معالم في التعامل مع الفتن

نبذة مختصرة

معالم في التعامل مع الفتن : في مثل هذه الأحوال يكثر السؤال، ويلح خصوصاً من فئة الشباب المحبين لدينهم، الراغبين في نصرته؛ فتراهم، وترى كل غيور على دينه يقول: ما دوري في هذه الأحداث؟ وماذا أفعل؟ وكيف أتعامل مع هذا الخضم الموَّار من الشرور والفتن والأخطار؟، وفي هذه الرسالة بيان لبعض المعالم.

تنزيــل

تفاصيل

معالم في التعامل مع الفتن

 المقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلا ريب أن الأمة تعيش أحوالاً عصيبة، قد تكون أحرج أيام مرت بها عبر التاريخ؛ فالمصائب متنوعة، والجراحات عميقة، والمؤامرات تحاك تلو المؤامرات.

يضاف إلى ذلك ما تعانيه الأمة من الضعف، والهوان، والفُرقة، وتسلط الأعداء.

وما هذا الذي يجري في كثير من بلاد المسلمين _ إلا سلسلة من المكر الكبَّار، والكيد العظيم، والقتال الذي لا يزال مستمراً.

 [وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا ] البقرة: 217.

 [وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ...] البقرة: 109.

وفي مثل هذه الأحوال يكثر السؤال، ويلح خصوصاً من فئة الشباب المحبين لدينهم، الراغبين في نصرته؛ فتراهم، وترى كل غيور على دينه يقول: ما دوري في هذه الأحداث؟ وماذا أفعل؟ وكيف أتعامل مع هذا الخضم الموَّار من الشرور والفتن والأخطار؟

وقد يخالط بعضَ النفوس من جراء ذلك شيءٌّ من اليأس، والإحباط، وقد يعتريها الشك في إصلاح الأحوال، ورجوع الأمة إلى عزها وسالف مجدها.

ومهما يك من شيء فإن هذه الأمة أمة مباركة موعودة بالنصر والتمكين متى توكلت على الله، وأخذت بالأسباب.

وهذا الدين أنزله الله _ عز وجل _ وبعث به الرسول " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

أما التعامل مع هذه النوازل والمصائب والفتن فهو مبين في كتاب الله _عز وجل_ وسنة نبيه " موضح في كتب أهل العلم التي تكلمت في هذا الباب.

ومما تجدر الإشارة إليه، ويحسن الطَّرْق عليه في هذا الصدد مما هو معين _بإذن الله_ على حسن التعامل مع الفتن، والمصائب، والخروج منها بأمان_أمور كثيرة، وفيما يلي ذكر لشيء منها، مع ملاحظة أن بعضها داخل في بعض؛ فإلى تلك الأمور، والله المستعان وعليه التكلان.

  معالم في التعامل مع الفتن

أولاً: الاعتصام بالكتاب والسنة: وهذا المعلم جماع هذا الباب كله؛ إذ جميع المعالم الآتية داخلة فيه، متفرعة عنه، قال الله _عز وجل_: [وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)] آل عمران.

وقال النبي": =تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوض+([1]).

وقال_عليه الصلاة والسلام_ في حديث العرباض ابن سارية÷: =وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة+([2]).

فالتمسك بالوحيين عصمة من الزلل، وأمان _بإذن الله_ من الضلال.

وليس الاعتصام بهما كلمة تتمضمض بها الأفواه من غير أن يكون لها رصيد في الواقع.

وإنما هي عمل، واتباع في جميع ما يأتيه الإنسان ويذره.

ويعظم هذا الأمر حال الفتن؛ إذ يجب الرجوع فيها إلى هداية الوحيين؛ لكي نجد المخرج والسلامة منها.

وهذا ما سيتبين في الفقرات التالية _إن شاء الله_.

ثانياً: التوبة النصوح: فهي واجبة في كل وقت، وهي في هذه الأوقات أوجب[فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا] الأنعام: 43.

ولنا في قصة قوم يونس _ عليه السلام _ عبرة وموعظة؛ فهم لما رأوا نُذُر العذاب قد بدأت تلوح لجأوا إلى الله، وتضرعوا إليه، فرفع الله عنهم العذاب ومتعهم بالحياة إلى حين مماتهم، وانقضاء آجالهم.

فعلى الأمة أن تتوب، وأن تدرك أن ما أصابها إنما هو جارٍ على مقتضى سنن الله التي لا تحابي أحداً كائناً من كان؛ فتتوب من المنكرات التي أشاعتها من شرك، وحكم بغير ما أنزل الله، وتقصير في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وتتوب من المظالم، والربا، والفسق، والمجون، والإسراف، والترف وما إلى ذلك مما هو مؤذن باللعنة، وحلول العقوبة.

وعلى كل فرد منا أن ينظر في حاله مع ربه، وفي جميع شؤونه؛ لأن [مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ] الشورى: 30.

ثالثاً: النظر في التاريخ: خصوصاً تاريخ الحروب الصليبية، وذلك لأخذ العبرة، وطرد شبح اليأس، والبحث عن سبل النجاة والنصر.

فلو نظرنا _ على سبيل المثال _ إلى كتب التاريخ كتاريخ ابن الأثير أو البداية والنهاية لابن كثير لرأينا العجب من تسلط الصليبين، ولرأينا أن بغداد وبيت المقدس _ على سبيل المثال _ يتكرر ذكرهما كثيراً؛ فلقد لاقت تلك البلاد من البلاء ما الله به عليم، ومع ذلك ظلت صامدة، محافظة _إلى حد كبير _ على إسلامها وعراقتها.

والتاريخ يعيد نفسه في هذه الأيام، وتلك البلاد وغيرها من بلاد المسلمين _ بإذن الله _ ستصمد في وجوه اليهود والنصارى المعتدين.

ولو نظرنا في كتب التاريخ التي تحدثت عن غزو التتار لبلاد المسلمين، وكيف كانت شراسة تلك الهجمة، وكيف خالط النفوس من الرعب والأوجال ما خالطها، وكيف بلغ ببعضها اليأس من أن تقوم للإسلام قائمة بعد ذلك.

وما هي إلا أن كشف الله الغمة، وأعاد العز والمجد للأمة، بل إن التتار أنفسهم دخلوا في الإسلام.

ومن النظر في التاريخ النظر في سير أبطال الإسلام وقواده إبان الحروب الصليبية، وخصوصاً نور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي _ عليهما رحمة الله _ فسيرتهما تحمل في طياتها عبراً عظيمة تفيد في هذا الشأن كثيراً؛ حيث حرصا على توحيد الأمة، ولم شعثها، ورفع الذلة والإحباط اللذين خالطا كثيراً من النفوس.

كما أنهما حرصا على الإعداد المتكامل للجهاد في سبيل الله؛ فنالت الأمة بذلك سؤدداً، ومجداً، ورفعة.

رابعاً: الإفادة من التجارب: فذلك من جميل ما ينبغي؛ فالحياة كلها تجارب، واستفادة من التجارب، وميزة إنسان على إنسان، وأمة على أمة هي القدرةُ على الاستفادة من التجارب وعدمُها؛ فالحوادث تمر أمام جمع من الناس؛ فيستفيد منها أناس بمقدار مائة، وآخرون بمقدار خمسين وهكذا، وآخرون تمر منهم الحوادث على عين بلهاء، وقلب معرض؛ فلا يفيدون منها شيئاً، ولا تحسُّ له وجبةً، ولا تسمع لهم ركزاً.

والفرق بين من يستفيد من التجربة ومن لا يستفيد أن الأول يستطيع انتهاز الفرص في حينها، وأن يتجنب الخطر قبل وقوعه.

على حين أن الثاني لا ينتهز فرصة، ولا يشعر بالخطر إلا بعد وقوعه؛ فلا يليق _ إذاً _ أن تمر بنا وبأمتنا التجارب؛ فنكررَ الخطأ، ولا نفيدَ من عبر الماضي.

ولا يحسن بنا أن نُغْفِل تعامل أسلافنا مع ما مر بهم من البلايا، وكيف تجاوزوا تلك المحن والفتن، بل علينا أن نقبس من هداهم، ونستَلْهِم العبر من صنيعهم.

خامساً: التذكير بعاقبة الظلم: فمهما طال البلاء، ومهما استبد الألم فإن عاقبة الظلم وخيمة، وإن العاقبة الحميدة إنما هي للتقوى وللمتقين، كما بين ذلك ربنا في محكم التنزيل؛ فماذا كانت عاقبة النمرود، وفرعون، وهامان وقارون، وغيرهم ممن طغى وتجبر وظلم؟

إنها الدمار، والبوار، وجهنم وبئس القرار، وماذا كانت عاقبة الأنبياء والمصلحين المقسطين من عباد الله المؤمنين ؟

إنها الفلاح والنصر، والتمكين، والجنة ونعم عقبى الدار.

وكما يحسن التحذير من الظلم العام على مستوى الأمة يحسن كذلك التحذير من الظلم أيَّاً كان نوعه، سواء في الحكم على الناس، أو الأقوال، أو الأشخاص.

سادساً: الثقة بالله، واليقين بأن العاقبة للتقوى وللمتقين: فإن من أهم ما يجب على المؤمن _ في هذا الصدد _ أن يقوي ثقته بربه، وأن ينأى بنفسه عن قلة اليقين بأن العاقبة للمتقين؛ فهناك من إذا شاهد ما عليه المسلمون من الضعف والتمزق، والتشتت، والتفرق، ورأى تسلط أعدائهم عليهم، ونكايتهم بهم _ أيس من نصر الله، وقنط من عز الإسلام، واستبعد أن تقوم للمسلمين قائمة، وظن أن الباطل سيدال على الحق إدالة دائمة مستمرة يضمحل معها الحق.

فهذا الأمر جد خطير، وهو مما يعتري النفوس الضعيفة، التي قل إيمانها، وضعف يقينها.

فهذا الشعور مما ينافي الإيمان الحقَّ، وهو دليلٌ على قلة اليقين بوعد الله الصادق، والتفاتٌ إلى الأمور المحسوسة دون نظر إلى عواقب الأمور وحقائقها.

وإلا كيف يُظَنُّ هذا الظن والله _ عز وجل _ قد كتب النصر في الأزل، وسبقت كلمته بأن العاقبة للتقوى وللمتقين، وأن جنده هم الغالبون، وهم المنصورون، وأن الأرض يرثها عباده الصالحون؟

فمن ظن تلك الظنون السيئة فقد ظن بربه السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بجلاله، وكماله، وصفاته، ونعوته؛ فإن حمده، وعزته، وحكمته، وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يُذِل حزبه وجنده، وأن تكون النصرةُ والغلبةُ لأعدائه.

فمن ظن ذلك فما عرفه، ولا عرف ربوبيته، وملكه، وعظمته؛ فلا يجوز في حقه _ عز وجل _ لا عقلاً ولا شرعاً أن يُظْهِر الباطل على الحق، بل إنه يقذف بالحق على الباطل فإذا هو زاهق([3]).

أما ما يشاهد من تسلط الكفار واستعلائهم _ فإنما هو استعلاء استثنائي، وهو استدراجٌ وإملاءٌ من الله لهم، وعقوبة للأمة المسلمة على بعدها عن دينها.

ثم إن سنة الله ماضية فـ[مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ]النساء:123، وهذه الأمة تذنب، فتعاقب بذنوبها عقوبات متنوعة منها ما مضى ذِكْرُه؛ كي تعود إلى رشدها، وتؤوب إلى ربها، فتأخذ حينئذ مكانها اللائق بها.

ثم إن هذه الأمة أمة مرحومة تعاقب في هذه الدنيا، حتى يخف العذاب عنها في الآخرة، أو يغفر لها بسبب ما أصابها من بلاء.

سابعاً: الوقوف مع الشعوب الإسلامية المظلومة: وخصوصا تلك الشعوب التي توالت عليها المصائب، وتتابعت عليها الخطوب؛ فنقف معها بالدعاء، والتثبيت، والتصبير، وبذل المستطاع.

كما ينبغي ألا تنسينا أي مصيبة من المصائب مصائبنا الأخرى؛ فوضع الأمور في نصابها يجدي كثيراً، ويصد شراً مستطيراً.

ثامناً: لزوم الاعتدال في جميع الأحوال: فينبغي في ذلك الخضم من الفتن والمصائب ألا يفارقنا هدوؤنا، وسكينتنا، ومروآتنا؛ فذلك دأب المؤمن الحق، الذي لا تبطره النعمة، ولا تقنطه المصيبة، ولا يفقد صوابه عند النوازل، ولا يتعدى حدود الشرع في أي شأن من الشؤون.

ويتأكد هذا الأدب في حق من كان رأساً مطاعاً في العلم، أو القدر؛ لأن لسان حال من تحت يده يقول:

اصبر نكن بك صابرين فإنما

صبر الرعية عند صبر الراس

قال كعب بن زهير÷: في قصيدته المشهورة _البردة_:

لا يفرحون إذا نالت رماحهم

قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا

فهو يمدح الصحابة _رضي الله عنهم_ بأنهم لا يفرحون من نيلهم عدواً؛ فتلك عادتهم، ولا يحزنون إذا نالهم العدو؛ لأن عادتهم الصبر والثبات.

وقال عبدالعزيز بن زرارة الكلابي× وهو من خيار المجاهدين من التابعين:

قد عشت في الدهر أطواراً على طرق

شتى فصادفت منها اللِّيْن والبَشِعا

كُلاً بلوتُ فلا النعماء تبطرني

ولا تَخَشَّعْتُ من لأوائها جزعا

لا يملأُ الهولُ قلبي قبل وقعته

ولا أضيق به ذرعاً إذا وقعا

فهذه الخصال يمتثلها عظماء الرجال؛ فلم يكونوا يتخلون عن مروآتهم، وعاداتهم النبيلة حتى في أحلك المواقف.

وها هو سيد العظماء، وسيد ولد آدم نبينا محمد _عليه الصلاة والسلام_ يضرب لنا أروع الأمثلة في ذلك؛ فهو يقوم بصغار الأمور وكبارها؛ فلم يمنعه قيامه بأمر الدين، وحرصه على نشره، وقيادته للأمة، وتقدمه في ساحات الوغى_ لم يمنعه ذلك كله من ملاطفة ذلك الطفل الصغير الذي مات طائره، وقولِه له :=يا أبا عمير ما فعل النغير+!([4])

ولم يكن أحد يلهيه عن أحد

كأنه والد والناس أطفال

 فإذا لزم المرء هذه الطريقة؛ فلم يَخِفَّ عند السراء، ولم يتضعضع حال الضراء _ فأحرِ به أن يعلو قدره، ويتناهى سؤدده، وأن تنال الأمة من خيره.

تذكر كتب السير التي تناولت سيرة عمر بن عبدالعزيز× =أنه لما دَفَنَ ولَدَه عبدالملك _ وهو أبر أولاده، وأكثرهم ديناً وعقلاً _ مرَّ بقوم يرمون؛ فلما رأوه أمسكوا، فقال: ارموا، ووقف، فرمى أحدُ الراميين فأخرج _ يعني أبعد عن الهدف _ فقال له عمر: أخرجت فقصِّر، وقال للآخر: ارمِ، فرمى فقصَّر _ أي لم يبلغ الهدف _ فقال له عمر: قصَّرت فبلِّغ.

فقال له مسلمة بن عبدالملك: يا أمير المؤمنين! أَتْفِرغ قلبك إلى ما تفرغت له، وإنما نفضت يدك الآن من تراب قبر ابنك، ولم تصل إلى منزلك؟ فقال له عمر: يا مسلمة! إنما الجزع قبل المصيبة، فإذا وقعت المصيبة فالْهُ عما نزل بك+([5]).

 فالأخذ بهذه السيرة_أعني الاعتدال حال نزول الفتن_ ينفع كثيراً، ويدفع الله به شراً مستطيراً؛ لأن الناس حال افتن يموجون، ويضطربون، وربما غاب عنهم كثير من العلم؛ فلذلك يحتاجون_وخصوصاً من كان عالماً، أو رأساً مطاعاً_ إلى لزوم السكينة، والاعتدال؛ حتى يُثَبِّتوا الناس، ويعيدو الطمأنينة إلى النفوس، ولا تقطعهم تلك النوازل عما هم بصدده من عمل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =ولهذا لما مات النبي"ونزلت بالمسلمين أعظم نازلة نزلت بهم؛ حتى أوهنت العقول، وطيشت الألباب، واضطربوا اضطراب الأرشية في الطويِّ ([6]) البعيدة القعر؛ فهذا ينكر موته، وهذا قد أقعد، وهذا قد دهش فلا يعرف من يمر عليه، ومن يسلم عليه، وهؤلاء يضجون بالبكاء، وقد وقعوا في نسخة القيامة، وكأنها قيامة صغرى مأخوذة من القيامة الكبرى، وأكثر البوادي قد ارتدوا عن الدين، وذلت كماته؛ فقام الصديق÷بقلب ثابت، وفؤاد شجاع فلم يجزع، ولم ينكل قد جُمع له بين الصبر واليقين فأخبرهم بموت النبي"وأن الله اختار له ما عنده، وقال لهم: =من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)]آل عمران.

فكأن الناس لم يسمعوا هذه الآية حتى تلاها الصديق فلا تجد أحداً إلا وهو يتلوها، ثم خطبهم فثبتهم وشجعهم.

قال أنس÷: =خطبنا أبو بكر÷وكنا كالثعالب فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود+. 

وأخذ في تجهيز أسامة مع إشارتهم عليه، وأخذ في قتال المرتدين مع إشارتهم عليه بالتمهل والتربص، وأخذ يقاتل حتى مانعي الزكاة فهو مع الصحابة يعلمهم إذا جهلوا، ويقويهم إذا ضعفوا، ويحثهم إذا فتروا؛ فقوى الله به علمهم ودينهم وقوتهم؛ حتى كان عمر_مع كمال قوته وشجاعته_ يقول له: يا خليفة رسول الله تألف الناس، فيقول: علام أتألفهم؟ أعلى دينٍ مفترى؟ أم على شعرٍ مفتعل؟ وهذا باب واسع يطول وصفه+([7]).

تاسعاً: لزوم الرفق، ومجانبة الغلظة والعنف: سواء في الدعوة، أو الرد، أو النقد، أو الإصلاح، أو المحاورة؛ فإن استعمال الرفق، ولين الخطاب ومجانبة العنف _ يتألف النفوس الناشزة، ويدنيها من الرشد، ويرغبها في الإصغاء للحجة.

ويتأكد هذا الأدب في مثل هذه الأحوال العصيبة التي نحتاج فيها إلى تلك المعاني التي تنهض بالأمة، وتشد من أزر الدعوة.

ولقد كان ذلك دأب الأنبياء، قال _تعالى_ في خطاب هارون وموسى _ عليهما السلام _ [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)] طه.

ولقَّن موسى _ عليه السلام _ من القول اللين أحسنَ ما يخاطب به جبار يقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، فقال _تعالى_: [فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)] النازعات.

قال ابن القيم × :=وتأمل امتثال موسى لما أُمِر به كيف قال لفرعون:[هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)] النازعات.

فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مَخْرجَ الأمر، وقال:[إِلَى أَنْ تَزَكَّى] ولم يقل: =إلى أن أزكيك+.

فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكِّي دون غيره؛ لما فيه من البركة، والخير، والنماء.

ثم قال:[وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ] أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك.

وقال: [إِلَى رَبِّكَ]استدعاءًا لإيمانه بربه الذي خلقه، ورزقه، ورباه بنعمه صغيراً وكبيراً+([8]).

