساء الريف.  فهل إذا تخلى الغرب عن هذا التاريخ، يعني أن على دول العالم أن تحذو حذوه؟ إننا نرفض أن تحارب الفضيلة في عالم اليوم، ولا نرى أن هذا يجب أن يكون ثمناً أو نتاجاً للتمدن والتطور؟ فهل المشكلة أن الحجاب قد أصبح رمزاً للفضيلة التي تحارَب في عالم الغرب اليوم؟  إن القوانين والتشريعات المقيدة لحق المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب الإسلامي - كما نشهد الآن - يُسَن في عدد من دول أوربا بهدف قمع حرية الفكر والملبس للمرأة المسلمة في الغرب؛ فهل هذا بسبب العداء للإسلام الذي تظهره التطورات الأخيرة المتلاحقة لدى البعض، أم بسبب العداء للفضيلة من أنصار التيارات التحررية، أم لإرضاء أمزجة وأهواء دعاة الانحلال الخلقي والاجتماعي؟  أسئلة نرى أن على قادة الفكر والرأي في الغرب أن يواجهوا تساؤلات العالم الإسلامي بشأنها، وأن يواجهوا أيضاً ما تشير إليه هذه الظاهرة من ازدواجية في معايير الحياة الفكرية في الغرب.

- حرب الأفكار:

لقد وصم الإسلام بالعديد من الاتهامات في الأعوام الأخيرة على يد نخبة من المفكرين والشخصيات الدينية والسياسية في الغرب.  وقد تراوحت هذه الاتهامات بين ادعاء أن الإسلام لم ينتشر إلا بالإكراه بالسيف، وأنه لا مكان للعقل في الفكر الإسلامي، وأنه دين الإرهاب والتخلف ونحو ذلك من الاتهامات الباطلة.  وليس هدف هذه الرسالة أن تقدم تفصيلاً لدحض هذه الاتهامات، ولكننا فقط نشير إلى أنها اتهامات تتنافى مع منطق البحث العلمي والجدال العقلي، وتتماشى مع منظومة (حرب الأفكار)التي دعت إليها بعض المؤسسات المتنفذة في أمريكا بغرض تغيير الإسلام.

نقر أن الإسلام انتشر من خلال الجهاد في سبيل الله ومن خلال الدعوة السلمية أيضاً؛ فجميع الحضارات احتاجت دائماً إلى القوة للدفاع عن مكتسباتها ومبادئها، ويشهد على ذلك أن منطق الحرب العادلة (Just war) هو ما استقرت عليه الكنيسة الأوربية، وكذلك التيار العلماني الغربي من أجل حماية المكتسبات الحضارية الغربية.. فلِمَ الإنكار على الإسلام؟ وأنتم تقرؤون التاريخ وتعلمون أن إندونيسيا وماليزيا والفلبين وغيرها من بلاد آسيا وإفريقيا، لم تصلها جيوش عسكرية، فكيف دخل ملايين البشر هؤلاء في الإسلام؟! بل إن السؤال الذي يفرض نفسه في عالم اليوم هو: لماذا يستمر الإسلام في الانتشار في مختلف أنحاء العالم عموماً وفي الغرب بشكل خاص رغم عدم استخدام أي قوة؛ بل بتأثيره الذاتي، وتجاوب الفطرة معه؟.

أما الحديث عن دور العقل في حضارة الإسلام والحضارات الأخرى، فلا بد أن نمهد له بأن نقول: إن المؤرخين يُجمِعون على أن تاريخ الغرب حافل بإهدار العقل، أو عبادته، أي الانتقال من نقيض إلى نقيض آخر، في الوقت الذي عرف فيه العالم الإسلامي بالاعتدال في استخدام العقل، وتوظيفه بالشكل الصحيح لخدمة الإنسان والبشرية.  ونتساءل: لماذا يحاول بعض رموز التيار الديني في الغرب الهجوم على دور العقل في الإسلام: هل هذا لإخفاء النقص عندهم... أم للتقرب من التيار العلماني في مواجهة الإسلام؟.

إننا ندعو رجال الكنيسة خصوصاً إلى مراجعة معتقداتهم مراجعة عقلية وعلى رأسها عقيدة الألوهية، وعندها سيدركون حجم التناقضات العقلية المذهلة فيها. وربما كان تسلط رجال الكنيسة وعداؤهم للعلم والعقل سبباً رئيساً للثورة عليهم، ودافعاً لموجة الإلحاد المادية التي اجتاحت بلادهم.

