الكذب ... مظاهره .. علاجه

نبذة مختصرة

تحتوي هذه الرسالة على العناصر التالية: تعريف الكذب، ذم الكذب وأهله، بعض مظاهر الكذب، دوافع الكذب، الحث على الصدق، الأمور المعينة على الصدق، أثر الصدق في سعادة الفرد، أثر الصدق في سعادة الجماعة.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

الكذب ... مظاهره .. علاجه

 مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الصادق المصدوق الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الصادقين، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن الحديث في الصفحات التالية سيدور حول خصلة ذميمة، وعمل مرذول، ينتشر_مع الأسف_في أوساط الناس، ويشيع في كثير من منتدياتهم ومجالسهم، ويكثر في علاقاتهم ومعاملاتهم، وقلَّ أن يسلم منه صغير أو كبير، والناس فيه ما بين مقلٍّ ومستكثر إلا من رحم ربك وقليل ما هم.

ذلكم هو الكذب، الذي سيكون محور الحديث، وذلك من خلال الوقفات التالية:

_تعريف الكذب.

_ذم الكذب وأهله.

_من مظاهر الكذب.

_دوافع الكذب.

_الحث على الصدق.

_الأمور المعينة على الصدق.

_أثر الصدق في سعادة الفرد.

_أثر الصدق في سعادة الجماعة.

فلعل الله أن ينفع بهذه الكلمات، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.

كما أسأله أن يرزقنا لسان صدق، وأن يجعلنا من عباده المؤمنين المتقين الصادقين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

محمد بن إبراهيم الحمد

الزلفي  28/3/1415هـ

ص.ب: 460

www.toislam.net

 تعريف الكذب

قال ابن منظور: =الكذب نقيض الصدق. كَذَبَ، يَكْذِبُ، كَذِبًا، وكِذبًا، وكِذْبةً، وكَذْبَةً هاتان عن اللحياني. وكِذابًا وكِذَّابًا+( ).

وقال_أيضًا : =ورجلٌ كاذبٌ، وكَذَّابٌ، وتِكْذَابٌ، وكذوبٌ، وكَذُوبةٌ، وكُذَبةٌ مثل هُمَزَةٍ، وكَذْبانٌ، وكَيذَابانٌ، وكَيْذُبانٌ، ومَكْذَبانٌ، ومَكْذبانةٌ، وكُذُبْذُبانٌ، وكُذُبْذُبٌ، وكُذُّبْذُبٌ+( ).

وحقيقة الكذب هي الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع، وليس الإخبار مقصورًا على القول، بل قد يكون بالفعل، كالإشارة باليد، أو هز الرأس، وقد يكون بالسكوت( ).

  ذم الكذب وأهله

لا شك أن الكذب عمل مرذول، وصفة ذميمة؛ فهو من خصال النفاق، ومن شعب الكفر، بل إن الكفر نوع من أنواعه؛ فالكذب جنس، والكفر نوع تحته( ).

والكذب من أسباب رد القول، ونزع الثقة من الكاذب، والنظر إليه بعين الخيانة.

والكذب دليل ضَعَة النفس، وحقارة الشأن؛ وخبث الطوية.

والكذاب مهين النفس، بعيد عن عزتها المحمودة.

والكذاب يقلب الحقائق؛ فيدني البعيد، ويبعد القريب، ويُقبِّح الحسن، ويُحَسِّنُ القبيح.

قال النبي "محذرًا من الكذب: =وإياكم والكذبَ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل لَيَكْذِبُ حتى يكتبَ عند الله كذابًا+ ( ).

قال الماوردي×: =والكذب جماع كل شر، وأصل كل ذمٍّ؛ لسوء عاقبته، وخبث نتائجه؛ لأنه ينتج النميمةَ، والنميمةُ تنتج البغضاءَ، والبغضاءُ تؤول إلى العداوة، وليس مع العداوة أمن ولا راحة؛ ولذلك قيل: من قلَّ صدقُه قلَّ صديقُه+( ).

وقيل في ذم الكذَّاب: =لا تطلبوا الحوائج من كذاب؛ فإنه يقربها وإن كانت بعيدة، ويبعدها وإن كانت قريبة+( ).

وقيل: =ليس لكذوب مروءة، ولا لضجور رياسة+( ).

 =وقال رجل لأبي حنيفة: ما كذبتُ قط، فقال: أما هذه فواحدة+( ).

 =وقيل في منثور الحكم: الكذاب لصٌ؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك+( ).

وقال بعض الشعراء:

وما شيء إذا فكرت فيه

                   بأذهب للمروءة والجمال

من الكذب الذي لا خير

                   وأبعد بالبهاء من الرجال( )

 وقال آخر:

إذ مالمرء أخطأه ثلاثٌ

                   فَبِعْهُ ولو بكفٍّ من رمادِ

سلامةُ صَدْرِه والصدقُ منه

                   وكتمانُ السرائرِ في الفؤاد( )

وقال الحسن: =الكذب جماع النفاق+( ).

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: =إياك أن تستعين بكذوب؛ فإنك إن تُطِع الكذوب تهلكْ+( ).

وقال ابن حبان: =اللسانُ سبعٌ عقور؛ إن ضبطه صاحبه سلم، وإن خلى عنه عقره، فالعاقل لا يشتغل بالخوض فيما لا يعلم، فيتهم فيما يعلم؛ لأن رأس الذنوب الكذب، وهو يبدي الفضائح، ويكتم المحاسن+( ).

وإن مما يؤسف عليه في هذه الأزمان المتأخرة كثرةَ الكذب، وقلةَ الصدق؛ فما أقلَّ من يصدق في حديثه، وعلاقاته، ومعاملاته.

 من مظاهر الكذب

من مظاهر الكذب المنتشرة بين الناس ما يلي:

1_ الكذب على الله ورسوله": كحال من يفتي بغير علم، ويقول على الله ورسوله الكذب، فَيَضِل، ويُضِل، ويَهْلِك، ويُهلكِ.

قال_تعالى : [ وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ] (النحل: 116).

وكحال من يكذب على رسول الله"فتجد من يكذب عليه؛ للترغيب أو للترهيب، أو لترويج بدعة أو ضلالة، أو غير ذلك.

قال"في الحديث المتواتر: =من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار+( ).

2_ الكذب في البيع والشراء: كحال من ينفق سلعته بالأيمان الكاذبة، ومن يغش المشتري بجودة بضاعته.

فما أكثر ما يقع هذا بين الناس، مع عظم خطورته وشدة الوعيد فيه.

قال":=اليمين الكاذبة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب+( ).

وقال: =من غشنا فليس منا+( ).

وقال: =من غشَّ فليس مني+( ).

3_ الكذب لإفساد ذات البين: فبعض الناس_عياذًا بالله_لا يهدأ له بال، ولا يقرّ له قرار_حتى يفسد ذات البين، ويفرق شمل المتحابين، فتراه يختلق الأقاويل، وينسج الأباطيل تلو الأباطيل؛ ليفسد بذلك ذات البين، ويحل محلها القطيعة والبين.

فهذا العمل بلية عظيمة، ورزية جسيمة؛ فكم تقطعت لأجله من شواجر، وكم تَفَصَّمَتْ من روابط، وكم تحاصَّت من أرحام.

ولا يقوم بهذا الصنيع إلا دنيء النفس حقيرها، فإصلاحه عزيز، والحيلة معه قليلة، وصدق من قال:

لي حيلة فيمن ينم

                   وليس في الكذاب حيلهْ

من كان يخلق ما يقو

                   ل فحيلتي فيه قليلهْ( )

4_ الكذب لإضحاك السامعين وتشويقهم: فتجد من يكذب في مجامع الناس ومجالسهم؛ حتى يُصَدَّر في المجلس، ولأجل أن يستظرفه الناس، ويستطرفوا حديثه، ويستعذبوه؛ فتراه يأتي بالغرائب، ويغرب في العجائب، ويسوق ما لا يخطر ببال، ولا يدور حول ما يشبهه خيال.

5_ الكذب للمفاخرة في إظهار الفضل: فهناك من يكذب؛ ليفاخر أقرانه، ويظهر فضله عليهم، فتراه يدَّعي العلم، ويظهر الفضل، ويتشدق بكثرة الأعمال والإحسان إلى الناس، وهو عاطل من ذلك كله؛ فلا فضل لديه، ولا علم عنده، ولا إحسان يصدر منه، وإنما يكذب في ذلك كله؛ ليظهر فضله، ويفاخر أقرانه.

ومنهم من يكون صاحب فضل وإحسان، ولكنه يبالغ في وصف أعماله، وأفضاله، وإحسانه إلى الناس، مما يدخله في باب الكذب، ويجعل الآذان تَمُجُّه، والقلوب تنفر منه.

6_ الكذب على المخالفين؛ تشفِّياً منهم ونكايةً بهم: فهناك من إذا خالفه أحد، أو كان بينه وبين أحد عداوة _ بدأ يبحث عمّا يشفي غليله من هذا المخالف أو المعادي، فتراه يكذب عليه، ويلصق التهم به، ويغري به عند أصحاب المناصب وأرباب الولايات؛ رغبة في إلحاق الأذى بهذا المخالف أو المعادي.

7_ الكذب المقرون بالحسد: فهناك من إذا رأى أحدًا من الناس متفوقاً في العلم، أو مترقياً في الفضائل، أو غير ذلك_يحسده على ذلك، فيقلل من شأنه، ويرميه بكل نقيصة، ويتهمه بما ليس فيه؛ حتى يصرف الناس عنه، ويشككهم في إخلاصه وصدقه وجدارته.

8_ الكذب في المطالبات والخصومات: فقلَّ من يصدق حال المطالبات أو الخصومات، وهذا ما يشاهد مرارًا وتكرارًا عند الخصومات في المحاكم وغيرها، وعند حوادث السيارات، فقل أن تجد من ينصف من نفسه، ويقر بخطئه، بل تجد من يكذب؛ كي لا يكون الحق عليه؛ فيتحمل تبعته.

9_ الكذب للتخلص من المواقف المحرجة: كحال من يكذب على والديه، أو مدرسيه، أو مسؤوليه؛ خوفاً من العقاب أو العتاب.

10_ المبالغة في القول: كحال من يبالغ في تصوير حدث أو قضية مبالغة تجعل السامع يفهم منه أكثر من الحقيقة.

11_ حذف بعض الحقيقة: كحال من يحذف من الكلام ما لا يروقه، ولا يوافق هواه؛ لأجل أن يصل إلى غاية تهواها نفسه.

أما من حذف من الكلام ما لا يخدم مصلحة عامة، أو جمْعَ كلمةٍ أو نحو ذلك_فلا يدخل في قبيل الكذابين، بل هو مصلح محسن.

12_ الكذب على النفس: كمن يحاول أن يقنع نفسه بأنه بذل ما في وسعه، واستنفذ كل طاقته، لأداء ما يجب عليه؛ ليسلم من عتاب النفس وتوبيخها، وهو في الحقيقة لم يفعل شيئاً من ذلك.

13_ الكذب لتسويغ الأخطاء: فما أكثر ما يقع ذلك، فهذا يكذب ليسوغ بخله، وهذا يكذب ليسوغ قسوته، وهذا يكذب ليسوغ تقصيره أو إساءته، وهكذا. . .

14_ الكذب لاستدرار العطف، وكسب المؤيدين: كحال من يكذب في مسألة الناس واستجدائهم، فتراه يظهر الفقر والفاقة، ويوهم بأن الديون قد ركبته، ولم يعد له طاقة في سدادها، أو يزعم أنه مريض، أو يقوم على رعاية مريض، وربما حمل معه صكَّاً يوهم أنه معسر ومحتاج إلى المساعدة.

وكحال من يكذب لكسب المؤيدين، أو لترويج فكرة يدعو إليها.

15_ التملق لأرباب الثراء وأصحاب المناصب: فمن الناس من يتزلف لهؤلاء، ويمدحهم بما ليس فيهم، ويخلع عليهم صفات لا يستحقونها، مع علمه أنهم أقل من ذلك، وأنهم لا يستحقون ما أُضفي عليهم، ولكنه يتملقهم، ويتزلَّف إليهم؛ لينال عندهم مالاً أو حظوةً أو جاهًا.

16_ الكذب في دعوى المحبة والصداقة: وذلك كحال من يدعي محبة فلان أو فلان من الناس، ويدعي لمن يقابلهم أو لبعضهم أنهم أقرب الناس إلى قلبه، وأنهم أعزّهم إليه.

وإذا خلا عنهم_عضّ عليهم الأنامل من الغيظ، وسلقهم بلسان حادٍّ يقطر ضغينة وحقدًا.

ولا ريب أن ذلك مخالف للمروءة؛ فإن من أعظم آداب صاحب المروءة أن يكون صريحاً صادق اللهجة، مترفعاً عن النفاق والمواربة؛ فلا يبدي لشخص الصداقةَ وهو يحمل له العداوة، ولا يشهد له باستقامة السيرة وهو يراه منحرفاً عن سواء السبيل، قال الحكيم العربي:

فسرِّ كإعلاني وتلك خليقتي

                   وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا

 والمراد أن صاحب المروءة لا يتخذ الظهور بخلاف ما يضمر عادة له، كحال ما يفعله قوم لا تشمئز نفوسهم من الملق والرياء.

أما إذا اقتضت الحكمةُ إخفاءَ بعضِ ما يضمر من نحو العداوة والصداقة_فذلك من مكملات المروءة.

17_ نقل الأخبار الكاذبة: كحال من ينقل الأخبار الكاذبة مع علمه بكذبها، فمن كان هذا دأبه فهو كذاب، ومشارك للكذاب في الإثم.

18_ الكذب السياسي: الذي يقوم على القاعدة الميكافيلية التي تقول: =إن الغاية تبرر الوسيلة+ أو =الغاية تسوغ الواسطة+( ). وهذه القاعدة الفاجرة الكافرة يأخذ بها غالبية السياسيين.

ومن الأمثلة على ذلك ما نراه من حال من يتقدمون لترشيح أنفسهم لرئاسة دولة من الدول، فترى الواحد من هؤلاء يسعى لكسب المؤيدين، واستقطاب الأصوات؛ ليفوز بالانتخابات، ويتربع على كرسي الحكم.

فتراه يسلك في ذلك السبيل ألوانًا من الزيف والكذب والخداع، وتخدير الشعوب بالأماني الباطلة، والوعود المعسولة الكاذبة.

وما إن يستولي على الأمد، ويحرز قصب السبق إلا ويتنكر لمن أيده، ويقلب لهم ظهر المجن، فيستبد بالثروات، ويتلاعب بالمقدرات، ويسوم الشعوب سوء العذاب.

19_ الدجل الإعلامي: الذي يقلب الحقائق، ويُلْبِس على الناس، فيرفع الأقزام، ويضع الأعلام، ويغري بالرذيلة، ويزري بالفضيلة.

فيالله كم أفسد من عقول، وكم قلب من حقائق، وكم برَّأ من مفسد مجرم، وكم نال من مصلح بريء.

20_ التوسع في باب المصلحة: فمن الناس من يتوسع في باب المصلحة، فتجده يتأول لنفسه الكذب باسم المصلحة، فيبطل الحق، ويحق الباطل، ويبرئ المتهم، ويتهم البريء؛ زعمًا منه أن يحسن صنعاً، وأنه لم يكسب إثماً، وأنه يروم المصلحة، ويدفع المفسدة.

ولا شك أن الذي يصلح بين الناس، ويقول الخير، أو ينمي الخير_ليس بكذاب.

أما من يتوسع في باب المصلحة، ويرخص لنفسه الكذب فيما لا مصلحة تحته، أو فيما هو ضرر على الآخرين_فلا شك أنه قد وقع في المحذور شَعُر أو لم يشعر.

قال النبي": =ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول خيرًا، أو ينمي خيرًا+.

قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرَخَّص في شيء مما يقول الناس كذبٌ إلا في ثلاثٍ: الحربُ، والإصلاحُ بين الناس، وحديثُ الرجلِ امرأتَه، وحديث المرأةِ زوجَها+( ).

قال الإمام النووي_رحمه الله تعالى_في شرح هذا الحديث: =قال القاضي: لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور، واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو ؟

فقالت طائفة: هو على إطلاقه، وأجازوا ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة وقالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرة، واحتجوا بقول إبراهيم": =بل فعله كبيرهم+، =وإني سقيم+، وقوله: =إنها أختي+، وقول منادي يوسف ": =أيتها العير إنكم لسارقون+.

قالوا: ولا خلاف أنه لو قصد الظالم قتل رجل هو عنده مُخْتَفٍ وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين هو.

وقال آخرون منهم الطبري: لا يجوز الكذب في شيء أصلاً، قالوا: وما جاء من الإباحة في هذا: المرادُ به التورية، واستعمال المعاريض لا صريح الكذب، مثل أن يَعِدَ زوجته أن يحسن إليها، ويكسوها كذا، وينوي إن قدر الله ذلك؛ وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه.

وإذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاماً جميلاً، ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك، وَوَرَّى.

وكذا في الحرب بأن يقول لعدوه مات إمامكم الأعظم، وينوي إمامهم في الأزمان الماضية، أو غدًا يأتينا مدد أي طعام ونحوه، هذا من المعاريض المباحة؛ فكل هذا جائز.

وتأولوا قصة إبراهيم ويوسف وما جاء من هذا_على المعاريض والله أعلم.

وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به في إظهار الود، والوعد بما لا يلزم، ونحو ذلك.

فأما المخادعة في منع ما عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها_فهو حرام بإجماع المسلمين والله أعلم+( ).

21_ المبالغة في المعاريض: لا ريب أن في المعاريض مندوحةً عن الكذب، ولكن هناك من يبالغ في المعاريض، ويتوسع فيها توسعًا يخرجه عن طوره، ويجعله يدخل فيها ما ليس منها، فتجده يقلب الحقائق، وينال من الآخرين، ويُلبس عليهم، ويحصل على مآربه بالمراوغة والمخاتلة، مما يوقعه في الكذب، فَتُفْقَدُ الثقة به، وبحديثه.

أما إذا اقتضت الحكمة أن يلجأ الإنسان إلى المعاريض_فلا بأس؛ ذلك أن الإنسان_في هذه الدنيا_معرض للبلاء ومن أشد البلاء ما يمنعك من أن تقضي حقَّ فضيلة؛ فقد يلاقي الإنسان حالاً ترغمه على أن ينطق بما يكره، أو أن يسلك في القول ما لم يألف.

ولو وقف على علم الأخلاق أمام هذه الأحوال المُرْغِمة صلباً جامداً _ لضاقت سبيله، ولوجدت بعض النفوس مناصاً للخروج عليه.

إلا أن علم الأخلاق_الذي أرسى الإسلام قواعده، ورفع مناره_فسيحُ الصدر بمقدار ما يسع مقتضيات الحياة الفاضلة.

فصدق اللهجة يعد من الفضائل؛ نظراً إلى ما هو شأنه من حفظ المصالح ودرء المفاسد، ولو عرضت على وجه الندرة حالٌ يكون حديث الرجل فيها على نحو ما يعلم جالباً عليه، أو على غيره ضرراً فاحشاً_لوجد في نظام الأخلاق مرونةً تسمح له بأن يصوغ حديثه في أسلوب لا يجلب ضرراً.

فإذا وقع الإنسان في حال لا يليق معه التصريح بأمر واقع، ولم يكن بدٌّ من أن يقول في شأنه شيئاً_فها هنا يُفْسَحُ له أن يأخذ بالمعاريض.

والمعاريض: هي ألفاظ محتملة لمعنين؛ يفهم السامع منها معنى، ويريد المتكلم منها معنى آخر.

وإن شئت فقل: هي ألفاظ ذات وجهين، أحدهما: غير حقيقة، وهو ما يسبق إلى فهم السامع.

وثانيهما: حقيقة، وهو ما يقصده المتكلم.

فهذه الحالة لا تخرج المرء من أهل الصدق، ولا تلحقه بزمرة الكذابين.

وهذا ما يفعله الذين أشربوا صدق اللهجة متى عرفوا أن في القول الصريح حرجاً، أو خطراً( ).

22_ الكذب على الأولاد: فكثيرًا ما يكذب الوالدان على أولادهما الصغار؛ رغبةً في التخلص منهم، أو تخويفاً لهم؛ كي يكفُّوا عن العبث واللعب، أو حفزًا لهم كي يجِدّوا في أمر ما، أو غير ذلك. . .

هذه بعض المظاهر الشائعة في الكذب.

 دوافع الكذب

أما دوافع الكذب فكثيرة، منها الخوف من النقد، والخوف من العقاب أو العتاب، ومنها إيثار المصلحة العاجلة، ومنها قلة مراقبة الله والخوفِ منه، ومنها اعتياد الكذب وإلفه، ومنها البيئة والمجتمع، ومنها سوء التربية إلى غير ذلك من دوافع الكذب التي مَرَّ ذكرُ شيءٍ منها عند الحديث عن مظاهر الكذب.

 الحث على لزوم الصدق

مرَّ بنا الحديث عن الكذب وعن بعض مظاهره ودوافعه؛ فما أحرى بالعاقل اللبيب أن يحذر الكذب، وأن يلزم الصدق؛ فالصدق منجاة، والكذب مهواة.

والله_سبحانه وتعالى_أمر بالصدق، وأثنى على الصادقين قال_تعالى : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ] (التوبة: 119).

وقال النبي_عليه الصلاة والسلام : =عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقاً+( ).

والصدق هو أن يخبر الإنسان عما يعتقد أنه الحق، وأنه مطابق للواقع بلا زيادة ولا نقصان، وبلا وَكْسٍ ولا شطط.

وليس الإخبار_أيضًا_مقصورًا على القول فحسب، بل قد يكون بالفعل، كالإشارة باليد، أو هز الرأس، وقد يكون بالسكوت.

ولا ريب أن الصدق خصلة محمودة، وسجية مرغوبة، تألفها الفطر السوية، وتدعو إليها الشرائع السماوية.

قال ابن حبان ×: =الصدق يرفع المرء في الدارين، كما أن الكذب يهوي به في الحالين، ولو لم يكن الصدق خصلة تحمد إلا أن المرء إذا عرف به قُبلَ كَذِبُه، وصار صِدْقاً عند من يسمعه_لكان الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في رياضة لسانه؛ حتى يستقيم له على الصدق ومجانبة الكذب+( ).

وقال بعض الحكماء: =عليك بالصدق؛ فما السيف القاطع في كفِّ الرَّجُلِ الشجاع بأعزَّ من الصدق، والصدق عز، وإن كان فيه ما تكره، والكذب ذل وإن كان فيه ما تحب، ومن عرف بالكذب اتهم في الصدق+( ).

وقيل: =الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور+( ).

 وقال بعض الحكماء: الخرس خير من الكذب، وصدق اللسان أول السعادة.

وقال بعض البلغاء: الصادق مصان خليل، والكذب مهان ذليل.

وقال بعض الأدباء: لا سيف كالحق، ولا عون كالصدق+( ).

وقال بعض الشعراء:

وإذا الأمور تزاوجت

                   فالصدق أكرها نتاجا

والصدقُ يَعْقِد فوق رأ

                   سِ حليفه بالصدق تاجا

والصدق يقدح زنده

                   في كل ناحيةٍ سراجاً( )

وقال آخر:

كم حسيب كريم ذا شرف

                   قد شانه الكذب وسط الحي عمدا

وآخر كان صعلوكا فشرفه

                   صدق الحديث وقول جانب

فصار هذا شريفا فوق صاحبه

                   وصار هذا وضيعا تحته أبدا( )

وقال ابن السمَّاك:=ما أحسبني أؤجر على ترك الكذب؛ لأني أتركه أنفة+( ).

وقال الشعبي: =عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك؛ فإنه ينفعك، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك؛ فإنه يضرك+( ).

وقال بعض الحكماء: =الصدق عزُّ، والكذب خضوع+( ).

وقال آخر: =لو لم يترك العاقل الكذب إلا مروءة لقد كان حقيقاً بذلك، فكيف وفيه المأثم والعار ؟ !+( ).

وقال طرف بن طريف: =ما يسرني أني كذبت كذبة وأني لي الدنيا وما فيها+( ).

وقال الشافعي×: =آلات الرياسة خمس: صدق اللهجة، وكتمان السر، والوفاء بالعهد، وابتداء النصيحة، وأداء الأمانة+( ).

وإذا كان الصدق بهذه المثابة فالواجب علينا معاشر المسلمين_أن نلزم الصدق ونتحراه، وأن نوطن أنفسنا على الأخذ به، وأن يكون هيئة راسخة، يعتمده الواحد منّا في جميع أحواله، لا أن يكون موسميّاً أو مرتبطاً بحالة معينة( ).

         الأمور المعينة على الصدق

لا شك أن التزام الإنسانِ الصدقَ في كل ما يقول ويفعل_يستلزم مشقة كبيرة، ويحتاج إلى جهد وعناء، ويتطلب صدقَ عزيمةٍ، ورياضةَ نفسٍ، وصبرًا وشجاعةً( ).

ومهما يك من شيء فهناك أمور تعين على ذلك، ومنها:

إذا صحَّ عونُ الخالقِ المرءَ لم يجد

                   عسيرًا من الآمال إلا ميسرا

1_ الاستعانة بالله_عز وجل : وذلك بسؤاله الإعانة والتسديد والتوفيق، فمن أعانه الله، وسدده ووفقه هانت عليه المصاعب، وخفَّت عليه المتاعب، كما قيل:

أما إذا خُذِل الإنسان ووكل إلى نفسه_فإنه سيخيب مسعاه، ويضيع جهده، كما قيل:

إذ لم يكن عونٌ من الله

                   فأول ما يجني عليه اجتهادُه

2_ مراقبة الله واستشعار اطلاعه_جلّ وعلا : فإذا راقب العبدُ ربَّه، واستشعر اطلاعه عليه، واستحضر أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد_انبعث إلى التزام الصدق، وتجنُّبِ الكذب.

3_ تعويد النفس على الصدق، وتوطينها عليه: وذلك بأن يتكلف الإنسان الصدق مرة بعد مرة؛ حتى يصبح سجية له وطبعًا، قال الشاعر:

عوِّد لسانَك قولَ الخيرِ تحظَ به

                   إن اللسان لما عوّدت معتادُ

مُوَكَّلٌ بتقاضي ما سننت له

                   فاختر لنفسك وانظر كيف ترتادُ( )

4_ النظر في العواقب: وذلك باستحضار فضائل الصدق العاجلة والآجلة؛ لينبعث إليه، واستحضار قبائح الكذب العاجلة والآجلة؛ ليبتعد عنه، ويتجنبه.

5_ تنشئة الصغار على الصدق: وذلك بتحبيب الصدق إليهم، وتشجيعهم، وحفزهم على قول الصدق، وبتجنيبهم الكذب، وتقبيحه في نفوسهم، ومعاقبتهم عليه.

6_ الحرص على أداء الصلاة وتكميلها، وإعطائها حقّها من الخشوع وغيره: لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكرِ، والكذبُ من جملة ما تنهى عنه الصلاة من منكر؛ فإذا أعطاها الإنسان حقها نال أعلى المطالب، وأشرف المواهب، وتَخَلَّقَ بأخلاق المؤمنين وعباد الله الصالحين، والتي منها بل من أعلاها الصدق.

7_ معاشرة الصادقين، ومجانبة الكاذبين: ذلك أن المعاشرة تستدعي تأثر الإنسان بمن يعاشره ويخالطه، فإذا ما عاشر الإنسانُ الصادقين الأخيارَ فإنه سيتأثر بصدقهم، وسمتهم وهديهم؛ فالصاحب ساحب، والطبع استراق.

وكذلك إذا نأى بنفسه عن مجالسة الكاذبين فإنه سيسلم من أثرهم السيئ، فتبقى صورة الكذب قبيحة في ذهنه.

بخلاف ما إذا عاشرهم فإنه سيأخذ من طباعهم السيئة، وسيستمرئ الكذب، ولا يعود ينكره.

8_ الإكثار من قراءة القرآن بالتدبر والتعقل: فإذا أكثر الإنسان من قراءة القرآن، وحرص على تدبر معانيه، واجتهد في تفهم مراميه_فإنه سينبعث للصدق وترك الكذب؛ ذلك أن القرآن يهدي للتي أقوم، والتزام الصدق وترك الكذب من جملة ما هو أقوم.

 أثر الصدق في سعادة الفرد( )

للصدق آثار حميدة، وعوائد عديدة، على الفرد وعلى الجماعة، وقد مر بنا فيما مضى شيء من ذلك، وفيما يلي إكمال لبعض ما مضى، وتأكيد عليه.

فمن آثار الصدق في سعادة الفرد ما يلي:

1_ شرف القدر، وعلو المنزلة: فالإنسان الذي يتحلى بالصدق يشرف قدره، وتعلو منزلته؛ ذلك أن الصدق يدل على حسن السيرة، ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، كما أن الكذب عنوان سفه العقل، وسقوط الهمة، وخبث الطوية.

فالصدق حسنة حميدة تنساق بصاحبها إلى الحسنات، كما أن الكذب خصلة سيئة تَنْجَرُّ بصاحبها إلى السيئات.

فلا يستقيم لأحد سؤدد، ولا تعلو له مكانة، ولا يحرز قبولاً في قلوب الناس_إلا إذا وهبه الله لسان صدق.

فإذا ما ابتغى بالكذب منزلةً عليَّةً_فإنما يتبوؤها بين طائفة ضُربت في أدمغتهم الغباوةُ، أو طائفة تُؤْثِرُ اللهو على الجد، ويشغلها الخداع عن النصيحة.

2_ طيب العيش: ذلك أن الناس لا يطمئنون إلا إلى معاملة الصادق الأمين، وشأنُهم الانصرافُ عمن ألْفَوه يضع الكلمة في غير مواقعها.

وقد يحرص التاجر أو الصانع على درهم أو دينار يقتنصه بكلمة غير صادقة، فإذا هو يضيع سمعة طيبة، ويخسر ربحاً وافراً.

والناس إذا علموا صدق اللهجة من شخص أكرموه، وأجَلَّوه، وسوَّدوه، وحرصوا على صحبته، وأصاخوا السمع لمقولته، واستناروا برأيه، وأخذوا بنصحه.

ومن هنا تطيب حياته، ويكثر أنسه، وتسعد نفسه.

3_ صفاء البال: فصادق اللهجة يصفو باله، ويعينه صدقه على التخلص من المكدرات، وذلك من ناحيتين:

أولاهما: أن مرتكب الرذيلة لا بدّ وأن يحس بوخز في ضميره، ويُسمى هذا: توبيخَ الضمير، والكذب من أفظع الرذائل، فوخزه في الضمير غير يسير.

ومتى سار الإنسان في طريق الصدق، وأقام بينه وبين الكذب حصناً مانعًا_عاش في صفاء خاطر، وراحة ضمير، ولم يكن لهذا الوخز النفسي عليه من سبيل.

أخراهما: أن من يلطخ لسانه برجس الكذب لا بد من أن تبدو سريرته، وتنكشف سالفته، فيجر عليه شؤم هذه الرذيلة شقْوَةً إثر شقوة، فلا يلاقي من الناس إلا ازدراءً ومقتاً، وربما رموه بالتوبيخ في وجهه، وأساءوا الأدب في معاملته.

أما صادق اللهجة فيظل موفور الكرامة، آمنًا مما يكدر عليه صفوه.

4_ عزة النفس: فالصادق تأبى عليه نفسه الكريمة، ودينه القويم_أن يكذب، فيسلم بذلك من تبعات الكذب، وينأى بنفسه عن ذل الاعتذار، والتماس المسوغات، التي لا بدّ للكاذب أن يقع فيها.

5_ الشجاعة والثقة في النفس: فالصدق يكسب الفرد شجاعة وثقة في النفس؛ لأن الكاذب على وجل من أن يُكْشَفَ أمره، ويتبين كذبه، فتراه ذليلاً، خائفًا، مذعورًا، يحسب كلَّ صحية عليه، وكلَّ مكروه قاصدًا إليه.

أما الصادق فيتحرك بخطى ثابتة، وبثقة عالية؛ فسره كعلانيته، وظلمة ليله مثل ضوء نهاره.

 أثر الصدق في سعادة

وكما أن للصدق أثرًا في سعادة الفرد فكذلك له أثر في سعادة الجماعة.

فالجماعة تسعد، وتنتظم شؤونها على قدر احتفاظها بفضيلة الصدق؛ فالمعاملات كالبيع والإجارة، والقرض، والشركة لا يتسع مجالها، ولا يستقيم سيرها إلا أن تديرها لهجة صادقة.

والأمة التي يسود فيها الصدق حتى يكون القائم بأي عمل موضعَ ثقةِ الجمهور_تتقدم حالتها الاقتصادية، ولا يجد عدوها الوسيلة إلى مزاحمتها في نحو التجارة والصناعة.

والأمة الصادق أفرادُها تقطع على العدو فرصة التغلغل فيها، والإيضاع خلالها؛ لإفساد وُدِّها، وتفريق شملها.

والصداقات التي تجعل أفراد الأمة كالجسد الواحد_إنما يشتد رباطها، ويصلب عُودُها على قدر ما يكون لأفرادها من الاحتفاظ بصدق اللهجة.

وقد يكون للكاذب صديق من صنف أصدقاء المنفعة، ولكنه لا يستطيع أن يتخذ من إخوان الفضيلة صديقاً حميماً.

فالذي يستهين بالكلمة الكاذبة يطلق بها لسانه_فإنه يؤذي نفسه، ويرهق المجتمع خللاً، ويورثه فسادًا عريضاً؛ فالكاذب لا يعد عضوًا أشلَّ فحسب، وإنما هو عضو يحمل دماً مسموماً لا يلبث أن يسري إلى الأعضاء المتصلة به فيؤذيها.

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا