فقه اللغة [ مفهومه - موضوعاته - قضاياه ]

نبذة مختصرة

يحتوي هذا الكتاب على مدخل، وأربعة أبواب، وخاتمة، وذلك على النحو التالي:
- مدخل: ويحتوي على قبس من التنزيل في التنويه بشأن العربية، وعلى بعض أقوال السلف، والعلماء والشعراء في تعظيم شأن العربية.
- الباب الأول: دراسة عامة للغة وفقه اللغة.
- الباب الثاني: دراسات عامة لبعض موضوعات فقه اللغة.
- الباب الثالث: دراسات في المعاجم العربية.
- الباب الرابع: مشكلات تواجه العربية.
وتحت كل باب من الأبواب السابقة عدد من الفصول، وتحت كل فصل عدد من المباحث.
- الخاتمة: وتتضمن ملخصًا يجمع أطراف ما ورد في هذا الكتاب.

تنزيــل

تفاصيل

 فقه اللغة [ مفهومه - موضوعاته - قضاياه ]

 l الــمــقـدمــة

الحمد لله الذي جعل العربية على أشرف لسان، وأنزل كتابه المحكم في أساليبها الحسان، والصلاة والسلام على أفضل العرب لهجة، وأصدقهم حجة، وأقوم الدعاة إلى الحق محجة، وعلى آله الأمجاد، وصحبه الذين فتحوا البلاد، ونشروا لغة التنزيل في الأغوار والأنجاد، وحببوها إلى الأعجمين حتى استقامت ألسنتهم على النطق بالضاد.

أما بعد:

فهذه أبواب وفصول في فقه اللغة العربية، يسَّر الله جمعها، وتأليف بعضها إلى بعض منذ فترة طويلة، وذلك أيام الطلب؛ حيث وضعتها لنفسي، ولمن أرادها من زملائي.

وظلت حبيسة الأدراج حتى شاء الله بعثها من مرقدها؛ لترى النور.

وبعد العزيمة على إخراجها ظننت أن الأمر يسير، وأنه لا يحتاج إلى جهد كبير، وأنه مجردُ ترتيب، وعزوُ نقل، وإعادة صياغة؛ فلما توغلت فيه رأيت أنني أمام بحر لا ساحل له.

وقال أصيحابي الفرار أو الردى

                   فقلت هما أمران أحلاهما مر

وإن من أعظم نعم الله على المؤلف أن يرى عند عزمه على التأليف أنه سهل ميسور، وأنه لا تمر عليه مدة وجيزة إلا أنجزه وأتمه؛ فإذا ما ابتدأ فيه تفتَّق ذهنه عن مسائل لم يحلم بها، وطرأت عليه أبحاث لم يكن يتخيلها، وإذ هو في واد متشعب يرى أنه لا بد له من سلوكه.

ولو علم بادئ الأمر ما سيلقاه من المشقة والتعب لأبعد عن فكره خيال التأليف، ونأى بنفسه عن مسالك التكليف( )، مفضلاً منادمة الأحباب، ودعةَ التنعم بمغتسل بارد وشراب.

ولم تكن صعوبة ذلك البحث في دقته، وغموضه، وحاجته إلى الإبداع، والاجتهاد وطول الباع بقدر ما كانت في تشتته، وتفرق موضوعاته، وتجددها، وكون بعضها مطروقاً في كتب الأوائل، وبعضها في كتب المُحْدَثين.

وتكمن صعوبته _كذلك_ في كون بعض تلك الموضوعات مفرداً في كتاب مطول، وكون بعضها الآخر مختزلاً مختصراً في كتاب يضم عدداً من الموضوعات.

ومن هنا كانت الرغبة في جمع ما تيسر من شتات ذلك العلم،وترتيب منثوره وتقريب ما بعد من مسائله، وتقصير بعض تطويله.

ولا يخفى أن ذلك كله من مقاصد التأليف كما أشار إلى ذلك القائل بقوله:

ألا فاعلمن أن التآليفَ سبعةٌ

                   لكل لبيبٍ في النصيحة خالصِ

فشرحٌ لإغلاقٍ وتصحيحُ مخطئٍ

                   وإبداعُ حبرٍ مقدمٍ غير ناكصِ

وترتيبُ منثورٍ وجمعُ مُفرقٍ

                   وتقصيرُ تطويلٍ وتتميمُ ناقصِ

ولقد كان الحرص شديداً على تيسير تلك المباحث، وتقريبها لمريديها، وإبعادها عن جفوة المؤلفات اللغوية، وعنف ممارستها.

وإن مما دفعني إلى الكتابة في هذا الشأن قضاءَ بعضِ الحق للعربية، وبيانَ عظمتها، والوقوفَ على شيء من أسرارها، والتأكيدَ على بيان سعتها، واستيعابِها لكل جديد، وردَّ الدعاوى التي تنادي بوأدها في ربيع حياتها.

ومن الدوافع إيقاف القارئ على شيء من عبقرية علماء السلف الذين كان لهم قصب السبق في دراسة العديد من القضايا اللغوية والصوتية التي تفوق كثيراً من الدراسات الحديثة.

ومن أعظم الدوافع لذلك _أيضاً_ إعانة الدارسين لفقه اللغة، وتيسير وصولهم إليه خصوصاً من يتصدى لتدريس هذا العلم أو دراسته؛ فهم يعانون من تفرق مباحثه في كتب شتى؛ فلعل هذا الكتاب يعينهم على ما هم بصدده، فيصير هذا العلم لهم على طرف الثُّمام.

ولقد أفدت كثيراً من كتب العلماء والباحثين الذين ألفوا في فقه اللغة، سواء من القدماء أو المحدثين ممن سيرد ذكر لهم ولمؤلفاتهم في ثنايا هذا الكتاب.

أما عنوان الكتاب فقد حمل المسمى الآتي:

(فقه اللغة: مفهومه _ موضوعاته _ قضاياه)

أما خطته فجاءت مشتملة على مدخل، وأربعة أبواب، وخاتمة، وذلك على النحو التالي:

_ مدخل: ويحتوي على قبس من التنزيل في التنويه بشأن العربية، وعلى بعض أقوال السلف، والعلماء والشعراء في تعظيم شأن العربية.

_ الباب الأول: دراسة عامة للغة وفقه اللغة.

_ الباب الثاني: دراسات عامة لبعض موضوعات فقه اللغة.

_ الباب الثالث: دراسات في المعاجم العربية.

_ الباب الرابع: مشكلات تواجه العربية.

وتحت كل باب من الأبواب السابقة عدد من الفصول، وتحت كل فصل عدد من المباحث.

_ الخاتمة: وتتضمن ملخصاً يجمع أطراف ما ورد في هذا الكتاب.

وأخيراً لا يسعني إلا أن أشكر الله _عز وجل_ على إعانته، ولطفه، وتيسيره، وأسأله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به؛ إنه سميع قريب.

وبعد شكر الله أتوجه بالشكر الجزيل، وبالدعاء الخالص بكل من أعان على إخراج هذا الكتاب نسخاً، وتصحيحاً، ومقابلة، وتوجيهاً، فأسأل الله أن يبارك فيه، وأن يجعله هادياً مهدياً مباركاً أينما كان.

وإلى موضوعات الكتاب، وال مـــدخـــل

له المستعان، وعليه التكلان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

قبس من التنزيل في شأن العربية:

قبس من التنزيل في التنويه بشأن العربية

قال الله _عز وجل_ : [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)] يوسف.

وقال: [وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً] طه: 113.

وقال: [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)] الشعراء.

وقال: [كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)] فصلت.

وقال: [إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)] الزخرف.

نماذج من عناية السلف بالعربية:

قال عمر بن الخطاب÷: =تعلموا العربية؛ فإنها تزيد المروءة+( ).

وقال شعبة×: =تعلموا العربية؛ فإنها تزيد في العقل+( ).

وقال عبدالملك بن مروان×: =أصلحوا ألسنتكم؛ فإن المرء تنوبه النائبة، فيستعير الثوب والدابة، ولا يمكنه أن يستعير اللسان+( ).

العربية في أعين العلماء والشعراء:

قال ابن فارس×: =قال _ جل ثناؤه _ [خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)] الرحمن.

فقدم _ جل ثناؤه _ ذكر البيان على جميع ما توحد بخلقه، وتفرد بإنشائه من شمس، وقمر، ونجم، وشجر، وغير ذلك من الخلائق المحكمة، والنشايا المتقنة؛ فلما خص _جل ثناؤه_ اللسان العربي بالبيان عُلِم أن سائرَ اللغاتِ قاصرةٌ عنه، وواقفةٌ دونه؛ فإن قال قائل: فقد يقع البيان بغير اللسان العربي؛ لأن كل من أفهم بكلام على شرط لغته فقد بين _ قيل له:إن كنت تريد أن المتكلم بغير اللغة العربية قد يُعْرِبُ عن نفسه حتى يفهم السامع مراده فهذا أخس مراتب البيان؛ لأن الأبكم قد يدل بإشارات وحركات له على أكثر مراده ثم لا يسمى متكلماً فضلاً عن أن يسمى بيِّنا أو بليغاً.

وإن أردت أن سائر اللغات تُبِين إبانة اللغة العربية فهذا غلط؛ لأنا لو احتجنا أن نعبر عن السيف وأوصافه باللغة الفارسية لما أمكننا ذلك إلا باسم واحد ونحن نذكر للسيف بالعربية صفات كثيرة+( ).

وقال الثعالبي ×: =من أحب الله أحب رسوله المصطفى"ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب+( ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ×: =فإن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغاً عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين _ لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين+( ).

ويقول _أيضاً_: =إن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عمر بن يزيد قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ÷: أما بعد: فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن؛ فإنه عربي.

وفي حديث آخر عن عمر ÷أنه قال: تعلموا العربية؛ فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم.

وهذا الذي أمر به عمر ÷من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يُحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال؛ ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله+( ).

وقال: =ومعلوم أن تعلُّم العربية، وتعليم العربية فرض على الكفاية، وكان السلف يؤدبون أولادهم على اللحن؛ فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي، ونصلح الألسنة المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة، والاقتداء بالعرب في خطابها+( ).

وقال حافظ إبراهيم × على لسان اللغة العربية:

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي

                   وناديت قومي فاحتسبت حياتي

رموني بعقم في الشباب وليتني

                   عقمت فلم أجزع لقول عداتي

وسعت كتاب الله لفظاً وغاية

                   وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة            وتنسيق أسماء لمخترعات

أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ

                   فهل سألوا الغواص عن صدفاتي( )

 وقال الشيخ العلامة محمد الخضر حسين × في قصيدته: حياة اللغة العربية:

لغة أُودِعَ في أصدافها

                   من قوانين الهدى أبهى دُرَرْ

أفلم ينسجْ على منوالها

                   كَلِمُ التنزيلِ في أسمى سور

هي بحرٌ غُصْ على حليتها

                   فلآليْ البحرِ ليست تنحصر

فاض من نهر مبانيها على

                   فصحاء العرب سيلٌ منهمر

فاسأل التاريخ ينبئك بما

                   أنجبت أرض قريش أو مضر

من خطيب مِصْقَعٍ أو شاعر

                   مُفْلِقٍ يسحب أذيال الفخر( )

ولعلامة العراق الشيخ محمد بهجة الأثري × قصائدُ عِذَابٌ في العربية ضَمَّنها ديوانه المسمى (ديوان الأثري)، ومنها:    قصيدة له عنوانها سيدة اللغات تقع في 35 بيتاً، ومنها قوله:

سلامٌ على أم اللغات على المدى

                   سلامَ أخيذٍ بالجمال هيومِ

مشوقٍ إلى الجَرْسِ الرقيق ومفصحٍ

                   من اللفظ منسوقِ البيان رخيمِ

تراقص مفتر المباسم حَرفُهُ

                   كما هزَّ عِطْفَ الزهرِ رَوْحُ نسيمِ

إذا قلت درٌّ قلتُ بعض صفائها

                   صفاءُ مضيءِ الصفحتين يتيمِ

إذا قلت سحر قلت فاق استراقُهُ

                   منافثَ سحرٍ في الملاحِ صميمِ

دَعِ السحرَ من سود العيون تروده

                   ورُمْ سِحْرَ لفظٍ بالحياة زعيمِ

أأمَّ لغات العالمين بلاغةً

                   وطيبَ مذاقٍ واختلافَ طعومِ

بيانك؟ أم ماء من الخلد كوثرٌ

                   ترقرق عذباً؟ أم رحيق كرومِ؟

تجاوز أعناق الدهور وحسنُه

                   يزيد على الأيام حسنَ رسومِ

سقى كلَّ لمّاح البيان زُلالُه

                   مصفَّىً وروَّى طبع كلِّ حكيمِ

تنزَّلَ قرآنٌ بها ما تلوتَه

                   صحوتَ على معنى أغرَّ عظيمِ

تكرم بالوحي الأمين مبينُه

                   وعزَّ بمعطاءِ الحياة كريمِ

تَمَلأ منه بالرواء محمدٌ

                   وآتى به الدنيا أريجَ شميمِ

سرى يفغم الآفاقَ مسكاً وعنبراً

                    ويحيي من الأرواح كل رميمِ( )

 وقال في قصيدة رائعة أخرى عنوانها: (لغة مدت الظلال على الأرض) وتقع في 115 بيتاً، ومنها قوله:

لغةٌ مدَّتِ الظلالَ على الأر

                   ض وأذكت مشاعرَ الإنسانِ

وأفاضت على اللُّغى زائنات

                   من درارٍ ولؤلؤٍ وجمانِ

من غوالي التنزيل مستكرمات

                   مترفات الأزياءِ والألوانِ

من فواغي( ) الحديث من نسم الوحـ

                   ـي وأنفاس مصطفى الرحمنِ

من شذور الفصاح صوغِ الأوالي

                   أمراء البيان من عدنانِ

أَلَقَتْ والسنا لها سرمديٌّ

                   أترى كيف يألق القمرانِ؟

وحَلَتْ في اللَّهاة أطيب ما لـ

                   ـذَّ وأحلى ما تطعم الشفتانِ

كلما طال في العصور مداها

                   عظمت قوةً على الرَّدَيانِ

سار شوطاً بنحوها سيبويهِ

                   وارتقى بالبلاغة الجرجانِ

وعلى ألفِ ألفِ فذٍّ همامٍ

                   ثاقبِ الفكر ألمعيٍ هِجاني

قد جلوها عرائساً فاتناتٍ

                   يتخايلن في الحبير اليمانِ

أين مني عدُّ النجوم؟ وأنَّى

                   يدركُ اللمحُ كلَّ قاصٍ وداني؟( )

الباب الأول: دراسة عامة للغة وفقه اللغة

وتحته أربعة فصول:

الفصل الأول: تعريفات ومقدمات.

الفصل الثاني: دراسات في فقه اللغة.

الفصل الثالث: دراسة اللهجات العربية، والمنطق العربي.

الفصل الرابع: اللغة العربية، فضلها، عوامل سيادتها، أثر الإسلام فيها.

الفصل الأول: تعريفات ومقدمات

وتحته سبعة مباحث:

المبحث الأول: مفهوم مصطلح فقه اللغة.

المبحث الثاني: موضوعات فقه اللغة.

المبحث الثالث: أهداف فقه اللغة، وثمراته، وغاياته.

المبحث الرابع: مناهج البحث اللغوي.

المبحث الخامس: علاقة فقه اللغة بالعلوم الأخرى.

المبحث السادس: اهتمام الإنسان باللغة.

المبحث السابع: جهود العلماء في التأليف في اللغة العربية.

 الباب الأول: دراسة عامة للغة وفقه اللغة

 الفصل الأول تعريفات ومقدمات

 المبحث الأول: مفهوم مصطلح فقه اللغة

أولاً: تعريف مفهوم اللغة باعتبار مفرديه:

1-تعريف كلمة (فقه): الفقه هو العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة فيه.

يقال: فَقُه الرجل فقاهة إذا صار فقيهاً، وفَقِه: أي فهم فقهاً( ).

وبعض العلماء يرى أن الفقه أخص من العلم، قال الراغب الأصفهاني ×: =الفقه هو التوصل إلى علمٍ غائبٍ بعلم شاهد؛ فهو أخص من العلم+( ).

وقد وردت مادة (فقه) في القرآن الكريم عشرين مرة تحمل المعاني السابقة، فمن ذلك قوله _ تعالى _: [فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً].

وقوله _عز وجل_: [فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ].

وقوله _تعالى_: [وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ].

وقد غلب استعمال (الفقه) على علوم الدين؛ لشرفها، وذلك من باب تخصيص الدلالة، ولكنه يستعمل في غير علوم الدين بقرينة.

2_ تعريف كلمة (اللغة): اللغة مشتقة من لغا يلغو: إذا تكلم؛ فمعناها الكلام؛ فهذا تعريفها في اللغة( ).

أما في الاصطلاح فعرفت بتعريفات عديدة، أشهرها ما ذكره أبو الفتح ابن جني في كتابه (الخصائص) حيث قال:

 =حد اللغة: أصوات يعبِّر بها كل قومٍ عن أغراضهم+( ).

وهذا التعريف الذي تناقله علماء العربية على اختلاف تخصصاتهم _ يضارع أحدث التعريفات العلمية للغة؛ حيث ترى تلك التعريفات أن اللغة:

أ_ أصوات منطوقة.        ب _ وأن وظيفتها التعبير عن الأغراض.

ج_وأنها تعيش بين قوم يتفاهمون بها.         د _ وأن لكل قوم لغة.

فهذه _ تقريباً _ هي الأركان التي يدور عليها تعريف اللغة عند جميع من عرفها، وإن كانت بعض التعريفات الحديثة للغة تتوسع، فتدخل في اللغة كل وسيلةٍ تفاهمٍ، ولا تقتصر على الأصوات، فتجعل فيها الإشارات، وتعبيرات الوجه، ودقات الطبول وغيرها؛ فإن الأشهرَ هو حصر اللغة في الأصوات المنطوقة؛ لأن غيرها من الوسائل محدودة، وقليلة القيمة.

وعرفها ابن الحاجب بأنها: =كل لفظ وضع لمعنى+( ).

ويراها بعض المحدثين: =أنها نظام من الرموز الصوتية، أو مجموعة من الصور اللفظية تُختزن في أذهان أفراد الجماعة اللغوية، وتستخدم للتفاهم بين أبناء مجتمع معين+( ).

ويراها آخر بأنها: =معنى موضوع في صوت+( ).

ثانياً: تعريف فقه اللغة: فقه اللغة _ باعتبار تركيبه _ يُعرف تعريفاً لغوياً، وتعريفاً اصطلاحياً.

تعريفه لغةً( ): فقه اللغة من الناحية اللغوية هو: فهم اللغة، والعلم بها، وإدراك كنهها.

تعريفه في الاصطلاح: يطلق فقه اللغة في الاصطلاح على العلم الذي يعنى بدراسة قضايا اللغة؛ من حيث أصواتها، ومفرداتها، وتراكيبها، وفي خصائصها الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، وما يطرأ عليها من تغييرات، وما ينشأ من لهجات، وما يثار حول العربية من قضايا، وما تواجهه من مشكلات إلى غير ذلك مما يجري ويدور في فلكه مما سيأتي ذلك عند الحديث عن موضوعات فقه اللغة.

ويمكن أن يعرف تعريفاً موجزاً، فيقال: هو العلم الذي يعنى بفهم اللغة، ودراسة قضاياها، وموضوعاتها.

ثالثاً: مصطلح علم اللغة: هناك مصطلح آخر يرد في بعض المؤلفات الحديثة مقابلاً لمصطلح (فقه اللغة) ألا وهو (علم اللغة).

فبعض المؤلفين المُحدَثين يفرق بين المصطلحين، وبعضهم يجعلهما شيئاً واحداً؛ باعتبار أن العلم والفقه شيء واحد.

والحقيقة أن هذا الخلاف طارئ على العربية؛ إذ الكلمتان من _ الناحية اللغوية _ معناهما واحد، وقد وردا في تراثنا العربي كذلك؛ فلابن فارس كتاب: (الصاحبي في فقه اللغة) وللسيوطي كتاب: (المزهر في علوم اللغة).

ولم يقصد السيوطي مخالفة ابن فارس، بل كانا يرميان إلى أهداف متقاربة: من خدمة العربية، وبيان خصائصها، والوقوف على سنن العرب في كلامهم، والحديث عن القضايا اللغوية العامة.

فإذا اسْتُخْدِمَ مصطلح (فقه اللغة) باعتباره شاملاً لدراسة اللغة بعامة فهو الأنسب؛ لأنه مستخدم في عربيتنا، وارد في تراثنا.

وإذا استُخدم اصطلاح (علم اللغة) فإنما يعنى به المرادف لفقه اللغة؛ بناءاً على المعنى اللغوي، ولا مشاحة في الاصطلاح.

رابعاً: الخلط بين المصطلحين: لقد حصل خلط بين المصطلحين السابقين بسبب ترجمة بعض المصطلحات الغربية ومحاولة تطبيقها على لغتنا.

فالغربيون يفرقون بين علمين يتناولان اللغة، أحدهما: يُعنى بدراسة النصوص اللغوية القديمة، واللغات البائدة، ويهتم بالتراث، والتاريخ، والنتاج الأدبي واللغوي، وقد ترجم هذا باسم (علم اللغة).

والثاني: يُعنى بدراسة اللغة في ذاتها: وصفاً وتاريخاً، ومقارنة، ودراسة للهجات والأصوات مستعيناً بوسائل علمية، وآلات حديثة.

ومن هنا حاول بعض الباحثين تطبيق هذا على العربية، والتفريقَ بين عِلْمين يهتمان بالعربية؛ متناسين أموراً منها ما يلي:

أ_ الاختلاف الكبير بين العربية وغيرها.

ب _ أن أقدم نصوص العربية وصل إلينا من العصر الجاهلي.

ج _ أن العربية نزل بها القرآن الكريم.

د _ وأنها إلى يومنا هذا لغة واحدة حافظت على خصائصها، وبقيت لها هيبتها التي حفظها لها الكتاب العزيز.

هـ _ وأن دراسة العربية في العصور السابقة لا تختلف عن دراستها في عصرنا هذا إلا ما طرأ من عاميات، ولهجات.

بخلاف غيرها من اللغات الأخرى؛ إذ الإنجليزية المعاصرة لا تمت إلى الإنجليزية منذ قرون إلا بصلات واهية.

بل إن لغة شكسبير _ وهو من كبار أدباء الإنجليز وقد مات في القرن السابع عشر _ لا يكاد يفهمها إلا نفر من المثقفين.

وقل مثل ذلك في الفرنسية، والإيطالية، وسائر اللغات الأوربية الحديثة.

أما نحن العرب _ على اختلاف أقدارنا من الثقافة _ فنقرأ القرآن، ونفهمه إلا قليلاً مما ترجع صعوبته إلى دقة المعاني في أغلب الأحيان، وكذلك الحال بالنسبة للحديث الشريف.

وكذلك نقرأ أدب الجاهلية وأدب صدر الإسلام وما بعده، فنفهمه _ في الجملة _ على اختلاف الثقافة فيما بيننا.

وخلاصة القول في هذه المسألة أن مصطلح (فقه اللغة) أكثر ملائمة، وأعم وأشمل في دراسة القضايا التي يتناولها ذلك العلم.

ومع ذلك فلا تثريب على من استعمل المصطلح الآخر (علم اللغة).

 المبحث الثاني: موضوعات فقه اللغة

فقه اللغة هو ذلك العلم الذي يُدْرَس، ويتناول موضوعات مُعيَّنة سبق الحديث عن بعضها.

وفيما يلي ذكر لموضوعات فقه اللغة بشيء من الإيضاح المجمل.

1-القول في أصل اللغة، والخلاف في ذلك.

2-خصائص اللغة العربية، وما تنطوي عليه من أسرار وجمال.

3-معرفة سنن العرب في كلامهم، وأساليبهم.

4-علم الأصوات اللغوية.

5-لهجات العرب، واختلافها.

6-بنية الكلمة العربية وهو ما يسمى بالصرف.

7-الجملة، أو التركيب وهو ما يسمى بالنحو.

8-دلالة الألفاظ،أو معانيها.

9-تطور دلالة الألفاظ، وانحطاطها.

10-الاشتقاق بأنواعه.

11-المشترك والمترادف والمتضاد، والنحت.

12-التعريب وضوابطه.

13_ المعاجم العربية، ومدارسها، ومناهج أصحابها.

14-مسألة تنقية اللغة.

15-ما تواجهه العربية من عقبات ومشكلات، وما يحاك ضدها من مؤامرات.

16-مواكبة العربية للجديد، واستيعابها للمصطلحات الجديدة كالمصطلحات الطبية، والصناعية وغيرها.

17-جهود العلماء في هذا الباب في القديم والحديث.

18-قضايا الدعوة إلى العامية، وترك الإعراب، وإصلاح الخط العربي، وما إلى ذلك.

19-العناية بالدراسات التي تقوم بها المجامع اللغوية، وما يتمخض عنها من نتائج وقرارات.

هذه على سبيل الإيجاز موضوعات فقه اللغة، مع ملاحظة أن كثيراً من تلك الموضوعات داخل في بعض، وسيأتي _ إن شاء الله _ تفصيل لتلك الموضوعات.

 المبحث الثالث: أهداف فقه اللغة، وثمراته، وغاياته

لسائل أن يسأل: ما الهدف من دراسة فقه اللغة، وما الثمرة المرجوة من ذلك؟ وما الغاية التي يراد الوصول إليها من خلاله؟

والجواب أن يقال:

1-أن ذلك باب عظيم من أبواب العلم، يجمل بالفاضل أن يقف عليه، ولو لم يتعمق فيه.

2-الوقوف على شيء من بديع صنع الله _ عز وجل _: فدراسة الأصوات اللغوية _ على سبيل المثال _ تطلعنا على الجهاز الصوتي الذي يعد آية من آيات الإبداع الإلهي.

3-التمكن من النطق السليم: فمعرفة مخارج الأصوات، وصفاتها وما يترتب على ذلك من مباحث مهمة _ تعين على النطق السليم للغة.

4-الاعتزاز باللغة العربية: فدراسة اللغة دراسة علمية تجعلنا ندرك ميزاتها، وتمكننا من معرفة أسرارها.

 وذلك يدعو إلى الاعتزاز بالعربية اعتزازاً مبنياً على واقع مدروس.

5-مواجهة ما يحاك ضد العربية: كاتهامها بالصعوبة، والجمود، وكالمناداة بترك الإعراب، والتوجه إلى العامية، وكتابة الحروف بحروف جديدة إلى غير ذلك من الدعاوى التي تحاك ضد العربية، والتي يراد منها هدم الدين، أو التشكيك فيه، أو إضعاف أثره في نفوس أهله.

ولا ريب أن مواجهة مثل هذه الدعاوى وأمثالها نوع من الجهاد الذي يُكْسِبُ صاحبَه شكوراً، وتزداد به صحيفةُ أعماله نوراً.

6-تعظيم السلف الصالح: فالوقوف على ما بذلوه من جهود جبارة في سبيل خدمة لغة القرآن يبعث في نفس المُطَّلع على ذلك إجلالُ أولئك السَّراة وتعظيمهم، والحرص على أن يبني كما بنوا.

7-سد الحاجة، ومواكبة التطور: فالعلم باللغة، والوقوف على دلالتها يسد حاجة عظيمة، سواء في تعريب الألفاظ، أو الاستغناء عن المصطلحات الدخيلة، أو في بيان المقصود مما يفد إلى أمتنا من ألفاظ، أو أخلاق، أو مصطلحات، كمصطلح العلمانية مثلاً، أو مصطلح الإرهاب أو غير ذلك؛ فإذا نقلناه كما هو معروف عند الغرب أحدث عندنا خلطاً وبلبلة.

أما إذا أعطي معناه الصحيح المحدد أراحنا من كثير من البلايا.

8-خدمة العلوم الأخرى: ففقه اللغة له علاقة بكثير من العلوم _ كما سيأتي بيان ذلك _ فالوقوف عليه، ومعرفته يخدم كثيراً من التخصصات والعلوم الأخرى.

 المبحث الرابع: مناهج البحث اللغوي

للبحث اللغوي مناهج مختلفة أشهرها أربعة:

1-المنهج الوصفي: وهو بحث ظاهرة لغوية معينة في فترة محددة.

وذلك بملاحظة تلك الظاهرة، ووصفها، والحديث عن جوانبها، وكشف خصائص تلك الظاهرة.

ومن الأمثلة على ذلك: البحث في نطق الأصوات الحلقية في منطقة ما، أو دراسة أساليب النفي في ديوان شاعر، أو دلالة بعض الألفاظ في العصر الجاهلي.

فهذه وما شاكلها تعد بحوثاً وصفية، وكثير من البحوث العربية تسير على هذا المنهج، وكذلك أكثر البحوث الحديثة.

ويعد المنهج الوصفي أهم مناهج البحث في اللغة، وأكثرها استعمالاً.

2-المنهج التاريخي: وهو الذي يبحث في قضية لغوية من حيث تطورها، وتغيراتها خلال التاريخ.

مثال ذلك: اختيار مجموعة من الألفاظ، ودراسة دلالتها في الشعر الجاهلي، ثم معانيها في العصور الإسلامية إلى عصرنا الحاضر.

3-المنهج المقارن: ويعني المقارنة بين لغتين أو أكثر من اللغات التي تنتهي إلى مجموعة واحدة، محاولاً توضيح ما بينهما من خلافات أو تقارب في الأصوات، أو البنية، أو الدلالات، أو التراكيب.

ويلاحظ أن المنهج التاريخي والمقارن يعتمدان أساساً على البحث الوصفي.

4-المنهج العام: وهو الذي يفيد من المناهج السابقة، ويحاول إيجاد قواعد عامة تصدق على أكثر اللغات.

كما أن الموضوعات التي لا تدخل في أي من المناهج الثلاثة السابقة تندرج تحت المنهج العام في دراسة اللغة كالحديث عن نشأة اللغة، واكتساب الطفل للدلالات، وتقسيم اللغات، والصراع بينها، وكحدوث اللهجات وأسباب ذلك، وضعف اللغة، أو قوتها إلى غير ذلك.

 المبحث الخامس: علاقة فقه اللغة بالعلوم الأخرى

العلوم الإنسانية مترابطة، وبعضها _ في الأغلب _ داخل في بعض، وقد لا يستغني واحد منها عن غيره، بل كل علم يُفيد من مباحث العلم الآخر ونتائجه.

والبحث اللغوي يستعين بعدد من العلوم تساعده على تحقيق أغراض، ويساعدها هو على ما هي بصدده من درس، وبحث.

ومن العلوم التي لها رابطة، وعلاقة بفقه اللغة ما يلي:

1-علاقة فقه اللغة بالعلوم الشرعية عموماً: كعلم الحديث، وعلم التفسير، وعلوم القرآن عموماً، وعلم العقيدة، وعلم الفقه، وغيرها من علوم الشريعة؛ فإن لها ارتباطاً وثيقاً بفقه اللغة؛ من حيث دلالة الألفاظ، ومعرفة الغريب، واصطلاحات الناس، وعرفهم في الألفاظ إلى غير ذلك مما لا يتسع المجال لتفصيله.

يقول الزمخشري في بيان فضل العربية، وأنه لا غناء لعلم من علوم الشريعة عنها: =وذلك أنهم لا يجدون علماً من العلوم الإسلامية فِقْهِها، وكلامِها، وعلمي تفسيرها وأخبارها إلا وافتقاره إلى العربية بيِّن لا يدفع، ومكشوف لا يتقنَّع.

ويرون الكلام في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنياً على علم الإعراب، والتفاسيرُ مشحونة بالرواية عن سيبويه والأخفش والكسائي والفراء، وغيرهم من النحويين البصريين، والاستظهار في مآخذ النصوص بأقاويلهم، والتشبث بأهداب فَسْرهم وتأويلهم.

وبهذا اللسان مناقلتهم في العلم، ومحاورتهم وتدريسهم، ومناظرتهم، وبه تقطر في القراطيس أقلامهم، وبه تسطِّر الصكوك والسجلاتِ حكامُهم؛ فهم ملتبسون بالعربية أيةً سلكوا غير منفكين عنها أينما وجهوا، كلٌّ عليها حيث سيَّروا+( ).

2- علاقة فقه اللغة بعلم الطب: فهو مما يفيد من فقه اللغة من جهة تقريب الألفاظ الطبية، واختصار المصطلحات الطويلة عن طريق النحت، أو التعريب.

كما أن علم فقه اللغة يفيد من علم الطب والتشريح ووظائف الأعضاء من جهة كيفية إصدار الأصوات عند الناطقين، وما إلى ذلك من مباحث تعين على فهم اللغة.

3- علاقة فقه اللغة بعلم النفس: فهو من العلوم التي تعين على فهم اللغة، وتحليلها، وإدراك كثير من مسائلها؛ فاللغة من أنواع السلوك البشري، وهي تكشف عن نفسية المتكلم، وأسراره.

ويرى علماء النفس أن كثيراً من المسائل اللغوية يمكن فهمها من خلال الظواهر النفسية؛ فالفرح، والغضب، والانفعال تعكس آثارها على اللغة.

4- علاقة فقه اللغة بالتاريخ والجغرافيا: فإنهما يساعدان الباحث اللغوي كثيراً؛ فبواسطتهما يمكن تفسير قضايا انتشار اللغة، وانحسارها، وحدوث اللهجات، ودخول الألفاظ الجديدة وغيرها.

وبالاستعانة بهذين العلمين يمكن تفسير ظاهرة دخول الألفاظ الأعجمية إلى اللغة العربية قبل الإسلام، وانتشار العربية في كثير من المناطق بعد الفتوحات الإسلامية، ويمكن معرفة أسباب بقاء العربية قوية في بعض البلاد الإسلامية، وأسباب ضعفها في غيرها، ونستطيع أن ندرك بهما السر في انتشار كثير من الألفاظ غير العربية في لهجاتنا المعاصرة.

وهكذا تتضح العلاقة بين فقه اللغة وغيره من العلوم الأخرى.

 المبحث السادس: اهتمام الإنسان باللغة

يرجع اهتمام الإنسان باللغة إلى عصور سحيقة؛ فقد نقل عن كثير من الأمم والشعوب عنايتُهم باللغة، واشتغالهم بقضاياها، وظواهرها.

وإذا كنا لا نعرف عن الدراسات العربية إلا الجهود التي بذلت بعد ظهور الإسلام _ فإن التاريخ قد سجل لنا نبذاً تدل على اهتمامات مبكرة لغير العرب.

فقد نقل عن الهنود اهتمامهم بأصوات لغتهم، ونحوها، ومفرداتها.

وأقدم ما وصل من آثارهم يرجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد.

وقد كانت دراساتهم الصوتية مما بني عليه العلم الحديث.

كما أنهم ألفوا في المعاجم.

وكذلك اليونانيون؛ حيث اهتموا باللغة، وألفوا معاجم لغتهم قبل الميلاد، وارتبطت دراستهم اللغوية بالفلسفة.

وكذلك كان للمصريين القدماء، والسريانين، والصينيين اهتمام قديم بالنحو واللغة.

أما العبرانيون فلم يعنوا بها إلا بعد ظهور الإسلام.

وفي القرون الوسطى حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي كانت البحوث اللغوية في أوربا محصورة في دائرة الاهتمام باللغتين اليونانية واللاتينية.

وبعد اكتشاف اللغة السنسكريتية وحلِّ رموزها عام 1786م على يد (سير وليم جونز) الذي كان يعمل قاضياً في المحكمة العليا بالبنغال _ تبين للباحثين وجود علاقة بين هذه اللغة وبين اليونانية واللاتينية؛ فوجهوا اهتمامهم إلى دراسة أوجه الشبه بين هذه اللغات على ضوء المنهج المقارن، وإلى البحث عن تقسيمات للغات العالم، ومحاولة الوصول لِلغَّة الأولى.

وقد نادى طائفة من علماء اللغة الأوربيين بإهمال البحث في الغيبيات _ أي في مسألة نشأة اللغة ونحو ذلك _ والاتجاه إلى دراسة اللغة في ذاتها؛ فنشأ ما سمي بـ:(علم اللغة الحديث) وتحددت مناهجه، ومباحثه.

أما العرب فلم يُؤْثَرْ عنهم قبل الإسلام إلا عنايتهم بالشعر، والخطابة، وقد حفظوا لغتهم من التغيير؛ فعدُّوا الخطأ فيها عيباً يُتعيَّر به، وشهَّروا بأصحاب الفهاهة واللثغة، وأعلنوا بدائع شعرهم وخطبهم في أسواقهم المشهورة أيام مواسم الحج، فكان عِلْمُهُمُ الحقُّ هو أدبَ لُغَتِهم، وهو علمهم العقلي الوحيد؛ فلم يعنوا بجمع اللغة، أو التأليف فيها( ).

وإنما بدأ اهتمامهم باللغة وعلومها بعد ظهور الإسلام، وأقدم ما روي عنهم في ذلك محاولات تفسير غريب القرآن كتلك المسائل التي دارت في فناء المسجد الحرام بين عبدالله بن عباس _ رضي الله عنهما _ ونافع ابن الأزرق كما ذكر ذلك السيوطي في كتابه (الإتقان) ( ).

وكذلك ما كان من أولى محاولات وضع النحو التي تنسب لأبي الأسود الدؤلي كما ذكر ذلك ابن النديم في الفهرست( ).

 المبحث السابع: جهود العلماء في التأليف في اللغة العربية

يكاد يكون القرن الثاني الهجري بداية النشاط الفعلي لجمع اللغة، والتأليف فيها؛ ذلك أن دخول كثير من غير العرب في دين الإسلام أحدث ما سمي بـ (اللحن) حيث سرى ذلك إلى الألسن؛ فأصابها الخطأ والفساد؛ فهب اللغويون يجمعون اللغة، ويدونونها، فارتحلوا إلى البوادي التي لم يختلط أهلها بالأعاجم، وشافهوا الأعراب، ودونوا عنهم اللغة.

وقد حفظت لنا المصادر أسماءَ عددٍ من الأعراب الذين سَمِع عنهم اللغويون، كما عُرف في تلك الفترة كثير من اللغويين الذين عنوا بجمع اللغة وتدوينها.

وستتضح تلك الجهود من خلال ما يلي:

أولاً: أبرز اللغويين الذين عنوا بجمع اللغة:

1_ عبدالله بن إسحاق الحضرمي ت117هـ

2_ عيسى بن عمر ت149هـ

3_ أبو عمرو بن العلاء ت154هـ

4_ الخليل بن أحمد الفراهيدي ت170هـ

5_ عمرو بن عثمان بن قنبر المعروف بـ: سيبويه ت180هـ.

6_ يونس بن حبيب ت182هـ

7_ علي بن حمزة الكسائي ت189هـ

8_ النضر بن شميل ت202هـ

9_ الفراء ت207هـ

10_ أبو عبيدة ت210هـ

11_ أبو عمر الشيباني ت213هـ

12_ عبدالملك بن قريب _ الأصمعي _ ت213هـ

13_ أبو زيد القرشي ت215هـ

ثانياً: نوعية التأليف في ذلك الوقت:

ألف أولئك العلماء عدداً من الكتب، وكل واحد منهم له طريقة في التأليف.

1_ فمنهم من كان يجمع الألفاظ تحت باب واحد كالوحوش، أو السيوف، أو النخل.

2_ ومنهم من يجمع في كتاب عدة أبواب.

3_ ومن تلك المؤلفات ما يتناول إحدى ظواهر اللغة كالهمز، أو الأضداد.

4_ ومنها ما يتناول الغريب ككتب غريب القرآن، أو غريب الحديث.

5_ ومنها ما كان على شكل نوادر أو أَمَالٍ، إلى غير ذلك من التآليف.

 ثالثاً: نماذج من تلك التآليف:

1_ الشاء والإبل والخيل، وخلق الإنسان للأصمعي.

2_ النوادر والهمز والمطر لأبي زيد القرشي.

3_ معاني القرآن، والمنقوص، والممدود، والأيام، والليالي والشهور والمذكر والمؤنث، للفراء.

4_ غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام.

5_ معاني القرآن للأخفش.

ومثل ذلك كثير من الكتب والرسائل اللغوية التي وصلتنا من القرنين الثاني والثالث للهجرة.

وقد كانت هذه الحركة مبنية على أساس علمي صحيح مأخوذ من سماع اللغة عن الموثوق بهم وبعد تم تدوينها بأسلوب وصفي دقيق.

وقد كانت هذه المادة هي الأساس الذي بنيت عليه علوم اللغة من نحو وصرف ومعاجم وغيرها؛ إذ توقفت حركة الجمع بعد ذلك، واكتفى العلماء بالمادة المجموعة يضعون قواعدهم على أساسها.

 رابعاً: أبرز المؤلفات اللغوية في القرن الثاني الهجري:

ومع هذه المؤلفات المذكورة العظيمة النفع إلا أنها لا ترتقي إلى درجة عملين عظيمين تُوَّج بهما القرن الثاني:

أولهما _ كتاب (العين) للخليل بن أحمد: وهو أول معجم عربي، بناه مؤلفه على طريقة مبتكرة من الترتيب الصوتي ؛ إذ استطاع الخليل أن يرتب مخارج الأصوات من أقصى الحلق إلى الشفتين، ويقيم معجمه على نظام التقاليب _ وهو ما سيتبين أكثر عند دراسة المعاجم العربية _ .

كما أنه × استطاع أن يحدد المهمل من كلام العرب، والمستعمل.

ولعظم هذا العمل صعب على كثير من أعداء الإسلام والعربية أن ينسبوه إلى الخليل؛ فراحوا يكيلون التهم، ويدَّعون أن الخليل اقتبسه عن غيره من الأمم السابقة التي عرفت النظام الصوتي والمعجمي.

وسيأتي الكلام على ذلك مفصلاً _ إن شاء الله _ عند الحديث عن المعاجم.

 _ أما الكتاب الآخر فهو (كتاب سيبويه): وهو عمرو بن عثمان بن قنبر الملقب بـ: سيبويه.

وكتابه يعد _ بحق _ دستور النحو العربي، والذي اتخذه العلماء بعد سيبويه أساساً لمؤلفاتهم شرحاً وتحليلاً.

وكل ما أضيف إلى النحو العربي بعد هذا الكتاب لا يقارن بالكتاب.

وقد عالج سيبويه × في كتابه القضايا النحوية، والصرفية.

كما تحدث عن الأصوات: مخارجها، وصفاتها في آخر الكتاب.

كما أنه اشتمل على مسائل في التقديم والتأخير، ومعاني الحروف، ومحاسن العطف، ونحوها؛ فكان عمدة علماء البلاغة من بعده، فهو يعد عملاً لغوياً متكاملاً؛ ولقد كان كتابه محل القبول، والثناء، وكان له منزلة مرموقة.

ومما ذكره ابن جني في الثناء عليه وعلى علمه قوله: =ولما كان النحويون بالعرب لاحقين، وعلى سمتهم آخذين، وبألفاظهم مُتَحلِّين، ولمعانيهم وقصودهم آمِّين _ جاز لصاحب هذا العلم _ يعني سيبويه _ الذي جمع شَعَاعه، وشرع أوضاعه، ورسم أشكاله، ووسم أغفاله، وحَلَج أشطانه، وبعج أحضانه، وزمَّ شوارده، وأفاد نوادره _ أن يرى فيه نحواً مما رأوا+ا_هـ( ).

وقال الزمخشري مثنياً على سيبويه:

ألا صلى الإله صلاةَ صدقٍ

                   على عمرو بن عثمان بن قنبرْ

فإن كتابه لم يغْنَ عنه

                   بنو قلمٍ ولا أعواد منبرْ

هذه نبذة موجزة عن جهود العلماء في التأليف في اللغة، تلك التآليف التي كانت كالمقدمات، والإرهاصات لظهور (فقه اللغة) كعلم مستقل.

وهذا ما سيتبين في الفصل التالي.

الفصل الثاني: دراسة عامة في فقه اللغة

وتحته سبعة مباحث:

المبحث الأول: بداية ظهور فقه اللغة كعلم مستقل، وأشهر المؤلفات فيه.

المبحث الثاني: أصل نشأة اللغة، وأشهر النظريات في ذلك.

المبحث الثالث: فصائل اللغات.

المبحث الرابع: اللغات السامية.

المبحث الخامس: بداية البحث التاريخي والمقارن للغات السامية، وفائدة ذلك.

المبحث السادس: الموطن الأول للساميين.

المبحث السابع: الخصائص المشتركة للغات السامية.

 الفصل الثاني دراسات عامة في فقه اللغة

 المبحث الأول:بداية ظهور فقه اللغة كعلم مستقل، وأشهر المؤلفات فيه

ظل العلماء العرب مهتمين بالتأليف اللغوي من جوانبه المختلفة إلى أن كان القرن الرابع الهجري الذي يعد عصر ازدهار العلوم اللغوية؛ ففي هذا القرن وُجد عدد كبير من علماء اللغة الذين أثروا المكتبة العربية بتآليفهم اللغوية.

ولعل تأليف المعاجم كان أبرز ما ألف آنذاك؛ فمن المعاجم التي ألفت:

1-الجمهرة لابن دريد ت321هـ

2-ديوان الأدب للفارابي ت350هـ

3-البارع للقالي ت358هـ

4-التهذيب للأزهري ت370هـ

5-الصحاح للجوهري ت400هـ

كما ألف عدد من الكتب في القراءات القرآنية، والنحو والصرف، والأصوات، وغيرها.

أما البداية الحقيقية لفقه اللغة، وظهوره كعلم مستقل _ فكانت على يد عالمين من علماء اللغة الكبار في القرن الرابع؛ حيث كان لهما أكبر الأثر في التأليف في (فقه اللغة) وتعد مؤلفاتهما البداية الحقيقة لإفراد هذا العلم بكتب خاصة.

الأول: أبو الحسين أحمد بن فارس ت395هـ: الذي ألف مجموعة من الكتب اللغوية وغيرها، ومنها كتاب: (الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها).

وترجع أهميةُ هذا الكتاب إلى أمور عديدة لعل أهمها كونه أول كتاب في العربية يحمل اصطلاح (فقه اللغة).

وبه تأثر المؤلفون من بعده، واتخذوا هذا الاصطلاح فناً لغوياً مستقلاً.

وقد عالج ابن فارس × في كتابه (الصاحبي) عدداً من الموضوعات التي تعد من صميم فقه اللغة، وجمع في كتابه ما تفرق في كتب من سبقه.

قال × في مقدمة كتابه: =والذي جمعناه في مؤلفنا هذا مفرق في أصناف العلماء المتقدمين _ رضي الله عنهم وجزاهم عنا أفضل الجزاء _.

وإنما لنا فيه اختصار مبسوط، أو بسط مختصر، أو شرح مشكل، أو جمع متفرق+( ).

ثم بعد ذلك شرع × في أبواب الكتاب التي تعد النواة الأولى في فقه اللغة، وذلك كحديثه عن نشأة اللغة، والخط العربي، وعن خصائص اللغة، ومزاياها.

وكحديثه عن اختلاف اللغات، وأقسام الكلام، ومعاني الحروف.

وكحديثه عن الخطاب المطلق والمقيد، وعن الحقيقة والمجاز، والقلب، والإبدال، والعموم، والخصوص، والحذف والاختصار، والاتباع، والنحت، والإشباع، وغيرها.

وبالجملة فإن الكتاب يحتوي على 207 من الأبواب.

كل ذلك مع أن الكتاب في مجلد واحد، ويقع بعد التحقيق في 238 صفحة.

وقد طبع عدة طبعات، ولعل من آخرها طبعة دار الكتاب العلمية 1418هـ _1998م.

وقد علق عليه ووضع حواشيه أحمد حسن بسج.

كما أن ابن فارس × أثرى المكتبة العربية بمعجم سماه (مقاييس اللغة).

وهو من أضخم المعاجم العربية.

وله معجم آخر اسمه (مجمل اللغة).

وهذه الكتب تدل على عقلية جبارة، وموهبة فذة مبتكرة.

وسيأتي مزيد حديث عن ابن فارس وعن معجميه عند الحديث عن المعاجم العربية.

الآخر: أبو الفتح عثمان بن جني: كان أبوه جنيٌّ مملوكاً رومياً لسليمان ابن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي.

وجِنِّي بكسر الجيم وتشديد النون مكسورة، وسكون الياء _ معرَّب كِنِّي.

ولد في الموصل سنة 300هـ، وقيل 322هـ وتوفي في بغداد عام 392هـ.

كان ابن جني رجل جدٍّ، وامرأَ صدقٍ في فعله وقوله؛ فلم يعرف عنه اللهو، والشرب، والمجون.

وكان عف اللسان والقلم يتجنب البذي من الألفاظ، ولم يكن همه رضاء الملوك ومنادمتهم كحال أدباء عصره.

أخذ النحو عن الأخفش، وبعده عن أبي علي الفارسي، وأخذ عن كثير من رواة اللغة والأدب.

اجتمع ابن جني بالمتنبي في حلب عند سيف الدولة، وفي شيراز عند عضد الدولة البويهي.

وكان المتنبي يجله، ويقول فيه: =هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس+( ).

وكان إذا سئل عن شيء من دقائق النحو والتصريف في شعره يقول: =سلوا صاحبنا أبا الفتح+.

وكان يقول: =ابن جني أعرف بشعري مني+( ).

وكان ابن جني يعجب بشعر المتنبي، ويستشهد بشعره في المعاني، وهو أول من شرح ديوانه، وله في ذلك شرحان: كبير وصغير.

أما مذهبه الكلامي فقد كان معتزلياً كما ذكر ذلك السيوطي في المزهر.

ويذكر بعض مترجميه أن لا يتقيد بأصول المعتزلة، ويذهب إلى ما يراه الحق.

يعد ابن جني من كبار علماء العربية وأفذاذها.

وكان محل الثناء من قبل كثير من العلماء، قال عنه الثعالبي: =هو القطب في لسان العرب، وإليه انتهت الرياسة في الأدب+( ).

وقال عنه الفيروز أبادي: =الإمام الأوحد، البارع المتقدم+( ).

وله كتب كثيرة في فنون مختلفة لم تعرف العربية لها نظيراً.

وله فيما يعد من صميم فقه اللغة كتابان جليلان.

أولهما: كتاب (الخصائص): حيث عالج فيه كثيراً من قضايا فقه اللغة، وقدم نظريات وآراء تجاري أو تفوق أحدث ما قال به العلماء في العصر الحديث.

وقد تحدث في كتابه المذكور عن موضوعات كثيرة تعد من صميم فقه اللغة.

ومنها حديثه عن أصل اللغة، ومقاييس العربية، وتداخل اللغات، والاشتقاق الأكبر، والإدغام، والعلاقة بين الألفاظ والمعاني، والتقديم والتأخير، واستخلاص معاني الأوصاف من المعاني، والإبدال.

وقد طبع عدة طبعات، وطبع أخيراً بتحقيق د. عبدالحميد هنداوي، ونشرته دار الكتب العلمية 1421هـ _ 2001م

وهذه الطبعة تميز بحسن إخراجها، ودقة فهارسها، حيث يستطيع الباحث أن من خلالها الوصول إلى آراء ابن جني عبر الفهارس بدون كلفة.

أما كتابه الثاني فهو: (سر صناعة الإعراب): وقد خصه ابن جني لدراسة الأصوات؛ فكان أول عالم في العربية يفرد هذا البحث بكتاب مستقل؛ حيث كان قبله يُدْرَسُ ضمن بحوث النحو كما في كتاب سيبويه، والمقتضب للمبرد.

وقد قدم ابن جني في كتابه مباحث قيمة في علم الأصوات مستفيداً من سابقيه، ومضيفاً إليه الكثير؛ فهو في مقدمته يتحدث عن الفرق بين الصوت والحرف، وهو يُشَبِّه الحلق والفم بالناي، ويذكر أن الحركات أبعاض حروف المد.

ثم يتحدث عن الحروف، ومخارجها، وأجناسها، ومدارجها، وفروعها المستحسنة، والمستقبحة، وذكر خلاف العلماء فيها مستقصىً مشروحاً.

وبعد ذلك يعقد لكل حرف من حروف العربية مرتبة على الحروف الألفبائية باباً يتكلم فيه على صفاته، ومخرجه، وما يعرض له من قلب، أو إبدال، أو إدغام، كما يتعرض لكثير من القضايا النحوية.

كما تحدث عن تصريف حروف المعجم، واشتقاقها، وجمعها، كما تحدث عن مذهب العرب في مزج الحروف بعضها ببعض، وما يجوز من ذلك وما يمتنع، وما يحسن وما يقبح إلى غير ذلك مما حفل به ذلك الكتاب.

والناظر في هذا الكتاب يلحظ فيه مزايا عديدة منها على سبيل الإجمال: غزارة المادة، والوضوح، والسهولة، والشمول، والاستقصاء.

وقد طبع هذا الكتاب مؤخراً في مجلدين طبعة طيبة معتنى بها كثيراً، حيث درسها وحققها د. حسن هنداوي، وقد قدم للكتاب بمقدمة رائعة بين فيها شيئاً من سيرة ابن جني، وأردفها بحديث ماتع عن الكتاب، وعن سبب تسميته، وعن بعض مزاياه.

كتب أخرى مؤلفة في فقه اللغة:

ظهر بعد الكتب السالفة كتب كثيرة في فقه اللغة منها على سبيل المثال ما يلي:

1_ فقه اللغة وسر العربية لأبي منصور الثعالبي430هـ: ويعد الكتاب الثاني الذي وصل إلينا حاملاً مسمى (فقه اللغة) بعد كتاب (الصاحبي) لابن فارس.

وعنوان هذا الكتاب لا يطابق مسماه تماماً؛ إذ هو معجم للمعاني في مجمله، وفيه بعض الفصول في فقه اللغة، كحديثه عن أساليب العربية في التعبير من حقيقة ومجاز، وتقديم وتأخير، وحذف واختصار.

وفيه حديث عن الإبدال، والقلب، والنحت، وغيرها.

وقد طبع طبعات عديدة، منها طبعة دار الكتب العلمية بيروت، وطبعة دار مكتبة الحياة، وجاء عنوان الكتاب فيها (فقه اللغة وأسرار العربية)، ولعل أجود الطبعات طبعة دار الكتاب العربي، تحقيق ومراجعة د. فائز محمد، و د. إميل يعقوب.

2_ المخصص لابن سيدة ت458هـ: وهو معجم قَيِّم ضمنه بعض المباحث في نشأة اللغة، والترادف، والتضاد، والاشتراك، والتعريب، والتذكير، والتأنيث، والمقصور والمنقوص.

3_ المُعَرَّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم لأبي منصور الجواليقي ت540هـ: وقد قدم له بالحديث عن الألفاظ المُعَرَّبة، ومذاهب العرب في استعمال الأعجمي، وكيف نتعرف على ذلك.

وسيأتي الكلام عليه عند الحديث عن المُعَرَّب.

4_ المزهر في علوم اللغة وأنواعها للسيوطي ت911هـ.

وهذا الكتاب موسوعة في علوم اللغة، وقد ضمنه موضوعات لغوية عديدة اقتبسها من كتب السابقين، ورتبها وعرضها عرضاً جيداً؛ حيث جعل مُؤَلَّفهُ في خمسين نوعاً: ثمانية في اللغة من حيث الإسناد، وثلاثة عشر من حيث لطائفُها ومُلَحُها، وواحد راجع إلى حفظ اللغة وضبط مفاريدها، وثمانية راجعة إلى حال اللغة ورواتها، ونوع لمعرفة الشعر والشعراء، والأخير لمعرفة الأغلاط.

وفي ضمن هذه الأنواع مادة واسعة حول نشأة اللغة، والمصنوع والفصيح، والغريب، والمستعمل والمهمل، واللغات، واللهجات، والإبدال، والقلب، والنحت، والاشتقاق، والمجاز والمترادف، والمشترك، والمتضاد وغيرها من البحوث اللغوية.

وقد طبع عدة طبعات منها طبعة دار الجيل بيروت، شرح وتحقيق محمد أحمد جاد المولى، وعلي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم.

المؤلفات الحديثة في فقه اللغة:

وفي عصرنا الحديث ألف كثير من العلماء، والأساتذة المختصين في الدراسات اللغوية كتباً في اللغة وعلومها، ومنهم من تأثر بالمناهج الأوربية الحديثة، ومنهم من جمع بين التراث والمناهج الحديثة.

ومن المؤلفات الحديثة في هذا الشأن ما يلي:

1_ كتابات الشيخ العلامة محمد الخضر حسين التونسي 1293_1377هـ شيخ الجامع الأزهر، وعضو المجمع اللغوي في القاهرة، والمجمع العلمي العربي في دمشق.

فقد كتب هذا العالم الجليل عدداً من الكتب وعالج فيها كثيراً من قضايا اللغة، وكتاباته تتميز بالعمق، والتحليل، والربط، والقوة.

كما أنها تتسم بجزالة الأسلوب، والغوص على المعاني، والإلمام بالبحث من كافة وجوهه حتى إنه ليكاد يضارع كتابات الأوائل في هذا الباب، مع أنه بارع _ كذلك _ في علوم الشريعة، والاجتماع، وغيرها.

وتكاد تكون كتاباته أحسن ما كتب في العصر الحديث مع أنها لم تأخذ حظها من الشهرة والذيوع.

ومما كتبه × في هذا الصدد من كتب ما يلي:

أ _ القياس في اللغة العربية: وهذا الكتاب من أعظم ما كتب في بابه، فهو على صغر حجمه؛ حيث يقع في 158 صفحة من القطع المتوسط إلا أنه قد حوى أبحاثاً نفيسة، وتحريرات عالية قل أن توجد في غيره.

ومما تضمنه ذلك الكتاب من أبحاث: مقدمة في فضل اللغة العربية ومسايرتها للعلوم المدنية _ اللغة _ أصل نشأة اللغة _ تأثير الفكر في اللغة _ تأثير اللغة في الفكر _ هل يمكن اتحاد البشر في لغة؟ _ اللغة العربية لا تموت _ اللغة في عهد الجاهلية _ تأثير الإسلام في اللغة _ فضل اللغة العربية _ الحاجة إلى القياس في اللغة _ أنواع القياس.

إلى غير ذلك من الأبحاث النفيسة التي لاقت استحساناً من العلماء في عصره.

ب _ حياة اللغة العربية: وقد تحدث في هذا الكتاب عن دلالة الألفاظ، وتأثير اللغة في الهيئة الاجتماعية، وأطوار اللغة العربية، وفصاحة مفرداتها، وحِكَم تركيبها، وتعدد وجه دلالتها، وتعدد أساليبها، وطرق اختصارها، واتساع وضعها، وإبداع العرب في التشبيه، واقتباسهم من غير لغتهم، وارتقاء اللغة مع المدنية، واتحاد لغة العامة والعربية.

ج _ الاستشهاد بالحديث في اللغة.

د _ موضوع علم النحو.

هـ _ التضمين.

و _ تيسير وضع مصطلحات الألوان.

ز _ طرق وضع المصطلحات الطبية.

ح _ حول تبسيط قواعد النحو والصرف والرد عليها.

ط _ الإمتاع بما يتوقف تأنيثه على السماع.

وقد خرجت هذه الكتب مفردة، وجمعت في كتاب واحد يقع في 280 صفحة، وعنوان هذا المجموع (دراسات في العربية وتاريخها).

وقد نشره المكتب الإسلامي ومكتبة دار الفتح عام 1379هـ.

كما أن للمؤلف × قصائد عديدة في هذا الشأن وهي موجودة في بعض كتبه التي مر ذكرها، وفي ديوانه الشعري (خواطر الحياة).

وإنما أطلت بعض الشيء في ذكر مؤلفات هذا العالم لأجل لفت الأنظار إليها؛ لأنها _ كما مر _ لم تأخذ حقها من الذيوع والانتشار.

2_ تاريخ آداب العرب لمصطفى صادق الرافعي؛ حيث ضمنه كثيراً من مباحث فقه اللغة خصوصاً الجزء الأول منه.

3_ من أسرار اللغة د. إبراهيم أنيس.

4_ فقه اللغة د. علي عبدالواحد وافي.

5_ علم اللغة د. علي عبدالواحد وافي.

6_ فقه اللغة في الكتب العربية د. عبده الراجحي.

7_ فصول في فقه اللغة د. رمضان عبدالتواب.

8_ في المعاجم العربية د. أمين فاخر.

9_ مقدمة لدراسة علم اللغة د. حلمي خليل.

10_ مقدمة لدراسة فقه اللغة د. محمد أحمد أبو الفرج.

11_ الوجيز في فقه اللغة العربية عبدالقادر محمد مايو.

12_ فقه اللغة المقارن د. إبراهيم السامرائي.

13_ فقه اللغة العربية وخصائصها د. إميل يعقوب.

وغيرها من الكتب التي سيرد ذكرها في ثنايا هذا الكتاب.

 المبحث الثاني:أصل نشأة اللغة, وأشهر النظريات في ذلك

لقد شغلت قضية نشأة اللغة الإنسانية المفكرين على مر العصور، وتصدى للبحث عنها كثير من العلماء، والفلاسفة، والمتكلمين، واللغويين.

ولقد بُذلت جهود كثيرة، وأجريت تجارب متعددة لكشف هذه القضية، فلم يجمعوا على قول واحد، بل ذهبوا في البحث مذاهب شتى، وتوصلوا إلى نظريات عديدة أشهرها أربع نظريات هي( ):

1-نظرية التوقيف والإلهام.                    2-نظرية التواضع والاصطلاح.

3-نظرية التقليد والمحاكاة.           4-نظرية الغريزة الكلامية.

وليس في أدلة أيٍّ من تلك النظريات ما تطمئن إليه النفوس، ويحل منها محل القطع، أو الظن القريب منه.

ومن هنا صحح المحققون إدخال هذه المسألة في علم الأصول من الفضول؛ ولهذا انصرف الباحثون مؤخراً عن الخوض في هذا الموضوع، =وقررت الجمعية اللغوية في باريس عدم مناقشة هذا الموضوع نهائياً، أو قبول أي بحث فيه لعرضه في جلسته+( ).

ومع صعوبة _ أو تعذر _ الوصول إلى رأي يرضى به الباحثون، ولا يجدون فيه نقصاً ولا عليه اعتراضاً _ إلا أنه لا بد من الإشارة إلى تلك النظريات التي سيقت حول تفسير نشأة الكلام الإنساني، وذلك لأسباب عديدة منها:

1-معرفة عناية العلماء في هذا البحث.

2-أن هذه القضية شغلت حيزاً من التفكير، ونالت قدراً من وافراً من الجهد.

3-بيان أن علماء المسلمين قد شاركوا في هذا الموضوع، وعرضوا آراءاً لا تقل جدية واستدلالاً عما قدَّمه غيرهم قديماً وحديثاً، بل ربما فاقوا غيرهم، وسبقوه.

=نبذة موجزة عن النظريات الأربع+:

الأولى: نظرية التوقيف والإلهام: وخلاصة هذه النظرية عند القائلين بها أن اللغة الإنسانية إلهام، ووحي من الله _ عز وجل _ لا يَدَ للإنسان في وضعها؛ فهو أعجز من ذلك؛ فهي _ إذاً _ توقيفية لا مجال للاجتهاد فيها.

ولهذه النظرية أنصارها منذ أقدم العصور؛ فهي تنسب للفيلسوف اليوناني (هيرا لكيت) ت480ق. م.

ومال إليها بعض المُحدَثين منهم الأب الفرنسي (لامي) ت1711م.

وقد اعتمد غير المسلمين على أدلة نقلية؛ فقد ورد في التوراة أن الله _ تعالى _ خلق جميع الحيوانات والطيور ثم عرضها على آدم _ عليه السلام _ ليرى كيف يسميها؛ فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة، وطيور السماء، وذوات العقول.

وقد قال بهذه النظرية غير قليل من علماء المسلمين، ومنهم ابن فارس حيث قال ×: =أقول: إن لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله _ جل ثناؤه _: [وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا].

فكان ابن عباس يقول: علم الأسماء كلها.

وهذه هي التي يتعارفها الناس من دابة، وأرض، وسهل، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.

وروى خصيف عن مجاهد: قال: علَّمه اسم كل شيء.

وقال غيرهما: إنما علمه أسماء الملائكة.

وقال آخرون: إنما علمه أسماء ذريته أجمعين.

والذي نذهب إليه من ذلك ما ذكرنا عن ابن عباس+ ا _ هـ( ).

أما ابن جني فقد عرض هذه النظرية، ولم يجزم بها كابن فارس، بل تردد فيها هو وشيخه أبو علي الفارسي، بين التوقيف والإلهام، والقول بالمواضعة والاصطلاح( ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية × في معرض حديث له عن اختلاف العلماء في هذه المسألة من الفقهاء وأهل الحديث والأصول، وحصر الخلاف في هذه المسألة بالقول بالتوقيف، والاصطلاح وما تركب منهما، قال ×: =فقال قوم: إنها توقيفية، وهو قول أبي بكر عبدالعزيز والشيخ أبي محمد المقدسي، وطوائف من أصحاب الإمام أحمد، وهو قول الأشعري، وابن فورك، وغيرهما.

وقال قوم: بعضها توقيفيٌ وبعضها اصطلاحي، وهذا قول طوائف، منهم: ابن عقيل، وغيره.

وقال قوم: يجوز فيها هذا وهذا ولا نجزم بشيء، وهذا قول القاضي أبي يعلى، والقاضي أبي بكر ابن الباقلاني وغيرهما.

ولم يقل: إنها كلها اصطلاحية إلا طوائف من المعتزلة ومن اتبعهم، ورأس هذه المقالة أبو هاشم الجبَّائي+( ).

وجمع السيوطي كدأبه في كتابه المزهر _ آراء القائلين بتلك النظرية _ أعني التوقيف والإلهام _ كابن فارس، وابن جني _ مع تردده في ذلك _ ثم أورد أقوال الأصوليين الذي يرون هذا الرأي، وأورد حججهم، والنصوصَ التي استدلوا بها إضافة إلى الآية الكريمة السابقة؛ حيث استدلوا بقوله _ تعالى _: [إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا].

وذلك يقتضي كون البواقي توقيفية،وبقوله _ تعالى _: [وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ].

فاختلاف الألسن دلالة على التوقيف.

ومن حججهم رأي عقلي في الرد على القائلين بالاصطلاح والمواضعة وهو أن الاصطلاح يجتاج إلى لغة سابقة، وهم يرون أنه إذا بطل الاصطلاح وجب التوقيف( ).

ويلحظ أن هذه النظرية تعتمد على النصوص النقلية، كما أنها لا تخلو من اعتراضات، وقد رد عليهم المحتجون بردود منها:

1_ أن نص التوراة يضعف دليلهم، وأنه حجة عليهم لا لهم؛ لأن فيه إشعاراً بأن آدم _ عليه السلام _ هو الذي وضع الأسماء.

2_ أن الآية التي احتج بها علماء المسلمين ليست دليلاً قاطعاً؛ فقداختلف المفسرون في المراد بالأسماء.

وابن فارس نفسُه ساق بعض أقوالهم _ كما مر _.

3_ أنه لو كانت اللغة توقيفية لما جاز لنا أن نُدخل فيها شيئاً، ألا ترى إلى لغتنا العربية اليوم ونحن ندخل فيها من مصطلحات العلوم والفنون الشيء الكثير؟

ألا ترى أننا ننقل دلالات بعض الألفاظ كالسيارة، والدراجة وغيرها؟.

إن حدوث الترادف، والاشتراك، والتضاد في اللغة _ لدليل على أن اللغة ليست كلها توقيفاً من الله _ تعالى _.

وبهذا وغيره يتبين أن الأدلة المُساقة لا تنهض بهذه النظرية، ولا تقوى على الوقوف في وجه الاعتراضات.

النظرية الثانية: نظرية التواضع والاصطلاح، أو يقال: المواضعة:

وتتلخص هذه النظرية في أن اللغة مواضعة واتفاق بين الناس؛ بحيث يصطلحون على كذا وكذا من الألفاظ.

وقد قال بهذه النظرية الفيلسوف اليوناني (ديمو كريت) في القرن الخامس قبل الميلاد، كما مال إليها بعض الفلاسفة الإنجليز.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية × مصوراً هذه النظرية: =أن قوماً اجتمعوا، واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا، وهذا بكذا، ويجعل هذا عاماً في جميع اللغات.

وهذا القول لا نعرف أحداً من المسلمين قاله قبل أبي هاشم الجبائي+( ).

وقد صور ابن جني هذه النظرية بقوله: =وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة.

قالوا: وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعداً؛ فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء والمعلومات، فيضعوا لكل واحد منها سمةً ولفظاً إذا ذكر عُرِف به ما مسماه؛ ليمتاز عن غيره، وليُغْنى بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين+( ).

وبعد أن وضَّح ذلك ذكر أن التواضع يمكن أن ينقل إلى لغة أخرى، وجعل ما يشاهد من اختراع الصُنَّاع لآلات صنائعهم من الأسماء: كالنجار، والصائغ، والحائك دليلاً على هذا الرأي.

هذا وقد اعترض على هذه النظرية باعتراضات منها:

1_ أن التواضع يحتاج إلى لغة سابقة يُتفاهم بها.

2_ أنه لا يكون حكماء يتواضعون بدون لغة، فهذه النظرية _ إذاً _ لا تحل المشكلة، ولا تخلو من المآخذ.

3_ أن هذا القول مجرد دعوى تفتقر إلى دليل؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية×: =فلا يمكن لأحد أن ينقل عن العرب، بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا هذه الأسماء الموجودة في اللغة، ثم استعملوها بعد الوضع...

فإن ادعى مدعٍ أنه يعلم وضعاً يتقدم ذلك فهو مبطل؛ فإن هذا لم ينقله أحد من الناس+( ).

وقال: =وحينئذٍ فمن ادعى وضعاً متقدماً على استعمال جميع الأجناس فقد قال ما لا علم له به+( ).

النظرية الثالثة: نظرية المحاكاة والتقليد: وتتلخص هذه النظرية بأن نشأة اللغة بدأت محاكاةً للأصوات الطبيعية، وتقليداً للأصوات المسموعة من الحيوانات والأشجار، وصوت الرعد وغيره.

قال ابن جني ×: =وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي، ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد.

وهذا عندي وجه صالح، ومذهب متقبل+( ).

وإلى هذه النظرية يميل كثير من الباحثين المعاصرين، ويرون أنها تساير طبيعة الأشياء التي تبدو بسيطة ثم تنمو وتتطور؛ فاللغة _ من منطلق هذه النظرية _ بدأت تقليداً لأصوات الطبيعة، وقد يكون المتكلمون استخدموا _ مع ذلك _ التعبيرات والإشارات، ثم استُغني عن ذلك فيما بعد.

واستند هؤلاء _ أيضاً _ إلى لغة الطفل التي تبدأ تقليداً، ثم تنمو وتستقيم، وأن كثيراً من الأمم البدائية يستخدمون الإشارات اليدوية، والجسمية للمساعدة في التعبير.

ولقد وجهت نقودٌ واعتراضات على هذه النظرية، ومن ذلك:

1_ أنها تنزل بالإنسان إلى ما هو أقل منه؛ فليس من المعقول _ عند المعترضين _ أن يقلد الإنسان صوت الحيوان والأصوات المسموعة الأخرى.

2_ أن اللغات الراهنة لا تشتمل إلا على قدر ضئيل من الكلمات التي تتضح فيها الصلة بين اللفظ والمعنى.

3_ أن كثيراً من الأمم البدائية يتكلمون بلغات لا يظهر فيها أثر المحاكاة والتقليد للطبيعة.

النظرية الرابعة: نظرية الغريزة الكلامية: وهي إحدى النظريات الحديثة، وترى أن الإنسان مزود بغريزة خاصة كانت تحمل كل إنسان على التعبير عن كل مُدْرَكٍ حسيٍّ، أو معنوي بكلمة خاصة، ولذا اتحدت المفردات والتعابير عند الإنسان الأول، وأنه بعد نشأة اللغة لم يستخدم الإنسان هذه الغريزة؛ فانقرضت.

وممن قال بهذه النظرية الفرنسي (رينان) ت1890م، والألماني (مولر) ت1900م، وهما من أشهر علماء اللغة الأوربيين.

وقد وجهت إليهما اعتراضات منها:

1_ أن المعاني الكلية المعنوية تدل على رقي لا يَصْدُقُ معه أن تكون هذه هي اللغة الإنسانية الأولى التي يفترض أن تكون بسيطة؛ فهذه الأصول مرحلة لغوية متقدمة.

2_ أن الغريزة الكلامية لم يعرف كيف استُخدمت أول مرة للتعبير عن حاجة الإنسان، وهذا هو الموضوع الذي تدور حوله المشكلة كلها.

هذه هي أشهر النظريات حول نشأة اللغة، وهناك نظريات أخرى حاولت حل هذه المشكلة ولكنها لم تصل بالموضوع إلى نهاية يوقف عندها.

 هل يمكن التوفيق بين النظريات السابقة؟:

بعد عرض النظريات الأربع يتبين أن الباحثين فيها قد استتنفذوا طرق البحث الممكنة؛ من اعتماد على الأدلة النقلية والعقلية، والبحث في الواقع اللغوي بمختلف إمكاناته.

ومع ذلك لم يُتَوَصَّل إلى رأي قاطع في تلك المسألة.

وأكبر ما يؤخذ على من بحث تلك القضية هو التعصب لرأي أو نظرية دون غيرها.

ومن عيوب البحث فيها أن النقد قد يصل إلى درجة التهكم.

ولو حاول العلماء والباحثون في هذه المسألة أن يأخذوا من كل نظرية بجانب لربما كان للمشكلة صورةٌ أوضحُ وأقربُ للواقع.

ولنتأمل ذلك النقل الذي أورده السيوطي في المزهر حيث يقول: =وزعم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني أن القَدْر الذي يدعو به الإنسان غيره إلى التواضع يَثْبُتُ توقيفاً، وما عدا ذلك يجوز أن يثبت بكل واحدٍ من الطريقين.

وقال القاضي أبو بكر: يجوز أن يثبت توقيفاً، ويجوز أن يثبت اصطلاحاً، ويجوز أن يثبت بعضه توقيفاً، وبعضه اصطلاحاً والكل ممكن+( ).

ففي هذا الرأي محاولة للتوفيق بين قولين هما أشهر الأقوال في المسألة وهما القول بالتوقيف والإلهام، والقول بالاصطلاح والمواضعة.

وههنا محاولة للتوفيق بينهما؛ إذ كل منهما يحتمل شيئاً من الصواب، ويَتَوَجَّهُ إليه اعتراض؛ فلو جمعنا النظريات، وأخذنا الجانب الإيجابي من كل منهما دون إغفال لنظرية أخرى لربما أمكن الوصول إلى تصور أفضل.

فمما لاشك فيه أن الله _ تعالى _ علم آدم _ عليه السلام _ الأسماء، ولو تركنا البحث والخلاف في معنى الأسماء، وتصورنا قدراً من اللغة تعلمه آدم وأولاده من بعده ثم ذريتهم، وأضفنا إلى ذلك أن الله _ عز وجل _ قد وهب الإنسان قدرة على التعبير عما في نفسه؛ فذلك الجهاز المسمى بجهاز النطق، وذلك العقل المدبر المحرك للإنسان قادران على التعبير عما يستجد من أمور إما عن طريق التقليد والمحاكاة _ كما نرى في محاولات الأطفال _ وإما عن طريق الاصطلاح كما يحدث كلما جدَّ جديد في الحياة وُضع له الاصطلاح المناسب.

وبهذا يمكن الجمع بين النظريات جميعاً في تصور نشأة اللغة الإنسانية.   

 المبحث الثالث: فصائل اللغات

كان لاكتشاف اللغة السنسكريتية الهندية القديمة في أواخر القرن الثامن عشر أثر كبير في تطور الدراسات اللغوية في أوربا؛ ذلك أن البحث اللغوي الهندي كان يتميز بالدقة والاهتمام بالدراسات الوصفية، ويبتعد عن الجدل والفلسفة.

وقد تبين للغويين وجود أوجه شبه كبيرة بين السنسكريتية واللغات الأوربية، فدفعهم هذا إلى الاهتمام بالدراسة الوصفية والتاريخية والمقارنة للغات.

وقد كان علماء تلك الفترة في أوربا مهتمين بالبحث التاريخي، ويحاولون وضع دراسة تاريخية تطورية لكل علم متأثرين بنظرية دارون التطورية، كما كانوا يسعون إلى وضع قوانين لعلومهم، فسار علماء اللغة على هذا النهج؛ لأجل تحديد أوجه الشبه والاتفاق بين اللغات، والبحث عن الأصول المشتركة لهذه اللغات؛ رغبة في الوصول إلى ما يسمى باللغة الأولى أو الأم، ودراسة تطور اللغات، وكتابة تاريخها اللغوي، ووضع قوانين عامة للغات.