ولهذا فإن الكلمة التي تُلقى أو تحرر في أدب، وسعة صدر، تسيغها القلوب، وتهش لها النفوس، وترتاح لها الأسماع.

ولقد امتن ربنا _جل وعلا_ على نبينا محمد " بأن جبله على الرفق ومحبة الرفق، وأن جنبه الغلظة، والفظاظة، فقال _عز وجل_:[وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ]آل عمران:159.

ولقد كانت سيرته _عليه الصلاة والسلام_ حافلةً بهذا الخلق الكريم الذي مَنْ مَلَكَه بسط سلطانه على القلوب.

وكما كان _عليه الصلاة والسلام_ متمثلاً هذا الخلق فقد كان يأمر به، ويبين فضله.

قال " =إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على غيره+. ([9])

وقال _عليه الصلاة والسلام_: =إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه+. ([10])

ولما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذاً إلى اليمن قال لهما: =يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا+. ([11])

قال الإمام أحمد ×: =يأمر بالرفق والخضوع، فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب؛ فيكون يريد ينتصر لنفسه+.([12])

ولقد أحسن من قال:

لوسار ألفُ مَدَجَّجٍ في حاجة

لم يَقْضِها إلا الذي يترفق([13])

وكان يقال: =من لانت كلمته وجبت محبته+. ([14])

وخلاصة القول أن الرفق هو الأصل، وهو الأجدى، والأنفع، وأن الشدة لا تصلح من كل أحد، ولا تليق مع كل أحد، فقد تلائم إذا صدرت من ذي قدر كبير في سن، أو علم وكانت في حدود الحكمة، واللباقة، واللياقة.

أما إذا صدرت ممن ليس له قدر في سن، أو علم، أو كانت في غير موضعها، وتوجهت إلى ذي قدر أو جاه_فإنها _أعني الشدة_ تضر أكثر مما تنفع، وتفسد أكثر من أن تصلح.

عاشراً: الإقبال على الله _ عز وجل _: وذلك بسائر أنواع العبادات.

قال النبي"فيما رواه مسلم =العبادة في الهرج كهجرة إلي+([15]).

والهرج: الفتن والقتل.

فحري بنا في مثل هذه الأيام أن نزداد إقبالاً على الله ذكراً وإنابة، وصلاة، ونفقة، وبراً بالوالدين، وصلة للأرحام، وإحساناً إلى الجيران، وحرصاً على تربية الأولاد، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة.

وجدير بنا أن نكثر من الاستغفار؛ فهو من أعظم أسباب دفع العذاب [وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون] الأنفال:33 وأن نُقْبِل على أعمال القلوب من خوف، ورجاء، ومحبة، وغيرها.

و حقيق علينا أن نُقْبِل _كذلك_ على النفع المتعدي من أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ودعوة إلى الله، وإصلاح بين الناس، وإحسان إليهم، وما جرى مجرى ذلك.

حادي عشر: الحرص على جمع الكلمة ورأب الصدع: فالأمة مثخنة بالجراح، وليست بحاجة إلى مزيد من ذلك.

بل هي بحاجة إلى إشاعة روح المودة، والرحمة، ونيل رضا الله بترك التفرق ونبذ الخلاف.

وذلك يتحقق بسلامة الصدر، ومحبة الخير للمسلمين، والصفح عنهم؛ التجاوز عن زلاتهم والتماس المعاذير لهم، وإحسان الظن بهم، ومراعاة حقوقهم، ومناصحتهم بالتي هي أرفق وأحسن.

وتكون بالتغاضي، والبعد عن إيغار الصدور، ونكأ الجراح.

قال ربنا _تبارك وتعالى_: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا] آل عمران: 103.

وقال: [لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114) ]النساء.

وقال النبي " في المتفق عليه : =مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر+.

ثاني عشر: قيام روح الشورى: خصوصاً بين أهل العلم، والفضل، والحل والعقد، وذلك بأن ينظروا في مصلحة الأمة، وأن يقدموا المصالح العليا قال الله _تعالى_ في وصف المؤمنين: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] الشورى: 38.

وقال _ عز وجل _ لنبيه ": [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] آل عمران: 159.

فقد أذن الله له " بالاستشارة وهو غني عنها بما يأتيه من وحي السماء؛ تطييباً لنفوس أصحابه، وتقريراً لسنة المشاورة للأمة من بعده.

وكان أبو بكر الصديق÷من العلم بالشريعة، والخبرة بوجوه السياسة في منزلة لا تطاولها سماء، ومع هذا لا يبرم حكماً في حادثة إلا بعد أن تتداولها آراء جماعة من الصحابة([16]).

وهكذا كان عمر÷في الشورى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =فكان عمر يشاور في الأمور لعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وابن مسعود وزيد ابن ثابت وأبي موسى ولغيرهم، حتى كان يدخل ابن عباس معهم مع صغر سنه.

وهذا مما أمر الله به المؤمنين ومدحهم عليه بقوله: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ]الشورى: 38.

ولهذا كان رأي عمر، وحكمه، وسياسته من أسدِّ الأمور، فما رؤي بعده مثله قط، ولا ظهر الإسلام وانتشر، وعزَّ كظهوره، وانتشاره، وعزه في زمنه.

وهو الذي كسر كسرى، وقصر قيصر الروم والفرس، وكان أميره الكبير على الجيش الشامي أبا عبيدة، وعلى الجيش العراقي سعد بن أبي وقاص، ولم يكن لأحدٍ_بعد أبي بكر_ مثل خلفاءه ونوابه وعماله وجنده وأهل شوراه+([17]).

وكما كانت هذه هي سيرةَ الخلفاء الراشدين في الشورى فكذلك كانت سيرة من جاء بعدهم فهذا معاوية÷الذي كان مضرب المثل في الدهاء والحلم وكياسة الرأي كان يأخذ بسنة الشورى.

جاء في الثمار للثعالبي ص68 مايلي: =دهاء معاوية_ذلك ما اشتهر أمره، وسار ذكره، وكثرت الروايات والحكايات فيه، ووقع الإجماع على أن الدهاة أربعة: معاوية، وعمرو ابن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه _رضي الله عنهم_ فلما كان معاوية بحيث هو من الدهاء وبعد الغور_وانضم إليه الدهاة الثلاثة الذين يرون بأول آرائهم أواخر الأمور_ فكان لا يقطع أمراً حتى يشهدوه، ولا يستضيء في ظلم الخطوب إلا بمصابيح آرائهم_سلم له أمر الملك، وألقت إليه الدنيا أزمتها، وصار دهاؤه ودهاء أصحابه الثلاثة مثلاً+.

ثم إن للشورى فوائد عظيمة منها تقريب القلوب، وتخليص الحق من احتمالات الآراء، واستطلاع أفكار الرجال، ومعرفة مقاديرها؛ فإن الرأي يمثِّل لك عقلَ صاحبه كما تمثل لك المرآةُ صورةَ شخصِه إذا استقبلها.

وقد ذهب الحكماء من الأدباء في تصوير هذا المغزى مذاهب شتى، قال بعضهم:

إذا عنَّ أمرٌ فاستشر فيه صاحباً

وإن كنت ذا رأي تشير على الصحبِ

فإني رأيت العين تجهل نفسها

وتدرك ما قد حل في موضع الشهب

وقال آخر:

اقرن برأيك رأي غيرك واستشر

فالحق لا يخفى على الاثنين

والمرء مرآةٌ تريه وجهه

ويرى قفاه بجمع مرآتين

وقال آخر:

الرأي كالليل مسوداً جوانبه

والليل لا ينجلي إلا بإصباح

فاضمم مصابيحَ آراءِ الرجال إلى إلى

مصباح ضوئك تزددْ ضوءَ مصباح مصباح

وإذا كان العالم النحرير، والحكيم الداهية، والقائد الحصيف لا يستغنون عن الشورى_فكيف بمن دونهم،بل كيف بمن كان شاباً في مقتبل عمره، ولم تصلب بعد قناته، ولم تُحَنِّكْهُ التجارب؟!.

ثالث عشر: الصبر: قال ربنا _ جل وعلا _: [إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ] آل عمران: 120.

وقال _ عز وجل _ [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] آل عمران: 186.

ومن أعظم الصبرِ الصبرُ على هداية الناس، والصبر على انتظار النتائج؛ لأن استعجال الثمرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر أكثر مما تنفع؛ فالصبر إذا اقترن بالأمر كان عصمة من الملل واليأس والانقطاع، وتفجرت بسببه ينابيع العزم والثبات.

إنه الصبر المترع بأنواع الأمل العريض، وليس صبر اليائس الذي لم يجد بداً من الصبر فصبر.

وبالجملة فإن الصبر من أعظم الأخلاق، وأجلّ العبادات، وإن أعظمَ الصبرِ وأحمده عاقبةً الصبرُ على امتثال أمر الله، والانتهاء عمّا نهى الله عنه؛ لأنه به تَخْلُص الطاعة، ويصِحُّ الدين، ويُسْتَحَقُ الثوابُ؛ فليس لمن قل صبرُه على الطاعةُ حظٌّ من بِرٍّ، ولا نصيبٌ من صلاح.

ومن جميل الصبر: الصبرُ فيما يُخْشَى حدوثُه من رهبة يخافها، أو يحذرُ حلولُه من نكبةٍ يخشاها، فلا يتعجلْ همَّ ما لم يأتِِ؛ فإن أكثر الهموم كاذبة، وإن الأغلب من الخوف مدفوع.

ومن جميل الصبرِ الصبرُ على ما نـزل من مكروه، أو حلّ من أمر مخوف؛ فبالصبر في هذا تنفتحُ وجوهُ الآراءِ، وتُسْتَدْفَعُ مكائدُ الأعداءِ؛ فإن من قلّ صبره عَزُب رأيه، واشتد جزعُه، فصار صريعَ همومه، وفريسةَ غمومه.

