التقصير في حقوق الجار

نبذة مختصرة

التقصير في حقوق الجار : كتاب باللغة العربية للدكتور محمد الحمد - أثابه الله - بين فيه تعريف حق الجار، ووصاية الإسلام به، ثم بين بعض مظاهر التقصير في حق الجار مع محاولة علاج تلك المظاهر.

تنزيــل

تفاصيل

التقصير في حقوق الجار

 مقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد: فإن الروابط بين الناس كثيرة، وإن الصِّلاتِ التي تصل بعضهم ببعض متعددة.

فهناك رابطة القرابة، وهناك رابطة النسب والمصاهرة، وهناك رابطة الصداقة والزمالة، وهناك رابطة الجوار والمسكن إلى غير ذلك.

فعلى هذه الروابط تقوم الأمم، وبهذه الصلات تتكون الممالك والدول.

ومتى سارت هذه الروابط على أساس من البر والتقوى والمحبة والرحمة، عظمت الأمة، وقوي شأنها، وهِيب جانبها.

ومتى أهملت هذه الحقوق، وتفصَّمَتْ تلك الروابط شقيت الأمة، وهانت، وحل بها التفكك والدمار.

ومن أجل ذلك جاء الإسلام بمراعاة تلك الروابط، وتقويمها، وتمكينها، وإحاطتها بما يحفظ وجودها، ويعلي منارها.

ولم يكتفِ الشارع في دعوته برعاية الروابط الكبرى كرابطة الدِّين، بل اتجه إلى الروابط الصغيرة كرابطة النسب والجوار وغيرها اتجاهًا خاصًا؛ ذلك أن هذه الروابط كحلقات في سلسلة كبيرة هي رابطة الأمة.

وكمال السلسلة الكبيرة وقوَّتُها في سلامة الحلقات ومتانتها.

ومن تلك الروابط التي دعمها الإسلام، وأوصى بمراعاتها، وشدد في الإبقاء عليها، رابطة الجوار، تلك الرابطة العظيمة التي فرط كثير من الناس فيها، ولم يرعوها حق رعايتها.

والحديث في الصفحات التالية سيكون حول التقصير في حق الجار.

وقبل ذلك سيتم الحديث عن تعريف الجار، وحدِّه، وحقِّه، ووصاية الإسلام به.

ثم بعد ذلك يتم الحديث عن مظاهر التقصير في حق الجار مع محاولة علاج تلك المظاهر.

فأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينفع بهذه الصفحات، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

محمد بن إبراهيم الحمد

الزلفي  23/12/1417هـ

ص.ب: 460

www.toislam.net

 تعريـف الجـار

أولاً: الجار في اللغة: قال ابن منظور×: =والجوار: المجاورة، والجار الذي يجاورك.

وجاور الرجلَ مجاورة وجِوارًا وجُوارًا، والكسر أفصح: ساكَنَهُ.

وإنه لَحَسنُ الجيرة: لحالٍ من الجوار، وضربٍ منه+ ( ).

وقال: =وجارُك: الذي يجاورك، والجمع أجوار، وجيرة، وجيران، ولا نظير له إلا قاعٌ، وأقواعٌ، وقيعان، وقيعة+ ( ).

ثانيًا: تعريف الجار في الاصطلاح: وهو مَنْ جاورك جوارًا شرعيًا سواء كان مسلمًا أو كافرًا، برًا أو فاجرًا، صديقًا أو عدوَّا ً، محسناً أو مسيئاً، نافعًا أو ضارًا، قريبًا أو أجنبيًا، بلديَّاً أو غريبًا.

وله مراتب بعضها أعلى من بعض، تزيد وتنقص بحسب قربه، وقرابته، ودينه، وتقواه، ونحو ذلك، فَيُعْطى بحسب حاله وما يستحق ( ).

 حـد الجـوار

اختلفت عبارات أهل العلم في حد الجوار المعتبر شرعًا، فمما قيل في ذلك ما يلي( ):

1_أن حد الجوار أربعون دارًا من كل جانب، وقد جاء ذلك عن عائشة_رضي الله عنها_كما جاء عن الزهري والأوزاعي.

2_أنه عشرة دور من كل جانب.

3_أن من سمع النداء هو جار، وقد جاء ذلك عن علي÷.

4_أن الجار هو الملاصق الملازق.

5_أن حد الجوار هم الذين يجمعهم مسجدٌ واحدٌ.

والأقرب_والله أعلم_أن حد الجوار يُرجع فيه إلى العرف؛ فما علم عرفاً أنه جار فهو جار.

 شمول مفهوم الجار

لا ريب أن الجوار في المسكن هو أجلى صور الجوار وأوضحها.

ولكن مفهوم الجار والجوار لا يقتصر على الجوار في المسكن فحسب؛ بل هو أعم من ذلك؛ فالجار معتبر في المتجر، والسوق،

والمزرعة، والمكتب، ومقعد الدرس.

ومفهوم الجار يشمل الرفيق في السفر؛ فإنه مجاور لصاحبه مكانًا وبدناً، ولكل واحد منهما على الآخر حق الجوار.

والزوجة كذلك تسمى جارة، كما جاء في تفسير قوله_تعالى_[وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ] (النساء: 36).

وسيأتي بيان تلك الآية قريبًا، بل إن العرب كانت تسمي الزوجة جارة كما قال الأعشى لامرأته الهزانية حين طلقها:

أيا جارتا بِيْنِي فإنك طالقةْ

                   وموموقة ما دمت فينا ووامقةْ

وكذلك مفهوم الجار يشمل الجوار بين الدول والممالك؛ فلكل دولة على جارتها حق الجوار.

وكذلك يُقال للذي يستجير بك: جار، وللذي يجير: جار.

 وصاية الإسلام بالجار

لقد أوصى الإسلام بالجار، وأعلى من قدره؛ فللجار في الإسلام حرمة مصونة، وحقوق كثيرة لم تعرفها قوانين الأخلاق، ولا شرائع البشر.

بل إن تلك القوانين والشرائع الوضعية لتتنكر للجار، وتستمرئ العبث بحرمته؛ إذ غالبًا ما يكون العبث بحق الجار أسهل تناولاً، وأقل كلفة، وأسنح فرصة.

ولقد بلغ من عِظَم حق الجار في الإسلام أن قرنَ الله حق الجار بعبادته وتوحيده_تبارك وتعالى_وبالإحسان إلى الوالدين، واليتامى، والأرحام.

قال_عز وجل_في آية الحقوق العشرة: [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ] (النساء: 36).

فقوله_تعالى_: [وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى]: هو الذي بينك وبينه قرابة، وقيل: هو الذي قَرُبَ جوارُه، وقيل: المسلم، وقيل: الزوجة.

وقوله: [وَالْجَارِ الْجُنُبِ]: قيل: هو الذي يعد في العرف جارًا وبينك وبين منزله فسحة.

وقيل: هو الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقيل: الزوجة: وقيل: غير المسلم ( ).

أما السنة النبوية فقد استفاضت نصوصها في بيان رعاية حقوق الجار، والوصاية به، وصيانة عرضه، والحفاظ على شرفه، وستر عورته، وسد خلَّته، وغض البصر عن محارمه، والبعد عن ما يريبه ويسيء إليه.

ومن أجلى تلك النصوص وأعظمها ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة وابن عمر_رضي الله عنهما_أن النبي " قال: =ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه+ ( ).

أي ظننت أنه سيبلغني عن الله الأمرُ بتوريث الجارِ الجارَ.

وهذه كلمة جامعة بالغة؛ فإن الوصاية بالجار تشمل كف الشر عنه وإسداء الخير إليه، وقوله ": =حتى ظننت أنه سيورِّثه+ يدل على أن الوصاية بالجار كانت على جانب عظيم من التأكد، والحث على رعاية حقوقه ( ).

هذا وسيأتي مزيد بيان لوصاية الإسلام بالجار فيما سيأتي من صفحات.

 حقوق الجـار

حقوق الجار على وجه التفصيل كثيرة جدًا وأما أصولها فتكاد ترجع إلى أربعة حقوق:

1_كف الأذى: فقد تقدَّم أن للجار مكانةً عالية، وحرمةً مصونة.

ومن أجل ذلك جاء الزجر الأكيد والتحذير الشديد في حق من يؤذي جاره؛ فالأذى بغير حق محرم، وأذية الجار أشد تحريمًا.

جاء في صحيح البخاري عن أبي شريح÷عن النبي " قال: =والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن+.

قيل: من يا رسول الله ؟

قال: =من لا يأمن جارُه بوائقه+ ( ).

وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة÷عن النبي" قال: =لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه+ ( ).

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة_رضي الله عنه _: =من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره+ ( ).

وعن أبي هريرة÷قال: قيل للنبيِّ ": يا رسول الله ! إن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتفعل، وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها ؟

قال رسول الله ": =لا خير فيها، هي من أهل النار+.

قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة، وتصدَّق بأثوار ( )، ولا تؤذي أحداً ؟

فقال رسول الله ": =هي من أهل الجنة+.

ولفظ الإمام أحمد: =ولا تؤذي بلسانها جيرانها+ ( ).

بل لقد جاء الخبر بلعن من يؤذي جاره، ففي حديث أبي جحيفة÷قال: جاء رجل إلى النبي " يشكو جاره، فقال له: =اطرح متاعك في الطريق+.

قال: فجعل الناس يمرون به فيلعنونه، فجاء إلى النبي " فقال: يا رسول الله، ما لقيتُ من الناس ؟.

قال: =وما لقيتَ منهم ؟+. قال: يلعنوني.

قال: =فقد لعنك الله قبل الناس+.

قال: يا رسولَ الله، فإني لا أعود+.

 =قال علي بن أبي طالب للعباس+ ما بقي من كرم إخوانك ؟ قال: الإفضال إلى الإخوان، وترك أذى الجيران+ ( ).

فانظر كيف عدَّ العباس÷ترك أذى الجيران من الكرم.

ولقد كان العرب يتمدحون بكف الأذى عن الجار، قال هدبة بن الخشرم:

يبيت عن الجيران مُعْزبُ جهله

                   مُريحُ حواشي الحلم للخير واصف( )

وقال:

ولا نخذل المولى ولا نرفع العصا

                   عليه ولا نُزجي إلى الجار عقربا( )

 بل إن لبيدًا عدَّ هوان الجارِ لجارِه فاقرةً من الفواقر، قال:

وإن هوانَ الجارِ للجارِ مؤلمٌ

                   وفاقرةٌ تأوي إليها الفواقر( )

2_حماية الجار: فمن الوصية بالجار ومن حقه حمايته، ومما ينبه لشرف همة الرجل نهوضه لإنقاذ جاره في بلاء يُنال به، سواء كان ذلك في عرضه، أو بدنه، أو ماله أو نحو ذلك.

ولقد كانت حماية الجار من أشهر مفاخر العرب التي ملأت أشعارهم.

قال عنترة:

وإني لأحمي الجار من كل ذلة

                   وأفرح بالضيف المقيم وأبهج ( )

وقالت الخنسا ء تمدح أخاها بحمايته جارَه:

وجارك محفوظٌ منيعٌ بنجوةٍ

                   من الضيم لا يُؤذى ولا يتذلل ( )

وقالت:

يحامي عن الحيِّ يوم الحفا

                   ظ والجار والضيف والنُّزَّل( )

وكان لأبي حنيفة×جار بالكوفة إذا انصرف من عمله يرفع صوته في غرفته منشدًا قول العرجي:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا

                   ليوم كريهة وسِداد ثغرِ

فيسمع أبو حنيفة إنشاده هذا البيت، فاتفق أن أخذ الحرس في ليلة هذا الجار وحبسوه، ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة، وسأل عنه من الغد، فأخبروه بحبسه، فركب إلى الأمير عيسى بن موسى، وطلب منه إطلاق الجار، فأطلقه في الحال.

فلما خرج الفتى دعاه أبو حنيفة، وقال له سرَّاً: فهل أضعناك يا فتى ؟

قال: لا، ولكن أحسنت وتكرمت، أحسن الله جزاءك ( ).

بل لقد غالى العرب وبالغوا في المحاماة عن الجار؛ إذ لم تتوقف محاماتهم عن الجار الإنسان، بل لقد تعدوا ذلك، فأجاروا ما ليس بإنسان إذا نزل حول بيوتهم حتى ولو كان لا يعقل ولا يستجير؛ مبالغة في الكرامة والعزة، وتحديًا لأحد أن يخفر الجوار، مثل ما فعل مدلج ابن سويد الطائي الذي نزل الجراد حول خبائه، فمنع أحدًا أن يصيده حتى طار وبَعُدَ عنه ( ).

وكان كليب يجير الصيد فلا يعرض له أحدٌ ( ).

3_الإحسان إلى الجار: فلا يكفي الرجل في حسن الجوار أن يكف أذاه عن جاره، أو أن يدفع عنه بيده أو جاهه يدًا طاغيةً، أو لساناً مقذعاً.

بل يدخل في حسن الجوار أن يحسن إليه في كافة وجوه الإحسان، فذلك دليل الفضل، وبرهان الإيمان، وعنوان الصدق.

جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة÷قال: =من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه+ ( ).

ولمسلم_أيضًا_: =فليحسن إلى جاره+ ( ).

قال حاتم الطائي:

إذا كان لي شيئان يا أم مالك

                   فإن لجاري منهما ما تخيرا( )

فمن الإحسان إلى الجار تعزيته عند المصيبة، وتهنئته عند الفرح , وعيادته عند المرض، وبداءته بالسلام، و طلاقة الوجه عند لقائه، وإرشاده إلى ما ينفعه في أمر دينه ودنياه، ومواصلته بالمستطاع من ضروب الإحسان مما سيأتي التنبيه عليها فيما بعد.

4_احتمال أذى الجار: فللرجل فضل في أن يكف عن جاره الأذى، وله فضل في أن يذود عنه، ويجيره عن أيدٍ أو ألسنة تمتد إليه بسوء، وله فضل في أن يواصله بالإحسان جهده.

وهناك فضل رابع، وهو أن يغضي عن هفواته، ويتلقى بالصفح كثيرًا من زلاته وإساءاته، ولا سيما إساءة صدرت عن غير قصد، أو إساءة ندم عليها وجاء معتذرًا منها.

فاحتمال أذى الجار وترك مقابلته بالمثل من أرفع الأخلاق وأعلى الشيم.

ولقد فقه السلف هذا المعنى وعملوا به.

 =روى المرُّوذي عن الحسن: ليس حسن الجوار كف الأذى، حسن الجوار الصبر على الأذى+.

قال منصور الفقيه يمدح بعض إخوانه من جيرانه:

يا سائلي عن حسين

                   وقد مضى أشكاله

أقلُّ ما في حسين

                   كفُّ الأذى واحتماله

هذا وسيأتي_إن شاء الله_مزيد بيان وأدلة لحق الجار عند الحديث عن التقصير في حقوقه.

 التقصير في حق الجار

مرّ بنا الوصية الأكيدة في حق الجار، وما له من عظيم الحق في دين الإسلام، غير أن كثيرًا من المسلمين قد فرط في هذا الحق أيما تفريط، فترحَّلت السماحة، والمودة، والإحسان بين الجيران، وحل محلَّها الغلظة، والفظاظة، والتقاطع، والشنآن.

بل قد تَصِلُ حدَّةُ العداوة إلى المحاكم والشُّرَط، لفض النزاعات والمشكلات.

وهم بذلك يشوهون صورة الإسلام النقية، ويقوضون صرح المروءة والإنسانية الحقة.

وما شاعت تلك الأخلاق المرذولة في كثير من مجتمعات المسلمين إلاعندما جانبت هدي الإسلام، ونسيت حظَّـاً مما ذكِّرت به.

وفيما يلي ذكر لبعض مظاهر التقصير في حق الجار مع محاولة العلاج؛ فلعل في ذلك إيقاظًا، وتذكيرًا؛ فإلى تلك المظاهر، والله المستعان وعليه التكلان.

1_مضايقة الجار: وتلك المضايقة داخلة في أذية الجار، وهي تأخذ صورًا شتى؛ فمن مضايقة الجار إيقاف السيارات أمام بابه حتى يضيقَ عليه دخولُ منزله، أو الخروج منه.

ومن ذلك مضايقته بالأشجار الطويلة التي تطل على منزله، وتؤذيه بتساقط الأوراق عليه.

ومن ذلك ترك المياه تتسرب أمام منزل الجار مما يشق معها دخول الجار منزله، وخروجه منه.

ومن ذلك إيذاء الجيران بالروائح المنتنة المنبعثة من مياه المجاري.

وقد لا يُلام المرء على هذا في بداية الأمر، ولكن يُلام إذا لم يحرص على إصلاحها أو تعاهدها.

ومن ذلك مضايقتهم بمخلفات البناء وأدواته؛ حيث تمكث طويلاً أمام بيوت الجيران بلا داع.

أما إذا احتاج الجار إلى وضع بعض المخلفات أمام منزل جاره، وحرص على إنجاز العمل فلا بأس؛ فمتطلبات الحياة تستلزم مثل هذا، وتَحَمُّلُ مثل ذلك من حق الجار على الجار.

والمقصود أن يعجل المرء في إماطة الأذى عن جيرانه مع الاعتذار لهم، وشكرهم على تحملهم.

ومن مضايقتهم حفر الآبار وتركها مكشوفة دون وضع حماية لها، فتكون عرضة لسقوط أحد أبناء الجيران فيها.

ومن المضايقة للجيران وضع الزبل أمام أبوابهم.

2_حسد الجار: الحسد هو تمني زوال نعمة المحسود، أو هو البغض والكراهية لما يراه من حال المحسود ( ).

والحسد خلق لئيم، ومن لؤمه أنه موكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب، والأكفاء، والمعارف، والخلطاء، والإخوان.

ولئن كان الحسد قبيحًا فإن قبحه يزداد إذا كان منصرفًا إلى الجيران؛ لأنهم من أولى الناس ببذل الندى لهم، وكف الأذى عنهم.

فإذا حلَّ الحسد فلا تسل عمّا سيكون من التقصير في حقهم، والإساءة إليهم.

فكم من الجيران_والله المستعان_من يحسد جيرانه، ويتمنى أن يزول ما بهم من نعمة، سواء كانت دينية أو دنيوية.

وأكثر ما يقع الحسد بين النساء المتجاورات، أو التجار المتجاورين في محلات التجارة.

3_احتقار الجار والسخرية منه: كأن يحتقر جاره، أو يسخر منه لفقره، أو لجهله، أو وضاعته.

ومن ذلك السخرية بحديثه إذا تحدث، والسخرية بملبس الجار، أو منزله، أو أولاده أو نحو ذلك.

ويكفي في التنفير من هذا الخلق القبيح قوله_تعالى_[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ] (الحجرات: 11).

واحتقار الجار لا يصدر من ذي خلق كريم، أو دين قويم، وإنما يفعله الذين لم يتربوا تربية فاضلة.

وإلا لو كان_وا كراماً لما احتقروا جارهم، بل لحرصوا على أن يجلوه، وأن يرفعوا خسيسته.

قال حسان بن ثابت÷:

فما أحد منا بمهدٍ لجاره

                   أذاةً ولا مزرٍ به وهو عائد

لأنا نرى حقَّ الجوارِ أمانةً

                   ويحفظه منا الكريم المعاهد( )

4_كشف أسرار الجار: فالجار أقرب الناس إلى جاره، وهو أعرفهم_في الغالب_بأسراره؛ فمن اللؤم والأذية للجار كشف سره، وهتك ستره، وإشاعة أخباره الخاصة بين الناس.

وإلا فالكرام يحفظون سر جارهم، ويحافظون على ستره سواء في غَيبته أو حضوره.

قال الإمام ابن عبد البر×: =روى يحيى ابن زكريا بن يحيى الباجي قال: حدثني محمد بن الفضل المكي، قال: حدثني أبي عن إبراهيم عن عبد الله قال: مرّ مالك بن أنس بقينة تغني شعر مسلم:

أنتِ أختي وأنت حرمة جاري

                   وحقيقٌ عليَّ حفظُ الجوار

إن للجار إن تغيَّب غيباً

                   حافظاً للمغيب والأسرار

ما أبالي أكان للجار ستر

                   مسبل أم بَقِيْ بغير ستار

فقال مالك: علموا أهليكم هذا ونحوه+ ( ).

قال الحطيئة:

لعمرك ما المجاور من كليب

                   بِمُقْصىً في الجوار ولا مضاعِ

هُمُ صَنَعٌ لجارهم وليست

                    يَدُ الخرقاء مثلَ يد الصَّناعِ

ويَحْرُمُ سِرُّ جارِهم عليهم

                   ويأكل جارهم أُنُف( ) القِصاع

5_تتبع عثرات الجار، والفرح بزلاته: فمن الجيران من يتتبع عثرات جيرانه، ويفرح بزلاتهم، ولا يكاد يغض الطرف عمّا يراه من أخطائهم وهفواتهم.

ولا ريب أن الذي يفتح بصره على جاره سيظفر بكمٍّ هائل من هذا القبيل؛ بحكم القرب، والاطلاع على كثير من الأحوال؛ فاللائق بالجار أن يتجنب هذا الخلق المذموم.

قال قيس بن عاصم المنقري:

إني امرؤ لا شائنٌ حسبي

                   دنسٌ يُغَيِّره ولا أفْنُ

من منقرٍ في بيت مكرمة

                   والغصن ينبت حوله الغُصْنُ

خطباءُ حين يقول قائلهم

                   بيض الوجوه أعِفَّةٌ لُسْنُ

لا يَفْطَنون لعيب جارهمُ

                   وهم لحفظ جواره فُطْنُ ( )

6_تنفير الناس من الجار: ومن ذلك تنفير الناس من بضاعة الجار إن كان التجاور في المتجر، كما يفعل بعض من لا خلاق لهم، حيث يبادرون المشتري بذم جيرانهم، حتى يُقْبِلَ الناسُ على بضاعتهم، ويعرضوا عن بضاعة جارهم.

وهذا من مذموم الأخلاق، ومن الشح بالخير على عباد الله، ومما يدُل على قلة الثقة بكفاية الله؛ فحري بالجار أن يتجنب هذا الخلق؛ فالله هو الرزاق ذو القوة المتين، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

ومن التنفير من الجار صد الإنسان عن الخِطبة من بنات جاره، بحيث يذم الجار وأهل بيته أمام من يريد التقدم للخطبة.

وربما تجنى وأسرف في الذم في مجامع الناس؛ لأجل أن ينفر الناس من جاره، ويعرضوا عن الزواج من بناته.

ومن ذلك ذم أبناء الجيران أمام الناس، والتحذير من تزويجهم، أو الاتصال بهم؛ كل ذلك دون ما مناسبة أو داع لذلك، وإنما يقول ما يقول بسبب لؤم طبعه، ورقة دينه.

7_التعدي على حقوق الجار وممتلكاته: فمن ذلك إرسال الغنم في مزرعة الجار، وتركها تعيث فيها فسادًا، وربما نفشت فيها ليلاً فأبادت خضراءها.

ومن التعدِّي على حقوق الجار التعدي على حدوده، ومراسيمه، إما بإزالة، أو تغيير.

قال النبي ": =لعن الله من غيَّر منار الأرض+ ( ).

ومن ذلك تغيير مجاري السيول، وصرفها عن وجهتها، وحرمان الجار من منافعها.

ومن صور التعدي سرقة الإنسان من جاره، أو تعديه على أدوات جاره في الفصل أو المكتب، أو المزرعة، أو غيرها، أو المصنع، أو نحو ذلك.

ومن ذلك الكتابة على جدار الجار، ويقبح الأمر إذا كانت كتابات بذيئة؛ فعلى من كتبها أن يزيلها، وأن يستبيح الجار، أو يعوضه، لأن ذلك تعدٍّ عليه، وتشويهٌ لجداره.

ومن التعدي على الجار إيذاء أبنائه، والعبث بسيارته وسائر ممتلكاته.

كل ذلك داخل في أذية الجار والتعدي عليه؛ فيجب على الإنسان أن يفطن لمثل تلك الأمور، وألا يحقر شيئًا من أذى الجار.

قال النبي ": =إنه لا قليل من أذى الجار+ ( ).

وجاء في حديث المقداد بن الأسود قول النبي ": =فما تقولون في السرقة ؟ قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره+ ( ).

وما ذلك إلا لعظم حق الجار، ولأنه أولى بالحفظ و التذمم.

8_قلة الاعتداد بتعليم الأولاد حق الجار: فكثير من الناس لا يربي أولاده على رعاية حق الجار، واحترامه، وترك أذيته.

بل ربما رأى أولاده يسيؤون للجار دون أن يحرك ساكنًا.

بل ربما دافع عنهم إذا شكا منهم أحد الجيران بسبب أذيتهم وتسلطهم.

وهذا من التقصير في حق الجار، وإلا فإن الكرام يرعون حق الجار، ويربون أولادهم على ذلك.

يروى أن عبد الملك بن مروان قال لمؤدب ولده: إذا روَّيتَهم شعرًا فلا تروِّهم إلا مثل قول العجير السلولي:

يَبِيْنُ الجارُ حين يبين عني

                   ولم تأنَسْ إليَّ كلابُ جاري

وتظعن جارتي من جنب بيتي

                   ولم تُسْتَرْ بستر من جدار

وتأمن أن أطالع حين آتي

                   عليها وهي واضعة الخِمار

كذلك هديُ آبائي قديماً

                   توارثه النِّجارُ عن النجار ( )

9_إيذاء الجيران بالجَلَبةِ: فمن الجيران مَنْ لا يأنف من إيذاء جيرانه بالجلبة، إما برفع الأصوات بالغناء والملاهي، أو برفع الصوت بالشجار بين أهل البيت، أو بلعب الأولاد بالكرة وإزعاجهم للجيران، أو بطرق باب الجار وضرب جرس منزله دون حاجة، أو بإطلاق الأبواقِ المزعجة أمام بيت الجار خصوصاً في الليل، أو في أوقات الراحة؛ فلربما كان أحد الجيران مريضًا، أو كبيرًا لا ينام إلا بشق الأنفس، أو لديه طفل يريد إسكاته وتهدئته، فلا يستطيع ذلك بسبب الإزعاج والجلبة.

10_تأجير من لا يرغب الجيران في إسكانه: كحال من يؤجر العزاب في البيوت الآهلة بالحُرُم، وكحال من يؤجر الفسقة المنحرفين الذين يخشى منهم إفساد أبناء الحي، وكحال من يؤجر المحلات التي تجلب الضرر على الجيران.

قال ابن رجب×: =ومذهب أحمد ومالك أن يمنع الجار أن يتصرف في خاص ملكه بما يضر بجاره، فيجب عندهما كفُّ الأذى عن الجار بمنع إحداث الانتفاع المُضِرِّ به، ولو كان المنتفع إنما ينتفع بخاص ملكه+ ( ).

على أنه لا يحسن بالجيران أن يتشددوا فيما لا يحصل فيه أذى، أو فيما يكون قليلاً من الأذى؛ فذلك من حق جارهم عليهم.

وقريب من ذلك بيع الإنسان ما يملكه من نحو الأرض، أو المنزل، أو المحل دون عرضه على جاره القريب؛ فالذي يليق بالجار أن يعرضه على جاره قبل بيعه، فذلك داخل في الإحسان إلى الجار، فقد تكون له رغبة فيما سيباع، فيكون أحق به من غيره.

فإذا عُرِض عليه طابت نفسه، سواء اشترى أم لم يشترِ.

عن ابن عباس_رضي الله عنهما_عن النبي " أنه قال: =من كانت له أرض، فأراد أن يبيعها فليعرضها على جاره+( ).

11_خيانة الجار والغدر به: ومن صور ذلك الإغراء بالجار، والتجسس عليه، والوشاية به عند أعدائه.

قال هُدْبَةُ بن الخَشْرَم:

وإني لا يخاف الغدرَ جاري

                   ولا يخشى غوائلي الغريبُ( )

ومن صور ذلك تتبع عورات الجار، والنظر إلى محارمه عبر سطح المنزل، أو عبر النوافذ المطلة عليه، أو حال زيارة الجيران لأهل ذلك الغادر.

فذلك العمل من أقبح الخصال وأحطها، وهو مما يترفع عنه الكرام؛ فلا يصدر إلا من جبان لئيم، خسيس الطبع.

ولقد كانت العرب في جاهليتها وإسلامها تأنف هذه الخصلة، وتفخر بالترفع عنها، قال مسكين الدارمي:

ما ضر جارًا لي أجاوره

                   ألا يكون لبيته ستر

أعمى إذا ما جارتي برزت

                   حتى يواري جارتي الخِدُر( )

وقال عنترة:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي

                   حتى يواري جارتي مأواها( )

وقال سويد بن أبي كاهل يمدح قومه:

لا يخاف الغدر من جاورهم

                   أبدًا منهم ولا يخشى الطَّبَعْ ( )( )

ومن صور الخيانة والغدر بالجار التردد على الجارة؛ طمعًا بها.

ولقد كان كرام العرب ينفرون من هذه الخصلة، ويذمون فاعلها غاية الذم؛ بل لقد كان من مفاخرهم رعايتهم للجارة، وحرصهم على حمايتها، وصون كرامتها، وغض الطرف عنها، وعدم التطلع إليها، أو الطمع فيها ( ).

قالت عائشة_رضي الله عنها_: =ما تبالي المرأة إذا نزلت بين بيتين من الأنصار صالحين ألا تنزل بين أبويها+ ( ).

قال بشار بن بشر المجاشعي:

وإني لَعَفٌّ عن زيارة جارتي

                   وإني لمشنوءٌ لديَّ اغتيابُها

إذا غاب عنها بَعْلُها لم أكن لها

                   زؤورًا ولم تأنس إليَّ كلابُها

ولم أك طلاَّباً أحاديث سِرِّها

                   ولا عالماً من أي جنس ثيابها ( )

وهذا الأعشى يقول:

ولا تقرَبَنَّ جارةً إنَّ سِرَّها

                   عليك حرامٌ فانكِحَنْ أو تأبَّدا ( )

ويقول في موضع آخر:

وجارة جنبِ البيتِ لا تبغِ سِرَّها

                   فإنك لا تخفى على الله خافيا ( )

وهذا حاتم الطائي يُقبِّح أن يطمع ذو المروءة بجارته، أو أن تحدِّثه نفسه بزيارتها تحت جنح الليل فيقول:

إذا ما بتُّ أختلُ عِرْسَ جاري

                   ليخفيني الظلام فلا خفيت

وأفضح جارتي وأخون جاري

                   معاذ الله أفعلُ ما حييتُ( )

ويقول:

وما أنا بالماشي إلى سرِّ جارتي

                   طروقاً أحيِّيها كآخَرَ جانبِ( )

وتقول الخنساء تمدح أخاها:.

ولا يقوم إلى ابن العم يشْتِمه

                   ولا يَدِبُّ إلى الجارات تخويدا( )

وقالت فيه:

لم تَرَهُ جارةٌ يمشي بساحتها

                   لريبة حين يخلي بيته الجار( )

ومن صور الخيانة والغدر بالجار معاكسة محارم الجار عبر الهاتف؛ فهناك من يؤذي جيرانه بالاتصالات الهاتفية، والتي يبتغى من ورائها أن يظفر بمكالمة غادرة يستجر بها إحدى المحارم بكلامه المعسول وبعباراته الرقيقة.

وربما وجد من يجاريه في سفالته وغيه، وربما وقع الهاتف في يد بريئة لا تعرف تلك الألاعيب، فاستدرجها ذلك الغادر، وربما سجل صوتها في جهاز التسجيل، ثم جعل تلك المكالمة إدانة لتلك المسكينة يهددها بها إن لم تستجب لمطالبه.

وهذا نوع من الخلوة أو سبيل إليها، وفاعله حَرِيٌّ بالعقوبة، فَيُخشى أن تنزل به عقوبة تلوث وجه كرامته.

ومثل هذا يقال في حق بعض النساء ممن رقَّ دينهن، وقلَّت مروءتهن، ممن يتعرضن لأبناء الجيران عبر الهاتف، أو عبر النظرات الغادرة، أو بإبداء الزينة، أو التبرج أمامهم حال الدخول وحال الخروج.

وأقبح صور الغدر والخيانة بالجار أن يزاني الرجل حليلة جاره، فذلك العمل غاية في الفحش والبشاعة والشناعة؛ لأنه جمع بين جرائم عدة؛ ففيه جريمة الزنا، وأعْظِمْ بها من جريمة، وفيه جريمة إفساد المرأة على زوجها، وفيه هتك لحرمة الجار الذي ينتظر من جاره المحافظة على عرضه حال غيبته.

ولهذا جاء في ذلك الوعيدُ الشديدُ محذرًا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

أخرج الشيخان عن عبد الله بن مسعود÷قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم ؟

قال: أن تجعل لله ندَّاً وهو خلقك. قلت: ثم أي ؟

قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يَطعم معك. قلت: ثم أي ؟

قال: أن تزاني حليلة جارك+ ( ).

وعن المقداد بن الأسود÷قال: قال رسول الله ": =ما تقولون في الزنا ؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة؛ فقال رسول الله ": =لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره+ ( ).

ولقد أخذ هذا الذنب صفة الفحش، والغدر والخيانة، والتعدي، والظلم، والإفساد، لأن الجار يعرف أوقات جاره دخولاً وخروجًا، وحضرًا وسفرًا، ويعرف_غالبًا_أحوال البيت وما يدور فيه.

وهذا لا ينفي مسؤولية المرأة إذا كانت مطاوعة لذلك الغادر الخائن؛ فهي مطالبة بالحشمة، والستر، والبعد عن التبرج والتبذل، كما أنها مأمورة بالمحافظة على دينها، وشرفها، وفراش زوجها.

12_قلة النهوض لحماية الجار: فمن حق الجار، ومما ينبه لشرف همة الرجل وطيب أرومته_أن ينهض لحماية جاره من بلاء ينال به؛ فذلك من حق الجار_كما مر_.

أما قلة النهوض لحماية الجار فتقصير في حقه، ودليل على الخور والمهانة.

فمن الناس من لا يدافع عن جاره إن ظُلم، ولا يذب عن عرضه إن نيل بمكروه، ولا يكف البغي عنه إن سامه أحدٌ خُطَّةَ ضَيْمٍ.

ولقد مر بنا أن حماية الجار من مفاخر العرب، قال السموأل:

وما ضرنا أنَّا قليلٌ وجارُنا

                   عزيزٌ وجارُ الأكثرين ذليلُ

لنا جَبَلٌ يحتلُّه من نُجيره

                   منيعٌ يَردُّ الطرفَ وهو كليل( )

كما أن العرب تهجو من لا يمنع جاره، ولا يدفع عنه، وتعد ذلك سُبَّةً وعارًا، قال بشر ابن أبي خازم:

فمن يك من جار ابن ضبَّاء ساخرًا

                   فقد كان في جار ابن ضبَّاء مَسْخَرُ

أجار فلم يمنعْ من الضيم جَارَهُ

                   ولا هو إذ خاف الضياع مُسَيَّرُ( )

13_قلة الإحسان إلى الجار: فمن حق الجار أن يُحسن إليه كما مر قبل قليل.

أما قلة الإحسان إلى الجار فنقيصة تزري بصاحبها، وتدل على ضعف إيمانه، وقلة رسوخه في الفضيلة، وإلا فإن الكرام يحسنون إلى جيرانهم غاية الإحسان.

عن ابن عمر_رضي الله عنهما_قال: =لقد أتى علينا زمان_أو قال: حين_وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم،سمعت رسول الله " يقول: =كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، يقول: يا ربِّ ! هذا أغلق بابه دوني، فمنع معروفه+ ( ).

قال عمر بن الخطاب÷=من حق الجار أن تبسط له معروفك، وتكف عنه أذاك+ ( ).

ولقد كانت العرب تمدح من يحسن إلى جيرانه، وتفخر بالإحسان إلى جيرانها، وتعد ذلك من محامدها ومآثرها.

قال الأصمعي: ومن أحسن ما قيل في حسن الجوار:

جاورت شيبان فَاحْلولى جوارهم

                   إن الكرام خيار الناس للجار( )

وقال المُثَقِّبُ العبدي:

أُكْرِمُ الجارَ وأرعى حقه

                   إن عرفان الفتى الحقَّ كَرَمْ( )

وقال معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب_وهو مُعوِّدُ الحكماء_يمدح قومه بأنهم لا يغلقون أبوابهم عن جيرانهم، ويذم من يغلق بابه دون جاره، قال:

إذْ بعْضُهُمْ يحمي مراصدَ بيتِه

                   عن جارهُ وسبيلُنا موروُد( )

ومما ينبغي التنبيه عليه أن إكرام الجار يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.

قال ابن حجر×=ثم الأمر بإكرام الجار يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال؛ فقد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية، وقد يكون مستحبًا، ويجمع الجميع أنه من مكارم الأخلاق+ ( ).

هذا وسيأتي مزيد بيان لصور قلة الإحسان إلى الجار.

14_قلة الحرص على التعرف على الجيران: فمن الناس من لا يعرف جاره الملاصِقَ، وربما دامت الجيرة سنواتٍ عديدة وهم على هذه الحال، إما تجاهلاً، أو تهاونًا، أو اشتغالاً بالدنيا، وقلة الفراغ للتعرف على الجيران، أو نحو ذلك.

ويكثر هذا في المدن الكبرى، ولا ريب أن هذا الصنيع تفريط وتقصير؛ فمن حق الجار أن تتعرف عليه، وأن تتحبب إليه، وتتودد له.

15_قلة المشاركة العاطفية للجيران: فمن الناس من لا هَمَّ له إلا خاصة نفسه، وما عدا ذلك لا يعنيه في قليل ولا كثير؛ فَفَرحُ الناس وحزنهم ومشكلاتهم لا تشغل حيِّزًا من تفكيره.

وتلك آفة سيئة، وأثرةٌ قبيحة، وهي مع الجيران أسوأ وأقبح؛ فالجار الصالح من يُعنى بشؤون جيرانه، فيشاطرهم أفراحهم، ويشاركهم أتراحهم، فإن نالهم فَرَحٌ فَرِحَ معهم، وزاد من أنسهم، وإن نابهم تَرَحٌ شاركهم في مشاعرهم، وواساهم، وخفف عليهم مصابهم؛ فإن ذلك دليل الإيمان، وآية المروءة؛ فالمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، والمؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

ولقد كان العرب يضربون المثل في حسن الجوار بجار أبي دؤاد، وهو كعب بن مامة، فيقولون في مثلهم السائر: =جار كجار أبي دؤاد+.

فإن كعباً كان إذا جاوره رجل فمات وداه ( )، وإن هلك له بعير أو شاة أخلف عليه، فجاءه أبو دؤاد الشاعر مجاورًا له، فكان كعب يفعل به ذلك، فضربت العرب به المثل في حسن الجوار، فقالوا: جار كجار أبي دؤاد.

قال قيس بن زهير:

أطَوِّف ما أطوف ثم آوي

                   إلى جار كجار أبي دؤاد( )

16_قلة التفقد لأحوال الجيران: فمن الجيران من هو محتاج، ومنهم من قد ركِبَتْهُ الديون، ومنهم المرضى، ومنهم المطلقات والأرامل.

وكثير من الناس ممن أعطاهم الله بسطة في المال أو الجاه لا يتفقد جيرانه، ولا يسأل عن أحوالهم.

بل تجد من الناس من يحسن إلى الأباعد، ويتفقد أحوالهم، وجيرانه الأقربون من فضله وتفقده محرمون.

فحقٌ على الإنسان أن يتفقد جيرانه، وأن يسعى في إيصال النفع إليهم، إما أن يبذل من ماله إن كان موسرًا، أو أن يشفع لهم عند المحسنين، أو أن يُعْلِم عنهم المبرات والجمعيات الخيرية؛ حتى تقوم بكفايتهم بما تستطيع.

17_الغفلة عن تعاهد الجيران بالطعام: فكم من الناس من يغفل عن هذا الأمر، فلا يتعاهد جيرانه بالطعام، مع أنه قد يصنع ما يزيد على حاجته ثم يرمي باقيه في الزِّبل، مع أن مِنْ جيرانه مَنْ قد يبيت على الطوى لا يجد ما يسد جوعته.

وهذا منافٍ لحق الجيرة، وأدب المروءة، فعن ابن عباس_رضي الله عنهما_عن النبي " قال: =ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع+.

بل لقد جاءت الوصية بتعاهد الجيران بالطعام، فعن أبي ذر÷قال: أوصاني خليلي ": =إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءه، ثم أنظر إلى أهل بيت جيرانك فأصِبْهم منها بمعروف+.

وفي رواية أن النبي " قال: =يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك+ ( ).

بل لقد جاء الوعيد فيمن يصبحون، ومن بينهم جار جائع فعن ابن عمر_رضي الله عنهما_أن النبي " قال: =أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله عز وجل+ ( ).

ولقد كان العرب يكرمون الجار، ويفاخرون بإطعامه الطعام.

قال مسكين الدارمي:

ناري ونارُ الجارِ واحدةٌ

                   وإليه قبلي تنزل القِدْرُ( )

وقال حاتم الطائي:

أيا ابنة عبد الله وابنة مالك

                   ويا ابنة ذي البردين والفرس الوِرْدِ

إذا ما عملتِ الزادَ فالتمسي له

                   أكيلاً فإني لست آكلَه وحدي

أخاً طارقاً أو جارَ بيتٍ فإنني

                   أخاف مَذَمَّاتِ الأحاديث من بعدي

وكيف يسيغ المرء زادًا وجارُه

                   خفيفُ المِعَى بادي الخصاصة والجهد( )

بل قد كانوا يذمون غاية الذم من يبيت ملآن البطن من الشبع، وجاره جائع.

قال الثعالبي: أهجى بيت قول الأعشى:

تبيتون في المشتى ملاءً بطونُكم

                   وجاراتُكم غرثى يَبِتْنَ خمائصا ( )

يقول: أنتم تبيتون الليلةَ الشاتيةَ الباردةَ ملاءَ البطون من الشّبع، وجاراتكم تبيت خُمْصَ البطون من الجوع؛ فأين أنتم وأين المكارم والمروءات.

18_قلة التهادي بين الجيران: فالجيران يحصل بينهم_بحكم القرب_ما يحصل من الهفوات والزلات، وما شاكل ذلك، فيحتاجون إلى ما يؤصِّر العلاقة فيما بينهم، وإلى ما يذيب أسباب الفرقة والعداوة.

ويأتي على رأس ذلك الهديةُ؛ فهي تجلب المودة، وتكذب سوء الظن، وتستل سخائم القلوب.

إن الهدية حلوةٌ

                   كالسحر تجتذب القلوبا

تدني البعيد عن الهوى

                   حتى تصيِّره قريباً

وتعيد مضطغن العدا

                   وة بعد بغضته حبيباً

تنفي السخيمة عن ذوي الشـ

                   ـحنا وتمتحق الذنوبا( )

ومع عظم شأن الهدية، ومع حاجة الجيران إليها إلا أن من الناس من لا يأبه بها، فربما مرّت الأعوام تلو الأعوام، وربما حدثت مشكلات بين الجيران، ومع ذلك لا يبادر أحد منهم بالهدية، بل ربما مرّت الأعمار دون تهادٍ بين الجيران.

ومن هنا تهي حبال المودة، وتتصرم عرى المحبة بين الجيران، فيحسن بالجيران أن يتهادوا فيما بينهم، وأن يتعاهدوا بالهدية الأقرب فالأقرب، جاء في صحيح البخاري عن عائشة_رضي الله عنها_قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي ؟ قال: =إلى أقربهما منك بابًا+ ( ).

قال ابن حجر×: =وقوله: =أقربهما+ أي أشدهما قربًا.

قيل: الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوف لها؛ بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة.

قال ابن أبي جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب؛ لأن الهدية في الأصل ليست واجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجبًا+ ( ).

19_التكبر عن قبول هدية الجار: فمن الناس من يتكبر عن قبول الهدية من جاره، وذلك إذا كانت يسيرة قليلة، أو كانت من جار فقير أو وضيع.

وهذا من الكبر المذموم، ومما يورث البغضاء والشحناء.

فاللائق بالجار أن يقبل هدية جاره ولو قلَّت، سواء أكان غنيًا أم فقيرًا، أو كان رفيعًا أو وضيعاً، فالهدية لا تقدر بقيمتها، وإنما تقدر بمعناها.

وإذا قبلتَ الهديةَ من الجار أفْرَحْتَه، وأشعرته بتواضعك ومحبتك له.

قال النبي ": =يا نساء المؤمنات، لا تَحْقِرنَّ جارةٌ لجارتها ولو فِرْسِن شاة+ ( ).

الفِرْسِن بكسر الفاء، وسكون الراء، وكسر السين ثم نون: هو العظم قليل اللحم، وهو خف البعير أيضًا، وقد يستعار للشاة وهو الظلف.

والمقصود بالفرسن في الحديث: حافر الشاة ( ).

ومعنى الحديث: لا تحقرن جارة أن تهدي إلى جارتها شيئًا ولو أن تهدي لها ما لا يُنتفع به في الغالب، وإنما حذف المفعول؛ اكتفاء بشهرة الحديث، ولأن المخاطبين يعرفون المراد منه ( ).

قال النووي رحمه الله في هذا الحديث: =ومعناه: لا تمتنع جارة من الصدقة والهدية لجارتها؛ لاستقلالها واحتقارها الموجودَ عندها، بل تجود بما تيسر وإن كان قليلاً كفرسن شاة، وهو خير من العدم، وقد قال الله_تعالى_: [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه] (الزلزلة: 7).

وقال النبي ": =اتقوا النار ولو بشق تمرة+.

قال القاضي: هذا التأويل في الظاهر، وهو تأويل مالك؛ لإدخاله هذا الحديثَ في باب الترغيب في الصدقة.

قال: ويحتمل أن يكون نهيًا للمعطاة عن الاحتقار+ ( ).

وقال ابن حجر×: =وقال الكرماني: يحتمل أن يكون النهي للمعطية، ويحتمل أن يكون للمُهدى إليها.

قلت: ولا يتم حمله على المهدى إليها بجعل اللام في قوله: =لجارتها+ بمعنى من، ولا يمتنع حمله على المعنيين+ ( ).

وبالجملة فالحديث يُستفاد منه فائدتان:

1_ألا تحقر المرأة شيئًا تهديه لجارتها ولو قل.

2_ألا تحتقر المرأة المُهدَى إليها شيئًا ولو كان قليلاً أو حقيرًا.

وإنما خص النساء بالنهي لأمور منها:

1_أن النساء يكثر منهن الاحتقار للمُهدى، أو المهدي.

2_ولأن النساء أكثر اتصالاً بالجيران من الرجال؛ بحكم المكث والقرار.

3_ولأن النساء موارد المودة والبغضاء_والله أعلم_( ).

20_منع الجار ما يحتاج إليه عادةً: فمن التقصير في حق الجار منعه ما يطلبه من نحو النار، والملح، والماء.

ومن ذلك رفض إعارته ما اعتاد الناس استعارته من أمتعة البيت كالقِدْر، والدَّلْو، والفأس، والصحفة، والسكين، والقَدوم، والغربال، والفرش، ونحو ذلك.

وقد حمل كثير من المفسرين الماعون في قوله_تعالى_:[وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ] (الماعون: 1_7) على هذه الأدوات ونحوها؛ ذلك أن منعها دليل لؤم الطبيعة، ودناءة النفس ( ).

ومِنْ مَنْعِ الجارِ ما يحتاج إليه مَنْعُهُ من أن يغرز خشبةً أو بناءاً على جداره أو بنائه إذا استأذنه، واحتاج إليه، ولم يكن فيه ضرر؛ فإن تمكين الجار من ذلك داخل في الإحسان إليه، والرفق به، كما أن فيه تركاً لإيذائه، ومضارَّتهِ، والتضييق عليه.

ففي الصحيحين، وغيرهما عن أبي هريرة÷قال: قال رسول الله ": =لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره+.

ثم يقول أبو هريرة: =ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم+( ).

قال ابن رجب×: =ومذهب الإمام أحمد أن الجار يَلْزمه أن يُمكِّن جارَه من وضع خشبة على جداره إذا احتاج إلى ذلك، ولم يضرَّ بجداره؛ لهذا الحديث الصحيح.

وظاهر كلامه أنه يجب عليه أن يواسيه من فضل ما عنده بما لا يضر به إذا علم حاجته+( ).

وقال: =ويجب عند أحمد أن يبذل لجاره ما يحتاج إليه ولا ضرر عليه ببذله+( ).

21_قلة الاهتمام بإعادة المعار من الجيران إليهم: فمن الناس من يستعير بعض ما يحتاج إليه من جيرانه، ولكنه لا يأبه بإعادة ذلك المستعار، وربما كان الجيران يحتاجون إلى ما أعاروه.

بل إن من الناس من يستعير ويجحد ما استعاره.

وهذا لا يحسن في حق كل أحد فضلاً عن الجار، ولقد جاء في سبب قطع يد المرأة المخزومية التي أهَمَّ قريشاً أمْرُها أنها كانت تستعير المتاع وتجحده ( ).

22_قلة المبالاة بدعوة الجار إلى الولائم والمناسبات: إما نسيانًا، أو تهاونًا، أو نحو ذلك، وهذا الأمر لا يَحْسُن؛ فهو مما يوغر الصدر، ويورث لدى الجار الشكوك في جاره؛ فقد يظن أنه محتقر له، غير مبالٍ به، فحري بالجار أن يحرص على دعوة جيرانه خصوصًا في المناسبات العامة، خاصة وأن الجار يرى المدعوين يتوافدون إلى بيت جاره.

كما يحسن بالجار إذا لم يُدْعَ ألا يعْظُم ذلك في نفسه، وألا يتشوف إلى دعوة جاره له.

بل يجمل به أن يحسن الظن بجاره، وأن يلتمس له أحسن المخارج والمعاذير؛ فذلك من دلائل السمو، وكرم النفس، ورسوخ القدم في الفضيلة.

23_ترك الإجابة لدعوة الجار: فمن الناس من يدعوه جاره، ويستضيفه مرارًا، ولكنه لا يجيب الدعوة، بل يكثر من الإعتذارات، ويحتج بكثرة المشاغل والارتباطات.

وقد يكون صادقاً فيما يقول، ولكن ذلك لا يعفيه من إجابة الجار في بعض الأحيان، وإلا فلا أقل من التلطف في الاعتذار؛ حتى يقبل الجار.

وإن رأى أن ذلك لا يجدي فليوافق، وليجب الدعوة؛ لأن الشيطان متربص ببني آدم؛ فربما شعر الجار بدنو منزلته، وأنه ليس أهلاً لأن يزار، وربما ساورته الظنون بأن جاره يحتقره، ولا يراه إلا هملاً مضاعًا، أو لقىً مزدرىً خصوصًا إذا كان المدعوُّ ذا منصب ومنزلة.

على أنه يحسن بالجار أن يبسط عذر جاره إذا اعتذر عن المجيء إليه؛ فالعاقل لا يستوفي حقه كاملاً، بل يرضى بالقليل وبالعفو الذي يأتيه من جيرانه، والكريم يقضي الناس حقوقهم، ويتغاضى عن حقه إذا قُصِّر فيه؛ فذلك أبقى للود، وأحفظ لما بين الأحبة من العهد.

إذا أنت لم تستبق ودَّ صحابةٍ

                   على دَخَنٍ أكثرت بثَّ المعايب ( )

24_قلة التناصح بين الجيران: فعن أبي رقية تميم الداري عن النبي " قال: =الدين النصيحة_ثلاثًا+ قلنا لمن يا رسول الله؟ قال:+ لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم+ ( ).

فالنصيحة واجبة لعموم المسلمين، وهي في حق الجار أوجب وآكد، ومع ذلك قلَّ من يحرص عليها ويسديها لجيرانه، مع أنه يوجد من بين الجيران من لا يشهد صلاة الجماعة، وقد يوجد فيهم من يتعاطى المسكرات، وقد يوجد من يدخل آلات الفساد في بيته، وقد يوجد بينهم من يعق والديه، أو يقطع أرحامه، أو يؤذي جيرانه بأنواع من الأذى.

وقد يوجد من بينهم من هو متلبس بكثير من المخالفات الشرعية.

ومع ذلك يندر أن تجد من يُعْنى بالنصيحة، ويقْدُرُها قدرها؛ فيقوم بمناصحة جيرانه بالأسلوب الحكيم المناسب.

ومن هنا تتزايد الشرور، وتترسخ، وتُسْتَمْرأ.

فواجب على الجيران أن يتناصحوا فيما بينهم، وأن يُكَمِّل بعضهم بعضًا، حتى تشيع فيهم المحبة، وتُرْفَعَ عنهم العقوبة.

25_التكبر عن قبول النصيحة، والزراية بالناصح: فقد توجد النصيحة، وقد يبذلها ناصح مشفق أمين، ومع ذلك لا تجد أفئدة مصغية، ولا آذانًا مصيخة، بل إن هناك من يردها، ويزري بمن أسداها.

بل ربما أساء الظن بالناصح، وناصبه العداء، وأضمر له الشر.

وكم سقت في آثارهم من نصيحةٍ

                   وقد يستفيد البغضة المُتَنَصِّح

ومع ذلك فلا ينبغي للمرء ترك النصح، بل عليه أن يستمر عليه، وأن ينوع في أساليبه؛ فالنصيحة واجبة_كما مر_ويدفع الله بها من البلاء ما لا يعلمه إلا هو؛ فقد يرتدع المنصوح، وقد يخف شره.

وإذا لم تُجْدِ النصيحة مع شخص ما_فلا يعني أنها لا تجدي مع كل أحد.

ثم إن على المنصوح أن يتقبل النصيحة بقبول حسن، وأن يحسن الظن بمن نصح له، وأن يشكره على حرصه ومبادرته.

بل عليه أن يتلقى من يهدي إليه شيئاً من عيوبه بالبشر والفرح، وأن يضمر له المحبة والمودة؛ فإصلاح النفس لا يتأتى بتجاهل عيوبها، ولا بإلقاء الستار عليها، والعاقل اللبيب يفرح بالنقد الهادف كفرحه بالثناء الصادق.

26_قلة التعاون على البر والتقوى: وهذا الأمر قريب مما قبله، فكثير من الناس لا يتعاون مع جيرانه على البر والتقوى، فلا يأبه بانحراف أبناء الجيران، ولا بشيوع المنكرات في الحي.

وقد يكون من بين الجيران مَنْ هو طالب علم، أو صاحب دعوة، أو آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر.

ومع ذلك لا تحس له وجبةً، ولا تسمع له ركزًا.

وهذا تفريط كبير وخلل فادح؛ فاللائق بالجيران أن يتعاونوا على البر والتقوى، فيحرصوا_على سبيل المثال_على أبناء الحي، ويحموهم من أسباب الانحراف ورفقة السوء، ويوجدوا لهم البدائل المناسبة قدر المستطاع.

وعليهم أن يحرصوا على القضاء على المنكرات الموجودة في الحي، ويناصحوا أصحاب المحلات التي تغري بالفساد، وتنشر الرذيلة، كمحلات بيع الغناء، والأفلام الهابطة، وكمحلات بيع الدخان، والمجلات الخليعة.

ومن التعاون المطلوب تعاونُهم واهتمامهم بحِلَق القرآن الكريم في المساجد، وتسهيل مهام القائمين عليها، وبذل ما يستطَاع في سبيل الرقي بها.

ومن ذلك الاهتمام بنساء الحي، والحرص على توجيههن وتحفيظهن كتاب الله_عز وجل_.

ومن ذلك العناية بدعوة أهل الحي؛ إما عبر توزيع الكتب العلمية، والأشرطة النافعة، أو باستضافة بعض أهل العلم لإلقاء الكلمات المفيدة في المسجد، أو غير ذلك مما فيه نفع للحي وأهله.

ومما يجمل بهم أن يكون بينهم اجتماع شهري أو أسبوعي يتدارسون فيه وضع الحي، ويطرحون فيه ما يجدُّ من مشكلات، وما يتطلبه الحي من حلول وإصلاحات؛ فهذا من التعاون على البر والتقوى، والله_عز وجل_يقول:[وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ] (المائدة: 2).

27_كثرة الخصومة والملاحاة بين الجيران: فمن الناس من هو كثير الخصومة والملاحاة مع جيرانه، فتراه يتشاجر معهم عند كل صغيرة وكبيرة، وربما وصل الأمر إلى الاشتباك بالأيدي، وربما تطور الأمر فوصل إلى الشُّرط والمحاكم.

وكثيرًا ما يكون النزاع بسبب أمور تافهة، يمكن الإنسان بقليل من سعة العقل وكبر النفس أن ينظر إليها ويبتسم من حدوثها؛ فالحياة لا تخلو من أعمال تثير النفس، ومن أناس يثيرون الخصومة؛ فإذا أمعن الإنسان في الألم من تلك الأمور الصغيرة فإن ذلك ناتج عن ضيق نفسه، وخفة عقله.

وإذا أمَّلْت أن يسير الناس على وفق ما تشتهي، وأن يعملوا على نحو ما تريد_فخيرٌ لك ألا تنتظر طويلاً؛ لأنك قد رُمْتَ مستحيلاً.

ولكن خيرٌ من ذلك أن تأخذ الناس كما هم، فتسمو بنفسك، وتترفع عن السفاسف، وتكون واسعَ النفس عميقها، تتقبل شرور الناس وأعمالهم الصغيرة بصدر رحب ونفس مطمئنة.

قال طرفة بن العبد يمدح قومه:

فُضُلٌ أحلامُهم عن جارهم

                   رحُبُ الأذرع بالخير أُمُرْ( )

28_التهاجر والتقاطع بين الجيران عند أدنى سبب: فهناك من الجيران من يتخاصم مع جيرانه، ولكنه يبقي على حبال المودة، فلا يصرمها البتة.

ولكن هناك من إذا خاصم جاراً أو أحدًا من الناس فجر في الخصومة، فظلم، وتعدّى، وهجر صاحبه، وقاطعه حتى بعد أن تنتهي الخصومة.

بل ربما تربص به، وألَّب الجيران عليه.

وما أكثر وقوع هذا الأمر بين الجيران، فبمجرد أدنى خلاف يسير لا يترتب عليه شيء في الغالب يهجر أحدهم أخاه، ويعطيه ظهره، ويقطع شواجر المحبة، ووشائج الرحمة والأخوَّة.

وما هكذا تورد الأمور، ولا هكذا تكون المعاملة بين المسلمين.

قال النبي ": =لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث+( ).

ولئن كان هذا الأمر مرفوضاً وقوعه بين عامة المسلمين_فإن وقوعه بين الجيران أشد وأكبر؛ فليس من الحكمة أن يتخاصم الجيران عند كل صغيرة وكبيرة، وليس من الدين ولا المروءة بعد الخصام أن يتهاجروا ويتقاطعوا؛ فالخصومة الشريفة خصومة دعا إليه سبب معقول، وتبودلت فيها الحجج والبراهين من غير مهاترةٍ أو مسابةٍ، والوسائلُ المكشوفةُ الظاهرة لا الخفية الدنيئة، وخرج كل خصم من المعركة شريفًا نبيلاً لم تُدنِّسْه الخصومة؛ فالخصومة الشريفة كالصراع بين فارس نبيل وفارس نبيل، لا بد لحربهما من سبب معقول قوي، فإذا تحاربا خضعا تمام الخضوع لقوانين الفروسية، وترفعا عن الصغائر والسفاسف، وأساليب الخداع والمراوغة، وإذا انتهى الصراع انتهت الخصومة ( ).

29_قلة الحرص على إصلاح ذات بين الجيران: فكثيرًا ما تفسد ذات البين بين الجيران إما بسبب خصومة_كما مر_أو بسبب تافه حقير، وربما قامت سوق العدواة بين الجيران بدون سبب ظاهر.

ومع ذلك قلَّ من يحرص على الإصلاح، ورأب الصدع، وجمع الكلمة.

بل قد يوجد من حمَّالة الحطب من يغري العدواة، ويذكي أوارها.

فهذا الصنيع لا يجوز، بل اللائق بالجيران أن يَهُبُّوا لإصلاح ذات البين إذا فسدت بين بعضهم، ويعظم هذا الواجب في حق من له جاه ومكانة.

قال_تعالى_: [لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً](النساء: 114).

30_العناد وقلة الاستجابة لداعي الصلح: فقد تبذل الأسباب، ويُسعى في الصلح بين الجيران، ولكن قد يوجد من يتعنت، ويركب رأسه، ويرفض الصلح، فيكتوي الجميع بلهيب الفرقة، فلا يحسن بالعاقل أن يرفض الصلح، بل ينبغي له أن يفرح به، وأن يشكر من سعى له.

31_ترك الإحسان للجار الغريب: فبعض الناس يَقْصُرُ إحسانه على الجار ذي الرحم، أو الجار البلدي الذي هو من أهل بلده أصلاً.

لكنه لا يحسن إلى الجار الغريب الذي حل عندهم، وهذا من التقصير؛ فالجار جار له حقه أيَّاً كان، بل ربما كان الغريب أولى بالإحسان، إن كان قريبًا ملاصقاً، أو كان محتاجًا؛ فذلك مما يؤنسه، ويُهَوِّن عليه غربته.

ولهذا فإن الغريب إذا نزل بين الكرام أنْسوه أهله؛ من حسن كرمهم، وطيب معشرهم.

قال ابن عبد البر×: =تذاكر أهل البصرة من ذوي الآداب والأحساب في أحسن ما قاله المولَّدون في حسن الجوار من غير تعسف ولا تعجرف، فأجمعوا على بيتي أبي الهندي، وهما:

نزلت على آل المهلب شاتياً

                   غريباً عن الأوطان في بلد مَحْلِ

فما زال بي إكرامُهم وافتقادهم

                   وبرُّهمُ حتى حَسِبْتُهُمُ أهلي( )

32_ترك الإحسان للجار غير المسلم: فالأصل ألا يبقى في جزيرة العرب كافر، والأصل ألا يُسْتَقْدَمَ الكفار إلى بلاد المسلمين.

ولكن طالما أنهم قد أتوا، وأن المسلمين قد ابتلوا بهم، فصاروا يعيشون بين ظهرانيهم جيرانًا لهم كان على من جاورهم أن يحسن جوارهم، ما داموا مقيمين على العهد، قال الله_تعالى_: [لاينهاكم اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] (الممتحنة: 8).

وهذا ما فهمه الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص÷حيث ذبح شاةً فقال: هل أهديتم منها لجارنا اليهودي؟ ثلاث مرات.

ثم قال: سمعت النبي " يقول: =ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه+ ( ).

ففهم هذا الصحابي الجليل من هذا الحديث في حسن معاملة الجار أنه يشمل المسلم والكافر.

وفي ظل هذا التوجيه القرآني عاش أهل الكتاب في جوار المسلمين ينعمون بالأمن والطمأنينة على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم.

بل لقد وجدوا معاملةً وعدلاً لم يكونوا يجدونها بين أهليهم وبني جنسهم وملَّتهم.

وحين وجدوا تلك المعاملة الحسنة والعدل والخلق من المسلمين أحبوا دين الإسلام، وسارعوا إلى الدخول فيه عن قناعة ويقين.

ولا يعني الإحسان إليهم أن نحبهم، ونتولاهم؛ فذلك قدر زائد على الإحسان.

ومع هذا التوجيه الإسلامي في حق الجار إلا أن من الناس من لا يحسن إلى الجار الكافر، بل إن منهم من يسيء إليه، ويظلمه بحجة أنه كافر.

وهذا لا يجوز، بل عليه أن يحسن إليه، وأعظم ذلك أن يدعوه إلى الإسلام، وأن يرغبه فيه.

قال ابن أبي جمرة×: =ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه، ويبين محاسنه والترغيب فيه برفق+ ( ).

33_قلة العناية باختيار الجار الصالح: فالجار الصالح من علامات السعادة، ومن عاجل البشرى، أخرج البخاري في الأدب المفرد، عن نافع ابن الحارث÷عن النبي " قال: =من سعادة المرء المسلم المسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء+( ).

ومع ذلك تجد كثيرًا من الناس لا يبالي باختيار الجار الصالح، خصوصًا إذا أراد بناء منزل جديد، أو شراءه، فتراه يحرص على حسن الموقع، وقربه من الخدمات العامة.

أما صلاح الجيران من عدمه فلا يشغل باله، ولا يمر بخياله.

وهذا خلل وخطل، ومن كلام علي÷: =الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق+( ).

وأخذه الشاعر فقال:

يقولون قبل الدار جارٌ موافقُ

                   وقبل الطريقِ النهجِ أُنْسُ رفيقِ( )

وقال آخر:

اطلب لنفسك جيراناً تجاورهم

                   لا تصلح الدارُ حتى يصلحَ الجارُ( )

34_التفريط بالجار الصالح: فكما أن هناك من لا يأبه باختيار الجار الصالح، فهناك من لا يبالي بالتفريط بالجار الصالح، فتراه لا يحافظ عليه، ولا يقدر قدره، ولا يظهر له المودة والمحبة، بل ربما أساء إليه بقوله أو فعله، أو بهما جميعًا، ومن هنا يتسبب في رحيله وفراقه.

ومن الناس من يفرط بجاره الصالح بالرحيل عنه، إما رغبة في التغيير، أو طمعاً في تأجير منزله أو بيعه، أو ما شاكل ذلك من الأسباب، متناسياً أو ناسياً جاره الصالح الذي لا يقدر بثمن.

ومن التفريط بالجار الصالح قلة المبالاة به إذا همَّ بالرحيل عن داره الأولى، فلا تجد من جيرانه من يثنيه عن رحيله، ويعزم عليه بالبقاء فلربما عدل عن رأيه إذا وَجَد من جيرانه رغبةً فيه، وشفقة عليه خصوصاً إذا لم يكن هناك سبب مُلِحٌّ يدعوه للرحيل، أو كان ثمَّ سبب يمكن أن يُزال.

وكل هذا تفريط بالجار؛ فأنى لك بعد هذا بجار صالح يبذل لك معروفه، ويكف عنك أذاه، ويحتمل أذاك، ويحميك ممن ينالك؟

ولهذا فإن للجار الصالح منزلةً عند العقلاء، ومَنْ يقْدرون المكارم قدرها؛ فهم لا يعدلون به شيئًا، ولا يرتضون به بدلاً، ولا يبغون عنه حِولاً؛ لأن فيه أنْسَ وحشتهم، واستقرار حياتهم، وبه الأمن على كل مرتخص ونفيس، فهو_بعد الله_غناهم حال الفقر، وغياثهم ونجدتهم في الخطوب، وهو عدتهم وعتادهم عند النوازل؛ فبقاؤه خصب ونعمة، وفراقه ورحيله مَحْلٌ ونقمة.

ولهذا كان السلف الصالح، والكرام من الناس لا يؤثرون بالجار الصالح مالاً ولا عرضاً من الدنيا.

 =باع أبو الجهم العدوي داره بمائة ألف درهم، ثم قال: بكم تشترون جوارَ سعيد بن العاص؟ قالوا: وهل يشترى جوارٌ قط ؟

قال: ردوا عليَّ داري، وخذوا مالكم؛ لا أدع جوار رجل إن قعدت سأل عني، وإن رآني رحَّب بي، وإن غبت حفظني، وإن شهدت قربني، وإن سألته قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتني نائبة فرَّج عني.

فبلغ ذلك سعيدًا، فبعث إليه بمائة ألف درهم+( ).

ولما عزم أبو البركات التلمساني على الرحلة من بلاد المغرب إلى الشرق كتب إليه ابن خاتمة أحد شعراء تلمسان أبياتاً يقول فيها:

أشمسَ الغربِ حقّاً ما سمعنا

                   بأنك قد سئمت من الإقامه

وأنك قد عزمت على طلوع

                   إلى شرق سموت به علامه

لقد زلزلتَ منا كلَّ قلبٍ

                   بحق الله لا تَقِم القيامه

فقال أبو البركات: =لا أرحل من إقليم فيه من يقول مثل هذا+.

ونفثة السحر والتأثير في هذا أنه هيأ لمراده بقوله: =أشمس الغرب+، ثم ختم بقوله: =لا تقم القيامة+ إشارة إلى أن طلوع الشمس من مغربها من علامات قيام الساعة، وأن طلوع هذا العالم من بلاد الغرب قيامةٌ لقلوب محبيه؛ ولهذا ثناه عن رحيله، فمكث أبو البركات في بلده( ).

35_الاستعجال بالرحيل عن الجيران: فمن الناس من هو محب للتنقل والترحال، ومنهم من يرحل عن جيرانه لأتفه الأسباب، ومنهم من يرحل بلا سبب أصلاً.

واللائق بالمرء أن يحافظ على جيرانه إذا كانوا صالحين_كما مر_وأن يصبر على ما يصيبه منهم إذا كان يسيرًا، وأن يحاول استصلاحهم إذا كان ممكنًا، ثم إذا أراد الرحيل فليتريث، وليتأنَّ، وليستخِرْ، وليستشرْ.

والعرب تمدح من كان كذلك وتقول: =إنه لَحُوَّلٌ قُلَّبٌ+( ).

وتذم من يستعجل، وتقول: =الخطأ زاد العَجُول+( ).

 =جاء رجل إلى أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب يشاوره في الانتقال من محلة إلى أخرى؛ لتأذي الجوار.

فقال: إن العرب تقول: صبرك على أذى من تعرفه خير لك من استحداث من لا تعرفه+( ).

36_قلة المراعاة لأقدار الجيران وإنزالهم منازلهم: فالأصل في معاملة الجار_أي جار_أن يُرعى حقُّه.

ولكن هناك أمور يغفل عنها بعض الناس في معاملتهم لجيرانهم، فتراهم يعاملونهم معاملة واحدة دون مراعاة لأقدارهم ومنازلهم، ودون فهم لطبائعهم ونفسياتهم.

واللائق بالمرء ألا تغيب هذه المعاني عن باله حال معاملته لجيرانه؛ فالمعاملة تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال؛ فللجار العالم حق، وللعابد حق، وللكبير حق، وللصغير حق، وللمكافئ حق، وللعاصي حق، ولليتيم حق، وللأرملة حق، وللغريب حق، وهكذا...

فلهذا حق الإجلال والتوقير، ولهذا حق الرحمة والشفقة، ولهذا حق النصح والملاطفة، ولهذا حق التواصي، وهكذا...

ثم إن من الجيران من يكفيه طلاقة المحيا وابتداء السلام، ومنهم من تكفيه الزيارة الحولية أو الشهرية، ومنهم من يعفو عن حقه كاملاً، ومنهم من لا يرضى إلا بالملاحظة الدائمة والملاطفة المستمرة، وهكذا...

فمعاملتهم بهذا المقتضى تعين كثيرًا على استبقاء مودتهم، ومراعاةُ عقولِ الناسِ وطباعِهم ونزعاتهم فيما لا يُقْعِدُ حقَّاً أو يقيم باطلاً مظهرٌ من مظاهر الإنسانية المهذبة، ولون من ألوان الذوق الرفيع.

وهذا الأمر وإن كان عائدًا إلى الألمعية وهي في أصلها موهبة إلهية فهو كذلك يأتي بالدَّرَبَةِ والممارسة.

37_قلة احتمال الجارِ والصبرِ على أذاه: فقد مرّ بنا أن من حق الجار أن تصبر على أذاه.

ومن الناس من لا يصبر على أدنى هفوة تصدر من جاره؛ فلا يتغاضى ولا يتغافل.

بل يضع كل شيء على باله؛ فما أن يصاب بالتافه من الأمر إلا وتراه حرج الصدر، لهيف القلب، كاسف الوجه، تتناجى الهموم في صدره، فتؤرق جفنه، وتقض مضجعه، وما ذلك إلا لرخاوة نفسه، وضيق عطنه، وقلة تحمله.

ولو حدثت لمن هو أقوى منه احتمالاً لما ألقى لها بالاً، ولما حركت منه ساكنًا، بل نام ملء عيونه رضيَّ البال، مرتاح القلب.

ومن هنا لا ينبغي للجار أن يتضايق من جاره لأدنى هفوة؛ فالجار أولى بأن تعفو عنه، وتتغاضى عن زلته، خصوصًا إذا كان ذا فضل وإحسان.

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد

                   جاءت محاسنه بألف شفيع( )

وهناك من الناس من يرد الإساءة بأشد منها.

وهذا من التقصير في حق الجار، ومما يوغر الصدور، ويغري العدواة.

قال_تعالى_:[خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ] (الأعراف:199).

وهذا في حق الناس كلهم؛ فكيف بالجار؟

فليس من اللائق بذي الفضل أن يرد إساءة جاره بمثلها أو أشد، بل اللائق به أن يصفح، ويعفو، وأن يناصح، وإن أراد أن يأخذ حقه فليأخذه بالعدل دون زيارة، أو تعدٍّ. وإن صبر وغفر فإن ذلك من عزم الأمور، وإن أخذ بالأسباب المُصلحة للجار كان ذلك نوراً على نور.

ولهذا لما اشتكى رجل إلى النبي " ما يلقاه من أذى جاره أمره بالصبر، فلما تكررت الأذية والشكاية أرشده إلى علاج مفيد مع بعض الناس.

فعن أبي هريرة÷قال: =جاء رجل إلى النبي " يشكو جاره فقال: =اذهب فاصبر+ فأتاه مرتين أو ثلاثاً فقال: =اذهب فاطرح متاعك في الطريق+، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه، فعل الله به وفعل.

فجاء إليه جاره فقال له: ارجع، لا ترى شيئاً تكرهه+ ( ).

ففي هذا الحديث تحريم أذية الجار، وفيه حث لمن أوذي أن يصبر، وفيه علاج لمن تمادى في أذية جاره.

وليس معنى ذلك أن يُخْرِجَ كلُّ مَنْ آذاه جارُهُ متاعَهُ إلى السوق، ولكنه علاج نبوي قد ينفع مع بعض النفوس التي لا يكفها عن أذاها إلا التشهير ونشر الخزي.

وإلا فكثيرًا ما يكون الصفح عن الرجل، والعفو عن زلته دواءً لسوء خلقه، وتقويمًا لعوجه، فيعود الجفاء إلى ألفة، والمناوأة إلى مسالمة.

أما التسرع إلى دفع السيئة بمثلها أو بأشد منها دون نظر إلى ما يترتب عليها من الأثر السيئ فدليل ضيق الصدر، والعجز عن كبح جماح الغضب.

وإنما يتفاضل الناس في السماحة والسيادة على قدر تدبرهم للعواقب، وإسكاتهم الغضبَ إذا طغى ( ).

فإذا أساء إليك أحد من جيرانك فادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم؛ فذلك من دلائل مروءتك، ومن علامات سؤددك.

ولهذا قيل: =مروءة الرجل صدق لسانه، واحتمال عثرات جيرانه، وبذل المعروف لأهل زمانه، وكفه الأذى عن أباعده وجيرانه+( ).

قال أحدهم:

أقول لجاري إذ أتاني معاتباً

                   مُدِلاً بحقٍ أو مُدِلاً بباطل

إذا لم يَصِلْ خيري وأنت مجاورٌ

                   إليك فما شري إليك بواصل( )

وقال المُثَقِّب العبدي في الحث على الصفح والإعراض:

وكلامٍ سيئٍ قد وقرت

                   أُذُني عنه وما بي من صمم

فَتَعَزَّيتُ؛ خشاةً أن يرى

                   جاهلٌ أني كما كان زعم

ولَبَعْضُ الصفحِ والإعراض عن

                   ذي الخنا أبقى وإن كان ظلم( )

38_الإقامة بدار الهوان: قد مر بنا أن من حق الجار إكرامَهُ، وكفَّ الأذى عنه، والصبرَ على أذاه، وأن الكرام يقضون حق الجيرة، ويصبرون على ما يأتيهم من أذى جيرانهم.

ولكن قد يبتلى الإنسان بجار سوءٍ يَعَزُّ علاجه، ويتعذر استصلاحه.

ولا ريب أن جار السوء من البلاء، ومما يُتعوذ منه.

فعن أبي هريرة÷قال: =كان من دعاء النبي ": =اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقام؛ فإن جار الدنيا يتحول+ ( ).

ولا ريب_أيضًا_أن الصبر على أذى الجار محمود مُرغَّبٌ فيه إذا لم يترتب عليه هوان أو مذلة، ولم يحصل بسببه ضرر على الإنسان في دينه وعرضه، أو كان الجار ممن يمكن علاجه أو استصلاحه.

أما إذا عز علاج الجار، وترتب على الجوار أن يُهان الإنسان، ويستذل، وخشي الإنسان أن يناله الأذى في دينه وعرضه فإن الحزم والحكمة يقتضيان أن يرحل عن داره، وما زالت وصايا الحكماء تتتابع في ذلك.

والعرب تقول في أمثالها: =لا ينفعك من جار سوء توقٍّ+ ( ).

وتقول: =بعت جاري ولم أبع داري+ ( ).

يقول: إني كنت راغبًا في الدار إلا أن جاري أساء مجاورتي، فبعت الدار من أجله.

قال أبو عبيد: =وأخبري ابن الكلبي أن النعمان بن المنذر سأل الصقعب ابن عمرو النهدي_وكان من حكماء العرب_: ما الداء العياء ؟

قال: جار السوء الذي إن قاولْته بهتك، وإن غِبْتَ عنه سَبَعَك+ ( ) ( ).

قال ابن عبد البر×حين رحل من إشبيلية:

وقائلةٍ: ما لي أراك مُرَحِّلاً

                   فجاوبت: صبرًا واسمعي القول مجملا( )

تنكَّر مَنْ كُنَّا نُسَرُّ بقربه

                   وعاد زعافا بعد ما كان سلسلا

وحق لجارٍ لم يوافِقْه جاره

                   ولا لاءمته الدار أن يترحلا

أليس بحزم من له الظل مقعدٌ

                   إذا أدركته الشمس أن يتحولا

بُليْتُ بحمصٍ والمُقام ببلدة

                   طويلاً لعمري مُخْلِقٌ يورث البِلَى

إذا هان حرٌّ عند قوم أتاهم

                   ولم ينأ عنهم كان أعمى وأجهلا

ولم تضربِ الأمثال إلا لعالم

                   ولا غرَّب الإنسان إلا ليعقلا ( )

وقال آخر:

إذا ما الحُر هان بأرض قوم

                   فليس عليه في هرب جناح

وقد هُنَّا بأرضكم وصرنا

                   لقىً في الأرض تذروه الرياح( )

وقال آخر:

وكانت إذا ضاقت عليَّ مَحَلَّةٌ

                   تيمَّمْتُ أخرى ما عليَّ تضيق( )

وقال آخر:

يلومونني أن بعت بالرخص منزلاً

                   ولم يعرفوا جاراً هناك يُنَغِّصُ

فقلت لهم: كفوا الملام؛ فإنها

                   بجيرانها تغلو الديارُ وترخصُ( )

وقال آخر:

واترك محلَّ السوءِ لا تَنْزِلْ به

                   وإذا نبا بك منزلٌ فتحوَّلِ

دارُ الهوانِ لمن رآها دارَهُ

                   أفراحلٌ عنها كمن لم يرحلِ( )

39_قلة الوفاء للجار بعد الرحيل: فمن الناس من ينسى جيرانه بعد أن يرحل عنهم، أو بعد أن يرحلوا عنه.

والمروءة تقضي بأن تكون وفيَّاً لجارك، فمن الوفاء له ألا تنساه بعد رحيله عنك، أو رحيلك عنه، وأن تتواصل معه بالزيارة، والهدية، أو المهاتفة، أو نحو ذلك مما يبقي على حبال المودة.

ومن الوفاء له ذكره بالخير، والثناء عليه بعد انقضاء مدة الجوار، خصوصًا إذا كان من المحسنين.

قال النابغة الذبياني:

لا يَبْعَدِ الله جيراناً تَرَكْتُهُمُ

                   مثلَ المصابيح تجلو ليلة الظلم

لا يَبْرَمون إذا ما الأفق جلَّلَه

                   بردُ الشتاء من الإمحال كالأَدَمِ( )

ومن المروءة أن تعرض عن ذكر ما تعرف عن جيرانك من السوء بعد أن تفارقهم؛ فذلك من حسن التذمم، وجميل الوفاء.

 الخاتمة

وبعد هذا التطواف في الحديث عن الجار؛ يتبين لنا عِظَم حقه، وعظم دين الإسلام حيث رعاه حق رعايته، كما يتبين لنا أن التقصير في حق الجار مدعاة للفرقة والشقاء.

وصفوة الحديث، أن انتظام رابطة الجوار حيث يذهب التنافر بين الجيران، ويحل محله التراحم والتآزر على مرافق الحياة_لأكبر شاهد على رقي المجتمع، وسمو آدابه.

وبإصلاح هذه الرابطة تطوى عن المحاكم قضايا كثيرة لا منشأ لها إلا عدم رعاية حق الجار( ).

هذا ما يسر الله إتمامه في هذا الموضوع، وعلى الله قصد السبيل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

رأيك يهمنا