الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

نبذة مختصرة

الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «الزكاة في الإسلام» بينت فيها بإيجاز كل ما يحتاجه المسلم في زكاته, وقرنت كل مسألة بدليلها من الكتاب والسنة، ... وقد قسمت البحث إلى عدة مباحث على النحو الآتي:
المبحث الأول: مفهوم الزكاة: لغة، وشرعًا.
المبحث الثاني: منزلة الزكاة في الإسلام.
المبحث الثالث: فوائد الزكاة وحِكَمِهَا.
المبحث الرابع: حكم الزكاة في الإسلام.
المبحث الخامس: شروط وجوب الزكاة.
المبحث السادس: زكاة الدين.
المبحث السابع: مسائل مهمة في الزكاة.
المبحث الثامن: زكاة بهيمة الأنعام السائمة.
المبحث التاسع: زكاة الخارج من الأرض.
المبحث العاشر: زكاة الأثمان: الذهب والفضة والأوراق النقدية.
المبحث الحادي عشر: زكاة عروض التجارة والأسهم والسندات.
المبحث الثاني عشر: زكاة الفطر.
المبحث الثالث عشر: مصارف الزكاة في الإسلام.
المبحث الرابع عشر: صدقة التطوع في الإسلام».

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 الزكــــاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

مفهوم, ومنزلة, وحِكَمٌ, وفوائد وأحكام, وشروط, ومسائل

تأليف الفقير إلى الله تعالى

د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

    3-الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

          مركز الدعوة والإرشاد بالقصب، 1431هـ

                   فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر.

القحطاني، سعيد بن علي بن وهف

أركان الإسلام./ سعيد بن علي بن وهف القحطاني – القصب، 1431هـ

5 مج.

   ردمك: 5-90179-603- 978 (مجموعة)

            6-3-90179-603-978 (ج3)

(خمسة أجزاء في صندوق واحد)

1- الإسلام 2-العبادات (فقه إسلامي) 3- التربية الإسلامية.

أ. العنوان

ديوي 252                                4396/ 1431

رقم الإيداع: 4396/ 1431

 ردمك: 5-0-90179- 603- 978 (مجموعة)

6-3-90179-603-978 (ج3)

الطبــــعة الأولى: 1407هـ-2008م

الطبـــعة الثانية: 1428هـ- 2009م

الطبعة الثالثة: شوال 1431هـ-2010م

بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد:

فهذه رسالة مختصرة في ((الزكاة في الإسلام )) بينت فيها بإيجاز كل ما يحتاجه المسلم في زكاته, وقرنت كل مسألة بدليلها من الكتاب والسنة, فما كان من صواب فمن الله الواحد المنان, وما كان من خطأ أو تقصير فمني ومن الشيطان, والله بريء منه ورسوله .

وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن ابن باز قدس الله روحه, ونور ضريحه, ورفع منزلته في الفردوس الأعلى.

وقد قسمت البحث إلى عدة مباحث على النحو الآتي:

المبحث الأول : مفهوم الزكاة: لغة، وشرعاً.

المبحث الثاني: منزلة الزكاة في الإسلام.

المبحث الثالث: فوائد الزكاة وحِكَمِهَا.

المبحث الرابع: حكم الزكاة في الإسلام.

المبحث الخامس: شروط وجوب الزكاة.

المبحث السادس: زكاة الدين.

المبحث السابع: مسائل مهمة في الزكاة.

المبحث الثامن: زكاة بهيمة الأنعام السائمة.

المبحث التاسع: زكاة الخارج من الأرض.

المبحث العاشر: زكاة الأثمان: الذهب والفضة والأوراق النقدية.

المبحث الحادي عشر: زكاة عروض التجارة والأسهم والسندات.

المبحث الثاني عشر: زكاة الفطر.

المبحث الثالث عشر: مصارف الزكاة في الإسلام.

المبحث الرابع عشر: صدقة التطوع في الإسلام.

والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم، مقرباً لمؤلفه، وقارئه، وناشره، من جنات النعيم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع بها كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه وتعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين, حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا محمد بن عبدالله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

المؤلف: أبو عبدالرحمن

حرر بعد عصر يوم الإثنين الموافق 16/12/1426هـ

 المبحث الأول: مفهوم الزكاة: لغة، وشرعاً

الزكاة لغة: أصل الزكاة في اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكل ذلك قد استعمل في القرآن والحديث( ).

والزكاة لغة أيضاً: النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد( )، وجمع الزكاة: زكوات( ).

والزكاة أيضاً: الصلاح، قال الله تعالى: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَـهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ( ). قيل: صلاحاً، وقيل: خيراً منه عملاً صالحاً. وقال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً( ). أي ما صلح منكم، وَلَكِنَّ الله يُزَكِّي مَنْ يَشَاء ( ). أي يصلح من يشاء، وقيل لما يُخرج من المال للمساكين ونحوهم: ((زكاةٌ))؛ لأنه تطهير للمال, وتثمير له, وإصلاح, ونماء بالإخلاف من الله تعالى, فالزكاة طهرة للأموال, وزكاة الفطر طهرة للأبدان( ).

والزكاة أنواع ثلاثة على النحو الآتي:

النوع الأول: زكاة النفس، قال الله تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْـهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ( ).

وتزكية النفس: تطهيرها من الشرك، والكفر، والنفاق، والذنوب والمعاصي، والأخلاق الذميمة.

النوع الثاني: زكاة البدن، وهي صدقة الفطر من شهر رمضان المبارك، وقد فرضها رسول الله   على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد من المسلمين، طهرة للصائم من اللغو والرفث: صاعاً من طعام، أو من برٍّ، أو تمر, أو شعير، أو أقط، أو زبيب( ).

النوع الثالث: زكاة الأموال وهي ركن من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة، وهي طهرة للأموال، والأنفس، وبركة في الأموال والأنفس( ).

والزكاة أيضاً تأتي بمعنى المدح، يقال: زكَّى نفسه إذا مدحها ووصفها وأثنى عليها,قال الله تعالى:فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ( ).

ويقال: زكَّى القاضي الشهود إذا مدحهم وعدَّلهم( ).

والخلاصة أن أصل مادة:((زكا)) الزيادة، والنماء،وكل شيء زاد فقد زكا.

ولما كان الزرع لا ينمو إلا إذا خلص من الدغل كانت لفظة الزكاة تدل على الطهارة أيضاً.

وإذا وصف الأشخاص بالزكاة – بمعنى الصلاح – فذلك يرجع إلى زيادة الخير فيهم( ).

فالزكاة لغة: النماء والزيادة، والطهارة، والبركة( ).

الزكاة شرعاً: حقٌّ يجب في المال( ).

وقيل:حقٌّ واجب في مال خاص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص( ).

وقيل: إنفاق جزء معلوم من المال النامي إذا بلغ نصاباً في مصارف مخصوصة( ).

وقيل: حصة من المال ونحوه يوجب الشرع بذلها للفقراء ونحوهم بشروط خاصة( ).

وقيل: عبارة عن إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالك مخصوص( ).

وقيل:نصيب مقدَّر شرعاً في مال معين يصرف لطائفة مخصوصة( ).

وقيل: التعبد لله تعالى بإخراج جزء واجب شرعاً، في مال معين، لطائفة أو جهة مخصوصة( ).

وقيل: حق يجب في أموال مخصوصة، على وجه مخصوص، ويعتبر في وجوبه الحول والنصاب( ).

وقيل: تمليك جزء من مال معين شرعاً من يستحقه من مسلم بشرط قطع المنفعة عن ذلك المال من كل وجه لله تعالى( ).

قال الإمام الشوكاني رحمه الله: ((الزكاة في اللغة: النماء، يقال: زكى الزرع إذا نما، وترد أيضاً بمعنى التطهير، وترد شرعاً باعتبارين معاً، أما بالأول؛ فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر يكثر بسببها، أو بمعنى أن تعلقها بالأموال ذات النماء: كالتجارة، والزراعة، وأما الثاني؛ فلأنها طهرة النفس من رذيلة البخل، وطهرة من الذنوب))( ).

وقيل: الزكاة شرعاً: حق واجب، في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص( ).

والتعريف الذي يشمل التعريفات المتقدمة كلها: أن يقال:

الزكاة شرعاً: ((التعبد لله تعالى بإخراج حق واجب مخصوص شرعاً، من مال مخصوص، في وقت مخصوص، لطائفة مخصوصة، بشروط مخصوصة)). والله أعلم.

والزكاة الشرعية قد تسمى صدقة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ( ). وقال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَـهُمْ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ( ). وقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْـمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْـمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ). وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله لما بعث معاذاً إلى اليمن بيَّن له فقال:

((... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم))( ). وفي حديث جابر وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي : ((ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة))( ).

والصدقة: هي العطية التي يُبتغى بها الثواب عند الله تعالى( ).

قال العلامة الراغب الأصفهاني – رحمه الله تعالى : ((الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوَّع به، والزكاة للواجب، وقد يسمى الواجب صدقة إذا تحرَّى صاحبها الصدق في فعله))( ).

فتبين بذلك أن لفظ الصدقة نوعان:

النوع الأول: صدقة تطلق على صدقة التطوع.

النوع الثاني: صدقة تطلق على صدقة الفرض، التي هي الزكاة( ).

والعطية: هي ما أعطاه الإنسان من ماله لغيره، سواء كان يريد بذلك وجه الله تعالى، أو يريد به التودد، أو غير ذلك، فهي أعم من الزكاة، والصدقة، والهبة، ونحو ذلك( ).

 المبحث الثاني: منزلة الزكاة في الإسلام

الزكاة فريضة عظيمة ومنزلتها من أعظم الأمور؛ لما يأتي:

1 – الزكاة: الركن الثالث من أركان الإسلام، فهي أحد مباني الإسلام؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)). وفي لفظ لمسلم: ((بني الإسلام على خمس: على أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان))( ).

2 – الزكاة: قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى، فقد جمع الله بينها وبين الصلاة في مواضع كثيرة في كتابه الكريم، وهذا يدل على عظم مكانتها عند الله ، وعظم شأنها، قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( ).

وقال تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ( ).

وقال سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ الله إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ).

وقال أثناء بيانه لخصال البر وصفات المتقين: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إلى أن قال :وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالـْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا( ).

وقال تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَـهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ).

وقال جل وعلا: أَلـَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَـهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ( ).

وقال تعالى أثناء بيانه لصفات الراسخين في العلم والمؤمنين: وَالـْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْـمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْـمُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً( ).

وقال سبحانه: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ( ).

وقال :الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ( ).

وقال تبارك وتعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ( ).

وقال جل وعلا: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ( ).

وقال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ( ).

وقال سبحانه أثناء ذكره لصفات المؤمنين: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله( ).

وقال سبحانه في قول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ( ).

وقال في مدح إسماعيل عليه الصلاة والسلام: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ( ).

وقال تبارك وتعالى في سورة الأنبياء: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْـخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ( ).

وقال جل وعلا: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْـمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْـمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ( ).

وقال تعالى: ... فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِالله هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْـمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ( ).

وقال سبحانه: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ( ).

وقال : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( ).

وقال : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( ).

وقال تبارك وتعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( ).

وقال جل وعلا: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ ( ).

وقال تعالى: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ( ).

وقال سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً ( ).

وقال : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ( ).

وهذه الآيات السابقة قرنت بين الصلاة والزكاة ستًّا وعشرين مرة، كل مرة منها في آية واحدة، وتمام السابعة والعشرين مرة جاءت في سياق واحد مع الصلاة، وإن لم تكن معها في آية واحدة، هي قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْـمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ( ).

وذكرت الزكاة منفردة عن الصلاة في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم هي قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ( ).

وقوله تعالى: وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُضْعِفُونَ ( ).

وقوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ*الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ( ).

فهذه ثلاثون مرة ذكرت فيها الزكاة في القرآن الكريم( ).

وقد جاءت كلمة الصدقة والصدقات في القرآن الكريم اثنتا عشرة مرة( ) منها قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ( ).

وقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْـمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْـمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ( ).

وقد جاءت الزكاة في القرآن بألفاظ غير ألفاظ الزكاة والصدقة كقوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِـهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْـمَحْرُومِ( ).

وقوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْـمُحْسِنِينَ( ).

وقوله تعالى: وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْـمِسْكِينِ ( ).

وغير ذلك من الألفاظ التي تدل على أهمية الزكاة وعظم منزلتها في الإسلام.

3 – اعتنت سنة النبي بالزكاة عناية دقيقة فائقة، وهذا يدل على علو شأن الزكاة ومنزلتها العظيمة في الإسلام، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في العناية بالزكاة، والأمر بإخراجها, وبيان وجوبها، وإثم تاركها, وقتال من منعها، وبيان أصناف الأموال الزكوية: من بهيمة الأنعام، والذهب، والفضة، وعروض التجارة، والخارج من الأرض: كالثمار، والحبوب، وغير ذلك: كالمعدن، والركاز، وأوضحت النصب ومقاديرها، وبينت السنة أحكام الزكاة بالتفصيل، وكذلك اعتنت السنة المطهرة ببيان أصناف أهل الزكاة الثمانية، وقد ذكر الإمام ابن الأثير أكثر من مائة وعشرة أحاديث في الزكاة( )، وهي أكثر من ذلك في المصنفات الحديثية، وهذا كله يدل على عظم شأن الزكاة وعلو منزلتها في الإسلام.

4 – لعظم شأن الزكاة ذكرها الله تعالى في شرائع من كان قبلنا، فقال حينما تكلم عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْـخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ( ). وقال : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ( ). وغير ذلك من الآيات التي تقدم ذكرها آنفاً، منها قوله تعالى في قول عيسى: وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا( ).

5 –  مدح الله القائمين بها في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا*وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا( ).

وقال : رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ( ). وغير ذلك من الآيات والأحاديث.

6 – ذم الله تعالى التاركين لها، وتوعَّدهم بالهلاك فقال : وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ*الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ( ).

7 – تارك إطعام المساكين من المجرمين؛ لقول الله تعالى: كلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ*إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ*فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ*عَنِ الـْمُجْرِمِينَ* مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لـَمْ نَكُ مِنَ الْـمُصَلِّينَ* وَلَـمْ نَكُ نُطْعِمُ الْـمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْـخَـائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّين( ).

8 – أداء الزكاة من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، وقد ذكرتُ أدلة ذلك في فوائد الزكاة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

9- لعظم مكانة الزكاة شرعها الله تعالى زكاة مطلقة بدون أنصباء مُحدَّدة منذ العهد المكي ورغب فيها؛ لقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْـمُسْرِفِينَ( ).

وذم الله تعالى من لم يحض على طعام المسكين، فبين أن عدم الحض على طعام المسكين من أسباب العذاب، فقال تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْـجَحِيمَ صَلُّوهُ*ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ*إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِالله الْعَظِيمِ* وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الـْمِسْكِينِ( ).

وقال تعالى: كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْـمِسْكِينِ( ).

وبيَّن أن من أسباب دخول الجنة العناية بالسائل والمحروم، فقال تعالى في أوصاف أهل الجنة: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ* كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ* وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَفِي أَمْوَالِـهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالـْمَحْرُومِ( ).

وبيَّن تعالى أن من صفات المؤمنين أن في أموالهم حقًّا معلوماً للسائل والمحروم، فقال سبحانه: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ الْـخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْـمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِـهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ( ).

وفي سورة الروم يأمر تعالى بأداء حق القريب والمسكين، وابن السبيل: فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْـمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ( ).

وقال تعالى في سورة النمل وهي مكية: طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ* هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ( ).

وقال سبحانه في مطلع سورة لقمان: الم* تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْـحَكِيمِ* هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ*الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ( ).

وغير ذلك من الآيات في العهد المكي( ).

والزكاة في العهد المكي زكاة مطلقة من القيود والشروط, والحدود, والأنصباء.

أما الزكاة التي فرضت في المدينة: فهي الزكاة ذات النصب والمقادير الخاصة، والشروط، قال الإمام ابن كثير – رحمه الله تعالى – عند تفسير قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا( ). ((أي أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا دليل لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة، والله أعلم))( ). فالصواب أن الزكاة فرضت في أصح أقوال أهل العلم بمكة، ولكن تقدير الأنصبة والأموال الزكوية وأهل الزكاة نزلت بالمدينة( ).

10 – لعظم شأن الزكاة في الإسلام اعتنى الله بها, ففرضت في السنة الثانية للهجرة: الزكاة ذات النصب والمقادير، في المدينة، وبين أصناف أهل الزكاة، قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير سورة المؤمنين عند قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ( ). ((الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجباً بمكة))( ). كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ( )( ).

11 – ويدل على علوِّ منزلة الزكاة أن من منعها يقاتل؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله))( ). ولحديث أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله   واستُخلفَ أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه, وحسابه على الله تعالى)). فقال أبو بكر: والله! لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله   لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله! ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحق)). وفي صحيح البخاري: أن أبا بكر قال: ((والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله   لقاتلتهم على منعها))( ).

12 – ومما يؤكد عظم منزلة الزكاة في الإسلام أن من جحد وجوبها كفر: إن كان مسلماً ناشئاً ببلاد الإسلام بين أهله فإنه يكون مرتدًّا تجري عليه أحكام المرتد, ويستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل؛ لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا تكاد تخفى على من هذه حاله، فإذا جحدها لا يكون إلا لتكذيبه: الكتاب والسنة، وكفره بهما، أما من كان جاهلاً: إما لحداثة عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ ببادية نائية عن الأمصار، فإنه يُعرَّف وجوبها, ولا يحكم بكفره حتى يعلم ثم يجحد وجوبها( ).

قال شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله: ((... في حكم تارك الزكاة تفصيل، فإن كان تركها جحداً لوجوبها مع توافر شروط وجوبها عليه كفر بذلك إجماعاً, ولو زكَّى مادام جاحداً لوجوبها, أما إن تركها بخلاً أو تكاسلاً؛ فإنه يعتبر بذلك فاسقاً، قد ارتكب كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب))( ).

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - ((... من أنكر وجوبها فقد كفر إلا أن يكون حديث عهد بإسلام، أو ناشىء في بادية بعيدة عن العلم وأهله فيعذر، ولكنه يعلَّم، وإن أصر بعد علمه فقد كفر مرتدًّا، وأما من منعها بخلاً وتهاوناً ففيه خلاف بين أهل العلم:

فمنهم من قال: إنه يكفر، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد( ).

ومنهم من قال: إنه لا يكفر، وهذا هو الصحيح، ولكنه قد أتى كبيرة عظيمة، والدليل على أنه لا يكفر حديث أبي هريرة ، وفيه: أن النبي   ذكر عقوبة مانع زكاة الذهب والفضة، ثم قال: ((... حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار))( ). وإذا كان يمكن أن يرى له سبيلاً إلى الجنة؛ فإنه ليس بكافر؛ لأن الكافر لا يمكن أن يرى سبيلاً له إلى الجنة، ولكن على مانعها من الإثم العظيم ما ذكره الله تعالى...)) ( )( ).

13 – ولعظيم منزلة الزكاة جاءت النصوص من الكتاب والسنة في بيان عقوبة تاركها، مما تقشعر منه الجلود المسلمة، وتدمع له العيون المؤمنة، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ( ).

وقال الله : وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لـَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لـَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأُحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيُرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار)) قيل: يا رسول الله: فالإبل؟ قال: ((ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها, إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاعٍ قرقر( ) أوفر ما كانت, لا يُفقد منها فصيلاً واحداً، تطؤه بأخفافها، وتعضُّه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رُدَّ عليه أخراها( ) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار)) قيل: يا رسول الله! فالبقر والغنم؟ قال: ((ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاع قرقر, لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها عقصاءُ( )، ولا جلحاءُ( ), ولا عضباءُ( ), تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها, كلما مرت عليه أولاها رُدّ عليه أخراها( ) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, حتى يُقضى بين العباد, فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار))( ).

وعن جابر بن عبدالله نحو حديث أبي هريرة السابق, وفيه: ((... ولا صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعاً أقرع, يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفرُّ منه, ويقال: هذا مالك الذي كنت تبخل به، فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه، فجعل يقضمها كما يقضم الفحل))( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع( )، له زبيبتان( ) يطوقه يوم القيامة, ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه – ثم يقول: أنا مالك, أنا كنزك)) ثم تلا هذه الآية: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لـَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لـَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( ). وفي لفظ: ((يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعاً أقرع, يفرُّ منه صاحبه ويطلبه, ويقول: أنا كنزك, قال: والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه))( ).

وعن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي   وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: ((هم الأخسرون وربِّ الكعبة)) قال: فجئت حتى جلست فلم أتقارَّ( ) أن قمت, فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال: ((هم الأكثرون أموالاً، إلا من قال: هكذا، وهكذا, وهكذا – من بين يديه, ومن خلفه, وعن يمينه, وعن شماله – وقليل ما هم, ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها, كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يُقضى بين الناس))( ).

14 – تعزير الإمام لمن تهاون بأداء الزكاة يدل على عِظَم منزلتها في الإسلام؛ لحديث معاوية بن حيدة , قال: سمعت رسول الله   يقول: ((في كل إبل سائمة: في كل أربعين ابنة لبون, لا تفرَّقُ إبلٌ عن حسابها( ), من أعطاها مؤتجراً بها فله أجرها, ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله, عزمة( ) من عزمات ربنا , ليس لآل محمد منها شيء)). وفي لفظ النسائي: ((من أعطاها مؤتجراً( ) فله أجرها, ومن أبى فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا, لا يحل لآل محمد   منها شيء))( ).

فقوله : ((فإنا آخذوها)) استدل به على أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهراً( ).

واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في أخذ نصف المال عقاباً لمانع الزكاة:

فمنهم من قال: يؤخذ نصف ماله مع أخذ الزكاة.

ومنهم من قال: يجعل ماله نصفين, ثم تؤخذ الزكاة من خير الشطرين.

ومنهم من قال: لا يعاقب بالمال, وإنما يعاقبه الإمام بما يراه, وهذا قول الجمهور( ).

 المبحث الثالث: فوائد الزكاة وحِكَمها

للزكاة فوائد عظيمة، وحِكمٌ كثيرة، منها ما يأتي:

1 – إتمام إسلام العبد؛ لأنها أحد أركان الإسلام، فإذا أدى العبد الزكاة المفروضة تم إسلامه وكمل، وهذا غاية عظيمة لكل مسلم, فكل مسلم مؤمن يسعى لإكمال دينه( ).

2 – حصول طاعة الله بتنفيذ أمره: رجاء ثوابه وخشية عذابه، وابتغاء رضوانه.

3 – تثبيت أواصر المحبة بين الغني والفقير؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.

4 – تطهير النفس وتزكيتها، والبعد بها عن خُلُق الشح والبخل، كما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قول الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا( ).

5 – تعويد المسلم على صفة الجود، والكرم، والعطف على ذوي الحاجات؛ والرحمة للفقراء.

6 – حفظ النفس عن الشح، قال الله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ( ).

7 – استجلاب البركة والزيادة والخلف من الله تعالى، كما قال : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( )؛ ولقول الله تعالى في الحديث القدسي عن أبي هريرة عن النبي   أنه قال: ((قال الله: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك))( ).

وعن أبي هريرة عن رسول الله   قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله))( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً))( )( ).

وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قال رسول الله : ((انفحي أو انضحي، أو أنفقي( ) ولا تحصي فيحصي الله عليك( )، ولا توعي فيوعي الله عليك))( )، وفي لفظ البخاري: ((لا توكي فيوكي الله عليك))( ).

8 – برهان على صدق إسلام مخرجها؛ لحديث أبي مالك الأشعري ، وفيه: ((والصدقة برهان....)) ( ).

9 – تشرح الصدر، فالمسلم إذا أحسن إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال، وأنواع الإحسان انشرح صدره؛ فالكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً، والبخيل الذي لا يحسن أضيق الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً، وأكثرهم همًّا وغمًّا، لكن لا بد من العطاء بطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرجه من يده( ).

10 – تُلحق المسلم بالمؤمن الكامل؛ لحديث أنس عن النبي   قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه – أو قال – لجاره ما يحب لنفسه))( ).

فكما أن المسلم يحب أن يبذل له المال الذي يسد به حاجته، فهو يحب أن يحصل لأخيه مثل ذلك، فيكون بذلك كامل الإيمان.

11 – من أسباب دخول الجنة؛ لحديث أبي مالك الأشعري عن رسول الله   قال: ((إن في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام))( ).

12 – تجعل المجتمع المسلم كالأسرة الواحدة، يرحم القوي القادر الضعيف العاجز، والغني يحسن إلى المعسر، فيشعر صاحب المال بوجوب الإحسان عليه كما أحسن الله إليه، قال الله تعالى: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ( ). فتصبح الأمة الإسلامية كأنها عائلة واحدة.

13 – تطفئ حرارة ثورة الفقراء؛لأن الفقير قد يغضب، لما يرى من تنعم الأغنياء،فإذا جاد الأغنياء على الفقراء كسروا ثورتهم وهدؤوا غضبهم.

14 – تمنع الجرائم المالية مثل: السرقات، والنهب، وما أشبه ذلك؛ لاستغناء الفقراء عن هذه الجرائم بإعطائهم الزكاة، أو بالصدقة والإحسان إليهم.

15 – النجاة من حرِّ يوم القيامة؛ لحديث عقبة ابن عامر عن النبي   قال: ((كلُّ امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس)) أو قال: ((يحكم بين الناس))( ). وفي لفظ: ((إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته))( ). قال يزيد – أحد رواة الحديث: ((وكان أبو الخير – راوي الحديث عن عقبة – لا يخطئُه يومٌ إلا تصدق فيه بشيء، ولو كعكة، أو بصلة أو كذا))( ).

وقال النبي في أحد الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ((...ورجل تصدق بصدقة فأخفاها,حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))( ).

16 – تعين المسلم على معرفة حدود الله والفقه في دينه تعالى؛ لأن المسلم لا يؤدي زكاته إلا بعد أن يعرف أحكامها، وأموالها، وأنصابها، ومستحقها، وإثم من منعها، وفضل من أداها، وغير ذلك مما تدعو الحاجة إليه.

17 – سبب لنزول الخيرات ودفع العقوبات؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما, وفيه: ((...ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء, ولولا البهائم لم يمطروا...)) ( ).

18 – تطفئ الخطايا وتكفرها؛ لحديث معاذ , وفيه: ((...والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار))( )( ).

19 – أداء الزكاة من شكر النعم، وشكر النعم سبب لزيادتها؛ لقول الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ( ).

20 – مضاعفة الأجر عند الله تعالى؛ لقول الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالـَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَالله يُضَاعِفُ لـِمَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( ).

21 – وقاية صاحب المال من العذاب به؛ فإن الذي لا يؤدي زكاة ماله يعذب بماله في الآخرة، قال الله تعالى:  وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ( ).

22 – الزكاة تُحصِّن المال, ويحفظه الله تعالى بها( ).

23 – ذهاب شر المال ووباله؛ لحديث جابر قال رجل من القوم: يا رسول الله! أرأيت لو أدَّى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله : ((من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره))( )، ولفظ الحاكم:((إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره))( ).

24 – تطهير المال؛ لأن الزكاة تطهيرٌ للمال؛ لقول النبي : ((... إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس...)) ( )( ).

25 – وقاية المال من الفساد؛ لأن الزكاة ما خالطت مالاً إلا أفسدته( ). قيل في ذلك: لأن الحرام يهلك الحلال، وقيل: إذا أخذ الغني الزكاة أهلكت ماله؛ لأن الزكاة للفقراء( ).

26 – استعانة الفقير بما يأخذ من الزكاة على طاعة الله، ولولا ذلك لاشتغل قلبه بالهموم شغلاً يمنعه من العبادة، بل ربما يوقعه ذلك في شك من ضمان الله تعالى الرزق له ولكل مخلوق، والزكاة تزكي الفقراء والمساكين بسد حاجاتهم، وإغنائهم عن ذل السؤال، والتطلع إلى ما في أيدي الخلق.

27 – ترغيب الفقير في فعل الخيرات والإحسان إلى من دونه؛ لما يرى من إحسان الغني إليه.

28 – تحقيق أهم عناصر التمكين في الأرض والنصر على الأعداء، قال الله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْـمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْـمُنْكَرِ وَلِله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ( ).

29 – يزيد الله تعالى من أدى الزكاة طيبة بها نفسه هُدىً وإيماناً، قال الله تعالى: وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً( ). وقال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ( ).

وقال في طاعة النبي   في الأمر والابتعاد عن النهي، ومن ذلك طاعته   في الزكاة: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ( ).

30 – شهد الله تعالى للمنفقين بالهدى والفلاح، قال الله : ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ*أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ( ). فأداء الزكاة من أعظم صفات أهل التقوى الذين ينتفعون بالقرآن.

31 – أداء الزكاة والصدقة من أعظم قضاء الحوائج وتفريج الكربات والستر في الدنيا ويوم القيامة؛ لما فيها من قضاء حاجات المحتاجين، وتفريج كربات المكروبين، والستر على المعسرين؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه...))( )؛ ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما, وفيه: ((ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة))( ).

32 – أداء الزكاة أو الصدقة إلى الضعفاء الفقراء من أسباب النصر والرزق؛لحديث سعد عن النبي   أنه قال: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟)) ( )؛ ولحديث أنس بن مالك ، قال: كان أخوان على عهد النبي ، فكان أحدهما يأتي النبي ، والآخر يحترف, فشكى المحترف أخاه إلى النبي , فقال: ((لعلك تُرزق به))( ).

33 – المتصدق ابتغاء مرضاة الله تعالى يفوز بثناء الله تعالى, وما وعد به المتصدقين من الأجر العظيم، وانتفاء الخوف والحزن، قال الله :

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَـهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ).

34 – من أعظم أسباب رحمة الله تعالى للعبد في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( ).

وقال الله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ( ). وقال النبي : ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس))( ). وقال : ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))( ). وقال : ((لا تنزع الرحمة إلا من شقي))( ). وقال : ((إن أبعد الناس من الله القلب القاسي))( ).

35 – وعد الله تعالى المؤمنين المتصدقين بالجنة وما فيها من النعيم المقيم، والرضوان العظيم، قال الله تعالى: وَالْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ*وَعَدَ الله الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ الله أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ).

36- وعد الله بالفلاح والفردوس لمن قام بأداء الزكاة مع الصفات الجميلة الأخرى, قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ( ). إلى قوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ).

37-أداء الزكاة من أعظم أنواع الإحسان, وقد أخبر الله تعالى عن نفسه بما يرغب كل من عرف فضل الإحسان بالإحسان؛ لعظم شأنه عند الله ، قال الله تعالى: وَأَحْسِنُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الـْمُحْسِنِينَ( ). وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الـْمُتَصَدِّقِينَ( ). وقال : إِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْـمُحْسِنِينَ ( ).

38- في إعطاء العاملين على الزكاة منها- إذا لم يكن لهم مرتب أو أجرة من بيت المال- كفاية لهم ولأسرهم مدة قيامهم بجبايتها من الناس وصرفها  لمستحقيها، وفي إعطائهم منها : إعانة لهم على الخير وتشجيعهم على الاستمرار على هذا العمل؛ ليعينوا إخوانهم الأغنياء على إخراج الزكاة الواجبة عليهم، ويعينوا إخوانهم الفقراء في إيصالهم ما فرض الله لهم، وتحصيل حقوقهم دون أن تتطلع نفوس العاملين عليها إلى الخيانة فيها وسوء التصرف فيها.

39- في إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم: ترغيبهم في الإسلام، وتحبيبه إليهم، وتقوية ما في قلوبهم من الإيمان، أو كف شرهم عن المسلمين، وإيصال الدعوة إلى من لديهم من المستضعفين.

40- في إعطاء الغارمين الزكاة نوع من التخفيف عنهم من همِّ الديون بالليل وتحريرهم من ذلها بالنهار؛ فإن الدين همٌّ على المؤمن بالليل وذلٌّ بالنهار.

41- تجهيز المقاتلين في سبيل الله تعالى، وإعداد ما يلزم من العدد والعتاد، لقتال أعداء الإسلام، ونشر الإسلام بين الأمم والدفاع عن الإسلام وديار المسلمين، وكف الظلم، ودفع العدوان، وقطع دابر الكافرين حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ( ). فتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

42- مساعدة المسلم المسافر إذا انقطع من النفقة في طريقه لنفاد نفقته أو سرقة أو ضياع، ولم يجد ما يكفيه لمؤنة سفره، ففي إعطائه الزكاة إحسان إليه، ومواساة له في حال غربته، فيعطى من الزكاة ما يسد حاجته حتى يعود إلى بلاده( ).

43- في إعطاء الزكاة في تحرير الرقاب تحرير للرقيق الذي أذله الرق، فيكون بأخذه للزكاة أو إعتاقه منها حرًّا عبداً لله ، يقوم بعبادة الله ، وهو على كمال في الحرية من ملك العباد وتفريغه لعبادة رب العباد.

44- يترتب على أداء الزكاة الأجر العظيم، قال الله تعالى: يَمْحَقُ الله الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ( ).

وقال : وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ الله وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُضْعِفُونَ ( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب, ولا يقبل الله إلا الطيب))، [وفي لفظ ((فإن الله يتقبَّلُها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوَّه( ), حتى تكون مثل الجبل])) ( ).

 المبحث الرابع: حكم الزكاة في الإسلام

الزكاة: واجبة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة على كل مسلم، حر، مالك لنصابٍ، مستقرٍّ، مضى عليه الحول في غير المعشر( ).

أما الكتاب، فلقول الله تعالى: وَآَتُوا الزَّكَاةَ( ). وفي آيات كثيرة أمر الله فيها بأداء الزكاة.

وأما السنة ؛ فلحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي بعث معاذاً إلى اليمن فقال:((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)). وفي لفظ:((إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله , فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم...)) ( ).

وأما الإجماع: فأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوب الزكاة إذا اكتملت الشروط، واتفق الصحابة على قتال مانعيها( ).

 المبحث الخامس:شروط وجوب الزكاة خمسة على النحو الآتي:

الشرط الأول: الإسلام، وضده الكفر، فلا تؤخذ الزكاة من الكافر ولا تقبل منه، سواء كان كافراً أصليًّا أو مرتدًّا؛ لأن الزكاة من فروع الإسلام، قال الله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ( ).

ومما يدل على أن الإسلام شرط لوجوب الزكاة قول النبي   لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: ((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم...))( ). فجعل الإسلام شرطاً لوجوب الزكاة( ).

والزكاة طهرة للمسلم، قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ( ). أما الكافر فهو نجس لا يطهر إلا بالدخول في الإسلام( ).

والكافر لا تقبل منه الزكاة، ولا تؤخذ منه، ويحاسب عليها يوم القيامة، قال الله تعالى عن المجرمين: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لـَمْ نَكُ مِنَ الْـمُصَلِّينَ*وَلَـمْ نَكُ نُطْعِمُ الْـمِسْكِينَ*وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْـخَائِضِينَ( ).

فلولا أنهم عوقبوا على ترك الصلاة وإطعام المسكين ما ذكروا ذلك سبباً في دخولهم النار( )

وهذا يدل على أن الكفار يعاقبون ويعذبون على إخلالهم بفروع الإسلام( ).

الشرط الثاني: الحرية, وضدها الرق, فلا تجب الزكاة على رقيق – وهو العبد المملوك؛ لأنه لا يملك شيئاً؛ لأن المال الذي بيده لسيده؛ لحديث عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله   يقول: ((من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبَّر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع, ومن ابتاع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع))( ). ولا تجب على مكاتب؛ لأنه عبد؛ ولأن ملكه غير تام, فهو كالعبد؛ لحديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي قال: ((المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم))( )( ).

الشرط الثالث: مِلْكُ نصابٍ؛ لحديث أبي سعيد الخدري عن النبي   قال:((ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة، ولا فيما دون خمس ذودٍ صدقة، ولا فيما دون خمس أواقٍ صدقة))( ). فإذا ملك المسلم نصاباً اعتبر من الأغنياء؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي   قال لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن:((... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم...)) ( ). وملك النصاب يختلف باختلاف الأموال، فإذا لم يكن عند الإنسان نصاب فلا زكاة عليه حتى يبلغ ماله النصاب الذي قدره الشرع، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك عند الكلام عن أصناف الأموال الزكوية( ).

الشرط الرابع: استقرار الملك، بأن يكون المالك للشيء يملكه مِلكاً مستقرًّا( )، ويعبر عن هذا الشرط أيضاً: بــ((تمام الملك))( ) أو ((الملك التام))( )، ومعنى تمام الملك: أن لا يتعلق به حق غيره بحيث يكون له التصرف فيه( ).

فلا زكاة على السيد في دين الكتابة، لعدم استقراره؛ ولنقصان الملك فيه( )؛ فإن السيد إذا باع مملوكه بدراهم على نفسه وبقيت عند مملوكه المكاتب سنة فلا زكاة فيها؛ لأن العبد يملك تعجيز نفسه فيقول: لا أستطيع أن أوفي. وإذا كان لا يستطيع أن يؤدي ما عليه فإنه يسقط عنه المال الذي اشترى نفسه به، فيكون الدين حينئذ غير مستقر( ).

ولا زكاة في الوقف على غير معين، كالوقوف على فقراء، أو على المساجد، أو المجاهدين، أو المدارس أو غير ذلك من وجوه البر( ). أما الوقف على معين ففيه الزكاة، كعلى بني فلان( ) ( ).

وكذلك الحبوب والثمار إذا بدا صلاحها وجبت فيها الزكاة، ولكن لا يستقر الوجوب إلا بالتمكن منها, فما دامت على رؤوس الشجر أو على رؤوس الزرع فإنه لا يتمكن منها تمكناً تامًّا حتى يحصد الزرع ويؤويه إلى الجرين، وحتى يجذ النخل، فلو أصابت الزرع أو النخل آفة قبل الحصاد والجذاذ وتلف المحصول من غير تفريط من صاحبه فإنه لا تجب عليه الزكاة؛ لأن ملكه لم يستقر عليه بعد( )  والله تعالى أعلم( ).

الشرط الخامس: مضي الحول في غير المعشر؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله يقول: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))( )؛ ولحديث علي وفيه: ((وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول))( )؛ ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله : ((من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول عند ربه))( ). والمعنى أنه لا زكاة في مال حتى يمر عليه اثنا عشر شهراً من حين تملكه( ).   والحول يشترط لوجوب الزكاة في ثلاثة أموال: السائمة من بهيمة الأنعام، والأثمان: من الذهب والفضة، وقيم عروض التجارة( ).

ويستثنى أشياء لا يشترط لها تمام الحول, وهي على النحو الآتي:

الأول: المعشر، وهو الأموال التي يجب فيها العشر أو نصفه، وهي الحبوب والثمار؛ لأن الخارج من الأرض تجب الزكاة فيه عند حصاده, ولو لم تمر عليه سنة؛ لقول الله تعالى: وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ( ).

الثاني: نتاج السائمة أي أولادها؛ لأن حول أولاد السائمة –من بهيمة الأنعام- حول أمهاتها, فتزكى مع أمهاتها إن كانت الأمهات بلغت نصاباً، وإن كانت الأمهات لم تبلغ نصاباً, فبداية الحول من كمال النصاب بالنتاج، ومثال ذلك رجل عنده أربعون شاة فولدت كل واحدة ثلاثة إلا واحدة ولدت أربعة فأصبحت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، مع أن النتاج لم يحل عليه الحول؛ ولكنه تبع الأصل.

الثالث: ربح التجارة حوله حول رأس المال، فلو ملك نصاباً من النقود واتجر به وربح فإنه يزكي الجميع: رأس المال والربح حتى لو لم يربح هذا الربح، إلا في آخر السنة، فإنه يزكيه مع رأس المال.

أما إذا كان رأس المال دون النصاب ثم ربح فإن بداية الحول من كمال النصاب( ).

الرابع: الركاز، وهو ما يوجد من دفن الجاهلية؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً وفيه: ((... وفي الركاز الخمس))( )، فبمجرد وجوده ففيه الخمس؛ ولأن وجوده يشبه الثمار والحبوب الخارجة من الأرض، تجب الزكاة فيها من حين الحصول عليها عند الحصاد( ).

الخامس: المعدن، وهو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة: كالحديد، والياقوت، والزبرجد، والعقيق، والسُّبَح، والكحل، والزاج- الكبريتات- والقار، والنفط، وغير ذلك مما يسمى معدناً, فإذا وجد الإنسان معدناً يبلغ نصاباً, فيجب أداء زكاته فوراً من حين العثور عليه, ولا يعتبر له الحول؛ لأنه كالزروع والثمار، والركاز، ولا تخرج زكاته إلا بعد سبكه وتصفيته، والمعدن أشبه بالثمار من غيرها، وزكاته ربع العشر( )( ). قال الإمام الخرقي رحمه الله:((وإذا أخرج من المعادن من الذهب عشرين مثقالاً أو من الورق مائتي درهم، أو قيمة ذلك من الزئبق، والرصاص، والصُّفر أو غير ذلك مما يستخرج من الأرض فعليه الزكاة من وقته))( ). والله تعالى أعلم( ).

وينقطع الحول بأمور على النحو الآتي:

الأول: إذا نقص النصاب أثناء الحول قبل تمامه انقطع الحول ومثال ذلك: رجل عنده أربعون شاة وقبل تمام الحول نقصت واحدة فلا زكاة في الباقي؛ لقوله : ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))( )؛ ولأن وجود النصاب في جميع الحول شرط لوجوب الزكاة.

الثاني: إذا باع النصاب بغير جنسه أثناء الحول لا فراراً من الزكاة انقطع الحول، إلا في عروض التجارة، ومثال ذلك: رجل يملك أربعين شاة سائمة وقبل تمام الحول باعها بدراهم لا فراراً من الزكاة، وهذه الأغنام لا يقصد بها عروض التجارة، ففي هذه الحالة ينقطع الحول.

الثالث: إذا أبدل النصاب بغير جنسه أثناء الحول لا فراراً من الزكاة انقطع الحول، مثال ذلك: رجل عنده أربعون من الغنم أبدلها ببقر، أو أبدلها بإبل، فإن الحول ينقطع, ويبدأ من أول الحول في البقر أو الإبل.

ولا شك أن هذا يدخل في بيع النصاب؛ لأن تعريف البيع ينطبق عليه؛ فإن البيع هو مبادلة مال ولو في الذمة بمثل أحدهما.

أما إذا باعه أو أبدله بجنسه؛ فإن الحول لا ينقطع، مثال ذلك: رجل باع ذهباً بذهب، أو فضة بفضة أو غير ذلك من جنسه، أو أبدل أربعين شاة بأربعين شاة، فإن الحول لا ينقطع؛ لأنه أبدله بجنسه، أما إذا فعل شيئاً من ذلك فراراً من الزكاة، فإن الحول لا ينقطع( ).

قال الإمام الخرقي-رحمه الله تعالى-:((وإذا باع ماشية قبل الحول بمثلها زكَّاها إذا تم حول من وقت مِلكِهِ الأول))( ).

قال الإمام ابن قدامة-رحمه الله-:((وجملته أنه إذا باع نصاباً للزكاة مما يعتبر فيه الحول بجنسه: كالإبل بالإبل، أو البقر بالبقر، أو الغنم بالغنم، أو الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، لم ينقطع الحول, وبنى حول الثاني على حول الأول، وبهذا قال مالك( )... ووافقنا أبو حنيفة في الأثمان( )... قال أحمد بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يكون عنده غنم سائمة, فيبيعها بضعفها من الغنم: أعليه أن يزكيها كلها أم يعطي زكاة الأصل؟ قال: بل يزكيها كلها، على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي( )؛ لأن نماءها معها قلت: فإن كانت للتجارة، قال يزكيها كلها على حديث حماس( ). فأما إن باع النصاب بدون النصاب انقطع الحول، وإن كان عنده مئتان فباعها بمائة فعليه زكاة مئة واحدة))( )

قال الخرقي رحمه الله: ((... وكذلك إن أبدل عشرين ديناراً بمائتي درهم أو مائتي درهم بعشرين ديناراً لم تبطل الزكاة بانتقالها( ))), قال ابن قدامة رحمه الله: ((وجملة ذلك أنه متى أبدل نصاباً من غير جنسه انقطع حول الزكاة واستأنف حولاً( ) إلا الذهب بالفضة أو عروض التجارة؛ لكون الذهب والفضة كالمال الواحد, إذ هما أروش الجنايات, وقيم المتلفات, ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة, وكذلك إذا اشترى عرضاً للتجارة بنصاب من الأثمان( ), أو باع عرضاً بنصاب لم ينقطع الحول؛ لأن الزكاة تجب في قيمة العروض لا في نفسها, والقيمة هي الأثمان( ) فكانا جنساً واحداً, وإذا قلنا: إن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى صاحبه لم يُبْنَ حول أحدهما على حول الآخر؛ لأنهما مالان لا يضم أحدهما إلى الآخر؛ فلم يُبنَ حولُه على حولِه: كالجنسين من الماشية( ), وأما عروض التجارة؛ فإن حولها يُبنى على حول الأثمان بكل حال))( ) ، والله تعالى أعلم( ).

أما حول عروض التجارة فلا ينقطع الحول بالمبادلة أو البيع, إذا اشترى عرضاً لتجارة بنقد أو باعه به بنى على حول الأول؛ لأن الزكاة تجب في قيم العروض, وهي من جنس النقد, وحتى الإبل والبقر والغنم إذا قصد بها التجارة: فإنه يزكيها زكاة العروض, ولا ينقطع الحول إذا كانت من عروض التجارة, سواء باعها بجنسها أو غير جنسها, إذا كانت من عروض التجارة( ).

قال الإمام البغوي رحمه الله: ((أما حول عروض التجارة فلا ينقطع بالمبادلة؛ لأن زكاة التجارة تجب في القيمة, والقيمة باقية في ملكه وقت المبادلة؛ لأن ملكه لا يزول عن أحدهما إلا ويملك الآخر))( ). وإذا حصل ربح في التجارة فحول الربح يبنى على حول الأصل, وكذا إذا ارتفع سعر التجارة فإن الزكاة تجب في جميع القيمة, وإن نقص سعر التجارة زكى القيمة الحاضرة( ).

 المبحث السادس: زكاة الدين على النحو الآتي

          1 – الصواب من أقوال أهل العلم أن الدين الذي ينقص النصاب لا يمنع الزكاة, ومثاله: رجل يملك عشرة آلاف ريال حال عليها الحول, وعليه دينٌ يبلغ خمسة آلاف ريال, فعليه زكاة العشرة إلا أن يقضي الدين قبل أن يحول عليه الحول, فليس عليه زكاة إلا في الباقي بعد الدين, وكذلك لو كان عليه دين يستغرق النصاب أو يزيد عليه فعليه زكاة المال الذي يحول عليه الحول وهو عنده, ومثال ذلك: رجل عليه دين ثلاثون ألفاً وعنده خمسة وعشرون ألفاً دار عليها الحول, إنه يزكي

كل ما دار عليه الحول، وإن كان صادقاً فليقضِ الدين قبل أن يحول الحول؛ لأن النبي كان يأمر عماله بأخذ الزكاة ممن عليه زكاة, ولم يأمرهم أن يسألوهم:

هل عليهم دين أم لا؟ ولو كان الدين يمنع الزكاة؛ لأمر النبي عماله أن يستفسروا من أهل الزكاة: هل عليهم دين؟ ( ), وهو قول ربيعة, وحماد بن أبي سليمان, والشافعي في جديد قوليه؛ لأن المالك حر مسلم, ملك نصاباً حولاً  فوجبت عليه الزكاة كمن لا دين عليه( ).

والله تعالى أعلم( ).

2 – زكاة الدين على نوعين:

النوع الأول: دينٌ على مليء مُعترفٍ به باذلٍ له, فعلى صاحبه زكاته كل سنة, كلما حال عليه الحول, كأنه عنده وهو عند المدين كالأمانات, وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله يختار هذا القول( ), وهو قول عثمان, وابن عمر, وجابر , وطاوس, والنخعي, وجابر بن زيد, والحسن, وميمون ابن مهران, والزهري, وقتادة, وحماد بن أبي سليمان, والشافعي, وإسحاق, وأبي عبيد, قالوا: عليه إخراج الزكاة في الحال, وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه, فلزمه إخراج زكاته كالوديعة( ), وهذا هو الراجح إن شاءالله تعالى( ).

النوع الثاني: أن يكون الدين على معسر, أو جاحد, أو مماطل, فالصحيح من أقوال العلماء أنه لا يلزم صاحب الدين أداء الزكاة عنه حتى يقبضه من هذا المعسر أو المماطل, فإذا قبضه استقبل به حولاً جديداً, فإذا حال الحول زكاه, ولا تلزمه زكاته إذا قبضه إلا بعد حول كامل على الصحيح، ولو زكاه بعد قبضه عن سنة واحدة كان أحسن وفيه احتياط, لكن لا يلزمه ذلك, وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز ابن باز رحمه الله تعالى يختار هذا القول( )، والله تعالى أعلم.

3 – حكم إسقاط الدين من الزكاة:

لا يجوز إسقاط الدين من الزكاة؛ لأن الواجب إنظار المعسر, حتى يسهل الله له القضاء؛ ولأن الزكاة إيتاء وإعطاء, وبذل للمال لمستحقه وليست إبراء من الديون, وإسقاط الدين عن المعسر ليس إيتاء ولا إعطاء, وإنما هو إبراء؛ ولأنه يقصد من ذلك وقاية المال لا مواساة الفقراء( ).

 المبحث السابع: مسائل مهمة في الزكاة

المسألة الأولى: تجب الزكاة في عين المال( ) ولها تعلق بالذمة: كالذهب, والفضة, والإبل, والبقر, والغنم السائمة, والحبوب, والثمار بخلاف عروض التجارة تجب في ذمة المزكي, والدليل على وجوبها في عين المال؛ قول النبي : ((... وفي الغنم في كل أربعين شاة...))( ), وقوله في زكاة الحبوب والثمار: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وما سُقي بالنضح نصف العشر))( )، وقوله في زكاة الإبل: ((... فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى...))( )، وقوله في زكاة البقر: ((... وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة))( )، وقوله في زكاة الذهب والفضة: ((... فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء – يعني في الذهب – حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار...)) ( ).

وهذا معنى كون الزكاة تجب في عين المال: أي يجب إخراج الزكاة من نفس المال؛ لكن لها تعلق بالذمة: يعني لو تلف المال بعد وجوب الزكاة فيه وهذا المال مستقر في ملكه فإن تلفه لا يسقط عنه الزكاة؛ لأنها صارت ديناً في ذمته؛ لأنه عندما تم الحول كان عليه أن يبادر بإخراجها ولكنه تأخر.

أما عروض التجارة فتجب زكاتها في الذمة( ).

المسألة الثانية: لا يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء؛ لقول النبي : ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))( ). فمفهوم الحديث وجوب الزكاة عند تمام الحول؛ ولأن هذه عبادة فلا يشترط لوجوبها إمكان الأداء، كسائر العبادات؛ فالصوم يجب على الحائض، والمريض العاجز عن أدائه، والصلاة تجب على المغمى عليه، والنائم، والحج يجب على من أيسر في وقت لا يتمكن من الحج فيه، أو منعه من المضي مانع( )، فتجب الزكاة في المال الغائب وفي الدين، فكون المالك ليس متمكناً من إخراج الزكاة؛ لغيبة ماله أو كونه ديناً لا يسوغ ذلك إسقاط الزكاة عنه( ).

المسألة الثالثة: لا يعتبر في وجوب الزكاة بقاء المال، فالزكاة لا تسقط بتلف المال على الصحيح إذا تعدَّى أو فرط, أما إذا لم يتعدَّ ولم يفرط فإنها تسقط بتلف المال على الصحيح، ومعنى التفريط: أن يتمكن من إخراجها فلا يخرجها, وإن لم يتمكن من إخراجها فليس بمفرط, سواء كان ذلك لعدم المستحق؛ أو لبعد المال عنه؛ أو لكون الفرض لا يوجد في المال, ويحتاج إلى شرائه فلم يجد ما يشتري به، أو كان في طلب الشراء، أو نحو ذلك( )، والله تعالى أعلم( ).

المسألة الرابعة: الزكاة كالدين في التركة، فلا تسقط بموت صاحب المال، وتخرج من ماله وإن لم يوصِ بها؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة جاءت إلى النبي فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنتِ قاضيته؟)) قالت: نعم. قال: ((اقضوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء))( ). وفي لفظ: ((فاقضوا الله الذي له؛ فإن الله أحق بالوفاء))( ). وفي رواية: أن رجلاً قال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال: ((فاقضوا الله فهو أحق بالقضاء))( ).

وإذا وجبت الزكاة على الميت وعليه دين بَرَهْنٍ وضاق المال قُدِّم الدين برهن، فإن كان عليه  دين بدون رهن وضاق المال قسم المال بالحصص بين دين الله ودين الآدمي على القول الراجح( )، والله أعلم( ).

المسألة الخامسة: تجب الزكاة على الفور، فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه والتمكن منه؛ لأن الأمر بالزكاة يقتضي الفور؛ ولذلك يستحق المؤخِّرُ للامتثال العقابَ، ولو أن رجلاً أمر مملوكه أن يسقيه فتأخر ولم يستجب على الفور استحق العقوبة، ولله المثل الأعلى؛ ولأن التأخير ينافي الوجوب؛ لكون الواجب ما يستحق العقاب صاحبه على تركه؛ ولأن الزكاة وجبت لحاجة الفقراء ونحوهم وهي ناجزة فيجب أن يكون الوجوب ناجزاً، فإن أخرها ليدفعها إلى من هو أحقُّ بها من ذوي القرابة، أو ذوي الحاجة الشديدة جاز إذا كان وقتاً يسيراً وإن كان كثيراً لم يجز، لكن لو عجلها إليهم قبل نهاية الحول جاز، فإن أخرج الزكاة فلم يدفعها إلى الفقير حتى ضاعت لم تسقط عنه الزكاة؛ لأن الزكاة حق متعين على رب المال تلف قبل وصوله إلى مستحقه فلم يبرأ منه بذلك كدين الآدمي( )( ).

المسألة السادسة: شروط صحة الزكاة: النية والمتابعة:

1 – النية: لا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية، والنية نيتان:

أ – نية المعمول له وهو الله تعالى،وهي نية الإخلاص لله تعالى،بحيث يقصد بذلك وجه الله تعالى،قال الله تعالى:وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ( ).

وقال النبي : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))( ).

ب – نية العمل وهي تمييز العبادات بعضها عن بعض، ومن العبادات العظيمة أداء الزكاة، فتجب النية في أداء الزكاة؛ للحديث السابق؛ لأن الزكاة عمل؛ ولأنها عبادة تتنوع إلى فرض ونفل فافتقرت إلى النية، كالصلاة، والنية في أداء الزكاة: أن يعتقد أنها زكاته أو زكاة من يخرج عنه: كالصبي والمجنون، ومحلها القلب؛ لأن محل العبادات كلها القلب( ).

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: ((النية في إخراج الزكاة على أربعة أقسام:

الأول: أن تكون شرطاً من المالك فقط، وذلك فيما إذا فرقها مالكها المكلف بنفسه.

الثاني: أن تكون شرطاً من غيره فقط وذلك فيما إذا كان المالك غير مكلف، فينوي إخراجها وليه في ماله.

الثالث: أن تكون شرطاً من المالك ومن غيره، وذلك فيما إذا وَكَّل في إخراجها وبعد الزمن فتشترط من الوكيل أيضاً عند دفعها للفقير.

الرابع: أن لا تشترط النية أصلاً وذلك في ثلاث صور.

الأولى: إذا تعذَّر الوصول إلى المالك بحبس أو غيره فأخذها الإمام أو الساعي، وتجزئ ظاهراً وباطناً.

الثانية: إذا امتنع المالك من أدائها فأخذها الإمام أو الساعي قهراً، فتجزئ ظاهراً لا باطناً.

الثالثة: إذا غيّب ماله فأخذها الإمام أو الساعي بعد العثور عليه، وتجزئ ظاهراً لا باطناً))( ).

2 – المتابعة للنبي ؛ لأن العبادات توقيفية؛ لقول النبي : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))( ). وفي رواية: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))( )( ).

المسألة السابعة: وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون، فلا يشترط البلوغ والعقل في وجوب الزكاة على الصحيح، فإذا تمت الشروط لوجوب الزكاة: من الإسلام، والحرية، وملك نصاب، واستقراره، ومضي الحول وجبت الزكاة في المال، ومنه مال الصبي والمجنون؛ لأن البلوغ والعقل ليسا من شروط وجوب الزكاة، فلا يشترط البلوغ ولا العقل؛ لعموم الأدلة في وجوب الزكاة كقوله تعالى:خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ( )؛ وقول النبي : ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة, تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم...)) ( ).

وقد جاءت الروايات عن خمسة من أصحاب النبي أنهم كانوا يزكون مال اليتيم، وهم: عمر بن الخطاب ( )، وعلي بن أبي طالب ( )، وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما( )، وجابر ( )، وعائشة رضي الله عنها( ).

والصواب إن شاء الله تعالى وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون يخرجها الوكيل، وينوي بها الزكاة عنهم من أموالهم( ).

وأما صدقة التطوع فلا يجوز التصدق من مال اليتيم والمجنون؛ لأن الصدقة محض تبرع لا تنشغل الذمة بتركها, أما الزكاة فهي فريضة تنشغل الذمة بتركها( ).

المسألة الثامنة: المال المستفاد – بغير ربح التجارة أو نتاج السائمة – لا يضم إلى ما عند المالك من المال، وإنما يكون له حولاً جديداً يبدأ من وقت ما ملكه، مثال ذلك: المال الحاصل بالإرث، والهبة، والهدية، وصداق المرأة، ونحو ذلك، وإذا كان عنده مال لم يبلغ نصاباً فاستفاد مالاً جديداً من جنسه كمل به النصاب؛ فإن الحول يبدأ من وقت اكتمال النصاب، ومن ذلك إذا مات المالك في أثناء الحول وانتقل المال إلى الورثة، فإن الوارث لا يبني على حول المالك الذي مات بل يستأنف حولاً جديداً يبدأ به من حين انتقل إليه الملك( )؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله : ((من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول))( ).

المسألة التاسعة: جواز تقديم الزكاة إذا وُجد سبب وجوبها وهو النصاب الكامل؛ لحديث علي : أن العباس سأل النبي في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ، فرخص له في ذلك، فأذن له في ذلك( ). ولفظ أبي عبيد في الأموال عن علي : ((أن النبي تعجَّل من العباس صدقته سنتين))( ). فجاز؛ لأنه تعجيل لمالٍ وجد سبب وجوبه قبل وجوبه، كتعجيل قضاء الدين قبل حلول أجله، وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح قبل الزهوق، ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب( )، وإن تلف النصاب الذي عجل زكاته وقعت الزكاة نفلاً( )، فإن حال الحول, وقد زاد النصاب نصاباً آخر بالتوالد لزمه زكاة النصاب الثاني، وإن كان قدم الزكاة سنتين فحال الحول الثاني وقد زاد المال نصاباً أو أكثر, وحال على هذه الزيادة حول فإن عليه زكاة المال الزائد, الذي حال عليه الحول على حسب الأدلة في ذلك( )( ).

المسألة العاشرة: كل شيء ليس لعروض التجارة لا زكاة فيه: كالعمارات المعدة للسكن، والعقارات التي ليست للبيع، والسيارات الخاصة، والمكائن، وكل ما يستعمله الإنسان ولا ينوي به التجارة، كحاجاته الأصلية: كالثياب وغيرها، ما عدا الذهب والفضة؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة)). وفي لفظ: ((ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه))( ).

 المبحث الثامن: زكاة بهيمة الأنعام السائمة

الأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة أصناف: السّـائمة من بَهِيمة الأنعام، والخارج من الأرض: من الحبوب والثمار، والذهب والفضة، وعروض التجارة.

زكاة السائمة( ) من بـهيمة( ) الأنعام( ): الإبل، والبقر، والغنم:

تجب الزكاة في بهيمة الأنعام بشروط أربعة:

الشرط الأول: أن تتخذ للدرِّ والنسل، والتسمين، لا للعمل؛ فإن الإبل المعدَّة للعمل والركوب، والسقي، وبقر الحرث والسقي لا زكاة فيها عند جمهور العلماء( ).

الشرط الثاني: السوم أكثر الحول، ومعنى السائمة: الراعية، أما المعلوفة وهي التي يعلفها صاحبها وينفق عليها، ولا ترعى أكثر الحول فلا زكاة فيها عند جمهور أهل العلم( )؛ لحديث علي مرفوعاً، وفيه: ((... وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي الأربعين مسنة، وليس على العوامل شيء... ))( ) وأما السائمة أكثر الحول ففيها الزكاة؛ لحديث أنس ، وفيه: ((... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة... ))( )؛ ولحديث بـهز ابن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول الله قال: (( في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون... ))( ) أما السائمة التي أعدها مالكها للتجارة فزكاتـها زكاة عروض التجارة.

الشرط الثالث: أن يحول عليها الحول عند مالكها حولاً كاملاً؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله يقول: (( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ))( ).

ويستثنى نتاج السائمة، فحولها حول أمهاتـها، فتزكى مع أمهاتـها إن كانت الأمهات بلغت نصاباً، فإن لم تبلغ الأمهات نصاباً فبداية الحول من كمال النصاب بالنتاج، ومثال ذلك: رجل عنده أربعون شاة فولدت كل واحدة ثلاثة إلا واحدة ولدت أربعة، فأصبحت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، مع أن النتاج لم يحل عليه الحول؛ ولكنه يتبع الأصل( ).

الشرط الرابع: أن تبلغ النصاب الشرعي، وأما ما دون النصاب من الأعداد اليسيرة فلا زكاة فيها، ونصاب بـهيمة الأنعام بالتفصيل على النحو الآتي:

أولاً: نصاب الإبل لا زكاة فيها حتى تبلغ خمس ذود، وهذا أقل نصاب الإبل، وتفصيل ذلك في حديث أنس : أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لمّا وجهه إلى البحرين:(( بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله على المسلمين، والتي أمر الله بِها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم( ) من كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مخاض( ) أنثى، فإذا بلغت ستّاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى( )، فإذا بلغت ستّاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل( ) فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة( )، فإذا بلغت- يعني ستّاً وسبعين- إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربّها، فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاة... ))( ) ( ).

ويوضح ذلك الجدول الآتي:

زكـاة الإبــل

زكاتـه     المقـدار

          إلى       من

شاة      9        5

شاتان   14      10

ثلاث شياه        19      15

أربع شياه         24      20

فإن لم توجد أجزأ ابن لبون ذكر     بنت مخاض       35      25

بنت لبون         45      36

حقة     60      46

جذعة   75      61

بنتا لبون 90      76

حقتان   120    91

ثلاث بنات لبون 129    121

* ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة

ففي 130 بنتا لبون وحقة، وفي 140 حقتان وبنت لبون، وفي 150 ثلاث حقاق، وفي 160 أربع بنات لبون، وفي 170 ثلاث بنات لبون وحقة، وفي 180 حقتان وابنتا لبون، وفي 190 ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي 200 أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أي السنين وجدت أخذت، وهكذا في كل خمسين حقة،وفي كل أربعين بنت لبون.[أبو داود 1570].

وتجب الزكاة في الإبل بالشروط المتقدمة، ووجوب الزكاة فيها بالسنة والإجماع:

أما السنة: فلحديث أنس : أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: (( بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله على المسلمين، والتي أمر الله بـها رسـوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعطِ ... )).

ثم ذكر أنواع الأنصباء في الإبل( )؛ ولحديث أبي هريرة وفيه:

((... ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قَرْقَرٍ( ) أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلاً واحداً، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولها رُدَّ عليه آخرها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار... ))( ).

وأما الإجماع، فأجمع على وجوب الزكاة في الإبل علماء الإسلام( ).

مسائل في زكاة الإبل:

1- الجبران في زكاة الإبل فقط، وهو أن من وجبت عليه فريضة فلم يجدها فله أن يخرج فريضة أعلى منها بسنة ويأخذ شاتين أو عشرين درهماً أو فريضة أدنى منها بسنة ويدفع معها شاتين أو عشرين درهماً؛ لحديث أنس أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله : (( من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنّها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن تيسرتا له أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة، فإنّها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدِّق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون، فإنّها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وعنده حقة؛ فإنّها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدِّق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض، فإنّها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهماً أو شاتين ))( ).

2- من بلغت صدقته بنت مخاض ولم تكن عنده، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه بدون أخذ الجبران؛ لحديث أنس الذي كتبه له أبو بكر ، وفيه في رواية أبي داود: (( …فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين؛ فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبونٍ ذكر… ))( ).

3- الذي يؤخذ في زكاة الإبل الإناث دون الذكور إلا ابن اللبون إذا عدمت بنت المخاض؛ لحديث أنس السابق ذكره.

4- الشاة التي تؤخذ في زكاة الإبل وكذلك في جبران زكاة الإبل: إن كانت أنثى جذعة من الضأن أو ثنية من المعز فما فوق ذلك أجزأت بلا نزاع، والجذعة ما لها ستة أشهر، والثنية ما لها سنة( ).

5- إن تطوع المزكي فأخرج سنّاً أعلى من السن الواجب جاز، مثل: أن يخرج بنت لبون عن بنت مخاض، أو حقة عن بنت لبون، أو عن بنت مخاض، أو عن الجذعة ابنتي لبون أو حقتين، قال ابن قدامة رحمه الله: (( لا نعلم فيه خلافاً ))( )؛ لحديث أبي بن كعب وفيه: أن رجلاً وجبت عليه في زكاة إبله ابنة مخاض فأعطى ناقة عظيمة فامتنع منها رسولُ رسولِ الله فذهب بـها إلى رسول الله فطلب منه أن يقبلها بدلاً من ابنة مخاض، فقال رسول الله : (( ذاك الذي عليك، فإن تطوّعت بِخَير آجرك الله فيه، وقبلناه منك )) قال: فها هي ذِه يا رسول الله قد جئتك بـها فخذها، فأمر رسول الله بقبضها ودعا له في ماله بالبركة( ).

6- يخرج عن إبله من جنسها، فيخرج عن البخاتي بختية، وعن العراب عربية، وعن الكرام كريمة، وعن السمان سمينة، وعن اللئام والهزال لئيمة هزيلة، فإن أخرج عن البخاتي عربية بقيمة البختية جاز؛ لأن القيمة مع اتحاد الجنس هي المقصود، والله تعالى الموفق( ).

7- لا مدخل للجبران في غير الإبل؛ لأن النص فيها ورد، وليس غيرها في معناها؛ لأنّها أكثر قيمة؛ ولأن الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف سنها، فمن عدم فريضة البقر أو الغنم ووجد دونـها لم يجز له إخراجها فإن وجد أعلى منها فأحب أن يتطوع بدفعها بغير جبران قبلت منه، وإن لم يفعل كلِّف شراءها من غير ماله( ).

8- يجزئ الذكر إذا كان المال كله ذكوراً، سواء كان من إبل، أو بقر، أو غنم؛ لأن الزكاة مواساة فلا يكلفها من غير ماله( )؛ لأن في حديث أنس الذي كتب له أبو بكر رضي الله عنهما: ((…فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر ))( )؛ ولقول الله تعالى:فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ ( ).

وعلى هذا فيجزئ الذكر في الزكاة في مواضع:

الأول: التبيع في الثلاثين من البقر.

الثاني: ابن اللبون عن بنت المخاض إذا لم توجد بنت المخاض.

الثالث: إذا كان المال كله ذكوراً( ).

الرابع: التيس إذا شاء المصدِّق بأن كانت هناك مصلحة في أخذه( ).

ثانياً: نصاب زكاة البقر؛ لا زكاة فيها حتى تبلغ ثلاثين، وهذا أقل نصاب البقر، وتفصيل ذلك في حديث علي ، وفيه: (( وفي البقر في كل ثلاثين تبيع( )، وفي الأربعين مسنة( )، وليس على العوامل شيء... ))( )؛ ولحديث معاذ ابن جبل : أن النبي لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالمٍ – يعني محتلماً – ديناراً أو عَدْله من المعافر – ثياب تكون باليمن – ))( )؛ ولحديث عبد الله بن مسعود عن النبي قال: (( في ثلاثين من البقر تبيع، أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة ))( ) ثم تستقرض الفريضة: في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.

ويوضح ذلك الجدول الآتي:

زكـاة البقــر

زكاتـه     المقـدار

          إلى       من

تبيع أو تبيعة      39      30

مسنة    59      40

تبيعان أو تبيعتان  69      60

تبيع ومسنة        79      70

وهكذا في كل 30 تبيع أو تبيعة وفي كل 40 مسنة

* التبيع أو التبيعة: ما له سنة .                   * المسنة: ما لها سنتان .

وتجب الزكاة في البقر بالشروط المذكورة المتقدمة، ووجوب الزكاة فيها: بالسنة، وإجماع علماء الإسلام:

أما السنة؛ فلحديث معاذ بن جبل أن النبي لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة…( )؛ ولحديث أبي هريرة وفيه: ((...ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يـوم القيامـة بُطـح لها بقـاع قرقرٍ( ) لا يفقد منها شيئاً ليس فيها عقصاءُ( ) ولا جلحاء( ) ولا عضباء( ) تنطحه بقرونـها وتطؤه بأظلافها، كلما مرت عليه أولاها رُدَّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ))( ).

وأما الإجماع فقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: (( وأما الإجماع فلا نعلم اختلافاً في وجوب الزكاة في البقر ))( ).

ثالثاً: نصاب زكاة الغنم، لا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين وهو أقل نصاب الغنم، وتفصيل ذلك في حديث أنس : أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: (( بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله على المسلمين، والتي أمر الله بـها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطِ... )) الحديث وذكر فيه زكاة الإبل، ثم قال: ((... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائةٍ: شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين: شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاثٌ، فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصةً من أربعين شاةً واحدةً فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربّها... ))( ) ( ).

ويوضح ذلك الجدول الآتي:

زكـاة الغنــم

زكاته     المقدار

          إلى       من

شاة      120    40

شاتان   200    121

ثلاث شياه        300    201

فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، ففي 400 أربع شياه، وفي 500 خمس شياه، وفي 600 ست شياه، وفي 700 سبع شياه، وهكذا.

وليس فيما بين الثلاثمائة وأربعمائة شيء؛ لحديث الصدقات الذي كان عند آل عمر بن الخطاب وفيه: (( …فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاةٍ شاةٌ، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة… ))( ).

وتجب زكاة الغنم بالشروط الأربعة المتقدمة، ووجوب الزكاة فيها ثابت بالسنة والإجماع:

أما السنة؛ فلحديث أنس في كتاب أبي بكر الصديق في فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله على المسلمين، وقد تقدم ذكره آنفاً( )؛ ولحديث أبي هريرة وفيه: ((...ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقرٍ لا يفقد منها شيئاً ليس فيها عقصاءُ، ولا جلحاء، ولا عضباء، تنطحه بقرونـها، وتطؤه بأظلافها كلما مرت عليه أولاها رُدَّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ))( ).

وأما الإجماع؛ فأجمع العلماء على وجوب الزكاة في الغنم( ).

الجدول العام لزكاة السائمة( ) من بـهيمة الأنعام( )

البقـر              الإبـل              الغنـم

زكاته     المقـدار             زكاتـه     المقـدار             زكاته     المقـدار

          إلى       من                          إلى       من                          إلى       من

تبيع أو تبيعة      39      30               شاة      9        5                 شاة      120    40

                                      شاتان   14      10                                 

مُسنَّة    59      40               ثلاث شياه        19      15               شاتان   200    121

                                      أربع شياه         24      20                                 

تبيعتان   69      60               بنت مخاض       35      25               ثلاث شياه        300    201

                                      بنت لبون         45      36               ثم في كل 100 شاة

ثم في كل 30 تبيع

وفي كل 40 مُسنَّة          حقـة     60      46               لا يؤخذ في الصدقة: تَيس، ولا هَرمة، ولا معيبة، ولا شِرار المال.

لا يؤخذ في الصدقة: الهزيلة، ولا المخاض، ولا الأكولة، ولا خيار المال.

                   جذعة   75      61              

التبيع أو التبيعة: ما لها سـنة.

المُسـنَّة: ما لها سـنتان.                بنتا لبون 90      76              

                   حقتان   120    91              

                   ثلاث بنات لبون 129    121            

                   •        ثم في كل أربعين بنت لبون.

•        وفي كل خمسين حقة.               

•        بنت مخاض: بنت سنة، وسميت بذلك؛ لأن أمها حامل.

•        بنت لبون: ما لها سنتان، وسميت بذلك؛ لأن أمها ذات لبن.

•        حـقـة: ما لها ثلاث سنين، وسميت بذلك؛ لأنها استحقت الركوب.

•        جذعـة: ما لها أربع سنين.

مسائل في زكاة بـهيمة الأنعام

1- لا يأخذ المُصَدِّق في الصدقة: هرمة، ولا ذات عوارٍ، ولا تيس؛ لحديث أنس : أن أبا بكر كتب له كتاباً فيه فريضة الزكاة: (( التي أمر الله بها رسولَه ، ولا يخرج في الصدقة هرمةٌ( )، ولا ذاتُ عوارٍ( )، ولا تيس إلا أن يشاء المصدِّق( )))( )، وفي حديث آل عمر بن الخطاب في الصدقة:  (( ولا يؤخذ في الصدقة هرمةٌ، ولا ذات عوارٍ من الغنم، ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المُصدِّق ))( ).

وعن عبد الله بن معاوية الغاضري ، قال: قال النبي : (( ثلاث من فعلهن فقد طَعِم طعْم الإيمان: من عَبَدَ الله وحده؛ وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة مالِهِ طَـيِّـبَـةً بِهَا نفسه، رافدةً( ) عليه كلَّ عام، ولا يعطي: الهرمة، ولا الدَّرنة( ) ولا المريضة، ولا الشَّرَط اللئيمة( )، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره ))( ).

وقد دعا النبي على من أعطى في الزكاة فصيلاً مهزولاً، فعن وائل بن حجر : أن النبي بعث ساعياً فأتى رجلاً، فآتاه فصيلاً مخلولاً( ) فقال النبي :(( بعثنا مصدِّق الله ورسوله وإن فلاناً أعطاه فصيلاً مخلولاً، اللهم لا تبارك فيه ولا في إبله )) فبلغ ذلك الرجل فجاء بناقة حسناء، فقال: أتوب إلى الله وإلى نبيه ، فقال النبي : (( اللهم بارك فيه وفي إبله ))( ).

2- لا يأخذ المصدِّق كرائم الأموال ولا خياره ولكن من الوسط؛ لحديث معاذ حينما بعثه رسول الله إلى اليمن وفيه: (( فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ))( ).

قال الزهري: (( إذا جاء المصدِّق قُسِّمت الشاء أثلاثاً: ثلثاً شراراً، وثلثاً خياراً، وثلثاً وسطاً، فأخذ المصدِّق من الوسط ))( )( ).

3 -  ما بين الفريضتين في زكاة بـهيمة الأنعام أوقاص ولا زكاة في الأوقاص، مثل الزيادة على الخمس في الإبل إلى التسع، وعلى العشر إلى أربع عشرة، إلى نِهاية أوقاص الإبل، وكذلك أوقاص البقر، والغنم لا زكاة فيها عفواً وترغيباً للملاك، وشكراً لهم على أداء الحق( ).

4- إرضاء المصدِّق الساعي الآخذ للزكاة وإن ظَلَمَ؛ لحديث جرير بن عبد الله قال: جاء ناس - يعني من الأعراب - إلى رسول الله ، فقالوا: إن ناساً من المصدِّقين يأتوننا، فيظلموننا؟ قال: فقال:

(( أرضوا مصدِّقيكم )) قالوا: يا رسول الله! وإن ظلمونا؟ قال: (( أرضوا مصدقيكم )) وفي زيادة: (( وإن ظُلِمْتُم )) قال جرير: ما صدر عني مُصدِّقٌ – بعدما سمعت هذا من رسول الله - إلا وهو عني راضٍ وفي لفظ للترمذي : (( إذا أتاكم المصدق فلا يفارقنكم إلا عن رضا ))( ).

5- عمال الصدقة السعاة الذين يرسلهم الإمام المسلم، عن عطاء مولى عمران: أن عمران بن الحصين استعمل على الصدقة فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله ، ووضعناه حيث كنا نضعه( ).

وعن أحمد بن حميد الساعدي قال: استعمل النبي رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه قال: هذا مالكم وهذا أُهدي إليّ، فقال رسول الله : (( فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً؟ )) ثم خطَبَنَا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (( أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذه هدية أُهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟ إن كان صادقاً، والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئاً بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله على عنقه يوم القيامة، فلأعرفنَّ أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء( ) أو بقرة لها خوار( ) أو شاة تَيْعَر ))( ) ثم رفع يديه حتى رُئِيَ بياض إبطيه يقول: (( اللهم هل بلغت )) بَصُرَ عيني وسمع أذني( ).

وعن عبد الله بن أُنيس : أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوماً الصدقة فقال عمر: ألم تسمع رسول الله حين يذكر غلول الصدقة: ((أنه من غلَّ منها بعيراً أو شاةً أُتي به يوم القيامة يحمله ) قال: فقال عبدالله بنُ أُنيس: بلى( ).

وعن رافع بن خَدِيجٍ قال: سمعت رسول الله يقول: (( العامل على الصدقة بالحق: كالغازي في سبيل الله، حتى يرجع إلى بيته ))( ) وعن أنس يرفعه:(( المعتدي في الصدقة كمانعها ))( ).

6-  لا زكاة في غير بـهيمة الأنعام من الحيوان، فلا زكاة في الخيل، والبغال، والحمير، ولا في الصيد؛ لأن النصوص في الزكاة جاءت في بَهِيمة الأنعام، بل قد جاء ما يُبيِّن العفو عن ذلك؛ لحديث علي قال: قال رسول الله : (( قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة… ))( )؛ ولحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : (( ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة )) وفي لفظ: (( ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه ))( ) ولمسلم: (( ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر )).

إلا إذا كانت هذه الأشياء المذكورة قد أُعدت للتجارة، ففيها زكاة عروض التجارة( ).

7- لا يجزئ في صدقة الغنم إلا الجذع من الضأن الذي كمّل ستة أشهر، والثني من المعز الذي كمَّل سنة، وتقدم أنه لا يجزئ في ذلك إلا الأنثى، إلا ما استثني( ).

8- شروط المخرج في الزكاة من بـهيمة الأنعام، يشترط في ذلك شروط منها:

الشرط الأول: السن، وقد سبق بيان ذلك الواجب في الإبل، والبقر، والغنم.

الشرط الثاني: الأنوثة، وقد سبق ما يستثنى من جواز إخراج الذكر.

الشرط الثالث: ألا تكون معيبة عيباً يمنع من الإجزاء في الأضحية، إلا إذا كان الجميع معيباً.

الشرط الرابع: أن تكون وسطاً: فلا يؤخذ الجيد ولا الرديء( ).

9- إذا ملك المسلم أقل من النصاب من الإبل، أو أقل من نصاب البقر، أو أقل من نصاب الغنم، وكانت للتجارة؛ فإنه يضم بعضها إلى بعض في تكميل نصاب عروض التجارة وتُزكَّى زكاة النقدين، أما في غير عروض التجارة فلا يُضَمُّ بعضها إلى بعض( ).

10- الصواب عدم جواز العدول عن المقادير المقدرة من النبي في بـهيمة الأنعام في الزكاة إلى القيمة إلا الجبرانات المقدرة كما في زكاة الإبل؛ لأن النبي هو الذي قدرها من بـهيمة الأنعام كما تقدم، وكذلك زكاة الفطر، فلا يجوز إخراج القيمة عن العين المقدرة في الزكاة على الصحيح من أقوال أهل العلم( ) والله تعالى أعلم( ).

11- تؤخذ الزكاة على المياه، والموارد،وفي الدور؛ لئلا يشق الساعي على أصحاب الأموال؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله : ((تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم ))( ) ولفظ أبي داود: (( لا جلب( ) ولا جنب( )، ولا تؤخذ صدقاتـهم إلا في دورهم ))( ).

12- لا يشتري المسلم صدقته إذا وجدها تباع؛ لحديث عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله فوجده يُباع، فأراد أن يبتاعه، فسأل رسول الله عن ذلك، فقال: (( لا تبتعه ولا تعد في صدقتك ))( ).

13- دعاء المصدِّق لأهل الصدقة عند دفعهم الزكاة؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان رسول الله إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: (( اللهم صلِّ عليهم )) فأتاه أَبي أبُو أوفى بصدقته فقال: (( اللهم صلِّ على آل أبي أوفى ))( ). أو يقول: (( اللهم بارك فيه وفي  ماله ))، لحديث وائل بن حجر : أن رجلاً جاء بناقة حسناء، فقال له النبي : (( اللهم بارك فيه وفي إبله ))( ).

14- إذا ملك نِصاباً صغاراً انعقد عليه الحول من حين ملكه؛ لأن السخال تعدُّ مع غيرها فتعدُّ منفردة كالأمهات، ومثال ذلك: اشترى رجل أربعين سخلة، فإن الحول يبدأ من وقت ملكه لها، فإذا مضى حول دفع زكاتَها؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ((...فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاة ))( ).

15- نتاج السائمة من بـهيمة الأنعام حولها حول أمهاتها إن كانت الأمهات بلغت نصاباً، وإن كانت الأمهات لم تبلغ نصاباً فبداية الحول من كمال النصاب؛ لما روي عن عمر : أنه قال لساعيه: ((اعتد عليهم بالسخلة يروح بـها الراعي على يديه ولا تأخذها منهم ))( )؛ وهو مذهب علي ولا يعرف لهما في عصرهما مخالفاً فكان إجماعاً؛ ولأنه نماء نصاب فيجب أن يضم إليه في الحول كأموال التجارة( ) والحكم في فصلان الإبل وعجول البقر كالحكم في السخال( ).

16- كل جنس من: الإبل، والبقر، والغنم ينقسم إلى نوعين:

فالإبل نوعان: العراب: وهي الإبل العربية، وهي ذات سنام واحد.

والبخاتي: جمع (بخيتة) وهي إبل العجم والترك، وهي ذات سنامين.

والبقر نوعان: البقر المعتاد، والجواميس.

والغنم نوعان: ضأن: وهي ذوات الصوف، ومعز: وهي ذوات الشعر، ويقال: للذكر والأنثى من الضأن والمعز شاة. والمقادير الواجبة في الزكاة السابقة تشمل من كل جنس: نوعيه، ويضم أحدهما للآخر في تكميل النصاب إجماعاً( ).

17- الخلطة في بـهيمة الأنعام السائمة الأصل فيها حديث أنس : أن أبا بكر كتب له كتاباً فيه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله : (( ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ))( ).

والخلطة نوعان:

النوع الأول: خلطة أعيان: بأن يملك شخصان أو أكثر مالاً مشاعاً، يرثانه، أو يشتريانه، أو غير ذلك، ويكون مشاعاً بينهما ولكن لا يتميز مال كل واحد منهما.

النوع الثاني: خُلطة أوصاف:بأن يكون مالُ كل واحد منهما مميزاً ولكن اشتركا في المراح،والمسرح،والمشرب،والمحلب،والراعي، والفحل.

وكلا النوعين المذكورين في الخلطة يؤثر في جعل مالهما كالمال الواحد في أمرين:

الأمر الأول: الواجب فيهما كالواجب في مال واحد، فإن بلغا معاً نصاباً ففيهما الزكاة، وإن زادا على النصاب لم يتغير الفرض حتى يبلغا فريضة ثانية، فلو كان لكل واحد منهما عشرون من الغنم كان عليهما شاة، وإن كان لكل واحد منهما ستون لم يجب أكثر من شاة، وتكون الشاة بينهما بالسوية.

الأمر الثاني: أن للساعي أخذ الفرض من مال أيهما شاء، سواء دعت إليه حاجة؛ لكون الفرض واحداً، أو لم تدع إليه حاجة بأن يجد فرض كل واحد منهما في ماله؛ لأن مالهما صار كالمال الواحد في الإيجاب، فكذلك في الإخراج.

ويعتبر في الخلطة شروط خمسة:

الشرط الأول: أن تكون الخلطة في السائمة من بـهيمة الأنعام ولا تؤثر الخلطة في غيرها من الأموال.

الشرط الثاني: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة؛ فإن كان أحدهما مكاتباً أو ذمّيّاً فلا أثر لخلطته؛ لأنه لا زكاة في ماله ما لم يكمل النصاب به.

الشرط الثالث: أن يختلطا في نصاب؛ فإن اختلطا فيما دونه مثل أن يختلطا في ثلاثين شاة لم تؤثر الخلطة.

الشرط الرابع: أن يختلطا في ستة أشياء لا يتميز أحدهما عن صاحبه فيها؛ وهي المسرح، والمشرب، والمحلب، والمراح، والراعي، والفحل، فإذا اكتملت هذه الشروط كان مال الشخصين كالمال الواحد.

الشرط الخامس: أن يختلطا في جميع الحول من أوله إلى آخره( ).

وقوله : (( لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قال مالك في الموطأ: (( معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونـها حتى لا تجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاتان فيكون عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونـها حتى لا يكون على كل واحد إلا شاة واحدة، وقال الشافعي رحمه الله: هو خطاب لرب المال من جهة وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم أن لا يحدث شيئاً من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر. فمعنى قوله : (( خشـية الصدقة )) أي خشية: أن تكثر الصدقة أو خشية أن تقل الصدقة... ))( ).

والخلطة لها تأثير في الماشية: إيجاباً، وإسقاطاً، وتغليظاً، وتخفيفاً، ومن أمثلة ذلك:

* لو كان لإنسان شاة ولآخر تسع وثلاثون شاة واشتركا حولاً كاملاً فعليهما شاة على حسب ملكهما، يتراجعان بينهما بالسوية، وهذه الصورة تفيد تغليظاً؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد بملكه فلا زكاة عليه.

* لو كان لأربعين رجلاً أربعون شاة لكل واحد شاة واشتركوا حولاً تاماً فعليهم زكاة شاة على حسب ملكهم، يتراجعون بينهم بالسوية.

* وإذا كان لثلاثة مائة وعشرون شاة لكل واحد أربعون، ولم يثبت لأحدهم حكم الانفراد في شيء من الحول فعليهم شاة أثلاثاً. وهذا يدل على أن الخلطة تخفيفاً في مثل هذه الصورة، وهكذا فالخلطة تفيد إيجاباً، وتغليظاً، وتخفيفاً وإسقاطاً( ).

18- إذا كانت سائمة الرجل الواحد في بلدان شتى وبينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة أو كانت مجتمعة ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ وكانت زكاتـها كزكاة المختلطة بغير خلاف. وإن كان بين البلدان مسافة القصر فعن أحمد روايتان: إحداهما: أن لكل مال حكم نفسه يعتبر على حدته إن كان نِصَاباً ففيه الزكاة وإلا فلا، ولا يضم إلى المال الذي في البلد الآخر... قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد، والرواية الثانية عن أحمد أن صاحب المال يضم بعضه إلى بعض في الزكاة ويؤدِّي زكاته، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: (( وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((...وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة... ))( )؛ ولأنه مِلكٌ واحدٌ أشبه ما لو كان في بلدان متقاربة، أو غير السائمة، ونحمل كلام أحمد في الرواية الأولى: على أن المصدِّق لا يأخذها، وأما رب المال فيخرج، فعلى هذا يخرج الفرض في أحد البلدين شاء؛ لأنه موضع حاجة ))( ).

قال ابن قدامة رحمه الله:(( وهذا اختيار أبي الخطاب ومذهب سائر الفقهاء ))( ).

وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز رحمه الله يقول: (( الذي عليه جمهور أهل العلم أن مال الرجل الواحد يضم بعضه إلى بعض حتى ولو كان في مدن مترامية الأطراف، أما الخلطاء فليس لهم الجمع، وليس لهم التفريق ))( ).

ولا تؤثر الخلطة في غير السائمة: كالذهب والفضة، والزروع والثمار، وعروض التجارة، ويكون حكمهم حكم المنفردين وهذا قول أكثر أهل العلم( ) والله الموفق( ).

19- الفرق بين بـهيمة الأنعام وغيرها من أصناف الأموال الزكوية: أن غيرها متى زاد ولو قليلاً على النصاب ففيه الزكاة بحسابه، وأن بـهيمة الأنعام قدَّر الشارع فيها أول النصاب، وأوسطه، وآخره، وغيرها من الأموال قدر أول النصاب فقط. فدل على أنه كلما زاد عنه زاد الواجب، والله أعلم.

ثم من تسهيل الله أنه لم يوجب الزكاة في هذا النوع حتى تتغذَّى بالمباح وتسوم الحول أو أكثره، فإذا كان صاحبها يعلفها فلا يُجمع عليه بين مؤونة العلف وإيجاب الزكاة عليه( ).

 المبحث التاسع:زكاة الخارج من الأرض:الحبوب،والثمار،والركاز،والمعدن

أولاً:زكاة الحبوب والثمار واجبة:بالكتاب،والسنة،والإجماع:

أما الكتاب؛ فلقول الله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ( )؛ ولقوله تعالى: وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ( )، قال   ابن عباس رضي الله عنهما: (( حقّه الزّكاة المفروضة ) وقال مرّة: (( العشر، ونصف  العشر ))( ).

وأمّا السُّـنَّة؛ فلحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: (( فيما سقتِ السّماءُ والعيون، أو كان عَثَريّاً( ): العشرُ، وما سُقيَ بالنضح( ): نصف العشر))( )؛ ولحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي قال: (( فيما سقت الأنـهارُ والغيمُ: العشورُ، وفيما سُقي بالسانية( ): نصف العشر  ))( ) ولفظ حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند النسائي وأبي داود: (( فيما سـقت السـماء والأنـهار، والعيون، - أو كان بعلاً( )-: العشر، وفيما سُقِيَ بالسواني أو النضح: نصف العشر ))( )؛ ولحديث معاذ بن جبل قال: (( بعثني رسول الله إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقتِ السماء: العشر، وفيما سقي بالدوالي( ): نصف العشر ))( ).

وأما الإجماع: فأجمع العلماء على أن الصدقة واجبة: في الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر، قاله ابن المنذر، وابن عبد البر( ).

ثانياً: شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار:

الشرط الأول: أن يكون حبّاً أو ثمراً؛ لحديث أبي سعيد : أن النبي قال: (( ليس في حَبٍّ ولا تمرٍ صدقة حتى يبلغ خمسة أوسقٍ، ولا فيما دون خمس ذودٍ صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة )) وفي رواية لمسلم: ((...ليس في حبٍّ ولا ثمرٍ صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق... ))( ) وهذا يدل على وجوب الزكاة في الحب والثمر وانتفائها عن غيرها( ).

الشرط الثاني: أن يكون مكيلاً؛ لتقديره بالأوسق، وهي مكاييل، فيدل ذلك على اعتبارها( ).

الشرط الثالث: أن يكون مما يُدَّخر؛ لأن جميع ما اتفق على زكاته مدخر؛ ولأن غير المدخر لا تكمل ماليته؛ لعدم التمكن من الانتفاع به في المال، فتجب الزكاة في جميع الحبوب والثمار المكيلة التي تدخر: مثل: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وغيرها من كل حبٍّ أو ثمرٍ يكال ويدخر( ).( )

الشرط الرابع: أن ينبت بإنبات الآدمي في أرضه: فأما النابت بنفسه فلا زكاة فيه؛ لأنه إنما يملك بحيازته، والزكاة إنما تجب ببدو الصلاح، ولم يكن ملكاً له حينئذٍ فلم تجب زكاته( ) وعبّر البعض عن هذا الشرط بقوله:

(( ويعتبر أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة ))( ).

الشرط الخامس: أن يبلغ نصاباً قدره خمسة أوسق؛ لقول النبي :

(( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة... ))( ).

والوسق ستون صاعاً( )، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء كفي الرجل المعتدل، فيكون الصاع أربع حفنات بكفي الرجل المعتدل( ). وتعتبر خمسة الأوسق بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمر( ).

وذكر الزركشي رحمه الله شروطاً قريباً من هذه الشروط، فقال:

(( يشترط في وجوب الزكاة في الخارج من الأرض شروط:

أحدها: أن يكون مما ييبس فلا تجب في الخضراوات.

الشرط الثاني: أن يكون مما يبقى – أي يدخر عادة - فلا تجب في التين ونحوه( ).

الشرط الثالث:أن يكون مما يكال،فلا تجب في الجزر...والتين... ونحوها.

الشرط الرابع: أن يبلغ خمسة أوسق ))( ) والله تعالى أعلم( ).

ثالثاً: تضم ثمرة العام الواحد لبعضها في تكميل النصاب:

فالتمر أنواع كثيرة يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فمثلاً: السكري، والبرحي، والخلاص، وغير هذه الأنواع يضم بعضها إلى بعضٍ في تكميل النصاب.

وكذلك الزبيب أنواع يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. ولا يضم الجنس إلى جنس آخر: فلا يضم التمر إلى الزبيب ولا الزبيب إلى التمر في تكميل النصاب؛ لاختلاف الجنس؛ وإنما يضم أنواع الجنس الواحد إلى بعضه في تكميل النصاب.

وكذلك ما يحمل في السنة الواحدة حملين يضم كل نوع إلى جنسه من الثمرة( ).

وتضم أنواع الحبوب إلى بعضها من كل جنس، فجنس الحنطة أنواع يضم بعضها إلى بعض، والشعير أنواع يضم بعضها إلى بعض، وهكذا لو جذّ الزرع ثم ظهر زرع آخر في نفس العام ضم بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، ولا يضم الجنس إلى جنس آخر، فلا يضم البر إلى الشعير، ولا الذرة إلى الشعير؛ لاختلاف الأجناس: وكذلك إذا كان للرجل بساتين في أماكن مختلفة، فإنه يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب( ).

رابعاً: تجب الزكاة في الحبوب والثمار:

إذا اشتد الحبُّ فصار قويّاً لا ينضغط إذا ضُغِطَ، وجبت الزكاة فيه. وإذا بدا صلاح الثمر: فاحمرَّ أو اصفرَّ في ثمر النخيل، وفي العنب: أن يموّه حلواً: أي بدلاً من أن يكون قاسياً يكون ليناً متموِّهاً وبدلاً من أن يكون حامضاً يكون حلواً. فإذا اشتدَّ الحبّ وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة، وقد ثبت تفسير بدوِّ الصلاح عن النبي من حديث أنس بن مالك عن النبي : أنه: نَهَى عن بيع الثمار حتى تُزهي. قيل: وما زَهْوَها؟ قال:(( تَحْمَارُّ وتصفارُّ ))( ) وعنه : أن النبي (( نَهى عن بيع العنب حتى يسودَّ، وعن بيع الحبِّ حتى يشتدَّ ))( )، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

(( نَهَى رسول الله عن بيع الثمار حتى يبدُوَ صلاحها، نهى البائع والمبتاع )). وفي لفظ للبخاري: كان إذا سُئل عن صلاحها قال:

(( حتى تذهب عاهتها ))( ).

فإذا بدا صلاح الثمرة، واشتدّ الحبّ، وجبت الزّكاة في الحبوب والثمار( ) وفائدة ذلك: أن المالك لو تصرف في الثمرة أو الحب قبل الوجوب لا شيء عليه؛ لأنه تصرَّف قبل الوجوب، فأشبه ما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول، إلا أن يقصد الفرار من الزكاة فتجب عليه، وإن تصرف فيها بعد الوجوب لم تسقط الزكاة عنه، كما لو فعل ذلك في السائمة بعد اكتمال الحول، ولا يستقر الوجوب حتى تصير الثمرة في الجرين والزرع في البيدر، ولو تلف قبل ذلك بغير إتلافه أو تفريط منه فيه فلا زكاة عليه، سواء خرصت أو لم تخرص؛ لأنّها في حكم ما لم تثبت اليد عليه، وإن تلفت بعد جعلها في الجرين فحكمها حكم السائمة بعد الحول يضمنها؛ لأنه استقر الوجوب في ذمته فصارت ديناً عليه( ).

وعلى هذا فيكون للثمر والزرع ثلاثة أحوال:

الحالة الأولى: أن يتلف قبل وجوب الزكاة: أي قبل اشتداد الحبِّ وقبل بدوِّ صلاح الثمر، فهذا لا شيء على المالك مطلقاً سواء تلف: بتعدٍّ أو تفريط أو بغير ذلك، إلا إذا قصد بذلك الفرار من الزكاة.

الحالة الثانية: أن يتلف بعد الوجوب: أي بعد اشتداد الحبِّ وبدوِّ صلاح الثمر، لكن لم يجعله في البيدر أو الجرين ففي ذلك تفصيل: إن كان بِتَعَدٍّ من المالك أو تفريط؛ فإنه يضمن الزكاة، وإن كان بلا تعدٍّ ولا تفريط لم يضمن الزكاة.

الحالة الثالثة: أن يتلف بعد جعله في الجرين أو البيدر فتجب عليه الزكاة مطلقاً: سواء فرَّط أو تعدَّ أو لم يفرط ولم يتعدَّ؛ لأن الزكاة استقرت في ذمته فصارت ديناً عليه( ).

  قال العلامة ابن عثيمين رحـمه الله : (( والصحيح في الحالة الثالثة أنّها لا تجب الزكاة عليه ما لم يتعدَّ أو يفرط؛ لأن المال عنده بعد وضعه في الجرين أمانة؛ فإن تعدّى أو فرط: بأن أَخَّر صرف الزكاة حتى سرق المال أو ما أشبه ذلك فهو ضامن، وإن لم يتعدَّ ولم يفرط وكان مجتهداً في أن يبادر بتخليصه ولكنه تلف مع كمال التحفظ والحراسة فلا يضمن ))( ) والله تعالى أعلم.

خامساً: قدر الزكاة في الحبوب والثمار على النحو الآتي:

1 – يجب العشر فيما سُقي بلا مؤنة: كالزرع الذي يشرب من الأمطار، والأنْهَار، والعيون التي تجري، وما يشرب بعروقه: وهو الذي يزرع ويغرس في أرضٍ ماؤها قريب من وجه الأرض فتصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي، وكذلك ما كانت عروقه تصل إلى نـهر أو ساقية، وكذلك ما يشرب من السيوح – وهي المياه الجارية على وجه الأرض: من الأنهار، والسواقي وغيرها -.

2 – يجب نصف العشر فيما سُقِيَ بمؤنة: كالدّوالي – وهي الدولاب وهي الدلاء – والنّواضح – وهي الإبل، والبقر، وسائر الحيوانات -، وما يُسقى بالغروب والسواني، والمكائن، والآلات: كالرشاشات التي ترش الماء وتوزعه على الزرع( ). والأصل في هذا كله حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: (( فيما سقت السماء، والعيون، أو كان عثريّاً: العشر، وما سُقي بالنضح: نصف العشر))( )؛ ولحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي يقول: ((فيما سقت الأنهارُ والغيمُ: العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر))( )؛ ولحديث معاذ قال: بعثني رسول الله إلى اليمن فأمرني: (( أن آخذ مما سقتِ السماء العشر، وفيما سُقِيَ بالدوالي نصف العشر ))( ).

3 – ويجب ثلاثة أرباع العشر فيما يشرب بمؤنة نصف، ويشرب بغير مؤنة نصف، ومثاله: نخل يُسقى نصف العام بمؤنة، ويُسقى النصف الثاني من العام بغير مؤنة: أي الصيف يُسقى بمؤنة، والشتاء يُسقى من الأمطار، فهذا فيه ثلاثة أرباع العشر؛ لأن كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد نصفه أوجب نصفه، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم( ).

4 – ما يُسقى بمؤنة وبغير مؤنة مع الاختلاف: أي يُسقى أحدهما أكثر من الآخر: فالذي يكثر انتفاع النخل بسقيه، أو الشجر، أو الزرع فهو المعتبر، فإذا كان نموّه بمؤنة أكثر منه فيما إذا شرب بلا مؤنة فالمعتبر نصف العشر؛ لأن سقيه بالمؤنة أكثر نفعاً فاعتبر به، وإذا كان نموّه بغير مؤنة أكثر نفعاً فالمعتبر العشر، فاعتبر بالأكثر كالسوم( ).

5 – وإن جُهِلَ المقدار غلَّبنا إيجاب العشر؛ لأنه الأصل، فالأصل وجوب الزكاة: العشر حتى نعلم أنه سُقِيَ بمؤنة( ).

سادساً: خرص النخيل والأعناب إذا بدا صلاح الثمر:

يُسَنُّ للإمام أن يرسل ساعياً إلى أهل النخيل والأعناب إذا بدا صلاح الثمر فيخرصه( ) عليهم؛ ليتصرَّفوا في ثمارهم، ويعرِّف الساعي المالك قدر الزكاة كيلاً، ثم يخلي بينهم وبين ثمرهم؛ ليأكلوا أو يتصرَّفوا فيه، ثم يُؤدُّون الزكاة عند الجذاذ على قدر ما خُرِص، وهذا فيه توسعة على أهل الثمار؛ ليأكلوا، أو يبيعوا، أو يتصرَّفوا( ) والخرص لثمر النخيل والأعناب فيه مسائل على النحو الآتي:

1 – ثبتت مشروعية الخرص في السنة عن النبي ؛ لحديث أبي حميد الساعدي قال: غزونا مع النبي غزوة تبوك فلما جاء وادي القرى إذا امرأةٌ في حديقةٍ لها فقال النبي لأصحابه: (( اخرصوا )) وخرص رسول الله عشرة أوسق، فقال لها: (( أحصي ما يخرج منها ))... فلما أتى وادي القرى قال للمرأة:   (( كم جاء حديقتك ) قالت: (( عشرة أوسقٍ خَرْصَ رسولِ الله ... ))( ).

وسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يقول: (( فيه جواز الخرص حتى يتصرف أهل النخيل في نخيلهم، والخرص يخرص بما يؤول إليه تمراً))( ).

2 – يستحب أن يبعث الإمام من يخرص الثمار عند بدوِّ الصلاح؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن النبي حين افتتح خيبر، اشترط عليهم أنَّ له الأرض، وكُلَّ صفراءَ وبيضاء – يعني الذهب والفضة – وقال له أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض فأعطناها على أن نعملها ويكون لنا نصف الثمرة ولكم نصفُها، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين تصرم النخل بعث إليهم ابن رواحة فحزر( ) النخل، وهو الذي يدعونه أهل المدينة: الخرص، فقال: في ذا كذا وكذا، فقالوا: أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال: فأنا أحزر النخل وأعطيكم نصف الذي قلتُ: قال: فقالوا: هذا الحقُّ وبه تقوم السماءُ والأرضُ. فقالوا: قد رضينا أن نأخذ بالذي قلتَ( ).

3 – يجزئ أن يرسل الإمام خارصاً واحداً؛ للحديث السابق؛ ولأنه يفعل ما يؤديه إليه اجتهاده فجاز أن يكون واحداً، كالحاكم، ويعتبر أن يكون مسلماً، أميناً، غير متهم، ذا خبرة.

4 – يخرص الرطب والعنب؛ لحديث عتابِ بنِ أُسيدٍ قال: أمر رسول الله : (( أن يُخرصَ العنبُ كما يخرصُ النخلُ، وتؤخَذَ زكاتُهُ زبيباً كما تؤخَذُ صدقةُ النخلِ تمراً ))( ).

5 – يترك الخارص لصاحب الثمار الثلث أو الربع، توسعة على رب المال؛ لأنه يحتاج إلى الأكل هو وأضيافه، ويطعم جيرانه وأهله، ويأكل منها المارَّةُ، ويكون في الثمرة الساقطة، وينتابـها الطير، فلو استوفى الكلّ أضرّ بِهم، والمرجع في تقدير المتروك إلى اجتهاد الساعي الخارص، فإن رأى الأكلة كثيراً ترك الثلث، وإلا ترك الربع؛ لحديث سهل بن أبي حثمة قال: أمرنا رسول الله : (( إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع ))( ) وسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يقول: (( هذا يدل على الخرص، وأنه مستحب، فإن تُرِكوا وصُدِّقوا فلا بأس، والخرص عليهم هو السنة؛ لأن فيه مصالح منها:

1- معرفة مبلغ هذا التمر، والعنب.

2- التوسعة على أهله: يتصرَّفون، ويبيعون، وقد عرفوا ما لديهم من الزكاة، والسنة أن يترك لهم الربع أو الثلث، يتحرّى الخارص على حسـب ضيوفهم وكثرتـهم فيدع ما هو الأنسب))( ).

سابعاً: زكاة الحبوب والثمار على مستأجر الأرض:

 قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: (( ومن استأجر أرضاً فزرعها فالعشر عليه دون مالك الأرض ))( ) وقال رحمه الله: (( ولو استعار أرضاً فزرعها فالزكاة على صاحب الزرع؛ لأنه مالكه، وإن غصبها فزرعها وأخذ الزرع فالعشر عليه أيضاً؛ لأنه ثبت على ملكه، وإن أخذه مالكها قبل اشتداد حبه فالعشر عليه، وإن أخذه بعد ذلك احتمل أن يجب عليه أيضاً؛ لأن أخذه إياه استند إلى أول زرعه، فكأنه أخذه من تلك الحال، ويحتمل أن تكون زكاته على الغاصب؛ لأنه كان مالكاً له حين وجوب عشره، وهو حين اشتداد حبه ))( ).

ثامناً: زكاة الحبوب والثمار: المزارعة، والمساقاة.

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: (( وإن زارع رجلاً مزارعة فاسدة فالعشر على من يجب الزرع له، وإن كانت صحيحة فعلى كل واحد منهما عشر حصته إن بلغت خمسة أوسق أو كان له من الزرع ما يبلغ بضمه إليها خمسة أوسق، وإلا فلا عشر عليه ))( ) أي لا زكاة على من لم يبلغ عنده النصاب.

تاسعاً: يجتمع العشر والخراج في الأرض الخراجية:

الأرض قسمان: أرض صلح، وأرض عنوة:

فأما أرض الصلح: فهي كل أرض صُولِحَ أهلها عليها؛ لتكون لهم ويؤدون عنها خراجاً معلوماً، فهذه الأرض مِلك لأهلها، وهذا الخراج في حكم الجزية متى أسلموا سقط عنهم، وإن انتقلت إلى مسلم لم يكن عليهم خراج. وهذه الأرض تجب الزكاة في حبوبـها وثمارها إذا لم يكن عليها خراج؛ لأن الخراج في أرض الصلح لا يؤخذ إلا من الكفار ولا زكاة فيها في هذه الحالة. أي مادامت في أيدي أهلها الكفار، فإذا أسلموا أو انتقلت إلى مسلم سقط الخراج ووجبت الزكاة في ثمارها وحبوبـها إذا اكتملت شروط وجوب الزكاة.

وأما أرض العنوة فهي ما أُجلِيَ عنها أهلها بالسيف؛ لامتناعهم عن الدخول في الإسلام أو عن دفع الجزية، فإذا لم تقسم بين الغانمين فهذه تصير وقفاً للمسلمين يضرب عليها خراجٌ معلومٌ يؤخذ منها في كل عامٍ يكون أجرةً لها، ثم ينظر في باقي ثمرتـها وحبوبـها فإن كان الباقي نصاباً ففيه الزكاة إن كانت بيد مسلم، وإن لم يبلغ الباقي نصاباً أو بلغ نصاباً ولم يكن لمسلم فلا زكاة فيه.

فعلى هذا يجتمع العشر والخراج في أرض فتحت عنوة: الخراج في رقبتها، والعشر زكاة في غلتها؛ لأن الخراج كالأجرة( ). والله تعالى أعلم( ).

عاشراً: الزكاة لا تؤخذ من رديء المال؛ لقول الله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( )؛ ولحديث البراء بن عازب في قوله سبحانه: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قال: (( نزلت في الأنصار؛ كانت الأنصار تخرج – إذا كان جدادُ( ) النخل – من حيطانـها( ) أقناء البسر( ) فَيُعلِّقونه على حبلٍ بين اسطوانتين في مسجد رسول الله فيأكل منه فقراء المهاجرين، فيعمد أحدهم فيدخلُ قنواً فيه الحشف( ) يظن أنه جائز في كثرة ما يوضع من الأقناء، فنَزَلَ فيمن فعل ذلك:وَلَا تَيَمَّمُوا الْـخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ يقول: لا تعمدوا للحشف منه تنفقون وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يقول: لو أهدي لكم ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه، غيظاً أنه بعث إليكم ما لم يكن لكم فيه حاجةٌ، واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم ))( ).

وعن أبي أمامة : في الآية التي قال الله : وَلَا تَيَمَّمُوا الْـخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قال: (( هو الجعرور( ) ولون حبيقٍ( )، فنهى رسـول الله : أن تؤخذ في الصدقة:  الرُّذالة ))( ).

وعن عوف بن مالك ، قال: دخل علينا رسول الله المسجد وبيده عصاً وقد علّق رجل قِنْوَ حشفٍ فجعل يطعن بالعصا في ذلك القِنوِ، وقال: (( لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها )) وقال: (( إن ربَّ هذه الصدقة يأكل حشفاً يوم القيامة ))( ).

الحادي عشر: زكاة العسل المحمي والمتخذ للتجارة( )؛

لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال جاء هلال – أحد بني مُتعان - إلى رسول الله بعشور نحلٍ له، وكان سأله أن يحمي له وادياً يقال له: سَلَبَة، فحمى له رسول الله ذلك الوادي، فلما وَلِيَ عمر بن الخطاب ، كتب سفيان بن وهيب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك؛ فكتب عمر : (( إن أدَّى إليك ما كان يؤدّي إلى رسول الله من عشور نحله فاحمِ له سَلَبَةَ، وإلا فإنما هو ذُبابُ غيثٍ يأكله من يشاء )) وفي رواية لأبي داود بنحوه، وقال: (( من كل عشر قربٍ قربة))( ) فالحديث محمول على أن أخذ العشر من العسل في مقابلة الحمى كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب ، إلا إذا كان العسل من عروض التجارة ففيه زكاة عروض التجارة، والله تعالى أعلم( ).

الثاني عشر: زكاة المعدن: وهو كل ما خرج من الأرض مما يُخلقُ فيها من غيرها مما له قيمة: كالحديد، والياقوت، والزبرجد، والعقيق، والسُّبح، والكحل، والكبريتات، والذهب، والفضة، والنفط، وغير ذلك مما ينطبق عليه اسم المعدن، ولا تخرج زكاته إلا بعد سبكه وتصفيته، والمعدن أشبه بالثمار من غيرها، وزكاته ربع العشر إذا كمل النصاب، وهل يشترط له الحول أو لا يشترط؟ ذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والأحناف إلى أنه لا يشترط له الحول، وقال إسحاق وابن المنذر: لا شيء في المعدن حتى يحول عليه الحول؛ لقول رسول الله : (( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))( ) ورجح شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: أن المعدن لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول( ).

الثالث عشر: زكاة الركاز، والركاز: هو دِفنُ الجاهلية وكنـزها، وهو المدفون في الأرض، ويقال له: ركاز؛ لأن صاحبه ركزه في الأرض أي أثبته( ) وفيه الخمس؛ لحديث أبي هريرة : أن رسول الله قال: (( العَجماءُ جُرْحُها جُبارٌ، والبئرُ جُبارٌ، والمعدنُ جبارٌ، وفي الركاز الخمس )) وفي لفظ لمسلم: ((البئر جرحها جبار، والمعدن جرحه جبار، والعجماء جرحها جبارٌ وفي الركاز الخمس ))( ).( )

والخمس يجب في قليله وكثيره من أي نوع كان من غير حول لذلك، ويجب على كل من وجده من أهل الزكاة وغيرهم( ).

 المبحث العاشر: زكاة الأثمان: الذهب والفضة، والعملات: الورقية, والمعدنية

أولاًَ: مفهوم الأثمان:

الأثمان لغة: الثمن: العوض، والجمع أثمان، مثل: سبب وأسباب، يقال: ثمَّنته تثميناً: جعلت له ثمناً بالحدس والتخمين( ).

والثمن: العوض الذي يؤخذ على التراضي في مقابلة البيع عيناً كان أو سلعة( ).

واصطلاحاً: الذهب والفضة أو ما يقوم مقامهما من العملات الورقية، أو النحاسية المستعملة الآن، ويقال أيضاً للذهب والفضة: النقدان، وجمعها نقود، والنقد هو العُمْلَةُ من الذهب والفضة أو ما يقوم مقامهما من العملات المستعملة بين الناس في البيع والشراء، وأنواع المنافع والمصالح( ).

والخلاصة: أن النقدين من الذهب والفضة: ما اتَّخذه الناس ثمناً من المعادن المضروبة أو الأوراق المطبوعة الصادرة عن المؤسسة المالية، صاحب الاختصاص، وجمع النقدين: نقود( ).

ثانياً: زكاة الذهب والفضة: واجبة بالكتاب  والسنة والإجماع:

أما الكتاب؛ فلقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ( ).

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((ولا يتوعد بهذه العقوبة إلا على ترك واجب))( ).

وقال الله : وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَـهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَـهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( ).

وأما السنة؛ فلحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ما من صاحب ذهب ولا فضةلا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى

بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار))( )؛ ولحديث أبي هريرة عنه قال: قال رسول الله : ((من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع( ) له زبيبتان( ) يطوِّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه – ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لـَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لـَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( ). وفي لفظ: ((يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعاً أقرع يفرُّ منه صاحبه ويطلبه ويقول: أنا كنزك، قال: والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه))( ).

          أما الإجماع، فقال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: ((وأجمعوا على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وأجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً وقيمتها مائتا درهمٍ أن الزكاة تجب فيه وانفرد الحسن البصري...))( ). وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً، وقيمته مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه، إلا ما اختلف فيه عن الحسن))( ).

ثالثاً: نصاب الذهب والفضة على النحو الآتي:

1 – نصاب الفضة، إذا بلغت الفضة مائتي درهم ففيها الزكاة؛ لحديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله : ((قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة( ) من كل أربعين درهماً درهماً، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم))( )؛ ولحديث علي عن النبي وفيه: ((... فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم...))( )؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ، عن النبي أنه قال: ((ليس فيما دون خمس أواقٍ [من الورق] صدقة، وليس فيما دون خمس ذودٍ [من الإبل] صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسقٍ [من التمر] صدقة))( ). قال الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى: ((الأُقية التي جاء ذكرها في الأحاديث مبلغها أربعون درهماً..))( ). قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((وجملة ذلك أن نصاب الفضة مائتا درهم، لا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام، وقد بيَّنته السنة التي رويناها بحمد الله، والدراهم التي يعتبر بها النصاب: هي الدراهم التي كلُّ عشرة منها وزنُ سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكلُّ دِرْهَمٍ نصف مثقال وخُمْسُهُ، وهي الدراهـم الإسـلاميـة التي تقدَّر بها نُصُبُ الزكاة، ومقدار الجزية، والديات، ونصاب القطع في السرقة، وغير ذلك..))( )( ). وقد ذكر المرداوي رحمه الله في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: أن زنة كل مثقال اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة( ). وقال العلامة عبدالرحمن القاسم: ((المثقال زنة اثنتان وسبعون حبة من حب الشعير الممتلئ، غير الخارج عن مقادير حب الشعير غالباً))( ). وحرر شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله ذلك فقال: ((زنة المثقال اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة))( )( ).

وقد جَرَّبْتُ ذلك بنفسي، فأخذت اثنتين وسبعين حبة من حب الشعير المتوسط ووزنته في ميزان الذهب عند أصحاب الذهب فكان وزنه أربعة غرامات وستة من عشرة (4.6)( ). وهذا هو وزن المثقال الواحد، وحرر شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله، وحررت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن نصاب الفضة مائة وأربعون مثقالاً( )، فيكون النصاب بالغرامات:

4.6 جرامات × 140مثقالاً = 644 جراماً، وهذا الوزن هو نصاب الفضة تقريباً، وهو وزن خمس أواقٍ من الفضة، ويعادل مائتي درهم كما تقدم، فإذا نقص المال عن ذلك التقدير فلا زكاة فيه إلا أن يكون في ملكه عروض تجارة؛ فإنها تضم إلى الفضة في تكميل النصاب.

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((... عروض التجارة تضمُّ إلى كل واحد من الذهب والفضة، ويكمّل به نصابه، لا نعلم فيه اختلافاً)). قال الخطابي: ((لا أعلم عامتهم اختلفوا فيه؛ لأن الزكاة إنما تجب في قيمتها فتقوم بكل واحد منها، فتضم إلى كل واحد منهما، ولو كان له ذهب وفضة وعروض وجب ضم الجميع إلى بعضٍ في تكميل النصاب؛ لأن العرض مضمومٌ إلى كل واحد منهما، فيجب ضمهما إليه، وجَمْع الثلاثة)). فلو كان يملك عشرة مثاقيل من الفضة، وخمسة مثاقيل من الذهب، وعقار معروض للبيع، وكلها دار عليها الحول؛ فإنه في هذه الحالة يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فيحصي قيمة الذهب، والفضة، والعقار، ثم يخرج الزكاة( ).

2 – نصاب الذهب، إذا بلغ الذهب عشرين ديناراً، أو عشرين مثقالاً ففيه الزكاة؛ لحديث علي يرفعه إلى النبي قال: ((...فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء، - يعني في الذهب – حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً؛ وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مالٍ زكاة حتى يحول عليه الحول))( )؛ ولحديث عائشة أم المؤمنين وابن عمر أن النبي ((كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً نصف دينار، ومن الأربعين ديناراً ديناراً))( )؛ ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: ((ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب ولا في أقل من مائتي درهم صدقة))( ).

قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: ((وأجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً وقيمتها مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه، وانفرد الحسن البصري فقال: ليس فيما دون أربعين ديناراً صدقة، وأجمعوا على أن الذهب إذا كان أقل من عشرين مثقالاً، ولا يبلغ قيمتها مائتي درهم أن لا زكاة فيه))( ). وقد حقق الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى أن نصاب الذهب عشرون مثقالاً من غير اعتبار قيمتها؛ للأدلة الثابتة عن النبي ( )؛ ولأن الذهب والفضة مال تجب الزكاة في عينه، فلم يعتبر بغيره كسائر الأموال، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه( ).

والخلاصة أن نصاب الذهب عشرون ديناراً، وهي عشرون مثقالاً، وزن المثقال الواحد 4.6 جرامات، ووزن عشرين مثقالاً يساوي 92 جراماً، وهي تساوي 11.5 جنيهاً سعودياً، وزن الجنيه مثقالان إلا ربع، أي: 1.75 أي جنيه وخمسة وسبعون بالمائة تقريباً. قال سماحة شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله: ((وقد حررنا هذا فوجدنا النصاب اثنين وتسعين [يعني جراماً] إلا كسراً يسيراً، يعني عشرين مثقالاً، وهي أحد عشر جنيهاً ونصف جنيه سعودي [لأن زنة الجنيه المذكور مثقالان إلا ربع مثقال].

وقـال في موضع آخر: ((ومقدار النصاب بالجنيه السعودي والإفرنجي حتى يمكن تقدير الأوراق النقدية والعروض التجارية بذلك – أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع الجنيه))( ). وهكذا قالت

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء( ). والله تعالى أعلم( ). وتقدم أن الإمام ابن قدامة رحمه الله حكى الإجماع على أن عروض التجارة تضم إلى كل واحدٍ من الذهب والفضة في تكميل النصاب، وكذلك لو كان له ذهب، وفضة، وعروض تجارة لم يبلغ أحد منهم النصاب فإنه يضم بعضها إلى بعض، والخلاف إنما جاء في ضم الفضة إلى الذهب وليس معهما عروض تجارة( ). فلو كان له عشرة مثاقيل من الفضة، وخمسة مثاقيل من الذهب، وبيت قد عرضه للبيع وكلها دار عليها الحول؛ فإنه يحصي قيمة الجميع ثم يخرج زكاتها.

رابعاً: زكاة العملات المعدنية والورقية:

إذا بلغت العملات الورقية أو المعدنية نصاب الذهب أو الفضة زُكِّيت؛ فإن حكمها حكم النقدين على القول الصحيح، فينظر إلى ما يقابلها من النقدين؛ فإن بلغت قيمتها عشرين مثقالاً من الذهب، أو مائتي درهم من الفضة، وحال عليها الحول ففيها الزكاة( )؛ لأنها بمنزلة النقدين في وجوب الزكاة؛ لدخولها في عموم قول الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالـِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا( )؛ ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن، وفيه: ((...فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم وتردُّ على فقرائهم..))( ).

فالعملات الورقية، والمعدنية مال، والناس يجعلونها في منزلة النقدين من الذهب والفضة؛ ولهذا تكون الزكاة فيها واجبة إذا بلغت نصاب الذهب أو نصاب الفضة، وحال عليها الحول( ).

خامساً: حقيقة الأوراق النقدية:

قرار هيئة كبار العلماء

رقم (10) وتاريخ 17/4/1393هـ

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:

فبناء على توصية رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والأمين العام لهيئة كبار العلماء بدراسة موضوع الورق النقدي من قبل هيئة كبار العلماء؛ استناداً إلى المادة السابعة من لائحـة سـير العمـل في الهيئـة التي تنـص علـى أن ما يجري بحثه في مجلس الهيئة يتم بطلب من ولي الأمر، أو بتوصية من الهيئة، أو من أمينها، أو من رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو من اللجنة الدائمة المتفرعة عن الهيئة، فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة لدورتها الثالثة المنعقدة فيما بين 1/4/1393هـ و17/4/1393هـ، وفي تلك الدورة جرى دراسة الموضوع بعد الاطلاع على البحث المقدم عنه من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

وبعد استعراض الأقوال الفقهية التي قيلت في حقيقة الأوراق النقدية من اعتبارها أسناداً، أو عروضاً، أو فلوساً، أو بدلاً عن ذهب أو فضة، أو نقداً مستقلاً بذاته، وما يترتب على تلك الأقوال من أحكام شرعية – جرى تداول الرأي فيها، ومناقشة ما على كل قول منها من إيرادات. فتنتج عن ذلك عديد من التساؤلات التي تتعلق بالإجراءات المتخذة من قبل الجهات المصدرة لها:

وحيث إن الموضوع من المسائل التي تقضي المادة العاشرة من لائحة سير عمل الهيئة بالاستعانة بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية والأنظمة العامة بما في ذلك القضايا البنكية والتجارية والعمالية؛ فإن عليها أن تشرك في البحث معها واحداً أو أكثر من المتخصصين في تلك العلوم – فقد جرى استدعاء سعادة محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي الدكتور أنور علي، وحضر معه الدكتور عمر شابريه أحد المختصين في العلوم الاقتصادية، ووجهت إلى سعادته الأسئلة التالية:

س1: هل تعتبر مؤسسة النقد ورق النقد السعودي نقداً قائماً بذاته أم تعتبره سندات تتعهد الدولة بدفع قيمتها لحاملها، كما هو مُدوَّنٌ على كل فئة من فئات أوراق النقد السعودي، وإذا لم يرد معنى هذه العبارة، فما معنى الالتزام بتسجيلها على كل ورقة، وهل يعني ذلك التعهد أن ورق النقد السعودي مغطى بريالات فضية أم لا؟

س 2: هل لكل عملة ورقية غطاء مادي محفوظ في خزائن مصدِّريها، وإذا كان كذلك فهل هو غطاء كامل أم غطاء للبعض فقط، وإذا كان غطاء للبعض فما هو الحد الأعلى للتغطية، وما هو الحد الأدنى لها؟

س 3: ما نوع غطاء العملات الورقية، وهل توجد عملة لأي دولة ما مغطاة بالفضة، وهل هناك جهات إصدار تخلت عن فكرة التغطية المادية مطلقاً؟

س 4: المعروف أن الورقة النقدية لا قيمة لها في ذاتها، وإنما قيمتها في أمر خارج عنها، فما هي مقومات هذه القيمة؟

س 5: نرغب شرح نظرية غطاء النقد بصفة عامة، وما هي مقومات اعتبار العملة الورقية على الصعيدين الدولي والمحلي؟

س 6: هل الغطاء لا يكون إلا بالذهب، وإذا كان بالذهب وغيره فهل غير الذهب فرع عن الذهب باعتبار أنه قيمة له، وهل يكفي للغطاء ملاءة ومتانة اقتصادها وقوتها ولو لم يكن لنقدها رصيد؟

س 7: ما يسمى بالدينار، والجنيه هل هو مغطى بالذهب؛ ولذا سمي ديناراً أو جنيهاً رمزاً لما غطي به، ومثله الريال السعودي هل هو مغطى بفضة أم أن هذه التسميات يقصد منها المحافظة على التسميات القديمة للعُمَلِ المتداولة فيما مضى بغض النظر عما هي مستندة عليه من ذهب أو فضة؟

س 8: ما السبب في عدم الثقة في النقد المتداول اليوم مما أدى إلى ارتفاع الذهب ارتفاعاً لم يسبق له نظير؟

وأجاب سعادته عنها بواسطة المترجم القائد الدكتور أحمد المالك إجابة جرى رصد خلاصتها في محضر الجلسة مع سعادته، وقد توصلت بها الأكثرية من الهيئة إلى الاقتناع بما ارتأته فيها من رأي.

ثم بعد إعادة النظر في الأقوال الفقهية التي قيلت فيها على ضوء الإيضاحات التي ذكرها سعادة المحافظ قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:

بناء على أن النقد هو كل شيء يجري اعتباره في العادة أو الاصطلاح، بحيث يلقى قبولاً عاماً كوسيط للتبادل، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: ((وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها؛ ولهذا كانت أثماناً... إلى أن قال: والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت)). اهـ( ).

وذكر نحو ذلك الإمام مالك في (المدونة) من كتاب الصرف حيث قال: ((ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة)) اهـ( ).

وحيث إن الورق النقدي يلقى قبولاً عاماً في التداول، ويحمل خصائص الأثمان من كونه مقياساً للقيم ومستودعاً للثروة، وبه الإبراء العام، وحيث ظهر من المناقشة مع سعادة المحافظ: أن صفة السندية فيها غير مقصودة، والواقع يشهد بذلك ويؤكده، كما ظهر أن الغطاء لا يلزم أن يكون شاملاً لجميع الأوراق النقدية، بل يجوز في عرف جهات الإصدار أن يكون جزءاً من عملتها بدون غطاء، وأن الغطاء لا يلزم أن يكون ذهباً، بل يجوز أن يكون من أمور عدة: كالذهب والعملات الورقية القوية، وأن الفضة ليست غطاءً كلياً أو جزئياً لأي عملة في العالم، كما اتضح أن مقومات الورقة النقدية قوة وضعفاً مستمدة مما تكون عليه حكومتها من حال اقتصادية، فتقوى الورقة بقوة دولتها وتضعف بضعفها، وأن الخامات المحلية؛ كالبترول والقطن والصوف لم تعتبر حتى الآن لدى أي من جهات الإصدار غطاء للعملات الورقية.

وحيث إن القول باعتبار مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدين هو الأظهر دليلاً، والأقرب إلى مقاصد الشريعة، وهو إحدى الروايات عن الأئمة مالك, وأبي حنيفة, وأحمد، قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة، كما هو اختيار بعض المحققين من أهل العلم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما.

وحيث إن الثمنية متحققة بوضوح في الأوراق النقدية؛ لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقداً قائماً بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى: أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية:

أولاً: جريان الربا بنوعيه فيها، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين: الذهب, والفضة, وفي غيرهما من الأثمان كالفلوس، وهذا يقتضي ما يلي:

(أ) لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما – نسيئة مطلقاً، فلا يجوز مثلاً بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة.

(ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلاً، سواء كان ذلك نسيئة أو يداً بيد، فلا يجوز مثلاً بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالاً سعودياً ورقاً.

(ج) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقاً، إذا كان ذلك يداً بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي، ورقاً كان أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر إذا كان ذلك يداً بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يداً بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.

ثانياً: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.

ثالثاً: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات.

والله أعلم،وبالله التوفيق،وصلى الله على نبينا محمد،وآله وصحبه وسلم.

هيئة كبار العلماء( )

عبدالله بن منيع   صالح بن لحيدان (متوقف) رئيس الدورة الثالثة: محمد الأمين الشنقيطي (متوقف)

عبدالعزيز بن باز  عبدالله بن حميد (متوقف)  عبدالرزاق عفيفي: لي وجهة نظر أخرى في الأوراق النقدية أقدم بها بياناً إن شاءالله

عبدالله خياط              

محمد الحركان      عبدالعزيز بن صالح         عبدالمجيد حسن

صالح بن غصون  سليمان بن عبيد  إبراهيم محمد آل الشيخ

محمد بن جبير    راشد بن خنين    عبدالله بن غديان (متوقف)

سادساً: حكم ضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب:

          قال الإمام الحجَّاوي رحمه الله: ((ويُضمُّ الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، وتضمُّ قيمة العروض إلى كل منهما))( ). وقال العلامة محمد بن مفلح المقدسي رحمه الله: ((ويكمل نصاب أحدهما بالآخر في روايةٍ اختارها الأكثر: الخلاَّلُ، والخرقيُّ، والقاضي وأصحابه،  وصاحب ((المحرر)) وغيرهم، حاضراً( )، أو دينٌ فيه زكاةٌ؛ لأن مقاصدهما وزكاتهما متفقةٌ، فهما كنوعي الجنس))( ). ((من حبٍّ أو ثمرٍ في ضم أحدهما إلى الآخر، وفي الاجتزاء بأحدهما عن الآخر))( )( ).

سابعاً: تضم عروض التجارة إلى كل من الذهب والفضة:

عروض التجارة: كل ما أعد للتجارة، وهذه تضم قيمتها إلى كل من الذهب والفضة في تكميل النصاب؛ لأن عروض التجارة تضم إليهما في تكميل النصاب، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((لا نعلم فيه خلافاً)). وقال ابن قدامة رحمه الله أيضاً: ((ولو كان له ذهب، وفضة، وعروض، وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب؛ لأن العروض مضمومٌ إلى كل واحد منهما، فيجب ضمهما إليه وجمع الثلاثة...)) ( ). والاختلاف إنما وقع إذا كان للإنسان المسلم من كل واحد من الذهب والفضة مالاً يبلغ نصاباً بمفرده، أو كان له نصاب من أحدهما وأقل من نصاب من الآخر))( ). [وتقدم تفصيل ذلك].

ثامناً: مقدار الزكاة في الذهب والفضة: ربع العشر:

فإذا تمت الفضة مائتي درهمٍ، والذهب عشرين ديناراً فالواجب في كلٍ منهما: ربع العشر، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن زكاة الذهب والفضة: رُبعُ عُشْرِهِ))( ). وقد ثبت ذلك في حديث أنس الذي كتب له أبو بكر في فريضة الصدقة التي فرض رسول الله على المسلمين، وفيه: ((وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها))( )؛ ولحديث علي عن النبي أنه قال: ((هاتوا ربع العشور: من كل أربعين درهماً درهم، وليس عليكم شيء حتى تتمّ مائتي درهمٍ، فإذا كانت مائتي درهمٍ ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك))( )؛ولحديث علي أيضاً عن النبي ، وفيه: ((...فإذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء – يعني في الذهب – حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك... وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول))( )؛ ولحديث عائشة وابن عمر : أن النبي ((كان يأخذ من كل عشرين ديناراً نصف دينارٍ، ومن كل أربعين ديناراً ديناراً))( ). وفي الزيادة على نصاب الذهب والفضة الزكاة بحساب ذلك حتى ولو كانت الزيادة قليلة؛ لحديث علي عنه المذكور آنفاً ((... فما زاد فعلى حساب ذلك...)). وفي لفظ: ((فما زاد فبحساب ذلك))( ).

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((وروي ذلك عن علي, وابن عمر موقوفاً عليهما ولم يعرف لهما مخالفاً من الصحابة، فيكون إجماعاً؛ ولأنه مال متَّجرٌ, فلم يكن له عفوٌ بعد النصاب كالحبوب))( ).

تاسعاً: كيفية إخراج الزكاة من المال تكون بطرق منها:

الطريقة الأولى: ربع العشر: واحد من أربعين، وهذا يفيد المسلم الذي عنده زكاة: أن يقسم ما عنده من المال على أربعين, فما خرج فهو الزكاة، فمثلاً: أربعون مليوناً تقسيم أربعين يساوي مليوناً، وهذا زكاتها( ) فعلـى هـذا يكـون الجزء الثابت لحساب الزكاة: هو جميع ما عند المسلم من المال يقسم على أربعين, والناتج: هو زكاة ماله.

أمثلة على هذه الطريقة لاستخراج الزكاة:

1 – رجل يملك خمسة آلاف ريال سعودي فزكاتها:

          5000 ÷ 40 = 125 ريالاً سعودياً.

2 – شخص يملك عشرة آلاف دولار، فتكون زكاتها:

          10000 ÷ 40 = 250 دولاراً.

3 – امرأة تملك مائة ألف جنيه، فتكون زكاتها:

          100000 ÷ 40 = 2500 جنيهاً.

4 – مالك يملك مليون ريالاً سعودياً، فزكاتها: 1000000 ÷ 40 = 25000

5 – مالك يملك تسعة وتسعين مليون روبية، فزكاته:

          99000000 ÷ 40 = 2475000 روبية

وهكذا يقسم جميع المال على أربعين، والناتج هو زكاة المال.

الطريقة الثانية: اثنين ونصف بالمائة تضرب في جميع المال, ثم يقسم الناتج على مائة, والناتج: هو الزكاة فمثلاً: أربعون مليوناً رأس المال، وزكاتها اثنان ونصف بالمائة ضرب أربعين مليوناً، والناتج يقسم على مائة، والناتج يساوي مليوناً.

والطريقة الأولى أسهل، وأيسر،وأفضل؛لقول عائشة وابن عمر : إن النبي ((كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً نصف دينار، ومن الأربعين ديناراً ديناراً))( ).

أمثلة على هذه الطريقة لاستخراج الزكاة:

1 – 5000 زكاتها: 2.5 × 5000 = 12500 ÷ 100 = 125

2 – 10000 زكاتها: 2.5 × 10000 = 25000 ÷ 100 = 250

3 – 100000 زكاتها: 2.5 × 10000 = 250000 ÷ 100 = 2500

وهكذا مجموع المال يضرب في اثنين ونصف, والناتج يقسم على مائة، والناتج يكون هو الزكاة المفروضة.

والطريقة الأولى أسهل وأيسر، والله تعالى الموفق.

وتقدم أن العملات الورقية أو المعدنية إذا بلغت نصاب الذهب أو الفضة زكيت؛ لأن حكمها حكم النقدين، وما تقدم هنا يمثل العملات الورقية أو المعدنية.

أما نصاب الذهب فقد سبق أن أقله ((عشرون ديناراً)) وهي تساوي (عشرون مثقالاً) والمثقال يساوي وزنه 4.6 جرام وهو وزن 72 حبة شعير متوسطة كما تقدم, فيكون نصاب الذهب 4.6 × 20 = 92 جراماً، وهي تساوي بالجنيه السعودي 11.5 جنيهاً، ووزن الجنية 8 جرامات × 11.5 = 92 جرام. وسعر جرام الجنيه بتاريخ 8/3/1426هـ = 44.70 × 8 = 357.6 ريال سعودي فيكون سعر نصاب الذهب بالريال السعودي 357.6 × 11.5 جنيه = 4112.4 ريالاً سعودياً، أو يضرب سعر جرام الجنيه في عدد جرامات النصاب 44.7 × 92 = 112.4 ريالاً سعودياً، وأما نصاب الفضة فقد سبق أن وزن المثقال 4.6 جرام × نصاب الفضة 140 مثقالاً = 644 جراماً, وهذا نصاب الفضة بالجرامات تقريباً، وتضرب الجرامات هذه في سعر الجرام بالريال, فينتج النصاب بالعملة الورقية, وكان وزن الريال السعودي الفضّي بتاريخ 8/3/1426هـ 11.6جرام وسعره=8 ريالات سعودية ورقية وقد سبق أن النصاب بريالات الفضة 56 ريالاً سعودياً فضِّياً فيكون النصاب أيضاً بجرامات الريال السعودي الفضي = 56 × 11.6 = 649.6 جرام, وهذا يزيد 5.6 جرام, ولكن هذا يكون بالتقريب.

إذاً يكون نصاب الفضة بالريالات السعودية الورقية في تاريخ 8/3/1426هـ هو: 8 × 56 = 448 ريالاً تقريباً، والله تعالى أعلم.

عاشراً: إخراج أحد النقدين: من الذهب والفضة عن الآخر في الزكاة:

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((وهل يجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر؟ فيه روايتان. نص عليهما: إحداهما: لا يجوز، وهو اختيار أبي بكر؛ لأن أنواع الجنس لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر إذا كان أقل في المقدار، فمع اختلاف الجنس أولى، والثانية: يجوز وهو أصح إن شاء الله؛ لأن المقصود من أحدهما يحصل بإخراج الآخر، فيجزئ كأنواع الجنس، وذلك لأن المقصود منهما جميعاً الثمنية، والتوسل بهما إلى المقاصد، وهما يشتركان فيه على السواء، فأشبه إخراج المكسَّرة عن الصحاح بخلاف سائر الأجناس، والأنواع مما تجب فيه الزكاة؛ فإن لكل جنس مقصوداً مختصاً به لا يحصل من الجنس الآخر، وكذلك أنواعها، فلا يحصل بإخراج غير الواجب من الحكمة ما يحصل من إخراج الواجب، وههنا المقصود حاصل فوجب إجزاؤه، إذ لا فائدة في اختصاص الأجزاء بعين، مع مساواة غيرها لها في الحكمة؛ وكون ذلك أرفق: بالمعطي والآخذ، وأنفع لهما، ويندفع به الضرر عنهما؛ فإنه لو تعين إخراج زكاة الدنانير منها شق على من يملك أقل من أربعين ديناراً إخراج جزء من دينار، ويحتاج إلى التشقيص ومشاركة الفقير له في دينار من ماله، أو بيع أحدهما نصيبه، فيستضر المالك والفقير، وإذا جاز إخراج الدراهم عنها دفع إلى الفقير من الدراهم بقدر الواجب فيسهل ذلك عليه، وينتفع الفقير من غير كلفة، ولا ضرر... وفي جواز إخراج أحدهما عن الآخر نفع محض ودفع لهذا الضرر، وتحصيل لحكمة الزكاة على التمام والكمال، فلا حاجة، ولا وجه لمنعه..))( ). قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((والصحيح أنه لا بأس أن تخرج من أحد النوعين يعني بالقيمة))( ).

الحادي عشر:ما يباح للرجال:من الفضة والذهب: يباح من ذلك الآتي:

1 – خاتم الفضة؛ لحديث أنس بن مالك ، قال: ((كان خاتم النبي في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى)). وفي لفظ: ((...كأني أنظر إلى وبيض خاتمه من فضةٍ، ورفع أصبعه اليسرى بالخنصر)). وفي لفظ: ((أن رسول الله لبس خاتم فضة في يمينه، فيه فصٌّ حبشيٌّ، كان يجعل فَصَّهُ مما يلي كفه)). وهذه الألفاظ الثلاثة لمسلم، أما ألفاظ البخاري لحديث أنس هذا فهي: ((أن نبي الله أراد أن يكتب إلى رهطٍ أو أناسٍ من الأعاجم [وفي رواية: الروم] فقيل له: إنهم لا يقبلون [وفي رواية: لن يقرؤوا] كتاباً إلا عليه خاتم [وفي رواية: إلا أن يكون مختوماً] فاتخذ النبي خاتماً من فضةٍ نقشهُ: محمدٌ رسول الله [وقال: إني اتخذت خاتماً من ورقٍ، ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقش أحد على نقشه] فكأني بوبيص أو بصيص الخاتم [وفي رواية: كأني أنظر إلى بياضه] في إصبع النبي ، أو في كفه [وفي طريق: قال: فإني لأرى بريقه في خنصره] [قال أنس: كان خاتم النبي في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، فأخرج الخاتم فجعل يَعبثُ به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان – أي في الذهاب والرجوع والنزول إلى البئر والطلوع منها – فننزح البئر فلم نجده(([وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر]( ).

وقد جاءت الأحاديث في لبس الخاتم في اليسار، وفي اليمين، قال الإمام النووي رحمه الله: ((وأما الحكم في المسألة عند الفقهاء: فأجمعوا على جواز التختم في اليمين، وعلى جوازه في اليسار، ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيتهما أفضل.. ))( ).

وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله يقول: ((وضع الخاتم في الخنصر هو الأفضل, سواء في اليمنى أو اليسرى، ويلبس في الخنصر والبنصر، ولا يتختم في الوسطى والسبابة))( ).

وقد نهى النبي عن التختم في السبابة والوسطى؛ لحديث علي قال: ((نهاني رسول الله أن أتختم في أصبعي هذه، أو هذه، فأومأ إلى الوسطى والتي تليها))( ).

ولفظ النسائي: ((... ونهاني أن أجعل الخاتم في هذه وهذه، وأشار: يعني بالسبابة والوسطى))( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((... وأجمع المسلمون على أن السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر، وأما المرأة فإنها تتخذ خواتيم في أصابع... ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها؛ لهذا الحديث وهي كراهة تنزيه... ))( ).

وما تقدم في أحاديث إباحة خاتم الفضة للرجال، أما الذهب فيحرم على الرجال؛ لحديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: ((يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده)) فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله : خذ خاتمك انتفع به،قال:لا والله،لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله ))( ).

وعن علي قال: إن نبي الله أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال: ((إن هذين حرام على ذكور أمتي))( ).

وعن أبي موسى أن رسول الله قال: ((أُحلَّ الذهب والحريرُ لإناث أمتي، وحُرِّم على ذكورها))( ).

2 – قبيعة السيف، ونصل السيف؛ لحديث أنس قال: ((كان نعْلُ سيف رسول الله من فضةٍ، وقبيعة سيفه( )فِضَّةٌ, وما بين ذلك حِلَقُ فِضَّةٍ))( )؛ ولحديث أبي أمامة، وسعيد ابن أبي الحسن قالا: ((كانت قبيعة سيف رسول الله من فضة))( )( ).

3 – ما دعت إليه ضرورة: كأنفٍ من ذهب، أو ربط الأسنان وشدها بالذهب، أو نحو ذلك؛ لحديث عرفجة بن سعد قال: ((أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية, فاتخذت أنفاً من ورقٍ، فأنتن عليَّ، فأمرني رسول الله أن أتخذ أنفاً من ذهب))( ).

قال الإمام الترمذي رحمه الله: ((وقد رُوِيَ عن غير واحد من أهل العلم: أنهم شدّوا أسنانهم بالذهب، وفي الحديث حجة لهم))( ).

وقد روي عن جماعة من السلف أنهم شدُّوا أسنانهم بالذهب،

منهم: موسى بن طلحة( ) ونصر بن عمران البصري

أحد الأئمة الثقات( ), وثابت البناني( )، وإسماعيل بن زيد بن ثابت بن

الضحاك( )، والمغيرة بن عبدالله( ).

الثاني عشر: ما يباح للنساء من الذهب والفضة:

يباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهنَّ بلبسه، ولو كثر: كالطوق( ) والخلخال( )، والسوار( )، والقرط( )، وما في المخانق( )، والمقالد( )، والتاج، وما أشبه ذلك؛ لعموم قول الله تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الـْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الـْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ( )؛ ولقوله : ((أُحلَّ الذهب والحرير لإناث أمتي، وحُرِّم على ذكورها))( )( ). قال العلامة عبدالرحـمن بن محمد بن قاسم رحمه الله: ((فدل على إباحة التحلي بهما لهن( )، وأجمع العلماء على ذلك؛ لهذا الخبر، وغيره؛ ولأن المرأة محتاجة للتجمل، والتزين لزوجها، فأباح الشارع لها ما تجمل به)) ( ).

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((ويباح للنساء من حلي الذهب, والفضة, والجواهر، كلُّ ما جرت عادتهن بلبسه: مثل السوار، والخلخال، والقرط، والخاتم، وما يلبسنه على وجوههن، وفي أعناقهن، وأيديهن، وأرجلهن، وآذانهن، وغيره، وأما ما لم تجرِ عادتهن بلبسه: كالمنطقة وشبهها من حلي الرجال فهو محرم... ))( ).

الثالث عشر: تحريم آنية الذهب والفضة على الرجال والنساء جميعاً:

اتخاذ آنية الذهب أو الفضة حرام على الرجال والنساء جميعاً، وكذلك استعمالهما؛ لحديث أم سلمة زوج النبي أن رسول الله قال: ((الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر( ) في بطنه نار جهنم)) وفي لفظ لمسلم: ((أن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب...)). وفي لفظ لمسلم أيضاً: ((من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم))( ).

وعن حذيفة قال: سمعت رسول الله يقول: ((لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولنا  في الآخرة))( ).

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((وأجمع المسلمون على تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب، وإناء الفضة، على الرجل والمرأة... ))( ).

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((وجملته: أن اتخاذ آنية الذهب والفضة حرام على النساء والرجال جميعاً، وكذلك استعمالها))( ).

الرابع عشر: لا زكاة في الحلي من غير الذهب والفضة: إجماعاً

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((فإن كان في الحلي جوهر، ولآلئ مرصَّعةٌ فالزكاة في الحلي: من الذهب, والفضة, دون الجوهر؛ لأنها لا زكاة فيها عند أحد من أهل العلم، فإن كان الحلي للتجارة قوَّمه بما فيه من الجواهر، ولو كانت مفردة وهي للتجارة لقوِّمت وزكيت، فكذلك إذا كانت في حلي التجارة))( ), وقال رحمه الله: ((ولا زكاة في الجواهر، واللآلئ؛ لأنها معدة للاستعمال،فأشبهت ثياب البذلة،وعوامل الماشية))( ).وقال العلامة ابن مفلح رحمه الله:((لا زكاة في الجوهر، واللؤلؤ؛ لأنه معدٌّ للاستعمال، كثياب البذلة، ولو كان في حلْي،إلا أن يكون للتجارة،فيقوَّم جميعه تبعاً... ))( ).

وقال الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله: ((المجوهرات من غير الذهب والفضة:كالماس،ليس فيها زكاة،إلا أن يراد بها التجارة))( ).

والخلاصة: أن جماهير الفقهاء اتفقوا على عدم وجوب الزكاة فيما تستخدمه المرأة: من الجواهر: كاللؤلؤ، والمرجان، والياقوت، والزمرد، وغيرها من الحلي الذي ليس بذهب ولا فضة، إلا أن يقصد به التجارة، ففيه زكاة عروض التجارة، والله تعالى أعلم( ).

الخامس عشر:وجوب الزكاة في الحلي المحرم،أو المعد للتجارة: من الذهب والفضة:

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((وكل ما كان اتخاذه محرماً من الأثمان لم تسقط زكاته باتخاذه؛لأن الأصل وجوب الزكاة فيها؛لكونها مخلوقة للتجارة،والتوسل بها إلى غيرها،ولم يوجد ما يمنع ذلك،فبقيت على أصلها))( ).

وذكر رحمه الله تعالى أثناء كلامه على تحريم آنية الذهب والفضة، فقال: ((إذا ثبت هذا فإن فيها الزكاة بغير خلاف بين أهل العلم، ولا زكاة فيها حتى تبلغ نصاباً بالوزن، أو يكون عنده ما يبلغ نصاباً بضمِّها إليه، وإن زادت قيمته؛ لصياغته، فلا عبرة بها؛ لأنها محرمة فلا قيمة لها في الشرع... ))( ).

قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة إذا كان حليًّا محرم الاستعمال، أو كان معدًّا للتجارة أو نحوها))( ).

السادس عشر: زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال:

اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، قديماً وحديثاً في زكاة الحلي المباح, الذي أُعد للاستعمال: هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب؟( ).

وقد دل الكتاب العزيز والسنة المطهرة على وجوب ردِّ ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ، عملاً بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا( )،وقال :فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا( ). وقال : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ( ). وإذا رددنا هذه المسألة إلى الكتاب والسنة، وجدناهما يدلان دلالة ظاهرة على وجوب الزكاة في حلي النساء: من الذهب والفضة، حتى لو كان للاستعمال أو العارية، سواء كانت: قلائد، أو أسورة، أو خواتم، أو ما تُحلَّى به السيوف والخناجر من الذهب والفضة إذا بلغ ذلك نصاباً أو كان عند مالكه من الذهب والفضة أو عروض التجارة ما يكمل به النصاب، والقول بوجوب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال هو أصح أقوال أهل العلم( )، وقد رُوي هذا الوجوب: عن عمر بن الخطاب ، وعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمرو بن العاص، ، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعبدالله بن شداد، وجابر بن زيد، وابن سيرين، وميمون بن مهران، والزهري، والثوري، وبه قال الإمام أبو حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وداود الظاهري رحمهم الله ورضي عنهم جميعاً( ). واستدلوا بأدلة: من الكتاب، والسنة الثابتة، وأقوال بعض أصحاب النبي على النحو الآتي:

1 – عموم قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( ). قال الإمام الطبري رحمه الله: ((...قال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤدَّ زكاته، قالوا: وعنى بقوله: وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله ولا يؤدون زكاتها)) ثم ساق بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ((كل مال أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفوناً، وكل مال لم تؤدَّ منه الزكاة وإن لم يكن مدفوناً فهو كنز))( ). ثم قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى بعد ذكره لأقوال أهل العلم في تفسير الآية: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصحة القول الذي ذكر عن ابن عمر: من أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كل مالٍ لم تؤدَّ زكاته فصاحبه معاقب مستحق وعيد الله، إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه، وإن قل إذا كان مما يجب فيه الزكاة))( ). والآية عامة في زكاة الذهب والفضة، ويدخل في العموم زكاة الحلي، قال الجصاص رحمه الله تعالى: ((وجه دلالة الآية على وجوبها في الحلي لشمول الاسم له))( ). أي: الآية تتناول الذهب والفضة ويدخل في ذلك الحلي، فلا يجوز إخراج الحلي بدون دليل مخصص. وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((باب ما أدِّيَ زكاته فليس بكنز، ثم ساق خبر ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال له أعرابي: أخبرني عن قول الله تعالى:

وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله( ). قال ابن عمر

رضي الله عنهما: من كنزها فلم يؤدِّ زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تُنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال))( ).

وزكاة الحلي تدخل في هذا العموم، إلا بدليل صحيح صريح مخصص))( ).

2 – روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله : ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحت له صفائح من نار، فأُحْمِيَ عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار..))( ). فالحديث عام في وجوب الزكاة في كل ذهب وفضة، بهذا النص الصحيح، ولم يأت إجماع قط بأنه عليه الصلاة والسلام لم يرد إلا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم يجز تخصيص شيء من ذلك بغير نص صحيح ولا إجماع))( ).

3 – روى أبو داود، والنسائي، وأحمد، والترمذي، واللفظ لأبي داود، عن عبدالله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما: أن امرأة أتت رسول الله ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسكتَان( ) غليظتان من ذهب، فقال لها: ((أتعطين زكاة هذا؟(( قالت: لا، قال: ((أيَسُرُّكِ أن يُسَوِّركِ اللهُ بهما يوم القيامة سوارين من نار؟)) قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي ، وقالت: هما لله ولرسوله))( ).

وهذا الحديث الثابت عن النبي يدل على وجوب الزكاة في الحلي؛ لأنه ألحق الوعيد الشديد بترك أداء الزكاة في الحلي كما في هذا الحديث.

4- وروى أبو داود،واللفظ له،والحاكم،والدارقطني، والبيهقي، عن عبدالله بن شداد بن الهاد، أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي فقالت: دخل عليَّ رسول الله ، فرأى في يديَّ فتخاتٍ( ) من وَرِقٍ، فقال: ((ما هذا يا عائشة؟)) فقلت:صنعتهنَّ أتزيَّنُ لك يا رسول الله! قال: ((أتُؤدِّين زكاتهُنَّ؟)) قلت:لا،أو ما شاء الله،قال:((هو حَسْبُكِ من النار))( ).

وهذا الحديث الصحيح يدل على وجوب زكاة الحلي المعد للاستعمال؛ لأن عائشة رضي الله عنها استعملت الفتخات لتتزين بها لرسول الله ، ومع ذلك تَضَمَّن الحديث الوعيد لمن لم يؤدِّ زكاة الحلي، ولم يستثن النبي من الحلي شيئاً: لا المستعار ولا غيره، فوجب الأخذ بصريح النص وعمومه، ولا يجوز أن تخصص النصوص إلا بنصٍّ ثابتٍ يقتضي التخصيص ( ).

5 – وروى أبو داود بلفظه، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، عن أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها قالت: كنت ألبس أوضاحاً( ) من ذهب، فقلت: يا رسول الله! أكنز هُوَ؟ فقال: ((ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكِّي فليس بكنز))( ). في هذا الحديث الإشارة إلى اشتراط النصاب، وأن ما لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، ولا يدخل في الكنز المتوعد عليه بالعذاب، وأن كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يزكَّ فهو من الكنز المتوعد عليه بالعذاب، وفي الحديث الدلالة الصريحة على وجوب الزكاة في الحلي؛ لأن أم سلمة رضي الله عنها سألت عن ذلك كما هو صريح الحديث))( ).

6 – وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، قالت: أتيت النبي بطوق فيه سبعون مثقالاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله خذ منه الفريضة التي جعل الله فيه، قالت: فأخذ رسول الله مثقالاً وثلاثة أرباع مثقالٍ فوجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله خذ منه الذي جعل الله فيه، قالت: فقسم رسول الله على هذه الأصناف الستة، وعلى غيرهم، فقال: فذكره، قالت: قلت: يا رسول الله، رضيت لنفسي ما رضي الله به ورسوله))( ). قال العلامة الألباني رحمه الله: ((وفي هذا الحديث دلالة صريحة على أنه كان معروفاً في عهد النبي وجوب الزكاة على حُلي النساء، وذلك بعد أن أمر بها في غير ما حديث صحيح، كنت ذكرت بعضها في ((آداب الزفاف))؛ ولذلك جاءت فاطمة بنت قيس رضي الله عنها بطوقها إلى النبي ؛ ليأخذ زكاتها منه، فليُضم هذا الحديث إلى تلك لعل في ذلك ما يقنع الذين لايزالون يفتون بعدم وجوب الزكاة على الحلي، فيحرمون بذلك الفقراء من بعض حقهم في أموال زكاة الأغنياء)).

7 – آثار واردة عن بعض الصحابة دالة على وجوب الزكاة في الحُليّ المباح، منها ما يأتي:

الأثر الأول: عن عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين ، أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: ((أن مرَّ من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهنَّ))( ).

الأثر الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أنه أوجب الزكاة في الحلي))( ).

الأثر الثالث: عن ابن مسعود أن امرأته سألته عن حلي لها، فقال: ((إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة) قالت: أضعها في بني أخ لي في حجري؟ قال: ((نعم))( ).

الأثر الرابع: عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ((أنه كان يزكي حلي نسائه، وبناته))( ).

الأثر الخامس: عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ((لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته))( ).

السابع عشر: ترجيح جمع كثير من العلماء لوجوب زكاة الحلي:

أذكر مجموعة من أهل العلم الذين بلغني قولهم بوجوب زكاة الحلي المباح الذي أعد للاستعمال، إذا كمل النصاب ودار عليه الحول، ومنهم على سبيل الإيجاز لا الحصر، ما يأتي:

1 – ابن حزم رحمه الله تعالى، حيث قال: ((والزكاة واجبة في حلي الفضة والذهب، إذا بلغ كل واحد منهما المقدار الذي ذكرنا – النصاب – وأتم عند مالكه عاماً قمريًّا))( ).

2 – الفخر الرازي قال: ((الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي))( ).

3 – الصنعاني، قال: ((وأظهر الأقوال دليلاً وجوبها [أي وجوب زكاة الحلي]؛ لصحة الحديث وقوته))( ).

4 – أحمد البناء قال: ((وأظهر الأقوال دليلاً، وأقواها، ما ذهب إليه الأولون: من وجوب الزكاة في الحلي))( ).

5 – سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله، يفتي بوجوب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال منذ زمن طويل، ومن ذلك قوله رحمه الله:

((بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فقد تكرر السؤال من كثير من الناس عن حكم زكاة الحلي من الذهب والفضة وما ورد في ذلك من الأدلة؛ ولتعميم الفائدة أجبت بما يلي والله الموفق والهادي إلى الصواب:

لا ريب أن هذه المسألة من مسائل الخلاف بين أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وقد دل الكتاب والسنة على وجوب رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله عملاً بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا( ). وإذا رددنا هذه المسألة إلى الكتاب والسنة وجدناهما يدلان دلالة ظاهرة على وجوب الزكاة في حلي النساء من الذهب والفضة وإن كان هذا للاستعمال أو العارية؛ سواء كانت: قلائد, أو أسورة, أو خواتيم, أو غيرها من أنواع الذهب والفضة، ومثل ذلك ما تحلى به السيوف والخناجر, من الذهب والفضة إذا كان الموجود من ذلك نصاباً، أو كان عند مالكه من الذهب أو الفضة أو عروض التجارة ما يكمل النصاب، وهذا القول هو أصح أقوال أهل العلم في هذه المسألة، والدليل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ( ).

ومن السنة المطهرة ما ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله أنه قال: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا صُفِّحَتْ له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه, وجبينه, وظهره, كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار))( ). فهذان النصان العظيمان من الكتاب والسنة يعُمَّان جميع أنواع الذهب والفضة ويدخل في ذلك أنواع الحلي: من الذهب, والفضة، ومن استثنى شيئاً فعليه الدليل المخصص لهذا العموم, لو لم يرد إلا العموم في هذه المسألة، فكيف وقد ورد في هذه المسألة بعينها أحاديث صحيحة دالة على وجوب الزكاة في الحلي، منها ما خرَّجه أبو داود, والنسائي بإسناد صحيح عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن امرأة دخلت على النبي وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال النبي : ((أتعطين زكاة هذا؟)) قالت: لا. قال: ((أيسرك أن يسوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار)) فألقتهما وقالت: هما لله ولرسوله( ).

قال الحافظ ابن القطان: إسناده صحيح. وخرج أبو داود بإسناد جيد عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب فقالت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكي فليس بكنز))( ) ففي هذا الحديث فائدتان جليلتان:

إحداهما: اشتراط النصاب, وأن ما لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، ولا يدخل في الكنز المتوعد عليه بالعذاب.

والفائدة الثانية: أن كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يزك فهو من الكنز المتوعد عليه بالعذاب.

وفيه أيضاً فائدة ثالثة: وهي المقصود من ذكره, وهي الدالة على وجوب الزكاة في الحلي؛ لأن أم سلمة رضي الله عنها سألت عن ذلك كما هو صريح الحديث.

ومن ذلك ما ثبت في سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها أن النبي رأى عليها فتخات من فضة, فقال: ((ما هذا يا عائشة؟)) قلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. فقال: ((أتؤدين زكاتهن؟)) قلت: لا. أو ما شاءالله. قال: ((هو حسبك من النار))( ).

ففي هذه النصوص الدلالة الظاهرة على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة، وإن أعدت للاستعمال أو العارية؛ لأن الرسول أنكر على عائشة والمرأة المذكورة في حديث عبدالله بن عمرو تركُ زكاة حليهما وهما مستعملتان له، ولم يستثن من الحلي شيئاً لا المستعار ولا غيره، فوجب الأخذ بصريح النص وعمومه، ولا يجوز أن تخصص النصوص إلا بنص ثابت يقتضي التخصيص.

وأما ما يروى عن النبي أنه قال: ((ليس في الحلي زكاة))( ). فهو حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج ولا يقوى على معارضة أو تخصيص هذه النصوص المتقدم ذكرها، بل قال الحافظ البيهقي: ((إنه حديث باطل لا أصل له)) نقل عنه ذلك الحافظ الزيلعي في نصب الراية، والحافظ ابن حجر في التلخيص( ).

6 – فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يفتي بوجوب زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال إذا بلغ نصاباً ودار عليه الحول، وفتاواه كثيرة في هذه المسألة ( ).

وكتب رسالة لطيفة نافعة، ذكر فيها أقوال أهل العلم، وبين أنه يجب على الناس أن يردوا مسائل الخلاف عند التنازع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، وذكر خمسة أقوال لأهل العلم في مسألة زكاة الحلي، ومن ذلك قوله رحمه الله: ((...القول الخامس: وجوب الزكاة فيه إذا بلغ نصاباً كل عام، وهومذهب أبي حنيفة [رحمه الله] ورواية عن أحمد، رحمه الله، وأحد القولين في مذهب الشافعي رحمه الله، وهذا هو القول الراجح لدلالة الكتاب والسنة، والآثار عليه...)) ثم ذكر الأدلة على ذلك تفصيلاً، ورد على من قال بعدم الوجوب ردًّا مفصلاً. رحمه الله تعالى( ).

7 – فضيلة الشيخ العلامة المحدث ناصر الدين الألباني رحمه الله، قال رحمه الله على حديث فاطمة بنت قيس في وجوب الزكاة: ((وفي الحديث دلالة صريحة على أنه كان معروفاً في عهد النبي وجوب الزكاة على حلي النساء، وذلك بعد أن أمر بها في غير ما حديث صحيح كنت ذكرت بعضها في ((آداب الزفاف ص 264))، ولذلك جاءت فاطمة بنت

قيس رضي الله عنها بطوقها إلى النبي ليأخذ زكاتها منه، فليُضم هذا الحديث إلى تلك الأحاديث لعل في ذلك ما يُقنع الذين لا يزالون يُفتون بعدم وجوب الزكاة على الحليّ، فيحرمون بذلك الفقراء من بعض حقهم في أموال زكاة الأغنياء))( ).

8 – فضيلة الشيخ العلامة عبدالله بن جبرين رحمه الله تعالى، قال حينما سُئل عن زكاة الحلي؟: ((لا شك أن هناك خلافاً قوياً، قديماً وحديثاً في حكم زكاة الحلي المستعمل، ولكن القول الذي أختاره لزوم إخراج زكاته كل عام، ولو كان ملبوساً؛ لقوة الأدلة التي تؤيد هذا القول، وعلى هذا فإنها تقدر بقيمتها الحالية، ولا ينظر إلى رأس مالها، فتزكَّى قيمة الحلي التي يُقوَّم بها في الحال، سواء كان أكثر مما اشترت به، أو أقل، ثم تزكي تلك القيمة بربع العشر، والله أعلم( ).

9 – جماعة من أهل العلم أيدوا القول بالوجوب، ورأوا أنه الأسلم للمسلم، والأبرأ للذمة، ومنهم:

10 – العلامة الخطابي، قال: ((الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها، والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب إلى النظر، ومعه طرف من الأثر، والاحتياط أداؤها والله أعلم))( ).

11 – العلامة السندي، قال: ((...لكن تعدد أحاديث الباب، وتأييد بعضها ببعض يؤيد القول بالوجوب، وهو الأحوط، والله تعالى أعلم))( ).

12 – فضيلة الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، قال: ((... قال مقيده – عفا الله عنه – وإخراج زكاة الحلي أحوط؛ لأن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، والعلم عند الله تعالى))( ).

13- فضيلة الشيخ محمود محمد خطاب السبكي،قال رحمه الله: ((وأظهر الأقوال:القول الأول– القول بالوجوب؛لقوة أدلته،وهو الأحوط))( ).

14 - الشيخ العلامة أبو بكر الجزائري، قال: ((والأحوط في حلي النساء الزكاة على كل حال))( ).

15 – فضيلة الشيخ العلامة صالح البليهي، قال: ((...من كلام الشيخ تقي الدين، وابن القيم أن الزكاة لا تجب في الحلي، وعلى كل حال العمل بالأحوط أحوط، وأسلم للعاقبة، كيف وقد قال : ((ما نقص مال من صدقة بل تزده بل تزده)). وقال عليه [الصلاة] والسلام: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمد لله رب العالمين))( ).

16 – اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. تصفّحت جميع الفتاوى في زكاة الحلي في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا ابن باز رحمه الله، فوجدت أنها كلها تذكر الوجوب، وقد بدأ أصحاب الفضيلة الأعضاء ببحث قيم مفيدٍ عن زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال، وذكروا أقوال أهل العلم في الجملة، وذكروا أدلة كل فريق، ووجه الدلالة، ثم رجحوا القول بالوجوب، ثم بعد هذا البحث والترجيح اتخذوا منهجاً في جميع الفتاوى اللاحقة التي تعرض عليهم، فيفتون بوجوب الزكاة في الحلي المباح المستعمل إذا كمل النصاب، أو كان عند المالك من عروض التجارة ما يكمّل به النصاب،ودار عليه الحول،وأعضاء اللجنة هم:

17 – سماحة الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رئيس اللجنة.

18 –  صاحب الفضيلة العلامة عبدالرزاق عفيفي نائب رئيس اللجنة.

19 – صاحب الفضيلة العلامة عبدالله بن غديان عضو.

20 – صاحب الفضيلة العلامة عبدالله بن قعود عضو( ).

ومن نماذج الفتاوى، الفتوى رقم (1797) قال فيها أصحاب الفضيلة: ((أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة إذا كان حُليَّاً محرم الاستعمال، أو كان معدًّا للتجارة، أو نحوها، أما إذا كان حلياً مباحاً معدًّا للاستعمال أو الإعارة: كخاتم الفضة، وحلية النساء، وما أبيح من حلية السلاح، فقد اختلف أهل العلم في وجوب زكاته...)) ثم ذكروا القولين المشهورين، كل قول بدليله، وأجادوا وأفادوا ثم قالوا:

((والأرجح من القولين قول من قال بوجوب الزكاة فيها، إذا بلغت النصاب، أو كان لدى مالكيها: من الذهب، والفضة، أو عروض التجارة، ما يكمل النصاب؛ لعموم الأحاديث في وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وليس هناك مخصص صحيح فيما نعلم؛ ولأحاديث: عبدالله بن عمرو بن العاص، وعائشة، وأم سلمة المتقدم ذكرها، وهي أحاديث جيدة الأسانيد، لا مطعن فيها مؤثر، فوجب العمل بها. أما تضعيف الترمذي، وابن حزم لها والموصلي فلا وجه له، فيما نعلم، مع العلم بأن الترمذي رحمه الله معذور فيما ذكره؛ لأنه ساق حديث عبدالله بن عمرو من طريق ضعيفة وقد رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طريق أخرى صحيحة، ولعل الترمذي لم يطلع عليها.

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو                         عضو نائب رئيس اللجنة                              الرئيس

عبدالله بن قعود،    عبدالله بن غديان،   عبدالرزاق عفيفي،  عبدالعزيز بن عبدالله بن باز( )

 المبحث الحادي عشر: زكاة عروض التجارة

أولاًَ: مفهوم عروض التجارة لغة واصطلاحاً:

لغـةً: العروض: جمع عَرْض بفتح العين وسكون الراء: خلاف النقد من المال، قال الجوهري: العَرْضُ: المتاع، وكل شيء عَرْضٌ سوى الدراهم، والدنانير فإنهما عين، وقال أبو عبيد: العروض: الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا يكون حيواناً، ولا عقاراً، تقول: اشتريت المتاع بِعَرْضٍ: أي بمتاع مثله، وعارضته بمتاع، أو دابةٍ، أو شيء، معارضةً إذا بادلته به( ).

وأما العَرَض بفتح العين والراء، جمع أعراض فهـو متـاع الـدنيـا وحطامهـا, وهذا شامل لكل أنواع المال قَلَّ أو كثر؛ لقول الله : لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الـْحَيَاةِ الدُّنْيَا( )، ولقول النبي : ((لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ))( ), وسُمِّي عرضاً؛ لأنه يُعْرَضُ وقتاً ثم يزول( ).  قال الله تعالى:لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ( ), والمقصود هو الأول: ((العَرْض)).

اصطلاحاً: العروض: هو ما أعد للبيع والشراء؛ لأجلِ ربحٍ( ).

وقيل: هو السلع التجارية، كل ما أعد للبيع والشراء من أجل الأرباح، من أي نوع، ومن أي صنف كان، وهو جميع أصناف الأموال غير الذهب والفضة( ).

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((العروض: جمع عَرْضٍ، وهو غير الأثمان من المال، على اختلاف أنواعه: من النباتِ، والحيوان، والعقار، وسائر المال))( ).

التجارة: البيع والشراء من أجل الربح( ) في جميع أصناف المال إلا النقدين.

وقيل: كل ما أعد للتجارة كائنة ما كانت سواء من جنسٍ تجب فيه زكاة العين: كالإبل، والبقر، والغنم، أو لا: كالعقار، والثياب، والحمير، والبغال( ).

ثانياً: زكاة العروض واجبة بعموم الكتاب والسنة، والآثار، وإجماع عامة أهل العلم والقياس.

أما الكتاب فلعموم الآيات الآتية:

الدليل الأول: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الـْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( ). وقد فسر مجاهد رحمه الله تعالى، قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْقال: ((من التجارة))( ). وفي لفظ: ((من التجارة الحلال))( ).

قال الإمام الطبري رحمه الله: ((من طيبات ما كسبتم)) يعني بذلك جل ثناؤه: زكُّوا من طيبات ما كسبتم، بتصرفكم: إما بتجارة، وإما بصناعة، من الذهب والفضة، ويعني بـ ((الطيبات الجياد))( ) وقال الإمام القرطبي رحمه الله: ((الكسب يكون بتعب بدنٍ: وهي الإجارة، وسيأتي حكمها، أو مقاولةٍ في تجارة: وهو البيع))( ). وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ من خيار، قال ابن مسعود ومجاهد: من حلالات مَا كَسَبْتُمْ بالتجارة، والصناعة( ). وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: ((يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق... من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها، قال مجاهد: يعني التجارة، بتيسيره إياها لهم...))( ). وقال العلامة السعدي رحمه الله: ((يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب ومما أخرج لهم من الأرض))( ).

قال الإمام البخاري رحمه الله: ((بابُ صدقة الكسب والتجارة؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ( ) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((هكذا أورد هذه الترجمة مقتصراً على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة عن الحكم عن مجاهد في هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ قال من التجارة الحلال...( )( ).

الدليل الثاني من القرآن الكريم، عموم قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالـِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لـَهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيم( ).

ذكر الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية مسائل منها:

قال: خُذْ مِنْ أَمْوَالـِهِمْ صَدَقَةًمطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ، والمأخوذ منه، ولا تبين مقدار المأخوذ، ولا المأخوذ منه، وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع، حسب ما نذكره، فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال، وقد أوجب النبي   الزكاة في المواشي والحبوب، والعين وهذا ما لا خلاف فيه، واختلفوا فيما سوى ذلك: كالخيل وسائر العروض...))( ).

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: ((أمر تعالى رسوله   بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام، وإن أعاد بعضهم الضمير في ((أموالهم)) إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً))( ).

الدليل الثالث: عموم قول الله تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالـِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالـْمَحْرُومِ( ). قال قتادة رحمه الله: ((الحق المعلوم: الزكاة المفروضة))( ). وسُئل ابن عمر رضي الله عنهما عن هذه الآية: أهي الزكاة؟ فقال: ((إن عليك حقوقاً سوى الزكاة))( ).

قال الإمام الطبري رحمه الله: ((يقول تعالى ذكره: وإلا الذين في أموالهم حق مؤقت، وهو الزكاة, للسائل الذي يسأله من ماله، والمحروم الذي قد حرم الغِنى فهو فقير لا يسأل))( ).

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: ((أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات))( ). وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: وَفِي أَمْوَالـِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالـْمَحْرُومِ( ) قال: ((أي جزء مقسوم, قد أفرزوه للسائل والمحروم))( ).

وقال العلامة السعدي رحمه الله: ((وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ)) من زكاة وصدقة، ((لِلسَّائِلِ)) الذي يتعرض للسؤال ((وَالـْمَحْرُومِ)) وهو المسكين الذي لا يسأل الناس فيعطوه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه))( ) قال العلامة محمد بن عثيمين رحمه الله: ((الزكاة واجبة في عروض التجارة، والدليل على ذلك دخولها في عموم قوله تعالى: وَفِي أَمْوَالـِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالـْمَحْرُومِ ( )( ).

وأما السنة؛ فلعموم الأحاديث الآتية:

الدليل الأول: من السنة عموم قول النبي لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) وفي لفظ لمسلم: ((... فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم))( ).

وظاهر الحديث العموم في كل مال، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: ((ولا شك أن عروض التجارة مال))( ).

الدليل الثاني من السنة، حديث أبي هريرة قال: أمر رسول الله بالصدقة فقيل: منع ابنُ جميل، وخالد بنُ الوليد، وعباس بن عبدالمطلب، فقال النبي : ((ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً, قد احتبس أدراعه وأَعتُدَهُ في سبيل الله، وأما العباس بن عبدالمطلب فعمُّ رسول الله فهي عليه صدقة ومثلها معها)). ولفظ مسلم: بعث رسول الله عمر على الصدقة... إلى قوله: وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدراعه، وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها...))( ).

وقوله : ((قد احتبس أدراعه، وأعتاده في سبيل الله)) ((وأعتاده)) ما يعده الرجل من الدواب والسلاح وآلات الحرب. قال الإمام النووي رحمه الله: ((ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنًّا منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم عليَّ، فقالوا للنبي : إن خالداً منع الزكاة، فقال لهم: إنكم تظلمونه؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها فلا زكاة فيها، ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة لأعطاها، ولم يشح بها؛ لأنه قد وقف أمواله لله تعالى تبرعاً, فكيف يشح بواجب عليه، واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة, وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، خلافاً لداود))( ).

وقال الخطابي رحمه الله: ((وتأويل الكلام على وجهين:

أحدهما: أنه إنما طولب بالزكاة عن أثمان الأدراع والعتاد على أنها كانت للتجارة، فأخبر النبي أنه لا زكاة عليه فيها؛ إذ قد جعلها حبساً في سبيل الله، وفيه دليل على وجوب الزكاة في الأموال التي ترصد للتجارة، وهو كالإجماع من أهل العلم، وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أنه لا زكاة فيها, هو مسبوق بالإجماع))( ).

الدليل الثالث: ما روي من حديث أبي ذر يرفعه: ((في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته))( ).

الدليل الرابع: من السنة، قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى))( ). قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((ولو سألنا التاجر: ماذا يريد بهذه الأموال؟ لقال: أريد الذهب والفضة، أريد النقدين.. فعلى هذا نقول: زكاة العروض واجبة بالنص والقياس))( ).

وأما الآثار: فمنها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:

الأثر الأول: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ((ليس في العَرْض زكاة؛ إلا أن يراد به التجارة))( ).

الأثر الثاني: عن عمر كما قال عبدالرحمن بن عبدٍ القارئ, وكان على بيت المال في زمن عمر مع عبيد الله بن الأرقم، فإذا خرج العطاء جمع عمر أموال التجارة فحسب عاجلها وآجلها، ثم يأخذ الزكاة من الشاهد والغائب))( ).

الأثر الثالث: عن عمر بن عبدالعزيز، قال زريق بن حيان – وكان على جواز مصر في زمن الوليد وسليمان،وعمر بن عبدالعزيز،فذكر ((أن عمر بن عبدالعزيز كتب إليه: أن انظر من مرَّ بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون من التجارات: من كل أربعين ديناراً ديناراً، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين ديناراً، فإن نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئاً))( ).

وأما الإجماع فقال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: ((وأجمعوا على أن في العروض التي تدار للتجارة: الزكاة إذا حال عليها الحول))( ).

وقال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله: ((ولم يختلف العلماء أن العروض كلها: من العبيد، وغير العبيد إذا لم تكن تبتاع للتجارة أنه لا زكاة فيها))( ).

وقد نقل الإجماع عن ابن المنذر رحمه الله موافقةً له على ذلك: الإمام ابن قدامة رحمه الله( ) والإمام الصنعاني رحمه الله في سبل السلام( ), والإمام النووي رحمه الله( ), وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله( ), والعلامة الشوكاني رحمه الله( ).

وقال الإمام البغوي رحمه الله: ((ذهب عامة أهل العلم إلى أن التجارة تجب الزكاة في قيمتها، إذا كانت نصاباً تمام الحول، فيخرج منها ربع العشر))( ).

وقال أبو عبيدٍ رحمه الله: ((أجمع المسلمون على أن الزكاة فرض واجب فيها، وأما القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا))( ).

وأما القياس، فقال الإمام النووي رحمه الله: ((تجب الزكاة في عروض التجارة؛ لحديث أبي ذرٍّ ؛ ولأن التجارة يطلب بها نماء المال، فتعلقت بها الزكاة، كالسوم في الماشية))( ).

وقال الإمام ابنُ رشدٍ رحمه الله: ((إن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية، فأشبه الأجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق. أعني الحرث, والماشية، والذهب, والفضة))( ).

ثالثاً: وجوب زكاة عروض التجارة:

قال به الأئمة الأعلام المحققون قديماً وحديثاً: من أهل العلم والإيمان والفقه لمقاصد الإسلام, فهو كالإجماع، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، ما يأتي:

الفقهاء السبعة( )، والأئمة الأربعة( ): الإمام أبو حنيفة( )، والإمام مالك( )، والإمام الشافعي( ), والإمام أحمد( )، وكثير من علماء الإسلام والأئمة الأعلام لا يحصي عددهم إلا الله، ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية( )، وابن القيم( )، وأبو عبيد( )، والإمام النووي( )، والحافظ ابن حجر( )، والإمام ابن قدامة( )، والعلامة الصنعاني( )، والعلامة الشوكاني( )، والإمام البغوي( )، ومن المعاصرين: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ( )، والإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز( )، والعلامة محمد بن صالح العثيمين( )، والعلامة عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين( ) وغيرهم كثير, بل هو إجماع بين أهل العلم إلا من شذ؛ ولهذا قال الإمام أبو عُبيدٍ رحمه الله: ((أجمع المسلمون على أن الزكاة فرض واجب فيها))( )، وأما القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا))( )( ).

رابعاً: شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة على النحو الآتي: 

الشرط الأول: نية التجارة في عروض التجارة؛ لأن العروض مخلوقة في الأصل للاستعمال, فلا تصير للتجارة إلا بالنية، ويعتبر وجود النية في جميع الحول؛ لأنها شرط أمكن اعتباره في جميع الحول، فاعتبر فيه؛ لقوله: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))( )( ).

الشرط الثاني: أن تبلغ قيمة العروض للتجارة نصاباً من أقل الثمنين [أي الذهب والفضة] قيمةً فإذا بلغ أحدهما نصاباً دون الآخر قوَّمه به، ولا يعتبر ما اشتراه به؛ لأن تقويمه لحظ الفقراء... فإن بلغ نصاباً من كل واحدٍ: من الذهب والفضة، قوَّمه بما هو أحظ لأهل الزكاة، فإن استويا قومه بما شاء منهما، والأصل في اعتبار النصاب قوله : ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة))( )؛ ولقوله : ((...فإذا كان لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً))( ).

الشرط الثالث: الحول؛ لقوله : ((...وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول))( )، ويعتبر وجود النصاب في جميع الحول؛ لأن ما اعتبر له الحول والنصاب، اعتبر وجوده في جميعه، كالأثمان.

وإذا اشترى للتجارة عرضاً لا يبلغ نصاباً ثم بلغه انعقد الحول عليه من حين صار نصاباً، وإن ملك نصاباً فنقص انقطع الحول، فإن عاد فنما فبلغ النصاب استأنف الحول، على ما ذكر في زكاة السائمة والأثمان, وإن ملك نصاباً في أوقات فلكلِّ نصابٍ حول، ولا يضم نصابٌ إلى نصاب؛ لأن المال المستفاد يعتبر له الحول على ما ذكر سابقاً، وإن لم يَكْمُل النصاب الأول إلا بالثاني فحولهما منذ ملك الثاني، وإن لم يكملا إلا بالثالث فحول الجميع من حين كمل النصاب.

وإذا اشترى نصاباً للتجارة بآخر لم ينقطع الحول؛ لأن الزكاة تتعلق بالقيمة، والقيمة فيهما واحدة انتقلت من سلعة إلى سلعة، فهي كدراهم نقلت من بيت إلى بيت، وإن اشتراه بأثمان لم ينقطع الحول؛ لأن قيمة الأثمان كانت ظاهرة فاستترت في السلعة، وكذلك لو باع نصاب التجارة بنصاب الأثمان، لم ينقطع الحول لذلك، وإن اشترى نصاباً للتجارة بِعَرْضِ للقنية أو بما دون النصاب من الأثمان، أو عَرْض للتجارة انعقد الحول من حين الشراء؛ لأن ما اشترى به لم يجرِ في حول الزكاة، فلم يُبنَ عليه، ولو اشترى نصاباً للتجارة بنصاب سائمة أو سائمة بنصاب تجارة انقطع الحول؛ لأنهما مختلفان، فإن كان نصاب التجارة سائمة فاشترى به نصاب سائمة للقنية لم ينقطع الحول؛ لأن السوم سبب للزكاة، إنما قدم عليه زكاة التجارة لقوَّته فإذا زال المعارض ثبت حكم السوم؛ لظهوره( ).

وإن اشترى أرضاً ونخلاً للتجارة، فزرعت الأرض وأثمر النخل، واتفق حولهما: بأن بدأ الصلاح في الثمر، واشتد الحب، عند تمام الحول، وكانت قيمة الأرض تبلغ نصاب التجارة، فالأقرب للصواب أنه يزكِّي الجميع زكاة التجارة؛ لأنه مال تجارة تجب فيه زكاة التجارة كالسائمة( ).

وهذه الشروط: من نية التجارة، وبلوغ النصاب، وتمام الحول في عروض التجارة، تضاف إليها الشروط العامة في الزكاة التي ذكرتها في أول الزكاة))( ).

خامساً: حول عروض التجارة لا ينقطع بالمبادلة أو البيع:

فإذا اشترى عَرْضاً للتجارة بنقدٍ أو باعه به، بنى على حول الأول؛ لأن الزكاة تجب في قيم العروض، وهي من جنس النقد، وحتى بهيمة الأنعام: من الإبل، والبقر، والغنم، إذا قصد بها التجارة؛ فإنه يزكيها زكاة العروض، ولا ينقطع الحول إذا باعها وهي من عروض التجارة: سواء باعها بجنسها أو بغير جنسها، قال الإمام البغوي رحمه الله: ((أما حول [عروض] التجارة فلا ينقطع بالمبادلة؛ لأن زكاة التجارة تجب في القيمة، والقيمة باقية في ملكه وقت المبادلة؛ لأن ملكه لا يزول عن أحدهما إلا ويملك الآخر))( ).

سادساً: ربح عروض التجارة حوله حول رأس المال:

فلو ملك نصاباً من عروض التجارة وربح في قيمته، فإنه يزكي الجميع: رأس المال مع الربح، حتى لو لم يربح هذا الربح إلى آخر الحول، فإنه يزكيه مع رأس المال، أما إذا كانت قيمة التجارة دون النصاب ثم حصل الربح، فإن بداية الحول من كمال النصاب بالربح، وكذا إذا ارتفع سعر التجارة فإن الزكاة تجب في جميع القيمة، وإن نقص سعر التجارة زكَّى القيمة الحاضرة( ).

وإذا تم الحول على مال المضاربة فعلى صاحب المال زكاة رأس المال، وزكاة حصته من الربح؛ لأن حول الربح حول الأصل))( ).

سابعاً: تضم قيمة أنواع العروض إلى بعضها، وإلى كل من الذهب والفضة في تكميل النصاب:

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((لا نعلم فيه خلافاً))( )، وقال رحمه الله في موضع آخر: ((ولو كان له ذهب، وفضة، وعروض وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب؛ لأن العروض مضمومٌ إلى كل واحد منهما، فيجب ضمهما إليه وجمع الثلاثة... ))( ) ( ).

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((...تضم قيمة العروض إلى قيمة الذهب والفضة؛ لأن المقصود بهما القيمة))( ).

ثامناً: كيفية تقويم سلع عروض التجارة بما تبلغ قيمتها:

تقوَّم عروض التجارة عند تمام الحول بالأحظ لأهل الزكاة: من الدنانير من الذهب أو من الدراهم من الفضة، فإذا قُوِّمَت وصارت لا تبلغ النصاب باعتبار الذهب [الدنانير] وتبلغ النصاب باعتبار الفضة [الدراهم] فنأخذ بتقويمها باعتبار الفضة، فالأحظ للفقراء هو ما تبلغ به نصاباً من الذهب أو من الفضة، والعكس بالعكس، ولا يعتبر ما اشتريت به, وإنما المعتبر قيمة العروض عند تمام الحول( ).

مثال: رجل اشترى عقاراً بمبلغ مليون جنيه وعرضه للتجارة, ودار عليه الحول, فكان سعره ثلاثة ملايين جنيه، فيزكي ثلاثة ملايين، ورجل اشترى بضاعة بمائة ألف, وعندما دار الحول كانت قيمتها خمسين ألفاً، فيزكي خمسين ألفاً، وهكذا، في جميع عروض التجارة: المعتبر قيمة التجارة عند تمام الحول ( ).

تاسعاً: لا شيء في آلات التجارة التي لا يراد بيعها ولا في ما أُعدَّ للأجرة، ولكن الزكاة في الأجرة إذا حال عليها الحول.

فإذا كان التاجر له في مخزنه: دواليب، وآلات، يستخدمها للعمل في تجارته، فلا زكاة فيها إلا إذا أراد بها عروض التجارة، ومثال ذلك: تاجر له: حفارات، ومكائن، وأجهزة يستعملها لإصلاح تجارته، أو له مطابع وآلات، فلا زكاة في هذه الآلات إذا لم يعدها للبيع، وإنما الزكاة في عروض التجارة التي يديرها، إلا إذا أعدها جميعاً للتجارة بحيث نوى أن يبيعها مع عرض التجارة ففيها الزكاة مع عروض التجارة( ).

والآلات المعدة للإجارة لا زكاة فيها، إنما الزكاة في أجرتها إذا حال عليها الحول، وبلغت النصاب.

مثال ذلك: تاجر يملك حفارات، وسيارات، ورافعات، يؤجرها على الناس ولا يريد بيعها إنما يريد الحصول على أجرتها، فهذه لا زكاة فيها وإنما يزكي أجرتها إذا حال عليها الحول.

وكذلك:العمارات، والأسواق المؤجرة، لا زكاة فيها, إنما الزكاة في أجرتها، وما يحصل منها إذا حال عليها الحول( ).

عاشراً: مقدار الواجب في عروض التجارة: ربع العشر:

الواجب في زكاة عروض التجارة ربع عشر قيمتها عند تمام الحول؛ لقول النبي في المقدار الواجب في الفضة: ((وفي الرقة ربع العشر))( )، والرقة: الفضة، وقال في حديث علي : ((هاتوا ربع العشور: من كل أربعين درهماً درهمٌ وليس عليكم شيء حتى تتمَّ مائتي درهَمٍ، فإذا كانت مائتي درهَمٍ ففيها خمسة دراهم...))( )، وقال في الذهب: ((...فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار, فما زاد فبحساب ذلك))( ). فالواجب في زكاة عروض التجارة ربع عشر قيمتها، من الذهب، أو من الفضة بالأحظ لأهل الزكاة: مثال ذلك شخص يملك عقاراً قيمته عند تمام الحول مليون جنيه، فزكاته هي:

مليون تقسيم أربعين، يساوي خمسة وعشرين ألف جنيهاً [1000.000 ÷ 40 = 25.000 جنيهاً]

وشخص آخر له عروض تجارة قيمتها عند تمام الحول خمسون ألف ريالاً سعودياً، فزكاته: خمسون ألف تقسيم أربعين، يساوي: ألف ومائتين وخمسون ريالاً سعودياً.

[50.000 ÷ 40 = 1250 ريالاً] وهكذا( ).

الحادي عشر: زكاة الأسهم والسندات:

الأسهم والسندات معاملات معاصرة, تحتاج إلى فهمٍ لحقيقتها, ثم النظر في زكاتها على النحو الآتي:

1 – مفهوم الأسهم: ((الأسهم جمع سهم، وهو: حصةٌ في رأس مال شركة ما – أي شركة تجارية، أو عقارية، أو صناعية، ملاك أم شركة عقود – وكل سهم جزء من أجزاء متساوية لرأس المال))( ).

وقيل: ((الأسهم حقوق ملكية جزئية، لرأس مال كبير، للشركات المساهمة، أو التوصية بالأسهم، وكل سهم جزء من أجزاء متساوية لرأس المال))( ).

وقيل: ((السهم: هو صك يمثل حصة من الحصص المتساوية، المقسم إليها رأس المال المطلوب للمساهمة. وهذه المساهمة تخوِّل لصاحبها الحق في الحصول على ما يخصه من أرباح عند اقتسام الممتلكات، أو تحمَّل ما يخصه من الخسارة إن كانت))( ).

2 – مفهوم السند:((السند تعهد مكتوب:من البنك،أو الشركة،أو الحكومة لحامله بسداد مبلغ مقدر،من قرض في تاريخ معين، نظير فائدة مقدرة))( ).

وقيل: ((السند صك يتضمن تعهداً: من المصرف، أو الشركة، أو نحوهما لحامله بسداد مبلغ مقدر، في تاريخ معين، نظير فائدة مقدرة غالباً، بسبب قرضٍ عقدته شركة مساهمة، أو هيئة حكومية، أو أحد الأفراد))( ).

وقيل: ((السند هو جزء من قرض طويل الأجل، تدفع عليه فائدة ثابتة في ميعاد معين، وترد قيمته للمقرض في ميعاد متفق عليه))( ).

3 – الفروق بين الأسهم والسندات:

السندات السهم

1 – صك يمثل جزءاً من قرض, ولا تدخل قيمته في رأس المال.         1 – صك يمثل جزءاً من رأس المال.

2 – حامله دائن وليس بشريك.    2 – حامله شريك بقدر أسهمه.

3 – يصدر بعد التأسيس لتوسيع الأعمال.  3 – يصدر قبل تأسيس الشركة.

4 – لا يلزم أن يكون للشركة المساهمة سندات.       4 – كل شركة مساهمة لها أسهم.

5 – ليس لصاحبه الحق في الحضور والتصويت في الجمعيات العمومية.  5 – للمساهم حق الحضور والتصويت في الجمعيات العمومية.

6 – لا تقع عليه أي أخطار، بل يتأذى بإعسار الشركة ولكن حصته مضمونة.  6 – قد يفقد المساهم حصته بسبب إفلاس أو ديون الشركة.

7 – لصاحب السند فائدة مضمونة في الموعد المحدد ربحت الشركة أم خسرت.   7 – ربح المساهم يأخذه إذا ربحت الشركة وإلا فلا.

8 – يمكن إصداره بأقل من قيمته الإسمية.   8 – لا يمكن إصداره بأقل من قيمته الإسمية.

9 – تدفع الفائدة على السند في ميعاد محدد معروف.          9 – أرباح السهم لا يعرف ميعاد دفعها بالضبط.

10 – يمكن خصم كوبون السند.  10 – لا يمكن خصم كوبون السهم.

11 – للسند وقت محدد لسداده.  11 – لا تسدد قيمته إلا عند تصفية الشركة.

12 – لحامله الأولوية عند تصفية الشركة لأنه يمثل جزءاً من ديونها.     12 – لا يكون لحامله إلا ما فضل بعد أداء ما على الشركة من ديون.

13 – السند بهذه الصفات يحمل قرضاً بفائدة, وهذا العمل حرمه الله ورسوله، وهو من ربا الجاهلية، ومن تعامل به فهو يدخل تحت اللعنة، وهو محارب لله ورسوله ( ).       13 – جواز المعاملة بالسهم بيعاً وشراء إذا كانت الشركة مباحة ومعروفة ومشهورة, وليس فيها غرر ولا جهالة.

4 – حكم بيع الأسهم, على نوعين:

          النوع الأول: أسهم في مؤسسات محرمة، أو مكسبها حرام، أو تتعاون على الإثم والعدوان كالمصارف: الربوية, والبنوك التي تتعامل بالربا، أو مؤسسات نوادي القمار، أو دور لهو ومجون، أو غير ذلك مما حرم الله تعالى, فالمعاملة في هذه المؤسسات وغيرها مما يشبهها حرام, سواء كانت: مساهمة, أو بيعاً للأسهم, أو تعاملاً، قال الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ( ).

النوع الثاني: أسهم في مؤسسات مباحة: كالشركات التجارية المباحة، والصناعية المباحة، والعقارية المباحة، فهذه المساهمة فيها جائزة والمشاركة فيها وبيع أسهمها، بشرط أن تكون الشركة معروفة، والقائمون عليها ثقات أمناء يراقبون الله تعالى ويتقونه, وليس فيها غرر ولا جهالة، فهذه جائزة؛ لأن السهم جزء من رأس المال يعود على صاحبه بربح ناشئ من كسب التجارة والصناعة المباحة، وهذا حلال بلا شك( ).

5 – حكم بيع السندات وشرائها، والتعامل بها، إذا كانت على الصفات المذكورة في الجدول الموضح في الصفحة قبل السابقة، فهي عبارة عن قرض بفائدة، وهذا عين الربا، الذي كان موجوداً في الجاهلية، فإصدار هذه السندات من أول الأمر عمل غير شرعي، فيكون تداولها بالبيع والشراء غير جائز شرعاً، ولا يصح لحامل السند بيعه بهذه الصفات المذكورة آنفاً، وعليه التوبة، وله رأس ماله: لا يظلم, ولا يظلم( ).

6 – كيفية زكاة الأسهم: زكاة الأسهم على نوعين:

النوع الأول: المساهمة في الشركات الصناعية المحضة مثل: شركات الأدوية، والكهرباء،والإسمنت، والحديد، ونحوها من الشركات الصناعية، والمشتركون فيها لا يريدون بيعها, وإنما يريدون استثمارها باستمرار دائم، فهذه تجب الزكاة في صافي أرباحها ربع العشر [2.5%] إذا بلغت الأرباح نصاباً وحال عليها الحول، فكل مساهمٍ يجب عليه تزكية أرباح أسهمه كل سنة بالشروط المتقدمة آنفاً، قياساً على العقارات المعدة للأجرة والكراء.

النوع الثاني: المساهمة في شركات تجارية محضة، تشتري البضائع وتبيعها: كالاستيراد، والتصدير، والبيع, والشراء، والمضاربات، ونحوها من المساهمات في الشركات التجارية المباحة التي لا يقصد المساهم فيها الاستمرار دائماً, وإنما يقصد المتاجرة في البيع والشراء، طلباً للربح، فالزكاة واجبة في جميع ما يملك المساهم وزكاتها: زكاة عروض التجارة، تقوَّم في آخر كل عام, ثم تزكَّى إذا بلغت نصاباً مع أرباحها، فالزكاة تكون في رأس المال مع الربح جميعاً ( ). وهذا التقسيم الذي يفتي به شيخنا الإمام عبدالعزيز ابن باز رحمه الله، قال رحمه الله: ((إذا كانت الأسهم للاستثمار لا للبيع فالواجب تزكية أرباحها، من النقود إذا حال عليها الحول وبلغت النصاب.

أما إذا كانت الأسهم للبيع فإنها تزكى مع أرباحها كلما حال الحول على الأصل، حسب قيمتها حين تمام الحول... ))( ).

7 – زكاة السندات: السندات المذكورة بصفاتها السابقة محرمة لا يجوز التعامل بها: بيعاً, وشراء، ولكن من وقع فيها فعليه التوبة وله رأس ماله، لا يظلم ولا يظلم، وعلى كل حال: فالسندات ديون مؤجلة، ولا يمنع من زكاتها كون الفائدة محرمة, إذ إن التحريم لا يكون سبباً في إعفاء صاحب السند من الزكاة. والصحيح من أقوال أهل العلم في زكاة الدين أنه على نوعين:

النوع الأول: دينٌ على مليء معترفٍ به باذلٍ له، فعلى صاحبه زكاته كل سنة كلما حال عليه الحول كأنه عنده، وهو عند المدين كالأمانات( ).

النوع الثاني: دينٌ على معسرٍ, أو جاحدٍ، أو مماطل، فالصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يلزم صاحب المال زكاته حتى يقبضه، ثم يستقبل به عاماً جديداً, فإذا حال عليه الحول بعد قبضه زكَّاه، ولو زكاه بعد قبضه عن سنة واحدة لما مضى كان أحسن وفيه احتياط، لكن لا يلزمه ذلك ( ).

وأختم هذه المسألة بسؤال وُجِّه للجنة الدائمة, للبحوث العلمية، والإفتاء، هذا نصه, وجوابه:

س: هل على الأسهم والسندات زكاة؟ وكيف نخرجها؟

جـ: تجب الزكاة في الأسهم والسندات إذا كانت تمثل نقوداً، أو عروضاً للتجارة، بشرط أن يكون من في ذمته النقود ليس معسراً، ولا مماطلاً))( ).

 المبحث الثاني عشر: زكاة الفطر

أولاًَ: مفهوم زكاة الفطر:

الزكاة لغة: النماء، والزيادة، والطهارة، والبركة، يقال: زكى الزرع: إذا نما وزاد( ).

الفطر: اسم مصدر، من قولك: أفطر الصائم، يفطر إفطاراً؛ لأن المصدر منه: الإفطار، وهذه يراد بها الصدقة عن البدن، والنفس، وإضافة الزكاة إلى الفطر، من إضافة الشيء إلى سببه؛ لأن الفطر من رمضان سبب وجوبها، فأضيفت إليه؛ لوجوبها به، فيقال: ((زكاة الفطر)).

وقيل لها: فطرةٌ؛ لأن الفطرة: الخلقة، قال الله تعالى: فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا( ). أي جِبلَّته التي جبل الناس عليها، وهذه يراد بها الصدقة عن: البدن، والنفس، كما كانت الأولى صدقة عن المال( )، ويقال: ((زكاة الفطر، وصدقة الفطر، ويقال للمُخْرَج: فطرة, وهي اصطلاحية للفقهاء، كأنها من الفطرة التي هي الخلقة: أي زكاة الخلقة))( ).

زكاة الفطر في الاصطلاح: ((هي الصدقة تجب بالفطر من رمضان، طهرة للصائم: من اللغو، والرفث)) ( ).

وقيل: ((إنفاق مقدار معلوم، عن كل فرد مسلم يُعيله، قبل صلاة عيد الفطر، في مصارف مخصوصة))( ).

وقيل: ((صدقة واجبة بالفطر من رمضان، وتسمى فرضاً، ومصرفها كزكاةٍ))( ).

والحدُّ الذي يشمل التعريفات المتقدمة كلها، وهو: أن يقال: زكاة الفطر: صدقة معلومة بمقدار معلوم، من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة، عن طائفة مخصوصة، لطائفة مخصوصة، تجب بالفطر من رمضان، طهرة للصائم: من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين، والله تعالى أعلم.

ثانياً: الأصل في وجوب زكاة الفطر: عموم الكتاب وصريح السنة والإجماع:

أما عموم الكتاب، فقيل: قول الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى( )( ). وعموم قول الله تعالى:وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ( ).

وأما السنة؛ فلأحاديث كثيرة، ومنها حديث عبدالله ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه: ((فرض رسول الله زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين...))( ).

وأما الإجماع، فأجمع أهل العلم: أن صدقة الفطر فرض، قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: ((وأجمعوا على أن صدقة الفطر فرض، وأجمعوا على أن صدقة الفطر تجب على المرء، إذا أمكنه أداؤها عن نفسه، وأولاده الأطفال، الذين لا أموال لهم، وأجمعوا على أن على المرء أداء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر))( ).

ثالثاً: شروط وجوب زكاة الفطر ثلاثة شروط:

الشرط الأول: الإسلام، فتجب على كل مسلم: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجل أو امرأة، صغيرٍ أو كبيرٍ؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه: ((فرض رسول الله زكاة الفطر من رمضان، على كل نفس من المسلمين: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجلٍ أو امرأةٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ))( ). قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((وجملته أن زكاة الفطر تجب على كل مسلم، مع الصغر والكبر، والذكورية والأنوثية, في قول أهل العلم عامة، وتجب على اليتيم, ويخرج عنه وليه من ماله، وعلى الرقيق))( ).

الشرط الثاني: الغنى، وهو أن يكون عنده يوم العيد وليلته صاع، زائد عن قوته وقوت عياله، وحوائجه الأصلية( ).

الشرط الثالث: دخول وقت الوجوب، وهو غروب الشمس من ليلة الفطر؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: ((فرض رسول الله زكاة الفطر من رمضان))( ) وذلك يكون بغروب الشمس، من آخر يوم من أيام شهر رمضان، فمن أسلم أو تزوج، أو وُلِدَ له ولدٌ، أو ملك عبداً، أو أيسر بعد الغروب،أو ماتوا قبل الغروب لم تلزمه فطرتهم، وإن غربت وهم عنده ثم ماتوا فعليه فطرتهم؛ لأنها تجب في الذمة، فلم تسقط بالموت ككفارة الظهار( ).

رابعاً: الحكمة من وجوب زكاة الفطر:

لا شك أن مشروعية زكاة الفطر لها حِكم كثيرة من أبرزها وأهمها الحكم الآتية:

1 – طُهرةٌ للصائم، من اللغو والرفث، فترفع خلل الصوم، فيكون بذلك تمام السرور.

2 – طعمةٌ للمساكين، وإغناء لهم عن السؤال في يوم العيد، وإدخال السرور عليهم؛ ليكون العيد يوم فرح وسرور لجميع فئات المجتمع.

3 – مواساةٌ للمسلمين: أغنيائهم، وفقرائهم ذلك اليوم، فيتفرغ الجميع لعبادة الله تعالى، والسرور والاغتباط بنعمه ، وهذه الأمور تدخل في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ((فرض رسول الله زكاة الفطر: طهرة للصائم، من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين...)) ( ).

4 – حصول الثواب والأجر العظيم بدفعها لمستحقيها في وقتها المحدد؛ لقوله في حديث ابن عباس المشار إليه آنفاً: ((فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات))( ).

5 – زكاة للبدن حيث أبقاه الله تعالى عاماً من الأعوام، وأنعم عليه سبحانه بالبقاء؛ ولأجله استوى فيه الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والحر والعبد، والكامل والناقص في مقدار الواجب: وهو الصاع.

6 – شكر نعم الله تعالى على الصائمين بإتمام الصيام، ولله حكم، وأسرار لا تصل إليها عقول العالمين( ).

خامساً: زكاة الفطر فرض على كل مسلم فَضُل عنده يوم العيد وليلته

 صاع من طعام، عن قوته وقوت أهل بيته الذين تجب نفقتهم عليه؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((فرض رسول الله زكاة الفطر في رمضان على كل نفسٍ من المسلمين: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجلٍ، أو امرأةٍ، صغيرٍ، أو كبيرٍ، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير)) وهذا لفظ مسلم في رواية, ولفظ البخاري: ((فرض رسول الله زكاة الفطر: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد، والحر، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة)). وفي لفظٍ للبخاري عن نافع عن ابن عمر: ((فرض النبي صدقة الفطر – أو قال: رمضان – على الذكر، والأنثى، والحر، والمملوك: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من برٍّ، فكان ابن عمر يعطي التمر, فأعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيراً، فكان ابن عمر يُعطي عن الصغير والكبير، حتى إن كان يعطي بنيَّ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يُعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين))( ).

ويستحب إخراج زكاة الفطر عن الحمل؛ لفعل عثمان ( ).

وتخرج عن المملوك يخرجها سيده عنه؛ لحديث أبي هريرة ، قال: قال رسول الله : ((ليس على المسلم في فرسه، ولا في عبده صدقة إلا صدقة الفطر))( ).

سادساً: وقت إخراج زكاة الفطر:

وقَّت النبي وقت إخراج زكاة الفطر في حديث ابن عمر السابق بقول ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عن النبي : ((وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة))( ). أي صلاة العيد. وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين))( )؛ ولكن الأفضل أن تخرج يوم العيد قبل الصلاة؛ لسد حاجة الفقراء يوم العيد،وإغنائهم يوم العيد عن المسألة.

ولا يجوز تأخيرها بعد الصلاة؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((فرض رسول الله زكاة الفطر طهرةً للصائم: من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات))( ).

ولكن زكاة الفطر لا تجب إلا بغروب شمس آخر يوم من رمضان: فمن أسلم بعد الغروب، أو تزوج، أو وُلِد له وَلدٌ، أو مات قبل الغروب لم تلزم فطرتهم( ).

سابعاً: درجات إخراج زكاة الفطر على النحو الآتي:

الدرجة الأولى: جواز تقديم زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه: ((... وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين))( )، وفي لفظ للإمام مالك: ((أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة))( ). قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله: ((ووقتها ليلة عيد الفطر إلى ما قبل صلاة العيد؛ ويجوز تقديمها يومين أو ثلاثة))( ). وقال شيخنا الإمام عبدالعزيز ابن باز رحمه الله: ((ولا مانع من إخراجه قبله بيوم أو يومين, أو ثلاثة، ولكن لاتؤجل بعد العيد))( )( ).

الدرجة الثانية: وقت الوجوب: هو غروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان، فمن تزوج، أو ملك عبداً، أو وُلِد له ولد، أو أسلم قبل غروب الشمس، فعليه الفطرة، وإن كان ذلك بعد الغروب لم تلزمه، ومن مات بعد غروب الشمس ليلة الفطر فعليه صدقة الفطر، نص عليه الإمام أحمد، وبه قال الثوري، وإسحاق، ومالك في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه( ).

وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في أول وقت الوجوب لزكاة الفطر: ((إنما يبدأ من غروب شمس آخر يوم من رمضان، وهو أول ليلة من شهر شوال، وينتهي بصلاة العيد؛ لأن النبي أمر بإخراجها قبل الصلاة))( )( ).

الدرجة الثالثة: المستحب إخراج زكاة الفطر يوم الفطر قبل صلاة العيد؛ لأن النبي أمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما( )، وكما قال ابن عباس رضي الله عنهما ((فمن أداها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات))( ).

الدرجة الرابعة: لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد على القول الصحيح، فمن أخَّرها بعد الصلاة بدون عذر، فعليه التوبة، وعليه أن يخرجها على الفور، قال العلامة ابن مفلح رحمه الله: ((وفي الكراهة بعدها وجهان، والقول بها أظهر؛ لمخالفة الأمر، وقيل: تحرم بعد الصلاة، وذكر صاحب المحرر أن أحمد رحمه الله: أومأ إليه، وتكون قضاءً، وجزم به ابن الجوزي))( ). وقال الإمام عبدالعزيز ابن عبدالله ابن باز رحمه الله: ((الواجب... إخراجها قبل صلاة العيد، ولا يجوز تأخيرها إلى ما بعد صلاة العيد))( ).

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، في تعمد إخراجها بعد صلاة العيد: ((والصحيح أن إخراجها في هذا الوقت محرم، وأنها لا تجزئ، والدليل على ذلك حديث ابن عمر [رضي الله عنهما: أن النبي] ((أمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة))( ) فإذا أَخَّرها حتى يخرج الناس من الصلاة، فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود؛ لقوله : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))( ) بل إن حديث ابن عباس رضي الله عنهما صريح في هذا، حيث قال: ((من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات))( )، وهذا نص في أنها لا تجزئ...)) ( ). وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عندما سُئِلت عن وقت زكاة الفطر هل يمتد الوقت إلى آخر يوم العيد؟ فبينوا وقتها ثم قالوا: ((... فمن أخرها عن وقتها فقد أثم، وعليه أن يتوب من تأخيره، وأن يخرجها للفقراء))( ). وهذا اختيار شيخ الإسلام وابن القيم( )( ).

ثامناً: مقدار زكاة الفطر وأنواعها:

هو صاع من قوت البلد الذي يأكله الناس، وقد ثبت في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي ذكرته آنفاً أنه قال: ((فرض رسول الله زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير...)). وعن أبي سعيد الخدري أنه كان يقول: ((كنا نخرج زكاة الفطر: صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب)). وفي لفظ للبخاري: ((كنا نعطيها في زمان النبي ...)). وفي لفظ لمسلم: ((كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله زكاة الفطر: عن كل صغير، وكبير، حرٍّ أو مملوك: صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًّا أو معتمراً, فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت))( ).

وفي لفظ ابن ماجه قال أبو سعيد: ((لا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله أبداً ما عشت))( ). وفي حديث أبي سعيد زيادات لم أذكرها؛ لأن فيها نظراً( )، أما رأي معاوية في أن البر يعدل المد منه المدين من غيره فيجزئ نصف صاع، فقال عنه الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((حديث أبي سعيد دال على أنه لم يُوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة خلافاً للطحاوي، وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع ما يخالفها في القيمة دل على أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنس كان، ولا فرق بين الحنطة وغيرها، وهذه حجة الشافعي ومن تبعه. وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فقد فعل ذلك بالاجتهاد))( ).

وقد قال الإمام النووي رحمه الله: ((قوله: عن معاوية أنه كلم الناس على المنبر فقال: إني أرى أن مدين من سمراء الشام يعدل صاعاً من تمر فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجها كما كنت أخرجها أبداً ما عشت، فقوله: سمراء الشام: هي الحنطة, وهذا الحديث هو الذي يعتمده أبو حنيفة وموافقوه في جواز نصف صاع حنطة، والجمهور يجيبون عنه: بأنه قول صحابي, وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة، وأعلم بأحوال النبي ، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم بأولى من بعض، فنرجع إلى دليل آخر؛ وقد وجدنا ظاهر الأحاديث، والقياس متفقاً على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأيٌّ رآه, لا أنه سمعه من النبي ، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي لذكره))( ).

وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله يقول فيمن جعل مُدين من الحنطة تقوم مقام الصاع من غيرها: ((اجتهد معاوية فجعل عدله مدين، والصواب أنه لا بد من صاع أخذاً بالنص؛ ولهذا قال أبو سعيد: أما أنا فلا أخرج إلا صاعاً وهو الصواب كما تقدم( )، والله تعالى أعلم( ).

تاسعاً: مقدار الصاع الذي تُؤَدَّى به زكاة الفطر هو صاع النبي وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي( )، وهو أربعة أمداد، والمد ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومدّ يديه بهما، وبه سمي مدّاً، قال الفيروزآبادي: ((وقد جربت ذلك فوجدته صحيحاً))( )، والصاع أربع حفنات بكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما، إذ ليس كل مكان يوجد فيه صاع النبي ،قاله الداوودي( ). قال الفيروزآبادي: ((وجربت ذلك فوجدته صحيحاً))( ).

قال شيخنا ابن باز رحمه الله في تحديد مقدارالصاع: ((ومقداره أربع حفنات بملء اليدين المعتدلتين من الطعام اليابس، كالتمر، والحنطة، ونحو ذلك، أما من جهة الوزن فمقداره أربعمائة وثمانون مثقالاً، وبالريال الفرنسي ثمانون ريالاً فرانسه؛ لأن زنة الريال الواحد ستة مثاقيل، ومقداره بالريال العربي السعودي [الفضي] مائة واثنان وتسعون ريالاً، أما بالكيلو فيقارب ثلاثة كيلو، وإذا أخرج المسلم من الطعام اليابس: كالتمر اليابس، والحنطة الجيد، والأرز، والزبيب اليابس، والأقط بالكيل، فهو أحوط من الوزن))( ).

وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((المقدار الواجب في زكاة الفطر عن كل فرد صاع واحد بصاع النبي ، ومقداره بالكيلو ثلاثة كيلو تقريباً))( ).

عاشراً: أهل زكاة الفطر الذين تدفع لهم: الفقراء والمساكين

قيل: تُعطى صدقة الفطر لمن يجوز أن يعطى صدقة الأموال؛ لأن صدقة الفطر زكاة فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات؛ ولأنها صدقة فتدخل في عموم قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالـْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالـْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ( )( ).

وقيل: لا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة، فتجري مجرى كفارة اليمين، والظِّهَار، والقتل، والجماع في نهار رمضان، ومجرى كفارة الحج، فتدفع لهؤلاء الآخذين لحاجة أنفسهم، وهم الفقراء والمساكين، ولا يعطى المؤلفة قلوبهم، ولا الرقاب ولا غير ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وهذا القول أقوى في الدليل))( ). وقال رحمه الله: ((ولا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة، وهو من يأخذ لحاجته لا في الرقاب، والمؤلفة قلوبهم وغير ذلك))( ).

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: ((وكان من هديه تخصيص المساكين بهذه الصدقة, ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه، ولا من بعدهم، بل أحد القولين عندنا: أنه لا يجوز إخراجها إلا على المساكين خاصة, وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية))( ).

وقال الشوكاني رحمه الله عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: ((وطعمة للمساكين...)) ( ).

((وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة))( ). وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ذكر القولين: ((هناك قولان لأهل العلم: الأول أنها تصرف مصرف بقية الزكوات، حتى المؤلفة قلوبهم والغارمين... والثاني أن زكاة الفطر مصرفها للفقراء فقط، وهو الصحيح))( ). وقال الإمام عبدالعزيز ابن عبدالله ابن باز رحمه الله: ((زكاة الفطر شرعها الله مواساةً للفقراء والمحاويج، وطعمة للمساكين))( ). وقال في موضع آخر: ((ومصرفها الفقراء والمساكين))( ). ويجوز دفع زكاة الفطر عن النفر الواحد لشخص واحد، كما يجوز توزيعها على عدة أشخاص))( ).

الحادي عشر: حكم دفع القيمة في زكاة الفطر:

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((ولا تجزئ القيمة؛ لأنه عدول عن المنصوص))( )( )، وقال الإمام عبدالعزيز ابن عبدالله ابن باز رحمه الله: ((ولا يجوز إخراج القيمة عند جمهور أهل العلم، وهو أصح دليلاً، بل الواجب إخراجها من الطعام، كما فعله النبي وأصحابه ))( ). وقال رحمه الله: ((... زكاة الفطر عبادة بإجماع المسلمين، والعبادات الأصل فيها التوقيف، فلا يجوز لأحد أن يتعبد بأي عبادة إلا بما ثبت عن المشرِّع الحكيم عليه صلوات الله وسلامه))( ).

وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((ولا يجوز إخراج زكاة الفطر نقوداً؛ لأن الأدلة الشرعية قد دلت على وجوب إخراجها طعاماً، ولا يجوز العدول عن الأدلة الشرعية؛ لقول أحد من الناس))( ). قال النبي : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)). وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))( ).

الثاني عشر: الفطرة تلزم المسلم عن نفسه وعن من يعول ممن تلزمه نفقته:

قال الإمام الخرقي رحمه الله: ((ويلزمه أن يخرج عن نفسه وعن عياله، إذا كان عنده فضل عن قوتِ يومه وليلته))( )، قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: ((وأجمعوا على أن صدقة الفطر تجب على المرء إذا أمكنه أداؤها عن نفسه، وأولاده الأطفال الذين لا أموال لهم، وأجمعوا على أن على المرء أداء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر))( )، فظهر أن الفطرة تلزم الإنسان القادر عن نفسه، وعن من يعوله، أي يمونه، فتلزمه فطرتهم، كما تلزمه مؤنتهم، إذا وجد ما يؤدي عنهم( )؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: ((أمر رسول الله بصدقة الفطر، عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد، ممن تمونون))( ).

قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((زكاة الفطر تلزم الإنسان عن نفسه، وعن كلِّ من تجب عليه نفقته، ومنهم الزوجة؛ لوجوب نفقتها عليه))( ). ويبدأ بنفسه إذا لم يجد لجميع من ينفق عليهم, ثم من يليه في وجوب النفقة( )؛ لحديث جابر ، وفيه: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فَضُل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا)) يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك( ).

وعن حكيم بن حزام : أن رسول الله قال: ((أفضل الصدقة، أو خير الصدقة عن ظهر غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول))( ).

وعن بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي قال: قلت: يا رسول الله، من أبرُّ؟ قال: ((أمك)) قال: قلت: ثم من؟ قال: ((أمك)) قال: قلت: ثم من؟ قال: ((أمك)) قال: قلت: ثم من؟ قال: ((ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب))( )؛ ولحديث أبي هريرة ، قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك))( ).

وعنه قال: قال رسول الله : ((تصدقوا)) فقال رجل يا رسول الله عندي دينار، فقال: ((تصدق به على نفسك)) قال عندي آخر، قال: ((تصدق به على زوجتك)) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على ولدك)) قال: عندي آخر: قال: ((تصدق به على خادمك)) قال: عندي آخر؟ قال: ((أنت أبصر به))( ).

الثالث عشر: مكان زكاة الفطر وحكم نقلها:

الأصل في ذلك قول النبي لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: ((...فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم))( ).

قال الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله تعالى: ((والسنة توزيعها بين الفقراء في بلد المزكي، وعدم نقلها إلى بلد آخر؛ لإغناء فقراء بلده وسد حاجتهم...)) ( ). وقال رحمه الله عندما سئل عن حكم نقل زكاة الفطر: ((لا بأس بذلك, ويجزئ إن شاءالله في أصح قولي العلماء، لكن إخراجها في محلك الذي تقيم فيه أفضل وأحوط، وإذا بعثتها لأهلك؛ ليخرجوها على الفقراء في بلدك فلا بأس))( ).

الرابع عشر: أحكام إخراج زكاة الأموال:

1 – يجب إخراج الزكاة على الفور، كالكفارة، والنذر؛ لأن الأمر المطلق يقتضي الفورية، ومنه قول الله تعالى: وَآَتَوُا الزَّكَاةَ( ) إلا إذا أخَّرها؛ ليدفعها إلى من هو أحق بها، من: ذوي القرابة، أو ذوي الحاجــة الشـديــدة، جــاز إذا كان وقتاً يسيراً( )( ).

2 – من جحد وجوب الزكاة كفر، إذا كان عالماً بوجوبها؛ لتكذيبه لله، ولرسوله، وإجماع الأمة، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل( )( )، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدْفَنُ في مقابر المسلمين( ).

3 – من منع الزكاة بخلاً، وتهاوناً، أخذها إمام المسلمين أو نائبه منه، وعزّره؛ لارتكابه محرماً؛ وَمَنْعُهُ ركناً من أركان الإسلام؛ لينصره على نفسه، ويردعه عن فعله المحرم( )( ).

4 – يخرج الزكاة من مال: الصغير، واليتيم، والمجنون وليُّهم؛ لأنه حَقٌّ تدخله النيابة، فقام الولي فيه مقام المولَّى عليه: كنفقته، وغرامته؛ ولأن الزكاة واجبة في المال، ولم يشترط البلوغ والعقل في وجوب الزكاة في المال( )( ).

5 – والأفضل: أن يفرِّق زكاته بنفسه؛ ليتيقن وصولها إلى مستحقيها؛ وليحصل على أجر التعب؛ لأن تفريقها عبادة لله تعالى؛ وليجتهد في إيصالها إلى أهلها بيقين، قال عثمان : ((هذا شهر زكاتهم، فمن كان عليه دين فليقضه، ثم يُزَكِّي بقية ماله))( ).

وعن أبي سعيد المقبري قال: جئت عمر بن الخطاب بمائـــتي درهم، قلت: يا أمير المؤمنين هذا زكاة مالي، قال: وقد عتقت يا كيسان؟ قال: قلت: نعم، قال: ((اذهب بها فاقسمها))( ).

وإذا اجتهد في الإخلاص لله تعالى وأخفاها ابتغاء مرضاته سبحانه أظله الله تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله؛ لحديث أبي هريرة ، عن النبي قال: ((سبعة يظلهم الله تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله...)) وذكر منهم

((... ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))( ).

فيحصل على هذا الثواب العظيم بتوزيعها بنفسه( ).

6 – والأفضل أن يسأل الله تعالى أن يتقبَّل منه، كأن يقول: ((اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم)) وغير ذلك من الدعاء المناسب( ).

7 – يقول آخذ الزكاة ما ورد، كأن يقول: ((اللهم بارك فيه وفي ماله))( )، وكان رسول الله إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: ((اللهم صلِّ عليهم)) فأتاه أبو أوفى بصدقته، فقال: ((اللهم صلِّ على آل أبي أوفى))( ).

8 – ويشترط لإخراجها نية من مكلَّف، وله تقديمها بيسير، والأفضل قرنها بالدفع، فينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة تقرباً لله تعالى، وكذلك إذا وكل نوى، وينوي الوكيل عمن وكله؛ لقوله : ((إنما الأعمال بالنيات))( )( )، قال العلامة السعدي رحمه الله: ((والصحيح أنه إذا نوى المتصدق الزكاة، ودفعها للوكيل، ثم دفعها الوكيل للمُعْطى أن ذلك يجزئ, ولو أن الوكيل لم ينو أنها زكاة، سواء تأخر دفعها عن نية المتصدق أو قارنها...)) ( ).

9 – يجوز تعجيل الزكاة لحولين إذا كمل النصاب؛ لحديث علي : ((أن النبي تَعَجَّل من العباس صدقة سنتين))( )؛ ولحديثه : ((أن العباس سأل النبي في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ، فرخَّص له في ذلك، فأذن له في ذلك))( )، ويشترط في ذلك: وجود سبب وجوب الزكاة: وهو كمال النصاب، فإن لم يكن عنده نصاب؛ فإنه لا يجزئ إخراجه؛ لأنه قدمها على سبب الوجوب، وهو ملك النصاب( )( ).

10 – الأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده، إلا لحاجة أو مصلحة راجحة؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي قال لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن:((... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم...))( )؛ ولحديث إبراهيم بن عطاء - مولى عمران بن حصين – عن أبيه: أن زياداً – أو بعض الأمراء – بعث عمران بن حصين على الصدقة، فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: ((وللمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله ، ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله ))( ).

هذا هو الأفضل: أن تجعل زكاة كل بلد في فقراء بلده( )، والراجح من أقوال أهل العلم في حكم نقل الزكاة: أن الأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده؛ لأن أهل البلد المحاويج أحق بالبر والإحسان؛ ولغرس المحبة بين الأغنياء والفقراء؛ ولأن أطماعهم تتعلق بما عند الأغنياء في بلدهم من المال؛ ولأنه أيسر للمكلف؛ لأن نقلها من بلد إلى بلد آخر قد يكون فيه مشقة وكلفة، وقد يكون في السفر عرضة لتلف مال الزكاة، ولكن مع ذلك يجوز نقل الزكاة لمصلحة شرعية, وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية( )، قال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله: ((والصحيح جواز نقل الزكاة ولو لمسافة قصر إذا كان لذلك مصلحة...))( ). وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((وهذا القول هو الصحيح؛ لعموم الدليل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالـْمَسَاكِينِ ( ). أي للفقراء والمساكين في كل مكان))( ). وقال شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله: ((يجوز نقل الزكاة من محل المزكي ((بلده)) إلى بلد أخرى إذا كان ذلك لمصلحة شرعية في أصح قولي العلماء...))( ). وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((لا مانع من ذلك في أصح قولي العلماء إذا كان نقل الزكاة من البلد الذي يقيم فيه صاحب المال لمصلحة شرعية: كشدة الفقر، أو قرابة من تدفع إليه الزكاة؛ وكونه طالب علم شرعي يحتاج إلى الإعانة على ذلك...)) ( ). وهو اختيار الإمام البخاري رحمه الله تعالى، قال رحمه الله: ((باب أخذ الصدقة من الأغنياء، وتردُّ في الفقراء حيث كانوا))( ). قال ابن المنير رحمه الله: ((اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال؛ لعموم قوله: ((فترد على فقرائهم))؛ لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم رُدت فيه الصدقة في أي جهة كان؛ فقد وافق عموم الحديث))( ).

11 – إذا كان صاحب المال في بلد وماله في بلدٍ آخر:

أخرج زكاة المال في بلد المال، وأخرج فطرته في البلد الذي هو فيه؛ لأن زكاة الفطر تتعلق بالبدن، والمال زكاته تتعلق به؛ فإن نقل إحدى الزكاتين لمصلحة شرعية راجحة جاز؛ لما سبق في نقل الزكاة، والله تعالى أعلم( ).

 المبحث الثالث عشر: مصارف الزكاة في الإسلام

أولاً: المفهوم: لغة واصطلاحاً.

مفهوم المصارف لغة: مَصْرِفُ: مفرد وجمعه مصارف، وصَرَفَ المال: أنفقه، والصرف: الدفع.

ومفهوم المصارف اصطلاحاً: الجهات التي تصرف فيها الأشياء: ومنه: مصارف الزكاة: المستحقون لها.

فظهر بذلك: أن مصارف الزكاة: أهل الزكاة ومستحقوها: أي الأصناف الذين تصرف لهم الصدقات المذكورة في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالـْمَسَاكِينِ  ... الآية ( )( ).

والخلاصة: أن مصارف الزكاة: هم أهل الزكاة. ومن العلماء من يعبر عن مصارف الزكاة: بأصناف أهل الزكاة، ومنهم من يقول: الأصناف الذين تدفع إليهم الزكاة، ومنهم من يقول: مصارف الزكاة، وهي كلمات مترادفة معناها واحد( ).

ومنهم من قال: المصارف: جمع مصرف، وهو في اللغة المعدل، قال الله تعالى: وَلـَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا( ) أي معدلاً, والمصرف اسم مكان.

وهو في الاصطلاح:مسلم [أو مؤلف] يصح في الشريعة [الإسلامية] صرف الزكاة إليه( ) والمراد:الأصناف الثمانية الذين تصرف لهم الزكاة.

ثانياً: حصر الله تعالى أهل الزكاة بلا تعميم في العطاء:

الأصناف الذين تدفع إليهم الزكاة ثمانية, ذكرهم الله تعالى في قوله سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالـْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالـْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ( ) فلا يجوز صرف الزكاة المفروضة إلى غيرهم: من بناء مسجد، أو إصلاح طريق، أو كفن ميت، أو غير ذلك من أعمال البر؛ لأن الله تعالى خص هذه الأصناف الثمانية بها في قوله: إنَّمَا وهي للحصر، تثبت المذكور، وتنفي ما عداه( ) قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أنه لا يجوز دفع هذه الزكاة إلى غير هذه الأصناف( ) إلا ما روي عن أنس والحسن)) ( ).  

ولا يجب على الصحيح تعميم الأصناف بالزكاة؛ لأن النبي * قال لمعاذٍ ((...فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فتردّ في فقرائهم))( ) فهو أمر بردها في صنفٍ واحدٍ، والأدلة كثيرة في السنة، فتبيَّن بهذا أن مراد الآية: بيان الصرف دون التعميم؛ ولذلك لا يجب تعميم كل صنف( ).

ثالثاً: أنواع مصارف الزكاة ومفهوم كل مصرف:

المصرف الأول: الفقراء، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: مفهوم الفقير: لغة، واصطلاحاً.

مفهوم الفقير لغة: فعيلٌ بمعنى فاعلٌ، يقال: فَقِرَ يَفْقَرُ، من باب تَعِبَ: إذا قلَّ مالُه، ولم يقولوا: فَقُر بالضم، استغنوا عنه: بافتقر( )، فالفقير بالكسر: جمعه: فقراء: المحتاج ضد الغني( ).   

قال الإمام ابن الأثير رحمه الله: ((قد تكرر ذكر: الفَقْر والفقير، والفُقَراء في الحديث)) وقد اختلف الناس فيه وفي المسكين، فقيل: الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له بعض ما يكفيه، وإليه ذهب الشافعي، وقيل فيهما: بالعكس وإليه ذهب أبو حنيفة( ).

مفهوم الفقر اصطلاحاً: من لا يملك نصاباً نامياً فائضاً عن حاجاته( ) والفقير ضد الغني( ),  وهو: عبارة عن فقد ما يحتاج إليه، أما فقد ما لا حاجة إليه فلا يسمى فقراً ( ).

والصواب أن مفهوم الفقراء اصطلاحاً: هم من لا يجدون شيئاً من الكفاية مطلقاً، أو يجدون بعض الكفاية دون نصفها من كسب وغيره, مما لا يقع موقعاً من الكفاية، وإن تفرَّغ قادر على التكسب للعلم الشرعي لا للعبادة وتعذر أن يجمع بين التكسب والاشتغال بالعلم، أُعطي من الزكاة بقدر حاجته، وحتى لو لم يكن العلم لازماً له، فعُلم بذلك: أن الفقير: هو من لا مال له ولا كسب أصلاً، أو من له مال أو كسب أقل من نصف ما يكفيه لنفسه، ومن تجب عليه نفقته، من غير إسرافٍ ولا تقتير, والفقراء أشد حاجة من المساكين؛ لأن الله تعالى بدأ بهم، والعرب إنما تبدأ بالأهم فالمهم( )؛ ولأن الله تعالى قال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لـِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ( ) فقد أخبر الله أن المساكين لهم سفينة يعملون فيها, ومع ذلك وصفهم بالمسكنة، أما الفقراء فقد لا يكون لهم مال أصلاً, كما قال سبحانه: لِلْفُقَرَاءِ الـْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِـهِمْ( ) وقد يكون لهم المال القليل دون نصف الكفاية، ولكنهم أشد حاجة من المساكين))( )( ).

المسألة الثانية: نصيب الفقراء من الزكاة: يُعطى الفقير من الزكاة ما يُكَمِّلُ له كفايته من النفقة حولاً كاملاً، والمعتبر: كفايته وكفاية من يمونه: من الأكل، والشرب، والسكن، والكسوة، والإعفاف بالزواج إن لم يستطع الزواج إلا بأخذه من الزكاة؛ فإنه يعطى ما يكفيه للمهر ولو كان كثيراً، من غير إسرافٍ ولا تقتير( ).

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((فيأخذ منها ــ أي الزكاة ــ كل حول: ما يكفيه إلى مثله ــ أي إلى الحول الثاني ــ ويعتبر وجود الكفاية له، ولعائلته، ومن يمونه؛ لأن كل واحد منهم مقصودٌ دفع حاجاته، فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد)) وقال: ((...وهذا؛ لأن الدفع إنما هو إلى العيال, وهذا نائب عنهم في الأخذ))( ).

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((الفقراء والمساكين: وهم الذين لا يجدون كفايتهم، وكفاية عائلاتهم: لا من نقود حاضرةٍ، ولا من رواتب ثابتة، ولا من صناعة قائمة، ولا من غلةٍ كافية، ولا من نفقاتٍ على غيرهم واجبة، فهم في حاجة إلى مواساةٍ ومعونةٍ، قال العلماء: فيعطون من الزكاة ما يكفيهم وعائلاتهم لمدة سنة كاملة, حتى يأتي حول الزكاة مرة ثانية, ويُعطى الفقير لزواجٍ يحتاج إليه ما يكفي لزواجه، [ويعطى] طالب العلم [الشرعي] الفقير؛ لشراء كتبٍ يحتاجها، ويعطى من له راتب لا يكفيه وعائلته من الزكاة ما يكمل كفايتهم؛ لأنه ذو حاجة، وأما من كان له كفاية فلا يجوز إعطاؤه من الزكاة وإن سألها، بل الواجب نصحه وتحذيره من سؤال ما لا يحلُّ له...))( ) ( ).

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((وإذا كان للمرأة الفقيرة زوج موسر ينفق عليها لم يجز دفع الزكاة إليها؛ لأن الكفاية حاصلةٌ لها بما يصلها من النفقة الواجبة، فأشبهت من له عقار يستغني بأجرته، وإن لم ينفق عليها وتعذر ذلك جاز الدفع إليها، كما لو تعطلت منفعة العقار، وقد نصَّ أحمد على هذا))( ).

وقد يملك الإنسان نصاباً من أي نوع من أنواع المال ــ ولكن هذا المال لا يقوم بكفايته؛ لكثرة عياله، أو لغلاء السعر ــ فهو غني من حيث إنه يملك نصاباً فتجب الزكاة في ماله،  وفقير من حيث إن ما يملكه لا يقوم بكفايته، فيُعطى من الزكاة كالفقير ــ ما يكمِّل له كفايته.

مثال ذلك: رجل عنده عشرون ألف ريال، ولكن له أربع زوجات، وله من كل زوجة عشرة أولاد، وله أب وأم تحت رعايته ينفق على الجميع، والسكن بالإيجار، وهذا المبلغ لا يقوم بكفايته سنة كاملة، فله أن يأخذ ما يكمل كفايته لمدة عام.

قال ابن قدامة رحمه الله: ((قال الميموني: ذاكرت أبا عبدالله ــ أحمد بن حنبل ــ فقلت: قد يكون للرجل: الإبل، والغنم، تجب فيها الزكاة، وهو فقير، ويكون له أربعون شاة، وتكون له الضيعة ــ المزرعة ــ لا تكفيه، فَيُعطى من الزكاة؟ قال: ((نعم)). وذكر قول عمر: أعطوهم وإن راحت عليهم الإبل كذا وكذا))( )... وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا كان له عقار يستغله، أو ضيعة تساوي عشرة آلاف أو أقل أو أكثر لا تقيمه يأخذ من الزكاة، وهذا قول الشافعي( )؛ لأنه لا يملك ما يغنيه, ولا يقدر على كسب ما يكفيه، فجاز له الأخذ من الزكاة، كما لو كان ما يملكه لا تجب فيه الزكاة؛ لأن الفقر عبارة عن الحاجة، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله( ) أي المحتاجون إليه))( )، والله تعالى أعلم ( ).

المسألة الثالثة: ما جاء من الآيات القرآنية, التي ظاهرها الحث والترغيب في الإحسان إلى الفقراء وإعطائهم حقوقهم على النحو الآتي:

1 ــ قال الله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَالله يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ( ).

2 ــ قال الله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( ) .

3 ــ قال الله تبارك وتعالى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الـْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلـْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ( ) .

4 ــ وقال سبحانه: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالـْمَعْرُوفِ( ) .

5 ــ وقال تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَالله أَوْلَى بِهِمَا( ).  

6 ــ وقال تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالـْمَسَاكِينِ... ( ).

7 ــ وقال تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالـِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله مِنْ فَضْلِهِ والله وَاسِعٌ عَلِيم( ) .

8 ــ وقال تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لـَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ( )  

9 ــ قال :يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ واللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الـْحَمِيدُ( ).

10 ــ قال : فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ والله الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء ( ) .

11 ــ وقال : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالـِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ( )( ).

والمصرف الثاني:  المساكين وفيه مسائل:

المسألة الأولى: مفهوم المساكين لغة واصطلاحاً:

مفهوم المساكين لغةً: مفرده مسكين وجمعه مساكين، يقال: ((سكن المتحرك سكوناً: أي ذهبت حركته، ويتعدَّى بالتضعيف فيقال: (سكَّنته) والمسكين مأخوذ من هذا؛ لسكونه إلى الناس، وهو بفتح الميم في لغة بني أسد، وبكسرها عند غيرهم)).

والمسكين أيضاً: الذليل المقهور وإن كان غنيًّا، قال الله تعالى:

وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الـْمَسْكَنَةُ( )( ) .

والأصل في المسكين: أنه من المسكنة والخضوع والذل( ).  قال الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى: ((وقد تكرر في الحديث ذكر: المسكين، والمساكين، والمسكنة، والتمسكن وكلها يدور معناها على: الخضوع، والذلة، وقلة المال، والحالة السيئة، واستكان: إذا خضع، والمسكنة: فقر النفس، وتمسكن: إذا تشبَّه بالمساكين، وهو جمع المسكين، وهو الذي لا شيء له، وقيل: هو الذي له بعض الشيء، وقد تقع المسكنة على الضعف)) ( ).

مفهوم المساكين اصطلاحاً: المساكين: هم الذين يجدون أكثر الكفاية أو نصفها: من كسب أو غيره، مما لا يقع موقعاً من الكفاية، فعُلم بذلك أن المسكين: هو من له مال يبلغ نصف كفايته فأكثر، لكنه لا يكفيه لنفسه ومن تجب عليه نفقته من غير إسراف ولا تقتير، والمسكين أحسن حالاً من الفقير؛ لأن الله تعالى قال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لـِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ( )  فأخبر أنهم مساكين، وأن لهم سفينة، وقال تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الـْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ( )  فهذه الحال التي أخبر بها عن الفقراء هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين( )( ) .

المسألة الثانية: هذه التعريفات السابقة، للفقير، والمسكين: تكون إذا جمع بين لفظ ((الفقير والمسكين)) كما في قول الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالـْمَسَاكِينِ( ) أما إذا أُطلق لفظ أحدهما ولم يذكر معه الآخر دخل أحدهما في الآخر، فالفقير: هو المسكين، والمسكين: هو الفقير؛ ولهذا قيل: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، مثل: لفظ الإسلام، ولفظ الإيمان( ).

المسألة الثالثة: نصيب المساكين من الزكاة: يعطى المسكين من الزكاة ما يُكمِّل له كفايته، وكفاية من يعوله من النفقة حولاً كاملاً، والمعتبر: كفايته وكفاية من يمونه: من الأكل، والشرب، والمسكن، والكسوة، والإعفاف بالزواج إن لم يستطع الزواج إلا بأخذه من الزكاة، على نحو ما تقدم فيما يستحقه الفقير من الزكاة( ).

المسألة الرابعة: ما جاء من الآيات القرآنية, التي فيها الحث والترغيب في الإحسان إلى المساكين وإعطائهم حقوقهم, على النحو الآتي:

 1 ــ قال تعالى: وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالـْمَسَاكِينِ( ) .

2 ــ قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الـْمَشْرِقِ وَالـْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالـْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الـْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالـْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالـْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الـْمُتَّقُونَ ( )

3 ــ وقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالـْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ( ).

4 ــ وقال تعالى:وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ الآية( ).

5 ــ وقال تعالى: وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالـْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ( ).

6 ــ وقال تعالى: فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالـْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وَأُولَئِكَ هُمُ الـْمُفْلِحُونَ( ).

7 ــ وقال تعالى: فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ* أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ( ) .

8 ــ وقال تعالى: وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْـمِسْكِينِ( ).

9 ــ وقال سبحانه: وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْـمِسْكِينِ ( ).

10 ــ وقال تعالى: وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ( )   

11 ــ وقال تعالى: وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ( )

12 ــ وقال تعالى: فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ( )

13 ــ وقال سبحانه: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ( ).

14- وقال تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ *يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ( ).  

 15 ــ وقال تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ( ).

16 ــ وقال تعالى : ... وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ( )  

17 ــ وقال تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ( ).

18 ــ   وقال سبحانه: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ ( ).  

19 ــ وقال تعالى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ( )

20 ــ وقال سبحانه: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ الآية ( ).

21 - وقال تعالى: فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ( )

المسألة الخامسة: ما جاء من الأحاديث في المسكين.

1 ــ عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس، تردُّه اللقمة واللقمتان)). وفي رواية: ((الأكلةُ والأكلتان, والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يُفطنُ له فيتصدق عليه، [ويستحيي أو] لا يقومُ فيسأل الناس [إلحافاً])). وفي لفظٍ: ((إنما المسكين الذي يتعفف, واقرأوا إن شئتم يعني قوله تعالى: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ( )  .

2 ــ عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي قال: ((لا تحلُّ الصدقةُ لغني، ولا لذي مرةٍ( ) سويٍّ))( )( ).

3 ــ عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها, فرفع فينا البصر وخفضه, فرآنا جلدين( )، فقال: ((إن شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب))( )( ) .

قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: ((وفيه دليل على أنه يستحب للإمام، أو المالك: الوعظ، والتحذير، وتعريف الناس بأن الصدقة لا تحلُّ لغني، ولا لذي قوة على الكسب، كما فعل رسول الله ذلك برفقٍ))( ).

المصرِف الثالث: العاملون عليها، وفيه: مسائل:

المسألة الأولى:مفهوم العاملين لغةً:عَمِلَ،من باب طَرِبَ،وأعمله، واستعمله، بمعنىً،واستعمله أيضاً:طلب إليه العمل،واعتمل،اضطرب في العمل،والتعميل:تولية العمل،يقال: عمَّله على البصرة،والعمالة:رِزقُ العامل( ) ويقال:عملته أعملُهُ عملاً:صنعته،وعملت على الصدقة:سعيت في جمعها،والفاعل عاملٌ والجمع:عُمَّال،وعاملون،ويتعدى إلى ثانٍ بالهمزة، فيقال:أعملته كذا واستعملته:أي جعلته عاملاً،واستعملته:سألته أن يعمل( ).

قال ابن الأثير ــ رحمه الله ــ: ((والعامل: هو الذي يتولى أمور الرجل في ماله وملكه، وعَمَلِهِ، ومنه قيل للذي يستخرج الزكاة: عامل، والذي يأخذه العامل من الأجرة يقال له: عُمالة))( ).

مفهوم العاملين اصطلاحاً: العاملون عليها: هم السعاة الذين يبعثهم الإمام؛ لأخذ الزكاة من أربابها: كجبَّائها، وحفَّاظها، وكتَّابها، وقسامها بين مستحقيها، وشُرط كونه: مكلفاً، مسلماً، أميناً، كافياً، قادراً، عالماً بفرائض الصدقة( ). إلا إذا كتب الإمام له ما يأخذ من الصدقات، ويكون من غير ذوي القربى( ) قال المرداوي: رحمه الله: ((العاملون عليها: وهم الجباة لها، والحافظون لها،  [و] العامل على الزكاة: هو الجابي لها، والحافظ، والكاتب، والقاسم،  والحاشر، والكيَّال، والوزَّان، والعدَّاد، والساعي، والراعي، والسائق، والحمّال، ومن يحتاج إليه فيها، غير قاضٍ ووالٍ .... [و] أجرة كيل الزكاة ووزنها، ومؤنة دفعها على المالك)) ( ).

وقال العلامة ابن عثيمين ــ رحمه الله ــ: ((الجباة: جمع جابي، وهم الذين يأخذونها من أهلها، والحفاظ: الذين يقومون على حفظها، والقاسمون لها: الذين يقسمونها في أهلها))( )، وقال الإمام ابن قدامة ــ رحمه الله: ((يعني العاملين على الزكاة وهم: السعاة الذين يبعثهم الإمام؛ لأخذها من أربابها، وجمعها، وحفظها، ونقلها، ومن يعينهم ممن يسوقها ويرعاها، ويحملها، وكذلك الحاسب، والكاتب، والكيَّال، والوزَّان، والعدَّاد، وكل من يحتاج إليه فيها؛ فإنه يُعطى أجرته منها؛ لأن ذلك من مؤنتها))( ).

المسألة الثانية: نصيب العاملين عليها: من الزكاة؛ لقوله تعالى: وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا فقد جعل الله تعالى للعاملين عليها نصيباً منها ــ أي من الزكاة ــ فيعطى العامل على الزكاة بقدر أجرته من الزكاة، حتى لو كان غنيًّا، إلا إذا كان له مرتب من بيت مال المسلمين، فلا يُعطى من الزكاة؛ لأنه إنما أُعطي من الزكاة بقدر أجرته، وقد حصل ذلك له؛ وقد كان النبي يبعث على الصدقة سعاة ويعطيهم عمالتهم( ). ومن هذه الأحاديث حديث أبي حميد الساعدي في قصة استعمال النبي ابن اللّتْبيّة( ) ولا يجوز أن يكون العمال على الصدقة من أقرباء النبي الذين تحرم عليهم الصدقة؛ لحديث عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله ؛ ليستعملهما على الصدقة, فقال أحدهما: يا رسول الله أنت أبر الناس   وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات, فنؤدِّي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون، فقال لهما النبي : ((إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد, إنما هي أوساخ الناس)) .. ثم شفع لهما في النكاح فزوجهما, وأمر بالصداق لهما من الخمس، وفي رواية: ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد))( ) والمعنى أن هذه الصدقات تطهير لأموال الناس ونفوسهم، كما قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا فهي كغسالة الأوساخ( ). ويجوز أن يكون عمال الصدقة من الأغنياء؛ لحديث أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول الله : ((لا تحل الصدقة لغنيٍّ إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ, أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين، فتصدق على المسكين فأهداها المسكينُ للغني))( )؛ ولحديث عبدالله بن السعدي أنه قدم على عمر بن الخطاب في خلافته، فقال له عمر: ألم أحدّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالاً, فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر: ما تريد إلا ذلك؟ فقلت: إن لي أفراساً، وأعبداً، وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقةً على المسلمين، قال عمر: لا تفعل؛ فإني كنت أردتُ الذي أردتَ، وكان رسول الله يعطيني العطاء, فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالاً، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي : ((خذه فتموله وتصدق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف( ) ولا سائلٍ، فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك))( )

وينبغي أن تكون أجرة العامل على الزكاة بقدر الكفاية( )؛ لحديث المستورد بن شدّاد قال: سمعت النبي يقول: ((من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً)) قال أبو بكر: أُخبرت أن النبي قال: ((من اتخذ غير ذلك فهو غالٌّ أو سارقٌ))( )، وبوَّب ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه (باب إذن الإمام للعامل بالتزويج، واتخاذ الخادم، والمسكن، من الصدقة)، ثم ذكر حديث المستورد بن شداد ( )، وقد بين النبي فضل العامل على الصدقة بالحق, فقال: ((العامل على الصدقة بالحق: كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته)) ( ).

وحذَّر النبي العمال من الغلول، فعن بريدة ابن الحصيب عن النبي قال: ((من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً ثم أخذ بعد ذلك فهو غلول))( ) وعن أبي مسعود قال: بعثني النبي ساعياً، ثم قال: ((انطلق أبا مسعود ولا ألفينك يوم القيامة تجيء وعلى ظهرك بعير من إبل الصدقة له رُغاءٌ قد غَلَلْتَه)) قال: إذاً لا أنطلق! قال: ((إذاً لا أُكرهكَ))( ) والله سبحانه وتعالى الموفق( ).

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((ويُعطى منها: أجر الحاسب، والكاتب، والحاشر، والخازن، والحافظ، والراعي، ونحوهم، فكلهم معدودون من العاملين، ويدفع إليهم من حصة العاملين عليها، فأما أجر الوزَّان والكيَّال؛ ليقبض الساعي الزكاة فعلى ربِّ المال؛ ولأنه من مؤنة دفع الزكاة)) ( )( )  .

المسألة الثالثة: فضل الصدق والأمانة في حفظ الصدقة:

عن أبي موسى عن النبي قال: ((الخازن، المسلم، الأمين الذي يُعطي ما أمر به: كاملاً، موفَّراً، طيبةً به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به، أحد المتصدقين))( ) وهذه الأوصاف لابد من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن؛ فإنه إن لم يكن مسلماً لم تصح منه نية التقرب، وإن لم يكن أميناً كان عليه وزر الخيانة, فكيف يحصل له أجر الصدقة، وإن لم تكن نفسه بذلك طيبة لم يكن له نية, فلا يؤجر، ومعنى قوله: ((أحد المتصدقين)) بالتثنية, ومعناه أن الخازن بما فعل متصدق، وصاحب المال متصدق آخر، فهما متصدقان، ويصح أن يقال: على الجمع، فتكسر القاف ((المتصدقين)) ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين( ) وقد تقدم قول النبي : ((العامل على الصدقة بالحق: كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته))( ).

المصرِف الرابع: المؤلفة قلوبهم، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: مفهوم المؤلفة قلوبهم لغة واصطلاحاً:

مفهوم المؤلفة قلوبهم لغة: يقال ألفتُ الشيء، وألِفْتُ فلاناً: إذا أنسِتُ به، وألَّفتُ بينهم: إذا جمعت بينهم بعد تفرُّقٍ، وألَّفتُ الشيء تأليفاً: إذا وصلت بعضه ببعض، ومنه تأليف الكتب، والإلف: الأليف، وتألفه على الإسلام، ومنه المؤلفة قلوبهم، أمر الله تعالى نبيه بتألفهم: أي بمقاربتهم وإعطائهم؛ ليرغِّبوا مَنْ وراءهم في الإسلام، وعلى هذا فالمؤلفة قلوبهم جمع مؤلف، من التأليف، وهو جمع القلوب( ).

مفهوم المؤلفة قلوبهم اصطلاحاً: المؤلفة قلوبهم: جمع مؤلف: وهو السيد المطاع في عشيرته، ممن يُرجى إسلامه، أو كف شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها( ).

المسألة الثانية: أقسام المؤلفة قلوبهم، وأنواعهم:

المؤلفة قلوبهم قسمان:

القسم الأول: كفار، وهم نوعان:

النوع الأول: من يُخشى شره، ويُرْجى بعطيته كفّ شره، وكف شر غيره معه.

النوع الثاني: من يُرجى إسلامه، فيعطى؛ لتقوى نيته في الإسلام، وتميل نفسه إليه فيسلم، ومن هذا النوع ما فعله رسول الله مع صفوان؛ فإنه غزا غزوة فتح مكة، ثم خرج بمن معه من المسلمين، وأعطى رسول الله يومئذ صفوان بن أمية: مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، قال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ( ).

وقال أنس : ((إن كان الرجل يسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها)) ( ).

وعنه قال: ((ما سُئِل رسول الله على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، فجاء رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة))( ).

القسم الثاني: المسلمون وهم أربعة أنواع:

النوع الأول: قومٌ من سادات المسلمين لهم نظراء من الكفار، ومن المسلمين الذين لهم نية حسنة في الإسلام، فإذا أعطوا رُجي إسلام نظرائهم وحُسنُ نيَّاتهم، فيجوز إعطاؤهم.

النوع الثاني: قومٌ في طرف بلاد الإسلام إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين.

النوع الثالث:قومٌ إذا أعطوا جبوا الزكاة ممن لا يعطيها إلا أن يخاف، فكل هؤلاء يعطون من الزكاة؛لأنهم من المؤلفة قلوبهم، فيدخلون في عموم الآية.

النوع الرابع: قومٌ ساداتٌ مطاعون في قومهم, يُرجى بعطيتهم قوة إيمانهم، ومناصحتهم في الجهاد؛ فإنهم يعطون؛ ولهذا قال النبي : ((إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه))( )؛ ولذلك كان ((يعطي رجالاً من قريش مائة من الإبل)) وقال في ذلك: ((إني لأعطي رجالاً حديثٌ عهدهم بكفر)) ( ).

وعن أبي سعيد الخدري ، قال: بعث عليٌّ وهو باليمن بذهيبةٍ إلى رسول الله فقسمها رسول الله بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فقال رسول الله : ((إني إنما فعلت ذلك؛ لأتألفهم))( ).

وعن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله قوماً ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه, فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال: ((أما بعد: فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحبُّ إليَّ من الذي أُعطي، ولكني أعطي أقواماً؛ لِمَا أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأَكِلُ أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب)) قال عمرو: فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله حُمْرُ النَّعَم))( ).

المسألة الثالثة: نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة، يُعطى المؤلفة قلوبهم من الزكاة ما يحصل به التأليف؛ لترغيبهم في الإسلام، أو كف شرهم، أو قوة إيمانهم، أو إسلام نظيرهم؛ لدخولهم في عموم قول الله تعالى: وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ( ) ( ).

المصرف الخامس: في فَكِّ الرقاب وفيه مسائل:

المسألة الأولى: مفهوم الرقاب لغة واصطلاحاً:

لغة: الرقاب الرقبة مؤخرة أصل العنق، وجمعها: رقبٌ، ورقباتٌ، ورقاب، والرقبة أيضاً المملوك( )، وقوله تعالى: وَفِي الرِّقَابِ هو على حذف مضاف: أي وفي فك الرقاب( ).

قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: ((قد تكرر في الحديث ذكر الرقبة: وعتقها، وتحريرها، وفكها، وهي في الأصل العنق، فجعلت كناية عن جميع الإنسان، تسمية للشيء ببعضه، فإذا قال: أعتق رقبةً، فكأنه قال: أعتق عبداً أو أمةً، ومنه حديث قسم الصدقات. وَفِي الرِّقَابِ يريد المكاتبين من العبيد، يعطون نصيباً من الزكاة، يفكون به رقابهم، ويدفعونه إلى مواليهم( ) والمعنى: وتصرف الزكاة في فك الرقاب)).

مفهوم الرقاب اصطلاحاً: وَفِي الرِّقَابِ: هم المكاتبون المسلمون: ( )((الذين اشتروا أنفسهم من ساداتهم بثمنٍ مؤجل يُؤَدَّى منجَّماً [مقسطاً] إلى ساداتهم، وهم يسعون إلى تحصيل هذا المال؛ لفكِّ رقابهم, ويدخل في عموم الرقاب: شراء الرقاب المملوكة وإعتاقها، وفك الأسرى؛ لعموم قوله تعالى: وَفِي الرِّقَابِ؛ ولقول ابن عباس رضي الله عنهما: ((يُعتقُ من زكاة ماله، ويعطى في الحج))( ). فظهر من هذا أنه يدخل في عموم قوله تعالى: وَفِي الرِّقَابِ، ثلاثة أنواع:

النوع الأول:المكاتب المسلم،الذي اشترى نفسه من سيده بدين مؤجل.

النوع الثاني: الأسير المسلم، الذي وقع في قبضة الكفار.

النوع الثالث: المملوك المسلم، الذي دخل في الرق( )، فكل هؤلاء يدخلون في عموم قول الله تعالى: وَفِي الرِّقَابِ على القول الصحيح من أقوال أهل العلم( )، وقد سمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله يقول: ((والمقصود بالرقاب: إعتاقها بشرائها، وإعتاق المكاتب من الزكاة، وإعتاق الأسرى)) ( )( ).

المسألة الثانية: فضل إعتاق الرقاب جاء في الكتاب والسنة، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: ((وقد ورد في ثواب الإعتاق، وفك الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضوٍ عضواً من معتقها، حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا؛ لأن الجزاء من جنس العمل وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( )( ) ومن الأدلة التي ترغب في الإعتاق وفضله ما يأتي:  

1 ــ قال الله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ( ).

فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة: من فك الرقاب وإطعام السغبان ، فيكون خيراً له من عداوة محمد *، هذا قول ابن زيد وجماعة، وقيل: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة هنا مثلٌ ضربه الله لمجاهدة: النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، تقول: لم يحمل على نفسه المشقة, بعتق الرقبة والإطعام، وهذا معنى قول قتادة، وقيل: إنه شبَّه ثِقل الذنوب على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة, وأطعم كان كمن اقتحم العقبة، وجاوزها، وقيل غير ذلك( ) قال العلامة السعدي رحمه الله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي لم يقتحمها ويعبر عليها؛ لأنه متبع لشهواته، وهذه العقبة شديدة عليه، ثم فسر [هذه] العقبة بقوله: فَكُّ رَقَبَةٍ أي فكها من الرق بعتقها أو مساعدتها على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار)( ) وقال قتادة: إنها عقبة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها, فقال:فَكُّ رَقَبَةٍ( ).

2 ــ ولعظيم أجر عتق الرقاب جعلها الله تعالى: من كفارة القتل( ) وكفارة اليمين( ) وكفارة الظهار( ). وجعلها النبي من كفارة الوطء في نهار رمضان( ).

3 ــ وجعلها الله تعالى من أعمال البر والتقوى( ).

4 ــ جاءت الأحاديث الكثيرة جدًّا في الترغيب في ذلك منها ما يأتي:

الحديث الأول: عن البراء بن عازب ، قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: ((لئن أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة: أعتق النسمة، وفك الرقبة)) فقال: يا رسول الله! أو ليستا واحدة؟ فقال: ((لا، عتق النسمة أن تفرَّد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها...))( ).

الحديث الثاني: عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله : ((ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف))( ).

الحديث الثالث: عن أبي هريرة ، عن النبي قال: ((من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضوٍ منه عُضْواً من النار، حتى فرجه بفرجه)). قال سعيد بن مرجانة: ((فانطلقت به إلى علي بن الحسين فعمد علي بن الحسين رضي الله عنهما إلى عبدٍ له قد أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار فأعتقه)) ( ).

الحديث الرابع: عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي قال: ((أيما امرئ مسلمٍ أعتق امرأً مسلماً كان فكاكه من النار، يجزىء كل عضوٍ منه عضواً منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزئ كل عضوٍ منهما عضواً منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، يجزيء كل عضوٍ منها عضواً منها))( ).

الحديث الخامس: عن أبي ذر قال: سألت رسول الله : أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله وجهاد في سبيله)) قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: ((أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها)) قلت: فإن لم أفعل؟ قال: ((تعين صانعاً أو تصنع لأخرق)) قال: فإن لم أفعل؟ قال: ((تدع الناس من شرك؛ فإنها صدقة تصدق بها على نفسك)) ( ).

المسألة الثالثة: نصيب الرقاب من الزكاة على النحو الآتي:

1 ــ المكاتب المسلم: يدفع إلى المكاتب جميع ما يحتاج إليه؛ لوفاء كتابته؛ فإن لم يكن معه شيء جاز أن تدفع إليه جميعها، وإن كان معه شيء تُمِّمَ له ما يتخلّصُ به؛ لأن حاجته لا تندفع إلا بذلك، ولا يدفع إلى من معه وفاء كتابته شيء؛ لأنه مستغنٍ عنه في وفاء الكتابة، ويجوز أن يدفع إليه في كتابته قبل حلول النجم [القسط]؛ لئلا يحل النجم [القسط] ولا شيء معه، فتنفسخ الكتابة( ).

2 ــ إعتاق الرقيق: فيعتق من زكاة ماله الرقيق المسلم، فيدفع ثمنه لسيده( ).

3 ــ الأسير المسلم: فك الأسير المسلم من الزكاة، فيدفع لمن هو بيده من الكفار ما يفك به الأسير( ).

المصرف السادس: الغارمون، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: مفهوم الغارمين لغة واصطلاحاً.

مفهوم الغارمين لغة: غَرِم يغرم غرماً، والغرم: الدين، ورجل غارم: عليه دين، وقوله تعالى: وَالْغَارِمِينَ( )، قال الزجاج: الغارمون الذين لزمهم الدين في الحمالة، وقيل: هم الذين لزمهم الدين في غير معصية، والغريم الذي له الدين, والذي عليه الدين جميعاً، والجمع غرماء( ). والغارمون جمع غارم، إذاً: الغرم في اللغة اللزم، وسمي الغارم غارماً؛ لأن الدين لزمه، ويطلق الغريم على الدائن لملازمته المدين( ).

مفهوم الغارمين اصطلاحاً: الغارمون: هم المدينون العاجزون عن وفاء ديونهم( ).

وقيل: الغارمون: هم الذين تدينوا للإصلاح بين الناس، أو تديَّنوا لأنفسهم وأعسروا؛ لدخولهم في قوله تعالى: وَالْغَارِمِينَ ( ) ( ) .

المسألة الثانية: أنواع الغارمين على النحو الآتي:

النوع الأول: غارم لإصلاح ذات البين: أي إصلاح حال الوصل، أو ما يحتاج إلى الوصل، وقيل: إصلاح القطع، فالبين: الوصل أو القطيعة( ).

فالغارم لإصلاح ذات البين: هو من يحمل ديةً، أو مالاً؛ لتسكين فتنة، أو إصلاح بين طائفتين، فيُدفع إليه من الصدقة ما يُؤدِّي حمالته؛ ولو كان غنيًّا. فيكون الغارم لإصلاح ذات البين على ثلاثة أحوال:

الحال الأول: يتحمَّل مالاً في ذمته للإصلاح.

الحال الثاني: يقترض ويدفع للإصلاح.

الحال الثالث: يدفع من ماله بنِيَّة الأخذ من الزكاة بدلاً من ذلك( ).

النوع الثاني: الغارم لنفسه في مباح, العاجز عن الوفاء، فهذا يُعطى من الزكاة ما يقضي دينه، لكن إن غرم في معصية لم يُدْفع إليه قبل التوبة شيء؛ لأن الدفع إليه في هذه الحالة إعانة على المعصية، وقيل: لا يُعطى مطلقاً؛ لأن استدانته في المعصية ولا يؤمن أن يعود للاستدانة في المعاصي ثقة منه بأن دينه سيُقضى، بخلاف من أتلف ماله في المعاصي؛ فإنه يعطى لفقره لا لمعصيته( ).

والأدلة على جواز دفع الزكاة في النوعين المذكورين آنفاً كثيرة، منها حديث قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: تحمَّلتُ حمالةً, فأتيت رسول الله أسأله فيها، فقال: ((أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها)) قال: ثم قال: ((يا قبيصة إن المسألة لا تَحِلُّ إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة( ). اجتاحت( ) ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً( ) من عيش أو قال: سداداً من عيش، ورجل أصابته  فاقة( ) حتى يقوم( ) ثلاثة من ذوي الحجا( ) من قومه فيقولون: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قِوماً من عيش أو قال: سداداً من عيش، فما سواهنَّ من المسألة يا قبيصة سحتاً( )،   يأكلها صاحبها سحتاً)) ( ).

المسألة الثالثة: نصيب الغارمين من الزكاة، يعطون بقدر حاجتهم في قضاء ما عليهم من الديون, سواء كان الغارم قد أصلح بين الناس، وأعطى مالاً بنية الأخذ من الزكاة، أو اقترض، أو تحمَّل ذلك في ذمته، فيُعطى ولو كان غنيًّا تشجيعاً له على الخير، أو كان الغارم لنفسه ولم يستطع الوفاء, فيعطى من الزكاة ما يقضي دينه( ) ( ).

المصرف السابع: في سبيل الله تعالى، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: مفهوم في سبيل الله لغة واصطلاحاً:

لغة: السبيل في الأصل الطريق، ويُذَكَّرُ ويُؤنَّث، والتأنيث فيها أغلب، وسبيل الله عام يقع على كل عمل خالص سُلِكَ به طريق التقرب إلى الله تعالى: بأداء الفرائض، والنوافل، وأنواع التطوعات، وإذا أُطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد، حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه( ).

اصطلاحاً: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: وفي النفقة في نصرة دين الله، وطريقه، وشريعته التي شرعها لعباده بقتال أعدائه، وذلك هو غزو الكفار( ) فالمقصود: الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم أو لهم ديوان لا يكفيهم( ). والمقصود: لاحق لهم في الديوان، ولا رواتب. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((هم الغزاة الذين لاحق لهم في الديوان، إذا نشطوا غزوا))( ).  قال الإمام ابن مفلح: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وهم الغزاة الذين لاحق لهم في الديوان؛ لأن من له رَزقُ راتب يكفيه مستغنٍ بذلك)) ( ).

المسألة الثانية: نصيب الغزاة في سبيل الله من الزكاة: يعطون من الزكاة ما يشترون به السلاح، والدواب، والنفقة لهم ولعيالهم، حتى ولو كانوا أغنياء؛ لأنهم يأخذون لمصلحة المسلمين، بشرط أن لا يكون لهم رَزقٌ من بيت المال يكفيهم( )؛ لحديث أبي سعيد ، قال: قال رسول الله : ((لا تحل الصدقة لغنيٍّ إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارمٍ، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني)) ( ).

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((... الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: محتاج إليها: كالفقراء، والمساكين، وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه المسلمون: كالعامل، والغازي، والمؤلف، والغارم لإصلاح ذات البين))( )( ).

المصرف الثامن: ابن السبيل، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: مفهوم ابن السبيل لغة واصطلاحاً.

لغة: السبيل في الأصل: الطريق، وابن السبيل: هو المسافر كثير السفر، سُمِّيَ ابناً لها لملازمته إياها( )، وابن السبيل المسافر البعيد عن منزله، نسب إلى السبيل لممارسته إياه، ويستعمل السبيل لكل ما يتوصل به إلى الشيء خيراً كان أو شرًّا( ) وهو الذي يسافر فيجتاز من بلدٍ إلى بلدٍ بعيد عن بلده.

واصطلاحاً: ابن السبيل: هو المسافر الغريب المنقطع به في سفره عن أهله وماله، وليس له ما يرجع به إلى بلده، ولو كان غنيًّا في بلده، فأما المنشئ للسفر من بلده فليس بابن سبيل؛ لأن السبيل: الطريق( ).

المسألة الثانية: نصيب ابن السبيل من الزكاة: يُعطى منها ولو كان غنيًّا ما يوصله إلى بلده؛ للآية وَابْنِ السَّبِيلِ ( ).

رابعاً:نصيب كل مصرف من مصارف الزكاة على سبيل الإجمال على النحو الآتي:

1 ـ كل صنف من أصناف أهل الزكاة يدفع إليه ما تندفع به حاجته من غير زيادة: فالغارم، والمكاتب، يُعْطَى كل واحد منهما ما يقضي به دينه وإن كثر، وابن السبيل يُعْطَى ما يبلغه إلى بلده، والغازي يعطى ما يكفيه لغزوه، والعامل يُعْطَى بقدر أجرة عمله( ).

2 ـ أربعة أصناف يأخذون أخذاً مستقراً, فلا يُراعى حالهم بعد الدفع: وهم الفقراء، والمساكين، والعاملون، والمؤلفة قلوبهم، فمتى أخذوا ملكوها ملكاً دائماً، مستقراً لا يجب عليهم ردها بحال.

3 ـ أربعة منهم: وهم الغارمون، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل؛ فإنهم يأخذون أخذاً مراعىً, فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها، وإلا استرجع منهم، والفرق بين هذه الأصناف والتي قبلها: أن هؤلاء أخذوا لمعنىً لم يحصل بأخذهم للزكاة، والأولون حصل المقصود بأخذهم: وهو غنى الفقراء والمساكين، وتأليف المؤلفين، وأداء أجر العاملين.

4 ـ أربعة يأخذون مع الغنى: وهم الغازي، والعامل، والغارم للإصلاح، والمؤلَّف؛ لأنهم يأخذون لحاجة المسلمين إليهم( ).

5 ـ قال السعدي رحمه الله: ((المدفوع له نوعان:

نوع يُعطى لحاجته: كالفقراء والمساكين، وابن السبيل، والغارم لنفسه.

ونوع يُعطى لحاجة المسلمين إليه وعموم نفعه: كالعامل عليها، والمؤلفة قلوبهم، والغارم لإصلاح ذات البين، والإخراج في سبيل الله))( ).

6 - إذا اجتمع في واحد من أهل الزكاة سببان جاز أن يأخذ بكل واحد منهما منفرداً: كالفقير الغارم، يُعطى بهما جميعاً، فيعطى ما يقضي دينه، ثم يُعطى ما يغنيه ويسد حاجته( ).

7 - يستحب صرف الزكاة إلى الأقارب المحتاجين الذين لا تلزم نفقتهم على صاحب المال؛لحديث سلمان بن عامر عن النبي قال: ((إن الصدقة على المسكين صدقة,وعلى ذي الرحم اثنتان:صدقة وصلة))( ).

خامساً:أصناف من لا يصح دفع الزكاة إليهم على النحو الآتي:

1 ـــ الكفار إلا المؤلفة قلوبهم؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: ((... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم...))( ) (فخصهم بصرفها إلى فقرائهم كما خصهم بوجوبها على أغنيائهم، والمراد: أغنياء المسلمين، وفقرائهم( ).

قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: ((وأجمعوا على أنه لا يُعطى من زكاة المال أحد من أهل الذمة))( ). وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن زكاة الأموال لا تُعطى لكافرٍ ولا لمملوك)) ( )( ).

2 ــ آل النبي محمد ، وهم بنو هاشم، لحديث عبدالمطلب بن ربيعة وفيه: ((... إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد, إنما هي أوساخ الناس))( )؛ ولحديث أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن علي تمرةً من تمر الصدقة. فجعلها في فيه، فقال رسول الله : ((كَخْ كَخْ( ) ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة)) وفي لفظ للبخاري: فنظر إليه رسول الله ، فأخرجها من فيه، فقال: ((أما علمت أنَّ آل محمدٍ لا يأكلون الصدقة)). وفي لفظ للبخاري أيضاً: فقال له النبي بالفارسية: ((كَخْ، كَخْ، أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة)). وفي لفظ مسلم: ((...أنَّا لا تحل لنا الصدقة)) ( ).

وعن معاوية القشيري قال: كان النبي إذا أُتي بشيء سأل عنه ((أهدية أم صدقة) فإن قيل: صدقة. لم يأكل وإن قيل هدية بسط يده ( ).

وتبين بهذه الأحاديث أن الزكاة لا تحل لآل النبي من

بني هاشم. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((لا نعلم خلافاً في

أن بني هاشم لا تحلُّ لهم الصـدقـة المفـروضة))( )( )،

والله تعـالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل( ) وهو سبحانه حسبنا( )ونعم الوكيل ( ).

أما الهدية فتحل للنبي ، وتحل لآله؛ لأحاديث كثيرة، وحتى لو كانت صدقة على الفقراء, ثم أُهديت لآل البيت فلا حرج؛ لقوله حينما أهدت بريرة لأهله هدية: ((هو لها صدقة ولنا هدية))( ).

3 ــ موالي بني هاشم، وكما حرم النبي الصدقة على بني هاشم، فقد حرّمها كذلك على مواليهم، وهم الأرقاء الذين أعتقهم بنو هاشم، فعن أبي رافع : أن النبي بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني؛ فإنك تصيب منها، قال: حتى آتي النبي فأسأله، فأتاه، فسأله؟ فقال: ((مولى القوم من أنفسهم, وإنا لا تحل لنا الصدقة))( )( ).

وأما قوله : ((ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم)) ( ) فالمقصود به: في المعاونة، والانتصار، والبر، والشفقة، والمناصرة، ونحو ذلك، وليس المقصود الميراث( ) ولا تحريم الصدقة إذا كان ابن أخت لبني هاشم والله أعلم، وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول في حديث ((ابن أخت القوم منهم)) معنى منهم: أي في الصلة، والإحسان لا في تحريم الزكاة، وظاهر ترجمة النسائي: أن الزكاة لا تحل لابن أخت بني هاشم والصواب ما تقدم))( ) قال الإمام الخرقي رحمه الله تعالى في الكلام على أن موالي بني هاشم لا تحل لهم الزكاة ((ولا لمواليهم))( ).

قال ابن قدامة رحمه الله: ((يعني موالي بني هاشم، وهم: من أعتقهم هاشميٌّ، لا يعطون من الزكاة))( )( ).   

4 ــ المملوك، لا يصح دفع الزكاة إليه؛ لأن ما يعطاه فهو لسيده، فكأن دافع الزكاة دفعها إلى السيد؛ ولأن العبد تجب نفقته على السيد، فهو غنيٌّ بغناه( ).

إلا أن يكون المملوك من العاملين على الصدقات، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((وجملته أنه يجوز للعامل أن يأخذ عمالته من الزكاة: سواء كان حرًّا أو عبداً)) ( )؛ لأنه لا يشترط حرية العامل ولا فقره( ).

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن زكاة الأموال لا تعطى لكافر، ولا لمملوك))( ).

5 ــ الأغنياء بمالٍ أو كسب؛ لحديث عبدالله بن الخير، وفيه: ((...ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب))( )؛ ولحديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: ((لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي))( )؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ، عن النبي : ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو رجل كان له جار مسكين فَتُصدِّقَ على المسكين فأهداها المسكين للغني)) ( ).

قال الخرقي رحمه الله في عدم جواز الزكاة للغني ((ولا لغني...))( ) قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((يعني لا يعطى من سهم الفقراء والمساكين غنيٌّ، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم، وذلك؛ لأن الله تعالى جعلها للفقراء والمساكين، والغني غير داخل فيهم))( )، وقد قال النبي لمعاذ: ((...فأعلمهم أن الله افترض عليه صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم)) ( ).

6 ــ لا تدفع الزكاة إلى امرأة فقيرة تحت غني ينفق عليها. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((وإذا كان للمرأة زوج موسر ينفق عليها لم يجز دفع الزكاة إليها؛ لأن الكفاية حاصلة لها بما يصلها من النفقة الواجبة، فأشبهت من له عقار يستغني بأجرته، وإن لم ينفق عليها، وتعذر ذلك جاز الدفع إليها، كما لو تعطلت منفعة العقار، وقد نص أحمد على هذا))( ).

وقال سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله عن امرأة لا يهتم بها زوجها، وقد تعبوا في إصلاح حاله: قال رحمه الله: ((إن كانت فقيرة، وزوجها لا ينفق عليها، وعجزتم عن إصلاح حاله، ولم يتيسر من يلزمه بذلك، فإنه يجوز إعطاؤها من الزكاة قدر حاجتها))( ).

وكذلك لا تدفع إلى فقير ينفق عليه من وجبت عليه نفقته، من أقاربه؛ لاستغنائه بذلك( ).

7 ـ من تلزم نفقته لا تدفع إليه الزكاة:وهم أنواع على النحو الآتي:

النوع الأول: الأصول وإن علوا: وهم الأب والأم، وآباؤهما, وأمهاتهما وإن ارتفعت درجتهم من دافع الزكاة, كأبوي الأب، وأبوي الأم، وأبوي كل واحد منهم، وإن علت درجتهم: من يرث منهم ومن لا يرث.

النوع الثاني: الفروع وإن نزلوا: وهم: الأولاد: من البنين والبنات، وأولاد البنين وأولاد البنات، وإن نزلت درجتهم، الوارث وغير الوارث، قال النبي : ((إن ابني هذا سيدٌ ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين))( ) يعني الحسن بن علي رضي الله عنهما، فجعله ابنه؛ لأنه من عمودي النسب، فأشبه الوارث؛ ولأن بينهما قرابة جزئية وبعضية، بخلاف غيرهما.

قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: ((وأجمعوا على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين، والولد في الحال التي يجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم))( )؛ ولأن دفع زكاته إليهم تغنيهم عن نفقته وتسقطها عنه، ويعود نفعها إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه، فلم تجز، كما لو قضى بها دينه( )( ).

النوع الثالث: الزوجة، فلا يدفع زكاته إلى زوجته؛ لأن نفقتها واجبة عليه، قال الإمام ابن المنذر: ((وأجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة؛ لأن نفقتها عليه وهي غنية بغناه))( ) فتستغني بنفقته عليها عن أخذ الزكاة، فلم يجز دفعها إليها، كما لو دفعها على سبيل الإنفاق عليها( ).

واختار العلامة محمد بن صالح العثيمين: أن للزوج أن يعطي زوجته من الزكاة لقضاء دين عليها لا تستطيع أداءه، فقال: ((... فإن أعطاها لقضاء دين عليها فإن ذلك يجزئ؛ لأن قضاء الدين عن زوجته لا يلزمه)). وقال رحمه الله في ذلك: ((القول الراجح يجوز بشرط أن لا يسقط به حقاً واجباً عليه، فإن أعطاها من زكاته للنفقة؛ لتشتري ثوباً أو طعاماً، فإن ذلك لا يجزئ))( ).

النوع الرابع: الزوج هل تدفع الزوجة زكاتها إليه أم لا؟ اختلف العلماء رحمهم الله على قولين:

القول الأول: لا تدفع زكاتها إلى زوجها، وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة؛ لأنها تنتفع بدفعها إليه؛ لأنه إن كان عاجزاً عن الإنفاق عليها تمكن من أخذ الزكاة من الإنفاق، فليزمه، وإن لم يكن عاجزاً، ولكنه أيسر بها لزمته نفقة الموسرين، فتنتفع بها في الحالين، فلم يجز لها ذلك( ).

القول الثاني: يجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها، وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك، وبه قال ابن المنذر، وطائفة من أهل العلم، واستدلوا بحديث أبي سعيد وفيه: أن زينب امرأة ابن مسعود قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حليٌّ لي، فأردت أن أتصدق بها فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقُّ من تصدقت به عليهم، فقال النبي : ((صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقتِ به عليهم))( )؛ ولحديث زينب الآخر وفيه: أنها أرسلت بلالاً يسأل النبي : أيجزىء عني أن أنفق على زوجي، وأيتامٍ لي في حجري؟ فسأله فقال: (( نعم, ولها أجران: أجر القرابة, وأجر الصدقة))( )، قال الإمام ابن قدامة بعد استدلاله بهذا الحديث: ولأنه لا تجب نفقته، فلا يمنع دفع الزكاة إليه كالأجنبي ويفارق الزوجة؛ فإن نفقتها واجبة عليه؛ ولأن الأصل جواز الدفع؛ لدخول الزوج في عموم الأصناف المسمين في الزكاة، وليس في المنع نصٌّ ولا إجماع، وقياسه على من ثبت المنعُ في حقه غير صحيح؛ لوضوح الفرق بينهما، فيبقى جواز الدفع ثابتاً، والاستدلال بهذا أقوى من الاستدلال بالنصوص( )؛ لضعف دلالتها( )؛ فإن الحديث الأول في صدقة التطوع؛ لقولها: ((أردت أن أتصدق بحلي لي، ولا تجب الصدقة بالحلي، وقول النبي : ((زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)) والولد لا تدفع إليه الزكاة...))( )، فكلام ابن قدامة هذا يدل على ميوله إلى القول بهذا القول والله أعلم.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم فلما ذكرت الصدقة ولم يستفصلها عن تطوع ولا واجب، فكأنه قال: يجزئ عنك فرضاً كان أو تطوعاً، وأما الولد فليس في الحديث تصريح بأنها تعطي ولدها من زكاتها، بل معناه أنها إذا أعطت زوجها فأنفقه على ولدها كانوا أحق من الأجانب، فالإجزاء يقع بالإعطاء للزوج، والوصول إلى الولد بعد بلوغ الزكاة محلها))( ).

ورجح جواز إعطاء المرأة زكاتها لزوجها الإمام الشوكاني رحمه الله؛ لعدم المانع من ذلك، ومن قال: إنه لا يجوز فعليه الدليل، ثم ذكر ترك الاستفصال لها بمنزلة العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة: هل هي تطوع أو واجب؟ فكأنه قال: يجزئ عنك فرضاً كان أو تطوعاً( ).

وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((والصواب جواز دفع الزكاة إلى الزوج إذا كان من أهل الزكاة))( ).

وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله أثناء تقريره على حديث ((زوجك وولدك أحقُّ من تصدقت به عليهم))( ) يقول: ((...الصدقة على القريب صدقة وصلة، وظاهر هذه الصدقة أنها تطوع، وظاهر كلام العلماء: أن الزكاة لا تجوز على الأصل والفرع، أما الزوج فالأرجح دفع الزكاة له إذا كان فقيراً))( ). وسمعته يقول أثناء تقريره على حديث: ((نعم، لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة))( ): وهذا مثل الحديث الآخر: ((إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة))( ) وهذا كله في صدقة التطوع... والحاصل: أن الزكاة على الزوج لا بأس بها إذا كان من الفقراء، وهو الأرجح)) ( ).

8 ــ المبتدع والفاسق الذين يصرفونها في الفسق والعصيان لا يعطون من الزكاة إذا غلب على الظن صرفها في الفجور ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وأما الزكاة فينبغي للإنسان أن يتحرَّى بها المستحقين: من الفقراء، والمساكين، والغارمين، وغيرهم من أهل الدين، المتبعين للشريعة، فمن أظهر بدعة، أو فجوراً؛ فإنه يستحق العقوبة: بالهجر، وغيره، والاستتابة، فكيف يعان على ذلك))( )، ولاشك أن الزكاة تجوز لعصاة المسلمين الذين لا يصرفونها في المنكرات، بل نفقتهم ونفقة من يمونون، مع نصيحتهم، وتعليمهم الخير، قال شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله: ((يجوز دفع الزكاة إلى الفقير المسلم، وإن كان لديه بعض المعاصي، ولكن التماس الفقراء المعروفين بالخير والاستقامة أولى وأفضل، ومن كان لا يُصلِّي لا يعطى من الزكاة؛ لأن ترك الصلاة كفر أكبر وإن لم يجحد وجوبها، في أصح قولي العلماء ... أما من جحد وجوبها فهو كافر بالإجماع، وإن صلى؛ لأنه بفعله ذلك مكذب لله سبحانه، ولرسوله ))( )  وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الاختيارات: ((ولا ينبغي أن تُعْطَى الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله؛ فإن الله تعالى فرضها معونة على طاعته؛ لمن يحتاج إليها من المؤمنين: كالفقراء، والغارمين، أو لمن يعاون المؤمنين))( ).

9 - جهات الخير من غير الأصناف الثمانية: كبناء المساجد، وإصلاح الطرق، وتجهيز الأموات، ودور تحفيظ القرآن الكريم، والصرف على طباعة المصاحف والكتب وغير ذلك من الجهات الخيرية، لا تجوز الزكاة في ذلك كله؛ لأن الله تعالى لم يذكرها مع مصارف الزكاة الثمانية( ).

والزكاة حق الله لا تجوز المحاباة فيها لمن لا يستحقها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعاً، أو يدفع شرًّا، ولا أن يقي بها ماله أو يدفع بها عنه مذمة، بل يجب دفعها لهم؛ لكونهم من أهلها( ).

والله أسأل التوفيق والقبول.

 المبحث الرابع عشر: صدقة التطوع في الإسلام

أولاً: مفهوم صدقة التطوع: لغة واصطلاحاً.

الصدقة لغة: جمع صدقات، وتَصَدَّقتُ: أعطيتُهُ صدقةً، والفاعل مُتصَدِّقٌ، [وهو الذي يُعطي الصدقة]، ومنهم من يخفف بالبدل والإدغام فيقال: مُصَّدِّقٌ، والمتصدِّقُ: المُعطي، وفي التنزيل: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ( ).

وقد جاء المتصدِّقُ والمصَّدِّقُ في القرآن العظيم: وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ( ). والْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ( ). وأما المُصَدِّق بتخفيف الصاد:  فهو الذي يأخذ صدقات النَّعَم))( ).

والذي يُصدِّقك في حديثك( ) فالصدقة: العطية.

والصدقة اصطلاحاً: العطية التي يُبتغى بها الثواب عند الله تعالى( ).

قال العلامة الأصفهاني: ((الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوَّع به، والزكاة للواجب, وقد يُسمَّى الواجب صدقةً إذا تحرَّى صاحبها الصدق في فعله))( ).

والعطية: الشيء الـمُعطى، والجمع: العطايا، ويقال: رجل مِعطاءٌ: كثير العطاء، والمعاطاة: المناولة، والإعطاء: الإنالة( ).

والعطية اصطلاحاً: ما أعطاه الإنسان من ماله لغيره، سواء كان يريد بذلك وجه الله تعالى، أو يريد التودُّد، أو غير ذلك، فهي أعمّ من الزكاة، والصدقة، والهبة، ونحو ذلك( ).

التطوع لغة: التنفُّل، والنافلة، وكل متنفِّل خير متطوع، قال الله تعالى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ( ).

وقد تدغم التاء في الطاء فيقال: المطوِّع: أي المتطوع( ).

والتطوع اصطلاحاً: ما تبرع به المسلم من ذات نفسه، مما لا يلزمه فرضه( ).

وقيل: المتطوع هو الذي يفعل الشيء تبرعاً من نفسه، وهو تفعلٌ من الطاعة( )، والتعريف الأول أشمل.

ثانياً:فضل صدقة التطوع،لها فضائل كثيرة جداً،منها ما يأتي:

1 – صدقة التطوع تكمِّل زكاة الفريضة وتجبر نقصها؛ لحديث تميم الداري مرفوعاً: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمَّها كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوِّعٍ فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك))( ).

2 – تُطفئ الخطايا وتكفرها؛ لحديث معاذ مرفوعاً إلى النبي ، وفيه: ((والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ))( ).

وفي حديث حذيفة : ((فتنة الرجل: في أهله، وولده، وجاره، تكفرها الصلاة، والصوم، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))( ).

3 – من أسباب دخول الجنة والعتق من النار؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جاءتنى مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة؛ لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله فقال: ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار))( ).

4 – الصدقة تدخل الجنة ولو بشق تمرة ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت عليَّ امرأة معها ابنتان لها تسأل؟ فلم تجد عندي شيئاً غير تمرةٍ، فأعطيتها إيَّاها، فقَسَمَتْها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت وخرجت، فدخل النبي فأخبرته فقال: ((من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كنَّ له ستراً من النار))( ).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الجمع بين الحديثين السابقين: ((ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها في حديث عروة: فلم تجد عندي غير تمرة واحدة: أي أخصها بها، ويحتمل أنها لم تكن عندها في أول الحال سوى واحدة, فأعطتها, ثم وجدت ثنتين، ويحتمل تعدد القصة))( ).

5 – من أسباب النجاة من حرِّ يوم القيامة؛ لحديث عقبة بن عامر ، عن النبي قال: ((كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفْصَل بين الناس)). أو قال: ((يحكم بين الناس))( ). وفي لفظ: ((إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته))( ). قال يزيد-  أحد رواة الحديث: ((وكان أبو الخير- راوي الحديث عن عقبة لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء، ولو كعكة، أو بصلة، أو كذا))( ). وقال النبي في أحد السبعة الذين يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظله: ((...ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))( ).

6 – الصدقة من أسباب النصر، والرزق؛ لحديث سعد عن النبي أنه قال: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم))( ). قال ابن بطال رحمه الله: ((تأويل الحديث: أن الضعفاء أشد إخلاصاً في الدعاء، وأكثر خشوعاً في العبادة؛ لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا))( ).

وعن أنس قال: كان أخوان على عهد النبي ، فكان أحدهما يأتي النبي ، والآخر يحترف، فشكى المحترفُ أخاه إلى النبي فقال: ((لعلك تُرزق به))( ).

7 – الصدقة تعوِّد المسلم على صفة الجود والكرم، والعطف على ذوي الحاجات، والرحمة للفقراء.

8 – الصدقة تحفظ النفس عن الشُّح، قال الله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ).

9 – الصدقة تجلب البركة والزيادة والخلف من  الله تعالى، قال الله سبحانه: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( ).

وعن أبي هريرة عن النبي أنه قال: ((قال الله تعالى: أنفق يا ابن آدم، أنفق عليك)). وقال: ((يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاءُ الليلَ والنهار)). وقال: ((أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟؛ فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان، يخفض ويرفع)). ولفظ مسلم: ((يمين الله ملأى...))( ).

وعن أبي هريرة ، عن رسول الله قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه))( ).

ومما يدل على فضل الصدقة، وفضل الإحسان إلى المساكين وأبناء السبيل، وفضل أكل الإنسان من كسبه والإنفاق على العيال( ) وأن من فعل ذلك يبارك الله له في ماله ويحصل له الأجر العظيم، حديث أبي هريرة عن النبي قال: ((بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: أسقِ حديقة فلان، فتنحَّى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرَّة ( ) فإذا شَرْجَة من تلك الشِّراج ( ) قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبَّع الماء, فإذا رجل قائم في حديقته يُحوِّل الماء بمسحاته فقال له: يا عبدالله ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبدالله: لِـمَ تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسقِ حديقة فلانٍ لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمَّا إذا قلت: هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثُلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأردُّ فيها ثلثه))وفي لفظ: ((وأجعل ثلثه في المساكين، والسائلين، وابن السبيل))( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا مَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً))( ).

10 – تشرح الصدر وتدخل السرور على المنفق المتصدق، فالمتصدق إذا أحسن إلى الخلق، ونفعهم بما يملكه من المال، وأنواع الإحسان، انشرح صدره؛ فالكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً، والبخيل الذي لا يحسن أضيق الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً، وأكثرهم همّاً وغمّاً، لكن لا بد من العطاء بطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرج من يده ( ).

11 – الصدقة تُلحق المسلم بالمؤمن الكامل؛ لحديث أنس عن النبي قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه – أو قال – لجاره ما يحب لنفسه))( ). فكما أن المسلم يحب أن يُبذل له المال الذي يسد به حاجته، فهو يحب أن يحصل لأخيه المحتاج مثل ذلك، فيكون بذلك كامل الإيمان.

12 – الصدقة يحصل بها قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والستر في الدنيا ويوم القيامة؛ لما فيها من قضاء حاجات المحتاجين، وتفريج كربات المكروبين، والستر على المعسرين؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ لحديث أبي هريرة ، قال: قال رسول الله : ((من نفَّس عن مؤمن كُربَة من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كُربةً من كُربِ يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه...))( )؛ ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه: ((ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة))( ).

13 – الصدقة من أسباب رحمة الله تعالى للعبد؛ لقوله : ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس))( ).

14 – الصدقة من الإحسان، والله يحب المحسنين؛ لقوله تعالى:

وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( ). وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ( ).وقال سبحانه:إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( ).

15 – يترتب على الصدقة الأجر العظيم الذي يربيه الله تعالى ويضاعفه لصاحبه؛ لقول الله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ( ). وقال : وَمَا آتـَــيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتـَـيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( )؛ ولقوله تعالى: وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ( )؛ ولحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من تصدَّق بعدل( ) تمرة، من كسب طيب( ) ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله يتقبَّلها بيمينه ثم يربِّيها لصاحبها كما يُربّي أحدكم فلوّه( )، حتى تكون مثل الجبل)) وفي لفظ مسلم: ((حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله))( ).

وفي رواية لمسلم: ((لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب...))( ).

16 – المتصدِّق ابتغاء مرضاة الله تعالى، يفوز بثناء الله عليه، وما وعد به المتصدقين من الأجر العظيم، وانتفاء الخوف والحزن؛ لقول الله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ).

17 – المتصدق يحصل على مضاعفة الأجر على حسب إخلاصه لله تعالى؛ لقول الله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( )؛ ولحديث أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله : ((لك بـِها يوم القيامة سَبْعمائة ناقةٍ كلها مخطومة))( ).

18 – الصدقة تجعل المجتمع المسلم كالأسرة الواحدة، يرحم القوي الضعيف، ويعطف القادر على العاجز، ويحسن الغني إلى المعسر، فيشعر صاحب المال بالرغبة في الإحسان؛ لأن الله أحسن إليه، قال الله تعالى:

وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ( ).

19 – بذل المال خير للمتصدق إذا كان زائداً عن كفايته؛ لحديث أبي أمامة ، قال: قال رسول الله : ((يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تُمسكه شرٌّ لك، ولا تُلامُ على كفاف( )، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى))( ).

20 – صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تنجي من مصارع السوء؛ لحديث معاوية بن حيدة , عن النبي ، أنه  قال: ((إن صدقة السر تطفئ غضب الرب))( )؛ ولحديث أبي أمامة قال: قال رسول الله : ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر))( ).

21 – الصدقة دواء للأمراض ( ).

ثالثاً: أفضل صدقات التطوع على النحو الآتي:

1 – من أفضل الصدقات التصدق بسقي الماء؛ لحديث سعد بن عبادة ، قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: ((نعم)). قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: ((سقي الماء)) فتلك سقاية سعدٍ بالمدينة)). وفي لفظ لأبي داود: ((فحفر بئراً وقال: هذه لأم سعدٍ))( ). ولكن يتحرَّى المتصدق حاجة الناس فيتصدق بما تدعو إليه الحاجة، سواء كانت في الماء أو في غيره( ).

2 – الصدقة على ذي الرحم الذي يضمر العداوة في باطنه من أفضل الصدقات؛ لحديث حكيم بن حزام ، أن رجلاً سأل رسول الله عن الصدقات أيُّها أفضل؟ قال: ((على ذي الرحم الكاشِح))( )( ). وعن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ((أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح))( ).

3 – أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، فيغتنم حياته قبل موته، وصحته قبل مرضه، فينفق ولا يبخل، قال الله تعالى: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَال ( )، ومعنى ((خلال)) لا خلة ولا صداقة( ).

قال العلامة السعدي رحمه الله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ أي لا ينفع فيه شيء، ولا سبيل إلى استدراك ما فات، لا بمعاوضة ببيع وشراء، ولا بهبة خليل وصديق، فكل امرئ له شأن يغنيه، فليقدِّم العبد لنفسه، ولينظر ما قدمه لغدٍ؛ وليتفقَّد أعماله، ويحاسب نفسه قبل الحساب الأكبر))( ).

وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ

الظَّالِمُونَ ( ). وهذا من فضل الله ولطفه بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم؛ ليكون لهم ذخراً وأجراً في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه، ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهباً ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق: لا بوجاهة, ولا بشفاعة( ).

وقال : وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( ).

وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله! أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: ((أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح, تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلانٍ كذا, ولفلانٍ كذا، وقد كان لفلان))( ).

الشح عام غالب في حال الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة، ورأى مصير المال لغيره؛ فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشح رجاء البقاء وخوف الفقر، وهو يطمع في الغنى( )، وهو في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالباً؛ لما يخوفه به الشيطان، ويُزيِّن له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال؛ ولهذا قال بعض السلف عن بعض أهل الترف: يعصون الله في أموالهم مرتين: يبخلون بها وهي في أيديهم – يعني في الحياة – ويسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم – يعني بعد الموت( ).

وذُكِرَ في الخبر عن أبي الدرداء مرفوعاً: ((مثل الذي يعتق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعدما يشبع))( ). وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز ابن باز رحمه الله يقول عن الصدقة في حال الصحة والشح: ((وهذا يدل على أن الصدقة في حال الصحة والشح أفضل، وهذا يدل على قوة الرغبة فيما عند الله، أما المريض فإنه يجود في حال مرضه؛ لأنه أيس من حياته، وصدقته مقبولة، لكن الأفضل أن تكون في حال الصحة))( ).

4 – ومن أفضل الصدقة جهد المقل الذي هو قدر ما يحتمله حال قليل المال، فيكون من أفضل الصدقات؛ لحديث عبدالله بن حبشي الخثعمي أن النبي سُئل أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة)). قيل: فأيُّ الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)). قيل: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقلِّ))( ). قيل: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: ((من هجر ما حرم الله )). قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: ((من جاهد المشركين بماله ونفسه)). قيل: فأيُّ القتل أشرف؟ قال: ((من أهريق دمه وعُقِر جواده))( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((سبق درهم مائة ألف [درهم])) قالوا: يا رسول الله وكيف؟ قال: ((رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مالٌ كثير فأخذ من عُرضِ ماله مائة ألف [درهم] فتصدق بها))( ). وظاهر الأحاديث أن الأجر على قدر حال المعطي لا على قدر المال الـمُعْطَى، فصاحب الدرهمين أعطى نصف ماله، في حال لا يعطي فيها إلا الأقوياء, يكون أجره على قدر همته بخلاف الغني؛ فإنه ما أعطى نصف ماله، ولا في حال لا يعطي فيها عادة))( ).

وعن أبي هريرة قال: يا رسول الله! أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: ((جُهْدُ المقلِّ، وابدأ بمن تعول))( ).

5 – من أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى؛ لحديث حكيم بن حزام عن النبي قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله)). ولفظ مسلم: ((أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول))( ).

وعن أبي هريرة عن النبي قال: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى: وابدأ بمن تعول))( ). ومعنى قوله : ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنياً بما بقي معه، وتقدير: أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنىً يعتمده صاحبها, ويستظهر به على مصالحه، وحوائجه، وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بجميع ماله؛ لأن من تصدق بالجميع يندم غالباً، أو قد يندم إذا احتاج، ويودُّ أنه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنياً، فإنه لا يندم عليها بل يُسرُّ بها( ) وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((والمعنى أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية))( )( ).

6 – ومن أفضل الصدقة ما يعطى الأقارب؛ لحديث سلمان بن عامر ، عن النبي قال: ((إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة, وصلة))( ).

وعن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ( )، قام أبو طلحة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحبَّ أموالي إليَّ

 بَيرُحاء( ) وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله : ((بَخٍ( )، ذلك مال رابح ( ) ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)). فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه)). وفي لفظ: ((فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب))( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((وفي هذا الحديث من الفوائد... أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين، وفيه أن القرابة يرعى حقها في صلة الأرحام, وإن لم يجتمعوا إلا في أبٍ بعيد؛ لأن النبي أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين, فجعلها في أبي بن كعب وحسان ابن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع))( ).

وعن ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله ، فذكرت ذلك لرسول الله فقال: ((لو أعطيتيها أخوالك كان أعظم لأجرك))( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((فيه فضيلة صلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب، وأنه أفضل من العتق... وفيه الاعتناء بأقارب الأم إكراماً بحقها، وهو زيادة في برها، وفيه جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها))( ).

وعن أبي سعيد في قصة زينب امرأة ابن مسعود: أنها قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق بها، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقُّ من تصدقت به عليهم، فقال النبي : ((صدق ابن مسعود: زوجك وولدك أحقّ من تصدقت به عليهم))( )؛ ولحديث زينب الآخر, وفيه: أنها أرسلت بلالاً يسأل النبي : أيجزئ عني أن أنفق على زوجي، وأيتام في حجري؟ فسأله فقال: ((نعم، ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة)). وفي لفظ مسلم: ((لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة))؛ لأنها كان معها امرأة من الأنصار حاجتها حاجتها( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((فيه الحث على الصدقة على الأقارب وصلة الأرحام، وأن فيها أجرين))( ).

7 – أفضل النفقات النفقة على العيال والأهل والأقربين: قال الله سبحانه: قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( ). فأولى الناس بالإنفاق من الخير وأحقهم بالتقديم أعظمهم حقًّا عليك، وهم الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق ترك الإنفاق عليهما؛ ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين: الأقربون على اختلاف طبقاتهم: الأقرب، فالأقرب، على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليهم صدقة وصلة( ).

وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ( ) .

وقال سبحانه: وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ ( ).

وقال تعالى: وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ( ).

وقال تعالى: فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ( ). وقال تعالى:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ( ).

وعن ثوبان قال: قال رسول الله : ((أفضل دينارٍ ينفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله)). قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال، ثم قال: أبو قلابة: وأيُّ رجل أعظم أجراً من رجلٍ ينفق على عيالٍ صغارٍ، يعفُّهم أو ينفعهم الله به، ويغنيهم))( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك))( ).

وعن عبدالله بن عمرو أنه قال لخازنه: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا, قال: فانطلق فأعطهم، قال: قال رسول الله : ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته))( ).

ولفظ أبي داود: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يقوت))( ).

وعن جابر قال: أعتق رجل من بني عُذْرة – من الأنصار – عبداً له عن دُبرٍ، فبلغ ذلك رسول الله ، فقال: ((ألك مال غيره؟)) فقال: لا، فقال: ((من يشتريه مني؟)) فاشتراه نعيم بن عبدالله بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله فدفعها إليه، ثم قال: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فَضَلَ شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا، وهكذا)) يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك))( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((في هذا الحديث فوائد منها:

الابتداء بالنفقة بالمذكور على هذا الترتيب، منها: أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قدم الأوكد فالأوكد، ومنها أن الأفضل في صدقة التطوع أن ينوعها في جهات الخير، ووجوه البر بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها...))( ).

وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله! هل لي أجر في بني أبي سلمة، أنفق عليهم ولست بتاركتهم، هكذا وهكذا، إنما هم بني؟ فقال: ((نعم لك فيهم أجر ما أنفقت عليهم))( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((تصدقوا)) فقال رجل: يا رسول الله! عندي دينار، قال: ((تصدق به على نفسك)) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على زوجتك) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على ولدك) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على خادمك) قال: عندي آخر: قال: ((أنت أبصرُ به))( ).

وعن بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي، قال: قلت يا رسول الله، من أبرُّ؟ قال: ((أمك) قال: قلت: ثم مَن؟ قال: ((أمك) قال: قلت: ثم مَنْ؟ قال: ((أمك) قلت: ثم مَنْ؟ قال: ((أباك) قال: قلت: ثم مَنْ؟ قال: ((ثم الأقرب فالأقرب))( ).

وعن أبي هريرة ، قال: يا رسول الله! من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك))( ).

وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ، فاستفتيت رسول الله ، فقلت: يا رسول الله! قدمت عليَّ أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: ((نعم، صلي أمَّكِ))( ).

رابعاً: الإخلاص شرط في قبول الصدقات:

فلا تقبل الصدقة إلا إذا أريد بها وجه الله والدار الآخرة للأدلة المذكورة على النحو الآتي:

1- الإخلاص أعظم ما أمر الله به، قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ( ).

2- الإخلاص شامل لأنواع العبادات، قال : قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( ).

3- إسلام الوجه لله: هو الإخلاص، قال الله سبحانه: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ( ).فإسلام الوجه إخلاص القصد والعمل لله،والإحسان فيه متابعة رسول الله وسنته ( ).

4- الإخلاص يحصل به الأجر العظيم، قال تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ( ).

5- الإخلاص تجارة رابحة، قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ( ).

6- الإخلاص تُوفَّى به الأجور، قال سبحانه: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ( ).

7- مضاعفة الحسنات للمنفقين المخلصين، قال تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَـــلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ).

8- الجزاء بأحسن من العمل، قال فيمن ينفقون النفقات إخلاصاً لله تعالى: وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ).

9- إنما الأعمال بالنيات، عن عمر بن الخطاب عن النبي أنه قال: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى...))( ).

10- احتساب الرجل نفقة أهله صدقة، عن أبي مسعود ، عن النبي أنه قال: ((إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة))( ).

11- بالإخلاص يحصل الأجر على فعل المباح، قال النبي لسعد بن أبي وقاص : ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك))( ).

12- إنما الدنيا لأربعة، عن أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله يقول: ((ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه)) قال: ((ما نقص مالُ عبدٍ من صدقةٍ، ولا ظُلِمَ عبدٌ مظلمةً فصبر عليها إلا زاده الله عزًّا، ولا فتح عبدٌ باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقرٍ)) أو كلمة نحوها ((وأحدثكم حديثاً فاحفظوه) قال: ((إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبدٍ رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهو بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلانٍ، فهو بنيَّته، فأجرهما سواءٌ، وعبدٍ رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل, وعبدٍ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً، لعملت فيه بعمل فلانٍ، فهو بنيَّته، فَوِزْرُهما سواء))( ).

13- يكتب للعبد المسلم ما نوى، من فضل الله على عبده المؤمن أنه يكتب له ما نوى من الصدقات وغيرها إذا أخلص في النية؛ ولهذا قال النبي في غزوة تبوك: ((لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ، إلا وهم معكم فيه) قالوا: يا رسول الله! كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: ((حبَسَهُمُ العذر))( ).

14- إحسان الله العظيم إلى عباده المؤمنين؛ فإنه يكتب لهم الحسنات بمجرد العزيمة والهم الصادق حتى ولو لم يعمل المسلم؛ قال فيما يرويه عن ربه: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة...))( ).

خامساً: آداب الصدقة: للصدقة آداب عظيمة منها ما يأتي:

1 – الاحتساب في كل ما ينفقه المسلم؛ لحديث أبي سعيد  مرفوعاً إلى النبي : ((إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة))( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((فيه بيان أن المراد بالصدقة والنفقة المطلقة في باقي الأحاديث إذا احتسبها، ومعناه إذا أراد بها وجه الله تعالى، فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلاً، ولكن يدخل المحتسب))( ).

وطريقة الاحتساب: أن ينفق بنية أداء ما أمره الله به من الإحسان إليهم، وبنية القيام بالواجب الذي أمره الله تعالى به، ابتغاء مرضاة الله، يرجو ثوابه عند مولاه الكريم، الذي أمدَّه بالمال، ثم يثيبه إذا أنفقه في طاعته، بنية صالحة.

2 – الإنفاق من المال الحلال الطيب؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:

يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ( ). وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ( ). ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك))( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((... فيه الحث على الإنفاق من الحلال، والنهي عن الإنفاق من غيره، وفيه: أن المأكول, والمشروب, والملبوس، ينبغي أن يكون حلالاً خالصاً لا شبهة فيه، وأن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره))( ).

3 – لا يحقرن من الصدقة شيئاً، ولو شق تمرة، ولو فرسن شاة، وجاء في ذلك أحاديث، منها ما يأتي:

الحديث الأول: حديث عدي بن حاتم قال:قال رسول الله : ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربُّهُ، ليس بينه وبينه ترجمان [ولا حجاب يحجبه] فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة [ولو بكلمة طيبة]))( ).

وفي لفظ: ذكر لنا رسول الله النار، فأعرض، [وأشاح بوجهه] ثم قال: ((اتقوا النار))، ثم أعرض وأشاح [بوجهه] حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها، ثم قال: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)). وفي لفظ للبخاري: ذكر النبي النار، فتعوذ منها وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار، فتعوذ منها وأشاح بوجهه [ثلاثاً] ثم قال: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يكن فبكلمة طيبة))( ).

وذكر النووي رحمه الله: أن شق تمرة: نصفها، وجانبها، وفيه الحث على الصدقة، وأنه لا يُمتنع منها لقلتها، وأن قليلها سبب للنجاة من النار، وأن الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار، وهي الكلمة التي فيها تطييب قلب الإنسان إذا كانت مباحة أو طاعة( )( ).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((وفيه الحث على الصدقة، وقبول الصدقة، ولو قلَّت, وقد قُيِّدَت في الحديث بالكسب الطيب، وفيه إشارة إلى ترك احتقار القليل من الصدقة وغيرها))( ).

الحديث الثاني: حديث أم بجيد رضي الله عنها، وكانت ممن بايع رسول الله ، أنها قالت: يا رسول الله! صلى الله عليك، إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئاً أعطيه إيَّاه؟ فقال لها رسول الله : ((إن لم تجدي له شيئاً تعطينه إيَّاه إلا ظلفاً( ) محرقاً فادفعيه إليه في يده))( ).

الحديث الثالث: حديث أبي ذر ، قال: قال لي النبي : ((لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْقٍ))( ).

الحديث الرابع: حديث أبي هريرة أن رسول الله كان يقول: ((يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارةٌ لجارتها ولو فِرسِنِ( ) شاةٍ))( ). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير، وقبوله، لا إلى حقيقة الفرسن؛ لأنه لم تجرِ العادة بإهدائه، أي لا تمنع جارة من الهدية لجارتها الموجود عندها؛ لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر، وإن كان قليلاً، وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير؛ لأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت))( ).

الحديث الخامس: حديث أبي هريرة ، عن النبي أنه قال: ((لو دعيت إلى كُراعٍ لأجبت، ولو أُهدي إليَّ كُراعٌ لقبلت))( ).

الحديث السادس: حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله فقال: ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار))( ).

الحديث السابع: حديث جرير بن عبدالله قال: كنا عند رسول الله في صدر النهار، قال: فجاء قومٌ حفاةٌ، عراةٌ مجتابي النمار( ) أو العباءَ، متقلدي السيوف، عامتهم من مُضَر، فتمعَّر وجهُ رسول الله ؛ لما رأى ما بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إلى آخر الآية: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ))( ).

والآية التي في سورة الحشر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ( ). تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاعِ بُرِّه، من صاع تمره، حتى قال: ((ولو بشق تمرة)) قال فجاء رجل من الأنصار بصُرَّةٍ كادت كفُّهُ تعجزُ عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كَوْمين من طعام، وثياب، حتى رأيت وجْهَ رسول الله يتهلَّلُ كأنهُ مُذْهَبَةٌ( )، فقال رسول الله : ((من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنةً فله أجرُهَا، وأجرُ من عمل بها بعده، من غير أن يَنْقُصَ من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وِزْرُها وَوِزْرُ من عَمِلَ بها من بعده، من غير أن ينقُصَ من أوزارهِمْ شيء))( ).

وفيه من الفوائد: جمع الناس للأمور المهمة، ووعظهم، وحثهم على مصالحهم, وتحذيرهم من القبائح، وفيه سرور النبي بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البر والتقوى، وفيه الحث على الابتداء بالخيرات، وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات، وسبب هذا الكلام في آخر الحديث أنه قال في أوله: فجاء رجل بصرة كادت يده أن تعجز عنها، فتتابع الناس وكان الفضل العظيم للبادئ بهذا الخير، والفاتح لباب هذا الإحسان( ).

الحديث الثامن: حديث أبي مسعود قال: لما نزلت آية الصدقات كنا نُحامِلُ، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزلت:

الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ( ). وفي رواية: ((لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل( ) فجاء أبو عقيل [فتصدق] بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياءً، فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ( ). وفي هذا الحديث من الفوائد: التحريض على الاعتناء بالصدقة، وأن المسلم إذا لم يكن له مال يتوصل إلى تحصيل ما يتصدق به: من حملٍ، أو غيره من الأسباب( )، وفيه أنه لا ينبغي أن تحتقر الصدقة بالقليل، ولا يعاب على من تصدق بما يستطيع ولو كان قليلاً، وأن من عاب عليه يتصف بصفة من صفات المنافقين، وفيه فضل الصحابة ، وحرصهم على الخير، حتى بالحمل على ظهورهم؛ ليتصدقوا بذلك.

4–  المسارعة والمسابقة في إخراج الصدقة؛ للأحاديث الآتية:

الحديث الأول: حديث عتبة بن الحارث ، قال: صليت وراء النبي بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجر نسائه، ففزِعَ الناسُ من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ((ذكرت [وأنا في الصلاة] شيئاً من تِبْرٍ( ) عندنا، فكرهت أن يحبسني [وفي رواية]: أن يمسي أو يبيت عندنا، فأمرت بقسمته))( ).

وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الخير ينبغي أن يُبادر به، فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمن، والتسويف غير محمود، والإسراع: أبرأ للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم، وأرضى للرب، وأمحى للذنب( )، وأعظم للأجر.

الحديث الثاني: حديث أبي هريرة ، قال: قال رسول الله : ((لو كان لي مثل أُحدٍ ذهباً ما يسرني ألا يمرُّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين))( ).

الحديث الثالث: حديث أبي ذر : أن النبي قال: ((ما أحب أن أُحداً ذاك عندي ذهبٌ أمسي ثالثة عندي منه دينار, إلا ديناراً أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله: هكذا)) حثا بين يديه ((وهكذا)) عن يمينه ((وهكذا)) عن شماله،... ((إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال: هكذا، وهكذا، وهكذا)) مثل ما صنع في المرة الأولى...)) ( ).

5 – الإنفاق سرًّا وعلانية رجاء الأجر الكبير من الله تعالى، وينوي بصدقة العلانية دفع غيره؛ ليقتدي به، فيحصل على مثل أجره، وقد جاءت الآيات القرآنية تبين ذلك، وفيها الحث على الصدقة في السر والعلانية، ومنها، الآيات الآتية:

الآية الأولى: قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( ).

الآية الثانية: قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ).

الآية الثالثة: قوله تعالى: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ( ).

الآية الرابعة: قوله تعالى: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ( ).

الآية الخامسة: قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( ).

الآية السادسة: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ( ).

فهذه الآيات فيها الثناء على من أنفق حيث دعت الحاجة سرًّا وعلانية، من النفقات الواجبة، والمستحبة، والزكاة الواجبة، والصدقات المستحبة، والله تعالى أعلم( ).

و أما الأحاديث في الإنفاق في السر والعلانية وفي الليل والنهار، فهي كثيرة، ومنها، الأحاديث الآتية:

الحديث الأول: حديث جرير بن عبدالله ، وفيه: أن قوماً أتوا إلى النبي : حفاة عراة، فتمعَّر وجه رسول الله ؛ لما رأى ما بهم من الحاجة، ثم أمر بالأذان والإقامة، وصلَّى، ثم خطب الناس، وأمرهم بالصدقة على حسب طاقتهم، فتصدق كل إنسان على حسب قدرته، وتصدق رجل بصرِّة عظيمة كادت أن تعجز عنها يده، فتتابع الناس في الصدقة، بعدما رأوا هذا الرجل وصدقته، فقال النبي : ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء...)) ( ).

الحديث الثاني: حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار))( ).

الحديث الثالث: حديث عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها))( ).

الحديث الرابع: حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله في ظله، وفيه:: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))( ).

الحديث الخامس: حديث معاوية بن حيدة عن النبي أنه قال:: ((إن صدقة السر تطفئ غضب الرب))( ).

الحديث السادس: حديث عقبة بن عامر ، أن رسول الله قال: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن كالمسرِّ بالصدقة))( ).

6 – الإنفاق مما يحب المتصدق؛ للأدلة الآتية:

الدليل الأول: قول الله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( ).

الدليل الثاني: قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( ).

الدليل الثالث: حديث عوف بن مالك ، قال: دخل علينا رسول الله المسجد وبيده عصا وقد علَّق رجل قِنو حشفٍ، فجعل يطعن بالعصا في ذلك القنو وقال: ((لو شاء رب هذه الصدقة تصدَّق بأطيب منها)) وقال: ((إن رب هذه الصدقة يأكل حشفاً يوم القيامة))( ).

الدليل الرابع: حديث وائل بن حجر، وفيه أن رجلاً أعطى في الصدقة بعيراً مهزولاً، فقال النبي : ((...اللهم لا تبارك فيه ولا في إبله)) فبلغ ذلك الرجل فجاء بناقة حسناء،فقال:أتوب إلى الله وإلى نبيه ، فقال النبي : ((اللهم بارك فيه وفي إبله))( ). وهذا الحديث وإن كان في زكاة الفريضة، ولكن ينبغي الإنفاق من الطيب.

الدليل الخامس: قصة أبي طلحة ، وأنه تصدق بأحب أمواله إليه، وهي بيرحاء، فقال النبي : ((بخ ذلك مال رابح, ذلك مال رابح))( ).

7 – عدم الإيكاء، لمنع الصدقة، ولا يعدها، فيستكثرها، وعدم الجمع للأموال بدون نفقة؛ لحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، قالت: قال لي النبي : ((لا توكي فيُوكى عليك))( ). وفي رواية: ((لا تحصي فيحصي الله عليك))( ). وفي رواية: ((لا توعي فيوعي الله عليك، ارضخي ما استطعتِ))( ). وفي رواية أنها قالت: يا رسول الله! ما لي مالٌ إلا ما أدخل علي الزبير فأتصدق؟ قال: ((تصدقي، ولا توعي فيوعي الله عليك))( ).

وفي رواية: ((أنفقي، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك))( ). وفي رواية لمسلم: ((انفحي، أو انضحي، أو أنفقي، ولا تحصي فيُحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك))( )( ).

وقوله : ((لا توكي فيوكى عليك)) الإيكاء: شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به.

وقوله : ((لا تحصي)) الإحصاء معرفة قدر الشيء: وزناً, أو عدًّا، وهو من باب المقابلة, والمعنى النهي عن منع الصدقة خشية النفاد؛ فإن ذلك أعظم لأسباب قطع مادة البركة؛ لأن الله يثيب على العطاء بغير حساب, ومن لا يحسب عند الجزاء لا يحسب عليه عند العطاء، ومن علم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب فحقه أن يُعطي ولا يحسب، وقيل: المراد بالإحصاء عدّ الشيء؛ لأن يدخر ولا ينفق منه، وأحصاه الله: قطع البركة عنه، أو حبس مادة الرزق أو المحاسبة عليه في الآخرة( ).

قوله : ((ولا توعي فيوعي الله عليك)) والمعنى: لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازي بمثل ذلك( ).

قوله: : ((ارضخي ما استطعت)) الرضخ: العطاء اليسير، فالمعنى: أنفقي بغير إجحاف، مادمت قادرة مستطيعة( ).

قوله في رواية مسلم: ((انفحي)) النفح الضرب والرمي بالعطاء( ).

قال النووي رحمه الله: ((ولا تحصي فيحصي الله عليك ويوعي عليك)) ومعناه: يمنعك كما منعتِ، ويقتر عليك كما قترتِ، ويمسك فضله عليك كما أمسكتيه، وقيل: معنى ((لا تحصي)) أي: لا تعديه فتستكثريه فيكون سبباً لانقطاع إنفاقك( ). وفيه: الحث على النفقة في العطاء، والنهي عن الإمساك والبخل، وعن ادخار المال في الوعاء، وعن الإحصاء لمقدار الصدقة وعدها( ).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((الإحصاء هو عدّ ما أظهره من الصدقة))( ).

8 – عدم الحرص على المال، وحطام الدنيا الزائلة؛ للأحاديث الآتية:

الحديث الأول: حديث أبي هريرة ، أن النبي قال: ((قلب الشيخ شاب على حبِّ اثنتين: طول الحياة، وحب المال))( ).

الحديث الثاني: حديث أنس قال: قال رسول الله : ((يهرم ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر)). ولفظ البخاري: ((يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: حب المال وطول العمر))( ).

الحديث الثالث: حديث أنس عن رسول الله أنه قال: ((لو كان لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)). وفي لفظ لمسلم: ((لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب))( ).

الحديث الرابع: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:سمعت النبي يقول:((لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً،ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب)).وفي لفظ للبخاري:((ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب...)).ولفظ عند مسلم:((ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب...))( ).

في الأحاديث السابقة من الفوائد: أن قلب الشيخ الكبير كامل الحب للمال محتكم في ذلك كاحتكام قوة الشباب في شبابه، وفيها ذم الحرص على الدنيا وحب المكاثرة بها، والرغبة فيها، ولايزال حريصاً على الدنيا حتى يموت( ). فإذا مات كان من شأنه أن يدفن، فإذا دفن صُبَّ عليه التراب، فملأ تراب قبره جوفه، وفاه، وعينيه، ولم يبق منه موضع يحتاج إلى تراب، والله المستعان( ).

وسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يقول في تقريره على هذه الأحاديث: ((والمقصود من هذا كله: الحذر من الانشغال بالمال، والفتنة بالمال، وأن المؤمن ينبغي أن يكون أكبر همه العمل للآخرة، وألا يُشغل بالدنيا وشهواتها؛ فهو لم يخلق لها، [إنما] خلق، ليعمل فيها للآخرة، فلا ينبغي أن يُشغل بها عمَّا خلق له))( ).

الحديث الخامس: حديث عمرو بن عوف الأنصارى أن رسول الله بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله صالح أهل البحرين وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمالٍ من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافت( ) صلاة الصبح مع النبي ، فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرَّضوا له، فتبسم رسول الله حين رآهم, وقال: ((أظنُّكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء)) قالوا: أجل يا رسول الله، قال: ((فأبشروا وأمِّلُوا( ) ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها( ) كما تنافَسُوها، وتُهلككم كما أهلكتهم))( ).

وفي رواية للبخاري: ((وتُلهيكم كما ألهتهم))( ).

ظهر في مفهوم هذا الحديث التحذير من التنافس في الدنيا؛ لأن النبي قال: ((فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فوائد هذا الحديث: ((وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين))( )؛ ((لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه، فتمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة، المفضية إلى الهلاك))( ).

وقوله : ((وتلهيكم كما ألهتهم))، دليل على أن الانشغال بالدنيا فتنة، قال الإمام القرطبي رحمه الله: ((تلهيكم)) أي تشغلكم عن أمور دينكم وعن الاستعداد لآخرتكم( )، كما قال الله : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ( ).

وهذا يؤكد للمسلم أن التنافس في الدنيا والانشغال بها شرٌّ وخطرٌ؛ ولهذا قال النبي : ((إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض) قيل: وما بركات الأرض؟ قال: ((زهرة الدنيا) ثم قال: ((إن هذا المال خَضِرةٌ حُلوةٌ... من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع)) وفي لفظ لمسلم: ((...إن هذا المال خضِرٌ حلوٌ، ونعم صاحب المسلم هو, لمن أعطى منه المسكين واليتيم، وابن السبيل))، أو كما قال رسول الله ، ((وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع, [ويكون عليه شهيداً يوم القيامة])) ( ).

وعن عمرو بن العاص عن النبي أنه قال: ((نعم المال الصالح للمرء الصالح))( ).

وعن قيس بن حازم قال: دخلنا على خباب نعوده... فقال: ((إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعاً إلا التراب، ولولا أن النبي نهانا أن ندعو بالموت لدعوتُ به))، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطاً له فقال: ((إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب))( ).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة))( )، وذكر رحمه الله آثاراً كثيرة في ذم البنيان ثم قال: ((وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لا بد منه للتوطن وما يقي البرد والحر))( ).

وقد بين الله حقيقة الدنيا:

فقال :إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( ).

وقال : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ( ).

وقال : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا* الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ( ).

ولا شك أن الإنسان إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه، فعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله : ((يقول ربكم تبارك وتعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غِنىً وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلاً))( ).

وعن أبي هريرة أن النبي قال: ((إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسد فقرك))( ). قال ذلك عندما تلا: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ ( ).

ولا شك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة.

وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله يقول: ((من كانت الدنيا همه فَرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة))( ).

وقد ذم الله الدنيا إذا لم تستخدم في طاعة الله ، فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: ((ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالمٌ، أو متعلمٌ))( )، وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله ( )؛ ولهوانها على الله لم يبلِّغ رسوله فيها وهو أحب الخلق إليه، فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير( )، ومما يزيد ذلك وضوحاً وبياناً حديث سهل بن سعد يرفعه: ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء))( ). فينبغي للداعية أن لا ينافس في الدنيا، ولا يحزن عليها، وإذا رأى الناس يتنافسون في الدنيا، فعليه تحذيرهم، وعليه مع ذلك أن ينافسهم في الآخرة. والله المستعان.

الحديث السادس: حديث مطرف عن أبيه قال: أتيت النبي وهو يقرأ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قال: ((يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت))( ).

الحديث السابع: حديث أبي هريرة ، أن رسول الله قال: ((يقول العبد: مالي، مالي، إنما له من ماله ثلاثة: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأقنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس))( ).

الحديث الثامن: حديث عبدالله بن مسعود قال: قال النبي : ((أيكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله؟)) قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحبُّ إليه، قال: ((فإن ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخَّر))( ).

الحديث التاسع: حديث عائشة رضي الله عنها: أنهم ذبحوا شاةً فقال النبي : ((مَا بَقيَ منها؟)) قالت: ما بقيَ منها إلا كَتِفُهَا, قال : ((بَقِيَ كُلُّها غَيرَ كَتِفِهَا))( ).

9 – التوسط في الصدقة: فلا إسراف، ولا تقتير؛ لقول الله :

وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ( ).

فإذا أنفقوا النفقات الواجبة، أو المستحبة، لم يسرفوا بأن يزيدوا على الحد فيدخلوا في قسم التبذير، وإهمال الحقوق الواجبة، ولم يقتروا فيدخلوا في باب البخل والشح، ولكن إنفاقهم بين الإسراف والتقتير، يبذلون في الواجبات، من الزكوات، والكفارات، والنفقات الواجبة والمستحبة، وفيما ينبغي على الوجه الذي ينبغي، من غير ضرر ولا ضرار، وهذا من عدلهم واقتصادهم( ).

وقال تعالى: وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا* وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ( ).

سادساً:صدقة إطعام الطعام ثوابها عظيم:وهي على النحو الآتي:

1 – الإطعام لوجه الله تعالى ثوابه كبير، قال الله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ( ).

2 – اقتحام العقبة من أسبابه إطعام المساكين، قال تعالى:فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ *فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ( ).

3 – إطعام الجائع فيه الثواب العظيم، عن أبي موسى قال: قال رسول الله : ((فكُّوا العاني – يعني الأسير –  وأطعموا الجائع، وعودوا المريض))( ).

4 – إطعام الطعام من أسباب دخول الجنة، عن عبدالله بن سلام قال: لما قدم النبي المدينة انجفل الناس قِبَلَه، وقيل: قدم رسول الله ، قدم رسول الله ، قدم رسول الله ، ثلاثاً، فجئت في الناس؛ لأنظر، فلما تبيَّنتُ وجهه عرفتُ أن وجه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته أن قال: ((يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام))( ).

5 – أعد الله الغرف العاليات، لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وألان الكلام، وتابع الصيام المشروع، وصلى بالليل والناس نيام؛ لحديث أبي مالك الأشعري عن النبي أنه قال: ((إن في الجنة غُرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله لمن: أطعم الطعام، [وأفشى السلام]، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام))]( )، وهذا الحديث العظيم فيه حث على هذه الخصال الكريمة، منها: إطعام الطعام: للأضياف، والعيال، والفقراء، ونحوهم( ).

6 – خير الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف؛ لحديث عبدالله بن عمرو، أن رجلاً سأل النبي : أي الإسلام خير؟ قال: ((تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف))( ).

7 – ثواب إطعام الطعام عند الله تعالى يوم القيامة؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا ربِّ كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه  استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟))( ).

8 – خصال دخول الجنة في يومٍ، منها إطعام المسكين؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من أصبح اليوم منكم صائماً؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فمن اتبع منكم اليوم جنازة؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟)) قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله : ((ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة))( ).

ولفظ البخاري في الأدب المفرد: ((ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة))( ).

9 – إطعام الجائع وإسقاء الظمآن من أسباب دخول الجنة؛ لحديث البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله فقال: يا رسول الله! علمني عملاً يدخلني الجنة, قال: ((إن كنت أقْصَرْتَ الخطبة لقد أعْرضت المسألة: أعتق النّسمة، وفُكَّ الرقبة، فإن لم تُطِق ذلك، فأطعم الجائع، وأسْقِ الظمآن)) الحديث( ).

10 – إدخال السرور على المؤمن المسكين بإطعامه سبب لدخول الجنة؛ لحديث عمر بن الخطاب قال: سئل رسول الله : أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إدخالك السرور على مؤمن؛ أشبعت جوعته، أو كسوت عورته، أو قضيت له حاجة))( ). وغير ذلك كثير في فضل إطعام الطعام.

سابعاً:الصدقة على الحيوان،بالسقي والإطعام، والإحسان، فيه أحاديث منها ما يأتي:

1 – دخل رجل الجنة بسقي كلب؛ لحديث أبي هريرة أن رسول الله قال: ((بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث( ) يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي، فنزل البئر فملأ خُفَّهُ ماءً ثم أمسكه بفيه ثم رَقِيَ فسقى الكلب فشكر الله له، فغفر له)) قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: ((في كلِّ كَبِدٍ رطبةٍ أجر))( ). وفي لفظ للبخاري: ((فشكر الله له فأدخله الجنة))( ).

2 – دخلت امرأة بغي الجنة بسقي كلب؛ لحديث أبي هريرة ، قال النبي : ((إن امرأة بغيًّا رأت كلباً في يوم حارٍّ يُطيف ببئرٍ قد أدلع لسانه من العطش, فنزعت له بموقها، فغفر لها))( ).

وفي لفظ البخاري: ((غُفِر لامرأةٍ مومِسَةٍ مرت بكلب على رأس رَكيٍّ كاد يقتله العطش، فنزعت خفها فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء فَغُفِر لها بذلك))( ).

3 – دخلت امرأة النار بحبس هرة؛ لحديث أبي هريرة ، أن رسول الله قال: ((عُذِّبت امرأة في هرة لم تطعهما ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض))( ).

ومن حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: ((عُذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خُشاش الأرض))( ).

4 – ثواب كبير لمن غرس غرساً فأُكل منه؛ لحديث أنس قال: قال رسول الله : ((ما من مسلم يغرس غرساً أو زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة))( ).

ثامناً: صدقة: القرض الحسن، والعارية، والمنيحة:على النحو الآتي:

1 – أجر القرض مثل إعتاق الرقبة؛ لحديث البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله يقول: ((من مَنحَ منيحةَ لبنٍ( ) أو وَرِق( )، أو هَدَى زُقاقاً( ) كان له مِثل عِتقِ رقبةٍ))( ).

2 – كل قرض صدقة؛ لحديث عبدالله بن مسعود ، أن النبي قال: ((كلُّ قرض صدقة))( ).

3 – القرض يضاعف أضعافاً في الأجر؛ لحديث أبي أمامة عن النبي قال: ((دخل رجل الجنة فرأى على بابها مكتوباً: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر))( ).

4 – من أقرض مسلماً مرتين كان كصدقة بهذا المال مرة؛ لحديث عبدالله بن مسعود ، أن النبي قال: ((ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة))( ).

5 – الأجر العظيم لمن منح منيحة ابتغاء وجه الله تعالى؛ لحديث أبي هريرة : ((ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة تغدو بعسٍّ وتروح بعسٍّ( )، إن أجرها لعظيم))( ).

وعنه يرفعه: ((من منح منيحة غدت بصدقة, وراحت بصدقة: صبوحها( ) وغبوقها))( ).

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة)) قال حسان – أحد رواة الحديث – فعددنا ما دون منيحة العنز من: ردِّ السلام، وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق، ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة))( ).

وعن أبي سعيد قال: جاء أعرابي إلى النبي فسأله عن الهجرة؟ فقال: ((ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟)) قال: نعم، قال: ((فتعطي صدقتها؟)) قال: نعم، قال: ((فهل تمنح منها شيئاً؟)) قال: نعم، قال: ((فتحلبها يوم وردها؟)) قال: نعم، قال: ((فاعمل من وراء البحار؛ فإن الله لن يترك من عملك شيئاً))( ).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي خرج إلى أرضٍ تهتزُّ زرعاً فقال: ((لمن هذه؟)) فقالوا: اكتراها فلان، فقال: ((أما إنه لو منحها إيَّاه كان خيراً له من أن يأخذ عليها أجراً معلوماً))( ).

6 – التنفيس عن المعسر أو الوضع عنه ينجي الله به من كرب يوم القيامة؛ لحديث أبي قتادة عن النبي أنه قال: ((من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفِّس عن معسر، أو يضع عنه))( )؛ ولحديث حذيفة قال: قال النبي : ((تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئاً؟ قال: كنت آمر فتياني أن يُنظِرُوا، ويتجاوزوا عن الموسر, قال: ((فتجاوزوا عنه)) وفي لفظ: ((أُنظِر الموسر وأتجاوز عن المعسر)). وفي لفظ: ((فكنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور) قال: ((تجاوزوا عن عبدي)) وفي لفظ: ((أنا أحق بذلك منك, تجاوزوا عن عبدي)). وفي لفظ: ((... فأنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة))( ).

7 – إنظار المعسر أو الوضع عنه يُظِلُّ الله به في ظل عرشه؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله يوم القيامة في ظلِّ عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظِلُّه))( ).

وعن بريدة عن النبي أنه قال: ((من أنظر معسراً فله كل يوم صدقة قبل أن يحلَّ الدين، فإذا حل الدين فأنظره بعد ذلك فله كل يوم مثليه صدقة))( ).

تاسعاً: الصدقة الجارية والوقف لله تعالى:

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر بخيبر أرضاً، فأتى النبي فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)) فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها، ولا يُوهب، ولا يُورث [ولكن يُنفق ثمره] في الفقراء، والمساكين، والقربى, والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جُناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يُطعم صديقاً غير متموّل فيه))( ). ومعنى أنفس: النفيس: الكريم على أهله العزيز عندهم، وحبس: الحبس: الوقف، يريد أن يقف أصل الملك، وسبَّل يسبِّل الثمرة: أي يجعلها مباحة لمن وقفها عليه( ).

وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلاّ من صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له))( ).

عاشراً:الصدقة من صفات المؤمنين المتقين المحسنين على النحو الآتي:

1 – قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ( ).

2 – وقال سبحانه: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( ).

3 – وقال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ*الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( ).

4 – وقال تعالى:وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( ).

5 – وقال سبحانه: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ( ).

6 – وقال تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( ).

7 – وقال سبحانه: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( ).

8 – وقال تعالى: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ( ).

الحادي عشر: صدقة الوصية بعد الموت: للأحاديث الآتية:

الحديث الأول: حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: ((ما حقُّ امرئ مسلم له شيء يريد أن يُوصي فيه، يبيت لليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده))( ).

الحديث الثاني: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم))( ).

الحديث الثالث: حديث سعد، لا يزيد على الثلث؛ لقول النبي لسعد بن أبي وقاص : ((...الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)). وفي لفظ: ((الثلث والثلث كثير: إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة، وإنك إن تدع أهلك بخير – أو قال بعيش – خير من أن تدعهم يتكففون الناس)) وقال: ((بيده))( ).

الثاني عشر:الهدية، والعطية، والهبة، والوصية: صدقات بالنية، فإذا احتسبها المسلم يرجو ثوابها عند الله تعالى كانت صدقات تطوع.

العطيَّة: جمع عطايا وعطيات: وهي ما يُعطى بغير عوضٍ: سواء: كانت هبة، أو هدية، أو صدقة( ).

الهبة: مصدر وهب يهب هبة؛ والجمع هبات، وهي: تمليك في الحياة بغير عوض( ).

وقال ابن الأثير: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض( ).

الهدية: مصدر: أهدى، يهدي، هدية، وهي العطية بغير عوضٍ: تقرباً إلى المهدى إليه، أو صلة أو إكراماً( ).

فعن أبي هريرة ، عن النبي قال: ((تهادوا تحابوا))( ).

الوصية:جمع وصايا،الوصل:وهي تمليك للغير مضاف لما بعد الموت( ).

الصدقة: العطية التي يبتغى بها المثوبة عند الله تعالى( ).

وهذه التبرعات تكون صدقة بالنية، فإذا أعطاها المسلم بنية التقرب لله تعالى كانت صدقة تطوع يثاب عليها.

وهناك فروق بين هذه التبرعات على النحو الآتي:

1 – العطية: تشمل هذه الأسماء كلها إلا الوصية، فالعطية: ما يُعطى في الحياة بغير عوض، سواء كانت: هبة، أو هدية، أو صدقة.

2 – كل ما جاز عقد البيع عليه، جازت هبته والوصية به.

3 – الهبة أو العطية أو الهدية: التبرع بماله حال الحياة والصحة، والوصية التبرع به بعد الوفاة.

4 – الهبة والعطية والهدية يعتبر لها القبول حال الحياة، أما الوصية فمحل قبولها وردها بعد الموت.

5 – الوصية تكون من الثلث فأقل لغير وارث، أما العطية وما يدخل تحت مسماها من الهدية والهبة فتجوز بجميع ماله إلا أنه يجب عليه أن يسوِّي في عطيته بين أولاده بقدر إرثهم؛ لقوله : ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم))( ).

6 – صحة وصية الصغير المميز دون هبته؛ لأن الهبة امتنعت منه لحفظ ماله، أما الوصية فإنما تثبت بعد موته وفيه مصلحة محضة له.

7 – العطية في مرض الموت المخوِّف تشارك الوصية في أكثر الأحكام، وإنما تفارقها بأمر يعود إلى نفس العقد، من اشتراط قبولها حينها، ومن تقديم الأوَّل على الثاني عند المزاحمة.

8 – أحكام الهدية، والهبة، والصدقة، والعطية متفقة إلا إذا كانت في مرض الموت فكما تقدم، ويفرق بينها بفروق لطيفة: فما قصد به إكرام الـمُعطى ومحبته فهو الهدية، وما قصد به ثواب الآخرة المجرد فهو الصدقة، والغالب فيها: أن الـمُعطى يكون محتاجاً، بخلاف: الهدية، والهبة، والعطية، والله أعلم( ).

ولا يجوز أن يعود في الصدقة، أو الهدية، أو الهبة، أو العطية؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله : ((العائد في هبته كالكلب يقيءُ ثم يعود في قَيْئهِ)). ولفظ للبخاري: ((ليس لنا مثل السَّوء الذي يعود في هبته، كالكلب يقيء ثم يرجع في قَيْئه)). وفي لفظ لمسلم: ((إن مثل الذي يتصدق بصدقة ثم يعود في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يأكل قَيْئه))( ).

أما الأولاد فيجوز الرجوع فيما يعطيهم الوالد؛ لحديث عبدالله بن عمر وابن عباس عن النبي قال: ((لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية أو يهب الهبة ثم يرجع فيها, إلا الوالد فيما يُعطي ولده, كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قَيْئه))( ).

الثالث عشر: أنواع صدقات التطوع:  كثيرة على النحو الآتي:

1 – الصدقة بالمال على حسب أنواعه، والحاجة إليه، وما يحتسبه الإنسان من النفقات، والهبات يرجو ثوابها عند الله ، وتقدمت الأحاديث الكثيرة في ذلك.

2 – جميع أنواع المعروف تكون صدقة؛ لحديث حذيفة ، قال: قال نبيكم : ((كل معروف صدقة))( )، كل معروف له حكم الصدقة في الثواب، فلا يحتقر شيئاً من المعروف، ولا يبخل به( ).

3 – التسبيح، والتهليل، والتكبير، والتحميد، من الصدقات؛ لحديث أبي ذر أن ناساً من أصحاب النبي قالوا للنبي : يا رسول الله، ذهب أهل الدثور( ) بالأجور يصلون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: ((أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بِضع أحدكم صدقة)) قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر))( ).

4 – خُلِقَ الإنسانُ على ثلاثمائة وستين مفصلٍ على كل مفصل صدقة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله قال: ((إنه خُلِقَ كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله ، وعزل حجراً عن طريق الناس، أو شوكة، أو عظماً عن طريق الناس، وأمر بمعروفٍ، أو نهى عن منكرٍ، عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار))( ).

5 – الإمساك عن الشر صدقة؛ لحديث أبي موسى الأشعري قال: قال النبي : ((على كل مسلم صدقة)) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((فليعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق)) قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: ((يعين ذا الحاجة الملهوف)) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((فليأمر بالخير)) أو قال: ((بالمعروف) قال: فإن لم يفعل؟ قال: ((فليمسك عن الشر فإنه له صدقة))( ).

6 – العدل بين الناس، وإعانتهم، والكلمة الطيبة: صدقات؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((كل سلامى( ) من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة))( ).

7 – صلاة الضحى تُجزيء عن ثلاثمائة وستين صدقة؛ عن أبي ذر عن النبي أنه قال: ((يصبح على كل سلامى( ) من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويُجزىءُ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى))( ).

وعن بريدة قال: سمعت رسول الله يقول: ((في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل بصدقة)). قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: ((النخاعةُ في المسجد تدفنها، والشيء تُنحّيه عن الطريق؛ فإن لم تجد فركعتا الضحى تُجزئك))( ).

8 – التسبيح والتكبير، والتحميد في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة يجزئ عن الصدقات بأموال كثيرة، لمن لم يجد المال؛ لحديث أبي هريرة في قصة فقراء المهاجرين وأنهم أتوا رسول الله فقالوا: ذهب أهل الدثور( ) من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم [فقال: ((وما ذاك؟)) قالوا:] يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، فقال: ((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((تسبحون، وتكبرون، وتحمدون في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)) فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله : ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء))( ).

9 – الدلالة على فعل الصدقات صدقات مثلها؛ لحديث أبي مسعود ، عن النبي قال: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله))( ).

10 – لا يترك الله تعالى من العمل شيئاً؛ لحديث أبي سعيد الخدري عن النبي : ((...فاعمل من وراء البحار, فإن الله لن يترك من عملك شيئاً))( ).

الرابع عشر: مبطلات الصدقات على النحو الآتي:

1 – الرياء يبطل الصدقة إذا قارنها؛ فقد ذم الله تعالى من فعل ذلك, فقال: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا * وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ( ). وقال تعالى: كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( ).

وقال سبحانه: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( )؛ ولحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه))( ).

2 – المَنُّ والأذى يبطل الصدقات؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ( ).

وقد مدح الله الذين ينفقون أموالهم إخلاصاً لله، ولا يتبعون ذلك بأي أذى فقال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ( ).

وعن أبي ذر عن النبي قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)) قال: فقرأها رسول الله ثلاث مرات، قال: أبو ذرٍّ: خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: ((المسبل إزاره، والمنَّان، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب))( ).

3 – الغلول لا تقبل الصدقة منه؛ لحديث عبدالله ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال: ((لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول))( ).

الخامس عشر: موضوعات متنوعة في الصدقات، منها:

1 – المبادرة بالصدقة واغتنام إمكانها قبل أن يُحال بين المسلم وبينها؛ لحديث حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله يقول: ((تصدقوا فيوشك الرجل يمشي بصدقته فيقول الذي أعطيها لو جئتنا بها بالأمس قبلناها، فأما الآن فلا حاجة لي بها فلا يجد من يقبلها))( ).

وعن أبي موسى عن النبي قال: ((ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بصدقته من الذهب ثم لا يجد أحداً يأخذها منه، ويُرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به( ) من قلة الرجال وكثرة النساء))( ).

وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً))( ).

قال النووي رحمه الله: ((حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً)) معناه والله أعلم: ((أنهم يتركونها ويعرضون عنها فتبقى مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياهها؛ وذلك لقلة الرجال وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك، والاهتمام به))( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطعت يدي، ثم يدعونه ولا يأخذون منه شيئاً))( ).

قال النووي رحمه الله: ((ومعنى الحديث: التشبيه: أي تخرج ما في جوفها من القطع المدفونة فيها، والأسطوان بضم الهمزة، وهي جمع أسطوانة، وهي السارية والعمود، وشبهه بالأسطوان؛ لعظمه وكثرته))( ).

2 – ضرب المثل للمنفق والبخيل، يرغب في الصدقة ويحذر عن البخل؛ لحديث أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول: ((مثل البخيل والمنفق [وفي رواية البخيل والمتصدق] كمثل رجلين عليهما جُبَّتان [وفي رواية: جنتان] من حديد [قد اضطرت أيديهما] من ثُديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أَوْ وفَرَتْ على جلده حتى تخفي بنانه، وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كلُّ حلقة مكانها [وانضمت يداه إلى تراقيه] فهو [يجتهد أن] يوسعها ولا تتسع)) قال [أبو هريرة : فأنا رأيت رسول الله يقول بإصبعه: هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا تتسع))]( ).

قيل: هو تمثيل لنماء المال بالصدقة والإنفاق، والبخل بضد ذلك.

وقيل: هو تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء وتعوّد ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادة له.

وقيل: معنى يمحو أثره: أي يذهب بخطاياه ويمحوها, والحديث جاء على التمثيل لا على الخبر عن كائن.

وقيل: ضرب المثل بهما؛ لأن المنفق يستره الله تعالى بنفقته، ويستر عوراته في الدنيا والآخرة، كستر هذه الجنة لابسها، والبخيل كمن لبس جبة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفاً بادي العورة مفتضحاً في الدنيا والآخرة( ).

وقيل: هذا مثل ضربه النبي للبخيل والمتصدق، فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعاً يستتر به من سلاح عدوِّه، فصبها على رأسه ليلبسها، والدرع أول ما تقع على الصدر والثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لبس درعاً سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله: ((حتى تعفوَ أثره)) أي تستر جميع بدنه. وجعل البخيل كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه, كلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته، وهو معنى قوله: ((قلصت)) أي: تضامت واجتمعت، والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره وطابت نفسه، فتوسعت في الإنفاق، والبخيل إذا حدَّث نفسه بالصدقة شحت نفسه فضاق صدره وانقبضت يداه وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( )( ).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((هذا مثل عظيم لانشراح نفس المنفق ومحبته [للنفقة] ومثل لضيق صدر البخيل الممسك، والعلاج: أن يذكر أن الله الذي أعطاه المال، ويسأل ربه أن يشرح صدره))( ).

وسمعته في موضع آخر يقول: ((البخيل كلما أراد أن يتصدق ضاق صدره ومنعه الشحّ، وخوفه من المستقبل، والكريم كلما أراد أن يتصدق انشرح صدره، وزاده ثقة بالله))( ).

3 – ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها؛ لحديث أبي هريرة أن رسول الله قال: ((قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق الليلة على زانية، قال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيٍّ، فأصبحوا يتحدثون، تُصُدِّق على غني، قال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد: على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأُتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت: أما الزانية فلعلها تستعفف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق يستعفف بها عن سرقته))( ).

قال النووي رحمه الله: ((... فيه ثبوت الثواب في الصدقة وإن كان الآخذ فاسقاً وغنياً... وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة فلا يُجزىء دفعها إلى غني))( ). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض، ولا دلالة في الحديث على الإجزاء ولا على المنع))( ).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((والظاهر أن صدقته تجزئ عن الفرض؛ لأنه لم يتعمد مخالفة الشرع؛ ولأن الله قبل صدقته، والزانية والسارق إذا كانا فقيرين تدفع لهما الزكاة))( ).

4 – إذا تصدَّق على ابنه وهو لا يشعر، فعن معن بن يزيد قال: بايعت رسول الله ، أنا، وأبي، وجدي، وخطب عليَّ فأنكحني( ) وخاصمت إليه( ) وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئتُ فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إيَّاك أردت. فخاصمته إلى رسول الله فقال: ((لك ما نويتَ يا يزيد، ولك ما أخذتَ يا معن))( ).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((هذه صدقة تطوع، ولعل ابنه كان فقيراً، ولا تلزم والده نفقته؛ لأنه لا يستطيع الإنفاق عليه؛ لأنه معطل عن الكسب))( ).

5 – صدقة الخازن إذا تصدق بأمر صاحب المال؛ لحديث أبي موسى عن النبي قال: ((الخازن المسلم، الأمين الذي ينفذ  - وربما قال: يعطي – ما أُمر به كاملاً، موفَّراً طيباً به, فيدفعه إلى الذي أُمر له به أحد المتصدقين))( ).

6 – أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسدٍ؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي : ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت, ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعضٍ شيئاً))( ).

7 – أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي : ((إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة، لها أجرها، وله مثله، وللخازن مثل ذلك، له بما كسب ولها بما أنفقت))( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((واعلم أنه لا بد للعامل وهو الخازن، وللزوجة، والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن أذِنَ أصلاً فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة, بل عليهم وزر بتصرفهم في مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان: أحدهما: الإذن الصريح في النفقة والصدقة، والثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف، والعادة، كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به، واطرد العرف فيه، وعُلِمَ بالعرف رضاء الزوج والمالك به، فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم، وهذا إذا علم رضاه، لاطراد العرف، وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك والرضا به، فإن اضطرب العرف وشك في رضاه أو كان شخصاً يشح بذلك، وعلم من حاله ذلك أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه))( ).

8 – صدقة العبد بإذن مواليه؛ لحديث عمير مولى أبي اللخم قال: كنت مملوكاً فسألت رسول الله : أأتصدق من مال مواليِّ بشيء؟ قال: ((نعم، والأجر بينكما نصفان))( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((هذا محمول على ما سبق أنه استأذن في الصدقة بقدر يعلم رضا سيده به))( ).

قال النووي رحمه الله: ((والأجر بينكما نصفان أي لكل منكما أجر, وليس المراد أن أجر نفس المال يتقاسمانه))( ).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له))( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((معناه من غير إذنه الصريح في ذلك القدر المعين, ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره...))( ).

وسمعت شيخنا رحمه الله يقول في قوله : ((إذا تصدقت المرأة من طعام زوجها... الحديث)): ((هذا إذا أمر الزوج [بذلك] أو كان عليه العرف، وإذا علم لم يمنع))( ).

9 – من أنفق زوجين في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة؛ لحديث أبي هريرة ، أن رسول الله قال: ((من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبدالله هذا خير: فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة)) قال أبو بكر عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة؟ فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكون منهم))( ).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((والمراد بالزوجين: إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد))( ).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يذكر أن الزوجين: كثوبين، أو درهمين، أو شاتين، والمراد نوعين من المال، والظاهر أنه زوجين من مال واحد، ولعل الأقرب من المراد بقوله ((في سبيل الله)) أنه طاعة الله، وإذا كان في الجهاد فهو أولى، وقُرئ عليه وأنا أسمع: قال العيني في شرح البخاري: ((الزوجان: إن كان صاحب إبل فبعيرين، وإن كان صاحب بقر فبقرتين، وإن كان صاحب خيل ففرسين) فقال شيخنا: ((والمقصود أن فضل الله واسع))( ).

10 – صدقة كفالة اليتيم؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة)) وأشار مالك بالسبابة والوسطى( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((اللهم إني أُحرِّج( ) حق الضعيفين: اليتيم والمرأة))( ).

11 – الساعي على الأرملة والمسكين، له الأجر العظيم؛ لحديث أبي هريرة قال: قال النبي : ((الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار)). وفي لفظ للبخاري: ((وأحسبه قال – يشك القعنبيُّ: ((كالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر) وفي لفظ للبخاري: ((أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل)). ولفظ مسلم: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله – وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر والصائم لا يفطر))( ).

12 – الصدقة الخالصة سماها الله قرضاً حسناً؛ لقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ( ).

وقال تعالى: وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ( ).

وقال تعالى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ( ).

قال العلامة السعدي رحمه الله في القرض الحسن: ((وهي النفقة الطيبة، التي تكون خالصة لوجه الله، موافقة لمرضاة الله، من مال حلال طيب، طَيـِّبةً به نفسه، وهذا من كرم الله تعالى حيث سماه قرضاً، والمال ماله، والعبد عبده، ووعد بالمضاعفة عليه أضعافاً كثيرة، وهو الكريم الوهاب، وتلك المضاعفة محلها وموضعها يوم القيامة، يوم كلّ يتبيَّن فقره ويحتاج إلى أقل شيء من الجزاء الحسن))( ). وقال في موضع آخر عن القرض الحسن: ((كل نفقة كانت من الحلال إذا قصد بها العبد وجه الله تعالى، وطلب مرضاته ووضعها في موضعها))( ).

قال الله تعالى: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء ( ). وقال تعالى: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ( ).

وقال تعالى: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( ).

13 – لا يشتري المسلم صدقته؛ لحديث عمر بن الخطاب قال: حملت( ) على فرس عتيقٍ في سبيل الله فأضاعه صاحبه( )، فظننت أنه بائعه برُخصٍ، فسألت رسول الله عن ذلك فقال: ((لا تبتعه ولا تعد في صدقتك؛ [وإن أعطاكه بدرهم] فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه))( ).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((الحاصل أن النهي عن شراء الصدقة عام, فلا يجوز شراء الصدقة التي تصدق بها مطلقاً: لا بنية الصدقة, [بها], ولا غيرها؛ لأن البائع يتسامح مع المتصدق، والنهي يعم الصدقة والهبة جميعاً))( ).

14 – الشفاعة في الصدقة؛ لحديث أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله إذا جاءه السائل أو طُلبت إليه حاجته قال: ((اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء))( ).

قال النووي رحمه الله: ((فيه استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة، سواء كانت الشفاعة إلى سلطان ووالٍ ونحوهما, أم إلى واحد من الناس، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كفِّ ظلم، أو إسقاط تعزير، أو في تخليص عطاءٍ لمحتاج، أو نحو ذلك، وأما الشفاعة في الحدود فحرام، وكذلك الشفاعة في تتميم باطل أو إبطال حق, ونحو ذلك فهي حرام))( ).

قال الله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

مُقِيتًا ( ). قال البخاري رحمه الله: كِفْلٌ نصيب، قال أبو موسى

كِفْلَيْنِ ( ): أي: أجرين بالحبشية))( ). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((...أراد المصنف أن الكفل يُطلق ويراد به النصيب، ويُطلق ويراد به الأجر، وأنه في آية النساء بمعنى الجزاء، وفي آية الحديد بمعنى الأجر))( ).

15 – صدقة الكافر يثاب عليها إذا أسلم ومات على الإسلام؛ لحديث حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله! أرأيت أموراً كنت أتحنَّث( ) بها في الجاهلية: من صدقةٍ، أو عتاقةٍ، أو صلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال رسول الله : ((أسلمت على ما أسلفت من خير)). وفي لفظ: ((أسلمت على ما سلف من خير))( ).

16 – الصدقة على السائل ولو أفحش في المسألة؛ لحديث عمر بن الخطاب ، قال: قسم رسول الله قسماً، فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحقَّ به منهم؛ قال: ((إنهم خيَّروني بين أن يسألوني بالفحش أو يبخِّلوني فلست بباخل))( ).

وعن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله وعليه رداءٌ نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة نظرت إلى صفحة عنق رسول الله وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ، فضحك ثم أمر له بعطاء))( ).

17 – الصدقة إذا بلغت محلها جازت لمن حُرِّمت عليه؛ لحديث أم عطية رضي الله عنها، قالت: بعث إليَّ رسول الله بشاة من الصدقة فبعثتُ إلى عائشة منها بشيء، فلما جاء رسول الله إلى عائشة قال: ((هل عندكم شيء؟)) قالت: لا، إلا أن  نُسيبَةَ بعثتْ إلينا من الشاة التي بعثتم بها إليها قال: ((إنها قد بلغت محِلَّها)). وفي لفظ للبخاري: ((هل عندكم شيء؟)) فقالت: لا، إلا شيء بعثت به إلينا نسيبة من الشاة التي بعَثْتَ بها من الصدقة، فقال: ((إنها قد بلغت محلَّها))( ).

وعن أنس قال: أهدت بريرة إلى النبي لحماً تُصدِّق به عليها، فقال: ((هو لها صدقة، ولنا هدية))( ).

18 – الصدقة في عشر ذي الحجة؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله : ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام – يعني أيام العشر -)) قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء))( ).

19 – الصدقة في رمضان؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي أجود الناس [بالخير] و[كان] أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة( )))( ).

20 – الصدقة على الجيران؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله يقول: ((مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ليورثنَّه))( ).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه))( ).

21 – فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. فكل صدقة يقدمها المسلم لله تعالى يثاب عليها, ولو كانت وزن ذرة من الخير؛ ولهذا جاء في حديث أبي هريرة يرفعه إلى النبي : ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار...)) الحديث وفيه: قيل: يا رسول الله! فالحُمْر؟ قال: ((ما أنزل عليَّ في الحُمُر شيء, إلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( )( ))).

22 – مصارف صدقة التطوع مصارف عامة، تشمل أصناف أهل الزكاة الثمانية، والأصناف التي لا يصح دفع الزكاة إليهم: من الكفار غير الحربيين، وآل النبي محمد : وهم بنو هاشم ومواليهم، والمماليك، والأغنياء، والمرأة الفقيرة التي تحت غني منفق، ومن تلزم نفقتهم: من الأصول وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، والزوجة والزوج، وأصحاب المعاصي الذين يستخدمونها في طاعة الله، والجهات الخيرية. كبناء المساجد، وإصلاح الطرق، وتجهيز الأموات، والإنفاق على دور وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وطباعة المصاحف، والكتب العلمية النافعة، وغير ذلك من جهات الخير.

فصدقة التطوع لا تحصر في أشخاص بعينهم، ولا في جهات محددة، إنما تصرف في كل ما يحبه الله تعالى من وجوه الخير، حتى في الإحسان إلى الحيوانات، والطيور. وغير ذلك. والله تعالى الموفق للصواب.

السادس عشر: صدقة إعتاق الرقاب:

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: ((وقد ورد في ثواب الإعتاق، وفك الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضوٍ عضواً من معتقها، حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا؛ لأن الجزاء من جنس العمل وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ

تَعْمَلُونَ ( )( ) ومن الأدلة التي ترغب في الإعتاق وفضله ما يأتي:  

1 - قال الله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ( ).

فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة: من فك الرقاب وإطعام السغبان ، فيكون خيراً له من عداوة محمد ، هذا قول ابن زيد وجماعة، وقيل: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة هنا مثل ضربه الله لمجاهدة: النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، تقول: لم يحمل على نفسه المشقة, بعتق الرقبة والإطعام، وهذا معنى قول قتادة، وقيل: إنه شبه ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة, وأطعم كان كمن اقتحم العقبة، وجاوزها، وقيل غير ذلك( ) قال العلامة السعدي رحمه الله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي لم يقتحمها ويعبر عليها؛ لأنه متبع لشهواته، وهذه العقبة شديدة عليه، ثم فسر [هذه] العقبة بقوله: فَكُّ رَقَبَةٍ أي فكها من الرق, بعتقها, أو مساعدتها على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار)( ) وقال قتادة: إنها عقبة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُثم أخبر تعالى عن اقتحامها, فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ ( ).   

2 ــ لعظيم أجر عتق الرقاب جعل الله تعالى إعتاقها من: كفارة القتل( ) وكفارة اليمين( ) وكفارة الظهار( ). وجعلها النبي من كفارة الوطء في نهار رمضان( ).

3 ــ جعلها الله تعالى من أعمال البر والتقوى( ).

4 ــ جاءت فيها الأحاديث الكثيرة جدًّا منها ما يأتي:

الحديث الأول: عن البراء بن عازب ، قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: ((لئن أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة: أعتق النسمة، وفُكَّ الرقبة)) فقال: يا رسول الله! أو ليستا واحدة؟ فقال: ((لا، عتق النسمة أن تفرَّد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها...))( ).

الحديث الثاني: عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله : ((ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف))( ).

الحديث الثالث: عن أبي هريرة ، عن النبي قال: ((من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضوٍ منه عُضْواً من النار، حتى فرجه بفرجه)). قال سعيد بن مرجانة: فانطلقت به إلى علي بن الحسين فعمد علي بن الحسين رضي الله عنهما إلى عبدٍ له قد أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار فأعتقه)) ( ).

الحديث الرابع: عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي قال: ((أيما امرئ مسلمٍ أعتق امرأً مسلماً كان فكاكه من النار، يجزىء كل عضوٍ منه عضواً منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزىء كل عضوٍ منهما عضواً منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، يجزىء كل عضوٍ منها عضواً منها))( ).

الحديث الخامس: عن أبي ذر قال: سألت رسول الله : أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله وجهاد في سبيله)) قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: ((أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها)) قلت: فإن لم أفعل؟ قال: ((تعين صانعاً أو تصنع لأخرق)) قال: فإن لم أفعل؟ قال: ((تدع الناس من شرك؛ فإنها صدقة تصدَّق بها على نفسك)) ( ).

السابع عشر: المنافسة العظيمة في الصدقات:

          1 – صدقات أبي بكر ، عندما أسلم أبو بكر كان من أثرى أثرياء قريش، فكانت عنده أموال كثيرة، وقد كان في منزلهِ يوم أسلم أربعون ألف درهم أو دينار، فاستخدم أمواله كلها في طاعة الله، ومن ذلك صدقاته الآتية:

الصدقة الأولى: إنفاق ماله في إعتاق الرقاب:

          أعتق رقاباً كثيرة، حُفِظَ منها سبع رقاب: بلال، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والهندية, وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبدالدار، وجارية بني مؤمل، وأم عبيس، رضي الله عن الجميع.

          وقد كانت هذه الرقاب يُعذّب معظمها على إسلامها، فأنقذها الله بأبي بكر الصديق , وأخذ ينفق أمواله في خدمة الإسلام والمسلمين( ).

الصدقة الثانية: إنفاق جميع ماله في الهجرة مع رسول الله :

          حمل الباقي من ماله عندما هاجر مع النبي إلى المدينة، ولم يبق لأهله شيئاً، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: لما خرج رسول الله وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر معه ماله كله، خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبت، قد ترك لنا خيراً كثـيراً، قالـت: فأخذت أحجاراً فجعلتها فـي  كوة( ) في البيت – كان أبي يجعل فيها ماله – ثم جعلت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يا أبت يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إن ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ، قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكن أردت أن أسكِّن الشيخ بذلك))( ).

الصدقة الثالثة: تصدُّقه بماله كله وعمر بالنصف في غزوة تبوك:

عن عمر بن الخطاب قال: أمرنا رسول الله أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله : ((ما أبقيت لأهلك؟)) قلت: مثله. قال: وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله : ((ما أبقيت لأهلك؟)) قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبداً))( ).

وأبو بكر أولى الأمة بقوله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ( ).

2 – صدقات عثمان :

          كان عثمان من الأغنياء الذين أغناهم الله ، وكان صاحب تجارة وأموال طائلة؛ ولكنه استخدم هذه الأموال في طاعة الله ابتغاء مرضاته وما عنده، وصار سبَّاقاً لكل خير، ينفق ولا يخشى الفقر.

ومما أنفقه من نفقاته الكثيرة على سبيل المثال ما يأتي:

الصدقة الأولى: عندما قدم النبي المدينة وجد أن الماء العذب قليل، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله : ((من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة))( ).

وقال : ((من حفر بئر رومة فله الجنة))( ).

وقد كانت رومة قبل قدوم النبي المدينة لا يشرب منها أحد إلا بثمن، فلما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي : ((تبيعنيها بعين في الجنة؟)) فقال: يا رسول الله! ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: ((نعم) قال: قد جعلتها للمسلمين( ).

وقيل: كانت رومة ركيَّة ليهودي يبيع المسلمين ماءها، فاشتراها عثمان بن عفان من اليهودي بعشرين ألف درهم، فجعلها للغني والفقير وابن السبيل( ).

الصدقة الثانية: توسعته لمسجد رسول الله : بعد أن بنى رسول الله مسجده في المدينة فصار المسلمون يجتمعون فيه، ليصلوا الصلوات الخمس، ويحضروا خطب النبي التي يُصدر إليهم فيها أوامره ونواهيه، ويتعلمون في المسجد أمور دينهم، وينطلقون منه إلى الغزوات ثم يعودون بعدها؛ ولذلك ضاق المسجد بالناس، فرغب النبي من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد؛ لكي تزاد في المسجد حتى يتسع لأهله، فقال : ((من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة))، فاشتراها عثمان بن عفان من صلب ماله( ) بخمسة وعشرين ألف درهم، أو بعشرين ألف، ثم أضيفت للمسجد( ).

ووسع على المسلمين وأرضاه( ).

الصدقة الثالثة: الصدقة العظيمة الكثيرة في غزوة تبوك عندما أراد رسول الله الرحيل إلى غزوة تبوك حث الصحابة الأغنياء على البذل؛ لتجهيز جيش العسرة، الذي أعده رسول الله لغزو الروم، فأنفق أهل الأموال من صحابة رسول الله كلٌّ على حسب طاقته وجهده.

أما عثمان بن عفان فقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فقد ثبت أنه أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي ، فأخذ النبي يُقلّبها في حجره، ويقول: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم؟)) قالها مراراً( ).

وهذه نفقة عظيمة جداً تدل على صدق عثمان وقوة إيمانه، ورغبته فيما عند الله تعالى وإيثار الآخرة على الدنيا، فرضي الله عنه وأرضاه، فقد حصل على الثواب العظيم والجزاء الذي ليس بعده جزاء: ((من جهز جيش العسرة فله الجنة))( ).

3- حكم الصدقة بجميع المال( ).

4- حكم صدقة المرأة من مالها دون إذن زوجها( ).

الثامن عشر: وصول ثواب الصدقات عن الأموات إليهم لما يأتي:

1 – ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء؛ لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله يقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ( ). وقال رسول الله : ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه))( ).

2 – عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رجلاً قال: إن أمي افتلتت( ) نفسها [ولم تُوصِ]، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقتُ عنها [ولي أجر]؟ قال: ((نعم)[فتصدَّق عنها]))( ).

3 – عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن سعد بن عبادة  - أخا بني ساعدة – توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: ((نعم) قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف( ) صدقةٌ عليها))( ).

4 – عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: ((نعم)) قلت: فأي صدقة أفضل؟ قال: ((سقي الماء)) فتلك سقاية سعد بالمدينة( ).

5 – عن أبي هريرة : أن رجلاً قال للنبي : إن أبي مات وترك مالاً ولم يُوصِ فهل يُكفِّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: ((نعم))( )( ).

التاسع عشر: القناعة والعفة:

1- مفهوم القناعة: هي الرضا بما قسم الله تعالى وراحة القلب بذلك( ).

2- مدح القناعة والعفة جاء في ذلك أحاديث منها ما يأتي:

الحديث الأول: حديث عبدالله بن محصن الخطمي عن أبيه قال: قال رسول الله : ((من أصبح منكم آمناً في سربه( ) معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما أحيزت( ) له الدنيا)) [بحذافيرها( )]( ).

الحديث الثاني: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله قال: ((قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه))( ).

الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري ، أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفد ما عنده قال: ((ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يتصبَّر يصبره الله، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر))( ).

الحديث الرابع: حديث عمر بن الخطاب عنه أن رسول الله قال: ((لو أنكم كنتم توكلون على الله حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً( )، وتروح بطاناً( )))( ).

الحديث الخامس: حديث أنس قال: قال رجل يا رسول الله! أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: ((اعقلها وتوكل))( ).

قال الله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( ).

وقال : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ( ).

3 – غنى النفس؛ لحديث أبي هريرة ، أن رسول الله قال: ((ليس الغنى عن كثرة العَرَض( )، ولكن الغنى غنى النفس))( ).

وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان)). وفي رواية: ((الأكلةُ والأكلتان( ) والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه [ويستحي، أو] لا يقوم فيسأل الناس [إلحافاً] وفي لفظ: ((إنما المسكين الذي يتعفف) واقرَؤُا إن شئتم: يعني قوله تعالى: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ

إِلْحَافًا ( )( ).

4 – الرضى بالقليل؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((انظروا إلى من هو أسفل منكم, ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا( ) نعمة الله عليكم)). وفي لفظ: ((إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلْقِ، فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فُضِّل عليه))( ).

العشرون: أنواع المسألة: الجائزة والممنوعة: على النحو الآتي:

1 – المسألة المذمومة وردت في أحاديث منها:

الحديث الأول: حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي قال: ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم))( ).

الحديث الثاني: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من سأل الناس أموالهم تكثراً، فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو يستكثر))( ).

الحديث الثالث: حديث سمرة بن جندب قال: قال رسول الله : ((إن المسألة كدٌّ يكدُّ بها الرجل وجهه, إلا أن يسأل الرجل سُلطاناً، أو في أمر لا بد منه))( ). ولفظ أبي داود والنسائي: ((المسائل كدوح( )( ) يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بُدًّا))( ). وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((هذا يدل على أن مسائل السلطان لا بأس بها؛ لأنه ولي بيت مال المسلمين، ولكن التعفف أفضل: ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله))( ).

الحديث الرابع: حديث الزبير بن العوام عن النبي قال: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه))( ).

الحديث الخامس: حديث حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: ((يا حكيم إنَّ هذا خَضِرَةٌ( ) حُلوةٌ فمن أخذه بسخاوة نفس بُورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليدُ العليا خير من اليد السفلى)) فقال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ( ) أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر يدعو حكيماً إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئاً فقال [عمر]: إني أشهدكم معشر الـمســلمين عـلى حكـيمٍ أني أعرض عليه حقهُ من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه،فلم يرزأ حكيمٌ أحداً من الناس بعد رسول الله [] حتى توفي))( ).

الحديث السادس: حديث عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله : تسعة أو ثمانية، أو سبعة فقال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) -وكنا حديثَ عهدٍ ببيعة – قلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) قال: فبسطنا أيدينا, وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ قال: ((على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً, والصلوات الخمس، [وتسمعوا] وتطيعوا)) وأسر كلمة خفية، ((ولا تسألوا الناس شيئاً)), فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً [أن] يناوله إيَّاه))( ).

الحديث السابع: حديث ثوبان قال: قال رسول الله : ((من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفَّلُ له بالجنة؟)) فقال ثوبان: أنا؛ فكان لا يسأل أحداً شيئاً))( ).

الحديث الثامن: حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله : ((من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسدّ فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما بموت عاجل، أو غنى عاجل))( ).

2 – المسألة الجائزة وردت في أحاديث منها:

الحديث الأول: حديث قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملتُ حمالة( )، فأتيتُ رسول الله أسأله فيها، فقال: ((أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها)) ثم قال: ((يا قبيصة إن المسألة لا تحلُّ إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالةً فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً( ) من عيش – أو قال – سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة( ) حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا( ) من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة, فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش – أو قال – سداداً من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً( ) يأكلها صاحبها سحتاً))( ).

الحديث الثاني: حديث سمرة وفيه: ((... إلا أن يسأل الرجل ذا سلطانٍ، أو في أمر لا يجد منه بُدًّا))( ).

3 – لا يسأل بوجه الله إلا الجنة؛ لحديث أبي موسى الأشعري أنه سمع رسول الله يقول: ((ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سُئل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأل هجراً( )))( ). وعن رفاعة أن رسول الله قال: ((ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سُئل بوجه الله فمنع سائله))( ).

وعن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله : ((من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه))( ). وفي حديث معاوية بن حيدة : ((وإني أسألك بوجه الله بما بعثك ربك إلينا؟ قال: ((بالإسلام)) الحديث( ).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((وهذا لا بأس به، والسؤال بوجه الله لا يُسأل به إلا الجنة، أو ما يقرب إليها، وهذا مما يقرب إليها))( ).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: ((ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟)) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((رجل آخذ برأس فرسه في سبيل الله حتى يموت أو يقتل، وأخبركم بالذي يليه؟)) قلنا: نعم يا رسول الله، قال: ((رجل معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس، وأخبركم بشر الناس؟)) قلنا: نعم يا رسول الله، قال: ((الذي يُسأل بالله ولا يُعطي به))( ).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يذكر أن هذا فيمن سأل حقاً له؛ كأن يقول: أسألك بالله أن تقضيني ديني الذي عندك، أو يقول: أسألك بالله أن لا تؤذيني، أو غير ذلك، أما من سأل بالله بغير حق فلا تجب إجابته, كأن يقول: أسألك بالله أن تعطيني أموالك، أو غير ذلك فيما لا حق له فيه.

4 – قبول العطاء من غير مسألة ولا إشراف؛ لحديث عمر بن الخطاب ، قال: قد كان رسول الله يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه منِّي، حتى أعطاني مرة مالاً، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال رسول الله : ((ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف( ) ولا سائل، فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك)) وفي لفظ: ((خذه فتموَّله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا( ) فلا تتبعه نفسك)) قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يردُّ شيئاً أُعطيه))( ).

الحادي والعشرون: الزهد والورع:

الورع: هو الكف عما لا ينبغي، ثم استعير للكف عن المباح والحلال( ).

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما يُخاف ضرره في الآخرة( ). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وهذه العبارة من أحسن ما قيل: في الزهد، والورع، وأجمعها))( ).

وقال الإمام أحمد رحمه الله: ((الزهد على ثلاثة أوجه:

الأول: ترك الحرام، وهو زهد العوام.

والثاني: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص.

الثالث: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين( ))).

ولا يُعلِّقُ المؤمن قلبه بالدنيا؛ فإنه قال في حديث أبي هريرة : ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر))( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((ومعناه أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا: من الشهوات المحرمة، والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له، من النعيم الدائم، والراحة الخاصة، من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته، وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم، وشقاء الأبد))( ).

وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((رُبَّ أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره))( ).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((تُوفِّي رسول الله وما في رفي من شيء يأكله ذو كبدٍ إلا شطر شعير( ) في رفٍّ لي، فأكلت منه حتى طال عليَّ، فكلته، ففني))( ).

وعن النعمان بن بشير قال: ((ألستم في طعام وشراب ما شئتم، لقد رأيت نبيكم ما يجد من الدَّقل( ) ما يملأ به بطنه))( ). وفي لفظ عن عمر: ((لقد رأيت رسول الله يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلاً يملأ به بطنه))( ).

وينبغي للعبد المسلم أن يعلم بأن الدنيا فانية وزائلة, وكل ما فيها يتغير ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريق، وهي مزرعة للآخرة على  التحقيق، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة على النحو الآتي:

أما الأدلة من الكتاب الكريم العزيز:

1 – فقال الله تعالى: وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ*وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( ).

2 – وقال الله تعالى: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( ).

3 – وقال : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ( ).

4 – وقال تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( ).

5 – وقال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( ).

6 – وقال تعالى:كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( ).

7 – وقال الله تعالى: فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( ).

8 – وقال سبحانه: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( ).

9 – وقال الله : وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( ).

10 – وقال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ( ).

11 – وقال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ( ).

12 – وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون:يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ( ).

وأما الأدلة من السنة المطهرة، فقد زهَّد النبي الناس في الدنيا، ورغَّبهم في الآخرة، بفعله وقوله .

1 – أما فعله فمنه حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((خرج النبي ولم يشبع من خبز الشعير))( ).

2 – وقالت: ((ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر))( ).

3 – وقالت: ((إنا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلَّة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء))( ).

4 – وقال النبي : ((لو كان لي مثل أُحد ذهباً ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أرصُدُهُ لدَيْن))( ).

5 – وقد ثبت عنه أنه اضطجع على حصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر بن الخطاب ، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: يا رسول الله لو أخذت فراشاً أوثر من هذا؟ فقال : ((ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها))( ).

6 – وقال أبو هريرة : ((ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض))( ). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالباً كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون, ولكن يؤثرون على أنفسهم( ).

7 – وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان فراش رسول الله من أدَم وحشوُهُ ليف))( ).

8 – ومع هذا كله يقول : ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً))( ).

9 – وقال : ((قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافاً, وقنَّعَه الله بما آتاه))( ).

وأما قوله في التزْهِيد في الدنيا والتحْذِير من الاغترار بها، فكثير، ومنه:

10 – دخل النبي السوق يوماً فمرَّ بجدي صغير الأذنين ميت، فأخذه بأذنه ثم قال: ((أيّكم يُحِبُّ أن هذا له بدرهم؟)) قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: ((أتحبون أنه لكم؟)) قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيباً فيه؛ لأنه أسكٌّ( )  فكيف وهو ميت؟ فقال: ((فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم))( ).

11 – عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله : ((من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له))( ).

12 – عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله قال: ((من أحب دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى))( ).

13 – عن أبي موسى الأشعري أنه لما حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين، ليُبلِّغ الشاهد الغائب، إني سمعت رسول الله يقول: ((حلاوة الدنيا مرةُ الآخرة، ومرةُ الدنيا حلاوة الآخرة))( ).

14 – أوَّلُ من يدخل الجنة: الأتقى الأزهد في الدنيا:

على المسلم أن يعلم أن الداخلين إلى الجنة يكون أسبقهم إليها دخولاً أتقاهم لله تعالى، وأعلمهم به ، وأزهدهم في الدنيا على النحو الآتي:

          1 – أوَّلُ من يدخل الجنة: محمد .

عن أنس قال: قال رسول الله : ((آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بك أُمِرتُ لا أفتحُ لأحدٍ قبلك))( ).

وعنه قال: قال رسول الله : ((أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة))( ).

2 – أمة محمد .

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، هدانا الله له (قال: يوم الجمعة) فاليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى))( ).

3 – الفقراء:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام: نصف يوم))( ). وفي لفظ للترمذي: ((يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام))( ).

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((يدخل فقراء المسلمين قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً))( ).

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً))( ).

والجمع بين الحديثين والله أعلم: أن الفقراء منهم من يسبق الأغنياء بخمسمائة عام، ومنهم من يسبق بأربعين عاماً، بحسب أحوال الفقراء والأغنياء, كما يتأخر مكث العصاة الموحدين بسبب أحوالهم. ولا يلزم من سبق الفقراء في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم؛ بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإن سبقه غيره في الدخول، فالغني إذا حوسب على غناه فوُجِدَ قد شكر الله تعالى فيه، وتقرب إليه بأنواع البر، والخير، والصدقة، والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول، ولم يكن له تلك الأعمال، ولاسيما إذا شاركه الغني في أعماله وزاد عليه فيها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. فالمزية مزيتان: السبق، والرفعة، وقد يجتمعان وينفردان، فيحصل لواحد السبق والرفعة، ويعدمهما آخر، ويحصل لآخر السبق دون الرفعة، ولآخر الرفعة دون السبق، وهذا بحسب المقتضى للأمرين أو لأحدهما وعدمه وبالله التوفيق( ).

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

رأيك يهمنا