الطيرة

نبذة مختصرة

الطيرة : في هذه الرسالة جمع لبعض ما تناثر في باب الطيرة؛ رغبة في إلقاء الضوء حول هذه المسلك، وتبيان ضرره، وعلاجه.

تنزيــل

تفاصيل

 الطيرة

تأليف الشيخ: محمد بن إبراهيم الحمد

  المقدمة

   الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على خير الأنام نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن دين الإسلام دين الكمال والسمو، ودين العزة والسعادة؛ فما من خير إلا ودلَّ عليه وأمر به، وما من شر إلا وحذر منه، ونهى عن سلوك سبيله.

وإن مما دل عليه الإسلام، وأمر به_استعمالَ الفألِ، وتركَ الطيرة؛ ذلك أن الفأل مقوٍّ للعزائم، حاضٌّ على البغية، فاتحٌ أبوابَ الخير.

بخلاف الطيرة؛ فهي تكسر النية، وتصد عن الوجهة، وتفتح أبواب الشر.

بل هي نقص في العقل، وانحراف في المعتقد، وضلال عن سواء الصراط.

ومع أن الطيرة سنة جاهلية جاء الإسلام بنفيها، وإبطالها  إلا أنها لا تزال باقية تعمل عملها، وتفري فريها في قلوب كثير من الناس.

وفيما يلي من صفحات جمع لبعض ما تناثر في باب الطيرة؛ رغبة في إلقاء الضوء حول هذه المسلك، وتبيان ضرره، وعلاجه؛ فالله المستعان، وعليه التكلان.

     وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

محمد بن إبراهيم الحمد

الزلفي 23/6/1420هـ

ص.ب: 460

www.toislam.net

 تعريف الطيَرَة

الطيرة، والتطير بمعنى واحد؛ فالتطير مصدر الفعل تطير يتطير، والطيرة اسم المصدر.

مثل تخـير يتخـير تخـيراً، وخيرةً، ويقـال: تطـيَّرت من الشـيء، وبالشيء ( ).

والطيرة هي: التشاؤم من الشيء المرئي، أو المسموع ( ).

والتشاؤم: هو عَدُّ الشيء مشؤوماً، أي يكون وجوده سبباً في وجود ما يحزن ويضر ( ).

 =اشتقاق الطيرة، وسبب تسميتها بذلك+

الطيرة مشتقة من أحد أمرين:

1_إما من الطيران: فكأن الذي يرى ما يكره أو يسمع_يطير، كما قال بعضهم:

عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى

 عوى

                   وصوت إنسان فكدت أطير

2_وإما من الطير: وهذا هو الأصل، والمختار من الوجهين؛ إذ كانت العرب تزجر الطير والوحش، أي تُنَفِّرها، وترسلها، وتتفاءل أو تتشاءم بها.

فمن قال بالأول احتج بأن الوحش يُتطيَّر به، وزُجِرت مع الطير.

ومن قال بالقول الثاني قال: إنما كان الأصل في الطير، ثم صار في الوحش، وقد يجوز أن يُغَلَّب أحد الشيئين على الآخر؛ فيذكر دونه، ويرادان جميعاً، كما قيل:

ما يعيف اليوم في الطير الدَّوَح

                   من غراب البين أو تيس  برح

فجعل التيس من الطير؛ إذ قدم ذكر الطير، وجعله من الطير بمعنى التطير ( ).

فالتطير_إذاً_مأخوذ من الطير في الأصل، ثم أطلق على كل ما يتوهم أنه سبب في لحاق الشر، سواءً كان مسموعاً، أو مرئياً، أو معلوماً، وسواء كان طيراً، أو حيواناً، أو جماداً، أو زماناً، أو مكاناً، أو شخصاً، أو نباتاً، أو عدداً، أو نحو ذلك.

قال العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ×عن التطير: =هو تَفَعُّلٌ من اسم الطير، كأنهم صاغوه على وزن التفعل؛ لما فيه من تكلف معرفة حظ المرء بدلالة حركات الطير، أو هو مطاوعة( ) سمي بها؛ لما يحصل من الانفعال من إثر طيران الطير+( ).

وقال: =إنما غلب لفظ الطيرة على التشاؤم؛ لأن للأثر الحاصل من دلالة الطيران على الشؤم دلالةً أشد على النفس؛ لأن توقع الضر أدخل في النفوس من رجاء الخير+( ).

وقال في موضع آخر: =الطيرة في الأصل تكلف معرفة دلالة الطير على خير أو شر؛ من تَعَرُّض نوع الطير، من صفة اندفاعه، أو مجيئه، ثم أطلق على كل حدث يتوَهَّم منه أحدٌ أنه كان سبباً في لحاق شرٍّ به، فصار مرادفاً للتشاؤم+( ).

 =تعريف العيافة+

هي مصدر الفعل عاف يعيف، والمصدر عيافة.

والعيافة هي: زجر الطير، وتنفيرها، وإرسالها، والتفاؤل، أو التشاؤم بأسمائها، وأصواتها، وممراتها؛ فعن العيافة يكون الفأل، أو التشاؤم.

 فروق بين الطيرة والعيافة، وبين الطيرة والفأل

أولاً: فروق بين الطيرة والعيافة:

1_يختلفان في التعريف_كما مر_.

2_العيافة قد ينشأ عنها تفاؤل وتَيَمُّنٌ، وقد ينشأ عنها تشاؤم، أما الطيرة فلا ينشأ عنها إلا تشاؤم.

3_العيافة تكون بالطير فقط، أما الطيرة فتكون بالطير، والوحش، والزمان، والمكان، والأشخاص، والأرقام، وغير ذلك.

4_الطيرة قد لا يعمد إليها الإنسان، بل قد توافيه، وتصادفه دون أن يعمد إليها، بخلاف العيافة؛ فإنها تقصد؛ حيث تُزْجَر الطيرُ، وينشأ عن ذلك ما ينشأ من تفاؤل، أو تشاؤم.

5_العيافة والطيرة يتفقان في تأثيرهما في القلوب؛ فهما قد يوجبان إمضاءً أو رَداً.

ثانياً: فروق بين الطيرة والفأل ( ) :

1_يتفقان بأن لهما تأثيراً في القلوب.

2_يختلفان بالمقاصد، ويفترقان بالمذاهب؛ فما كان محبوباً تفاءلوا به، وسموه الفأل، وأحبوه، ورضوا به.

وما كان مكروهاً قبيحاً منفراً تشاءموا به، وكرهوه، وتطيروا منه، وسموه طيرة؛ تَعْرِفَةً بين الأمرين، وتفصيلاً بين الوجهين.

3_الفأل تقوية للعزائم، وتحضيض على البغية، وإطماع في النية، ورجاء للخير.

والطيرة تكسر النية، وتصد عن الوجهة، وتثني عن العزيمة، وتجلب سوءَ الظنِّ، وتوقُّعَ البلاء.

4_أن الإنسان إذا استعمل الطيرة، فرجع بها من سفره، وامتنع بها مما عزم عليه فقد قرع باب الشرك، بل ولجه، وبرئ من التوكل على الله، وفتح على نفسه باب الخوف، والتعلق بغير الله، فَيَفْسُد عليه قلبه، وإيمانه، وحاله، ويبقى هدفاً لسهام الطيرة، ويساق إليها من كل طريق، ويقيِّض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه، وكم هلك بذلك من هلك وخسر الدنيا والآخرة.

بخلاف الفأل الصالح، السار للقلوب، المؤيد للآمال، الفاتح أبواب الرجاء، المسكن للخوف، الرابط للجأش، الباعث على الاستعانة بالله، والتوكل عليه، والاستبشارِ المقوي لأمله، السار لنفسه؛ فهذا ضد الطيرة؛ فالفأل يفضي بصاحبه إلى الطاعة والتوحيد.

والطيرةُ تفضي بصاحبها إلى المعصية والشرك؛ فلهذا استحب النبي "الفأل، وأبطل الطيرة.

 إبطال الإسلام للطيرة، وتحريمه لها

لقد جاء بنفي الطيرة، وتحريمها، وبيان ضررها، وبيان أنها من صنيع أعداء الرسل.

قال_تبارك وتعالى_عن قوم فرعون: [فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ] (الأعراف: 131).

والمعنى: أن آل فرعون إذا أصابتهم الحسنة: أي الخِصَب، والسعة، والعافية_كما فسره مجاهد وغيره_قالوا: =لنا هذه+ أي نحن الجديرون، والحقيقون به، ونحن أهله، وإن تصبهم سيئةٌ: أي بلاء، وقحط يطَّيروا بموسى، ومن معه، فيقولون: هذا بسبب موسى وأصحابه، أصابنا بشؤمهم.

فقال الله_تعالى_:[أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ].

قال ابن عباس_رضي الله عنهما_: طائرهم ما قضى عليهم وقدَّر لهم.

وفي رواية: شؤمهم عند الله، ومن قِبَلِه: أي: إنما جاءهم الشؤم من قبله؛ بكفرهم، وتكذيبهم بآياته، ورسله.

وقوله: [وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ]: أي: أن أكثرهم جهال لا يدرون، ولو فهموا، وعقلوا لعلموا أنه ليس فيما جاء به موسى_عليه السلام_إلا الخير، والبركة، والسعادة، والفلاح لمن آمن به ( ).

قال الشيخ ابن عاشور×في تفسير الآية السابقة: =والمراد به_يعني التطير_في الآية أنهم يتشاءمون بموسى ومن معه، فاستعمل التطير في التشاؤم بدون دلالة من الطير؛ لأن قوم فرعون لم يكونوا ممن يزجر الطير فيما علمنا من أحوال تاريخهم، ولكنهم زعموا أن دعوة موسى فيهم كانت سبب مصائب حَلَّتْ بهم، فَعُبِّر عن ذلك بالتطير على طريقة التعبير العربي+.

إلى أن قال: =فمعنى =يطيروا بموسى+ يحسبون حلول ذلك بهم مُسَبَّباً عن وجود موسى ومن آمن به، وذلك أن آل فرعون كانوا متعلقين بضلال دينهم، وكانوا يحسبون أنهم إذا حافظوا على اتِّباعه كانوا في سعادة عيشٍ؛ فحسبوا وجودَ من يخالف دينهم بينهم سبباً في حلول المصائب، والإضرار بهم؛ فتشاءموا بهم، ولم يعلموا أن سبب المصائب هو كفرهم وإعراضهم؛ لأن حلول المصائب بهم يلزم أن يكون مُسَبَّباً عن أسباب فيهم لا في غيرهم.

وهذا من العماية في الضلالة، فيبقون منصرفين عن معرفة الأسباب الحقيقية، ولذلك كان التطير من شعار أهل الشرك، لأنه مبني عن نسبة المسببات لغير أسبابها، وذلك من مخترعات الذين وضعوا لهم ديانة الشرك وأوهامها+ ( ).

وقال_تعالى_في سورة يس عن أصحاب القرية التي جاءها المرسلون:[قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ](يس: 18، 19).

والمعنى_والله أعلم_: حظكم وما نابكم من شرٍّ بسبب أفعالكم، وكفركم، ومخالفتكم الناصحين، ليس هو من أجلنا، ولا بسببنا، بل ببغيكم، وعداوتكم؛ فطائر الباغي الظالم معه؛ فما وقع به من الشرور فهو سببه الجالب له، وذلك بقضاء الله، وقدره، وحكمته، وعدله كما قال_تعالى_:[أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ] (القلم: 35، 36).

ويحتمل أن يكون المعنى: (طائركم معكم)  أي: راجع عليكم؛ فالتطير الذي حصل لكم إنما يعود عليكم، وهذا من باب القصاص في الكلام، ونظيره قوله_عليه الصلاة والسلام_: =إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم+ أخرجه البخاري، ومسلم ( ).

وقوله: =أئن ذكرتم+ أي: من أجل أنا ذكرناكم، وأمرناكم بتوحيد الله قابلتمونا بهذا الكلام [بّلً أّنتٍمً قّوًمِ مٍَسًرٌفٍونّ].

وقال قتادة: أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا ؟ ( ).

* أما الأحاديث النبوية التي تطرقت للحديث عن تحريم الطيرة، ونفيها، وبيان ضررها_فكثيرة جداً.

ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ÷عن النبي ": =لا عدوى ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح+( ).

ولهما عن النبي": =لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل+.

قال: قيل: وما الفأل ؟ قال: =الكلمة الطيبة+( ).

وفي رواية: =الكلمة الحسنة، الكلمة الطيبة +.

وعن ابن مسعود مرفوعاً: =الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل+ ( ).

قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن ×: =وهذا صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك؛ لما فيها من تعلق القلب على غير الله_تعالى+ ( ).

وقال: =قوله =وما منا إلا+ قال أبو القاسم الأصبهاني، والمنذري: في الحديث إضمارٌ، والتقدير: وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك. انتهى.

وقال الخلخالي: حذف المستثنى؛ لما يتضمنه من الحالة المكروهة، وهذا من أدب الكلام.

قوله: ولكن الله يذهبه بالتوكل: أي لما توكلنا على الله في جلب النفع، أو دفع الضر أذهبه الله عنا بتوكلنا عليه وحده+( ).

ولأحمد من حديث ابن عمرو: =من ردَّته الطيرة عن حاجته فقد أشرك+.

قالوا: وما كفارة ذلك ؟ قال: =أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك+ ( ).

ولقد شفى النبي  "أمته في الطيرة؛ ففي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي ÷أنه قال: =يا رسول الله ! ومنا أناس يتطيّرون.

فقال: =ذاك شيء يجدونه في صدورهم؛ فلا يصدَّنَّهم+ ( ).

قال ابن القيم ×: =فأخبر أن تَأَذِّيَهُ، وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به؛ فوهمه، وخوفه، وإشراكه هو الذي يُطَيِّره، ويصده، لا ما رآه وسمعه؛ فأوضح"لأمته الأمر، وبيَّن لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله_سبحانه_لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها دلالة، ولا نصبها سبباً لما يخافون، ويحذرونه؛ لتطمئن قلوبهم، ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيته_تعالى_+ ( ).

وقال: =وفي أثر: =إذا تطيرت فلا ترجع+.

أي: امض لما قصدت، ولا يصدنك عنه الطيرة+ ( ).

وقال ابن مفلح ×في الحديث السابق حديث معاوية بن الحكم: =ومعناه أن الطيرة شيءٌ تجدونه في نفوسكم ضرورةً، ولا تكليف به، لكنْ لا تمنعوا بسببه من التصرف؛ لأنه مكتسب، فيقع به التكليف+( ).

وعن عروة بن عامر قال: ذُكرت الطيرة عند رسول الله  "فقال: =أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً؛ فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك+( ).

قال عكرمة: كنا جلوساً عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير، خير، فقال ابن عباس: لا خير، ولا شر.

فبادره ابن عباس بالإنكار عليه، لئلا يعتقد أن له تأثيراً في الخير، أو الشر.

وخرج طاووس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاووس: وأي خير عنده ؟ والله لا تصحبني( ).

 حد الطيرة المنهي عنها

جاء عند أحمد من حديث الفضل بن عباس_رضي الله عنهما_قول النبي  ": =إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك+( ).

قال الشيخ سليمان بن عبدالله ×في شرح هذا الحديث: =هذا حد الطيرة المنهي عنها بأنها ما أوجب للإنسان أن يمضي لما يريده، ولو من الفأل؛ فإن الفأل إنما يستحب؛ لما فيه من البشارة والملاءمة للنفس.

فأما أن يعتمد عليه، ويمضي لأجله مع نسيان التوكل على الله_فإن ذلك من الطيرة المنهي عنها.

وكذلك إذا رأى، أو سمع ما يكره؛ فتشاءم به، أو رده عن حاجته_فإن ذلك_أيضاً_من الطيرة+( ).

 وجه كون الطيرة من الشرك

مرَّ شيء من بيان كون الطيرة من الشرك، ويمكن إجماله فيمايلي:

1_أن فيها شركاً بالربوبية؛ لما فيها من ادعاء علم الغيب، ولما فيها من اعتقاد جلب النفع، ودفع الضر.

2_أن فيها شركاً في الألوهية؛ لما فيها من تعلق القلب بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله.

3_أنها تضعف قلب الإنسان، وتفتح عليه باب الخوف من غير الله، وتقوده إلى الدجل والخرافة.

4_أن فيها اعتماداً على ما ليس سبباً لا شرعاً، ولا قدراً.

 الطيرة عند العرب وسبب اختلافهم فيها ( )

اشتهر العرب بالتطير في الجاهلية، واشتهر عندهم أناس كثيرون بالزجر، واشتهر عندهم أشياء يُتطير بها، واختلفت مذاهبهم في التشاؤم، والتفاؤل؛ حيث اختلفوا في مراتب الطيرة، ومذاهبها.

وسبب ذلك أنها كانت خواطرَ، وحدوساً، وتخميناتٍ لا أصل لها؛ فمن تبرك بشيء مدحه، ومن تشاءم بشيء ذمه.

ومَن اشتهر بإحسان الزجر عندهم، ووجوهه حتى قصده الناس بالسؤال عن حوادثهم، وما أمَّلوه من أعمالهم_سَمَّوه عائفاً، وعَرّافاً.

وممن اشتهر بذلك عرَّاف اليمامة، والأبلق الأسدي، والأجلح، وعروة بن يزيد، وغيرهم؛ فكان العرب يحكمون بذلك، ويعملون به، ويتقدمون، ويتأخرون في جميع ما يتقلبون فيه، ويتصرفون؛ في حال الأمن، والخوف، والسعة، والضيق، والحرب، والسلم؛ فإن أنجحوا فيما يتفاءلون به مدحوه، وداوموا عليه، وإن عطبوا فيه تركوه وذموه.

 أشياء يتطير بها قديماً وحديثاً ( )

اشتهرت العرب في الجاهلية بالتطير_كما مر_وكانوا يتطيرون من أشياء كثيرة، وسيرد فيما يلي ذكر لبعض ما يتطيرون به، كما سيرد ذكر لبعض ما يتطير به الناس إلى يومنا هذا؛ فمن ذلك:

1_العطــاس: وسبب تطيرهم منه دابةٌ يكرهونها يقال لها العاطوس.

وكانوا إذا عطس من يحبونه قالوا: عُمْراً، وشباباً، وإذا عطس من يبغضونه قالوا: وَرْياً، وقُحاباً، والوري: داء يصيب الكبد فيفسدها، والقُحاب: كالسُّعال وزناً ومعنى.

وقد أبطل الإسلام هذا الدعاء، وشرع بأن يجعل مكانه الحمد من العاطس، والدعاء له ممن يسمع.

قال امرؤ القيس متطيراً من العطاس:

وقد أغتدي قبل العطاس بهيكل

                   شديدٍ مِشَكِّ الجنب فَعْم المُنطَّقِ ( )

أراد أنه ينتبه للصيد قبل أن ينتبه الناس من نومهم؛ لئلا يسمع عَطَّاساً، فيتشاءم بعطاسه.

وشَـبَّه جواده بالهيكل المبني؛ لاستحكام خلقه.

2_السانح. 3_البارح. 4_القعيد. 5_الناطح: وأصل ذلك أنهم يزجرون الطير، والوحش، ويثيرونها؛ فما تيامن منها وأخذ ذات اليمين سموه سانحاً، وما تياسر منها سموه بارحاً، وما استقبلهم منها فهو الناطح، وما جاءهم من خلفهم سموه القعيد.

فمن العرب من يتشاءم بالبارح، ويتبرك بالسانح، ومنهم من يرى خلاف ذلك.

قال المدائني: =سألت رؤبة بن العَجَّاج: ما السانح ؟ قال: ما ولاك ميامنه، قال: قلت: فما البارح ؟ قال: ما ولاك مياسره، قال: والذي يجيء من قدامك فهو الناطح والنطيح، والذي يجيء من خلفك فهو القاعد والقعيد.

وقال المفضل الضبي: البارح ما يأتيك عن اليمين يريد يسارك، والسانح ما يأتيك عن اليسار فيمر على اليمين+( ).

وقال ابن دريد: =السانح يتيمن به أهل نجد، ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية؛ فيتشاءمون بالسانح، ويتيمنون بالبارح+( ).

6_الغراب: وهو أعظم ما يتطيرون به، والقول فيه أكثر من أن يطلب عليه شاهد؛ فاسمه يوحي لهم بالغربة والبين، ويسمونه_أيضاً_حاتماً؛ لأنه يحتم عندهم بالفراق.

ويسمونه الأعور على جهة التطير بذلك؛ إذ كان أصح الطير بصراً، ويقال: سمي أعور؛ لقولهم: عوَّرت الرجـل عن حاجته، إذا رددته عنها؛ فالغراب_على هذا_يعوِّر الحاجة، ويصد عن الوجهة.

* ومن أقوالهم التي يتطيرون فيها من الغراب قول النابغة الذبياني:

زعم البوارح أن رحلتنا غداً

                   وبذلم خبرنا الغداف ( ) الأسود

لا مرحباً بغدٍ ولا أهلاً به

                    إن كان تفريق الأحبة في غد ( )

ويروى الشطر الثاني من البيت الأول

. . . . . . . . . . . 

                   وبذلك تنعاب الغراب الأسود( )

* وقال علقمة بن عبدة:

ومن تعرض للغربان يزجرها

                   على سلامته لابد مشؤوم( )

* وقال آخر:

يبشرني الغراب ببين أهلي

                   فقلت له: ثكلتك من بشير

* وقال آخر:

مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة

                   ولا ناعب إلا ببين غرابها ( )

وقد اعتذر أبو الشيص للغراب، وتطير بالإبل، فقال:

الناس يَلْحَــون غــرا           

                   ب البين لما جهلوا

وما على ظهـر غـــرا      

                   ب البين تطوي الرحل

ما فرَّق الأحباب بعـ         

                   ـد الله إلا الإبل

وما غراب البيــن إلا   

                   ناقة أو جمل( )

7_الهامة: فقد كان أهل الجاهلية يتشاءمون بها، وقد جاء الحديث عن مسعود مرفوعاً: =لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر+ ( ).

قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن ×: =قوله: =ولا هامة+ بتخفيف الميم على الصحيح، قال الفراء: الهامة طير من طيور الليل. كأنه يعني البومة.

قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم، يقول: نَعَتْ إليَّ نفسي أو أحداً من أهل داري؛ فجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله+ ( ).

8_الواق: وهو الصرد، قال أحدهم يمدح منكر الطيرة:

وليس بهياب إذا شد رحله    

                   يقول عدا في اليوم واق وحاتم

ولكنه يمضي على ذاك مقدماً     

                   إذا حاد عن تلك الهنات الختارم

ويعني بالواق: الصرد، والختارم: العاجز، الضعيف الرأي، المتطير ( ).

9_الثور المكسور القرن: قال الكميت ينفي الطيرة عن نفسه:

وما أنا ممن يزجر الطير همه      

                   أصاح غراب أم تعرض ثعلب

ولا السانحات البارحات عشية    

                   أمرَّ سليم القرن أم مرَّ أغضب ( )

10_التطير ببعض الأسماء، وذوي العاهات: فبعضهم إذا سمع سفرجلاً، أو أهدي إليه تطير به: وقال: سفرٌ، وجلاءٌ، وإذا رأى ياسميناً، أو سمع اسمه تطير به، وقال: يأسٌ، ومَيْنٌ، وإذا رأى سوسنة، أو سمعها قال: سوءٌ يبقى سنة، وإذا خرج من داره فاستقبله أعور، أو أعمى، أو أشل، أو صاحب آفة تطير به، وتشاءم من يومه.

11_التشاؤم بالأيام والشهور: حيث كان بعضهم يتشاءم ببعض الأيام كيوم الأربعاء، كما قال أحدهم:

يا للرجال ليوم الأربعاء أما     

                   ينفك يحدث لي بعد النهى طربا

وكتشاؤم بعض العامة بالزواج ليلة الأحد؛ ولهذا يقل في بعض المناطق الزواج ليلة الأحد؛ لهذه الخرافة الدارجة؛ حيث يقولون: ليلة الأحد لا يريد أحداً أحدٌ.

ومن التطير بالأيام تطير بعض الناس في بعض المناطق باليوم الحادي والعشرين من الشهر؛ حيث يزعمون أنه نكد على المسافر، أو مُؤْذنٌ بموته، ويتطيرون بالمولود إذا ولد يوم الحادي والعشرين من الشهر زاعمين أنه شؤم يمحق المال والعيال، فيلقبونه: حادية؛ بمعنى أنه يُهْلِكُ ما كان قِبَلَه، وكلما أصيب أحد والديه بمصيبة في نفس أو مال، أو عيال قال: من هذا الولد المشؤوم !.

ومن ذلك تطيرهم بكنس دار المسافر يوم سفره، أو سفر أحد عياله، أو مواشيه؛ زاعمين أن ذلك سبب في هلاكه !

ويتطيرون بكنس الدار ليلاً أو نهاراً؛ زاعمين أن ذلك سبب في محق البركة والرزق ( ).

ومن التشاؤم بالشهور تشاؤم أهل الجاهلية بشهر صفر، وبشهر شوال في النكاح خاصة ( ).

وقد أبطل الإسلام هذا الزعم، فعن ابن مسعود مرفوعاً =لا عدوى ولا طيـرة، ولا هامة، ولا صفر، خلق الله كل نفـس، وكتب حياتها، ومصائبها، ورزقها+ ( ).

قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن ×: =قوله: =ولا صفر+ بفتح الفاء، روى أبو عبيدة في غريب الحديث عن رؤبة أنه قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب.

وعلى هذا فالمراد بنفيه: ما كانوا يعتقدونه من العدوى.

وممن قال بهذا سفيان بن عيينة، والإمام أحمد، والبخاري، وابن جرير.

وقال آخرون: المراد به شهر صفر، والنفي لِمَا كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، وكانوا يحلون المحرم ويحرمون صفراً مكانه، وهو قول مالك.

وروى أبو داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول: إن أهل الجاهليـة يتشاءمون بصفر، ويقولـون إنه شهر مشؤوم؛ فأبطـل النبي "ذلك ( ).

قال ابن رجب: ولعل هذا القول أشبه الأقوال، والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام كيوم الأربعاء، وتشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح خاصة+ ( ).

وكما أن هناك من يتطير بشهر صفر فهناك من يعكس ذلك، فتراه إذا ذكر شهر صفر قال: صفر الخير.

والحقيقة أن الباطل لا يرد بباطل؛ فصفر كغيره لا يقال في حقه صفر الشر، ولا صفر الخير.

12_التشاؤم ببعض الأرقام: وهذا معروف عند المُحْدثين وخاصة عند الغربيين، حيث يتشاءمون من بعض الأرقام، وأشهر رقم يتشاءمون به هو الرقم_13_ولذلك حذفته بعض شركات الطيران من ترقيم المقاعد، وحذفته بعض العمارات من أرقام الشقق؛ لأن الناس يتشاءمون من ذلك الرقم.

ويقال: إن قصة ذلك سببها خرافة نصرانية تزعم أن حواريِّي عيسى_عليه السلام_عددهم اثنا عشر حوارياً، فانضم إليه يهوذا الأسخريوطي فصاروا ثلاثة عشر.

وهذا الأخير هو الذي وشى بعيسى_عليه السلام_وتسبب في صلبه؛ فلذلك يكرهون هذا الرقم، ويتشاءمون منه.

وهذه خرافة ظاهر بطلانها؛ ذلك أن الأرقام لا تقدم ولا تؤخر، ولأن عيسى_عليه السلام_لم يصلب، ولم يقتل، بل رفعه الله إليه.

* ومن الأرقام التي يتشاءم بها الجهلة الرقم_10_  فالشيعة يكرهون التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون عشرة، حتى في البناء لا يبنون على عشرة أعمدة، ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك؛ لكونهم يبغضون خيار الصحابة، وهم العشرة المشهود لهم بالجنة إلا علي بن أبي طالب ÷.

ومعلوم أنه لو كان في العالم عشرة من أكفر الناس لم يجب هجر هذا الاسم لذلك السبب.

ومن العجب أنهم يوالون لفظ التسعة، وهم يبغضون التسعة من العشرة إلا علياً ( ).

وفي مقابل ذلك نجد أن بعض الطوائف الضالة تعظم بعض الأرقام وتقدسها؛ فمن معتقدات الفرقة البابية الضالة تقديس الرقم (19) فهم يقدسونه، ويجعلون عدد الشهور 19 شهراً، وعدد أيام الشهر 19 يوماً.

والبابية تأمـر معتنقيها بإبقاء الأموات في البيت 19 يوماً وليلة، وتفرض زيادة على ذلك ألا يبتعد عنها أحد من أهل بيتها.

والصلاة عندهم 19 ركعة، والصيام 19 يوماً من كل سنة في شهر العلاء، وحد السارق أن تحرم عليه زوجته 19 يوماً، ويدفع 19 مثقالاً من الذهب إلى علماء البابية؛ ليقدموها إلى المسروق منه.

والعيد عندهم هو عيد النيروز ومُدَّته 19 يوماً ( ).

13_فتح الآي: وهذا نوع من التطير، حيث يفتح أحدهم المصحف؛ فيتفاءل، أو يتشاءم بأول آية يراها؛ فإذا رأى آية وعيد وعذاب تشاءم، وإذا رأى آية رحمة أو جنة تفاءل.

قال الماوردي×: =وحكي أن الوليد بن يزيد ابن عبدالملك تفاءل يوماً في المصحف، فخرج له قوله_تعالى_: [وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ] (إبراهيم: 15) فمزَّق المصحف، وأنشأ يقول:

أتوعِدُ كل جبار عنيد      

                   فها أنذاك جبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم حشر     

                   فقل: يارب رب مزقني الوليد

فلم يلبث إلا أياماً حتى قُتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم على سور بلده، فنعوذ بالله من البغي، ومصارعه، والشيطان ومكائده، وهو حسبنا، وعليه توكلنا+( ).

14_التطير بأهل الصلاح: كحال كثير من أعداء الإسلام من الملحدين والمنافقين قديماً وحديثاً؛ حيث يظنون أن ما يصيبهم من بلاء وشر إنما هو بسبب أهل الخير والصلاح، كما أخبر الله_عز وجل_عن أوائلهم أنهم تطيروا بالمرسلين كما في قوله_تعالى_عن أصحاب القرية التي جاءها المرسلون: [قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ] (يس: 18، 19) هذا وقد مر تفسير الآية عند الحديث عن إبطال الإسلام للطيرة.

15_التطير بالمصائب والبلايا: فمن الناس من إذا أصيب بمصيبة أو بلية مهما كان نوعها من مرض، أو خسارة، أو نحو ذلك ظن أنها قاصمة ظهره، وأنه ضربة لازب لن تبارحه.

وإذا أصيب بعض ولده بمرض ما ظن أن ذلك المرض لن يشفى منه، وقام في قلبه شعور أن الأيام ستسود في وجهه، وأن العيش سيضيق عليه، وأن الشفاء بعيد كل البعد عنه.

إلى غير ذلك من الأوهام التي تقوم في الأذهان الحائرة المبلبلة، فتصدها عن الخير، وتحول بينها وبين السعادة.

وإلا فإن العاقل الرشيد يعلم أن قدر الله نافذ، وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وأن الذي ابتلى بالضر قادر على كشفه.

16_التشاؤم من أحوال المسلمين المزرية: فمن الناس من إذا رأى ما عليه الباطل من صولة، وجولة، وما عليه أهل الحق من ضعف وتخاذل، وحطة، وذلة، وتبعية للأعداء_تطير من ذلك، وتشاءم من المستقبل، ويأس من إصلاح الأحوال، وظن أن الباطل سيستمر وأن الحق وأهله إلى زوال واضمحلال.

وهذا المسلك جد خطير، وهو مما يعتري النفوس التي ضعف إيمانها، وقل يقينها.

وهو مخالف لما جاء به الشرع المطهر، ومناقض لما أخبر الله به من أن العاقبة للتقوى وللمتقين؛ فمن ظن تلك الظنون فقد ظن بربه السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بجلاله، وكماله، وصفاته؛ فإن حمده، وعزته، وحكمته، وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة والغلبة لأعدائه.

ومن ظن تلك الظنون فما عرف الله حقاً، ولا عرف ربوبيته، وملكه، وعظمته؛ إذ لا يجوز في حقه شرعاً ولا عقلاً أن يظهر الباطل على الحق، بل إنه يقذف بالحق على الباطل فإذا هو زاهق.

فالمؤمن بالله وقدره، العالِمُ بسننه في كونه لا تراه إلا متفائلاً في جميع أحواله، منتظراً الفرج من ربه، عالماً بأن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسراً؛ فلا يتسلل اليأس إليه مهما احلولكت ظلمة الباطل؛ فاعتماد القلب على قدرة الله، ولطفه، وكرمه يستأصل جراثيم اليأس، ومنابت الكسل، ويشد ظهر الأمل الذي يلج به الساعي أغوار البحار العميقة، ويقارع به السباع الضارية في فلواتها.

كيف لا وهو يعلم بأنه الله قد كتب النصر في الأزل، وأن كلمته قد سبقت بأن العاقبة للتقوى وللمتقين، وأن جنده هم الغالبون، وهم المنصورون، وأن الأرض يرثها عباده الصالحون !.

أما ما يُشاهد من تسلط الكـفار واستعلائهم فإنما ذلك استعلاء استثنائي، وذلك استدراجاً وإملاءً من الله لهم، وعقوبة للأمة المسلمة؛ بسبب بعدها عن دينها.

ثم إن سنة الله ماضية فـ: [مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ] (النساء: 123).

وهذه الأمة تذنب، وتعاقب بذنوبها عقوبات متنوعة؛ كي تعود إلى رشدها، وتؤدب إلى ربها؛ فتأخذ مكانها اللائق بها [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] (المنافقون: 8).

وهذه الأمة أمة مرحومة؛ تعاقب في هذه الدنيا حتى يخف العذاب عنها في الآخرة، أو يغفر لها بسبب ما أصابها من بلاء.

 إنكار الطيرة عند بعض العرب ( )

من العرب من أنكر الطيرة بعقله، وأبطل تأثيرها بنظره، وذمَّ من اغترَّ بها، واعتمد عليها، وتوهم تأثيرها.

* قال أحدهم:

ولقد غدوت وكنت لا   

                   أغدو على واق وحاتم

فإذا الأشائم كالأيا     

                   من والأيامن كالأشائم

وكذاك لا خير ولا    

                   شر على أحد بدائم

لا يمنعنَّك من بغا      

                   ء الخير تعقاد التمائم

لا والتشاؤم بالعطا    

                   س ولا التيامن بالمقاسم

قد خط ذلك في السطو    

                   ر الأوليَّات القدائم( )

* وقال جهم الهذلي:

ألم تر أن العائفين وإن جرت

                   لك الطير عما في غد عميان

يظنان ظنَّـاً مرة يخطيانه    

                   وأخرى على بعض الذي يصفان

قضى الله أَنْ لا يعلم الغيب غيره

                   ففي أي أمر الله يمتريات( )

* وقال لبيد بن أبي ربيعة ÷:

لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى

                   ولا زاجرت الطير ما الله صانع

سَلُوهُنَّ إن كذَّبتموني متى الفتى

                   يذوق المنايا أو متى الغيث واقع( )

* وقال آخر:

تَعَلَّمْ أنه لا طير إلا   

                   على متطير وهي الثبور

بلى شيء يوافق بعض شيء     

                   أحيينا وباطله كثير( )

* وقال آخر:

طيرة الناس لا ترد قضاءً    

                   فاعذر الدهر لا تشبه بلوم

أي يومٍ تخصه بسعود

                   والمنايا ينزلن في كل يوم

ليس يوم إلا وفيه سعود   

                   ونحوس لقوم وقوم( )

 التوجيه لما يقع من الطيرة ( )

فقد يقول قائل: إن هناك وقائع تدل على وقوع الطيرة لمن تَطَيَّر، أو تُطُيِّر له، فما التوجيه لذلك ؟

والجواب: أن الوقائع التي تذكر، وتدل على وقوع الطيرة صحيحة كثيرة.

ولا ينكر موافقة القضاء لهذه الأسباب؛ وذلك لأن البلاء موكل بالمنطق، ولأن الطيرة على من تطير، والله_عز وجل_نصب لها أسباباً تدفعها من التوكل عليه، وحسن الظن به، وإعراض القلب عن غيره.

ثم إن أكثر ما يتطير به لا يقع، ولكن الناس ينقلون ما صح وما وقع، ويعتنون به؛ فيُرى كثيراً مع أن الكاذب أكثر من أن ينقل.

 التوجيه لحديث:"إذا كان الشؤم ففي ثلاث. . . "

قال النبي ": =الشؤم في الدار، والمرأة، والفرس+ متفق عليه ( ).

وفي لفظ في الصحيحين: =لا عدوى، ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار+ ( ).

وجاء في الصحيحين_أيضاً_: =إن يكن من الشؤم شيء حقاً ففي الفرس، والمرأة، والدار+ ( ).

وقد وردت أحاديث كثيرة على هذا النحو، والأحاديث المذكورة جاءت على وجهين:

أحدهما: بالجزم كما في الحديث الأول والثاني.

وثانيهما: جاء بصيغة الشرط كما في الحديث الثالث.

وهذه الأحاديث لا تدل على الطيرة، ولا تعارض الأحاديث التي جاءت بنفي الطيرة.

* ومما قاله العلماء في توجيه هذه الأحاديث ما يلي ( ) :

1_قالت طائفة: شؤم الدار ضيقها ومجاورة جار السوء، وشؤم الفرس ألا يُغْزى عليها في سبيل الله، وقيل: حرانها، وغلاء ثمنها، وشؤم المرأة عدم ولادتها، وسلاطة لسانها، وسوء خلقها، وتعرضها للريب.

2_وقالت طائفة: هذا مستثنى من الطيرة، أي أن الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم؛ فليفارق الجميع بالبيع، والطلاق، ونحوه، ولا يقيم على الكراهة والتأذي؛ فإنه شؤم.

3_وقالت طائفة: الشؤم في هذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها وتطير؛ فيكون شؤمها عليه، ومن توكل على الله، ولم يتشاءم، ولم يتطير_لم تكن مشؤومة عليه.

قالوا: ويدل عليه حديث أنس: =الطيرة على من تطير+.

وقد يجعل الله تطير العبد وتشاؤمه سبباً لحلول المكروه كما يجعل الثقة به، والتوكل عليه، وإفراده بالخوف، والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به.

4_وقالت طائفة: معنى الحديث: إخباره عن الأسباب المثيرة للطيرة، الكامنة في الغرائز.

يعني أن المثير لغرائز الناس هي هذه الثلاثة؛ فأخبرنا بهذا؛ لنأخذ الحذر منها.

5_قال ابن القيم ×: =وبالجملة فإخباره "بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها.

وإنما غايته أن الله_سبحانه_قد يخلق منها أعياناً مشؤومة على من قاربها، وسكنها، وأعياناً مباركة لا يلحق من قاربها منه شؤم ولا شر.

وهذا كما يعطي_سبحانه_الوالدين ولداً مباركاً يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولداً مشؤوماً نذلاً يريان الشر على وجهه.

وكذلك ما يعطاه العبد من ولاية أو غيرها فكذلك الدار، والمرأة، والفرس.

والله_سبحانه_خالق الخير والشر، والسعود والنحوس، فيخلق بعض هذه الأعيان سعوداً مباركة، ويقضي سعادة من قارنها، وحصول اليُمْن له، والبركة.

ويخلق بعض ذلك نحوساً يتنحس بها من قارنها.

وكل ذلك بقضاء الله وقدره؛ كما خلق الأسباب، وربطها بمسبباتها المتضادة المختلفة؛ فكما خلق المسك وغيره من حامل الأرواح الطيبة، ولَذَّذ بها من قارنها من الناس، خلق ضدها، وجعلها سبباً لإيذاء من قارنها من الناس.

والفـرق بين هذين النوعين يدرك بالحـس؛ فكذلك في الديار، والنساء، والخيل؛ فهذا لون، والطيرة الشركية لون آخر+ ( ).

         من الذي تضره الطيرة ؟ ومن الذي يسلم منها ؟

قال ابن القيم ×: =واعلم أن التطير إنما يضر من أشفق منه، وخاف.

وأما من لم يبال به ويعبأ به شيئاً لم يضره البتة، ولا سيما إذا قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه: =اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك+.

فالطيرة باب من الشرك، وإلقاء الشيطان، وتخويفه، ووسوسته يكبُر، ويعظُم شأنها على من أتبعها نفسه، واشتغل بها وأكثر العناية بها.

وتذهب وتضمحل عمن لم يلتفت إليها، ولا ألقى إليها بالَه، ولا شغل بها نفسَه وفكرَه+.

إلى أن قال: =واعلم أن من كان معنياً بها، قائلاً بها كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدره، وتفتَّحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه، ويراه، ويعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينَه، وينكَّد عليه عيشَه+.

إلى أن قال: =ومن كان هكذا فالبلايا إليه أسرع، والمصائب به أعلق، والمحن به ألزم، بمنزلة صاحب الدَّمَّلِ( ) والقُرحةِ الذي يُهدى إلى قرحته كلُّ مؤذٍ، وكل مصادم؛ فلا يكاد يصدم من جسده، أو يصاب غيرها+ ( ).

وقال الماوردي ×: =واعلم أنه قلما يخلو من الطيرة أحد لاسيما من عارضته المقادير، وصدته عن طِلْبَته؛ فهو يرجو واليأس عليه أغلب، ويأمل والخوف إليه أقرب؛ فإذا عاقه القضاءُ، وخانه الرجاء جعل الطيرةَ عُـذْرَ خيبتهِ، وغَفَـل عن قضاء الله_عز وجل_ومشيئته.

فإذا تطير أحجم عن الإقدام، ويئس من الظفر، وظن أن القياس فيه مطَّرد، وأن العبرة فيه مستمرة، ثم يصير ذلك له عادة؛ فلا ينجح له سعي، ولا يتم له قصد.

فأما من ساعدته المقادير، ووافقه القضاء فهو قليل الطيرة؛ لإقدامه؛ ثقة بإقباله، وتعويلاً على سعادته؛ فلا يصده خوف، ولا يكفه حزن، ولا يؤوب إلا ظافراً، ولا يعود إلا مُنْجِحاً؛ لأن الغُنْم بالإقدام، والخيبة مع الإحجام؛ فصارت الطيرة من سمات الإدبار، واطراحها من أمارات الإقبال؛ فينبغي لمن مُني بها وبُلي أن يصرف عن نفسه وساوس النوكى( ) ، ودواعي الخيبة، وذرائع الحرمان، ولا يجعل للشيطان سلطاناً في نقض عزائمه، ومعارضته خالقه، ويعلم أن قضاء الله_تعالى_عليه غالب، وأن رزقه له طالب، إلا أن الحركة سبب؛ فلا يثنيه عنها ما لا يضر مخلوقاً، ولا يدفع مقدوراً، وليمض في عزائمه، واثقاً بالله_تعالى_إن أعطى، وراضياً به إن منع+ ( ).

 حالة المتطير

المتطير إنسان ضيِّق الصدر، مغلق النفس، فاتر الهمة، ثقيل الظل، كسول متبلد، لا تحدوه غاية، ولا يدفعه هدف.

والمتطير ضيق الأفق، جبان رعديد، يشتد فزعه من الحوادث التافهة، ويغضب أشد الغضب لأدنى تصرف لا يروقه.

والمتطير يعيش في عالم الخيال، والأحلام والأوهام ويشعر دائماً بالخيبة، والخسارة والخذلان.

والمتطير مولع بالعبوس، مُغرىً بالنكد؛ فإذا سمع كلمة سيئة أوَّلها أسوأ تأويل، وحملها على أسوأ محمل، فتراه بعد ذلك وقد اسودت الدنيا في نظره، ثم هو يسوِّدها على من حوله.

والمتطير لديه قدرة على المبالغة في الشر؛ فتراه يجعل من الحبة قبة، ومن البذرة شجرة، وليس عنده قدرة على الخير، ولا على تحرِّيه، فلا تراه يفرح بما أوتي ولو كان كثيراً، ولا ينعم بما نال ولو كان عظيماً.

يقول ابن القيم×: =والمتطير متعب القلب، مُنَكَّد الصدر، كاسف البال، سيئ الخلق، يتخيل من كل ما يراه أو يسمعه، أشدُّ الناس خوفاً، وأنكدهم عيشاً، وأضيق الناس صدراً، وأحزنهم قلباً، كثير الاحتراز والمراعاة لما لا يضره ولا ينفعه، وكم قد حرم نفسه بذلك من حظ، ومنعها من رزق، وقطع عليها من فائدة+ ( ).

 موذج من شعر التشاؤم عند المُحْدثين

يكثر في شعر المحدثين نزعة التشاؤم، والإغراق في النظر إلى الجانب المظلم من الحياة، وتظهر هـذه النزعة عنـد شعراء الاتجاه الرومانسي.

ومن اشتهر بهذه النزعة في العصر الحديث الشاعر حمد الحجي×ومن قصائده في هذا الشأن قوله في هذه القصيدة التي يبين فيها ما جرَّه عليه التشاؤم من البؤس والشقاء، يقوله:

أأبقى على كرِّ الجديدين في جوىً

                   ويسعد أقوام وهم نظرائي

ألست أخاهم قد فُطِرنا سويةً

                   فكيف أتاني في الحياة شقائي

أرى خَلقهم مثلي وخلْقيَ مثلهم

                   وما قصرت بي همتي وذكائي

يسيرون في درب الحياة ضواحكاً

                   على حين دمعي ابتل منه ردائي

أكان لساني إذ نطقت مُلَعثَماً

                   وكانوا إذا ناجوا من الفصحاء

وهل كنت إما أشكل الأمر عاجزاً

                   وكانوا لدى الجلى من الحكماء

إلى أن يقول:

وهل ضربوا في الأرض شرقاً ومغرباً

                   وكنت مللت اليوم طول ثوائي

وهل كلهم أوفوا بكل عهودهم  

                   ومن بينهم قد غاض ماء وفائي

بلى أخذوا يستبشرون بعيشهم

                   سواي فقد عاينت قرب بلائي

وهم نظروا في الكون نظرةَ عابرٍ

                   يمر على الأشياء دون عناء

وأصبحت في هذ الحياة مفكراً

                   فجانبت فيها لذتي وهنائي

ثم يقول بعدَ ذلك محذراً من التشاؤم، حاثاً على التفاؤل، والنظر إلى الجانب المشرق من الحياة:

ومن يطل التفكير يوماً بما أرى

                   من الناس لم يرتح ونال جزائي

ومن يمشِ فوق الأرض جذلان مظهراً

                   بشاشته يمرر بكل رواء

تُغني على الدَّوح الوَريق حمامةٌ

                   فيحسبه المحزون لحن بكائي

وتبكي على الغصن الرطيب يظنها

                   حليف الهنا تشجي الورى بغناء

ألا إنما بشر الحياة تفاؤلٌ

                   تفائل تعش في زمرة السعداء ( )

* ويقول في قصيدة أخرى:

يا إلهي أظلم الكون فلم

                   تر عيني في دجاه ألقا( )

أمل يخبو وقلب يرتمي    

                   فوق أشواق الضنى منسحقا

ومساء ليس فيه نجمه

                   وصباح نبعه ما ندفقا

ظلمات اليأس ما فيها سوى

                      جمرة فيها فؤادي احترقا

أعشق الشمس فيا ويح فتى

                   في بلاد للضحى قد عشقا

سوف يحيا في صراع والمنى

                   والردى عن دربه ما افترقا

يا لعيني من تصاريف النوى

                   يا لروحي من تباريح الشقى

كفني يا شمس مني هيكلاً

                   كفنيه هيكلا محترقا

وادفنيه جانب النهر فقد

                   يلتقي الصبح غصنا مورقا

إيه يا دنيا اعبسي أو فابسمي   

                   إن كأسا بالأسى قد فهقا ( )

يا حياتي ما الذي فيك يرى

                   يبهج النفس ويغري بالبقا ( )

* ويقول في قصيدة أخرى:

إن نظرتُ الجمال غضاً طرياً 

                   يتجلى في المنظر الخلاب

لاح لي أسود المصير كمسو

                       د الليالي مكشر الأنياب

إلى أن يقول:

ألحظ القاتم المرير من العيـ

                   ـش وأبكى على الضياء الخابي

وإذا لاح ليْ البهاء وضيئاً

                   قلت: يادهر ليس ذا من حسابي

وإذا أُعجب الأنام بشيء

                   بت منه في موقف المرتاب

هكذا أصحب الحياةَ فؤادي

                   في عناء وللشقاء ذو تصابي

إن تغنت حمائم ملت عنها

                   ثم أرهفت مسمعي للغراب

لا أرى في الهضاب إلا وحوشاً

                   أين مني ما يزدهي في الهضاب ( )

إلى آخر ما قال في قصيدته الطويلة التي يدور أكثرها حول هذه المعاني.

 حالة المتفائل

التفاؤل_كما مرَّ_يبعث الهمة، ويدعو إلى اطراح الكسل، وإلى الإقبال على الجد والعمل.

والمتفائل واسع النظرة، فسيح الصدر، عالي الهمة، موفور النشاط؛ فتفاؤله يزيده قوة إلى قوته؛ فيكون أقدر على الجد، وحسن الإنتاج، ومقابلة الصعاب من الرجل المتشائم المنقبض الصدر، الممتلئ بالهم، والغم.

والتجربة خير شاهد على أن المتفائلين خير الناس صحة، وأقدرهم على الجد والنشاط، وأقربهم إلى النجاح والفلاح، وأكثرهم سعادة، واستفادة مما في أيديهم ولو كان قليلاً.

فالتفاؤل يضيء الحياة، ويعين على احتمال متاعبها؛ فالعمل الشاق العسير يَخِفُّ حِمْلُه بالنفس المشرقة المتفائلة.

ومن النعم الكبرى على الإنسان أن يعتاد النظر إلى الجانب المشرق في الحياة لا المظلم منها، وأن يمنح القدرة على السرور والتفاؤل.

ثم إن المتفائلين ليسوا أسعد الناس حالاً لأنفسهم ومن حولهم فحسب، بل هم مع ذلك أقدر على العمل، وأكثر احتمالاً للمسؤولية، وأصلح لمواجهة الشدائد، ومعالجة الصعاب، وأجدر بالإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم وتنفع الناس؛ فذو النفس المشرقة يرى الصعاب، فيلذه التغلب عليها، ينظرها فيبتسم، ويعالجها فيبتسم، وينجح فيبتسم، ويخفق بعد فعل الأسباب فيبتسم.

ومن أحكم ما قالته العرب:

ولربما ابتسم الكريم من الأذى

                   وفؤاده من حره يتأوه

والمتفائل رجل شجاع؛ فلا تراه يفكر في احتمال الشر كثيراً ثم إن وقع لم يطر له قلبه شعاعاً.

بل يصبر، ويتحمله بثبات، إن مرض لم يضاعف مرضه بوهمه، وإن نزل به مكروه قابله بجأش رابط فخفَّف حدَّته؛ فمن الحكمة والعقل ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقع الشر، والألم بحصول الشر؛ فليسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه، فإذا حدثت فليقابلها بشجاعة واعتدال.

قال أبو علي الشبل:

ودع التوقع للحوادث إنها

                   للحي من قبل الممات ممات

 علاج الطيرة

الطيرة داء عضال، وسمٌّ قتَّال؛ لما لها من الأثر على عقل المتطير، ودينه، وخلقه.

ولكن علاجها_بحمد الله_ميسور لمن أراده، وسعى له سعيه.

ولقد مرَّ شيء من ذلك في ثنايا الصفحات الماضية، وفيما يلي ذكر لبعض العلاجات لمن وقع في الطيرة.

1_استحضار ضرر الطيرة: فهي نقص في العقل، وفساد في التصور، وانحراف عن سوء الصراط.

وهي موجبة لانقباض النفس، وسوء الخلق، وفوات الخير.

وهي من كيد الشيطان، وتخويفه، ووسوسته، وإغوائه.

وهي مفسدة للتدبير، منغصة للعيش، مسببة للخذلان.

وأعظم من ذلك أن الطيرة باب إلى الشرك؛ إذ هي منازعة لله في شرعه وقدره، وهي مفضية إلى أبواب الدجل والخرافة.

فإذا استحضر العاقل ضرر الطيرة أقصر عنها، ولم يعد يلتفت إليها.

2_المجاهـدة: فقد تكون الطيرة مستحكمة في الإنسان، متمكنة من عقله.

وعلاج ذلك بالمجاهدة، وترك الاسترسال مع ما يلقيه الشيطان في رُوعه، وبتكلف ذلك مرة إثر مرة حتى يزول أثر الطيرة من قلبه.

3_الإيمان بالقضاء والقدر: وذلك بأن يعلم الإنسان علم اليقين بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه لن يصيبه إلا ما كتب له؛ فذلك يحسم مادة الطيرة، ويزيل أثرها من القلب؛ فمن سلم لله، واستسلم له لم يبق للخوف في قلبه موضع.

 =وفي التسليم_أيضاً_فائدة لطيفة، وهي أنه إذا سلمها لله فقد أودعها عنده، وأحرزها في حرزه، وجعلها تحت كنفه؛ حيث لا تنالها يدُ عدوٍّ عادٍ، ولا بغي باغٍ عاتٍ( ).

4_إحسان الظن بالله: فذلك موجـب لراحة القلب، وطمأنينة النفس، فالله_عز وجل_عند ظن العبد به؛ فالمؤمن الحق يحسن ظنه بربه، ويعلم بأنه_عز وجل_لا يقضي قضاء إلا وفيه تمام العدل، والرحمة، والحكمة؛ فلا يتهم ربَّه فيما يجريه عليه من أقضيته وأقداره.

وذلك يوجب له استواء الحالات عنده، ورضاه بما يختار له سيده، كما يوجب انتظار الفرج، وترقَّبه.

وذلك يخفف حمل المشقة، ولا سيما مع قوة الرجاء، أو القطع بالفرج؛ فإنه يجد في حشو البلاء من رَوْح الفرج ونسيمه وراحته ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج مُعَجَّل.

5_التوكل على الله_عز وجل_: والتوكل في لسان الشرع إنما يراد به توجه القلب إلى الله حال العمل، واستمداد المعونة منه، والاعتماد عليه وحده؛ فذلك سر التوكل وحقيقته.

والشريعة أمرت العامل بأن يكون قلبه مطوياً على سراج من التوكل والتفويض، والذي يحقق التوكل هو القيام بالأسباب المأمور بها؛ فمن عطَّلها لم يصحَّ توكله.

فإذا توكل العبد على ربه، وسلم له، وفوض إليه أمره_أمده الله بالقوة، والعزيمة، والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عُرْضةُ اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.

وهذا يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات، والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى.

ومتى صح تفويضـه، ورضاه اكتنفـه في المقدورِ العطفُ عليه، واللطف فيه؛ فيصير بين عطفه ولطفه؛ فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يهوِّن عليه ما قدِّر له.

ومع هذا فلا خروج للعبد عما قدر عليه؛ فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود، مشكور، ملطوف به.

وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به.

وصدق الله إذ يقول: [فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] (آل عمران: 159).

6_الاستعاذة بالله: فالطيرة_كمـا مر_من وساوس الشيطان، وتخويفه.

فإذا استعاذ الإنسان بالله من الشيطان أعاذه الله منه، ووقاه من كيده ووسوسته.

قال_تعالى_: [وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] (فصلت: 36).

7_استعمال الاستخارة:  فالاستخارة علاج نبوي ناجع لمن تعارضت عنده الأمور، وصعب عليه الاختيار؛ فحري بمن أراد الإقدام على أمر يترتب عليه ما يترتب ألا يستهين بأمر الاستخارة؛ فهي تفتح له الأبواب، وتزيل عنه الحيرة، والتردد والاضطراب؛ فإذا أقدم على أمره_أقدم ونفسه مطمئنة، وإذا أحجم أحجم وقد طابت نفسه منه.

ولهذا كان النبي "يعلم أصحابه الاستخارة.

عن جابر ÷قال: =كان النبي"يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول: =إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله_فاقدره لي.

وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري، وآجله_فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رَضِّني به، ويسمي حاجته+( ).

قال ابن حجر ×: =الاستخارة هي استفعال من الخير، أو من الخِيَرة بكسر أوله وفتح ثانيه بوزن العِنبة: اسم من قولك: خار الله له.

واستخار الله: طلب منه الخِيَرة، وخار الله له: أعطاه ما هو خير له.

والمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما+( ).

قال النووي ×: =وقال العلماء: تستحب الاستخارة بالصلاة، والدعاء المذكور، وتكون الصلاة ركعتين من النافلة، والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب، وبتحية المسجد، وغيرها من النوافل، ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة: [قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ]، وفي الثانية: [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ].

ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء+( ).

قال ابن حجر ×: =وأفاد النووي أنه يقرأ في الركعتين: الكافرون، والإخلاص.

قال شيخنا في شرح الترمذي: لم أقف على دليل ذلك، ولعله ألحقهما بركعتي الفجر، والركعتين بعد المغرب.

قال: ولهما مناسبة بالحال؛ لما فيهما من الإخلاص والتوحيد، والمستخيرُ محتاجٌ لذلك+( ).

وقال ابن حجر ×: =قال ابن أبي جمرة: الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة؛ فيحتاج إلى قرع باب الملك، ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة؛ لما فيها من تعظيم الله، والثناء عليه، والافتقار إليه مآلاً وحالاً+( ).

قال النووي ×: =ثم إن الاستخارة مستحبة في جميع الأمور، كما صرح به نص هذا الحديث الصحيح، وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدره، والله أعلم+( ).

هذه بعض الأمور المعينة على علاج الطيرة، بل والوقاية منها لمن لم يقع فيها.

 خلاصـة البحـث

* الطـيرة، والتطير بمعنى واحـد، والطيرة: هـي التشاؤم من الشئ المرئي، أو المسموع.

* سميت بذلك إما من الطير، لأن العرب كانت تزجر الطير، أي ترسلها، وتتفاءل في أصواتها، وممراتها.

وإما من الطيران؛ وذلك لأن الإنسان إذا سمع أو رأى ما يكره_كأنه يطير بسبب ذلك.

ثم أطلق التطير على كل ما يتوهم أنه سبب في لحاق الشر أياً كان.

* العيافة هي زجر الطير، وتنفيرها، وإرسالها، والتفاؤل بأسمائها، وأصواتها، وممراتها؛ فعن العيافة يكون الفأل، أو الطيرة.

* الفأل يقوي العزائم، ويحض على البغية، ويفتح أبواب الخير.

والطيرة تكسر النية، وتصد عن الوجهة، وتفتح أبواب الشر، وهذا من الفروق بينهما.

* جاء الإسلام بنفي الطيرة، وتحريمها، وبيان ضررها، وبيان أنها من صنيع أعداء الرسل.

* جاء الإسلام بالوقاية والعلاج من الطيرة، وذلك بإحسان الظن بالله، وصدق التوكل عليه، وترك الالتفات إلى الطيرة.

* حد الطيرة المنهي عنها أنها ما أمضى الإنسان، أو رده.

* الطيرة شرك بالربوبية؛ لما فيها من اعتقاد جلب النفع، ودفع الضر؛ وشرك بالألوهية؛ لما فيها من التعلق بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.

* الطيرة كانت معروفة عنـد العرب، وكانـوا مختلفين في مذاهبها ومراتبها؛ لأنها كانت خواطرَ، وحدوساً، وتخميناتٍ لا أصل لها.

* كانت العرب تتطير بأشياء كثيرة؛ فكانت تتطير بالعطاس، وبالغراب، وبالسوانح، والبوارح، وبالصرد، وبالثور المكسور القرن، وببعض الأسماء، وذوي العاهات، وبعض الأيام، والشهور.

* من العرب من أنكر الطيرة بعقله، ونفى تأثيرها بنظره، وذم من اغترَّ بها، واعتمد عليها، وتوهم تأثيرها.

* هناك وقائع تذكر، وتدل على وقوع الطيرة.

وتوجيه ذلك أنه لا ينكر موافقة القضاء لهذه الأسباب؛ لأن البلاء قد يكون موكلاً بالمنطق، ولأن الطيرة على من تطير، والله_عز وجل_نصب لها أسباباً تدفعها من التوكل عليه، وإحسان الظن به، وإعراض القلب عن غيره.

ثم إن أكثر ما يُتطير به لا يقع، ولكن الناس ينقلون ما صح، وما وقع، ويُعْنَون به، فَيُرَى كثيراً مع أن الكاذب أكثر من أن ينقل.

* الطيرة تضر من أشفق منها، وخاف، وأتبعها نفسه، وأكثر العناية بها، أما من لم يبال بها فلا تضره شيئاً، ولاسيما إذا قال عند رؤية ما يتطير به، أو سماعه: =اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك+.

* المتطير إنسان ضيق الصدر، مغلق النفس، فاتر الهمة، ثقيل الظل، كسول، متبلد.

وهو جبان رعديد، يشتد فزعه من الحوادث التافهة الحقيرة، ويغضب أشد الغضب لأدنى تصرف لا يروقه.

والمتطير يعيش في عالم الأحلام، والأوهام والخيال، ويشعر دائماً بالخيبة، والخسارة، والخذلان.

* المتفائل واسع النظرة، فسيح الصدر، عالي الهمة، موفور النشاط.

وهو_أيضاً_أقدر على الجد، وحسن الإنتاج، ومقابلة الصعاب من الرجل المتشائم، المنقبض الصدر.

والمتفائل ليس سعيداً بنفسه فحسب، بل يسعد به من حوله.

والمتفائل جدير بتحمل المسؤولية، ومواجهة الشدائد، والإتيان بعظائم الأمور.

* هناك أمور كثيرة تُدفع بها الطيرة، وقد ورد ذكر لشيء منها.

هذا ملخص لأهم ما ورد في البحث، وأخيراً أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يرزقنا خوفه، وخشيته، والتوكل عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

رأيك يهمنا