وكما أن الأفرادَ بأمسِّ الحاجةِ إلى الصبر فكذلك الأمة؛ فأمة الإسلام كغيرها من الأمم؛ لا تخرج عن سنن الله الكونية، فهي عرضةٌ للكوارث، والمحن.

وهي_في الوقت نفسه_مكلفةٌ بمقتضى حكم الله الشرعي بحمل الرسالة الخالدة، ونشر الدعوة المباركة، وتحمُّلِ جميعِ ما تلاقيه في سبيلها برحابة صدر، وقوةِ ثباتٍ، ويقينٍ بأن العاقبة للتقوى وللمتقين.

وهي _كذلك_ مطالبة بالجهاد في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله، ونشر دين الله، وإزاحة ما يقف في وجه الدعوة من عقبات؛ فلا بد لها من الجهاد الداخلي الذي لا يتحقق إلا بمجاهدة النفس والهوى.

وهذا الجهاد لا يتحقق إلا بخلق الصبر، ومغالبة النفس والشيطان والشهوات؛ فذلك هو الجهاد الداخلي الذي يؤهِّل للجهاد الخارجي؛ لأن الناس إذا تُرِكوا وطباعَهم وما أُوْدِعَ فيها من حبِّ للراحة، وإيثارٍ للدَّعة، ولم يُشَدَّ أَزْرُهُمْ بإرشاد إلهي تطمئن إليه نفوسهم، ويثقون بحسن نتائجه_ عجزت كواهِلُهم عن حمل أعباء الحياة، وخارت قواهم أمام مغرياتها، وذاب احتمالُهم إزاء ملذاتها وشهواتها؛ فَيَفْقِدُون كلَّ استعدادٍ لتحصيل السمو، والعزة، والمنـزلة اللائقة.

فلهذا اختار الله لهم من شرائع دينه ما يصقُل أرواحهم، ويزكّي نفوسهم، ويمحص قلوبهم، ويربي ملكات الخير فيهم من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج وغيرها من الشرائع..

رابع عشر: إشاعة روح التفاؤل: فإن ذلك مما يبعث الهمة، ويدعو إلى اطراح الخور والكسل، ويقود إلى الإقبال على الجد والعمل؛ فلنثق بالله _ عز وجل _ ونصره وتأييده، ولنحذر من كثرة التلاوم، وإلقاء التبعات على الآخرين، ولنحذر من القنوط واليأس، والتشاؤم؛ فالإسلام لا يرضى هذا المسلك بل يحذر منه أشد التحذير.

ثم لنثق بأن في طي هذه المحن منحاً عظيمة.

كم نعمة لا تستقل بشكرها

لله في طي المكاره كامنة

ولو لم يأت من ذلك إلا أن الأمة تصحو من رقدتها، وتعود إلى ربها ودينها.

ولو لم يأت من ذلك إلا أن هذا الجيل الجديد بدأ يعرف أعداءه، ويطرق سمعه مسائل الولاء والبراء، ويدرك ما يحاك حوله من مؤامرات، ويشعر بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

ولو لم يأت من ذلك إلا أن المسلمين _ صاروا يشعرون بروح الجسد الواحد، ويتعاطفون مع إخوانهم في كل مكان، ويحرصون على تتبع أخبارهم، وتقديم المستطاع لهم، كل ذلك مع ما يواجهونه من التضليل الإعلامي، وما يحارَبون به من سيل الشهوات العارم.

أين حال المسلمين الآن من حالهم قبل تسعين سنة؟ أين هم لما سيطر الشيوعيون على روسيا، وانقلبوا على الحكم القيصري؟ ماذا فعل زعماء الشيوعية؟ يكفي أن نمثل بواحد منهم فحسب، إنه المجرم ستالين الذي قتل إبان فترة حكمه ثلاثين مليوناً من البشر، جُلُّهم من المسلمين.

إن أكثر المسلمين في ذلك الوقت لم يكونوا ليعلموا عن إخوانهم آنذاك شيئاً، بل إن كثيراً منهم لم يعلموا أن الجمهوريات الإسلامية التي استولى عليها الشيوعيون _كانت بلاداً إسلامية إلا بعد أن انهارت الشيوعية قريباً.

أما الآن فإن المسلمين على درجة من الوعي والإدراك، والسعي في مصالح إخوانهم، والمؤمل أكثر من ذلك، وإنما المقصود أن يُبَيَّن أن الخير موجود، وأنه يحتاج إلى مزيد.

وبالجملة فإن التفاؤل دأب المؤمن، وهو سبيل التأسي بالنبي"خصوصاً في وقت اشتداد المحن؛ وليس أدل على ذلك مما كان في غزوة الأحزاب بالمدينة، وبلغت القلوب الحناجر، ومع ذلك كان _عليه الصلاة والسلام_ يبشر أصحابه بمفاتيح الشام، وفارس، واليمن([18]).

وإذا تُحدث عن الفأل، والحث على نشره _ فإن ذلك لا يعني القعود، والخمود، والهمود؛ كحال من يؤملون الآمال العراض، ويفرطون في الأماني بحجة أن ذلك من الفأل، وهم كسالى قاعدون، لا يتقدمون خطوة، ولا ينهضون من كبوة.

لا ليس الأمر كذلك؛ بل إن الفأل المجدي هو ذلك الذي يحرك صاحبه، ويبعثه على الجد، ويشعره بالنجح، ويقوده إلى إحسان الظن، ويبشر بحسن العواقب.

خامس عشر: التثبت مما يقال، والنظر في جدوى نشره، والحرص على رد الأمور إلى أهلها: فالعاقل اللبيب لا يتكلم في شيء إلا إذا تثبَّت من صحته؛ فإذا ثبت لديه ذلك نَظَرَ في جدوى نشره؛ فإن كان في نشره حفز للخير، واجتماعٌ عليه _نشره، وأظهره، وإن كان خلاف ذلك أعرض عنه، وطواه.

ولقد جاء النهي الصريح عن أن يحدث المرء بكل ما سمع.

قال ": =كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع+.([19])

وقد عقد الإمام مسلم×في مقدمة صحيحه باباً سماه (باب النهي عن الحديث بكل ماسمع) وساق تحته جملة من الآثار منها الحديث السابق، ومنها مارواه بسنده عن عمر بن الخطاب÷قال: =بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع+([20]).

وقال مسلم×: حدثنا محمد بن المثنى قال: سمعت عبدالرحمن بن مهدي يقول: =لا يكون الرجل إماماً يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع+([21]).

ويتعين هذا الأدب في وقت الفتن والملمات، فيجب على المسلم أن يتحرى هذا الأدب؛ حتى يقرب من السلامة، وينأى عن العطب.

قال الله _تعالى_:[وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً] النساء:83.

قال الشيخ العلامة عبدالرحمن السعدي × في تفسير هذه الآية: =هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة، والمصالح العامة مما يتعلق بالأمن، وسرور المؤمنين أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم _أن يتثبتوا، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم: أهل الرأي، والعلم، والنصح، والعقل، والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدها.

فإذا رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطاً للمؤمنين، وسروراً لهم، وتحرزاً من أعدائهم_فعلوا ذلك، وإن رأوا ما ليس فيه مصلحة، أو فيه مصلحة، ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه.

ولهذا قال: [لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ].

أي يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة، وعلومهم الرشيدة.

وفي هذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولى من هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، ولا يُتقدم بين أيديهم؛ فإنه أقرب إلى الصواب، وأحرى للسلامة من الخطأ.

وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمرُ بالتأمل قبل الكلام، والنظر فيه هل هو مصلحة فيقدم عليه الإنسان أم لا فيحجم عنه؟+.([22])

وقال × في موضع آخر حاثاً على الثبت، والتدبر، والتأمل قال: =وفي قوله _تعالى_: [وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً] طـه:114 أدبُ طالب العلم، وأنه ينبغي له أن يتأنى في تدبره للعلم، ولا يستعجل بالحكم على الأشياء، ولا يعجب بنفسه، ويسأل ربه العلم النافع والتسهيل+.([23])

وقال ×: =قوله _تعالى_: [لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ]النور:12 هذا إرشاد منه لعباده إذا سمعوا الأقوال القادحة في إخوانهم المؤمنين رجعوا إلى ما علموا من إيمانهم، وإلى ظاهر أحوالهم، ولم يلتفتوا إلى أقوال القادحين، بل رجعوا إلى الأصل، وأنكروا ما ينافيه+.([24])

قال ابن حبان×:=أنشدني منصور بن محمد الكريزي:

الرفقُ أيمنُ شيءٍ أنت تَتْبَعُه

والخُرق أشأمُ شيء يُقْدِم الرَّجُلا

وذو التثبت من حمد إلى ظَفَرٍ

من يركبِ الرفقَ لا يستحقبِ الزللا ([25])

هذا وسيتضح شيء من ذلك في الفقرة التالية.

سادس عشر: التروي في إبداء الرأي، والتأني في اتخاذ الموقف، وألا يقول كل ما يعلم؛ فاللائق بالعاقل أن ينظر في العواقب، وأن يراعي المصالح؛ فلا يحسن به أن يبدي رأيه في كل صغيرة وكبيرة، ولا يلزمه أن يتكلم بكل نازلة؛ لأنه ربما لم يتصور الأمر كما ينبغي، وربما أخطأ التقدير، وجانب الصواب، بل ليس من الحكمة أن يبدي الإنسان رأيه في كل ما يعلم حتى ولو كان متأنياً في حكمه، مصيباً في رأيه؛ فما كل رأي يُجهر به، ولا كل ما يعلم يقال، ولا كل ما يصلح للقول يصلح أن يقال عند كل أحد، أو في كل مكان أو مناسبة.

بل الحكمة تقتضي أن يحتفظ الإنسان بآرائه إلا إذا استدعى المقام ذلك، واقتضته الحكمة والمصلحة، وكان المكان ملائماً، والمخاطبون يعقلون ما يقال.

وإذا رأى أن يبدي ما عنده فليكن بتعقل، وروية، ورصانة، وركانة.

وزِن الكلام إذا نطقت فإنما

يبدي العقولَ أو العيوبَ المنطقُ

قال أحد الحكماء: =إن لابتداء الكلام فتنةً تروق وجدَّةً تعجب؛ فإذا سكنت القريحة، وعدل التأمل، وصفت النفس_ فليعدِ النظر، وليكن فرحُه بإحسانه مساوياً لغمِّه بإساءته+.([26])

وقال ابن حبان ×: =الرافق لا يكاد يُسْبَق كما أن العَجِل لا يكاد يَلْحَق، وكما أن من سكت لا يكاد يندم كذلك من نطق لا يكاد يسلم.

والعَجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويَحْمد قبل أن يُجَرِّب، ويَذُّم بعد ما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم.

والعَجِل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تُكَنِّي العجلةَ أمَّ الندامات+.([27])

وذكر بسنده عن عمر بن حبيب قال: =كان يقال: لا يوجد العجول محموداً، ولا الغضوب مسروراً، ولا الحر حريصاً، ولا الكريم حسوداً، ولا الشَّرِه غنياً، ولا الملول ذا إخوان+.([28])

وقال ابن الجوزي×: =ما اعتمد أحدٌ أمراً إذا هم بشيء مثل التثبت؛ فإنه متى عمل بواقعة من غير تأمل للعواقب كان الغالب عليه الندم؛ ولهذا أمر بالمشاورة؛ لأن الإنسان بالتثبت يفتكر؛ فتعرِض على نفسه الأحوال، وكأنه شاور.

وقد قيل: خمير الرأي خير من فطيره.

وأشد الناس تفريطاً من عمل بما ورده في واقعة من غير تثبت واستشارة؛ خصوصاً فيما يوجب الغضب؛ فإنه طلب الهلاك أو الندم العظيم+([29]).

وقال×: =فألله ألله! التثبت التثبت في كل الأمور، والنظر في عواقبها؛ خصوصاً الغضب المثير للخصومة+([30]).

وقال ابن القيم×: =وقد جاء في حديث مرسل: =إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات+.

فبكمال العقل والصبر تُدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة، والله المستعان+([31]).

ثم إن التثبت والتأني، والنظر في العواقب من سمات أهل العلم والعقل، ولا يستغني عنها أحد مهما كان، ولا يكفي مجرد علم الإنسان، بل لا بد له _مع العلم_ من هذه الأمور

وإليك هذه الكلمة الحكيمة الرائعة التي رقمتها يراعة العلامة الشيخ محمود شاكر والتي تعبر عن كثير مما مضى ذكره، قال×: =رُبَّ رجلٍ واسعِ العلم، بحرٍ لا يزاحم، وهو على ذلك قصير العقل مضلَّل الغاية، وإنما يَعْرِض له ذلك من قبل جرأته على ما ليس له فيه خبرة، ثم تهوره من غير روية ولا تدبر، ثم إصراره إصرار الكبرياء التي تأبى أن تعقل.

وإن أحدنا لَيقْدِم على ما يحسن، وعلى الذي يعلم أنه به مضطلع، ثم يرى بعد التدبر أنه أسقط من حسابه أشياء، كان العقل يوجب عليه فيها أن يتثبت، فإذا هو يعود إلى ما أقدم عليه؛ فينقضه نقض الغزل.

ومن آفة العلم في فن من فنونه، أن يحمل صاحبه على أن ينظر إلى رأيه نظرة المعجب المتنزه، ثم لا يلبث أن يفسده طول التمادي في إعجابه بما يحسن من العلم، حتى يقذفه إلى اجتلاب الرؤى فيما لا يحسن، ثم لا تزال تغيره عادة الإعجاب بنفسه حتى ينزل ما لا يحسن منزلة ما يحسن، ثم يصر، ثم يغالي، ثم يعنف، ثم يستكبر، ثم إذا هو عند الناس قصير الرأي والعقل على فضله وعلمه+([32]).

ولقد كان الصحابة الكرام _رضي الله عنهم_ يراعون هذا الأدب الحكيم؛ فما كانوا يتكلمون في كل شيء، بل كانوا يراعون المكان، والزمان، والحال، ويراعون العقول، والأفهام، ومراميَ الكلام.

والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، منها ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال: = كنت أُقْرئ رجالاً من المهاجرين منهم عبدالرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إليَّ عبدالرحمن فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً؛ فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة، فتمت.

فغضب عمر ثم قال: إني _إن شاء الله_ لقائمٌ العشيةَ في الناس، فمحذِّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم.

قال عبدالرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رَعاعَ الناس وغوغاءهم؛ فإنهم هم الذين يغلبون على قُرْبك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيِّرها عنك كل مُطَيِّر، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها؛ فأَمْهِلْ حتى تَقْدُمَ المدينة؛ فإنها دار الهجرة والسنة فَتَخْلُصَ بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها.

 فقال عمر:أما والله_إن شاء الله_لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة+ الحديث.([33])

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب÷: =حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!+([34]).

وقال ابن مسعود÷: =ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة+([35]).

سابع عشر : التحلي بالشجاعة، والفهم الصحيح لمعناها: فالشجاعة فضيلة عظيمة، وخصلة من خصال الخير عالية.

وهي من أعظم ما ينهض بالأفراد والأمم؛ فالشجاع ينفر من العار، ويأبى احتمال الضيم.

والأمة لا تحوز مكانة يهابها خصومها، وتَقرُّ بِها عين حلفائها إلا أن تكون عزيزة الجانب، صلبة القناة.

وعزة الجانب، وصلابة القناة لا ينزلان إلا حيث تكون قوة الجأش، والاستهانة بملاقاة المكاره، وذلك ما يسمى شجاعة ([36]).

والشجاعة لا تقتصر على الإقدام في ميادين الوغى، بل هي أعم من ذلك؛ فتشمل الشجاعة الأدبية في التعبير عن الرأي، وبالصدع بالحق، وبالاعتراف بالخطأ، وبالرجوع إلى الصواب إذا تبين.

بل وتكون بالسكوت أحياناً، قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي×:=ولأنْ يسكت العاقل مختاراً في وقتٍ يحسن السكوت فيه خيرٌ من أن ينطق مختاراً في وقت لا يحسن الكلام فيه، وكلُّ نطْقةٍ تمليها الظروف لا الضمائر تثمر سكتة عن الحق ما من ذلك من بد+([37]).

وليس من شرط الشجاعة ألا يجد الرجل في نفسه الخوف جملة من الهلاك، أو الإقدام، أو نحو ذلك؛ فذلك شعور يجده كل أحد من نفسه إذا هو هم بعمل كبير أو جديد.

بل يكفي في شجاعة الرجل ألا يعظم الخوف في نفسه حتى يمنعه من الإقدام، أو يرجع به الانهزام.

قال هشام بن عبدالملك لأخيه مسلمة _المسمى ليث الوغى_:

 يا أبا سعيد! هل دخلك ذعر قط في حرب أو عدو؟

قال له مسلمة: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبِّه على حيلة، ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأي.

قال هشام: هذه هي البسالة.

فالشجاعة _إذاً_ هي مواجهة الخطر أو الألم أو نحو ذلك عند الحاجة في ثبات، وليست مرادفة لعدم الخوف كما يظن بعض الناس.

فالشجاعة لا تعتمد على الإقدام والإحجام فحسب، ولا على الخوف وعدمه.

بل ليس بالمحمود أن يتجرد الإنسان من كل خوف؛ فقد يكون الخوف فضيلة، وعدمه رذيلة؛ فالخوف عند الإقدام على أمر مهم تتعلق به مصالح الأمة، أو يحتاج إلى اتخاذ قرار حاسم_فضيلةٌ؛ وأي فضيلة؛ إذ هو يحمل على الرويَّة، والتأني، والتؤدة؛ حتى يختمر الرأي، وينضج في الذهن؛ فلا خير في الرأي الفطير، ولا الكلام القضيب _المرتجل_.

والعرب تقول في أمثالها: =الخطأ زاد العجول+([38]).

 كما أنها تمدح من يتريث، ويتأنى، ويقلب الأمور ظهراً لبطن، وتقول فيه: =إنه لحوُّل قُلَّب+.

ولهذا تتابعت نصائح الحكماء على التريث خصوصاً عند إرادة الإقدام على الأمور العظيمة المهمة، قال المتنبي:

الرأي قبل شجاعة الشجعانِ

هو أول وهي المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس مِرَّةٍ

بلغت من العلياء كل مكانِ([39])

وقال:

وكل شجاعة في المرء تغني

ولا مثل الشجاعة في الحكيم([40])

وبالجملة فالشجاع ليس بالمتهور الطائش الذي لا يخاف مما ينبغي أن يخاف منه، ولا هو بالجبان الرعديد الذي يَفْرَقُ من ظله، ويخاف مما لا يخاف منه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ×: =والشجاعة ليست هي قوةَ البدن؛ فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب، وإنما هي قوة القلب وثباته، فإن القتالَ مدارُه على قوة البدن، وصنعته للقتال، وعلى قوة القلب، وخبرته به.

والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة، دون التهور الذي لا يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم؛ ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون مالا يصلح.

فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد+([41]).

وقال×في موضع آخر: =ومما ينبغي أن يعلم أن الشجاعة إنما فضيلتها في الدين لأجل الجهاد في سبيل الله، وإلا فالشجاعة إذا لم يستعن بها صاحبها على الجهاد في سبيل الله كانت إما وبالاً عليه إن استعان بها صاحبها على طاعةالشيطان، وإما غير نافعة له إن استعملها فيما لا يقربه إلى الله _تعالى_.

فشجاعة علي والزبير وخالد وأبي دجانة والبراء ابن مالك وأبي طلحة، وغيرهم من شجعان الصحابة إنما صارت من فضائلهم لاستعانتهم بها على الجهاد في سبيل الله؛ فإنهم بذلك استحقوا ما حمد الله به المجاهدين.

وإذا كان كذلك فمعلوم أن الجهاد منه ما يكون بالقتال باليد، ومنه ما يكون بالحجة والبيان والدعوة+([42]).

فما أحوجنا وما أحوج أمتنا إلى الشجاعة المنضبطة المتعقِّلة التي تجلب الخير، والمصلحة للأمة، وتنأى بها عن الشرور والبلايا والرزايا([43]).

ثامن عشر: الدعاء: فالدعاء من أعظم أسباب النصر والسلامة من الفتن، كيف وقد قال ربنا _عز وجل_: [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ] غافر: 60.

فثمرة الدعاء مضمونة_بإذن الله_إذا أتى الداعي بشرائط الإجابة؛ فحري بنا أن نكثر الدعاء لأنفسنا بالثبات، وأن ندعو لإخواننا بالنصر، وأن ندعو على أعدائنا بالخيبة والهزيمة.

 وإذا اشتبه على الإنسان شيء مما اختلف فيه الناس فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة _رضي الله عنها_ أن رسول الله " كان يقول إذا قام يصلي من الليل: =اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهتدي من تشاء إلى صراط مستقيم+([44]).

فإذا انطرح العبد بين يدي ربه وسأله التوفيق والهداية والصواب والسداد _ فإن الله لن يخيب رجاءه، وسيهديه _بإذنه_ إلى سواء السبيل؛ فقد قال _تعالى_ فيما رواه مسلم في صحيحه: =يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم+([45]).

تاسع عشر: البعد عن الفتن قدر المستطاع: فالفتنة في هذه الأزمان قائمة على أشدها؛ سواء فتنة الشهوات أو الشبهات؛ فالبعد عنها نجاة وسلامة، والقرب منها مدعاة للوقوع فيها.

قال النبي _عليه الصلاة والسلام_: =إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواهاً+([46]).

قال ابن الجوزي×: =من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ومن ادعى الصبر وكل إلى نفسه+([47]).

وقال: =فإياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة؛ فإن الهوى مكايد، وكم من شجاع في الحرب اغتيل فأتاه ما لم يحتسب+([48]).

وقال: =ما رأيت فتنة أعظم من مقاربة الفتنة، وقل أن يقاربها إلا من يقع فيها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه+([49]).

وقال ابن حزم×:

لا تلم من عرَّض النفس لما

ليس يرضي غيره عند المحن

لا تقرب عرفجاً من لهب

ومتى قربته ثارت دُخَنْ([50])

وقال:

لا تتبع النفس الهوى

ودع التعرض للمحن

إبليس حيٌّ لم يمت  

والعين باب للفتن([51])

وقال الشيخ أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني×:

من قارب الفتنة ثم ادعى الـ

عصمة قد نافق في أمره

ولا يجيز الشرع أسباب ما

يورِّط المسلمَ في حظره

فانجُ ودع عنك صداع الهوى  

عساك أن تسلم من شره([52])

ومما يدخل في ذلك البعد عن مجالس الخنا والزور، ومجالس الجدال بالباطل، ومجالس الوقيعة في عباد الله خصوصاً أهل العلم والفضل خصوصاً في أوقات الفتن التي يكثر فيها القيل والقال؛ فالبعد عن الفتن سبيل للنجاة منها إلا من كان لديه علم يزمُّه، وإيمان يردعه، وكان يأنس من نفسه نفع الناس، وتبصيرهم، وكشف الشبه، وبيانَ الحق؛ فأولى لمثل هذا ألا ينزوي في قعر بيته، ويدع الناس يتخبطون في دياجير الظُّلم.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمـية ×: =هل الأفضل للسالك: العزلة أو الخلطة؟+.

فأجاب بقوله: =فهذه المسألة ـ وإن كان الناس يتنازعون فيها إما نزاعاً كلياً وإما حالياً _ فحقيقة الأمر أن الخلطة تارة تكون واجبة، أو مستحبة، والشخص الواحد قد يكون مأموراً بالمخالطة تارة، وبالانفراد تارة.

وجماع ذلك أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان فهي منهيٌّ عنها+.

إلى أن قال: =فاختيار المخالطة مطلقاً خطأ، واختيار الانفراد مطلقاً خطأ+.

وأما مقدار ما يحتاج إليه كل إنسان من هذا وهذا، وما هو الأصلح له في كل حال _ فهذا يحتاج إلى نظر خاص+ا.هـ([53]).

العشرون: الحذر من أن يؤتى الإسلام من أي ثغر من الثغور: سواء في ميدان التعليم، أو الإعلام، أو المرأة، أو الدعوة، وما جرى مجرى ذلك.

فهذه ثغور يجب على كل مسلم بحسبه أن يحافظ عليها خصوصاً في مثل هذه الأيام العصيبة، فلا يليق بنا أن نقول بأننا أمام أمور أعظم؛ فلا داعي أن نشتغل بهذه الأمور.

بل هي من صميم ما يجب علينا، وهي من أعظم ما يسعى الأعداء لتحقيقه.

وعلينا أن ندرك الخطر المحدق بالأمة، وأن نستشعر ما تتطلبه تلك المرحلة من الصبر، والحكمة، والروية، والثبات، وبُعْد النظرة، وصدق التوكل، وحسن الصلة بالله.

وعلينا أن نسعى سعينا في إصلاح عقائد المسلمين، وأخلاقهم، وعباداتهم، وسلوكهم، وأن نبذل الجهد في الرفع من إيمانهم، وتجنيبهم ما يسخط الله؛ فإذا علم الله منا صدق التوجه، وحسن النوايا أكرمنا بالنصر، وأيدنا بروح منه.

أما إذا تخاذلنا، وتفرقنا فإنه يوشك أن نُخذل، ونَفشلَ، وتَذهب رِيحُنا.

وكيف ننتصر إذا ابتعدنا عن الله؟ وهل سيدوم ذلك النصر لو كتب لنا؟

وماذا سيكون مصيرنا لو انتصرنا ونحن على تلك الحال المزرية؟

قال الله _عز وجل_ [إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] محمد: 7

وقال: [وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً] النساء: 66

الحادي والعشرون: ترسيخ الفهم الصحيح للإيمان بالقدر والتوكل على الله _عز وجل_: فالإيمان بالقدر يحمل على التسليم لله، والرضا بحكمه، والقيام بالأسباب المشروعة، لا على القعود، والإخلاد إلى الأرض؛ فهناك من يترك الأخذ بالأسباب، بحجة أنه متوكل على الله، مؤمن بقضائه وقدره، وأنه لا يقع في ملكه شيء إلا بمشيئته.

وذلك كحال بعض الذين يرون أن ترك الأخذ بالأسباب أعلى مقامات التوكل.

فهذا الأمر مما عمت به البلوى، واشتدت به المحنة، سواء على مستوى الأفراد، أو على مستوى الأمة.

فأمة الإسلام مرت بأزمات كثيرة، وفترات عسيرة، وكانت تخرج منها بالتفكير المستنير، والنظرة الثاقبة، والتصور الصحيح، فتبحث في الأسباب والمسببات، وتنظر في العواقب والمقدمات، ثم بعد ذلك تأخذ بالأسباب، وتلج البيوت من الأبواب، فتجتاز _ بأمر الله _ تلك الأزمات، وتخرج من تلك النكبات، فتعود لها عزتها، ويرجع لها سالف مجدها.

هكذا كانت أمة الإسلام في عصورها الزاهية.

أما في هذه العصور المتأخرة التي غشت فيها غواشي الجهل، وعصفت فيها أعاصير الإلحاد والتغريب، وشاعت فيها البدع والضلالات _ فقد اختلط هذا الأمر على كثير من المسلمين؛ فجعلوا من الإيمان بالقضاء والقدر تكأةً للإخلاد إلى الأرض، ومسوغاً لترك الحزم والجد والتفكير في معالي الأمور، وسبل العزة والفلاح، فآثروا ركوب السهل الوطيء الوبيء على ركوب الصعب الأشق المريء.

فكان المخرج لهم أن يتكل المرء على القدر، وأن الله هو الفعَّال لما يريد، وأن ما شاءه كان، وما لم يشأه لم يكن؛ فلتمضِ إرادتُه، ولتكن مشيئته، وليجرِ قضاؤه وقدره، فلا حول لنا ولا طول، ولا يدَ لنا في ذلك كله.

هكذا بكل يسر وسهولة، استسلام للأقدار دون منازعة لها في فعل الأسباب المشروعة والمباحة؛ فلا أمر بالمعروف، ولا نهي عن المنكر، ولا حرص على نشر العلم ورفع الجهل، ولا محاربة للأفكار الهدامة والمبادئ المضللة، كل ذلك بحجة أن الله شاء ذلك!

والحقيقة أن هذه مصيبة كبرى، وضلالة عظمى، أدت بالأمة إلى هوة سحيقة من التخلف والانحطاط، وسبَبَّت لها تسلط الأعداء، وجرَّت عليها ويلات إثر ويلات.

وإلا فالأخذ بالأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر، بل إنه من تمامه؛ فالله _ عز وجل _ أراد بنا أشياء، وأراد منا أشياء، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أمرنا بالقيام به، فقد أراد منا حمل الدعوة إلى الكفار وإن كان يعلم أنهم لن يؤمنوا، وأراد منا أن نكون أمة واحدة وإن كان يعلم أننا سنتفرق ونختلف، وأراد منا أن نكون أشداء على الكفار رحماء بيننا، وإن كان يعلم أن بأسنا سيكون بيننا شديداً وهكذا...

فالخلط بين ما أريد بنا، وما أريد منا، وبين الأمر الكوني القدري، والشرعي الديني هو الذي يُلبِس الأمر، ويوقع في المحذور.

ثم لا ريب أن الله _ عز وجل _ هو الفعال لما يريد، الخالق لكل شيء، الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي له مقاليد السموات والأرض.

 ولكنه _ تبارك وتعالى _ جعل لهذا الكون نواميس يسير عليها؛ وقوانين ينتظم بها، وإن كان هو _ عز وجل _ قادراً على خرق هذه النواميس وتلك القوانين، وإن كان _ أيضاً _ لا يخرقها لكل أحد.

فالإيمان بأن الله قادر على نصر المؤمنين على الكافرين _ لا يعني أنه سينصر المؤمنين وهم قاعدون عن الأخذ بالأسباب؛ لأن النصر بدون الأخذ بالأسباب مستحيل، وقدرة الله لا تتعلق بالمستحيل، ولأنه منافٍ لحكمةِ الله، وقُدْرَتُه_عز وجل_ متعلقةٌ بحكمته.

فكون الله قادراً على الشيء، لا يعني أن الفرد أو الجماعة أو الأمة قادرةٌ عليه؛ فقدرة الله صفة خاصة به، وقدرة العبد صفة خاصة به، فالخلط بين قدرة الله والإيمان بها، وقدرة العبد وقيامه بما أمره الله به_ هو الذي يحمل على القعود، وهو الذي يخدر الأمم والشعوب([54]).

وهذا ما لاحظه وألمح إليه أحد المستشرقين الألمان وهو باول شمتز، فقال وهو يؤرخ لحال المسلمين في عصورهم المتأخرة: =طبيعة المسلم التسليم لإرادة الله، والرضا بقضائه وقدره، والخضوع بكل ما يملك للواحد القهار.

وكان لهذه الطاعة أثران مختلفان؛ ففي العصر الإسلامي الأول لعبت دوراً كبيراً في الحروب، وحققت نصراً متواصلاً؛ لأنها دفعت في الجندي روح الفداء.

وفي العصور المتأخرة كانت سبباً في الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي، فقذف به إلى الانحدار، وعزله وطواه عن تيار الأحداث العالمية+([55]).

الثاني والعشرون: مراعاة المصالح والمفاسد: وقد مر شيء من ذلك؛ فلا يكفي مجرد سرد النصوص، وتنزيلها على أحوال معينة خصوصاً عند الفتن واشتباه الأمور بل لا بد من الرؤية، والاستنارة بأهل العلم والفقه والبصيرة، ولا بد من النظر في المصالح والمفاسد قال الشيخ السعدي ×: =قوله [فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى (9)] الأعلى، مفهوم الآية أنه إذا ترتب على التذكير مضرة أرجح تُرِكَ التذكير؛ خوف وقوع المنكر+.([56])

وقال ابن القيم ×:=فإذا كان إنكار المُنْكَرِ يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه، ويمقت أهله+.

وقال: =ومن تأمل ما جرى في الإسلام من الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولَّد منه ما هو أكبر منه؛ فقد كان رسول الله " يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها+.

بل لما فتح الله مكة، وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت، وردِّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك _مع قدرته عليه_ خشيةُ وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر+.([57])

وقال ×: =فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويَخْلُفَهُ ضدُّه

والثانية: أن يَقِلَّ، وإن لم يزل بالجملة.

الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.

الرابعة: أن يخلفه ما هو شرٌ منه.

فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة محلُّ اجتهاد، والرابعة محرمة.

فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون الشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النُّشاب، وسباق الخيل، ونحو ذلك.

وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو، أو لعب، أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم إلى طاعة الله فهو المراد.

وإلا كان تركهم على ذلك خيراً من أن تُفرِغَهم لما هو أعظم من ذلك؛ فكان ما هم فيه شاغلاً لهم عن ذلك.

وكما إذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون ونحوها، وخِفتَ من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فَدَعْهُ وكتبه الأولى، وهذا باب واسع.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه ونورَّ ضريحة_ يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر؛ فأنكر عليهم مَنْ كان معي؛ فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكره وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال؛ فَدَعْهم+. ([58])

الثالث والعشرون: حسن التعامل مع الخلاف والردود: فربما يحصل في وقت النوازل والفتن اختلاف في النظرة إليها من قبل بعض أهل العلم وربما يحصل خلاف حول أمر ما؛ فيحسن _ والحالة هذه _ أن تنشرح صدورنا لما يقع من الخلاف؛ فما من الناس أحد إلا وهو راد ومردود عليه، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول ".

ويجمل بنا نحسن الظن بأهل العلم والفضل إذا رد بعضهم على بعض، وألا ندخل في نياتهم، وأن نلتمس لهم العذر.

 وإذا تبين لنا أن أحداً من أهل العلم والفضل أخطأ سواء كان راداً أو مردوداً عليه _ فلا يسوغ لنا ترك ما عنده من الحق؛ بحجة أنه أخطأ.

وإذا كنا نميل إلى أحد من الطرفين أكثر من الآخر فلا يجوز لنا أن نتعصب له، أو نظن أن الحق معه على كل حال.

وإذا كان في نفس أحدٍ منا شيء على أحد الطرفين _ فلا يكن ذلك حائلاً دون قبول الحق منه.

قال _ ربنا جل وعلا _ : [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى].

وقال: [وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى].

وقال : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ].

قال ابن حزم ×: =وجدت أفضل نعم الله _تعالى_ على المرء أن يطبعه على العدلِ وحُبِّه، وعلى الحق وإيثاره+.([59])

وقال: =وأما من طبع على الجور واستسهاله، وعلى الظلم واستخفافه _ فلييأس من أن يصلح نفسه، أو يقوِّم طباعه أبداً، وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود+.([60])

وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ×: =والعدل مما تواطأت على حسنه الشرائع الإلهية، والعقول الحكيمة، وتمدَّح بادعاء القيام به عظماءُ الأمم، وسجلوا تمدُّحهم على نقوش الهياكل من كلدانية، ومصرية، وهندية.

وحسن العدل بمعزل عن هوى يغلب عليها في قضية خاصة، أو في مبدأ خاص تنتفع فيه بما يخالف العدل بدافع إحدى القوتين: الشاهية والغاضبة+.([61])

وإذا كان لدينا قدرة على رأب الصدع، وجمع الكلمة، وتقريب وجهات النظر فتلك قربة وأي قربة.

قال الله _ عز وجل _ : [لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً].

وإذا لم نستطع فلنجتهد بالدعاء والضراعة إلى الله أن يقرب القلوب، ويجمع الكلمة على الحق.

ولنحذر كل الحذر من الوقيعة بأهل العلم، أو السعاية بينهم، ولنعلم بأنهم لا يرضون منا بذلك مهما كان الأمر.

وإذا سلَّمَنا الله من هذه الردود، فاشتَغل الواحد منا بما يعنيه _ فهو خير وسلامة _ إن شاء الله تعالى _.

والذي يُظَنْ بأهل الفضل سواء كان الواحد منهم رادَّاً أو مردوداً عليه _ أنهم لا يرضون منا أن نتعصَّب لهم أو عليهم تفنيداً، أو تأييداً.

بل يرضيهم كثيراً أن نشتغل بما يرضي الله، وينفع الناس.

ويؤسفهم كثيراً أن تأخذ تلك الردود أكثر من حجمها، وأن تفسر على غير وجهها.

هذا وإن العاقل المحب لدينه وإخوانه المسلمين ليتمنى من صميم قلبه أن تجتمع الكلمة، وألا يحتاج الناس أو يضطروا إلى أن يردوا على بعض، وما ذلك على الله بعزيز، ولكن:

فيا دارها بالحزن إن مزارها

قريب ولكن دون ذلك أهوال

فمن العسير أن تتفق آراء الناس، واجتهاداتهم، ومن المتعذر أن يكونوا جميعاً على سنة واحدة في كل شيء، ومن المحال أن يُعْصَم الناس فلا يخطئوا.

ثم ليكن لنا في سلفنا الكرام قدوة؛ فهم خير الناس في حال الوفاق وحال الخلاف؛ حيث كانوا مثالاً يحتذى في الرحمة، والعدل، والإنصاف حتى في حال الفتنة والقتال.

روي أنه أُنشد في مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب÷ قول الشاعر:

فـتىً كان يدنيه الغنى من صديقـه

إذا مـا هـو استغنى ويبعده الفقر

كـأن الـثريا عـلقـت بجبينه  

وفي خده الشِّعرى وفي الآخر البدر

فلما سمعها علي ÷ قال: هذا طلحة بن عبيد الله، وكان السيف يومئذٍ ليلتئد مجرداً بينهما.

فانظر إلى عظمة الإنصاف، وروح المودة، وشرف الخصومة.

ولا ريب أن هذه المعاني تحتاج إلى مراوضة النفس كثيراً، وإلى تذكيرها بأدب الإنصاف، وإنذارها ما يترتب على العناد والتعصب من الإثم والفساد.

وإذا استقبلنا الخلاف والردود بتلك الروح السامية، والنفس المطمئنة صارت رحمةً، وإصلاحاً، وتقويماً، وارتقاءاً بالعقول، وتزكية للنفوس.

وبهذا نحفظ لرجالنا، وأهل العلم منا مكانتهم في القلوب، ونضمن _بإذن الله_ لأمتنا تماسكها وصلابة عودها، ونوصد الباب أمام من يسعى لتفريقها والإيضاع خلالها .

والعجيب أن ترى أن اثنين من أهل العلم قد يكون بينهما خلاف حول مسألة أو مسائل، وتجد أتباعهما يتعادون، ويتمارون، وكل فريق يتعصب لصاحبه مع أن صاحبي الشأن بينهما من الود، والصلة، والرحمة الشيء الكثير!.

وأخيراً لنستحضر أن ذلك امتحان لعقولنا وأدياننا؛ فلنحسن القول، ولنحسن العمل، ولنجانب الهوى.

الرابع والعشرون: إشاعة روح التعاون على البر والتقوى والحرص على الإفادة من كل أحد: فهذا مما ينمي روح المودة، ويقضي على الكسل والبطالة؛ فإن من النعم الكبرى كثرةَ طرق الخير، وتعَّددَ السبل الموصلة إلى البر؛ فلا يسوغ _والحالة هذه_ أن يُقَلَّل من أي عمل من أعمال الخير؛ فالمسلم بحاجة إلى ما يقربه إلى ربه، والأمة بحاجة إلى كل عمل من شأنه رفعُ راية الإسلام، وإعزازُ أهله.

وإذا شاعت روح التعاون بين أفراد الأمة في شتى الميادين_أمكن الإفادة من كل شخص مهما قلت مواهبه، ومن كل فرصة ووسيلة ما دامت جارية على مقتضى الشرع.

أما إذا اقتصر كل واحد منا على باب من أبواب الخير، ورأى أنه هو السبيل الوحيد للنهوض بالأمة، وقبض يده عن التعاون مع غيره ممن فتح عليهم أبواب أخرى من الخير_فإننا سنحرم خيراً كثيراً، وستُفْتَح علينا أبواب من الشر لا يعلمها إلا الله _عز وجل_.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×في معرض كلام له في بيان أن أفضل الأعمال يتنوع بحسب أجناس العبادة، وباختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأشخاص، والأحوال، قال: =وهذا باب واسع يغلو فيه كثير من الناس، ويتَّبعون أهواءهم؛ فإن من الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه لمناسبته له، ولكونه أنفع لقلبه، وأطوع لربه _ يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس، ويأمرهم بمثل ذلك.

والله بعث محمداً بالكتاب والحكمة، وجعله رحمة للعباد، وهدياً لهم يأمر كل إنسان بما هو أصلح له؛ فعلى المسلم أن يكون ناصحاً للمسلمين، يقصد لكل إنسان ما هو أصلح.

وبهذا تبين لك أن من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له، ومنهم من يكون تطوعه بالجهاد أفضل له، ومنهم من يكون تطوعه بالعـبادات البدنية _ كالصلاة والصيام _ أفضل له.

والأفضل مطلقاً ما كان أشبه بحال النبي " باطناً وظاهراً؛ فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ".

والله _ سبحانه وتعالى _ أعلم+([62]).

وبناءً على ما مضى فإنه لا غضاضة على من فتح عليه في باب من أبواب الخير دون أن يفتح عليه في غيره؛ ولا على من فتح عليه من أبواب الخير دون أن يفتح على غيره فيه؛ فكل ميسر لما خلق له، وقد علم كل أناس مشربهم؛ فلا غرو_ إذاً _ أن تتنوع الأعمال ما دامت على مقتضى الشرع؛ فهذا يُكِبُّ على العلم والبحث والتأليف، وذاك يقوم بتعليم الناس عبر الدروس، وهذا يسد ثغرة الجهاد، وذاك يقوم بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يقوم على رعاية الأرامل والأيتام، ويتعاون مع جمعيات البر المعنية بهذا الشأن، وذاك يقوم بتربية الشباب في محاضن التربية والتعليم، وهذا يقوم بتعليم الناس كتاب الله، وتحفيظهم إياه، وذاك يعنى بشؤون المرأة، وما يحاك حولها، وهذا يهتم بعمارة المساجد، ودلالة المحسنين على ذلك، وذاك يسعى في تنظيم الدروس والمحاضرات والدورات العلمية، وتسهيل مهام أهل العلم في ذلك الشأن، وهذا يعنى بالجاليات التي تفد إلى بلاد المسلمين يعلمهم أمور دينهم إن كانوا مسلمين، ويدعوهم إلى الإسلام إن كانوا غير مسلمين، وهذا مفتوح عليه في باب الشبكة العالمية _الإنترنت_ حيث ينشر الخير من خلالها، ويصد الشر عن المسلمين، وذاك قد فتح عليه في الإعلام ونشر الخير عبر وسائله المتنوعة، وهذا يعنى بالمسلمين في بقاع الأرض؛ حيث يسعى في تعليمهم، وبيان قضاياهم، ويحرص على رفع الظلم عنهم، وهذا يسعى سعيه في الإصلاح بين الناس، وذاك يقوم بشؤون الموتى من تغسيلهم، ودفنهم ونحو ذلك، وهذا منقطع للعبادة، والذكر، والتلاوة، وعمارة بيوت الله، وذاك مفتوح عليه في باب الصيام، وهذا مفتوح عليه في باب الصلاة، وذاك مفتوح عليه في باب الصدقة، وذاك الفذُّ الجامع لأكثر تلك الخصال وهكذا...

وبهذه النظرة الشاملة نأخذ بالإسلام من جميع أطرافه، ونسد كافة الثغرات التي تحتاج إلى من يقوم بها، ويمكننا اغتنام جميع الفرص، وكافة المواهب، ونستطيع من خلال ذلك إشاعة روح العمل للإسلام، والقضاء على الكسل والبطالة.

وبذلك يقل التلاوم، ويكثر العمل، ويُنْبذ الخلاف، ونسلم من القيل والقال، وننهض بأمتنا إلى أعلى مراقي السعود، وأقصى مراتب المجادة.

وبعد: فهذه إشارات مجملة، ومعالم عامة في التعامل مع الفتن والمصائب وكل واحد منها يحتاج إلى بسط وتفصيل، والمقام لا يسمح بذلك؛ فأسأل الله أن ينفع بما ذكر؛ إنه سميع قريب.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



[1]-أخرجه الحاكم 1/93 عن أبي هريرة، وقال الألباني في صحيح الجامع (2938): (صحيح).

[2]-رواه أبو داود (4607) والترمذي (2676) وصححه ابن حبان (5).

[3]-انظر زاد المعاد لابن القيم 3/218_241 ففيه كلام عظيم حول هذه المسألة، وحول الحكمة من إدالة الكفار على المسلمين.

[4]-أخرجه البخاري(6129و6203) ومسلم (2150) عن أنس ابن مالك قال: كان رسول الله"أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، قال: أحسبه فطيمٌ، وكان إذا جاء قال: =يا أبا عمير ما فعل النغير+ نغرٌ كان يلعب به. وهذا لفظ البخاري.

[5]-الجامع لسيرة عمر بن عبدالعزيز لعمر بن محمد الخضر المعروف بالملاء، تحقيق د. محمد البورنو(2/236).

[6] - جمع رشاء وهو الحبل، والطوي: البئر المطوية بالحجارة.

[7]-منهاج السنة النبوية 8/83_84.

[8]-بدائع الفوائد لابن القيم 3/132_133.

[9]-رواه مسلم (2593).

[10]-رواه مسلم (2594).

[11]-رواه البخاري (6124)، ومسلم (1733).

[12]-جامع العلوم والحكم 2 / 456.

[13]-روضة العقلاء ص 216.

[14]-البيان والتبيين للجاحظ 2 / 174.

[15]-مسلم (2948).

[16]-انظر الحرية في الإسلام ص21.

[17]-منهاج السنة النبوية 8/58.

[18]-انظر مسند الإمام أحمد 4/203، وسنن النسائي الكبرى (8858).

[19]_2-رواه مسلم (5) في مقدمة صحيحه.

[21]-مسلم في مقدمة صحيحه (5).

[22]-تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن للسعدي ص154.

[23]-فتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام المستنبطة من القرآن للشيخ عبدالرحمن السعدي عناية الشيخ د. عبدالرزاق البدر ص161.

[24]-فتح الرحيم الملك العلام ص162.

[25]-روضة العقلاء ص 216.

[26]-زهر الآدب للحصري القيرواني 1/154.

[27]-روضة العقلاء ص216.

[28]-روضة العقلاء ص 217.

[29]-صيد الخاطر ص605.

[30]-صيد الخاطر 625.

[31]-إغاثة اللهفان ص537.

[32]-مجلة الرسالة عدد 562 إبريل 1944، وانظر جمهرة مقالات محمود شاكر 1/258 إعداد د. عادل سليمان جمال.

[33]-البخاري (6830).

[34]-أخرجه البخاري (127).

[35]-أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (5).

[36]-انظر رسائل الإصلاح للشيخ محمد الخضر حسين 1 / 77.

[37]-عيون البصائر ص17.

[38]-مجمع الأمثال للميداني 1 / 432.

[39]-ديوان المتنبي بشرح العكبري 4 /174.

[40]-ديوان المتنبي 4/120.

[41]-الاستقامة 2 /270_271.

[42]-منهاج السنة 8/86.

[43]-انظر تفاصيل الحديث عن الشجاعة في كتاب: الهمة العالية للكاتب 256_276.

[44]-مسلم (770).

[45]-مسلم (2577).

[46]-رواه أبو داود (4263) من حديث المقداد، وقال الألباني في صحيح الجامع (1637): (صحيح).

[47]-صيد الخاطر لابن الجوزي ص41.

[48]-صيد الخاطر لابن الجوزي ص41.

[49]-صيد الخاطر ص350.

[50]-طوق الحمامة لابن حزم ص128.

[51]-طوق الحمامة لابن حزم ص127.

[52]-روضة المحبين لابن القيم ص151.

[53]-مجموع الفتاوى 10/425_426.

[54]-تفاصيل ذلك في كتاب (الإيمان بالقضاء والقدر) للكاتب.

[55]-الإسلام قوة الغد العالمية، باول شمتز ص90.

[56]-فتح الرحيم الملك العلام ص164.

[57]-إعلام الموقعين لابن القيم 3 / 6.

[58]-إعلام الموقعين 3/ 6_7.

[59]-الأخلاق والسير ص37.

[60]-الأخلاق والسير ص37.

[61]-أصول النظام الاجتماعي في الإسلام للطاهر بن عاشور ص186.

[62]-مجموع الفتاوى 10/427_429.

رأيك يهمنا