ودفع تحديد ملامح المجموعات اللغوية في أوربا ومعرفة العلاقات بينها _ إلى البحث في لغات العالم الأخرى، حتى توصل العلماء إلى بعض التقسيمات للغات، وهو ما يسمى بالفصائل أو الأسر اللغوية.

والغرض الذي يُسعى إليه من دراسة الفصائل اللغوية هو معرفة التقسيمات العامة للغات العالم، والمجموعة التي تنتمي إليها لغتنا، وخصائص المجموعة، وتاريخها، ثم نعرج على لغتنا؛ فندرسها بالتفصيل.

ولقد توصل العلماء إلى عدة نظريات في تقسيم اللغات في العالم ولكن أشهر تلك النظريات نظريتان:

النظرية الأولى: وهي التي تعتمد على الدراسة الوصفية والتشكيلية للغات، ولا تنظر إلى ما بينها من قرابات وصلات تاريخية.

وصاحب هذه النظرية هو العالم الألماني (شليجل) وقد قسم اللغات إلى ثلاثة أقسام:

1_ اللغات المتصرفة أو التحليلية: وتمتاز هذه اللغات من الناحية التصريفية بتغير المعاني مع تصرف الكلمات، وأن الألفاظ فيها يشتق بعضها من بعض، ومن الناحية النحوية وتراكيب الجمل تَسْتَخدِم روابطَ وأدواتٍ تدل على مختلف العلاقات.

ومن هذا النوع اللغات الأوربية، واللغات السامية، ومنها العربية التي بلغت من ذلك مبلغاً فاقت به سائر اللغات؛ ففي العربية _ على سبيل المثال _ تقول من مادة (شُرْب): شَرِبَ، يشرب، شارب، شَرَاب، شُرْب، شروب، شَريب، تَشراب. . . وكل منها يدل على معنى.

وتقول: ركب محمد وعلي القطار من مكة إلى المدينة فتدل الضمة في (محمد) على الفاعلية، والفتحة في (القطار) على المفعولية، والواو على الرابط بين (علي) و (محمد) و (من) على الابتداء و (إلى) على الانتهاء. . . وهكذا.

2_ اللغات الوصلية أو اللاصقة: وهذه اللغات تتغير المعاني فيها عن طريق إضافة لواصق أو سوابق إلى الكلمات؛ لتحمل معاني جديدة.

ومن أشهر لغات هذه الفصيلة: اليابانية، وبعض اللغات البدائية.

3_ اللغات العازلة: وهي لغات لا تتصرف الكلمات فيها، ولا تلحقها الإضافات، بل تحمل كل كلمة بصورتها معنى لا يتغير.

ولا تعرف هذه اللغاتُ الأدواتِ النحويةَ، ولعل هذا هو السبب في تسميتها بـ: العازلة؛ لأن لكل كلمة دلالة خاصة، لا تقبل التغير.

ومن هذه اللغات الصينية، وكثير من لغات الأمم البدائية.

وزعم القائلون بهذه النظرية أنها تدل على تطور اللغات؛ فاللغة في نظرهم تبدأ من مرحلة (العزل)، ثم ترتقي إلى المرحلة التي تستخدم فيها السوابق واللواحق، ثم إلى أرقى مراحلها وهي أن تكون تصريفية.

كما يرى القائلون بها أن بعض اللغات قد تتوقف عند مرحلة معينة فلا تتجاوزها، وقد استدلوا على نظريتهم هذه بلغات الأطفال، ولغات الأمم البدائية.

ولم تلقَ هذه النظرية قبولاً عند العلماء، ووجهوا إليها اعتراضات أهمها:

أن كثيراً من اللغات تعرف أكثر من قسم من الأقسام الثلاثة؛ فالعربية التي هي لغة تصريفية تعتمد اعتماداً كبيراً على الوصل، والإلصاق كحروف المضارعة، وعلامات التثنية والجمع، وغيرها.

وكذلك نجد فيها بعض الصيغ العازلة كالمثال الذي يسوقه النحويون: ضرب موسى عيسى، من وجوب تقديم الفاعل؛ لوجود اللبس، لعدم وجود قرينة تدل عليه، ولو قدمت (عيسى) على (موسى) أو على (ضرب) وأنت تريد أن (عيسى) هو الفاعل لتغير المعنى.

النظرية الثانية: وهي التي تعتمد على الصلات وروابط القربى، والعلاقات التاريخية والجغرافية بين الشعوب، فتحاول أن تجعل من كل مجموعة متقاربة من اللغات فصيلة مستقلة.

وهذه النظرية أكثر النظريات قبولاً، ورواجاً بين العلماء.

وأشهر تقسيم للغات سار في هذا الاتجاه هو ما قال به العالم الألماني (ماكس مولر) ت1900م، فقد لاحظ أن أكثر لغات العالم تجمع بينها علاقات تاريخية، وأوجه شبه مما يمكن أن تكون متفرعة عن أصل واحد.

ومن منطلق وحدة النشأة للغات وجد (مولر) أمامه مجموعتين لغويتين متميزتين، أما اللغات التي لم تندرج تحت هاتين المجموعتين فقد صنفهما تحت مجموعة ثالثة.

وعلى هذا ففصائل اللغات في العالم ثلاث:

1_ فصيلة اللغات الهندية _ الأوربية: وهي أكثر اللغات انتشاراً في العالم؛ إذ يتكلم بها أكثر سكان أوربا وأمريكا واستراليا، وقسم كبير من سكان آسيا.

ويندرج تحت هذه المجموعة عدد من اللغات البائدة كالسنسكريتية، والفارسية القديمة، والبهلوية، واللغات الجرمانية، واليونانية، والإغريقية القديمة، كما يدخل ضمن هذه المجموعة من اللغات المستعملة الحية اللغات الهندية، والفارسية، والكردية، والأفغانية، والأرمنية، والألبانية، واللغات الأوربية، والسلافية والاسكندنافية، وغيرها.

وقد اختلف العلماء في تحديد موطن هذه اللغات فقيل نشأت في وسط آسيا في منطقة التركستان، أو في أوربا الشرقية، أو في بحر البلطيق كما حاولوا تصور كيفية انتقال هذه اللغات وانتشارها في تلك البقاع الواسعة في العالم.

وقد بحث العلماء كثيراً في هذه اللغات؛ لأن أكثر علماء اللغة في العصور المتأخرة ينتمون إليها.

وتمتاز هذه الفصيلة بكثرة شعبها، واتساع الرقعة المنتشرة فيها.

وقد سلك المتحدثون بها _ إن كانت في يومٍ ما لغةً واحدة _ مسالك متباعدة حتى لا يكاد يوجد بين فروع هذه الفصيلة إلا أوجه شبه محدودة يدركها المتخصصون.

2_ فصيلة اللغات السامية _ الحامية: وتشمل هذه الفصيلة مجموعتين لا يربط بينهما إلا روابط جغرافية؛ ذلك أن الاختلاف بين المجموعتين كبير.

أما الأولى _ السامية _ فلها حديث خاص، وأما الثانية _ الحامية _ فتنتسب إلى حام بن نوح _ عليه السلام _ وهي تحوي اللغاتِ المصريةَ القديمةَ، والقبطيةَ، واللغاتِ البربريةَ التي لا يزال لها بعض الاستعمال في مناطق من شمال أفريقيا، واللغات الكنوشيتية _ الحبشية القديمة _ والنوبية.

وأكثر هذه اللغات طغت عليها اللغات السامية.

3_ فصيلة اللغات الطورانية: وتسميتها بالفصيلة من قبيل المجاز، وإلا فإن هذه الفصيلة تضم لغات لا تربط بينها علاقات، ولكن (مولر) جمعها تحت هذا الاسم؛ تخلصاً من كثرة التقسيمات.

ومن هذه الفصيلةِ اللغاتُ الصينية، واليابانية، والتركية، والمغولية، وغيرها.

ولم يُرضِ هذا التقسيمُ العلماء المُحْدَثين، فجعلوا اللغات السامية الحامية فصيلتين مستقلتين، وجعلوا الفصيلة الطورانية تسعة عشر قسماً؛ لتصل الفصائل إلى اثنتين وعشرين.

 المبحث الرابع: اللغات السامية

والمراد بها _ كما يقول الرافعي في تاريخ آداب العرب_: لهجات سكان القسم الجنوبي من غرب آسيا من حدود الأردن شمالاً إلى البحر العربي جنوباً، ومن خليج العجم شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً.

وهي منسوبة إلى سام بن نوح _ عليهما السلام _ باعتبار أن المتكلمين بها هم في الجملة من نسله.

وقد اختار الباحثون الغربيون هذه التسمية؛ حيث لاحظوا _ وهم يقسمون لغات العالم _ أَوْجُهَ شبهٍ بين مجموعة اللغات العربية والعبرية والحبشية والسريانية، والآشورية، والآرامية، وغيرها من اللغات؛ فاعتقدوا أنها _ في الأصل _ لغة واحدة، وأن أهلها يسكنون في بقعة واحدة، ثم تفرقوا في الأرض، وانتشروا، واختلفت ألسنتهم، وتباينت لغاتهم.

وقد اختار العالم الألماني (شلوترز) اصطلاح اللغات السامية؛ لإطلاقه على هذه اللغات، ويعد أول من استخدم هذا الوصف، وذلك في القرن الثامن عشر الميلادي.

وقد استمد هذه التسمية من جدول تقسيم الشعوب في الإصحاح العاشر من سفر التكوين في التوراة، وهو الجدول الذي يرجع الشعوب التي عمرت الأرض بعد الطوفان إلى أبناء نوح _ عليه السلام _: سام، وحام، ويافث، والذي جعل الأشوريين، والآراميين، والعبريين من أبناء سام.

وقد ارتضى الباحثون هذه التسمية رغم اعتراضهم على التقسيمات الموجودة في الجدول؛ لأن الجدول أدخل في الساميين شعوباً ليسوا منهم، واستبعد شعوباً من الساميين؛ لاعتبارات دينية، وسياسية.

ولكن ذلك التقسيم _ كاصطلاح علمي _ كتب له الشيوع على ما فيه من تجاوزات.

تنبيه: قال أ.د علي البواب _ حفظه الله _: =تناقل المستشرقون وكثير ممن سار على نهجهم من الباحثين العرب _ أن علماء اليهود الذين كانوا يعيشون في الأندلس في القرن العاشر الميلادي هم أول من تنبه إلى الصلات والروابط بين الشعوب السامية، وأنهم أول من أدرك القرابة اللغوية بين الساميين.

وهذا ادعاء غير صحيح، وفيه مغالطة تاريخية؛ فقد عرف كثيرٌ من علماء المسلمين قبل القرن العاشر الميلادي وبعده صِلاتِ القربى بين الشعوب السامية، كما عرفوا أنهم من ذرية سام بن نوح.

فالخليل بن أحمد الفراهيدي ت170هـ _ القرن الثامن الميلادي _ يقول في كتابه العين: =وكنعان بن سام بن نوح ينسب إليه الكنعانيون، وكانوا يتكلمون بلغة تضارع العربية+.

والجوهري من علماء القرن الرابع الهجري _ العاشر الميلادي _ يقول: =وسام أحد بني نوح _ عليه السلام _ وهو أبو العرب+.

وابن حزم الأندلسي من علماء القرن الخامس الهجري يقول: =إن الذي وقفنا عليه، وعلمناه يقيناً أن السريانية، والعبرانية، والعربية والتي هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير _ واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها. . . فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافها إنما هو من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان، واختلاف البلدان، ومجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل+.

والإمام ابن تيمية ت728هـ أشار في فتاواه إلى وجود علاقات لغوية بين هذه اللغات قال: =والألفاظ العبرية تقارب العربية بعض المقاربة، كما تتقارب الأسماء في الاشتقاق الأكبر، وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مُسْلِمة أهل الكتاب، فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب، حتى صرت أفهم كثيراً من كلامهم العبري بمجرد معرفة العربية+( ).

فإدراك علماء العربية لأوجه الشبه بين لغتهم وغيرها وارد ومعروف، وليس من العدل أن ينسب لغيرهم.

بل إن من علماء العربية من عرف بعض اللغات السامية وغيرها، فأبو حيان الأندلسي أَلَّف في نحو الحبشية والتركية.

ولكن علماء العربية لم يسعوا إلى إجراء البحوث المقارنة بين العربية وغيرها، وربما كان ذلك لاعتقادهم أن لغتهم أسمى من أن تقارن بغيرها، وتقديسهم لها جعلهم يربؤون بأنفسهم عن مقارنتها بلغات أخرى+( ).

 المبحث الخامس: بداية البحث التاريخي والمقارن للغات السامية وفائدة ذلك

أما البحث التاريخي والمقارن للغات السامية فهو وليد القرن التاسع عشر الميلادي، وقد برزت هذه البحوث على أيدي الغربيين بعد تطوير البحوث اللغوية، وللبحث التاريخي المقارن في اللغات السامية فوائد عديدة منها:

1_ معرفة تاريخ الشعوب السامية التي تتصل مع الشعوب بصلات القربى، وعاداتهم، وتقاليدهم، ودياناتهم، وحضاراتهم وأثر ذلك على العرب.

2_ أن البحث التاريخي المقارن يساعد على تفهم كثير من قضايا اللغة ويفسر بعض ظواهرها الصوتية واللفظية؛ فكثير من قضايا الدلالة كالترادف، والاشتراك، والإبدال يمكن أن يكشف البحثُ المقارن عن بعض غموضها، وأسباب حدوثها، كما أن هذا البحث يوضح كثيراً من التبدلات الدلالية.

طريقة البحث في اللغات السامية:

وقد سار البحث في اللغات السامية في اتجاهين:

 _ أحدهما: تاريخي: يتناول الحديث عن موطن الساميين، وهجراتهم، وصراعهم مع الشعوب الأخرى، والممالك التي أقاموها، والآثار التي خلفوها وغير ذلك من البحوث التاريخية.

 _ والثاني: لغوي: يعتمد على الدراسة الوصفية لكل لغة من حيث أصواتها، ومفرداتها، وتراكيبها، ثم المقارنة بين هذه اللغات للخروج بقوانين عامة للغات السامية، ومحاولة معرفة اللغة الأولى.

والباحث في اللغات السامية يحتاج إلى الجمع بين الجانبين التاريخي واللغوي.

  المبحث السادس: الموطن الأول للساميين

اختلف العلماء كثيراً حول تحديد المكان الأول الذي عاش فيه الساميون، وسلكوا للإجابة على السؤال مسالك متعددة، وخرجوا بآراء مختلفة تبعاً للمنهج الذي اعتمدوه في بحث المسألة، ومن أشهر ما قيل في ذلك:

1_ رأى بعض الباحثين أن يكون شمال أفريقيا أو بلاد الحبشة _ الموطن الأول للساميين، وأنهم نزحوا منها إلى جنوبي الجزيرة عن طريق باب المندب.

وقد استندوا في ذلك على ما لاحظوا من أوجه التشابه بين الحاميين والساميين، وإلى وجود أوجه بين اللغات السامية والحامية.

وهذه النظرية لا تستند على أسس قوية؛ فقد اعتُرِضَ عليها بأن التشابه بين السامية والحامية محدود، وأنه لم يكن للغات السامية وجود أو أثر يذكر عند الفتوح الإسلامية لشمال أفريقيا مما ينفي كون تلك المناطق مهداً للساميين.

2_ واعتمد بعض العلماء على المأثورات الدينية؛ ففي قصة الطوفان أن السفينة رست عند منابع دجلة والفرات، فرأى بعض العلماء أن مرتفعات كردستان، أو بلاد أرمينية هي المكان المقصود، وافترضوا أن تكون موطناً للساميين.

وبناءاً على هذه النظرية فإن الموطن الأول للغات كلها هو ذلك المكان.

ولكن أصحاب النظرية يقولون أن (حام) طرد، وأن (يافث) انطلق إلى مكان آخر، ولم يبق هناك إلا (سام) والنظرية _ كما يبدو _ تعتمد على تصورات لا تستند إلى كثيراً إلى الواقع؛ لذا لم يكتب لها الرواج كسابقتها.

3_ وافترض بعض العلماء أن تكون بلاد كنعان _ الشام _ الموطن الأول للساميين، واعتمدوا في ذلك على دراسة الأساطير، والمأثورات الشعبية.

ولكن العلماء يعترضون على هذه النظرية بأن الانتقال من بلاد الشام الخصيبة إلى أرض الجزيرة انتقال شاق لا داعي له، وأن تلك الهجرات التي تمت في القرن الرابع ق.م تحتاج إلى الإبل التي ثبت أنها لم تستأنس إلا في الألف الثالث ق.م.

4_ ونظرية رابعة ترى أن سهول العراق وما بين النهرين هي البيئة الأولى التي نشأ فيها الساميون، وأول من قال بهذا الرأي العالم الإيطالي (جويدي) وتابعه على ذلك جماعة من العلماء.

وحجة جويدي في ذلك لغوية؛ فقد وجد أن كلمة (نهر) معروفة في كل اللغات السامية بنفس اللفظ على حين تختلف كلمة (جبل) من لغة سامية إلى أخرى، كما لاحظ أن كثيراً من أسماء النباتات والحيوانات تشبه ما يوجد في البابلية الآشورية التي كانت في العراق أكثر مما تشبه العربية، واستخلص من ذلك أن يكون الساميون قد عاشوا في سهول العراق.

وبخاصة إذا عرفنا أن البابلية الآشورية لها نصوص مكتوبة منذ الألف الرابع ق. م، وهي أقدم كتابات سامية.

والاعتراضات الموجهة إلى هذه النظرية قائمة على أساس أن تاريخ العراق معروف قبل البابليين عن طريق النقوش السورية، والسوريون ليسوا ساميين، وأن أحد ملوك الساميين في العراق، وهو الملك الأكادي سرجون الأول 2600ق.م _ كتب عن أصله في نقش مشهور ما يفهم منه أنه وعشيرته قدموا إلى بلاد الرافدين من جزيرة العرب.

أما الألفاظ اللغوية فقد تكون مستعارة من لغات غير سامية، وقد يكون الساميون عرفوا النهر قبل أن يعرفوا الجبل، ولكن ليس من الضرورة أن يكون دجلة أو الفرات.

5_ أما أشهر الآراء وأرجحها فهو القائل إن شبه الجزيرة العربية هي الموطن الأول للساميين، وقد مال إلى هذا الرأي كثير من المستشرقين، واستندوا في ذلك إلى عدة أدلة منها:

أ_ المسكن: فأكثر المناطق التي حُددت على أنها الوطن الأول للساميين كانت مسكونة بشعوب غير سامية، على حين لا يُعرف قومٌ غير الساميين سكنوا جزيرة العرب.

ب_ الهجرات: فالتاريخ يتحدث عن هجرات كانت تنطلق من جزيرة العرب إلى بلاد الشام والعراق، ولم يذكر عكس ذلك، وقد استمرت تلك الهجرات حتى غمر المهاجرون أرض العراق والشام وأفريقيا.

والنقوش السورية تبين أن بلاد سومر كانت مهددة دائماً بهجرات قبائل تأتي من الجهات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ج_ ملائمة بلاد العرب: فقد ذكر بعض العلماء أن بلاد العرب كانت في العصور القديمة كثيفة بالسكان، خصبة الأرض، موفورة الخيرات، تخترقها عدة أنهر، وأنه على أثر بعض الظواهر الجيلوجية فقدت تلك المناطق خصبها، فنزح أكثر سكانها إلى مناطق أخرى.

وقد عرف العرب السدود والأنهار، وقصص القرآن الكريم تحدثنا عن (سبأ) و (عاد) و (ثمود) وغيرهم كما تحدثنا عن القصص الدينية والروايات التاريخية عن كثير من الأمم التي سكنت جزيرة العرب، وكانوا يعيشون في رغد من العيش، وأن الله _ تعالى _ انتقم من كثير منهم لكفرهم بنعم الله _ تعالى _ .

د_ أن العرب أقرب الشعوب إلى السامية: فالمستشرقون يرون أن أقرب الشعوب إلى الساميين لغة، وخلقاً هم العرب، الذين بقوا في أرضهم ولم يختلطوا كثيراً مع غيرهم، وأن كثيراً من الألفاظ السامية يعبر عن عقلية تعتمد على المشاهدات الحسية التي تنشأ في الصحراء.

هذه الأدلة دفعت بكثير من العلماء إلى الأخذ بهذا الرأي، وإلى افتراض أن أقدم موطن للساميين هو جزيرة العرب، أو أنها أقدم موطن عرف للساميين، بمعنى أنه لا يستبعد أن يكونوا قد نزحوا إليها من مكان آخر في فترة موغلة في القدم.

 المبحث السابع: الخصائص المشتركة للغات السامية

يرى العلماء أن صلات القربى، والصفات الجامعة بين اللغات السامية كثيرة وواضحة، وأشد ظهوراً مما هي بين مجموعة اللغات الهندية الأوربية، وقد مر بنا أن بعض علماء العربية تنبهوا إلى العلاقة والرابطة بين العربية وغيرها دون معرفة بتلك اللغات.

أما اللغات الهندية الأوربية فلا يستطيع إدراك الروابط بينها الباحثون المدققون.

وأسباب كثرة الروابط بين اللغات السامية عديدة منها:

1_ أن الساميين لم يتفرقوا في مناطق شاسعة متباعدة من الأرض كما هو الحال بالنسبة للغات الهندية الأوربية.

2_ وأن الساميين مع تفرقهم وانتشارهم لم تنقطع الاتصالات بينهم، ولم تتوقف هجراتهم.

3_ أن أكثر اللغات السامية ترتبط بالأديان والحضارات التي حرص أهلها عليها، وتمسكوا بها، فارتباط العربية بكتاب الله _ تعالى _ وتمسك اليهود والسريان والآراميين وغيرهم بمعتقداتهم وعباداتهم جعلهم يرتبطون بلغتهم، فلم ينلها تغير كبير، ولم تبتعد عن أصولها الأولى بعداً واسعاً.

أما أهم الخصائص التي تجمع اللغات السامية فهي ما يلي:

1-من الناحية الصوتية: تمتاز اللغات السامية باحتوائها على حروف الحلق (الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء) بحيث لا تخلو لغة سامية من بعض هذه الحروف، ويضيع منها بعضها، أو يتحول إلى صوت آخر تحت تأثير اللغات الأخرى.

وقد استنتج العلماء أن السامية كانت تعرف حروف الحلق كما هي في العربية، وأن فقدها من غير العربية طرأ على الساميات، خصوصاً حرف (الحاء) حيث زعم ابن فارس × أن الحاء، والظاء مما اختصت به العرب( ).

وقال _ أيضاً _: =وزعم أناس أن الضاد مما اختصت به العرب دون غيرهم+( ).

وحروف التفخيم أو الإطباق: (ص، ض، ط، ظ، ق) من مميزات اللغات السامية، وقد أجمع الباحثون على وجود القاف والطاء والصاد في كل اللغات السامية، أما الظاء فيظن أنها متطورة عن الصاد، والضاد من خصائص العربية فلا توجد في غيرها _ كما مر _.

والحروف بين الأسنانية (ذ، ث، ظ) مما تُمَيِّزُ السامية؛ فالذال والثاء صوتان أصليان في السامية الأولى، وإن فُقدا من بعض اللغات السامية، وتحولا إلى أصوات أخرى كما هو الحال في العاميات العربية.

2_ ومن الناحية الصرفية تعتمد اللغات السامية على الأصوات الساكنة، ويتحدد معنى الكلمة بالسواكن، ولا يكون للحركات قيمة كبيرة في ذلك، ويغلب على اللغات السامية الأصول الثلاثية، ويوجد فيها بعض الأصول الثنائية والرباعية، كما أن اللغات السامية لغات اشتقاقية تصريفية، وتعتمد على السوابق واللواحق في الزيادة على المعنى الأصلي.

3_ وزمن الفعل في اللغات السامية ينقسم إلى ماض، ومستمر، ولا تعرف اللغات السامية في الأصل غير هذين الزمنين على حين نرى اللغات الهندية الأوربية ينقسم زمن الفعل فيها إلى عدة أقسام.

4_ وتعرِفُ اللغاتُ الساميةُ حالتين فقط من حيث الجنس، وهما المذكر والمؤنث ولا تعرف نوعاً ثالثاً، وتدخل ما ليس بمذكر أو مؤنث حقيقي في أحدهما مجازاً.

5_ كما أن اللغات السامية تُقَسِّم الاسم من حيث العدد إلى مفرد ومثنى وجمع، والمثنى لا يعرف في كثير من اللغات.

6_ وظاهرة الإعراب ظاهرة ساميَّةٌ قديمة؛ فهي معروفة في النقوش القديمة كالأكادية كما هو الحال في العربية، وفَقْدُ الإعراب في بعض اللغات السامية حَدَثٌ متأخر.

7_ ومما يربط بين اللغات السامية أننا نجد كثيراً من المفردات تتشابه معانيها، كالاشتراك في الضمائر، والأعداد، وأسماء الأسرة، وأعضاء الجسم، وبعض الألفاظ الدالة على المعيشة.

هذه الصفات والخصائص المشتركة بين اللغات السامية جعلت الباحثين يؤكدون أنها لغات لها أصل واحد، وهذا لا يعني أنه لا يوجد اختلافات بين هذه اللغات، فبالإضافة إلى ما أصاب اللغات السامية من تغيير في أصواتها، وما دخلها من ألفاظ واستعمالات _ فإن بينها فروقاً ليست قليلة في أداة التعريف، وعلامات التثنية والجمع، وكثير من المفردات.

أما أقدم لغة سامية، أو أقرب لغة سامية إلى الأصل المشترك، أو اللغة الأولى للساميين كما يتصورها العلماء _ فهو أمر مختلف فيه وإن كان أكثرهم يرى أن العربية أقرب اللغات إلى السامية الأولى؛ فالأبجدية الصوتية التي رسمها العلماء للسامية الأولى قريبة إلى حد ما من الألفبائية العربية، والعربيةُ لم تَفْقِد شيئاً من مخارجها، وحافظت على ظاهرة الإعراب كاملة، كما أن المفردات والتصريف، وتركيب الجملة السامية الأولى مما حافظت عليه العربية.

وليس ذلك غريباً إذا ما تذكرنا أن أرجح الآراء ترى أن جزيرة العرب موطن الساميين، ومن ثم يكون سكان الجزيرة الذين لم يغادروا أرضهم ولم يختلطوا إلا قليلاً بغيرهم، والذين توارثوا الديانات والحضارات _ هم أجدر الناس بالمحافظة على خصائص لغتهم الأم.

الفصل الثالث: دراسة اللهجات العربية، والمنطق العربي

وفيه تمهيد وأربعة مباحث:

المبحث الأول: مسائل في اللهجات.

المبحث الثاني: دراسة اللهجات العربية.

المبحث الثالث: صفات الحروف ومخارجها.

المبحث الرابع: عيوب المنطق العربي.

 الفصل الثالث دراسة اللهجات العربية والمنطق العربي( )

تــمــهــيـد

تساءل العلماء كثيراً عن العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ووصَلَنا بها الشعر الجاهلي، وكُتِبَ بها تراثُنا الإسلامي، والتي لا تزال لغة العرب في كل مكان، ويستخدمها المسلمون في العالم كله في عباداتهم، وفي كثير من شؤون حياتهم، تساءلوا: هل كانت قبائل العرب جميعاً تتكلم بهذه اللغة، أو هي لغة قريش وحدها سادت بعد الإسلام ونزول القرآن بها؟

ولقد اختلف العلماء في الإجابة عن هذا السؤال، فمنهم من ادعى أن العربية التي وصلتنا هي لغة قريش وحدها.

ومنهم من قال: إنها لغة مشتركة للعرب جميعاً، تعاملوا بها، واستعملوها في لقاءاتهم ومواسمهم الدينية والثقافية والتجارية، وإلى جانب هذه اللغة كان لكل قبيلة لهجة خاصة بها، أو لغة خاصة.

وإذا كان الرأي الثاني هو الأرجح فهل يعني أن القبائل العربية المتعددة كانت تتكلم بلغات، أو بلهجات بعيدة عن الفصحى المشتركة؟ .

وهل وجود هذه اللهجات يعني أن العرب لم يكونوا جميعاً يتكلمون الفصحى، أو يتعاملون بها؟ .

أو أنهم كانوا يتعاملون في حياتهم اليومية بلغات خاصة، ثم يتخاطبون بالفصحى عند لقاءاتهم؟ .

والإجابة القاطعة على هذه التساؤلات ليست سهلة لأمور منها ما يلي:

1_ أن ما وصلنا من روايات عن لهجات العرب قبل الإسلام ليس بالشيء الكثير الذي يمكن أن يصور لنا حجم هذه اللهجات ومدى بعدها أو قربها من الفصحى.

2_ وأن ما وصلنا من أدب جاهلي لا يمثل اللهجات الخاصة بقبائل شعرائه بقدر ما يمثل الفصحى.

3_ ولأن العلماء أضربوا كثيراً عن نقل اللهجات؛ لأن ما وصلنا من أخبار وروايات عن اللهجات العربية، وما جاء منها في القراءات المتواترة وغير المتواترة يمكن أن يُستنتج منه بعضُ خصائص اللهجات العربية، ويبين لنا أن الاختلافات بين اللهجات لا تعدو أن تكون اختلافات قليلة من إمالة صوت، أو إبداله، أو إدغامه، أو إعمال حرف عند قبيلة تهمله قبيلة أخرى، أو اختلاف في دلالة لفظ بين قبيلة وأخرى، أو أنها _ بصفة عامة _ لا ترقى إلى درجة الزعم بأن اللهجات العربية كانت متباعدة، أو أنه كان لكل قبيلة لهجة خاصة.

وقبل الحديث عن أشهر سمات اللهجات العربية وما بقي منها في عربيتنا اليوم لابد من التقديم بحديث عن تعريف اللهجة، وأسباب حدوثها، والغرض من دراسة اللهجات.

 المبحث الأول:مسائل في اللهجات( )  

أولاً: معنى اللهجة: يفهم من معنى اللهجة في المعاجم العربية أنها اللغة، أو طريقة أداء اللغة، أو النطق، أو جَرْس الكلام ونغمته( ).

ويعرِّفها المُحْدَثون بأنها: الصفات أو الخصائص التي تتميز بها بيئة ما في طريقة أداء اللغة أو النطق.

ثانياً: انقسام اللهجات والعلاقة بينها:

وبناءاً على ذلك التعريف السابق فاللغة الواحدة قد تنقسم إلى عدة بيئات لغوية لكل منها لهجة خاصة، أو صفات لغوية معينة، ويشترك أفراد البيئات المختلفة أو المتكلمون باللهجات المتعددة _ في أكثر خصائص اللغة.

فإذا قلنا: اللغة العربية قصدنا اللغة التي يتفاهم بها المسلمون، ويقرؤون بها ويكتبون، ويسمعون عباراتهم، فيفهمونها.

أما إذا قلنا لهجة الجنوب، أو الشام قصدنا طريقة أداء أهل تلك المنطقة للغة، فقد تكون لهم خصائص معينة يختلفون فيها عن غيرهم.

والخصائص التي تميز اللهجة قد تكون صوتية؛ فجماعة تنطق القاف كافا، أو الجيم ياء، أو الذال زايا. . .

وقد يكون في ترقيق صوت أو تفخيمه، أو في طريقة النبر ونظام المقاطع.

وقد تكون هذه الخصائص في بنية الكلمة ووزنها، وفي تقديم بعض الأصوات على بعض.

وقد يكون الاختلاف في تركيب الجملة، والربط بين أجزائها كما قد يكون في دلالات بعض الألفاظ.

ولكن اللهجات التي تنتمي إلى لغة واحدة يجمع بينها روابط صوتية ولفظية، ودلالية، وتركيبية كبيرة.

وكلما ازدادت الصفات المشتركة بين مجموعة اللهجات ازداد التقارب بينها.

وعلى العكس من ذلك إذا قلت الصفات المشتركة بين هذه اللهجات ابتعدت عن بعضها حتى تصبح هذه اللهجات مع مرور الزمان كأنها لغات لا يربط بينها إلا روابط ضعيفة.

ويُذْكر أن أكثر اللغات المعروفة انفصلت عن لغات أسبق، فهي _ في الأصل _ لهجة من اللغة الأم أو فرع منها، ثم اتسعت الفروق بينها وبين اللغة الأصلية حتى غدت لغة مستقلة كما حدث في مجموعات اللغات الهندية الأوربية، أو في اللغات السامية.

ثالثاً: أسباب حدوث اللهجات: هناك عوامل مختلفة تؤدي إلى حدوث اللهجات، منها ما يلي:

1_ العامل الجغرافي: فقد تتسع الرقعة الجغرافية للمتكلمين باللغة، وتفصل بينهم الجبال والأنهار، ويقل الاتصال بينهم؛ فتأخذ اللغة في التغيير شيئاً فشيئاً، ويسلك المتكلمون باللغة مسلكاً مختلفاً عن غيرهم، فيؤدي ذلك إلى حدوث لهجة جديدة.

2_ العامل الاجتماعي: فالظروف الاجتماعية في البيئات المتعددة الطبقات تساعد على حدوث اللهجات؛ فكل طبقة تحاول أن يكون لها لغتها، أو أسلوبها اللغوي المميز.

3_ العامل السياسي: فانفصال قبيلة أو دولة عن غيرها، واعتناق المذاهب السياسية، أو الدخول في الديانات الجديدة يساعد على دخول ألفاظ واصطلاحات جديدة في اللغة.

4_ الصراع اللغوي والاحتكاك: وربما كان ذلك أهم العوامل التي تساعد على حدوث اللهجات؛ فالصراع بين لغتين يؤدي إلى انتصار إحداها على الأخرى طبقاً لقوانين لغوية؛ فالأقوى حضارةً ومادةً قد يُكتَب له الانتصار، ولكن اللغة المغلوبة تترك أثرها في الغالبين، وتؤدي إلى تطور، أو تغير في لغتهم.

كما أن اختلاط الأقوام ببعضهم يؤدي إلى التغييرات اللغوية، فاللغات السامية التي دخلت العراق احتكت بالسومرية، وانتصر الساميون على السكان الأصليين للعراق بعد أن أخذوا منهم الكثير، وبعد أن فقدوا كثيراً من مميزات لغتهم الأصلية.

والمسلمون بعد فتح فارس، والمغرب وغيرهما نشروا العربية.

ولكن هناك لهجات خاصة نشأت في تلك البلاد؛ نتيجة الاحتكاك بين الفاتحين وسكان البلاد الأصليين.

رابعاً: اللهجة الخاصة: إلى جانب اللهجة التي سبق الحديث عنها، وعن أسباب حدوثها هناك ما يسمى بـ اللهجة أو اللغة الخاصة، وهي تلك التي تستعملها طوائف وجماعات خاصة؛ ففي سلك القضاء أو الطب، أو أعمال الحدادة، أو النجارة، أو بين اللصوص وقطاع الطرق _ تجد ألفاظاً واصطلاحاتٍ لا تستخدم إلا عندهم، وتمتاز هذه اللغات باستخدام التعبيرات الاستعارية، واستعمال الألفاظ في غير مدلولاتها الحقيقية.

وقد تنشأ هذه اللهجات نتيجة شعور أصحابها بالعزلة أو معاداتهم للنظام، أو رغبة في التمويه، أو تمييز أنفسهم.

خامساً: اللغة المشتركة: ويقصد باللغة المشتركة مجموعة الصفات اللغوية التي تجمع بين لهجات اللغة الواحدة، وتجعل الأفراد المتكلمين بهذه اللهجات يتفاهمون مع بعضهم بسهولة، فهي لغة وسيطة تقوم بين المتكلمين بلهجات مختلفة.

وتتميز اللغة المشتركة _ إضافة إلى أنها مفهومة لدى جميع المتكلمين بها أو سامعيها _ أنها فوق مستوى العامة، وأنها لا تنتمي إلى بيئة واحدة، وإنما هي مزيج بين اللغات أو اللهجات المختلفة.

سادساً: لماذا ندرس اللهجات؟: اللهجة ظاهرة لغوية موجودة في كل بيئة وفي كل عصر، ودراسة اللهجة ليس دعوة إلى نصرة اللهجات والعاميات، ولكنَّ دراسة اللهجات العربية لها مسوغات، وينتج عنها فوائد منها:

1_ أنها تفيد في تفسير بعض قضايا العربية ومفرداتها ودلالاتها؛ فظواهر الاشتراك، والتضاد، والترادف، والإبدال، وغيرها يمكن أن يُرَدَّ كثيرٌ منها إلى اختلاف اللهجات العربية.

2_ ودراسة اللهجات تعين على تفسير كثير من القراءات القرآنية، ومعرفة اللهجات التي وردت عليها.

3_ كما يفسر لنا كثيراً من اللهجات الحديثة ويعرفنا بأصولها، وكيفية حدوثها.

 المبحث الثاني:دراسة اللهجات العربية

لقد كان لسيادة اللغة القرشية _ لغة القرآن الكريم _ أثر كبير في نظرة علماء العربية إلى غيرها من اللهجات؛ حيث أضرب بعضهم عن نقل غير الفصيح لأنهم يفضلون لغة قريش على غيرها.

وسيمر بنا عند الحديث عن لغة أو لهجة قريش أنه كان لها النصيب الأوفى، والقِدْحُ المعلى في الفصحى، وأن قريشاً كانت تختار من لغات العرب أفصحها، فتضمها إلى لغتها، وتستعملها.

وعلى الرغم من شيوع تلك اللغة في العصر الجاهلي، وأنها أصبحت لغة الأدب عامة، وأن القبائل العربية قد اصطلحت فيما بينها على هذه اللغة الفصحى، وأن الشعراء كانوا على اختلاف قبائلهم وتباعدها وتقاربها ينظمون شعرهم في تلك اللغة، وأن الواحد منهم إذا أراد نظم الشعر تجافى عن لهجة قبيلته المحلية إلى تلك اللهجة الأدبية العامة، بالرغم من ذلك كله كانت هناك لهجات كثيرة تميزت بها بعض القبائل، وظلت آثارها واضحة على ألسنتها إلى القرن الثاني للهجرة، حيث سجلها بعض اللغويون، وأطلقوا عليها ألقاباً تدل على استهجان هذه اللهجات ولم يكونوا يُعنون بنسبة هذه اللهجات إلى أصحابها؛ فقد كانت تهمهم الصحة اللغوية، وكأنهم يريدون التنبيه على ما يخالف اللغة الأدبية العامة التي نزل بها القرآن؛ ولهذا يلاحظ أنهم قد يختلفون في نسبة اللهجة؛ فقد ينسبها عالم إلى قبيلة، وينسبها غيره إلى قبيلة أخرى ( ).

ولهذا استحسن بعض الباحثين أن يقسم أنواع الاختلاف إلى خمسة أقسام( ) وهي:

القسم الأول: لغات منسوبة ملقبة: ومعنى ذلك أنها تنسب إلى قبيلة أو قبائل، وأن لها لقباً تعرف به.

وقد عده العلماء من مستبشع اللغات، ومستقبح الألفاظ.

وهو كذلك بعد هذبت اللغة، وأطبقت العرب على المنطق الحر، والأسلوب المصفى، وسيأتي نماذج لأمثلة من ذلك.

القسم الثاني: لغات منسوبة غير ملقبة تجري في إبدال الحروف.

القسم الثالث: لغات من ذلك في تغير الحركات.

القسم الرابع: لغات غير منسوبة ولا ملقبة.

القسم الخامس: لغة أو لثغة في منطق العرب.

أمثلة للقسم الأول:

1_ الكشكشة: وهي في ربيعة ومضر، وقد تروى لأسد، وهوازن.

والكشكشة: هي إبدال كاف الخطاب في المؤنث شيناً في حالة الوقف وهو الأشهر، وبعضهم يثبتها في حال الوصل _ أيضاً _.

فيقولون في رأيتكِ: رأيتكش، وبكِ: بكش، وعليكِ: عليكش.

وبعضهم يجعل الشين مكان الكاف ويكسرها في الوصل، ويسكنها في الوقف فيقولون في مررت بك اليوم: مررت بشِ اليوم، وفي مررت بكْ في الوقف: مررت بشْ.

وأنشدوا على ذلك قول المجنون:

فعيناش عيناها وجيدش جيدها

                   ولكن عظم الساق منشِ دقيق

يريد: عيناك، وجيدك، ومنك.

وقول الآخر:

يا دار حييت ومن ألمَّ بش

                   عهدي ومن يحلل بواديش يَعِش

يريد: بكِ، وبواديكِ.

وقال ابن جني: =قرأت على أبي بكر محمد بن الحسين عن أبي العباس أحمد بن يحيى _ ثعلب _ لبعضهم:

علي فيما أبتغي أبغيش

                   بيضاء ترضيني ولا ترضيشِ

وتطبِّي ودَّ بني أبيشِ

                   إذا دنوت جعلت تُنئيشِ

وإن نأيت جعلت تدنيشِ

                   وإن تكلمت حثت في فيشِ

حتى تنُقِّي كنقيق الدِّيشِ

فشبه كاف الديك بكاف ضمير المؤنث.

ومن كلامهم: إذا أعياش جاراتش فأقبلي على ذي بيتش+( ).

2_ الكسكسة: وهي إبدال كاف المخاطبة سيناً، أو زيادة سين على كاف المخاطبة؛ وهي كالكشكشة إلا أن السين تحل محل الشين، في هذه اللهجة.

وبعض العلماء ينسبها إلى ربيعة ومضر وبكر وهوازن.

ونقل الحريري أنها لبكر لا لربيعة ومضر، وهي فيما نقله زيادة سين بعد كاف المخاطب.

وروى صاحب القاموس أنها لتميم لا لبكر، وفسرها كما فسرها الحريري.

3_ الشَّنْشَنة: وهي قلب الكاف شيناً مطلقاً، فيقولون: في لبيك اللهم لبيك: لبيش اللهم لبيش، ويقولون في: كيف: شيف، أو تشيف.

وتنسب هذه اللهجة إلى قبائل من اليمن، وتغلب، وقضاعة.

ويلحظ أن الشنشنة، والكشكشة لهما بقايا في عديد من اللهجات العربية في الخليج العربي والشام.

4_ التلتلة: وهي كسر أحرف المضارعة مطلقاً، وينسبها بعض العلماء إلى كثير من قبائل العرب كتيم، وخصوصاً بطن بهراء منها.

وتنسب كذلك إلى قيس وغيرها.

بل زعم بعضهم أن هذه لغة العرب جميعاً عدا أهل الحجاز.

وقد جاءت هذه اللهجة في القرآت القرآنية مثل: (نِستعين، وتِبيض، وتِسود)( ).

ونسب ابن فارس هذا الكسر لأسد، وقيس إلا أنه جعله عاماً في أوائل الألفاظ فمثل له بقوله: (مثل: تِعلمون، ونِعلم، وشِعير، وبِعير).

5_ الطمطمائية: وهي إبدال لام التعريف ميماً.

وقد جاء على اللهجة قول النبي ": =ليس من أمبر امصيام في أمسفر+ أي: (ليس من البر الصيام في السفر).

وتنسب إلى طيء، والأزد، وقبائل اليمن بعامة.

ولا تزال في بعض قبائل جنوب الجزيرة واليمن.

6_ العنعنة: وهي قلب الهمزة المبدوء بها عيناً.

فيقولون في: إنك: عِنكَّ، وفي أسلم: عسلم، وفي إذن: عِذن، وهلم جراً.

وتعزى هذه الظاهرة إلى تميم، وقيس، وأسد، وقضاعة.

7_ العجعجة: وهي جعل الياء المشددة جيماً، فيقولون في تميمي: تميمج.

وكذا يجعلون الياء الواقعة بعد عين، فيقولون في الراعي: الراعج وهكذا.

وتنسب هذه اللهجة إلى قضاعة؛ ولهذا يقال: عجعجة قضاعة.

وكانت قضاعة إذا تكلموا غمغموا؛ فلا تكاد تظهر حروفهم، وقد سمى بعض العلماء ذلك منهم (غمغمة قضاعة).

وتنسب العجعجة إلى بعض قبائل تميم.

وقد ورد عليها شواهد شعرية كثيرة أودعها النحاة والصرفيون كثيراً من مؤلفاتهم.

قال الأصمعي: حدثني خلف، قال: أنشدني رجل من أهل البادية _ وقرأتها عليه في الكتاب:

عمي عويف وأبو عَِلجّ

                   المطعمان اللحم في العشجّ

وما لغداة فلق البرنجْ

                   تُقلع بالودِّ وبالصِّيْصِجّ

يريد أبو علي، وبالعشي، والبرني _ وهوضرب من أجود التمر _ وبالصيصية، وهي قرن البقرة، ويروى البيت: خالي عويف...( )

وأنشد الفراء لبعضهم:

يا رب إن كنت قبلت حِجَّتِـجْ

                   فلا يزال شاحِـجٌ يأتيك بجْ

أقمرُ نَهَّاتٌ يُنَزِّي وفْرَتجْ

أي: يريد: حجتي، ويأتيك بي، والشاحج: السريع من الدواب، ويروى: شامخ، والأقمر: الأبيض، والنهات: النهَّاق، وينزي: يحرك، والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن( ).

8_ الوتم: في لغة اليمن، وهو جعل السين تاء؛ فيقولون في الناس: النات.

ويستشهد اللغويون على ذلك بقول علباء بن أرقم:

يا قبَّح الله بني العلات

                   عمرو بن يربوع شرار الناتِ

ليسوا أعفاءً ولا أكياتِ( )

فقوله: النات أي: الناس، وقوله: أكيات أي: أكياس جمع كَيِّس.

9_ الوكم: في لغة ربيعة، وهم قوم من كَلْب، يكسرون كاف الخطاب في الجمع متى كان قبلها ياء أو كسرة، فيقولون في عليكُم وبِكُم: عليكِمِ، وبكِمِ.

10_ الوهم: في لغة كلب يكسرون هاء الغيبة متى وَلِيَتْها ميم الجمع مطلقاً، والفصيح أنها لا تكسر إلا إذا كان قبلها ياء أو كسرة نحو: عليهِمْ، وبِهِم، فيقولون في مِنْهُم وعنهُم وبينهُم: مِنهِم، وعنهِم، وبينهِم.

11_ الاستنطاء: في لغة سعد بن بكر، وهذيل، والأزد، وقيس، والأنصار؛ حيث يجعلون العين الساكنة نوناً إذا جاورت الطاء؛ فيقولون في أعطى: أنطى.

وعلى لغتهم قرئ شذوذاً: [إنا أنطيناك الكوثر].

12_ القُطْعة: في لغة طيء: وهي قطع اللفظ قبل تمامه، فيقولون في مثل: يا أبا الحكم: يا أبا الحكا.

وهي غير الترخيم المعروف في كتب النحو؛ لأن الترخيم مقصور على حذف آخر الاسم المنادى، أما القطعة فتتناول سائر أبنية الكلام.

13_ اللخلخائية: وهي تَعْرِض في لغة أعراب الشحر، وعمان، فيحذفون بعض الحروف اللينة، ويقولون في نحو: ما شاء الله: مشا الله.

القسم الثاني: لغات منسوبة غير ملقبة عند العلماء، ومن أمثلته:

1_ في لغة مازن: يبدلون الميم باءً، والباء ميماً، فيقولون في بكر: مكر، ووفي اطمأن: اطبأن.

2_ في لغة طيء: يبدلون تاء الجمع هاءًَ إذا وقفوا عليها إلحاقاً لها بتاء المفرد، وقد سُمع من بعضهم: (دفن البناهْ من المكرماه).

يريد: البنات والمكرمات.

وحكى قطرب قول بعضهم: =كيف البنون والبناه، وكيف الإخوة والأخواه+.

3_ في لغة طيء _ أيضاً _: يقلبون الياء ألفاً بعد إبدال الكسرة التي قبلها فتحة، وذلك من كل ماضٍ ثلاثي مكسور العين، ولو كانت الكسرة عارضة كما لو كان الفعل مبنياً للمجهول، فيقولون في: رَضِي، وهُدي: رَضَا، وهدَى.

4_ في لغة طيء على ما رواه ابن السكيت أنهم يبدلون الهمزة في بعض المواضع هاء، فيقولون: هن فعلت، يريدون إن فعلت، ومنه قول شاعرهم:

ألا يا سنا برق على قلل الحمى

                   لهنك من برق علي كربم( )

أي: لَئِنك.

5_ في لغة تميم يجيئون باسم المفعول من الفعل الثلاثي إذا كانت عينه ياء على أصل الوزن بدون حذف؛ فيقولون في مبيع: مبيوع.

لكنهم لا يفعلون ذلك إلا إذا كانت عين الفعل واواً إلا ما ندر.

6_ في لغة هذيل لا يبقون ألف المقصور على حالها عند الإضافة إلى ياء المتكلم، بل يقلبونها ياءً ثم يدغمونها؛ توصلاً إلى كسر ما قبل الياء؛ فيقولون في عصاي، وهواي: عّصِيَّ، وهَوِيَّ، كما قال شاعرهم أبو ذؤيب الهذلي:

سبقوا هَوِيَّ وأعنقوا لهواهم

                   فتخرموا ولكل جنب مصرع( )

7_ في لغة خشعم وزبيد يحذفون نون (من) الجارة إذا وليها ساكن، قال شاعرهم _ كما في الشاهد النحوي _:

لقد ظفر الزُّوار أقفية العدا

                   بما جاوز الآمال م الأسر والقتل

ومعنى الزوار: السيوف، وقول م الأسر: أي من الأسر. . .

وقد شاعت هذه اللغة في الشعر، واستخفها كثير من الشعراء، فتعاوروها.

8_ في لغة بلحرث يحذفون الألف من (على) الجارة، واللام الساكنة التي تليها، فيقولون: في: على الأرض: علأ رض وهكذا.

9_ في لغة بلحرث وخثعم وكنانة يقلبون الياء بعد الفتحة ألفاً، فيقولون في: إليك، وعليك، ولديه: إلاك، وعَلاك، ولداه.

وهذه موجودة في بعض بادية الجزيرة.

القسم الثالث: من تغيير الحركات في الكلمة الواحدة حسب اختلاف اللهجات، ومن أمثلته:

1_ هاء الغائب مضمومة في لغة أهل الحجاز مطلقاً إذا وقعت بعد ياء ساكنة؛ فيقولون: لديهُ، وعليهُ، ولغة غيرهم كسرها.

وعلى منطق أهل الحجاز قرأ حفص وحمزة: [ما أنسانيهُ إلا الشيطان] و[عاهد عليهُ الله].

أما غيرهما فيكسر الياء.

2_ في لغة بني يربوع _ وهم من بني تميم _ يكسرون ياء المتكلم إذا أضيف إليها جمع المذكر السالم، فيقولون: في نحو ضاربيَّ: ضاربيِّ وهكذا. . .

3_ وقال ابن جني: =إن أبا الحسن _ الأخفش _ حكى أن سكون الهاء في مثل هذا النحو _ يعني في ضمير النصب المتصل _ لغة لأزد السراة.

ومثل هذا البيت ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر:

وأشربُ الماءَ ما بي نحوهُ عطشٌ

                   إلا لأنَّ عيونَهْ سيلُ واديها+( )

4_ وهناك لغات في كلمات، وهي كثيرة جداً منها:

أن تميماً من أهل نجد يقولون: نِهيٌ: للغدير، وغيرهم يفتحها.

والعرب يقولون: رُفقة للجماعة، ولغة قيس: كسر الراء.

والحجازيون يقولون: لعمري، وتميم تقول: (وعملي) ويحكى عنهم (وعمري) _ أيضاً _.

5_ في لغات الإعراب وهذا كثير _ أيضاً _ ومنه:

 (متى) بمعنى (من) في لغة هذيل، ويجرون بها، سمع من بعضهم: أخرجها متى كُمِّه: أي من كُمِّه، ويروون بيت أبي ذؤيب الهذلي المشهور:

شربن بماء البحر ثم ترفعت

                   متى لججٍ خضر لهن نئيج( )

وفي لغة ربيعة وغُنْمٍ يبنون (مع) الظرفية على السكون، فيقولون: ذهبت معْه، ومنه قول جرير:

فَرِيْشِيْ منكمُ وهوايَ مَعْكم

                   وإن كانت زيارتكم لماما( )

وإذا وليها ساكن كسروها للتخلص من التقاء الساكنين، فيقولون: ذهبت معِ الرجل، وغُنْمٌ حي من تغلب بن وائل.

القسم الرابع: وهو لغات غير منسوبة ولا ملقبة: وهذا القسم هو اللغة أو أكثرها؛ لأن الذين دونوها جمعوا كل لغات العرب، وجعلوها لغة جنسية؛ فلم يميزوا منطقاً من منطق، ولا أفردوا لغة عن لغة؛ خدمة للتاريخ اللغوي الذي يراد به خدمة القرآن وعلومه.

ولو أراد أحد استغراق هذا النوع لطال به المقام، ومن أمثلة ذلك:

1_ إبدالهم أواخر بعض الكلمات المجرورة ياء: كقولهم في الثعالب والأرانب والضفادع: الثعالي، والأراني، والضفادي.

في سادس: سادي، وفي خامس: خامي.

2_ ومن العرب من يجعل الكاف جيماً، فيقول: مثلاً: (الجعبة) في (الكعبة).

وبعضهم ينطق بالتاء طاءً، كأفلطني في أفلتني، قال الخليل: وهي لغة تميمية قحة.

القسم الخامس: وهو ما يرونه على أنه لغة في الكلام، أو لثغة من المتكلم:

وذلك كالألفاظ التي وردت بالراء، والغين، أو بالراء واللام، أو بالزاي والذال، أو بالسين والتاء، أو بالشين والسين.

فكل ذلك مما يشك فيه الرواة، ولا يجزمون بأنه لغة فرد، أو لغة قبيلة.

فاللثغة في السين أن تبدل ثاءً، وفي القاف أن تبدل طاءً، وربما أبدلت كافاً، وهكذا. . .

هذا وسيأتي الكلام عن اللثغة عند الكلام على عيوب المنطق العربي.

 المبحث الثالث:صفات الحروف ومخارجها( )

لا يقصد من هذا بيان مخارج الحروف العربية، وضبطها على وجوها الصحيحة المتناقلة عن العرب؛ فذلك خارج عن غرض هذا الكتاب، ثم هو موضوعُ فنٍّ برأسه، وهو فن التجويد الذي وضعه حفص بن عمرو الدوري صاحب القراءة المشهورة بـ (قراءة حفص) وقد أخذ عن عاصم عن التابعين عن أصحاب رسول الله " وذلك بعدُ مستفيضٌ في كتب التصريف، وقد وضع فيه ابن جني كتابه: (سر صناعة الإعراب) وهو أتم كتاب في ذلك، قسمه على أبواب بعدد الحروف، فذكر فيه أسماءها، وأجناسها، ومخارجها، ومدارجها، وفروعها، وخلافَ العلماء في ذلك مستقصىً مشروحاً.

والمقصود ههنا ذكر أنواع هذه الحروف باعتبار صفاتها؛ لأن هذه الصفات إنما هي مصطلحات تاريخية في اللغة، وهم يسمون الخطأ فيها _ أي في صفات الحروف _ لحناً خفياً؛ والحديث ههنا ذكر لصفات الحروف ومخارجها.

أولاً: صفات الحروف:

يقسمون الحروف باعتبار صفاتها إلى تسعة عشر نوعاً، وبعضهم يبلغ بها إلى أربعة وأربعين، وكثير ينقصون أو يزيدون؛ أما الأنواع المشهورة عند علماء هذا الفن والتي هي كالأصول فهي حروف: همس، وجهر، وشدة، ورخاوة، وبينَ بينَ، وحروف استعلاء، واستفال، وإطباق، وانفتاح، وتفخيم، وترقيق، وتفشٍّ، وتكرير، واستطالة، وغنَّة، وذَلاقة، ومدٍّ، ولين، وصفير، وقلقلة:

1_ الحرف المهموس: هو الذي ضَعُف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفَس معه، وحروف هذا النوع عشرة: (هـ ح خ ك ش س ت ص ث ف).

2_ الحرف المجهور: هو الذي أشبع الاعتماد في موضعه _ أي على مخرج الحرف _ ومُنِع النفَسُ أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت، وحروف هذا النوع تسعة عشر؛ لأنها كلُّ ما كان غير مهموس.

3_ الشديد: وهو الذي يمتنع الصوت أن يجري فيه؛ لكمال قوة الاعتماد على مخرج الحرف، ولهذا النوع ثمانية حروف: (ء ق ك ج ط ت د ب).

 4_ الرخو: وهو الذي يجري فيه الصوت لضعف الاعتماد على مخرجه مع نَفس قليل، وذلك في الرخو المجهور، أو كثيرٍ وهو في الرخو المهموس؛ وحروف الرخاوة ستة عشر: (ذ ظ غ ض ز و ي ا هـ ح خ ش س ت ص ث).

وهذه الثمانية الأخيرة هي كل حروف الهمس ما عدا الفاء والكاف.

5_ الحرف الذي هو بَيْن بَيْن: وهو المتوسط بين الرخاوة والشدة وذلك من عدم كمال احتباس الصوت، وعدم كمال جريه، وحروفه خمسة: (ل ن ع م ر) وهذه الحروف المتوسطة كلها مجهورة.

أما الأنواع السابقة فمنها الشديد المجهور، وهو ستة حروف: (ء ق ط ب ج د).

ومنها الشديد المهموس وهو حرفان: (ك ت).

ومنها الرخو المجهور وحروفه ثمانية أيضاً: (هـ ح خ ش س ص ث ف).

وهذه الثمانية هي جميع الحروف المهموسة ما عدا الكاف والتاء.

6_ الاستعلاء: وهو أن يستعلي اللسان عند النطق بالحرف إلى جهة الحنك العليا، وحروفه سبعة: (خ ص ض غ ط ق ظ) وأشدها استعلاءً القاف.

7_ الاستفال: وهو ضد الاستعلاء، وحروفه كل ما عدا السبعة المتقدمة.

8_ الإطباق: وهو انحصار الصوت فيما بين اللسان والحنك؛ لانطباق الحنك على وسط اللسان بعد استعلاء أقصاه ووسطه إلى جهة الحنك، كما تعرف ذلك عند النطق بحروفه، وهي أربعة: (ط ظ ص ض) وجملتها من حروف الاستعلاء، ولا يكون الإطباق تاماً إلا مع الطاء.

9_ الانفتاح: وهو عدم انحصار الصوت بين وسط اللسان و الحنك عند النطق بالحرف لانفتاح ما بينهما، سواء انطبق الحنك على أقصى اللسان أو لا.

وحروفه كل ما عدا الأربعة المطبقة، وكل حروف الاستفالة منفتحة.

 10_ التفخيم: وهو تغليظ الحرف في مخرجه بحيث يمتلئ الفم بصداه.

وحروف الاستعلاء كلها مفخمة، ولا يجوز تفخيم شيء من حروف الاستفالة إلا الراء واللام في بعض أحوالهما، وإلا ألف المد؛ فإنها تابعة لما قبلها تفخيماً وترقيقاً.

11_ الترقيق: وهو نحافة الحرف بحيث يكون جسمه ناحلاً لا يمتلئ الفم بصداه.

12_ التفشي: وهو كثرة انتشار خروج الهواء بين اللسان والحنك، وانبساطه في الخروج عند النطق بالحروف.

وحرف التفشي هو الشين فقط على المشهور، وبعضهم يجعله في الضاد والثاء والفاء، وبعضهم يقول: إن في الصاد والسين تفشياً _ أيضاً _ وكل ذلك غير مجمع عليه.

13_ التكرير: وهو ارتعاد رأس اللسان عند النطق بالحرف؛ وحرفه الراء فقط، وأكثر ما يظهر تكريره إذا كان مشدداً نحو مرَّة، وكرَّة.

14_ الاستطالة: وهي امتداد الصوت من أول حافة اللسان إلى آخرها وهي جنب اللسان لا طَرَفه، وحرفها الضاد فقط، وبعضهم يقول إن الشين مستطيلة؛ لأنها تفشت، واستطالت حتى خالطت أعلى الثنتين.

15_ الغنَّة: وهي صوت يخرج من الخيشوم _ أقصى الأنف _ ولذلك لو أمسك المتكلم بأنفه لم يمكن خروجها، وحرفاها النون (ولو تنويناً) والميم إذا سُكنتا، ولم تظهرا.

16_ الذلاقة: وسميت بذلك لخروج بعضها من ذَلق اللسان، وبعضها من ذلق الشفة، أي طرفها، وهي: (ف ر م ن ل ب) مجموعة في قولك: =مر بنفل+ وضدها حروف الإصمات، وهي ما عدا هذه الستة.

17_ المدُّ: وهو إطالة الصوت بحرف من حروف المد واللين زيادة على المد الطبيعي، وحروفه: (ا و ي) لأن مخرجها متسع لانتهائها إلى هواء الفم، ومخرج الحرف إذا اتسع انتشر فيه الصوت وامتد ولان، وإذا ضاق انضغط فيه الصوت وصلب، وكل حرف تجده مساوياً لمخرجه إلا هذه الثلاثة.

وللمد في علم التجويد ألقاب عشرة ليس هذا موضعها.

18_ الصفير: وهو صوت يخرج مع الحرف يشبه صفير الطائر، وحروفه ثلاثة: (س ص ز).

19_ القلقة: وهي صوت زائد يحدث بفتح مخرج الحرف بتصويت، ويشترط عندهم في إطلاق اسم القلقة على ذلك الصوت أن يكون شديداً جهرياً.

وحروفها خمسة: (ق ط ب ج د) والمبرد يعد الكاف من حروف القلقة، كأنه لم يشترط قوة الصوت الزائدة، وعلى ذلك تكون التاء منها أيضاً، وهو ما يفهم من كلام سيبويه؛ لأنها كالكاف، والصوت فيهما يلابس جري النفس، وهو صوت همس ضعيف؛ ولذلك عُدَّا شديدين مهموسين.

ثانياً: مخارج الحروف:

تلك صفات الحروف المجمع عليها، أما مخارجها الطبيعية فهي خمسة عشر على ترتيب ذهابها مع الصوت من ابتداء الصدر إلى الشفتين كما ترى:

1_ حروف المد (ا، و، ي): تخرج من جوف الصدر وتنتهي إلى هواء الفم.

2_ (ء، هـ): مخرجهما من أقصى الحلق، غير أن الهمزة أدخل فيه.

3_ (ع، ح): من وسط الحلق، والعينُ أدخل من أختها.

4_ (غ، خ): من أدنى الحلق إلى الفم: والغينُ أدخل.

5_ (ق): من بين أقصى اللسان وما فوقه من الحنك.

6_ (ك): مما يلي مخرج القاف من اللسان والحنك.

7_ (ج، ش، ي): من بين وسط اللسان وما فوقه من الحنك، غير أن الجيم أدخل، والياء أخرج.

8_ (ض): من بين جانب اللسان من أقصاه إلى قرب رأسه وبين ما يقابل ذلك من الأضراس العليا، فتستغرق أكثر حافة اللسان.

9_ (ل): من بين جانب اللسان حيث ينتهي مخرج الضاد إلى منتهى طرفه وبين ما يقابل ذلك من الحنك الأعلى فوق الأسنان، فالضاد واللام يتوزعان حافة اللسان.

10_ (ر، ن): من بين طرف اللسان إلى رأسه وبين لثة الثنيتين العلويتين، غير أن الراء أَدْخَلُ في ظهر اللسان قليلاً.

11_ (ط، د، ت): من بين طرف اللسان وبين أصول الثنايا العليا مصعداً إلى الحنك، غير أن الطاء أدخل والتاء أَخْرَج.

12_ (ص، س، ز): من بين رأس اللسان والثنايا من غير أن يتصل بها الحرف، وإنما يحاذيها ويسامِتُها، غير أن الصاد أدخل، والزاي أخرج.

13_ (ظ، ذ، ث): من بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا، غير أن الظاء أدخل والثاء أخرج.

14_ (ف): من بين الشفة السفلى، وأطراف الثنايا العليا.

15_ (ب، م، و): من بين الشفتين منطبقتين للباء والميم، ومنفتحتين للواو، غير أن الباء أدخل والواو أخرج.

 المبحث الرابع: عيوب المنطق العربي( )

هذا ذكر لبعض عيوب المنطق بأسمائها وهي:

 1_ التمتمة: ويقال لصاحبها: التمتام، وذلك إذا تعتع في التاء، فإذا تردد في الفاء فتلك:

 2_ الفأفأة: وصاحبها فأفاء.

 3_ والعقلة: وهي التواء اللسان عند الكلام.

 4_ والحبسة: تعذر النطق ولم يبلغ المتكلم حد الفأفاء ولا التمتام، ويقال: إنها تعرض في أول الكلام فإذا مر فيه انقطعت.

 5_ واللفف: إدخال بعض الكلام في بعض.

 6_ والرتة: إيصال بعض الكلام ببعض دون إفادة.

 7_ والغمغمة: أن يسمع الصوت، ولا يبين لك تقطيع الحروف، ولا تفهم معناه.

 8_ والطمطمة: أن يكون الكلام شبيهاً بكلام العجم؛ وقيل هي إبدال الطاء تاءً؛ لأنهما من مخرج واحد، نحو: السُّلتْان في (السلطان).

 9_ واللكنة: وهي إدخال بعض حروف العجم في بعض حروف العرب، ومنها قولهم: فلان يرتضخ لكنة فارسية.

وعدوا منها إبدال الهاء حاء، والعين همزة.

 10_ والغنة: وهي أن يشرب الصوت الخيشوم، ثم هي عيبٌ إذا جاءت في غير حروفها.

 11_ والخنة: ضرب منها.

 12_ والترخيم: حذف بعض الكلمة لتعذر النطق به.

 13_ اللثغة: قال بعضهم: (وتكون في أربعة حروف (ق، س، ر، ل) فالتي تعرض للقاف يجعلها طاءً، فيقول: طلت في (قلت) ومنهم من يبدلها كافاً.

وأما السين فتبدل ثاءً.

والتي تعرض في الراء أربعة أحرف: منهم من جعلها غيناً، ومنهم عيناً، ومنهم ياء، ومنهم زاياً؛ فينطقون لفظ (عمرو) على أنواع اللثغة هكذا: (عمغ، وعمع، وعمي، وعمز).

وأما التي تعرض في اللام فإن من أهلها من يبدلها ياء، ومنهم من يجعلها كافاً وهي لغة قبيحة.

ولا حاجة لإيراد الأمثلة من ذلك جميعه؛ لأن المراد بيان نوع من أنواع الاختلاف الطبيعي في لهجاتهم، وذكر هذه الحروف التي تغير شيئاً من هيئة المنطق؛ حتى يكون ذلك تمام الفائدة لما مضى.

الفصل الرابع: اللغة العربية: فضلها، أثر الإسلام فيها، عوامل سيادتها

وتحته أربعة مباحث:

المبحث الأول: لهجة قريش وعوامل سيادتها.

المبحث الثاني: نهوض الإسلام بالعربية.

المبحث الثالث: فضل اللغة العربية.

المبحث الرابع: أسرار النظام اللغوي.

 الفصل الرابع: اللغة العربية: فضلها، أثر الإسلام فيها، عوامل سيادتها

 المبحث الأول: لهجة قريش، وعوامل سيادتها

أولاً: سيادة لهجة قريش:

مر بنا عند الحديث عن اللهجات أن هناك لغة مشتركة كان العرب ينظمون بها شعرهم وخطابهم، وأنهم اصطلحوا على هذه اللهجة الفصحى.

وهذه اللهجة أو اللغة المشتركة يطلق عليها أحياناً لغة قريش التي نزل بها القرآن الكريم، ووصلنا بها الشعر الجاهلي.

ولقد كان لقريش الحظ الأوفر من هذه اللغة، مما حدا ببعض الباحثين إلى تسميتها بالقرشية.

بل لقد استقر في نفوس الأسلاف أن هذه اللهجة الفصحى إنما هي لهجة قريش، وأن قريشاً كانوا أفصح العرب، وأنهم مع ذلك كانوا يتخيرون من كلام الناس أحسنه وأصفاه.

قال أبو نصر الفارابي: =كانت قريش أجود العرب انتقاءاً للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعاً، وأبينها إبانة عند النطق+( ).

وقال أحمد بن فارس ×: =أخبرني أبو الحسين أحمد بن محمد مولى بني هاشم بقزوين، قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن عباس الخُشكي قال: حدثنا إسماعيل بن أبي عبدالله قال: أجمع علماؤنا بكلام العرب، والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالِّهم أن قريشاً أفصح العرب ألسنةً، وأصفاهم لغةً.

وذلك أن الله _ جل ثناؤه _ اختارهم من جميع العرب، واصطفاهم، واختار منهم نبيَّ الرحمة محمداً " فجعل قريشاً قُطَّان( )حرمه، وجيران بيته الحرام، وولاته؛ فكانت وفود العرب من فجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم، وكانت قريش تعلمهم مناسكهم، وتحكم بينهم.

ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم، وتسميهم (أهل الله) لأنهم الصريح من إسماعيل _ عليه السلام _ لم تَشُبْهُم شائبة، ولم تنقلهم عن مناسبهم ناقلة، فضيلةً من الله _ جل ثناؤه _ لهم، وتشريفاً؛ إذ جعلهم رهط نبيه الأولين، وعترته الصالحين.

وكانت قريش _ مع فصاحتها، وحسن لغاتها، ورقة ألسنتها _ إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم؛ فاجتمع ما تخير من تلك اللغات إلى نحائزهم( )، وسلائقهم التي طبعوا عليها؛ فصاروا بذلك أفصح العرب.

ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفيَّة قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا الكسر الذي تسمعه من أسد، وقيس مثل: تِعلمون، ونِعلم، ومثل: شِعير، وبِعير+ ( ).

ثانياً: عوامل سيادة لهجة قريش

لقد تضافرت عوامل عديدة جعلت قريشاً تسود العرب زعامة، ومدنية، ولغة قبل الإسلام.

ولقد مر شيء من ذلك فيما سبق، وفيما يلي إجمال لتلك العوامل:

1_ المكانة الدينية لموقع قريش: فقريش تقطن مكة، والعرب يحجون البيت الحرام، ويعترفون لقريش بالنفوذ الديني.

2_ العامل الاقتصادي: فأسواق مكة، وشهرتها الاقتصادية، وقيامها بين الشام واليمن جعل لقريش مكانة عظيمة بين القبائل.

3_ العامل الثقافي: حيث كان التجار والشعراء والخطباء يرتادون أسواق مكة، ومنتدياتهم الثقافية والأدبية.

ومما يدعم هذا العامل ما ذكره الرواة من أن العرب تعرض أشعارها على قريش؛ فما قبلوه كان مقبولاً، وما ردوه كان مردوداً، فقدم عليهم علقمة بن عَبَدَة التميمي فأنشدهم قصيدته:

هل ما علمت وما استودعت مكتوم

                   أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم

فقالوا: هذه سمط الدهر أي: قلادته.

ثم عاد من العام المقبل، فأنشدهم قصيدته:

طحابك قلبٌ في الحسان طروب

                   بُعيد الشبابِ عصر حان مشيب

فقالوا: هاتان سمطا الدهر.

ويدلك على عنايتهم بأمر الفصاحة ما وصل إلينا من نتائج أفكارهم، وبدائع خطبهم وقصائدهم في سوق عكاظ، وسوق مجنة؛ إذ يفدون عليهما في موسم الحج، ويقيمون في سوق عكاظ ثلاثين يوماً، وفي مجنة سبعة أيام يتناشدون ما وضعوه من الشعر، ويتفاخرون بجودة صنعة الكلام.

وعند احتفالهم يضربون قبة للشاعر العظيم في وقته (النابغة الذبياني) ويعرضون عليه منتخبات أشعارهم( ).

4-العامل السياسي والجغرافي: حيث كانت مكة أبعد المناطق عن صراع الفرس والروم والأحباش؛ فعلى حين تَعَرُّضِ عرب الشام، والعراق واليمن وأطراف الجزيرة إلى الخطر دائماً من عدوهم، وأنهم قد اختلطوا بالأعاجم مما أدخل في لغتهم الكثير _ نجد أن أهل مكة يعيشون في استقلال، وحرية، وبعد عن الأخطار مما جعل العرب ينظرون إلى مكة وأهلها نظرة تقدير وإجلال.

5_ أيام العرب: وهي الحروب التي كانت تشنها قبائل العرب بعضها على بعض، أو تشنها على الأجانب لأي سبب من الأسباب.

وكان دعامتهم في هذه الحروب الكلام البليغ الذي يلجأ إليه قوادهم، ورؤساؤهم، وساداتهم، وجنودهم؛ للتفاخر، وتعداد المآثر، واستفزاز الهمم، والحث على الشجاعة.

وكان جميع ما يقال في هذه الحروب مؤلفاً بلغة قريش، وغنيٌّ عن البيان ما كان لذلك من أثر في نهضة هذه اللغة، وتجويدها، واتساع نطاقها.

6_ سعة لغة قريش وغزارتها: فلغة قريش كانت أوسع اللغات ثروة، وأغزرها مادة، وأبعدها عن اللهجات المعيبة _ كما مر _.

7_ نزول القرآن بها: فالقرآن الكريم نزل بلغة عربية أكثرها لقريش، ولكنها معروفة للعرب جميعاً.

فهذه العوامل مكَّنت للغة قريش، وجعلت لها السيادة والريادة.

 المبحث الثاني: نهوض الإسلام بالعربية ( )

لقد نهض الإسلام بالعربية أيما نهوض، حيث ارتقت اللغة في صدر الإسلام إلى طورها الأعلى، ودخلت في دور يحق علينا أن نسميه عصر شبابها؛ فنمت عروقها، وأثمرت غصونها بألوان مختلفة الأساليب.

ويتضح ذلك من خلال الحديث عن تأثير الإسلام في اللغة، والأسباب التي ارتقت بها اللغة، ومظاهر ذلك النهوض.

أولاً: تأثير الإسلام في اللغة: طلع الإسلام على العرب، وفي هدايته من المعاني ما لم يكونوا يعلمون، بل في هدايته ما لم تف اللغة يومئذٍ بالدلالة عليه؛ فعبر عن هذه المعاني بألفاظ ازدادت بها اللغة نماءً.

ومن الجلي أن القرآن الكريم والحديث النبوي قد سلكا في البلاغة مذاهب ينقطع دونها كل بليغ.

ثم إن فتح الممالك الكبيرة كبلاد فارس والروم زاد مجال اللغة بسطة؛ بما نقل إليها من المعاني العلمية أو المدنية؛ ففضل الإسلام على اللغة العربية يظهر في غزارة مادتها، وبراعة أساليبها، واتساع مذاهب بيانها، وكثرة الأغراض التي يتسابق إليه فرسان الخطابة والكتابة.

وسيتضح ذلك في الفقرة التالية:

ثانياً: الأسباب التي ارتقت بها اللغة في صدر الإسلام:

هناك أسباب ارتقت بها اللغة في صدر الإسلام حتى بلغت أشدها، وأخذت زخرفها، وتكاد ترجع إلى ثلاثة أمور _ كما يقوله العلامة الشيخ محمد الخضر حسين × ( ) وهي:

1_ ما جاء به القرآن الحكيم من صور النظم البديع، والتصرف في لسان العرب على وجه يملك العقول؛ فإنه جرى في أسلوبه على منهاج يخالف الأساليب المعتادة للفصحاء قاطبة، وإن لم يخرج عما تقتضيه قوانين اللغة.

ولقد اتفق كبراؤهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه اللائق به، وإن تفاضل الناس في الإحساس بلطف بيانه تفاضلهم بسلامة الذوق، وجودة القريحة.

2_ ما تفجر في أقوال النبي " من ينابيع الفصاحة، وما جاء في حديثه من الرقة والمتانة والإبانة عن الغرض بدون تكلف.

3_ ما أفاضه الإسلام على عقولهم بواسطة القرآن والحديث من العلوم السامية، وبما نتج من تعارف الشعوب والقبائل، والتآم بعضها ببعض _ من الأفكار، ومطارحة الآراء.

ومعلوم أن اتساع العقول، وامتلاءها بالمعارف مما يرقي مداركها، ويزيد في تهذيب ألمعيَّتها؛ فتقذف بالمعاني المبتكرة، وتبرزها في أساليب مستحدثة؛ فإن كثرة المعاني ودقتها تبعث على التفنن في العبارة، والتأنق في سياقها.

وهذا ما سيتضح في الفقرة التالية.

ثالثاً: مظاهر نهوض الإسلام بالعربية:

لقد كان لنزول القرآن الكريم بالعربية تأثير كبير في نهضة هذه اللغة، وقد مر إشارة إلى هذا، ومن مظاهر ذلك زيادة على ما مضى:

1_ سمو الأغراض، وتهذب الألفاظ: فبعد أن كان أهلها قانعين بتصوير حياتهم الساذجة، ووصف ما يدور حولهم من حروب، وصحارى، ووحوش، وما يدور في رحلة الصيد، وما يكون من التشبب أو المديح أو الهجاء _ نجد أن العربية قد اختلف حالها بعد الإسلام، كما اختلف أصحابها؛ حيث تحددت أهدافهم، وسمت ألفاظهم؛ فكان من أول آثار الإسلام أن انصرف الشعراء وغيرهم عن المعاني الجاهلية، وأغراض الشعر المستهجنة كالغزل، والهجاء، وتركوا الألفاظ البذيئة والتعبيرات التي تدل على الجاهلية وحياتها؛ فانصرفوا يعبرون عن الدين الجديد، والحياة الجديدة.

2_ أن كثيراً من الألفاظ اكتسب دلالة خاصة: فبعد الإسلام أصبح لكثير من الألفاظ معانٍ شرعيةٌ خاصة، كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، وكألفاظ المؤمن، والمسلم، والكافر، والفاسق، والمنافق.

3_ ظهور كثير من الألفاظ الإدارية والسياسية: فمع استقرار المسلمين، ومعرفة الحياة المنظمة عرفوا ألفاظاً تدل على الحياة الإدارية والسياسية كالخلافة، والولاية، والوزارة، والحجابة، والقضاء، والحسبة، ونحوها.

4_ أن اللغة العربية تهيأت لاستيعاب كافة العلوم: حتى وصلت العلوم إلى درجة عالية من حيث الكمية والمحتوى.

يقول العلامة الشيخ محمد بن الطاهر عاشور ×: =ومما تقدم إلى هنا: تعلم أن العلوم التي كانت تدرس وتدون يومئذٍ تنتهي إلى اثنين وثلاثين علماً هي: التفسير، الحديث، السيرة، اللغة، النحو، الصرف، التصوف، العروض، الفقه، أصوله، التاريخ، الطب، آداب العرب، البلاغة، الفلك، المنطق، الفلسفة، الهندسة، الحساب، الهيئة، الجغرافيا، الموسيقى، علم الحيوان، الطبيعة، الرواية والقصص، الكلام، الصيدلة، الكيمياء، الفلاحة، المساحة، الجبر، جر الأثقال والتحرك، وتتبعها علوم تتفرع عن بعضها مثل مصطلح الحديث، والجدل، وآداب البحث، ونقد الشعر+( ).

5_ دخول كثير من المصطلحات العلمية: التي منها ما هو عربي في الأصل ولكنه استخدم في دلالات واصطلاحات علمية، بل إن اللفظ الواحد قد يكون له أكثر من اصطلاح، والمعنى الواحد قد يكون له أكثر من لفظ يصطلح عليه.

ففي النحو _ على سبيل المثال _: الفاعل، والمفعول، والعامل، والإلغاء، والتعليق، والمضاف، والمضاف إليه، والمرفوع، والمنصوب، والمجرور.

وفي الحديث الشريف: السند، والمتن، والعلة، والمرفوع، والمرسل، والمنقطع، والمأثور، والمتواتر، وغيرها من المصطلحات الكثيرة.

وفي الفقه وأصوله: الواجب، والمستحب، والمحرم، والمكروه، والمباح.

وفي البلاغة: البديع، والبيان، والمعاني، والطباق والجناس، والتشبيه، والمجاز، والمسند والمسند إليه.

6_ كما دخلت كثير من المصطلحات الوافدة في الطب، والفلك، والفلسفة _كما مر _ .

وهكذ خطا الإسلام بالعربية خطوات كبيرة، خصوصاً في أيام عز الإسلام الأولى، التي كان الناس فيها يتمرؤون بالعربية _ أي يطلبون المروءة بتعلمها _ .

وبعد أن كانت لغة محصورة في مكان محدد عمت الرقعة الإسلامية كلها، وأثبتت _ باستيعابها لكتاب الله أولاً، ثم بتقبلها لكل العلوم العربية وغير العربية ثانياً _ أنها لغة حية، قادرة على مسايرة الحياة، وليست لغة عقيمة جافة كما يدعي من يجهل العربية، ولم يعرف تاريخها.

 كلام جميل لابن فارس في نهوض الإسلام بالعربية:

أورد ابن فارس في كتابه الصاحبي( ) باباً سماه (باب الأسباب الإسلامية) ومما قال فيه: =كانت العربية في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم.

فلما جاء الله _ جل ثناؤه _ بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات، وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت.

فعفَّى الآخرُ الأولَ، وشُغل القوم _ بعد المغاورات والتجارات، وتطلَّب الأرباح والكدح للمعاش، في حالة الشتاء والصيف، وبعد الإغرام بالصيد والمعاقرة والمياسرة _ بتلاوة الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حكميد، وبالتفقه في دين الله _ عز وجل _ وحفظ سنن رسول الله " مع اجتهادهم في مجاهدة أعداء الإسلام.

فصار الذي نشأ عليه آباؤهم ونشأوا عليه كأن لم يكن، وحتى تكلموا في دقائق الفقه وغوامض أبواب المواريث وغيرها من علم الشريعة، وتأويل الوحي بما دوُّن وحفظ حتى الآن.

فصاروا _ بعد ما ذكرناه _ إلى أن يُسأل إمام من الأئمة وهو يخطب على منبره عن فريضة فيفتي ويحسُبُ بثلاث كلمات+.

ثم أورد قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب _ رضي الله عنه _ حين سئل عن ابنتين وأبوين وامرأة: =صار ثمنها تسعاً+ فسميت (المنبرية).

إلى أن قال ابن فارس: =وإلى أن يتكلم هو _ يعني علي بن أبي طالب _ وغيره في دقائق العلوم بالمشهور من مسائلهم في الفرض وحده، كالمشتركة، ومسألة المبالهة والغَرَّاء، وأم الفَرُّوخ، وأم الأرامل، ومسألة الامتحان، ومسألة ابن مسعود، والأكدريّة، ومختصرة زيد، والخرقاء، وغيرهما مما هو أغْمَضُ وأدقُّ.

فسبحان من نقل أولئك في الزمن القريب بتوفيقه عما ألفوه، ونشأوا عليه، وغذوا به _ إلى مثل هذا الذي ذكرناه.

وكل ذلك دليل على حق الإيمان، وصحة نبوة نبينا محمد ".

فكان مما جاء في الإسلام ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق، وأن العرب إنما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق.

ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافاً بها سمي المؤمن بالإطلاق مؤمناً.

وكذلك الإسلام والمسلم إنما عرفت منه إسلام الشيء، ثم جاء في الشرع من أوصافه ما جاء.

وكذلك كانت لا تعرف من الكفر إلا الغِطاء والسَّتْر، فأما المنافق فاسم جاء به الإسلام لقوم أبطنوا غير ما أظهروه، وكان الأصل من نافقاء اليربوع.

ولم يعرفوا في الفسق إلا قولهم: (فَسَقَتِ الرُّطبة) إذا خرجت من قشرها، وجاء الشرع بأن الفسق الإفحاش في الخروج عن طاعة الله _ جل ثناؤه _ .

ومما جاء في الشرع الصلاة وأصله في لغتهم الدعاء.

وقد كانوا عرفوا الركوع والسجود، وإن لم يكن على هذه الهيئة، فقالوا:

أَوْ دُرةٍ صَدَفيةٍ غَوَّاصُها

                   بَهِج متى يرها يُهِلَّ ويَسْجُدِ

وقال الأعشى:

يُراوحُ من صلوات المليك

                   طوراً سجوداً وطوراً جُؤارا

والذي عرفوه منه _ أيضاً _ ما أخبرنا به علي عن علي بن عبدالعزيز عن أبي عبيد قال: قال أبو عمرو: أسْجدَ الرجلُ: طأطأ وانحنى، قال حميد بن ثور:

فضول أَزمَّتِها أسْجَدَت

                   سجودَ النصارى لأربابها

وأنشد:

فقلن له: أسْجِدْ لِلَيْلى فأسجَدا

يعني البعير إذا طأطأ رأسه؛ لِتركبه.

وهذا وإن كان كذا فإن العرب لم تعرفه يمثل ما أتت به الشريعة من الأعداد، والمواقيت، والتحريم للصلاة، والتحليل منها.

وكذلك الصيام أصله عندهم الإمساك، ويقول شاعرهم:

خيلٌ صيام وأخرى غير صائمةٍ

                   تحت العَجاج وخيل تعلكُ اللُّجُما

ثم زادت الشريعة النية، وحظرت الأكل والمباشرة، وغير ذلك من شرائع الصوم.

وكذلك الحج لم يكن عندهم فيه غير القصد، وسَبْر الجراح، من ذلك قولهم:

وأشهَدُ من عوفٍ حلُولاً كثيرة

                   يَحجُّون سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرا

ثم زادت الشريعة ما زادته من شرائط الحج وشعائره.

وكذلك الزكاة لم تكن العرب تعرفها إلا من ناحية النماء، وزاد الشرع ما زاده فيها مما لا وجه لإطالة الباب بذكره.

وعلى هذا سائر ما تركنا ذكره من العمرة، والجهاد، وسائر أبواب الفقه.

فالوجه في هذا إذا سئل الإنسان عنه أن يقول: في الصلاة اسمان لغوي وشرعي، ويذكر ما كانت العرب تعرفه، ثم ما جاء الإسلام به.

وهو قياس ما تركنا ذكره من سائر العلوم كالنحو، والصرف، والشعر، كل ذلك له اسمان لغوي، وصناعي+.

 المبحث الثالث: فضل اللغة العربية( )

للغة العربية فضلٌ وامتياز عن غيرها من اللغات، وذلك من جهات عديدة وقد مر شيء من ذلك، وسيأتي _ أيضاً _ في فقرات أخرى من هذا الكتاب.

وفيما يلي ذكر لبعض فضلها على سبيل الإيجاز:

1_ للغة العربية فضل من جهة اعتدال كلماتها: فإنا نجد أن أكثر ألفاظها قد وضع على ثلاثة أحرف، وأقل من الثلاثي ما وضع على أربعة أحرف، وأقل من الرباعي ما وضع على خمسة أحرف.

وليس في اللغة كلمة ذات ستة أحرف أصلية، وقد جاءت ألفاظ قليلة على حرف واحد أو حرفين.

2_ لها فضل من جهة فصاحة مفرداتها: فليس في كلماتها الجارية في الاستعمال ما يثقل على اللسان، أو ينبو عنه السمع.

وللعارف بحسن صياغة الكلام أن يصنع من مفرداتها المأنوسة الوضاءة قِطعاً، أو خطباً تسترق الأسماع، وتسحر الألباب.

3_ أنها أقرب سائر لغات الدنيا إلى قواعد المنطق: حيث إن عباراتها سلسلة طبيعية، يهون على الناطق صافي الفكر أن يعبر فيها عما يريده دون تصنع أو تكلف.

4_ تعدد أساليبها: فهذا مما يشهد بارتقاء اللغة، وسعة غايتها في البيان؛ فإن العبارات إذا اختلفت أساليبها تغاير ما تصوِّره في نفوس المخاطبين من المعاني، وإن كان الغرض واحداً؛ فصورة المعنى الذي يستفاد بطريق المجاز أو الكناية يغاير الصورة التي تؤدى بلفظ الحقيقة أو القول الصريح.

بل الصورة التي يرسمها قولك: (زيد كريم الطبع) غير الصورة التي ينقشها قولك: (زيد ذو طبع كريم) وإن اتحد أصل المراد من المثالين وهو إثبات الكرم لطبع زيد.

ولولا أن العبارات الواردة على غرض واحد مختلفة في صور معانيها لم يظهر التفاوت والتسابق بينها في حلبة البيان.

وإذا قويت عارضة المتكلم في العربية أمكنه أن يتصرف في الغرض الواحد، ويُفْرِغُه في أساليب مختلفة.

5_ طرق اختصارها: فتجد أن في كثير من ألفاظها القصيرة غنى وكفاية في الدلالة على المراد.

6_ ارتقاؤها مع المدنية: وقد مر شيء من ذلك عند الحديث عن نهوض الإسلام بالعربية، وسيأتي مزيد بيان لذلك.

قصيدتان في فضل العربية:

هاتان قصيدتان رائعتان في فضل العربية جادت بهما قريحة العلامة الأديب اللغوي الشيخ محمد الخضر حسين ×.

وهما يعبران عن كثير مما نحن بصدده، ويغنيان عن كثير من الكلام في هذا الباب، وهما موجودتان في ديوان الشيخ (خواطر الحياة).

القصيدة الأولى: فضل اللغة العربية: وقد ألقيت في حفلة افتتاح الدورة السادسة لمجمع اللغة العربية بالقاهرة( ).

شبيهانِ: الهلالُ إذا تهادى( )

                   وفِكرٌ باتَ يرتادُ السَّداد( )

بناتُ الفِكر آبدةٌ( ) ولولا

                   عِنانُ القول لم تُسْلِسْ( ) قيادا

رَعى الله الأديبَ يرومُ معنى

                   فَيُسعِدُهُ البيانُ بما أرادا

أُبَجِّلُهُ ولو لم يأوِ ظلاً

                   بَنى العيشُ الأنيقُ به وشادا

فهاتِ السيفَ يخطُرُ في مَضاءٍ( )

                   وخَلِّ الغِمْدَ عندك والنِّجادا( )

ويَنزعُ بي إلى الآداب وجدٌ( )

                   إذا قلت اشْتَفى( ) بالوصل زادا

فأنسى مَعْبَداً( ) وعُرَيبَ( ) دهراً

                   ولا أنسى البديع( ) ولا العِمادا( )

وأسلو الرَّوضَ والورقاءُ تشدو

                   به والغيث حاك له بِجادا( )

ولا أَسْلو الطُّروسَ تدور فيها

                   رَحَى البحثِ ابتكاراً وانتقادا

ولم أَنضُ( ) القريحةَ في نسيبٍ

                   ولا عذلاً شكوتُ ولا بُعادا

فما أهوى سوى لغةٍ سقاها

                   قُريشٌ من بَراعَتِهِمْ شِهادا( )

أداروا مِنْ سَلاسَتِها رحيقاً

                   وهزوا مِنْ جَزالتِها صِعادا( )

وطَوَّقها كتاب الله مجداً

                   وزادَ سَناً بلاغتها اتِّقادا

تصيدُ بِسحر منطقها قلوباً

                   تُحاذِر كالجآذِرِ( ) أن تصادا

قَنَتْ( ) حكماً روائعَ لو أَعَارتْ

                   سَناها النارَ لم تلد الرَّمادا

سرت كالمزن يحيي كل أرض

                   ويُبهجها وِهاداً أو نِجادا( )

وما لِلَّهجة الفصحى فخارٌ

                   إذا لم تملأ الدنيا رَشادا

وراعَ حِلى الفصاحةِ غَيْرَ عُرْبٍ

                   فَحثُّوا مِنْ قرائحهم جِيادا( )

تخوضُ بيانها الفيَّاضَ( ) طَلْقاً

                   وكانت قبله تَردُ الثِّمادا( )

وكم ضاهى ابنُ فارس وهو يُوري

                   زنادَ الشعر وائلَ أو إيَادا

أتاها العلم يَرْسُفُ( ) في كَسادٍ

                   وخَطْبُ العلم أن يلقى كسادا

فألفى من معاجمها عُباباً( )

                   غَزيرَ النَّبع لا يخشى نَفادا

فأودعها نَفائِسَهُ وأضحى

                   شِعار العلمِ إعراباً وضادا( )

عَذيري مِنْ زمانٍ ظلَّ يجني

                   على الفصحى لِيُرْهِقَها فسادا

حَثا في روضها الزاهي قَتَاماً( )

                   وأنبت بين أزهرها قَتادا( )

ولولا أن هذا الذكرَ يُتلى

                   لردَّ بياضَ غُرتِّها سوادا

أجالتْ طَرْفَها في كل وادٍ

                   فلم ترَ في سوى مِصْرٍ مَرادا( )

فتلك معاهدُ العرفانِ تُدني

                   إليهم خيرَ ما يبغون زادا

وهذا مَجْمَعٌ يحمي تِلادا

                   ويبني طَارِفا يَحْكي التلادا( )

كأنَّ عكاظَ عاد بها اشتياقٌ

                   إلى الفصحى فكان لها مَعادا

جرى ماءُ الحياة بوجنتيها

                   فهنَّأْنا اليراعةَ والمِدادا

وقلنا للمنابر: ذكرينا

                   علياً حين يخطب أو زيادا( )

فيا لغة النبي سقاك عهدٌ

                   من الإصلاح يَنْتَظِمُ البلادا

فما مِنْ حاجةٍ للعلم إلا

                   يقيم لها بحكمته سِدادا

يصون هداية الله اعتزازاً

                   بها وأضاعها قومٌ عِنادا

تَراءى الزَّيْغُ ينفضُ مِذْرَوَيْهِ( )

                   ويمسح عن لواحِظِهِ رُقادا

ومَنْ يصنِ الهدى مُلئت يداه

                   نجاحاً كلما اسْتورى زِنادا

القصيدة الثانية: افتتاح مؤتمر المجمع اللغوي: وهي قصيدة ألقاها الشيخ×في افتتاح مؤتمر المجمع اللغوي بالقاهرة في 26 يناير كانون الثاني 1941م( ).

نَهضَ القطار فَأَوْمَأوا بسلامِ

                   وجرى بهم طَلَقاً بغير زِمامِ( )

بانوا فما بالي فقدتُ حُشاشتي( )

                   أَمْضَى بها في الركب فرطُ هُيامِ

عجباً لروحٍ فارقت جسدَ امرئٍ

                   يقظانَ لم يُرشقْ بسهم حِمامِ

طَوتِ النَّوى عهداً يطوفُ سُقاتهُ

                   بكؤوسِ أُنْسٍ لا كُؤوسِ مُدامِ

رُضْتُ( ) القريضَ لعلَّني أسلو به

                   ذِكراهُمُ وأغيبُ عَنْ آلامي

فصحوتُ من شَجَنٍ إلى شَغَفٍ بما( )

 بما                في نُطْقِ يَعْرُبَ مِنْ سنىً ووسامِ( )

هي لهجةٌ شبَّتْ بأرضِ بداوةٍ

                   فيحاءَ بين الأُسْد والآرامِ( )

لكنها وسعتْ علومَ أرِسْطَ( ) بل

                   وسعتْ حضارةَ فارسٍ والشامِ

اللفظُ أصفى مِنْ حَبابِ سُلافةٍ( )

                   قد لَثَّموا إبريقَها بفَدامِ( )

لو أن خَوْداً( ) تستعير الحليَ مِنْ

                   صَوْغِ ابنِ بُرْدٍ أو أبي تمَّامِ

أَسَرتَ أسوداً قد تَحاموا قبلها

                   أن يؤسروا بصَبَابةٍ وغَرامِ

ولَرُبَّ مُتَئِدٍ يُصاعِرُ خَدَّهُ

                   مُتَجَافياً عن مُطْرِبِ الأنغامِ

حَيَّتْهُ روضاتُ البيانِ بباقةٍ

                   مِعْطَارةٍ من زهرها البَسَّامِ

فصَبا إلى الآدابِ مَنْ لم يُصْبِهِ

                   تَلحينُ زِرْيابٍ( ) وسجعُ حَمامِ

أذكى خطيبُ الجيشِ فيه حَمَاسَةً

                   أهوتْ براحتِه إلى الصَّمْصَامِ

نطقَ الكتابُ بها فأفحمَ ألسناً

                   لم تُبْلَ قبلُ بوصْمَةِ الإفحامِ

وتألَّقتْ حكمُ النبيِّ كأنها

                   شهبُ السماء تشقُّ بحرَ ظلامِ

سادَ الهوى وسَمَا لِواءُ المُلْكِ ما

                   بين السيوفِ الغُرِّ والأقلامِ

الدينُ يعلو بانتضاءِ يرَاعَةٍ( )

                   والملكُ يعلو بامتشاقِ حُسامِ

بعداً ليومٍ نامَ فيه حُماتُها

                   ورَمَتْ صُروفٌ وجْهِهَا بِرَغامِ( )

مُنِيتْ بلْحنٍ واللسانُ مُلَحَّنٌ

                   ما لم تَرُضْهُ عُلومُها بلِجامِ

لو جَسَّ جَالِينوسُ( ) مَنْبضَ قلبها

                   ليُحِسَّ ما تشكو مِنَ الأسقامِ

ألفَى ذُبولَ الظامئاتِ وأحرفاً

                   كادَتْ تزيغُ بها إلى إعجامِ

مَنْ ذا يغارُ على بيانِ العُرْبِ مِنْ

                   أيْدٍ تُواري شَمْسَهُ بِقَتامِ( )

يا مجمعاً نِيْطَتْ به هممٌ تُبا

                   هي الزُّهْرَ في أفلاكِها وتُسامي

هذي شُعوبُ الشرق تنظر وهيَ في

                   أوطانها القُصْوى بِعَين حَذامِ( )

تَرْنُو إليك بمُقْلَةٍ نَقَّادةٍ

                   عَرَفَتْ وجوهَ النَّقْضِ والإبرامِ

فلنَقْضِ للفصحى لُبَانَةَ( ) دوحةٍ

                   قَذَفَ الهجيرُ غصونَها بضِرامِ

ولْنُسْقِ ظامِئها عصيرَ دِرايةٍ

                   إذْ كان لا يُسقَى عصيرَ غَمامِ

ما أشبهَ الآمالَ يومَ يخونُها

                   عزمٌ بأضغاثٍ مِنْ الأحلامِ

يحلو النضالُ ولا نضالَ ألذُّ مِنْ

                   تَنْقَادِ آراءٍ بغير خصامِ

هيَ كالسَّحائبِ هذهِ وَطْفاءُ( ) إنْ

                   سَنَحَتْ وتلكَ تمُرُّ مرَّ جَهامِ( )

والرأيُ يخلصُ بالنِّقاشِ الحرِّ مِنْ

                   صَدأِ الخُمولِ ولُبْسَةِ الإبهامِ

وجَآذِرُ الأفكار لا تَرِدُ الحِمى

                   ما لم تُسَسْ برَويَّةٍ ونظامِ

 المبحث الرابع: أسرار النظام اللغوي( )

لنظام العربية اللغوي أسرار لطيفة، بديعة، تشبه النظام النفيس من حيث تعلقه بالحكمة التي تضبط عواطف النفس وخطراتها _ كما يقول الرافعي×.

وليس المقصودُ من النظامِ في هذه الفقرةِ الأحكامَ الظاهرةَ كالإعراب، والتصريف، والقواعد اللسانية، وإنما هو أمر آخر سيتضح بعد قليل..

وقد رأى الرافعي أن ذلك النظام في اللغة على ثلاثة أضرب:

1_ نظام الألفاظ بالمعاني.

2_ نظام المعاني بالألفاظ.

3_ النظام المطلق، وهو نظام القرينة، أو الحس النفسي.

ويرى ×: =أن ابن جني أول من ناهض هذا البحث إتقاناً، وتخلى بأمره افتتاناً، وإنما كان العلماء قبله يستروحون إلى أشياء منه عند الضرورة، ويتعللون به؛ وأكثرهم لزوماً لذلك شيخه أبو علي الفارسي+ ( ).

وإليك شيئاً من الإيضاح من ذلك النظام البديع:

أولاً: نظام الألفاظ بالمعاني: والمراد به مقاربة الصيغ اللفظية للمعاني الموضوعة لها.

أو ما يسميه ابن جني (تصاقب( ) الألفاظ لتصاقب المعاني).

حيث أورد باباً في الخصائص تحت هذا المسمى، وقال تحته: =هذا غَوْرٌ من العربية لا ينتصف منه، ولا يكاد يحاط به، وأكثر كلام العرب عليه، وإن كان غُفلاً مسهواً عنه+ ( ).

كما أنه أورد أبواباً قريبة من هذا، وسيرد ذكر لبعضها.

ومما حاول إثباته في كتابه مما يتعلق بغرضنا ستة أمور:

1_ أن العرب كانت تقارب حروف الألفاظ حتى تقاربت معانيها:

 قال ابن جني: =ومن ذلك قول الله _تعالى_: [أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً].

أي: تزعجهم وتقلقهم؛ فهذا من معنى تهزهم هزاً، والهمزة أخت الهاء؛ فتقارَبَ اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة؛ لأنها أقوى من الهاء.

وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز؛ لأنك قد تهز ما لا بال له كالجذع وساق الشجرة ونحو ذلك.

ومنه العسف والأسف: والعين أخت الهمزة( )، كما أن الأسف يعسف النفس، وينال منها.

والهمزة أقوى من العين، كما أن أسف النفس أغلظ من التردد بالعسف؛ فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين+ ( ).

2_ أن هذه المقاربة بين الحروف تقع فيها المراعاة حتى في الحروف البعيدة التي لا تتشابه إلا بالتأويل: قال ابن جني ممثلاً لذلك: =ومثله تركيب (ع ل م) في العلامة والعلم.

وقالوا مع ذلك: بيضة عرماء، وقطيع أعرم إذا كان فيهما سواد وبياض، وإذا وقع ذلك بان أحد اللونيين من صاحبه؛ فكان كل واحد منهما علماً لصاحبه+ ( ).

3_ أن المقاربة قد تكون في الأصل الواحد بالحرفين: وقد مثل له ابن جني بقوله: =وقد تقع المضارعة في الأصل الواحد بالحرفين، نحو قولهم: السحيل، والصهيل. . .

وذاك من (س ح ل) وهذا من (ص هـ ل) والصاد أخت السين كما أن الهاء أخت الحاء.

ونحو منه قولهم: (سحل) في الصوت، و(زحر) والسين أخت الزاي كما أن اللام أخت الراء+ ( ).

4_ قد تكون المقاربة بالأصول الثلاثية في الفعل (الفاء والعين واللام):

 =فقالوا: عصر الشيء، وقالوا: أزَّله إذا حبسه، والعصر نوع من الحبس، وذاك من (ع ص ر) وهذا من (أ ز ل) والعين أخت الهمزة، والصاد أخت الزاي، والراء أخت اللام+ ( ).

ومعنى قوله أخت كذا وكذا: أي في المخارج فالصاد والزاي _ على سبيل المثال _ من أحرف الصفير، وهكذا...

5_ أن العرب يصورون اللفظ على هيئة المعنى: وهذا ما عبر عنه ابن جني في الخصائص في باب سماه: (باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني).

وقال تحته: =اعلم أن هذا موضع شريف لطيف، وقد نبه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعة بالقبول.

قال الخليل: كأنهم توهموا في صوت الجُنْدُب استطالة ومدّ فقالوا: صرَّ، وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً فقالوا: صرصر.

وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة، نحو: النَّقَزَان، والغليان، والغثيان؛ فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال.

ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء كثيرة على سَمْت ما حدَّاه، ومنهاج ما مثَّلاه( ).

وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضَّعفة تأتي للتكرير نحو الزعزعة، والقلقلة، والصلصلة، والقعقعة، والصعصعة، والجرجرة، والقرقرة.

ووجدت _ أيضاً _ (الفَعَلى) في المصادر والصفات إنما تأتي للسرعة، نحو: البَشَكى والجَمَزَى والوَلَقَى+ ( ).

6_ مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث: وهذا من نظام الألفاظ بالمعاني عند العرب، قال عنه ابن جني: =باب عظيم واسع، ونهج مُتلَئِبٌّ عند عارفيه مأموم.

وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المُعَبَّر عنها؛ فيعدلونها بها، ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدِّره، وأضعاف ما نستشعره.

ومن ذلك قولهم: خضم وقضم: فالخضم لأكل الرَّطْب كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب.

والقضم للصلب اليابس، نحو قَضَمَتِ الدابةُ شعيرها، ونحو ذلك.

وفي الخبر: =قد يدرك الخضْم بالقضم+.

أي: قد يدرك الرخاء بالشدة، واللين بالشظف.

وعليه قول أبي الدرداء: =يخضمون ونقضم، والموعد الله+.

فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس؛ حذو لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث.

ومن ذلك قولهم: النضح للماء ونحوه، والنضخ أقوى، قال الله_سبحانه_: [فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ].

فجعلوا الحاء؛ لرقَّتها للماء الضعيف، والخاء؛ لغلظها لما هو أقوى منه+( ).

ثانياً: نظام المعاني بالألفاظ:

قال الرافعي ×: عن هذا النظام: =والألفاظ في هذا النوع هي التي تسوس المعاني وتنزلها منازلها، وتضعها على أقدارها، لا من حيث إن اللفظ هو الذي يوجد المعنى، فذلك ظاهر الاستحالة، ولكن على أنه هو الذي يخصص المعنى إذا كان جنساً، وهو الذي يؤكد مبالغة في تلوين صورته النفسية حتى تنطق أجزاؤه، وحتى يقوم كل جزء منها في البيان اللغوي مقام الكل الذي هو مادة الشعور الطبيعي+( ).

وقال ×: =والعربية تعتبر أحكم اللغات نظاماً في أوضاع المعاني وسياستها بالألفاظ، وهي من هذا القبيل أعظمها ثروة، وأبلغها من حقيقة التمدن بحيث لا تدانيها في ذلك لغة أخرى كائنة ما كانت؛ فالعرب لم يَدَعوا معنى من المعاني الطبيعية التي تتعلق بالحياة الروحية أو البدنية مما تهيأ لهم إلا رتبوا أجزاءه، وآبانوا عن صفاته بألفاظ متباينة تعين تلك الأجزاء والصفات على مقاديرها؛ فأول معاني الحياة الروحية الحب، وهذه مراتبه عندهم: الهوى، ثم العلاقة، وهي الحب اللازم للقلب، ثم الكَلَف، وهو شدة الحب، ثم العشق وهو اسم لما فضل على المقدار الذي اسمه الحب، ثم الشعف، وهو إحراق الحب للقلب مع لذة يجدها، وكذلك اللوعة واللاعج؛ فإن تلك حرقة الهوى وهذا هو الهوى المحرق، ثم الشغف، وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب وهي جلدة دونه، ثم الجوى، وهو الهوى الباطن، ثم التيم، وهو أن يستعبده الحب، ثم التَّبْل، وهو أن يسقمه الهوى، ثم التدليه، وهو ذهاب العقل من الهوى، ثم الهيوم، وهو أن يذهب على وجهه لا يستقر؛ وذلك لغلبة الهوى عليه، ومنه رجل هائم.

وكذلك فعلوا في معاني السرور، والعداوة، والغضب، والحزن، والسرعة، وغيرها.

ومن معاني الحياة البدنية أصول المعاش الطبيعية التي هي قوام أمرهم: كاللبن، فإن له نحو سبعين اسماً باعتبار اختلاف أحواله، وقد ذكرها السيوطي في المزهر (الفصل 15_ النوع 29) وكذلك الخيل والإبل والشاء، ثم صفاتها، وتسمية أجزائها، ونحو ذلك مما نكتفي لشهرته بالإشارة إليه.

وعلى أكثر هذا النوع من نظام المعاني بالألفاظ بنى الثعالبي كتابه (فقه اللغة) وهو أشهر من أن ينبه عليه؛ ولذا أوجزنا في أمثلته اكتفاءً بالدلالة على مظنتها، والحقيقة تنهض بها الكلمة الواحدة+( ).

ثالثاً: نظام القرينة:

قال الرافعي عن هذا النظام: =وهو ما نسميه بالنظام البديع؛ لأنه في ظاهره نوع من الفوضى؛ وذلك أنهم يعتمدون في ضرب من كلامهم على اللمحة الدالة، والإشارة التي تقع موقع الوحي، وعلى أضعف أثر يشير إلى وجه الكلام ومذهبه، ويَهدي إلى طريق المعنى فيه، ثم يطلقون الكلام إطلاقاً غير مقيد بنظام، ولا متبع لطريق غيره من سائر الكلام؛ وذلك نظم ينفردون به، ولا تجد القليل منه في لغة غيرهم إلا حيث تصيب أدلة النبوغ في أشعر الشعر ومأثور المنثور.

وقد سماه علماؤنا (سُنَن العرب) وعقد الثعالبي على أمثلة منه القسم الثاني من كتابه (فقه اللغة) وسماه (سر العربية).

ونحن نرى أن هذا النوع لم يكن في اللغة إلا بعد أن انصرف العرب إلى صنعة الكلام، وهذبوا حواشيه، وبلغوا الغاية في تنميق الشعر وإجادته، وذلك قبل الإسلام بما لا يتجاوز مائة سنة على الأكثر؛ لأن التفنن في العبارات لا يأتي إلا من كمال صنعة الألفاظ، ولأن ما عرف للعرب من ذلك قليل في جنب ما أتى به القرآن الكريم، وهذا معنى من معاني إعجازه؛ إذ جعل من عبارته أزمة لعقولهم، فكان يلفتها فجأة عن المعنى الظاهر، ثم يبغتها بروح الكلام، فتكون لها بينهما هزةٌ من الطرب الذي ينشأ عن إدراك العقل لما ليس في مقدوره مع رغبته فيه+( ).

ومن الأمثلة مما ذكره العلماء من سنن العرب التي يتحقق فيها نظام القرينة ما يلي( ):

1_ مخالفة ظاهر اللفظ: كقولهم عند المدح: قاتله الله ما أشعره! فهم يقولون هذا ولا يريدون وقوعه، وكذلك قولهم: هَبِلته أمه، وثكلته، وهذا يكون عند التعجب من إصابة الرجل في رميه، أو في فعل يفعله.

2_ الحذف والاختصار، فيقولون: والله أفعل ذاك، ويريدون لا أفعل، فيحذفون حرف النفي.

3_ ذكر الواحد والمراد الجمع: كقوله _ تعالى _: [هَؤُلاءِ ضَيْفِي] وقوله: [فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي] والمراد الجماعة.

4_ ذكر الجمع الجمع والمراد واحد أو اثنان: كقوله: [إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ] وهو يريد واحداً، وقوله في خطاب موسى وأخيه: [ارْجِعْ إِلَيْهِمْ] والخطاب لاثنين، وقوله في خطاب زوجتي النبي ": [إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا] وهما قلبان.

5_ صفة الجمع بصفة الواحد: كقوله _ تعالى _: [وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ].

6_ صفة الواحد أو الاثنين بصفة الجمع: كقول العرب: ثوب أهدام، وجاء الشتاء وقميصي أخلاق.

7_ الالتفات المعروف في البديع: وهو أن تخاطب العرب الشاهد، ثم تحول الخطاب إلى الغائب، وتخاطب الغائب ثم تحوله إلى الشاهد، وأن تخاطب المخاطب ثم ترجع الخطاب إلى غيره، نحو قوله _تعالى_: [فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ] الخطاب الأول للنبي " وصحابته، والثاني للمشركين.

8_ الرجوع من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب بدون تغيير في المعنى: كقوله _ تعالى _: [حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ] أراد بكم، وقوله: [وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً] ومعناه: كان لهم.

وقد جاء ذلك في الشعر _ أيضاً _ كما في كتاب (الأضداد) لابن الأنباري _.

9_ أن يبتدئ بشيء ثم يخبر عن غيره: كقوله: [وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ] فَخَبَّر عن الأزواج بلفظ [يَتَرَبَّصْنَ] وترك [الَّذِينَ].

10_ نسبة الفعل إلى الاثنين وهو لأحدهما: كقوله: [مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ] إلى قوله: [يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ] وإنما يخرج من الملح لا العذب.

11_ نسبة الفعل إلى الجماعة وهو لأحدهم: كقوله: [وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا] والقاتل واحد.

12_ نسبة الفعل إلى أحد اثنين وهو لهما: كقوله: [وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ].

13_ أن تأمر الواحد بلفظ أمر الاثنين: كقول العرب: افْعَلا ذلك، ويكون المخاطب واحداً، وكان الفراء يرى في أصل ذلك أن الرفقة عند العرب أدنى ما تكون ثلاثة نفر، فيجري كلام الواحد على صاحبيه، ولذا كان شعراؤهم أكثر الناس قولاً: يا صاحبيّّ، ويا خليليَّ.

14_ أن تأتي بالفعل بلفظ الماضي وهو حاضر، أو بلفظ المستقبل وهو ماضٍ، كقوله _ تعالى _: [أَتَى أَمْرُ اللَّهِ] أي: يأتي [وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ] أي: ما تلتِ الشياطين.

15_ أن تأتي بالمفعول بلفظ الفاعل: نحو: سر كاتم، أي: مكتوم، وأمر عارف، أي: معروف، وبالفاعل على لفظ المفعول، كقولهم: بيع مغبون، ويكون المعنى غابناً.

16_ وصف الشيء بما يقع فيه: كقولهم: ليلهم نائم، إذا ناموا فيه، وليلهم ساهر، إذا سهروا.

17_ البسط، بالزيادة في حروف الاسم والفعل متى أمن اللبس بقرينة تقتضي ذلك: كإقامة وزن الشعر، وتسوية قوافيه، وعلى هذا قول بعضهم في صفة الظلماء:

وليلة خامدة خموداً

                   طخياء تخشى الجدي والفرقودا

فجعل الفرقد كما ترى، ثم قال فيها: لو أن عمراً هم أن يرقودا.

يريد يرقد.

18_ القبض محاذاة لذلك البسط، وهو النقصان من عدد الحروف: كقولهم: لاه ابن عمك، أي: لله، ودرس المنا، أي: المنازل، ومنه الشاهد النحوي:

درس المنا بمتالع فأبان

                   فتقادمت فالحبس فالسوبان

19_ الإضمار للأسماء والأفعال والحروف: كقولهم: ألا يا اسلمي، أي: يا هذه، وقولهم: أثعلباً وتفرّ؟ أي: أترى ثعلباً وتفر؟ .

والأمثلة على ذلك كثيرة جداً.

الباب الثاني:

دراسة عامة لبعض موضوعات فقه اللغة

وتحته ستة فصول:

الفصل الأول: المُعَرَّب.

الفصل الثاني: المشترك، والمتضاد، والمترادف.

الفصل الثالث: الاشتقاق، والقياس.

الفصل الرابع: الإبدال، والقلب المكاني.

الفصل الخامس: المشجر، والإتباع، والنحت.

الفصل السادس: المجاز.

 الباب الثاني دراسة عامة لبعض موضوعات فقه اللغة.

 الفصل الأول: المُــعَــرَّب

أحد الموضوعات التي تبحث في فقه اللغة وغيرها من العلوم، والكلام عليه سيكون في المسائل التالية:

أولاً: تعريفه:

أ _ المعرب لغة: اسم مفعول من الفعل عَرَّب، يعرِّب، والمصدر تعريباً.

والمُعَرَّب: هو الذي جُعِل عربياً.

ب _ المعرب في الاصطلاح: عرفه السيوطي × بقوله: =هو ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعانٍ في غير لغتها+.( )

وقال الجوهري × في الصحاح: =تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوه به العرب على منهاجها+( ).

ثانياً: أسماؤه: يُعرف بعدة أسماء تدل عليه، منها:

1-المُعَرَّب        2-التعريب       3-الدخيل        4_ المولَّد

يقول د. علي عبدالوحد وافي في معرض حديث له عن الدخيل في اللغة العربية: =الدخيل الأجنبي، المعرب، والمولد:

يراد بالدخيل الأجنبي ما دخل العربية من مفردات أجنبية سواء في ذلك ما استعمله العرب الفصحاء في جاهليتهم وإسلامهم، وما استعمله من جاء بعدهم من المولدين.

وقد اصطلح المحدثون من الباحثين على أن العرب الفصحاء هم عرب البدو من جزيرة العرب إلى أواسط القرن الرابع الهجري، وعرب الأمصار إلى نهاية القرن الثاني الهجري _ ويسمون هذه العصور بعصور الاحتجاج...

وأن المولدين هم من عدا هؤلاء ولو كانوا من أصول عربية.

ويطلق على القسم الأول من الدخيل الأجنبي وهو ما استعمله فصحاء العرب اسم (المعرب) وعلى القسم الثاني منه وهو ما استعمله المولدون من ألفاظ أعجمية لم يعربْها( ) فصحاء العرب اسم (الأعجمي المولد)+( ).

ثالثاً: الخلاف في المعرب( ): اختلف العلماء في وقوع المعرب في القرآن، على ثلاثة أقوال:

القول الأول: قول القائلين بالمنع:

وهذا قول الإمام الشافعي، وأبي عبيدة، وابن فارس وغيرهم _ رحمهم الله _ وقد استدلوا على المنع بقوله _ تعالى _: [قُرْآناً عَرَبِيّاً] وقوله: [وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ].

 =وقد شدد الشافعي × النكير على القائل بذلك+( ).

وقال أبو عبيدة ×: =إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين؛ فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول+( ).

وقال ابن فارس × معلقاً على قول أبي عبيدة: =فإن قال قائل فما تأويل قول أبي عبيدة فقد أعظم وأكبر؟ .

قيل له: تأويله أنه أتى بأمر عظيم وكبير؛ وذلك أن القرآن لو كان فيه من غير لغة العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله؛ لأنه أتى بلغات لا يعرفونها، وفي ذلك ما فيه+( ).

وقال آخرون: =كل هذه الألفاظ عربية صرفة، ولكن لغة العرب متسعة جداً، ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الجلة، وقد خفي على ابن عباس معنى (فاطر) و(فاتح)+( ).

القول الثاني: قول القائلين بوقوعه: وقد استدلوا على ذلك _ كما قال أبو عبيد القاسم بن سلام _ بما =روي عن ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وعكرمة، وعطاء وغيرهم من أهل العلم أنهم قالوا في أحرف كثيرة: إنها بلغات العجم، ومنها قولهم: طه، واليم، والطور، والربانيون فيقال: إنها بالسريانية.

والصراط، والقسطاس، والفردوس يقال: إنها بالرومية.

ومشكاة، وكِفْلَينِ يقال: إنها بالحبشية.

وهيت لك إنها بالحورانية؛ فهذا قول أهل العلم من الفقهاء+( ).

وأجاب المجيزون لوقوع المُعَرَّب عن قوله _ تعالى _: [قُرْآناً عَرَبِيّاً] بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربياً، وأن القصيدة بالفارسية لا تخرج عنها بلفظة عربية تكون فيها.

وأجابوا عن قوله _ تعالى _: [أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ] بأن المعنى من السياق =أكلام أعجمي ومخاطب عربي+.

القول الثالث: التوفيق بين الرأيين والجمع بين القولين: قال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن حكى القولين السابقين:

 =والصواب عندي مذهبٌ فيه تصديق القولين جميعاً؛ وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب؛ فعرَّبتها بألسنتها، وحوَّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها؛ فصارت عربية، ثم نزل القرآن، وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب؛ فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: أعجمية فصادق+( ).

ومال إلى هذا القول الجواليقي، وابن الجوزي وغيرها.

قال الجواليقيي: =وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، فقال أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها، فعرَّبته؛ فصار عربياً بتعريبها؛ فهي عربية في هذه الحال، أعجمية الأصل؛ فهذا القول يصدِّق الفريقين جميعاً+( ).

ولعل هذا الرأي هو الأقرب للصواب؛ فمن قال في كلمة سرادق _على سبيل المثال_: إنها فارسية؛ بمعنى أنها انحدرت إلى العرب من الفرس فهو مصيب، ومن قال: إنها عربية؛ بمعنى أن العرب كانت تعرفها، وتستعملها قبل نزول القرآنِ الكريمِ، والقرآنُ نزل بلغة تفهمها العرب _ فهو مصيب كذلك.

رابعاً: المؤلفات في المعرب: من العلماء من أفرد هذا الموضوع بمؤلف خاص، ومن الكتب المؤلفة في هذا ما يلي:

1_ المُعَرَّب: لأبي منصور الجواليقي ت450هـ فهذا الكتاب أقدم وأشهر مؤلف في هذا الباب.

وكان الغرض من تأليفه جمع الألفاظ المعربة؛ حيث ساق فيه مؤلفه جملة من الألفاظ التي يرى أنها معربة، وتحدث في المقدمة عن الخلاف في المعرب، وعن مذاهب العرب فيه، وعن العلامات التي يعرف بها الأعجمي من الألفاظ.

وقد قال عنه السيوطي ×: =وقد ألف في هذا النوع الإمام أبو منصور الجواليقي كتابه (المعرب) في مجلد واحد، وهو حسن مفيد، وقد رأيت عليه تعقباً في عدة كراريس+( ).

والكتاب مطبوع، ولعل من أفضل طبعاته طبعة دار الكتب العلمية بيروت تعليق: خليل عمران المنصور، ويقع في 176 صفحة، وهو مرتب على حروف المعجم.

2_ في التعريب والمعرب: وهو المعروف بـ(حاشية ابن برِّي على كتاب (المعرب) لابن الجواليقي.

وهذا الكتاب مصنف صغير عَرَض فيه ابن بري لكتاب (المعرب) للجواليقي، فتعقب أقواله، فأورد حواشيه عليه منسوقة على حروف المعجم؛ حيث درج فيها على إيراد قول الجواليقي، ثم يعقبها مصححاً تارة، ومضيفاً تارة أخرى.

وقد قدم لهذه الحواشي بنبذة يسيرة في طرائق التعريب عند العرب، وكيف تصرفوا في الأعجمي.

والمؤلف من أهل القرن الخامس حيث توفي سنة 499هـ.

والكتاب خرج بعناية وتعليق د. إبراهيم السامرائي.

3_ المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب: للسيوطي ×.

وقد لخص فوائده في كتابه (الإتقان في علوم القرآن).

هذه أشهر الكتب في المعرب، وأما الكتب التي تكلمت عليه ضمن موضوعات أخرى فكثيرة، ككتاب الصاحبي لابن فارس؛ حيث تكلم على المعرب في عدة أبواب خصوصاً في (باب القول في اللغة التي نزل بها القرآن).

وكذلك السيوطي في كتابيه المزهر، والإتقان؛ فقد أفرد النوع التاسع عشر من المزهر في (معرفة المعرب).

وعقد باباً من كتابه (الإتقان في علوم القرآن): وهو (الباب الثامن والثلاثون: فيما وقع بغير لغة العرب).

خامساً: علامات العجمة أو المعرب( ): قال أئمة العربية تعرف عجمة الاسم بوجود علامات منها:

1_ النقل: وذلك بأن ينقل عن أحد أئمة العربية كالأصمعي أو غيره بأن هذه الكلمة ليست عربية.

2_ مخالفة الكلمة للأوزان العربية: وذلك بأن يخرج الاسم عن أوزان الأسماء العربية، نحو إبْرِيسم؛ فإن مثل هذا الوزن مفقود في أبنية الأسماء في اللسان العربي.

3_ أن يكون أوله نون ثم راء: نحو: نرجس؛ فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية، وكذلك (نرس) و (نورج) و (نرسيان) و (نَرْجه).

4_ أن يكون آخره زاياً بعد دال: نحو: مهندز؛ فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية.

5_ أن يجتمع في الكلمة الصاد والجيم: نحو: الصولجان، والجص، والصنجق.

6_ أن يجتمع في الكلمة الجيم والقاف: نحو: المنجنيق.

7_ خلو الكلمة الرباعية أو الخماسية من أحرف الذلاقة: وسميت بذلك _ كما مر في الحديث عن صفات الحروف ومخارجها _ لخروج بعضها من ذلق اللسان _ أي طرفه _ وخروج بعضها من ذلق الشفة.

وهي مجموعة في قولك: (مُرَّ بنفل) ؛ فإنه متى كان اللفظ عربياً فلا بد أن يكون فيه شيء منها نحو: سفرجل، وقُذعمل، وقِرْطَعْب، وجَحْمَرش؛ فإذا جاءك مثال خماسي، أو رباعي بغير حرف أو حرفين من أحرف الذلاقة فاعلم أنه ليس من كلامهم _ أي العرب _ مثل: (عفجش) و (خظائج).

8_ اجتماع الباء، والتاء، والسين: مثل: بستان.

9_ اجتماع الجيم والطاء: نحو: الطاجن، والطيجن.

10_ يندر اجتماع الراء مع اللام إلا في ألفاظ محصورة: مثل: ورل.

11_ لا يوجد في كلام العرب دال بعدها ذال إلا قليل: ولذلك أبى البصريون أن يقال بغداذ.

12_ مجيء الشين بعد اللام: قال ابن سيدة في المحكم: ليس في كلام العرب شين بعد لام في كلمة عربية محضة؛ الشينات كلها في كلام العرب قبل اللامات.

13_ الدراسات التاريخية والبحوث العلمية: فبذلك يمكن القول: إن هذا الحيوان، أو النبات، أو الدواء ليس موجوداً في جزيرة العرب، وبذلك نعرف أن الكلمة ليست بعربية.

هذا وقد وجد الباحثون بعد الاستقصاء أن أكثر ما دخل العربية من أسماء المعبودات والمصطلحات فهو من الهيروغليفية، والحبشية، والعبرانية، وذلك كألفاظ الحج، والكاهن، وعاشوراء من العبرانية.

وأما أسماء العقاقير والأطياب فأكثرها هندي كالمسك؛ فإنه في اللغة السنسكيرتية (مشكا) والزنجبيل فهو فيها (زنجابير).

وأكثر ما يكون من أسماء الأطعمة والثياب والفرش، والأسلحة، والأدوات، والملابس، والأواني فهو من الفارسية.

سادساً: دوافع التعريب: أشار بعض العلماء إلى ذلك دون ذكر مباشر له، وذلك كصنيع السيوطي في المزهر( ).

ومن خلال ذلك يمكن أن تُتلمس الأسباب التي دفعت العرب إلى التعريب، والتي منها:

1_ الحاجة أو الضرورة: وذلك كالأسماء التي تفرَّد بها غير العرب كالفرس من دون العرب؛ فاضطرت العرب إلى تعريبها أو تركها كما هي.

وذلك كثير، ومن أمثلته ما يلي:

أ _ من الأواني: الكوز، الجرة، الإبريق، الطشت، الخوان، الطبق، القصعة، السُّكْرجَّة.

ب _ من الملابس: السَّمُّور، السنجاب، القاتم، الفنك، الدَّلق، الخز، الديباج، السندس.

ج _ من الجواهر: الياقوت، الفيروزج، البلَّور.

د _ من ألوان الخبز: الكعك، الجردق، السميذ، أوالسميد.

هـ _ من الرياحين وما يناسبها: النرجس، البنفسج، النِّسرين، الياسمين.

و _ من الطيب: المسك، العنبر، الكافور، الصندل، القرنقل.

2_ الإلغاز والإغراب: قال السيوطي: =قال ابن دريد في الجمهرة: باب ما تكلمت به العرب من كلام العجم حتى صار كاللغز، وفي نسخة حتى صار كاللغة+( ).

ثم ساق لذلك أمثلة، منها: الدَّشت: وهي الصحراء، والبُوصي: السفينة، والأرندَح: الجلود التي تدبغ بالعفْص، والقيروانُ: الجماعة، وأصلها كاروان( ).

3_ الإعجاب وخفة اللفظ الأعجمي: وذلك بأن يعجب العرب بلفظة أعجمية، ثم يعمدون إلى تعريبها.

وربما كان اللفظ الأعجمي خفيفاً؛ فلهذا يستعمله العرب، وربما تناسوا اللفظة العربية أو أهملوها.

مثل: الباذنجان كان يسمى الحدج، ومع ذلك غلب؛ للإعجاب بما هو غريب.

وكذلك اللوبيا شاعت وأهمل: الدّجَر.

وكذلك الإبريق في لغة العرب يسمى التأمورة.

والتوت يسمى: الفُرصاد، والأترج يسمى: المُتْك، والياسمين كان يسمى بالعربية: السَّمسق.

سابعاً: الألفاظ المعربة في القرآن: ذكر السيوطي × في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) ألفاظاً عديدة، وذكر من قال بأنها معربة من العلماء، وقال في نهاية الحديث عنها بعد أن رتبها ترتيباً ألفبائياً: =فهذا ما وقفت عليه من الألفاظ المعربة في القرآن بعد الفحص الشديد سنين، ولم تجتمع قبل في كتاب قبل هذا+( ).

ثم قال: =وقد نظم القاضي تاج الدين بن السبكي منها سبعة وعشرين لفظاً في أبيات، وذيل عليها الحافظ أبو الفضل بن حجر بأبيات فيها أربعة وعشرين لفظاً وذيلت عليها بالباقي، وهو بضع وستون، فتمت أكثر من مائة لفظة، فقال ابن السبكي:

السلسبيل وطه كُوِّرت بِيَعٌ

                   رومٌ وطوبى وسجِّيل وكافورُ

والزنجبيل ومشكاةُ سرادقُ مَعْ

                   إستبرقٍ صلوات سندس طور

كذا قراطيسُ ربَّانِيْهُمُّ وغسا

                   قٌ ودينارُ والقسطاسُ مشهور

كذاك قَسْورةٌ واليمُّ ناشئة

                   ويؤت كفلينِ مذكور ومسطور

له مقاليدُ فردوسٌ يُعَدُّ كذا

                   فيما حكى ابن دريد منه تَنَّور

وقال ابن حجر:

وزدت حِرْمٌ ومُهل والسِّجلُّ كذا

                   السريُّ والأبُّ ثم الجبت مذكور

وقِطَّنا وإناهُ ثم متَّكِئاً

                   دارست يصهر منه فهو مصهور

وهيت والسَّكَرُ الأواهُ مع حَصَبٍ

                   وأوبي معْه والطاغوت مسطور

صُرْهُنَّ إصْري وغِيْضَ الماءُ مع وزرٍ

                   ثم الرقيمُ مناصٌ والسنا النورُ

وقلت _ أيضاً _:

وزدت يس والرحمن مع ملكو

                   تٍ ثم سينينَ شطرُ البيت مشهور

ثم الصراطُ ودرّيٌّ يحورُ ومَرْ

                   جانٌ ويمٌّ مع القنطار مذكور

وراعنا طفقَا هدنا ابلعي وورا

                   ءٌ والأرائك والأكواب مأثور

هود وقسطٌ وكَفِّرْ رَمْزَهُ سَقَرٌ

                   هَوْنٌ يَصِدِّون والمِنْسَاةُ مسطور

شهر مجوس وإقفال يهود حَوا

                   ريُّون كَنْزٌ وسِجينٌ وتتبير

بعيرٌ آزرُ حُوْبٌ وَرْدَةٌ عَرِمٌ

                   إلٌّ ومن تحتها عَبَّدت والصُّور

ولِينَةٌ فُومُها رَهْوٌ وأَخْلَدَ منـ

                   ـجاةٌ وسيِّدَها القيومُ موقورُ

وقُمَّلٌ ثم أسفار عنى كتباً

                   وسجَّداً ثم رِبيُّون تكثير

وحِطَّةٌ وطُوَىً والرَّسُّ نونُ كذا

                   عدنٌ ومنفطرُ الأسباطِ مذكور

مسكٌ أباريقُ ياقوتٌ رووا فهنا

                   ما فات من عدد الألفاظ محصور

وبعضهم عد الآوْلى مع بطائنها

                   والآخرهْ لمعاني الضد مقصور( )

ثامناً: طريقة العرب في التعامل مع الألفاظ الأعجمية: للعرب طريقة في التعامل مع الألفاظ الأعجمية، وقد بين ذلك العلماء الذين تكلموا على المعرب، ويأتي على رأس أولئك أبو منصور الجواليقي × حيث عقد في كتابه باباً تحت عنوان: (باب معرفة مذاهب العرب في استعمال الأعجمي).

وتحت هذا العنوان بين هذه المذاهب بقوله: =اعلم أنهم كثيراً ما يجترئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها.

فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجاً.

وربما أبدلوا ما بعد مخرجه _ أيضاً _.

والإبدال لازم؛ لئلا يدخل في كلامهم ما ليس من حروفهم.

وربما غيروا البناء من الكلام الفارسي إلى أبنية العرب.

وهذا التغيير يكون بإبدال حرف من حرف، أو زيادة حرف، أو نقصان حرف، أو لإبدال حركة بحركة، أو إسكان متحرك،أو تحريك ساكن.

وربما تركوا الحرف على حاله لم يغيروه.

فمما غيروه من الحرف ما كان بين الجيم والكاف، وربما جعلوه جيماً وربما جعلوه كافاً، وربما جعلوه قافاً؛ لقرب القاف من الكاف، قالوا: (كُرْبَجٌ) وبعضهم يقول: (قربق).

قال أبو عمرو: سمعت الأصمعي يقول: هو موضع يقال له: (كُرْبَكٌ) قال: يريدون (كربج).

قال سالم بن قحفان في (قربق):

ما شربت بعد طوى القربق

                   من شربة غير النجاء الأدفق

وكذلك يقولون: (كيلَجَة) و (كِيلَقَة) و (وقِيلقة) و (جُرْبُز) للكُرْبُز و(جورب) وأصله: (كورب) و (مُوزج) وأصله (مُوزة).

وأبدلوا الحرف الذي بين الباء والفاء فاءً.

وربما أبدلوه باءً، قالوا: (فالوذٌ) و (فِرِنْد) وقد قال بعضهم (بِرند).

وأبدلوا السين من الشين، فقالوا للصحراء: (دَسْت) وهي بالفارسية: (دشت).

وقالوا: (سراويل) و (إسماعيل) وأصلها (شروال) و (إشماعيل) وذلك لقرب السين من الشين في الهمس.

وأبدلوا اللام من الزاي في (قَفْشَليل) وهي المَغْرَفَة، وأصلها (كَفْجَلاز) وجعلوا الكاف منها قافاً، والجيم شيناً، والفتحة كسرة، والألف ياء.

ومما أبدلوا حركته (زور) و (آشوب).

ومما ألحقوه بأبنيتهم: (درهم) ألحقوه بـ (هجْرَعِ) و (بَهْرَج) ألحقوه بـ(سَلْهَب) و (دينار) ألحقوه بـ (ديماس) و (إسحاق) بـ (إبهام)، و (يعقوب) بـ(يربوع)، و (جورب) بـ (كوكب)، و (شُبارِق) بـ (عُذَافر)، و (رُزْداق) بـ(قُرْطاس).

ومما زادوا فيه من الأعجمية ونقصوا (إبْرَيْسَم) و (إسرافيل) و (فيروزو) و(قهرمان) وأصله (قِرْمان).

ومما تركوه على حاله فلم يغيروه (خُراسان) و (خُرَّم) و (كُرْكم).

قال أبو عمر الجَرْمي: وربما خلطت العرب في الأعجمي إذا نقلته إلى لغتها.

وأنشد عن أبي المهدي:

يقولون لي شَنْبِذْ ولستُ مشنبذاً

                   طُوال الليالي أو يزولَ ثَبِيرُ

ولا قائلاً زُوذاً ليعجَلَ صاحبي

                   وبِسْتَانُ في صدري عليَّ كبيرُ

ولا تاركاً لحْني لأَحْسَنِ لَحْنِهمْ

                   ولو دار صرف الدهر حين يدورُ

 (شَنْبَذْ) يريدون (شون بوذي)

 (زوذ) (اعجل) و (بستان) (خذ).

قال: وإذا كان حُكي لك في الأعجمية خلاف ما العلامة عليه فلا ترينه تخليطاً؛ فإن العرب تُخَلِّطُ فيه، وتتكلم به مُخلطاً؛ لأنه ليس من كلامهم، فلما اعْتنقوه وتكلموا به خلَّطوا.

وكان الفراء يقول: يُبنى الاسم الفارسي أيَّ بناءٍ كان، إذا لم يخرج عن أبنية العرب.

وذكر أبو حاتم: أن رؤبة بن العجَّاج والفصحاء، كالأعشى وغيره ربما استعاروا الكلمة من كلام العجم للقافية؛ لتُستطرف، ولكن لا يستعملون المستطرف، وربما يُصرِّفونه، ولا يشتقون منه الأفعال، ولا يرمون بالأصلي، ويستعملون المستطرف، وربما أضحكوا منه، كقول العَدَوي:

أنا العربيُّ الباكْ

أي: النقي من العيوب.

وقال العجاج:

كما رأيتَ في المُلاءِ البَرْدَجاَ 

وهم السبي، ويقال لهم بالفرسية (بَرْدَه) فأراد القافية+( ).

تاسعاً: التعريب عند المُحْدَثين( ): بحث المُحْدَثون موضوع التعريب، وكانوا في ذلك على فريقين:

الأول: منعوا فتح باب التعريب؛ بحجة المحافظة على العربية.

والفريق الآخر: أجازوا ذلك، وقالوا: إنه لا بد من مواجهة الحديث، وبهذا تكون المحافظة الحقة على العربية؛ إذ ترك التعريب فيه حجر على اللغة، ومن ثم يصدق عليها قول من يَصِمُها بأنها ميتة.

وقالوا _أيضاً_: إن التعريب من أساليب تنمية اللغة، ودلالة سعتها، واستيعابها.

وبعد دراسات طويلة توصل مجمع اللغة العربية في مصر إلى جواز التعريب، وأجمعوا على أن العربيَّ أولى وأفضل من المعرب، ووضعوا للتعريب شروطاً منها:

1_ أن يكون اللفظ المعرب مما نحتاج إليه تمام الاحتياج.

2_ أن يكون على مقاييس العرب، فلا بد من إخضاعه على العربية من الناحية الصوتية والصرفية.

وإليك نص قرار المجمع بهذا الصدد: =يجيز المجمع أن يُستعمل بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب في تعريبهم+( ).

عاشراً: معوقات التعريب: لا ريب أن للتعريب حسنات، ولكن يقف دونها عقبات، منها:

1_ تشتت الجهود: وذلك كتعدد المجامع؛ فقد تختلف بعض المصطلحات من مجمع إلى مجمع ومن باحث إلى آخر.

2_ فقدان التطبيق: فقد تتفق المجامع على شيء، ثم لا يُلتزم به، ولا يستعمل في الكتابة، والتأليف.

3_ التأخر في تعريب المصطلحات: وذلك عندما يفكرون في تعريب مصطلح شاع منذ عشرات السنين، مثل: كمبيوتر، وليموزين، ونحوها؛ فالمتعين أن يفكر في المصطلح قبل شيوعه، أو في بداية استعماله، فيوجد له اسم مناسب، قبل أن يسبق عليه الاسم الجديد.

4_ نقل المصطلحات الجديدة دون تحري الدقة: فقد تُعرَّب بعض الألفاظ من قبل بعض الكتاب دون أن ينظر إلى معناها الحقيقي؛ فتشيع في الناس، ويكون له أثر فكري.

وذلك مثل (العلمانية) فمعناها الحقيقي (اللادينية) لأن أوربا إبان إطلاق هذا المصطلح كانت تفرق بين العلم والدين؛ فالدين _ في نظرهم _ يقف أمام العلم.

وهذا يصدق على دين الكنيسة المنحرف.

أما بالنسبة للإسلام فإنه دين العلم حقاً؛ فلما نقل هذا المصطلح اكتسب مدحاً بصفته يدعو إلى العلم.

وكذلك كلمة (إرهاب) حيث شاعت في الناس، ولم يحدد معناها المراد؛ فصار يُلبس على من يشاؤه القوي، وينزع عمن يشاؤه؛ بغض النظر عن مصداقية ذلك.

الفصل الثاني: المشترك، والمتضاد، والمترادف

وتحته ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المشترك.

المبحث الثاني: المتضاد.

المبحث الثالث: المترادف.

 الفصل الثاني:المشترك، والمتضاد، والمترادف

 المبحث الأول: المشترك

ويقال له الاشتراك _ أيضاً _ والبحث فيه سيكون في المسائل التالية:

أولاً: تعريفه:

في اللغة: من الفعل اشترك يشترك، والمصدر اشتراك، والمشترك اسم المفعول.

وفي الاصطلاح: عرف بعدة تعريفات قريبة من بعض:

أ _ عرفه الجرجاني × بقوله: =المشترك ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير+( ).

ب _ وقال عنه ابن فارس ×: =تسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد نحو: (عين الماء) و (عين المال) و (عين السحاب)+ ( ).

ج _ وعرفه ابن تيمية × بقوله: =أن يكون اللفظ دالاً على معنيين من غير أن يدل على معنى مشترك بينهما+( ).

د _ وقال السيوطي×: =وقد حدَّه أهل الأصول بأنه اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة+( ).

هـ _ ويمكن أن يعرف بتعريف مختصر فيقال: هو ما اتحد لفظه، واختلف معناه.

ثانياً: الخلاف في وقوعه: اختلف الناس في اللفظ المشترك، هل له وجود في اللغة؟ فأثبته قوم، ونفاه آخرون، ولكل منهم أدلته.

وقد نقل هذا الاختلاف جمع من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية× حيث قال بعد أن ذكر حد المشترك: =فمن الناس من ينازع في وجود معنى هذا في اللغة الواحدة التي تستند إلى وضع واحد، ويقول: إنما يقع هذا في وضعين كما يسمى هذا ابنه باسْمٍ، ويسمي آخر ابنه بذلك الاسم+( ).

ونصه هذا يوحي بأنه قائل بوقوع المشترك، وهذا ما يؤكده قوله في موضع آخر: أن =الأسماء المتفقة اللفظ قد يكون معناها متبايناً وهي المشتركة اشتراكاً لفظياً، كلفظ سهيل المقول على الكوكب وعلى الرجل+( ).

وقال السيوطي ×: =واختلف الناس فيه؛ فالأكثرون على أنه ممكن الوقوع؛ لجواز أن يقع إما من واضِعَيْن؛ بأن يضع أحدهما لفظاً لمعنىً، ثم يضعه الآخر لمعنىً آخر، ويشتهر ذلك اللفظ بين الطائفتين في إفادته المعنيين، وهذا على أن اللغات غير توقيفية.

وإما من واضع واحد؛ لغرض الإبهام على السامع؛ حيث يكون التصريح سبباً للمفسدة، كما روي عن أبي بكر ÷ وقد سأله رجل عن النبي " وقت ذهابهما إلى الغار: من هذا؟ قال: هذا رجل يهديني السبيل.

والأكثرون _ أيضاً _ على أنه واقع لنقل أهل اللغة ذلك في كثير من الألفاظ.

ومن الناس من أوجب وقوعه _ قال: لأن المعاني غير متناهيةٍ والألفاظ متناهية، فإذا وزع لزم الاشتراك.

وذهب بعضهم إلى أن الاشتراك أغلب، قال: لأن الحروف بأسرها مشتركة بشهادة النحاة، والأفعال الماضية مشتركة بين الخبر والدعاء، والمضارع كذلك، وهو _ أيضاً _ مشترك بين الحال والمستقبل، والأسماء كثير فيها الاشتراك؛ فإذا ضممناها إلى قسمي الحروف والأفعال كان الاشتراك أغلب.

ورد بأن أغلب الألفاظ الأسماء، والاشتراك فيها قليل بالاستقراء، ولا خلاف أن الاشتراك على خلاف الأصل+( ).

والمتأمل للخلاف في المشترك يجد أنه ما كان ينبغي أن يتوسع فيه، ويشقق القول؛ لأنهم جميعاً متفقون على وجود ألفاظ في اللغة قد استعملتها العرب في الدلالة على معان مختلفة بغض النظر عن كيفية وجودها مثل لفظ (العين) فهي بلفظها قد استعملت لمعان كثيرة، وكذلك غيرها من الألفاظ التي سيأتي ذكر لبعضها.

وهذا الاستعمال كافٍ في إثبات المشترك؛ لذلك فإن الذي عليه أكثر المتقدمين من اللغويين _ هو القول بالاشتراك.

 أما نقل الكلام إلى الحديث عن النشأة الأولى للمشترك، وهل يكون أصلاً في الوضع أو لا؟ وما يترتب على ذلك من أن المخاطبة باللفظ المشترك لا تفيد فهم المقصود على التمام، وما كان كذلك يكون منشأً للمفاسد _ فهو خروج من الواقع اللغوي، وخوض في مسألة نشأة اللغة التي لم يتوصل فيها إلى رأي علمي قاطع( )

ثالثاً: أمثلة من المشترك: أورد السيوطي × في المزهر أمثلة كثيرة من المشترك( )، ومنها:

1_ العم: أخو الأب، والعم: الجمع الكثير، قال الراجز:

يا عامر بن مالك يا عمَّا

                   أفنيت عماً وجبرت عمَّا

فالعم الأول: أراد به عماه، والعم الثاني: أراد أفنيت قوماً، وجبرت آخرين.

2_ النوى: يطلق على الدار، والنية، والبُعْد.

3_ الأرض: وتطلق على الأرض المعروفة، وعلى كل ما سفل، وعلى أسفل قوائم الدابة، وعلى النّفضة، والرِّعدة، وغيرها.

4_ الهلال: هلال السماء، وهلال الصيد، وهلال النعل وهو الذؤابة، والهلال: الحية إذا سلخت، والهلال: باقي الماء في الحوض، والهلال: الجمل الذي أكثر الضِّراب حتى هزل.

5_ العين: وتطلق على معان كثير جداً، تكاد تكون أكثر ما في هذا الباب؛ فتطلق على: النقد من الدراهم والدنانير، وعلى مطر أيام لا يقلع يقال: أصاب أرض بني فلان عين، وعلى عين الماء، وعين البركة، والعين التي تصيب الإنسان، وعلى فم القربة، وعلى عين الشمس، وعلى الجاسوس، وعلى الباصرة.

6_ الخال: يطلق على أخي الأم، والمكان الخالي، والعصر الماضي، والدابة، والخيلاء، والشامة في الوجه، والسحاب، والظن، والتوهم، والرجل المتكبر، والرجل الجواد.

رابعاً: لطائف من المشترك: هناك أبيات من الشعر تضمنت ألفاظاً من المشترك.

قال السيوطي: =قال أبو الطيب اللغوي: أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنشدني أبو الفضل جعفر بن سليمان النوفلي عن الحِرْمازي للخليل ثلاثة أبيات على قافية واحدة يستوي لفظها، ويختلف معناها:

يا ويحَ قلبي من دواعي الهوى

                   إذ رَحل الجيرانُ عند الغُروبْ

أتبعتُهم طَرْفي وقد أزمعوا

                   ودمعُ عينيَّ كفيض الغُروبْ

كانوا وفيهم طَفْلَةٌ حرَّة

                   تفترُّ عن مثل أقاحي الغُروبْ

فالغروب الأول غروب الشمس، والثاني جمع غَرْب: وهو الدَّلْو العظيمة المملوءة، والثالث جمع غرب: وهي الوِهَاد المنخفضة.

وأنشد سلامة الأنباري في شرح المقامات:

لقد رأيت هذرياً جَلْسا

                   يقود من بطن قديد جَلْسا

ثم رقى من بعد ذاك جَلْسا

                   يشرب فيه لبناً وجَلْسا

مع رفقةٍ لا يشربون جَلْسا

                   ولا يؤمون لهم جَلْسا

جَلْس الأول: رجل طويل، والثاني: جبل عالٍ، والثالث: جبل، والرابع: عسل، والخامس: خمر، والسادس: نجد+( ).

ومن لطائف المشترك أنه داخل عند البلاغيين في علم البديع في باب الجناس التام، كما في الأبيات السابقة، وهو داخل _ كذلك _ في باب التورية.

خامساً: العلاقة بين المشترك والمتواطئ: مر الحديث عن المشترك، وأنه ما اتحد لفظه، واختلف معناه.

والمشترك يوافق المتواطئ في شقه الأول من جهة كونه لفظاً واحداً يطلق على معان، ويخالف في شقه الثاني وهو كون هذه المعاني مرتبطة بمعنى عام.

ولمزيد من إيضاح العلاقة والفرق بين المشترك والمتواطئ هذا عرض يسير لتعريف المتواطئ، وبيان الفرق الدقيق بينه وبين المشترك .

فالاسم المتواطئ يُعرف بأنه: هو الاسم الواحد الذي يقال من أول ما وضع له على أشياء كثيرة، ويدل على معنى واحد يعمها( ).

ويعرفه الجرجاني بقوله: =المتواطئ: هو الكلي الذي يكون حصول معناه، وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية على السوية كالإنسان والشمس؛ فإن الإنسان له أفراد في الخارج، وصدقه عليها بالسوية، والشمس لها أفراد في الذهن وصدقه عليها _ أيضاً _ بالسوية+( ).

ويقول ابن تيمية × معرفاً بهذا القسم من الألفاظ: =الأسماء المتواطئة: وهي جمهور الأسماء الموجودة في اللغات، وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهي الاسم المطلق على الشيء وما أشبهه سواء كان اسم عين، أو اسم صفة جامداً أو مشتقاً...

كلها أسماء متواطئة، وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة+( ).

ويقول: =الأسماء المتفقة في اللفظ... قد يكون معناها متفقاً وهي المتواطئة+( ).

وقال في محاورته لابن المرحل( ) _ رحمهما الله _ عندما بين جواز إطلاق لفظ (المتواطئ) و (المشترك) على اللفظ الواحد، ولكن من جهتين مختلفتين، فتساءل ابن المرحل كيف يكون هذا؟

فأجابه ابن تيمية بقوله: =المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر؛ وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك، وقدر مميز، واللفظ يطلق على كل منهما _ فقد يطلق عليهما باعتبار ما به تمتاز كلُّ ماهيةٍ عن الأخرى؛ فيكون مشتركاً كالاشتراك اللفظي، وقد يكون مطلقاً باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين؛ فيكون لفظاً متواطئاً.

مثال ذلك (اسم الجنس) إذا غلب في العرف على بعض أنواعه كلفظ (الدابة) إذا غلب على (الفرس) قد نطلقه على الفرس باعتبار القدر المشترك بينها وبين سائر الدواب، فيكون متواطئاً، وقد نطلقه باعتبار خصوصية الفرس؛ فيكون مشتركاً بين خصوصية الفرس وعموم سائر الدواب، ويصير استعماله في الفرس تارة بطريق التواطؤ، وتارة بطريق الاشتراك+( ).

ولعل التمييز بين المتواطئ والمشترك قد لاح، وهو أن الأسماء المتواطئة تشترك في اللفظ والمعنى.

أما المشتركة فإنها متفقة اللفظ مختلفة المعنى، وهذا ما يؤكده ابن تيمية بقوله: =الأسماء المتفقة اللفظ قد يكون معناها متفقاً وهي المتواطئة، وقد يكون معناها متبايناً وهي المشتركة اشتراكاً لفظياً كلفظ سهيل المقول على الكوكب، وعلى الرجل+( ).

ولزيادة الإيضاح ولأجل أن يُميز بين المشترك والمتواطئ فهذان مثالان على ذلك، الأول: العين تطلق على عدة معان مختلفة، فهذا مثال للمشترك، وقد مرت أمثلة عديدة من ذلك.

والمثال الثاني: لفظ (الوجود) فهو يطلق على وجود الخالق وعلى وجود المخلوق، فمعنى الوجود _ بمفهومه العام _ واحد، ولكنه يختلف من جهة إضافته فهذا مثال للمتواطئ.

وبناءاً على ذلك يمكن أن يقال: إن المشترك ما اتحد لفظه واختلف معناه، والمتواطئ هو ما اتحد لفظه ومعناه، ولكنه يختلف باختلاف السياق والإضافة.

 المبحث الثاني: المـتـضـاد

المتضاد نوع من المشترك، ويقال له: الأضداد، والتضاد.

أولاً: تعريفه:

أ _ المتضاد في اللغة: أصل المادة: ضَدَدَ: وضد الشيء خلافه، والجمع أضداد، وقد ضادَّه فهما متضادان، والتضاد مصدر( ).

ب _ وفي الاصطلاح: 1_ هو دلالة اللفظ الواحد على معنيين متضادين.

مثاله: الجون: يطلق على الأسود، والأبيض.

2_ وهناك تعريف آخر وهو: الكلمات التي تؤدي إلى معنيين متضادين بلفظ واحد.

3_ وقال ابن فارس ×: =ومن سنن العرب في الأسماء أن يسموا المتضادين باسم واحد+( ).

4_ وقيل: هو أن يطلق اللفظ على المعنى وضده( ).

ثانياً: الفرق بين المشترك والمتضاد: 1_ أن المشترك أعم من المتضاد؛ فالمتضاد نوع منه، فكل متضاد مشترك، ولا عكس.

2_ أن المشترك يدل على عدة معان، ولا يلزم أن تكون متضادة.

أما المتضاد فيدل على معنيين، ولابد أن يكونا متضادين.

فمثلاً: كلمة (العين) تدل على معانٍ عديدة، ولا يلزم منها التضاد؛ فهي _ بهذا الاعتبار _ مشترك، لا متضاد.

وكلمة الغابر: تطلق على الماضي وتطلق على الباقي؛ فهي بهذا الاعتبار متضاد؛ لأنها دلت على معنيين متضادين.

ثالثاً: كيف يفهم المراد من اللفظ إذا كان متضاداً؟:

يفهم من خلال السياق، مثال ذلك كلمة: (جلل) فهي تدل على الشيء اليسير الحقير، وتدل على الشيء العظيم.

فمن الأول: قول لبيد _ رضي الله عنه _:

كل شيء ما خلا الله جلل

                   والفتى يسعى ويلهيه الأمل

ومن الثاني قول الشاعر:

قومي هُمُ قتلوا أميمَ أخي

                   فإذا رميت يصيبني سهمي

فلئن عفوت لأعفون جللاً

                   ولئن سطوت لأهنن عظمي

فمن خلال سياق الكلام في البيت الأول نعلم أن المقصود بـ:(الجلل): الأمر اليسير الحقير، ومن خلال السياق في البيتين الأخيرين نعلم أن المقصود بقوله: (جللاً) أنه الأمر العظيم؛ لأن الإنسان لا يفخر بصفحه عن ذنب حقير يسير وهكذا. . . ( )

وهذا ما أجاب به ابن الأنباري عن اعتراض من اعترض على وجود الأضداد.

حيث قال ×: =ويظن أهل البدع والزيغ، والإزراء بالعرب أن ذلك كان منهم؛ لنقصان حكمتهم، وقلة بلاغتهم، وكثرة الالتباس في محاوراتهم وعند اتصال مخاطباتهم؛ فيسألون عن ذلك، ويحتجون بأن الاسم منبئٌ عن المعنى الذي تحته، ودالٌ عليه، وموضحٌ تأويلَه، فإذا اعتورَ اللفظة الواحدة معنيان مختلفان لم يعرف المخاطب أيهما أراد، وبطل بذلك معنى تعليق الاسم على المسمى.

فأجيبوا عن هذا الذي ظنوه وسألوا عنه بضروب من الأجوبة:

أَحَدُهن: أن كلام العرب يصحح بعضه بعضاً، ويرتبط أوله بآخره، ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه، واستكمال جميع حروفه؛ فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين؛ لأنها يتقدمها، ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، ولا يراد بها في حال المتكلم والإخبار إلا معنىً واحدٌ+( ).

ثم ضرب مثالاً لذلك، وهو من الأبيات الآنفة الذكر.

وضرب أمثلة أخرى من القرآن الكريم فقال: =وقال الله _ عز وجل _ وهو أصدق قيل: [الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ] أراد الذين يتيقنون ذلك؛ فلم يذهب وهمُ عاقلٍ إلى أن الله _ عز وجل _ يمدح قوماً بالشك في لقائه+( ).

رابعاً: الخلاف في وقوع الأضداد:

اختلف العلماء في وقوع الأضداد:

1_ فمنهم من قال بإمكان وقوعها، وعدَّ وضْعَها في مألوف القوانين اللغوية، والمواضعات الاصطلاحية؛ وذلك لأن المعاني غير متناهية، والألفاظ متناهية.

وذكروا من عللها وأسبابها وشواهدها الشيء الكثير.

ومن هؤلاء: الأصمعي، وأبو عبيدة، وابن السِّكِّيت، وقطرب، وابن فارس، وابن الأنباري وغيرهم _ رحمهم الله _ .

2_ ومنهم من أنكر الأضداد، وتأول ما ورد منها في اللغة، ونصوص العربية.

وأشهر هؤلاء: ابن دَرَسْتَويْه × فإن له مصنفاً في إبطال الأضداد.

قال السيوطي ×: =قال ابن درستويه في شرح الفصيح: النوء: الارتفاع بمشقة وثقل، ومنه قيل للكوكب: قَدْ ناء: إذا طلع.

وزعم قوم من اللغويين أن النوء السقوط _ أيضاً _ وأنه من الأضداد.

وقد أوضحنا الحجة عليهم في ذلك في كتابنا في إبطال الأضداد. انتهى.

فاستفدنا من هذا أن ابن درستويه ممن ذهب إلى إنكار الأضداد، وأن له في ذلك تأليفاً+( ).

3_ ومنهم من قال بوجود الأضداد إلا أنهم عدوها منقصة للعرب، ومثلبة من مثالبهم، واتخذوها دليلاً على نقصان حكمتهم وقلة بلاغتهم، وزعموا أن ورودها في كلامهم كان سبباً في كثرة الالتباس عند المخاطبات.

وهؤلاء هم الشعوبية، أو من يسميهم ابن الأنباري (أهل البدع والزيغ والإزراء بالعرب).

وقد مر في الفقرة الماضية رده عليهم.

وممن رد على هؤلاء ابن فارس حيث قال: =وأنكر ناس هذا المذهب، وأن العرب تأتي باسم واحد لشيء وضده.

وهذا ليس بشيء؛ وذلك أن الذين رووا أن العرب تسمي السيف مهنداً، والفرس طِرْفاً هم الذين رووا أن العرب تسمي المتضادين باسم واحد.

وقد جرَّدنا في هذا كتاباً ذكرنا فيه ما احتجوا به، وذكرنا ردَّ ذلك، ونقضه؛ فلذلك لم نكرره+( ).

4_ ومنهم من قال بوقوعه، وأنكر على من تعسف في إنكاره، غير أنه يرى أن وروده لم يكن بتلك الكثرة التي ذهب إليها من يراه بإطلاق؛ ذلك أن كثيراً من الأمثلة التي ظن هذا الفريق أنها من قبيل الأضداد يمكن تأويلها على وجه آخر يخرجها عن هذا الباب.

ففي بعض الأمثلة قد استعمل اللفظ في ضد ما وضع له لمجرد التفاؤل كالمفازة في المكان الذي تغلب فيه الهلكة؛ فقد سميت بذلك تفاؤلاً، وكالسليم للملدوغ، وكالريان والناهل للعطشان.

وفي بعضها قد استعمل اللفظ في ضده لمجرد التهكم، أو لاتقاء التلفظ بما يُكره التلفظ به، أو بما يمجه الذوق، أو بما يؤلم المخاطب.

وذلك كإطلاق لفظ العاقل على المعتوه أو الأحمق، والخفيف على الثقيل، وهكذا...

وقد مال إلى هذا الرأي بعض المحدثين كالدكتور علي عبدالواحد وافي( ).

خامساً: المؤلفات في الأضداد: حاول العلماء حصر كلمات الأضداد، وجمعها من كلام العرب في شعرهم ونثرهم، وفيما ورد منها في القرآن، والحديث، ثم أفردوها بالتأليف والتصنيف، وأصبحت مصدراً أصيلاً من مصادر المعجمات.

وممن ألف في الأضداد _ كما ذَكر السيوطيُّ _ قطربٌ، والتوزيٌّ، وأبو البركات ابن الأنباري، وابن الدهان، والصغاني( ).

هذا عدا الفصول التي وردت في كتاب الجمهرة لابن دريد، والغريب المصنف لأبي عبيد، والصاحبي لابن فارس، والمخصص لابن سيدة، وفقه اللغة للثعالبي، وديوان الأدب للفارابي، والمزهر للسيوطي( ).

ولكن أعظم هذه الكتب خطراً، وأوسعها كلماً، وأحفلها بالشواهد، وأشملها للعلل هو كتاب أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري المعروف بابن الأنباري( ) ت327هـ.

حتى قيل: إن كتاب أبي بكر بن الأنباري لم يؤلف مثله في الأضداد.

وقد اشتمل الكتاب على 357 لفظاً من الأضداد؛ فأتى على جميع ما ألف قبله، وأربى عليه، وجاء بالعجيب من أراجيز العرب، وشواهد القرآن والحديث والشعر في كثرة بالغة، وإسهاب كثير، مع عذوبة المورد، ووضوح التعبير، وإشراق الدلالة، واطراد التنسيق.

وقد أعانه على ذلك كثرة محفوظه، ووفرة روايته، ووضوح الفكرة في عقله مع دقة التعليل، وقوة الحجاج.

وقد قدم لكتابه ببحثٍ ضافٍ شامل انتصر فيه للعرب فيما أورد على ألسنتهم من ألفاظ الأضداد، وأبان عن حكمتهم فيما أرادوا، وعلل ذلك تعليلاً دقيقاً أميناً؛ فجاء كتابه أشمل كتاب، وأوفاه في هذا الموضوع( ).

والكتاب يقع في مجلد واحد وفي 517 صفحة، وبتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ومن مطبوعات المكتبة العصرية بيروت.

سادساً: أمثلة وشواهد للأضداد: هذه أمثلة للأضداد مختارة باختصار دون تفصيل من كتاب الأضداد لابن الأنباري×.

1_ القرء: حرف من الأضداد، يقال: القرء للطهر وهو مذهب أهل الحجاز، والقرء للحيض، وهو مذهب أهل العراق.

2_ عسعس: يقال: عسعس الليل إذا أدبر، وعسعس إذا أقبل.

3_ المولى: المُنْعِم المُعْتِق، والمولى: المُنْعَم عليه المُعْتَق.

4_ بسل: للحلال، وللحرام.

5_ اشتريت: بمعنى قبضته وأعطيت ثمنه، وبمعنى بعته.

6_ بعت: على المعنى المعروف عند الناس، وبعت الشيء إذا بتعته أي اشتريته.

7_ السارب: المتواري والظاهر.

8_ عَنوة: إذا أخذ الشيء غصباً وغلبة، ويطلق على ما إذا أخذه بمحبة ورضاً.

9_ الصريخ والصارخ: للمغيث، وللمستغيث.

10_ الدائم: يقال للساكن دائم، وللمتحرك دائم.

11_ الصريم: يقال لليل: صريم، وللنهار: صريم؛ لأن كل واحد منهما يصرم صاحبه.

12_ طرب: إذا فرح، وطرب إذا حزن.

13_ السليم: يقال: سليم للسالم، وسليم: للملدوغ.

14_ السُّدْفة: بنو تميم يذهبون إلى أنها الظلمة، وقيس يذهبون إلى أنها: الضوء.

15_ الناهل: للعطشان، وللريان.

16_ أمَمَ: يقال: أمر أمم إذا كان عظيماً، وأمر أمم إذا كان صغيراً.

17_ خائف: يقال: رجل خائف إذا كان يخاف غيره، وسبيل خائف إذا كان مخوفاً.

18_ الحميم: للحار، والحميم للبارد.

19_ عزَّرت: يقال: عزرت الرجل إذا أكرمته، وعزرته إذا لُمته وعنَّفته.

20 _ قَلصَ: يقال: قلص الشيء إذا قَصُر وقل، وقلص الماء إذا جمَّ وزاد.

21_ الغريم: الذي له الدين، والغريم: الذي عليه الدين.

22_ الحزوَّر: يقال للغلام اليافع الذي قارب الاحتلام: حزوَّر، ويقال للشيخ: حزوَّر.

23_ التلعة: يقال لما ارتفع من الوادي وغيره: تلعة، ويقال لما تسفَّل وجرى الماء فيه؛ لانخفاضه: تلعة.

24_ البَعْل: يقال لما تسقيه السماء: بعل، ويقال لما يشرب بعروقه: بعل.

25_ بلهاء: يقال: امرأة بلهاء: إذا كانت ناقصة العقل، فاسدة الاختيار.

وامرأة بلهاء: إذا كانت كاملة العقل عفيفة صالحة لا تعرف الشر، ولا تعلم الرِّيب.

26_ الخابط: النائم، والخابط الذي يخبط بيده ورجليه.

27_ نسيت: يكون بمعنى غفلت عن الشيء، ويكون بمعنى: تركت متعمداً من غير غفلة لحقتني فيه، فيكون بمعنى الغفلة فلا يُحتاج فيه إلى شاهد.

وكونه بمعنى الترك شاهده قول الله _ عز وجل _: (نسوا الله فنسيهم) معناه: ترك إثابتهم ورحمتهم؛ لأنه قد جل وعلا عن الغفلة والسهو.

28_ أفاد: يقال: أفاد الرجلُ مالاً إذا استفاده هو، وقد أفاد مالاً: إذا كسبه غيره فهو مفيد في المعنيين.

 المبحث الثالث: المـتـرداف

ويسمى: الترادف، ويسمى: المرادف_أيضاً_.

أولاً تعريفه:

أ _ تعريفه في اللغة: قال ابن فارس ×: =الراء والدال والفاء أصلٌ واحد مطرد، يدل على اتباع الشيء؛ فالترادف التتابع، والرديف الذي يرادفك+( ).

ب_ وفي الاصطلاح: عرف بعدة تعريفات متقاربة: منها ما عرفه به الجرجاني حيث قال:

1_ =المترادف ما كان معناه واحداً، وأسماؤه كثيرة+( ).

2_ وعرفه بتعريف آخر فقال: =الترادف: هو عبارة عن الاتحاد في المفهوم، وقيل: توالي الألفاظ المفردة الدالة على شيء باعتبار واحد+( ).

3_ وعرفه _ أيضاً _ بقوله: =المرادف: ما كان مسماه واحداً، وأسماؤه كثيرة، وهو خلاف المشترك+( ).

4_ وقال السيوطي: =قال الإمام فخر الدين: هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد+( ).

5_ وقيل: هو ما اتحد معناه، واختلف لفظه.

ومن أمثلة ذلك: السيف، والباتر، والمهند وغيرها كلها ألفاظ تدل على مسمى واحد.

ثانياً: سبب التسمية: قال الجرجاني عن سبب التسمية: =المترادف ما كان معناه واحداً، وأسماؤه كثيرة، وهو ضد المشترك؛ أخذاً من الترادف الذي هو ركوب أحد خلف آخر، كأن المعنى مركوب، واللفظين راكبان عليه كالليث والأسد+( ).

ثالثاً: الخلاف في وقوعه( ): ذهب بعض العلماء إلى إنكار المترادف.

قال السيوطي: =قال التاج السبكي في شرح المنهاج: ذهب بعض الناس إلى إنكار المترادف في اللغة العربية، وزعم أن كل ما يظن من المترادفات فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات كما في الإنسان والبشر؛ فإن الأول موضوع له باعتبار النسيان، أو باعتبار أنه يُؤْنِس.

والثاني _ يعني البشر _ باعتبار أنه بادي البشرة.

وكذا الخنديس: العقار( )؛ فإن الأول؛ باعتبار العتق، والثاني باعتبار عقر الدن؛ لشدتِّها.

وتكلف لأكثر المترادفات بمثل هذا المقال العجيب+( ).

وممن قال بهذا القول ابن فارس، ونقله عن شيخه ثعلب.

وممن قال بهذا القول أبو علي الفارسي( ).

وقال ابن فارس في الصاحبي في (باب الأسماء وكيف تقع على المسميات):

 =ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو: السيف، والمهند، والحسام.

والذي نقوله في هذا: إن الاسم واحد وهو السيف، وما بعده من الألقاب صفات، ومذهبنا أن كل صفة منها فمعناها غير معنى الأخرى.

وقد خالف في ذلك قوم فزعموا أنها وإن اختلفت ألفاظها فإنها ترجع إلى معنى واحد، وذلك قولنا: (سيف، وعضب، وحسام).

وقال آخرون: ليس منها اسم ولا صفة إلا ومعناه غيرُ معنى الآخر، قالوا: وكذلك الأفعال نحو: مضى، وذهب، وانطلق، وقعد، وجلس، ورقد، ونام، وهجع.

قالوا: ففي (قعد) معنى ليس في (جلس) وكذا القول فيما سواه.

وبهذا نقول، وهو مذهب شيخنا أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب.

واحتج أصحاب المقالة الأولى بأنه: لو كان لكل لفظة معنى غير معنى الأخرى لما أمكن أن يعبر عن شيء بغير عبارته.

وذلك أنا نقول في (لا ريب فيه): (لا شك فيه) فلو كان (الريب) غير (الشك) لكانت العبارة عن معنى الريب بالشك خطأ، فلما عبر عن هذا بهذا علم أن المعنى واحد.

قالوا: وإنما يأتي الشعر بالاسمين المختلفين للمعنى الواحد في مكان واحد تأكيداً ومبالغة، كقولهم:

وهند أتى من دونها النأيُ والبعدُ

فقالوا: فالنأي هو البعد، قالوا: وكذلك قول الآخر إن الحبس هو الإصْرُ.

ونحن نقول: إن في قعد معنىً ليس في جلس، ألا ترى أنا نقول (قام ثم قعد) و (أخذه المقيم والمقْعِدُ) و (قعدت المرأة عن الحيض) ونقول لناس من الخوارج (قَعَدٌ) ثم نقول: (كان مضطجعاً فجلس) فيكون القعود عن قيام، والجلوس عن حالة هي دون الجلوس؛ لأن (الجَلْسَ: المرتفع) فالجلوس ارتفاع عما هو دونه، وعلى هذا يجري الباب كله.

وأما قولهم: إن المعنيين لو اختلفا لما جاز أن يعبر عن الشيء بالشيء _ فإنا نقول: إنما عبر عنه من طريق المشاكلة، ولسنا نقول إن اللفظتين مختلفتان، فيلزمنا ما قالوه، وإنما نقول: إن في كل واحدة منهما معنىً ليس في الأخرى+( ).

وقال آخرون: إن الترادف واقع، وله فوائد، وهو قول كثير ممن ألف في هذا الباب كابن خالويه، والفيروزبادي، وغيرهم.

والحاصل _ كما قال العلامة _ عز الدين بن جماعة _: =أن من جعلها مترادفة ينظر إلى اتحاد دلالتها على الذات، ومن يمنع ينظر إلى اختصاص بعضها بمزيد معنى فهي تشبه المترادفة في الذات، والمتباينة في الصفات+( ).

فإذا قلنا _ على سبيل المثال _: إن الله هو السميع، العليم، البصير، الخالق، الباري، المصور، فهذه الأسماء مترادفة باعتبار دلالتها على ذات واحدة ومسمى واحد هو الله _ عز وجل _ .

وهي متباينة باعتبار أن في السميع معنىً غير المعنى الذي في البصير، وهكذا...

وكذلك أسماء الرسول " الحاشر، والعاقب، وغيرها؛ فهي مترادفة باعتبار أنها دلت على مسمى واحد وهو الرسول ".

وهي متباينة لاختلاف معنى الحاشر عن العاقب وهكذا.

وإلى هذا الرأي مال شيخ الإسلام ابن تيمية × في الرسالة التدمرية وغيرها( ).

رابعاً: أسباب وقوع الترادف: قال السيوطي ×: =قال أهل الأصول: لوقوع الألفاظ المترادفة سببان:

أحدهما: أن يكون من واضِعَيْنِ، وهو الأكثر بأن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين، والأخرى الاسم الآخر للمسمى الواحد من غير أن تشعر إحداهما بالأخرى، ثم يشتهر الوضعان، ويخفى الواضعان، أو يلتبس وضع أحدهما بوضع الآخر؛ وهذا مبني على كون اللغات اصطلاحية.

والثاني: أن يكون من واضع واحد وهو الأقل+( ).

خامساً: فوائد المترادف: لوقوع المترادف _ عند القائلين به فوائد عديدة ترجح ما ذهبوا إليه، وترد على من يقول بمنع وقوعه، ومن تلك الفوائد ما يلي( ):

1_ أن تكثر الوسائل إلى الإخبار عما في النفس؛ فإنه ربما نسي أحد اللفظين، أو عسر عليه النطق به.

وكان واصل بن عطاء ألثغ، فلم يُحفظ عنه أنه نطق بالراء، ولولا المترادفات تعينه على قصده لما قدر على ذلك.

2_ التوسع في سلوك طرق الفصاحة، وأساليب البلاغة في النظم والنثر؛ وذلك لأن اللفظ الواحد قد يتأتى _ باستعماله مع لفظ آخر _ السجعُ، والقافيةُ، والتجنيس، والترصيع، وغير ذلك من أصناف البديع، ولا يتأتى ذلك باستعمال مرادفه مع ذلك اللفظ.

3_ المراوحة في الأسلوب، وطرد الملل والسآمة؛ لأن ذكر اللفظ بعينه مكرراً قد لا يسوغ، وقد يُمَجُّ، ولا يخفى أن النفوس موكلة بمعاداة المعادات.

4_ قد يكون أحد المترادفين أجلى من الآخر فيكون شرحاً للآخر الخفي.

وقد ينعكس الحال بالنسبة إلى قوم دون آخرين.

سادساً: المؤلفات في المترادف( ): ألف في المترادف مجموعة من العلماء، منهم العلامة مجد الدين الفيروز أبادي صاحب القاموس، حيث ألف كتاباً سماه (الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف).

وأفرد خلق من الأئمة كتباً في أشياء مخصوصة؛ فألف ابن خالوية كتاباً في أسماء الأسد، وكتاباً في أسماء الجنة.

أما الكتب التي تحدثت عن المترادف ضمناً فكثيرة، ومنها المزهر للسيوطي، حيث خصص النوع السابع والعشرين منه في معرفة المترادف.

سابعاً: أمثلة من المترادف( ):

1_ العسل: له ثمانون اسماً أوردها صاحب القاموس في كتابه الذي سماه (ترقيق الأسل لتصفيق العسل).

ومن تلك الأسماء: العسل، والضَّرب، والضَّرَبة، والضَّريب، والشَّوب، والذَّوب، والحميت، والتحموت، والجَلْس، والورس، والشَّهد، والشُّهد، والماذي، ولعاب النحل، والرحيق، وغيرها.

2_ السيف: ومن أسمائه مما ذكره ابن خالويه في شرح الدريدية: الصارم، والرِّداء، والخليل، والقضيب، والصفيحة، والمُفَقِّر، والصمصامة، والكهام، والمشرفي، والحسام، والعضب، والمذكَّر، والمهند، والصقيل، والأبيض، وغيرها.

3_ يقال: أخذه بأجْمَعِه، وأجْمُعِه، وبحذافيره، وجذاميره، وجزاميره، وجراميزه، وبجملته.

4_ العمامة: ويقال: الشوذ، والسِّبّ، والعصابة، والتاج، والمِكْورة.

5_ وقال ابن السكيت: العرب تقول: لأقيمن ميلَك، وجنفك، ودرْأك، وصغاك، وصدَعك، وقذَلك، وضِلعك كله بمعنى واحد.

6_ ويقال: قُطعت يده، وجُذِمت، وبُتِرَت، وبُتِكت، وبُصِكت، وصُرِمت، وتُرَّت، وجُذَّت.

7_ ويقال: وقع ذلك في رُوعي، وخَلَدي، وَوَهْمي، بمعنى واحد.

8_ وفي أمالي ثعلب يقال: سويداء قلبه، وحبَّة قلبه، وسواد قلبه، وسوادة قلبه، وجُلجُلان قلبه، وسوداء قلبه بمعنى واحد.

9_ وفي الجمهرة: قال أبو زيد: قلت لأعرابي: ما المُحْبَنْطَى( )؟ قال: المتكأكئ، قلت: ما المتكأكئ؟ قال: المتآزف، قلت ما المتآزف؟ قال: أنت أحمق.

الفصل الثالث: الاشتقاق، والقياس

وتحته مبحثان:

المبحث الأول: الاشتقاق.

المبحث الثاني: القياس.

 الفصل الثالث الاشتقاق، والقياس

 المبحث الأول: الاشـتـقاق

أولاً: تعريف الاشتقاق:

أ _ تعريفه في اللغة: الاشتقاق في اللغة أخذ شيء من شيء.

قال ابن منظور ×: =اشتقاق الشيء: بنيانه من المرتجل، واشتقاق الكلام: الأخذ به يميناً وشمالاً، واشتقاق الحرف من الحرف: أخذه منه+( ).

ب _ تعريفه في الاصطلاح: عرف الاشتقاق بعدة تعريفات منها:

1_ هو أخذ صيغة من أخرى مع اتفاقهما معنىً ومادة أصلية، وهيئة تركيب لها؛ ليُدَلَّ بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة؛ لأجلها اختلفا حروفاً أو هيئة( ).

2_ وعرف بأنه: عملية استخراج لفظ من لفظ، أو صيغة من صيغة أخرى( ).

3_ وعرف بأنه: استخراج لفظ من لفظ آخر متفق معه في المعنى والحروف الأصلية( ).

4_ وعرف بأنه: أخذ كلمة من كلمة أخرى أو أكثر مع تناسبٍ بينهما في اللفظ والمعنى( ).

ج _ أمثلة على الاشتقاق: ضارب من ضرب، وحَذِرٌ من حَذِر، وهكذا...

د _ طريقة معرفة الاشتقاق: أما طريقة معرفته فتكون من خلال تقليب تصاريف الكلمة حتى يرجع منها إلى صيغة هي أصل الصيغ دلالة اطرادٍ، أو حروفاً غالباً، كضرب فإنه دال على مطلق الضرب فقط.

أما ضارب ومضروب، ويضرب، واضْرب فكلها أكثر دلالة، وأكثر حروفاً.

وضَرب الماضي مساوٍ حروفاً، وأكثر دلالة، وكلها مشتركة في (ض ر ب) وفي هيئة تركيبها.

هذا هو الاشتقاق الصرفي المعروف المحتج به الذي ينصرف الذهن إليه عند إطلاق الاشتقاق، وهو ما يعرف عند بعض اللغويين كابن جني بالاشتقاق الصغير أو الأصغر، حيث قال: =فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم كأن تأخذ أصلاً من الأصول، فتتقَّراه، فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغه ومبانيه.

وذلك كتركيب (س ل م) فإنك ما تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه، نحو: سلم، ويسلم، وسالم، وسلمان، وسلمى، والسلامة، والسليم: اللديغ؛ أطلق عليه تفاؤلاً بالسلامة.

وعلى ذلك بقية الباب إذا تأولته، وبقية الأصول غيره كـ: تركيب (ض ر ب) و (ج ل س) و (ز ب ل) على ما في أيدي الناس من ذلك؛ فهذا هو الاشتقاق الأصغر+( ).

ثانياً: أقوال العلماء في وقوع الاشتقاق في اللغة:

قال السيوطي ×: =واختلفوا في الاشتقاق الأصغر؛ فقال سيبويه، والخليل، وأبو عمرو، وأبو الخطاب، وعيسى بن عمر، والأصمعي، وأبو زيد، وابن الأعرابي، والشيباني، وطائفة: بعض الكلم مشتق، وبعضه غير مشتق.

وقالت طائفة من المتأخرين اللغويين: كل الكلم مشتق؛ ونسب ذلك إلى سيبويه والزجاج.

وقالت طائفة من النظار: الكلم كله أصل، والقول الأوسط تخليط لا يعد قولاً؛ لأنه لو كان كل منها فرع للآخر لدار أو تسلسل، وكلاهما محال؛ بل يلزم الدور عيناً؛ لأنه يثبت لكل منها أنه فرع، وبعض ما هو فرع لابد أنه أصل؛ ضرورةَ أن المشتق كله راجع إليه _ أيضاً _.

لا يقال: هو أصل وفرع بوجهين؛ لأن الشرط اتحاد المعنى، والمادة، وهيئة التركيب؛ مع أن كل منها مفرَّع عن الآخر بذلك المعنى+( ).

وقال ابن فارس ×: =باب القول على لغة العرب هل لها قياس، وهل يشتق بعض الكلام من بعض؟

أجمع أهل اللغة _ إلا من شذ منهم _ أن للغة العرب قياساً، وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض، وأن اسم الجن مشتق من الاجتنان، وأن الجيم والنون تدلان أبداً على الستر، تقول العرب للدرع: جُنَّة، وأجَنَّه الليل، وهذا جنين، أي هو في بطن أمه أو مقبور، وأن الإنس من الظهور؛ يقولون: آنَسْتُ الشيء: أبصرته.

وعلى هذا سائر كلام العرب، علم ذلك من علم وجهله من جهل.

قلنا: وهذا _ أيضاً _ مبني على ما تقدم من قولنا في التوقيف؛ فإن الذي وقفنا على أن الاجتنان التستر هو الذي وقفنا على أن الجن مشتق منه.

وليس لنا اليوم أن نخترع ولا أن نقول غير ما قالوه ولا أن نقتبس قياساً لم يقيسوه؛ لأن في ذلك فسادَ اللغة وبطلان حقائقها.

ونكتة الباب أن اللغة لا تؤخذ قياساً نقيسه الآن نحن+( ).

وقال ابن دحية في التنوير: =الاشتقاق من أغرب كلام العرب، وهو ثابت عن الله _ تعالى _ بنقل العدول عن الرسول _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم _ لأنه أوتي جوامع الكلم، وهي جمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة؛ فمن ذلك قوله فيما صح عنه: =يقول الله: أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي+ وغير ذلك من الأحاديث+( ).

أما أكثر العلماء كلاماً على الاشتقاق فهو ابن جني _ كما مضى النقل عنه، وكما سيأتي _ .

ثالثاً: التغييرات بين الأصل المشتق منه والفرع المشتق:

قال السيوطي: =ثم التغييرات بين الأصل المشتق منه والفرع المشتق خمسة عشر:

الأول _ زيادة حركة، كعِلْم وعَلِم.

الثاني _ زيادة مادة، كطالب وطلب.

الثالث _ زيادتهما، كضارب وضَرَب.

الرابع _ نقصان حركة، كالفرس من الفرس.

الخامس _ نقصان مادة، كثبت وثبات.

السادس _ نقصانهما، كنَزَا ونزوان.

السابع _ نقصان حركة وزيادة مادة، كغضبى وغضب.

الثامن _ نقص مادة وزيادة حركة، كحرم وحرمان.

التاسع _ زيادتهما مع نقصانهما، كاستنوق من الناقة.

العاشر _ تغاير الحركتين، كبَطِر بَطَراً.

الحادي عشر _ نقصان حركة وزيادة أخرى وحرف، كاضرب من الضرب.

الثاني عشر _ نقصان مادة وزيادة أخرى، كراضع من الرضاعة.

الثالث عشر _ نقص مادة بزيادة أخرى وحركة، كخاف من الخوف؛ لأن الفاء ساكنة في خوف؛ لعدم التركيب.

الرابع عشر _ نقصان حركة وحرف وزيادة حركة فقط، كعِدْ من الوَعْد؛ فيه نقصان الواو وحركتها وزيادة كسرة.

الخامس عشر _ نقصان حركة وحرف وزيادة حرف، كفاخر من الفخار، نقصت ألف، وزادت ألف وفتحة+( ).

رابعاً: المؤلفات في الاشتقاق: قال السيوطي ×: =أفرد الاشتقاق بالتأليف جماعة من المتقدمين منهم الأصمعي، وقطرب، وأبو الحسن الأخفش، وأبو نصر الباهلي، والمفضل بن سلمة، والمبرِّد، وابن دريد، والزجَّاج، وابن السراج، والرماني، والنحاس، وابن خالويه+( ).

وممن كتب في الاشتقاق العلامة محمد بن علي الشوكاني × حيث ألف كتاباً اسمه (نزهة الأحداق).

وممن كتب في الاشتقاق صديق خان × في كتابه (العلم الخفاق من علم الاشتقاق).

ومن المحدثين عبدالقادر المغربي في كتابه (الاشتاق والتعريب).

ومنهم عبدالله أمين في كتابه (الاشتقاق) وقد بلغ فيه الغاية القصوى _ كما قال الأستاذ عبدالسلام هارون _( ).

وأما الذين أودعوه مؤلفاتهم من المحدثين فكثير منهم د. إبراهيم أنيس في كتابه (من أسرار اللغة) ود. علي عبدالواحد وافي في كتابه (فقه اللغة) ود. إميل يعقوب في كتابه (فقه اللغة العربية وخصائصها) وغيرهم كثير.

خامساً: أقسام الاشتقاق:

1_ الاشتقاق الصرفي: وهو ما يسميه ابن جني بالصغير أو الأصغر وقد مضى الحديث عنه.

2_ الاشتقاق الأكبر: وأول من قال به ابن جني؛ حيث قال في الخصائص:

باب في الاشتقاق الأكبر

هذا موضع لم يسمِّه أحد من أصحابنا، غير أن أبا علي( ) × كان يستعين به، ويخلد إليه، مع إعواز الاشتقاق الأصغر، لكنه _ مع هذا _ لم يسمِّه، وإنما كان يعتاده عند الضرورة، ويتروح إليه، ويتعلل به.

وإنما هذا التلقيب لنا نحن، وستراه، فتعلم أنه لقب مستحسن؛ وذلك أن الاشتقاق عندي على ضربين: كبير وصغير+( ).

ثم عرف الصغير _ كما مر _ وعرف الكبير، وسماه الأكبر حيث قال:

 =وأما الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثية، فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً، وتجتمع عليه التراكيب الستة، وما يتصرف من كل واحد منها عليه.

وإن تباعد شيء من ذلك عنه رُدَّ بلطف الصنعة والتأويل إليه+( ).

ثم ذكر أمثلة لذلك؛ وأحال إلى ما ذكره في أول الكتاب؛ حيث كان يذكر الكلمة، وتقليباتها ثم يجعل بينهما معنى عاماً مشتركاً تدور حول هذه المادة وسائر تقليباتها، وما ذكره من أمثلة ما يلي( ):

 أ _ (كلم): وتقليباتها: كمل، مكل، ملك، لكم، لمك، _ وتفيد كلها معنى (القوة والشدة).

ب _ (قول): وتقليباتها: قلو، وَقَل، وَلَقَ، لقو، لوق _ وتفيد كلها معنى: (الإسراع والخفة).

ج _ (جبر): وتقليباتها: جرب، بَجر، بَرَجَ، رجب، ربج _ وتفيد كلها معنى (القوة والشدة).

د _ (قسو): وتقليباتها: قَوَس، وَقَسَ، وَسق، سوق، سقو _ وتفيد كلها معنى (القوة والاجتماع).

هـ _ (سمل): وتقليباتها: سلم، مسل، ملس، لمس، لسم _ وتفيد كلها معنى (الإصحاب والملاينة).

هذان هما القسمان المشهوران للاشتقاق، والأخير منهما من صنيع ابن جني.

وهما عنده صغير ويسميه أصغر، وكبير ويسميه أكبر.

وهناك تقسيمات أخرى لبعض المحدثين كعبدالله أمين في كتابه الاشتقاق، وغيره ممن كتبوا في الاشتقاق، حيث يقسمون الاشتقاق تقسيماً أخر على نحو ما يأتي( ):

 1_ الاشتقاق الصرفي الصغير _ كما مر _ وعرفه بأنه: انتزاع كلمة من كلمة أخرى بتغيير في الصيغة مع تشابه بينهما في المعنى، واتفاق في الأحرف الأصلية، وفي ترتيبها. .

2_ الاشتقاق الكبير: ويقصد به انتزاع كلمة من أخرى بتغيير في بعض أحرفها مع تشابه بينهما في المعنى، واتفاق في الأحرف الثابتة وفي مخارج الأحرف المغيَّرة.

ويعرف هذا عند بعض العلماء بـ (القلب المكاني) ( ).

ومن أمثلته قولهم: جبذ وجذب، وما أطيبه وما أيطبه، وربض، ورضب، وصاعقة، وصاقعة، ولعمري، ورعملي، واضمحل، وامضحل، وعميق، ومعيق، وأسيرٌ مكَلَّبٌ، ومكبَّلٌ، وسبسب وبسبس: القفر، وشرخ الشباب وشخره: أوله، وعاث ويعيث، وعثا يعثي: إذا أفسد، وأحجمت عن الأمر وأجحمت وهكذا. . .

وسيأتي مزيد كلام عن هذا عند الحديث عن القلب المكاني.

3_ الاشتقاق الكُبَار، أو ماسماه ابن جني: الاشتقاق الكبير أو الأكبر: وهو أن تتحد الكلمات في بعض الحروف، وتختلف في باقيها مع اتحادها في المخرج.

مثل: نعق ونهق: العين والهاء حرفان حلقيان.

ومثل: هتن، وهتل، وهطل.

4_ الاشتقاق الكبَّار: وهو أن يؤخذ من كلمتين أو أكثر كلمة واحدة، وهو ما يعرف بالنحت.

مثاله قولهم في: أدام الله عزك: د معزة، وفي: لا حول ولا قوة إلا بالله: حوقلة، وفي بسم الله: بسملة.

كما قال الشاعر:

لقد بسملت ليلى غداة لقيتها

                   فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل

وفي قولهم: في عبدشمس: عبشمي كما في قول الشاعر:

وتضحك مني شيخة عبشمية

                   كأن لم تر قبلي أسيراً يمانيا

وسيأتي مزيد حديث عن النحت بخصوصه.

سادساً: من آراء ابن جني في الاشتقاق:

يعد ابن جني × من أعظم وأقدم من توسع في الاشتقاق من علماء العربية إن لم يكن أعظمهم، وفيما يلي خلاصات لبعض آرائه في الاشتقاق في كتابه الخصائص:

1_ لا ندعي أن الاشتقاق الأكبر مستمر في جميع اللغة؛ فهو لا يطرد ولا ينقاس في كل أصل، على أنك إذا أنعمت النظر ولاطفته، وتركت الضجر وتحاميته _ لم تعدم قرب بعض من بعض.  1/67 و 1/493

2_ منفعة الاشتقاق لصاحبه: أن يسمع الرجل اللفظة، فيشك فيها، فإذا رأى الاشتقاق قابلاً لها أنس بها، وزال استيحاشه منها.  1/367

3_ العرب إذا اشتقت من الأعجمي خلطت فيه.  1/358

4_ الحروف يشتق منها، ولا تشتق هي أبداً.  1/419

5_ الألِفاتُ التي في الحروف والأصوات غير منقلبة عن شيء، نحو ألف (لا) و (ما) و (قاف) فإذا اشتققت منها استحالت تلك الألف وصارت كالمنقلبة، ويعتقد فيها حينئذ أنها عن واو، عملاً بالأكثر في الألفات، فتقول: مَوَّيت ولَوّيت وقوّفت.  1/285

6_ كثر اشتقاق الأفعال من الأصوات الجارية مجرى الحروف، نحو هاهيت، وسَأْسَأْتُ، وشَأْشَأْتُ، وحَأْحَأْتُ، وحَاْحَيْتُ، وعَاعَيْتُ، وهذا كثير في الزجر. 1/514، 421

7_ اشتقوا أسماء للأشياء من أصواتها، نحو: الخَازِبَازِ، والبَطّ، والوَاقِ، وغَاقِ، وحَاءِ، وعَاء، وهَاءِ.  1/514

8_ اشتقوا أفعالاً من المركبات، نحو: بَسْملتُ، وهَيْلَلْتُ، وحَوْقَلْتُ.  1/5514

9_ المصدر يشتق من الجوهر، كالنبات من النبت، ومن الحرف نحو: اللاَّلاَة واللَّولاَة.  1/417

10_ كثير من الأفعال مشتق من الحروف، نحو: لوْلَيْتَ لي، ولالَيْتَ لي، وسوَفَّ، وجميع تصرفات (ن ع م) إنما هو من حرف الجواب (نَعَمْ) وجميع تصرفات (ب ج ل) إنما هو من (بَجَلْ) بمعنى حسبك.  1/417_419

11_ لو اشتققت من الجار والمجرور (بأبي أنت) بعد أن تعتقد تركيبه _ اشتقاقاً صوتياً لقلت: بأبأت به بِئْبَاءً وبَأْبَأةً، وصار نحو زلزل زِلزالاً وزلزلة، بل اشتق منه (بِئَب) على وزن عِنَب.  1/285_286

12_ (الناقة) من التنوق في الشيء وتحسينه، و (الجمل) فَعُلٌ من الجمال، و (الوِشَاء) فَعَالٌ من الوَشْي، وما بالدار (دِبِّيج) فِعِّيل من الديباج، و (إنسان) فعلان من الإنس.

وكلها ألفاظ متلاقية المعنى في الاشتقاق مما أخذت منه.  1/159_160

13_ اشتقوا اسماً للناقة من لفظ (الجمل) فقالوا: جُماليَّة، تشبيهاً لها به في شدته وعلوِّ خَلْقه.  1/308

14_ (هَلْمَمْت) مشتق من (هَلُمَّ) التي أصلها: ها ولُمَّ.  1/287

15_ لا يستنكر أن يكون في الأسماء غير الجارية على الأفعال معاني الأفعال، نحو: مفتاح ومَنْسج، ومُسْعُط، ومنديل، ودار، وحائِش، وحائط، وعاثر؛ فهي من: الفتح، والنسج، والإسعاط، والنَّدْل، والدَّوْر، والحوش، والحَوْط، والعَوَر _ وفيها كلها معاني الأفعال الملاقية لها في الاشتقاق.  1/158

 المبحث الثاني: القــيـاس

أولاً: تعريفه:

أ _ تعريفه في اللغة والشرع: القياس مصدر الفعل قاس.

قال ابن منظور×: =قاس الشيء يقيسه، قيساً، وقياساً، واقتاسه، وقيَّسه: إذا قدر على مثاله+( ).

وقال: =ويقال: قايست بين شيئين إذا قادرت بينهما+( ).

وقال الجرجاني×: =القياس في اللغة: عبارة عن التقدير، يقال: قست النعل بالنعل إذا قدرته وسوّيته، وهو عبارة عن رد الشيء إلى نظيره+.

ثم بين×: تعريفه في الشرع فقال: =وفي الشريعة عبارة عن المعنى المستنبط من النص؛ لتعديه الحُكْمَ من المنصوص عليه إلى غيره، وهو الجمع بين الأصل والفرع في الحكم+( ).

وحدَّه ابن حزم × بقوله: =هو أن تحكم للثاني المختلف فيه الذي لا نص فيه بمثل الحكم في المنصوص عليه+( ).

ب _ مفهوم القياس عند علماء النحو واللغة: القياس عند علماء النحو واللغة قريب من القياس الفقهي؛ لأن بينهما _ كما يقول ابن الأنباري _: =من المناسبة ما لا خفاء فيه؛ لأن النحو معقول من منقول، كما أن الفقه معقول من منقول+( ).

فالقياس عند النحويين يعني: التقعيد، أو استخراج القواعد بعد تتبع كلام العرب؛ حيث كانوا يقيسون كلاماً على آخر من كلام العرب.

وبعد ذلك صار القياس بمعنى الإضافة، أي إضافة كلام إلى لغة العرب بعد قياس على لغة العرب.

هذا هو معنى القياس الذي تدور تعريفاته حوله.

قال أبو البركات ابن الأنباري ×: =القياس هو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه+( ).

وقيل: = هو رد الشيء إلى نظيره، واكتشاف المجهول من المعلوم+( ).

كما عُرِّف بأنه =محاكاة العرب في طرائقهم اللغوية، وحمل كلامنا على كلامهم في صوغ أصول المادة، وفروعها، وضبط الحركات، وتركيب الكلمات، وما يتبع ذلك من إعلال، وإبدال، وإدغام، وحذف وزيادة+( ).

ج _ أركان القياس( ): من خلال ما مضى يتبين أن للقياس أربعة أركان:

1_ المقيس عليه وهو الأصل المعلوم، ويعنون به شيئين: أحدهما المادة اللغوية المنقولة من العرب بطريق السماع، والرواية بالمشافهة، أو التدوين.

وثانيهما: القواعد النحوية التي صاغها النحاة من استقراء تلك المادة.

2_ المقيس: وهو الفرع المجهول، وهو ما كان محمولاً على كلام العرب.

3_ الشبه أو العلاقة أو العلة الجامعة: وهو ما قدَّره النحويون من أسباب استحق بموجبها المقيسُ حكمَ المقيس عليه.

4_ الحكم: وهو ما يسري على المقيس مما هو في المقيس عليه.

ثانياً: أنواع القياس( ): تجري كلمة القياس عند البحث في معاني الألفاظ العربية، وأحكامها فَتَرِد على أربعة أوجه:

أحدها: حمل العرب أنفسِهم لبعض الكلمات على أخرى، وإعطاؤها حكمها لوجه يجمع بينهما، كما يقال: أُعرب الفعل المضارع قياساً على الاسم لمشابهته له في احتماله؛ لمعان لا يتبين المراد منها إلا بالإعراب.

والقياس بهذا المعنى واقع من العرب أنفسهم، ويذكره النحوي؛ تنبيهاً على علة الحكم الثابت عنهم بالنقل الصحيح.

وليس هذا الضرب من القياس داخلاً في ما نحن بصدده.

ثانيها: ان تعمد إلى اسم وُضع لمعنىً يشتمل على وصف يدور معه الاسم وجوداً وعدماً؛ فتعدي هذا الاسم إلى معنى آخر تحقق فيه ذلك الوصف، وتجعل هذا المعنى من مدلولات ذلك الاسم لغةً.

ومثال هذا اسم الخمر عند من يراه موضوعاً للمعتَصَر من العنب خاصة، وما وضع للمعتصر من العنب إلا لوصف هو مخامرته للعقل وستره، فإذا وجد عصير من غير العنب يشارك المعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة للعقل، فإن من يقول بصحة هذا القياس يجعل هذا العصير من أفراد الخمر ويسميه خمراً تسمية حقيقية لغوية.

وإن شئت مثالاً آخر فانظر في اسم السارق عند من يقول: إنه موضوع لمن يأخذ مال الأحياءُ خفيةً؛ فإنك تجد من ينبش القبور لأخذ ما على الموتى من أكفان _ قد شارك من يأخذ أموال الأحياء في وصف أخذ المال خفية، ومقتضى صحة هذا الضرب من القياس أن تجعل اسم السارق متناولاً للنبّاش على وجه الحقيقة اللغوية، وتكون هذه الحقيقة قد تقررت من طريق القياس لا من طريق السماع.

وهذا الضرب من القياس هو الذي ينظر إليه علماء أصول الفقه عندما يتعرضون لمسألة: (هل تثبت اللغة بالقياس).

ثالثها: إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب حتى انتظمت منه قاعدة عامة كصيغ التصغير والنسب والجمع.

وأصل هذا أن الكلمات الواردة في كلام العرب على حالة خاصة، يستنبط منها علماء العربية قاعدة تخول المتكلم الحق في أن يقيس على تلك الكلمات الواردة، ما ينطق به من أمثالها.

رابعها: إعطاءُ الكلمِ حُكْمَ ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه، كما أجاز الجمهور ترخيم المركب المزجي قياساً على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث، وكما أجاز طائفة حذف الضمير المجرور العائد من الصلة إلى الموصول متى تعين حرف الجر، قياساً على حذف الضمير العائد من جملة الخبر إلى المبتدأ، فتقول: قضيتُ الليلة التي ولدتَ في سرور، أي ولدت فيها، جاز لك أن تقول: هذا الكتاب الورقة تساوي درهماً، أي الورقة منه بدرهم.

ثالثاً: آراء العلماء في القياس: يرى ابن فارس × أنه يجب الوقوف عند المسموع من كلام العرب، وأنه لا يصح لنا أن نقيس قياساً لم يقسه العرب؛ فهو يرى أن العرب قاسوا ولكن لا يسوغ لنا أن نقيس على ما قاسوه شيئاً، بل نعتقد أن اللغة وقف.

وقد عقد في كتابه الصاحبي باباً عنوانه: (باب القول على لغة العرب: هل لها قياس، وهل يشتق بعض الكلام من بعض؟ ).

ثم قال: =أجمع أهل اللغة _ إلا من شذ _ أن للغة العرب قياساً، وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض+ ( ).

إلى أن قال: =وليس لنا اليوم أن نخترع، ولا أن نقول غير ما قالوه، ولا نقيس قياساً لم يقيسوه؛ لأن في ذلك فساد اللغة، وبطلانَ حقائقها.

ونكتة الباب أن اللغة لا تؤخذ قياساً نقيسه الآن نحن+( ).

أما ابن جني × وهو ممثل مدرسة أبي علي الفارسي، وأبي عثمان المازني _ فإنه يرى القياس، وقد عقد في كتابه (الخصائص) باباً عنوانه: (باب في أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب).

وقال تحته: =هذا موضع شريف، وأكثر الناس يضعف عن احتماله؛ لغموضه ولطفه.

والمنفعة به عامة، والتساند إليه مقوٍّ مُجْدٍ.

وقد نص أبو عثمان _ يعني المازني _ فقال: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؛ ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت البعض فقِست عليه غيره؛ فإذا سمعت (قام زيدٌ) أجزْت: ظَرُفَ بِشْرٌ، وكرمُ خالدٌ.

قال أبو علي _ يعني الفارسي _: إذا قلت: (طاب الخُشْكُنان) فهذا من كلام العرب؛ لأنك بإعرابك إياه قد أدخلته كلام العرب.

ويؤكد هذا عندك أن ما أعرب من أجناس الأعجمية قد أجرته العرب مجرى أصول كلامها؛ ألا تراهم يصرفون في العلم نحو آجُرّ، وإبْرَيْسَيم، وفِرِنْدٍ، وفيروزجٍ، وجميعَ ما تدخله لام التعريف.

وذلك أنه لما دخلته اللام في نحو الديباج، والفِرِنْدِ، والسُِّهريز( )، والآجُرّ _ أشبه أصول كلام العرب، أعني النكرات؛ فجرى في الصرف ومَنْعِه مجراها.

قال أبو علي: ويؤكد ذلك أن العرب اشتقت من الأعجمي النكرة، كما تشتق من أصول كلامها، قال رؤبة:

هل يُنجِينِّي حلف سِخْتيت( )

                   أو فضة أو ذهب كبريت

قال: فـ (سِخْتيت) من السخْت، كـ (زحلِيل) من الزحل.

وحكى لنا أبو علي عن ابن الأعرابي أظنه قال: يقال دَرْهمت الخُبَّازي، أي صارت كالدراهم، فاشتق من الدرهم وهو اسم أعجمي.

وحكى أبو زيد: رجل مُدَرْهَم، قال: ولم يقولوا منه: دُرْهِم؛ إلا أنه إذا جاء اسم المفعول فالفعل نفسَه حاصل في الكف، ولهذا أشباه+.

إلى آخر ما قاله ابن جني في ذلك الباب( ).

رابعاً: طريقة العلماء في استنباط قواعد القياس( ):

من الجلي أن العرب لم يصرحوا بعمل القياس في شيء من أحوال الكلم أو نظم الكلام، ولكن علماء اللسان يتتبعون موارد كلامهم، ويتعرفون أحواله؛ فإذا وجدوا في الكلم نفسها، أو تأليفها حالاً جرى عليها العرب بحيث يصح أن تكون موضع قدوة استنبطوا منها قاعدة؛ ليقاس على تلك الألفاظ المسموعة أشباهها ونظائرها.

وقد يختلفون في صحة القياس لأسباب سيأتي ذكرها في الفقرة التالية.

خامساً: أسباب اختلاف العلماء في القياس( ): هناك أسباب لاختلاف العلماء في صحة القياس منها:

1_ أن يتوافر لدى العالِم من استقراء كلام العرب ما يكفي لتركيب قاعدة؛ فيجيز القياس، ولا يبلغ الآخر بتتبعه مقدار ما يؤخذ منه حكمٌ كلي؛ فيَقْصُر الأمر على السماع.

2_ قد يستوي الفريقان، أو يتقاربان فيما عرفوه من الشواهد، ويكتفي به أحدهما في فتح باب القياس، ويستقله الآخر؛ فلا يتخطى به حد السماع.

3_ قد يختلفون في القياس؛ نظراً إلى ما يقف لهم من الأحوال التي تعارض السماع؛ فالكوفيون الذين يكتفون في بعض الأقيسة بالشاهد والشاهدين _ قالوا:

إن صيغ المبالغة: (فعَّال ومِفْعال وفعول) لا تعمل عمل اسم الفاعل، وأخذوا يؤلون الشواهد التي سردها البصريون مثل:

أخو الحرب لباساً إليها جلالها

                   وليس بولاج الخوالف أعقلا

واعتذروا عن عدم قبولها والتمسك بظاهرها بأن اسم الفاعل إنما عمل لشبهه بالفعل المضارع في وزنه، والصيغُ المذكورةُ لم تجئ على الوزن الذي قرب اسم الفاعل من أصله الذي هو المضارع، أخذاً بتلك الشواهد، وأبطلوا ما اعتذر به الكوفيون؛ فقالوا في جوابهم: إن المبالغة التي قوي بها المعنى في تلك الأبنية جبرت ما نقصها من الشبه في اللفظ؛ فنقابل مشابهة اسم الفاعل للمضارع في اللفظ بزيادة المعنى الذي اختصت به أبنية المبالغة؛ فتحصُل الموازنة، والتساوي في طلب العمل من غير تفاضل.

4_ اختلاف أنظارهم في الشاهد أو الشواهد التي تذكر؛ ليقاس عليها؛ فيختلفون في أمانة ناقلها، أو في صحة عربية قائلها، أو في وجوه فهمها وإعرابها.

ومن لا يثق بأمانة الناقل للكلام، أو لايسلِّم أن الكلام صادر ممن ينطق بالعربية الصحيحة لا يقيم لذلك الكلام وزناً، ولا يعوِّل عليه شيء من أحكام اللسان.

وإذا تبادر إلى ذهن عالم في فهم الكلام، وإعرابه وجهٌ يفتح له السبيل لأن يستنبط منه حكماً، ويقيم منه قاعدة _ فقد يتبادر إلى ذهن غيره في فهمه وإعرابه وجهٌ يطابق أصلاً من الأصول الثابتة من قبل؛ فيخالف في ذلك الحكم، ويراه خارجاً عن سنن القياس، ومبنياً على غير أساس.

سادساً: تقسيم اللغة من حيث القياس والاستعمال: قسم ابن جني اللغة من حيث القياس والاستعمال، وكون الكلام في ذلك مطرداً أو شاذاً إلى أربعة أقسام، وهي( ):

1_ مطرد في القياس والاستعمال جميعاً: وهذا هو الغاية المطلوبة، وذلك نحو: قام زيد، وضربت عمراً، ومررت بسعيد.

فالفاعل يطرد رفعه قياساً واستعمالاً، والمفعول به يطرد نصبه قياساً واستعمالاً، والمجرور يطرد جره قياساً واستعمالاً.

2_ مطرد في القياس شاذ في الاستعمال: وذلك نحو الماضي من الفعل: يَذَر ويدع.

وهذا تتحامى ما تحامت العرب من ذلك، و تجري في نظيره على الواجب في أمثاله من ذلك: وذر، وودع؛ لأنهم لم يقولوها.

3_ المطرد في الاستعمال الشاذ في القياس: نحو قولهم: استصوبت الشيء، ولا يقال: استصبت، وكذلك استحوذ، واستنوق الجمل.

4_ الشاذ في القياس والاستعمال جميعاً: وذلك كتَتْميم مفعول فيما عينه واو نحو: ثوب مصون، ومسك مَدْوُف( ).

وحكى البغداديون: فرس مقوود، ورجل معوود من مرضه.

وكل ذلك شاذ في القياس والاستعمال؛ فلا يسوغ القياس عليه، ولا ردُّ غيره إليه، ولا يحسن _ أيضاً _ استعماله فيما استعملته فيه إلا على وجه الحكاية.

قال ابن جني بعد ذلك: =واعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال، وشذ عن القياس فلا بد من اتباع السمع الوارد فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلاً يقاس عليه غيره.

ألا ترى أنك إذا سمعت: استحوذ، واستصوب أدَّيتَهُما بحالهما، ولم تتجاوز ما ورد السمع فيهما إلى غيرهما؟

ألا تراك لا تقول في استقام: استقوم، ولا في استساغ: استسوغ، ولا في استباع: استبيع، ولا في أعاد: أعْود+( ).

سابعاً: الكتب المؤلفة في القياس: اعتنى العلماء في القياس، ولعل أظهر وأكثر من اهتم به في القديم أبو الفتح ابن جني في كتابه الخصائص، حيث ضمنه آراءه في القياس، وذلك في مواضع متفرقة من الكتاب( ).

وكذلك السيوطي في المزهر حيث تكلم على القياس في مواضع ومنها ما ذكره في النوع الثاني عشر: معرفة المطرد والشاذ.

وكذلك المحدثون تكلموا على القياس، ويأتي في مقدمة أولئك الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه (القياس في اللغة العربية).

ويكاد يكون أهم كتاب مفرد في هذا الباب على صغر حجمه.

ومن أعظم الكتب المعاصرة كذلك كتاب: (ظاهرة قياس الحمل في اللغة العربية د. عبدالفتاح البجة).

ثامناً: الحاجة إلى القياس في اللغة: يقول الشيخ العلامة محمد الخضر حسين × مبيناً الحاجة إلى القياس في اللغة: =وضعت اللغة ليعبر بها الإنسان عما يبدو له من المآرب، ويتردد في نفسه من المعاني.

ومن البيِّن جلياً أن المعاني تبلغ في الكثرة أن تضيق عليها دائرة الحصر، وتنتهي دونها أرقام الحاسبين، فلم يكن من حكمة الواضع سوى أن وضع لجانب كبير من المعاني ألفاظاً عيَّنها كالسماء والمطر والنبات والعلم والعقل، وتوسل للدلالة على بقيتها بمقاييس قدَّرها.

والكلم التي تصاغ على مثال هذه المقاييس معدودة في جملة ما هو عربي فصيح.

ولولا هذه المقاييس لضاقت اللغة على الناطق بها، فيقع في نقيصة العي والفهاهة، ويُكْثِر من الإشارات التي تخرج به عن حسن السمت والرزانة، ويرتكب التشابيه محاولاً بها إفادة أصل المعنى، لا كما يستعملها اليوم حليةً للمنطق، ومظهراً من مظاهر البلاغة.

ولو صح أن يضع الواضع لكل معنىً لفظاً يختص به لكان الحرج الذي تقع فيه اللغة أن تضيق المجلدات الضخمة عن تدوينها، ويتعذر على البشر حفظ ما يكفي للمحاورات على اختلاف فنونها، وتباين وجوهها.

فالقياس طريق يسهل به القيام على اللغة، ووسيلة تمكن الإنسان من النطق بآلاف من الكلم والجمل دون أن تقرع سمعه من قبل، أو يحتاج في الوثوق من صحة عربيتها إلى مطالعة كتب اللغة أو الدواوين الجامعة لمنثور العرب ومنظومها.

وقد يخطر على بالك أن في اللغة العربية ألفاظاً مترادفات بالغات في الكثرة أن يكون للمعنى الواحد عشرات أو مئات من الأسماء، وتودُّ لو صرف الواضع هذه المترادفات إلى جانب من المعاني التي تركها لحكم القياس.

وجواب هذا أن للمترادفات في بلاغة القول، ورصانة تأليف الكلم، وإقامة وزن الشعر، وتمكين القافية _ فضلاً لا يغني غيرها فيه غَناءها؛ فهي من مفاخر اللغة، ودلائل سعة بيانها؛ فالمترادفات تسد وجوهاً من الحاجة غير الوجوه التي يسدها القياس، ولا ننسى أن الكثير من هذه المترادفات قد نشأ من تعدد اللغات، أو من ملاحظة اختلاف دقيق في الأحوال والصفات.

هذا وجه الحاجة إلى القياس في صيغ الكلم واشتقاقها.

ولا يخفى عليك بعد هذا وجه الحاجة إلى فتح باب القياس في نظم الكلام، وما يعرض من الكلم نحو التقديم والتأخير، والاتصال والانفصال، والإعراب والبناء، والحذف والذِكر؛ فإن تباين الأغراض، وتشعب العلوم، وتفاوت عقول المخاطبين، واختلاف أذواقهم _ مما يستدعي إطلاق العنان للمتكلمين، يذهبون في البيان كل مذهب قيم، ويتعلقون منه بكل أسلوب مقبول، حتى يظهر فيهم الخطيب المصقع، والشاعر المفلق، والكاتب المبدع، والمناظر المفحم، والمحاضر الغواص على الدرر، والعلامة المجلي للمعاني الغامضة في أجمل الصور+( ).

تاسعاً: المُحْدَثون والقياس: واجهت العربية مشكلات كثيرة بسبب ما جدَّ في العصر الحديث من علوم ومصطلحات، ومذاهب ثقافية وفكرية، ومظاهر حضارية لا حصر لها؛ فعاد المُحْدَثون من علماء العربية إلى السؤال القديم: هل يجوز أن نقيس على كلام العرب؟

فمنهم من منع ذلك، ولم يأخذ به، ومنهم _ وهم الأكثرية _ من رأى القياس باباً جائزاً، وطريقاً حسناً من طرق تنمية اللغة، بل إن القياس يفوق التعريب، والارتجال، والترجمة.

وبعد نقاش طويل توصل المحدثون إلى قبول القياس بالشروط التي ارتأوها والتي منها:

1_ وجود الضرورة أو الحاجة الملحة: فاتفقوا على أن القياس للضرورة أو الحاجة الملحة، ولمواجهة الجديد؛ فتلك دوافع مقنعة تدعو إلى القياس؛ فليست المسألة ترفاً، ولا لعباً.

2_ أن يكون القياس على المطرد لا النادر.

3_ أن يقوم به المجامع اللغوية، وأن يكون تحت نظر العلماء.

4_ ألا يكون القياس في الأساليب؛ لأننا لسنا بحاجة إليها، وإنما يكون القياس في الصيغ كالمصادر، وأسماء الآلة وغيره في حدود الكلمات المفردة.

وفي الدلالات، كالتوسع في المدلول؛ ليعم، ويستوعب أشياء أخرى، كالخمر عندما توسعوا في مدلولها، والسيارة التي كانت تعني القافلة في القديم؛ فكان هناك خيارات أمام المجامع اللغوية، إما أن ننقل معنىً قريباً إلى قريب، فيتوسع في السيارة _ مثلاً _ فتُطلق على كل شيء يسير، وإما أن تؤخذ اللفظة الأجنبية؟

ومثال ذلك يقال في قياس قطار.

هذا وقد اقتصر المجمع في بعض دوراته على الأخذ بالقياس في مسائل معينة رأى مسيس الحاجة إليها؛ فكان من قراراته:

1_ جعل المصدر الصناعي _ وهو ما ختم بياء مشددة بعدها تاء لغير الفاعلة كالجاهلية والرهبانية _ مصدراً قياسياً.

وذلك لشدة الحاجة إلى هذا المصدر في التعبير عن كثير من حقائق العلوم والفنون؛ فبناءً على ذلك قرر المجمع الإتيان بأي مصدر صناعي بإضافة الياء المشددة مثل: اشتراكية، جمهورية.

2_ صياغة (فِعالة) للحرفة مثل: جزارة، برادة، نحاته.

3_ كذلك (فُعال) للمرض: زُكام، صُداع، فأي مرض يجوز أن يصاغ على فعال كما صاغت العرب ما كانت تعرفه.

4_ (تِفعال) للدلالة على المبالغة في الشيء والكثرة: ترحال، تجوال.

5_ (مَفْعَلة): مثل: مأسدة، ومنحلة.

الفصل الرابع: الإبدال، والقلب المكاني

وتحته مبحثان:

المبحث الأول: الإبدال.

المبحث الثاني: القلب المكاني.

 الفصل الرابع الإبدال، والقلب المكاني

 المبحث الأول: الإبـــدال

أولاً: تعريف الإبدال:

أ _ تعريفه في الأصل: الإبدال _ في الأصل _ جعل الشيء مكان شيءٍ آخر( ).

ب _ التعريف الصرفي للإبدال: هو جعل حرف مكان حرف آخر، سواء كان الحرفان صحيحين مثل: اصطبر واصتبر، أو معتلين: قال وباع أصلها: قَوَل وبَيَع، أو مختلفين: دينار وقيراط أصلها: دنار وقرَّاط.

والأحرف التي تبدل من غيرها إبدالاً شائعاً مطرداً لغير إدغام تسعة يجمعها: قول ابن مالك: (هدأت موطياً).

وجمعها  × في التسهيل في (طويت قائماً) ( ).

ج _ التعريف اللغوي للإبدال: يُعَرّف الإبدال في اصطلاح فقه اللغة بتعريفات أشهرها تعريفان:

1_ تعريف المتوسعين في الإبدال: حيث يعرفونه بأنه: وضع حرف مكان حرف في الكلمة مع الاتفاق بين الكلمتين في المعنى، أو تقاربهما.

قال ابن فارس ×: =ومن سنن العرب إبدال الحروف، وإقامة بعضها مقام بعض، ويقولون: مَدَحَهُ ومَدَهه، وفرسٌ رِفلٌّ ورِفنٌّ+ ( ).

2_ تعريف غير المتوسعين: كابن جني وغيره ممن يقيدونه هو: إبدال حرف مكان حرف مع تقاربهما في المخرج، واتحاد الكلمتين في المعنى والمكان، وألا يتصرف أحدهما تصرفاً كاملاً.

ومعنى اتحادهما في المكان: أي أن يكونا في بيئة واحدة( ).

مثال ذلك: جذا وجثا؛ فمعناهما واحد، ومخرجهما واحد، ولكن العرب أبدلوا إحداهما من الأخرى؛ فإحدى الكلمتين هي الأصل.

أما جاس وحاس فهاتان ليس بينهما اتحاد تام في المعنى والمخرج؛ فليسا داخلين ضمن الإبدال عند غير المتوسعين.

أما المتوسعون فيه فيرون أنهما داخلان في الإبدال.

ثانياً: أمثلة أخرى للإبدال: نقل السيوطي × في المزهر أمثلة كثير للإبدال نقلها عن أئمة اللغة، ومن تلك الأمثلة: ( )

1_ استأديت عليه، مثل: استعديت.

2_ الأيْم والأين: الحية.

3_ طانه الله على الخير وطامه: يعني جبله.

4_ فِنَاء الدار وثِناء الدار.

5_ جَدَثٌ وجدفٌ للقبر.

6_ وجذوتُ وجثوت: والجذو أن تقوم على أطراف الأصابع.

7_ نبض العِرْق ونبذ.

8_ أيا وهيا، وإياك وهياك.

9_ أرَّخ وورَّخ.

10_ وُشَاح وإشاح.

11_ وسادة وإسادة.

12_ رجل ألمعي ويلمعي.

13_ الناس والنات، وأكياس وأكيات.

14_ الأقطار والأقتار: النواحي.

15_ تلعثم، وتلعذم.

16_ الحثالة والحفالة: الرديء من كل شيء.

17_ الثوم والفوم: الحنطة.

18_ اللثام واللفام.

19_ يرتج ويرتك: إذا ترجرج.

20_ ضبحت الخيل وضبعت.

21_ كدحه وكدهه.

22_ اطرخمَّ واطرهم: إذا كان طويلاً مشرفاً.

23_ وصخرته الشمس وصهرته إذا اشتد وقعها عليه.

24_ نزغه ونسفه: إذا طعنه.

25_ الشَّرز والشَّرص: الغَلْظ من الأرض.

26_ أملصت الناقة وأملطت: ألقت ولدها ولم يشعر.

27_ في صدره علي حَسيفة وحَسيكة، أي غل وعداوة.

28_ الغيم والغين: السحاب.

ثالثاً: الفروق بين الإبدال الصرفي والإبدال اللغوي: هناك فروق بين الإبدال الصرفي والإبدال اللغوي ومنها:

1_ أن الصرفي له قواعد منضبطة ثابتة كما أنه مطرد منقاس مثل إبدال الواو أو الياء همزة في اسم الفاعل: نحو: قائل، وبائع.

أما اللغوي فهو سماعي لا ينقاس ولا يطرد.

2_ الإبدال الصرفي ضروري في الاستعمال؛ فالإبدال واجب في مثل: قاول، وسماء، فلا بد أن يقال: قائل، وسماء.

أما الإبدال اللغوي فليس ضرورياً، وإنما هو للتوسع، أو الميل إلى اليسر والسهولة.

3_ الإبدال الصرفي لا يجوز فيه استعمال الصيغة الأصلية مثل: قاول وإنما يقال: قائل _ كما مر _ فالصيغة الأولى لا تستعمل؛ لأنه لا وجود لها في اللغة، وإنما يؤتى بها للتوضيح والتعليم.

أما الإبدال اللغوي فالصيغتان تستعملان كأن ينطق العرب بالذال أو الثاء مثل: جذا، وجثا.

4_ الإبدال الصرفي يقع في حروف محدودة فابن مالك _ كما مر _ يراها تسعة.

جمعها في قوله: (هدأت موطياً) وفي التسهيل يراها ثمانية جمعها في قوله: (طويت دائماً).

وعلى اختلاف عِدَّتها فهي محصورة.

إما الإبدال اللغوي فليس له حروف محصورة؛ لأنه سماعي واللغة كلها مجال له.

رابعاً: التأليف في الإبدال( ): تنبه علماء العربية للإبدال، وعنوا بجمع الألفاظ المبدلة والتأليف فيها.

ومن أشهر من ألف في هذا ابن السِّكِّيت في كتابه (القلب والإبدال).

وهو من الذين ينظرون إليه بالمعنى العام، ويعني بالقلب: الإبدال نفسه؛ فهو تفسير له.

وممن ألف في الإبدال: الزجاجي وهو من علماء القرن الرابع؛ حيث ألف رسالة صغيرة سماها: (الإبدال والمعاقبة والنظائر).

وهي أصغر من كتاب ابن السكيت.

وكذلك أبو الطيب اللغوي جمع كتاباً سماه (الإبدال).

وهو أوسع كتاب في العربية في الإبدال، ويقع في مجلدين، ويظهر فيه أنه يمثل أوسع تعريف للإبدال؛ حيث لم يشترط الاتفاق بين الكلمتين في المعنى فحسب، وإنما يجعل التقارب بين الكلمتين داخلاً في الإبدال.

كذلك ابن مالك له كتاب مخطوط اسمه (وفاق المفهوم في اختلاف المقول والمرسوم).

أما الكتب التي تكلمت على الإبدال ضمناً فكثيرة؛ فابن فارس أشار إليه في الصاحبي، وكذلك ابن جني؛ حيث ذكره في مواضيع متعددة في الخصائص، وكذلك السيوطي في المزهر؛ حيث أفرد النوع الثاني والثلاثين في معرفة الإبدال، وكذلك أورده في مواضع أخرى من المزهر.

وأما أوسع الكتب التي تكلمت على الإبدال ضمناً وأعظمها فهو كتاب (سر صناعة الإعراب) لا بن جني؛ حيث أودعه خلاصة أرائه وأراء شيخه أبي علي الفارسي في الإبدال، فمن ضمن ما أورده ابن جني في ذلك الكتاب أنه أفرد لكل حرف من حروف العربية باباً ذكر فيه أحواله، وتصرفه في الكلام من أصليته، وزيادته، وصحته، وعلته، وقلبه إلى غيره، وقلب غيره إليه، فهو _ بحق _ لم يؤلف مثله بعده في بابه.

وكما اعتنى القدماء بالإبدال فكذلك اعتنى به المحدثون، ومن الكتب التي تكلمت عليه ضمناً كتاب (من أسرار اللغة) لإبراهيم أنيس، و(الاشتقاق) لعبدالله أمين، وغيرهما.

خامساً: أسباب حدوث الإبدال: بيَّن علماء العربية _ وخصوصاً من ألَّف منهم في الإبدال _ أسباب حدوثه، وأشهر تلك الأسباب ما يلي:

1_ اختلاف اللهجات العربية: فيرون _ على سبيل المثال _ أن قبيلة تقول: ثوم، وجدف، والأخرى تقول: فوم، وجدف مما يدل على أنه ليس مطرداً.

قال السيوطي: =قال أبو الطيب في كتابه: ليس المراد بالإبدال أن العرب تتعمد تعويض حرف من حرف، وإنما هي لغات مختلفة لمعانٍ متفقة؛ تتقارب اللفظتان في لغتين لمعنىً واحد، حتى لا يختلفان إلا في حرف واحد.

قال: والدليل على أن قبيلة واحدة لا تتكلم بكلمة طوراً مهموزة، وطوراً غير مهموزة، ولا بالصاد مرة وبالسين أخرى.

وكذلك إبدال لام التعريف ميماً، والهمزة عيناً كقولهم في أن: عن؛ لاشتراك العرب في شيء من ذلك، إنما يقول هذا قوم، وذاك آخرون+( ).

2_ التقارب الصوتي: فحلول صوت مكان صوت يؤدي إلى البدل؛ فكثير من الكلمات التي بينها تقارب صوتي وقع فيها إبدال؛ للتغيير الصوتي؛ وذلك كأن تكون قبيلة تميل إلى الترقيق فتبدل الصاد سيناً، أو العكس كأن تميل بعض القبائل إلى التفخيم فتبدل السين صاداً.

مثال ذلك: قول: صَقْر وسَقْر، ويساقون، ويصاقون، وصَخْر وسَخْر: مصدر سخرت منه إذا هزأت.

وصماخ وسماخ: ثقب الأذن.

قال السيوطي: =قال ابن خالويه في شرح الفصيح: أخبرنا ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: اختلف رجلان في الصقر، فقال أحدهما بالسين وقال الآخر بالصاد؛ فتحاكما إلى أعرابي ثالث، فقال: أما أنا فأقول: الزَّقر بالزاي، قال ابن خالويه: فدل على أنها ثلاث لغات+( ).

3_ التحريف والتصحيف: وهي الأخطاء التي ترد أحياناً إما عن طريق القراءة، أو السماع.

وذلك كأن ترد كلمة بالدال واللام؛ فيعزى ذلك إلى التصحيف أو التحريف؛ لأنه لا يمكن أن يحدث بين هذين الحرفين إبدال.

هذا وقد كتب أبو أحمد العسكري _ وهو عم أبي هلال العسكري صاحب الصناعتين _ كتيباً سماه (التصحيف والتحريف) ولم يدع أحداً من مشهوري اللغويين إلا جرحه وعابه ببعض التصحيف أو التحريف.

وممن نسب إليهم التصحيف في هذا الكتاب أبو عمرو بن العلاء، وأبو عبيدة، وأبو زيد الأنصاري، والأصمعي؛ فقد روى عنه أنه كان ينشد بيت الحطيئة:

وغررتني وزعمت أنـ

                   ـك لابنٌ بالصيف تامِر

فقال:

وغررتني وزعمت أنـ

                   ـك لا تني بالصيف تامرُ

وكان في مجلس فيه أبو عمرو بن العلاء فقال أبو عمرو: أنت _ والله _ في تصحيفك أشعر من الحطيئة.

ومهما يك من شيء فإنه ليس من اليسير أن يحكم بصفة قاطعة على وقوع التصحيف في كلمة بعينها( ).

سادساً: الإبدال بين المتوسعين فيه والمضيقين له: مر بنا في بداية الحديث عن الإبدال عند اللغويين أن له تعريفين أحدهما تعريف المتوسعين فيه، والآخر تعريف المضيِّقين له.

والحديث ههنا بيان لبعض الفروق بين هذين المذهبين في الإبدال؛ فأكثر القدامى يتوسعون فيه _ كما مر _ .

أما بعض القدامى كابن جني وجميع المحدَثين فإنهم يضيِّقون فيه، ويضيفون إلى التعريف العام شيئاً من القيود ومنها: ( )

1_ التقارب الصوتي: فهو شرط أساس عند المحدثين وابن جني؛ فهو لا يرى الإبدال إلا إذا كان بين حرفين متقاربين في المخرج كالذال والثاء، والراء واللام.

ويمثلون لما ليس من الإبدال بـ: نصنص ونضنض: أي حرك لسانه، فيرى ابن جني أن هاتين الكلمتين أصلان، وليسا من الإبدال؛ لأن الصاد ليست أخت الضاد في المخرج، وإن اتفقا في المعنى.

يقول ×: =فأما قولهم: نضنض لسانه، ونصنصه: إذا حركه فأصلان، وليست الصاد أخت الضاد فتبدل منها.

وأخبرني أبو علي _ يعني الفارسي _ يرفعه إلى الأصمعي قال: حدثنا عيسى بن عمر قال: سألت ذا الرمة عن النضناض فأخرج لسانه، فحركه، وأنشد:

تبيت الحية النضناض منه

                   مكان الحِبِّ يستمع السرارا+( )

وكذلك قال في حثحثوا وحثثوا؛ فهو يرى أنهما أصلان.

ونقل عن شيخه أبي علي الفارسي أنه قال مبينا العلة في ذلك: =فأما الحاء فبعيدة من الثاء، وبينهما تفاوت يمنع قلب إحداهما إلى أختها+( ).

وقد اتخذ ابن جني في هذه القضيةِ المقياسَ الذي همس به في أذنه شيخه أبو علي الفارسي، وجعله قانوناً للإبدال، ويتلخص هذا الأصل في أن أصل القلب في الحروف إنما هو فيما تقارب منها، وذلك كـ: الدال، والطاء، والتاء، والذال، والظاء، والثاء، والهاء والهمزة، والميم والنون وغير ذلك مما تدانت مخارجه( ).

2_ قلة التصرف لأحد اللفظين: وذلك بألا يتصرف أحد اللفظين تصرفاً كاملاً، أما إذا تصرف كلٌّ منهما تصرفاً تاماً من ناحية الأفعال، أو المشتقات فلا يكونان من الإبدال؛ بل يكون كل واحد منهما أصلاً بذاته.

فلو وجد التقارب الصوتي كما بين الذال، والثاء ولكن التصرف كامل في كلا اللفظين لم يعد ذلك من الإبدال عند ابن جني.

مثال ذلك: جَدَثٌ وجَدَفٌ: والجمع أجداث وأجداف وهي القبور.

يرى ابن جني أن ذلك من الإبدال؛ لعدم اكتمال التصرف في أحد اللفظين؛ فالأول منهما يتصرف تصرفاً تاماً بحيث يقال: جدث، وأجداث، وأجدثت، وما جرى مجرى ذلك.

ولا يقال مثل هذا في: جدف؛ إذ لم يسمع أجدفت. . .

وكذلك: بل، وبَنْ.

أما مثل: هتن وهتل فلا يرى أنهما من الإبدال وإن كان بينهما تقارب صوتي؛ لأنهما أصلان لتساويهما في التصرف.

وبهذا يُخْرج ألفاظاً كثير في اللغة من الإبدال.

قال ابن جني ×: =فمتى أمكن أن يكون الحرفان جميعاً أصلين كل واحد منهما قائم برأسه لم يَسُغِ العدول عن الحكم بذلك؛ فإن دلَّ دالٌّ، أو دعت ضرورة إلى القول بإبدال أحدهما عن صاحبه عُمِل بموجب الدلالة، وصير إلى مقتضى الصنعة.

ومن ذلك: سُكَّرٌ طبرزل وطبرزن: هما متساويان في الاستعمال؛ فلست بأن تجعل أحدهما أصلاً لصاحبه أولى منك بحمله على ضده.

ومن ذلك قولهم: هتلت السماء وهتنت: هما أصلان؛ ألا تراهما متساويين في التصرف؛ يقولون: هتنت السماء تهتن تهتاناً، وهتلت تهتل تهتالاً، وهي سحائب هُتَّنٌ وهتَّلٌ، قال امرؤ القيس:

فسحت دموعي في الرداء كأنها

                   كُلْىً من شعيب ذات سحٍّ وتهتان

وقال العجاج:

عزَّر منه وهو مُعْطَى الإسهال

                   ضرب السواري متنه بالتهتالْ+( )

إلى أن قال: =فأما قولهم: ما قام زيد بل عمرو وبَنْ عمر فالنون بدل اللام؛ ألا ترى كثرة استعمال بل، وقلة استعمال بن، والحكم على الأكثر لا على الأقل، هذا هو الظاهر من أمره، ولست _ مع هذا _ أدفع أن يكون (بَنْ) لغة قائمة برأسها+( ).

ويقرر هذا المعنى في سر صناعة الإعراب قائلاً: =وإذا ورد في بعض حروف الكلمة لفظان مستعملان _ فالوجه وصحيح القضاء أن نحكم بأنهما كليهما أصلان منفردان، ليس واحد منهما أولى بالأصلية من صاحبه؛ فلا تزال على هذا معتقداً له حتى تقوم الدلالة على إبدال أحد الحرفين من صاحبه.

وهذا عيارٌ في جميع ما يرد عليك من هذا؛ فاعرفْه، وقسْ عليه تُصب _إن شاء الله_+( ).

3_ اتحاد المكان: ومعنى ذلك أن تكون الكلمتان مستعملتين في بيئة واحدة؛ لذلك فإن ابن جني يرى أن كثيراً من الألفاظ ليست من الإبدال؛ لأن إحداهما لجماعة، والأخرى لجماعة أخرى.

ومن أمثلة ذلك: أن قريشاً تقول: كشطت، وتميماً تقول: قشطت؛ فالكاف ليست بدلاً من القاف؛ لأن الكلمتين اجتمعتا في قبيلتين؛ فيكون ذلك من اختلاف اللهجات لا من الإبدال.

4_ الاتفاق التام في المعنى: فإذا أمكن إيجاد فارق بين الكلمتين أُخْرِجتا من الإبدال.

مثال ذلك: هز وأزَّ؛ فالذين يتوسعون في الإبدال يجعلون هذين اللفظين من الإبدال، والذين يقيدونه ببعض القيود يخرجونه من الإبدال؛ فيرون أن بينها فارقاً؛ فالهز للشيء الضعيف، والأز للشيء القوي.

سابعاً: كيفية معرفة الأصل في الإبدال: إذا اتُفق على وجود الإبدال في لفظين سواء عند المتوسعين فيه أو عند غيرهم كابن جني، فكيف يُعرف الأصل منهما؟

والجواب أن ذلك صعب؛ وصعوبته تتفاوت من كلمات إلى أخرى، ويحتاج إلى كثرة اطلاع، ورجوع إلى كتب العربية.

ومهما يك من شيء فيمكن أن يُتوصَّل إلى ذلك بأمور مرت الإشارة إليها فيما مضى، ويمكن أن تلخص في أمور ثلاثة:

1_ كثرة الاستعمال: فقد يكون أحد اللفظين أكثر استعمالاً من الآخر؛ فيحكم على الكثير بأنه هو الأصل _ كما مر التمثيل بـ: بلْ وبَنْ.

ومن ذلك _ أيضاً _ ثُمَّ وفُمَّ.

قال ابن جني ×: =وكذلك قولهم: قام زيدٌ فُمَّ عمرة: الفاء بدل الثاء في ثم ألا ترى أنه أكثر استعمالاً+( ).

2_ كثرة التصرف: بحيث يكون أحد اللفظين أكثر تصرفاً من الآخر_كما مر_ .

فيحكم على كثير التصرف بأنه الأصل، وقد مر أمثلة على ذلك.

ومنها ما ذكره ابن جني حيث قال: =وكذلك قولهم: رجل خامل، وخامن، النون فيه بدل اللام؛ ألا ترى أنه أكثر، وأن الفعل عليه تصرف، وذلك قولهم: يَخْمُل خمولاً+( ).

3_ أن ينص أحد العلماء على الأصل: كأن يقول الخليل، أو الأصمعي أو غيرهما: إن هذه الكلمة هي الأصل.

قال ابن فارس ×: =وذُكر عن الخليل ولم أسمعه سماعاً أنه قال في قوله _ جل ثناؤه _: [فَجَاسُوا] إنما أراد: (فحاسوا) فقامت الجيم مقام الحاء، وما أحسب الخليل قال هذا، وما أحقُّه عنه+( ).

قال ابن جني: =قال الأصمعي: يقال: جُعْشوش( )، وجُعْسوس، وكل ذلك إلى قمأة وقلة وصغر.

ويقال: هم من جعاسيس الناس، ولا يقال بالشين في هذا؛ فَضِيْق ا لشين مع سعة السين يؤذن بأن الشين بدل من السين+( ).

ثامناً: آثار التوسع في الإبدال: مما سبق تبين أن ابن جني والمُحْدثين يضيقون في الإبدال، وأن بعض علماء العربية وخصوصاً الأوائل يتوسعون فيه.

وقد نتج عن ذلك التوسع عرض مسائل عديدة تبين ارتباط الإبدال بغيره من موضوعات فقه اللغة، ومن ذلك ما يلي:

1_ علاقة الإبدال بالترادف: فبعض الذين تحدثوا عن الإبدال عمدوا إلى بعض الألفاظ المترادفة وعدوها من قبيل الإبدال.

ومن ذلك صنيع صاحب كتاب (الجاسوس على القاموس) أحمد بن فارس الشدياق؛ حيث جمع أربعين صفحة من ذلك، وإن كان صاحب القاموس لم يقصد كونها من الإبدال.

مثل كلمة: الأمَذ بمعنى الأجل والأمد؛ فيأخذ الأمد ويعدها من الإبدال.

ومثل كلمة: محق، ومحا، يرى الشدياق أن هذا من الإبدال؛ لأن بينهما معنى عاماً.

فمن يأخذ كل كلمة من هاتين الكلمتين بمعناها الدقيق لا يجد إبدالاً، وإنما على سبيل التقريب؛ إذ ليس من الضروري عندما تفسر كلمة بكلمة أن تأتي بمثلها، بل على سبيل التقريب، ولا يعني أن تكون مبدلة منها.

2_ مسألة الفروق الدلالية: فابن جني يشترط في الإبدال أن يكون المعنى دقيقاً، وبينهما اتفاق تام.

أما المتوسعون فيهملون الفروق الدلالية أحياناً، ويدخلون في الإبدال ما كان معناه عاماً أو ليس دقيقاً.

ومن ذلك: أومأت، وأوبأت، فهاتان اللفظتان بينهما اختلاف؛ فكل واحدة منهما لها معنى خاص.

ولكن المتوسعين يتركون هذه الأمور، ويجعلون بينهما معنى عاماً، وهو الإشارة، ويعدون ذلك من الإبدال.

ومثل ذلك: اللثام، واللفام.

فتناسي الفروق، وإهمالها ينتج الترادف والإبدال.

كذلك كلمة نهش ونهس وردتا في الإبدال والترادف، وإن كان هناك فرق بينهما، ولكن المعنى العام هو العض؛ فجعلوه من الإبدال، مع أن هناك فرقاً من الناحية الدلالية.

فنشأ من التوسع خلط بينها وبين الترادف.

3_ الألفاظ الأعجمية: التي ليس لها أصوات في العربية؛ فَتَرِدُ _ على سبيل المثال _ في كتب العربية كلمة: التوت، وأصلها بالفارسية: التوث.

ومن العرب من استخدمها بالثاء، على أصلها الفارسي، ومنهم من أبدلها تاء.

4_ ربط الإبدال بالاشتقاق: فبعض المُحْدَثين صنع ذلك، حيث قال: إنه من عوامل تنمية اللغة أو الاشتقاق، وعده بعضهم أحد أنواع الاشتقاق، وسماه الاشتقاق الكبير أو الأكبر كما صنع عبدالله أمين( ) أو الأكبر كما في أصول اللغة والنحو لسعيد الأفغاني( ).

وبعض المحدثين _ كفؤاد ترزي _ لا يرون ذلك، بل يرون أن الإبدال يتنافى وطبيعة الاشتقاق، وحجتهم في ذلك:

_ أن الاشتقاق في أساسه لا يهدف إلى الترادف ولا يؤول إليه.

_ أن ابن جني الذي توسع في مفهوم الاشتقاق إلى حد أن أدخل فيه القلب اللغوي لم يَعُدَّ الإبدال من ضروبه( ).

أما القدماء فلم يتعرضوا لذلك، لأنه ليس متعمداً.

 المبحث الثاني: القــلـــب المكــانـــي

مر الحديث عن القلب المكاني عند الكلام على الاشتقاق، والحديث عنه ههنا سيكون فيما يلي:

أولاً: تعريفه:

أ _ في اللغة: القلب في اللغة تحويل الشيء عن وجهه( ).     

ب _ في الاصطلاح: هو تقديمٌ وتأخير في بعض حروف اللفظة الواحدة؛ فتنطق على صورتين بمعنى واحد( ).

مثاله: جذب، وجبذ، وما أطيبه، وما أيطبه.

ثانياً: آراء العلماء في القلب المكاني( ): اختلف العلماء في القلب؛ فمنهم من يراه ويوسعه، ومنهم من يضيقه، ومنهم من أنكره، وإليك ذكر أقوالهم بإيجاز:

1_ ذهب اللغويون إلى وجود القلب، وإلى توسيع دائرته؛ فهم يرون أن كل ما جاء من قبيل (جذب وجبذ) فهو مقلوب، ولا يعد ذلك إلا لغة واحدة من وضع واحد.

وكأن هذا التقديم والتأخير إنما هو عارض في المنطق لسبب من الأسباب اللسانية كالخفة والثقل.

يقول ابن فارس ×: =ومن سنن العرب القلبُ، وذلك يكون في الكلمة ويكون في القصة( ).

فأما الكلمة فقولهم: جذب وجبذ، وبَكَلَ ولَبَكَ وهو كثير، وقد صنفه علماء اللغة، وليس من هذا فيما أظن من كتاب الله _ جل ثناؤه _ شيء+( ).

هذا وقد تابع اللغويين في ذلك النحويون من الكوفيين.

2_ وذهب البصريون إلى أن القلب لا يكون إلا إذا لم يمكن أن يكون اللفظان جميعاً أصليين؛ بحيث يَقْصُر أحدهما عن صاحبه، ولا يساويه.

ويرون أن من أدلة القلب عدمَ وجود المصدر، وعدم وجود الإعلال مع وجود موجبه، وقلة الاستعمال، وقلة التصرف( ).

ويمثلون لذلك بأمثلة منها قولهم: فلان شاكي السلاح وشائك، وجرف هارٍ وهائر.

وحينئذٍ يعدون أوسع اللفظين أصلاً للثاني، ويعدون الثاني مقلوباً عنه، ويكون ذلك عندهم من قبيل الوضع الواحد.

وكل ما عدا ذلك مما يتصرف فيه اللفظان تصرفاً واحداً كـ: جذب وجبذ فليس بقلب عندهم، وإنما هما لغتان من وضعين مختلفين، وبذا يُعد كلٌّ من اللفظين أصلاً مستقلاً.

قال السيوطي: =قال النحاس في شرح المعلقات: القلب الصحيح عند البصريين مثل: شاكي السلاح وشائك، وجرف هار وهائر.

وأما ما يسميه الكوفيون القلب نحو جبذ وجذب فليس بقلب عند البصريين، وإنما هما لغتان، وليس بمنزلة شاكٍ، وشائك؛ ألا ترى أنك قد أخرت الياء في شاكي السلاح؟ .

وقال السخاوي في شرح المفصل: إذا قلبوا لم يجعلوا للفرع مصدراً؛ لئلا يلتبس بالأصل، بل يُقْتَصَر على مصدر الأصل؛ ليكون شاهداً للأصالة نحو يئس يأساً، وأيس مقلوب منه ولا مصدر له؛ فإذا وجد المصدران حكم النحاة بأن كل واحد من الفعلين أصلٌ وليس بمقلوب من الآخر، نحو جبذ وجذب.

وأهل اللغة يقولون: إن ذلك كله مقلوب+( ).

وقال ابن جني: =اعلم أن كلَّ لفظين وُجد فيهما تقديم وتأخير فأمكن أن يكونا جميعاً أصلين ليس أحدهما مقلوباً على صاحبه _ فهو القياس الذي لا يجوز غيره، وإن لم يمكن ذلك حكمت بأن أحدهما مقلوب عن صاحبه، ثم رأيت أيهما الأصل، وأيهما الفرع، وسنذكر وجوه ذلك.

فمما تركيباه أصلان لا قلب فيهما قولهم: جَذَب، وجَبَذ؛ ليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه، وذلك أنهما جميعاً يتصرفان تصرفاً واحداً، نحو جذب يجذب جذباً فهو جاذب، والمفعول مجذوب، وجبذ يجبِذ جبذاً فهو جابذ، والمفعول مجبوذ.

فإن جعلت مع هذا أحدهما أصلاً لصاحبه فسد ذلك؛ لأنك لو فعلته لم يكن أحدهما أسعد بهذه الحال من الآخر.

فإذا وقفت الحال بينهما ولم يُؤْثَرْ بالمزية أحدهما وجب أن يتوازيا، وأن يَمْثُلا بصفحتيهما معاً، وكذلك ما هذه سبيله.

فإن قَصُر أحدهما عن تصرف صاحبه، ولم يساوه فيه كان أوسعهما تصرفاً أصلاً لصاحبه.

وذلك كقولهم: أنى الشيءُ يأنِي، وآن يئين، فآن مقلوب عن أنى.

والدليل على ذلك وجودك مصدرَ أنى يأني وهو الإنَى، ولا تجد لـ:آن مصدراً؛ كذا قال الأصمعي+( ).

3_ وذهب بعضهم إلى إنكار القلب: قال السيوطي: =ذهب ابن درستويه إلى إنكار القلب؛ فقال في شرح الفصيح: في البطيخ لغة أخرى طبِّيخ بتقديم الطاء، وليست عندنا على القلب كما يزعم اللغويون، وقد بينا الحجة في ذلك في كتاب: إبطال القلب+( ).

ثالثاً: من الأمثلة على القلب: عقد السيوطي في المزهر، النوع الثالث والثلاثين للقلب، واستقصى كثيراً من أمثلته، ومنها: نغز الشيطان بينهم لغة في نزع، وكلام حوشي، ووحشي، والأوباش من الناس: الأخلاط مثل: الأوشاب، والمقاط حبل مثل القماط، وعمج في السير، ومعج، وقلقلت الشيء، ولقلقته.

هذا وقد مر ذكر لأمثلة على القلب عند الحديث عن الاشتقاق.

الفصل الخامس: المشجر، والاتباع، والنحت

وتحته ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المشجر.

المبحث الثاني: الاتباع.

المبحث الثالث: النحت.

 الفصل الخامس المشجر، والاتباع، والنحت

 المبحث الأول: المُــشــجَّر

وهذا مما استخرجه اللغويون من الاشتراك في اللغة، ومداخلة الكلام للمعاني المختلفة، والحديث عنه سيكون من خلال ما يلي:

أولاً: تعريفه:

أ _ في اللغة: هو اسم مفعول للفعل شَجَّر يشجر تشجيراً.

قال ابن فارس × في مادة (شجر): =الشين والجيم والراء أصلان متداخلان يقرب بعضهما من بعض، ولا يخلو معناهما من تداخل الشيء بعضه في بعض، ومن علوٍّ في شيء وارتفاع+( ).

إلى أن قال: =والمشجَّر سمي مشجراً لتداخل بعضه في بعض+( ).

ب _ وفي الاصطلاح: أن يؤتى بالكلمة المشتركة _ كالعين مثلاً _ فَتُعَدَّ شجرة يفرع من معانيها المختلفة فروعاً، فيُسْتَرسل في تفسير الكلام على الوجه المشترك، حتى تبلغ الشجرة مائة كلمة أو أكثر، وكلها متسلسلة في كلمة واحدة، على نحو ما سيأتي من أمثلة( ).

ثانياً: التأليف المُشَجَّر( ): أول من وضع كتاباً في ذلك أبو عمر المُطَرَّز الراوية المتوفى سنة 345هـ؛ فقد عمل عليه كتاباً سماه (المُداخلُ في اللغة).

وكان يعاصره أبو الطيب اللغوي المتوفى سنة 351هـ؛ فعل كتاباً سماه (شجر الدر) وقال: =هذا كتاب مُدَاخلة الكلام للمعاني سميناه كتاب (شجر الدر) لأنا ترجمنا كل باب منه بشجرة، وجعلنا لها فروعاً؛ فكل شجرة مائة كلمة، أصلها كلمة واحدة، وكل فرع عشر كلمات إلا شجرة ختمنا بها الكتاب، عدد كلماتها خمسمائة كلمة، أصلها كلمة واحدة+( ).

وهكذا ابتدع أبو الطيب هذه التسمية لهذا النوع من اللغة.

ثم جاء أبو الطاهر محمد بن يوسف بن عبدالله التميمي المتوفى في قرطبة سنة 538هـ، فوضع كتابه الذي سماه (المسلسل).

وقد ضمَّن كتابه خمسين باباً افتتح كل باب منها بشعر عربي، وختمه بمثل ذلك.

ثالثاً: سبب التسمية: سمي بذلك _ كما يقول أبو الطيب اللغوي _ لاشتجار بعض كلماته ببعض، أي تداخله؛ فكل شيء تداخل بعضه ببعض فقد تشاجر( ).

رابعاً: أمثلة للمشجر( ): _ مثال الشجرة _ العين: عين الوجه، والوجه: القصد، والقصد: الكسر، والكسر: جانب الخباء، والخباء: مصدر خابأت الرجل إذا اختبأت له خبأ، وخبأ لك مثله، والخبء: السحاب، والسحاب: اسم عمامة النبي " والنبي: التلُّ العالي، والتل: مصدر التليل وهو المصروع على وجهه والتليل: صفح العنق، والعنق، الرِّجل من الجراد، والرِّجل: العهد، والعهد: المطر المعاود، والمعاود: المريض الذي يعودك في مرضك، وتعوده في مرضه، والمريض: الشاكّ، والشاكّ: الطاعن يقال: شكَّه إذا طعنه، والطاعن: الداخل في السن إلى آخر ما في المشجر.

 _ مثال آخر: العين: عين الشمس، والشمس: شماس الخيل، والخيل: الوهم، والوَهْم: الجمل الكبير، والجمل: دابة من دواب البحر، والبحر: الماء المِلْحْ، والملح: الحُرمة، والحرمة: ما كان للإنسان حراماً على غيره، وحرام: حي من العرب، والحي: ضد الميت.

وفي الكتب المؤلفة من هذا النوع أمثلة كثيرة من ذلك( ).

 _ مثال آخر( ): الأُلى: الأول، وأول: يوم الأحد، والأحد الواحد، والواحد: الفرد: والفرد: الثور، والثور: الظهور، والظهور: الغلبة، والغلبة: جمع غالب، وغالب: أبو لؤي، ولؤي: تصغير لأي، واللأي: الثور، والثور: فحل البقر، والبقر: الفرق، والفرق: تباعد ما بين الثنايا، والثنايا: العقاب، والعقاب: الموالاة، والموالاة: المظاهرة، والمظاهرة: لبس الثوب على ثوب، والثوب: الرجوع، والرجوع: الكرُّ، والكر: جبل النخل، والنخيل: الخيار، والخيار: الحكم، والحكم: الحكمة، والحكمة: العلم والعدل، والعدل: القيمة، والقيمة: الثمن، والثمن: العوض، والعوض: البدل، والبدل: الخلف، والخلف: الجبر، والجبر: إصلاح الكسر، والكسر: كسر جانب البيت، والبيت: الزوج، والزوج: النمط، والنمط من الناس: الضرب، والضرب من الرجال: الممشوق القَدّ، والقد: قطع السير، والسير: سرعة المشي، والمشي: سعي الواشي، والواشي: المُحسِّن: والمحسِّن: اسم إنسان، والإنسان: صبي العين، والعين: خاصة الملك، والملك: الصَّيدن، والصيدن: الثعلب، والثعلب: ما يدخل السنان في القناة، والقناة: القامة، والقامة: جمع قائم، والقائم: مقبض السيف، والسيف: الضرب به، والضرب: الذهاب في الأرض، والأرض: الرِّعدة، والرِّعدة: الرَّعش، والرعش: سرعة الظليم، والظليم: اللبن قبل الرَّوب، والروب: خثارة النفس من كثرة النوم، والنوم: الكرا، والكرا: طائر، والطائر: عمل العامل، والعامل من الرمح: الصدر، والصدر: الأول.

 المبحث الثاني:الإتــبــاع

أولاً: تعريفه:

أ _ في اللغة: الإتباع في اللغة هو السير في الأثر( ).

ب _ تعريفه في الاصطلاح: قال ابن فارس×: =الإتباع: وهو أن تُتْبَعَ الكلمةُ على وزنها، أو رويها إشباعاً وتأكيداً+( ).

ثم مثل للإتباع قائلاً: =وذلك قولهم: ساغبٌ لاغبٌ، وهو خبٌ ضب، وخرابٌ يباب+( ).

ثانياً: سبب التسمية: سمي إتباعاً لأن الكلمة الثانية إنما هي تابعة للأولى على وجه التوكيد لها، وليس يُتَكلم بالثانية منفردة( ).

ثالثاً: الفرق بين الإتباع والمترادف، والإتباع والتأكيد: قال السيوطي ×: =قال التاج السبكي في شرح منهاج البيضاوي: ظن الناس أن التابع من قبيل المترادف؛ لشبهه به.

والحقُّ الفرقُ بينهما؛ فإن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت.

والتابع لا يفيد وحده شيئاً، بل شرط كونه مفيداً تَقَدُّم الأول عليه، كذا قاله الإمام فخر الدين الرازي.

وقال الآمدي: التابع لا يفيد معنى أصلاً؛ ولهذا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بَسَن( )، قال: لا أدري ما هو.

قال السبكي: والتحقيق أن التابع يفيد التقوية؛ فإن العرب لا تضعه سدىً، وجهل أبي حاتم بمعناه لا يضر، بل مقتضى قوله: (لا أدري) معناه أن له معنىً وهو لا يعرفه.

قال: والفرق بينه وبين التأكيد أن التأكيد يفيد مع التقوية نفي احتمال المجاز، وأيضاً فالتابع من شرطه أن يكون على زنة المتبوع، والتأكيد لا يكون كذلك+( ).

رابعاً: أمثلة للإتباع( ):

نقل السيوطي × في المزهر ألفاظاً كثيرة في الإتباع منها:

قسيم وسيم، ضئيل وبسيل، عطشان نطشان، قبيح شقيح، وخبيث نبيث، وشيطان ليطان، وسائغ لائغ، وحارٌّ يارٌّ، وهو أَشِرٌ أَفِرٌ، وإنه لهَذِرٌ قَذِرٌ، وعين حدرة بدرة، ورجل سدمان ندمان، ورجل خياب تياب، وإنه عَجَرَّبٌ مدربٌ، وخائب لائب، وفرس صلتان فلتان.

 المبحث الثالث: الــنـَّـحْـــت

لون من ألوان الاختصار، ونوع من أنواع الاشتقاق عند المحدثين، والحديث عنه سيتناول ما يلي:

أولاً: تعريفه:

أ _ تعريفه في اللغة: هو مصدر الفعل نحت ينحت نحتاً، أي شقَّه وبراه، وهذبه.

قال ابن فارس ×: =النون والحاء، والتاء كلمة تدل على نجر شيء، وتسويته بحديدة.

ونحت النجار الخشبة ينحتها نحتاً.

والنحيتة: الطبيعة، يريدون الحالة التي نحت عليها الإنسان كالغريزة التي غرز عليها، وما سقط من المنحوت: نُحاته+( ).

وقال ابن منظور ×: =ونحت الجبل ينحته: قطعه، وهو من ذلك.

وفي التنزيل: [وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ]+( ).

ب _ تعريفه في الاصطلاح: أن يؤخذ من كلمتين فأكثر كلمة واحدة.

أو هو: استخراج كلمة واحدة من كلمتين أو أكثر( ).

ومعنى ذلك: أن يُعْمَدَ إلى كلمتين فأكثر، فيُجْعَلَ منهما كلمة واحدة تعبر عن الكلمتين.

مثال ذلك: عبشمي: نسبة إلى عبد شمس، وحيعل نسبة إلى حي على الفلاح، وسيأتي مزيد أمثلة للنحت.

ثانياً: شروط النحت: من خلال التعريف الماضي يتبين أنه يشترط للكلمة المنحوتة شروط وهي:

1_ أن تكون معبرة عن معنى الكلمات التي أُخذَتْ منها.

2_ أن تَجْمع بين حروف ما أخذتَ منه خصوصاً إذا كان من كلمتين فقط.

مثل: عبدري نسبة إلى عبد الدار، حيث جُمع بين حروف الكلمتين.

أما إذا كان من ثلاث كلمات فلا يشترط الأخذ من كل كلمة مثل: جعفدة من قولهم: جعلني الله فداك؛ فلفظ الجلالة لم يؤخذ منه شيء.

ثالثاً: أهم طرق النحت( ): هناك طرق يتم من خلالها النحت، ومن أهمها ما يلي:

إلصاق الكلمة بالأخرى دون تغيير شيء بالحروف والحركات، نحو: برمائي، واللاأدرية.

2_ تغيير بعض الحركات دون الحروف نحو: شَقَحْطَب، من: شق حطب.

3_ إبقاء إحدى الكلمتين كما هي، واختزال الأخرى نحو: مُشلْوَز منحوت من المشمش واللوز، ومُحَبْرَم من: حب الرمان.

4_ إحداث اختزال متساوٍ في الكلمتين؛ فلا يدخل في الكلمة المنحوتة إلا حرفان من كلٍّ منهما، نحو: تَعَبْشَم من: عبد شمس.

5_ إحداث اختزال غير متساوٍ في الكلمتين، نحو: سبحل من قال: سبحان الله.

6_ حذف بعض الكلمات حذفاً تاماً دون أن تترك في الكلمة المنحوتة أي أثر، نحو: طَلْبَق _ أي أطال الله بقاءك _ وهيلل _ قال: لا إله إلا الله _ فإن لفظ الجلالة (الله) حذفت منه الكلمتين، ولم يبق لها أي أثر في الكلمتين المنحوتتين، وقد مر ذلك في الفقرة الماضية عند الحديث عن شروط النحت.

رابعاً: النحت عند العلماء: كان النحت معروفاً عند العرب قديماً، ولكنهم لم يعنوا به، ويعد ابنُّ فارسٍ × فارسَ هذه الفكرة، وإمامها المتوسع فيها.

وعلماء العربية قديماً وحديثاً يعدونه رائد هذا المضمار، والمطبق الفعليَّ له.

وقد بين ابن فارس أن العرب تعرف هذا، ونقل عن الخليل وغيره؛ ليبين أن هذه الفكرة ليست مبتدعة من قِبَلِهِ.

قال × في باب عقده في كتابه الصاحبي عنوانه (باب النحت): =العرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة، وهو جنس من الاختصار، وذلك: (رجل عبشمي) منسوب إلى اسمين، وأنشد الخليل:

أقول لها ودمع العين جارٍ

                   ألم تحزُنْك حيعلة المنادي

مكان قوله (حي على)

وهذا مذهبنا في أن الأشياء الزائدة على ثلاثة أحرف فأكثره منحوت، مثل قول العرب للرجل الشديد: (ضِبَطْر) من ضبط وضبر.

وفي قولهم: (صهصلق) إنه من (صهل) و (صلق) وفي (الصِّلدم) إنه من (الصَّلْد) و (الصَّدْم).

وقد ذكرنا ذلك بوجوهه في كتاب مقاييس اللغة+( ).

وبهذا يتبين أن ابن فارس هو إمام هذا الفن، وأنه أول من أرجع كثيراً من الكلمات الرباعية والخماسية إلى النحت؛ حيث كان ذلك منهجه في كتاب (معجم مقاييس اللغة) في أبواب ما زاد على ثلاثة أحرف من الكلمات، وإن كان _ كما سبق _ قد ذكر أن الفكرة كانت موجودة عند الخليل( ).

ومن أمثلة المنحوت التي أوردها من الرباعي قوله: =ومن ذلك قولهم: (بَلْطَحَ) الرجلُ إذا ضَرَب بنفسه في الأرض؛ فهي منحوتة من بُطِح وأُبلِط إذا لَصِق ببلاط الأرض.

ومن ذلك قولهم: (يزمخ) الرجل إذا تكبر، وهي منحوتة من قولهم: زَمخَ إذا شمخ بأنفه، وهو زامخ، ومن قولهم: بزخ إذا تقاعس، ومشى متبازخاً إذا تكلف إقامة صُلبه+( ).

وقال: =ومن ذلك (البِرْقِش) وهو طائر، وهو من كلمتين: من رقشتُ الشيء _ وهو النقش _ وهو من البرَش وهو اختلاف اللونين، وهو معروف+( ).

ومما أورده من أمثلة الخماسي قوله: =ومن ذلك (الدَّلَهْمَس): وهو الأسد.

قال أبو عبيد: سمي بذلك لقوَّته وجرأته.

وهي عندنا منحوتة من كلمتين: من دَالَسَ، وهَمَسَ؛ فَدَالس: أتى في الظلام، وقد ذكرناه، وهمس: كأنه غمس نفسه فيه، وفي كل ما يريد، يقال: أسدٌ هموس+( ).

وقال: =ومن ذلك (دغمرت) الحديث: إذا خَلَطْته، قال: الأصمعي في قوله:

ولم يكن مؤتشباً دِغماراً

قال: المُدَغْمِر: الخفي.

وهذه كلمة منحوتة من كلمتين: من دغم يقال: أدغمت الحرف في الحرف إذا أخفيته، وقد فسرناه، ومن دغر: إذا دخل على شيء+( ).

هذا وسيأتي مزيد أمثلة فيما بعد.

ومن العلماء الذين ألفوا في النحت الظهير العماني.

قال السيوطي ×: =وقد ألف في هذا النوع أبو علي الظهير بن الخطير الفارسي العماني كتاباً سماه (تنبيه البارعين على المنحوت من كلام العرب) ولم أقف عليه، وإنما ذكره ياقوت الحموي في ترجمته في كتابه معجم الأدباء.

قال ياقوت في معجم الأدباء: =سأل الشيخ أبو الفتحِ عثمانُ بن عيسى الملطيُّ النحوي الظهير الفارسي عما وقع في ألفاظ العرب، على مثال شَقَحْطَب فقال: هذا يسمى في كلام العرب المنحوت، ومعناه أن الكلمة منحوتة من كلمتين كما ينحت النجار خشبتين ويجعلهما واحدة؛ فـ: شقحطب منحوت من شِقّ حَطَب، فسأله الملطي أن يُثبت له ما وقع من هذا المثال إليه؛ ليعول في معرفتها عليه، فأملاها عليه في نحو عشرين ورقة من حفظه، وسماها كتاب (تنبيه البارعين على المنحوت من كلام العرب+( ).

خامساً: أقسام النحت: يمكن أن يقسم النحت باعتبار كلماته المنحوتة إلى أربعة أقسام وهي( ):

1_ النحت النِّسبي: وهو ما يكون لبيان نسبة الشخص إلى قبيلة أو مذهب أو غير ذلك، ومن أمثلته: عبدري نسبة إلى عبدالدار، وعبشمي نسبة إلى عبدشمس، وعبقسي نسبة إلى عبدالقيس، ومرقسي نسبة إلى امرئ القيس، وتيلمي: نسبة إلى تيم اللات.

ومن ذلك: شفعنتي، وحنفلتي نسبة إلى مذهب الإمام أبي حنيفة والشافعي _ رحمهما الله _ .

2_ النحت الفعلي: وهو ما يكون في الأفعال، وهو ما ينحت من الجملة دلالة على منطوقها، وتحديداً لمضمونها، نحو: بسمل من قال: بسم الله، ومن شواهده:

لقد بسملت ليلى غداة لقيتها

                   فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل

ومن ذلك قول: حيعل وقد مر، ومن ذلك: حوقل: أي قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهلل: أي قال: لا إله إلا الله.

3_ النحت الوصفي: وهو أن تنحت من كلمتين كلمة على صفة بمعناها أو بأشد من هذا المعنى، ومن أمثلته: صهصلق: صفة للرجل الشديد الصوت الصخاب، يقال: امرأة صهصلق: صخابة.

قال ابن فارس ×: =وهذا منحوت من كلمتين: من صهل، وصلق+( ).

4_ النحت الاسمي: وهو أن تنحت من كلمين فأكثر اسماً، وهو أقل هذه الأنواع، مثل: جلمد من جلد وجمد، قال ابن فارس: =وهذا من كلمتين: من الجَلَد: وهي الأرض الصُّلبة، ومن الجَُمُد: وهي الأرض اليابسة+( ).

ومن ذلك: الضرغام: الأسد، يقول ابن فارس: =فهذا منحوت من كلمتين: من ضغم وضرم، كأنه يلتهب حتى يَضْغَم+( ).

 ومن ذلك عقابيل: من عقبى وعلة، وحبقر: من حب وقرَّ.

سادساً: أمثلة للنحت: مر فيما مضى ذكر لعدد من الأمثلة، وفيما يلي ذكر لشيء منها( ):

1-الضِّبَطْر: وهو الشديد، وهي منحوتة من كلمتين: ضبط وضطر( ).

2-الحيعلة: حكاية عن قول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح.

3-الدَّمْعَزة: حكاية قوله: أدام الله عزك.

4-الحمدله: أي من الحمد لله.

5-السبحلة: من سبحان الله.

6-الحسبلة: قول: حسبي الله.

7-المشألة: قول: ما شاء الله.

8-الحيهلة: قول: حيهلاً بالشيء.

9-السَّمعلة: قول سلام عليكم.

10-الطلبقة: أطال الله بقاءك.

11-الجعفلة أو الجعفدة: من جعلت فداك.

12-مشكن: قول ما شاء الله.

13-هيلل قال: لا إله إلا الله.

14-ويَلَمَ: أي قال: ويلمه، ويلٌ لأمه.

15-كبتع: قال: كبت الله عدوك.

سابعاً: النحت عند المُحْدَثين( ): لقد تنبه المحدثون إلى هذا الفن، وربطوه بالاشتقاق، وجعلوه لوناً من ألوانه، ومن عوامل تنمية اللغة.

ولهذا نجد أن أكثر كتب المحدثين التي تناولت عوامل تنمية اللغة والاشتقاق تكلمت عن النحت، حتى سماه بعضهم: الاشتقاق الكُبَّار _ كما مر_.

وبعضهم قال: النحت غير قياسي، بل هو مسموع نقله ابن فارس عن العرب، وقد تكون الكلمة رباعية، أو خماسية.

وما يذكر من الألفاظ كالحوقلة، والبسملة يعد من الألفاظ المولدة، وليست بحجة؛ فزعموا أنه من الألفاظ المركبة، وأنه غير قياسي.

ومع ذلك فقد أجاز النحتَ بعضُ العلماء، وأجازه المجمع اللغوي، بعد جدل طويل بين أعضائه؛ حيث توصلوا في نهاية المطاف إلى جوازه، وحددوه بشروط وهي:

1_ الضرورة: كأن يمر مصطلح من العلوم، أو الفنون، أو المخترعات وما إلى ذلك، فحينئذٍ يُلْجَأ إليه، بل الضرورة ههنا أعظم من الضرورة في باب التعريب؛ لأنهم قيدوه بالمصطلحات، وأن يكون معبراً عن المعنى، وأن تكون الألفاظ المنحوتة مركبة من أصلها، وأن تكون معبرة عن معانٍ متلاصقة لا يمكن أن ينهض بها التعريب، أو الاشتقاق.

2_ مراعاة أساليب العرب في النحت: وهذا عسير جداً؛ لأن العرب لم يسيروا على قواعد معينة، وما روي عنهم لا يكاد يجتمع به نظام لغوي واحد؛ فهم _على سبيل المثال_ لا يشترطون الأخذ من كل كلمة، وخاصة إذا كانت أكثر من كلمتين.

مثل: جعفدة من: جعلني الله فداك؛ فلفظ الجلالة لم يؤخذ منه شيء.

3_ التناسب الصوتي: بحيث يراعى ألا يجمع بين الأصوات المتتنافرة؛ كالصاد والجيم في الكلمة المنحوتة.

وهكذا أجاز المجمع مثل ذلك، مع أن بعض أعضائه منعوه؛ بحجة أن العرب نحتوا؛ رغبة في استكمال اللغة، أما الآن فإن اللغة مستقرة، وكافية؛ فلا حاجة إلى ذلك.

ورُدَّ عليهم بأننا أشد حاجة من القدماء لمواجهة الجديد، وإلا حُكم على اللغة بأنها لغة جامدة، بخلاف ما هو معلوم من أنها لغة حية تستوعب الجديد، وتفي بالحاجات.

والطريف في الأمر أن المجمع ضم من بين أعضائه من ليس مختصاً باللغة العربية، فمنهم الأطباء، والمهندسون، وغيرهم.

وخلاصة القول أن المحدثين اهتموا كثيراً بالنحت، وألفوا فيه، بعكس القدماء، الذين لم يولوه اهتماماً عدا ابن فارس، وما ذكر في خبر الظهير العماني.

ثامناً: أسماء بعض الذين عنوا بالنحت من المحدثين، ونماذج مما وضعوه من الألفاظ المنحوتة ( ):

أ _ إسماعيل مظهر: وله كتاب اسمه (تجديد العربية) وقد تحدث فيه عن مواجهة الجديد.

كما ألف قاموساً في جزأين (قاموس النهضة) وكله في المصطلحات العلمية، ويعتمد على الألفاظ المنحوتة في الطب، والهندسة، والكيمياء.

ومن الأمثلة التي ذكرها:

1-كم أرضي: منحوت من: كيمائي أرضي.

2-بي عضلي: منحوت من: بين العضل.

3-بي جبل: منحوت من: بين الجبل.

4-كربض: منحوت من: كريات الدم البيضاء.

5-نزعق: من نزع الورق.

6-زأكدة: من: إزالة الأكسيد.

7-مقيهل: من: مقيء ومسهل.

8-عنشم: من: عين شمس.

9-بلغز: من: بلا غاز.

10-قوزح: من: قوس قزح.

11-شبهم: من: الأشياء المبهمة.

ب _ د. رمسيس نجيب: وهو طبيب معني بالنحت، وقد أتى ببعض الألفاظ المنحوتة المستعملة في ميدان الطب مثل:

1-صلكلة: بمعنى: استئصال الكلية؛ فكلمة صل: بمعنى استئصال والذي يركب معها يعبر عن الكلمة الأخرى.

2-صلكد: استئصال الكبد.

3-صلعد: استئصال المعدة.

4-حلمأ: التحليل بالماء.

5-حلكد: التحليل بالكحول؛ فكلمة حل بمعنى تحليل، وما ركب معها يعبر عن الكلمة الأخرى.

ج _ صلاح الدين الكواكبي: وهو أستاذ في الكيمياء، ويعد من أعلام سوريا، وقد حاول أن يضع مصطلحات في الكيمياء، كلها تعتمد على النحت.

ولا ريب أن مثل هذه الأعمال تدل على سعة اللغة، واستيعابها للجديد، وإن كان هناك من يرى أن هذه الألفاظ مولدة غير عربية، وأن فيها صعوبة.

ومهما يك من شيء فهذا أيسر من اللفظ الأجنبي.

 المبحث الرابع : الـمــجــاز

المجاز مصطلح معروف عند أهل اللغة، والبلاغة، والتفسير، والأصول وغيرهم.

كما أنه يَرِدُ كثيراً في كتب العقائد، خصوصاً في باب الأسماء والصفات؛ ذلك أن كثيراً من أهل التعطيل اتخذوه مطية لنفي الصفات الإلهية.

ونظراً لكون المجاز عند القائلين به وسيلة من وسائل تنمية اللغة، ولأجل أن تتضح صورة المجاز فهذا عرض مجمل ميسر يبين معالم المجاز، وحقيقة الخلاف فيه، وما جرى مجرى ذلك.

وقبل الدخول في ثنايا الحديث عن المجاز يحسن الوقوف عند مصطلح (الحقيقة) ؛ وذلك لأن المجاز عند من يقول به قسيم الحقيقة.

فالكلام ينقسم إلى حقيقة ومجاز؛ فإلى تفصيل الحديث؛ حتى يتبين الأمر.

أولاً: تعريف الحقيقة: هي الكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع.

أو هي: استعمال اللفظ فيما وضع له في الأصل.

مثل كلمة (أسد): تدل على الحيوان المعروف، وكلمة (الشمس): تدل على الكوكب العظيم المعروف، وكلمة (البحر): تدل على الماء العظيم الملح؛ وهكذا جميع ألفاظ اللغة.

ثانياً: تعريف المجاز: المجاز في اللغة: اسم مكان كالمطاف والمزار، والألف فيه منقلبة عن واو، وقيل: هو مصدر ميمي.

وفي الاصطلاح: هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له في الأصل؛ لعلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.

ثالثاً: شرح مفردات تعريف المجاز: قوله: (في غير ما وضع له): أي المعنى الوضعي للَّفظ، ويسمى الحقيقي أو الأصلي الذي ذكرته معاجم اللغة، كوضع كلمة الأسد للحيوان المعروف الكاسر، وكذلك القمر.

 قوله: (لِعِلاقة): العلاقة هي الشيء الذي يربط بين المعنى الأصلي للفظ، والمعنى المجازي، كالشجاعة في قولك: رأيت أسداً يكرُّ بسيفه !

فالأسد هنا لا يقصد به الحيوان؛ وإنما يقصد به الرجل الشجاع، إذاً فقد انتقل من معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي، والعلاقة هي الشجاعة.

 قوله: (القرينة) ؛ القرينة: هي التي تمنع الذهن من أن ينصرف إلى المعنى الوضعي الأصلي للفظ، مثل قولك (يكر بسيفه) في قولك: (رأيت أسداً يكر بسيفه) لأن الأسد لا يكر بالسيف؛ فَعُلم أن المقصود باللفظ مجازه لا حقيقته؛ لأن الأسد لا يحمل السيف.

وكذلك قولك في الرجل الكريم: جاء البحر، ونحو ذلك من الأمثلة مما سيأتي ذكره ( ).

رابعاً: =تطبيق+: إليك هذا التطبيق الذي يبين لك ما ذكر بصورة أجلى: قال أهل المدينة في استقبالهم للنبي"لما قدم من تبوك هو وأصحابه:

طلع البدر علينا

                   من ثَنِيَّات الوداع

فالمجاز في هذا البيت واقع في لفظ (البدر) حيث يريدون به النبي " وهذا استعمال مجازي؛ ذلك لأن الاستعمال الحقيقي للبدر إنما هو الكوكب العظيم الذي يكون في السماء ليلاً.

والعلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي هي الحسن والإشراق؛ فالبدر حَسَنٌ مشرق، وكذلك النبي ".

والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي الحقيقي هي: (من ثنيات الوداع) فهي التي أثبتت مجازية البدر، والسبب أن البدر الحقيقي لا يظهر بين ثنيات الوداع وهي الجبال الصغيرة، وإنما يظهر في السماء كما هو معلوم؛ فعلم بذلك أن اللفظ أريد به مجازُه لا حقيقته.

خامساً: =أمثلة لألفاظ يتبين فيها الحقيقة من المجاز+:

 1_ الشمس لها دلالتان: إحداهما حقيقية وهي دلالة الكوكب العظيم المعروف.

والأخرى مجازية وهي: الوجه المليح.

2_ البحر له دلالتان: إحداهما حقيقته، وهي دلالته على الماء العظيم الملح.

والأخرى مجازية وهي: دلالته على الرجل الجواد الكثير العطاء، أو العالم الغزير العلم.

3_ اليد لها دلالتان: إحداهما حقيقته، وهي الجارحة المعروفة، كما تقول: كتبت بيدي.

والأخرى مجازية بمعنى النعمة، كما تقول: لفلانٍ عليَّ يدٌ، أي: نعمة.

سادساً: كيف يُفرَّق بين الحقيقة والمجاز؟:

يفرق بسياق الكلام، وقرائن الأحوال، ولا يمكن أن يقال: إن كلا الدلالتين الحقيقية والمجازية سواء؛ بحيث إذا أطلق اللفظ دل عليهما معاً، كأن يقال: إن الشمس حقيقية في دلالتها على الكوكب والوجه المليح، وأن البحر حقيقة في الماء العظيم الملح والرجل الجواد؛ بل لابد من قرينة تخصص المعنى المراد ( ).

سابعاً: لم سمي المجاز بهذا الاسم؟:

لأنه مأخوذ من قولهم: جاز هذا الموضع إلى هذا الموضع، إذا تخطاه إليه.

فالمجاز _ إذاً _ اسم للمكان الذي يُجاز فيه كالمزار، والمعاج، وأشباههما.

وحقيقته: الانتقال من مكان إلى مكان؛ فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل، كقولنا: زيد أسد؛ فإن زيداً إنسان، والأسد هو ذاك الحيوان المعروف، وقد جُزْنا الإنسانية أي: تخطيناها وانتقلنا منها وعَبَرْنَاها إلى الأسدية؛ لِوُصْلة بينهما _أي علاقة_ وتلك الوُصْلَةُ هي صفة الشجاعة؛ فهذا هو سبب تسمية المجاز بهذا الاسم.

أما الحقيقة فهي: مأخوذة من كلمة حقَّ وهو الشيء الثابت، ولعلك تشمُّ رائحة التضاد بين هاتين الكلميتين؛ فالحقيقة ثبوت الشيء، والمجاز تَعَدِّية ( ).

ثامناً: هل كل مجاز له حقيقة، وكل حقيقة لها مجاز؟

والجواب: أن كل مجاز له حقيقة؛ لأنه لم يطلق عليه لفظ مجاز إلا لنقله عن حقيقة موضوعة.

وليس مِنْ ضرورةِ كلِّ حقيقة أن يكون لها مجاز ( ).

تاسعاً: هل الأصل في الكلام الحقيقة أو المجاز؟:

والجواب: أن الأصل فيه الحقيقة، ولا ينصرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه إلا بقرينة _ كما مر في الأمثلة الماضية _.

عاشراً: اختلاف العلماء في أصل وقوع المجاز:

اختلف العلماء في أصل وقوع المجاز وثبوته في اللغة والقرآن، على ثلاثة أقوال:

1_ أن المجاز واقع في اللغة والقرآن: وهذا مذهب جماهير العلماء، والمفسرين، والأصوليين، واللغويين، والبلاغيين، وغيرهم؛ بل حكى الإجماع على ذلك يحيى بن حمزة العلوي في كتابه (الطراز)( ) غير أن في تلك الدعوى توسعاً؛ لوجود المخالف المعتبر.

2_ إنكار المجاز مطلقاً في اللغة والقرآن: وقد ذهب إلى ذلك أبو إسحاق الاسفراييني، وتبعه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.

3_ أن المجاز واقع في اللغة دون القرآن: وقد ذهب إلى ذلك داود الظاهري، وابنه محمد، وابن القاصّ الشافعي، وابن خويز منداد المالكي، ومنذر بن سعيد البلوطي، ومن المعاصرين الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي.

حادي عشر: حجة القائلين بمنعه:

القائلون بمنع المجاز في اللغة والقرآن، أو في القرآن وحده يحتجون على ذلك بحجج منها:

1_ أن كل مجاز كذب يجوز نفيه: فيلزم على القول بأن في القرآن مجازاً أن في القرآن ما يجوز نفيه، قال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ×: =وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر؛ فتقول لمن يقول: رأيت أسداً يرمي: ليس هو بأسد وإنما هو رجل شجاع؛ فيلزم على القول بأن في القرآن مجازاً أن في القرآن ما يجوز نفيه، ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن+ ( ).

2_ أن القول بالمجاز ذريعة إلي نفي الصفات الإلهية وتأويلها: قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ×: =وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض الصفات قد شوهدت في الخارج صحته، وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن العظيم.

وعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك، فقالوا: لا يد، ولا استواء، ولا نزول، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات؛ لأن هذه الصفات لم تُرَدْ حقائقها؛ بل هي عندهم مجازات؛ فاليد مستعملة عندهم في النعمة، أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنزول نزول أمره ونحو ذلك؛ فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول المجاز.

مع أن الحق الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه الصفات التي أثبتها _ تعالى _ لنفسه، والإيمان بها من غير تكييف ولا تشبيه، ولا تعطيل ولا تمثيل+( ).

فهذا السبب _ وهو نفي الصفات عن طريق القول بالمجاز _ هو من أعظم الأسباب التي دعت القائلين بإنكار المجاز إلى ذلك.

3_ ادعاء أن الألفاظ كلها حقيقة والجزم بأن تقسيمها إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث لم تعرفه العرب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية × عن المجاز: =ولكن المشهور أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ.

وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل، وسيبويه، وأبي عمرو بن العلاء، ونحوهم+( ).

وقد كرر × ذلك في مواضع من كتبه، خصوصاً في كتابه الإيمان، وفي الأسماء والصفات من مجموع الفتاوى.

4_ أن إطلاق المجاز في القرآن يفضي ويؤدي إلى وصف الله بالمُتَجَوِّز: وذلك مما لم يرد الإذن به؛ ذلك أن أسماء الله وصفاته توقيفية كما هو معلوم.

ثاني عشر: مناقشة مثبتي المجاز لمنكريه:

1_ أن القول بأن كل مجاز كذب يجوز نفيه ليس صحيحاً: وإنما يكون المجاز كذباً لو أثبت المعنى على التحقيق لا على المجاز، أي أنه إذا أطلق القمر _ مثلاً _ على إنسان بهيِّ الطلعة يكون كذباً لو ادُّعي أنه القمر الذي في السماء حقاً.

ولا ريب أن هذا ليس بمرادٍ في المجاز، وإنما المراد تشبيهه به في البهاء والحسن، فأين الكذب؟ !

وكذلك قولنا للبليد: (حمار) ليس المقصود بأنه حمار في الشكل والخلقة، وإلا لصح أن ينفى ويقال: ليس هو بحمار بل هو إنسان؛ فالنفي هنا مُنصبٌّ على إرادة الحقيقة لا على المعنى المجازي، وهذا لا يسمى كذباً؛ لأن المتكلم جاء بقرينة تبين مراده، وترفع اللبس.

ثم أن البلاغيين حرصوا في مصنفاتهم على أن يبينوا الفرق بين المجاز والكذب؛ فهم متفقون على أن المجاز ليس كذباً؛ لأن التجوُّز يضع بين يدي المجاز قرينة تَصْرِفُ عن إرادة المعنى الأصلي للفظ.

أما الكذب فإن الكاذب يحرص فيه على إخفاء حاله؛ ترويجاً للكذب الذي يريده.

ولقد عني البلاغيون بالقرائن عناية بالغة، واستنبطوها من كلام العرب، وفصلوا فيها القول تفصيلاً؛ فإذا خلا المجاز من القرائن كان الكلام فاسداً؛ لعدم دلالته.

2_ أن القول: بأن المجاز ذريعة إلى نفي الصفات الإلهية، وتأويلها ليس مسوغاً لنفي المجاز؛ ذلك أنه لا حجة لهؤلاء النفاة المعطلة فيما ذهبوا إليه.

وإنما هم أصحاب هوى وضلال، ومن كانت هذه حاله ركب كل صعب وذلول في سبيل هواه، فاستدلالهم بالمجاز على نفي الصفات استدلال فاسد، فنحن نجعله حجة عليهم لا لهم؛ فيقال لهؤلاء النفاة المعطلة: إن الأصل في الكلام أن يحمل على حقيقته وظاهره المتبادر ما لم تقم قرينة توجب صرفه عن هذه الحقيقةِ، وذلك الظاهرِ لنا.

ثم إن الناس متعبدون باعتقاد الظاهر من أدلة الكتاب والسنة ما لم يمنع مانع.

وبناء على ذلك يقال لهؤلاء النفاة: إن النصوص الصحيحة القطعية أثبتت صفات الكمال لله _ تعالى _ كصفة الكلام، واليد، والاستواء، والنزول، والعلو، والساق، والقَدم، والضحك، والأصابع.

والنصوص الواردة في ذلك لا تظفر فيها بأي قرينة تنقلها عن معانيها الحقيقية التي دلت عليها؛ فهي صفات حقيقية ثابتة للرب _ سبحانه _ على ما يليق به.

وادعاء هؤلاء المعطلة أن إثبات الصفات يلزم منه التمثيل، وأن القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي هي تنزيه الله _ سبحانه _ عن مماثلة المخلوقين ادعاء باطل متهافت، ظاهر السقوط؛ إذ لا يلزم من إثبات الصفات لله تمثيله وتشبيهه بخلقه؛ فللخالق _ سبحانه _ صفاتٌ تليق به، وللمخلوق صفات تليق به.

ثم إن مجيء نصوص الصفات متكاثرة يقطع بأن المراد منها معانيها الحقيقية، ويدرأ عن تلك النصوص أن تكون مجازية أنها لا تقبل دعوى المجاز من جهة اللغة نفسها، وتراكيب الكلم فيها؛ فهي تأبى أن تبارح المعنى الحقيقي.

ونمثل بهذا المثال وهو قوله _ سبحانه _: [وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً] النساء: 164.

فلا يجوز أبداً أن يقال: إن الكلام في هذه الآية مجازي، لأن الفعل (كلَّم) أُكِّد بالمصدر (التكليم) الدال على النوع.

وقد نقل أبو جعفر النحاس (ت 338) إجماع النحاة على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازاً، بل هو حقيقة قطعاً.

كيف وقد قال _ تعالى _: [وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ] الأعراف: 143؟!

ومما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية × في قوله _ سبحانه وتعالى _: [لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ] ص:75 أنه قال: =فقوله _ تعالى _: [لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ] لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد.

ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.

ولا يجوز أن يكون (لما خلقت أنا) لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد؛ فتكون إضافته إلى اليد إضافة إلى الفعل، كقوله: [بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ] الحج: 10 و [قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ] يس: 71.

أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل وعدَّ الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله: [لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ] فإنه نصٌّ في أنه فَعَل الفِعْلَ بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك، ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت كافٍ في الإضافة إلى الفاعل؛ فلو لم يُرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة.

ولست تجد في كلام العرب ولا العجم _ إن شاء الله تعالى _ أن فصيحاً يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه إلا ويكون فعله بيديه حقيقية، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.

وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة+( ).

وبالجملة، فالأمثلة على هذا النحو كثيرة جداً أو من خلالها يظهر أن نصوص الصفات لا تقبل المجاز من جهة نظمها، وتركيبها، وإضافتها إلى الله_عز وجل_.

كيف وأهل السنة مجمعون على الإقرار بأسماء الله تعالى وصفاته وحملها على الحقيقة لا المجاز؟ !

3_ أما القول بأن الألفاظ كلها حقيقة أو أن تقسيمها إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث لم تعرفه العرب فذلك يحتاج إلى نظر؛ فإن أريد بذلك أن العرب لم يضعوا هذا المصطلح فنعم.

وإن أريد نه لا يوجد في كلامهم مجاز فهذا غير صحيح، بل الشواهد من كلامهم على استعمال المجاز أكثر من أن تحصر، وذلك مما استفاض به النقل عن علماء اللغة.

ثم إن القول إن هذا الاصطلاح لم يعرف إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة غير مُسَلَّم به؛ فقد تلكم بالمجاز غير واحد من علماء اللغة في أوقات القرون المفضلة، ومن هؤلاء أبو زيد القرشي المتوفي سنة 170هـ.

ومن أهل اللغة من يعبر عن المجاز بـ: (التوسع والسعة في الكلام).

4_ وأما القول بأن إطلاق المجاز يفضي إلى وصف الله بالمتجوز وذلك لا يصح فيجاب عنه: بأنه لا يلزم ذلك؛ لأن هذا الإطلاق لا يكون إلا بدليل.

ثم إن إطلاق المجاز على اللفظ في بعض استعمالاته اصطلاح، ولا يلزم إضافة المعاني الاصطلاحية إلى الله _ تعالى _ وإلا ففي القرآن سجع، وأمثال، فهل يقال في حق الله _ تعالى _: الساجع، والممثل؟

هذه بعض حجج القائلين بمنعه ورد القائلين به على سبيل الإيجاز.

ثالث عشر: خاتمة الحديث عن المجاز: وبعد أن وقفت عن شيء من أمر المجاز، وما جاء في الخلاف حول إثباته أو نفيه _ يتبين لك أن أعظم الأسباب التي دعت إلى نفيه وإنكاره أن أهل التعطيل اتخذوه مطية لتحريف بعض نصوص الشرع لاسيما في باب الصفات.

فهذا هو الذي دعا بعض العلماء أن يشدد في النكير على القائلين بالمجاز.

وإلا لو كان الأمر مجرد اصطلاح لغوي لا يترتب عليه خوض في مسائل الشريعة لهان الخطب، ولما حصل فيه كبير خلاف.

ولكن لما أدرك بعض العلماء خطورة ذلك وكثرة المبتدعين به سارعوا إلى إنكاره؛ سداً للذريعة، وعلى رأس هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية × في مواطن كثيرة من كتبه، وإن كان قد قال بالمجاز في إحدى مراحل عمره.

يقول الشيخ د. عبدالمحسن العسكر _ حفظه الله _ في مقدمة مخطوطة له عن المجاز: =وأحسب أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد قال بالمجاز في إحدى مراحل عمره، فقد رأيت في (محاسن التأويل) لجمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) ما هذا نصه:

 =قال ابن تيمية في بعض فتاواه: نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله، وبالتأويل الجاري على نهج السبيل، ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد منا أنا لا نقول بالمجاز والتأويل، والله عند لسان كل قائل، ولكن ننكر من ذلك ما خالف الحق والصواب، وما فتح به الباب إلى هدم السنة والكتاب، واللحاق بمُحرِّفة أهل الكتاب.

والمنصوص عن الإمام أحمد وجمهور أصحابه أن القرآن مشتمل على المجاز، ولم يعرف عن غيره من الأئمة نص في هذه المسألة.

وقد ذهب طائفة من العلماء من أصحابه وغيرهم، كأبي بكر بن أبي داود، وأبي الحسن الخرزي، وأبي الفضل التميمي، وابن حامد وغيرهم إلى إنكار أن يكون في القرآن مجاز.

وإنما دعاهم إلى ذلك ما رأوه من تحريف المحرفين للقرآن بدعوى المجاز، قابلوا الضلال بحسم المواد، وخيار الأمور التوسط، والاقتصاد+( ).

وبعد أن نقل الشيخ العسكر هذه الفتوى قال: =ومع أنني لم أهتد إلى هذه الفتوى في مظانها من المطبوع من مؤلفات شيخ الإسلام وفتاواه فإن عدم اهتدائي هذا لا ينفي وجودها في كتابات الشيخ مطلقاً.

بَيْدَ أني مطمئن غير مرتاب في نسبة هذا الكلام إلى شيخ الإسلام × وذلك لما يلي:

1_ أن المطبوع من أعمال شيخ الإسلام لا يمثل إلا القليل مما كتب في حياته كلها.

وأنت خبير أنه صاحب قلم سيال، ومكثر من الكتابة جداً، حتى قال الذهبي: =جاوزت فتاوى ابن تيمية ثلاثمائة مجلد+.

2_ أن من له أدنى صلة بتراث شيخ الإسلام لا ينازع في أن هذا النَّفَسَ نَفَسُه، والأسلوب أسلوبه، وقد وقفت على هذه الفتوى بعض العلماء فأجابوا بذلك منهم فضيلة الشيخ محمد العثيمين × وشيخنا عبدالرحمن البراك أحسن الله إليه.

3_ أن الذي نقل هذه الفتوى من أعظم الناس اطلاعاً في هذا العصر على كتابات الشيخ وتلميذه ابن القيم، وكان يعيش في بلاد الشام بلاد الشيخين، ومؤلفات القاسمي وخاصة تفسيره طافحة بالنقولات الكثيرة عنهما.

ثم إنه أحد القلة في عصره الذين نهضوا بالمنهج السلفي، ومناصرته، وأوذي في ذلك أذىً كثيراً.

وما كان الشيخ ليلصق بشيخ الإسلام قولاً يتطرق الشك في نسبته إليه+.

ولقد توصل إلى تلك النتيجة بصورة أوضح وأجلى د. هادي أحمد فرحان الشجيري، وذلك في كتابه (الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية).

وهذا الكتاب رسالة نال بها المؤلف درجة الدكتوراة من كلية الآداب جامعة بغداد.

وكان مما درسه في بحثه المجاز وآراء ابن تيمية فيه، ومن ضمن فقرات ذلك المبحث فقرة عنوانها: موقف ابن تيمية من المجاز، حيث قال فيها: =إن المتتبع لكلام ابن تيمية في مؤلفاته المختلفة سيتبين له بيسر وسهولة أن له موقفين من المجاز، أولهما موقف من الإقرار به، ويبدو أن هذا الموقف كان السابق في حياته العلمية، وهو الذي درج عليه في غالب أحواله ومؤلفاته.

أما موقفه الآخر وهو موقف النافي للمجاز في اللغة فقد ذكره مفصلاً فيما لَحِظْتُه بعد طول معاينة، وكثرة تتبع في موضعين.

وهو موقفٌ نابع عن فكر، وتأمل، وروية.

ويبدو أن كان آخر ما استقر عليه، وإن كنا لا نملك من أدلة التوثيق التأريخية ما يكون عوناً لنا في هذا الحكم، ولكن طبيعة ذكر الأدلة والتفصيل، ونقد مفاهيم المجاز، وتبني تلميذه المقرب ابن قيم الجوزية لهذا الموقف، ودفاعه عنه _ كلها ترجح أنه آخر ما استقر عليه رأي ابن تيمية+( ).

ثم قال تحت فقرة عنوانها (موقف المقر بالمجاز): =لقد وقف ابن تيمية مقراً بالمجاز مدافعاً عن العقيدة مع إقراره بالمجاز، ويمكن أن يتبين هذا الموقف من خلال صور متعددة:

أولاً: النصوص الكثيرة المبثوثة في مواضع متفرقة من كتبه والتي تدل تصريحاً أو تلويحاً على إقراره بالمجاز.

ثانياً: ومن صور إقراره بالمجاز، قوله بالحقائق الشرعية والعرفية، وهي في حقيقتها نوع من التغير الدلالي الذي أصاب اللفظ آنفا.

ثالثاً: ذكره بعض أنواع المجاز.

رابعاً: ذكره بعض علامات المجاز.

خامساً: من خلال تعبيراته ومعالجاته لبعض الأمثلة.

سادساً: ومما يدخل في هذا الموقف عموماً قوله بالمجاز المنضبط خاصة في باب الصفات+( ).

وتحت هذه العناصر ذكر نماذج من كلام ابن تيمية، وأحال على مواضع أخرى.

ومن الأمثلة التي ذكرها: قول شيخ الإسلام ابن تيمية: =وقبض اليد عبارة عن الإمساك، كما في قوله _ تعالى _: [وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ].

وفي قوله: [وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ].

وهي حقيقة عرفية ظاهرة من اللفظ، أو هي مجاز مشهور+( ).

ثم نقل نقولاً أخرى لا يتسع المجال لبسطها، ولعل الإشارة إلى مواضعها تكفي( ).

الباب الثالث: دراسات في المعاجم العربية

وتحته مدخل، وأربعة فصول:

مدخل

الفصل الأول: مفهوم المعجم، والمدارس المعجمية.

الفصل الثاني: دراسة لبعض المعاجم التي تأخذ بنظام التقليبات.

الفصل الثالث: المدرسة المعجمية الثانية مدرسة القافية، ودراسة لبعض المعاجم التي تسير عليها.

الفصل الرابع: المدرسة المعجمية الثالثة مدرسة الأبجدية العادية.

 الباب الثالث دراسات في المعاجم العربية

مدخل

المعاجم العربية كثيرة ومتنوعة، وهي _ كذلك _ مختلفة في طريقة ترتيبها لألفاظ اللغة، وشرحها لتلك الألفاظ.

ومنذ عصر الخليل بن أحمد _ وهو صاحب أول معجم شامل في العربية حتى وقتنا الحاضر _ والباحثون ينهلون من تلك الموارد، ويفيدون منها كل بحسبه.

ولما كان الأمر كذلك كان من المناسب أن تدرس تلك المعاجم دراسة موجزة تُعنى بأصحاب هذه المعاجم، وبالمنهج الذي اتبعوه في تأليفها، وبيان خصائصها، ومميزاتها، والمآخذ عليها؛ حتى يكون الباحث على بينة من أمرها؛ بحيث يتمكن _ عند الكشف عن معنى لفظ يريده _ من أن يختار منها ما يناسبه دون مشقة أو عناء.

ولهذا فسيعرض _ فيما يأتي _ من صفحات دراسة موجزة لأشهر معاجم اللغة العربية( ).

وقبل الشروع في ذلك يحسن الوقوف على مسائل مهمة في هذا الباب، وذلك في الفصل الأول منه.

الفصل الأول: مفهوم المعجم، والمدارس المعجمية

وتحته مبحثان:

المبحث الأول: مفهوم المعجم.

المبحث الثاني: المدارس المعجمية.

 الفصل الأول مفهوم المعجم، والمدارس المعجمية

 المبحث الأول: مفهوم المعجم

المسألة الأولى: تعريف المعجم:

أ _ تعريفه في اللغة: قال ابن فارس ×: =العين والجيم والميم ثلاثة أصول، أحدها يدل على سكوت وصمت، والآخر على صلابة وشدة، والآخر على عضٍّ ومذاقة.

فالأول: الرجل الذي لا يفصح، وهو أعجم، والمرأة عجماء بيِّنة العجمة+( ).

وقال: =ويقال: للصبي ما دام لا يتكلم ولا يفصح: صبي أعجم، ويقال: صلاة النهار عجماء؛ إنما أراد أنه لا يجهر بها بالقراءة، وقولهم: العجم الذين ليسوا من العرب؛ فهذا من القياس كأنهم لما لم يفهموا عنهم سموهم عجماً+( ).

وقال: =والعجماء: البهيمة، وسميت عجماء لأنها لا تتكلم، وكذلك كل من لم يقدر على الكلام فهو أعجم، ومستعجم+( ).

وهكذا نجد أن استعمال العرب لهذه المادة وما تصرف من ألفاظها إنما هو للدلالة على الإبهام والخفاء.

ولكن هذه المعاني لا تتفق مع معنى (المعجم) الذي نحن بصدد الحديث عنه _كما سيأتي( )_.

ب _ تعريف المعجم في الاصطلاح: هو كتاب يضم ألفاظ اللغة العربية مرتبة على نمط معين، مشروحة شرحاً يزيل إبهامها، ومضافاً إليها ما يناسبها من المعلومات التي تفيد الباحث، وتعين الدارس على الوصول إلى مراده( ).

ج _ التوفيق بين المعنيين: الأصلي اللغوي، والاصطلاحي:

لسائل أن يسأل؛ فيقول: كيف يمكن التوفيق بين المعنى الأصلي اللغوي للمادة وكثير من ألفاظها المشتقة منه وهو الإبهام والغموض، وبين المعنى الاصطلاحي لكلمة المعجم المأخوذة من نفس المادة، والتي تدل على الشرح والتوضيح؟

والإجابة عن ذلك أن يقال: إن زيادة بعض الحروف في الكلمة قد تسبب تغييراً في المعنى، وقد خصص لذلك علماء الصرف باباً سموه (معاني صيغ الزوائد).

بل إن بعض أنواع الزيادة قد تقلب المعنى إلى ضده، كتضعيف عين الكلمة وكزيادة الهمزة في أول الكلمة؛ لتدل على معنى الإزالة، كما يقال مثلاً: في قذيت عين فلان: أقذيت عينه بمعنى أزلت القذى، وأشكيت فلاناً أي أزلت شكواه.

وكذلك قسط بمعنى جار، وأقسط: بمعنى عدل.

ويقال: أعجمت الكتاب أي أزلت عجمته بنقْطه أو شَكْلِه كما يقال: عجمت.

قال ابن فارس: =قال الخليل: =كتاب مُعَجم، وتعجيمه: تنقيطه؛ كي تستبين عُجْمته وتَضِح+( ).

وقد وضَّح ذلك _ أيضاً _ ابن جني حين قال: =ثم إنهم قالوا: أعجمت الكتاب: إذا بينته وأوضحته؛ فهو _ إذاً _ لسلب معنى الاستبهام لا إثباته+( ).

فمعنى المعجم _ إذاً _ هو الكتاب الذي أزيلت العجمة فيه، وذهب الخفاء منه.

وحروف المعجم _ كما حكى ابن فارس عن الخليل _ =هي الحروف المقطعة؛ لأنها أعجمية+( ).

ويوضح ابن فارس هذا بقوله: =وأظن أن الخليل أراد بالأعجمية أنها ما دامت مقطعة غير مؤلفة تأليف الكلام المفهوم فهي أعجمية لا تدل على شيء؛ فإن كان هذا أراد فله وجه، وإلا فما أدري أي شيء أراد بالأعجمية+( ).

المسألة الثانية: تنبيه حول كلمة إطلاق المعجم:

إطلاق كلمة المعجم تدل على ما تقدم ذكره من أنه كتاب يضم ألفاظ اللغة ويشرح معانيها الخ. . إنما هو المعنى الغالب عليه.

وإلا فإن المؤرخين من علماء الحديث قد سبقوا علماء اللغة في هذا الإطلاق؛ فسموا كتبهم معاجم.

فهذا أحمد بن علي بن المثنى (210_307) يُطْلِقُ على كتاب وضعه لمعرفة الصحابة: (معجم الصحابة).

وكذلك فعل عبدالله بن عبدالعزيز البغوي (ت214) المحدث حين أطلق على كتابه (المعجم الكبير) و (المعجم الصغير).

ولذلك يحسن التقييد عند البحث فيقال: المعاجم اللغوية( ).

المسألة الثالثة: أنواع المعاجم:

ينبغي التفريق بين نوعين من هذه المعاجم اللغوية:

أحدهما: نوع يشرح معاني الألفاظ، ويبين أصلها، وما اشتقت منه، معتمداً في ذلك صاحبها على نظام معين في ترتيب المواد اللغوية؛ بحيث يمكنه جمع اللغة بطريقة حاصرة سواء على نظام التقليبات أم القافية أم الأبجدية _ كما سيتبين ذلك فيما بعد _ .

ويطلق على هذا النوع من المعاجم اسم (المعاجم المجنسة) أو (معاجم الألفاظ).

وقد مر تأليف هذه المعاجم بمرحلتين:

الأولى: جمع الكلمات كم اتفق؛ فالعالم يرحل إلى البادية؛ فيسمع كلمة مثلاً كلمة في الأنواء، وثانية في المطر، وثالثة في الغابات والشجر وهكذا. . .

الثانية: جمع الكلمات بطريقة حاصرة لكل ألفاظ اللغة، وهذا هو المقصود الآن من المعاجم اللغوية.

النوع الثاني: يهدف إلى جمع الألفاظ الموضوعة لمختلف المعاني:

وهذه يرجع إليها من يعرف المعنى، ويرغب في معرفة اللفظ الموضوع له.

ويُطْلِق على هذا النوع بعضُ الباحثين: (المعاجم المبوبة) أو (معاجم المعاني) أو (معاجم الموضوعات).

ومن أبرز الكتب التي ألفت في ذلك كتاب (غريب المصنف) لأبي عبيد ت222هـ، و (الألفاظ) لابن السكيت ت244هـ، و (الألفاظ الكتابية) للهمذاني ت327هـ، و (مبادئ اللغة) للإسكافي ت421هـ، و (فقه اللغة) للثعالبي ت429هـ، و (المخصص) لابن سيدة ت458هـ( ).

 المبحث الثاني: المدارس المعجمية( )

أمكن لبعض الباحثين المُحْدَثين أن يقسموا المعاجم اللغوية _ حسب طريقة ترتيب الألفاظ فيها، وجمعها في أبواب مرتبة ترتيباً معيناً _ إلى أقسام ثلاثة، سموها: المدارس المعجمية.

ومعرفة هذه المدارس تعين على الاستفادة من تلك المعاجم، حيث تُعَرِّف طريقةَ مؤلفيها، ومناهجهم.

فالمدرسة الأولى: هي مدرسة التقليبات بنوعيها، الصوتية، والأبجدية.

والمدرسة الثانية: مدرسة القافية.

والمدرسة الثالثة: مدرسة الأبجدية العادية.

وإليك شرح هذه المدارس على سبيل الإيجاز.

أولاً: مدرسة التقليبات: وأول من ابتكرها صاحب أول معجم شامل في العربية، وهو الخليل بن أحمد في كتابه (العين).

حيث جمع الكلمات المكونة من حروف واحدة في مكان واحد مراعياً بذلك الناحية الصوتية؛ فهو يبدأ بأبعد الحروف من هذه الناحية.

ولما كانت حروف الحلق هي الأبعد مخرجاً فهو يبدأ بها، ثم يثني باللسانية، وهي التي تليها في المخرج، ثم بالشفوية، ثم اختتم بحروف العلة.

فمثلاً: الكلمات الثلاثية يكون لها ستة تقليبات، ويبدأ فيها بأبعدها مخرجاً.

مثال ذلك: الكلمات التي تكون من الباء والراء والعين لها تقليبات ستة_كما مر_ ويبدأ بأبعدها مخرجاً وهي العين، ثم بالراء؛ لأنها لسانية، ثم بالياء؛ لأنها شفوية.

هكذا: 1_ عرب 2_ عبر 3_ رعب 4_ ربع 5_ بعر 6_ برع.

وهذا ما يعرف بالتقليبات الصوتية، فالخليل × وضع الحروف على حسب مخارجها؛ فبدأ بأبعدها مخرجاً وهو العين فسمى معجمه بذلك.

وهذا تأليفه للحروف ×:

ع ح هـ خ غ / ق ك / ج ش ض / ص س ز / ط د ت / ظ ث ذ / ر ل ن / ف ب م / و ى / همزة.

مثال آخر لطريقة التقليبات:

مادة: الراء، والكاف، والباء: ركب

كيف نبحث عنها في كتاب العين أو غيره ممن يأخذ بنظام التقليبات؟

 والجواب أن ذلك يكون بطريقة التقليبات الصوتية؛ حيث يبحث عن أبعد حروف المادة مخرجاً فيبدأ به، وذلك كما يلي:

كرب، كبر، ركب، ربك، بكر، برك، وهكذا. . .

هذا وقد تَبِعَ الخليلَ بنَ أحمدَ في هذه الطريقة علماءُ كثيرون، من أشهرهم: أبو علي القالي ت356هـ في معجمه (البارع)، وأبو منصور الأزهري ت370هـ في معجمه (التهذيب)، وابن سيدة ت458هـ في معجمه (المحكم).

وهذه الطريقة صعبة، وتحتاج إلى معرفة بالأصوات، وهذا ما قلل الاستفادة من المعاجم التي تأخذ بهذه الطريقة.

وهناك نوع آخر من التقليبات، ويكون حسب أول الحروف ترتيباً من الناحية الأبجدية؛ فالمادة الثلاثية وتقليباتها الستة توضع تحت أول الحروف ترتيباً من هذه الناحية.

فمثلاً ترتيب مادة الباء، والراء، والعين، يكون هكذا: برع، بعر، ربع، رعب، عبر، عرب.

وينفرد ابن دريد بهذه الطريقة في كتابه الجمهرة.

ثانياً: مدرسة القافية، أو نظام القافية:

وهذه المدرسة تعتمد على الحرف الأخير _ كما يبدو في التسمية _ حيث يُنظر إلى الحرف الأخير في المادة، فَيُجْعَلُ باباً، والحرف الأول، فيجعل فصلاً.

والمعجم _ بذلك _ يحتوي على ثمانية وعشرين باباً بعدد حروف الهجاء، وكل باب يحوي ثمانية وعشرين فصلاً.

مثال ذلك كلمة (علم) يبحث عنها في باب الميم، فصل العين وهكذا. . .

وقد اتبع هذه الطريقةَ كثير من العلماء، من أشهرهم الجوهري ت398هـ في معجمه (الصحاح)، وابن منظور ت711هـ في معجمه (لسان العرب) والفيروزأبادي ت817هـ في (القاموس المحيط) والزبيدي ت1205هـ في معجمه (تاج العروس في شرح ألفاظ القاموس).

ثالثاً: مدرسة الأبجدية العادية:

وهي التي يراعى فيها وضع الألفاظ وترتيبها في أبواب وفصول حسب الترتيب الموجود في الكلمة، فينظر إلى الحرف الأول، والثاني وما يكون معهما لفظاً ثلاثياً بدون تقليب، بل ترتب الأبواب حسب الحرف الأول مراعىً في ذلك الحرف الثاني، ثم الثالث.

وهذه طريقة سهلة ميسرة؛ ولهذا رأى كثير من العلماء _ وخاصة المحدثين _ اتِّباعها؛ لأنها لا تحتاج إلى دراسة الأصوات، ولكنها تسير حسب ما هو معروف في الترتيب الأبجدي العادي.

ولعل أول من أخذ بتلك الطريقة العالم اللغوي ابن فارس في معجميه (مقاييس اللغة) و (مجمل اللغة).

وكذلك الزمخشري ت538هـ في معجم (أساس البلاغة) وكذلك المعاجم الحديثة مثل (المعجم المحيط) ومختصره (قطر المحيط) لبطرس البستاني ت1307هـ، و (المنجد) للأب لويس المعلوف ت حوالي1324هـ، و (المعجم الوسيط) الذي صدر عن المجمع اللغوي سنة 1380هـ.

الفصل الثاني: دراسة لبعض المعاجم

التي تأخذ بنظام التقليبات

وتحته أربعة مباحث:

المبحث الأول: الكتاب الأول: كتاب العين.

المبحث الثاني: الكتاب الثاني: تهذيب اللغة.

المبحث الثالث: الكتاب الثالث: المحكم والمحيط الأعظم في اللغة.

المبحث الرابع: الكتاب الرابع: معجم الجمهرة.

1.      دراسة لبعض المعاجم التي تأخذ بنظام التقليبات

 الفصل الثاني: دراسة لبعض المعاجم التي تأخذ بنظام التقليبات

نظام التقليبات _ كما مر _ على نوعين: أحدهما: نظام التقليبات الصوتية، والآخر: نظام التقليبات الأبجدية.

والحديث ههنا سيتناول أربعة كتب تأخذ بنظام التقليبات، ثلاثة منها تأخذ بنظام التقليبات الصوتية، وهي (العين) و (التهذيب) و (المحكم).

وواحد منها يأخذ بنظام التقليبات الأبجدية، وهو (الجمهرة).

 المبحث الأول: الكتاب الأول: كتاب العين( )

أولاً: صاحبه: هو الخليل بن أحمد اليحمدي الأزدي الفراهيدي.

وهو من أصل عربي، ولد في عُمان على الخليج العربي سنة100هـ، ونشأ في البصرة، وعرف بالبصري، وتلقى على أيدي كبار علمائها من أمثال أبي عمرو ابن العلاء، وأيوب، وعاصم الأحول، كما تصدى للتدريس بمجالس البصرة، فتتلمذ على يديه كثير من أفاضل العلماء كالنَّضْر بن شميل، والأصمعي، وسيبويه.

وكان ذا ديانة، وعفاف وصيانة، وجود وزهد، وقناعة، وسماحة نفس.

وكان ذا عقلية جبارة، وموهبة فذة مبتكرة.

ولم يقف علمه عند اللغة فحسب، بل تفوق في علوم الشريعة وغيرها.

أثنى عليه العلماء، وأقروا بفضله، ونبوغه، وعبقريته.

قال سفيان الثوري ×: =من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك _ فلينظر إلى الخليل بن أحمد+.

وقال حمزة الأصبهاني ×: =لم يكن للمسلمين أذكى عقلاً من الخليل+.

كما أعجب به كثير من المستشرقين الذين اعترفوا بفضله، ونبوغه.

ثانياً: الاهتمام بكتاب العين وخلاصة الآراء حوله( ):

اهتم العلماء بكتاب العين، وكثر الجدل والخلاف حوله خصوصاً من ناحية تأليفه ومؤلفه؛ فمنذ عصر الخليل إلى عصرنا هذا والخلاف حوله كثير جداً.

ويكاد الخلاف في هذه المسألة يتلخص في الآراء التالية:

1_ أن الخليل لم يؤلف كتاب العين، ولا صلة له به، وممن قال بذلك أبو علي القالي، وأستاذه أبو حاتم.

2_ أن الخليل لم يضع نص كتاب العين، ولكنه صاحب الفكرة في تأليفه، فزعموا أن الفكرة للخليل، والتنفيذ لتلميذه الليث بن المظفر بن نصر الخراساني.

وأول من قال بذلك: الأزهري صاحب التهذيب.

3_ أن الخليل لم ينفرد بتأليف كتاب العين، ولكن كان لغيره عون في ذلك؛ حيث مال أغلبهم إلى أن الليث هو الذي ساعد في إتمام الكتاب.

ولكن أصحاب هذا الرأي يختلفون فيما بينهم في تفسير اشتراك الليث مع الخليل، وإلى أي مدى عاون الليث في تأليف الكتاب؛ فمنهم من قال: إن الليث أعاد وضع الكتاب، وينسب ذلك إلى ابن المعتز، ومنهم من قال: الخليل وضعه والليث أكمله، وينسب هذا إلى أبي الطيب اللغوي.

4_ أن الخليل عمل من كتاب العين أصوله، ورتب أبوابه، وصنف مواده، ولكن غيره حشا المفردات.

5_ أن الخليل عمل كتاب العين، بمعنى أنه ألفه، وروي عنه.

ومن أشهر من قال بهذا ابن دريد، وابن فارس، والسيوطي، والمستشرق براونلتش.

قال ابن دريد × في مقدمة الجمهرة: =وقد ألف أبو عبدالرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي كتاب العين، فأتعب من تصدى لغايته، وعنَّى من سما إلى نهايته+( ).

وقال ابن فارس × في مقدمة كتابه المقاييس حينما تحدث عن مصادر كتابه: =فأعلاها وأشرفها كتاب أبي عبدالرحمن الخليل بن أحمد المسمى كتاب العين+( ).

وقال السيوطي ×: =أول من صنف في جمع اللغة الخليل بن أحمد ألف في ذلك كتاب العين المشهور+( ).

وأما المستشرق براونلتش فقد توصل بعد طول دراسة وتأمل إلى أن الكتاب للخليل، وبين سبباً لهذا وهو أن جُلَّ من تكلموا على العين اتفقوا على أن التنظيم والترتيب من صنع الخليل، وهذا هو جوهر المسألة، وهو المعنى بكلمة التأليف، أما الإضافة والحذف فلا تؤثر في كون الخليل مؤلف الكتاب.

وأضاف _ أيضاً إلى هذا _ أن تلميذه الليث قد قام بنصيب كبير في نقل الكتاب عن الخليل، وربما أثبت فيه أشياء بعد أن استأذن الخليل في ذلك.

وانتهى من هذا إلى أن الخليل هو المؤلف، وأن المخرج للكتاب هو الليث( ).

الرأي الراجح:

لعل الرأي الراجح الصحيح هو أن الخليل هو واضع كتاب العين كما نص على ذلك صراحة ابن دريد، وابن فارس، والسيوطي وغيرهم.

وأما ما وجد فيه من أشياء لا يمكن نسبتها إلى الخليل، مثل التصحيف أو التحريف أو مسائل لا تسير وفق مذهبه البصري، أو حكايات عن المتأخرين عنه، أو المعاصرين له فذلك كله إنما هو من عمل النساخ، أو غيرهم من قد يتعمدون ذلك.

ثم إن الآراء الأخرى أغلبها استنتاجي يعتمد فقط على الرواية دون النظر إلى وقائع الأمور( ).

ثالثاً: المنهج الذي سار عليه الخليل في كتاب العين( ):

يمكن إيجاز المنهج الذي سار عليه الخليل في كتاب العين على النحو التالي:

1_ اتبع نظام التقليبات الصوتية وبدأ بأبعد الحروف مخرجاً: حيث رتب المواد على أساس مخارج الحروف _ كما مر _ فبدأ بأبعدها مخرجاً وهي الحلقية ( ع ح هـ خ غ) ثم حروف أقصى اللسان مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى (ق ك) ثم وسط اللسان مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى (ج ش) ثم حرف الضاد على اختلاف في مخرجه (ض) ثم طرف اللسان مع أطراف الثنايا السفلى (ص س ز) ثم مع أصول الثنايا العليا (ط د ت) ثم مع أطراف الثنايا العليا (ظ ذ ث) ثم مع اللثة العليا (ر ل ن) ثم حروف الشفتين (ف ب م) وأخيراً الحروف الجوفية (و ا ي).

وقد سمى كل حرف منها كتاباً، وسمى المعجم كله بأول حرف بدأ به، وهو العين.

قال السيوطي ×: =فائدة: ترتيب كتاب العين ليس على الترتيب المعهود الآن في الحروف، وقد أكثر الأدباء من نظم الأبيات في ترتيبه؛ من ذلك قول أبي الفرج سلمة بن عبدالله بن لادن المعافِري الجزيري:

يا سائلي عن حروف العين دونكها

                   في رتبة ضمها وزنٌ وإحْصاء

العين والحاء ثم الهاء والخاء

                   والغين والقاف ثم الكاف أكْفاء

والجيم والشين ثم الضادُ يتبعها

                   صاد وسين وزاي بعدها طاء

والدال والتاء ثم الطاء متَّصل

                   بالظاء ذال وثاء بعدها راء

واللام والنون ثم الفاء والباء

                   والميم والواو والمهموز والياء( )

2_ جمع الكلمات المكونة من حروف واحدة في موضع واحد، واتبع فيها نظام التقليبات _ كما مر _ .

3_ لاحظ الأبنية حسب مقدار حروف الكلمة؛ حيث يبدأ بالثنائي، ثم الثلاثي، ثم الرباعي، ثم الخماسي.

4_ أرجع الكلمة إلى حروفها الأصلية وذلك بتجريدها من الزوائد، وإرجاعِ المعتل إلى أصله، مثال ذلك: استغفر تكون: غفر، وقال: قول، وباع: بيع وهكذا. . .

5_ استشهد بالكتاب، والسنة، كما استشهد بالمأثور من كلام العرب، ونادراً ما يَنْسِب ما يَذْكُر.

6-ينبه على المهمل والمستعمل في بداية كل مادة وتقليباتها مثال ذلك: باب العين والكاف، والدال، عكد، دعك، دكع، مستعملات، عدك كدع، كعد مهملات.

رابعاً: المآخذ على كتاب العين( ):

1_ استشهاده بشعر بعض المُحدثين، واحتواؤه على حكايات عن بعض المتأخرين الذين جاؤوا بعد وفاة الخليل كأبي إسحاق الزجاج، وكراع النمل وغيرهما.

2_ خلطه بعض المواد الرباعية والخماسية.

3_ احتواؤه على كثير من التصحيفات التي لا تليق بالخليل.

4_ بناء المعجم على أساس صوتي، وذكر المادة وتقليباتها في موضع واحد؛ فهذا يجعل البحث عن الكلمات صعباً؛ إذ لا بد من معرفة مخارج الأصوات، ومعرفة التقليبات لمن يريد الكشف في العين عن معنى كلمة حتى يسهل عليه ذلك.

وهذا من أكبر الأسباب التي قللت الاستفادة من مثل هذا المعجم.

وقد طبع المعجم طبعة جديدة صدرت عن دار الكتب العربية بيروت لبنان 1424هـ، وترتيب وتحقيق د. عبدالحميد هنداوي.

وهذه الطبعة رتَّبت المعجم ترتيباً أبجدياً عادياً؛ فلعل في ذلك تسهيلاً وتيسيراً.

5_ أنَّ ما في العين من آراء نحوية إنما هو على مذهب الكوفيين، وبخلاف مذهب البصريين.

مع أن مذهب الخليل كان يتبع المذهب البصري.

6_ أخذ بعض العلماء على الخليل إنفراده بكثير من الألفاظ، مثل قوله: التاسوعاء: اليوم التاسع من المحرم، وقد استدرك ذلك عليه الزبيدي بقوله: =لم أسمع بالتاسوعاء، وأهل العلم مختلفون في عاشوراء، فمنهم من قال: إنه اليوم العاشر من المحرم، ومنهم من قال: إنه اليوم التاسع+.

ودافع السيوطي عن ذلك بقوله: =إن الانفراد أمر طبيعي، وحكمه القبول إن كان المنفرد به من أهل الضبط والإتقان كأبي زيد، والخليل، والأصمعي+( ).

7_ اشتمل كتاب العين على أخطاء صرفية واشتقاقية كقوله: =ليس في الكلام نون أصلية في صدر الكلمة+.

قال الزبيدي في استدراكه: =جاءت كثيراً نحو: نهشل، ونعنع+.

هذه جملة من المآخذ على كتاب العين، وقد اعتذر له كثير من الباحثين والمنصفين.

يقول الدكتور أمين فاخر: =ويبدو أن هذه المآخذ يرجع معظمها إلى عمل النساخ الذين خلطوا بين متن الكتاب الذي هو للخليل، وبين الهوامش التي وضعها بعض المتأخرين من تلاميذ الخليل حينما رأوا أن يدونوا ملاحظاتهم على الكتاب)+( ).

وقال السيوطي ×: =وقد طالعته إلى آخره، فرأيت وجه التخطئة فيما خُطِّئ به غالبُه من جهة التصريف والاشتقاق؛ كذكر حرفٍ مزيد في مادة أصلية، أو مادة ثلاثية في مادة رباعية ونحو ذلك، وبعضُه ادعى فيه التصحيف.

وأما أنه يُخَطأ في لفظه من حيث اللغة بأن يقال: هذه اللفظة كذب، أو لا تعرف فمعاذ الله لم يقع ذلك.

وحينئذ لا قدح في كتاب العين؛ لأن الأولَ الإنكارُ فيه راجع إلى الترتيب والوضْعِ في التأليف، وهذا أمر هين؛ لأن حاصله أن يقال: الأولى نقل هذه اللفظة من هذا الباب، وإيرادها في هذا الباب.

وهذا أمر سهل، وإن كان مقام الخليل ينزه عن ارتكاب مثل ذلك، إلا أنه لا يمنع الوثوق بالكتاب، والاعتماد عليه في نقل اللغة.

والثاني: إن سُلِّم فيه ما ادعي من التصحيف يقال ما قالته الأئمة: ومن ذا الذي سلم من التصحيف؟ كما سيأتي في النوع الثالث والأربعين مع أنه قليل جداً+( ).

وهكذا يتبين لنا من خلال ما مضى منزلة كتاب العين، وأن المآخذ عليه _ إذا وجدت _ لا تنقص من قيمته، ويكفيه فخراً أنه أول معجم لغوي شامل في العربية.

 المبحث الثاني: الكتاب الثاني: تهذيب اللغة ( )

أولاً: صاحبه: هو أبو منصور محمد بن أزهر الهروي المعروف بالأزهري، ولد سنة 282هـ وتوفي سنة 370هـ.

ويبدو أنه تخصص في بادئ الأمر في دراسة فقه الشافعي، وبرز فيه إلا أنه تحول بعد ذلك إلى دراسة اللغة، وساعده على ذلك أنه اختلط ببعض القبائل العربية الفصيحة فترة طويلة؛ حيث وقع في الأسر لديهم؛ فقد حدث أيام فتنة القرامطة سنة 312هـ في أيام المقتدر بالله المعتضد أن كان الأزهري مسافراً إلى الحج، وعنده عودته أسرته الأعراب، وعاش فترة طويلة بين عرب هوازن وقد اختلط بهم تميم وأسد، وهؤلاء جميعاً من فصحاء العرب، ويحكي ذلك الأزهري نفسه كما روته كتب التراجم فيقول: = وكنت امتحنت بالإسار سنة عارضتِ القرامطة الحجاج بالهبير( )، وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عرباً نشأوا بالبادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النُّجَع، ويرجعون إلى أعداد المياه، ويرعون النَّعم، ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية، وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في إسارهم دهراً طويلاً، وكنا نتشتى الدهناء، ونرتبع الصُّمَّان، ونتقيظ السِّتارَين.

واستفدت من مخاطباتهم، ومحاورة بعضهم بعضاً ألفاظاً جمة، ونوادر كثيرة، أوقعت أكثرها في مواقعها من الكتاب+( ).

وقد رجع الأزهري _ بعد انتهاء أسره _ إلى بغداد وكله شوق إلى دراسة اللغة وولوع بالبحث عن معاني الألفاظ والاستقصاء فيها، وأخْذِها من مظانها، وإحكام الكتب التي تأتَّى له سماعها من أهل الثبت والأمانة للأئمة المشهورين وأهل العربية المعروفين، وقد حكى ذلك عن نفسه في مقدمة كتابه التهذيب.

وفي بغداد تتلمذ على أبي عبدالله إبراهيم بن محمد بن عرفة الملقب بـ: نفطويه ت323هـ، وأبي بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج ت 316هـ، وأبي القاسم عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز البغوي ت317هـ).

ثانياً: هدف الأزهري من التأليف: لعل عنوان كتابه (التهذيب) يبين هدفه من تأليفه؛ فقد قصد من ذلك أن يهذب اللغة، ويخلصها مما علق بها من شوائب.

والمتتبع لكلامه في المقدمة _ كما يقول الدكتور أمين فاخر _ يبدو له أن للأزهري أهدافاً ثلاثة:

1_ تقييد ما سمعه وحفظه من أفواه العرب الذين شاهدهم وأقام بينهم.

2_ النصيحة الواجبة على أهل العلم لجماعة المسلمين.

3_ تصحيح الأخطاء الواردة في كتب اللغة قبله.

ثالثاً: منهجه: يمكن تلخيص منهج الأزهري في كتابه التهذيب فيما يلي:

1_ اتبع نظام المخارج، وبدأ بحرف العين.

2_ سار على نظام التقليبات الصوتية بحيث يذكر المادة وما تقلب منها.

3_ قسم المعجم إلى أبواب حسب حروف الهجاء، ثم قسم كل باب إلى ستة أبنية، هي: الثنائي، والثلاثي الفصيح والمهموز والمعتل، والرباعي، والخماسي، وأشار في صدر كل باب إلى المهمل والمستعمل.

رابعاً: مميزات معجم التهذيب:

1_ اعتنى كثيراً بالشواهد القرآنية، والحديثية، وبالقراءات المختلفة.

2_ يشير إلى المهمل وسبب إهماله، كما يشير إلى المستعمل الذي أهمله من سبقه من العلماء.

3_ اهتم بنسبة الأقوال إلى أصحابها.

4_ اعتنى بذكر المواضع والبلدان.

5_ توسع في ذكر الألفاظ وشرحها.

خامساً: المآخذ على التهذيب: من المآخذ عليه ما يلي:

1_ اتِّبَاعُه نِظامَ التقليباتِ الصوتية مما جعل البحث فيه عسيراً صعباً.

2_ توسعه في الشرح مما فتح عليه باب التكرار.

3_ تحامله على كثير من اللغويين السابقين.

هذه بعض المآخذ على الأزهري، وعلى أي حال فمعجمه من المعاجم التي بُذل فيها جهد عظيم، وأفادت منها العربية فائدة جليلة.

 المبحث الثالث الكتاب الثالث: المحكم، والمحيط الأعظم في اللغة ( )

أولاً: صاحبه: هو ابن سِيْدَة أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيدة المرسي الأندلسي.

ولد سنة 397هـ بمدينة مرسية بالأندلس، وتوفي سنة 458هـ.

ورغم أنه كان ضريراً فقد نبغ في كثير من العلوم، وخاصة اللغة، فقد كان إماماً بها.

وقد أخذ عن كثير من علماء اللغة الأجلاء، ومنهم والده الذي كان عالماً باللغة.

وقد امتاز ابن سيدة بمكانة علمية مرموقة بين علماء عصره، وخاصة في بلاد الأندلس؛ فقد وهبه الله حافظة قوية، وذاكرة نادرة مما جعله _ وهو ضرير _ يحظى بما لم يحظَ المبصرون.

ولابن سيدة في اللغة مؤلفات أخرى غير المحكم، ولعل أكبرها: كتاب (المخصص) الذي يعد من أعظم معاجم المعاني إن لم يكن أعظمها على الإطلاق، وهو يقع في سبعة وعشرين جزءاً.

أما كتابه المحكم فهو من أهم المعاجم اللغوية التي اتبعت نظام التقليبات الصوتية، وقد طبع أخيراً طبعة جيدة، بتحقيق د. عبدالحميد هنداوي، ضمن منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت ط1421هـ_2000م، ويقع في 11مجلداً.

ثانياً: هدفه من تأليف كتاب المحكم: يتضح من مقدمته أن هدفه فيه يكاد ينحصر في أمرين: 1_ جمع شتيت المواد اللغوية في الكتب والرسائل في كتاب واحد يغني عنها.

2_ أنه أراد تصحيح ما فيها من أخطاء.

ثالثاً: منهجه:

1_ اتبع نظام التقليبات الصوتية، وبدأ بأبعد الحروف مخرجاً وهو العين.

2_ وضع لنفسه نطاماً يسير عليه في اختيار الألفاظ؛ فحذف بعض الأبنية لاطرادها، أو فهمها من سياق الكلام، وأشار إلى أبنية لم تذكرها المعاجم السابقة، بل ذكرتها كتب النحو والصرف، كما ميز الأبنية المتشابهة التي أغفلها اللغويون من قبله كتمييزه بين الاسم الجمع، وجمع الجمع، وغير ذلك.

رابعاً: مميزات معجم المحكم:

1_ تجنب الأخطاء التي وقعت في كتاب العين.

2_ تجنب التكرار الذي وقع في تهذيب الأزهري.

3_ اعتنى بالأحكام النحوية والصرفية التي أغفلتها المعاجم السابقة.

4_ اعتنى باللغات والأعلام والعروض.

5_ اعتنى بكثير من الظواهر اللغوية مثل المزاوجة، والاتباع، والتغييرات المجازية.

6_ أكثر من الشواهد غير مقتصر على ما ورد في المعاجم السابقة.

خامساً: المآخذ على المعجم: على الرغم مما امتاز به كتاب المحكم فقد أخذ عليه بعض الباحثين مآخذ كثيرة منها على سبيل الإيجاز:

1_ اتباعه لنظام التقليبات الصوتية، مما جعل البحث فيه عسيراً.

2_ مخالفته لبعض علماء اللغة الموثوق بهم.

3_ وقوعه في بعض الأخطاء والتصحيفات، كما في قوله في (الهسع والهيسوع): =اسمان وهي لغة قديمة لا يعرف اشتقاقها+.

ويقول الفيروزأبادي معلقاً على ذلك: =لقد أبعد أبو الحسن في المرام، وأبعد في السوم، وإن هذين الاسمين عربيان حميريان، واشتقاقهما من هسع إذا أسرع+( ).

4-أنه ساير بعض المعاجم السابقة عليه وخاصة العين في بعض الأخطاء.

5-إيراده بعض الألفاظ التي وُجِّه إليها النقد في المعاجم السابقة كالعين والجمهرة.

ورغم هذه المآخذ فإن كثيراً من علماء العربية يعدون كتاب المحكم من أحسن المعاجم التي ألفت على نظام التقليبات إن لم يكن أحسنها على الإطلاق.

 المبحث الرابع: الكتاب الرابع: معجم جمهرة اللغة( )

هذا الكتاب يمثل نظاماً جديداً من التأليف مختلفاً عن نظام الخليل وما تبعه من المعاجم التي سارت وفق مدرسة التقليبات الصوتية؛ ولهذا تأخر ذكره في الدراسة في هذا الكتاب مع أنه متقدم عليها في لتأليف.

والدراسة في هذا لكتاب _ كغيره _ حيث ستتناول الأمور التالية:

أولاً: صاحبه: هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد.

ولد عام 223هـ بالبصرة، وتوفي فيها عام 321هـ عن ثمانية وتسعين عاماً.

ويعد من أبرز علماء القرنين الثالث والرابع من الهجرة.

وكان أبوه الحسن بن دريد من الرؤساء، وقد نَشَّأَه والده تنشئة أهَّلته لأن يتصدر في العلم ستين سنة، وعد بذلك _ كما تذكر كتب الطبقات _ رأس أهل العلم، والمقدم في حفظ اللغة والأنساب، وأشعار العرب.

وكان ابن دريد حجة في اللغة ذا حافظة قوية، وعقلية نادرة، وله قصص في ذلك.

وكان شاعراً مُفْلِقاً، ويذكر ياقوت الحموي أنه كان يقال عنه: =ابن دريد أشعر العلماء، وأعلم الشعراء+( ).

أخذ عن كثير من علماء عصره كأبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرياشي، وأبي عثمان الأشنانداني وغيرهم.

وأخذ عنه أبو سعيد السيرافي، وأبو الفرج الأصبهاني، وابن خالويه وغيرهم.

كما خلف ثروة ضخمة من كتب اللغة أشهرها الجمهرة، والاشتقاق.

ثانياً: سبب التسمية، والهدف من الكتاب: أما سبب تسمية الكتاب بـ: الجمهرة فلأنه _ كما يقول في المقدمة _: =وإنما أعرناه هذا الاسم؛ لأنا اخترنا له الجمهور من كلام العرب، وأرجأنا الوحشي المستنكر+( ).

أما الهدف فواضح من المقدمة، ويكاد ينحصر في أمرين:

1_ جمع الألفاظ الشائعة المألوفة والبعد عن الوحشي المستنكر.

2_ جمع الألفاظ بطريقة ميسرة خلاف ما كانت عليه طريقة الخليل.

قال ابن دريد × في مقدمته: =وقد ألف أبو عبدالرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي _ رضوان الله عليه _ كتاب العين، فأتعب من تصدى لغايته، وعنَّى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلب معترف، والمعاند متكلف، وكل من بعده له تبع، أقر بذلك أم جحد، ولكنه × ألف كتابه مُشاكلاً( ) لِثُقُوب فهمه، وذكاء فطنته، وحِدَّة أذهان أهل دهره.

وأملينا هذا الكتاب والنقص في الناس فاش، والعجز لهم شامل، إلا خصائص كدَرَارِيِّ النجوم في أطراف الأفق، فسهَّلنا وعره، ووطَّأنا شَأزَه( )، وأجريناه على تأليف الحروف المعجمة؛ إذ كانت بالقلوب أعلق، وفي الأسماع أنفذ، وكان علم العامة بها كعلم الخاصة+( ).

ثالثاً: إملاء ابنِ دريدِ الجمهرةَ: قال السيوطي ×: =وقال بعضهم: أملى ابن دريد الجمهرة في فارس، ثم أملاها بالبصرة وببغداد من حفظه، ولم يستعن عليها بالنظر في شيء من الكتب إلا في الهمزة واللفيف؛ فلذلك تختلف النسخ، والنسخة المعول عليها هي الأخيرة، وآخر ما صحَّ نسخةُ أبي الفتح عبيدالله بن أحمد بن محمد النحوي المعروف بجَخْجَخْ؛ لأنه كتبها من عدة نسخ، وقرأها عليه+( ).

وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات، ومنها طبعة دار صادر بيروت وتقع في أربعة مجلدات.

رابعاً: منهجه( ): يعد معجم الجمهرة ثاني معجم شامل في العربية بعد كتاب العين، وقد حاول ابن دريد أن يخالف الخليل في ترتيب المواد، فابتكر نظاماً جديداً للتقليبات وهو تقليب المادة حسب حروفها ترتيباً أبجدياً.

وهو في هذا قد سلك مسلكاً جديداً في ترتيبه للمواد المعجمية، ولم يتبعه في هذا أحد من أصحاب المعاجم من بعد.

ولهذا يعده بعض الباحثين ممثلاً لمدرسة جديدة هي مدرسة التقليبات الأبجدية.

أما في غير ذلك فقد نهج نهجاً لا يختلف عن منهج الخليل في معجم العين.

ولذلك يمكن أن يوجز المنهج الذي سار عليه ابن دريد فيما يلي:

1_ أرجع الكلمات إلى حروفها الأصلية، فجرد الكلمة من الزوائد، وأرجع المقلوب إلى أصله، وشأنه في هذا شأن جميع المعاجم.

2_ اتبع نظام التقليبات للكلمة، ولكنها التقليبات الأبجدية؛ فإذا تحدث _على سبيل المثال _ عن (ب ر ك) تحدث بعدها عن جميع تقاليبها وهي: (ب ك ر) و(ر ب ك) و (ر ك ب) و (ك ب ر) و (ك ر ب) وهكذا في كل المواد؛ حيث يقلبها حسب التقليب الأبجدي لا التقليب الصوتي.

وهذه أسهل من طريقة الخليل.

3_ جعل الأبنية هي الأساس الأول في تقسيمه للمعجم، ثم قسمها إجمالاً كتقسيم الخليل، فهي عنده ثلاثيةٌ _ والثلاثي يشمل الثنائي المضعف _ ورباعيةٌ، وخماسية، وملحقات بكل بناء.

أما تفصيلاً فقد اضطرب إلى حد كبير؛ فقد تنوعت الأبنية في الجمهرة تنوعاً كبيراً حتى إن بعض الباحثين حصرها في سبعة عشر باباً وهي: الثنائي الصحيح، والملحق ببناء الرباعي المكرر، والمعتل، والثلاثي الصحيح وما تشعب منه، وما اجتمع فيه حرفان مثلان في أي موضع، وما عين الفعل منه أحد أحرف اللين، والثلاثي المعتل، وباب النوادر في الهمز، وباب اللفيف في الهمز، وأبواب الرباعي الصحيح، والرباعي الذي جاء فيه حرفان مثلان، والرباعي الذي جاء على أوزان ضعف فيها الحرف الرابع، وما ألحق بالرباعي والخماسي والسداسي، واللفيف، وأبواب متفرقة من النوادر.

4_ أورد في مقدمته بحوثاً لغوية مهمة، تعد مكملة لبحوث الخليل ولا تخلو من فوائد عظيمة في مجال البحث اللغوي الحديث.

وقد بدأ هذه المقدمة باستنكار الطعن في السلف، والإزراء بالعلماء السابقين.

ثم تحدث _ في المقدمة أيضاً _ عن ضرورة معرفة حروف المعجم، وما يأتلف منها وما لا يأتلف، وسبب ذلك.

كما ذكر عدد الحروف وهي تسعة وعشرون حرفاً، ما يختص العرب بنطقه منها، وما لا يختص، وما لم يجئ من الحروف في لغة العرب.

كما أفرد باباً لصفة الحروف وأجناسها، وذكر أنها سبعة أجناس يجمعهن لقبان: المصمتة، والمذلقة، مبيناً معناهما، وعرض لبقية الصفات، وهي الهمس والجهر والشدة، شارحاً كل نوع، وذاكراً حروفه.

وذكر مخارج الحروف وأجناسها، فبدأ بالحلقية، ثم حروف الفم، ثم المخارج الشفوية.

كما ذكر أنه لا بد للباحث من معرفة الحروف الأصلية والزائدة، وعقد فصلاً في ذلك مبيناً مواضع زيادة الحروف.

كما عقد فصلاً للأبنية، وسماه باب الأمثلة، فذكر أنها ثلاثية، وأنها عشرة ورباعية وخماسية، وذكر أبنية كل نوع والأمثلة التي وردت منه.

كما يفهم مما ذكره ابن دريد في المقدمة _ أيضاً _ أن أكثر الحروف استعمالاً عند العرب الواو والياء والهمزة، وأقلها استعمالاً _ لثقلها على ألسنتهم _ الطاء والدال، وأن الثلاثي أكثر الأبنية.

ثم أخذ بعد ذلك في ذكر المواد اللغوية وشرحها.

خامساً: مميزات معجم الجمهرة: جاء معجم الجمهرة _ كما مر _ بعد معجم العين مباشرة، وقد حاول فيه صاحبه أن يتحاشى ما وقع فيه الخليل في كتاب العين، ويمكن إجمال مميزات الجمهرة فيما يلي:

1_ ابتعد ابن دريد عن نظام التقليبات الصوتية، واتبع نظام التقليبات الأبجدية، وهي _ على كل حال _ أيسر.

2_ انفرد ابن دريد ببعض الصيغ كما انفرد ببعض الشواهد.

3_ اعتنى باللهجات الواردة عن القبائل العربية، ونسبها إلى أهلها.

4_ اعتنى بالشواهد القرآنية والحديثية وكلام العرب.

5_ اعتنى بالإشارة إلى الألفاظ المُعَرَّبة والدخيلة.

سادساً: المآخذ على الجمهرة( ):

1_ اتباعه لنظام التقليبات الأبجدية؛ فهي وإن كانت أيسر من نظام الصوتية إلا أن نظام التقليبات بحد ذاته شاق.

2_ وقوعه في كثير من الاضطرابات؛ فقد خلط في الأبنية ونظامها؛ حيث لم يجعلها الأساس الأول في جميع المعجم، ولكنه ألحق في بعض الأبواب إضافات صادفته أثناء التأليف.

كما اضطرب في خطته حيث انفرد في معجمه بأشياء لم توجد في كتب المتقدمين.

3_ أنه اتهم باضطراب التصنيف وفساد التصريف_كما ذكر ذلك ابن جني_ .

قال السيوطي: =وقال ابن جني في الخصائص: وأما كتاب الجمهرة ففيه _أيضاً_ من اضطراب التصنيف، وفساد التصريف، مما أَعذرُ واضعَه فيه لبعده عن معرفة هذا الأمر.

ولما كتبته وقعت في متونه وحواشيه جميعاً من التنبيه على هذه المواضع ما استحييت من كثرته؛ ثم إنه لما طال عليَّ أومأت إلى بعضه وضربت البتة عن بعضه+.

ثم وضح السيوطي مقصود ابن جني، ودافع عن ابن دريد، بقوله: =قلت: مقصوده الفساد من حيث أبنية التصريف، وذكر المواد في غير محالها كما تقدم في العين؛ ولهذا قال: =أعذرُ واضعَه فيه لبعده عن معرفة هذا الأمر+

يعني أن ابن دريد قصيرُ الباع في التصريف وإن كان طويل الباع في اللغة.

وكان ابن جني في التصريف إماماً لا يشق غباره؛ فلذا قال ذلك+( ).

4_ أنه اتهم بالكذب، وصنع الألفاظ، حيث حكى السيوطي ذلك عن الأزهري ثم قال: =وقال الأزهري: ممن ألف الكتب في زماننا فرُمي بافتعال العربية وتوليد الألفاظ أبو بكر بن دريد، وقد سألت عنه إبراهيم بن محمد بن عرفة _ يعني نفطويه _ فلم يعبأ به ولم يوثقه في روايته+( ).

ثم دافع السيوطي عن ابن دريد بعد ذلك بقوله: =قلت: معاذ الله وهو بريء مما رمي به، ومن طالع الجمهرة رأى تحريه في روايته، وسأذكر منها في هذا الكتاب ما يُعرف منه ذلك، ولا يقبل فيه طعن نفطويه؛ لأنه كان بينهما منافرة عظيمة، بحيث إن ابن دريد هجاه بقوله:

لو أُنزل الوحيُ على نفطويه

                   لكان ذاك الوحي سخطاً عليه

وشاعرٌ يُدعى بنصف اسمه

                   مستأهل للصفع في أخدعيه

أحرقه الله بنصف اسمه

                   وصيَّر الباقي صراخاً عليه

وهجا هو ابن دريد بقوله:

ابن دريد بقرة

                   وفيه عِيٌّ وشَرَهْ

ويدّعي من حمقه

                   وضعَ كتاب الجمهرة

وهو كتاب العين إلا أنه قد غيَّره

وقد تقرر في علم الحديث أن كلام الأقران في بعضهم لا يقدح+( ).

الفصل الثالث: المدرسة المعجمية الثانية مدرسة القافية، ودراسة لبعض المعاجم التي تسير عليها.

وتحته تمهيد، وثلاثة مباحث:

المبحث الأول: المعجم الأول: تاج اللغة، وصحاح العربية.

المبحث الثاني: المعجم الثاني: لسان العرب.

المبحث الثالث: المعجم الثالث: القاموس المحيط.

 الفصل الثالث المدرسة المعجمية الثانية مدرسة القافية، ودراسة لبعض المعاجم التي تسير عليها

تـمـهــيد:

مر الحديث عن هذه المدرسة التي تسمى مدرسة القافية، أو نظام القافية.

والحديث عنها ههنا سيكون فيما يلي( ):

أولاً: تعريف مدرسة القافية: هو جعل الحرفِ الأخير باباً، والأولِ فصلاً على حسب حروف الهجاء.

ثانياً: عدد الأبواب: أبوابها ثمانية وعشرون، وكل باب ثمانية وعشرون فصلاً.

ثالثاً: سبب التسمية: هو نظر الواضعين لها إلى الحرف الأخير في ترتيب الفصول من كل باب.

رابعاً: سبب التأليف على هذا النحو: صعوبة البحث في المعاجم التي اتبعت نظام التقليبات بنوعيها الصوتية والأبجدية؛ فأراد أصحاب مدرسة القافية تيسير البحث عن الكلمات.

خامساً: ما سبب نظرهم إلى الحرف الأخير؟: هو أنهم رأوا أن لام الكلمة _ وهو الحرف الأخير _ أقل تعرضاً للتغييرات من فاء الكلمة وعينها.

وربما يكون هذا هو التفسير الصحيح لاتباع هذا النظام.

سادساً: أول من أنشأ هذه الطريقة: لعل أول من فكر في وضع معجم شامل بهذه الطريقة هو الجوهري×في معجمه الصحاح.

وإذا كان بعض الباحثين يذهب إلى أنه قد سُبِق في هذا النظام بعالمين من علماء اللغة هما أبو بشر البندنيجي ت284هـ في كتابه اللغوي (التقفية) وأبو إبراهيم إسحاق الفارابي خال الجوهري ت350هـ في كتابه (ديوان الأدب) وذلك حين اتبعا نظام القافية، فنظرا إلى الحرف الأخير في ترتيب المواد اللغوية؛ فإن البندنيجي قد أهمل جزءاً هاماً من أسس هذه المدرسة وهو النظر إلى الحرفين: الأول والثاني، ونظر فقط إلى الحرف الأخير، كما أن كتاب التفيقه هذا وكتاب ديوان الأدب لا يعدان من المعاجم اللغوية الشاملة بالمعنى الدقيق؛ فقد اقتصرا على مواد قليلة جداً بالنظر إلى المعاجم اللغوية الأخرى.

ولذلك يمكننا القول بأن معجم الصحاح للجوهري يعد أول معجم شامل اتبع نظام القافية هذا، وإن لم يكن من المستبعد أن الجوهري قد تأثرا بهما في ترتيب المواد.

سابعاً: أشهر المعاجم التي اتبعت نظام القافية: اتبع الجوهريَّ في هذا النظام كثيرٌ من أصحاب المعاجم، من أهمهم الصَّغاني ت650هـ في معجمه (العباب) وابن منظور ت711 في معجمه (لسان العرب) والفيروزأبادي ت816هـ في معجمه (القاموس)، والزبيدي ت1205هـ في معجمه (تاج العروس).

وفيما يلي دراسة لبعض تلك المعاجم.

  المبحث الأول:المعجم الأول: تاج اللغة، وصحاح العربية وهو المعروف بـ: (الصحاح) ( ).

أولاً: صاحبه: هو أبو نصر إسماعيل بن نصر بن حماد الجوهري الفارابي المعروف بـ: الجوهري.

وأصله من فاراب إحدى بلاد الترك.

ولد سنة 332هـ وتوفي سنة 398هـ على الأشهر( ).

وكان الجوهري إماماً في اللغة والأدب في عصره، وكلام الرواة عنه يدل على ما كان يتمتع به هذا العالم اللغوي من علم وذكاء وفطنة.

يقول عنه ياقوت: =إنه من أعاجيب الزمان ذكاءً وفطنة وعلماً+.

وقد تلقى الجوهري علومه على كثير من علماء اللغة، ومنم خاله إبراهيم الفارابي ت350هـ، وأبو سعيد السيرافي ت368هـ، وأبو علي الفارسي ت377هـ.

وقد رحل إلى الحجاز؛ رغبة في التزود من العلم، وشافَهَ خُلَّص العرب، وطوَّف ببعض القبائل العربية كـ: ربيعة ومضر.

وعاد بعد ذلك إلى خراسان، ويقال: إنه عاد إلى نيسابور، وعكف فيها على التدريس والتأليف.

وقد تتلمذ على يديه كثير من أعلام اللغة كأبي الحسين بن علي، وأبي إسحاق إبراهيم بن صالح الوراق وغيرهما.

ويذكر الرواة أنه كان شاعراً يميل في شعره إلى الحكمة، ويذكرون من ذلك قوله:

لو كان لي بدٌّ من الناس

                   قطعت حبل الناس بالياس

العزُّ بالعزلة لكنه

                   لا بد للناس من الناس

وقوله:

زعم المدامةَ شاربوها أنها

                   تنفي الهموم وتذهب الغما

صدقوا سرت بعقولهم فتوهموا

                   أن السرور بها لهم تمَّا

وللجوهري مؤلفات كتب غير الصحاح، ومنها (عروض الورقة) في علم العروض، وكتاب (المقدمة) في النحو.

أما كتاب الصحاح فقد نال شهرة عظيمة ومكانة سامية بين علماء اللغة، وفيه يقول أبو محمد إسماعيل بن عبدوس النيسابوري:

هذا كتاب الصحاح سيد ما

                   صنف قبل الصحاح في الأدب

تشمل أبوابه وتجمع ما

                   فُرِّق في غيره من الكتب( )

ثانياً: اسم المعجم: الاسم الموضوع لمعجم الجوهري هو (تاج اللغة وصحاح العربية).

 ولكنه اشتهر بعد ذلك _ اختصاراً _ بالصحاح.

ولكلمة الصحاح ضبطان أحدهما بكسر الصاد، والآخر بفتحها: صَِحاح، وكل منهما صحيح، والكسر أشهر.

 =قال أبو زكريا الخطيب التبريزي اللغوي: يقال كتاب الصِّحاح بالكسر وهو المشهور، وهو جمع صحيح كظريف وظراف، ويقال: الصَّحاح بالفتح، وهو مفرد نعت كصحيح.

وقد جاء فَعال بفتح الفاء لغةً في فعيل كصحيح وصَحاح، وشحيح وشَحاح، وبريء وبَراء+( ).

وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات، منها طبعة الأستاذ أحمد عبدالغفور عطار، وآخرها الطبعة التي حققها د. إميل يعقوب، ود. محمد نبيل طريفي، من منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية بيروت، وهي طبعة جيدة، وتقع في سبع مجلدات.

ثالثاً: هدف الجوهري: ألف الجوهري معجمه الصحاح قاصداً أمرين أساسين:

أحدهما: تيسير البحث عن ألفاظ اللغة ومعانيها.

الآخر: التزام الصحيح منها.

رابعاً: منهجه: يمكن توضيح منهجه في الأمور التالية:

1_ اتبع نظام القافية؛ فجعل الحرف الأخير باباً، والأول فصلاً، كما ترك نظام التقليبات، واتبع نظام الأبجدية العادية: (أ ب ت ث ج ح. . . إلخ)

2_ قسم كل باب إلى فصول حسب أوائل الكلمات، فمثلاً باب الهمزة يبدؤه بفصل الهمزة ثم بما يليه من حروف حتى ينتهي إلى الياء، ثم ينتقل إلى باب الباء فيبدؤه بفصل الهمزة ثم بما يليه وهكذا. . .

وليس ضرورياً أن يكون لكل باب ثمانية وعشرون فصلاً، ولكن ذلك مرتبط بوجودالألفاظ المستعملة أو عدم وجودها؛ ولذلك فإن بعض الأبواب اكتمل فيها هذا العدد من الفصول، كما أن بعضها لم يكتمل.

وقد رتب كل فصل بحسب ما يليه من الحروف، أي أنه راعى الحروف المتوسطة بين الحرف الأخير الذي جعله باباً، وبين الأول الذي جعله فصلاً، فنظر إلى الثاني إذا كانت الكلمة الثلاثية، وإلى الثاني والثالث إذا كانت رباعية، وإلى الثاني والثالث والرابع إذا كانت خماسية.

3_ اقتصر على جمع الألفاظ الصحيحة.

4_ عني بالضبط عناية دقيقة؛ خوفاً من التحريف والتصحيف.

5_ وضع قواعد خاصة في ضبط الأسماء والأفعال.

6_ أكثر من القواعد النحوية والصرفية مشيراً إلى الشاذ منها.

7_ أشار إلى اللغات المختلفة في اللفظ الواحد.

8-اعتنى بالتنبيه على المعرَّب من الألفاظ.

9-أرجع المواد إلى أصولها، وذلك بتجريدها من الزوائد، وردِّ المقلوب إلى أصله، وإذا كانت جمعاً أرجع إلى المفرد، وهكذا _ كما هو صنيع جميع المعاجم_.

فمثلاً كلمة (كتب) يبحث عنها في باب الباء فصل الكاف وهي متأخرة في الترتيب عن كأب، وكب، متقدمة على كثب، وكذب، وكرب، وبقيةِ مواد الفصل، وهكذا مع ملاحظة أن الجوهري قدم الواو على الهاء في ترتيبه.

أما الكلمات الزائدة على ثلاثة أحرف فيبحث عنها في نفس أبواب الثلاثي بملاحظة الحرف الثاني وما يليه، فالكلمة (كعثب) يبحث عنها في (كعب) وهكذا. . .

خامساً: مميزات الصحاح: لعل بعض تلك المميزات تبين من خلال الحديث عن منهجه، ويمكن إجمالها بما يلي:

1_ اتباع طريقة القافية، وهي جديدة مبتكرة يسيرة.

2_ أن طريقته في شرح الألفاظ تفيد الباحث في بعض النظريات المتصلة بفقه اللغة مثل نظرية دوران المادة حول معنى معين؛ حيث يبيِّن في كثير من الأحيان سبب دلالة اللفظ على معنى معين يرجع إليه الكثير من الألفاظ.

وكذلك المشترك، والمتضاد وغيرهما يمكن استخراجه بيسر من معجم الصحاح، بسبب طريقته في شرح الألفاظ، وتنبيهه على ذلك أحياناً.

3_ اعتماده على المصادر الموثوق بها، إما مشافهة، أو من طريق المؤلفات.

4_ استشهاده بالقرآن، والحديث، وما روي من فصيح كلام العرب شعراً ونثراً.

5_ نسبة الأقوال إلى أصحابها في كثير من الأحيان.

6_ احتواؤه على كثير من القواعد النحوية والصرفية.

7_ اهتمامه بأسماء القبائل، والأعلام العربية.

والأمثلة على ما ذكر من المميزات كثيرة، ومن ذلك ما بينه في مادة (صحب) و(غلب) وغيرهما.

سادساً: المآخذ على الصحاح: ذكر بعض الباحثين كثيراً من المآخذ على الصحاح، ولكنها _ في الواقع _ تعد هنات صغيرة بالنظر إلى ما في هذا المعجم من ميزات كثيرة.

ثم إن تلك المآخذ لم تؤيد إلا بأمثلة قليلة ونادرة، بل ربما لا نجد إلا مثالاً واحداً ذكروه أحياناً لبعض المآخذ.

ومما ذكروه من ذلك ما يلي( ):

1-نسبة الأقوال إلى غير أصحابها.

2-غلطه في ترتيب المواد.

3-اشتماله على أخطاء نحوية، وصرفية.

4-قلة الدقة في نقل أقوال العلماء.

5-اضطرابه في نسبة الأحاديث النبوية إلى رواتها.

6-خلطه بين أجزاء الأبيات من الشعر.

7-خطؤه في شرح معاني المفردات.

وهذه مآخذ قليلة وليست بمطردة، وإنما المآخذ التي ينبغي الوقوف عندها مأخذان:

1_ الاقتصار على الصحيح من الألفاظ مما سبب إهمال بعض المواد الصحيحة.

وقد نبه إلى ذلك الفيروزأبادي في مقدمة معجمه القاموس.

2_ التصحيف الذي رواه عن كثير من العلماء.

وقد أفرد السيوطي في المزهرباباً سماه (ذكر ما أخذ على صاحب الصحاح من التصحيف).

وذكر ممن أخذ على الجوهري ذلك: الأزهريُّ، والتبريزيُّ، وأبو سهل الهروي، وابن بري، والفيروزأبادي، وذكر أمثلة على ذلك.

ومع ذلك فلا يسلَّم لكل واحد من هؤلاء في مآخذه؛ لأن الغلط قد يكون منهم لا من الجوهري( ).

 المبحث الثاني: المعجم الثاني لسان العرب( )   

أولاً: صاحبه: أبو الفضل جمال الدين عبدالله: محمد بن مكرم بن علي ابن أحمد بن أبي القاسم بن حبقة بن منظور الأنصاري الخزرجي الإفريقي المصري، المعروف بابن منظور.

ولد سنة 630هـ في القاهرة وقيل في طرابلس.

وأجمع المؤرخون على أنه كان محدثاً فقيهاً عمل في ديوان الإنشاء بالقاهرة، وولي قضاء طرابلس، ثم عاد إلى مصر وبها توفي عام 711هـ.

ويعد ابن منظور من كبار علماء القرنين السابع والثامن الهجريين؛ فقد كان عالماً بالنحو، واللغة، والتاريخ، والحديث، والفقه.

ويقال: إنه ترك كتباً من تأليفه أو اختصاره بلغت خمسمائة مجلد، عدا ما ينسخه من كتب الأقدمين.

وقد اختصر كثيراً من كتب الأقدمين كالأغاني، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ومفردات ابن البيطار، والعقد الفريد لابن عبدربه، وزهر الآداب للحصري.

وقد تلقى ابن منظور علومه عن ابن المقير وغيره من كبار القرن السابع الذي كان لهم فضل كبير في تعليمه.

ثانياً: هدفه من تأليف لسان العرب: يكاد ينحصر فيما يلي:

1_ تأليف معجم كبير يجمع كل المحاسن الموجودة في كتب اللغة.

2_ تلافي ما في المعاجم السابقة من عيوب.

3_ جمع مواد اللغة بطريقة تشجع الناس على معرفة العربية، وإتقانها والوقوف على أسرارها الجمالية.

ثالثاً: مراجعه: رجع × إلى الكتب التالية:

1_ تهذيب اللغة للأزهري ت370هـ.

2_ المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده ت458هـ.

3_ الصحاح لجوهري.

4_ حواشي ابن بري ت571هـ.

5_ النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ت906هـ.

رابعاً: منهجه: يمكن أن يوجز منهج ابن منظور في كتابه لسان العرب فيما يلي:

1_ جَرَّد الكلمات من الزوائد، وأرجعها إلى أصولها شأنه في ذلك شأن جميع أصحاب المعاجم.

2_ اتبع مدرسة القافية؛ فجعل الحرف الأخير من الكلمة باباً، والأول فصلاً، شأنه بذلك شأن الجوهري إلا أنه قدم الهاء على الواو.

3_ استشهد بالقرآن، والحديث، ومأثور كلام العرب.

4_ اعتنى بلغات العرب، واهتم بالنوادر.

5_ جمع ما تفرق في المعاجم الأخرى.

خامساً: المميزات: يمكن إيجازها فيما يلي:

1_ اتباعه لنظام القافية، وهو أيسر من نظام التقليبات _ كما مر _ .

2-توسع في شرح المواد وما تفرع منها من ألفاظ؛ حتى يقال: إنه احتوى على ثمانين ألف مادة على حين أن الصحاح احتوى على أربعين ألفاً، والقاموس على ستين ألفاً.

3_ امتاز _ كما مر _ بالاستشهاد بالقرآن، والحديث، وما أثر من كلام العرب.

4_ اعتنى بنسبة الأشعار إلى أصحابها، حتى إنه لَيُعَدُّ مرجعاً مهماً في ذلك.

5_ اهتم بلهجات العرب، وبتوجيه القراءات.

6_ اهتم بذكر بعض القواعد النحوية والصرفية.

سادساً: المآخذ على لسان العرب: لا شك أن الاتساع الكبير في شرح مواد اللغة الذي لجأ إليه ابن منظور في كتابه لسان العرب قد أدى إلى وقوعه في بعض المآخذ التي يمكن إيجازها فيما يلي:

1_ التكرار في شرح بعض الألفاظ، والتكرار في ذكر الشواهد.

2_ إهماله لكثير من المعاني بالرغم من رجوعه إلى كثير من المصادر.

3_ فاته الاستفادة من بعض المعاجم السابقة مثل معجم مقاييس اللغة.

4-فاته كثير من الصِّيغ والشواهد التي ذكرت في كتاب العين، والجمهرة، والبارع، وغيرها من المعاجم.

وعلى أي حال فمعجم لسان العرب من المعاجم التي تفخر بها بالعربية، ولا يستغنى عنه بغيره.

 المبحث الثالث: المعجم الثالث: القاموس المحيط( )

أولاً: صاحبه: هو أبو طاهر مجد الدين الفيروزأبادي: محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيرازي اللغوي المعروف بـ: الفيروزأبادي.

ولد بكارزين قرب شيراز من بلاد الفرس، ويبدو أنه نسب إلى فيروزأباد لأنها كانت تطلق على إقليم شيراز كله في ذلك الوقت.

وكانت ولادته سنة 729هـ بعد وفاة ابن منظور بـ ثمانية عشر عاماً.

حفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، فقد عرف بقوة الحافظة وتوقد الذهن.

وكان يقول: ما كنت أنام حتى أحفظ مائة سطر.

انتقل إلى شيراز وهو في الثامنة من عمره، ليتلقى العلم من علمائها، ورحل بعد ذلك إلى واسط، وبغداد، ورحل _ أيضاً _ إلى مصر، وسوريا، وتركيا، واليمن ثم دخل الهند، فتلقاه ملكها الأشرف إسماعيل، وأكرم وفادته، وزوَّجه ابنته، وبقي هناك بقية حياته حتى توفي عام 817هـ.

وكان لا يسافر إلا وفي صحبته عدة أحمال من الكتب.

له مؤلفات عديدة غير القاموس منها: (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز) و (تحبير الموشِّين فيم يقال بالسين والشين) و (الإشارات إلى ما في كتب الفقه من الأسماء والأماكن واللغات)، وغير ذلك من الكتب في الفقه، والحديث، والتفسير، والتراجم.

ثانياً: الهدف من تأليف القاموس: هو جمع اللغة في كتاب مختصر محذوف الشواهد، مطروح الزوائد، معرباً عن الفصيح والشوارد.

ويقال: إن الفيروزأبادي أراد في بادئ الأمر أن يضع معجماً لغوياً ضخماً قدر له نحو ستين سفراً أو أكثر واختار له اسم (اللامع المعلم العجاب، الجامع بين المحكم والعباب) ففي رأيه أن المحكم لابن سيدة والعباب للصغاني هما خير ما ألف في هذه الناحية، ولكنه بعد أن أتم خمس مجلدات من المعجم رأى أن يحجم عن إتمامه؛ رغبة في وضع كتاب مختصر يفيد الدارسين وهو ما سمي بـ (القاموس المحيط) الذي ضمنه _ كما قال _ خلاصة ما في العباب والمحكم مضافاً إليها زيادات جاء بها بعد تعمقه في بطون كتب اللغة الفاخرة.

ثالثاً: منهج الكتاب ومميزاته: يمكن إيجاز ذلك فيما يلي:

1_ أرجع الكلمات إلى أصلها.

2_ اتبع نظام القافية.

3_ قسم معجمه إلى سبعة وعشرين باباً، ثم قسم كل باب إلى ثمانية وعشرين فصلاً نظر فيها للحرف الأول من المادة الأصلية، وقد لا يصل بعض الأبواب إلى هذا العدد من الفصول، بل يسقط أحياناً بعض الأبواب حسب ما هو موجود في اللغة.

4_ راعى الفيروزأبادي الاختصار؛ لتسهيل البحث فيه، ومن مظاهر ذلك ما يلي:

أ _ وضع رموزاً تشير إلى أمور معينة؛ فالرمز (م) يشير إلى شيء معروف، و(ع) يشير إلى موضع، و (ج) يشير إلى الجمع، و (جج) يشير إلى جمع الجمع، و(ة) يشير بها إلى القرية، و (د) إلى البلد.

ب _ إذا ذكر صيغة للمذكر، وكان للكلمة مؤنث من لفظها أشار إليه بقوله: (بالهاء) ولا يعيد الصيغة كقوله مثلاً: والأرنب جرذ قصير الذنب كاليرنب، وضرب من الحلى وامرأة، وبـ:هاء: طرف الأنف.

ج _ اتبع طرقاً معينة لضبط الكلمة اسماً كانت أو فعلاً؛ فالاسم الخالي من الضبط يكون بفتح إلا أذا اشتهر بغيره.

وإذا ذكر الماضي مع المضارع دون تقييد في ضبطه كان على وزن ضرب يضرب.

أما إذا ذكر الماضي مقيداً بوزن معين فإنه يكون كما ذكره.

وإذا ذكر الماضي والمصدر، أو الماضي وحده مجرداً من الضبط كان الفعل من باب كَتَب.

5_ يقدم المشهور والمقيس من الصيغ المختلفة.

6_ لا يلتزم ترتيباً معيناً في شرح ألفاظ المادة؛ فيأتي أحياناً بالاسم قبل الفعل، أو المزيد قبل المجرد، أو العكس.

رابعاً: المآخذ على القاموس: يقول د. أمين فاخر: =ولعل أحسن ما كتب في المآخذ على هذا المعجم ما ذكره أحد الباحثين في مؤلف خاص؛ فقد ألف أحمد فارس الشدياق (1804م _ 1887م) كتاباً سماه: (الجاسوس على القاموس) ذكر فيه مآخذ كثيرة على القاموس المحيط على الرغم من اعترافه بأنه صاحب الفضل عليه في دراسة اللغة العربية والتبحر فيها، ولكن الأمانة العلمية هي التي دفعته لإبراز ما في هذا المعجم من مآخذ بعد دراسته دراسة متأنية+( ).

ويمكن إجمال أهم تلك المآخذ فيما يلي:

1_ أن الفيروزأبادي أغفل التنبيه على الفصيح وغيره، وأسماء اللغات وأصحابها، كما أغفل التنبيه على أصحاب اللهجة وخاصة حِمْير.

2_ الإبهام؛ فعبارة القاموس مبهمة في كثير من المواضع، وخاصة في المصدر والفعل، فالفيروزأبادي كثيراً ما يستغني عن ذكر الفعل بذكر المصدر، ويعطف عليه أسماء جامدة؛ فيعز على المطالع أن يميز بينها، فيظن أنه اسم، والاسم لا يستلزم أن يكون له فعل بخلاف المصدر؛ فكان الأولى أن يعبر بالفعل؛ لأنه لا يلتبس بصيغة أخرى، وهو الذي يعبر به أئمة اللغة غالباً، فخالفهم هو في ذلك.

3_ أنه لم يتبع نظاماً صحيحاً في ذكر معاني الألفاظ.

4_ أنه يُعَرِّف اللفظ بالمعنى المجهول دون الشائع.

5_ قلة الترتيب في ذكر المشتقات؛ فيخلط بين الأسماء، والأفعال، ولا يفصل المجرد عن المزيد.

6-إغفاله للأضداد، خلافاً لما في (العُباب) من العناية بذكرها، وإهماله ذكر القلب، والإبدال خلافاً لما في (العباب) و (المحكم) و (الصحاح) وغيرها، إلى غير ذلك من المآخذ الكثيرة التي وجهها صاحب (الجاسوس).

ومع ذك فتلك المآخذ لا تغض من شأن هذا المعجم العظيم الذي يسر مهمة الباحثين، وعُدَّ _ بحق _ من أحسن المعاجم العربية( ).

الفصل الرابع: المدرسة المعجمية الثالثة

 مدرسة الأبجدية العادية

وتحته تمهيد ومبحثان:

المبحث الأول: المعجم الأول: معجم مجمل اللغة.

المبحث الثاني: المعجم الثاني: معجم مقاييس اللغة.

خاتمة الحديث عن المعاجم.

 الفصل الرابع المدرسة المعجمية الثالثة مدرسة الأبجدية العادية

تمهيد

أولاً: مفهوم الأبجدية العادية: مر بنا أن هذه المدرسة هي التي اتبع فيها أصحابها في ترتيب مواد المعجم على أساس ترتيب الألفاظ حسب الحرف الأول والثاني والثالث.

وهذه الطريقة أيسر من الطريقتين السابقتين: طريقة التقليبات، والقافية.

ثانياً: أول من وضع هذه الطريقة: هو أحمد بن فارس، وذلك في معجميه: (مجمل اللغة) و (مقاييس اللغة).

 غير أنه التزم في ترتيبه الهجائي ما بعد الحرف الأول من المادة من حروف الهجاء إلى أن يبلغ الياء، ثم يعود فيذكر ما بعده من الهمزة إلى ذلك الحرف.

كما سيتوضح ذلك في منهجه في كل من هذين الكتابين.

ثالثاً: المعاجم التي سارت على هذه الطريقة: سار على هذه الطريقة كثير من أصحاب المعاجم حتى الآن، ومن ذلك:

1_2_ مجمل اللغة، ومقاييس اللغة لابن فارس.

3_ أساس البلاغة للزمخشري 467هـ _ 538هـ.

4_ مختار الصحاح للرازي ت666هـ.

5_ المصباح المنير للفيومي ت772هـ.

6_ محيط المحيط للبستاني ت 1819_1883م.

7_ أقرب الموارد للشيخ سعيد الشرتوني ت 1848_1912م.

8_ المنجد للأب لويس معلوف اليسوعي 1867 _ 1946م.

9_ المعجم الوسيط الذي أخرجه مجمع اللغة.

وسيكون الحديث فيما سيأتي عن بعض تلك المعاجم.

 المبحث الأول:المعجم الأول: معجم مجمل اللغة

أولاً: صاحبه( ): هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب القزويني، المعروف بالرازي، والمشهور بابن فارس.

ولد في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، ولم يذكر أحد من أصحاب التراجم الأقدمين تارخاً محدداً لميلاده، لكنه _ كما ذكر بعض الباحثين المحدثين _ يدور حول عام 312هـ.

أما وفاته فكانت سنة 395هـ على الرأي الصحيح كما رجح ذلك العلامة عبدالسلام هارون × وغيره.

وقد ولد بقزوين، ونشأ بهمذان، وكان أكثر مقامه في الري، لكنه رحل إلى بلاد كثيرة؛ لتلقي العلم.

وقد أخذ عن كثيرين منهم والده فارس بن زكريا، وأبو بكر أحمد بن الحسن الخطيب راوية ثعلب، وأبو الحسن علي بن إبراهيم القطان، وأبو عبدالله أحمد بن طاهر المنجم، وغيرهم كثير.

أما علومه فكانت متنوعة شاملة لا سيما اللغة التي أتقنها، وأكثر من التأليف في فروعها، وشهر بها؛ ودعي بـ: اللغوي.

ويرجع ذلك إلى مؤلفاته القيمة التي كان لها أثر كبير في الدراسات اللغوية.

وكان صاحب عقلية جبارة، وموهبة فذة مبتكرة، وقد شهد له بذلك الكثير من القدامى والمحدثين، كالثعالبي، وابن خلكان، والصاحب بن عباد، وعبدالسلام هارون وغيرهم.

وكان فقيهاً شافعياً، ويناصر مذهب مالك بن أنس.

أما طريقته في النحو فطريقة الكوفيين.

وقد أحسن صنعة الشعر، وكان نقادةً فيه، وله شعره الذي ينم عن ظرف، ورقة، وحسن تأتٍّ.

وهو مُلِحٌّ في التهكم والسخرية، ومن شعره قوله:

مرت بنا هيفاءُ مقدودةٌ

                   تركية تُنْمى لتركيِّ

ترنو بطرفٍ فاتن فاتر

                   كأنه حُجَّةُ نحويِّ

ومن شعره قوله:

وقالوا: كيف أنت فقلت: خيرٌ

                   تَقَضَّى حاجةٌ وتفوت حاجُ

إذا ازدحمت هموم القلب قلنا

                   عسى يوماً يكون لها انفراج

نديمي هرتي وسرور قلبي

                   دفاتُر لي ومعشوقي السراج

وهو بصير ذو خبرة بطبائع الناس، واستئثارهم بالمال، وخضوعهم له، يقول في ذلك:

إذا كنت في حاجة مُرْسِلاً

                   وأنت بها كَلِفٌ مغرمُ

فأرسل حكيماً ولا توصه

                   وذاك الحكيم هو الدرهم

ويقول لمن يتكاسل في طِلاب العلم:

إذا كان يؤذيك حر المصيف

                   ويُبْسُ الخريف وبردُ الشتا

ويلهيك حسنُ زمانِ الربيع

                   فأخذك للعلم قل لي: متى؟

ولعل ابن فارس من أقدم استعمل أسلوب الشعر في تقييد مسائل اللغة والعربية.

يقول ياقوت الحموي: =قرأت بخط الشيخ أبي الحسن علي بن عبدالرحيم السلمي: وجدت بخط ابن فارس على وجه المجمل، والأبيات له، ثم قرأتها على سعد الخير الأنصاري، وأخبرني أنه سمعها من ابن شيخه أبي زكريا، عن سليمان بن أيوب، عن ابن فارس:

يا دارَ سُعدى بذات الضَّالِ( ) من إضَمٍ               سقاكِ صوبُ حَياً من واكف العينِ

العين: سحاب ينشأ من قِبَل القبلة.

إني لأذكر أياماً بها ولنا

                   في كل إصباح يومٍ قرَةُ العينِ

العين ههنا: عين الإنسان وغيره.

تُدني معشقةً منَّا معتَّقة

                   تَشُجُّها عذبةٌ من نابع العين

إذا تَمَزَّزَها شيخٌ به طَرَقٌ

                   سرت بقُوتها في الساق والعينِ

العين ههنا: عين الركبة، والطرق: ضعف الركبتين.

والزِّقُّ ملآنُ من ماء السرور فلا

                   تخشى تولُّهَ ما فيه من العينِ

العين ههنا: ثقب يكون في المزادة، وتولُّه الماءِ: أن يتسرب.

وغاب عُذَّالنا عنا فلا كدرٌ

                   في عيشنا من رقيب السوء والعينِ

العين ههنا: الرقيب.

يقسِّم الودَّ فيما بيننا قِسَماً

                   ميزانُ صدقٍ بلا بَخْسٍ ولا عينِ

العين ههنا: العين في الميزان.

وفائض المال يغنينا بحاضره

                   فنكتفي من ثقيل الدَّين بالعينِ

العين ههنا: المال الناضّ( ).

والمجمل المجتبى تغني فوائده

                   حفاظَه عن كتاب الجيم والعينِ+( )

وقد امتاز ابن فارس بأخلاق العلماء حقاً، فقد كان × ورعاً تقياً شديد التواضع، وفياً لأساتذته، براً بهم، أميناً في النقل عنهم.

وكان جواداً كريماً لا يكاد يرد سائلاً، حتى إنه كان يهب ثياب جسمه، وفرش بيته.

قال ابن الأنباري: =وكان له صاحب يقال له أبو العباس أحمد بن محمد الرازي المعروف بالغضبان، وسبب تسميته بذلك أنه كان يخدمه وتصرف في بعض أموره، قال: فكنت ربما دخلت فأجد فرش البيت أو بعضه قد وهبه، فأعاتبه على ذلك، وأضجر منه؛ فيضحك من ذلك، ولا يزول عن عادته.

فكنت متى دخلت عليه ووجدت شيئاً من البيت قد ذهب علمت أنه قد وهبه؛ فأعبس، وتظهر الكآبة في وجهي؛ فيبسطني ويقول: ما شأن الغضبان! حتى لحق بي هذا اللقب منه، وإنما كان يمازحني به+( ).

وقد تتلمذ على ابن فارس الصاحبُ بن عباد، وبديع الزمان الهمذاني، وأبو الفتح بن العميد وغيرهم.

ولابن فارس مؤلفات كثيرة تزيد على الستين، منها المجمل، والمقاييس، والصاحبي، وأصول الفقه، وأخلاق النبي"، وجامع التأويل في تفسير القرآن، ونقد الشعر، وكتاب اللامات، وحلية الفقهاء وغيرها كثير.

وقد توفي _ على القول الصحيح كما مر _ سنة 395هـ، وروى أكثر من ترجم له أنه قال قبل وفاته بيومين:

يا رب إن ذنوبي قد أحَطتَ بها

                   علماً وبيْ وبإعلاني وإسراري

أنا الموحد لكنيْ المُقِرُّ بها

                   فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري

ثانياً: هدف ابن فارس من تأليف المجمل: يتبين من مقدمة الكتاب أن المؤلف×كان يهدف من وراء تأليفه إلى إخراج معجم حسن الترتيب، صغير الحجم.

ولهذا جاء كتابه هذا في أربعة أجزاء في مجلدين.

ومن طبعاته طبعة الرسالة دراسة وتحقيق زهير عبدالمحسن سلطان.

ثالثاً: منهجه( ): اتبع ابن فارس في تنظيمه لمواد المجمل، وكذلك معجم المقاييس _ كما سيأتي _ طريقة لم يُسبق إليها.

يقول الأستاذ عبدالسلام هارون × في مقدمة كتاب معجم مقاييس اللغة مبيناً نظام ابن فارس في معجميه المجمل والمقاييس: =جرى ابن فارس على طريقة فاذة بين مؤلفي المعاجم، في وضع معجميه: المجمل والمقاييس.

فهو لم يرتب موادهما على أوائل الحروف وتقليباتها كما صنع ابن دريد في الجمهرة، ولم يطردها على أبواب أواخر الكلمات كما ابتدع الجوهري في الصحاح، وكما فعل ابن منظور والفيروز أبادي في معجميهما، ولم يَنْسُقها على أوائل الحروف فقط كما صنع الزمخشري في أساس البلاغة، والفيومي في المصباح المنير.

ولكنه سلك طريقاً خاصاً به لم يفطن إليه أحد من العلماء، ولا نبه عليه.

وكنت قد ظننت أنه لم يلتزم نظاماً في إيراد المواد على أوائل الحروف، وأنه ساقها في أبوابها هملاً على غير نظام، ولكني بتتبع المجمل والمقاييس ألفيته يلتزم النظام الدقيق التالي:

1_ فهو قد قسم مواد اللغة أولاً إلى كتب، تبدأ بكتاب الهمزة وتنتتهي بكتاب الياء.

2_ ثم قسم كل كتاب إلى أبواب ثلاثة أولها باب الثنائي المضاعف والمطابق، وثانيها أبواب الثلاثي الأصول من المواد، وثالثها باب ما جاء على أكثر من ثلاثة أحرف أصلية.

3_ والأمر الدقيق في هذا التقسيم أن كل قسم من القسمين الأولين قد التُزم فيه ترتيب خاص، وهو ألا يبدأ بعد الحرف الأول إلا بالذي يليه؛ ولذا جاء باب المضاعف في كتاب الهمزة، وباب الثلاثي مما أوله همزة وباء ترتيباً طبيعياً على نسق حروف الهجاء.

ولكن في (باب الهمزة والتاء وما يثلثهما) يتوقع القارئ أن يأتي المؤلف بالمواد على هذا الترتيب: (أتب، أتل، أتم، أتن، أته، أتو، أتى)، ولكن الباء في (أتب) لا تلي التاء بل تسبقها، ولذلك أخرها في الترتيب إلى آخر الباب فجعلها بعد مادة (أتى).

وفي باب التاء من المضاعف يذكر أولاً (تخ) ثم (تر) إلى أن تنتهي الحروف، ثم يرجع إلى التاء والباء (تب) لأن أقرب ما يلي التاء من الحروف في المواد المستعملة هو الخاء.

وفي أبواب الثلاثي من التاء لا يذكر أولاً التاء والهمزة وما يثلثهما، بل يؤخر هذا إلى أواخر الأبواب، ويبدأ بباب التاء والجيم وما يثلثهما، ثم باب التاء والحاء وما يثلثهما، وهكذا إلى أن ينتهي من الحروف، ثم يرجع أدراجه ويستأنف الترتيب من باب التاء والهمزة وما يثلثهما.

وذلك لأن أقرب ما يلي التاء من الحروف في المواد المستعملة هو الجيم.

وتجد _ أيضاً _ أن الحرف الثالث يراعى فيه هذا الترتيب، ففي باب التاء والواو وما يثلثهما يبدأ بـ (توى) ثم (توب) ثم (توت) إلى آخره، وذلك لأن أقرب الحروف التي تلي الواو هو الياء.

وفي باب الثاء من المضاعف لا يبدأ بالثاء والهمزة ثم بالثاء والباء، بل يرجئ ذلك إلى أواخر الأبواب، ويبدأ بالثاء والجيم (ثج) ثم بالثاء والراء (ثر) إلى أن تنتهي الحروف، ثم يستأنف الترتيب بالثاء والهمزة (ثا) ثم بالثاء والباء (ثب).

وفي أبواب الثلاثي من الثاء لا يبدأ بالثاء والهمزة وما يثلثهما ثم يعقب بالثاء والباء وما يثلثهما، بل يدع ذلك إلى أواخر الأبواب، فيبدأ بالثاء والجيم وما يثلثهما إلى أن تنتهي الحروف، ثم يرجع إلى الأبواب التي تركها.

وتجد _ أيضاً _ أن الحرف الثالث يراعى فيه الترتيب.

ففي باب الثاء واللام وما يثلثهما يكون هذا الترتيب (ثلم، ثلب، ثلث، ثلج). . . إلخ.

وفي باب الجيم من المضاعف يبدأ بالجيم والحاء (جح) إلى أن تنتهي الحروف (جو) ثم ينسق بعد ذلك (جأ، جب).

وفي أبواب الثلاثي من الجيم يبدأ بباب الجيم والحاء وما يثلثهما إلى أن تنتهي الحروف، ثم يذكر باب الجيم والهمزة وما يثلثهما، ثم باب الجيم والباء، ثم الجيم والثاء، مع مراعاة الترتيب في الحرف الثالث، ففي الجيم والنون وما يثلثهما يبدأ أولاً بـ (جنه) ثم (جنى) ويعود بعد ذلك إلى (جناً، جنب، جنث) إلخ.

هذا هو الترتيب الذي التزمه ابن فارس في كتابيه (المجمل) و (المقاييس) وهو بِدْع كما ترى+( ).

رابعاً: مميزات المجمل( ): امتاز المجمل بمميزات كثيرة، أبرزها أمران:

1_ الإجمال والاختصار: ومن مظاهر ذلك حذف الشواهد، وقلة العناية بالمجاز، ويظهر ذلك في بعض المواد إذا قورنت بما يقابلها في المقاييس كما في مادة (بيض).

2_ اقتصاره على الصحيح: فلقد اشتهر ابن فارس بإيراده الصحيح من كلام العرب، واقتصاره عليه في كتابه (المجمل).

خامساً: المآخذ على المجمل( ):

1_ إهماله الترتيب في بعض المواد؛ فقد أتى بها مخالفة للترتيب الذي رسمه لنفسه؛ فمادة (أتر) مثلاً كان حقها أن تذكر أول مادة في باب الألف والتاء وما يثلثهما، ولكنه أخرها آخر الباب.

وكذلك مادة (أذر) أخرها وكان حقها أن تذكر أولاً.

2_ الاختصار المخل: حيث اختصر بعض المواد اختصاراً أخل بمعناها، فمثلاً مادة (أدر) لا يذكر إلا تصاريفها: أدر الرجل يأدر أدراً، وهو آدر بيِّن الأدرة.

ولا يذكر في (أقه) إلا قوله: (الأقه: الطاعة).

وفي مادة (أقر) يقول: (أقر: موضع) وهكذا. . .

وقد ذكر بعض الباحثين _ كما يقول د. أمين فاخر _ مآخذ على كتاب المجمل، ولكنها في الواقع مآخذ يسيرة لا تقدح فيه، ولا تقلل من قيمته بين المعاجم الأخرى، وذكر صاحب كتاب كشف الظنون أن مجد الدين الفيروزأبادي صاحب القاموس المحيط ألف كتاباً على مجمل ابن فارس أورد فيه ألف سؤال وأخذه عليه مع ثنائه وحبه.

وذكر البرهان الحلبي أن صاحب القاموس تتبع أوهام ابن فارس في المجمل مع تعظيمه له، وثنائه عليه.

 المبحث الثاني: معجم مقاييس اللغة لابن فارس

أولاً: تعريف بمعجم المقاييس: هذا الكتاب يكاد يكون أعظم كتب ابن فارس إلا يكن أعظمها، بل يكاد يكون أعظم معجم فيما ألف في اللغة العربية.

وهو منهج جديد في التأليف المعجمي يشبه إلى حد ما منهجه في كتاب المجمل، ولكن المقاييس يحمل أفكاراً جديدة على المعجم العربي كله، ولذلك قال عنه ياقوت الحموي ×: =كتاب جليل لم يصنف مثله+( ).

وقال عنه الأستاذ عبدالسلام هارون ×: =فإنَّ كِتَابَنا هذا لا يختلف اثنان بعد النظر فيه أنه فذ في بابه، وأنه مفخرة من مفاخر التأليف العربي، ولا إخال لغةً في العالم ظفرت بمثل هذا الضرب من التأليف.

ولقد أضفى ابن فارس عليه من جمال العبارة وحسن الذوق، وروح الأديب، ما يبعد به عن جفوة المؤلفات اللغوية، وعنف ممارستها.

فأنت تستطيع أن تتخذ من هذا الكتاب متاعاً لك إذْ تبغي المتاع، وسنداً حين تطلب التحقق والوثوق.

والكتاب بعد كل أولئك، يضم في أعطافه وثناياه ما يَهَب القارئ ملكة التفهم لهذه اللغة الكريمة، والظهور على أسرارها+( ).

وقال في موضع آخر عن الكتاب: =مفخرة من مفاخر التأليف العربي، بل يكاد يكون الفذَّ من نوعه من بين المؤلفات اللغوية في المحيط العربي، إن لم يكن المحيط اللغوي العالمي؛ فنحن لم نعلم إلى الآن أن مؤلفاً لغوياً آخر حاول أن يدرس مواد اللغة في ظل القياس المطرد في تلك المواد.

ولا غرو؛ فإن مؤلِّفَه أحمدَ بنَ فارس يعد في طليعة العلماء الذين أخذوا من كل فن بسهم وافر+( ).

ولعل من توفيق الله لابن فارس ولكتابه المقاييس أن قيض الله لتحقيقه وضبطه العلامة المحقق البحاثة عبدالسلام هارون ×؛ حيث قام بهذا العمل الجليل خير قيام، وصدَّره بمقدمة أورد فيها حياة ابن فارس، وتحدث عن سيرته وخلقه، وتلقيه العلم، وتعليمه إياه، وعن أبرز شيوخه وطلابه كما تحدث عن الجانب الأدبي، والجانب اللغوي عند ابن فارس.

كما أنه × وازن بين كتاب المقاييس والمجمل، وتوصَّل من خلال ذلك إلى أن المقاييس من أواخر مؤلفات ابن فارس، وأن النضج اللغوي الذي يتجلى فيه من دلائل ذلك( ).

ثانياً: منهجه: بيَّن ابن فارس × في مقدمة الكتاب منهجه الذي سار عليه في هذا الكتاب، ووضَّح بأنه منهج جديد خالف فيه أصحاب المعاجم الأخرى، وأن هذا المنهج باب من العلم جليل، وله خطر عظيم.

ومع ذلك صرح بأنه اعتمد في تأليفه على كثير من علماء اللغة الذين سبقوه.

قال ×: =إن للغة العرب مقاييسَ صحيحةً، وأصولاً تتفرع منها فروع، وقد ألف الناس في جوامع اللغة ما ألفوا، ولم يعربوا في شيء من ذلك عن مقياس من تلك المقاييس، ولا أصل من الأصول.

والذي أومأنا إليه باب من العلم جليل، وله خطر عظيم وقد صدرنا كل فصل بأصله الذي يتفرع منه مسائله، حتى تكون الجملة الموجزة شاملة للتفصيل، ويكون المجيب عما يُسْأَل عنه مجيباً عن الباب المبسوط بأوجز لفظ وأقربه.

وبناء الأمر في سائر ما ذكرناه على كتب مشتهرة عالية، تحوي أكثر اللغة.

فأعلاها وأشرفها كتاب أبي عبدالرحمن الخليل بن أحمد، المسمى (كتاب العين) أخبرنا به عليُّ بن إبراهيم القطان، فيما قرأت عليه أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم المعْدَاني، عن إبراهيم بن إسحاق عن بندار بن لِزَّة الأصفهاني، ومعروف بن حسان عن ليث عن الخليل.

ومنها كتاب أبي عبيد في (غريب الحديث) و (مصنف الغريب) حدثنا بهما علي بن عبدالعزيز عن أبي عبيد.

ومنها كتاب (المنطق) وأخبرني به فارس بن زكريا عن أبي نضر ابن أخت الليث بن إدريس عن الليث عن ابن السكيت.

ومنها كتاب أبي بكر بن دريد المسمى (الجمهرة) وأخبرنا به أبو بكر محمد ابن أحمد الأصفهاني وعلي بن أحمد الساويّ عن أبي بكر.

فهذه الكتب الخمسة معتمدنا فيما استنبطناه من مقاييس اللغة، وما بعد هذه الكتب فمحمول عليها، وراجع إليها؛ حتى إذا وقع الشيء النادر نصصناه إلى قائله إن شاء الله+( ).

هذا وسيأتي مزيد بيان لمنهجه في الفقرات التالية.

ثالثاً: مميزات المقاييس: تميز معجم المقاييس بميزات عظيمة، وأهم ذلك فكرتان أساسيتان اتبعهما ابن فارس في تأليفه للمعجم.

وتكاد تكون باقي المميزات ترجع إلى هاتيك الفكرتين.

الأولى: فكرة الأصول والمقاييس.

والأخرى: فكرة النحت الذي اشتهر بها ×.

وفي الفقرة الآتية تعريف بهاتين الفكرتين خصوصاً الأولى؛ لأن الثانية مر الحديث عنها مفصلاً عند الحديث عن النحت.

رابعاً: معنى الأصول والمقاييس: يقصد ابن فارس بالأصل: البناء الذي يدل على معنى عام؛ بحيث يجمع كلمات تشترك معه في الحروف الأصلية التي هي حروف المادة.

ومثال ذلك قوله في مادة: (أله): الهمزة واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد؛ فالإله: الله _ تعالى _، وسمي بذلك؛ لأنه معبود، ويقال: تأله الرجل إذا تعبد، قال رؤبة:

لله الغانيات المُدَّه( )

                   سبحن واسترجعن من تألهي

والإلهة: الشمس سميت بذلك؛ لأن قوماً كانوا يعبدونها.

وحين تتشابه هذه الكلمات المتفرعة عن الأصل، ويمكن إرجاعها إليه فإنه يسمى هذا التشابه قياساً.

وفكرة الأصول والمقاييس هي ما يسميه بعض اللغويين: (الاشتقاق الكبير) الذي يرجع مفردات كل مادة إلى معنى أو معانٍ تشترك فيها هذه المفردات( ).

ولهذا يقول × في كتابه الصاحبي: =أجمع أهل اللغة إلا من شذ منهم أن للغة قياساً، وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض، وأن اسم الجن مشتق من الاجتنان، وأن الجيم والنون تدلان أبداً على الستر. . . +( ).

وابن فارس لا يعتمد اطراد القياس، كما في مادة (جبن).

يقول: =الجيم والباء والنون: كلمات لا يقاس بعضها ببعض، فالجبن الذي يؤكل، وربما ثقلت نونه مع ضم الباء، والجبن صفة للجبان، والجبينان ما عن يمين الجبهة وشمالها، وكل واحد منهما جبين+.

كما أنه يذهب إلى أن الكلماتِ الدالةَ على الأصوات وكثيراً من أسماء البلدان ليس مما يجري عليه القياس.

وقد نفعه اتباع هذا المنهج؛ فاستخدم الأصول والمقاييس في أمور كثيرة منها على سبيل الإيجاز _ ويمكن القارئ الرجوع إلى الأصل إذا أراد مزيد بيان _ ما يلي:

1_ أنه خطَّئ شرح بعض اللغويين للكلمة؛ لأنه ليس موافقاً للقياس أو الأصل الذي بنى عليه المادة، وذلك كما في مادة (الضاد والياء والفاء).

2_ خطَّئ شرح بعض الفقهاء لبعض الكلمات؛ لأنه لا يوافق الأصل، ويعد ذلك من طريقة الفتيا، وليس من القياس اللغوي لهذه المادة، وذلك كما في مادة (التاء والباء والعين).

3_ خطَّئ تفسير بعض الكلمات المتصلة بالعقيدة؛ لما يرى فيها من جفاء يخالف _ في نظره _ ما أتى به الدين الإسلامي، وذلك كما في مادة (عروى) حيث يقول فيها: =عروى: أصلان صحيحان متباينان يدل أحدهما على ثبات وملازمة وغشيان، والآخر يدل على خلو ومفارقة.

ويقال: إن عروة الإسلام بقيته كقولهم: لأرض فلان عروة، أي بقية من كلأ.

وهذا عندي كلام فيه جفاء؛ لأن الإسلام _ ولله الحمد _ باقٍ أبداً، وإنما عرى الإسلام شرائعه التي يتمسك بها، كل شريعة عروة، قال الله _ تعالى _ عند ذكر الإيمان: [فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا].

4_ استخدم هذه المقاييس في ترجيح أقوال بعض العلماء؛ حيث يرجح منها ما كان أكثر موافقة للأصل الذي أصَّله للمادة كما في مادة (على) ومادة (شن) وقد لا يرجح أحد الرأيين على الآخر إذا كان لكل منهما وجه من القياس.

ويظهر ذلك حين يذكر الكلمة في مادتين لكل منهما أصل صحيح مخالف للآخر كما في كلمة (الشيطان) مثلاً فهو يذكر مادة (شطن) ويذكرها _ أيضاً _ في مادة (شيط) ويذكر لكل من الرأيين وجهاً من القياس.

5_ استخدم هذه المقاييس في إرجاع تفسيرات العلماء المختلفة لبعض الألفاظ من القرآن الكريم إلى أصول متعددة ذكرها للمادة الواحدة، كما في مادة (بس).

6_ ساعدته هذه المقاييس على توجيه بعض القراءات القرآنية كما في مادة (شعف).

7_ استعان بهذه الطريقة على إنكار التضاد في بعض الكلمات كما في مادة (قفى) كما استعان بها على إثبات التضاد في بعض الكلمات كما في مادة (نبه).

8_ يعلل التسمية ببعض الأسماء بواسطة هذه المقاييس، كما في مادة (كند) يقول: =وسميت كندة _ فيما زعموا _ لأنه كند أباه، أي فارقه، ولحق بأخواله، ورأَسهم، فقال له أبوه: كندت+.

9_ وقد يوضح السبب في تسمية بعض الأماكن بأسماء جامدة بما يوافق الأصل، ويقاس عليه.

يقول مثلاً في (مك): =الميم والكاف أصل صحيح يدل على انتفاء الظلم، ثم يقاس على ذلك. . .

ويقال: سميت مكة؛ لقلة الماء بها، كأن ماءها قد امْتَكَّ، وقيل سميت؛ لأنها تمكُّ من ظلم فيها، أي تهلكه، تقضمه كما يُمَكُّ العظم+.

10_ حكم على بعض الكلمات بواسطة المقاييس بالتصحيف كما في مادة (سحب).

11-اهتدى بواسطة هذه المقاييس إلى معرفة أصل الكلمة كما في مادة(شفى)( ).

خامساً: منهجه في المواد التي ليست أصولاً يقاس عليها:

كما مر من أن ابن فارس لم يجعل لكل مواد اللغة أصلاً يقاس عليه، بل إن المواد التي لا يتفرع منها كلمات لا يجعلها أصلاً مقيساً؛ لذلك لم يجعل من الأصول ما يلي:

1_ المادة التي لم يرد فيها إلا كلمة في باب الاتباع مثل (بيص) لأنها _ كما يقول _ اتْباع: الحيص يقال: وقع القوم في حيص بيص، أي اختلاط.

2_ ما كان أحد حروفه زائداً كما في مادة (أمع).

3_ أسماء المواضع والنباتات والأشخاص والكنايات، والألفاظ المبهمة فهذه كلها لم يجعلها أصولاً يتفرع منها شيء.

كما في مادة (قر)، و (سنن)، و (بهث)، و (بوك)، و (حيث).

4_ لم يجعل الأصوات الدالة على الحكاية من الأصول مثل (إيه).

5_ ما ليس بعربي في الأصل لا يجعله أصلاً مثل (جلق).

6_ المواد المقلوبة لم يجعلها أصولاً يقاس عليها مثل (معق) يقولون هي مقلوب (عمق).

7_ المواد المبدلة لا يعدها من الأصول مثل (سلغ) يقول أصلها (صلغ)( ).

سادساً: منهجه في الرباعي والخماسي: كان الحديث في الفقرات الماضية يدور حول منهجه في الثنائي والثلاثي.

أما منهجه في الرباعي والخماسي فهو أنه يُنهي كل باب في معجمه بذكر ما جاء على أكثر من ثلاثة أحرف.

ويقصد بذلك الرباعي والخماسي، وقد جعل لذلك باباً مستقلاً، فيقول: مثلاً عقب انتهائه من الثنائي في الباء: (باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أوله باء).

وهكذا باقي الحروف ما عدا حروفاً خمسة لم يذكر ما بدئ بها مما زاد على ثلاثة، ولم يفرد لها أبواباً مستقلة.

وتلك الحروف هي: الهمزة، والظاء، والميم، والواو، والياء.

وليس ذلك راجعاً إلى انه لا يوجد في العربية ذلك، وإنما السبب هو ما أشار إليه، وهو أن الاعتبار بما يجيء بعد هذه الأحرف كما في نحو (ابلندح)، و(اتلأب)، و (اتمهل)، و (اليعفور) وغيرها( ).

وكما أن لابن فارس _ في كتابه المقاييس _ فكرة الأصول والمقاييس في الثنائي والثلاثي _ فكذلك كانت له فكرة جديدة _ أيضاً _ فيما زاد من الكلمات على ثلاثة أحرف، وقد وضح هذه الفكرة بقوله: =اعلم أن للرباعي والخماسي مذهباً في القياس يستنبطه النظر الدقيق وذلك أن أكثر ما تراه منه منحوت، ومعنى النحت أن تؤخذ كلمتان، وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعاً بحظ.

والأصل في ذلك ما ذكره الخليل من قولهم: حيعل الرجل إذا قال: حي على.

ومن الشيء الذي كأنه متفق عليه قولهم: عبشمي، وقوله:

وتضحك مني شيخة عبشمية

فعلى هذا الأصل بنينا ما ذكرناه من مقاييس الرباعي، فنقول: إن ذلك على ضربين: أحدهما: المنحوت الذي ذكرناه، والضرب الآخر: الموضوع وضعاً لا مجال له في طرق القياس+.

ولكن المتأمل لكلام ابن فارس في هذا الموضع وفي مواضع أخرى من كتابه يجد أنه قسم الرباعي والخماسي أقساماً ثلاثة:

1-المنحوت 2-المزيد 3-الموضوع وضعاً على أربعة أحرف أو خمسة.

وسوف يتضح منهجه في بيان هذه الأقسام الثلاثة في الفقرات التالية.

سابعاً: طريقته في المنحوت، والمزيد، والموضوع( ):

أ _ المنحوت: كان ابن فارس أول من أرجع كثيراً من الكلمات الرباعية والخماسية إلى النحت.

وكان ذلك من منهجه في أبواب ما زاد على ثلاثة أحرف من الكلمات، وإن كان قد ذكر أن الفكرة كانت موجودة عندالخليل.

ومن أمثلة المنحوت عنده قوله (البِرَقْش) وهو طائر من كلمتين من رقشت الشيء وهو كالنقش، ومن البرش وهو اختلاف اللونين، وهكذا. . .

وقد مضى الحديث مفصلاً عن النحت فيما مضى.

ب _ المزيد: وليس المقصود منه المزيدَ عند علماء الصرف، بل هو في الرباعي المأخوذ من الثلاثي لكنهم يزيدون فيه حرفاً، يزيدونه للمبالغة كما يفعلون ذلك في (زرقم) يعني أزرق، وفي الخماسي: ما زيد فيه حرفان عن الثلاثي المأخوذ منه مثل: (القَلَهْذَم) وهو صفة للماء الكثير، وهذا مما زيدت فيه اللام والهاء وهو من القذم، وهو الكثرة.

ج _ الموضوع: وهو عنده ما وضع عليه بدون زيادة أو نحت.

ولذلك جعله ابن فارس قسماً مستقلاً، ويضعه عادة آخر الباب.

وقد يخلط في النادر بينه وبين المنحوت والمزيد.

بل إن الكلمة الواحدة قد تتردد عنده بين الاشتقاق والوضع بدون ترجيح كما في كلمة (الزمهرير).

ثامناً: خصائص معجم المقاييس( ): مر كثير من ذلك فيما مضى، ويمكن إجماله فيما يلي:

1_ أنه اتُّبع فيه الأبجدية العادية، وابن فارس رائد هذه المدرسة بلا نزاع.

2_ امتاز بفكرتي الأصول والمقاييس.

3_ تضمن بعض المسائل والقواعد الصرفية.

4_ اهتم بالاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث الشريف.

5_ اهتم بالشواهد الشعرية.

6_ أثبت شخصيته في كثير من الأحيان، فهو _ وإن كان ينقل عن الخليل وابن دريد وغيرهما _ يناقشهم، ويخالفهم أحياناً، أو يرجح كلامهم على غيره.

7_ احتوى المعجم على ترجيح بعض القراءات.

8_ أشار إلى بعض لهجات العرب.

9_ الميل إلى الاختصار.

تاسعاً: المآخذ على المعجم: على الرغم من الدقة التي امتاز بها كتاب المقاييس عن غيره من المعاجم اللغوية الأخرى فقد تعرض لبعض المآخذ التي يمكن إجمالها فيما يلي:

1_ الاختصار الشديد في بعض الأحيان مما أدى إلى ترك إكمال الحديث النبوي، والبيت الشعري، حيث يقتصر على ذكر موضع الشاهد فحسب.

2_ لم يسر على نظام ثابت في رسم المعتل، كما في (حنو) و (عصوى) و(رثى).

3_ لم يسر على طريقة واحدة فيما عده خارجاً عن الأصول، فقد أخرج _مثلاً_ حكاية الأصوات في كثير من المواد، لكنه جعله في بعض المواد أصلاً كما في مادة (بل).

4_ وُلُوعه بالقلب والإبدال ولوعاً قد يصل إلى التعسف، وقد يجمع بينهما في كلمة واحدة كما في (قاب).

5_ الاضطراب في شرحه لبعض الألفاظ، ومن ذلك أن قد يفسر كُلاً من الضدين بأنه خلاف الآخر كما في (خبث) و (طيب) وكما في (حسن) و (قبح) وكذا في (حمد) و (ذم).

6_ تداخل الكلمات في أكثر من مادة كما في كلمة (الدكان) حيث ذكر أنها من مادة (دك) ثم ذكرها مرة أخرى في (دكن) ولم يشر إلى أن هناك خلافاً.

عاشراً: أثر المقاييس في المعاجم الأخرى: تأثر بابن فارس كثير من أصحاب المعاجم من بعده، وخاصة المعاجم الحديثة في طريقته المبتكرة وهي طريقة استخلاص المعاني العامة المشتركة التي تدور حولها ألفاظ المادة، والتي سماها بالأصول.

وأول هذه المعاجم التي تأثرت بالمقاييس (العباب الزاخر) للصغاني (557_660هـ) والفيروز أبادي في القاموس، والزبيدي في تاج العروس، والمعجم الكبير الذي وضعته لجنة من كبار علماء اللغة المُحْدَثين.

وإذا أردت مزيد دراسة عن هذا الكتاب فارجع إلى كتاب (دراسات في المعاجم العربية) وكتاب (ابن فارس اللغوي) وكلاهما للدكتور أمين فاخر.

خاتمة الحديث عن المعاجم

وبعد هذا التطواف في المعاجم وقع بصري على كلمة رائعة رقمتها يراعة الدكتور الفاضل حمد بن ناصر الدخيِّل _ حفظه الله _ تحت عنوان: (معجمات اللغة والقصور اللغوي) .

وقد ضمَّنها حديثاً جميلاً عن اللغة، وعن خصائصها، وقدرتها على استيعاب تراث العرب والمسلمين، ثم عرج على الحديث عن المعاجم والقواميس، ثم لخص بعد ذلك وجوه القصور في المعاجم في نقاط أربع، فإلى ذلك المقال.

يقول _ حفظه الله _: =يكاد يجمع دارسو اللغة العربية وعلماؤها من العرب والمستشرقين على أن اللغة العربية تأتي في مقدمة المجموعة اللغوية العالمية في ثراء الألفاظ والمفردات، وتعدد الصيغ والدلالات، وغزارة المصطلحات العلمية والأشكال التعبيرية، والقدرة على التجدد والنماء، والوفاء بمتطلبات العلم والحضارة والاختراع والمدنية؛ لما تحمله من خصائص ومميزات ذاتية لا توجد في غيرها من اللغات الأخرى تؤهلها لذلك.

وإنَّ لغة استطاعت أن تستوعب تراث العرب والمسلمين على اختلاف ألوانه وفنونه ومضامينه، وتصبح لغة حضارة ومدنية وعلم وفن لمدى يقرب من ألف وست مائة سنة _ لقادرة على أن تستوعب معطيات الحياة والحضارة في الوقت الراهن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وإذا كانت العربية قد وفَتْ بالتزاماتها كاملة، وأدت وظيفتها على خير ما يرام خلال هذه القرون الكثيرة دون أن يظهر عليها ضعف أو وهن أو نكوص _ فإن هناك سؤالاً يلح في طرح نفسه على ساحة علماء اللغة المعاصرين، وهو عن مدى قدرة استيعاب المعجمات والقواميس لألفاظ العربية وفرائدها وشواردها، ومصطلحاتها العلمية والفنية، منذ أن ألف الخليل بن أحمد الفراهيدي أول معجم في العربية إلى وقتنا الحالي.

وقبل الإجابة على هذا السؤال أحب أن أذكر أن الإرهاصاتِ الأولى لإنشاء أول معجم لغوي للغة العربية كانت تتمثل في تفسير بعض الكلمات والمفردات الغربية التي ترد في النصوص الأدبية من جاهلية وإسلام، ثم كثرت المواد المشروحة مما اضطر القائمين على ذلك إلى حصرها وتصنيفها من جديد، فكانت نواة للمعاجم التي ما لبثت أن تطورت إلى النحو الذي وصل إلينا.

ويمكن لنا أن نلخص وجوه القصور في النقاط التالية:

1_ اقتصر القائمون على إعداد المعجم العربي على لغة الشعر في العصر الجاهلي والإسلامي والأموي، وأهملوا عن قصد لغة النثر، وكتابات المتأخرين، وأشعارهم؛ فوقف المعجم العربي عند لغة العرب الذين يُسْتَشْهَدُ بكلامهم، ولم يحاول أن يساير تطور اللغة وتجددها في العصور العباسية وما بعدها.

2_ اعتمد مؤلفوا المعاجم العربية الرائدة في رصد موادها على ما وصل إليهم من النصوص الشعرية، ولكن هذا النهج الذي اختطه الرواد الأوائل للمعاجم لم يلتزم به مَنْ أتى بعدهم من المعجمين، فلم يتخذوا من النصوص مادة أصلية للتأليف، بل أخذ بعضهم ينقل من بعض، ويعتمد عليه عند الشروع في تأليف معجمه.

ومن يطلع على المعاجم الموجودة بين أيدينا يلاحظ أن وجوه الشبه والاتفاق في كثير من المواد والشواهد تبدو واضحة جلية.

3_ لم تقم الكتابة بوظيفتها في تدوين التراث العربي إلا في القرن الثاني الهجري، أي بعد مضي فترة طويلة على نشأته، كان خلالها يُتَناقل مشافهةً من لسان إلى لسان، الأمر الذي عرَّض كثيراً من نصوصه وأخباره إلى النسيان والضياع.

وليس أدل على قضية ضياع التراث من مقولة أبي عمرو بن العلاء المشهور: =ما جاءكم مما قالت العرب إلا أقلَّه، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير+.

4_ خلو المعاجم العربية من البحث في تاريخ الكلمة، وتطور دلالتها ومتى استعملت أول مرة، ثم تَدَرُّج استعمالها على ألسنة الكتاب والشعراء والعلماء عبر العصور+( ).

 الباب الرابع: مشكلات تواجه العربية

وتحته: تمهيد، وفصلان:

الفصل الأول: ظاهرة الإعراب وإنكارها.

الفصل الثاني: الدعوة إلى العامية، وتيسير النحو، والخط العربي.

تـمــهــيــد:

واجهت اللغة العربية تحديات كبيرة، سواء كان ذلك من قبل أعدائها، أو من قبل بعض المنتسبين إليها.

وفيما يلي من صفحات سيكون الحديث عن بعض تلك المشكلات والتحديات.

وذلك من خلال الكلام على ظاهرة الإعراب، وإنكارها، والدعوة إلى العامية، وتيسير النحو، والخط العربي.

وسيتخلل ذلك تفصيل في هذه المسائل.

 الفصل الأول ظاهرة الإعراب، وإنكارها

 المبحث الأول: ظاهرة الإعــراب:

الإعراب مَعْلَمٌ من معالم العربية، ومفخرة من مفاخرها.

وإنكاره ظاهرة غريبة، وقضية تستحق الوقوف عندها وبيان خطرها، وصد عاديتها.

وقبل ذلك يحسن الوقوف على معنى الإعراب، وبيان أهميته، وكلام العلماء عليه، ثم يكون الحديث عن إنكاره، والرد على هذا الإنكار.

أولاً: معنى الإعراب:

أ_ الإعراب في اللغة: أصل هذه المادة: (عرب) قال ابن فارس ×: =العين والراء والباء أصول ثلاثة: أحدها: الإبانة( ) والإفصاح، والآخر: النشاط وطيب النفس، والثالث: فساد في جسم أو عضو.

فالأول أعرب الرجل عن نفسه: إذا بين وأوضح+( ).

وقال: =إعراب الكلام _أيضاً_ من هذا القياس؛ لأن بالإعراب يفرق بين المعاني في الفاعل، والمفعول، والنفي، والتعجب، والاستفهام، وسائر أبواب هذا النحو من العلم+( ).

ب-الإعراب في الاصطلاح: =أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة+( ).

والمراد بالأثر ما يحدثه العامل من الحركات الثلاث أو السكون، وما ينوب عنها.

وبالظاهر: ما يلفظ به، وبالمقدر: ما يُنوى من ذلك كالضمة، والفتحة، والكسرة من نحو: الفتى، والنون في مثل: (لتبلون)( ).

ويراد بالكلمة: الاسم والفعل المعربان.

ج-معنى البناء: هو لزوم آخر الكلمة حالة واحدة مثل: هلْ، وقامَ، وأمسِ، ومنذُ( ).

ثانياً: أهمية الإعراب وأقوال العلماء فيه:

يرى علماء العربية وجميع النحاة إلا من شذ منهم أهمية الإعراب، وأن لعلاماته وألقابه دلالاتٍ معينةً، وأغراضاً معنوية؛ فهي تدل على المعاني المختلفة التي تعتور الأسماء من فاعلية، أو مفعولية، أو غير ذلك.

وأقوالهم في ذلك كثيرة جداً، وهذه نبذة من أقوال بعض العلماء:

1_ قال ابن قتبية 213_176هـ ×: =ولها _ يعني العرب _ الإعراب الذي جعله الله وشياً لكلامها، وحليةً لنظامها، وفارقاً في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين، والمعنيين المختلفين، كالفاعل والمفعول، لا يفرق بينهما إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكل واحد منهما _ إلا بالإعراب.

ولو أن قائلاً قال: (هذا قاتلٌ أخي) بالتنوين، وقال آخر: (هذا قاتلُ أخي) بالإضافة _ لدل التنوين على أنه لم يقتله، ودل حذف التنوين على أنه قد قتله+( ).

2-وقال أبو القاسم الزجاجي ت337هـ ×: =فإن قال قائل: قد ذكرت أن الإعراب داخل في الكلام فما الذي دعا إليه، واحتيج إليه من أجله؟

فالجواب: أن يقال: إن الأسماء لما كانت تعتورها، المعاني وتكون فاعلة ومفعولة، ومضافة، ومضافاً إليها، ولم يكن في صورها، وأبنيتها أدلة على هذه المعاني، بل كانت مشتركة _ جُعِلَتْ حركات الإعراب فيها تنتبئ عن هذه المعاني، فقالوا: ضرب زيد عمراً، فدلوا برفع زيد على أن الفعل له، وبنصب عمرو على أن الفعل واقع به.

وقالوا: ضُرب زيدٌ؛ فدلوا بتغيير أول الفعل، ورفع زيد على أن الفعل ما لم يسمَّ فاعلُه، وأن المفعول قد ناب منابه.

وقالوا: هذا غلام زيد؛ فدلوا بخفض زيد على إضافة الغلام إليه.

وكذلك سائر المعاني جعلوا هذه الحركات دلائل عليها؛ ليتسعوا في كلامهم، ويقدموا الفاعل إذا أرادوا ذلك، أو المفعول عند الحاجة إلى تقديمه، وتكون الحركات دالةً على المعاني+( ).

ويقول ×: =وأصل الإعراب للأسماء، وأصل البناء للأفعال والحروف؛ لأن الإعراب إنما يدخل في الكلام؛ ليفرق بين الفاعل والمفعول، والمالك والمملوك، والمضاف والمضاف إليه، وسائر ذلك ما يعتور الأسماء من المعاني.

وليس شيء من ذلك في الأفعال ولا في الحروف+( ).

وقال: =ويسمي النحويون الحركات اللواتي تعتقب في أواخر الأسماء والأفعال الدالة على المعاني إعراباً؛ لأنها بها يكون الإعراب أي: البيان+( ).

وقد سبق في تعريف الإعراب كلام ابن فارس عن الإعراب.

وقال _ أيضاً _ ×: =من العلوم الجليلة التي خُصت بها العربُ_الإعرابُ الذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ، وبه يعرف الخبر الذي هو أصل الكلام.

ولولاه ما مُيِّز فاعل من مفعول، ولا مضاف من منعوت، ولا تعجُّبٌ من استفهام، ولا صَدْر من مصدر، ولا نعتٌ من تأكيد+( ).

وقال ×: =فأما الإعراب فبه تميز المعاني، ويوقف على أغراض المتكلمين؛ وذلك أن قائلاً لو قال: (ما أحسنْ زيدْ) غير معرب، أو (ضرب عمرْ زيد) غير معرب لم يوقف على مراده.

فإذا قال: (ما أحسن زيداً) أو (ما أحسنُ زيدٍ) أو (ما أحسنَ زيدٌ) أبانَ الإعراب عن المعنى الذي أراده.

وللعرب في ذلك ما ليس لغيرها؛ فهم يفرقون بالحركات وغيرها بين المعاني+( ).

وقال ابن جني: =باب القول على الإعراب: هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ؛ ألا ترى أنك إذا سمعت: أكرم سعيدٌ أباه، وشكر سعيداً أبوه _ علمت برفع أحدهما، ونصب الآخر الفاعلَ من المفعولِ، ولو كان الكلام شَرْجاً( ) واحداً لاستبهم أحدهما من صاحبه.

فإن قلت: فقد تقول ضرب يحيى بُشْرَى، فلا تجد هناك إعراباً فاصلاً، وكذلك نحوه _ قيل: إذا اتفق ما هذه سبيله مما يخفى في اللفظ حاله، أُلزِم الكلامُ من تقديم الفاعل، وتأخير المفعول ما يقوم مقام بيان الإعراب.

فإن كانت هناك دلالة أخرى من قِبَل المعنى وقع التصرف فيه بالتقديم والتأخير؛ نحو أكل يحيى كمثرى _ لك أن تقدم وأن تؤخر كيف شئت، وكذلك ضربتْ هذا هذه، وكلم هذه هذا، وكذلك إن وضح الغرض بالتثنية أو الجمع جاز لك التصرف نحو قولك: أكرم اليحييان البُشرَييْنِ، وضرب البُشَريين اليحيون، وكذلك لو أومأت إلى رجل وفرس، فقلت: كلم هذا هذا فلم يجبه لجعلت الفاعل والمفعول أيهما شئت؛ لأن في الحال بياناً لما تعني.

وكذلك قولك: ولَدَتْ هذه هذه، من حيث كانت حال الأم من البنت معروفة، غير منكورة.

وكذلك إن ألحقت الكلام ضرباً من الإتباع جاز لك التصرف لما تُعقِب من البيان، نحو ضرب يحيى نفسَه بُشرى، أو كلم بشرى العاقلَ مُعلَّى، أو كلم هذا وزيداً يحيى.

ومن أجاز قام وزيد عمرو لم يُجِزْ ذلك في نحو (كلم هذا وزيد يحيى) وهو يريد كلم هذا يحيى وزيد، كما يجيز (ضرب زيداً وعمرو جعفر)+( ).

وهكذا يتبين لنا أن العلماء القدماء يتفقون على أهمية الإعراب، وضرورته، ويبينون أن الجملة لو كانت غُفْلاً من الإعراب لاحتملت معاني عدة؛ فإن أعربت نَّصت على معنى واحد( ).

وقد تبعهم في ذلك أكثر المحدثين، ومنهم المستشرقون؛ فكثير منهم أقر بأن الإعراب هو المميز للغة.

 المبحث الثاني: إنــكـار الإعــراب

يعد إنكار الإعراب من المشكلات التي تثار ضد العربية في الوقت الحاضر؛ فهي اللغة الوحيدة التي ينادى دائماً بتخفيفها وتسهيلها مع أنها ليست اللغة الوحيدة التي لها قواعد وضوابط؛ فلغات العالم الأخرى لها نظمها الخاصة، وقواعدها الثابتة التي يتعصب لها أبناؤها، ويحاولون الالتزام بها كما يحاول ذلك من يحاول تعلمها من غير أهلها.

ولم نسمع في أي لغة من لغات العالم أنْ حاول أو طالب أبناؤها بتغيير قواعدها، أو تسهيلها، مع أنها لا تملك ما تملكه العربية من مقومات القوة، والبقاء، والنماء، ومواكبة الجديد، وما إلى ذلك مما مر ذكره.

ومن أخطر تلك الدعاوى دعوى إنكار الإعراب، وما يترتب على تلك الدعوى من خطر على العربية.

ولقد مر بنا أن جميع النحاة العرب يرون أن حركات الإعراب تدل على المعاني المختلفة التي تعتور الأسماء من فاعلية، أو مفعولية، أو إضافة أو غير ذلك.

ولم يخالف في ذلك في العصر القديم إلا عالم هو أبو علي محمد بن المستنير المعروف بـ (قطرب).

وبهذا يكون أول من قال بهذه الظاهرة كما نقل ذلك عنه الزجاجي.

ومؤدى هذا الرأي الذي ارتآه قطرب × أن حركات الإعراب الثلاث إنما جيء بها للسرعة في الكلام، وللتخلص من التقاء الساكنين عند اتصال الكلام، ثم يفسر بعد ذلك سبب اختيارهم للعلامات الإعرابية، ويقرر بأنها ليست ذات أثر ولا دلالة على المعاني.

هذا هو خلاصة رأي قطرب في الإعراب، وإليك نص كلامه في هذا الشأن؛ إذ يقول: =وإنما أعربت العرب كلامها؛ لأن الاسم في حالة الوقف يلزمه السكون للوقف، فلو جعلوا وصْلَه بالسكون _ أيضاً _ لكان يلزمه الإسكان في الوقف والوصل، وكانوا يبطِّؤون عند الإدراج، فلما وصلوا وأمكنهم التحريك جعلوا التحريك معاقباً للإسكان؛ ليعتدل الكلام؛ ألا تراهم بنوا كلامهم على متحرك وساكن، ومتحركين وساكن، ولم يجمعوا بين ساكنين في حشو كلمة، ولا في حشو بيت، ولا بين أربعة أحرف متحركة؛ لأنهم في اجتماع الساكنين يبطؤون، وفي كثرة الحروف المتحركة يستعجلون، وتذهب المهلة في كلامهم، فجعلوا الحركة عقب الإسكان+( ).

قال السيوطي × بعد إيراد كلام قطرب: =وقال المخالفون له رداً عليه: لو كان كما ذكر لجاز جر الفاعلِ مرة، ورفعه أخرى، ونصبه، وجاز نصب المضاف إليه؛ لأن القصد في هذا إنما هو الحركة تعاقب سكوناً يعتدل بها الكلام؛ فأي حركة أتى بها المتكلم أجزأته فهو مخير في ذلك.

وفي هذا فساد للكلام، وخروج عن أوضاع العرب، وحكمة نظم في كلامهم.

واحتجوا لما ذكره قطرب من اتفاق الإعراب، واختلاف المعاني واختلاف الإعراب واتفاق المعاني في الأسماء التي تقدم ذكرها بأن قالوا: إنما كان أصل دخول الإعراب في الأسماء التي تذكر بعد الأفعال لأنه يذكر بعدها اسمان: أحدهما فاعل والآخر مفعول، ومعناهما مختلف؛ فوجب الفرق بينهما، ثم جُعل سائر الكلام على ذلك+( ).

وقال الدكتور رمضان عبدالتواب بعد إيراده كلام قطرب: =هذا هو رأي قطرب، وهو رأي لم يسبقه به أحد _ فيما نعلم _ ولم يتابعه عليه غيره من اللغويين أو النحويين، فيما عدا أستاذنا الدكتور إبراهيم أنيس، في كتابه القيم (من أسرار اللغة)، ويظهر أنه تأثر برأي قطرب هذا؛ إذ أشار إليه ناقلاً إياه عن كتاب (إحياء النحو) لإبراهيم مصطفى+( ).

ويقول د. إبراهيم السامرائي عن رأي قطرب: =وهذا الرأي غريب في جملته، وقد انفرد فيه صاحبه، ولم يؤيده فيه إلا د. إبراهيم أنيس بعد أحد عشر قرناً .

ووجه الخطل في هذا الرأي أن العربية كانت معربة منذ أقدم العصور، والنصوص شاهدة على ذلك.

وقد كان هذا الإعراب سهلاً على الألسنة، ثم ثقل، وصعُب حين فسدت الطبائع العربية، وفشا اللحن، وتحول المجتمع العربي الخالص إلى مجتمع ضخم فيه أجناس شتى، ولا سيما في الحواضر العربية+( ).

وهكذا فتح قطرب باباً واسعاً لمن أراد التحامل على العربية وإن لم يكن يقصد ذلك؛ فلقد وجد المستشرقون وأعداء الإسلام من هذه الفكرة منفذاً للطعن في العربية، ومحاولة إضعاف أثرها في نفوس أهلها.

وسيتضح فيما سيأتي بيان لآراء المستشرقين، ولنظرية إبراهيم أنيس.

ومن ثم يكون الرد على ذلك كله.

 المبحث الثالث:المستشرقون والإعراب( )

أولاً: المستشرقون الذين لا يرون الإعراب:

مر بنا أن من المستشرقين من كان يرى الإعراب، وأن منهم فريقاً لا يرونه، بل جعلوا من رأي قطرب ذريعةً للنيل من العربية؛ إذ الإعراب أهم خصائصها.

ومن هؤلاء المستشرقين:

1-كارل فوللرز: وذلك في كتابه: (اللغة الشعبية واللغة الأدبية في الجزيرة العربية القديمة).

وهذا الرجل من أكثر الحاقدين على العربية.

وخلاصة رأيه يتمثل فيما يلي:

أ-يرى أن فكرة النحو كانت مصنوعة، وأنه ليس موجوداً في العربية الجاهلية، وإنما صيغت بعد ذلك.

ب-يرى أن النص الأصلي القرآني قد كتب بإحدى اللهجات الشعبية السائدة في الحجاز.

ج-يرى أنه لا يوجد في اللهجات السائدة ما يسمى بالإعراب.

د-ينكر على الإطلاق أن تكون هذه اللغة حية في مكة على عهد النبي ".

هـ-يشك في أن يكون الذين خرج من بينهم الشعراء كانوا يتكلمون هذه اللغة.

2-كوهين: وهو مستشرق فرنسي، وهو صاحب كتاب (لغات العالم).

هذا الرجل لما درس العربية وجد أن الشعر العربي لا يمكن أن يقوم إلا على قواعد إعرابية، فخرج من ذلك بنتيجة يقول فيها:

=إن قواعد الشعر تقوم على الإعراب، ولابد من ذلك.

أما النثر فمن الصعوبة بمكان تطبيق القواعد فيه+.

فهو يتصور بأن النحو صعب، ويشبهه بحالنا الآن؛ فعندما يلقي أحدنا كلمة أو خطاباً يحرص على تطبيق القواعد فيه.

وعندما يعود إلى البيت، أو يغشى المجالس العامة فإنه يعود إلى العامية.

3-باول كاله: حيث عقد في كتابه (الذخائر القاهرية) فصلاً عنوانه: (نص القرآن العربي).

يقول فيه: =جمع نص القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمدة وجيزة في عام 632م، وأخذ شكله النهائي في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان 644-655، وهنا قامت مشكلة كيف يقرأ هذا النص ويرتل؟

فقد ولد محمد " بمكة، وانحدر _ كمعظم مواطنيه _ من القبيلة العربية (قريش).

وكانت اللغة العربية التي يتكلمها هي لغة المواطن المثقف في مكة.

والنص القرآني الخالي من الضبط بالشكل يعكس بوضوح اللغة العربية التي كانت تُتكلم في مكة، غير أن العرب كانوا قد تعودوا أن يعدوا اللغة البدوية نموذجاً للنطق الصحيح، فبهذه اللغة نظم الشعر العربي الجاهلي، وكان كل عربي مزهواً بذلك.

وإذا كانت كلمة الله لا يصح أن ترتل بلغة أقل مستوى من أية لغة أخرى _ فقد بدأت العواصم الإسلامية في ذلك العصر المبكر _في الكوفة، والبصرة، والمدينة، ومكة_ دراسة نشيطة للشعر البدوي، فكان الرجال المهتمون بهذا النمط في اللغة العربية يذهبون إلى جيرانهم من البدو، ويجمعون ما أمكنهم من أشعارهم، وما يتصل بها من الحكايات، وهي في الغالب أخبار عن الحروب الصغيرة التي جمعت تحت عنوان: (أيام العرب).

وقد اتُّخذت المادة التي جُمعت بهذه الطريقة أساساً للعربية النموذجية التي ابتدعها النحويون، ثم حذيت لغة القرآن على نمطها، ومع ذلك لم تتغير كتابة المصحف، بل ابتدعت طريقة تضاف فيها علامات مختلفة إلى النص؛ لضمان صحة القراءة+.

ثم يقول باول كاله: =ولم تذكر كتب القراءات بوجه عام شيئاً عن النشاط المبكر للقراء، فقد ضاعت أو أهملت تلك الكتب التي ذكرت شيئاً عن هذا النشاط فيما عدا خبراً عثرت عليه مؤخراً، ويمكن أن نرى من خلاله ذلك التطور+( ).

يقول د. رمضان عبدالتواب معلقاً على ذلك: =ويظن باول كاله أنه عثر على بغيته في اقتباس عن الفراء وَجَدَهُ في مجموعة مخطوطة بمكتبة (تشستربتي) chester Beatty رقم 705 وفيه: =قال الفراء: وقد رأينا أهل القراءة الذين يعرفون الكتاب والسنة من أهل الفصاحة اجتمعوا على أنه نزل بأفصح اللغات، فاعترض في ذلك أقوام ممن ينظر في الأشعار وأيام العرب، فقالوا: إنما فضل القرآن من فضله؛ لما أوجب الله من تعظيم القرآن، فإذا صرنا إلى الفصاحة وجدناها في أهل البوادي.

واختلفوا في ذلك؛ فقال أهل الكوفة: الفصاحة في أسد؛ لقربهم جوارهم منهم.

وقال أهل البصرة: الفصاحة في عَلْيا تميم وسُفلى قيس من عكل وعقيل.

وقال أهل المدينة: الفصاحة في غطفان؛ لأنهم جيرانهم.

وقال أهل مكة: الفصاحة في كنانة بن سعد بن بكر وثقيف.

فأحببنا أن نردهم بالآثار، والقياس، والاعتبار إلى تفضيل لغة قريش على سائر اللغات...

قال: وسمع عمر بن الخطاب رجلاً يقرأ: عتى حين، يريد: حتى حين، فقال: من أقرأك هذا؟ قال: عبدالله بن مسعود.

قال: فكتب إلى عبدالله: إن القرآن نزل بلغة قريش، ولم ينزل بلغة هذيل فأقرئه الناس بلغة قريش، ولاتقرئنهم بلغة هذيل.

وقال أبو بكر الصديق ÷: إن إعراب القرآن لأحب إلي من حفظ بعض حروفه.

وقال ابن مسعود: جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه؛ فإنه عربي، والله يحب أن يُعْرَب+.

وقد علق (كاله) على كلمة: (إعراب) في نص أبي بكر الصديق، بقوله: =الإعراب يعني الحركات في أواخر الكلمات العربية طبقاً لقواعد العربية الفصحى+.

وقد استنتج (كاله) من ذلك أن =الإلحاح على طلب قراءة القرآن بالإعراب لا يبدو معقولاً إلا إذا كان يقرأ في الواقع بدن إعراب، وأريد له أن يقرأ بالإعراب الذي عُدَّ في وقت متأخر من مظاهر القُحَّة اللغوية).

وهو مخطئ في استنتاجه ذلك؛ لأن الإعراب بمعناه الاصطلاحي لم يكن معروفاً في أيام أبي بكر وابن مسعود.

ومعنى كلمة (إعراب القرآن) في هذه الأحاديث _ إن لم تكن مزيفة _ هو الوضوح والبيان في قراءة القران الكريم+( ).

ثانياً: المستشرقون الذين يرون الإعراب:

إذا كان المستشرقون: كاله، وفوللرز، وكوهين يرون هذا الرأي الغريب في العربية الفصحى والإعراب _ فإن كثيراً من المستشرقين قد دافعوا عن أصالة الإعراب في العربية، وفندوا الأقاويل التي ترى خلاف ذلك.

ومن أبرز هؤلاء اثنان هما:

1_ المستشرق نولدكه: وهو من المستشرقين الذين درسوا اللغات السامية، وفيه جانب من الإنصاف، وله مقالة بعنوان: (ملاحظات على لغة العرب القدامى).

يقول د. رمضان عبدالتواب بعد أن ساق رأيي فوللرز، وكاله: =وإذا كان هذان المستشرقان: فوللرز و كاله يريان هذا الرأي الغريب في العربية الفصحى والإعراب _ فإن كثيراً من المستشرقين قد دافعوا عن أصالة الإعراب في العربية، مثل نولدكه الذي يرى في مقالة له بعنوان: (ملاحظات على لغة العرب القدامى): =أنه من غير المعقول أن يكون محمد " قد استخدم في القرآن لغة تخالف كل المخالفة تلك اللغة التي كانت شائعة في مكة آنذاك، وأن يكون قد اعتنى بالإعراب هذه العناية وقومه لا يستخدمون هذا الإعراب في كلامهم+.

كما يرى نولدكه: =أن شعر ذلك العصر كان يمثل لغة البدو التي كانوا يتحدثون بها في ذلك الوقت، والتي ظلوا يتحدثون بها زمناً طويلاً بعد ذلك.

ولا يغير من هذه القضية شيئاً أن لغة الشعر بها بعض الاختلاف عن لغة الحياة العامة، وأن الشاعر ما كان يضطره وزن الشعر وأسلوبه إلى الاتيان بتعبيرات خارجة عن المألوف، وغير ذلك من الأمور التي لاحظها كذلك قدامى اللغويين العرب، وسجلوها بدقة+.

ويستطرد نولدكه في مقاله هذا إلى أن =فنسشتاين كان يرى هو الآخر أن لغة الشعر مصنوعة تماماً فقد درس العربية الحديثة، وتأثر بها إلى درجة أنه أصبح يرى أن القواعد التي نطالب بها من يريد التحدث بالعربية الفصحى عديمة الجدوى.

ولم يذهب فوللرز إلى هذا الحد من التفكير بالنسبة للعربية، ولكنه كان يرى أن اللغويين العرب قد جمعوا عناصر الإعراب بمهارة فائقة وأكملوها+.

ويرى نولدكه كذلك أنه =من الخطأ الشنيع الاعتقاد بأن اللغة الحية في عهد النبي " لم يكن فيها إعراب؛ فإن العلماء في عصر هارون الرشيد قد وجدوا الإعراب بكل دقائقه لدى البدو.

ولكن ظاهرة الوقف الشائعة كثيراً في الحديث اليومي قد عودت الأذن على سماع الصيغة الخالية من الإعراب؛ فاستطاع أحد الشعراء استخدامها عند اتصال الكلام كذلك، وعلى الأخص في صيغة المضارع التي لا تتلاءم كثيراً من وزن الشعر+.

كما يرى نولدكه في الفصل الذي كتبه عن (لغة القرآن) في كتابه: (مقالات جديدة في علم اللغات السامية) أنه =لو كان النبي " أو أحد معاصريه من المؤمنين قد نطق بالقرآن دون إعراب لكان من غير الممكن أن تضيع الروايات الخاصة بذلك، دون أن يبقى لنا آثار منها+.

وأخيراً يرى نولدكه كذلك أن =لهجةً شديدة الانحراف عن عربية النحاة، لا يناسبها مطلقاً بحور الشعر المعروفة+( ).

2_ المستشرق يوهان فك: حيث قال في كتاب له اسمه (العربية) ونقله عنه د. رمضان عبدالتواب: =لقد احتفظت العربية الفصحى في ظاهرة التصرف الإعرابي بِسِمَةٍ من أقدم السمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية _ باستثناء البابلية القديمة _ قبل عصر نموها وازدهارها الأدبي.

وقد احتدم النزاع حول غاية بقاء هذا التصرف الإعرابي في لغة التخاطب الحي، فأشعار عرب البادية _ من قبل العهد الإسلامي ومن بعده _ ترينا علامات الإعراب مطردة كاملة السطان كما أن الحقيقة الثابتة من أن النحويين واللغويين الإسلاميين كانوا _ حتى القرن الرابع الهجري والعاشر الميلادي على الأقل _ يختلفون إلى عرب البادية؛ ليدرسوا لغتهم _ تدل على أن التصرف الإعرابي كان بالغاً أشده لذلك العهد، بل لا نزال حتى اليوم نجد في بعض البقايا الجامدة من لهجات العرب البداة ظواهر الإعراب+( ).

 المبحث الرابع: قصة الإعراب عند إبراهيم أنيس

لم تتعرض اللغة العربية لنقد أحد من أبنائها قديماً وحديثاً كما تعرضت من قِبَل الدكتور إبراهيم أنيس، وذلك ي كتابه (من أسرار اللغة) وبالذات في الفصل الذي عقده بعنوان: (قصة الإعراب)( ).

وقد كان متوجساً لما سيحدثه ذلك الفصل من ردود أفعال قوية، فأخذ يعتذر لنفسه في مقدمة الكتاب بقوله: =وقد يضيق بعض الناس في مصر بما جاء في هذا الكتاب، ويتنكرون له، ولا سيما الفصل الخاص بقصة الإعراب.

غير أني واثق كل الثقة أن تأكيدي لهم بأني لم أهدف إلا الدراسة العلمية البريئة من الأغراض والأهواء سيشفع لي عندهم فيما يمكن أن يظنوه خروجاً على المألوف المعهود في الدراسة العربية+( ).

وقد بدأ هذا الكتاب بعبارات توحي بأن اللغة مصنوعة، وبأن الإعراب حياكة وصنعة قامت على يد قوم من صناع الكلام حتى أصبح الإعراب حصناً منيعاً؛ فصار الأدباء، والشعراء يخافون من سطوة النحاة، وأصبح كل من يتكلم العربية يخافهم، ويراعي قواعدهم.

وكان يريد ممن ذلك كله أن يصل إلى أن الإعراب صنعة وليس سليقة، وأن الحركات الإعرابية ليست معروفة عند العرب، وإنما وضعت في أواخر القرن الأول، وأن الحركات الإعرابية ليس لها مدلول.

ولهذا سمي ذلك الفصل الذي عقده (قصة الإعراب) وكأنه أراد من هذا العنوان أن يوحي للقارئ أن الإعراب قصة منسوجة، انظر إليه في بداية الفصل وهو يقول:

=ما أروعها قصة، لقد استمدت خيوطها من ظواهر لغوية متناثرة بين قبائل الجزيرة العربية، ثم حيكت، تم نسجها حياكة محكمة في أواخر القرن الأول الهجري، أو أوائل الثاني على يد قوم من صناع الكلام نشأوا معظم حياتهم في البيئة العراقية، ثم لم يكد ينتهي القرن الثاني الهجري حتى أصبح الإعراب حصناً منيعاً، امتنع حتى على الكتاب والخطباء والشعراء من فصحاء العربية، وشق اقتحامه إلا على قوم سُمُّوا فيما بعد: النحاة+( ).

يقول د. رمضان عبدالتواب مبيناً ذلك: =أما الدكتور إبراهيم أنيس فقد بدأ بمقدمة طويلة بين فيها كيف كان للنحاة العرب سلطان على الشعراء والأدباء، وأنهم لم يصادفوا من يهاجمهم إلا في النادر من أمثال (ابن مضاء القرطبي) الذي كتب كتاباً تصدى فيه لدحض علل النحاة.

ثم يذكر الدكتور أنيس أن المحاولة الثانية كانت محاولة إبراهيم مصطفى في كتابه: (إحياء النحو) وأنها كانت محاولة تعليمية؛ لتيسير تلك القواعد الإعرابية على الناشئين.

ثم انتقل الدكتور أنيس بعد ذلك إلى البحث عن آثار هذا الإعراب في اللغات السامية الأخرى، غير أنه لم يتعرض للإعراب في الأكادية والحبشية والأوجاريتية، مع أن هذه اللغات الثلاث من أهم اللغات السامية في موضوع الإعراب، واستأثرت العبرية ببحثه في أقل من صفحة، وقال: إنها استأثرت ببحث المستشرقين كذلك، وعلل اعتقادهم في وجود الإعراب في اللغات السامية =بتأثرهم بما حدث في فروع الفصيلة الهندية الأوربية، فقد عرفوا أن الوضع الإعرابي الذي يسمى case ending كان شائعاً في لغاتهم القديمة كاليونانية واللاتينية، وأنه قد فقد من اللغات الأوربية الحديثة كالإنجليزية، والفرنسية، فتصوروا أن ما حدث في التطور التاريخي للفصيلة الهندية الأوربية قد تم مثله في الفصيلة السامية+.

وبعد أن استعرض الدكتور أنيس إعراب اللاتينية باختصار، قال: =ولعل أهم فرق بين رموز الأسماء في اللاتينية، وبين حركاتنا الإعرابية أن الرموز اللاتينية لا تسقط مطلقاً من نهاية الأسماء حين الوقف عليها كما يحدث غالباً للحركات الإعرابية في لغتنا مما يجعلنا نرجح أن حركاتنا الإعرابية ليست رموزاً لغوية تشير إلى الفاعلية والمفعولية، أو غير ذلك+.

وبعد أن درس ظاهرة الوقف في اللغة العربية ولهجاتها بشيء من التفصيل خرج علينا الدكتور أنيس بنظريته الجديدة في تفسير ظاهرة الإعراب في اللغة العربية+( ).

وفيما يلي تلخيص لنظرية إبراهيم أنيس( ):

1_ يرى أنه ليس للحركات الإعرابية مدلول ولا معنى، فلا تدل على فاعلية، أو مفعولية، أو إضافة، أو غير ذلك.

2_ يرى أن هذه الحركات إنما أُتي بها للتخلص من التقاء الساكنين، ولوصل الكلمات بعضها ببعض، وهذا هو نفس كلام قطرب.

ولكنه خاف أن يُسأل سؤال قطرب عن سبب التحريك، وتنوعه وعدم ثباته على حركة معينة، فزعم أن هناك عاملين تدخَّلا في تحديد حركة التخلص من التقاء الساكنين.

أحدهما: إيثار بعض الحروف لحركة معينة كإيثار حروف الحلق للفتحة مثلاً.

والآخر: هو الميل إلى تجانس الحركات المتجاورة، أو ما يسمى بـ: المناسبة الصوتية( ).

3_ يرى أن معنى الفاعلية والمفعولية لا يستفاد من هذه الحركات، وإنما من موقع كلٍّ من الفاعل والمفعول في الجملة العربية.

وحاول أن يثبت نظاماً معيناً للجملة العربية القديمة يلي فيها الفاعل الفعل، ويسبق المفعول.

يقول إبراهيم أنيس في قصة الإعراب تحت عنوان: (موقف الفاعل من المفعول في الجملة العربية):

=نكتفي هنا ببيان قصير عن موضع الفاعل من الجملة، وموضع المفعول منها؛ كي نبرهن على أن الفاعل لا يعرف بضم آخره، ولا المفعول بنصب آخره، بل يعرف كلٌّ منهما _ في غالب الأحيان _ بمكانه من الجملة التي حددته أساليب اللغة+( ).

ثم ضرب عدداً من الأمثلة؛ ليدلل بها على أن العلامات الإعرابية لا معنى لها.

ومن ذلك قوله: =ولا نكاد نعثر في القرآن الكريم على مفعول تقدم فاعله دون أن نعرف للآية وجهاً آخر من القراءات إلا في بضع آيات فيها الفاعل كلمة (الموت) مثل: [أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ]

[كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ]

[حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ]

[مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ]

فما السر في مثل هذا يا ترى؟ أيكون _ والله أعلم _ نفوراً من التعجيل بذكر كلمة كريهة على النفس البشرية؟ أو أنه كانت هناك قراءات لم تُرْوَ لنا، أو لم نعثر عليها قرئت فيها كلمة (الموت) منصوبة ويكون المعنى حينئذٍ مشاهدة الموت ومعاينة علاماته وأماراته؟+( ).

4_ يرى أن النحاة حين اعتقدوا أن للحركات مدلولاً حَرَّكوا أواخر الكلمات التي لا داعي إلى تحريكها؛ لتطرد قواعدهم الإعرابية؛ فقالوا _ مثلاً _: (الشجر مورق)، يقول: =فما السر _ إذن _ في إصرار النحاة على تحريك الراء في كلمة الشجر بتلك الحركة الإعرابية المشهورة؟

في الحق أنه لا ضرورة للحركة في مثل هذا الموقع، ولكن النحاة حين أرادوا اطراد قواعدهم الإعرابية توهموا أن هنا _ أيضاً _ حركة، والتمسوا لها وجهاً من وجوه الإعراب+( ).

5_ وعندما يأتي إلى الإعراب بالحروف فإنه يرجعه إلى اختلاف اللهجات؛ فيرى أن إحدى صوره تخص قبيلة معينة، والأخرى تخص قبائل أخرى.

فمثلاً بعض القبائل استخدمتها: مسلمون، والأخرى مسلمين، وبعضها تقول: أبو، والأخرى تقول: أبي، والثالثة تقول: أبا.

فجاء النحاة _ كما يزعم _ وجمعوا كل هذه الصور، وخصوا كل صورة منها بحالة إعرابية معينة، فهو يفترض مثلاً أن هناك قبائل عربية كانت تنطق المثنى بالياء في جميع الحالات، ثم تطورت الياء فصارت ألفاً عند بعض القبائل في جميع الحالات؛ فلم يفهم النحاة سرَّ الموضوع؛ فجمعوا بين الصورتين، وخصوا الأولى بحالتي النصب والجر، وخصوا الثانية بحالة الرفع.

ويذهب إلى مثل هذا في الأفعال الخمسة، والأسماء الخمسة.

وقد توصل إلى ذلك دونما بينة أو برهان، وإنما قاله اعتماداً منه على أن النحو مصنوع( ).

وبعد أن عَرَض لمسألة الإعراب بالحروف قال في نهاية الحديث:

=وهكذا نرى مما تقدم أن ما سماه النحاة إعراباً بالحروف لا يكاد يمتُّ لحقيقة اللغة بصلة، ولا يكاد يعدو _ كما رأينا في عرضنا السريع _ أنه كان لبعض الكلمات المعينة أكثر من صورة في اللهجات السابقة، ولكن أصحاب اللهجة الواحدة كانوا يلتزمون صورة واحدة لا ينحرفون عنها في كل الحالات والمواضع+.( )

6_ وعندما تحدث عن الإشارات التي تشير إلى وضع النحو وتروي فزع العلماء من سماع اللحن في بعض الكلمات، أو الآيات؛ ما جعل العلماء والخلفاء يسعون إلى وضع النحو.

عندما تحدث إبراهيم أنيس عن هذا الموضوع قرر أن الكتب التي تكلمت عن هذه البدايات، وعن تلك الأخبار بأنها مختلقة للطرفة، وإلا فلا أساس لها من الصحة، وإنما أتي بها لبيان أهمية النحو.

وهذا الأمر خطير جداً؛ لأنه يقتضي الطعن في بعض الأخبار الواردة عن الثقات، وببعض النحاة الذين منهم الأئمة والقراء كأبي عمرو بن العلاء وغيره _ رحمهم الله _.

هذه صورة مجملة لبعض القضايا التي أثارها الدكتور إبراهيم أنيس في ظاهرة الإعراب.

والذي يتأمل يلحظ أنها دعاوى عريضة تقوم على المجازفة، وتخلو من الدليل، وتصورها كافٍ في الرد عليها، وفساد معظمها يغني عن إفسادها.

ولهذا واجهت اعتراضاً كبيراً، ولم تلق قبولاً لدى أي باحث من الباحثين.

وممن انبرى للرد عليه الدكتور مهدي المخزومي( )، والدكتور محمد محمد حسين( ).

ومن أبرز الاعتراضات التي أثارها الدكتور المخزومي أن نظرية الدكتور أنيس لا تستطيع أن تفسر اختلاف اللهجات العربية في الوقف مثل لهجة أزد السراة الذين إذا وقفوا على المرفوع نطقوا بضمته وأطالوها فكأنما هي و، فيقولون في الجملتين: هل جاء خالد؟ وهل مررت بخالد؟: خالدو، وخالدي حين يريدون الوقف، فيقول الدكتور المخزومي: =فإذا لم تكن الحركات أعلاماً لمعان قصد إليها المتكلم، بل لم تعد أن تكون حركات يحتاج إليها في الكثير من الأحيان، توصل الكلمات بعضها مع بعض _ فكيف يفسر الوقف على خالد في لغة من ينتظر (وهي لغة أزد السراة)؟.

ولماذا كانت الدال مرفوعة ومنصوبة ومخفوضة في الجمل الثلاث؟ ولماذا لا تكسر؛ لتنسجم حركة الدال مع حركة اللام قبلها؟...

وعليه فإن القول بأن الحركات إنما هي سد للحاجة إلى وصل الكلمات بعضها ببعض، وأنها ليست أعلاماً للمعاني التي قصد إليها المتكلم قول لم يحالفه التوفيق+.

وكان كلام الدكتور المخزومي قصيراً في جملته كما أنه لم يشر إلى اللغات السامية الأخرى التي تعارض أصالة الإعراب فيها نظرية الدكتور أنيس تماماً.

هذا وقد رد العلماء على كل قضية من القضايا السابقة بالتفصيل سواء مما أورده المستشرقون، أو مما ادعاه إبراهيم أنيس.

ويقول الدكتور محمد محمد حسين × مبيناً عظم تلك الدعوى التي جاء بها إبراهيم أنيس: =وأبلغ ما يبدو التحامل على علماء النحو واللغة والبلاغة، بل على كتب التراث كلها _ في الفصلين الأخيرين: الثالث والرابع من كتاب إبراهيم أنيس (من أسرار اللغة) اللذين عقدهما تحت عنوان (قصة الإعراب ص198_274) و (الجملة العربية وأجزاؤها ونظامها ص275_352) وفيهما يشيع الشطط والمجازفة والتحامل الظالم الجهول، وكأنه يعرف نفور القارئ من ذلك كله، أو كأنه قصد إليه وتعمده على أسلوب طه حسين في كتاب (الشعر الجاهلي) الذي اختار الاستفزاز والإثارة طريقاً لبلوغ الشهرة، يدل على ذلك قوله في مقدمة هذا الكتاب: =وقد يضيق بعض الناس في مصر بما جاء في هذا الكتاب ويتنكرون له، ولا سيما الفصل الخاص بقصة الإعراب+.

وسيأتي بيان الرد على قضية إنكار الإعراب في الفقرة التالية _ إن شاء الله _.

 المبحث الخامس: بطلان القول بإنكار الإعراب( )

القول بإنكار الإعراب واضح البطلان، وقد مر أثناء إيراد حجج القائلين بذلك شيءٌ من أوجه بطلان ما ادعوه، وفيما يلي مزيد بيان لرد تلك الدعاوى الباطلة:

1_ وجود الإعراب كاملاً في بعض اللغات السامية: كالأكادية، وتشمل اللغتين البابلية والآشورية في عصورهما القديمة.

وقد أورد الدكتور رمضان عبدالتواب في كتابه (فصول في فقه اللغة) نماذج لذلك.

2_ أن جميع لغات العالم تستخلص القواعد من اللغة؛ فالقواعد لا توضع ولا تخترع.

يقول د. علي عبدالواحد وافي: =خلق القواعد خلقاً لا يتصورها العقل، ولم يحدث لها نظير في التاريخ، ولا يمكن أن يفكر فيها عاقل، أو يتصور نجاحها؛ فمن الواضح أن قواعد اللغة ليست من الأمور التي تخترع، أو تفرض على الناس، بل تنشأ من تلقاء نفسها، وتتكون بالتدريج+( ).

3_ أن دقة القواعد وتشعبها لا يدلان مطلقاً على أنها مخترعة اختراعاً؛ فاليونانية واللاتينية _ على سبيل المثال _ في العصور القديمة، والألمانية في العصر الحاضر _ تشتمل كل واحدة منها على قواعد لا تقل في دقتها وتشعبها عن قواعد العربية، ولم يؤثِّر هذا في انتقالها من جيل إلى جيل عن طريق التقليد، ولا في مراعاتها في الحديث، ولم يقل أحد: إنها من خلق علماء القواعد.

4_ أن اللغة لو كانت مصنوعة مفروضة على الناس لما قبلوها؛ إذ لا يتصور أن يكون للنحاة هذه السطوة على الناس حتى يلزموهم بهذه اللغة التي اخترعوها كما يزعم د. إبراهيم أنيس.

5_ أن الأمة لا يمكن أن تتواطئ على إخفاء شيء من الأخبار، ولو كان النحو مصنوعاً لوصلتنا الأخبار بذلك.

6_ أن القرآن الكريم الذي وصل إلينا متواتراً بالرواية الشفوية الموثوق بها جيلاً بعد جيل _ وصل معرباً.

ولا يمكن أن يدور في خلد أحد أن النبي " كان لا يحرك أواخر الكلمات في تلاوته لنص القرآن الكريم إلا إذا اقتضت ضرورة وصل الكلمات، أو بعبارة أخرى إذا أراد التخلص من التقاء الساكنين؛ فلا يتصور أبداً أن يُظن أن النبي " كان يتلو _ على سبيل المثال _ قوله _ تعالى _: [ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)](القلم) بتسكين أواخر الكلمات _ القلم _ بنعمة _ ربك _ وإنك _ خلق _.

 فذلك لم يحدث قطعاً، ولو حدث لوصل إلينا روايات من ذلك.

ثم إن اتفاق القُرَّاء، ونصُّهم على مواضع الاختلاف دليل على وجود الإعراب، ولو كان مصنوعاً لوصلنا براوية واحدة.

وهذا وحده كافٍ في نفي كون النحو مصنوعاً.

7_ أن الرسم القرآني الذي نقل إلينا متواتراً يؤيد وجود الإعراب في الفصحى، وأنه ليس من اختراع النحاة؛ فالتفرقة واضحة بين المنصوب بالياء، والمرفوع بالألف أو الواو، والمنوَّن كل ذلك يؤكد بأن ظاهرة الإعراب موجودة.

ولا ريب أن المصحف العثماني قد دُوِّن في عصر سابق بأمدٍ غيرِ قصير لعهد علماء البصرة والكوفة الذين ينسب إليهم اختراع قواعد الإعراب.

8_ تَنَبُّهُ العلماءِ في الصدر الأول لحركات الإعراب، وإدراكُهم لمدلولها، وعيبُهم من يحيد عنها ممن فسدت ألسنتهم بمخالطتهم للأعاجم؛ فذلك يدل دلالة صادقة على وجود الإعراب في الكلام، وشعورِ أولئك القوم به قبل أن يخرج النحاة بقواعدهم على الناس.

والأخبار الواردة عن أهل الصدر الأول في هذا الصدد كثيرة جداً، وإن كان بعضها لا يخلو من مسحة التكلف، والصنعة، لكنها _في الجملة_ تدل على ذلك _كما مر_.

ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:

أ_ =كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب _ رضي الله عنهما _: =من أبو موسى+ فكتب إليه عمر ÷: =سلام عليك أما بعد: فاضرب كاتبك سوطاً واحداً، وأخِّر عطاءه سنة+( ).

ب_ =ويروى عن أبي الأسود الدؤلي أنه سمع رجلاً يقرأ: [أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ] بكسر اللام من (رسوله).

فقال: لا أظنه يسعني إلا أن أصنع شيئاً أصلح به نحو هذا+( ).

ج_ ويروى أن ابنة أبي الأسود قالت لأبيها يوماً: يا أبت ما أحسنُ السماءِ.

قال: يا بنية! نجومها قالت: إني لم أرد أي شيء منها أحسن، وإنما تعجبت من حسنها.

قال: إذاً فقولي: ما أحسنَ السماءَ!+( )

د_ =وقال رجل للحسن البصري× يا أبو سعيد!

فقال: كَسْبُ الدوانيق شغلك عن أن تقول: يا أبا سعيد+( ).

هـ_ واستأذن رجل على إبراهيم النخعي فقال: أبا عمران في الدار؟ فلم يجبه، فقال: أبي عمران في الدار؟ فناداه، وقال: قل الثالثة وادخل( ).

فهذه الروايات، وأضعاف أضعافها مما لم يذكر تدلنا على وجود الإعراب كما يعرفه النحويون في العربية الفصحى.

كما تدلنا من جانب آخر على أنه لم يكن لغةً سليقةً لكل من تكلم العربية، بدليل وقوع اللحن من كلام هؤلاء ومعظمهم من الموالي.

9_ أن الشعر العربي بموازينه وبحوره لا يقبل نظرية د. إبراهيم أنيس بحال من الأحوال؛ فأوزان الشعر، وقواعده وجَرْسُه يقوم على ملاحظة نظام الإعراب، وبدون ذلك تختل أوزانه، ويضطرب جرسه.

=ومما لا شك أن هذه الأوزان سابقة لعلماء البصرة والكوفة، وأن شعراً عربياً كثيراً قد قيل على غرارها قبل الإسلام، ومن بعده قبل أن يخلق هؤلاء العلماء؛ فإنكار هذا الشعر لا سبيل إليه، ولا يمكن أن يكون قد أُلِّف غير معرب الكلمات؛ لأن عدم إعرابها يترتب عليه اضطراب أوزانه، واختلال موسيقاه+( ).

10_ النقوش العربية؛ فهي _على قلتها_ تدل على أن الإعراب كان موجوداً عند العرب؛ حيث يظهر فيها التزام الإعراب.

11_ قضية السماع من العرب؛ فهذا من أعظم ما يؤكد أن النحو ليس مصنوعاً.

فالعلماء في عهد هارون الرشيد كانوا يسمعون الكلام بكل دقائقه من الأعراب الذين كانوا يلقونهم.

ومن أعظم ما يمثل قضية السماع كتاب سيبويه × حيث يمثل صورة تقعيد النحو؛ فالقواعد عنده سماعيه؛ ولهذا نراه كثيراً ما يقول: سمعنا عن فلان، أو حدثنا فلان.

وإليك بعض الأمثلة مما جاء في كتابه ×:

أ_ قال: هذا كله سمع من العرب... 1/147.

ب_ وقال: وسمعنا من العرب من يقول:... 1/243.

ج_ وقال: ومن العرب من يقول: اليوم يومك. 1/419.

د_ وقال: وقد سمعنا من العرب من يشمّه الرفع... 3/95

هـ_ وقال: وسمعنا من العرب من يقول: إني أنا لُبَّتُها. 3/128.

و_ وقال: وسمعت رجلاً من العرب ينشد هذا البيت... 3/144.

ز_ وقال: وسألنا العرب فوجدناهم يوافقونه ويجعلونه... 3/290.

ح_ وقال: وسألنا العلويين والتميميين فرأيناهم يقولون... 3/291.

بل إن هناك من الأعراب في القرن الرابع من كان يتكلم العربية، وقد افتخر كثير من الأئمة بمشافهتهم كالأزهري وأبو زيد القرشي، وابن جني، وكانوا يعملون لهم بعض الامتحانات؛ ليتأكدوا من مدى فصاحتهم.

 بل إن ابن خلدون ذكر أنه وجد في زمانه من يتكلم العربية.

فعلماء هذا شأنهم؛ دقةً ، واحتياطاً، وإخلاصاً لا يعقل أن يتواطئوا جميعاً على هذا الإفك المبين.

ويحسن أن يختم هذا الحديث ببعض الأقوال التي ترد تلك الفرية العظيمة، قال د. علي عبدالواحد وافي ×: =وإذا أمكن أن نتصور أن علماء القواعد تواطؤا جميعاً على اختلاف الإعراب فإنه لا يمكن أن نتصور أنه تواطأ معهم عليه جميع العلماء من معاصريهم، فأجمعوا كلمتهم ألا يذكر أحد منهم شيئاً ما عن هذا الاختراع العجيب.

ولا يعقل أن يقبل معاصروهم هذه القواعد على أنها ممثلة لقواعد لغتهم، ويحتذوها في كتاباتهم اللهم إلا إذا كان علماء البصرة والكوفة قد سحروا عقول الناس واسترهبوهم، وأنسوهم معارفهم عن لغتهم وتاريخهم، فجعلوهم يعتقدون أن ما جاؤوا به من الإفك ممثل لفصيح هذه اللغة+( ).

وقال: =فنظام الإعراب عنصر أساسي من عناصر اللغة العربية، وليس من إلهام عبقري، ولا من اختراع عالم.

وإنما تكون في صورة تلقائية في أحقاب طويلة كما يتكون اللؤلؤ في جوف الأصداف، وكما تتكون الأحجار الكريمة من فلذات( ) الأرض الطيبة، وقد اشتملت عليه هذه اللغة منذ أقدم عهودها.

وكل ما عمله علماء القواعد حياله هو أنه استخلصوا مناهجه استخلاصاً من القرآن والحديث وكلام الفصحاء العرب، ورتبوها وصاغوها في صورة قواعد وقوانين+( ).

وقال د. محمد محمد حسين × في معرض حديث له عن دعاوى إبراهيم أنيس: =وإني لأتساءل: أيهما أدنى إلى الروح العلمية التي تضبط اللغة وتصونها، وتضمن الثبات والاستقرار؟

قواعد النحاة التي اجتمع عليها الناس، أم هذه الأوهام التي تحتكم إلى الانسجام، ونظام المقاطع، وطبيعة الصوت، وغيرها من الكلمات الغامضة الدلالة التي ليس لها مفهوم عام يلتقي عنده كل الناس؟

ثم إني أتساءل: ما الذي يهدف إليه المؤلف بدعاواه ومزاعمه؟

هل يريد إلغاء الإعراب جملة؟ وإذا تم له ذلك فهل نسمي ذلك تجديداً أم هدماً؟ وهل نقرأ القرآن بعد ذلك بحركات الإعراب أم بدونها؟+( ).

وقال ×: =ويعرف كل من ألمَّ باليونانية واللاتينية وبعض اللغات الأوربية الحديثة كالألمانية أن هذه الحالات التي تعتري الكلمات، وتقتضي زيادة بعض الأحرف في نهاياتها تبلغ ست حالات في حالة الإفراد وستاً مثلها في حالة الجمع، وأنها أكثر تعقيداً فيها منها في العربية؛ لأن هذه الحالات يُعبَّر عنها بحرفين أو ثلاثة، وهي في العربية حركة واحدة؛ ولأن هذه الزيادات غير موحدة، فالكلمات في هذه اللغات تتشعب إلى مجموعات أو أُسر متعددة _declensions _

وكذلك الفعل في الفرنسية المعاصرة، ولكل أسرة منها علامات للإعراب تختلف عنها في الأسر الأخرى، وإذا جاز ذلك وصحَّ عند دعاة التغريب في لغات هذه الأمم، فلماذا يستنكرونه ويستبعدونه في العربية؟ لماذا يُسلِّمون بوجود هذه الظاهرة التي تربط المعنى بالشكل الذي تتخذه نهايات الكلمات في هذه اللغات، ولا ينسبونها إلى الانسجام، وطبيعة الصوت، ونظام المقاطع، ويرفضون نظيرها في اللغة العربية؟

ولماذا كان نحاة العرب دون غيرهم هم المهتمين بالتحريف، والاختلاق، والتزوير، والطغيان؟+( ).

وقال: =ومن الطبيعي في كل اللغات أن يكون وضع قواعد اللغة ومعاجمها هو المرحلة الأخيرة في نضجها التي تثبت معها أساليبها في بناء الكلمات والتعبير عن المعاني، ولا يُسمح بعدها بمخالفتها، أو الانحراف عنها، ولا يجري التطور إلا في حدودها.

وقواعد اللغة أو ما يسميه العرب نحواً وصرفاً قد استُنبطت من واقعها ومن طريقتها التي هديت إليها في التعبير على مقتضى سنن الله في اختلاف الألوان والألسنة [وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ] الروم: 30.

فإذا استُنبطت هذه القواعد من واقعها، وبُوبت أصبح لها قوة القانون في المجتمع، لا يسمح لأحدٍ بالخروج عليه مع أنه هو نفسه من صنع المجتمع.

وما ترويه كتب النحو من الشعر المخالف لهذه القواعد في عصور الاستشهاد مما تسميه شاذاً ليس إلا صورة لفقدان الانضباط الكامل في اللغة الذي كان يسمح لبعض الناس بالخروج على العرْف الغالب المألوف إن سها، أو دعته لذلك ضرورة أو غلَبَتْ عليه لهجته المحلية التي تخطَّتها لغة الأدب التي اجتمع عليها العرب قبيل الإسلام.

وهذا الذي يسمونه قبل وضع النحو شاذاً، هو نفسه ما يصفونه بعد وضع النحو بأنه خطأ+( ).

الفصل الثاني: الدعوة إلى العامية،

 وتيسير النحو، والخط العربي

وتحته مباحث:

المبحث الأول: مقدمات حول هذه الدعاوى

المبحث الثاني: الدعوة إلى العامية.

المبحث الثالث: الدعوة إلى تيسير النحو.

المبحث الرابع: الدعوة إلى تيسير الخط العربي.

المبحث الخامس: الرد على دعاوى العامية، وتيسير النحو، والخط العربي.

 الفصل الثاني الدعوة إلى العامية، وتيسير النحو، والخط العربي

 المبحث الأول: مقدمات حـول هذه الدعاوى

هذه الدعاوى داخلة تحت المشكلات التي تواجه العربية، وتسعى إلى إضعاف سلطانها في نفوس أهلها.

وذلك كله سلسلة من المكر الكُبَّار، والكيد الذي يراد بأمة الإسلام، وإن كان بعض من يدعو إلى تلك الدعاوى ذا نية طيبة.

وسيكون الحديث فيما يلي حول بعض المقدمات ثم يتم الحديث عن كل واحدة من هذه الدعاوى الثلاث على حدة:

أولاً: ارتباط اللغة بالدين والأمة: لا يشك عاقل في مدى التلازم الوثيق، والارتباط المحكم بين اللغة والدين والأمة.

وهذا ما أدركه العلماء في القديم والحديث؛ حيث ربطوا ربطاً محكماً بين اللغة العربية والإسلام؛ ذلك أن أهم ما تعتد به الأمم من تراثٍ لُغَتُها ودينها؛ فبهاتين الوسيلتين تحقق ذاتها، تتميز شخصيتها؛ فكل قضية تثار ضد العربية فهي في _الحقيقة_ضد الإسلام.

ولقد نص على هذه الحقائق غير واحد من علماء اللغة والشريعة.

قال الثعالبي × في مقدمة كتابه (فقه اللغة وسر العربية): =فإن من أحب الله أحب رسوله المصطفى " ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب.

ومن أحب العربية عُني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها.

ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإسلام للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه _ اعتقد أن محمداً " خير الرسل، والإسلامَ خيرُ الملل، والعربَ خير الأمم، والعربيةَ خير اللغات والأْلسِنة، والإقبال على تفهمها من الديانة؛ إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقُّه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة، وسائر أنواع المناقب كالينبوع للماء، والزند( ) للنار.

ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحر في جلائلها ودقائقها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة الذي هو عمدة الإيمان _ لكفى بهما فضلاً يحسن أثره، ويطيب في الدارين ثمره؛ فكيف وأيسرُ ما خصها الله _ عز وجل _ من ضروب المَمَادحِ ما يُكِلُّ أقلامَ الكتبة، ويتعب أنامل الحَسَبة+( ).

بل إن العلماء نصوا على أن تعلمها من الدين، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الشاطبي _رحمهما الله _.

قال بن تيمية ×: =إن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب+( ).

وقال: =ومعلوم أن تعلم العربية وتعليم العربية فرض على الكفاية، وكان السلف يؤدبون أولادهم عن اللحن؛ فنحن مأمورون أمر إيجاب، أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي، ونصلح الألسنة المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة والاقتداء بالعرب في خطابها+( ).

وقال الشاطبي ×: =الاجتهاد إن تَعلَّق بالاستنباط من المنصوص فلا بد من اشتراط العلم بالعربية+( ).

وقد أدرك ذلك المسلمون الأوائل لا من العرب فحسب، بل من غير العرب، حيث أقبلوا على العربية، وأحبوها، وتفقهوا فيها، ونافحوا عنها، بل صاروا من أكابر أئمتها كالكسائي، وسيبويه، وابن فارس، وابن جني _ رحمهم الله _.

بل لقد بلغ الأمر بابن فارس×أن يعقد باباً في كتابه (الصاحبي) تحت عنوان (باب القول على أن لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها)( ).

ولم تمنعه عروقُه الفارسيةُ، ولا كونه يعيش في بيئة بعيدة عن منبع العروبة أن يقول ما قال مما يبلغ الذروة في تمجيد العربية.

وإنما جاءته هذه العصبية من جهة إسلامه، واقتناعه بأن القرآن كتاب الله المعجز الخالد.

وهذا شيء يعتقده المسلم لا ينازعه فيه شك، وهو أن الذين صانوا العربية ووضعوا لها القواعد التي حفظتها طوال هذه القرون، وأقامت ألسنة الناطقين بها على سننها _ كانوا يعملون بهداية من الله ورعاية وتوفيق؛ لأنهم كانوا الأسباب إلى تحقيق وعده الصادق النافذ في قوله _ عز وجل _ [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)] الحجر.

وهل يكون حفظه إلا بحفظ لغته؟

هذا أمر لا صلة له بمناهج البحث، ومنطق الفكر؛ لأنه ينزل من المسلم منزلة العقيدة المُسَلَّمة التي لا تحتاج إلى برهان، ولا ينازعه فيه شك مهما رأى غير المسلمين فيه، ومهما خطر على باله من وساوس وهواجس تدعو إلى اطراحه، أو التهوين من شأنه.

والدليل على أن هذه القواعد قد صانت اللغة العربية من التبديل والتحريف فأصبحت بذلك ظاهرة فذة لا يشبهها شيء من لغات العالم _ أننا نقرأ القرآن كأنه أنزل فينا اليوم، ونقرأ أبا تمام والبحتري والمتنبي وكأننا نقرأ البارودي أو شوقياً( ).

هذا وسيتضح مزيد بيان لهذه الحقائق في الفقرات التالية.

ثانياً: إدراك الأعداء لأهمية اللغة: لقد أدرك أعداء الإسلام والعربية أهمية اللغة وخطرها على مطامع الاستعمار، وخطرها في وَحْدَة الأمة، وتماسكها، وارتباط حاضرها بماضيها.

ومن هنا كان سعيهم الحثيث لتفتيت وحدة الأمة، وتجزئتها، وجعلها دويلات متناحرة؛ لأجل أن تستمر التبعية لهم؛ فشرعوا جاهدين إلى هذا المقصد، وأخذوا بكل وسيلة ممكنة لتحقيق هذه المطالب؛ فكان من أعظم ما توصلوا إليه، وقاموا به أن ضربوا الأمة في لغتها، واتخذوا لذلك أساليب شتى، وجندوا مطاياهم من المستغربين لذلك؛ فصارت الطعنات المتتالية في العربية داعية إلى إقصائها أو إضعافها، والنيل منها _ كما سيأتي بيان ذلك _( ).

ثالثاً: غاية هذه الدعوات: من خلال ما مضى وما سيأتي يتبين لنا أن هذه الدعوات تستهدف غايتين( ):

1_ تفريق المسلمين عامة، والعرب خاصة: وذلك بتفريقهم في الدين، وتفريقهم في اللغة والثقافة، وقطع الطريق على توسع اللغة العربية المحتمل بين مسلمي العالم؛ حتى لا تتم وحدتهم الكاملة.

2_ قطع ما بين المسلمين وبين قديمهم: والحكم على كتابهم (القرآن) وكل تراثهم بالموت؛ لأن هذا القديم المشترك هو الذي يربطهم، ويضم بعضهم إلى بعض.

رابعاً: نبذة تاريخية عن تلك الدعوات، وبيان أشهر دعاتها( ): بدأت تلك الدعوات في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وذلك عن طريق بعض المجلات، وبعض المنصرين، والمستشرقين، وكانت بدايتها في مصر؛ نظراً لمكانتها العلمية والثقافية.

وتحمل تلك الدعوات في طياتها عبراً، وعظاتٍ عجيبةً في دأب أولئك، ومثابرتهم في سبيل النيل من العربية.

وفيما يلي استعراض تاريخي مجمل لتلك الأعمال يتبين من خلاله ما قاموا به من عمل، ويتبين _كذلك_ أشهر الذين تبنوا تلك الدعوات الهدامة سواء من الأشخاص أو المجلات.

 1_ ظهرت الدعوة إلى العامية سنة 1880م على يد الألماني (ولهلم سبيتا) الذي كان متخصصاً باللغات الشرقية، وكان مديراً لدار الكتب المصرية، وكان من أشد الناس حملاً على العربية، وقد قضى جزءاً كبيراً من حياته في مصر لهذا الغرض، وكان أكثر دقة ممن سبقوه في هذا المجال.

ومن الأشياء التي كان يعملها: جمع القصص والطرف بالعامية، وتأليفها وبيعها على الناس بمبلغ زهيد؛ لكي تتفشى العامية.

كما ألف كتاباً بعنوان (قواعد العربية العامية في مصر) فَقَعَّد فيه اللهجة المصرية بقواعد من عنده( ).

2_ وتواصلت هذه الدعوة في أواخر سنة 1881م: وذلك حين اقترحت مجلة (المقتطف) كتابة العلوم باللغة التي يتكلمها الناس في حياتهم العامة، ودُعي رجال الفكر إلى بحث هذا الاقتراح ومناقشته.

3_ هاجت هذه المسألة مرة أخرى في أوائل سنة 1902م: وذلك حين ألف القاضي الإنجليزي (سلمون ولمور) أحد قضاة محكمة الاستئناف الأهلية في مصر من الإنجليز _ كتاباً سماه (العربية المحكية في مصر).

وقد وضع للغة القاهرة قواعد، واقترح بأن تكون لغةً للعلم والأدب، ونادى بأن تدرس العربية في قسم الآثار من الجامعات كما تُدرس اللغات المندرسة كالآكادية.

كما اقترح أن تكون الكتابة بالحروف اللاتينية.

 وقد تنبه الناس للكتاب حين أشاد به (المقتطف) في باب (التقريض والانتقاد) فحملت عليه الصحف مشيرة إلى موضع الخطر من هذه الدعوة التي لا تقصد إلا محاربة الإسلام في لغته.

وفي ذلك الوقت كتب حافظ إبراهيم قصيدته المشهورة التي يقول فيها متحدثاً بلسان اللغة العربية تحت عنوان: (اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها):

رجعتُ لنفسي فاتهمتُ حصاتِي

                   وناديتُ قومي فاحتسبتُ حياتي

رمونيْ بعقم في الشباب وليتني

                   عَقِمت فلم أجزع لقولِ عُِداتي

ولَدْتُ ولم لم أجد لعرائسي

                   رجالاً وأكفاءً وأَدْتُ بناتي

وسِعتُ كتابَ الله لفظاً وغايةً

                   وما ضقتُ عن آي به وعظاتِ

فكيف أضيق اليومَ عنْ وصف آلةٍ

                   وتنسيق أسماءٍ لمخترعاتِ

أنا البحرُ في أحشائه الدُّرُّ كامنٌ

                   فهل سألوا الغواص عن صدَفَاتي

فيا ويحكم أَبْلَى وتبلى محاسني

                   ومنكم _ وإن عزَّ الدواءُ _ أساتي

فلا تَكِلوني للزمانِ فإنني

                   أخافُ عليكم أن تحين وفاتي

أرى لرجال الغرب عزاً ومَنْعةً

                   وكم عز أقوامٌٌ بعز لغاتِ

أتوا أهْلَهُم بالمعجزاتِ تفنناً

                   فيا ليتكم تأتونَ بالكلماتِ

أيطرِبُكُمْ من جانب الغرب ناعبٌ

                   يُنادي بوأدي في ربيع حياتي

ولو تزجرون الطير يوم علمتمُ

                   بما تحته مِنْ عَثْرَةٍ وشتاتِ

سقى الله في بطن الجزيرة أعظماً

                   يعزُّ عليها أنْ تلين قَناتي

حَفظن ودادي في البلى وحفظته

                   لهن بقلب دائم الحسراتِ

وفاخرتُ أهل الغربِ والشرقُ مُطرقٌ

                   حياءاً بتلك الأعظم النَّخِراتِ

أرى كل يومٍ بالجرائد مَزْلقاً

                   مِنَ القبر يدنيني بغيرِ أناةِ

وأسمع للكتابِ في مصر ضجةً

                   فأعلمُ أن الصائحين نُعاتي

أيهجُرُني قومي _ عفا الله عنهم _

                   إلى لغةٍ لم تتصلْ بِرواةِ

سَرَتْ لُوثةُ الإفرنج فيها كما سرى

                   لُعابُ الأفاعي في مسيل فراتِ

فجاءتْ كثوبٍ ضمَّ سبعين رُقعةً

                   مُشَكَّلةَ الألوان مختلفاتِ

إلى معشر الكتابِ والجمعُ حافلٌ

                   بَسَطْتُ رجائي بعدَ بسطِ شَكاتي

فإما حياةٌ تبعث الميْتَ في البلى

                   وتُنبِتُ في تلك الرُّموسِ رُفاتي

وإما مماتٌ لا قيامةَ بعدهُ

                   مماتٌ لعمري لم يُقسْ بمماتِ

4_ وثارت المسألة من جديد على يد الإنجليزي (وليم ولكوكس): وكان مهندساً للري في مصر، حيث دعا عام 1926م إلى هجر اللغة العربية، وخطا بهذا الاقتراح خطوة عملية، فترجم أجزاءً من الإنجيل إلى ما سماه (اللغة المصرية).

ويعد هذا الرجل من ألد أولئك، وأكثرهم جلداً، حيث جاء إلى مصر عام 1882م ومكث فيها حتى عام 1932م.

وليس له أي هدف إلا محاربة العربية عبر الندوات، والصحف.

وكان يشيع أن التخلف في مصر سببه العربية الفصحى، وأن الحل في تركها معللاً بأن سبب تطور الإنجليز هو تخليهم عن اللاتينية إلى الإنجليزية.

ولقد نوه سلامة موسى بـ: ولكوكس، وأيده، فثارت لذلك ثائرة الناس من جديد، وعادوا لمهاجمة الفكرة، والتنديد بما يَكْمُن وراءها من الدوافع السياسية.

=ولكن الدعوة استطاعت أن تجتذب نفراً من دعاة الجديد في هذه المرة، فاتخذوا القومية والشعبية ستاراً لدعوتهم حين كان لمثل هذه الكلمات رواج، وكان لها بريق يعشي الأبصار، وحين كان الناس مفتونين بكل ما يحمل هذا العنوان في أعقاب ثورة شعبية تمخضت عن (الفرعونية) وحين كانوا يتحدثون بما صنع الكماليون من استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وترجمة القرآن للغة التركية، وإلزام الناس بالتعبد به، وتحريم تدريس العربية في غير معاهد دينية محدودة وضعت تحت الرقابة الشديدة، وقد مضوا من بعدُ في مطاردة الكلمات العربية الأصل ينفونها من اللغة التركية كلمة بعد كلمة+( ).

5_ ولم يكن الوضع في بلاد الشام أو المغرب العربي بأحسن حالاً من مصر حيال هذه القضية، بل كان أسوأ مما في مصر؛ حيث وُجِدَتْ محاولات جادة لطمس العربية ونبذها، ووصمها بالتخلف.

ومما يصور لك الحال التي وصلت إليها تونس _ على سبيل المثال _ تلك القصيدة التي جادت بها قريحة الشيخ العلامة محمد الخضر حسين التونسي عام 1326هـ وعنون لها بـ (حياة اللغة العربية)، وجعلها في أسلوب رواية خيالية، فقال( ):

بصري يسبحُ في وادي النظرْ

                   يتقصى أثراً بعد أثرْ

وسبيل الرشد ممهود لمن

                   يتجافى الغُمضَ ما اسطاع السهرْ

إنما الكون سِجِلٌّ رُسمتْ

                   فيه للأفكار آيٌ وعِبَرْ

وإذا أرخى الدجى أستاره

                   هبَّ سمعي كاشفاً عما استترْ

لست أنسى جُنح ليل خَفقت

                   فيه بالأحشاء أنفاسُ الضَّجرْ

لجَّ بيْ التسهيدُ حتى أوشكت

                   غرَّةُ الإصباح أن تغشى السحرْ

قمت أسعى لتقاضيْ سَلْوةٍ

                   ومطايا السعي مرقاةُ الوَطَرْ

قمتُ أخطو فجرى حادي الصَّبا

                   بحسيسٍ من أحاديثِ السمرْ

وانثنى بي نحو نادٍ نشبوا

                   في لِحاءٍ ولجاجٍ منتشِرْ

لا تعي من بينهم إلا وغى

                   في مزيج مثل ضغثٍ معتكرْ

وإذا الخصمان لم يهتديا

                   سنَّةَ البحث عن الحق غَبَرْ

هذه طائفة تحدو بما

                   في لسان العُرْبِ من فضلٍ ظهرْ

وَجَفَتْهُ فئةٌ فاهتضموا

                   شأنَه والجهلُ مدعاةُ الهذرْ

وتراضوا بعد ذا أن نصبوا

                   حكماً بينهمُ فيما شَجَرْ

فانبرى فيهم خطيباً بصدى

                   لهجةٍ فصحى وجأشٍ مستقرْ( )

لغةٌ أُودِعَ في أصدافها

                   من قوانين الهدى أبهى دررْ

لغةٌ نَهْصِرُ من أغصانها

                   زهرَ آداب وأخلاقٍ غررْ

ضاق طوقُ الحصر عن بسطتِها

                   ولآلي البحر ليست تنحصرْ

فاض من نهر مبانيها على

                   فصحاءِ العرب سيل منهمرْ

فَسَرَتْ روحُ بيانٍ في اللَّهى

                   كخصيبِ الأرض يحييه المطرْ

وابنها المنطيقُ إنْ زُجَّ به

                   في مجال القول جلَّى وبهرْ

يسبك المعنى متى شاء على

                   صيغٍ شأنَ الغني المقتدرْ

ثم لا يُعْوِزُه السيرُ على

                   وضعها في كل معنىً مُبْتَكَرْ

فاسأل التاريخَ ينْبِئك بما

                   أنجبتْ أرضُ قريشٍ ومضرْ

من خطيبٍ مِصْقَعٍ أو شاعرٍ

                   مُفْلِقٍ يسحبُ أذيالَ الفخرْ( )

ضربتْ في كلِّ شربٍ ينتحي

                   من فنون الحسن بالسَّهم الأغرْ

أُرْشِفَت من شنب الرقة ما

                   يذهل الأسماع عن نغم الوترْ

ولطيف اللفظ يسري في الحشا

                   ما سرت نظرة ظبي ذي حورْ

وتذيب القلب رُعباً بجزا

                   لةِ أسلوبٍ لديها محتكرْ

والكلام الجزلُ وضعاً واقعٌ

                   موقع السيف إذا السيف خَطَرْ

ضلَّ قوم سلكوا في حفظها

                   سبباً أوهن من حبل القمرْ

ألقمت في نطق قومي أحرفاً

                   من لغىً أخرى فأضناها الخَدَرْ

بَعْضُ من لم يفقهوا أسرارها

                   قذفوها بمواتٍ مستمرْ

نفروا عنها لِواذاً وإذا

                   جفَّ طبعُ المرءِ لم تغن النُّذُرْ

ما زكا تفاحُ لبنانَ على

                   حَسَكِ السعدان في ذوق مذرْ( )

هكذا في نظر الأعشى استوى

                   زهر روض وهشيم المحتظرْ( )

لغةٌ قد عقد الدينُ لها

                   ذِمَّةً يكلؤها كل البشرْ( )

أو لم ينسج على منوالها

                   كلمُ التنزيلِ في أرقى سورْ

يا لقومي لوفاءٍ إن مَنْ

                   نكث العهد أتى إحدى الكبرْ

فأقيموا الوجه في إحيائها

                   وتلافوا عقد ما كان انتشرْ

6_ دخول هذه الدعوة إلى مجمع اللغة العربية: يقول د. محمد محمد حسين× بعد أن استعرض تاريخ تلك الدعوة: =ولم يكن ذلك هو كل ما كسبته الدعوة الجديدة التي روجها الإنجليز وعملاؤهم كما رأينا.

ولكن أعجب ما ظهر من ذلك في هذه الفترة وأغربه مما لا يخطر على البال هو أن الدعوة قد استطاعت أن تتسلل متلصصة إلى الحصن الذي قام لحماية اللغة العربية الفصيحة، والمسمى (بمجمع اللغة العربية).

فظهرت في مجلته الناطقة باسمه سلسلة من المقالات عن (اللهجة العربية العامية) كتبها عضو من أعضاء هذا المجمع اسمه عيسى إسكندر المعلوف.

وإن مما يدعو إلى العجب حقاً أن يختار المجمعُ لعضويته رجلاً معروفاً بعدائه الصريح للعربية، وهو عداء عريق ورثه عن أبيه الذي أعلنه وجهر به حين سجله في مقال له نشرته (الهلال) سنة 1902م دافع فيه عن اللهجات السوقية، وقال: إنه يشتغل بضبط أحوالها وتقييد شواردها؛ لاستخدامها في كتابة العلوم.

وقد أكد هذا المقال أن اختلاف لغة الحديث عن لغة الكتابة هو من أسباب تخلفنا الثقافي.

وزعم أنه من الممكن اتخاذ أي لهجة عامية لغةً للكتابة كالمصرية أو الشامية، وأنها ستكون أسهل على سائر المتكلمين بالعربية _على اختلاف لهجاتهم_ من العربية الفصحى.

كما أنه زعم أن تعلق المسلمين باللغة الفصيحة لا مبرر له؛ لأن هناك مسلمين كثيرين لا يتحدثون بالعربية ولا يكتبون بها، ولأن اللغة التي يتكلمها المسلمون هي غير العربية الفصيحة على كل حال( )، وقال عن كل ما يطالب به هو وضع قواعد هذه اللغة التي يتكلمون بها فعلاً وواقعاً وختم المقال بقوله:

=وما أحرى أهل بلادنا أن ينشطوا من عِقالهم طالبين التحرر من رقِّ لغة صعبة المراس قد استنزفت أوقاتهم وقوى عقولهم الثمنية وهي مع ذلك لا توليهم نفعاً، بل أصبحت ثقلاً يؤخرهم عن الجري في مضمار التمدن، وحاجزاً يصدهم عن النجاح...

ولي أمل بأن أرى الجرائد العربية وقد غيرت لغتها، وبالأخص جريدة الهلال الغراء التي هي في مقدمتها.

وهذا أعده أعظم خطوة نحو النجاح، وهو غاية أملي ومنتهى رجائي+.

هل تعرف عداءًا للعربية التي لم يُنشأ هذا المجمع إلا لحمايتها أعرقَ من هذا العداء الصريح في الولد وأبيه على السواء؟ فلأي شيء اختير هذا العضو وأمثاله من المعروفين بالكيد للعربية وللعرب؟.

وليس هذا هو كل ما يدعو للعجب من أمر هذا المجمع، فقد تقدم عضو من أبرز أعضائه وهو عبدالعزيز فهمي _ثالث الثلاثة الذين بني عليهم الوفد المصري_ في سنة 1943 باقتراح كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وشُغِل المجمع ببحث اقتراحه عدة جلسات امتدت خلال ثلاث سنوات، ونُشر في الصحف، وأُرسل إلى الهيئات العلمية المختلفة، وخصصت الحكومة جائزة مقدارها ألف جنيه لأحسن اقتراح في تيسير الكتابة العربية.

أليس يدعو ذلك إلى أن نتساءل: هل أنشئ هذا المجمع لينظم جهود حُماة العربية، أو أنشئ ليُكْسِب الهدمَ والهدامين صفةً شرعية، وليضع على بيت حفار القبور لوحة نحاسية كُتب عليها بخط عريض (طبيب)، وعلى وكر القاتل السفاح اسم (جَراح)؟!

أليس يَرضى الاستعمار عن مثل اقتراح المعلوف واقتراح عبدالعزيز فهمي؟ أليس يرضى عنه العضو الإنجليزي الموقر هـ.أ.ر.جب الذي يقرر في كتابه (إلى أين يتجه الإسلام) عند كلامه عن الوحدة الإسلامية أن من أهم مظاهرها الحروف العربية التي تستعمل في سائر العالم الإسلامي، واللغة العربية التي هي لغته الثقافية الوحيدة، والاشتراك في كثير من الكلمات والاصطلاحية العربية الأصل؟ أليس يرضى الاستعمار الفرنسي الذي حارب العربية الفصيحة في شمال إفريقيا أعنف الحرب، وضيق عليها أشد التضييق، ووضع مستشرقوه مختلف الكتب في دراسة اللهجات البربرية وقواعدها لإحلالها محل العربية الفصيحة؟

أليس يرضى عنه المستشرق الألماني كامفماير الذي يقرر في شماتة أن تركيا لم تعد بلداً إسلامياً، فالدين لا يُدَرَّس في مدارسها، وليس مسموحاً بتدريس اللغتين العربية والفارسية في المدارس، ثم يقول:: =إن قراءة القرآن العربي وكتب الشريعة الإسلامية قد أصبحت الآن مستحيلة بعد استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية+( ).

 المبحث الثاني: الدعوة إلى العامية

أولاً: مقدمة لهذه الدعوة:

هذه الدعوة أثارها _ كما مر _ الألماني سبيتا سنة 1880م، ثم المقتطف سنة 1881م، ثم القاضي الإنجليزي ولمور سنة 1902م، ثم المهندس الإنجليزي وليم ولكوكس سنة 1926م.

وأثارها غيرهم كأحمد لطفي السيد الذي كتب عام 1913 سبع مقالات في موضوع تمصير اللغة العربية، ونشرها في صحيفة الجريدة، وذهب فيها إلى أن الطريقة الوحيدة لإحياء اللغة العربية هي إحياء لغة الرأي العام من ناحية، وإرضاء لغة القرآن من ناحية أخرى، وذلك باستعمال العامية في الكتابة.

وكالأب مارون غصن الذي أصدر كتاباً سماه (درس ومطالعة) تنبأ فيه بموت العربية الفصحى، داعياً إلى الكتابة بالعامية السورية.

وكأنيس فريحة في كتابه (نحو عربية ميسرة) دعا فيه إلى أن يصبح لنا لغة واحدة هي لغة الحياة، معتبراً أن الفصحى لغة أجيال مضى عهدها، وهي بالتالي عاجزة عن أن تعبر عن الحياة، بخلاف العامية؛ فهي _ كما يزعم _ لغة حية متطورة نامية تتميز بصفات تجعل منها أداة طيِّعة للفهم والإفهام( ).

كما أثارها بعض الكتاب، وبعض الصحف والمجلات من خلال ذلك، ومن بعد ذلك.

=ولا يزال يثور حتى الآن بين حين وحين، فيهيج بعد سكون، ثم يعود إلى الكمون، كما تتحصن الجراثيم داخل أغلفتها وأكياسها التي تحيط نفسها بها حين تأنس من قوى الجسم الدفاعية صلابة وعناداً، منتظرة سنوح الفرصة لهجوم جديد في نوبة تعب أو إجهاد أو اضطراب+( ).

ثانياً: أساليب الدعوة إلى العامية( ):

الذي يستعرض ما كتبه الكتاب في ذلك يشعر أن هناك هدفاً واحداً يسعى إليه أصحابه من كل وجه وبكل وسيلة، ألا وهو: محاربة الفصحى، والتخلص منها.

أما الأساليب فمتنوعة، وتأتي على أنحاء شتى فمن ذلك:

1_ تارة يدعون إلى العامية دعوة صريحة.

2_ وتارة يدعون إلى التوسط بين الفصحى والعامية.

3_ وتارة يدعون إلى فتح باب التطور في اللغة، والاعتراف بحق الكتاب في تغييرها كيفما كان التغيير.

4_ وتارة يدعون إلى مسخ اللغة في بنيتها، وقواعدها، وتبويبها، ومصطلحها باسم التهذيب والتطوير والتيسير _ كما سيأتي _.

5_ وتارة يكتفون بالدعوة إلى دراسة اللهجات والعناية بآثارها، وحصر مفرداتها وأساليبها، ووضع القواعد لها.

فإذا سئلوا عن هدفهم من هذه الدراسات قالوا: الأوربيون يفعلون ذلك.

فإذا قيل لهم: ما النفع الذي يُرتجى من وراء هذه الدراسة؟

قالوا: إنها دراسة العلم للعلم، إنها لذة المعرفة المجردة من كل غرض.

هذا ما يقولونه، وهذا ما يروج على بعض الناس.

ثالثاً: حجج الداعين إلى العامية: يقول د. محمد محمد حسين ×: =حجج أعداء اللغة العربية في كل حال لا تتجاوز الكلام عن صعوبة تعلم اللغة العربية من ناحية، والقول بعجزها عن تأدية أغراضها الأدبية من ناحية أخرى.

وربما أضيف إلى هذين السببين سببٌ ثالثٌ أَكْثَرَ دعاةُ الفرعونية من الكلام عنه في صدر هذه الفترة التي نؤرخها، وهو تمصير اللغة.

فاللغة الفصحى _على حد تعبير أحدهم_ =تبعثر وطنيتنا المصرية وتجعلها شائعة في القومية العربية، فالمتعمق في اللغة الفصحى يُشْرَب روح العرب ويعجب بأبطال بغداد، بدلاً من أن يشرب الروح المصرية ويدرس تاريخ مصر+.

وقد ظل كثير من أعداء العربية هؤلاء _ والإنجليز منهم خاصة _ يحلمون بتأييد أصحاب السلطان أو بتأييد الصحف، ويرون أن ذلك هو أقرب الطرق لتنفيذ مؤامرتهم الهدامة.

وكانوا يجيبون على اعتراض المعترضين بضياع التراث القديم بالتقليل من قيمة هذا التراث تارة، وبإمكان ترجمة الصالح منه إلى العامية الجديدة تارة أخرى.

بينما يردون على اعتراض المسلمين بأن علماء الدين مكلفون بدرس كتبه وتفسيرها.

وهذا هو الجزء الأكبر من عملهم إن لم يكن كله، وللمسلمين أسوة بالنصارى من اللاتين والأروام، فإن اللاتين يقرؤون إنجيلهم باللغة اللاتينية والأروام باليونانية، أو بالمسلمين من الفرس والأتراك؛ فإنهم يقرؤون القرآن بالعربية.

وأما كتب الفقه فقد صار العدول عنها إلى النظام، ولا مانع من كتابة النظام بلغة العامة ليفهمه الخاصة والعامة.

وربما زعموا أن دراسةَ القرآنِ ونحوَه وصرفَه وأسلوبَه هي دراسة عالية لطبقة خاصة، وأن الأدب العربي القديم من شأن خاصة المتأدبين لا عامتهم.

وهذه الخاصة تستطيع أن تدرسه كما يدرس طلاب الأدب في الجامعات الراقية أدبي اليونان واللاتين.

وحاول بعض أعداء العربية أن يدعموا مزاعمهم ويؤثروا على قرائهم بالأسماء الرنانة، وباسم الوطنية والشعبية+( ).

 المبحث الثالث: الدعوة إلى تيسير النحو

وهذه الدعوة قريبة من الدعوة إلى العامية، والحديث عنها سيتناول الجوانب التالية:

أولاً: أسماء هذه الدعوة: هناك أسماء تعرف بها هذه الدعوة، ومنها:

1_ الدعوة إلى تيسير النحو _ كما مر _.

2_ إصلاح العربية.

3_ إحياء النحو.

4_ تبسيط قواعد النحو والصرف.

ثانياً: سبب ظهور هذه الدعوة: هذه الدعوة ظهرت عندما تبين لدعاة العامية، وأعداء العربية أن الهجوم المباشر على العربية يثير الناس، ولا يجد له رواجاً؛ فعمد أولئك إلى طريق أخرى غير مباشرة، ومنها هذه الدعوة.

ومن هؤلاء المنادين بتلك الدعاوى من كانت مقاصده حسنة؛ حيث يرى أن التيسير قد يعين على فهم النحو والصرف وغيرهما من علوم اللغة كالبلاغة.

ولكن هناك من كانت لهم أغراض أخرى، ألا وهي مهاجمة العربية عن هذه الطريق غير المباشرة.

ثالثاً: أول من نادى بهذه الفكرة: ربما يكون أول من نادى بها ابن مضّاء القرطبي ت592هـ وذلك عندما ألف كتابه المشهور (الرد على النحاة).

وهو كتاب صغير جداً، وخلاصته أنه دعا إلى إلغاء بعض القواعد والقضايا النحوية، وأودعه جملة من آرائه المناهضة لنحاة العربية، وبخاصة نحاة البصرة، محاولاً ان يرد بعض أصول النحو، وتخليصه من العلل، وكثرة الفروع والتأويل، مقتفياً أثر أمير الظاهرية (يعقوب بن يوسف) فأخذ يطبق ظاهريته على النحو( ).

ومن أول هذه القضايا قضية العامل، أي العامل المعنوي أو اللفظي؛ فطالب ابن مضاء بعدم الاهتمام بالعامل، وحمل عليه، وطالب النحاة أن يتخلصوا منه، ويلغوه، ونفى العلل والقياس في النحو كما رفضها في الفقه.

فهو يرى أن نظرية العامل هي التي عقَّدت النحو بما أوجدت فيه من إفراط في التقديرات التي لا فائدة من ورائها.

أما العلل فقد قبل بعضها، ورفض بعضها الآخر، وهي عنده نوعان؛ الأول: أطلق عليه (العلل الأُول) والثاني: أطلق عليه (العلل الثواني والثوالث).

فالعلل الأُول: هي التي ترشدنا إلى معرفة كلام العرب بالنظر لا بالذهن بمعنى أنها هي القوانين المستنبطة من كلام العرب، والأنظمة التي بها يصح نطقُ الكلام.

وأما العلل الثواني: فهي المستغنى عنها، والتي يجب أن تسقط في نظره.

يقول: =ومما يجب إسقاطه من النحو العلل الثواني والثوالث، وذلك مثل سؤالك عن (زيد) من قولنا (قام زيد) لم رفع؟ فيقال: لأنه فاعل، وكل فاعل مرفوع، فيقول: ولم رفع الفاعل؟ فالصواب أن يقال له: كذا نطقت به العرب+( ).

وبهذا يكون ابن مضاء أول من نادى بتيسير النحو، لكن مقاصده لم تكن كمقاصد الذين يطعنون في اللغة، ويريدون إقصاءها.

رابعاً: دعاوى المنادين إلى تيسير النحو: يثير المنادون بتيسير النحو دعاوى عديدة، منها ما هو مقبول، ومنها مردود، ومنهم _كما مر_ من دعاه إلى ذلك حسن النية، ومنهم من قاده إلى ذلك فسادُ الطوية.

وفيما يلي نبذة موجزة لتلك الدعاوى:

1_ الدعوة إلى تغيير الأساليب والكتب: بحيث تؤلف كتب جديدة ملائمة، وتنتقى الأمثلة والموضوعات، وتستخرج القاعدة من الأمثلة.

2_ الاستغناء عن التقدير والتأويل: وهذا ما يسمى بالنحو الوصفي، أي وصف الظاهرة الموجودة، مثل يضرب، ويسعى، الأول مرفوع بضمة ظاهرة، والثاني مرفوع بضمة مقدرة.

وهؤلاء الذين ينادون بالتيسير يقولون: إن تقدير الحركات لا بد أن يكون للمراحل المتقدمة، أما المراحل المتوسطة _ مثلاً _ فلا يقال لهم ذلك؛ لأن ذهن الطالب قاصر عن معرفة التقدير.

3_ الدعوة إلى حذف أبواب الاشتغال والتنازع: فيرون أنه لا بد من حذفها في جميع المراحل ما عدا الكليات.

4_ أن يكون لكل حركة لقب واحد في الإعراب، وفي البناء، وأن يكتفى بألقاب البناء.

5_ إلغاء الضمير المستتر جوازاً أو وجوباً: فمثل قول: (زيد قام) الفعل هو المحمول، ولا ضمير فيه، وليس بجملة كما يعده النحاة، وهو كمثل (قام زيد).

هذه بعض المطالب التي ينادى بها، وقد بسطت في الكتب التي تناولت ذلك، وتناولها بعض العلماء بالرد والنقض.

ومن هؤلاء الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه (دراسات في العربية وتاريخها)؛ حيث تولى الرد على تلك الدعاوى( ).

وسيأتي مزيد بيان شيء من ذلك عند الحديث عن الرد على تلك الدعاوى.

 المبحث الرابع: الدعوة إلى تيسير الخط العربي

هذه الدعوة ظهرت في مطلع القرن العشرين الميلادي، ووجدت في كتاب القاضي الإنجليزي ولمور عن اللغة المصرية الذي اقترح فيه إلى جانب الأخذ بالعامية كتابة هذه العامية بالحروف اللاتينية، وقد مرت الإشارة إليه.

وقد لقي هذا الاقتراح اعتراضاً، وهاجم الناس صاحبه هجوماً شديداً، كما هاجموا من قبل اقتراحاً سابقاً مزدوجاً يتناول اللغة والكتابة لـ: لطفي السيد.

وسكتت الفتنة حتى جاء مصطفى كمال أتاتورك، فحمل الناس على ما حملهم عليه من الأضاليل، وكان من جملة ما سامهم من الأباطيل استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، فتجدد كلام الناس في إصلاح الخط، وخاضت الصحف فيه.

وممن خاض في ذلك الأب أنستان الكرملي، وعبدالعزيز فهمي باشا.

وهذه الدعوة كغيرها؛ حيث تبدأ بدايات طيبة، ثم تتوسع بعد ذلك وتدخل في متاهات لا قبل للداعين إليها بها( ).

والذين نادوا بذلك يزعمون أن من أكبر الصعوبات في العربية صعوبة كتابتها؛ وذلك لأسباب عديدة منها تشابه الحروف كالدال، والذال، والراء، والزاي.

ومنها نقط الحروف الذي قد يتسبب _كما يزعمون_ في التصحيف، والغلط.

ومنها الضبط والحركات لبنية الكلمات، إلى غير ذلك من الأسباب التي عللوا بها صحة دعواهم.

ولقد وصل ذلك إلى المجمع الذي كان من أهدافه تيسير العربية.

وبعد خوض طويل ظهرت عند الداعين إلى ذلك فكرة إهمال الحروف العربية، وإحلال الحروف اللاتينية محلها.

وكان عبدالعزيز فهمي أكثر المتحمسين لهذه الفكرة، وتقدم للمجمع باقتراح ظل سنوات يناقش هذا الاقتراح، وانتهى إلى اطراح ذلك الاقتراح.

ومن هؤلاء علي الجارم؛ حيث تقدم باقتراح، كما أن المجمع أعلن مسابقة لهذا الغرض عام 1944م وأعطى جائزة مقدارها ألف جنيه لمن يقتنع المجمع باقتراحه، فانهالت بعد ذلك الاقتراحات.

وأخيراً سلموا بأنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، وأن أي تغيير في الحروف سيترتب عليه إشكالات كبيرة سيرد ذكر شيء منها عند الحديث عن الرد على دعاوى العامية، وتيسير النحو والخط في الفقرة التالية( ).

ولقد تصدى لتلك الدعاوي جمع كبير من العلماء منهم محمود شاكر×( ).

بل إن من المستشرقين من تصدى لتلك الدعوى، وبيَّن عوارها، كالمستشرق الإيطالي نللينو.

 المبحث الخامس: الرد على دعاوى العامية، وتيسير النحو، والخط العربي

لقد أبطل المدافعون عن العربية كل مزاعم خصومها، بالرغم من أن كثيراً منها لا يحتاج إلى إبطال؛ لأن فساده يغني عن إفساده، وتصوره كافٍ في الرد عليه.

ومن تلك الردود التي تبطل جميع المزاعم ما يلي:

1_ أن المسلمين لا يمكن أن يتخلوا عن العربية، أو يستغنوا عنها: لأنها لغة دينهم، وعباداتهم، من صلاة وحج، وذكر، ودعاء، ونحو ذلك.

وبها يتمكنون من قراءة القرآن العظيم، والسنة النبوية المطهرة، وفهم كلام العلماء الذين فسروا القرآن، وشرحوا الحديث.

فالتخلي عن اللغة إيذان بالتخلي عن الدين.

2_ أن اللغة العربية سهلة ميسورة: لا كما يظنه أولئك؛ فهي ليست غريبة حتى على أفهام العامة بديل أن خطيب الجمعة يخطب، ويحضر خطبته الفئام من العامة، بل ممن لا يقرؤون ولا يكتبون.

ومع ذلك فهم يُسيغون كلامه، ويفهمون ما يقول.

وكذلك العالم والمفتي يتكلم أمام الناس خاصهم وعامهم سواء كام كلامه مباشراً، أو عبر وسائل الإعلام؛ فيوصيهم، ويجيب عن أسئلتهم مهما كانت وتعقدت، كل ذلك بلغة عربية فصحى.

ومع ذلك يفهمون كلامه على اختلاف طبقاتهم وبلدانهم.

بخلاف ما إذا تكلم بالعامية؛ فإن معظمهم لا يفهم ما يقول، وهذا شيء مشاهد، ولا ينكره إلا مكابر.

فالمخاطبون بالعربية يفهمون عمن تكلم إلا إذا أراد التقعر، واستجلاب الغريب.

3_ أن الدعوة إلى العامية تزيد في الإشكال والتعقيد: لأن العاميات كثيرة متعددة؛ فأي عامية يدعى إليها، أهي المصرية؟ أم العراقية؟ أم الشامية؟ أم المغربية؟ أم الحجازية؟ أم عامية الجزيرة؟ أم غيرها من العاميات؟

بل إن البلد الواحد قد يوجد فيه أكثر من لهجة؛ فأيهما يختار؟ وكم يحتاج الناس من الجهود العظيمة كي تعم تلك اللهجة؟ وهل يُضْمَن لها النجاح؟ وهل أفلحت تلك الدعوات إلى بعض العاميات؟

لعل الجواب واضح.

4_ أن هذه الدعوة سبب لتفريق المسلمين، وتشتيت شمل الناطقين بالعربية: فهم في وقت أحوج ما يكون إلى جمع الكلمة، وتوحيد الصف.

ولا ريب أن اللغة الواحدة من أعظم ما يعين على ذلك؛ فهل يكون العلاج بأن يزادوا وهناً على وهن بتفريقهم بالعاميات؟

فكل دعوى تنادي بالعامية إنما هي ذريعة لزيادة الفرقة، وتفريق الشمل.

5_ أن الضعف في اللغة ليس سببه اللغة: بل سببه الكسل، والإهمال في تعلمها؛ فمن كانت هذه حاله التمس المعاذير؛ ليسوغ ضعفه وجهله.

6_ أن الواقع الملموس يكذب دعاوى الهدامين: والتاريخ أصدق من كل ما يكتبون.

فقد استطاعت العربية البدوية أن تساير الحضارة في بغداد، ولم تنهزم أمام الفارسية أو اليونانية أو التركية، استطاعت أن تسايرها في الأندلس بعد أن فرضت نفسها على البيئة الجديدة، واستطاعت أن تساير ألواناً من الحضارات في خلال ثلاثة عشر قرناً أو أكثر في بيئات متباينة أشد التباين، وصمدت أمام الغارات المدمرة خلال الاحتلال الأجنبي الطويل.

7_ أن قواعد النحو التي يزعمون أنها معقدة استطاعت أن تعيش أكثر من ألف سنة: فهي الوسيلة التي صانت اللغة، وقربت بين اللهجات، وستظل كذلك.

وهي التي أنتج الناس خلالها في مختلف الأمصار العربية وغير العربية ثروة من الكتب العربية التي لا تحصى ولا يزال لها أبلغ الإثر في الإنسانية جمعاء.

8_ خيرية الجيل الذي نشأ على توقير اللغة: فالجيل السابق الذي نشأ على توقير اللغة وقواعدها خير من هذا الجيل الذي لا يزال يتقلب بين مشاريع للتبسيط والتيسير التي قد تحتاج إلى ألف عام لكي تثبت أنها لا تقل عن القواعد التي يقترح الاستغناء عنها، فضلاً عن أن تَفْضُلَها، أو ترجح عليها.

ثم ليسأل العقلاء أنفسهم من بعد: كيف صحت ألسنة المعاصرين الذين يكتبون دعاواهم الفاسدة نفسها بالعربية الفصحى؟

ولو طلب إليهم أن يصوغوها بالعامية ما استطاعوا؛ لأنها غير مؤهلة للتعبير الدقيق، والأسلوب الحكيم المصقول الذي يقرؤه أقل الناس حظاً من الثقافة في الصحف، فلا يغيب عنه منها شيء.

9_ أن الدعوة إلى العامية مدعاة لنسف التراث: فالتراث إنما كتب بالعربية، وتلك الدعوة من أعظم معاول الهدم لذلك التراث العظيم الهائل.

10_ أن الدعوة إلى التقريب بين لهجات العربية باطلة: لأن الدراسات العلمية لا سلطان لها على ألسن عامة الناس؛ لأن الخلاف فيه ظاهرة طبيعية ما دام في حدوده المعتدلة المألوفة التي تميز الأفراد والبلاد والشعوب بعضها من بعض.

وقد دامت هذه الظاهرة قروناً طوالاً ولم يهدد ذلك سلامة اللغة؛ فمنذ القرون الأولى كان الناس يميزون بين لهجة العراق، وأهل الشام، وأهل مصر، وأهل المغرب، وأهل البادية.

ولكنهم كانوا _ وما يزالون _ يتفاهمون بالفصحى.

11_ أن كثيراً من دعاة العامية وتيسير النحو والخط إنما ينادون بمحاكاة اللغات الأخرى كالأوربية: يقول د. محمد محمد حسين ×: =يزعمون أن قواعدها صعبة معقدة، وفي اللغات الأوربية الحية ما هو أشد منها صعوبة وتعقيداً كالألمانية.

ويقولون إن الشاذ فيها من غير القياسي كثير، والشذوذ في صيغ الأفعال وفي صيغ الجمع والتأنيث وفي المصادر يملأ اللغات الأوربية كلها، والشواهد عليه لا تحصى.

وقالوا: إن الكتابة فيها غير ميسرة مع أن مطابقة الصوت المسموع للصورة المقروءة هي في العربية أوضح منها في الإنجليزية وفي الفرنسية اللتين يتقنهما معظم المتذمرين وصانعي الفتن من الهدامين.

فالفرنسي يُسقط من النطق أربعة حروف من أواخر الكلمات في كثير من الأحيان والإنجليزي يفعل في مثل حرفي (H) و (O) في (Honour) وحرفي (Gh) في Right)) وفي (through).

وهو بعد ذلك يكتب الصوت الواحد في ست صور أحياناً مثل الياء التي تصور الكسرة الطويلة في مثل (كبير).

إن هذا الصوت يكتب في الإنجليزية على ست صور متعددة لا يميز إحداهما عن الأخرى منطق أو قواعد، وهي: (y - e, e - e, ie, ei, ea, ee)، بينما هو لا يكتب في العربية إلا ياءً.

وحرف (ك) لا يكتب في العربية إلا كافاً، وهو يكتب في الإنجليزية على صورٍ عدة هي (ch ,q, ck, k, c).

وحرف (ف) لا يكتب في العربية إلا فاءً، وهو يكتب في الإنجليزية (ph, f, gh).

وقس على ذلك ما لا سبيل إلى إحصائه من الأمثلة العديدة في مختلف الأصوات.

ثم إن لكل صوت في العربية حرفاً واحداً يصوَّره، وبعض الأصوات اللغوية لا يصورها إلا حرفان في الإنجليزية، مثل حرف (ش) العربي، الذي يقابله في الإنجليزية (sh)، وحرف (ذ) الذي يقابله حرفا (th).

وميزة ثالثة للكتابة العربية، هي أن الحرف لا يُقرأ إلا على صورةٍ صوتيةٍ واحدة، وليس كذلك الحرف الإنجليزي. فحرف (c) ينطق (س) حينا، وينطق (ك) حيناً آخر.

و (th) ينطق (ذ) حيناً، وينطق (ث) حيناً آخر. و (g) ينطق جيماً قاهرية تميل نحو الكاف، وينطق جيماً مُعَطَّشة حيناً آخر+( ).

إلى أن قال×: =أيقال بعد ذلك كله: إن العربية معقدة نحواً أو كتابةً، والذين يشكون من صعوبتها، أو يتشاكون يتقنون ما هو أكثر منها تعقيداً ولا يخطئون فيه؟ بل إن منهم من يتقن لغتين أو ثلاث لغات أجنبية معقدة في بعض الأحيان يقيمونها ويخجلون أن يخطئوا فيها حين لا يقيمون لغتهم، ولا يخجلون أن يخطئوا فيها، بل ربما فاخروا به وقالوا ساخرين: (نحن لا نتكلم لغة سيبويه).

ولعل كثيراً منهم لا يعلمون أن (سيبويه) كان فارسي الأصل!.

ويقولون: إن اللغاتِ الأوربيةَ قد تطورت، فيجب أن تتطور لغتنا كما تطورت لغاتهم.

وهناك فرق بين (التطور) و(التطوير) تتطور اللغة بأن تفرض عليها قوانين قاهرة هذا التطور.

أما التطوير فهو سعي مفتعل إلى التطور، هو إرادة إحداث هذا التطور دون أن تكون له مبررات تستدعيه.

والتطور لا يُسعى إليه، ولا يُصطنع ولكنه يَفْرِضُ نفسه؛ فلا نجد بداً من الخضوع له.

وأي نعمة وأي مزية في تطور اللغات الأوربية حتى نسعى إلى افتعال نظيره في لغتنا؟

إن هذا التطور كان نكبةً على أصحابه قطَّعهم أمماً بعد أن كانوا أمة واحدة، فما زالوا في خلاف وحروب منذ ذلك الوقت.

ثم إنه لم يحكم على تراثهم القديم المشترك وحده بالموت، بل هو لا يزال يقضي بين الحين والحين على التراث القومي لكل شعب من هذه الشعوب بالموت، حتى ما يستطيع الإنجليزي اليوم من عامة الشعب أن يفهم لغة (شكسبير) الذي مات في القرن السابع عشر بينما لا يستطيع الإنجليزي المثقف أن يقرأ ما قبل (شكسبير) مثل (تشوسر)، ولا يقدر عليه إلا قلة من المتخصصين.

ومثل ذلك الفرنسية والإيطالية وسائر اللغات الأوربية الحديثة.

أما نحن العرب على اختلاف أقدارنا من الثقافة فنقرأ القرآن، ونفهمه إلا قليلاً مما ترجع صعوبته إلى دقة المعاني في أغلب الأحيان، ونقرأ رسائل الجاحظ وأغاني الأصفهاني فلا نكاد نحس فارقاً بين أسلوبها وبين أسلوب بعض المعاصرين.

فلماذا نسعى إلى أن نُفْقِد أنفسنا هذه المزايا التي لم تَفْرِضْ علينا فَقْدَها ضرورةٌ من الضرورات؟

لماذا نحسد أوربا التي ابتليت بذلك على مصابها، ونصنعَ صنيعَ اليهود الذين قالوا لنبيهم حين مروا بقوم من الكفار عاكفين على أصنام لهم يعبدونها: [اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ] الأعراف: 138+( ).

12_ أن الخط العربي موافق لطبيعة اللغة العربية: فلو أردنا استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية لتحتَّم علينا إيجاد حروف جديدة نضيفها إلى الأبجدية اللاتينية الحالية؛ لكي تعبر عن الأصوات العربية التي تمثلها حروف (ج ح خ ش ط ظ ص ض ع غ) ولاحتجنا كذلك إلى التمييز بين الحروف المتحركة والممدودة وبين الحروف المقصورة.

13_ أن الخط العربي يمتاز بميزة فذة: فهو قريب مما يسمى بالاختزال؛ فليس بحاجة إلى اختزال؛ لأن طبيعته تغنيه عن ذلك.

14_ أن استبدال الخط اللاتيني بالخط العربي يستتبع نتائج خطيرة: فما مصير الكنوز العظيمة من كتب العلم، والأدب وغيرها من المخطوطات التي لم تنشر بعد، ما مصيرها وهي مكتوبة بالخط العربي؟

وهل ستفي الحروف اللاتينية بالغرض؟ وكيف سيكتب القرآن الكريم؟.

ثم إن ذلك سيؤدي إلى زوال فنون الخط العربي؛ ففي الخط العربي مزية قل أن توجد في خطوط الأمم الأخرى، وهي إمكانية زخرفته على وجوه عدة.

ولقد استطاع الكاتبون المجودون أن يستخرجوا منه أنماطاً جمالية غاية في الإبداع؛ فما مصير ذلك كله؟

وإذا أراد أعجمي أن يتعلم العربية فسيواجه حروفاً عربية غريبة عليه، وحروفاً لاتينية معدَّلة؛ فكيف سيتعلم _ إذاً _؟.

أسئلة يغني تصورها عن الإجابة عنها.

  خاتمة البحث وخلاصته

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد:

ففي خاتمة هذا الكتاب، وبعد التطواف في أبوابه، وفصوله، ومباحثه هذا إجمال لأهم ما ورد فيه.

1_ يعرَّف فقه اللغة باعتبار مفرديه بأن:

أ_ الفقه: هو العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة فيه.

ب_ واللغة: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم.

وتعرف _ أيضاً _ بأنها كل لفظ وضع لمعنى.

وتعرف _ كذلك _ بأنها معنى موضوع في صوت.

2_ يُعَرََّف فقه اللغة باعتبار تركيبه بأنه: العلم الذي يُعنى بفقه اللغة، وإدراك كنهها، ودراسة قضاياها، وموضوعاتها.

3_ هناك مصطلح مرادف لمصطلح فقه اللغة ألا وهو: علم اللغة.

4_ لدراسة فقه اللغة أهداف، وثمرات، وغايات منها:

أنه باب عظيم من أبواب العلم.

ومنها: الوقوف على شيء من بديع صنع الله، والتمكن من النطق السليم، والاعتزاز باللغة، وسد الحاجة، ومواكبة التطور.

5_ للبحث اللغوي مناهج مختلفة أشهرها أربعة:

أ_ المنهج الوصفي: وهو بحث ظاهرة لغوية معينة لفترة محددة.

ب_ المنهج التاريخي: وهو الذي يبحث في قضية لغوية من حيث تطورها، وتغيراتها من حيث التاريخ.

ج_ المنهج المقارن: ويَعْني المقارنة بين لغتين، أو أكثر من اللغات التي تنتهي إلى مجموعة واحدة.

د_ المنهج العام: وهو المنهج الذي يفيد من المناهج السابقة، ويحاول إيجاد قواعد عامة تَصْدُق على أكثر اللغات.

6_ لفقه اللغة علاقة بالعلوم الأخرى؛ فله علاقة بالعلوم الشرعية عموماً، وله علاقة بعلم الطب، وعلم النفس، والتاريخ، والجغرافيا.

7_ يرجع اهتمام الإنسان باللغة إلى عصور سحيقة؛ فقد نُقِل عن كثير من الأمم والشعوب عنايتهم باللغة، واشتغالهم بقضاياها، وظواهرها.

8_ لم يؤثر عن العرب قبل الإسلام إلا عنايتهم بالشعر، والخطابة، وإنما بدأ اهتمامهم باللغة وعلومها بعد ظهور الإسلام.

9_ يكاد يكون القرن الثاني الهجري بداية النشاط العلمي الفعلي لجمع اللغة والتأليف فيها.

10_ ألفت في القرن الثاني مؤلفات عظيمة، وأعظمها كتاب (العين) للخليل ابن أحمد، وكتاب سيبويه.

11_ يعد القرن الرابع الهجري عصر ازدهار العلوم.

12_ كانت البداية الحقيقة لفقه اللغة، وظهوره كعلم مستقل على يد عالمين من علماء اللغة الكبار في القرن الرابع وهما أحمد بن فارس ت395هـ خصوصاً في كتابه (الصاحبي).

والآخر أبو الفتح عثمان بن جني خصوصاً في كتابيه (الخصائص) و(سر صناعة الإعراب).

13_ هناك مؤلفات كثيرة في فقه اللغة في القديم والحديث.

14_ شغلت قضية نشأة اللغة الإنسانية المفكرين على مر العصور، وتصدى للبحث عنها كثير من العلماء، والفلاسفة، والمتكلمين، واللغويين، ولم يجمعوا على قول واحد، بل ذهبوا في البحث مذاهب شتى، وتوصلوا إلى نظريات عديدة أشهرها أربع هي:

أ_ نظرية التوقيف والإلهام.

ب_ نظرية التواضع والاصطلاح.

ج_ نظرية التقليد والمحاكاة.

د_ نظرية الغريزة الكلامية.

وليس في أدلة أي من تلك النظريات ما تطمئن إليه النفوس، ويحل منها محل القطع، أو الظن القريب منه.

وقد حاول بعض العلماء التوفيق بين هذه النظريات جميعاً.

15_ كان لاكتشاف اللغة السنسكريتية الهندية القديمة في أواخر القرن الثامن عشر أثر كبير في تطور الدراسات اللغوية، وبيان فصائل اللغات، وتقسيمها.

16_ ورد في البحث دراسة للهجات العربية، والمنطق العربي.

17_ نهض الإسلام بالعربية أيما نهوض؛ حيث ارتقت اللغة في صدر الإسلام إلى طورها الأعلى؛ بسبب ما جاء به القرآن الحكيم من صور النظم البديع، وما تفجر في أقوال النبي " من ينابيع الفصاحة، وما أفاضه الإسلام على العقول من الأفكار، ومطارحة الأرآء.

18_ من مظاهر نهوض الإسلام بالعربية: سمو الأغراض، وتهذيب الألفاظ، واكتساب كثير من الألفاظ دلالة خاصة، وظهور كثير من الألفاظ الإدارية والسياسية، وتهيؤ اللغة العربية لاستيعاب كافة العلوم، ودخول كثير من المصطلحات العلمية.

19_ للغة العربية فضل وامتياز عن غيرها من اللغات، وذلك من جهات عديدة: من جهة اعتدال كلماتها، وفصاحة مفرداتها، وتعدد أساليبها، وطرق اختصارها، وارتقاؤها مع المدنية، وأنها أقرب لغات الدنيا إلى قواعد المنطق.

20_ لنظام العربية اللغوي أسرار لطيفة بديعة تشبه النظام النفسي من حيث تعلقه بالحكمة التي تضبط عواطف النفس وخطراتها.

21_ المُعَرَّب أحد الموضوعات التي تبحث في فقه اللغة:

أ_ وهو ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعان في غير لغتها، أو هو ما تفوهت به العرب على غير منهاجها.

ب_ يُعْرَف بعدة أسماء تدل عليه، منها: التعريب، الدخيل، المولد.

ج_ اختلف العلماء في وقوع المُعرب في القرآن الكريم على ثلاثة أقوال:

القول الأول: قول القائلين بالمنع.

القول الثاني: قول القائلين بوقوعه.

القول الثالث: التوفيق بين الرأيين، والجمع بين القولين.

د_ أُلِّف في المعرب كتب أشهرها: (المعرَّب) للجواليقي.

هـ_ تُعرف عجمة الاسم بعلاماتٍ ذُكِرَ عدد منها في البحث.

و_ هناك دوافع للتعريب، منها: الحاجة، أو الضرورة، ومنها الإلغاز، والإغراب، والإعجاب، وخفة اللفظ الأعجمي.

ز_ للعرب طريقة للتعامل مع الألفاظ الأعجمية، وقد بين ذلك العلماء الذين تكلموا على المعرب.

ح_ بحث المحدثون موضوع التعريب، منهم من منعه، ومنهم من أجازه.

ط_ للتعريب حسنات ولكن يقف دونها عقبات، منها: تشتت الجهود، وفقدان التطبيق، والتأخر في تعريف المصطلحات، ونقل المصطلحات الجديدة دون تحري الدقة.

22_ المشترك من موضوعات فقه اللغة:

أ_ يُعَرَّف المشترك بتعريفات عديدة أخصرها: أنه ما تحد لفظه، واختلف معناه.

ب_ اختلف الناس في المشترك؛ فأثبته قوم، ونفاه آخرون.

ج_ من أشهر أمثلة المشترك لفظ (العين) حيث تطلق على معاني كثيرة جداً، فتطلق على النقد، وعين الماء، وعين الشمس، وتطلق على الجاسوس، والباصرة.

د_ ورد في البحث بيان العلاقة بين المشترك والمتواطئ.

هـ_ وخلاصة ذلك أن المشترك: ما اتحد لفظه، واختلف معناه _ كما مر _ والمتواطئ: ما تحد لفظه، ومعناه.

23_ المتضاد من موضوعات فقه اللغة، ويقال له _ أيضاً _ الأضداد:

أ_ يعرف المتضاد بأنه: دلالة اللفظ الواحد على معنيين متضادين، ويعرف _أيضاً _ بـ: أنه الكلمات التي تؤدي إلى معنيين بلفظ واحد.

مثاله: (الجون) يطلق على الأبيض والأسود.

ب_ المتضاد نوع من المشترك؛ فالمشترك أعم من المتضاد، فكل متضاد مشترك، ولا عكس.

ج_ يفهم المراد من اللفظ إذا كان متضاداً من خلال السياق.

د_ اختلف العلماء في وقوع المتضاد فمنهم من قال: بوقوعه، ومنهم من أنكره، ومنهم من قال بوجوده، وعدوا ذلك منقصة للعرب، ومنهم من قال بوقوعه، وأنكروا على من تعسف في إنكاره، وعلى من بالغ في إثباته.

هـ_ ألف في الأضداد كتب أشهرها كتاب (الأضداد) لابن الأنباري.

24_ المترادف من موضوعات فقه اللغة، ويسمى الترادف، والمرادف _أيضاً_:

أ_ تعريفه: المترادف: ما كان معناه واحداً، وأسماؤه كثيرة، أو هو ما اتحد معناه، واختلف لفظه، مثل: السيف، والباتر، والمهند، وغيرها.

فكلها ألفاظ تدل على مسمى واحد.

ب_ وقع الاختلاف في الترادف

ج_ لوقوع المترادف عند القائلين به فوائد عديدة قد ذكر شيء منها في البحث.

د_ أُلِّف في المترادف كتب عديدة، منها: (الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف) للفيروزأبادي.

25_ الاشتقاق أحد موضوعات فقه اللغة:

أ_ تعريفه: عرف بتعريفات عديدة منها: أنه عملية استخراج لفظ من لفظ، أو صيغة من صيغة أخرى مثل: ضارب، مضروب من ضرب.

ب_ ورد في البحث أقوال العلماء في وقوع الاشتقاق، وبيان التغييرات بين الأصل المشتق منه، والفرع المشتق.

ج_ أفرد الاشتقاق بالتأليف جماعة من المتقدمين كالأصمعي، وقطرب، والمتأخرين كعبدالله أمين.

د_ هناك تقسيمات للاشتقاق وهي:

الاشتقاق الصرفي أو الصغير، والاشتقاق الكبير، والاشتقاق الكبار.

26_ القياس أحد موضوعات فقه اللغة:

أ_ تعريفه: قيل: هو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه.

وقيل: هو رد الشيء إلى نظيره، واكتشاف المجهول من المعلوم.

ب_ أركان القياس: المقيس عليه: وهو الأصل المعلوم.

والمقيس: وهو المجهول.

والشبه: وهو العلاقة، أو العلة الجامعة.

والحكم: وهو ما يرى على المقيس مما هو في المقيس عليه.

ج_ ورد في البحث بيان لأنواع القياس، وآراء العلماء فيه، وطريقتهم في استنباط قواعد القياس، وأسباب اختلافهم فيه.

د_ ورد في البحث _ أيضاً _ تقسيم اللغة من حيث القياس الاستعمالي، والكتب المؤلفة في القياس، والحاجة إلى القياس في اللغة.

كما ورد فيه القياس عند المحدثين.

27_ الإبدال أحد موضوعات فقه اللغة:

أ_ تعريفه: الإبدال في الأصل: جعل الشيء مكان شيء آخر.

_ الإبدال الصرفي: هو جعل حرف مكان حرف آخر.

_ الإبدال اللغوي: عند المتوسعين: هو وضع حرف مكان حرف في الكلمة مع الاتفاق بين الكلمتين في المعنى، أو تقاربهما.

وعند غير المتوسعين: هو إبدال حرف مكان حرف مع تقاربهما في المخرج، واتحاد الكلمتين في المعنى والمكان، وألا يتصرف أحدهما تصرفاً كاملاً.

ب_ هناك فروق بين الإبدال الصرفي والإبدال اللغوي.

ج_ هناك كتب مؤلفة في الإبدال أشهرها كتاب (القلب والإبدال) لابن السِّكِّيت.

وأما الكتب التي تكلمت عنه ضمناً فأشهرها كتاب (صناعة الإعراب) لابن جني.

د_ هناك أسباب لحدوث الإبدال أشهرها: اختلاف اللهجات العربية، والتقارب الصوتي، والتحريف، والتصحيف.

هـ_ هناك أمور يُتوصَّل من خلالها إلى معرفة الأصل من الكلمتين اللتين أبدلت إحداهما من الأخرى، وأشهرها: كثرة الاستعمال، وكثرة التصرف، وأن ينص أحد من العلماء على الأصل.

و_ هناك آثار للتوسع في الإبدال نتج عنها عرض بعض المسائل التي يتبين من خلالها العلاقة بين الإبدال وغيره من موضوعات فقه اللغة كالترادف، والاشتقاق، وغيرهما.

28_ القلب المكاني أحد موضوعات فقه اللغة:

أ_ تعريفه: القلب في اللغة: هو تحويل الشيء عن وجهه.

_ في الاصطلاح: تقديم وتأخير في بعض حروف اللفظة الواحدة، فتتنطق على صورتين بمعنى واحد، مثاله: جذب، وجبذ.

ب_ اختلف العلماء في القلب فمنهم من يراه ويوسعه، ومنهم من يضيقه، ومنهم من أنكره.

29_ المشجر أحد موضوعات فقه اللغة:

أ_ تعريفه: المشجر في اللغة: ما دل على تداخل الشيء بعضه في بعض.

_ في الاصطلاح: أن يؤتى بالكلمة المشتركة كالعين _ مثلاً _ فتعد شجرة يفرع من معانيها المختلفة فروعٌ، فيسترسل في تفسير الكلام على الوجه المشترك حتى تبلغ الشجرة مائة كلمة أو أكثر.

ب_ أول من وضع كتاباً في ذلك أبو عمر المطرز سماه (المداخل في اللغة) وكذلك أبو الطيب اللغوي فعل كتاباً سماه (شجر الدر) ثم جاء أبو طاهر محمد بن يوسف التميمي فوضع كتابه الذي سماه (المسلسل).

ج_ سبب التسمية: سمي المشجر بذلك لاشتجار بعض كلماته ببعض أي تداخلها.

د_ مثال للمشجر: العين عين الوجه، والوجه القصد، والقصد الكسر، وهكذا...

30_ الإتباع أحد موضوعات فقه اللغة:

أ_ تعريفه: الاتباع في اللغة: هو السير في الأثر.

_ في الاصطلاح: هو أن تُتْبَع الكلمة على وزنها، أو رويها إشباعاً أو تأكيداً.

مثال ذلك: قولهم: ساغب لاغب، خراب يباب.

ب_ ورد في البحث ذكر للفرق بين الإتباع والمترادف، وأمثلة أخرى للإتباع.

31_ النحت أحد موضوعات فقه اللغة:

أ_ تعريفه: النحت في اللغة: هو مصدر الفعل نحت ينحت نحتاً، أي شقَّه وبراه، وهذبه.

_ وفي الاصطلاح: هو أن يؤخذ من كلمتين فأكثر كلمة واحدة، مثل عبشمي من عبد شمس.

ب_ النحت لون من ألوان الاختصار.

ج_ النحت كان معروفاً عند القدماء، ولكنهم لم يعنوا به.

د_ يعد ابن فارس رائد هذا المضمار.

هـ_ أقسام النحت أربعة: النسبي، والفعلي، والوصفي، والاسمي.

و_ عني المحدثون بالنحت، وجعلوه لوناً من ألوان الاشتقاق، ومن عوامل تنمية اللغة.

ز_ حصل الخلاف بين المحدثين في النحت.

ح_ الذي قالوا بوقوعه قيدوه بشروط منه الضرورة، ومراعاة أساليب العرب، والتناسب الصوتي.

32_ المجاز أحد وسائل تنمية اللغة:

تعريفه: المجاز في اللغة: اسم مكان كالمطاف، والمزار.

_ في الاصطلاح: هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له في الأصل؛ لعلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.

_ مثاله: رأيت أسداً يكر بسيفه.

ب_ الحقيقة: استعمال اللفظ في ما وضع له في الأصل.

ج_ ورد في البحث أمثلة لألفاظ يتبين بها الحقيقة من المجاز، وبيان لكيفية التفرقة بين الحقيقة والمجاز، وسبب تسمية المجاز، وأن كل مجاز له حقيقة، وليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز، وأن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا ينصرف إلى المجاز إلا بقرينة.

د_ اختلف العلماء في أصل وقوع المجاز وثبوته في اللغة والقرآن على ثلاثة أقوال:

 أحدها: أن المجاز واقع في اللغة والقرآن.

الثاني: إنكار المجاز مطلقاً في اللغة والقرآن.

الثالث: وقوعه في اللغة دون القرآن.

هـ_ ورد في البحث بيان لحجج القائلين بمنعه ووقوعه.

33_ المعاجم اللغوية أحد موضوعات فقه اللغة:

أ_ تعريف المعجم في الاصطلاح: هو كتاب يضم ألفاظ اللغة العربية مرتبة على نمط معين، مشروحة شرحاً يزيل إبهامها، ومضافاً إليها ما يناسبها من المعلومات التي تفيد الباحث، وتعين الدارس على الوصول إلى مراده.

ب_ المدارس المعجمية: المدرسة الأولى: مدرسة التقليبات بنوعيها: الصوتية، والأبجدية.

وأول من ابتكرها صاحب أول معجم شامل في العربية وهو الخليل بن أحمد في كتابه (العين) حيث جمع الكلمات المكونة من حروف واحدة في مكان واحد مراعياً بذلك الناحية الصوتية، وهو يبدأ بأبعد الحروف مخرجاً.

وهذا تأليفه للحروف:

ع ح هـ خ غ / ق ك / ج ش ض / ص س ز / ط د ت / ظ ث ذ / ر ل ن / ف ب م / و ى / همزة.

وقد تَبِعَه على هذه الطريقة علماءُ كثيرون أشهرهم: القالي في معجمه (البارع) والأزهري في (التهذيب)، وابن سيدة في (المحكم).

وممن أخذ بهذه الطريقة ابن دريد في معجمه (جمهرة اللغة) حيث راعى نظام التقليبات الأبجدي، ولم يتبعه أحد على هذه الطريقة.

المدرسة المعجمية الثانية: مدرسة القافية: وهي التي تجعل الحرف الأخير باباً، والأول فصلاً على حسب حروف الهجاء.

وأول من وضعها في معجم شامل هو الجوهري في معجمه (الصحاح) وتبعه على هذا النظام كثير من أصحاب المعاجم منهم ابن منظور في (لسان العرب) والفيروزأبادي في (القاموس المحيط).

المدرسة المعجمية الثالثة: المدرسة الأبجدية العادية: وهي التي اتبع فيها أصحابها ترتيب الألفاظ حسب الحرف الأول والثاني والثالث.

وهذه الطريقة أيسر من الطريقتين السابقتين، وأول من وضعها أحمد بن فارس في معجميه (مجمل اللغة) و (مقاييس اللغة).

ج_ ورد في البحث دراسة لهذه المدارس المعجمية، ولبعض أصحابها، وكتبهم.

34_ واجهت اللغة العربية تحديات كبيرة سواء كان ذلك من قبل أعدائها، أو من قبل بعض المنتسبين إليها.

35_ ورد في البحث دراسة لظاهرة الإعراب:

أ_ الإعراب معلم من معالم العربية، ومفخرة من مفاخرها.

ب_ الإعراب في اللغة: الإبانة والإفصاح.

_ في الاصطلاح: أثر ظاهر، أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة.

والمراد بالأثر الظاهر: ما يُلفظ به، وبالمقدر: ما ينوى من ذلك.

ج_ البناء في اصطلاح النحاة: هو لزوم آخر الكلمة حالة واحدة.

د_ يرى علماء العربية، وجميع النحاة إلا من شذ منهم أهمية الإعراب، وأن لعلاماته وألقابه دلالاتٍ معينةً، وأغراضاً معنوية؛ فهي تدل على المعاني المختلفة التي تعتور الأسماء من فاعلية، أو مفعولية، أو غير ذلك.

36_ إنكار الإعراب:

أ_ إنكار الإعراب ظاهرة غريبة، وقضية تستحق الوقوف عندها، وبيان خطرها، وصدّ عاديتها.

ب_ لم يخالف النحاة في القديم في دلالة الإعراب إلا محمد المستنير المعروف بـ: قطرب؛ فهو أول من قال بإنكار الإعراب في القديم؛ فهو يرى أن حركات الإعراب إنما جيء بها للسرعة في الكلام، وللتخلص من التقاء الساكنين.

ج_ من المستشرقين من يرى الإعراب، ومنهم من لا يراه.

د_ لم تتعرض اللغة العربية لنقد أحد من أبنائها قديماً وحديثاً كما تعرضت من قِبَلِ د. إبراهيم أنيس وذلك في كتابه (أسرار اللغة) وبالذات في الفصل الذي عقده بعنوان (قصة الإعراب).

وكان يريد من ذلك أن يصل إلى أن الإعراب من صنيع النحاة، وليس سليقة، وأن اللغة مصنوعة، وعلامات الإعراب ليس لها دلالة.

37_ القول بإنكار الإعراب واضح البطلان، وذلك من وجوه عديدة ورد ذكرها في البحث.

37_ من القضايا التي تواجه العربية، الدعوة إلى العامية، وتيسير النحو، والخط العربي:

أ_ هذه الدعاوى داخلة تحت المشكلات التي تواجه العربية، وتسعى إلى إضعاف سلطانها في نفوس أهلها.

ب_ اللغة مرتبطة بالدين والأمة، والأعداء يدركون أهمية اللغة، وأثرها في وحدة الأمة.

ج_ هذه الدعوات تستهدف غايتين: إحداهما: تفريق المسلمين عامة، والعرب خاصة، والأخرى: قطع ما بين المسلمين وبين قديمهم وتراثهم.

د_ بدأت تلك الدعوات في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وذلك عن طريق بعض المجلات، وبعض المنصرين والمستشرقين، وكانت بدايتها في مصر؛ نظراً لمكانتها العلمية والثقافية.

هـ_ أبطل المدافعون عن العربية كل مزاعم خصومها، وردوا على جميع شبههم وقد ورد في الكتاب تفصيل لذلك.

هذا أهم ما ورد في البحث على سبيل الإجمال، والله المستعان، وعليه التكلان.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا