أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة

نبذة مختصرة

أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة : ما أحرانا - معاشر المسلمين - أن تكون أحاديثنا ومجالسنا عامرة بالجد والحكمة، حافلة بما يعود علينا بالفائدة والمتعة، بعيدة عما ينافي الآداب والمروءة.
وإن مما يعين على ذلك أن تلقى الأضواء على مايدور في مجالسنا وأحاديثنا من أخطاء؛ كي تُتلافى ويُسعى في علاجها، وفي مايلي من صفحات ذكرٌ لبعض تلك الأخطاء؛ تنبيهاً عليها، وحفزاً لمن وقع فيها أن يتخلص منها.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة

 مقدمة

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فإن للناس مجالس يرتادونها، وبينهم أحاديث يتداولونها ويتجاذبون أطرافها، ولكل من المحادثة والمجالسة آداب جميلة، وسنن قويمة، يحسن بالمرء مراعاتها، ويجمل به أن يتخلق بها، ويتجنب ما ينافيها؛ ليكون حديثه ماتعاً، ومجلسه ممرعاً، تسوده الحكمة، وتغشاه السكينة، وتتنزل عليه الرحمة.

وإن المتأمل لأحاديثنا ومجالسنا ليلحظ خللاً كبيراً، وتقصيراً كثيراً؛ ذلك أنها تعمر_غالباً_بالهذر الضار، واللغو الباطل، الذي لا طائل تحته، ولا فائدة ترجى من ورائه.

فلا يعالج في تلك المجالس قضية، ولا يأمر فيها بصدقة، أو بمعروف، أو إصلاح بين الناس.

بل ربما أضحت مراتع للخنا، ومنتدياتٍ للزور، يسفك فيها دم الفضيلة، وترفع في سوحها ألوية الرذيلة؛ فلا غرو إن صارت وبالاً على أهليها، وحسرةً على مرتاديها؛ حيث فقدوا بركتها، وحرموا خيراتها، فلا يجد المرء فيها أنسه، ولا من يقدر كرامته وإنسانيّته، بل ربما وجد الإهانة والإساءة من جلاسه.

فما أحرانا_معاشر المسلمين_أن تكون أحاديثنا ومجالسنا عامرة بالجد والحكمة، حافلة بما يعود علينا بالفائدة والمتعة، بعيدة عما ينافي الآداب والمروءة.

وإن مما يعين على ذلك أن تلقى الأضواء على مايدور في مجالسنا وأحاديثنا من أخطاء؛ كي تُتلافى ويُسعى في علاجها.

وفي مايلي من صفحات ذكرٌ لبعض تلك الأخطاء؛ تنبيهاً عليها، وحفزاً لمن وقع فيها أن يتخلص منها.

فعسى الله أن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله خالصاً لوجه الكريم؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

محمد بن إبراهيم الحمد

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام

محمد بن سعود الإسلامية _ فرع القصيم

الزلفي  3/5/1416هـ

ص.ب: 460

www.toislam.net

 أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة

 1_الثرثرة:

الثرثرة هي كثرة الكلام بلا فائدة، والثرثار هو كثير الكلام تكلفاً.

فتجد من الناس من هو ثرثار مهذار، يتكلم من كل باب، ويتولج كل مضيق.

فإذا حضر مجلساً ما ملأه بكثرة الضجيج، وأشغله بفضول الكلام.

 فالثرثرة مظهر من مظاهر سوء الخلق، وهي دليل عل نقص العقل ورقّةِ الدين.

قال النبي_عليه الصلاة والسلام_=إن من أحبكم إليّ، وأقربكم مني في الآخرة أحاسنكم أخلاقاً وإن أبغضكم إليّ، وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقاً؛ الثرثارون، المتفيهقون، المتشدقون+.( )

وقال أبو هريرة ÷: = لاخير في فضول الكلام+.( )

وأوصى ابن عباس_رضي الله عنهما_رجلاً فقال: =لاتتكلم بما لايعنيك؛ فإن ذلك فضل، ولست آمن عليك من الوزر، ودع الكلام في كثير مما يعنيك حتى تجد له موضعاً؛ فربما متكلماً في غير موضعه قد عُنِّت+.( )

وقال عطاء ×: =كانوا يكرهون فضول الكلام+.( )

وقال: =بترك الفضول تكمل العقول+.( )

وقال: =الصمت صيانة اللسان، وستر العِيّ+.( )

وقال الشافعي ×:

لاخير في حشو الكلا

                   م إذا اهتديت إلى عيونه

والصمتُ أجملُ بالفتى

                   من منطقٍ في غير حينه( )

وقال إسماعيل الكاتب:

خيرُ الكلام قليلٌ

                   على كثيرٍ دليلُ

والعِيّ معنىً قصيرُ

                   يحويه لفظٌ طويلُ( )

قال الإمام النووي× =اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام المباحُ وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد يجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثيرٌ في العادة، والسلامة لايعدلها شيء+.( )

وقال القاسمي: =إياك وفضول الكلام؛ فإنه يُظهر من عيوبك مابطن، ويحرك من عدوك ماسكن؛ فكلام الإنسان بيان فضله وترجمان عقله؛ فاقصره على الجميع، واقتصر منه على القليل+.( )

ولئن كان نزول الصمت، وترك الحديث فيما لايعني مستحسناً مطلوباً من كل أحد_فلهو ممن يأنس من نفسه الجهل، وكثرة الزلل والخطأ أولى وأولى.

قال علي بن عبدالرحمن بن هذيل: =من الواجب على من عري من الأدب، وتخلى عن المعرفة والفهم، ولم يتحلّ بالعلم_أن يلزم الصمت، ويأخذ نفسه به؛ فإن ذلك حظ كبير من الأدب، ونصيب وافر من التوفيق؛ لأنه يأمن من الغلط، ويعتصم من دواعي السقط؛ فالأدب رأس كل حكمة، والصمت جماع الحكم+.( )

قال الشاعر:

وفي الصمت سترٌ لعيي وإنما

                   صحيفة لب المرء أن يتكلما( )

 2_الاستئثار بالحديث:

فهناك من يثرثر حديثه، ولكنه يعطي غيره فرصة كي يتحدث.

والثرثرة قبيحة_كما مر_وأقبح منها أن يستأثر المرء بالحديث، فلا يعطي غيره فرصة لأن ينبس ببنت شفة.

والأثرة بالحديث آفة قبيحة، يغفل عنها كثير من المتحدثين؛ لظنهم أن سكوت من أمامهم إنما هو إعجاب بكلامهم، وموافقة لهم على الإطالة.

فيحسن بالتحدث تجنب الاستئثار بالحديث وأن لايعيب على غيره ذلك ويبيحه لنفسه.( )

فمن الأدب بالكلام أن يقتصد المسلم في تحدثه في المجالس، وأن ينأى بنفسه من صنيع بعض الناس، ممن لايستحيون من امتلاك ناصية الحديث في محافل الناس، فيملأون الأفئدة بالضجر من طول مايتحدثون.( )

قال الشيخ_عبدالرحمن بن سعدي ×: =إياك أن تتصدى في مجالسك مع الناس للترؤس عليهم وأنت لست برئيس، وأن تكون ثرثاراً متصدراً بكل كلام.

وربما من جهلك وحمقك ملكت المجلس على الجلوس، وصرت أنت الخطيب والمتكلم دون غيرك.

وإنما الآداب الشرعية والعرفية مطارحة الأحاديث، وكلٌ من الحاضرين يكون له نصيبٌ من ذلك، اللهم إلا الصغار مع الكبار، فعليهم لزوم الأدب، وأن لا يتكلموا إلا جواباً لغيرهم+.( )

 3_الحديث عن النفس على سبيل المفاخرة:

فبعض الناس لايفتأ يتحدث عن نفسه، فيذكر محاسن نفسه، ويمتدح أعماله، ويفتخر بما يصدر منه من أفضال وأيادٍ.

ويدخل في ذلك تحدثه عن إعجابه بكلامه، وتصنيفه، وشعره، وسائر مايخصه.

ويدخل في ذلك_أيضاً_حديثه عن ذكاء أولاده، وذكر أخبارهم، والحديث عن زوجته، وحسن تدبيرها، ونحو ذلك.

والأصل في مدح الإنسان نفسه المنع؛ لقوله_عز وجل_ [فلاتزكوا أنفسكم] (النجم: 32).

وتزكية النفس داخلة في باب الافتخار غالباً.

فإن وجد ما يقتضي الحديث عن النفس وتزكيتها_إما للتعريف بنفسه، وإما لتوضيح الأمور المبهمة، وإما لدفع تهمة، وإما لغير ذلك من الأمور المشروعة_فإن تلك التزكية جائزة، ومدح النفس والحديث عنها حينئذٍ لاغبار عليه.( )

قال الإمام النووي ×: =واعلم أن ذكر محاسن نفسه ضربان: مذموم ومحبوب.

فالمذموم أن يذكر للافتخار، وإظهار الارتفاع، والتميز على الأقران، وشبه ذلك.

والمحبوب أن يكون فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمراً بمعروف، أو ناهياً عن منكر، أو ناصحاً بمصلحة، أو معلماً، أو مؤدباً، أو واعظاً، أو مذكراً، أو مصلحاً بين اثنين، أو يدفع عن نفسه شراً، أو نحو ذلك، فيذكر محاسنه ناوياً بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله، واعتماد مايذكره.

وقد جاء لهذا المعنى مالايحصى من النصوص+.( )

ثم ساق × أمثلة على ذلك.( )

قال ابن المقفع: =وإن أنست من نفسك فضلاً_فتحرّج من أن تذكره، أو تبديه، واعلم أن ظهوره منك بذلك الوجه يقرر لك في قلوب الناس من العيب أكثر مما يقرر لك من الفضل.

واعلم أنك إن صبرت، ولم تعجل ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف عند الناس.

ولايخفينّ عليك أن حرص الرجل على إظهار ماعنده، وقلة وقاره في ذلك_باب من أبواب البخل واللؤم، وأن خير الأعوان على ذلك السخاءُ والتكرم.

وإن أردت أن تلبس ثوب الوقار والجمال، وتتحلى بحلية المودة عند العامة، وتسلك الجدد( ) الذي لاخبار( ) فيه ولاعثار_فكن عالماً كجاهل، وناطقاً كعيي.

فأما العلم فيزينك ويرشدك، وأما قلة ادعائه فتنفي عنك الحسد، وأما المنطق إذا احتجت إليه فيبلغك حاجتك، وأما الصمت فيكسبك المحبة والوقار+.( )

 4_الغفلة عن مغبة الكلام:

فهناك من يطلق لسانه بالكلام دونما نظر أو مبالاة في آثاره، أو أبعاده.

فتجده يطلق القول على عواهنه غير عابىء بما يجره عليه من بلاء أو شقاء؛ فلربما كان سبباً في مقتله، ولربما كان سبباً في إذكاء عداوة، أو إشعال حرب، أو نحو ذلك.

قال أكثم بن صيفي: = مقتل الرجل بين فكيه +( ) يعني لسانه.

وقال المهلب لبنيه: = اتقوا زلة اللسان؛ فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من عثرته، ويزل لسانه فيكون فيه هلاكه+( )

قال الشاعر:

يصاب الفتى من عثرةٍ بلسانه

                   وليس يصاب المرء من عثرة الرّجْلِ

وعثرته من فيه ترمي برأسه

                   وعثرته في الرجل تبرى على مهل( )

والعرب تقول في أمثالها: =إياك وأن يضرب لسانك عنقك+.

أي إياك أن تلفظ بما فيه هلاكك.( )

وقال علي ÷: =اللسان معيار أطاشة الجهل، وأرجه العقل+.( )

وقال بعض البلغاء: =الزم الصمت؛ فإنه يُكسبك صفوَ المودة، وَيُؤَمِّنُكَ سوءَ المَغَبَّةِ، ويُلْبِسُكَ ثوب الوقار، ويكفيك مؤونة الاعتذار+.( )

وقال بعضهم: =اعقل لسانك إلا عن حق توضحه، أو باطل تدحضه، أو نعمة تذكرها+.( )

وقال طرفه بن العبد:

وإن لسان المرء مالم تكن له

                   حصاة( ) على عوراته لدليل( )

يقول إذا لم يكن مع اللسان عقل يحجزه عن بسطه في مالا يحب_دل اللسان على عيبه بما يلفظ به من عور الكلام.( )

وقال الآخر:

رأيت اللسان على أهله

                   إذا ساسه الجهل ليثاً مغيرا( )

وقال عمرو بن العاص ÷: =زلَّةُ الرِّجْلِ عَظْمٌٌ يجبر، وزلة اللسان لاتبقي ولاتذر+.( )

بل إن الإنسان قد يتكلم بكلمة لايلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم.

عن أبي هريرة ÷ عن النبي" قال: =إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لايلقي لها بالاً يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لايلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم+.( )

ولهذا يجب على العاقل أن يخزن لسانه، وأن يزن كلامه؛ حتى لايقع فيما لاتحمد عقباه، فيندم ولات ساعة مندم.

قال ابن المقفع: =اعلم أن لسانك أداة مُصْلتة، يتغالب عليه عقلك، وغضبك، وهواك؛ فكلُّ غالبٍ عليه مُسْتَمْتِعٌ به، وصارفه في محبته.

فإذا غلب عليه عقلك فهو لك، وإن غلب عليه شيءٌ من أشباه ماسميت لك فهو لعدوك.

فإذا استطعت أن تحتفظ به، وتصونه فلا يكون إلا لك، ولا يستولي عليه، أو يشاركك فيه عدوك_فافعل+.( )

وقال الماوردي ×: =واعلم أن للكلام شروطاً لايسلم المتكلم من الزلل إلا بها، ولايعرى من النقص إلا بعد أن يستوفيها.

وهي أربعة شروط، فالشرط الأول: أن يكون الكلام لداعٍ يدع إليه، إما في اجتلاب نفع، أو دفع ضرر.

والشرط الثاني: أن يأتي به في موضعه، ويتوخى به إصابة فرصته.

والشرط الثالث: أن يقتصر فيه على قدر الحاجة.

والشرط الرابع: أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به+.( )

ثم شرع ×بتفصيل ذلك بكلام جميل.

وقال الزمخشري: = خير الألسن المخزون، وخير الكلام الموزون؛ فحدِّث إن حدَّثت بأفضل من الصمت، وزين حديثك بالوقار وحسن السمت.

إن الطيش في الكلام يترجم عن خفة الأحلام، ومادخل الرفق بشيء إلا زانه، ومازان المتكلم إلا الرزانة+.( )

 5_قلة المراعاة لمشاعر الآخرين:

فمن الناس من هو غليظ الطبع، كثيف النفس، صفيق الوجه، لايحجزه عن المباذل يقين، ولاتلزمه المكارم مروءة، لايراعي مشاعر الآخرين، ولا يأنف من مواجهتهم بما يكرهون.

فإذا ماحضر مجلساً، وابتدر الكلام، وضعت يدك على قلبك؛ خشيت أن يزل أو يفرط على أحد من الحاضرين.

فإذا ماوجد مجالاً يشبع فيه طبيعته النزقة الجهول_هام على وجهه، لاينتهي له صياح، ولاتنحبس له شِرَّة.

فتارة يذكر الحاضرين بعيوبهم، وتارة يؤذيهم بلحن منطقه، وتارة يذكرهم بأمور يسوؤهم تذكرها.

=أكب رجل من بني مرة على مالك بن أسماء يحدثه في يوم صيف، ويُغِمّه، ويثقل عليه، ثم قال: أتدري من قتلنا منكم في الجاهلية؟.

قال: لا، ولكني أعرف من قتلتم منا في الإسلام.

و قال: من هم؟

قال: أنا قتلتني اليوم بطول حديثك، وكثر ة فضولك+.( )

وقال ابن القيم ×: =ومنهم من مخالطته حمى الروح، وهو الثقيل البغيض العقل، الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك، ولايعرف نفسه فيضعها في منزلتها.

بل إن تكلم فكلامه كالعصى تنزل على قلوب السامعين مع إعجابه بكلامه وفرحه به؛ فهو يحدث من فيه كلما تحدث، ويظن أنه مسك يطيب به المجلس، وإن سكت فأثقل من نصف الرّحا العظيمة، التي لايطاق حمله ولاجرها على الأرض.

ويذكر عن الشافعي× أنه قال: ماجلس إليّ ثقيل إلا وجدت الجانب الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر.

ورأيت يوماً عند شيخنا( )_قدس الله روحه_رجلاً من هذا الضرب، والشيخ يحمله وقد ضعفت القوى عن حمله، فالتفت إليّ وقال: مجالسة الثقيل حمى الربع، ثم قال: لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمى، فصارت لها عادة، أو كما قال+.( )

ولهذا فالرجل النبيل، ذو المروءة والأدب هو من يراعي مشاعر الآخرين، فلا يؤذيهم بكلمة، ولايجرح مشاعرهم بإشارة أو نحوها، بل يحفظ عليهم كرامتهم وماء وجوههم.

خالق الناس بِخُلْقٍ حَسَنٍ

                   لا تكن كلباً على الناس يَهِرْ( )

=قال بعضهم: صحبت الربيع بن خيثم عشرين عاماً ماسمعت منه كلمة تعاب+.( )

 6_التعميم في الذم:

فتجد من الناس من يغلب عليه جانب المبالغة في إطلاق الأحكام، فتراه يعمم الحكم في ذم طائفة، أو قبيلة، أو جماعة من الناس.

وهذا التعميم قد يوقعه في الحرج دون أن يشعر؛ فقد يكون من بين الحاضرين من يتناولهم ذلك الذم العام؛ فلا ينتبه المتكلم إلا بعد أن تقع الفأس بالرأس.

بل ربما عرض ذلك الذام نفسه للإساءة، فقد يسيء بصنيعه إلى شخص غضوب لايتحمل الإساءة، فيقوده ذلك إلى الانتقام والتشفي، ورد الإساءة بمثلها أو أشد.

ولهذا كان من الأهمية بمكان أن يتفطن المرء لهذا الأمر، وأن يتحفظ من سقطات لسانه، وأن يتجنب كل ما يشعر بأدنى إساءة لأحد من الحاضرين؛ فذلك أسلم له، وأحفظ لكرامته.

قال ابن المقفع: =إذا كنت في جماعة قوم أبداً فلا تَعُمَّنَّ جيلاً من الناس، أو أمة من الأمم بشتم ولا ذم؛ فإنك لاتدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك مخطئاً فلا تأمن مكافأتهم، أو متعمداً فتنسب إلى السفه.

ولا تذمن مع ذلك اسماً من أسماء الرجال أو النساء بأن تقول: إن هذا لقبيحٌ من الأسماء؛ فإنك لاتدري لعل ذلك غير موافق لبعض جلسائك، ولعله يكون بعض أسماء الأهلين والحرم.

ةلاتستصغرن من هذا شيئاً؛ فكل ذلك يجرح في القلب، وجرح اللسان أشد من جرح اليد+.( )

7_كثرة الأسئلة، وتعمد الإحراج فيها:

فالسؤال بحد ذاته ليس مذموم، كمن يسأل صاحبه وجليسه عن صحته، وعن حاله في الجملة؛ فهذا مما يشعر بالاهتمام والمودة.

وكذلك سؤال المرء عما يعنيه من أمر دينه، فهذا مما أمرنا به، وشفاء العيِّ السؤال، قال_تعالى_ [فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون].(الأنبياء7)

أما كثرة الأسئلة، والتعنت فيها، وتعمد الإحراج للمسؤول عنها_فهذا مما لاينبغي.

وذلك كحال من يسأل عما لايعنيه، وكحال من يسأل الناي عن أمورهم الخاصة، التي لايرتضون أن يطلع عليها أحد غيرهم.

قال_عليه الصلاة والسلام_: =ويكره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال+( )

ثم إن هذا السائل قد يُوْقِعُ نفسه فيما يسوؤه، فلربما عَرَّضَ نفسه لرد موبخ مسكتٍ قال_تعالى_: [ياأيها الذين آمنوا لاتسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم] (المائدة101)

قال ابن عبدالبر×: =قال تميم بن نصر بن سيار لأعرابي: هل أصابتك تخمة؟

قال: أما من طعامك فلا+( )

=وكان الفرزدق مرة ينشد، والكميت صبي، فأجاد الاستماع إليه، فقال: يابني، أيسرك أني أبوك؟

قال: أما أبي فلا أرى به بدلاً، ولكن يسرني أنك أمي، فأفحمه حتى غَصَّ بِرِيْقِهِ+.( )

قال الحكيم:

ودع السؤال عن الأمور وبحثها

                   فلربَّ حافِر حفرةٍ هو يصرع( )

 8_سرعة الجواب:

فمن العيوب التي تنافي أدب المحادثة أن يتعجل المرء الجواب، فيجيبَ دون أن ينهي السائل كلامه، أو يجيب على سؤال لم يُوَجَّهْ إليه مباشرة، بل طرح في مكان عام دون أن يوجه إلى أحد بعينه.

وأقبح مافي هذا أن يجيب المرء عن سؤال وُجِّهَ إلى غيره.

فهذا كله منافٍ لأدب المحادثة، ودليل على الخِفَّة والطيش، وهو من العجلة المذمومة، التي تزري بصاحبها، وتحط من شأنه، وتورثه الزلل والندم.

قال عمر بن عبدالعزيز ×: =خصلتان لاتَعْدَمَانك من الجاهل: كثرة الالتفات، وسرعة الجواب+.( )

وقال ابن المقفع: =وإذا لم يقصد السائل في المسألة لرجلٍ واحد، وعم بها جماعة من عنده_فلا تبادرن بالجواب، ولاتسابق الجلساء، ولاتواثب( ) بالكلام مواثبةً؛ فإن ذلك يجمع مع شين التكلف والخفة أنك إذا سيقت القوم إلى الكلام صاروا لكلامك خصماء، فَتَعَقَّبُوه بالعيب والطعن.

وإذا أنت لم تعجل بالجواب، وخليته للقوم_اعترضْت( ) أقاويلهم على عينك، ثم تدَبَّرْتَهَا وفكرت فيما عندك، ثم هيَّأت من تفكيرك ومحاسن ما سمعت جواباً رضيَّاً، ثم استدبرت به أقاويلهم حين تصيخ إليك الأسماع، ويهدأ عندك الخصوم.

وإذا لم يبلغك الكلام حتى يكتفي بغيرك، أو ينقطع الحديث قبل ذلك_فلا يكون من العيب عندك، ولا من الغبن في نفسك فوتُ مافاتك من الجواب؛ فإن صيانة القول خيرٌ من سوء وضعه، وإن كلمةً واحدةً من الصواب تصيب موضعها خيرٌ من مائة كلمة تقولها في غير فرصها ومواضعها.

مع أنَّ كلامَ العجلةِ والبدارِ موكلٌ به الزلل، وسوء التقدير، وإِنْ ظَنَّ صاحبهُ أَنْ قد أتقن وأحكم.

واعلم أن هذه الأمور لاتدرك، فلا تملك إلا بِرُحب الذرع( ) عندما قيل ومالم يقال، وقلة الإعظام لما ظهر من المروءة ومالم يظهر، وسخاوة النفس عن كثيرٍ من الصواب مخافة الخلاف، والعجلة، والحسد، والمراء+.( )

 9_الحرص على إبداء الرأي في كل صغيرة وكبيرة:

فمن الناس من يحرص على إبراز نفسه، وإظهار قدرته وخبرته، وإشعار الآخرين بحنكته وجودة رأية، فتراه يحرص على إبداء رأيه في كل صغيرة وكبيرة، ويتعجل ذلك فيقول به بمناسبة وبغير مناسبة، وسواء سُئل عن ذلك أم لم يُسأل.

كل ذلك دونما نظر في العواقب، أو مراعاة المصلحة.

وهذا الصنيع مما يتنافى مع الحزم، ومما يعرض صاحبه للزلل والخطل؛ فلا خير في الرأي الفطير، ولا الكلام القضيب( )، فالعرب تقول: =الخطأ زاد العجول+.( )

فليس من الحكمة أن يتعجل الإنسان إبداء الرأي؛ لأنه ربما جانب الصواب، وخالف الحقيقة، بل ربما قاده ذلك إلى أن يتعصب لرأيه ولو كان غير مصيب؛ كيلا يوصم بالعجلة والزلل.

بخلاف ما إذا تريث وتأنى؛ فإن ذلك أدعى لصفاء القريحة، وأحرى لأن يختمر الرأي في الذهن، وأخلق بالسلامة من الخطأ.

والعرب تمدح من يَتَرَيَّثُ، ويتأنى، ويُقلِّب الأمور ظهراً لبطن، وتقول فيه: =إنه لَحُوَّلٌ قُلَّبٌ+.( )

بل ليس من الحكمة أن يبدي الإنسان رأيه في كل مايعلم حتى ولو كان متأنياً في حكمه، مصيباً في رأيه؛ فما كل رأي يُجهر به، ولاكل مايعلم يقال.

بل الحكمة تقتضي أن يحتفظ الإنسان بآرائه لنفسه إلا إذا استدعى المقام لذلك، واقتضته الحكمة والمصلحة؛ فآراء المرء له، وأقواله عليه؛ فإذا صرح بآرائه صار أسيراً لها، مكبلاً في أغلالها، له غنمها، وعليه غرمها.

قال أحد الحكماء: =إن لابتداء الكلام فتنةً تروق، وجدَّةً تعجب؛ فإذا سكنت القريحةُ، وعدل التأملُ، وصفت النفس_فَلْيُعِدِ النظر، وليكن فرحُه بإحسانه مساوياً لغمه بإساءته+.( )

وقال أحد الشعراء:

وزِنِ الكلام إذا نطقت فإنما

                   يبدي العقولَ أو العيوبَ المنطقُ( )

وقال ابن حبان ×: =الرافق لايكاد يُسبق، والعَجِلُ لايكاد يَلْحق.

وكما أن من سكت لايكاد يندم كذلك من نطق لايكاد يسلم.

والعجل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يُجَرِّبُ، ويذم بعد مايحمد.

يعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم.

والعَجِل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تسمي العجلة أم الندامات+.( )

10_التعرض للسفلة والسفهاء:

فهناك من الناس من لا يأنف من مجاراة السفهاء، والتعرض للسفلة؛ فإذا ما جمعه بهم مجلس توسع في الحديث معهم، وتمادى في مضاحكتهم وممازحتهم.

مما يجعله عرضة لسماع ما لايرضيه من ساقط القول وقبيحه، فيصبح بذلك مساوياً لهم في سفههم وسفالتهم؛ إذ نزل إليهم، وانحط في حضيضهم.

إذا جاريت في خلقٍ دنيئاً

                   فأنت ومن تجاريه سواء( )

فليس من الحكمة ولا المروءة أن يتعرض المرء لهؤلاء، وإنما الحكمة وتمام المروءة أن يُعْرِضَ المرء عنهم، ويدَع مجاراتهم والحديث معهم إلا بقدر ماتدعو إليه الحاجة؛ من سلام أو ردِّه، أو جواب لسؤال، أو نحو ذلك.

لا تُرْجِعَنَّ إلى السفيه خطابَه

                   إلا جوابَ تحيةٍ حيَّاكَها

فمتى تُحرِّكْه تُحرِّكْ جيفةً

                   تزداد نتناً إن أردت حِراكَها( )

وإذا ما أراد السفيه أن يبدأ بالسفه فما أجمل الإعراض عنه، وتجاهله؛ كي يُقصر عن غيِّه وسفهه.

أعرض عن الجاهل السفيه

                   فكل ماقال فهو فيه

ماضرَّ نهر الفراتِ يوماً

                   لو خاض بعضُ الكلابِ فيه( )

فمن أعرض عن الجاهلين، وترك مجاراة السفهاء حمى عرضه، وأراح نفسه، وسلم من سماع مايؤذيه.

قال_تعالى [خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين] (الأعراف:199).

فبالإعراض عن هؤلاء يحفظ الرجل على نفسه عزتها؛ إذ يرفعها عن الطائفة التي تَلَذُّ المهاترةَ والإقذاع.

قال ابن عباس_رضي الله عنهما_: =ولا تمارِ حليماً ولا سفيهاً؛ فإن الحليم يقليك، والسفيه يؤذيك+.( ).

قال بعض الشعراء:

إني لأُعْرِضُ عن أشياءَ أَسْمَعُهَا

                   حتى يقولَ رجالٌ إني بي حُمُقَا

أخشى جوابَ سفيهٍ لاخلاقَ له

                   فَسْلٍ وظنَّ أناسٍ أنه صدقا( )

وقال الخطابي: =أنشدني ابن مالك، قال أنشدني الدَّغُولي في سياسة العامة:

إذا أمن الجهالُ جهلك مرةً

                   فَعِرْضُكَ للجهال غُنمٌ من الغُنمِ

وإن أنت نازيت السفيه إذا نزا( )

                   فأنت سفيهٌ مثلُه غير ذي حِلْمِ

ولا تتعرض للسفيه ودارِه

                   بمنزلةٍ بين العداوة والسِّلْمِ

فيخشاك تاراتٍ ويرجوك مَرَّةً

                   وتأخذ فيما بين ذلك بالحزم( )

قال ابن المقفع: = واعلم أنك ستبتلي من أقوام بسفه سيطلع منك حقداً.

فإن عارضته، أو كافأته بالسفه فكأنك رضيت ما أتى به؛ فأحببت أن تحتذي على مثاله.

فإن كان ذلك عندك مذموماً فَحَقِّقْ ذمَّك إياه بترك معارضته.

فأما أن تذمه وتمتثله ( ) فليس في ذلك سداد+.( )

 11_الحديث بما لا يناسب المقام:

فهناك من لا يأبه بمناسبة الحديث للمقام، ولا بملائمته ومطابقته لمقتضى حال السامعين، فتراه يتكلم بالهزل في مواقف الجد، ويحاول إضحاك السامعين في مجلس يسوده الحزن.

قال ابن المقفع: = ولا تخلطن بالجد هزلاً، ولابالهزل جداً، فإنك إن خلطت بالجد هزلاً هَجَّنْتَه، وإن خلطت بالهزل جداً كَدَّرْتَه.

غير أني قد علمت موطناً واحداً إن قدرت تتقبل فيه الجد بالهزل أصبت الرأي وظهرت على الأقران.

وذلك أن يتورَّدَك ( ) مُتوردٌ بالسفه، والغضب، وسوء اللفظ_تجيبه إجابة الهازل المداعب بِرُحْب من الذرع، وطلاقةٍ من الوجه، وثبات من المنطق+.( )

وقال: =واتق الفرح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على المنطلق، ( ) ويشكر للمكتئب+.( )

ومن الناس من يخاطب الأذكياء بخطابٍ لايناسب إلا قاصري العقول، وربما خاطب محدودي الذكاء والإدراك بكلام لاتدركه أفهامهم، وهكذا...

ومن كناك يفقد الكلام قيمته، ويصبح ضرباً من الهذيان، بل ربما عَرَّضَ صاحبه للمز الناس وعيبهم إياه.

وإنَّ كلامَ المرءِ في غير كنهه

                   لكا النبل تهوي ليس فيها نصالُها

بل ربما ألحق بغيره ضرراً من حيث لايشعر؛ فقد يحادث شخصاً ذا نفسٍ متوترة، مغرقة في التشاؤم، فيخاطبه على أنه إنسان سوي، فيزيد هذا الشخص توتراً، وبلاءً.

وقد يزور مريضاً، فيحدّثه بما لايناسب حاله، فيؤثر في نفس المريض، فيزيد الطين بِلَّة، والمرض علة.

ولأسباب وغيرها عني الإسلام عنايةً كبيرة بموضوع الكلام، وأسلوب أدائه؛ ذلك أن الكلام الصادر عن إنسان ما_يشير إلى حقيقة عقله، وطبيعة خلقه، ولأن طرائق الحديث في جماعة ما تحكم على مستواها العام، وتغلغل الفضيلة فيها.( )

ثم إن طرائق الكلام تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص؛ ولهذا عُرِّفت البلاغة بأنها: مطابقة الكلام لمقتضى حال السامعين.( )

ومن هن كان من الأهمية بما كان أن يتعرف المرء على أحوال الناس، وأن يراعي عقولهم.

فهذا الأمر دليل على جودة النظر في سياسة الأمور، وعلى حسن التصرف في تقدير وسائل الخير، وهو مما يعين على اكتساب الأخلاق الرفيعة، وعلى استبقاء المودة في قلوب الناس.

فالرجل العاقل الحكيم الحازم يحكم هذا الأمر، وينتفع به عند لقائه بالطبقات المختلفة، فتراه =يَزِنُ عقولَ مَنْ يلاقونه، ويحس ماتُكِنُّ صدورُهم، وتنزع إليه نفوسهم، فيصاحب الناس، ويشهد مجالسهم، وهو على بصيرةٍ مما وراء ألسنتهم من عقولٍ، وسرائرَ، وعواطفَ.

فيتيسر له أن يسايرهم إلا أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق.

ومراعاة عقول الناس، وطباعِهم، ونزعاتِهم فيما لايُقْعِدُ حقاً، ولايقيم باطلاً_مظهر من مظاهر الإنسانية المهذبة+.( )

قال ابن المقفع: =لاتجالس امرأً بغير طريقته؛ فإنك إذا أردت لقاء الجاهل بالعلم، والجافي بالفقه، والعيي بالبيان_لم تزد على أن تضيع علمك، وتؤذي جليسك بِحَمْلِكَ عليه ثِقَلَ ما لايعرف، وغَمِّك إياه بمثل ما يغتم به الرجلُ الفصيح في مخالطة الأعجمي الذي لايفقه عنه.

واعلم أنه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عابوه، ونصبوا له، ونقضوه عليك، وحرصوا على أن يجعلوه جهلاً.

حتى إن كثيراً من اللهو واللعب الذي هو أخفُّ الأشياء على الناس_لَيَحْضُرُه من لايعرفه، فيثقل عليه، ويغتم به+.( )

وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي×: =ومن الآداب الطيبة الكلام مع كل أحد بما يليق بحاله ومقامه؛ مع العلماء بالتعلم والاستفادة والاحترام، ومع الملوك والرؤساء بالاحترام والكلام اللطيف اللين المناسب لمقامهم، ومع الإخوان والنظراء بالكلام الطيب، ومطارحة الأحاديث الدينية والدنيوية والانبساط الباسط للقلوب، المزيل للوحشة، المزين للمجالس.

ويحسن المزاح أحياناً إذا كان صدقاً، ويحصل فيه هذه المقاصد.

ومع المستفيدين من الطلبة ونحوهم بالإفادة، ومع الصغار والسفهاء بالحكايات والمقالات اللائقة بهم بما يبسطهم ويؤنسهم، ومع الأهل والعيال بالتعليم للمصالح الدينية والدنيوية، والتربية البيتية، وتوجيههم للأعمال التي تنفعهم مع المباسطة والمفاكهة؛ فإنهم أحق الناس بِبِرِّك، ومن أعظم البر حسن المعاشرة.

ومع الفقراء والمساكين بالتواضع، وخفض الجناح، وعدم الترفع والتكبر عليهم.

فكم حصل بهذا من خيرات و بركات، وكم حصل بضده من شر وفوات خير.

ومع من تعرف منه العداوة والبغضاء والحسد بالمجاملة، وعدم الخشونة، وإن أمكنك الوصول إلى أعلى الدرجات، وهي قوله_تعالى_ [ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم] (فصلت: 34)_فما أكمله من مقام لايوفق له إلا ذو حظ عظيم+.( )

وكما أن مطابقة الكلام لعقول الناس ومقتضيات أحوالهم عائدٌ إلى الألمعية، التي هي في أصلها موهبة إلهية_فهو كذلك يأتي بالدربة والممارسة، وتدبر سير أعاظم الرجال، والنظر في مجاري الحوادث باعتبار، فهذا مما يقوي هذه الخصلة ويرفع من شأنها.

ولئن كان مقتضى الأحوال حسناً مطلوباً من كل أحد_فهو من الخطيب حال الخطابة أولى وأحرى؛ فمراعاة مقتضى الحال هو لبُّ الخطابة وروحها، فلكل مقام مقال، ولكل جماعة من الناس لسان تُخَاطب فيه؛ فالأغنياء يرضي كبرياءهم نوعٌ من الكلام لايقتضيه مقام الخطبة لمن ليسوا كذلك.

والعلماء يجتذبهم الثناء الحسن، وطيب الأحدوثة، والتوقير، والتعظيم، وأن يكون الكلام الذي يلقى عليهم أقرب إلى العمق والسلامة؛ ليسترعي انتباههم.

ثم إن الجماعة الثائرة تخاطب بعباراتٍ هادئة؛ لتكون برداً وسلاماً على القلوب.

والجماعة الخَنِسَةُ تخاطب بعباراتٍ مثيرةٍ للحمية، موقظة للهمة، حافزة للعزيمة.

والجماعة التي شَطَّتْ وركبت رأسها تخاطب بعباراتٍ فيها قوة العزم، ونورُ الحق، وفيها إرعادة المنذر، ويقظة المنقذ، وفيها روح الرحمة، وحسن الإيثار؛ ليجتمع الترهيب مع الترغيب، ومع سيف النقمة ريحان الرحمة.

لذلك وجب على الخطيب أن يكون قادراً على إدراك حال الجماعة، وما تقتضيه تلك الحال، والإتيان بالأسلوب الذي يلائمها؛ ليصل إلى مواضع التأثير فيها.( )

 12_الحديث عند من لايَرْغَبُ:_

فتجد من الناس مَنْ قَدْ مَرَدَ على القِحة، وسَهُل عليه الهوانُ، فتراه يبذل نفسه للناس، فيتصدر الحديث في مجالسهم، وهم عنه لاهون، وله مستثقلون، ولحديثه غير راغبين.

ومع ذلك يستمر في جهله وغيه.

وهذا لاينبغي ولا يحسن من ذي المروءة.

=قال مُطرّف: لاتطعم طعامك من لايشتهيه+.( )

يريد لاتقبل على من لايقبل عليك بوجهه.

وقال أبو عبّاد: =ينبغي للمحدِّث إذا أنكر من السامع أن يستفهمه عن معنى حديثه، فإن وجده قد أخلص له الاستماع أتم له الحديث، وإن كان لاهياً عنه حرمه حسن الاستقبال عليه، ونفع المؤانسة له، وعَرَفه بسوء الاستماع والتقصير في حق المحدِّث+.( )

وقال: =نشاط المحدث على قدر فهم السامع+.( )

وكان ابن مسعود ÷ يقول: =حدِّثِ الناسَ ما حدَّجوك( ) بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، فإن رأيت منهم فتوراً فأمسك+.( )

وقال البيحاني: =وإذا رأيت من جليسك الإعراض عنك، أو الاشتغال بأمرٍ آخر_فلا تكلمه، ولاتكلفه الاستماع إليك+.( )

وقال أحدهم:

يستوجب الصَّفْعَ في الدنيا ثمانيةٌ

                   لالومَ في واحدٍ منهم إذا صُفِعا

ثم ذكر منهم:

ومتحف ٌ بحديث غير سامعه

                   وداخلٌ في حديث اثنين مندفعا( )

ولايدخل في ذلك كراهيةُ الفساق والمجرمين لحديث الداعي إلى الله، والآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، خصوصاً إذا كان لطيفاً حكيماً؛ فالعيب ليس فيه وإنما هو فيهم.

وما على العنبرِ الفَوَّاحِ من حرجٍ

                   أَنْ ماتَ من شَمِّهِ الزَّبَّالُ والجُعَلُ

 13_تكرار الحديث:

فهذا من عيوب الكلام، وهو مما يورث الملامة، ويولد السآمة.

وهناك من يذكر الحادثة أو القصة في المجلس الواحد مرات عديدة.

وهناك من يكرر كلامه كثيراً بلا مسوغ، مما يجعل الأذواقَ تَمُجُّهُ، والآذان تَسْتَكُّ من سماعه.

= قال محمد بن صبيح المعروف بالسماك لجاريته: كيف ترين ما أعظ الناس ؟

قالت: هو حسن، إلا أنك تكرره.

قال: إنما أكرره؛ ليفهمه من لم يكن فهمه.

قالت: إلى أن يفهمه البطيء يثقل على سمع الذكي+.( )

= واستعيد( ) ابن عباس حديثاً فقال: لو لا أني أخاف أن أغضَّ من بهائه، وأريق من مائه، وأُخْلِقَ من جِدَّتِه_لأعَدْتُه +.( )

وقال أبو تمام يصف قصائده:

منزهة عن السَّرِق المُوَرَّى

                   مكرمة عن المغنى المعاد( )

وقال الآخر:

إذا تحدثت في قوم؛ لِتُؤْنَسَهم

                   من الحديث بما يمضي وما ياتي

فلا تُكَرِّرْ حديثاً إن طَبْعَهُمُ

                   موَكَّلٌ بمعاداة المعادات ( )

أما إذا احتيج إلى التكرار، وكان فيه زيادة فائدة، ولم يكن موصلاً إلى حد الملال_فلا بأس به.

 14_التعالي على السامعين:

فمن الناس من إذا تحدث إلى أناس تعالى عليهم، وأزرى بهم.

وربما أشعر_ولو من طرف خفي_بأن السامعين لايعون كلامه، ولايدركون مراميه.

بل ربما تَلَمَّظَ برطانة الأعاجم، وأدرجها في ثنايا حديثه بلا داع لذلك، وإنما قالها ليترفع على السامعين، وليظهر فضله عليهم!.

والتعالي على الآخرين دليل السفه، وآية نقص العقل، وإلا فالكريم العاقل يرفع من شأن الآخرين، ولايترفع أو يتعالى عليهم.

قال ابن المقفع: =تَحَفَّظْ في مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطِبْ نفساً عن كثيرٍ ممما يعرض لك فيه صواب القول والرأي؛ مداراةً؛ لئلا يظن أصحابك أن دأبك التطاول عليهم+.( )

قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي×: =واحذر غاية الحذر من احتقار من تجالسه من جميع الطبقات، وازدرائه، والاستهزاء به قولاً، أو فعلاً، أو إشارةً أو تصريحاً، أو تعريضاً؛ فإن فيه ثلاثةَ محاذير:

أحدها: التحريم، والإثم على فاعل ذلك.

الثاني: دلالته على حمق صاحبه، وسفاهة عقله، وجهله.

الثالث: أنه باب من أبواب إثارة الشر، والضرر على نفسه+.( )

 15_ترك الإصغاء للمتحدث:

وذلك بمقاطعته، ومنازعته الحديث، أو بالتشاغل عنه بقراءة جريدة، أو كتاب، أو متابعة متحدث آخر.

ومن ذلك الإشاحة بالوجه عن المتحدث، أو إجالة النظر عنه يمنة ويسرة.

كل ذلك مما ينافي الأدب في المحادثة، ومما يدل على قلة المروءة.

فينغي للمرء أن يتجافى عن هذا الخلق الذميم، وأن يحسن الأدب مع من يَتَقَصََّدُه بالحديث، ومع من يتحث أمامه.

فمن أدب المروءة حسن إصغاء الرجل لمن يحدثه من الإخوان؛ فإن إقباله على محدثه بالإصغاء إليه يدل على ارتياحه لمجالسته، وأنسه بحديثه.( )

بل إن المتحدث البارع هو المستمع البارع؛ فأحسن الاستماع، ولاتقاطع من تحادثه، بل شجعه على الحديث بحسن إنصاتك؛ كي يقابلك بالمثل.

وبراعة الاستماع تكون بالإذن، وطرف العين، وحضور القلب، وإشراقة الوجه.( )

قال ابن عباس_رضي الله عنهما_: =لجليسي على ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأن أوسع له في المجلس إذا جلس، وأن أصغي إليه إذا تحدث+.( )

وقال عمرو بن العاص ÷: =ثلاثة لاأَمَلُّهم: جليسي مافهم عني، وثوبي ماسترني، ودابتي ماحملت رجلي+.( )

وقال سعيد بن العاص: =لجليسي عليَّ ثلاث: إذا أقبل وسَّعْتُ له، وإذا جلس أقبلت إليه، وإذا حَدَّثَ سمعتُ منه+.( )

وقال الحسن: =إذا جالست فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتَعَلَّمْ حسن الاستماع كما تَعَلَّمُ حسن القول، ولاتقطع على أحد حديثه+.( )

وقال أبو عباد: =للمحدِّث على جليسه السامع لحديثه أن يجمع له باله، ويصغي إلى حديثه، ويكتم عليه سره، ويبسط له عذره+.( )

=وذكر رجل عبدالملك بن مروان فقال: إنه آخذ بأربع، تارك لأربع: آخذ بأحسن الحديث إذا حَدَّث، وبأحسن الاستماع إذا حُدِّث، وبأحسن البشر إذا لُقي، وبأيسر المؤونة إذا خولف.

وماكان تاركاً لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللجوج، ومماراة السفيه، ومصاحبة المأبون( )+.( )

=وذكر الشعبيُّ قوماً، فقال: مارأيت مثلهم أشدَّ تناوباً في مجلس، ولا أحسن فهماً من محدث+.( )

 16_الاستخفاف بحديث المتحدث:

فمن الناس من إذا سمع متحدثاً يتحدث في مجلس، وبدر من ذلك المتحدث خطأ يسير أو نحو ذلك_سفَّهه، وبكَّته، واستخف بحديثه.

ومن هذا القبيل مايوجد عند بعض الناس، فما أن يتكلم أحد في مجلس إلا وتبدأ بينهم النظرات المريبة، التي تحمل استخفافاً وسخرية بالمتحدث.

وهذا الصنيع لايحسن أبداً، وليس من صفات عظماء الرجال وأكابرهم؛ فهم يُجلّون من يحدثهم، ولايرضون بإهانته في حضرتهم طالما أنه لم يَحِدْ عن الرشد، حتى ولو أخطأ؛ فإنهم يتغاضون عن خطئه، ويتعامون عن زَلَّتِه، وإذا ماكان الخطأ كبيراً فإنهم يبينون الخطأ، ويرشدون إلى الصواب بأجمل عبارة، وألطف إشارة.

قال ابن حبان×: =أنبأنا أبو يعلى حدثنا عبدالله بن حمد بن أسماء، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا معاذ بن سعد الأعور قال: كنت جالساً عند عطاء ابن أبي رباح، فحدث رجل بحديث، فعرَّض رجل من القوم في حديثه.

قال: فغضب، وقال: ماهذه الطباع؟ إني لأسمع الحديث من الرجل، وأنا أعلم به، فأريه كأني لاأحسن شيئاً+.( )

 17_المبادرة إلى إكمال الحديث عن المتحدث:

فهناك من إذا تحدّث أحد أمامه بحديث، أو قصة، أو خبر، وكان يعلم ذلك من قبل_بادر إلى إكمال ذلك عن المتحدث، إما بقصد الإساءة إليه، وإما بإشعاره وإشعار السامعين بأن حديثه معاد مكرور، وإما ليبين أنه يعلم ذلك من قبل.

وهذا ليس من صفات ذي المروءة؛ إذ المروءة تقتضي أن تنصت للمتحدث ولو كنت تعلم حديثه من قبل.

قال المدائني: =أوصى خالد بن يحي ابنه فقال: يابني، إذا حدَّثك جليسك حديثاً فأقبل عليه، وأصغِ إليه، ولاتقل قد سمعته_وإن كنت أحفظ له_وكأنك لم تسمعه إلا منه_؛ فإن ذلك يكسبك المحبة والميل إليك+.( )

وقال ابن سعدي: =ومن الآداب الطيبة إذا حدَّثك المحدِّث بأمر ديني أو دنيوي ألا تنازعه الحديث إذا كنت تعرفه، بل تصغي إليه إصغاء من لايعرفه، ولم يَمُرَّ عليه، وتريه أنك استفدت منه، كما كان أَلِبَّاءُ الرجال يفعلونه.

وفيه من الفوائد تنشيط المحَدِّث، وإدخال السرور عليه، وسلامتك من العجب بنفسك، وسلامتك من سوء الأدب؛ فإن منازعة المحدث في حديثه من سوء الأدب+.( )

وإلى هذا المعنى الجميل يشير أبوتمام بقوله:

من لي بإنسان إذا أغضبته

                   وجهلت كان الحلمُ ردَّ جوابِه

وتراه يصغي للحديث بسمعه

                   وبقلبه ولعله أدرى به( )

قال ابن المقفع: =وإذا رأيت رجلاً يحدِّث حديثاً قد علمته، أو يخبر خبراً قد سمعته_فلا تشاركْه فيه، ولا تَتَعَقَّبْهُ عليه؛ حرصاً على أن يعلم الناس أنك قد علمته؛ فإن في ذلك خِفَّةً، وسوء أدب، وسخفاً+.( )

وقال: =ومن الأخلاق التي أنت جدير بتركها_إذا حَدَّث الرجل حديثاً تعرفه ألا تسابقه إليه، وتفتحه عليه، وتشاركه فيه؛ حتى كأنك تظهر للناس أنك تريد أن يعلموا أنك تعلم مثل الذي يعلم.

وما عليك إلا أن تُهنئه بذلك، وتفرده به.

وهذا الباب من أبواب البخل، وأبوابه الغامضة كثيرة+( )

قال ابن عبدالبر×: =ومن سوء الأدب في المجالسة أن تقطع على جليسك حديثه، وأن تبتدره إلى تمام ماابتدأ به منه خبراً كان أو شعراً تتم له البيت الذي بدأ به؛ تريه أنك أحفظ له منه، فهذا غاية في سوء المجالسة، بل يجب أن تصغي إليه كأنك لم تسمعه قط إلا منه+.( )

وقال ابن جريج عن عطاء: =إن الرجل ليحدِّثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد+.( )

 18_القيام عن المتحدّث قبل أن يكمل حديثه:

فهذا من قلة الأدب، ومما ينافي إكرام الجليس، فلا يسوغ للمرء أن يقوم عن المتحدث قبل أن يكمل حديثه؛ لما في ذلك من استجلاب الضغينة، واحتقار المتحدِّث إلا إذا احتاج السامع للقيام، واستأذن من محدِّثه_فهنا ينتفي المحذور.

قال أبو مجلز: =إذا جلس إليك رجل يَتَعَمَّدُك فلا تقم حتى تستأذنه+.( )

وقال أسماء ابن خارجة: =ماجلس إليَّ رجل إلا رأيت له الفضل عليَّ حتى يقوم عني+.( )

 19_المبادرة إلى تكذيب المتحدّث:

فمن الناس من إذا طرق سمعه كلامٌ غريب من متحدِّث ما_بادر إلى تكذيبه، وتفنيد قوله، إما تصريحاً، أو تلميحاً، أو إشارةً باليد أو العين، وأن يهمز من بجانبه؛ ليشعره بأن المتحدِّث كاذب.

فهذا العمل من العجلة المذمومة، ومن إساءة الظن بمن يتحدّث، وهو مما ينافي كمال الأدب والمروءة.

فينبغي لمن استمع حديثاً من أحد ألا يبادر إلى تكذيبه، بل عليه أن يُنصت له، وإن رأى في هذا في الحديث وجهَ غرابةٍ فلا يستعجل الحكمَ عليه بالكذب، بل يستفصل من المتحدِّث، لعله يُبين له وجهته وأدلته.

ثم إن تأكد من كذبه فلينصح له على انفراد؛ لئلا يعاود الكذب مرةً أخرى.

فإن عاد إليه، واقتضت المصلحة أن يُبيَّن كذبه_فلا بأس حينئذ من ذلك؛ حتى يرتدع من تلك الخصلة الذميمة.

قال عبدالله بن عمرو بن العاص_رضي الله عنهما_: =ثلاثة من قريش أحسنها أخلاقاً، وأصبحها وجوهاً، وأشدها حياءً، إن حدثوك لم يكذبوك، وإن حدثتهم بحق أو باطل لم يَكْذِبوك، وإن حدَّثتهم بحقٍ أو باطل لم يُكذِّبوك: أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة ابن الجراح+.( )

 20_التقصير في محادثة الصغار:

فلمحادثة المربي صغارَه فائدةٌ عظمى، وللحوار الهادئ معهم أهمية كبرى، ولتعليمهم آداب الحديث وطرائقه وأساليبه ثمرات جُلَّى؛ فبذلك ينمو عقل الصغير، وتتوسع مداركه، ويزداد رغبةً في الكشف عن حقائق الأمور، ومجريات الأحداث.

كما أن ذلك يكسبه الثقة في نفسه، ويورثه الجرأة والشجاعة الأدبية، ويشعره بالسعادة والطمأنينة، والقوة والاعتبار.

مما يعده للبناء والعطاء، ويؤهله لأن يعيش كريماً شجاعاً، صريحاً في حديثه، جريئاً في طرح آرائه.

ومع أهمية هذا الأمر وعظم فائدته إلا أن هناك تقصيراً كبيراً فيه؛ فكثير من الناس لا يأبه بمحادثة الصغار ولا يلقي بالاً لتعليمهم آداب الحديث و أساليبه؛ فتراه لايصغي إليهم إذا تحدثوا، ولايجيب عن أسألتهم إذا هم سألوا، بل ربما كذّبهم إذا أخبروا، ونهرهم وأسكتهم إذا تكلموا.

وهذا من الخلل الفادح، والتقصير الكبير؛ فهذا الصنيع مما يولِّد الخوف في نفس الصغير، كما يورثه التردد، والذلة، والمهانة، والخجل الشديد، وفقدان الثقة بالنفس.

بل قد يجر له أضراراً تؤثر في مستقبله ومسيرة حياته؛ فقد يعجز عن الكلام، وقد يصاب بعيوب النطق من فأفأة، وتمتمة، ونحوها.

وقد يصاب بمرض، وقد يعاني من مشكلات فيزداد مرضه، وتتضاعف مشكلاته؛ بسبب عجزه عن الإخبار عما أصابه وألمَّ به.

وقد يُظلَم أو توجه له تهمة، فيؤخذ بها مع أنه بريء منها؛ لعجزه عن الدفاع عن نفسه، وعن نفي ماعلق وألصق به.

وقد تضطره الحال لأن يتكلم أمام زملائه، فيرى أن الألفاظ لاتسعفه؛ فيشعر بالنقص خصوصاً إذا وُجد من يسخر منه.

ولهذا كان حرياً بالمربين_من والدين ومعلمين وغيرهم_أن يعنوا بهذا الجانب، وأن يرعوه حق رعايته.

فيحسن بهم إذا خاطبهم الصغار أن يُقبلوا عليهم، وأن يصغوا إلى حديثهم، وأن يجيبوا عن أسئلتهم، وأن ينأوا عن كل مايشعر باحتقار الصغار وازدرائهم.

كما يحسن أن يُشعر الصغير بأهمية حديثه، وأن يظهر له الإعجاب وحسن المتابعة، وذلك بإصدار بعض الأصوات أو الحركات التي تنم عن ذلك، كأن يقول الكبير وهو يستمع لصغيره: حسن، جميل، رائع، نعم.

أو أن يقوم بالهمهمة، أو تحريك الرأس تصعيداً وتصويباً.

بل تحسن المبادرة في هذا الأمر، كأن يعمد الكبير لاستشارة صغيره كي يتكلم، كأن يسأله بعض الأسئلة اليسيرة التي يعرفها الصغير، فيقول_على سبيل المثال_: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وأن يسأله عن بعض الأمور التي يراها أو يعلمه من خلال حياته اليومية.

كذلك يجمل في هذا الشأن استشارة الصغير في بعض الأمور اليسيرة؛ من باب شحذ قريحته، واستخراج مالديه من أفكار، وإعانته على التعبير عنها.

كأن يسأله عن رأيه في أثاث المنزل، أو لون السيارة، أو عن زمان الرحلة، أو مكانها، أو نحو ذلك.

ثم يوازن بين رأي الصغير وآراء إخوانه و زملائه، ثم يطلب من كل واحد أن يبدي مسوغاته، وأسباب اختياره لهذا الرأي أو ذاك.

فكم في مثل هذه الأمور اليسيرة من الأثر العظيم والثمرات الجليلة.

إن تدريب الصغير على أدب المحادثة، وتعويده على الحوار الهادئ والمناقشة الحرة_يقفز بالمربين إلى قمة التربية والبناء؛ فبسبب ذلك ينطلق الطفل، ويستطيع التعبير عن آرائه، والمطالبة بحقوقه، فينشأ حراً كريماً أبيَّاً، فيكون في المستقبل ذا حضورٍ مميز، ويكون لآرائه صدىً في النفوس؛ لأنه تربى منذ الصغر على آداب الحديث وطرائقه.

ثم إن هذا مما يشعر الصغار بقيمتهم، ومما يستثيرهم لتحريك أذهانهم، وشحذ قرائحهم، وتنمية مواهبهم.

كما أن فيه تدريباً لهم على حسن الاستماع، والقدرة على ترتيب الأفكار، وحسن الاسترجاع لما مضى، وفهم مايلقى عليهم من الآخرين.

كما أن فيه تنميةً لشخصية الصغير، وتقويةً لذاكرته.

كما أن ذلك يزيده قرباً ومحبةً لوالديه ومربيه.

هذا وقد وُجِد أن الأطفال الأذكياء يتكلمون أسرع من الأطفال الأقل ذكاءً، ووجد أن الأطفال المحرومين عاطفياً، والذين لايكلمهم آباؤهم وأمهاتهم إلا نادراً_أنهم يكونون أقلّ قدرةً على الكلام من الذين يلاطفه والدوهم.

وليس المقصود مما مضى أن يُسرفَ في إعطاء الحرية المطلقة للصغير، فيلقي له الحبل على الغارب، ويفتح الباب على مصراعيه، فيسمح له بالصفاقة والوقاحة، ويُرضى عن تطاوله وإساءته، ويُضحك له إذا صدر منه عباراتٌ نابية أو كلمات ساقطة؛ زعماً أن ذلك من باب إعطائه الفرصة وتدريبه على الكلام!.

لا، ليس الأمر كذلك؛ فالرضا عن سفاهته وتطاوله يغريه بقلة الأدب، والضحك له حال صدور الكلمات القبيحة منه يعد حافزاً له بتكرارها.

فالمقصود أن يؤخذ بيده إلى الآداب المرعية، وأن يدرب على الكلام في حدود الأدب واللياقة بعيداً عن الإسفاف والصفاقة.( )

 21_الوقعية في الناس:

فهناك من إذا جلس مجلساً وقع في الناس، ورتع في أعراضهم، وأطلق لسانه في ذمهم وعيبهم، غيبة، ونميمة، وافتراءً، وبهتاناً.

فالغيبة هي كما قال النبي "=ذكرك أخاك بما يكره+.( )

والنميمة هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد.

وهما لا يصدران إلا من نفسٍ مهينة، دنيئة، وضيعة؛ فكم فسد بسببهما من صداقة، وكم تَقَطَّعَتْ من أواصر، وكم تحاصَّت من أرحام.

وإن مما يزيد الطين بلة أن تجد الغيبة والنميمة آذاناً مصيخة، وأفئدة مصغية.

فمن أصاخ السمع، وأصغى الفؤاد لمن ينم أو يغتاب_فهو مشارك له في الإثم.

ومن أطاع الوشاة وصدقهم فيما يقولون_فلن يبقى له صديق ولو كان أقرب قريب.

ومن يطع الواشين لايتركوا له

                   صديقاً ولو كان الحبيب المقربا( )

وهناك من يطلق لسانه في أعراض الناس يلتقط معايبهم، أو يختلق لهم معايب من تلقاء نفسه، متخيلاً أنه يحظى باسم المروءة من إلصاق العيب بغيره.

والعرب تقول: =فلان يتمرأ بنا+أي يطلب المروءة بنقصنا وعيبنا.

أما صاحب المروءة الصادقة فيبخل بوقته عن هذه الطوية الحقيرة، ولا يرضى إلا أن يشغله بما تتقاضاه المروءة من حقوق.( )

وأجرأ من رأيت بظهر غيب

                   على عيب الرجال ذوو العيوب( )

قال الشافعي×:

المرء إن كان عاقلاً ورعاً

                   أشغله عن عيوب غيره وَرَعُهْ

كما العليل السقيمِ أشغله

                   عن وجع الناس كلِّهم وَجَعُه( )

=وربما اضطر صاحب المروءة أن يدافع شر خصومه الكاشحين بذكر شيء من سقطاتهم، ولكن المروءة تأبى عليه أن يختلق لهم عيباً يقذفهم به، وهم منه براء؛ فإن الإخبار بغير الواقع يُقَوِّض صرح المروءة، ولا يبقى لها عيناً ولا أثراً+( )

 22_التسرع في نشر الأخبار قبل التثبت منها ومن جدوى نشرها:

فمن الناس من إذا سمع خبراً طار به كل مطار، وسعى في نشره وبثِّه بين الناس، قبل أن يتثبت من صحته ومن جدوى نشره.

وهذا من الأخطاء الكبيرة التي يحصل بسببها الاختلاف والافتراق.

فالعاقل اللبيب لايتكلم إلا إذا تثبت من صحة كلامه، فإذا ثبت لديه صحة الكلام نظر في جدوى نشره؛ فإن كان في نشره حفز للخير واجتماع وألفة_نشره وأظهره، وإن كان الأمر بخلاف ذلك كتم الأمر وستره.

ولقد ورد النهي أن يحدّث المرء بكل ما سمع.

قال النبي"=كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سمع+.( )

 23_الكذب:

فما أكثر الكذب في مجالس الناس ومنتدياتهم، وما أقل الصدق بينهم في معاملاتهم وعلاقاتهم.

فمن الناس من قد ألف الكذب، ومرد عليه، فلا يخجل من نسج الأباطيل، ولا يأنف من اختلاق الأقاويل، لاتردعه تقوى، ولايزمُّه دين أو مروءة.

فإذا حضر مجلساً أطلق لسانه بالكذب، فتراه يأتي بالغرائب، ويغرب في العجائب، ويسوق مالا يخطر على بال، ولا يدور حول ما يشبهه خيال؛ كل ذلك لأجل أن يُسْتَظْرَفَ ظلُّه، ويُسْتَطْرَفَ حديثُه، ويرغب في مجلسه.

بل ربما ادَّعى الفضل، وتشدق بكثرة الأعمال، والبر والإحسان إلى الناس مع أنه عاطل من ذلك كله، فلا فضل لديه، ولا خير يصدر منه، وإنما قال ذلك ادعاءً وتظاهراً، ومجاراةً لأهل الفضل.

وغير خافٍ أن الكذب عمل مرذول، وصفة ذميمة؛ فهو خصلة من خصال النفاق، وشعبة من شعب الكفر، وهو سبب لنزع الثقة من الكاذب، والنظر إليه بعين الخيانة، وهو سبب لدخول النار، وحرمان الجنة.

قال_عليه الصلاة والسلام_: =وإياكم والكذب، فإن الكذب يهي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا+.( )

ثم إنه دليل على ضعة النفس، وحقارة الشأن، وسقوط الهمة.

قيل في ذم الكذب:

وما شيء إذا فكرت فيه

                   بأذهب للمروءة والجمال

من الكذب الذي لا خير فيه

                   وأبعد بالبهاء من الرجال( )

وقيل في ذم الكذوب: =ليس لكذوب مروءة، ولا لضجور رياسة+.( )

 24_سماع كلام الناس بعضهم ببعض وقبول ذلك دون تمحيص أو تثبت:

فكما أن هناك من يكذب ويتعمد الكذب، وهناك من يتسرع في نشر الأخبار قبل التثبت منها ومن جدوى نشرها_فهناك من يخطئ فيقبل ما ينقل إليه على علِاَّتِه، دونما تمحيص أو تثبت، ثم يبني على ذلك مواقف عملية، فيصدر لأجله أحكاماً، ويعقد عليه ولاءً وبراءً.

مع أنه لو مَحَّصَ الخبر، وكشف جَليَّة الأمر_لربما استبان له أن الصواب مجانب لما بلغه، أو أن الأمر زِيْدَ فيه ونُقِص، وغُيِّر عن وجهته.

فكم جر ذلك الأمر من ويلات، وكم أفسد من مودات، وكم أغرى من عداوات.

قال الشيخ_عبدالرحمن بن سعدي×: =من الغلط الفاحش الخطر قبول قول الناس بعضهم ببعض، ثم يبني عليه السامع حباً وبغضاً، ومدحاً وذماً.

فكم حصل بهذا الغلط من أمور صار عاقبتها الندامة، وكم أشاع الناس عن الناس أموراً لا حقائق لها بالكلية، أولها بعض الحقيقة فنُمِّيت بالكذب والزور، وخصوصاً ممن عُرفوا بعدم المبالاة بالنقل، أو عُرف عنهم الهوى.

فالواجب على العاقل التثبتُ والتحرز، وبهذا يعرف دين المرء ورزانته وعقله+.( )

 25_رفع الصوت:

فهناك من إذا أراد التحدث مع غيره بالغ في رفع صوته من غير حاجةٍ أو داعٍ إلى ذلك.

وهذا مما ينافي أدب الحديث.

قال_تعالى_: [واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير] (لقمان: 19).

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: [واغضض من صوتك] : =أي لا تبالغ في الكلام، ولاترفع صوتك فيما لافائدة فيه؛ ولهذا قال: [إن أنكر الأصوات لصوت الحمير].

وقال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير.

أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه، ورَفْعِه، وهو مع هذا بغيض إلى الله.

وهذا التشبيه بالحمير يقتضي تحريمه، وذمه غاية الذم+.( )

وقال ابن سعدي في تفسير الآية السابقة [واغضض من صوتك] : =أدباً مع الناس، ومع الله، [إن أنكر الأصوات] أي أفظعها وأبشعها، [لصوت الحمير] فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة لما اختص الحمار بذلك، الذي علمته خسته وبلادته+.( )

 26_الغلظة في الخطاب:

فتجد من الناس من هو غليظ القلب، ذو فظاظة، وكزازة، فإذا خاطب الناس أغلظ لهم في القول، وجابههم بالعنف، وواجههم بالشدة.

وتجد من الناس من يذهب في الإنكار على من يراه مبطلاً مذهب الفظاظة في القول، فيرميه باللعن والشتائم.

مما يبذر الشقاق الذي نهينا عنه، بل ربما حمل المبطل على التعصب لرأيه، وقبض عليه باليمين وبالشمال.

وهذا السلوك لا ينبغي؛ وذلك بسبب ما يفضي إليه من شر، وعداوة، ومباغضة.

فالناس يعرفون أن طريقة السباب إنما يسلكها العاجز عن إقامة الحجج الدامغة، ولهذا ترى المقال الذي يحرر في سعة صدر وأدب مع المخالف_يجد من القبول وشد الأثر في النفس مالا يجده المقال الذي يخالط السفه والحماقة.

فالكلام الطيب العفُّ الَّلِّين يجمل مع الأصدقاء والأعداء جميعاً، وله ثماره الحلوة، وظلاله الوارفة.

فأما مع الأصدقاء فهو يحفظ مودتهم، ويستديم صداقتهم، ويمنع كيد الشيطان أن يوهي حبالهم، ويفسد ذات بينهم؛ فالشيطان متربص ببني آدم، يريد أن يوقع بينهم العداوة، والبغضاء، وأن يجعل من النزاع الحقير عراكاً دامياً.

ولن يسد الطريق أمامه كالقول الجميل.

وأما حسن الكلام مع الأعداء فهو يطفئ نار الخصومة، ويكسر حدة العداوة، أو هو على الأقل يوقف تطورَ الشرِّ، واسْتِطَارَ الشَرَر.( )

فيا لله كم للكلمة الطيبة من أثرٍ في النفس، وكم لها من وقعٍ عظيمٍ في القلب، فكم من مودةٍ استجلبت بها، وكم من عداوةٍ مغراةٍ وئدت بسببها.

قال_تعالى_: [وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً] (الإسراء: 53).

قال ابن كثير× في تفسير هذه الآية: =يأمر_تبارك وتعالى_عبده ورسوله_"أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلامَ الحسنَ، والكلمة الطيبة؛ فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشرُّ، والمخاصمةُ، والمقاتلة؛ فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع من السجود لآدم، وعداوتُه ظاهرة بينه+( )

وقال_تعالى_: [وقولوا للناس حسناً] (البقرة: 83)

قال ابن سعدي في تفسير هذه الآية: =ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب.

ولما كان الإنسان لايسع الناس بماله أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول؛ فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح حتى للكفار+.( )

وإذا كان لين الكلام يجمل مع كل أحد_فَلَأنْ يجمل مع من له حق، أو جاه، أو رياسة من باب أولى؛ فمخاطبة هؤلاء باللين أمر مطلوب شرعاً، وعقلاً، وفطرةً، وهكذا كان النبي" يخاطب رؤساء العشائر والقبائل.( )

قال_تعالى_لموسى_عليه السلام_عندما بعثه إلى فرعون: [اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى] (طه: 44، 23)

وقال_عز وجل_في الآية الأخرى: [اذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل هل لك أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى] (النازعات: 17_19)

قال ابن القيم×: =وتأمل لامتثال موسى لما أُمِر به كيف قال لفرعون: [هل لك إلى أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى] فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض لامخرج الأمر، وقال: [إلى أن تزكى] ولم يقل: إلى أن أزكيك، فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكي دون غيره؛ لما فيه من البركة، والخير، والنماء.

ثم قال: [وأهديك إلى ربك] أكون كالدليل بين يديك، والذي يسير أمامك.

وقال: [إلى ربك] استدعاءً لإيمانه بربه الذي خلقه، ورزقه ورباه بنعمه صغيراً وكبيراً+.( )

ولولا أن هذه الكلمات النيرات المباركات الطيبات التي تأخذ باللب، وتنفذ إلى شغاف القلب لولا أنها وجدت قلباً قاسياً، عاسياً، مارداً على الكفر والطغيان_لأثّرت به، وقادته إلى الهدى والرشاد.

وكذلك قول إبراهيم الخليل لأبيه: [يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا] (مريم: 42_45)

قال ابن القيم× معلقاً على هذه الآيات: =فابتدأ خطابه بذكر أُبُوّتِهِ الدالة على توقيره، ولم يسمّه باسمه، ثم أخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال: [لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا] ولم يقل: ما لا تعبد، ثم قال: [يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك] فلم يقل: إنك جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال: [جاءني من العلم ما لم يأتك].

ثم قال: [يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا] فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه.

وقال: =يَمَسّكَ+ فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره، ثم نَكّرَ العذاب، ثم ذكر الرحمن، ولم يقل الجبار، ولا القهار، فأي خطاب ألطف وألين من هذا؟+.( )

وبعد أن تبين لنا ما للكلام اللين من فضل وأثر_لِقَائِلٍ أن يقول: هل اللين هو الأسلوب الذي ينبغي سلوكه مع كل أحد، ولا يُعْدَل عنه إلى غيره؟.

والجواب أن يقال: نعم هذا هو الأصل في الكلام حتى مع المخالفين كما قال_تعالى_ [ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن] (العنكبوت: 46).

ولكن قد يعدل عنه إلى غيره حسب ما تقتضيه الحكمة ومقامات الأحوال.

مثال ذلك أن يجور علينا أثيم، فيتعدى حدوده، ويَلجَّ في عتوه ونفوره، ويتبجح في نفث سمومه وبث شبهاته.

فمثل هذا لاينفع مع اللين، بل يتعين_والحالة هذه_أن يكبح جماحه، وأن يرد عدوانه؛ ولهذا قال_تعالى_في تمام الآية السابقة في شأن مجادلة أهل الكتاب: [وإلا الذين ظلموا منهم] (العنكبوت: 46).

ولهذا كان موسى_عليه السلام_متلطفاً مع فرعون غاية التلطف في بداية الأمر_كما مر قريباً_وعندما رأى موسى من فرعون العناد، والاستكبار، ومحاولة الصد عن الحق بعد أن اتضح له الدليلُ، واستبانت له السبيلُ_أغلظ له في الخطاب كما في قوله_تعالى_ [وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً] (الإسراء: 102).

فأين هذا الخطاب من الخطاب الأول؟.

وفي نهاية المطاف، وبعد أن أيس من فرعون دعا عليه بتلك الدعوات العظيمة، التي كانت سبباً في هلاك فرعون ودماره.

 [وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون] (يونس: 88_89)

27_الشدة في العتاب:

فَمِنَ الناس مَنْ يشتد في عتابه إخوانه عند أدنى هفوة أو زلة، إما لِحِدَّةٍ في طبعه، وإما لظنه أن لو لم يفعل ذلك لسقطت منزلته، أو غير ذلك.

فإذا قَصَّرَ أحد من إخوانه في حقه، أو ربما أساء إليه إساءة يسيرة_عاتبه بشدة وغلظة.

وربما تأخر عليه ضيفه عن الموعد المحدد لِعُذر أو نحوه، وبدلاً من أن يعذره ويقضيه حق التكرمة_تجده يشتد عليه في العتاب، ويمطر عليه وابلاً من اللوم والتقريع.

فالشدة في العتاب، وقلة التغاضي عما يصدر من الأخطاء_مما يسبب النفور ممن يتصف به، ومما يوجب الرهبة منه، والرغبة عن مجالسته.

فَدَعِ العتابَ فَرُبَّ شرْ

                   رٍ هَاجَ أَوَّلُه العتاب( )

فالعاقل اللبيب لايعاتب إخوانه عند كل صغيرةٍ وكبيرة، بل يلتمس لهم المعاذير، ويحملهم على أحسن المحامل.

ثم إن كان هناك مايستوجب العتاب عاتبهم عتاباً ليناً رقيقاً.

ثم ما أحسن المرء أن يتغاضى ويتغافل؛ فالتغاضي والتغافل من أخلاق الأكابر والعظماء؛ فهو دليل على سمو النفس، وأريحيتها، وشفافيتها، وهو مما يرفع المنزلة، ويعلي المكانة.

ليس الغبي بسيد في قومه

                   لكن سيد قومه المتغابي

قال ابن حبان×: =من لم يعاشر الناس على لزوم الإغضاء عما يأتون من المكروه، وترك التوقع لما يأتون من المحبوب_كان إلى تكدير عيشه أقرب من أن ينال منهم الوداد وترك الشحناء+.( )

وقال ابن الأثير× عندما تحدث في تاريخه عن صلاح الدين الأيوبي: =وكان× حليماً حسن الأخلاق، متواضعاً، صبوراً على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولايعلمه، ولايتغير عليه.

وبلغني أنه كان جالساً وعنده جماعة، فرمى بعض المماليك بعضاً بسرموز( ) فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه؛ ليتغافل عنها+.( )

وقال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ÷:

أُغَمِّضُ عيني عن أمورٍ كثيرةٍ

                   وإني على ترك الغَمُوضِ قديرُ

وما من عمىً أُغْضِيْ ولكن لربما

                   تعامى وأغضى المرءُ وهو بصيرُ

وأسكتُ عن أشياءَ لو شئتُ قُلْتُهَا

                   وليس علينا في المقال أميرُ

أُصَبِّرُ نفسي باجتهادي وطاقتي

                   وإني بأخلاق الجميعِ خبيرُ( )

وإذا كان التغاضي والتغافل من أفضل خصال الحمد_فإن أحق الناس بأن تغفر زلاتهم، وتتغاضى عن هفواتهم، وتتجنب كثرة لومهم وتعنيفهم_رجالٌ عرفت عنهم المودة، ولم يقم لديك شاهدٌ على أنهم صرفوا قلوبهم عنها.

فلو أخذت تُعَنِّفُ من إخوانك كلَّ من صدرت منه هفوة لم تلبث أن تفقدهم جميعاً، ولم يبق لك على ظهر الأرض صديقٌ غير نفسك التي بين جنبيك.

والحاصل أن مايصدر من الصديق إن كان من قبيل العثرة التي تقع في حال غفلة، أو كان خطأً في اجتهاد الرأي_فذلك موضع الصفح والتجاوز، ولاينبغي أن يكون له في نقض الصداقة أثر كثير أو قليل.

قال أحدهم:

لا يُزَهِدَنَّك من أخٍ

                   لك أن تراه زلَّ زلَّهْ( )

وقال الآخر:

وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ

                   جاءت محاسُنه بألف شفيعِ

 وقال الآخر:

فإن يكن الفعلُ الذي ساء واحداً

                   فأفعالهُ اللائي سررنَ ألوفُ

وأما إن كان عن زهدٍ في الصحبة، أو انصرافاً عن الصداقة_فلك أن تزهد به، وتقطع النظر عن صداقته.

وهذا موضع الاستشهاد بمثل قول الكميت:

وما أنا بالنِّكس الدنيء ولا الذي

                   إذا صدَّ عني ذو المودة يقربُ

ولكنه إن دام دُمْتُ وإن يكن

                    له مذهب عني فلي فيه مذهبُ

ألا إن خير الودِّ ودٌّ تطوعت

                   له النفس لا ودٌّ أتى وهو متعبُ

والفرق بين عثرة قد تصدر من ذي صداقة وبين جفاء لا يكون إلا من زاهد في الصداقة_يرجع فيه الرجل إلى الدلائل التي لايبقى فيها ريب.

أما مجرد الظنون فلا يُلتفت إليها، ولا يُعَوَّل عليها.

والتفريط بجانب الصديق ليس بالأمر الهين؛ فلا ينبغي الإقدام عليه دون أن تقوم على قصده لقطع المودة بيّنةٌ واضحة؛ ذلك أن المرء لايخلو_وهو معرض للغفلة والخطأ_أن يُخِلَّ بشيء من واجبات الصداقة.

فإن كنت على ثقة من صفاء مودة صديقك_أقمت له من نفسك عذراً، وسرت في معاملته على أحسن ماتقتضيه الصداقة.

فإذا حام في قلبك شبهة أن يكون هذا الإخلال ناشئاً عن التهاون بحق الصداقة_فهذا موضع العتاب؛ فالعتاب يستدعي جواباً، فإن اشتمل الجواب على عذر أو اعتراف بالتقصير فاقبل العذر، وقابل التقصير بصفاء خاطر، وسماحة نفسٍ.

وعلى هذا الوجه يحمل قول الشاعر:

أعاتب ذا المودة من صديق

                   إذا مارابني منه اغترابُ

إذا ذهب العتابُ فليس ودٌّ

                   ويبقى الودُّ مابقي العتاب( )

ومما يدلك على أن صداقة صاحبك قد نبتت في صدرٍ سليم أن يجد في نفسه ما يدعوه إلى عتابك، حتى إذا لقيته بقلبك النقي، وجبينك الطلق_ذهب كل مافي نفسه، ولم يجد للعتاب داعياً، كما قال أحدهم:

أزور محمداً وإذا التقينا

                   تكلمتِ الضمائرُ في الصدور

فأرجع لَمْ ألُمْهُ ولم يلمني

                   وقد رضي الضميرُ عن الضميرِ( )

فإن أكثر صاحبك من الإجحاف في حق الصداقة، ولم تجد له في هذا الإجحاف الكثير عذراً يزيل من نفسك الارتياب في صدق مودته_فذلك موضع قول القائل:

أقْلِلْ عتابَ من اسْتَرَبْتَ بِوِدِّه

                   ليست تنال مودةٌ بعتاب( )

 28_التقصير في أدب الهاتف: ( )

فالهاتف في هذا العصر يعد أهم وسائل الاتصال الشفوية وأسرعها؛ فهو يعطي المتهاتفين فرصة الإيضاح بلا عناء، ولا مكاتبة؛ فكم في ذلك من توفيرٍ للجهد، والوقت، والمال، وتلبية المطلوب بأقصر وقت، ورفع مشقة الذهاب والإياب، بل والسفرِ لأمورٍ تقضى بواسطة الهاتف؛ فلله الحمد والمنَّة.

هذا وللهاتف آداب مطلوبة من الطرفين: المتَّصِلِ والمتَّصَل عليه، وإذا كان بعضها من جانب المتَّصِل آكد، لأنه هو الطالب، والطالب قريب من السائل، ففي موقفه ضعف، فليجبره بحسن الأدب.

وإن مما يلاحظ أن هناك تقصيراً كبيراً في أدب الهاتف، ومن مظاهر ذلك مايلي:

أ‌_ قلة المبالاة بصحة الرقم المطلوب:

فمن الناس من لايبالي بصحة الرقم الذي طلبه، مما يوقعه في الغلط، فيتسبب في إيقاظ نائم، أو إزعاج مريض، أو إشغال الآخرين، أو نحو ذلك.

ومن هنا كان واجباً على المتَّصِل ألا يتصل إلا بعد التأكد من معرفة الرقم، إما أن يكون مكتوباً أمامه، أو أن يكون متأكداً من حفظه في ذاكرته.

ثم إذا وضع إصبعه على الهاتف فَلْيُتْبِعْه بصره، فإن حصل خطأ فليتلطف بالاعتذار.

ب‌_     شدة الغضب حال الاتصال الخطأ:

فالبعض يشتد غضبه، ويرتفع صوته، ويبادر بالدعاء إذا اتصل عليه متصل فأخطأ الرقم.

وهذا لايحسن بالمرء؛ فيا أيها المتَّصَل عليه، لا تنفعل حينما يحصل شيء منذلك، بل تأنَّ، ولا تعجل باللوم والغضب، بل تلطّف بالقول؛ فإن كان المتصل غالطاً حقيقة فهو غير آثم، وقد أدخلت إليه السرور بلطفك، ولا سبيل لك عليه شرعاً.

وإن كان متعمداً فقد أحسنت في تلطفك، ولك الأجر وعليه الوزر.

ج‌_     قلة المراعاة لوقت الاتصال:

فإذا كان لك حاجةً في الاتصال فاذكر أن للناس أشغالاً وحاجاتٍ، ولهم أوقات طعام، وأوقات نوم وراحة.

فعليك تَحَرِّي الوقت المناسب، مراعياً ظروف العمل، وارتباطات أخيك، وما عليه من واجبات ومسؤوليات، ومراعياً مالدى أهل البيت من أوقات نوم، وراحة، وطعام.

ثم إذا اعتذر منك إلى وقت آخر فاقبل ذلك بانشراح صدر.

وإذا قيل انتظر، فانتظر وأنت مُنَعَّمُ البال، غير مُتَبَرِّمٍ.

وحكم مراعاة الاتصال هذا إنما هو في غير الأماكن المفتوحة على مدار ساعات الليل والنهار، كالفنادق، ودور التأجير للمسافرين، ومن في حكمهم.

د_الإطالة بالمكالمة بلا داعٍ:

والمقياس في ذلك أن لكل مقام مقالاً، ولكل مقال مقداراً؛ فاحذر الثرثرة، والإملال، والإطالة، والإثقال.

هـ_قلة الاعتداد بالسلام من المتَّصِل بدايةً ونهايةً:

فمن الناس من لا يأبه بالسلام حال الاتصال لا في البداية ولا النهاية، ومنهم من يستبدل تحية الإسلام_السلام عليكم_بغيرها من التحيات الأخرى، كأن يقول (صباح الخير، أو صباح النور) أو أن يقول (ألو) أو (كيف الحال)أو نحوها.

وفي هذا ابتعاد عن السنَّة، واستبدال للذي أدنى بالذي هو خير.

و_سكوت المتَّصِل إذا رفعت السمّاعة:

فمن المتَّصِلين من يسكت إذا رفعت السماعة حتى يتكلم المتَّصَلُ عليه، وفي هذا إخلال للأدب من عدة جهات:

منها: مخالفة السنة في بدء المستأذن والقادم بالسلام.

ومنها: أن المتصل هو الطالب فعليه المبادرة بالسلام.

ومنها: أن بعض من قلَّ أدبُهم يقصد الفحص والتَعَرُّف هل أنت موجود أو لا؟

فإذا رفعت السماعة وقلتَ: نعم، عرف المراد فوضعها.

ز_التعمية على المتَّصَل عليه:

وذلك بأن لايذكر المتَّصِل اسمه حال الاتصال، بحيث يعدل عن ذلك فإذا سئل عن اسمه قال: أنا، أو أنا صديقه، أو أنا جاره، أو نحو ذلك.

وماذا عليك أيها المتَّصِل أن تقول أنا فلان الفلاني، أو بما يُعَرِّّف شخصك عنده؟

ح‌_     خضوع المرأة بالقول حال المهاتفة، واسترسالها بالحديث مع الرجال:

قال الله_تعالى_: [فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً] (الأحزاب: 32).

هذا في حق نساء النبي " اللاتي هن أمهات المؤمنين_رضي الله عنهن_واللاتي لايطمع فيهن طامع، وهن في عهد النبوة.

فكيف بمن سواهن؟ إنَّ نَهْيَهُنَّ عن الخضوع من بابٍ أولى، فاتقين الله يانساء المؤمنين، وقلن قولاً معروفاً في الخير، أي بلا ترخيم ولا تمطيط، فلا تخاطب المرأةُ الأجانب كما تخاطب زوجها.

وإذا كان يحرم على المرأة ذلك_فإنه يحرم على الرجل سماعُ صوتها بتلذذ، ولو كان صوتها بقراءة القرآن.

وإذا شعرت المرأة بذلك حرم عليها الاستمرار في الكلام معه؛ لما يدعو إليه من الفتنة.

ط_إزعاج الناس بالأخبار الكاذبة:

فمن الناس من نضب ماء الحياء في وجهه، وقلَّ وقارُ الله في قلبه، فلا يبالي بما يقول، ولا يأنف من ترويع المسلمين.

فتجد هذا الصفيق يتصل ببعض البيوت ويقول_مثلاً_: لقد حصل على ابنكم حادث في السيارة فمات، أو هو الآن في حالة خطر أو نحو ذلك.

فما المتوقع أن تكون النتيجة لهذه الكذبة خصوصاً إذا سمع هذا الخبر أم أو زوجة؟

ألا فليتق الله من يقوم بذلك، وليحذر عقوبة الله العاجلة تنزل بساحته.

ي_تسجيل صوت المتكلم دون إذنه وعلمه:

فهذا ضرب من ضروب الخيانة، وإذا نشرت هذه المكالمة للآخرين فهي زيادة في التخون وهتك الأمانة.

ك_المعاكسات الهاتفية:

فمن السفلة من يتصل على البيوت مستغلاً غيبة الراعي؛ ليتخذها فرصة علّه يجد من يستدرجه إلى سفالته.

وهذا نوع من الخلوة أو سبيل إليها.

ومنهم من يستدرج بريئة في الكلام ثم يسجل صوتها ثم يتخذ ذلك ذريعةً لتهديدها وإسماع أقاربها صوتَها إن لم تستجب لمطالبه.

فهذه الأعمال وأمثالها حرام، وإثم، وجناح، وفاعلها حري بالعقوبة، فيُخشى عليه أن تنزل به عقوبة تلوث وجه كرامته.

فعلى رب الدار أن يبذل الأسباب، ويوفر الضمانات، لحماية محارمه من العابثين والسفهاء.

ومن هذه الأسباب أن يكون الهاتف في مكانه لا تغاب عنه الرقابة البيتية، مع منع تعدد أجهزة الهاتف، خاصة في غرف البنات والمراهقين، وأن ينظم الراعي مع أهل بيته من يتولى الرد على الهاتف، وآداب الرد، وعدم الاسترسال مع المتَّصِل، وهكذا مما لايخفى على محبي العفة والكرامة.

 29_التقصير في أدب الحوار:

 فالناس كثيراً مما يحتاجون إلى الحوار؛ ليصلوا من خلاله إلى نتيجة ما، سواء في المسائل العلمية، أو غيرها من الأمور التي تتفاوت في فهمها مدارك العقول.

والحوار المنهجي مفيد في إيصال الفكرة للآخرين، ومفيد في تدريب المحاور نفسه؛ إذ يرتقي بطريقته في التفكير والأداء، ويُدَرِّبه على كبح جماحه، وضبط نفسه ولسانه، ويقوي لديه ملكة المحاكمة والتفكير المتزن، مما يجعله مقبولاً بدرجة أكبر.( )

ثم إن الناس يصلون من خلال الحوار المنضبط إلى قناعات معينة، وتصورات صحيحة.

كما أنه سبب لاتساع آفاقهم، وتفتح مداركهم؛ ولهذا عني القرآن به عنايةً بالغة؛ فهو الطريق الأمثل للإقناع الذي ينبع من الأعماق.

إلا أن المتأمل في حوارات الناس يلحظ تقصيراً كبيراً في هذا الجانب.

وقبل الدخول في ذكر جوانب التقصير في أدب الحوار_يحسن أن يُفَرَّق بين الحوار والجدال تفريقاً يوضح مدلول كل منهما.

فهما يلتقيان في أنهما حديث أو مناقشة بين طرفين، لكنهما يفترقان بعد ذلك.

أما الجدال فو الأغلب اللددُ في الخصومة وما يتصل بذلك، ولكن في إطار التخاصم بالكلام؛ فالجدال، والمجادلة، والجدل كل ذلك ينحو منحى الخصومة ولو بمعنى العناد بالرأي، والتعصب له.

هذا وستتضح معالمه في الفقرة التالية.

وأما الحوار والمحاورة فهو مراجعة الحديث، ومداولة الكلام بين طرفين، ينتقل من الأول إلى الثاني، ثم يعود إلى الأول وهكذا، دون أن يكون بين هذين الطرفين ما يدل بالضرورة على وجوب الخصومة.

وأما الآن فإلى ذكر بعض الجوانب التي يُقصَّر فيها أدب الحوار.

أ‌_       قلة الإخلاص:

وذلك بأن يدخل المرء في حوار لايريد به وجه الله، ولا الوصول من خلاله إلى معرفة الحق.

وإنما يريد أن يظهر براعته، ويبرز مقدرته، ويبز أقرانه، وينتزع إعجاب الحاضرين.

قال الرافعي×: =متى وقع الخلاف بين اثنين، وكانت النية صادقة مخلصة_لم يكن اختلافهما إلا من تَنَوِّعِ الرأي، وانتهيا إلى الاتفاق بغلبة أقوى الرأيين، مامن ذلك بُدٌّ+.( )

وعن أحمد بن خالد الخلال قال: =سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ.

وعن الحسين الكرابيسي يقول: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحداً قط إلا أحببت أن يُوفَّق، ويُسدَّدَ، ويُعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ.

وما ناظرت أحداً إلا ولم أُبالِ بَيَّنْ الله الحق على لساني أو لسانه+.( )

ب‌_     الدخول في النيات:

وذلك بإلصاق التهم بالمُحَاوِر، وحمل كلامه على أسوأ المحامل، وأخذه بلازم قوله دون أن يتلزمه، أو أن يقول له: أنت لم تُرِد بما قلت وجه الله، أو نحو ذلك.

فهذا مما يفسد جوَّ الحوار، ويفقده مصداقيته وفائدته، ويخرجه إلى المهاترة والمسابَّة.

فيجمل بالمرء أن يحسن الظن بمن يحاوره، وأن لايدخل في نيته، وأن يحمل كلامه على أحسن المحامل ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

ج_الغضب:

فكثير من المحاورين إذا أبدا وجهة نظر قابله للأخذ والرد ثم عارضه صاحبه ولم يوافقه عليها_غضب لذلك أشد الغضب.

وهذا لايحسن بالمحاور، بل يحسن به أن يضبط نفسه، وألا يحمل الناس على ما يراه صواباً.

ج‌_     الهجر والصرم:

فكثيراً ما تَفْسُد ذاتُ البين بين المتحاورين عند الاختلاف في وجهات النظر.

حتى إن ذلك لَيَحْدثُ بين الزملاء والأصدقاء؛ فلربما أودى الخلاف بالصداقة، وذهب بالمودة والمحبة.

إن المحاورة والمناقشة تؤثر_في غالب الأحيان_على القلوب، وتكدر الخواطر؛ فتذكر ذلك جيداً وأنت تحاور، وتذكر قول الشاعر:

واختلافُ الرأيِ لايُفْ

                   سِدُ للودِّ قَضِيَّة

وقول الآخر:

في الرأي تضطغن العقو

                   ل وليس تضطغن الصدور

فليست المشكلة أن نختلف، وإنما هي أن لانعرف كيف نختلف، وليس الحل بألا نختلف أبداً؛ فهذا غير ممكن ولا متصور، وإنما هو أن لانصعِّدَ الخلاف، وألا نسعى إلى إذكائه، وأن نعرف كيف نختلف كما نعرف كيف نتفق، كما كان الصحابة_رضي الله عنهم_فهم خير الناس حال الوفاق، وحال الخلاف.

فمع أن الخلاف وقع بينهم في العديد من المسائل إلا أن قلوبهم كانت متوادَّةً، متحابة، متقاربة، متآلفة.

بل لقد كانوا مثالاً يحتذى، ونهجاً يقتفى حتى في حال الفتنة والقتال؛ فبرغم ماحصل بينهم من قتال وفتنة إلا أن منار العدل والتقوى كان قائماً فيهم؛ فلم يُكفِّرْ بعضهم بعضاً، ولم يُبدِّع بعضهم بعضا، بل كانوا يأخذون العلم من بعض، ويلتمسون المعاذير لبعض، بل كانوا يثنون على بعض ويَتَرَحَّمون على بعض.

هـ_إغفال الجوانب العاطفية:

فالجوانب العاطفية لها دور كبير في المحاورة وغيرها، فكثير من المحاورين يغفل هذا الجانب ولا يأبه به.

وهذا خلل يحسن بالمُحَاوِر أن يتجنبه؛ ففي بعض الأحيان قد لاينفع المنطق والبرهان، وإنما يجدي التودد والإحسان.

فحينئذٍ أَلْق عصا المنطق والبيان، واحمل راية الشفقة والحنان؛ حينها تَخْطِب الودَّ، وتستولي على الأمد.

فكثيراً ما تبدأ المناقشة أو المحاورة، وروح العداوة تسيطر على أحد الطرفين.

فإذا ما دفع الآخر بالتي هي أحسن انقلبت العداوة إلى مودة، والبغضة والوحشة إلى محبة وألفة.( )

فحري بالمحاور أن يكسب صاحبه، وأن يخطب ودَّه في كل مناسبة تسنح له؛ فيثني عليه إذا أجاد، ويسلِّم له إذا أصاب، ويرده إلى الصواب بلطف إذا هو أخطأ، ويذكر مزاياه في حضوره وغيبته، ويبادر بالهدية والزيارة إذا أحسن نفرة منه.

وهذه الأمور ليس بالسهل تحصيلها، ولا ليس بمقدور كل إنسان ينالها، بل تحتاج إلى توفيق، وتدريب، وصبر، وشجاعة [وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم] (فصلت: 35).

و_قلة الإنصاف:

فقلة الإنصاف خصلة قبيحة، تنساق بصاحبها إلى دركات سحيقة، فتقوده إلى الظلم، والكبر، والتزيد، والاعتساف، وتَنْجَرُّ به إلى الصرم، والخجر، والقطيعة.

قال الحكيم العربي:

ولم تزل قلةُ الإنصافِ قاطعةً

                   بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم

ثم إن قلة الإنصاف تسقط الاحترام من العيون والقلوب، وتحول بين الرجل وبين أن يزداد علماً وفضلاً، كما أنها تخذل العلم، وتطمس شيئاً من معالمه، كما أنها تفسد فيه فساداً عريضاً.

فإذا لم ينصفك محاورُك، فَرَدَّ عليك الحقَّ بالشمال وباليمين، أو جحد جانباً من فضلك، أو تعامى عما معك من الحق وهو يراه رأيَ العين_فلا تُسايرْهُ في ذلك، ولا تكن قلة إنصافِه ِحاملةً لك على أن تقابله بالعناد، فتردَّ عليه حقَّاً، أو تجحد له فضلاً، فاحترس من أن تسري لك من محاورك عدوى هذا الخلق الممقوت، فيلج في نفسك، وينشط له لسانك، وأنت تحسبه من قبيل محاربة الخصوم بمثل سلاحهم.

كلا، لايحارب الرجل خصومه بمثل اعتصامه بالفضيلة، ولاسيما فضيلة كفضيلة الإنصاف؛ فهي تدل على نفس مطمئنة، وأفق واسع، ونظر في العواقب بعيد.

ولئن كان الإنصاف جميلاً فهو مع الأقران أجمل وأجمل؛ ذلك أن الرجل يسهل عليه أن ينصف من هو أكبر منه سناً أكثر مما يسهل عليه أن ينصف قرينه؛ ذلك لأن أكبر عائق عن الإنصاف التحاسدُ.

وحسد الإنسان لأقرانه أكبر وأشد من حسده للمتقدمين عليه في السن.

بل يسهل عليه أن ينصف أقرانه أكثر مما يسهل عليه أن ينصف من هو أحدث سناً منه؛ إذ يسبق إلى ظنه أن ظهور مزيةٍ لمن هو أحدث عهداً منه قد تفضي إلى أن يكون ذِكْرُه أرفعَ.

وفضل القرينِ على بعض أقرانه شائع أكثر من فضل المتأخر على المتقدم، وشيوع الشيء يجعله أهون على النفس مما هو أقل شيوعاً منه.

عن عمر بن سعيد عن أمه قالت: =قدم ابن عمر مكة، فسألوه، فقال: أتجمعون لي يا أهل مكة المسائل وفيكم ابن أبي رباح_يعني عطاءً_+( )

فابن عمر÷كان صحابياً، وعطاء ابن أبي رباح×كان تابعياً، ومع ذلك أنصفه ابن عمر، ولم يغمطه حقه.

فينبغي للإنسان أن يتيقظ للأحوال التي تَتَقَوَّى فيها داعيةُ العناد، ويُعِدَّ للوقوف عند حدود الإنصاف، ومقاومة تلك الداعية ما استطاع من قوة.

كذلك لايصعب على الرجل أن ينصف قريباً أو صديقاً، بل لا يصعب عليه أن ينصف من لاتر بطه به قرابة، أو صداقة، ولا تبعده منه عداوة.

والإنصاف الذي قد يحتاج فيه إلى مراوضة النفس كثيراً أو قليلاً_هو أن يبديَ بعض أعدائه رأياً سديداً، أو يناقشة في رأي مناقشة صائبة؛ فهذا موطن تذكير النفس بأدب الإنصاف، وإنذارها ما يترتب على العناد من إثم وفساد.

ومن الإنصاف الذي يدل على الرسوخ في الفضيلة أن يتحدث الرجل عن خصمه، فينسب إليه ما يعرفه له من فضل.

أُنشد في مجلس أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب÷ قول الشاعر:

فتىً كان يدنيه الغنى من صديقه

                   إذا ما هو استغنى ويبعده الفقرُ

كأن الثريا عُلِّقتْ بجبينه

                   وفي خده الشِّعرى وفي الآخر البدرُ

فلما سمعها علي÷ قال: هذا طلحة بن عبيد الله، وكان السيف ليلتئد مجرداً بينهما!.( )

وإن مما يعين على اكتساب فضيلة الإنصاف_أن يحب المرء لإخوانه ما يحب لنفسه؛ فذلك أقرب للتقوى، وأنفى للوحشة والبغضاء، وأدعى للرحمة والمودة والقربى؛ =فأعدل السِّير أن تقيس الناس بنفسك، فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك+( ).

قال النبي_عليه الصلاة والسلام_: =لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه+.( )

قال الخطابي:

ارض للناس جميعاً

                   مثلَ ما ترضى لنفسكْ

إنما الناسُ جميعاً

                   كُلُّهُمْ أبناءُ جنسكْ

فلهم نفسٌ كنفسك

                   ولهم حسٌّ كَحِسِّكْ( )

ومما يعين على الإنصاف_أيضاً_أن يضع المرء نفسه موضع خصمه؛ فذلك مما يدعو لالتماس المعاذير، والبعد عن إساءة الظن، والحذر من مواطن الظلم والاعتساف.

قال ابن حزم×: =من أراد الإنصاف فَلْيَتَوَهَّّْمْ نَفْسَهُ مكانَ خصمه؛ فإنه يلوح له وجهُ تَعَسُّفِهِ+.( )

ز_التهكم بالمحاور:

وهذا مما يسلكه بعض الناس في محاوراته، فتراه يزدري مُحَاوِرَهُ، ويتهكم به، ويغضُّ من شأنه، ويحط من مرتبته.

وهذا الصنيع من آفات الحوار، وعلل المحاورين؛ فهو دليل على الكبر والغرور، ومن علامات الإعجاب بالنفس، والاستطالة على الآخرين.

فالتهكم بالمحاور مما ينافي أدب الحوار، فلا ينبغي للمحاور أن يلجأ إليه إلا إذا اقتضى الحال ذلك، كأن تتحدث مع طائفةٍ باعوا نفوسهم بمتاع هذه الحياة الدنيا، واندفعوا لإغواء الأمة، والكيد لها ولشريعتها بجميع ما يملكون من صفاقةٍ، وعناد، وسوء طَوِيَّة.

ولعل الناس يعذرونك حين تتصدى لكف بأس هؤلاء ويجري على لسانك أو قلمك في خلال جدالهم كلمةٌ تتهكم بعقولهم، أو تزدري آراءهم، أو تنبه على مكر انطوت عليه دعايتهم.

فإنك إن تهكمت بعقول هؤلاء، أو ازدريت آراءهم_فإنما تضعها في مواضعها، وتمسُّ خُيلاءهم بما يخفف من غلوائها.( )

ح_التحدي والإفحام:

فتلك آفة يعاني منها كثير من المحاورين، فتجد كثيراً منهم يحرص كل الحرص على إفحام صاحبه، وإسكاته، وربما الإطاحة به.

وهذا الأسلوب لاينبغي ولو كان بالحجة والبرهان؛ ذلك أنه يورث التنافر، ويهيج العداوة، ويُبَغِّضُ صاحبه للآخرين؛ فلا تلجأ إليه؛ لأن كسب القلوب أهم من كسب المواقف.

ثم إنك قد تفحم محاورك، وتعجزه عن الجواب، لكنك لا تقنعه.

وقد تسكته بقوة حجتك، ولحن منطقك ومع ذلك لايُسلِّم لك؛ لأنك قد أحرجته، وملأت قلبه غيظاً وحنقاً عليك، فيرفض التسليم لك بعاطفته، وإن كان معك بعقله.

ولعل وقع التحدي يكون أشد، وجرحه أغور_إذا كان أمام جمع من الناس، ويزداد الأمر شدة كلما ازداد الجمع.

أما إذا تلطفت معه وترفقت به فإنه سينقاد إلى الحق، وسيسلم لك ويذعن إن عاجلاً أو آجلاً.

فإذا أنهيت ما تريد قوله، وأدليت بدليلك فاترك صاحبك وإن لم يوافقك؛ فهو مع مرور الزمن، وتَخَمُّرِ الفكرة في رأسه سيقتنع برأيك، بل ربما تبناه، ودافع عنه؛ فالوقت له قيمته، وهو جزء من علاج الأفكار والنفوس.( )

ومع ذلك يبقى الإفحام هو الأسلوب الأمثل إذا استدعاه المقام، واقتضاه الحال، كما هو الشأن مع من يتعامى عن الحق، ويثير الشبه والأباطيل، فإفحامه مما يدحض حجته، ويكسر شوكته، ويسقط هيبته.

وكذلك فعل إبراهيم الخليل_عليه السلام_حينما حاجّه النمرود في رباه الذي آتاه الملك، فأفحمه الخليل وأسكته.

قال_تعالى_: [ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين] (البقرة: 258).

ط_تفخيم النفس:

فذلك مما يعاني منه كثير من المحاورين؛ فتراه يكثر من إدراج ضمير المتكلم(أنا)، أو ما يقوم مقامه كأن يقول: (في رأيي)، أو (حسب خبرتي)، أو(هذا ما توصلتُ إليه)، ونحو ذلك.

وأقبح ما في هذا أن يفخّم نفسه أكثر من ذلك، فيأتي بضمير الجمع كأن يقول: (هذا رأينا)، أو(هذا ترجيحنا)، أو(هذا ما توصلنا إليه)، أو نحو ذلك من العبارات الفَجَّة، التي تنم عن غرور ونقص.

فهذا كله مجلبة لتباعد الأنفس بعد تقاربها، ولتناكر الأرواح بعد تعارفها، وهو مما يفقد الحوار قيمته وفائدته؛ وذلك لما يتركه من انطباع سييء لدى السامع؛ فالإنسان بطبعه يكره من يتعالى عليه، وينزله منزلة الجاهل.

والبديل الصحيح عن ذلك أن يتحدث المرء مستعملاً الصيغ التي توحي بالتواضع، وعزو العلم لأصحابه، كأن يقول: ويبدو للدارس كذا وكذا، أو يقول: ولعل الصواب أن يقال كذا وكذا، ونحو ذلك من العبارات المشعرة بالتواضع، واهتضام النفس.( )

ي_تجاهل اسم المحاور:

كأن يقول المرء بين الفينة والأخرى لمحاوره: يافلان بغير اسمه تجاهلاً له، أو أن يناديه بلقب يكرهه.

ومن ذلك أن يكثر من إيراد ضمير المخاطب في مخاطبة محاوره كأن يقول: أنت، أو ما يشاكله كأن يقول: قلتَ، أو تكلمتَ، أو أخطأتَ، أو تعجلتَ، أو نحو ذلك.

فهذا مما ينافي الأدب، ويثير المحاور، ويجلب الضغائن.

فالأولى بالمرء أن لا يخاطب محاوره إلا باسمه مقروناً بتفخيمه وتبجيله، وإنزاله المنزلة اللائقة به، وإن كنَّاه أو ناداه بلقب يَسُرُّه فحسن جميل.( )

وهذا الأدب مقتبس من مثل قوله_تعالى_: [يا أهل الكتاب] ، وقول: [يا أولي الأبصار].

ويتأكد هذا الأدب في محاورة الصغير للكبير، والمرؤوس للرئيس ونحو ذلك.

ك_التنازل عن المبدأ الثابت:

فهناك من يحاور غيره، فيتنازل له عن مبادئه الثابتة عند أدنى شبهة تثار عليه.

وهذا من آفات الحوار، ومما يتنافى مع الحزم.

وليس معنى ذلك أن يصر المرء على لجاجه وعناده بعد أن يتبين له الحق، بل الحكمة والعدل أن يرجع عن رأيه وقوله إذا لاح له وجه الصواب.

وإنما المقصود أن يثبت على مبدئه، ولا يرجع عما عقد عليه قلبه إلا إذا تبين له خلاف ذلك بالبرهان الساطع، والدليل القاطع.

قال ابن حزم×: =الثبات الذي هو صحة العقد، والثبات الذي هو اللجاج مشتبهان اشتباهاً لا يفرق بينهما إلا عارف بكيفية الأخلاق.

والفرق بينهما أن اللجاج هو ما كان على الباطل، أو ما فعله الفاعل نصراً لما نشب فيه، وقد لاح له فساده، أو لم يَلُحْ له صوابه ولا فساده، وهذا مذموم، وضده الإنصاف.

وأما الثبات الذي هو صحة العقد فإنما يكون على الحق، أو على ما اعتقده المرء حقاً ما لم يَلُحْ له باطله، وهذا محمود، وضده الاضطراب.

وإنما يلام بعض هذين لأنه ضَيَّع تدبر ما ثبت عليه، وترك البحث عما التزم أحق هو أم باطل+.( )

وقال العقاد:

=العناد، والثبات على الرأي نقيضان؛ العناد إصرار بغير سبب، أو لسبب ظهر بطلانه.

والثبات إصرار على رأي يؤمن به صاحبه، ولم يظهر له ما يدعوه إلى التحول عنه+.( )

ل_الإصرار على الخطأ، والأنفة من الرجوع إلى الحق:

فكما أن من آفات الحوار تنازلَ المرءِ عن مبدئه الثابت_فكذلك من آفاته الإصرار على الخطأ والأنفة من الرجوع إلى الحق.

فمن المحاورين من يصر على رأيه بعدما تبين له فساده، ويأنف من الرجوع إلى الحق بعد ما تبين له وجه الحقيقة الأبلج؛ إما خوفاً من سقوط منزلته، وإما لحسدٍ تنطوي عليه دخيلة نفسه، أو حذراً من تفوق الخصم، وحرصاً على الانفراد بخصال الحمد، أو متابعة للأصحاب، ومسايرة لمن هم على الشاكلة، أو لإرادة الإضلال، ومحاولة قتل الحق وطمس معالمه، أو غير ذلك من أسباب رد الحق، و الإصرار على الباطل.

وهذه الآفة نوع من العناد =والعناد قبيح، ويشتد هذا القبح بمقدار ظهور الحجة على الرأي الذي تحاول رَدَّه على صاحبه؛ فمتى كانت الحجة أظهر كان العناد أقبح.

والإنصاف جميل، ويكون جماله أوضح وأجلى حيث يكون في حجة الرأي الصائب شيء من الخفاء، وحيث يمكنك أن تَتَحَيَّزَ لرأيك، وتُهَيِّءَ كثيراً من الأذهان لقبوله+.( )

كذلك قد تقول قولاً تراه صواباً، وقد تعمل عملاً تحسبه حسناً، فينقده آخرُ بميزان العلم الصحيح، ويريك أنك قد قلت خطأً، أو عملت سيئاً.

ففي مثل هذا المقام قد تجد في نفسك كراهةً للاعتراف بالخطأ في القول، أو الإساءة بالعمل.

فإن كنت على ذكر في فضيلة الرجوع للحق، وعلى بَيِّنَةٍ من قبح الإصرار على الباطل_لم تلبث أن تكظم الكراهة، ولم تجد في نفسك حرجاً من أن تقول للناس: إني أخطأت في قولي، وأسأت في عملي.

فالأكابر لا يأنفون من الاعتراف بالخطأ إذا أخطأوا، ولا يتَلبَّثُون في الرجوع إلى الحق ولو عظمت مناصبهم وعلت أقدارهم.

والراسخون في الفضيلة لا يبالون أن يكون رجوعهم عن الخطأ أمام من خالفه وحده، أو بمحضر جمع كبير.( )

=وقد ينقل التاريخ شذراتٍ من حوادث المنصفين لمن خالفهم في أمر، أو المعترفين لبعض خصومهم بفضيلة، فتهتز في نفوس قرائها عاطفةُ احترامٍ لمن أقر بالخطأ، أو اعترف لخصمه بخصلة حمد.

وربما كان إكبارهم لمن أقر بالخطأ فوق إكبارهم لمن خالفه في الرأي فأصاب.

وربما كان إكبارهم لمن شهد لخصمه بمكرمة فوق إكبارهم للشخص المشهود له بتلك المكرمة.

وسبب هذا الإكبار عظمةُ الإنصاف، وعزة من يأخذ نفسه بها في كل حال+.( )

ولو أخذت هذه الخصلة حظها من النفوس لعمّ الائتلاف، ولقلّ الاختلاف.

عن الربيع بن سليمان قال: =سمعت الشافعي يقول: ما أورَدْتُ الحقَّ والحجة على أحد فقبلهما مني إلا هِبْتُه، واعتقدت مَوَدّتَهُ، ولا كابرني على الحق أحد، ودافع الحجة إلا سقط من عيني+.( )

=ونقرأ في تاريخ العلامة محمد بن عبدالسلام أن ابن الصباغ اعترض عليه في أربعة عشر مسألة، فلم يدافع عن واحدة منها، بل أقر بالخطأ فيها جميعاً+.( )

=ويقص علينا التاريخ أن في الأساتذة من يحرص على أن يرتقي تلاميذه في العلم إلى الذروة، ولا يجد في نفسه حرجاً من أن يظهر عليه أحدهم في بحث، أو محاورة.

يذكرون أن العلامة أبا عبدالله الشريف التلمساني كان يحمل كلام الطلبة على أحسن وجوهه، ويبرزه في أحسن صوره.

ويروى أن أبا عبدالله_هذا_كان قد تجاذب مع أستاذه أبي زيد ابن الإمام الكلام في مسألة، وطال البحث اعتراضاً وجواباً حتى ظهر أبو عبدالله على أستاذه أبي زيد، فاعترف له الأستاذ بالإصابة، وأنشد مداعباً:

أعلمه الرماية كلّ يومٍ

                   فلما اشتد ساعدُه رماني+.( )

 م_قلة العلم بمادة الحوار:

فقد يحاور المرء بدون علم؛ فإن فعل ذلك عرّض نفسه للإحراج، بل ربما خذل الحق خصوصاً إذا كان الذي أمامه محاوراً بارعاً، فلربما أقنع السامعين بفكرة خاطئة، أو شكّكهم بفكرة صحيحة؛ فكم ضاع من حق بسبب سوء العبارة، وقلة العلم، وكم ظهر من باطل بسبب حسن العرض، وجمال العبارة.

في زخرف القول تزيينٌ لباطله

                   والحق قد يعتريه سوءُ تعبيرِ

فلا ينبغي لشخص أن يدخل في حوار إلا وقد أحاط به علماً؛ فالعلم بموضوع الحوار، والعلم بتفاصيله، والتسلح بالحجج والبراهين_سلاح ماضٍ بيد المحاور الناجح؛ إذ يمكنه من الوقوف على أرض ثابتة، وليس على رمال متحركة؛ فالمستيقن من الحق الذي معه تراه مطمئن الخاطر، آمناً على مذهبه من صولة الباطل؛ فينطق عن أناة وتَخَيُّرٍ للأقوال الصائبة.

والعرب تقول: =قبل الرمي يراشُ السهم+، أي هَيِّىءِ الأمر، وأَعِدّه قبل حاجتك إليه.( )

أما من لم يكن على بصيرة من رأيه فإنه ينزعج عند الحوار، ويطيش به الجدل، حتى يقذف بالسباب، ويلفظ بالكلام من قبل أن يقيم له وزناً.

والعرب تقول في أمثالها: =عند النطاح يُغْلَبُ الكبش الأجم+؛ لأنه فعل ذلك من غير عُدَّةٍ هَيَّأَها.( )

ثم إن حق الإعراض والتخطئة، والتصدي للمحاورة لا يَتَأَتَّى لجاهل في مواجهة عالم، بل ولا يقبل منه.

ومن لايعلم لا يصح له أن يتصدى لمن يعلم، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه.

ولا يلزم من لديه علم أن يدخل في كل حوار؛ بل ينبغي له أن لا يدخل حواراً إلا وهو عالم به؛ إذ أن مجرد علمه في الأصل لا يكفي.

وخير ما يستعين به المحاور عند إرادته الحوار في موضوعٍ ما_أن يجمع أطراف الموضوع، ويتصور جميع احتمالاته، ووجوهه، وأن يطلع على ما كتب فيه سواء من المؤيدين أو المعارضين، وأن يكون ذا نظرٍ ثاقبٍ، وخبرة عالية بظروف المكان والزمان، وتطورات العلوم والمعارف، وطبائع النفوس ونزواتها.

وكلما كان أحسن في عرض معلوماته وإثبات أفكاره_كلما كانت الاستجابة له أدعى وأكبر( ).

ن_إصدار الأحكام في مستهل الحوار:

فمن المحاورين من يكون على بَيِّنةٍ من أمره، وعلى علم بمادة حواره، ولكنه يتعجل النتائج، فيصدر أحكامه في بداية حديثه، ويجهر برأيه الصريح في مستهل حواره، وهذا مما قد يسبب ردّ كلامه، والاعتراض عليه، والنفور منه ولو كان الحق معه.

فمن الحكمة أن يتدرج المحاور في طرح أفكاره، ومن حسن السياسة أن لايجهر برأيه الصريح في صدر مقاله.

وإنما يبتدأ بما يخف على المخاطبين سماعه من المعاني الحائمة حول الغرض، ثم يعبر عن المراد بلفظ مجمل، ثم يدنو من إيضاحه شيئاً فشيئاً، حتى لا يفصح عنه إلا وقد أَلِفَتْهُ نفوسهم، وهدأت له خواطرُهم.

وعلى هذه الطريقة جرى مؤمنُ آلِ فرعونَ؛ فقد كان يكتم إيمانه وهو يحب أن يظهره، ويدعو قومه إلى مثله.

وكان يخشى بادرةَ غضبهم أو انتقامهم منه إذا هو صَرَّح بعقيدته.

وعندما أجمعوا على قتل موسى_عليه السلام_بادر هذا المؤمنُ الفرصةَ، واغتنم هذا الوقت، فقام ينكر عليهم هذه المؤامرة المخزية، وتَخَلَّصَ إلى أن دعاهم إلى الإيمان بما بُعث به هذا الرسول دعوة ظاهرة.

قال_تعالى_: [وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم] (غافر: 28).

فلقد فاتحهم بالإنكار على قتله، وهذا لايدل على أنه مُصَدِّقٌ برسالته؛ إذ قد ينهى العاقل عن سفك دم الرجل وهو من أبغض الناس إليه؛ تألماً من مشهد الظلم، أو حذراً مما ينشأ عنه فتنة.

ودل بقوله: [أن يقول ربي الله] على ما لهذا الرجل من فضل في العقيدة، وأدمأ إلى أنه لم يجيء شيئاً نكراً يستحق به هذه العقوبة الصارمة.

وذكّرهم إذ قال: =وقد جاءكم بالبينات من ربكم+بالدلائل القائمة على صدقه في دعوى هذه الرسالة، وأخذ يَتَقَرَّب بهذه الجملة من دعوتهم إلى ربه، ولم يرد التظاهر أنه من شيعته، فعزل نفسه عمن جاءهم بهذه البينات، وأضاف مجيئها إليهم خاصة، ثم استرسل في موعظته المنسوجة، ودعاهم إلى دين الحق بقوله الصريح كما قال_تعالى_عنه: [وياقوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار، تدعونني لأكفر بالله، وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار] (غافر: 41_42).

ولو أنه فاتحهم بهذه الدعوة الصريحة في بداية خطابه لربما ردوه، ولم يقبلوا منه شيئاً البتة.( )

س_قلة المراعاة لعامل الزمان والمكان:

وذلك بأن يكون الحوار في زمانٍ ضيّقٍ لايتسع للأخذ والرد، كأن يكون قبيل وقت صلاة، أو أن يكون أحدهما على جناح سفر، أو يكون مستعداً لنوم، أو نحو ذلك.

ومن ذلك أن يكون الحوار في مكان مليء بالناس؛ فذلك مدعاة للرياء، والعناد، والحرص على الغلبة، والإطاحة بالخصم.

والأولى أن يكون في مكانٍ محدد؛ فذلك أجمعُ للفكرة، وأدعى لقبول الحق، وأقرب لصفاء الذهن، وأسلم لحسن القصد.

ع_التشعُّب في الحوار، والخروج عن المضمون:

فهذا من آفات الحوار، ومما يفقده أهميته، ويقلل الفائدة المرجوة منه.

فينبغي للمتحاورين أن يكون كلاهما ملائماً للموضوع، ليس فيه خروج عما هما بصدده.( )

ف_محاورة ذي المهابة العظيمة:

فلا يحسن بالمرء أن يدخل حوار مع أهل المهابة العظيمة والاحترام الوافر؛ كيلا تدهشَه وتذهله جلالة محاوره عن القيام بحجته كما ينبغي.( )

أما إذا كان المرءُ رابط الجأش، ساكن النفس، عالماً متيقناً بأن مهابة محاوره لن تقصره عن الإبانة عما لديه_فلا بأس بالمحاورة حينئذ.

 30_الجدال والمراء والخصومة:

وهذا دأب كثير من الناس سواء في أحاديثهم ومنتدياتهم، أو في مطالباتهم وخصوماتهم، فتراهم يتجادلون ويتمارون عند كل صغيرة وكبيرة.

لا لجلب مصلحة، ولا لدرء مفسدة، ولا لهدف الوصول إلى الحق والأخذ به، وإنما رغبةً في اللدد والخصومة، وحبّاً في التشفي من الطرف الآخر.

ولهذا تجد الواحد من هؤلاء يُسَفِّه صاحبه، ويرذل رأيه، ويرد قوله.

فلا يمكن_والحالة هذه_أن يصل المتجادلون إلى نتيجة طالما أن الحق ليس رائدَهم ومقصودَهم.

وإذا الخصمان لم يهتديا

                   سُنَّةَ البحثِ عن الحق غبر( )

فالجدال والمراء على هذا النحو مجلبة للعداوة، ومدعاة للتعصب، ومطية لاتباع الهوى.

بل هو ذريعة للكذب، والقولِ على الله بغير علم خصوصاً إذا كان ذلك في مسائل الدين، وهذا أقبح شيء في هذا الباب.

قال الإمام النووي×: =مما يذم من الألفاظ المراء، والجدال، والخصومة.

قال الإمام أبو حامد الغزالي: المراء طعنك في كلام الغير لإظهار خلل فيه؛ لغير غرض سوى تحقير قائله، وإظهار مزيتك عليه.

قال: وأما الجدال فعبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها.

قال: وأما الخصومة فلجاج في الكلام؛ ليستوفي به مقصوده من مال أو غيره.

وتارة يكون ابتداءً، وتارة يكون اعتراضاً، والمراء لا يكون إلا اعتراضاً هذا كلام الغزالي+.( )

ثم قال الإمام النووي×: =واعلم أن الجدال قد يكون بحق، وقد يكون بباطل، قال الله_تعالى_: [ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن] (العنكبوت:46).

وقال_تعالى_: [ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا] (غافر: 4).

فإن كان الجدالُ الوقوفَ على الحق وتقريره كان محموداً، وإن كان في مدافعة الحق، أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً.

وعلى هذا التفصيل تنزيل النصوص الواردة في إباحته وذمه+( ).

ثم قال×: =قال بعضهم: ما رأيت شيئاً أذهب للدين، ولا أنقصَ للمروءة، ولا أضيع لِلَّذة، ولا أثقل للقلب من الخصومة.

فإن قلت لا بد للإنسان من الخصومة؛ لاستبقاء حقوقه_فالواجب ما أجاب به الإمام الغزالي أن الذم المتأكد إنما هو لمن خاصم بالباطل أو بغير علم، كوكيل القاضي؛ فإنه يتوكل في الخصومة قبل أن يعرف أن الحق في أي جانب هو فيخاصم بغير علم.

ويدخل في الذم_أيضاً_من يطلب حقه، لكنه لا يقتصر على قدر الحاجة، بل يظهر اللدد، والكذب؛ للإيذاء والتسليط على خصمه.

وكذلك من خلط بالخصومة كلمات تؤذي، وليس إليها حاجة في تحصيل حقه.

وكذلك من يحمله على الخصومة محضُ العناد؛ لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم.

وأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد أو إسراف، أو زيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء_ففعله هذا ليس حراماً.

ولكن الأولى تركه ماوجد إليه سبيلاً؛ لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر.

والخصومة تُوْغِرُ الصدر، وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما حتى يفرح كلُّ واحد منهما بمساءة الآخر، ويحزن بمسرته، ويطلق العنان بعرضه.

فمن خاصم فقد تعرض لهذه الآفات، وأقل ما فيه اشتغال القلب، حتى يكونَ في صلاتِه، وخاطرُه معلّق بالمحاجّة والخصومة، فلا يبقى حاله على الاستقامة.

والخصومة مبدأ الشر، وكذلك الجدال والمراء؛ فينبغي ألا يفتح عليه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها، وعند ذلك يحفظ لسانه وقلبه من آفات الخصومات+.( )

ولما كان هذا هو شأن الجدال والمراء والخصومة تجنب السلف ذلك، وحذروا منه، وورد عنهم آثار كثيرة فيه.

قال ابن عباس_رضي الله عنهما_: =كفى بك ظلماً ألا تزال مخاصماً، وكفى بك إثماً ألا تزال ممارياً+.( )

وقال ابن عباس لمعاوية_رضي الله عنهما_: =هل لك في المناظرة فيما زعمت أنك خاصمت فيه أصحابي؟.

قال: وما تصنع بذلك؟ أشْغَبُ بك وتشغب بي، فيبقى في قلبك ما لاينفعك، ويبقى في قلبي ما يضرك+.( )

وقال ابن أبي الزناد: =ما أقام الجدلُ شيئاً إلا كسره جدلٌ مثله+.( )

وقال الأوزاعي: =إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل+.( )

وقال الأصمعي: =سمعت أعرابياً يقول: من لاحى الرجال وماراهم قلَّتْ كرامته، ومن أكثر من شيء عُرِف به+.( )

وأخرج الآجُرِيُّ بسنده عن مسلم بن يسار×أنه قال: =إياكم والمراءَ؛ فإنه ساعةُ جهلِ العالم، وبها يبتغي الشيطان زلّته+.( )

وأخرج أن عمر بن عبدالعزيز× قال: =من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل+.( )

وقال عبدالله بن حسين بن علي_رضي الله عنهم_: =المراء رائد الغضب؛ فأخزى الله عقلاً يأتيك بالغضب+.( )

وقال محمد بن علي بن حسين _رضي الله عنهم_: =الخصومة تمحق الدين، وتنبت الشحناء في صدور الرجال+.( )

وقيل لعبدالله بن حسن بن حسين: =ما تقول في المراء؟.

قال: يفسد الصداقة القديمة، ويحل العقدة الوثيقة.

وأقل ما فيه أن يكون دريئة للمغالبة، والمغالبة أمتن أسباب القطيعة+.( )

وقال جعفر بن محمد×: =إياكم وهذه الخصوماتِ؛ فإنها تشغل القلب+.( )

وقال ثابت بن قرة×: =إياكم وهذه الخصومات، فإنها تحبط الأعمال+.( )

وقيل للحكم بن عتيبة الكوفي×: =ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء؟ قال: الخصومات+.( )

وما أجمل قول الشافعي×حين قال:

قالوا سكتَّ وقد خوصمتَ قلتُ لهم

                   إن الجوابَ لِبَابِ الشَّرِّ مفتاحُ

والصمت عن جاهلٍ أو أحمقٍ شرفٌ

                   وفيه أيضاً لصون العرض إصلاحُ

أما ترى الأسْدَ تُخشى وهي صامتةٌ

                   والكلب يُخسى لعمري وهو نباحُ( )

 31_حب المعارضة والمخالفة:

فمن الناس من هو محب للمعارضة، كَلِفٌ بالمخالفة، لا يوافق إخوانه على أمر، ولا يسلم لهم بشيء.

فإذا كان في قومٍ يتبادلون أطراف الحديث أشغلهم بكثرة شغبه واعتراضه.

وهذا المسلك ليس بسديد و لا رشيد؛ إذ المروءة تقتضي موافقةَ المرءِ إخوانَهُ إذا أصابوا، وتسديدهم برفق إذا أخطأوا، وأن يتوقف إذا لم يستبن له الصواب من الخطأ.

فالموافقة وقلة المعارضة تجلب المحبة، وتستديم الألفة، وكثرة المعارضة وقلة الموافقة تستدعي المباغضة، وتقود إلى العداوة.

قال الشافعي×:

أُحِبُّ من الإِخوان كلَّ مُواتي

                   وكلَّ غضيضِ الطَّرْفِ عن عثراتي

يوافقني في كلِّ أمرٍ أقولُه

                   ويحفظني حياً وبعد مماتي

فمن لي بهذا؟ ليت أني لقيته

                   لقاسمته مالي من الحسناتِ( )

وقال ابن حزم×: =إياك ومخالفةَ الجليس، ومعارضة أهل زمانك فيما لا يضرك في دنياك ولا في آخرتك وإن قل؛ فإنك تستفيد بذلك الأذى، والمنافرة، والعداوة.

وربما أدى ذلك إلى المطالبة والضرر العظيم دون منفعة أصلاً+.( )

وقال الخطابي×محذراً من هذا الأمر: =وقال بعضهم: إن من الناس من يولع بالخِلاف أبداً، حتى إنه يرى أن أفضل الأمور ألا يوافق أحداً، ولا يجامعه على رأي، ولا يواتيه على محبة.

ومن كان هذا عادتَه فإنه لايبصر الحق، ولا ينصره، ولا يعتقده ديناً ومذهباً.

إنما يتعصب لرأيه، وينتقم لنفسه، ويسعى في مرضاتها، حتى لو أنك رُمْتَ أن تَتَرَضَّاه، وتوخَّيتَ أن توافقه على الرأي الذي يدعوك إليه_تَعَمَّدَ لخلافك فيه، ولم يرض به حتى ينتقل إلى نقيض قوله الأول.

فإن عُدت في ذلك إلى وفاقه عاد فيه إلى خلافك.

قال أبو سليمان الخطابي: فمن كان بهذه الحال فعليك بمباعدته، والنِّفار عن قربه؛ فإن رضاه غايةٌ لا تدرك، ومدى شأوه لا تُلحق+.( )

ثم أورد×أمثلة لذلك، فقال: =أخبرني ابن التِّعْياني، قال: أخبرنا الزَّجاج، قال: كنا عند المبرِّد أبي العباس محمد، فوقف عليه رجل، فقال: أسألك عن مسألة في النحو؟.

قال: لا، فقال: أخطأت، فقال: ياهذا! كيف أكون مخطئاً أو مصيباً ولم أُجبْك عن المسألة بعدُ؟!.

فأقبل عليه أصحابه يُعَنِّفُونه، فقال لهم: خَلُّو سبيله، ولا تَعَرَّضوا له، أنا أخبركم بقصته؛ هذا رجل يحب الخلاف، وقد خرج من بيته وقصدني على أن يخالفني في كل شيء أقوله، ويخطِّئني فيه، فسبق لسانُه بما كان في ضميره+.( )

 32_بذاءة اللسان، والتفحش في القول:

فبذاءة اللسان، والتفحش في القول_من خوارم المروءة، ومن أمارات القِحَة والصفاقة؛ فالحياء في الكلام يتطلب من المسلم أن يُنزِّهَ لسانه من الفحش، وأن يُطَهِّره من البذاءة، وأن يُجِلَّه من ذكر العورات؛ فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابىء بمواقعها وآثارها.( )

والمروءة تحفظ لسان صاحبها من أن يلفظ مثلما يلفظ أهل الخلاعة من سفه القول.

وحذارِ من سَفَهٍ يشينك وصفُه

                   إن السفاهَ بذي المروءة زاري( )

=وعظماء الرجال يلتزمون في أحوالهم جميعاً ألا تبدر منهم لفظة نابية، ويتحرجون مع صنوف الخلق أن يكونوا سفهاء أو متطاولين+.( )

قال الإمام النووي×: =ومما ينهى عن الفحشُ، وبذاءة اللسان.

والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة و معروفة.

ومعناه: التعبير عن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة وإن كانت صحيحةً، والمتكلم بها صادقاً.

ويقع ذلك كثيراً في ألفاظ الوِقَاع ونحوها.

وينبغي أن يستعمل في ذلك الكناياتُ، ويعبر عنها بعبارة جميلة يفهم بها الغرض.

وبهذا جاء القرآن العزيز، والسنن الصحيحة المكرمة، قال الله_تعالى_: [وأُحِلَّ لكم ليلة الصيام الرفثُ إلى نسائكم] (البقرة: 187).

وقال_تعالى_: [وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض] (النساء: 21).

وقال_تعالى_: [وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن] (البقرة: 237)

والآيات، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة.

قال العلماء: فينبغي أن يُستعمل في هذا وما أشبهه من العبارات التي يستحيا من ذكرها بصريح اسمها_الكناياتُ المفهمةُ، فَيُكنَّى عن جماع المرأة بالإفضاء، والدخول، والمعاشرة، والوقاع، ونحوها+.( )

قال: =وكذلك يُكَنَّى عن البول والتغوّط بقضاء الحاجة، والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرح بالخراءة والبول ونحوهما.

وكذلك ذكر العيوب كالبرص، والبخر، والصنان، وغيرها يعبر عنها بعبارات جميلة، يفهم منها الغرض.

ويلحق بما ذكر من الأمثلة ما سواه+.( )

قال القاسمي: =وإياك وما يستقبح من الكلام؛ فإنه يُنَفِّر عنك الكرام، ويُوَثِّب عليك اللئام+.( )

وعن عبدالله بن مسعود÷قال: قال رسول الله": =ليس المؤمن بالطَّعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحش البذيء+.( )

وعن أنس÷قال: قال رسول الله": =ماكان الفحش في شيء إلا شانه، وماكان الحياء في شيء إلا زانه+.( )

ومما يدخل في فحش القول السبُّ، والشتم، واللعن.

ومما يدخل فيه_أيضاً_ماكان مستنكر الظاهر، وإن كان معناه سليماً بعد تدقيق النظر فيه.

وقال الماوردي×: =ومما يجري مجرى فحش القول وهُجْره في وجوب اجتنابه، ولزوم تنكبه_ماكان شنيع البديهة، مستنكر الظاهر، وإن كان عقب التأمل سليماً، وبعد الكشف والروية مستقيماً+.( )

ثم ساق أمثلة لذلك×.

ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا ينبغي التصريح بالعبارات القبيحة المستكرهة مالم تَدْعُ حاجةٌ_كما مر_.

أما إذا دعت الحاجة للتصريح بصريح الاسم فلا بأس بذلك، بل هو المتعين.

قال النووي بعد أن تحدث عن أنه ينبغي تجنب الفحش وبذاءة اللسان: =واعلم أن هذا كلَّه إذا لم تدعُ حاجةٌ إلى التصريح بصريح اسمه، فإن دعت الحاجة لغرض البيان والتعليم، وخيف أن المخاطب يفهم المجاز، أو يفهم غير المراد_صُرِّح حينئذٍ باسمه الصريح؛ ليحصل الإفهام الحقيقي.

وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من التصريح بمثل هذا؛ فإن ذلك محمول على الحاجة كما ذكرنا؛ فإن تحصيل الإفهام في هذا أولى من مراعاة مجرد الأدب، وبالله التوفيق+.( )

 33_التّقَعّرُ في الكلام:

التقعر أو التقعير في الكلام هو أن يتكلم المرء بأقصى قعر فمه؛ إظهاراً لفصاحته، وتميزه، وبراعته.

وذلك ممقوت مذموم؛ لما فيه من قصد التكلف البعيد عن الطبع، ولما يحويه من تتبع الوحشي الذي ينفر منه السمع، ولما يتضمنه من التشادق والتعمق والإغراق في القول.

قال الإمام النووي×: =ويكره التقعير في الكلام بالتشدق، وتكلف السجع، والتصنع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون، وزخارف القول.

فكل ذلك من التكلف المذموم، وكذلك تكلف السجع، وكذلك التحري في دقائق الإعراب، ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوام.

بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته لفظاً يفهمه صاحبه فهماً جلياً، ولا يستثقله+.( )

قال_عليه الصلاة والسلام_: =وإن أبغضكم إليَّ، وأبعدكم مني في الآخرة_أسوؤكم أخلاقاً الثرثارون، المتفيهقون، المتشدقون+( ).

وقال: =إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تَخَلَّلُ الباقرة( ) بلسانها+( ).

وليس معنى ذلك أن لايحرص المرء على حسن منطقه، ورشاقة لفظه، وجودة عبارته، فيلجأ إلى الألفاظ السوقية المبتذلة؛ فراراً من التكلف والتقعير بزعمه.

وإنما المقصود أن لايُغْرقَ في التكلف فيتعدى حدود الذوق.

وإلا فإن حسنَ المَنْطِقِ، وروعة البيان من مظاهر المروءة الصادقة، ومن أعظم الأسباب الداعية لقبول الحق.

ولهذا قيل: =كلما كان اللسان أبين كان أحمد+.( )

بل لقد=ذكر الله_تبارك وتعالى_جميل بلائه في تعليم البيان، وعظيم نعمته في تقويم اللسان فقال: [الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان] (الرحمن: 1_4).

وقال_تعالى_: [هذا بيان للناس] (آل عمران: 138).

ومدح القرآن بالبيان والإفصاح، وبحسن التفصيل والإيضاح، وبجودة الإفهام وحكمة الإبلاغ، وسماه فرقاناً، كما سماه قرآناً+.( )

ولهذا يحسن بالخطيب والواعظ أن يُهَذِّب ألفاظه، وأن يُجَمِّل كلامه؛ ليقع موقعه في القلوب، فهذا لا يدخل في المذموم بشرط أن لا يتَقَصَّد حوشي الكلام، ولا يتعمد التقعير، ولا يتكلف تكلفاً يخرجه عن طوره.

قال الغزالي×: =ولا يدخل في هذه( ) تحسينُ ألفاظ الخطابة والتذكير من غير إفراط ولا إغراب؛ فإن المقصود منها تحريك القلوب، وتشويقها، وقبضها، وبسطها؛ فلرشاقة اللفظ تأثير فيه؛ فهو لائق به.

فأما المحاورات التي تُجْرى لقضاء الحاجات فلا يليق بها السجع، والتشدق.

والاشتغالُ به من التكلف المذموم، ولا باعث عليه إلا الرياء، وإظهار الفصاحة، والتميز بالبراعة، وكل ذلك مذموم يكرهه الشرع، ويزجر عنه+.( )

قال إبراهيم بن المهدي لعبدالله بن صاعد كاتبه: =إياك وتَتَبُّعَ الوحشي من الكلام؛ طمعاً في نيل البلاغة؛ فإن ذلك هو العيُّ الأكبر؛ عليك بما سهل مع تَجَنُّبِكَ ألفاظَ السفل+( ).

وبالجملة فليحرص المرء على تجنب السوقي القريب، والوحشي الغريب، حتى يكون كلامه حالاً بين حالين، كما قال بعض الشعراء:

عليك بأوساط الأمور؛ فإنها

                   نجاةٌ ولا تركب ذلولاً ولا صعباً( )

 قال أبو هلال العسكري: =وأجود الكلام ما يكون جزلاً سهلاً، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدوداً مستكرهاً، ومُتوعراً مُتَقَعِّراً، ويكون بريئاً من الغثاثة، عارياً من الرثاثة.

والكلام إذا كان لفظه غَثَّاً، ومعرضه رثاً كان مردوداً ولو احتوى على أجلِّ معنىً وأنبله وأرفعه وأفضله+.( )

ومن هنا يتبين لنا أن المذموم من الكلام إنما هو ما كان متكلفاً ومشتملاً على التقعير.

أما حسن المنطق وجمال العبارة، ورشاقة الألفاظ فمحمود مرغوب فيه، خصوصاً إذا كان في بيان الحق.

نظر معاوية إلى ابن عباس _ رضي الله عنهما _ فأتبعه بصره، ثم قال متمثلاً:

إذا قال لم يترك مقالاً لقائلٍ

                   مصيب ولم يَثْنِ اللسان على هُجْرِ

يُصَرِّف بالقول اللسان إذا انتحى

                   وينظر في أعطافه نظرَ الصَّقْرِ( )

 ولحسان بن ثابت في ابن عباس_رضي الله عنهما_:

إذا قال لم يترك مقالاً لقائلٍ

                   بمنطلقات لا ترى بينها فصلا

شفى وكفى ما في النفوس فلم يدع

                   لذي إرْبِةٍ في القول جداً ولا هزلا( )

قال ابن عبدالبر×: =ومن أحسن ما قيل في مدح البلاغة من النظم_قول حسان بن ثابت في ابن عباس:

صموتٌ إذا ما الصمت زيَّنَ أهله

                   وفَتَّاقُ أبكارِ الكلام المخَتَّمِ

وعى ما وعى القرآن من كلِّ حكمةٍ

                   ونِيطت له الآداب باللحم والدمِ( )

 34_الخوض فيما لا طائل تحته:

فأكثر الناس لايكاد ينقطع لهم كلام، ولا تهدأ لألسنتهم حركة، فإذا ذهبت تحصي ما قالوا وجدت جلَّه لغواً ضائعاً، أو هذراً ضاراً، لا يقدم ولا يؤخر، ولا يسمن ولا يغني من جوع، بل هو إلى الضرر أقرب منه إلى النفع.

فما القضايا التي تطرح، وما الموضوعات التي تطرق؟.

إنك لو أجَلْتَ النظر في مجالس الناس، وأصخت السمع لأحاديثهم_لوجدت أن جُلَّ حديثهم واهتمامهم إنما هو بطرح قضايا باردة، أو بطرق موضوعات تافهة، تَنِمُّ عن همم دانية، وعقول خاوية، ولا تَخْطِبُ المعالي، ولا تنشد الكمالات، بل تدور حول الصغائر والسفاسف والمحقِّرات.

فتارة يتحدثون عن الرياضة ومن فاز، ومن هُزِم، ومن أُصيب من اللاعبين ومن شُفي؟.

وتارة عن الفن وأخبار أهله، وقراءة مذكراتهم، ومتابعة آخر أعمالهم.

وإن سَمَتْ تلك المجالس قليلاً أغرقت بالحديث عن حطام الدنيا، وعن المصالح الخاصة فحسب.

وإلا مُلئت بِتَسَقُّط الأخبار، وتتبع العيوب، ونحو ذلك.

فما لهذا رُكِّبت الألسنة في الأفواه، ولا بهذا تُقدَّر نعمة اللسان وموهبة البيان.

لقد أنعم الله على الإنسان بتلك النعمة، وكَرَّمه بها على سائر المخلوقات.

وعلى قدر جلال النعمة يعظم حقُّها، ويستوجب شُكْرُها، ويستنكر كنودها.( )

ولقد بين الإسلام كيف يستفيد الناس من هذه النعمة المسداة، وكيف يجعلون كلامهم الذي يتردد على الألسنة طريقاً إلى الخير المنشود، بدلاً من شغله بما لا ينفع أو ربما ضر.

قال الله_تعالى_: [لا خير في كثيرٍ من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً] (النساء: 114).

فأولى ثم أولى لتلك المجالس أن تشغل بما ينفع، ولتلك الألسنة أن تلهج بما يعود على أصحابها بالفائدة، وذلك بالتواصي بالبر والتقوى، وبالأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، أو بالحديث عن مسائل العلم التي يُصَحِّحَ بها الإنسان عقيدته وعمله، أو بالحديث عن أخبار المسلمين في أنحاء المعمورة، وبيان ما يصيبهم من البأساء واللأواء؛ حتى تنبعث القلوب للتعاطف معهم، وبذل ما يستطاع من مال، أو دعاء، أو نحو ذلك مما يعود بالفائدة في الدنيا والآخرة.

أو أن تشتمل على أخبار الكرام، والشجعان، وذوي المروءات، ونحو ذلك مما يجمع إلى جانب المتعةِ الفائدةَ.

قال المهلب: =خير المجالس ما بَعُدَ فيه مدى الطَّرفْ، وكثرت فيه فائدةُ الجليس+.( )

 35_كثرة التلاوم:

وهذا دأب كثير من الناس، فتراهم في اجتماعاتهم، ومنتدياتهم، وأحاديثهم_يقضون الساعاتِ الطوالَ في التلاوم، وذم الأوضاع، وانتقاد الآخرين، والتشدق بمعالي الأمور دون سعي لها.

قال العلامة محمد الخضر حسين×: =فإذا رأيت قوماً يذكرون في صبحهم ومسائهم شيئاً من معالي الأمور، ولم تَرَهُم يسعون له سعيه، ولا يتقدمون إليه بخطوة_فاعلم أن العزم لم يأخذ من قلوبهم مأخذه، فهم إما أن يكونوا عن حقيقته وشرف غايته غائبين، وإما أنهم ضلوا طريقه وما كانوا مهتدين+.( )

وإذا كان الأمر كذلك فإن تحقيق الأماني، وبلوغ الغايات لا ينال بكثرة التلاوم، ولا باجترار الأحزان على الماضي، والندم على مافات؛ فهذا ضرب من البطالة.

وإنما يكون بالجد، والعمل، وترك التواني والكسل، واغتنام كل فرصة يُتَقدم بها نحو الأمام خطوة، فهذا آية الكيس، وعنوان الحزم.

 36_كثرة الشكوى إلى الناس:

فما أكثر ما يرى مَنْ ديدنُهُ وهجيراه الشكوى إلى الناس، وكثرة التسخط.

فلا يعجبه أحد، ولا يروقه شيء.

فإذا ما جلس مجلساً بثَّ شكاته إلى جُلاَّسه، وآذاهم بكثرة اعتراضه وتسخطه.

فتراه يشكو فقره، وأولاده، وزوجته، ودابته، ومزرعته، وعمله، ومديره، ومن تحت يده، وربما شكى الحر والقر وهكذا...

فهذا الصنيع دليل على ضعة النفس، وسقوط الهمة، وقلة التحمل.

ثم إنه مدعاة لكراهية الناس لذلك الشخص، وتكذيبهم لحديثه، بل ربما أظهروا له الشماتة، وفرحوا بمصابه.

ثم إنه هذا العمل يُسَوِّغ للمرء إخفاقه، وعجزه، وكسله، فلا يسعى لتكميل نفسه، وإصلاحِ عيوبه.

فاللائق بالمسلم العاقل أن يخزن عليه لسانه، وأن يتحلى بالصبر الجميل، الذي لا جزع فيه ولا شكوى، وألا يشكو إلا إلى ربه، وألا ينزل حاجاته إلا ببابه؛ فالناس لايملكون له ضراً ولا نفعاً.

ولهذا =رأى بعض السلف رجلاً يشكو إلى رجل فاقته وضرورته_فقال: يا هذا، والله مازدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك+.( )

وإذا شكوتَ إلى ابنِ آدمَ إنَّما

                   تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يرحمُ

 37_كثرة الحديث عن النساء:

وليس المقصود ههنا ما يدور في مجال الخنا، والفسق، والفجور من تشبيب، ومجون، وخلاعة سافرة؛ فلهؤلاء حديث آخر.

وإنما المقصود في هذا المقام ما يدور في بعض المجالس العامة، وربما كان ذلك في بعض مجالس الفضلاء ممن يتوسم فيهم الخير، والديانة، والمروءة.

فتجد أن تلك المجالس تعمر بذكر النساء، ويُكْثِرُ مرتادوها من الحديث عنهن.

وربما كانت تلك المجالس ميداناً للتنافس، والتفاخر، والتحدي؛ فهذا يفاخر بأنه قد عدَّد، وهذا يتحدى صاحبه بأن يتزوج بثانية، وهذا يزري بالآخرين؛ لاقتصارهم على واحدة.

بل ربما تمادى بهم الأمر، فتعمقوا في ذكر النساء، وأغرقوا في وصف محاسنهن، وأصبح ذلك دَأْبَهُمْ وديدنهم، بل ربما كان ذلك بحضرة الصبيان والسفهاء.

قال الأحنف بن قيس×: =جنِّبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام؛ إني أبغض الرجل يكون وصَّافاً لفرجه وبطنه+.( )

وليس المقصود من هذا أن يمنع الحديث عن النساء بإطلاق، ولا أن يُثَرَّبَ على من يلم بالحديث عنهن لماماً، وفي أحايين متفرقة، وأوقات مناسبة.

وإنما المقصود ألا يكون ذلك سمة في المرء، وديدناً وعادةً له، يتحدث به عند كل أحد، بمناسبة وبغير مناسبة؛ فكمال المروءة ألا يكثر المرء من الحديث عن النساء على نحو ما سبق؛ لأن في كثرة الحديث عنهن خدشاً للمروءة، وإسقاطاً للهيبة، وإضاعة للوقت، واشتغالاً عما هو أولى وأحرى.

 38_كثرة الهزل:

فهناك من الناس من يغلب عليه طابع الهزل، فلا يعرف للجد سبيلاً، ولا لمعالي الأمور طريقاً.

فإذا جلس مجلساً أضفى عليه ما أضفى من هزله، وتخاذله، ورخاوته، وملأه بهزئه، وسخريته، وكلامه السمج الذي يسمونه=التنكيت+الخارج عن حدود الأدب واللياقة؛ فإن هؤلاء المُنَكِّتين ينالهم الذل والصغار، واحتقار العقلاء لهم، فيكبرون وهم الأصغرون.( )

وليس معنى ذلك أن ينقبض المرء في مجلسه، وأن يثقل على من حوله_بقدر ما هي دعوة لتخليص تلك المجالس من أن تتمحض للهزل.

ومن أمثال العرب السائرة قولهم: =الانقباض عن الناس مَكْسَبةٌ للعداوة، والإفراط في الأنس مكسبة لقرناء السوء+.( )

 39_كثرة المزاح:

وهذا الأمر قريب من سابقه، فبعض الناس يغلب عليه كثرة المزاح، وربما أسفَّ فيه، ومزح مع من لايرغب في المزاح.

وهذا الأمر لاينبغي؛ فالمزاح يسقط الهيبة، ويخل بالمروءة، ويُجَرِّىءُ السفهاء، ويستجلب العداوات.

قيل في بعض منثور الحكم: =المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النارُ الحطب+.( )

وقال بعض الحكماء: =من كثر مزاحُه زالت هيبتُه+.( )

وقال الإمام ابن عبدالبر×: =وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح؛ لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض، واستجلاب الضغائن، وإفساد الإخاء+.( )

وقال ميمون بن مهران: =إذا كان المزاح أمام الكلام فآخره الشتم واللطام+.( )

وقال أبو هفان:

مازِحْ صديقَك ما أحبَّ مزاحاً

                   وتوقَّ منه في المزاح جِماحَا

فلربما مزح الصديقُ بمزحةٍ

                   كانت لبابِ عداوةٍ مفتاحا( )

 وقال ابن وكيع:

لاتمزحنَّ فإن مزحت فلا يكن

                   مزحاً تضافُ به إلى سوء الأدب

واحذر ممازحةً تعود عداوةً

                   إن المزاحَ على مقدمة الغضب( )

 ولأبي جعفر محمد بن جرير الطبري:

لي صاحبٌ ليس يخلو

                   لسانُه عن جراح

يجيد تمزيقَ عرضي

                   على سبيل المزاحي( )

وقال مسعر بن كدام الهلالي يوصي ابنه كداماً:

إني مَنَحْتُكَ ياكدامُ نصيحتي

                   فاسمع لقول أبٍ عليك شفيقِ

أما المزاحةُ والمراءُ فَدَعْهُما

                   خُلُقَانِ لا أرضاهما لصديقِ

إني بلوتُهما فلم أحَمدْهما

                   لمجاورٍ جارٍ ولا لصديقِ

والجهل يزري بالفتى في قومه

                   وعروقُه في الناس أي عروق( )

وقال محمد الخضر حسين: =والمروء تنادي صاحبها أن يسود مجلسه الجد والحكمة، وأن لا يلم بالمزاح إلا إلماماً مؤنساً في أحوال نادرة.

ووجه ذلك أن الذي يسرف في المزاح يكثر منه الوقوع في لغو الحديث، ولا يخلو أن تصدر منه كلمات تؤذي بعض جلسائه.

وكمال الإنسانية لا يلتقي بلغو الحديث، أو إيذاء بعض الإخوان في مجلس+.( )

والمقصود أن المزاح لا ينبغي الإكثار منه، ولا الإسفاف فيه.

أما ماعدا ذلك فيحسن؛ لما فيه من إيناس الجليس، وإزالة الوحشة، ونفي السآمة.

وإنما المزاح في الكلام كالملح في الطعام إن عُدِمَ أو زاد على الحد فهو مذموم.

أَفِدْ طَبْعَكَ المكدودَ بالجد راحةً

                   يَجِمَّ وعَلِّلْه بشيء من المزحِ

ولكن إذا أعطيتَه المزحَ فليكن

                   بمقدار ماتعطي الطعامَ من الملحِ( )

 40_كثرة الحلف:

فمن الناس من يجري الحلف على لسانه كثيراً بمناسبة وبدون مناسبة.

فإذا تحدث إلى أحد بحديث أكثر من الحلف، ولو لم يطلب منه ذلك.

وإنما يحلف لجريان ذلك على لسانه، أو لأنه يريد تأكيد كلامه؛ ليجد قبولاً في قلوب السامعين.

وربما كانت تلك الحلفةُ حِلفةَ فاجرٍ لا يبر فيها ولا يصدق.

فينبغي للمسلم أن يتجنب كثرة الحلف ولو كان صادقاً؛ ذلك أن كثرة الحلف تدل على قلة وقار الله في قلب العبد.

قال_تعالى_: [واحفظوا أيمانكم] (المائدة: 89).

فحفظ اليمين، وقلة الحلف دليل على تعظيم الله_عز وجل_.

بل إن ذلك من مقومات المروءة، ومما يتمدح به حتى عند أهل الجاهلية.

قال أحد الشعراء يمدح رجلاً:

قليل الألايا حافظٌ ليمينه

                   وإن بدرت من الأليَّةُ بَرَّتِ

والألايا جمع أليَّة، والأليَّةُ بالتشديد هي اليمين.

=وقال بكار السيريني: صحبت ابن عون دهراً فما سمعته حالفاً على يمين بَرَّةٍ ولا فاجرة+.( )

أما إذا احتاج المسلم إلى اليمين أو طلبت منه_فلا بأس في ذلك.

 41_تتبع عثرات الجليس:

فهناك من إذا جلس إليه أحد من الناس، ثم شرع في حديث ما_بدأ بتتبع عثراته، وتصيد زلاته؛ فما أن ينبس المتحدث بكلمة عوراء أو نحوها_إلا ويحفظها، ويتروَّاها، ويُذكِّره بها بين الفينة والأخرى.

ومن هنا تجد أن الناس ينفرون من ذلك الشخص، ويتحفّظون من الكلام معه في أي أمر.

وليس ذلك الفعل من المروءة في شيء، بل المروءة تقتضي أن يتعامى المرء عن عيوب جليسه، وأن يتغاضى عما يصدر منه من خطل أو زلل؛ ليحفظ على جليسه كرامته وعزته.

ثم إن رأى منه أمراً يستوجب التنبيه نبهه بلطف وأدب دون أن يخدش كرامته.

قال بعضهم يمدح قوماً:

وأحلامُ عادٍ لا يخاف جليسُهم

                   إذا نطق العوراءَ غربُ لسان

إذا حُدِّثوا لم يخش سوءُ استماعهم

                   وإن حَدَّثوا أدَّوا بحسن بيان( )

وقال آخر:

جليسٌ لي أخا ثقةٍ

                   كأن حديثه خبره

يَسُرُّكَ حسنُ ظاهرهِ

                   وتحمد منه مختصره

ويستر عيبَ صاحبه

                   ويستر أنه ستره( )

 42_إظهار الملالة من الجليس:

فهناك من الناس من هو ضَيِّقُ الطعن، كثير الملامة، فإذا ما جلس إليه أحد أظهر الانقباض، وأبدى الضجر، ولم يتحدث إلى جليسه إلا على سبيل الاختصار.

وإذا أقبل إليه أحد، وتَقَصَّده ليجالسه_لم يَتَطَلَّقْ له، ولم يفرح بمقدمه، بل ربما قابله بالإشاحة والصدود، وبالاكفهرار والعبوس.

وهذا الخلق مما يتنافى مع المروءة؛ إذ المروءة وكمال الأدب يقتضيان أن يتطلّق المرء لجليسه، وأن يظهر له الفرح، وأن يلاطفه بحسن الحديث، ويشكره على تفضله ومجيئه؛ فلجليسك ومن يَتَقَصَّدك حق ومكانة.

وكرامُ الناس وساداتهم يقضون هذا الحق، ويكرمون جليسهم ومن يقصدهم حق التكرمة، فيرفعون من قدره، ويعلون منزلته، ولا يرضون أن يهان أو ينال بمكروه مادام في حضرتهم.

=والعرب تجعل الحديث، والبسط، والتأنيس، والتلقي بالبِشْر_من حقوق القِرى، ومن تمام الإكرام.

وقالوا: من تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المؤاكلة+.( )

قال حاتم الطائي:

سلي الجائعَ الغرثان يا أمَّ منذرٍ

                   إذا ما أتاني بين ناري ومجزري

هَلَ ابْسط وجهي إنه أَوَّلُّ القِرى

                   وأبذل معروفي له دون منكري( )

وقال مسكين الدارمي:

لحافي لحافُ الضيف والبيتُ بيتُه

                   ولم يلهني عنه غزالٌ مُقَنَّع( )

أحدّثه إن الحديث من القِرى

                   وتعلم نفسي أنه سوف يهجع( )

وقال الآخر:

وإني لطلقُ الوجهِ للمبتغي القِرى

                   وإن فنائي للقِرى لرحيبُ

أضاحك ضيفي قبل إنزالِ رحلهِ

                   فيخصب عندي والمكان جديبُ

وما الخصبُ للأضيافِ أن يكثر القِرى

                   ولكنما وجهُ الكريمِ خصيبُ( )

وقيل للأوزاعي×: =ما إكرام الضيف؟

قال: طلاقة الوجه، وطيب الكلام+.( )

وقال ابن عباس_رضي الله عنهما_:

=أَعَزُّ الناسِ عليَّ جليسي، الذي يتخطّى الناس إليَّ، أما والله إن الذباب يقع عليه فيشق عليَّ!+.( )

=وعن ابن عباس أنه سئل: من أكرم الناس عليك؟.

قال: جليسي حتى يفارقني+.( )

=وقال معاوية÷لعرابةَ الأوسيِّ: بم استحققت أن يقول فيك الشماخ:

رأيت عُرَابَةَ الأوسيَّ يسمو

                   إلى الخيرات مُنْقَطِعَ القرينِ

إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ

                   تَلَقَّاها عُرابةُ باليمينِ

فقال عرابةُ: هذا من غيري أولى بك يا أميرَ المؤمنين.

فقال: عزمت عليك لتخبرني.

فقال: بإكرامي جليسي، ومحاماتي على صديقي.

فقال: إذاً استحققت+.( )

وقال الأحنف: =لو جلست إلى مائة لأحببت أن ألتمس رضى كل واحدٍ منهم+.( )

=وكان القعقاع بن شور إذا جالسه رجل، فعرفه بالقصد إليه_جعل له نصيباً من ماله، وأعانه على عدوه، وشفع له في حاجته، وغدا إليه بعد المجالسة شاكراً+.( )

ولقد كان رسول الله"أكرم الناس لجلسائه، فقد كان يعطي كل واحد من جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه.( )

 43_تكليف الرّجُلِ جُلاّسَه بخدمته:

فبعض الناس إذا زاره أحد فجلس إليه_أخذ يأمره، وينهاه، ويكلفه ببعض الأعمال.

وهذا الصنيع ليس من المروءة في شيء؛ إذ المروءة تقتضي القيام بخدمة الزائر، والمبالغة في إكرامه.

قال المقنع الكندي:

وإني لعبدُ الضيفِ ما دام نازلاً

                   وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا( )

وقال ابن حبان: =ومن إكرام الضيف طيب الكلام، وطلاقة الوجه، والخدمة بالنفس؛ فإنه لا يذل من خدم أضيافه، كما لا يعز من استخدمهم، أو طلب لقراه أجراً+.( )

= ومن الاحتفاظ بالمروءة أن يتجنَّب الرجل تكليف زائريه ولو بعملٍ خفيف، كأن يكون بالقرب من الزائر كتاب فيطلب منه مناولته إياه، أو أن يكون بجانبه الزر الكهربائي فيشير إليه بالضغط عليه؛ لإنارة المنزل+.( )

أو أن يأمره بإدارة أقداح الشاي على الضيوف، أو نحو ذلك.

=قال عبدالله بن عمر بن عبدالعزيز: قال لي رجاء بن حيوة: ما رأيت رجلاً أكمل أدباً، ولا أجمل عشرةً من أبيك؛ وذلك أني سهرت معه ليلة، فبينما نحن نتحدث إذ غشي المصباح، وقد نام الغلام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، قد غشي المصباح، أفنوقظ الغلام؛ ليصلح المصباح؟.

فقال: لاتفعل.

فقلت: أفتأذن لي أن أصلحه؟.

فقال: لا، لأنه ليس من المروءة أن يستخدم الإنسان ضيفه، ثم قام هو بنفسه، وحط رداءه عن منكبيه، وأتى إلى المصباح فأصلحه، وجعل فيه الزيت، وأشخص الفتيل، ثم رجع وأخذ رداءه، وجلس، ثم قال: قمت وأنا عمر بن عبدالعزيز، وجلست وأنا عمر بن عبدالعزيز+.( )

أما إذا قام الزائر وتكرّم بخدمة مزوره فلا بأس في ذلك، خصوصاً إذا كان المزور له حق، أو كان من أهل الفضل والعلم والتقى.

 44_تناجي الاثنين دون الواحد:

فليس من الأدب إذا ضم مجلس ثلاثة أن يتهامس اثنان دون الثالث؛ لأن ذلك يحزنه، ويوحشه، ويجرح شعوره، ويصيبه بالضيق من جَرَّاء جلوسه ساكتاً وحده.

وقد تخالجه الرِّيَبُ، وتساوره الظنون، فيظن أنهما ينهشان في عرضه، أو يحطان من قدره، أو يكيدان له مكيدة، فيقوم من المجلس مُوْغَرَ الصدر، محزون القلب.

فللإبقاء على المودة، والمحافظة على الألفة مُنَعَت مناجاة الاثنين دون الثالث إلا أن يستأذناه فيأذن، فلا حرج إذاً؛ لأن المنعَ حَقُّه، فيستباح بإذنه.

وكذلك الحكم لو تناجى ثلاثة دون رابع، أو أربعة من دون خامس، أو خمسة من دون سادس أو أكثر من ذلك؛ لتحقق علة النهي في ذلك كله.

بل العلة هنا أشد تحققاً؛ فإن انفراد جَمْعٍ بالمناجاة من دون واحد أشدُّ إيغاراً لصدره؛ فبدل أن يكون النفور من شخصين يكون من أكثر؛ فالأمر إذاً أعظم، فكان بالمنع أجدر.

ويقاس على ذلك ما إذا كان الحديث بين اثنين دون الثالث بِلُغَةٍ لا يفهمها الثالث.( )

خصوصاً إذا كان الاثنان يستطيعان الكلام بلغة يفهمها الثالث.

عن ابن مسعود÷قال: قال رسول الله": =إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس؛ أجل إن ذلك يحزنه+.( )

قال ابن حجر×: =قال الخطابي: وإنما قال: يحزنه؛ لأنه قد يتوهم أن نجواهما إنما هي لسوء رأيهما فيه، أو لدسيسة غائلة له+.( )

وقال ابن حجر: =وقد نقل ابن بطال عن أشهب عن مالك قال: لا يتناجى ثلاثة دون واحد، ولا عشرة؛ لأنه قد نُهي أن يترك واحداً.

قال ابن بطال: وهذا مستنبط من حديث الباب؛ لأن المعنى في ترك الجماعة للواحد كترك الاثنين للواحد.

قال: وهذا من حسن الأدب لئلا يتقاطعوا+.( )

قال ابن حجر: =قال المازري ومن تبعه: لا فرق في المعنى بين الاثنين والجماعة؛ لوجود المعنى في حق الواحد.

زاد القرطبي: بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأشد؛ فليكن المنع أولى.

وإنما خص الثلاثة بالذكر؛ لأنه أول عدد يتصور فيه ذلك المعنى، فمهما وجد المعنى فيه ألحق به في الحكم+.( )

 45_القيام بما ينافي الذوق في المجالس:

فالمجالس لها احترامها وحقها، فلا يحسن بالمرء أن يصدر منه ما ينافي الذوق فيها، وما يبعث على الكراهة و الاشمئزاز.

وذلك أن يَتَجَشَّأَ في المجلس، أو أن يتثاءب، أو يَتَمَخَّط، أو يبصق في حضرة غيره.

ومن هذا القبيل تخليل الأسنان، وإدخال الأصبع في الأنف، وكثرة التنحنح، والقهقهة، والتمطي، والعبث بالشارب واللحية، ونحو ذلك.( )

فالذي يليق بالمرء إذا جلس في المجلس أن يكون ذا هيبة وأدب ووقار؛ فذلك أكمل لأدبه، وأدعى لاحترامه وتبجيله.

ولئن كان هذا الأدب حسناً مطلوباً في كل مجلس_فَلَهْو في مجالس العلماء والأكابر أولى وأحرى.( )

 46_مزاولة المنكرات في المجالس:

فكما أنه لا يحسن القيام بما ينافي الذوق في المجالس_فكذلك لا يجوز مزاولة المنكرات فيها، كشرب الدخان، وسماع الأغاني، ومشاهدة المحرمات من أفلام خليعة ونحوها.

وكالغيبة والنميمة، والاستهزاء بالدين، وبعباد الله الصالحين ونحو ذلك.

فهذه المجالس مجالس زور وخنا لا يجوز شهودها، ولا السكوت عما يدور فيها لمن حضرها.

 47_حضور مجالس اللغو ومداهنة أهلها:

فهناك من الناس من يحضر مجالس اللغو والزور، وفيه بقية من خير؛ فلا يشارك أهل المجلس في منكرهم ولغوهم، ولكنه لا ينكر عليهم ما هم فيه، ويظن أنه في منجى من الإثم، لأنه لم يشاركهم في زعمه!.

وهذا خطأ شنيع؛ إذ لا يجوز للمرء أن يشهد مجالس اللغو والخنا والزور_كما مر_إلا إذا كان سينكر عليهم، أما إذا سكت عنهم فقد وقع في المداهنة المحرمة.

بل إن حضوره وسكوته عن المنكر خطر على من يزاولونه؛ فقد يظنون أن سكوته إنما هو إقرار لهم، ورضاً عما يصدر منهم.

فهذه هي المداهنة المذمومة، والتي أصلها من الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه.

وحقيقتها إظهار الرضا بما يصدر من الظالم أو الفاسق من قول باطل، أو عمل مكروه.

فهي بلادة في النفس، واستكانة للهوى، وقبول لما لا يرضى به ذو دين أو عقل أو مروءة.

هذه هي المداهنة، فلا تلبس بالمداراة؛ إذ المداراة محمودة مرغوب فيها؛ فهي من أخلاق المؤمنين.

وحقيقتها أنها ترجع إلى حسن اللقاء، وطيب الكلام، والتودد للناس، وتجنب ما يشعر بغضب أو سخط أو ملالة، كل ذلك من غير ما ثلم للدين في جهة من الجهات.( )

قال ابن بطال×: =المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، وترك الإغلاظ في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة+.( )

فمن المدارة المحمودة أن تغشى تلك المجالس بِنِيَّة الإصلاح، وتغيير المنكر، أو تخفيف الشر، فتأخذ بسنة المداراة، فتتلطف مع أهل المجلس، وتنكر عليهم برفق، وتأخذ بأيديهم إلى ما فيه نجاتهم وسلامتهم، مراعياً بذلك الحكمة، متجنباً ما يشعر بغضبهم أو ملالتهم.

فهذا العمل محمود مبرور، وأنت فيه مأجور غير مأزور.

فإذا ما رأيت منهم إعراضاً عن الحق، وتمادياً في الضلالة والغواية، أو لمست منهم عناداً وجماحاً وتعنتاً، أو خشيت على نفسك من سلوك سبيلهم، وانحدار في حضيضهم_فالسلامة السلامة، والنجاء النجاء.

 48_الجلوس على هيئة تشعر بقلة الأدب:

فليس من الأدب أن يجلس المرء جلسة استهتار بالآخرين، كأن يضطجع وهم جلوس إلا لعذر، أو أن يضع رجله في مواجهتهم أو نحو ذلك.( )

وتتأكد مراعاة هذا الأدب حال الجلوس إلى العلماء؛ فيحسن بالمرء أن يجلس إليهم بتواضع، وسكون، وتعقل، ورزانة.( )

 49_الجلوس وسط الحلقة:

وهذا مما ينافي الأدب في الجالس.

قال الترمذي: =حدّثنا سويد أخبرنا عبدالله، أخبرنا شعبة عن قتادة عن أبي مجلز أن رجلاً قعد وسط الحلقة، فقال حذيفة: ملعون على لسان محمد، أو لعن الله على لسان محمد"من قعد وسط الحلقة+.( )

 50_التفريق بين اثنين متجالسين دون إذنهما:

هذا العمل مما يشعر بقلة الأدب، وقلةِ المراعاة لمشاعر الآخرين، فقد يقطع حديثاً كان متصلاً بين اثنين، وقد يحرم صاحباً من محادثة صاحبه، وقد يثقل على المتجالسين بجلوسه بينهما ونحو ذلك...

فهذا كله مما يولد الكراهية والمعاداة، ولأجل ذلك نُهي عن هذا العمل؛ حفاظاً على استبقاء روح المودة بين المسلمين.

أما إذا أذن الجالسان أن يُجلس بينهما فلا بأس بذلك.

قعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله"قال: =لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما+.( )

 51_إقامة الرجل من مجلسه والجلوس مكانه:

فلا يليق بالرجل أن يقيم أحداً من مجلسه ثم يجلس فيه؛ لما في ذلك من الكبر والتعالي، والإزراء بالآخرين.

ولهذا مُنع الرجل أن يقيم أخاه من مجلسه؛ ليجلس فيه؛ حرصاً على علاقة المسلمين ببعض أن تشوبها شائبة.

عن ابن عمر_رضي الله عنهما_عن النبي"قال: =لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه+.( )

قال ابن حجر×في شرح هذا الحديث: =قال_يعني ابن أبي جمرة×: والحكمة من هذا النهي منع استنقاص حق المسلم المقتضي للضغائن، والحث على التواضع المقتضي للموادة، وأيضاً فالناس في المباح كلهم سواء، فمن سبق إلى شيء استحقه، ومن استحق شيئاً فأُخِذ منه بغير حق فهو غصب، والغصب حرام، فعلى هذا يكون بعض ذلك على سبيل الكراهة، وبعضه على سبيل التحريم+.( )

 52_الجلوس في مكان الرجل إذا قام لحاجة:

قال_عليه الصلاة والسلام_: =إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به+.( )

قال النووي×: =قال أصحابنا: هذا الحديث فيمن جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلاً، ثم فارقه؛ ليعود، بأن فارقه ليتوضأ، أو يقضي شغلاً يسيراً ثم يعود_لم يبطل اختصاصه، بل إذا رجع فهو أحق به في تلك الصلاة، فإن كان قد قعد فيه غيره فله أن يقيمه، وعلى القاعد أن يفارقه لهذا الحديث.

هذا هو الصحيح عند أصحابنا، وأنه يجب على من قعد فيه مفارقته إذا رجع الأول.

وقال بعض العلماء: هذا مستحب، ولا يجب، وهو مذهب مالك، والصواب الأول.

قال أصحابنا: ولا فرق بين أن يقوم منه، ويترك سجادة و نحوها أم لا، فهذا أحق به في الحالين.

قال أصحابنا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها والله أعلم+.( )

قال ابن حجر: =وقال عياض: اختلف العلماء فيمن اعتاد بموضع من المسجد للتدريس والفتوى، فحكي عن مالك أنه أحق به إذا عُرِفَ به.

قال: والذي عليه الجمهور أن هذا استحسان وليس بحق واجب، ولعله مراد مالك.

وكذا قالوا في مقاعد الباعة من الأفنية والطرق التي هي غير ممتلكة، قالوا: من اعتاد بالجلوس في شيء منها فهو أحق به حتى يتمَّ غرضُه+.( )

وقال النووي: =إلا أن أصحابنا استثنوا منه ما إذا أَلِفَ من المسجد موضعاً يفتي فيه، أو يُقْرِئ قرآناً أو غيره من الأمور الشرعية فهو أحق به، وإذا حضر لم يكن لغيره أن يقعد فيه.

وفي معناه من سبق إلى موضع من الشوارع ومقاعد الأسواق لمعاملة+.( )

 53_التقدم بحضرة الأكابر:

وذلك بأن يتقدمهم المرء بالحديث، فيتصدر المجلس بوجودهم، بل ربما تصدر الفتوى مع وجود من يكبره في العلم بمراحل.

ومن التقدم أيضاً أن يتقدمهم بالمجلس، فيجلس في مكان أُعِدَّ للأكابر، مما يعرضه للتنقص والازدراء، بل ربما أقيم من مكانه إذا حضر من أُعِدَّ له المكان.

=تباعد كعب الأحبار يوماً في مجلس عمر بن الخطاب، فأنكر ذلك عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن في حكمة لقمان، ووصيته لابنه: إذا جلست إلى ذي سلطان فليكن بينك وبينه مقعدُ رجلٍ؛ فلعله يأتيه من هو آثرُ عنده منك، فَيُنَحِّيك، فيكون ذلك نقصاً عليك+.( )

وقال الأحنف: =لَأنْ أُدْعى من بعد أحبُّ إليَّ من أن أُقْصَى عن قرب+.( )

وعن الأحنف_أيضاً_أنه قال: =ما جلست مجلساً قط أخاف من أن أقام منه لغيري+.( )

فجدير بالمرء أن يجلس حيث ينتهي به المجلس؛ فذلك أدعى للتواضع، وأكمل في المروءة، وأبعد عن التنقص.

قال ابن خالويه:

إذا لم يكن صدرُ المجالس سيِّداً

                   فلا خير فيمن صدَّرته المجالسُ( )

قال ابن المقفع: =إن استطعت أَنْ تضع نفسك دون غايتك في كل مجلس، ومقام، ومقال، ورأي، وفعل_فافعل؛ فإنَّ رَفْعَ الناس إياك فوق المنزلة التي تحط إليها نفسك، وتقريبَهم إياك إلى المجلس الذي تباعدت منه، وتعظيمهم من أمرك ما لم تُعَظِّمْ، وتزيينَهم من كلامك ورأيك وفعلك ما لم تُزَيِّنْ_هو الجمالُ+.( )

 54_قلة التفسح في المجالس:

فهناك من إذا جلس مجلساً أخذ فيه مكاناً واسعا؛ لأجل أن ينعم بالراحة، فيسلم من المضايقة.

فقلة التفسح في المجالس خلق ذميم، ومسلك شائن، فهو ناتج عن ضيق النفس، وحبٌ في الاستئثار، وقلة مبالاة في الآخرين.

بل إن بعضهم قد يُوسَّع له في المجلس، فيأتي ويتربع، فيأخذ مساحة واسعة في المجلس، بل ربما لا يرضى أن يأتي أحد بعد ذلك بجانبه.

قال بعض الحكماء: =رجلان ظالمان يأخذان غير حقهما: رجل وُسِّعَ له في مجلس ضَيِّقٍ فَتَرَبَّعَ وتفتّح، ورجل أهديت له نصيحة فجعلها ذَنْباً+.( )

ولهذا أدبنا الله_عز وجل_بأن نتفسح في المجالس؛ لما في ذلك من زرع للممودة، وتوثيق لعرى الأخوة، وتخلص من الأخلاق الذميمة.

قال_تعالى_: [يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم] (المجادلة: 11)

قال الشيخ ابن سعدي× في هذه الآية: =هذا أدب من الله لعباده إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم، واحتاج بعضهم، أو بعض القادمين للتفسح له في المجلس_فإن من الأدب أن يفسحوا له؛ تحصيلاً لهذا المقصود.

وليس ذلك بضار للفاسح شيئاً، فيحصل مقصود أخيه من غير ضرر يلحقه.

والجزاء من جنس العمل، فإن من فسح لأخيه فسح الله له، ومن وسع لأخيه وسع الله عليه+.( )

قال عمر بن الخطاب÷: =مما يُصَفِّي لك ودَّ أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس+.( )

وقال الأصمعي: =كان الأحنف إذا أتاه إنسان وَسَّعَ له، فإن لم يجد موضعاً تحرك؛ ليريه أن يوسع له+.( )

 55_ترك الاستئذان حال دخول البيوت:

 فدخول البيوت دون استئذان من أهلها_مما ينافي الأدب ومكارم الأخلاق، ومما يوجب الريبة من الداخل، ويدعو لإساءة الظن به، واتهامه باستراق الحديث وتتبع العورات.

ولذلك أدبنا الله_تبارك وتعالى_بأن نستأذن إذا أردنا دخول بيوت غير بيوتنا.

قال_عز وجل_: [يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون] (النور: 27).

قال ابن كثير× في تفسير هذه الآية: =هذه آداب شرعية، أدب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان أمرهم ألا يدخلوا بيوتاً غير بيوتهم حتى يستأنسوا أي يستأذنوا، قبل الدخول، ويسلموا بعده+.( )

قال×: =وقال قتادة في قوله(حتى تستأنسوا) هو الاستئذان ثلاثاً، فمن لم يؤذن له منهم فليرجع، أما الأولى فليسمع الحي، وأما الثانية فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردُّو+.( )

قال ابن سعدي× في تفسير الآية السابقة: =يرشد الباري عباده المؤمنين ألا يدخلوا بيوتاً غير بيوتهم بغير استئذان؛ فإن في ذلك عدة مفاسد، منها ما ذكره الرسول" حيث قال: =إنما جعل الاستئذان من أجل البصر+.( )

فبسبب الإخلال به يقعُ البصر على العورات التي داخل البيوت؛ فإن البيت للإنسان في سَتْرِهِ عورةَ ما وراءه بمنزلة الثوب في ستر عورة جسده.

ومنها أن ذلك يوجب الريبة من الداخل، ويتهم بالشر سرقة أو غيرها، لأن الدخول خفية يدل على الشر.

ومنع الله المؤمنين من دخول غير بيوتهم، (حتى تستأنسوا) أي تستأذنوا.

سمي الاستئذان استأناساً؛ لأن به يحصل الاستئناس، وبعدمه تحصل الوحشة+.( )

ثم قال×: =ذلكم+ أي الاستئذان المذكور =خيرٌ لك لعلكم تذكرون+ لاشتماله على عدة مصالح، وهو من مكارم الأخلاق الواجبة، فإن أذن دخل المستأذن.

 [فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا] أي فلا تمتنعوا من الرجوع ولا تغضبوا منه فإن صاحب المنزل لم يمنعكم حقَّاً واجباً لكم، وإنما هو متبرع فإن شاء أذن أو منع؛ فأنتم لايأخذ أحدكم الكبر والاشمئزاز من هذا الحال+.( )

ولهذا ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله" قال: =إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع+.( )

والاستئذان يكون بالنداء، والسلام، وقرع الباب، ونحو ذلك.( )

 56_ترك السلام حال دخول المجلس وحال الخروج منه:

 فالسلام الأول إيذان بالدخول، والسلام الآخر إيذان بالانصراف.

 وهذا من الأدب الجميل الذي يورث المحبة بين المؤمنين.

 وتركه دليل على الجفاء والغلظة، وذلك مما يورث البغضاء والنفرة.

ولهذا قال_عليه الصلاة والسلام_: =إذا انتهى أحدكم من المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم؛ فليست الأولى بأحق من الآخرة+.( )

 57_الإخلال بأمانة المجالس:

فمن الناس من يحضر المجالس فلا يراعي حرمتها، ولا يحفظ حقوقها، بل تراه يسرد أخبارها، ويفشي أسرارها.

وهذا ضرب من ضروب الخيانة، ومظهر من مظاهر الإخلال بالأمانة؛ فكم من حبال تقطعت، وكم من مصالح تعطلت؛ لإستهانة بعض الناس بأمانة المجالس، وذِكْرِهم ما يدور فيها.

فالمجالس لها حرمات يجب أن تصان، مادام الذي يجري فيها مقيداً ومربوطاً بقوانين الأدب وشرائع الدين.

أما إذا كانت المجالس خَنَاً وزورٍ، تزاول فيها المنكرات وتشرب فيها الخمور، وتسفك فيها الدماء المحرمة، ويمكر فيها بالأبرياء، ويخطط فيها للفساد_فلا حرمة لها؛ وعلى كل مسلم شهدها أن يسارع للحيلولة دون الفساد جهد طاقته.

قال رسول الله": =المجالس بالأمانة إلا مجلس سفك فيه دم حرام أو فرج حرام، أو اقتطاع مال حرام+.( )

ومن الإخلال بأمانة المجلس أن يفشي المرء سر صاحبه إذا جلس إليه، وأفضى إليه بمكنونه، وأشعره بأنه لايحب اطلاع أحد عليه.

فإفشاء السر من الأخلاق المرذولة، وهو مركب من الخرق والخيانة؛ فليس بوقور من لم يضبط لسانه، ولم يتسع صدره لحفظ ما يُسْتَسَرُّ به.( )

قال_عليه الصلاة والسلام_: =إذا حدّث الرجل ثم التفت فهي أمانة+.( )

=قال عمر بن عبدالعزيز لمحمد بن كعبٍ القرضي: أي خصال الرجال أوضع؟.

قال: كثرة كلامه، وإفشاءه سره، والثقة بكل أحد+.( )

قال الشيخ ابن سعدي×: =كن حافظاً للسر، معروفاً عند الناس بحفظه؛ فإنهم إذا عرفوا منك هذه الحال أفظوا إليك بأسرارهم، وعذروك إذا طويت سر غيرك الذي هم عليه مشفقون، وخصوصاً إذا كان لك اتصال بكل واحد من المتعادين؛ فإن الوسائل لاستخراج ماعندك تكثر وتتعدد من كلٍ من الطرفين، فإياك إياك أن يظفر أحد منهم بشيء من ذلك تصريحاً أو تعريضاً.

واعلم أن للناس في استخراج ماعند الإنسان طرقاً دقيقةً، ومسالكَ خفيةً؛ فاجعل كل احتمال_وإن بعد_على بالك، ولا تؤتَ من جهةٍ من جهاتك؛ فإن هذا من الحزم.

واجزم بأنك لاتندم على الكتمان، وإنما الضرر، والندم في العجلة، والتسرع، والوثوق بالناس ثقةً تحملك على ما يضر+.( )

 58_التجسس والتحسس:

أصل التجسس تعرف الشيء عن طريق الجس أي الاختبار باليد.

والتحسس هو تعرف الشيء عن طريق الحواس، ثم استعمل في البحث عن عيوب الناس.

وقيل: إن الأولَ البحثُ عن العورات، والثاني الاستماعُ لحديث القوم.

وقيل: إن الأول البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يكون في الشر.

والثاني مايدرك بحاسة العين والأذن.

وقيل: التجسس: تتبع العورات لأجل غيره، والتحسس تتبعها لنفسه.( )

والحاصل أن التجسس والتحسس خلقان مذمومان.

فالواجب على المسلم أن يكتفي من إخوانه بالظاهر، وأن يَكِلَ الباطن على العليم الخبير.

ومن صور التجسس و التحسس ماتجده عند بعض الناس، حيث يجلس في مكانٍ ما، لايراه أحد من الجالسين فيه فيستمع ما يدور بينهم، إما للإيقاع بهم، وإما لإشباع فضوله وتطفله.

ومن ذلك_أيضاً_أن يرخي الإنسان أذنه؛ لسماع حديثٍ بين اثنين يتناجيان في مجلسٍ ما.

ومن ذلك أن يقف المرء وراء من يكتب شيئاً أو يقرؤه؛ ليطلع عليه.

فيجب على المسلم أن يحذر التجسس والتحسس، وأن ينأى بنفسه عن هذه الأخلاق المرذولة، والتي حرمها الله على عباده المؤمنين، ونهاهم عن فعلها والاتصاف بها.

قال_عز وجل_: [ولا تجسسوا] (الحجرات: 12).

وقال": =ولا تحسسوا ولا تجسسوا+.( )

أما إذا كان التجسس والتحسس طريقاً لدرء مفسدة عظيمة، أو جلب مصلحة كبيرة_فلا بأس في ذلك، كما لو علمنا بأن أناساً عزموا على ارتكاب جريمة قتل أو سرقة أو نحو ذلك، فتجسسنا عليهم لنحول بينهم وبين ما يشتهون_فلا حرج في ذلك، بل قد يجب على من يعنيه الأمر.

 59_الجلوس في الطرقات دون إعطائها حقّها:

فهناك من يجلس في الطرقات العامة، التي يسلكها الرجال والنساء، ويمر بها الأشراف والسفهاء، ويختلط فيها الحابل بالنابل، فيعرّض هذا الجالس نفسه للفتن، وللتقصير في أداء حق الطريق.( )

ولهذا نهينا عن الجلوس في الطرقات.

فعن أبي سعيدٍ الخدري÷ أن النبي" قال: =إياكم والجلوس في الطرقات.

فقالوا: يارسول الله، مالنا من جلوسنا بدُّ، نتحدث فيها.

فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطو الطريق حقَّه.

قالوا: وماحق الطريق يارسول الله؟

قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر+.( )

قال الإمام النووي× في شرح هذا الحديث: =هذا الحديث كثير الفوائد، وهو من الأحاديث الجامعة، وأحكامه ظاهرة، وينبغي أن يتجنب الجلوس في الطرقات لهذا الحديث.

ويدخل في كف الأذى اجتناب الغيبة، وظن السوء، وإحقار المارين، وتضييق الطريق.

وكذا إذا كان القاعدون ممن يهابهم المارُّون أو يخافون منهم، ويمتنعون من المرور في أشغالهم بسبب ذلك؛ لكونهم لا يجدون طريقاً إلا ذلك الموضع+.( )

هذا وللطرقات آداب أخرى غير ما ذكر في الحديث السابق، فقد ورد ذكرها في أحاديث أخرى، وقد بلغ مجموع تلك الآداب أربعة عشر أدباً كما قال ابن حجر في الفتح، وقد نظمها× في الأبيات التالية، حيث يقول:

جَمَعْتَ آدابَ من رام الجلوسَ على

                   الطريق من قول خير الخلق إنسانا

أفشِ السلامَ وأحسن في الكلام

                   وشمِّتْ عاطساً وسلاماً رُدَّ إحسانا

في الحمل عاون ومظلوماً أعِنْ وأغِثْ

                   لهفانَ أهدِ سبيلاً واهد حيرانا

بالعرف مُرْ وانْهَ عن نُكْرٍ وكفَّ أذىً

                   وغُضَّ طرفاً وأَكْثِرْ ذِكْرَ مولانا( )

 60_فقدان المودة والصفاء، وشيوع الكراهية والبغضاء:

فالمجالس التي تجمع الناس، ويكثر أهلها من ارتيادها والاختلاف إليها_يُفْتَرض فيها أن تكون مجالس خير وبركة، وأنس ومودة، تسودها الألفة والإخاء، ويرفرف في أفياءها الصفاء والنقاء، ويجد فيها المرء فيها فرحه وسروره، ويطرح في ساحها همومه وأنكاده وغمومه.

إلا أن المتأمل لكثيرٍ من المجالس لا يجد إلا عكس ما مضى؛ فيكثر فيه الخلاف، ويغلب على مرتاديها سوء الظن، وتشيع فيما بينهم العداوة والبغضاء، ويكثر فيهم الحسد والبغي والاستطالة.

فإذا رأيت أصحابها ظننتهم إخوة متآلفين من كثرة ما يلقى بعضهم بعضاً.

وإذا كشفت عن سالفتهم، وتبَيَّنْتَ حقيقة أمرهم_وجدت قلوباً متنافرة، وضلوعاً على الضغينة مَحْنيَّة؛ فالواحد منهم يحذر جلسائه، ويتحفظ منهم أشد التحفظ، فإذا قال كلمة خشي من تكذيبهم له، أو سخريتهم به، وإذا همَّ بالقيام من المجلس خاف من لمزهم وغيبتهم له بعد فراقه المجلس.  قال الخطابي×: =قال بعض الناس: إني لا أُشَبِّه أهل هذا الزمان إذا رأيتهم قد تلاقوا في المحافل، وتدانوا في المجالس، وتحالَّتْ( ) بهم الرُّكبُ_إلا بقوم تصافُّوا مستعدين لمحاربة أعدائهم، وتضافروا مُتَأَهِّبين لمناصبة أقرانهم، فشهدوا مركز اللقاء بسيوف مشهورة، وأَسِنَّة مطرورة( )، وقِسِيٍّ مُوَتَّرةٍ( )، وسهام مُفَوَّقَةٍ( )؛ فتطاعنوا ضرباً بسيوفهم، ودعساً( )، برماحهم، وتراشقوا خَصْلاً( )سهامهم، حتى انْفَلَّت سيوفهم، وكَلَّت أيديهم، ونتلت كنائنهم( )عن آخر أهزع( )؛ فأجْلَت المعركة بينهم عن قتيل تشخب أوداجُه، وجريح يفيح عانده( )، ومُرْتَثٍّ( )لانهوض به، ومُثْخَنٍ ينوء على ضِلعِه.

فذلك الوجه والمثال فيما شبهته لك من صنيع أهل هذا الزمان إذا ضمتهم المجالس، ولَفَّتْهم الملاقي والمجامعُ؛ فتصور الآن قلوبهم، وماتَجُنُّه ضمائرهم من الغل والحسد، وماتحني عليه ضلوعهم من الإحن والضغائن قِسيّاً موترة، وألسنتهم وما يرْمون به من القول سهاماً مفوقة.

نصبوا أعراض الناس أغراضاً، وافترضوا بها افتراضاً؛ فهم إذا تأملتهم وجدتهم على طبقاتٍ شتى، منهم ذو القحة( ) الذي يكاشف بالشتم الصريح مكاشفةً، ويجاهر باللفظ القبيح مجاهرة ومعالنة( )، ومنهم من يعرض بالأذى ويَكْني ويُمرّض( ) القول به ويورِّى، ومنهم من يؤذي صاحبه بالمسارَّةِ والنجوى والمباثة والشكوى، ومنهم من يشجو أخاه بغمز العينين، وزَيِّ( ) الحاجبين، ورمز الشفتين( )، وكرف العرنين( ).

وأسلمهم جانباً من لايعاجل بالسوء معاجلة، ولا يؤاخذ بالذنب بغتةً، لكن يحصي الأنفاس، ويعد الحروف والألفاظ، ويحفظها ليوم حاجته، وأوان فرصته، فَيُبَكِّت بها، ويُعَيِّر ويطنب فيها أو يُقصّر على شاكلة قول الشاعر:

احذر مودةَ ماذِقٍ( )

                   شاب المرارةَ بالحلاوهْ

يحصي العيوب عليك أي

                   يَام الصداقة للعداوهْ( )

 61_قلة ذكر الله في المجالس:

فكثير من المجالي_والله المستعان_تعمر بالقيل والقال، وباللغو واللغط، ويقل فيه ذكر الله_تعالى_والصلاة على النبي".

وهذا الأمر مدعاة لنزع البركو، وحلولِ النقمة والحسرة.

عن أبي هريرة÷ قال: قال رسول الله": =مامن قومٍ يقومون من مجلس لايذكرون الله_تعالى_فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة+.( )

وعنه÷ عن النبي"قال: =ماجلس قوم مجلساً لم يذكروا الله_تعالى_فيه ولم يصلوا على نبيهم فيه_إلا كان عليهم تِرَةً؛ فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم+.( ).

62_قلة المبالاة بقول كفارة المجلس:

فكثير من الناس يطلق العنان للسانه، فيكثر لغطه ولغوه، ثم يقوم من المجلس دون أن يقول الدعاء الوارد في نهايته.

وهناك من الناس من لايحافظ على هذا الدعاء مع مافيه من الفضل العظيم، بل يقوله أحياناً دون محافظة عليه.

فاللائق بالمسلم أن يحافظ على هذا الدعاء؛ حتى يحصل على الأجر العظيم المترتب على قوله، وليسلم من تبعات ماصدر منه في ذلك المجلس.

عن أبي هريرة÷ قال: قال رسول الله": =من جلس في مجلس، فَكَثُر فيه لَغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك_إلا غفر له ماكان في مجلسه ذلك+.( )

وعن أبي برزة÷ قال: كان رسول الله" يقول بأَخرةٍ( ) إذا أراد أن يقوم من المجلس: =سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك+.

فقال رجل: يارسول الله، إنك لتقول قولاً ماكنت تقوله فيما مضى.

قال: =ذلك كفارة لما يكون في المجلس+.( )

قال ابن عبد البر×: =وروي عن جماعة من أهل العلم بتأويل القرآن في قول الله_عز وجل_ [وسبح بحمد ربك حين تقوم] (الطور: 48)منهم مجاهد، وأبو الأحوص، وعطاء، ويحي بن جعدة، قالوا: حين تقوم من كل مجلس تقول فيه: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك.

قالوا: ومن قالها غفر له ماكان في المجلس.

وقال عطاء: إن كنت أحسنت ازددت إحساناً، وإن كان غير ذلك كان كفّارة.

ومنهم من قال: تقول حين تقوم: سبحان الله وبحمده من كل مكان، ومن كل مجلس+.( )

 الخاتمة

هذا مايَسَّر الله جمعه، وأعان على إتمامه، من تبيان لبعض الأخطاء التي تقع في أحاديثنا ومجالسنا.

وفي نهاية المطاف أسأل الله_سبحانه_بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى_أن ينفع بهذه الصفحات، وأن يجعلها معينة على البر، دافعة إلى الخير.

كما أسأله_تبارك وتعالى_أن يستعملنا في طاعته، وأن يجعل أحاديثنا ومجالسنا عامرة بذكره، مقربة إلى رضوانه وجنته.

كما آمل من القارئ الكريم أن لايحرم أخاه من ملاحظة يبديها، أو دعوة صالحة يهديها.

وعسى أن لا أكون أثقلت على القراء، أو ضيقت عليهم، فما [أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب] (هود: 88).

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين، وسلام على المرسلين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

رأيك يهمنا