أما ما شاع في الغرب من اتهام للأمة الإسلامية وللدين الإسلامي بما اصطلح الغرب على تسميته بـ (الإرهاب)، فهي تهمة ظالمة لا أساس لها في تاريخ وواقع هذه الأمة التي عُرِفت أنها أمة الرحمة والإحسان.  نحن نطلب من قادة الفكر والرأي في الغرب أن يبادروا بالتحرر من عقدة الحَيْف القديمة الموروثة من الحروب التي سماها الغرب نفسه "صليبية" والتي كانت تعد حرباً إرهابية بامتياز. أما من يتهمنا اليوم بالإرهاب فهو ذاته الذي تسبب بالأمس واليوم في معظم فظائع وكوارث القتل والحروب والتي حصدت عشرات الملايين من البشر في عالمنا المعاصر، وبخاصة في الحربين العالميتين اللتين لا دخل للمسلمين في إشعالهما.

إن المفكرين في العالم الإسلامي يلاحظون التحول من بعض المعادين في الغرب من الهجوم على المسلمين إلى الهجوم على الإسلام نفسه، ومن السعي إلى تغيير المسلمين.. إلى السعي لتغيير الإسلام.  ونقول لهم: ليس الإسلام بحاجة إلى بروتستانتية تحريفية معاصرة؛ لأن الإسلام عُرِف أنه دين التجديد، وهو ينتشر دون الحاجة لأن يتغير.. فلماذا تطالبون بتغييره؟  لقد بلغ الغرور ببعض المفكرين وصناع القرار في الغرب ــ كما نرى ونلاحظ ــ إلى الحد الذي جعلهم يدعون إلى إجراء إصلاحات عقدية وفكرية في دين لا يكادون يعرفون عنه شيئاً إلا أنه مخالف لما اتفقت عليه النصرانية المعاصرة التي امتزجت بالليبرالية الغربية ليكوِّنا معاً ديناً آخر يعتقد أصحابه أن على كل مخالف له أن يغير من مواقفه لكي يتماشى مع ذلك الدين الجديد.

إننا على يقين أن ديننا الذي سيبقى دون تحريف؛ يمكنه أن يعالج ويصلح مشكلات الحضارة الغربية، ولذلك يسعى البعض في الغرب للتخلص من الإسلام بشكله النقي، ونعتقد أن بقاء الإسلام نقياً يهدم أسطورة نهاية التاريخ لدى البعض.

نحن نرفض وبشدة محاولة قمع حق أمتنا في أن تتبنى المنطق الفكري الخاص بها، ونؤكد في الوقت ذاته على أننا نهتم بالتعرف على حضارات الغير  والاستفادة من النافع منها، مع التأكيد على أن الفكر الغربي في مجال العقائد والتشريعات والأخلاق والقيم ليس عالمياً وليس مقدساً، ولن تجدي محاولة جعله كذلك. إن عموم المجتمعات الإسلامية قد بدأت تعتقد أن هجوم بعض الغربيين على الإسلام باسم حرب الأفكار إنما يعكس فزع هؤلاء من الرسالة الحضارية للإسلام، التي تقف بلا شك ضد الهيمنة الغربية.

إن ما درجتم على تسميته بـ (حرب الأفكار)، هو خيار لا نوافق عليه، لكننا لن نتخلف عن التصدي لما يؤذي مشاعرنا، فساحة الحرب في مجال الأفكار هي ساحة أمتنا، ونحن فرسان ميدانها، ليس بالضرورة لتميز مفكرينا أو صناع القرار في عالمنا، ولكن بما عندنا من يقين وثقة لا تهتز في أصولنا وثوابتنا، وقناعتنا الراسخة بالقدرة على إظهار بل وتصحيح ما لدى حضارة الغرب من تناقضات حادة في ميادين الاعتقاد والفكر والمبادئ.

- كيف نفسر الهجوم على حرماتنا؟

يظهر لنا من خلال الخطاب الرسمي لبعض قادة الغرب، ومن خلال الطروحات الشفوية أو المكتوبة التي تعبر عن التيارات الفكرية السائدة في الحياة الغربية اليوم، أن الهجوم على العالم الإسلامي ليس حدثاً فردياً أو رد فعل على موقف معين؛  إنه يبدو كمخطط تم إعداده بعناية لتقزيم الأمة الإسلامية في عالم اليوم؛  وهذا ما يفسر استخدام الرئيس الأمريكي "جورج بوش" لعبارة "الحرب الصليبية" في وصف حربه المفتوحة على ما يسمى بـ (الإرهاب) في العراق وأفغانستان وغيرهما، ويفسر كذلك عبارات رئيس وزراء إيطاليا السابق سيلفيو بيرلسكوني واتهاماته الجائرة  للإسلام، واعتباره دينًا متخلفًا، متنكرًا لعطائه عبر التاريخ الطويل.  وقد تكررت مثل تلك التصريحات على لسان المستشار الألماني السابق الذي ذكر أنه لن يسمح للإسلام بتهديد الحضارة الأوربية.

وهنا يتبادر للذهن سؤال ملح، وهو: ما الغرض الحقيقي من هذا الهجوم بصوره المتعددة؟ إن كان التفسير هو حرية الرأي في نقد الأديان المخالفة؛ فنحن لا نرى في الأدبيات الغربية المعاصرة هجوماً على المعتقدات الأخرى كالهندوسية واليهودية والبوذية وغيرها؟ وإنما رأينا الهجوم على الإسلام وحده مما يبطل تلك الدعوى.  كما نتساءل: هل ما حدث أخيراً من أحداث سياسية هو سبب تلك الحملة؟  إننا لا نوافق على مثل هذا الادعاء؛ لأن الهجوم على الإسلام قد سبق الأحداث الأخيرة التي اتهمت فيها قلة من المسلمين بالاعتداء.

إن هناك كثيراً من المفكرين والقادة المسلمين يرون أن الهجمة الحالية على الحرمات والشعائر الإسلامية إنما جاءت نتيجة لإدراك بعض القادة والمفكرين في الغرب أن العالم الإسلامي يستعيد نهضته، ويصحو من غفوته، لاستئناف رسالته في إصلاح البشرية وإسعادها، وأنه قد أصبح يمثل منافساً حقيقياً في المجالات الفكرية والحضارية.

إننا ننظر باهتمام إلى تقرير منظمة التسامح الديني بكندا، الذي يقدر عدد المسلمين عام 2003 بحوالي 1.226 مليار بما يمثل حوالي 19% من إجمالي سكان العالم في ذلك الوقت، ويؤكد أيضاً أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تنمو نسبة معتنقيه بينما تتراجع نسبة معتنقي الأديان الكبرى الأخرى، كما توقعت تلك المنظمة أيضاً أن يكون الإسلام هو الدين الأول في العالم قبل عام 2023م.  فهل هذه الإحصاءات الأخيرة هي الدافع في عودة نزعة الخوف من العالم الإسلامي لدى بعض القادة والمفكرين في الغرب؟  إنه سؤال نوجهه إليكم. 

إننا نتأكد من ازدواجية المعايير عندما نرى استمرار القادة والمفكرين في الغرب في التأكيد على القيم الغربية المتمثلة في دعم الحريات الشخصية والنهج الديمقراطي، في الوقت الذي نشهد فيه تنامي قمع حريات المسلمين في بلادكم والضيق من مظاهر الالتزام بالإسلام في حياة المسلمين اليومية، والتحريض على الإضرار بهم في ديارهم، واستمرار محاولات السيطرة والهيمنة الاستعمارية على العالم الإسلامي.

إننا نلاحظ أيضاً انتقال الأجواء المعبرة عن العداء مؤخراً من بعض قادة الغرب إلى بعض الشعوب بفعل الإعلام والسياسات العدوانية التي تبرر ثقافياً وفكرياً.  ونحن ندرك أن الإعلام الغربي ليس منفصلاً عن السياسات بل يتبادل الأدوار مع صناع القرار.

وقد نتج عن ذلك التحريض الإعلامي ما هو أخطر منه، وهو صد الشعوب عن قبول الهداية الربانية.  ومن اللافت للنظر أيضاً أن ينجرَّ التيار الديني في الغرب إلى المشاركة بقوة في هذه الحملة إما بتعمد إخفاء حقيقة الإسلام أو بمحاولة تشويهه وتنفير الناس عنه، أو بإخفاء البشارات القطعية الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلام في العهدين القديم والجديد.

وهناك ظاهرة أخرى وهي الهجوم الإعلامي والسياسي في  الغرب على الكتابات الغربية التي تظهر أحياناً وتنصف المسلمين لكنها تُهاجَم بعنف وضراوة، مما يؤكد أن في الغرب قوى تجد من مصلحتها ألا ترى الشعوب الغربية إلا صورة قاتمة وظالمة عن أمة الإسلام، وعن دين الإسلام.

- في الختام:

إننا نؤكد على أهمية الحوار بين الثقافات بضوابطه وأصوله، للوصول إلى الحقيقة، وبالتالي إلى الحد من ظواهر الاعتداء بغير الحق. ونؤكد أيضاً على أن التواصل بين الحضارات في عالم اليم ممكن، بشرط تحقيق العدل والإنصاف.

إن حضارة الغرب اليوم ليست إلا نتاجاً لتراكم حضارات العالم وإبداعه المدني والعمراني، غير أن الغرب يريد احتكار خلاصتها لنفسه ولمن يدور في فلكه، ويصر على حرمان العالم الإسلامي من أسباب التقدم التقني المادي، حتى يظل مشغولاً في صراعاته وخلافاته التي ظل الغرب يثيرها ويؤججها.

إن تعثرُّ مسيرة التحديث والتنمية والإبداع عندنا لأسباب عديدة، لأمرٌ يختلف عما كانت عليه الحضارة الإسلامية طوال تاريخها، ولكن هذا التعثر لا يعني أننا أمم متخلفة حضارياً وقيمياً، بل إننا نملك ثروة من القيم والمثل ومصادر الهداية والنور، لا يمكن أن نفرط فيها أو نتنازل عن أمانة الدعوة إليها بين البشر.

ندعوكم إلى مراجعة مواقف الاستعلاء الحضاري على الآخرين، ونلح على قادة الرأي والفكر فيكم أن يلتزموا الحياد الموضوعي والموقف النزيه من الإسلام وقيمه العظيمة وعطائه الخير للإنسانية عبر العصور.

قد لا يكون واقع عالمنا الإسلامي متميزاً، ولكن أسس الإسلام العقدية والتشريعية والحضارية والأخلاقية هي متميزة بالتأكيد، وصالحة لكل زمان ومكان.  وإذا كنا نرى أن عالم الغرب قد حقق الإبداع المادي، فإن أسسه الحضارية على ما هي عليه الآن غير مفيدة للبشر على المدى الطويل.  نحن نؤكد لكم أن عيوب واقعنا لا تشتت رؤيتنا عن أهمية حضارتنا وديننا للبشرية.  ولذلك نخاطبكم يا قادة الرأي ويا صناع القرار، ونخاطب من خلالكم الأغلبية الصامتة من الشعوب، ونخاطب أيضاً أولئك المتورطين في حملات العدوان على حرماتنا ومقدساتنا ومقدراتنا ونطالب الجميع بالأمور الآتية: 

أولاً: كُفُّوا أيديكم عن ظلمنا وعن التدخل في شؤوننا والتعدي على حرماتنا ومقدساتنا؛ إذ إن تلك التعديات سوف تأتي بآثار عكسية لا تخدم مصالحكم الاقتصادية التي لا غنى لكم عنها في بلادنا، والتي لن تتحقق إلا في ظل العدل والإنصاف.

ثانياً: ندعوكم أن تتعاونوا معنا لكي تُرفَع الأقلام، وتصمت المنابر الإعلامية والثقافية التي تتطاول على المقدسات وتحديداً على قرآننا وشخص نبينا؛ حيث إن البديل في حال الإصرار على استمرار ذلك التطاول هو أن تلجأ الأمة الإسلامية إلى استعمال حقها المشروع في مقاومة كل ألوان الهيمنة الثقافية والحضارية والسياسية والعسكرية مع الغرب.

ثالثاً: نرى أن تخصصوا - بدلاً من حملات البحث والتخطيط الهادف لاحتوائنا والهيمنة علينا ثقافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا - جزءاً من الجهد الفكري والعلمي للبحث عن الحقيقة فيما يتعلق بالأزمة الحضارية المتفاقمة بيننا وبينكم، وفيما يتعلق بجوهر رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وندعوكم إلى فتح الصدور والعقول لفهم أو تفهم عالمية إسلامنا. وحقائق ديننا وقيمنا قبل الهجوم عليها والصد عنها.

رابعاً: نشير إلى أهمية أن يهتم المفكرون والقادة في الغرب بإصلاح شؤونهم قبل التدخل في شؤون دول وحضارات العالم الأخرى؛ فالغرب يحتاج حقاً إلى مشروع إصلاح جذري، وهو أوْلى من مشاريع الإصلاح التي يراد فرضها على عالمنا الإسلامي.  ونحن موقنون بأن مجتمعات الغرب ودوله مقبلة على هاوية سحيقة من التفكك والانهيار والإفلاس الحضاري إذا استمر قادته في مسلك تصدير المفاسد والمظالم إلى العالم؛ حيث سترتد هذه المساوئ كلها سهامًا في نحور مصدِّريها ومروِّجيها. إننا في هذه الرسالة ندعو قادة الفكر والرأي في البلاد الغربية إلى تبني مشروع "إصلاح الغرب" بهدف العودة لقيم الإيمان الحقة التي جاء بها الرسل، وبهدف احترام هؤلاء الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومناصرة الأبرياء وكف الظلم والأذى في العالم أجمع وليس في الغرب فقط.  إننا ندعو مفكري الغرب وقادته أن يتبنوا ــ قبل دعوات الإصلاح في العالم الإسلامي أو الشرق الأوسط الكبير كما يسمونه ــ إصلاح مجتمعاتهم فيما يتعلق بقيم الأسرة والزواج والفضيلة، وأن يحُمَى الفرد من إرهاب الشركات وسلطة الرأسمالية، وأن يُعاد احترام وتقدير القيم الاجتماعية في مقابل قيم السلعة والسوق، وأن ينضم إلى الجهود العالمية في مقاومة تهميش الفقراء، وإعادة الفضيلة إلى التعليم.  إنه مشروع آن أوانه لإنقاذ الغرب من سيطرة قلة لا دينية تسعى إلى هدم كل المعايير والقيم الأخلاقية في عالم اليوم.

خامساً:  يجب على الغرب أن يعتذر عن إساءاته المتكررة للإسلام، وأن يعتذر أيضاً عن الكثير من الجرائم التي ارتكبت باسمه ضد المسلمين إبان الاستعمار وقبله وبعده، ويجب أن يتفهم طرق إدارة القوة في عالم من التعددية الفكرية والثقافية. 

أما رسالتنا إلى من يصرُّون على العداء لأمتنا فهي أن الإسلام لم يتوقف انتشاره عندما هوجم في أي من العصور السابقة، وكذلك لن يتوقف في العصر الحالي ولا في ما بعده من عصور حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وإن الأمة المسلمة لها قدرة فريدة على استعادة النهوض الحضاري بعد الكبوات كما تشهد بذلك حقب التاريخ..

ودور أمتنا لن يتركز فقط في الدفاع عن حرماتها ودينها، بل سيركز أيضاً على فضح مخططات خصوم الإنسانية، وستعرف الشعوب الغربية أن ما يقوم به المعادون للأمة الإسلامية في الغرب يضر بالعالم الغربي أكثر بكثير مما يضر الأمة المسلمة، ويفقد الغرب فائدة التعامل مع أكثر من مليار وربع المليار من البشر يمثلون قوة استهلاكية كبرى في العالم، وتجمع بلدانهم الإسلامية رصيداً ضخماً من كافة الثروات الطبيعية اللازمة لدفع عجلة التقدم والتمدن، ويحملون على عاتقهم النصيب الأكبر من إمكانية الحفاظ على العدل والإنصاف.

إن الانفتاح على ما عند الغرب من تقدم تقني نافع للبشرية لا يعني ولا يقتضي أن نقايض قيمنا بالاندماج القسري في ثقافته؛ فنحن نعارض الولاء الأعمى للغرب أو لغيره وإن كنا في الوقت نفسه لا نمانع من الاستفادة من إبداعه التقني والصناعي وتبادل المنافع معه.

إننا ندعو قادة الفكر والرأي في الغرب إلى التعرف الحقيقي على دين الإسلام وعلى الأمة الإسلامية، وحافزنا في ذلك، ودليلنا إليه هو الأمر الرباني الذي ورد في كتاب الله ــ القرآن الكريم ــ ونجده أفضل ما نختم به رسالتنا إليكم.  يقول الله تعالى:  )قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( (آل عمران:64).

رأيك يهمنا