الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد

نبذة مختصرة

كتابٌ للشيخ صالح الفوزان أثابه الله، وهو يشتمل على تقريبٍ لبعض المعلومات في العقيدة، وفيها ربطٌ لواقع الناس اليوم ومُمارساتهم بتلك المعلومات، حتى يتّضِح حُكمُها ويتبيَّن خطأ أصحاب تلك الممارسات لعلهم يرجِعُون، ونصيحة لغيرهم لعلهم يحذَرون‏.

تنزيــل

تفاصيل

 الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد

فضيلة الشيخ

صالح بن فوزان بن عبد الله آل فوزان


بسم الله الرحمن الرحيم

  المقدمة

الحمد لله رب العالمين‏.‏

خلقنا لعبادته، وأمرنا بتوحيده وطاعته، وهو غني عنا ونحن المحتاجون‏.‏‏.‏‏.‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ‏}‏‏.‏

أرسل رسله داعية إلى التوحيد وإخلاص الدين‏.‏‏.‏‏.‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏}‏‏.‏

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره المشركون‏.‏

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلى الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين هاجروا وجاهدوا وصبروا، والذين آووا ونصروا، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين‏.‏

أما بعد‏.‏‏.‏‏.‏

فلما كان توضيح العقيدة الصحيحة والدعوة إليها هو أهم الأمور وآكد الواجبات؛ لأنها الأساس الذي تنبني عليه صحة الأعمال وقبولها؛ كان اهتمام الرسل صلوات الله وسلامه عليهم واهتمام أتباعهم بإصلاح العقيدة أولا عما يناقضها أو ينقصها، وكان نصيب هذا الجانب من سور القرآن وآياته النصيب الأوفر، وكان نصيبه من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم واهتمامه النصيب الأكبر؛ فقد مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد وإخلاص العقيدة، ولما فتح الله عليه مكة؛ كان أول ما بدأ به هدم الأصنام والقضاء عليها والأمر بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له‏.‏

وقد أولى علماء هذه الأمة هذا الجانب قدرا كبيرا من جهودهم وجهادهم وتعليمهم وتأليفهم، حتى شغلت كتب العقيدة حيزا كبيرا من المكتبة الإسلامية، وصار لها الصدارة بين محتوياتها‏.‏

وقد أحببت أن أسهم بجهدي القليل في هذا العمل الجليل، فكتبت هذه الكلمات التي أقدمها للقارئ، وهي لم تأت بشيء جديد، وإنما هي تقريب لبعض المعلومات، وقد يكون فيها ربط لواقع الناس اليوم وممارساتهم بتلك المعلومات، حتى يتضح حكمها ويتبين خطأ أصحاب تلك الممارسات لعلهم يرجعون، ونصيحة لغيرهم لعلهم يحذرون‏.‏

وقد اقتبست هذه الكلمات من كتب أئمة الدين وعلماء المسلمين؛ ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وتلميذه الحافظ ابن كثير، ومن كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه أئمة الدعوة الإصلاحية، خصوصا كتاب ‏"‏فتح المجيد‏"‏، ولا أدعي أنني أتيت بجديد، وإنما أرجو أن أكون قربت بعض المعلومات وربطتها بواقع الناس كلما سنحت فرصة وعرضت مناسبة‏.‏

وأصل هذا الكتاب كان حلقات أذيعت من إذاعة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية، وما كان في نيتي أن تخرج في كتاب لولا تقدير الله سبحانه، ثم إن بعض الإخوة الكرام اقترح علي جمعها وتنسيقها وإخراجها في كتاب ليبقى نفعها إن شاء الله، وأرجو أن يكون في ذلك الخير، وأن تكون إسهاما -ولو ضئيلا- في مجال الدعوة إلى الله سبحانه، في وقت جهلت فيه طريقة الدعوة الصحيحة، وصار كثير من الدعاة يهتمون بجوانب ضئيلة لا تسمن ولا تغني من جوع بدون العقيدة، ويتركون جانب العقيدة، وهم يرون الناس متورطين في الشرك الأكبر حول الأضرحة والمزارات، ومتورطين في البدع والخرافات، ويرون دعاة الضلال قد استحوذوا على كثير من الجهلة والعوام، وساقوهم إلى مواقع الهلاك والضلال، واتخذوهم عبيدا لهم يتصرفون بعقولهم وأموالهم ويترأسون عليهم بالباطل وباسم العلم والولاية‏.‏

إن كثيرا من الدعاة اليوم -مع الأسف- لا يهتمون بجانب العقيدة وإصلاحها، بل ربما يقول بعضهم‏:‏ اتركوا الناس على عقائدهم‏!‏ ولا تتعرضوا لها‏!‏‏!‏ اجمعوا ولا تفرقوا‏!‏‏!‏ لنجتمع على ما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه‏.‏‏.‏‏.‏ أو نحوا من هذه العبارات التي تخالف قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا‏}‏‏.‏

إنه لا اجتماع ولا قوة إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله وترك ما خالفهما، ولا سيما في مسائل العقيدة التي هي الأساس؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا‏}‏، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه‏.‏

المؤلف

  العقيدة الإسلامية

العقيدة الإسلامية هي التي بعث الله بها رسله وأنزل كتبه وأوجبها على جميع خلقه الجن والإنس؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏}‏‏.‏

فكل الرسل جاءوا بالدعوة إلى هذه العقيدة، وكل الكتب الإلهية نزلت لبيانها وبيان ما يبطلها ويناقضها أو ينقصها، وكل المكلفين من الخلق أمروا بها، وإن ما كان هذا شأنه وأهميته لجدير بالعناية والبحث والتعرف عليه قبل كل شيء، خصوصا وأن هذه العقيدة تتوقف عليها سعادة البشرية في الدنيا والآخرة‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا‏}‏‏.‏

ومعنى ذلك‏:‏ أن من أفلت يده من هذه العقيدة؛ فإنه يكون متمسكا بالأوهام والباطل؛ فماذا بعد الحق إلا الضلال‏؟‏‏!‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ‏}‏ ، وبالتالي يكون مصيره إلى النار وبئس القرار‏.‏

والعقيدة معناها‏:‏ ما يصدقه العبد ويدين به‏.‏

فإن كانت هذه العقيدة موافقة لما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه؛ فهي عقيدة صحيحة سليمة تحصل بها النجاة من عذاب الله والسعادة في الدنيا والآخرة‏.‏

وإن كانت هذه العقيدة مخالفة لما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه؛ فهي عقيدة توجب لأصحابها العذاب والشقاء في الدنيا والآخرة‏.‏

والعقيدة السليمة الصحيحة تعصم الدم والمال في الدنيا وتحرم الاعتداء عليهما وانتهاكهما بغير حق؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم؛ إلا بحقها‏)‏ ‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل‏)‏ ‏.‏ رواه مسلم‏.‏

وهي أيضا تنجي من عذاب الله يوم القيامة؛ فقد روى مسلم عن جابر رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من لقي الله لا يشرك به شيئا؛ دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا؛ دخل النار‏)‏ ‏.‏ وفي ‏"‏الصحيحين‏"‏من حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله‏)‏ ‏.‏

والعقيدة الصحيحة السليمة يكفر الله بها الخطايا؛ فقد روى الترمذي وحسنه عن أنس رضي الله عنه‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏قال الله تعالى يا ابن آدم‏!‏ لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة‏)‏‏.‏ وقراب الأرض‏:‏ ملؤها أو ما يقارب ملأها‏.‏ فشرط حصول هذه المغفرة سلامة العقيدة من الشرك؛ كثيره وقليله، صغيره وكبيره، ومن كان كذلك؛ فهو صاحب القلب السليم الذي قال الله فيه‏:‏ ‏{‏يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏}‏‏.‏

قال العلامة ابن القيم رحمه الله في معنى حديث عتبان‏:‏ ‏"‏ويعفى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك؛ فلو لقي الموحد الذي لم يشرك بالله شيئا ألبتة ربه بقراب الأرض خطايا؛ أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده؛ فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب؛ لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض؛ فالنجاسة عارضة، والدافع لها قوي‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

والعقيدة السليمة تقبل معها الأعمال وتنفع صاحبها؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏.‏

وعلى العكس من ذلك؛ فالعقيدة الفاسدة تحبط جميع الأعمال؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏.‏

والعقيدة الفاسدة بالشرك تحرم من الجنة والمغفرة وتوجب العذاب والخلود في النار؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ‏}

والعقيدة الفاسدة تهدر الدم وتبيح المال الذي يملكه صاحب تلك العقيدة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ‏}‏ ‏.‏

وبالتالي؛ فالعقيدة السليمة لها آثار طيبة في القلوب والسلوك الاجتماعي والنظام العمراني‏.‏

فهناك فريقان كل منهما بنى مسجدا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فريق بنى مسجده بنية صالحة وعقيدة خالصة لله عز وجل، وفريق بنى مسجده لهدف سيئ وعقيدة فاسدة، فأمر الله نبيه أن يصلي في المسجد الذي أسس على التقوى، ونهاه أن يصلي في المسجد الذي أسس على الكفر والمقاصد السيئة؛ قال الله تعالى‏:‏ ‏{وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ . أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}‏ ‏.‏

  وجوب معرفة العقيدة الإسلامية

اعلموا -وفقني الله وإياكم- أنه يجب على كل مسلم أن يتعلم العقيدة الإسلامية؛ ليعرف معناها وما تقوم عليه، ثم يعرف ما يضادها ويبطلها أو ينقصها من الشرك الأكبر والأصغر‏:

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ‏}‏ ‏.‏

قال الإمام البخاري رحمه الله‏:‏ ‏"‏باب العلم قبل القول والعمل‏"‏، واستشهد بهذه الآية الكريمة‏.‏

قال الحافظ ابن حجر‏:‏ ‏"‏قال ابن المنير‏:‏ أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل؛ فلا يعتبران إلا به؛ فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏اهـ‏.‏

ومن هنا اتجهت همم أهل العلم إلى تعلم أحكام العقيدة وتعليمها، واعتبروا ذلك من أوليات العلم، وألفوا فيها مؤلفات خاصة؛ فصلوا فيها أحكامها وما يجب فيها، وبينوا ما يفسدها أو ينقصها من الشركيات والخرافات والبدع‏.‏

وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فليست مجرد كلمة تقال باللسان، بل لها مدلول ومعنى ومقتضى تجب معرفتها كلها والعمل بها ظاهرا وباطنا، ولها مناقضات ومنقصات، ولا يتضح ذلك إلا بالتعلم‏.‏

ولهذا يجب أن يكون لعلم العقيدة الصدارة بين المقررات المدرسية في مختلف المراحل، وأن تعطى من الحصص اليومية العدد الكافي، ويختار لها المدرسون الأكفياء، وأن يركز عليها في النجاح والرسوب، خلاف ما عليه غالب واقع الدراسات المنهجية اليوم؛ فإن علم العقيدة في الغالب لا يحظى بالاهتمام في تلك الدراسات مما يخشى من ورائه أن ينشأ جيل يجهل العقيدة الصحيحة، فيستسيغ الشركيات والبدع والخرافات، ويعتبرها من العقيدة؛ لأنه وجد الناس عليها ولم يعرف بطلانها‏.‏

ومن هنا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية‏"‏‏.‏

هذا؛ ويجب اختيار الكتب الصحيحة السليمة، التي ألفت على مذهب السلف الصالح وأهل السنة والجماعة، والمطابقة للكتاب والسنة، فتقرر على الطلاب، وتستبعد الكتب المخالفة لمنهج السلف؛ ككتب الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وسائر الفرق الضالة عن منهح السلف‏.‏

وإلى جانب الدراسة النظامية يجب أن يكون هناك دروس تعقد في المساجد، تدرس فيها العقيدة السلفية بالدرجة الأولى، وتقرأ فيها المتون والشروح؛ ليستفيد منها الطلاب وكل من حضر، ويكون هناك مختصرات مبسطة تلقى للعامة، وبذلك تنتشر العقيدة الإسلامية، إلى جانب ما يذاع في البرامح الدينية بواسطة الإذاعة، ويكون هناك برنامح مستمر تذاع من خلاله أحكام العقيدة الإسلامية‏.‏

ثم يجب أن يكون هناك اهتمام خاص بالعقيدة من جانب الأفراد، فيكون للمسلم مطالعات في كتب العقيدة، والتعرف على ما ألف فيها على منهح السلف، وما ألف على منهج المخالفين لهم، حتى يكون المسلم على بصيرة من أمره، وحتى يستطيع رد الشبه الموجهة إلى عقيدة أهل السنة‏.‏

أيها المسلم‏!‏

إنك حينما تتأمل القرآن الكريم؛ تجد فيه كثيرا من الآيات والسور تهتم بأمر العقيدة، بل إن السور المكية تكاد تكون مختصة ببيان العقيدة الإسلامية ورد الشبهات الموجهة إليها‏.‏

خذ مثلا سورة الفاتحة‏!‏

قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله‏:‏ ‏"‏اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال وتضمنتها أكمل تضمن‏:‏ فاشتملت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماء مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها ومدارها عليها، وهي الله والرب والرحمن‏.‏ وبنيت السورة على الإلهية والربوبية والرحمة‏:‏ فـ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ‏}‏ ‏:‏ مبني على الإلهية، ‏{‏وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏:‏ على الربوبية، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم يتعلق بصفة الرحمة، والحمد يتضمن الأمور الثلاثة؛ فهو المحمود في إلهيته وربوبيته ورحمته، والثناء والحمد كمالان لجده‏.‏ وتضمنت إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم حسنها وسيئها، وتفرد الرب تبارك وتعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق، وكون حكمه بالعدل، وكل هذا تحت قوله‏:‏ ‏{‏مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏}‏ ‏.‏ وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

ثم بينها رحمه الله بكلام مطول مفيد إلى أن قال‏:‏ ‏"‏قالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم؛ فـ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏:‏ توحيد‏.‏ ‏{‏الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏}‏ ‏:‏ توحيد‏.‏ ‏{‏اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ‏}‏ ‏:‏ توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد‏.‏ ‏{‏غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ‏}‏ ‏:‏ الذين فارقوا التوحيد‏"‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏"‏غالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد؛ فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وتوحيده وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة وهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما فعل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏ ومع اهتمام القرآن بشأن العقيدة الإسلامية؛ فإن أكثر الذين يقرءونه لا يفهمون العقيدة فهما صحيحا، فصاروا يخلطون ويغلطون فيها؛ لأنهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم، ولا يقرءون القرآن بتدبر؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏

  الدعوة إلى العقيدة الإسلامية

يجب على المسلم بعدما يمن الله عليه بمعرفة هذه العقيدة والتمسك بها أن يدعو الناس إليها لإخراجهم بها من الظلمات إلى النور؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏ ‏.‏

والدعوة إلى العقيدة الإسلامية هي فاتحة دعوة الرسل جميعا؛ فلم يكونوا يبدءون بشيء قبلها؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏}‏ ، وكل رسول يقول لقومه أول ما يدعوهم‏:‏ ‏{‏اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ‏}‏ ؛ كما قالها نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وسائر الرسل عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين‏.‏

فيجب على كل من عرف هذه العقيدة وعمل بها ألا يقتصر على نفسه، بل يدعو الناس إليها بالحكمة والموعظة الحسنة؛ كما هو سبيل المرسلين وأتباعهم، وإن الدعوة إلى هذه العقيدة هو الأساس والمنطلق؛ فلا يدعى إلى شيء قبلها من فعل الواجبات وترك المحرمات، حتى تقوم هذه العقيدة وتتحقق؛ لأنها هي الأساس المصحح لجميع الأعمال، وبدونها لا تصح الأعمال ولا تقبل ولا يثاب عليها، ومن المعلوم بداهة أن أي بناء لا يقوم ولا يستقيم إلا بعد إقامة أساسه‏.‏

ولهذا كان الرسل يهتمون بها قبل كل شيء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندما يبعث الدعاة يوصيهم بالبداءة بالدعوة إلى تصحيح العقيدة‏:

فعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏لما بعث معاذا إلى اليمن؛ قال له إنك تأتي قوما من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله -وفي رواية‏:‏ ‏"‏إلى أن يوحدوا الله‏"‏-؛ فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم؛ فإن هم أطاعوك لذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب‏)‏ ‏.‏ رواه البخاري ومسلم‏.‏

فمن هذا الحديث الشريف، ومن استقراء دعوة الرسل في القرآن، ومن استقراء سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ يؤخذ منهج الدعوة إلى الله، وأن أول ما يدعى الناس إليه هو العقيدة المتمثلة بعبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه؛ كما هو معنى لا إله إلا الله‏.‏

وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة بعد البعث يدعو الناس إلى تصحيح العقيدة بعبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام قبل أن يأمر الناس بالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وترك المحرمات من الربا والزنى والخمر والميسر‏.‏

وهذا ما يدلنا دلالة واضحة على خطأ بعض الجماعات المعاصرة التي تنتمي للدعوة، وهي لا تهتم بالعقيدة، وإنما تركز على أمور جانبية أخلاقية وسلوكية، وهي ترى كثيرا من الناس يمارسون الشرك الأكبر حول الأضرحة المبنية على القبور في بعض ديار الإسلام، ولا تنكر ذلك، ولا تنهى عنه، لا في كلمة، ولا في محاضرة، ولا في مؤلف؛ إلا قليلا، بل قد يكون بين صفوف تلك الجماعات من يمارس الشرك والتصوف المنحرف، ولا ينهونه، ولا ينبهونه، مع أن البداءة بدعوة هؤلاء وإصلاح عقيدتهم أولى من دعوة الملاحدة والكفار المصرحين بكفرهم؛ لأن الكفار والملاحدة مصرحون بكفرهم ومقرون أن ما هم عليه مخالف لما جاءت به الرسل، أما أولئك القبوريون والمتصوفة المنحرفون؛ فيظنون أنهم مسلمون، وأن ما هم عليه هو الإسلام، فيغترون ويغرون غيرهم، والله جل وعلا أمرنا بالبداءة بالكفار الأقربين، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ؛ فما لم تصف صفوف المسلمين من الدخيل؛ فإنهم لن يستطيعوا الصمود في وجه عدوهم، ويحكى أن قبوريا رأى رجلا يعبد صنما أمامه، فأنكر عليه القبوري، فقال له عابد الصنم‏:‏ أنت تعبد مخلوقا غائبا عنك، وأنا أعبد مخلوقا ماثلا أمامي؛ فأينا أعجب‏؟‏‏!‏ فانخصم القبوري‏.‏ هذا وإن كان كل منهما مشركا ضالا؛ لأنه يعبد ما لا يملك ضرا ولا نفعا، إلا أن القبوري أغرق في الضلال وأبلغ في طلب المحال‏.‏ فيجب على الدعاة إلى الله أن يركزوا على جانب العقيدة أكثر من غيرها، ويقبلوا على دراستها وتفهمها أولا، ثم يعلموها لغيرهم، ويدعوا إليها من انحرف عنها أو أخل بها‏.‏

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ ‏.‏

قال الإمام ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏"‏يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ قل يا محمد هذه‏:‏ الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته‏.‏ سبيلي وطريقتي ودعوتي أدعو إلى الله‏:‏ تعالى وحده لا شريك له‏.‏ على بصيرة بذلك ويقين علم مني أنا ومن اتبعني؛ أي‏:‏ ويدعو إليه على بصيرة أيضا من تبعني وصدقني وآمن بي‏.‏ وسبحان الله يقول له تعالى ذكره وقل تنزيها لله تعالى وتعظيما له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه وما أنا من المشركين‏:‏ يقول‏:‏ وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني‏"‏‏.‏ انتهى كلام ابن جرير‏.‏

فالآية الكريمة تدل على أهمية معرفة العقيدة الإسلامية والدعوة إليها، وأن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هم من اقتدى به في ذلك واتصف بالصفتين‏.‏ العلم بالعقيدة، والدعوة إليها، وأن من لم يتعلم أحكام العقيدة ويهتم بها ويدعو إليها؛ فليس من أتباع الرسول على الحقيقة، وإن كان من أتباعه على سبيل الانتساب والدعوى‏.‏

وقال ابن القيم رحمه الله في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏}‏ ‏:‏ ‏"‏ذكر سبحانه مراتب الدعوة، وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو؛ فإنه‏:‏ إما أن يكون طالبا للحق مؤثرا له على غيره إذا عرفه؛ فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة وجدال‏.‏ وإما أن يكون مشتغلا بضد الحق، لكن لو عرفه؛ آثره واتبعه؛ فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب‏.‏ وإما أن يكون معاندا معارضا؛ فهذا يجادل بالتي هي أحسن؛ فإن رجع، وإلا، انتقل معه إلى غير الجدال إن أمكن‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى كلام ابن القيم‏.‏

وبهذا تبين منهج الدعوة وما ينبغي فيها، وتبين خطأ ما تنتهجه بعض الجماعات المنتمية إلى الدعوة، وهي تخالف المنهاج السليم الذي بينه الله ورسوله‏.‏

  أصول العقيدة الإسلامية

وهي ستة أصول‏:‏

- الإيمان بالله عز وجل

- الإيمان بالملائكة

- الإيمان بالكتب

- الإيمان بالرسل

- الإيمان باليوم الآخر

- الإيمان بالقضاء والقدر

 تمهيد

اعلم أيها المسلم -وفقني الله وإياك- أن أصول العقيدة الإسلامية التي هي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة هي‏:‏ الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره‏.‏

وهذه الأصول دلت عليها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة وأجمعت عليها الأمة‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا‏}‏ ‏.‏

وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتومن بالقدر خيره وشره‏)‏ ‏.‏

وهذه الأصول العظيمة -وتسمى أركان الإيمان- قد اتفقت عليها الرسل والشرائع، ونزلت بها الكتب السماوية، ولم يجحدها أو شيئا منها إلا من خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا‏}

وهذه الأصول العظيمة والأركان القويمة تحتاج إلى شرح وبيان، وهو ما سنحاول إن شاء الله تقديم ما نستطيع منه في هذا الكتاب‏.‏

  الأصل الأول‏:‏ الإيمان بالله عز وجل

وهو أساسها وأصلها، وهو يعني الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه الخالق وحده، المدبر للكون كله، وأنه هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، وأن كل معبود سواه؛ فهو باطل وعبادته باطلة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ‏}‏ ، وأنه سبحانه متصف بصفات الكمال ونعوت الجلال، منزه عن كل نقص وعيب‏.‏

وهذا هو التوحيد بأنواعه الثلاثة‏:‏ توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات‏.‏

  أولا‏:‏ توحيد الربوبية

فأما توحيد الربوبية؛ فإنه الإقرار بأن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو المدبر، المحيي، المميت، وهو الرزاق، ذو القوة المتين‏.‏

والإقرار بهذا النوع مركوز في الفطر، لا يكاد ينازع فيه أحد من الأمم‏:

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ‏}‏ ‏.‏

وهذا في القرآن كثير؛ يذكر الله عن المشركين أنهم يعترفون لله بالربوبية والانفراد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة‏.‏

ولم ينكر توحيد الربويية ويجحد الرب إلا شواذ من المجموعة البشربة، تظاهروا بإنكار الرب مع اعترافهم به في باطن أنفسهم وقرارة قلوبهم، وإنكارهم له إنما هو من باب المكابرة؛ كما ذكر الله عن فرعون أنه قال‏:‏ ‏{‏مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي‏}‏ ، وقد خاطبه موسى عليه السلام بقوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا‏}‏ ‏.‏

وهم لم يستندوا في جحودهم إلى حجة، وإنما ذلك مكابرة منهم؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ‏}‏ ؛ فهم لم ينكروا عن علم دلهم على إنكاره ولا سمع ولا عقل ولا فطرة‏.‏

ولما كان هذا الكون وما يجري فيه من الحوادث شاهدا على وحدانية الله وربوبيته؛ إذ المخلوق لا بد له من خالق، والحوادث لا بد لها من محدث؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ‏}‏ ، وقال الشاعر‏:

وفـي كـل شـيء له آيـة ** تــدل عـلى أنه واحــد

لما كان لا بد من جواب على هذه الحقيقة، اضطرب هؤلاء المنكرون لوجود الخالق في أجوبتهم‏:‏ فتارة يقولون‏:‏ هذا العالم وجد نتيجه للطبيعة، التي هي عبارة عن ذات الأشياء من النبات والحيوان والجمادات؛ فهذه الكائنات عندهم هي الطبيعة، وهي التي أوجدت نفسها‏!‏‏!‏ أو يقولون‏:‏ هي عبارة عن صفات الأشياء وخصائصها من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وملاسة وخشونة، وهذه القابليات من حركة وسكون ونمو وتزاوج وتوالد؛ هذه الصفات وهذه القابليات هي الطبيعة بزعمهم، وهي التي أوجدت الأشياء‏!‏‏!‏

وهذا قول باطل على كلا الاعتبارين؛ لأن الطبيعة بالاعتبار الأول على حد قولهم تكون خالقة ومخلوقة؛ فالأرض خلقت الأرض، والسماء خلقت السماء‏.‏‏.‏‏.‏ وهكذا‏!‏ وهذا مستحيل‏!‏ وإذا كان صدور الخلق عن الطبيعة بهذا الاعتبار مستحيلا؛ فاستحالته بالاعتبار الثاني أشد استحالة؛ لأنه إذا عجزت ذات الشيء عن خلقه؛ فعجز صفته من باب أولى؛ لأن وجود الصفة مرتبط بالموصوف الذي تقوم به، فكيف تخلقه وهي مفتقرة إليه‏؟‏‏!‏ وإذ ثبت بالبرهان حدوث الموصوف؛ لزم حدوث الصفة‏.‏ وأيضا؛ قالطبيعة لا شعور لها؛ فهي آلة محضة؛ فكيف تصدر عنها الأفعال العظيمة التي هي في غاية الإبداع والإتقان، وفي نهاية الحكمة، وفي غاية الارتباط‏.‏

ومن هؤلاء الملاحدة من يقول‏:‏ إن هذه الكائنات تنشأ عن طريق المصادفة بمعنى أن تجميع الذرات والجزئيات عن طريق المصادفة يؤدي إلى ظهور الحياة بلا تدبير من خالق مدبر ولا حكمة‏!‏‏!‏ وهذا قول باطل ترده العقول والفطر؛ فإنك إذا نظرت إلى هذا الكون المنظم بأفلاكه وأرضه وسمائه وسير المخلوقات فيه بهذه الدقة والتنظيم العجيب؛ تبين لك أنه لا يمكن أن يصدر إلا عن خالق حكيم‏.‏

قال ابن القيم‏:‏ ‏"‏فسل المعطل الجاحد‏:‏ ماذا تقول في دولاب دائر على نهر، وقد أحكمت آلاته، وأحكم تركيبه، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه، بحيث لا يرى الناظر فيه خللا في مادته ولا في صورته، وقد جعل على حديقة عظيمة، فيها من كل أنواع الثمار والزروع، يسقيها حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلم شعثها، ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها، فلا يختل منها شيء، ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على أحسن المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به، ويقسمه هكذا على الدوام، أترى هذا اتفاقا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر، بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقا من غير فاعل ولا قيم ولا مدبر‏؟‏‏!‏ أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان‏؟‏‏!‏ وما الذي يفتيك به‏؟‏‏!‏ وما الذي يرشدك إليه‏؟‏‏!‏ ولكن من حكمة العزيز الحكيم أن خلق قلوبا عميا لا بصائر لها فلا ترى هذه الآيات الباهرة إلا رؤية الحيوانات البهيمية كما خلق أعينا لا أبصار لها‏"‏‏.‏ انتهى كلامه رحمه الله‏.‏

  ثانيا‏:‏ توحيد الألوهية

توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة‏.‏

فالألوهية معناها العبادة، والإله معناه المعبود، ولهذا يسمى هذا النوع من التوحيد توحيد العبادة‏.‏

والعبادة في اللغة‏:‏ الذل، يقال‏:‏ طريق معبد‏:‏ إذا كان مذللا قد وطأته الأقدام‏.‏

وأما معنى العبادة شرعا؛ فقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك مع اتفاقهم على المعنى‏:

فعرفها طائفة منهم بأنها ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي‏.‏

وعرفها بعضهم‏:‏ بأنها كمال الحب مع كمال ‏(1)

‏ الخضوع‏.‏

وعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة‏.‏

وهذا التعريف أدق وأشمل؛ فالدين كله داخل في العبادة، ومن عرفها بالحب مع الخضوع؛ فلأن الحب التام مع الذل التام يتضمنان طاعة المحبوب والانقياد له؛ فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، فبحسب محبة العبد لربه وذله له تكون طاعته؛ فمحبة العبد لربه وذله له يتضمنان عبادته له وحده لا شريك له‏.‏

فالعبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، وهي تتضمن ثلاثة أركان هي‏:‏ المحبة والرجاء والخوف، ولا بد من اجتماعها؛ فمن تعلق بواحد منها فقط؛ لم يكن عابدا لله تمام العبادة؛ فعبادة الله بالحب فقط هي طريقة الصوفية، وعبادته بالرجاء وحده طريقة المرجئة، وعبادته بالخوف فقط طريقة الخوارج‏.‏

والمحبة المنفردة عن الخضوع لا تكون عبادة؛ فمن أحب شيئا ولم يخضع له؛ لم يكن عابدا؛ كما يحب الإنسان ولده وصديقه، كما أن الخضوع المنفرد عن المحبة لا يكون عبادة؛ كمن يخضع لسلطان أو ظالم اتقاء لشره‏.‏ ولهذا لا يكفي أحدهما عن الآخر في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء‏.‏

والعبادة هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له، وهي التي خلق الخلق من أجلها؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏}‏ ، وبها أرسل جميع الرسل؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏}‏ ‏.‏ والعبادة لها أنواع كثيرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الحيوان والأيتام والمساكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقرآن؛ كل ذلك من العبادة، وكذلك حب الله وحب رسوله، وخشية الله والإنابة إليه؛ كل ذلك من العبادة، وكذلك الذبح والنذر والاستعاذة والاستعانة والاستغاثة‏.‏

فيجب صرف العبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له؛ فمن صرف منها شيئا لغير الله؛ كمن دعا غير الله، أو ذبح أو نذر لغير الله، أو استعان أو استغاث بميت أو غائب أو بحي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فقد أشرك الشرك الأكبر وأذنب الذنب الذي لا يغفر إلا بالتوبة، سواء صرف هذا النوع من العبادة لصنم أو لشجر أو لحجر أو لنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء حي أو ميت؛ كما يفعل اليوم عند الأضرحة المبنية على القبور؛ فإن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ولا غيرهم‏:‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا‏}‏ ‏.‏

ومع الأسف الشديد؛ فقد اتخذت القبور اليوم في بعض البلاد أوثانا تعبد من دون الله ممن يدعون الإسلام‏.‏‏.‏‏.‏ وقد يدعو أحدهم غير الله في أي مكان، ولو لم يكن عند قبر؛ كمن يقول‏:‏ يا رسول الله‏!‏ عند قيامه أو مفاجأته بشيء غريب‏!‏‏!‏ أو يقول‏:‏ المدد يا رسول الله‏!‏ أو‏:‏ يا فلان‏.‏‏.‏‏.‏ وإذا نهوا عن ذلك؛ قالوا‏:‏ نحن نعلم أن هؤلاء ليس لهم من الأمر شيء، ولكن هؤلاء أناس صالحون، لهم جاه عند الله، ونحن نطلب بجاههم وشفاعتهم‏!‏‏!‏ ونسي هؤلاء أو تناسوا- وهم يقرءون القرآن- أن هذا بعينه قول المشركين؛ كما ذكره الله في القرآن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ‏}‏ ، فسماهم كفارا كذبة، وهم يعتقدون أن هؤلاء الأولياء مجرد وسائط بينهم وبين الله في قضاء حوائجهم، وهذا ما يقوله عباد القبور اليوم، ‏{‏تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ‏}‏ ‏.‏

فالواجب على علماء الإسلام أن ينكروا هذا الشرك الشنيع ويبينوه للناس، والواجب على حكام المسلمين هدم هذه الأوثان وتطهير المساجد منها‏.‏

وقد أنكر كثير من الأئمة المصلحين هذا الشرك ونهوا عنه وحذروا وأنذروا، ومن هؤلاء‏:‏ شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني، والشيخ محمد بن علي الشوكاني‏.‏‏.‏‏.‏ وكثير من الأئمة قديما وحديثا، وهذه مؤلفاتهم بين أيدينا‏.‏

وفي ذلك يقول الإمام الشوكاني في ‏"‏نيل الأوطار‏"‏‏:‏ ‏"‏وكم سرى من تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة كاعتقاد الكفار للأصنام وأعظم من ذلك، فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة‏:‏ إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف؛ لا عالما ولا متعلما ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا‏!‏‏!‏

ولقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه؛ حلف بالله فاجرا، وإذا قيل له بعد ذلك‏:‏ احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني؛ تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق‏!‏‏!‏ وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال‏:‏ إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة‏.‏

فيا علماء الدين‏!‏ ويا ملوك المسلمين‏!‏

أي رزء للإسلام أشد من الكفر‏؟‏‏!‏ وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله‏؟‏‏!‏ وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة‏؟‏‏!‏ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا‏؟‏‏!‏

لقد أسمعـت لو ناديت حيـا ** ولكن لا حياة لمن تنـادي

ولو نارا نفخت بها أضاءت ** ولكن أنت تنفخ فى رمـاد

انتهى كلام الشوكاني رحمه الله‏.‏

وقد زاد البلاء بعده وصار أشد مما وصف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

  علاقة توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية والعكس

وعلاقة أحد النوعين بالآخر أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية، بمعنى أن الإقرار بتوحيد الربوبية يوجب الإقرار بتوحيد الإلهية والقيام به‏.‏

فمن عرف أن الله ربه وخالقه ومدبر أموره؛ وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له‏.‏

وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ بمعنى أن توحيد الربوبية يدخل ضمن توحيد الألوهية؛ فمن عبد الله وحده ولم يشرك به شيئا؛ فلا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه وخالقه؛ كما قال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ‏}‏ ‏.‏

والألوهية والربوبية‏:‏ تارة يذكران معا فيفترقان في المعنى ويكون أحدهما قسيما للآخر؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ‏}‏ ؛ فيكون معنى الرب‏:‏ هو المالك المتصرف في الخلق، ويكون معنى الإله‏:‏ أنه المعبود بحق المستحق للعبادة وحده‏.‏ وتارة يذكر أحدهما مفردا عن الآخر، فيجتمعان في المعنى؛ كما في قول الملكين للميت في القبر‏:‏ من ربك‏؟‏ ومعناه‏:‏ من إلهك وخالقك‏؟‏ وكما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا‏}‏ ؛ فالربوبية في هذه الآيات هي الإلهية‏.‏

والذي دعت إليه الرسل من النوعين هو توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية يقر به جمهور الأمم، ولم ينكره إلا شواذ من الخليقة؛ أنكروه في الظاهر فقط، والإقرار به وحده لا يكفي؛ فقد أقر به إبليس‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏، وأقر به المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما دلت على ذلك الآيات البينات؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}

فمن أقر بتوحيد الربوبية فقط؛ لم يكن مسلما، ولم يحرم دمه ولا ماله، حتى يقر بتوحيد الألوهية؛ فلا يعبد إلا الله‏.‏

وبهذا يتبين بطلان ما يزعمه علماء الكلام والصوفية من أن التوحيد المطلوب من العباد هو الإقرار بأن الله هو الخالق المدبر، ومن أقر بذلك؛ صار عندهم مسلما، ولهذا يعرفون التوحيد في الكتب التي ألفوها في العقائد بما ينطبق على توحيد الربوبية فقط؛ حيث يقولون مثلا‏:‏ التوحيد هو الإقرار بوجود الله وأنه الخالق الرازق‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏!‏‏!‏ ثم يوردون أدلة توحيد الربوبية‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون‏:‏ هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له‏.‏ وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها‏.‏‏.‏‏.‏ ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا‏:‏ لا إله إلا الله، حتى يجعلوا معنى الألوهية القدرة على الاختراع‏!‏ ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم أولا لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا يقرون بالقدر أيضا، وهم مع هذا مشركون‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

هذا كلام الشيخ رحمه الله، وهو واضح في الرد على من اعتقد أن التوحيد المطلوب من الخلق هو الإقرار بتوحيد الربوبية، ويؤيد هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏}‏ ؛ فالرسل لم يقولوا لأممهم‏:‏ أقروا أن الله هو الخالق‏!‏ لأنهم مقرون بهذا، وإنما قالوا لهم‏:‏ ‏{‏اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏}‏ ‏.‏

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا‏:‏ ‏"‏التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده؛ بأن يشهد أن لا إله إلا الله لا يعبد إلا إياه‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هولاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل؛ فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه؛ فقد فنوا في غاية التوحيد‏.‏

فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء؛ لم يكن موحدا، حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، والإله هو المألوه الذي يستحق العبادة، وليس الإله بمعنى القادر على الاختراع، فإذا فسر الإله بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد؛ كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية، وهو الذي يقولونه عن أبي الحسن وأتباعه؛ لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ‏}‏ ؛ قال طائفة من السلف‏:‏ تسألهم من خلق السماوات والأرض‏؟‏ فيقولون‏:‏ الله، وهم مع هذا يعبدون غيره‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏}‏ ‏.‏

فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه، داعيا له دون ما سواه، يوالي فيه ويعادي فيه ويطيع رسله‏.‏‏.‏‏.‏

وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أندادا‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال رحمه الله‏:‏ ‏"‏ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوها ويصوم وينسك لها ويتقرب إليها، ثم يقول‏:‏ إن هذا ليس بشرك، إنما الشرك إذا اعتقدت أنها المدبرة لي، فإذا جعلتها سببا وواسطة؛ لم أكن مشركا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى كلامه‏.‏

قلت‏:‏ وهذا ما يقوله عباد القبور اليوم؛ يتقربون إليها بأنواع العبادة، ويقولون‏:‏ هذا ليس بشرك؛ لأننا لا نعتقد فيها أنها تخلق وتدبر، وإنما جعلناها وسائط نتوسل بأصحابها‏.‏‏.‏‏.‏

  أساليب القرآن في الدعوة إلى توحيد الإلهية

لما كان توحيد الربوبية قد أقر به الناس بموجب فطرهم ونظرهم في الكون، وكان الإقرار به وحده لا يكفي للإيمان بالله ولا ينجي صاحبه من العذاب، ركزت دعوات الرسل على توحيد الإلهية، خصوصا دعوة خاتم الرسل نبينا محمد عليه وعليهم أفضل السلام، فكان يطالب الناس بقول‏:‏ لا إله إلا الله، المتضمنة لعبادة الله، وترك عبادة ما سواه، فكانوا ينفرون منه ويقولون‏:‏ ‏{‏أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ‏}‏ ‏.‏

وحاولوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يترك هذه الدعوة ويخلي بينهم وبين عبادة الأصنام، وبذلوا في ذلك معه كل الوسائل؛ بالترغيب تارة وبالترهيب تارة، وهو عليه الصلاة والسلام يقول‏:‏ ‏"‏والله، لو وضعوا الشمس بيميني، والقمر بشمالي، على أن أترك هذا الأمر؛ لا أتركه حتى يظهره الله أو أهلك دونه‏"‏‏.‏

وكانت آيات الله تتنزل عليه بالدعوة إلى هذا التوحيد، والرد على شبهات المشركين، وإقامة البراهين على بطلان ما هم عليه‏.‏

وقد تنوعت أساليب القرآن في الدعوة إلى توحيد الإلهية، وها نحن نذكر جملة منها؛ فمن ذلك‏:

1- أمره سبحانه بعبادته وترك عبادة ما سواه؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏.‏

2- ومنها إخباره سبحانه أنه خلق الخلق لعبادته؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏}‏ ‏.‏

3- ومنها إخباره أنه أرسل جميع الرسل بالدعوة إلى عبادته والنهي عن عبادة ما سواه؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏}‏ ‏.‏

4- ومنها الاستدلال على توحيد الإلهية بانفراده بالربوبية والخلق والتدبير؛ كما في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ‏}‏ ‏.‏

5- ومنها الاستدلال على وجوب عبادته سبحانه بانفراده بصفات الكمال وانتفاء ذلك عن آلهة المشركين؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا‏}‏ ، وقوله عن خليله إبراهيم‏:‏ إنه قال لأبيه‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا‏}‏ ‏.‏

6- ومنها تعجيزه لآلهة المشركين؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ‏}‏ ‏.‏

7- ومنها تسفيه المشركين الذين يعبدون غير الله؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ‏}‏ ‏.‏

8- ومنها بيان عاقبة المشركين الذين يعبدون غير الله، وبيان مآلهم مع من عبدوهم، حيث تتبرأ منهم تلك المعبودات في أحرج المواقف؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ‏}‏ ‏.‏

9- ومنها رده سبحانه على المشركين في اتخاذهم الوسائط بينهم وبين الله بأن الشفاعة ملك له سبحانه؛ لا تطلب إلا منه، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، بعد رضاه عن المشفوع له؛ قال سبحانه‏:‏ ‏{‏أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ ، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى‏}‏ ؛ فبين سبحانه في هذه الآيات أن الشفاعة ملكه وحده، لا تطلب إلا منه، ولا تحصل إلا بعد إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له‏.‏

10- ومنها أنه بين سبحانه أن هؤلاء المعبودين من دونه لا يحصل منهم نفع لمن عبدهم من جميع الوجوه، ومن هذا شأنه لا يصلح للعبادة، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏.‏

11- ومنها أنه سبحانه ضرب أمثلة كثيرة في القرآن يتضح بها بطلان الشرك، من ذلك قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ‏}‏ ؛ شبه سبحانه التوحيد في علوه وارتفاعه وسعته وشرفه بالسماء، وشبه تارك التوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين؛ لأنه سقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر، وشبه الشياطين التي تقلقه بالطير التي تمزق أعضاءه، وشبه هواه الذي يبعده عن الحق بالريح التي ترمي به في مكان بعيد‏.‏ هذا مثال واحد من أمثلة كثيرة في القرآن ذكرها الله سبحانه لبيان بطلان الشرك وخسارة المشرك في الدنيا والآخرة‏.‏

وما سقناه في هذا الدرس من أساليب القرآن في الدعوة إلى توحيد الإلهية وإبطال الشرك قليل من كثير، وما على المسلم إلا أن يقرأ القرآن بتدبر ليجد الخير الكثير والأدلة المقنعة والبراهين الساطعة التي ترسخ عقيدة التوحيد في قلب المؤمن وتقتلع منه كل شبهة‏.‏

  حدوث الشرك في توحيد الألوهية

مطلوب من المسلم بعدما يعرف الحق أن يعرف ما يضاده من الباطل ليجتنبه، كما يقال‏:

عرفت الشر لا للشـ ** ـر لكن لتوقيـــه

وكان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول‏:‏ ‏"‏كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه‏"‏‏.‏

ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية‏"‏‏.‏

وقبل ذلك قال الخليل عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏{‏رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏.‏

فهذا مما يوجب شدة الخوف من الشرك ومعرفته ليجتنبه المسلم‏.‏ فالشرك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله؛ كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله‏.‏ والتوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة‏.‏ وهو أصيل في بني آدم، والشرك طارئ عليه؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ‏}‏ ‏:‏

قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏"‏كان بين آدم ونوح عشرة قرون؛ كلهم على الإسلام‏"‏‏.‏

قال ابن القيم رحمه الله‏:‏ ‏"‏هذا القول هو الصحيح في الآية‏"‏‏.‏

وصحح هذا القول أيضا ابن كثير‏.‏

وأول ما حدث الشرك في الأرض في قوم نوح حين غلوا في الصالحين‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا‏}‏ ‏.‏

قال البخاري في ‏"‏صحيحه‏"‏عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏"‏هذه أسماء رجال صالحون من قوم نوح، فلما هلكوا؛ أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم؛ عبدت‏"‏‏.‏

قال ابن القيم‏:‏ ‏"‏قال غير واحد من السلف‏:‏ لما ماتوا؛ عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم‏"‏‏.‏

ومن هذا الأثر الذي رواه البخاري عن ابن عباس في غلو قوم نوح في الصالحين وتصويرهم إياهم والاحتفاظ بصورهم ونصبها على المجالس منه ندرك خطورة التصوير وخطورة تعليق الصور على الجدران وخطورة نصب التماثيل في الميادين والشوارع، وأن ذلك يئول بالناس إلى الشرك، بحيث يتطور تعظيم تلك الصور والتماثيل المنصوبة، فيؤدي ذلك إلى عبادتها؛ كما حدث في قوم نوح‏.‏

ولهذا جاء الإسلام بتحريم التصوير ولعن المصورين وتوعدهم بأشد الوعيد، وأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة؛ سدا لذريعة الشرك، وابتعادا عن مضاهاة خلق الله عز وجل‏.‏

وندرك من هذه القصة مدى حرص الشيطان لعنه الله على إغواء بني آدم، ومكره بهم، وأنه قد يأتيهم من ناحية استغلال العواطف ودعوى الترغيب في الخير؛ فإنه لما رأى في قوم نوح ولوعهم بالصالحين ومحبتهم لهم؛ دعاهم إلى الغلو في هذه المحبة؛ بحيث أمرهم بنصب الصور التذكارية لهم، وهدفه من ذلك التدرج بهم في إخراجهم من الحق إلى الضلال، ولم يقصر نظره على الحاضرين، بل امتد إلى أجيالهم اللاحقة الذين قل فيهم العلم وفشا فيهم الجهل، فزين لهم عبادة هذه الصور، وأوقعهم في الشرك الأكبر، وكابروا نبيهم بقولهم‏:‏ ‏{‏لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ‏}‏ ‏.‏

قال الإمام ابن القيم رحمه الله‏:‏ ‏"‏وقد تلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام بكل قوم على قدر عقولهم‏:‏

فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا؛ كما في قوم نوح، وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين‏.‏ وأما خواصهم؛ فاتخذوا الأصنام على صور الكواكب المؤثرة في العالم بزعمهم، وجعلوا لهم بيوتا وسدنة وحجابا وقربانا، ولم يزل هذا في الدنيا قديما وحديثا، وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم قوم إبراهيم عليه السلام، الذين ناظرهم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريقه‏.‏ وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنما، وزعموا أنه يستحق العبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي‏.‏ وطائفة تعبد النار، وهم المجوس‏.‏ وطائفة تعبد الماء‏.‏ وطائفة تعبد الحيوانات؛ فطائفة عبدت الخيل، وطائفة عبدت البقر‏.‏ وطائفة عبدت البشر الأحياء والأموات‏.‏ وطائفة تعبد الجن‏.‏ وطائفة تعبد الشجر‏.‏ وطائفة تعبد الملائكة‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏ انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى‏.‏

وبه تعرف معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ‏}‏ ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا‏}‏ ‏.‏ هؤلاء المشركون لما تركوا عبادة الله وحده لا شريك له- وهي التي خلقوا من أجلها وبها سعادتهم-؛ ابتلوا بعبادة الشياطين، وتفرقت بهم الأهواء والشهوات؛ كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله‏:

هربوا من الرق الذي خلقوا له ** فبلوا برق النفس والشيطان

فلا اجتماع للقلوب ولا صلاح للعالم إلا بالتوحيد؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ ‏.‏

ولذلك إذا خلت الأرض من التوحيد؛ قامت القيامة؛ كما روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض‏:‏ الله الله‏)‏ ‏.‏

ومثل تفرق المشركين الأولين في عباداتهم ومعبوداتهم تفرق القبوريين اليوم في عبادة القبور؛ فكل منهم له ضريح خاص يتقرب إليه بأنواع العبادة، وكل طريقة من الطرق الصوفية لها شيخ اتخذه مريدوه ربا من دون الله يشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله‏.‏

وهكذا تلاعب الشياطين ببني آدم، ولا نجاة من شره ومكره إلا بتوحيد الله والاعتصام بكتابه وسنة رسوله‏.‏

نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه؛ إنه هو مولانا؛ فنعم المولى ونعم النصير‏.‏

  خطر الشرك ووجوب الحذر منه بتجنب أسبابه

الشرك أعظم الذنوب؛ لأن الله تعالى أخبر أنه لا مغفرة لمن لم يتب منه، مع أنه سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وذلك يوجب للعبد شدة الحذر وشدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه، ويحمله على معرفته لتوقيه، لأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم‏:

قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏}‏ ، وذلك لأنه تنقص لله عز وجل، ومساواة لغيره به؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ؛ لأن الشرك مناقض للمقصود بالخلق والأمر من كل وجه بالله عز وجل؛ فقد شبه المخلوق بالخالق، وأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات عن جميع المخلوقات‏.‏

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الشرك، وسد كل الطرق التي تفضي إليه؛ فقد بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وحالة العرب بل وحالة أهل الأرض كلهم إلا بقايا من أهل الكتاب كانت على أسوإ حالة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏.‏

لقد كانت الخليقة في هذه الفترة بين وثنية حائرة تتخذ آلهتها من حجارة منحوتة وأصنام منصوبة تعكف عندها وتطوف حولها وتقرب لها الذبائح من أنفس أموالها بل وحتى أولادها؛ كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏

وفريق آخر أهل الكتاب‏:‏ إما نصرانية حائرة ضلت عن سواء السبيل فجعلت الآلهة ثلاثة، واتخذت من أحبارها وقديسيها أربابا من دون الله‏.‏‏.‏‏.‏ وإما يهودية مدمرة عاثت في الأرض فسادا، وأشعلت نار الفتن، ونقضت عهد الله وميثاقه، وتلاعبت بنصوص كتابها حتى حرفتها عن مواضعها‏.‏

وفريق ثالث هم المجوس الذين يعبدون النيران، ويتخذون إلهين أحدهما خالق للخير والثاني خالق للشر بزعمهم‏.‏

وفريق رابع وهم الصابئون الذين يعبدون الكواكب والنجوم ويعتقدون تأثيرها في الأرض‏.‏

وفريق خامس هم الدهرية الذين لا يدينون بدين ولا يؤمنون ببعث ولا حساب‏.‏

هكذا كانت حالة أهل الأرض عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم؛ جهالة جهلاء وضلالة عمياء، فأنقذ الله به من قبل دعوته واستجاب له من الظلمات إلى النور، وأعاد الحنيفية السمحة ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهدم الأوثان، ونهى عن الشرك، وسد كل الوسائل الموصلة إليه‏.‏

  وإليك بيان الوسائل القولية والفعلية التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها تفضي إلى الشرك‏:‏

1- نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التلفظ بالألفاظ التي فيها التسوية بين الله وبين خلقه؛ مثل‏:‏ ما شاء الله وشئت، لولا الله وأنت‏.‏‏.‏‏.‏ وأمر بأن يقال بدل ذلك‏:‏ ما شاء الله ثم شئت؛ لأن الواو تقتضي التسوية، وثم تقتضي الترتيب، وهذه التسوية في اللفظ شرك أصغر، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر‏.‏

2- نهى صلى الله عليه وسلم عن الغلو في تعظيم القبور بالبناء عليها وإسراجها وتجصيصها والكتابة عليها‏.‏

3- نهى عن اتخاذ القبور مساجد للصلاة عندها؛ لأن ذلك وسيلة لعبادتها‏.‏

4- نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لما في ذلك من التشبه بالذين يسجدون لها في هذه الأوقات‏.‏

5- نهى عن السفر إلى أي مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله فيه بالعبادة؛ إلا إلى المساجد الثلاثة‏:‏ المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى‏.‏

6- ونهى صلى الله عليه وسلم عن الغلو في مدحه، فقال‏:‏ ‏(‏لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا عبد الله ورسوله‏)‏ ‏.‏ والإطراء‏:‏ هو المبالغة في المدح‏.‏

7- ونهى صلى الله عليه وسلم عن الوفاء بالنذر- إذا كان في مكان يعبد فيه صنم أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية-‏.‏

كل هذا حذر منه صيانة للتوحيد، وحفاظا عليه، وسدا للوسائل والذرائع التي تفضي إليه‏.‏

ومع هذا البيان التام من النبي صلى الله عليه وسلم والاحتياط الشديد الذي يبعد الأمة عن الشرك خالف القبوريون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصوا أمره وارتكبوا ما نهاهم عنه؛ فشيدوا القباب على القبور، وبنوا عليها المساجد، وزينوها بأنواع الزخارف، وصرفوا لها أنواعا من العبادة من دون الله‏.‏

قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله‏:‏ ‏"‏ومن جمع بين سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم؛ رأى أحدهما مضادا للآخر مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا‏.‏

فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور وهؤلاء يصلون عندها وإليها‏.‏

ونهى عن اتخاذها مساجد وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله‏.‏

ونهى عن إيقاد السرج عليها وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها‏.‏

ونهى أن تتخذ عيدا وهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك يجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر‏.‏

وأمر بتسويتها؛ كما روى مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏عن أبي الهياج الأسدي؛ قال‏:‏ ‏(‏قال لي علي رضي الله عنه ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته‏؟‏‏)‏ وهؤلاء يبالغون في مخالفة الحديث، ويرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب‏.‏

ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه؛ كما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه‏.‏ ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكتابة عليها؛ كما روى أبو داود في ‏"‏سننه‏"‏عن جابر‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏نهى عن تجصيص القبور وأن يكتب عليها‏)‏ ‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن وغيره‏.‏

ونهى أن يزاد عليها غير ترابها؛ كما روى أبو داود عن جابر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه أو يزاد عليه‏.‏ وهؤلاء يزيدون عليها الآجر والجص والأحجار‏.‏ قال إبراهيم النخعي‏:‏ ‏"‏كانوا يكرهون الآجر على قبورهم‏"‏‏.‏

والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور، المتخذين لها أعيادا، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب؛ مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، محادون لما جاء به‏.‏

وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

انتهى كلام ابن القيم رحمه الله في وصف ما أحدثه عباد القبور في زمانه، وقد زاد الأمر بعده وتطور إلى أشد وأشنع، واعتبر من ينكر ذلك شاذا متشددا متنقصا لحق الأولياء‏.‏‏.‏‏.‏

ومن العجب أنهم يغارون لتنقص حق الأولياء؛ حيث اعتبروا ترك عبادتهم تنقصا لهم، ولا يغارون لتنقص حق الله بالشرك الأكبر، ولا يغارون لتنقص رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخالفة سنته، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

8- الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم‏:‏ لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو في تعظيمه ومدحه، وغيره من باب أولى؛ لأن ذلك يؤدي إلى إشراك المخلوقين في حق الخالق سبحانه وتعالى‏.‏

ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو في مدحه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا عبد الله ورسوله‏)‏ ‏.‏ رواه البخاري ومسلم‏.‏ والإطراء هو مجاوزة الحد في مدحه؛ أي‏:‏ لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى ابن مريم عليه السلام حتى ادعوا فيه الألوهية‏.‏ ‏"‏إنما أنا عبد، فقولوا‏:‏ عبد الله ورسوله‏"‏؛ أي‏:‏ صفوني بذلك ولا تزيدوا عليه؛ فقولوا‏:‏ عبد الله ورسوله، كما وصفني ربي بذلك؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الرسول‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي‏}‏ ‏.‏

فأبى المشركون إلا مخالفة أمره وارتكاب نهيه، فعظموه بما نهاهم عنه وحذرهم منه، وناقضوه أعظم مناقضة، وشابهوا النصارى في غلوهم وشركهم، وجرى منهم من الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم بما هو صريح الشرك في نثرهم وشعرهم، كقول البوصيري في ‏"‏البردة‏"‏ يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم‏:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ** سواك عند حلول الحادث العمم

وما بعده من الأبيات التي مضمونها توجيه الدعاء والعياذ واللياذ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب تفريج الكربات منه في أضيق الحالات وأشد الصعوبات، ونسي الله عز وجل‏!‏‏!‏

وذلك أن الشيطان زين لهذا الناظم ولأمثاله سوء عملهم، فأظهر لهم هذا الغلو في مدحه -وإن كان شركا أكبر- في قالب حبه وتعظيمه صلى الله عليه وسلم، وأظهر لهم التزام السنة في عدم الغلو به صلى الله عليه وسلم في قالب بغضه وتنقصه‏.‏

وفي الحقيقة إن ارتكاب ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم من الإفراط في مدحه وترك متابعته في أقواله وأفعاله وعدم الرضى بحكمه هو التنقص الحقيقي له صلى الله عليه وسلم، فلا يحصل تعظيمه ولا تتحقق محبته إلا باتباعه ونصرة دينه وسنته‏.‏

وقد جاء في حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه؛ قال‏:‏ ‏(‏انطلقت مع وفد بني عامر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقلنا أنت سيدنا وابن سيدنا فقال‏:‏ ‏"‏السيد الله تبارك وتعالى‏"‏ فقلنا‏:‏ وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا فقال‏:‏ قولوا بقولكم -أو بعض قولكم-، ولا يستجرينكم الشيطان‏)‏ ‏.‏ رواه أبو داود بسند جيد‏.‏ ففي هذا الحديث منع صلى الله عليه وسلم هؤلاء أن يقولوا له‏:‏ أنت سيدنا، وقال‏:‏ ‏"‏السيد الله تبارك وتعالى‏"‏، ونهاهم أن يقولوا‏:‏ وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا‏!‏ وذلك لأنه خشي عليهم الغلو، وكره أن يواجهوه بالمدح فيفضي بهم إلى الغلو، وقال‏:‏ ‏"‏لا يستجرينكم الشيطان‏"‏؛ أي‏:‏ يتخذكم جريا له، والجري الرسول والوكيل، فبين بهذا أن مواجهة المادح للممدوح بالمدح ولو بما فيه أنه من عمل الشيطان؛ لأن ذلك يسبب تعاظم الممدوح، وذلك مما ينافي كمال التوحيد؛ كما أنه قد يسبب غلو المادح حتى ينزل الممدوح منزلة لا يستحقها‏.‏

وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن إطرائه، والإطراء هو الزيادة في المدح حتى يفضي ذلك إلى الشرك به ووصفه بأوصاف الربوبية؛ كما حصل في كثير من المدائح النبوية التي نظمها بعض الغالين؛ كصاحب ‏"‏البردة‏"‏وغيره، مما جرهم إلى الشرك الأكبر؛ كقول صاحب ‏"‏البردة‏"‏‏:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ** سواك عند حلول الحادث العمم

وقوله‏:‏

فإن من جودك الدنيا وضرتها ** ومن علومك علم اللوح والقلم

والنبي صلى الله عليه وسلم لما أكمل الله له مقام العبودية؛ صار يكره أن يمدح؛ صيانة لمقام العبودية، وحماية للعقيدة، وأرشد الأمة إلى ترك ذلك؛ نصحا لها، وحماية لمقام التوحيد عن أن يدخله ما يفسده أو يضعفه من الشرك ووسائله، ومن ذلك نهيه لهؤلاء أن يقولوا له‏:‏ أنت سيدنا، والسيد مأخوذ من السؤدد‏.‏

قال ابن الأثير في ‏"‏النهاية‏"‏‏:‏ ‏"‏والسيد يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومتحمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم‏"‏، وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث‏:‏ ‏"‏السيد الله‏"‏؛ يريد أن السؤدد حقيقة لله عز وجل، وأن الخلق كلهم عبيد له، والسيد إذا أطلق على الله تعالى، فهو بمعنى المالك والمولى والرب‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏"‏الله الصمد‏"‏، أي‏:‏ السيد الذي كمل في جميع أنواع السؤدد‏"‏‏.‏

قال ابن الأثير رحمه الله‏:‏ ‏"‏فيه أنه جاء رجل من قريش، فقال‏:‏ أنت سيد قريش‏!‏ فقال‏:‏ ‏"‏السيد الله‏"‏؛ أي‏:‏ هو الذي تحق له السيادة، كأنه كره أن يحمد في وجهه وأحب التواضع‏.‏ وحديث‏:‏ ‏(‏أنا سيد ولد آدم ولا فخر‏)‏ ‏:‏ قاله إخبارا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدثا بنعمة الله تعالى عليه، وإعلاما لأمته؛ ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله‏:‏ ‏"‏ولا فخر‏"‏؛ أي‏:‏ إن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله، ولم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي؛ فليس لي أن أفتخر بها‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏اهـ‏.‏

فهو صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم كما أخبر بذلك، لكن لما واجهه هؤلاء بهذا اللفظ؛ نهاهم عنه؛ خوفا من الغلو الذي يفضي بهم إلى الشرك‏.‏ ومما يوضح هذا الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏أن ناسا قالوا يا خيرنا وابن خيرنا‏!‏ وسيدنا وابن سيدنا‏!‏ فقال يا أيها الناس‏!‏ قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل‏)‏ ‏.‏ رواه النسائي بسند جيد‏.‏

ففي هذا الحديث ما يبين أنه نهاهم أن يقولوا يا سيدنا خشية عليهم من الغلو في حقه، فسد هذا الطريق من أساسه، وأرشدهم أن يصفوه بصفتين هما أعلى مراتب العبودية، وقد وصفه الله بهما في مواضع من كتابه، وهما قوله‏:‏ عبد الله ورسوله، ولم يحب أن يرفعوه فوق ما أنزله الله عز وجل حماية للتوحيد‏.‏

وهذا كثير في السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم‏:‏

كقوله‏:‏ ‏(‏لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا عبد الله ورسوله‏)‏ ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عز وجل‏)‏ ‏.‏

ونهى عن التمادح وشدد فيه؛ كقوله لمن مدح إنسانا‏:‏ ‏(‏ويلك‏!‏ قطعت عنق صاحبك‏)‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏إذا لقيتم المداحين؛ فاحثوا في وجوههم التراب‏)‏ ‏.‏ وذلك لما يخاف على المادح من الغلو، وعلى الممدوح من الإعجاب، وكلاهما يؤثران على العقيدة‏.‏

بقي أن يقال‏:‏ هل يجوز أن يقال للمخلوق‏:‏ سيد‏؟‏

قال العلامة ابن القيم‏:‏ ‏"‏اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر، فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له‏:‏ يا سيدنا‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏السيد الله تبارك وتعالى‏)‏ ‏.‏ وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار‏:‏ ‏(‏قوموا إلى سيدكم‏)‏، وهذا أصح من الحديث الأول‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏ انتهى‏.‏

قال الشارح‏:‏ ‏"‏وأما استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار‏:‏ ‏"‏قوموا إلى سيدكم‏"‏؛ فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يواجه سعدا به، فيكون في هذا المقام تفصيل‏"‏‏.‏ انتهى‏.‏

وكأنه يقصد بالتفصيل أنه لا يجوز أن يواجه الإنسان ويقال له‏:‏ يا سيد‏!‏ من باب المدح، ويجوز أن يقال هذا في حقه إذا كان غائبا وكان ممن يستحق هذا الوصف جمعا بين الأدلة‏.‏ والله أعلم‏.‏

9- الغلو في الصالحين‏:‏ إذا كان الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم ممنوعا؛ فالغلو في حق غيره من الصالحين من باب أولى‏.‏

والمراد بالغلو في الصالحين‏:‏ رفعهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إلى ما لا يجوز إلا لله؛ من الاستغاثة بهم في الشدائد، والطواف بقبورهم، والتبرك بتربتهم، وذبح القرابين لأضرحتهم، وطلب المدد منهم‏.‏

وقد أدخل الشيطان الشرك على قوم نوح من باب الغلو في الصالحين، فيجب الحذر من ذلك، وإن كان القصد حسنا‏.‏

وقد وقع في هذه الأمة مثل ما وقع لقوم نوح لما أظهر الشيطان لكثير من المفتونين الغلو والبدع في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم ليوقعهم فيما أوقع به قوم نوح؛ فما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف على قبور الصالحين يعتبر محبة لهم، وأن الدعاء عند قبورهم يستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء والتوسل بها، فإذا ألفوا ذلك، نقلهم منه إلى دعاء المقبورين وعبادتهم وسؤالهم الشفاعة من دون الله عز وجل، فتصبح قبورهم أوثانا تعلق عليها القناديل وتسدل عليها الستور ويطاف بها وتستلم وتقبل، فإذا ألفوا ذلك؛ نقلهم إلى أن يدعوا الناس إلى عبادة هذه القبور واتخاذها أعيادا ومناسك، فإذا ألفوا ذلك وتقرر عندهم، نقلهم إلى اعتقاد أن من نهى عنه فقد تنقص الأولياء وأبغضهم وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر لهم‏.‏

وقد سرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم؛ فعلوا ذلك كله تحت ستار حب الصالحين وتعظيمهم، وقد كذبوا في ذلك؛ لأن محبة الصالحين على الحقيقة تكون على وفق الكتاب والسنة، وذلك بمعرفة فضلهم والاقتداء بهم في الأعمال الصالحة من غير إفراط ولا تفريط‏:‏ ‏{‏يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية‏:‏ ‏"‏فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول‏:‏ يا سيدي فلان‏!‏ انصرني، أو‏:‏ أغثني، أو‏:‏ ارزقني، أو‏:‏ أنا في حسبك‏.‏‏.‏‏.‏ ونحو هذه من الأقوال؛ فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه؛ قإن تاب، وإلا؛ قتل، فإن الله سبحانه وتعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له ولا يدعى معه إله آخر، والذين يدعون مع الله إلها آخر مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم ويقولون‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏ ، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله سبحانه رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى كلام الشيخ رحمه الله، وبه يتضح كشف شبهة هؤلاء القبوريين، الذين يبررون فعلهم هذا بأنهم لا يعتقدون في الأولياء مشاركة الله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وإنما يعتقدون فيهم أنهم وسائط بينهم وبين الله في قضاء حاجاتهم وتفريج كربتهم، وهي نفس الشبهة التي قالها مشركو الجاهلية؛ كما ذكرها الله في كتابه وأبطلها‏.‏

والواقع أن شرك هؤلاء المتأخرين زاد على شرك الجاهلية، فصاروا يهتفون بأسماء هؤلاء الأموات في كل مناسبة، ولا يذكرون اسم الله إلا قليلا، وإنما يجري على ألسنتهم اسم الولي دائما، والأولون كانوا يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم دائم في الرخاء والشدة؛ كما قال الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله‏:

وكم هتفوا عند الشدائد باسمها ** كما يهتف المضطر بالصمد الفرد

فيا علماء المسلمين‏!‏ أنتم المسئولون عن هذه القطعان الضائعة والتائهة في الضلال‏.‏‏.‏‏.‏

لماذا لا تبينون لهم طريق الحق وتنهونهم عن هذا الشرك العظيم وأنتم تسكنون معهم وتخالطونهم‏؟‏‏!‏

لماذا ضيعتم ما أوجب الله عليكم من الدعوة والبيان بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ‏}‏ ‏؟‏‏!‏

أليس العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء جاءوا بإنكار هذا الشرك وجهاد أهله حتى يكون الدين كله لله‏؟‏‏!‏

فاتقوا الله الذي حملكم هذه المسئولية وسيسألكم عنها؛ فقد ورد في الحديث الصحيح أن العالم الذي لا يعمل بعلمه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة‏.‏

إن كنتم ترون هذا شركا وتركتم الناس عليه؛ فهذا أمر خطير، وإن كنتم لا ترونه شركا؛ قالأمر أشد خطرا؛ لأنكم جهلتم ما هو من أوضح الواضحات‏!‏

اللهم‏!‏ أصلح أحوال المسلمين، واهد ضلالهم؛ إنك على كل شيء قدير‏.‏

10- التصوير وسيلة إلى الشرك‏:

والتصوير معناه نقل شكل الشيء وهيئته بواسطة الرسم أو الالتقاط بالآلة أو النحت وإثبات هذا الشكل على لوحة أو ورقة أو تمثال‏.‏

وكان العلماء يتعرضون للتصوير في مواضيع العقيدة؛ لأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك وادعاء المشاركة لله بالخلق أو المحاولة لذلك، وأول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير حينما أقدم قوم نوح على تصوير الصالحين ونصب صورهم على المجالس‏.‏

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن التصوير بجميع أنواعه، ونهى عنه، وتوعد من فعله بأشد الوعيد، وأمر بطمس الصور وتغييرها؛ لأن التصوير فيه مضاهاة لخلق الله عز وجل الذي انفرد بالخلق؛ فهذا الإنسان المصور يحاول أن يضاهي الله عز وجل فيما انفرد به من الخلق، ولأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك؛ فأول حدوث الشرك في الأرض كان بسبب التصوير، لما زين الشيطان لقوم نوح تصوير الصالحين، ونصب صورهم على المجالس لأجل تذكر أحوالهم والاقتداء بهم في العبادة، حتى آل الأمر إلى عبادة تلك الصور، واعتقاد أنها تنفع وتضر من دون الله‏.‏

فالتصوير هو منشأ الوثنية؛ لأن تصوير المخلوق تعظيم له وتعلق به في الغالب، خصوصا إذا كان المصور له شأن من سلطة أو علم أو صلاح، وخصوصا إذا عظمت الصورة بنصبها على حائط أو إقامتها في شارع أو ميدان؛ فإن ذلك يؤدي إلى التعلق بها من الجهال وأهل الضلال، ولو بعد حين، ثم هذا أيضا فيه فتح باب لنصب الأصنام والتماثيل التي تعبد من دون الله‏.‏

وسأورد الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا الموضوع مع التعليق عليها بما تيسر‏:‏

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قال الله تعالى‏:‏ ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؛ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة‏)‏ ‏.‏ أخرجه البخاري ومسلم‏.‏

ومعناه‏:‏ لا أحد أشد ظلما من المصور؛ لأنه لما صور الصورة على شكل ما خلقه الله من إنسان أو بهيمة أو غيرهما من ذوات الأرواح؛ صار مضاهيا لخلق الله الذي هو خالق كل شيء، وهو رب كل شيء، وهو الذي صور جميع المخلوقات وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها حياتها؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ‏}

ثم إن الله تحدى هؤلاء المصورين الذين يحاولون مضاهاة خلقه أن يوجدوا في تلك الصور التي صوروها أرواحا تحيا بها كما في المخلوق الذي صوروا، وهذا بيان لعجزهم وفشلهم في محاولتهم، وكما أنهم عاجزون عن إيجاد حيوان ذي روح؛ فهم عاجزون عن إيجاد الثمر والحب؛ فليخلقوا حبة‏.‏

2- وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله‏)‏ ‏.‏

فهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بشدة عذاب المصورين يوم القيامة وسوء عاقبتهم، وإن عاشوا في هذه الدنيا سالمين، وسموا فنانين، وشجعوا بأنواع التشجيع؛ فإن لهم مصيرا ينتظرهم إذا لم يتوبوا؛ لأنهم بعملهم هذا يضاهون بخلق الله؛ أي‏:‏ يشابهون بما يصنعونه من الصور ما صنعه الله من الخلق وتفرد به وهو الخلاق العليم‏.‏ ‏{‏أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ‏}

قال الإمام النووي رحمه الله على هذا الحديث‏:‏ ‏"‏قيل‏:‏ هذا محمول على صانع الصورة لتعبد، وهو صانع الأصنام ونحوها؛ فهذا كافر، وهو أشد الناس عذابا‏.‏ وقيل‏:‏ هو فيمن قصد هذا المعنى الذي في الحديث من مضاهاته خلقه، واعتقد ذلك؛ فهذا كافر أيضا، وله من شدة العذاب ما للكافر، ويزيد عذابه بزيادة كفره‏.‏ فأما من لم يقصد بها العبادة ولا المضاهاة؛ فهو فاسق صاحب ذنب كبير لا يكفر‏"‏‏.‏

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله‏:‏ ‏"‏وإذا كان هذا فيمن صور صورة على مثال ما خلقه الله من الحيوان؛ فكيف بمن سوى المخلوق برب العالمين، وصرف له شيئا من العبادة‏.‏

3- وروى البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم‏)‏ ‏.‏

ومعناه‏:‏ أنه في يوم القيامة تحضر جميع الصور التي صورها في الدنيا، ويجعل في كل واحدة منه نفس يعذب بها في جهنم، قلت الصور أم كثرت، فيقاسي عذابها، بحيث يكون من كل صورة شخص يعذب به في جهنم‏"‏‏.‏

4- وروى البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عباس أيضا‏:‏ ‏"‏من صور صورة، كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ‏"‏‏.‏

وهذا نوع آخر من العذاب للمصور، ومعناه واضح، وهو أن المصور تحضر أمامه جميع الصور التي صورها في الدنيا، ثم يؤمر أن ينفخ في كل واحدة منها الروح، وأنى له ذلك، و ‏{‏الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏}‏ ، وإنما هذا تعذيب له وتعجيز له؛ لأنه يكلف ما لا يطيق، فيكون معذبا دائما‏.‏ فالحديث يدل على طول تعذيبه وإظهار عجزه عما كان يتعاطاه في دنياه من مضاهاة خلق الله‏.‏

5- وروى مسلم رحمه الله عن أبي الهياج؛ قال‏:‏ ‏(‏قال لي علي رضي الله عنه ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته‏)‏ ‏.‏

ففي هذا الحديث الأمر بطمس الصور، وهو تغييرها عن هيئتها، حتى لا تبقى على حالها المشابهة لخلق الله، وفيه الأمر بهدم المباني المقامة على القبور من قباب ومساجد وغيرها من مظاهر الوثنية‏.‏

ففي هذا الحديث الأمر بالقضاء على وسيلتين من أكبر وسائل الشرك وذرائعه المفضية إليه، هما التصوير والبناء على القبور، وهذا وأمثاله من أكبر مصالح الدين وحماية عقيدة المسلمين‏.‏

وقد كثر في زماننا هذا التصوير واستعماله ونصب الصور بتعليقها والاحتفاظ بالصور التذكارية‏(2)، وكثر أيضا في هذا الزمان البناء على القبور، حتى صار ذلك أمرا مألوفا، وذلك بسبب غربة الدين، وخفاء السنن، وظهور البدع، وسكوت كثير من العلماء، واستسلامهم للأمر الواقع، حتى أصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا في غالب البلدان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

فالواجب التنبيه والنصيحة لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم، خصوصا وأن دعاة الضلال والمروجين للباطل كثيرون؛ فلا بد من كشف زيفهم ورد ضلالهم وتبصير المسلمين بشرهم حتى يحذروهم‏.‏ وفق الله المسلمين للعمل بكتابه وسنة رسوله‏.‏

    نقض شبهات المشركين التي يتعلقون بها في تبرير شركهم في توحيد الإلهية

إنه بسبب رواج الشبه والحكايات التي ضل بها أكثر الناس واعتبروها أدلة يستندون إليها في تبرير ضلالتهم وشركهم؛ استمرءوا ما هم عليه، فكان لا بد من كشف زيفها وبيان بطلانها؛ ‏{‏لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ‏}

وهذه الشبه منها ما هو قديم أدلى به المشركون من الأمم السابقة، ومنها ما أدلى به مشركو هذه الأمة، ومن هذه الشبه‏:

 أولا‏:‏

شبهة تكاد تكون مشتركة بين طوائف المشركين في مختلف الأمم، وهي شبهة الاحتجاج بما كان عليه الآباء والأجداد، وأنهم ورثوا هذه العقيدة خلفا عن سلف، كما قال الله تعالى عنهم‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ‏}

وهذه حجة يلجأ إليها من يعجز عن إقامة الدليل على دعواه، وهي حجة داحضة، لا يقام لها وزن في سوق المناظرة؛ فإن هؤلاء الآباء الذين قلدوهم ليسوا على هدى، ومن كان كذلك؛ لا تجوز متابعته والاقتداء به‏.‏

قال تعالى ردا عليهم‏:‏ ‏{‏قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ‏}

وإنما يكون الاقتداء بالآباء محمودا إذا كانوا على حق‏:‏

كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام أنه قال‏:‏ ‏{‏وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ‏}

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏}

وشبهة الاحتجاج بما كان عليه الآباء الضالون متغلغلة في نفوس المشركين، يقابلون بها دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام‏:

فقوم نوح لما قال لهم نوح‏:‏ ‏{‏يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ‏}‏ ، فجعلوا ما عليه آباءهم حجة يعارضون بها ما جاءهم به نبيهم نوح عليه السلام‏.‏

وقوم صالح عليه السلام يقولون له‏:‏ ‏{‏أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا‏}

وقوم إبراهيم يقولون له‏:‏ ‏{‏بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ‏}

وفرعون يقول لموسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى‏}

ومشركو العرب يقولون لمحمد صلى الله عليه وسلم لما قال لهم‏:‏ قولوا‏:‏ لا إله إلا الله‏!‏ قالوا‏:‏ ‏{‏مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ‏}

 ثانيا‏:

ومن الشبه التي يدلي بها عباد القبور اليوم ظنهم أن مجرد النطق بلا إله إلا الله يكفي لدخول الجنة، ولو فعل الإنسان ما فعل؛ فإنه لا يكفر وهو يقول‏:‏ لا إله إلا الله، متمسكين بظواهر الأحاديث التي ورد فيها أن من نطق بالشهادتين حرم على النار‏.‏

والجواب عن هذه الشبهة‏:‏ أن هذه الأحاديث ليست على إطلاقها، وإنما هي مقيدة بأحاديث أخرى جاء فيها أنه لا بد لمن قال‏:‏ لا إله إلا الله‏:‏ أن يعتقد معناها بقلبه ويعمل بمقتضاها فيكفر بما يعبد من دون الله‏.‏

كما في حديث عتبان‏:‏ ‏(‏فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله‏)‏ ‏.‏ وإلا؛ فالمنافقون يقولون‏:‏ لا إله إلا الله بألسنتهم، وهم في الدرك الأسفل من النار، ولم ينفعهم النطق بلا إله إلا الله؛ لأنهم لا يعتقدون ما دلت عليه بقلوبهم‏.‏

وفي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏‏:‏ ‏(‏من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله‏)‏ ‏.‏ فعلق النبي صلى الله عليه وسلم حرمة المال والدم على أمرين‏:‏ الأول‏:‏ قول لا إله إلا الله، والثاني‏:‏ الكفر بما يعبد من دون الله، ولم يكتف بمجرد النطق بلا إله إلا الله، فدل على أن الذي يقول لا إله إلا الله ولا يترك عبادة الموتى والتعلق بالأضرحة؛ لا يحرم ماله ولا دمه‏.‏

 ثالثا‏:

ومن الشبه التي يدلون بها أيضا‏:‏ دعواهم أنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية شرك وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن هذا الذي يمارسونه عند الأضرحة من عبادة الموتى ودعائهم من دون الله لا يسمى شركا عندهم‏.‏

والجواب عن هذه الشبهة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيكون في هذه الأمة مشابهة لليهود والنصارى فيما هم عليه، ومن جملة ذلكم اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنها لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمته بالمشركين، وحتى تعبد فئات من أمته الأوثان، وقد حدث في هذه الأمة من الشرك والمبادئ الهدامة والنحل الضالة ما خرج به كثير من الناس عن دين الإسلام، وهم يقولون لا إله إلا الله‏.‏‏.‏‏.‏

 رابعا‏:

ومن الشبه التي تعلقوا بها قضية الشفاعة؛ حيث يقولون‏:‏ نحن لا نريد من الأولياء والصالحين قضاء الحاجات من دون الله، ولكن نريد منهم أن يشفعوا لنا عند الله، لأنهم أهل صلاح ومكانة عند الله؛ فنحن نريد بجاههم وشفاعتهم‏.‏

والجواب‏:‏ أن هذا هو عين ما قاله المشركون من قبل في تبرير ما هم عليه، وقد كفرهم الله وسماهم مشركين؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ‏}

والشفاعة حق، ولكنها ملك لله وحده؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا‏}‏ ؛ فهي تطلب من الله لا من الأموات؛ لأن الله لم يرخص في طلب الشفاعة من الملائكة ولا من الأنبياء ولا غيرهم؛ لأنها ملكه سبحانه، وتطلب منه؛ ليأذن للشافع أن يشفع، وليس الأمر كما هو عند المخلوقين من تقدم الشفعاء لديهم بدون إذنهم، ويضطرون إلى قبول الشفاعة لحاجتهم إليهم، وإن لم يرضوا عن المشفوع فيه؛ لأنهم يحتاجون إلى الأعوان والوزراء، أما الله سبحانه؛ فلا يشفع أحد إلا بإذنه ورضاه عن المشفوع فيه؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى‏}

 خامسا‏:

ومن شبه هؤلاء أنهم يقولون‏:‏ إن الأولياء والصالحين لهم مكانة عند الله، ونحن نسأل الله بجاههم ومكانتهم‏.‏

والجواب‏:‏ أن المؤمنين كلهم أولياء الله، ولكن الجزم بشخص معين أنه ولي لله يحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة، ومن ثبت ولايته بالكتاب والسنة؛ لم يجز لنا الغلو فيه والتبرك به؛ لأن ذلك من وسائل الشرك، والله أمرنا بدعائه مباشرة دون اتخاذ وسائط بيننا وبينه، ولأن هذا هو التعليل الذي علل به المشركون من قبل أنهم اتخذوا هؤلاء شفعاء ووسائط بينهم وبين الله يسألون الله بجاههم وقربهم، فأنكر الله عليهم ذلك‏.‏

  بيان أنواع من الشرك الأكبر

الشرك نوعان‏:‏ شرك أكبر وشرك أصغر، والشرك الأكبر ينافي التوحيد ويخرج من الملة، وله أنواع كثيرة سبق بيان بعضها بما يمارس حول الأضرحة، وهناك أنواع أخرى منها‏:

  1- الشرك في الخوف

الخوف كما عرفه العلماء‏:‏ توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، وهو ثلاثة أقسام‏:

الأول‏:‏ خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أو ميت أو غائب من جن أو إنس أن يصيبه بما يكره؛ كما قال الله عن قوم هود عليه السلام‏:‏ إنهم قالوا له‏:‏ ‏{‏إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ‏}

وقد خوف المشركون رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم من أوثانهم؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ‏}

وهذا الخوف من غير الله هو الواقع اليوم من عباد القبور وغيرها من الأوثان؛ يخافونها، ويخوفون بها أهل التوحيد إذا أنكروا عبادتها وأمروا بإخلاص العبادة لله‏.‏

وهذا النوع من الخوف من أهم أنواع العبادة، يجب إخلاصه لله وحده؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ‏}

وهذا الخوف من أعظم مقامات الدين وأجلها؛ فمن صرفه لغير الله؛ فقد أشرك بالله الشرك الأكبر والعياذ بالله‏.‏

الثاني‏:‏ من أنواع الخوف أن يترك الإنسان ما يجب عليه خوفا من بعض الناس؛ فهذا محرم، وهو شرك أصغر، وهذا هو المذكور في قوله تعالى‏:‏ ‏{ا‏لَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏}

وهذا أيضا هو الخوف المذكور في الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏لا يحقر أحدكم نفسه‏!‏ قالوا يا رسول الله‏!‏ كيف يحقر أحدنا نفسه‏؟‏ قال يرى أمرا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة ما منعك أن تقول في كذا وكذا‏؟‏ فيقول خشية الناس فيقول الله عز وجل فإياي كنت أحق أن تخشى‏)‏ ‏.‏

الثالث‏:‏ من أنواع الخوف‏:‏ الخوف الطبيعي، وهو الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك؛ فهذا ليس بمذموم؛ كما قال تعالى في قصة موسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ‏}

أما النوع الأول الذي هو خوف السر؛ فهو من أعظم أنواع العبادة؛ فيجب إخلاصه لله عز وجل‏.‏ وكذلك النوع الثاني؛ فهو من حقوق العبادة ومكملاتها‏.‏

ومعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ‏}‏ ‏:‏ أن يخوفكم بأوليائه‏.‏ ‏{‏فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ‏}‏ ‏:‏ نهي من الله للمؤمنين أن يخافوا غيره، وأمر لهم أن يقصروا خوفهم عليه؛ فإذا أخلصوا الخوف وجميع أنواع العبادة؛ أعطاهم ما يريدون وأمنهم مما يخافون‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ‏}

قال الإمام ابن القيم‏:‏ ‏"‏ومن كيد عدو الله أن يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه لئلا يجاهدوهم ولا يأمروهم بمعروف ولا ينهوهم عن منكر، وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان وتخويفه، ونهانا أن نخافهم، فكلما قوي إيمان العبد؛ زال منه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمانه؛ قوي خوفه منهم، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ‏}

فأخبر سبحانه أن مساجد الله لا يعمرها إلا أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا بجوارحهم وأخلصوا له الخشية دون سواه، فأثبت لهم عمارة المساجد بعد أن نفاها عن المشركين؛ لأن عمارة المسجد لا تكون إلا بالطاعة والعمل الصالح، والمشرك وإن عمل؛ فعمله ‏{‏كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا‏}‏ ، أو ‏{‏كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ‏}‏ وما كان كذلك؛ فالعدم خير منه؛ فلا تكون المساجد عامرة عمرانا صحيحا إلا بالعمل الصالح المؤسس على الإخلاص والتوحيد والعقيدة الصحيحة الخالية من الشرك والبدع والخرافات، وليس عمارتها بالطين والزخرفة وفخامة البناء فقط، أو إشادتها على القبور؛ فقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ‏}‏ ؛ قال ابن عطية‏:‏ ‏"‏يريد‏:‏ خشية التعظيم والعبادة والطاعة، ولا محالة أن الإنسان يخشى المحاذير الدنيوية‏"‏‏.‏

وقد كتب معاوية رضي الله عنه إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يطلب منها أن تكتب له كتابا توصيه فيه ولا تكثر عليه، فكتبت له عائشة رضي الله عنها ما نصه‏:‏ إلى معاوية، سلام عليك، أما بعد؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏من التمس رضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله‏؟‏ وكله الله إلى الناس‏)‏ ‏.‏

والسلام‏.‏ رواه أبو نعيم في الحلية، ورواه ابن حبان في ‏"‏صحيحه‏"‏بلفظ‏:‏ ‏(‏من التمس رضى الله بسخط الناس؛ رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله؛ سخط الله عليه وأسخط عليه الناس‏)‏ ‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته‏:‏ ‏(‏من أرضى الله بسخط الناس؛ كفاه مؤونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله؛ لم يغنوا عنه من الله شيئا‏)‏ ‏.‏ هذا لفظ المرفوع‏.‏

ولفظ الموقوف‏:‏ ‏"‏من أرضى الله بسخط الناس؛ رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله؛ عاد حامده من الناس له ذاما ‏"‏‏.‏

وهذا من أعظم الفقه في الدين؛ فإن من أرضى الله بسخطهم، كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، والله كاف عبده، ‏{‏وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ‏}‏ ، والله يكفيه مؤونة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه؛ فقد لا يحصل ذلك، ولكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبين لهم العاقبة‏.‏ ومن أرضى الناس بسخط الله؛ لم يغنوا عنه من الله شيئا؛ كالظالم الذي يعض على يديه، وأما كون حامده ينقلب ذاما؛ فهذا يقع كثيرا، ويحصل في العاقبة؛ فإن العاقبة للتقوى، ولا تحصل ابتداء عند أهوائهم‏"‏‏.‏ انتهى كلامه رحمه الله‏.‏

ومن هذا الحديث برواياته يتبين أن الإنسان إذا كان يطلب بعمله إرضاء الله بما يسخط الناس؛ حصل على مصلحتين عظيمتين‏:‏ رضى الله تعالى ورضى الناس، ومن كان بالعكس يطلب بعمله إرضاء الناس بما يسخط الله عز وجل، حصل له مضرتان‏:‏ سخط الله وسخط الناس، فدل على أن إرضاء الله تعالى يجمع الخير كله، وأن إرضاء الناس بما يسخط الله يجمع الشر كله‏.‏ نسأل الله العافية والسلامة‏.‏

هذا ويجب أن نعلم أن الخوف من الله سبحانه يجب أن يكون مقرونا بالرجاء والمحبة؛ بحيث لا يكون خوفا باعثا على القنوط من رحمة الله؛ فالمؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، بحيث لا يذهب مع الخوف فقط حتى يقنط من رحمة الله، ولا يذهب مع الرجاء فقط حتى يأمن من مكر الله؛ لأن القنوط من رحمة الله والأمن من مكره ينافيان التوحيد‏:‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ‏}

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ‏}

وقال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ‏}

قال إسماعيل بن رافع‏:‏ ‏"‏من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة‏"‏‏.‏

وقال العلماء‏:‏ القنوط‏:‏ استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم‏.‏

فلا يجوز للمؤمن أن يعتمد على الخوف فقط حتى يقنط من رحمة الله، ولا على الرجاء فقط حتى يأمن من عذاب الله، بل يكون خائفا راجيا؛ يخاف ذنوبه، ويعمل بطاعة الله، ويرجو رحمته؛ كما قال تعالى عن أنبيائه‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ‏}‏ ، وقال‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}

والخوف والرجاء إذا اجتمعا؛ دفعا العبد إلى العمل وفعل الأسباب النافعة؛ فإنه مع الرجاء يعمل الطاعات رجاء ثوابها، ومع الخوف يترك المعاصي خوف عقابها‏.‏ أما إذا يئس من رحمة الله؛ فإنه يتوقف عن العمل الصالح، وإذا أمن من عذاب الله وعقوبته؛ فإنه يندفع إلى فعل المعاصي‏.‏

قال بعض العلماء‏:‏ من عبد الله بالحب وحده؛ فهو صوفي، ومن عبده بالخوف وحده؛ فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده؛ فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء؛ فهو مؤمن، كما وصف الله بذلك خيرة خلقه حيث يقول سبحانه‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ‏}

وقد وصف الله الذين أهملوا جانب الخوف واندفعوا في المعاصي، وأمنوا من العقوبة بأنهم الخاسرون، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ‏}

ومعنى الآيات‏:‏ أن الله لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل المتمادين في الكفر والمعاصي؛ ذكر أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من مكر الله وعدم الخوف منه، ومكر الله هو أنه إذا عصاه العبد وأغضبه؛ أنعم عليه بأشياء يظن العبد أنها من رضى الله عنه، وهي استدراج له؛ فهؤلاء الكفرة أمنوا مكر الله بهم لما استدرجهم بالسراء والنعم وعصوا رسلهم وتمادوا في المعاصي حتى أهلكهم الله‏.‏

وحذر من جاء بعدهم أن يفعل مثل فعلهم فيصيبه ما أصابهم، فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ‏}

قال بعض العلماء‏:‏ خوف العبد ينشأ من أمور هي‏:‏

* أولا‏:‏ معرفته بالجناية وقبحها‏.‏

* ثانيا‏:‏ تصديقه بالوعيد، وأن الله رتب على المعصية عقوبتها‏.‏

* ثالثا‏:‏ كونه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب‏.‏

وبهذه الثلاثة يتم له الخوف قبل الذنب وبعده ويكون خوفه أشد‏.‏

وكان الأنبياء عليهم السلام لا ينقطع أملهم بالله أبدا، ولا ييأسون من رحمة الله في جميع الأحوال، مهما اشتد الخطب وضعفت الأسباب‏:

فهذا خليل الله إبراهيم لما بشرته الملائكة بالولد مع كبر سنه وحال زوجه التي يستبعد معها حصول الولد، قال عند ذلك‏:‏ ‏{‏قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ‏}‏ ؛ لأنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم، لكنه قال للملائكة‏:‏ ‏{‏قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ‏}‏ ، قال ذلك على وجه التعجب والتفكر في عظيم قدرة الله ورحمته‏.‏

وهذا نبي الله يعقوب عليه السلام لما اشتد به الأمر وتأزم الحال بفراق بنيه؛ عظم رجاؤه بالله وطمعه برحمته، وقال لبنيه الحاضرين عنده‏:‏ ‏{‏يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأََسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ‏}‏ ، وقال‏:‏ ‏{‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا‏}

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال الله عنه‏:‏ ‏{‏إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا‏}‏ ، فعظم رجاؤه عند الشدة، ويقول‏:‏ ‏(‏واعلم أن الفرج مع الكرب‏)‏ ‏.‏

والله سبحانه ينهى عباده الذين كثرت ذنوبهم وعظمت جرائمهم أن يحملهم ذلك على القنوط من رحمته وترك التوبة منها؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ‏}‏ ؛ فنهى سبحانه عباده أن تحملهم كثرة ذنوبهم على ترك التوبة واليأس من المغفرة‏.‏

وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم اليأس من روح الله من الكبائر‏:‏

فعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر‏؟‏ فقال الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله‏)‏ ‏.‏

وعن ابن مسعود؛ قال‏:‏ أكبر الكبائر‏:‏ الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله‏.‏

لأن القنوط من رحمة الله‏:‏ سوء ظن بالله، وجهل بسعة رحمته ومغفرته‏.‏ والأمن من مكر الله‏:‏ جهل بالله وبقدرته، وثقة بالنفس وإعجاب بها‏.‏

وفي ذلك تنبيه على أن يكون العبد دائما بين الخوف والرجاء؛ فإذا خاف، فلا يقنط ولا ييأس، بل يرجو رحمة الله‏.‏ وإذا رجا؛ فلا يتمادى به الرجاء حتى يأمن العقوبة‏.‏

وكان بعض السلف يستحبون للعبد أن يقوي في حال الصحة جانب الخوف، وفي حالة المرض وعند الموت يقوي جانب الرجاء‏.‏

فتوازن القلب بين الخوف والرجاء يدفع على العمل الصالح والبعد عن المعاصي والتوبة من الذنوب، أما إذا اختل توازن القلب فمال إلى جانب واحد، فإن هذا مما يعطل حركة العمل ويعرقل سبيل التوبة ويوقع في الهلاك‏.‏

وفيما قصه الله عن الأمم السابقة التي عطلت جانب الخوف فحل بها عقاب الله خير مذكر لأهل الإيمان‏:‏

فها هم قوم هود يقولون له‏:‏ ‏{‏سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ‏}

والخوف والرجاء من أعظم أنواع العبادة؛ فيجب إخلاصهما لله عز وجل، والإخلال بهما إخلال بالتوحيد وإفساد للعقيدة‏.‏

  2- الشرك في المحبة

قلنا فيما سبق‏:‏ إن الخوف من الله تعالى لا بد أن يكون مقرونا بمحبته سبحانه؛ لأن تعبده بالخوف فقط هو أصل دين الخوارج‏.‏

فالمحبة هي أصل دين الإسلام الذي تدور عليه رحاه؛ فبكمال محبة الله يكمل دين الإسلام، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان‏.‏

والمراد بالمحبة هنا‏:‏ محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع وكمال الطاعة وإيثار المحبوب على غيره، فهذه المحبة خالصة لله، لا يجوز أن يشرك معه فيها أحد؛ لأن المحبة قسمان‏:

محبة مختصة‏:‏ وهي محبة العبودية التي تستلزم كمال الذل والطاعة للمحبوب، وهذه خاصة بالله سبحانه وتعالى‏.‏

والقسم الثاني‏:‏ محبة مشتركة، وهي ثلاثة أنواع‏:

النوع الأول‏:‏ محبة طبيعية؛ كمحبة الجائع للطعام‏.‏

النوع الثاني‏:‏ محبة إشفاق؛ كمحبة الوالد لولده‏.‏

النوع الثالث‏:‏ محبة أنس وإلف؛ كمحبة الشريك لشريكه والصديق لصديقه‏.‏

وهذه المحبة بأقسامها الثلاثة لا تستلزم التعظيم والذل، ولا يؤاخذ أحد بها، ولا تزاحم المحبة المختصة، فلا يكون وجودها شركا؛ لكن لا بد أن تكون المحبة المختصة مقدمة عليها‏.‏

والمحبة المختصة- وهي محبة العبودية- هي المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ‏}

قال الإمام ابن القيم رحمه الله على هذه الآية‏:‏ ‏"‏أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى؛ فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا فى الحب والتعظيم‏"‏‏.‏

وقال ابن كثير رحمه الله‏:‏ ‏"‏يذكر تعالى حال المشركين في الدنيا، وما لهم في الآخرة من العذاب والنكال؛ حيث جعلوا لله أندادا؛ أي‏:‏ أمثلا ونظراء‏.‏ ‏{‏يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ‏}‏ ؛ أي‏:‏ يساوونهم بالله في المحبة والتعظيم‏"‏‏.‏

وهذا الذي قاله ابن كثير رحمه الله هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ كما حكى الله هذه التسوية عنهم في قوله‏:‏ ‏{‏تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ‏}‏ ؛ أي‏:‏ أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لله، وقيل‏:‏ أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم، فدلت الآية على أن من أحب شيئا كحب الله، فقد اتخذه ندا لله‏.‏

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله‏:‏ ‏"‏وفيه أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله؛ فهو الشرك الأكبر‏"‏‏.‏

وقلنا قريبا‏:‏ إن محبة الله التي هي محبة العبودية يجب أن تقدم على المحبة التي ليست عبودية، وهي المحبة المشتركة؛ كمحبة الآباء والأولاد والأزواج والأموال؛ لأن الله توعد من قدم هذه المحبة على محبة الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ‏}‏ ؛ فتوعد سبحانه من قدم هذه المحبوبات الثمان على محبة الله ورسوله والأعمال التى يحبها، ولم يتوعد على مجرد حب هذه الأشياء؛ لأن هذا شيء جبل عليه الإنسان، ليس اختياريا، وإنما توعد من قدم محبتها على محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله ورسوله، فلا بد من إيثار ما أحبه الله من عبده وأراده على ما يحبه العبد ويريده‏.‏ فمحبة الله لها علامات تدل عليها‏:

منها‏:‏ أن من أحب الله تعالى؛ فإنه يقدم ما يحبه الله من الأعمال على ما تحبه نفسه من الشهوات والملذات والأموال والأولاد والأوطان‏.‏

ومنها‏:‏ أن من أحب الله تعالى؛ فإنه يتبع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، فيفعل ما أمر به، ويترك ما نهى عنه؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ‏}

قال بعض السلف‏:‏ ‏"‏ادعى قوم محبة الله، فأنزل الله تعالى آية المحبة‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏}‏ ؛ ففي الآية بيان دليل محبة الله وثمرتها وفائدتها؛ فدليلها وعلامتها‏:‏ اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفائدتها وثمرتها‏:‏ نيل محبة الله للعبد ومغفرته لذنوبه‏"‏‏.‏

ومن علامات صدق محبة العبد لله‏:‏ ما ذكره الله بقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ‏}‏ ؛ فذكر في هذه الآية الكريمة لمحبة الله أربع علامات

العلامة الأولى‏.‏ أن المحبين لله يكونون أذلة على المؤمنين؛ بمعنى أنهم يشفقون عليهم ويرحمونهم ويعطفون عليهم‏.‏ قال عطاء‏:‏ ‏"‏يكونون للمؤمنين كالوالد لولده‏"‏‏.‏

العلامة الثانية‏.‏ أنهم يكونون أعزة على الكافرين؛ أي‏:‏ يظهرون لهم الغلظة والشدة والترفع عليهم، ولا يظهرون لهم الخضوع والضعف‏.‏

العلامة الثالثة‏.‏ أنهم يجاهدون في سبيل الله بالنفس واليد والمال واللسان لإعزاز دين الله وقمع أعدائه بكل وسيلة‏.‏

العلامة الرابعة‏.‏ أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، فلا يؤثر فيهم ازدراء الناس لهم ولومهم إياهم على ما يبذلون من أنفسهم وأموالهم لنصرة الحق؛ لقناعتهم بصحة ما هم عليه وقوة إيمانهم ويقينهم، فكل محب يؤثر فيه اللوم فيضعفه عن مناصرة حبيبه فليس بمحب على الحقيقة‏.‏

والأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى عشرة أشياء ذكرها ابن القيم رحمه الله وهي‏:‏

أحدها‏.‏ قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به‏.‏

الثاني‏.‏ التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض‏.‏

الثالث‏.‏ دوام ذكر الله على كل حال باللسان والقلب والعمل‏.‏

الرابع‏.‏ إيثار ما يحبه الله على ما يحبه العبد عند تزاحم المحبتين‏.‏

الخامس‏.‏ التأمل في أسماء الله وصفاته وما تدل عليه من الكمال والجلال وما لها من الآثار الحميدة‏.‏

السادس‏.‏ التأمل في نعم الله الظاهرة والباطنة، ومشاهدة بره وإحسانه وإنعامه على عباده‏.‏

السابع‏.‏ انكسار القلب بين يدي الله وافتقاره إليه‏.‏

الثامن‏.‏ الخلوة بالله وقت النزول الإلهي حين يبقى ثلث الليل الآخر، وتلاوة القرآن في هذا الوقت، وختم ذلك بالاستغفار والتوبة‏.‏

التاسع‏.‏ مجالسة أهل الخير والصلاح المحبين لله عز وجل والاستفادة من كلامهم‏.‏

العاشر‏.‏ الابتعاد عن كل سبب يحول بين القلب وبين الله من الشواغل‏.‏

ومن توابع محبة الله ولوازمها محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين‏)‏ ؛ أي‏:‏ لا يؤمن الإيمان الكامل إلا من كان الرسول أحب إليه من نفسه وأقرب الناس إليه‏.‏

ومحبة الرسول تابعة لمحبة الله ملازمة لها، ومن أحب الرسول صلى الله عليه وسلم اتبعه؛ فمن ادعى محبته عليه الصلاة والسلام وهو يخالفه فيما جاء به فيطيع غيره من المنحرفين والمبتدعين والمخرفين فيحيي البدع ويترك السنن؛ فهو كاذب في دعواه أنه يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المحب يطيع محبوبه‏.‏

فالذين يحدثون البدع المخالفة لسنة الرسول بإحياء الموالد وغيرها من البدع، أو يفعلون ما هو أعظم من ذلك من الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، ودعائه من دون الله، وطلب المدد منه والاستغاثة به، ومع هذا يدعون أنهم يحبونه؛ فهذا من أعظم الكذب، وهم كالذين قال الله فيهم‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن هذه الأمور، وقد خالفوا نهيه وارتكبوا معصيته، وهم يدعون أنهم يحبونه، فكذبوا؛ نسأل الله العافية‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

  3- الشرك في التوكل

التوكل في اللغة معناه‏:‏ الاعتماد والتفويض، وهو من عمل القلب، يقال‏:‏ توكل في الأمر‏:‏ إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان‏:‏ إذا اعتمدت عليه‏.‏

والتوكل على الله من أعظم أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏}

والتوكل على غير الله تعالى أقسام‏:‏

أحدها‏:‏ التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؛ كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت في تحقيق المطالب من النصر والحفظ والرزق أو الشفاعة؛ فهذا شرك أكبر‏.‏

الثاني‏:‏ التوكل في الأسباب الظاهرة؛ كمن يتوكل على سلطان أو أمير أو أي شخص حي قادر فيما أقدره الله من عطاء أو دفع أذى ونحو ذلك؛ فهذا شرك أصغر؛ لأنه اعتماد على الشخص‏.‏

الثالث‏:‏ التوكل الذي هو إنابة الإنسان من يقوم بعمل عنه مما يقدر عليه كبيع وشراء؛ فهذا جائز، ولكن ليس له أن يعتمد عليه في حصول ما وكل إليه فيه، بل يتوكل على الله في تيسير أموره التي يطلبها بنفسه أو نائبه؛ لأن توكيل الشخص في تحصيل الأمور الجائزة من جملة الأسباب، والأسباب لا يعتمد عليها، وإنما يعتمد على الله سبحانه الذي هو مسبب الأسباب وموجد السبب والمسبب‏.‏

والتوكل على الله في دفع المضار وتحصيل الأرزاق وما لا يقدر عليه إلا هو من أعظم أنواع العبادة، والتوكل على غيره في ذلك شرك أكبر؛ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ ؛ فأمر الله سبحانه بالتوكل عليه وحده، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وجعل التوكل عليه شرطا في الإيمان كما جعله شرطا في الإسلام في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ‏}‏ ؛ فدل على انتفاء الإيمان والإسلام عمن لم يتوكل على الله أو توكل على غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو من أصحاب القبور والأضرحة وسائر الأوثان‏.‏

فالتوكل على الله فريضة يجب إخلاصها لله، وهو أجمع أنواع العبادة، وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها؛ لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة؛ فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل ما سواه؛ صح إخلاصه ومعاملته مع الله‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏وما رجا أحد مخلوقا ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏انتهى‏.‏

والتوكل على الله من أعظم منازل ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ؛ فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله سبحانه؛ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا‏}‏ ، والآيات في الأمر به كثيرة جدا، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ‏}

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏:‏ ‏"‏فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وكلما قوي إيمان العبد؛ كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان؛ ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفا؛ كان دليلا على ضعف الإيمان ولا بد، والله تعالى في مواضع من كتابه يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية؛ فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان لجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد؛ فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن؛ فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل ‏"‏‏.‏

وقد جعل الله التوكل عليه من أبرز صفات المؤمنين، فقال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}‏ ؛ أي‏:‏ يعتمدون عليه بقلوبهم؛ فلا يرجون سواه‏.‏ وفي الآية وصف المؤمنين حقا بثلاثة مقامات من مقامات الإحسان، وهي‏:‏ الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده‏.‏

والتوكل على الله سبحانه لا ينافي السعي في الأسباب والأخذ بها؛ فإن الله سبحانه وتعالى قدر مقدورات مربوطة بأسباب، وقد أمر الله تبارك وتعالى بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل؛ فالأخذ بالأسباب طاعة لله؛ لأن الله أمر بذلك، وهو من عمل الجوارح، والتوكل من عمل القلب، وهو إيمان بالله‏:

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ‏}

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ‏}

قال بعض العلماء‏:‏ ‏"‏من طعن في الحركة- يعني‏:‏ في السعي والكسب والأخذ بالأسباب-؛ فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل؛ فقد طعن في الإيمان‏"‏‏.‏

قال الإمام ابن رجب رحمه الله‏:‏ ‏"‏والأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام‏:‏

أحدها‏.‏ الطاعات التي أمر الله بها عباده وجعلها سببا للنجاة من النار ودخول الجنة؛ فهذا لا بد من فعله مع التوكل على الله فيه والاستعانة به عليه؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فمن قصر في شيء من ذلك؛ استحق العقوبة في الدنيا والآخرة قدرا وشرعا‏.‏ قال يوسف بن أسباط‏:‏ ‏"‏يقال‏:‏ اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له‏"‏‏.‏

والثاني‏.‏ ما أجرى الله العادة به في الدنيا وأمر عباده بتعاطيه؛ كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال من الحر، والتدفئة من البرد‏.‏‏.‏‏.‏ ونحو ذلك؛ فهذا أيضا واجب على العبد تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله؛ فهو مفرط يستحق العقوبة، لكن الله سبحانه وتعالى يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوي عليه غيره؛ فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره؛ فلا حرج عليه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل في صيامه، وينهى عن ذلك أصحابه، ويقول لهم‏:‏ ‏(‏إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى‏)‏ ، وقد كان كثير من السلف لهم من القوة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم؛ فمن كان له قوة، فعمل بمقتضى قوته، ولم يضعفه ذلك عن طاعة الله؛ فلا حرج عليه، ومن كلف نفسه حتى أضعفها عن بعض الواجبات؛ فإنه ينكر عليه ذلك‏.‏

والقسم الثالث‏.‏ ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وقد روي عن ابن عباس قال‏:‏ كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون‏:‏ نحن متوكلون‏!‏ فيحجون، فيأتون مكة، ويسألون الناس‏.‏‏.‏‏.‏ فأنزل الله هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى‏}

وقد سئل أحمد رحمه الله عمن يقعد ولا يكتسب ويقول‏:‏ توكلت على الله؛ فقال‏:‏ ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، وقد كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤجر نفسه وأبو بكر وعمر، ولم يقولوا نقعد حتى يرزقنا الله، وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ‏}

وخرج الترمذي من حديث أنس؛ قال‏:‏ ‏(‏قال رجل يا رسول الله‏!‏ أعقلها وأتوكل‏؟‏ أو أطلقها وأتوكل‏؟‏ قال اعقلها وتوكل‏)‏ ‏.‏

وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب المباحة، بل قد يكون جمعها أفضل، وقد لقي عمر بن الخطاب جماعة من أهل اليمن، فقال‏:‏ من أنتم‏؟‏ قالوا‏:‏ نحن المتوكلون‏.‏ قال‏:‏ بل أنتم المتأكلون‏!‏ إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله‏.‏

  4- الشرك في الطاعة

اعلموا- وفقني الله وإياكم- أن من الشرك طاعة العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله‏:

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}

وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي، فقال يا رسول الله‏!‏ لسنا نعبدهم قال أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه قال بلى قال النبى صلى الله عليه وسلم فتلك عبادتهم‏)‏ ‏.‏ رواه الترمذي وغيره‏.‏

وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم فيه اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله بأنه ليس معناه الركوع والسجود لهم، وإنما معناه طاعتهم في تغيير أحكام الله وتبديل شريعته بتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال، وأن ذلك يعتبر عبادة لهم من دون الله؛ حيث نصبوا أنفسهم شركاء لله في التشريع، فمن أطاعهم في ذلك؛ فقد اتخذهم شركاء لله في التشريع والتحليل والتحريم، وهذا من الشرك الأكبر، لقوله تعالى في الآية‏:‏ ‏{‏وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}

ومثل هذه الآية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ‏}

ومن هذا طاعة الحكام والرؤساء في تحكيم القوانين الوضعية المخالفة للأحكام الشرعية في تحليل الحرام؛ كإباحة الربا والزنى وشرب الخمر ومساواة المرأة للرجل في الميراث وإباحة السفور والاختلاط، أو تحريم الحلال؛ كمنع تعدد الزوجات، وما أشبه ذلك من تغيير أحكام الله واستبدالها بالقوانين الشيطانية؛ فمن وافقهم على ذلك ورضي به واستحسنه، فهو مشرك كافر والعياذ بالله‏.‏

ومن ذلك تقليد الفقهاء باتباع أقوالهم المخالفة للأدلة إذا كانت توافق أهواء بعض الناس وما يشتهونه؛ كما يفعل بعض أنصاف المتعلمين من تلمس الرخص، والواجب أن يؤخذ من قول المجتهد ما وافق الدليل ويطرح ما خالفه‏.‏

قال الأئمة رحمهم الله‏:‏ ‏"‏كل يؤخذ من قوله ويترك؛ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏‏.‏

قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله‏:‏ ‏"‏إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين؛ فهم رجال ونحن رجال ‏"‏؛ يريد رحمه الله أمثاله وأمثال الأئمة الكبار‏.‏

وقد استغل هذه الكلمة بعض أنصاف المتعلمين، الذين جعلوا أنفسهم في مصاف الأئمة المجتهدين، وهم لا يزالون جهالا، ولا شك أن الإمام أبا حنيفة لا يقصد مساواة العلماء بالجهال‏.‏

وقال مالك رحمه الله‏:‏ ‏"‏كلنا راد ومردود عليه؛ إلا صاحب هذا القبر -يعني‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم-‏"‏‏.‏

وقال الإمام الشافعي رحمه الله‏:‏ ‏"‏إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي‏"‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏"‏إذا خالف قولي قول رسول الله؛ فاضربوا بقولي عرض الحائط‏"‏‏.‏

وقال الإمام أحمد رحمه الله‏:‏ ‏"‏عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}

ويقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏"‏يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء‏!‏ أقول‏:‏ قال رسول الله‏!‏ وتقولون‏:‏ قال أبو بكر وعمر‏"‏‏.‏

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في ‏"‏فتح المجيد‏"‏‏:‏ ‏"‏فالواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله وفهم معنى ذلك أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء ونظر فيها وعرف أقوالهم أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة؛ فإن كل مجتهد من العلماء ومن تبعه وانتسب إليه يذكر دليله، والحق في المسألة واحد، والأئمة مثابون على اجتهادهم؛ فالمنصف يجعل النظر في كلامهم وتأمله طريقا إلى معرفة المسائل واستحضارها، وتمييز الصواب من الخطأ بالأدلة التي يذكرها المستدلون، ويعرف بذلك من هو أسعد بالدليل من العلماء فيتبعه‏"‏‏.‏

وقال رحمه الله على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ‏}‏ ‏:‏ ‏"‏وهذا وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوهم، لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلد- وهو من هذا الشرك‏(1)‏، ومنهم من يغلو في ذلك ويعتقد أن الأخذ بالدليل والحالة هذه يكره أو يحرم فعظمت الفتنة‏!‏ ويقول‏:‏ هو أعلم منا بالأدلة‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏انتهى‏.‏

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله‏:‏ ‏"‏المسألة الخامسة‏:‏ تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏انتهى‏.‏

ومن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا طاعة علماء الضلال فيما أحدثوه في دين الله من البدع والخرافات والضلالات؛ كإحياء أعياد الموالد والطرق الصوفية والتوسل بالأموات ودعائهم من دون الله، حتى إن هؤلاء العلماء الضالين شرعوا ما لم يأذن به الله، وقلدهم فيه الجهال السذج، واعتبروه هو الدين، ومن أنكره ودعا إلى اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبروه خارجا من الدين‏!‏ أو أنه يبغض العلماء والصالحين‏!‏‏!‏ فعاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، حتى شب على ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وهذا من غربة الدين وقلة الدعاة المصلحين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

وإذا كان لا يجوز اتباع أئمة الفقه المجتهدين فيما أخطئوا فيه من الاجتهاد مع أنهم معذورون ومأجورون فيما أخطئوا فيه من غير قصد- إلا أنه يحرم اتباعهم على الخطأ-‏؟‏ فكيف لا يحرم تقليد هؤلاء المضللين والدجالين الذين أخطئوا فيما لا يجوز الاجتهاد فيه- وهو أمر العقيدة-؛ لأن العقيدة توقيفية، تتوقف على النصوص‏؟‏‏!‏ ولكن الأمر كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ‏}

وإلى جانب هؤلاء المغرقين في التقليد الأعمى في الأصول والفروع، إلى جانبهم جماعة أخرى على النقيض منهم، ترى وجوب الاجتهاد على كل أحد، ولو كان جاهلا لا يحسن قراءة القرآن ولا يعرف شيئا عن العلم، ويحرمون النظر في كتب الفقه، ويريدون من الجهال أن يستنبطوا الأحكام من الكتاب والسنة‏!‏‏!‏ وهذا تطرف شنيع، وخطر هؤلاء على الأمة الإسلامية لا يقل عن خطر الفريق الأول إن لم يزد عليه، وخير الأمور الوسط والاعتدال؛ بأن لا نقلد الفقهاء تقليدا أعمى، ولا نزهد بعلمهم ونترك أقوالهم الموافقة للكتاب والسنة، بل ننتفع بها ونستعين بها على فهم الكتاب والسنة؛ لأنها ثروة علمية ورصيد فقهي عظيم يؤخذ منه ما وافق الدليل ويترك ما خالف الدليل؛ كما كان السلف الصالح يفعلون ذلك، خصوصا في هذا الزمان، الذي تقاصرت فيه الهمم، وفشا فيه الجهل؛ فالواجب الاعتدال بلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تساهل، ونسأل الله عز وجل أن يهدي ضال المسلمين ويثبت أئمتهم وقادتهم على الحق‏.‏‏.‏‏.‏ إنه سميع مجيب‏.‏

وكما لا تجوز طاعة العلماء في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فكذلك لا تجوز طاعة الأمراء والرؤساء في الحكم بين الناس بغير الشريعة الإسلامية؛ لأنه يجب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله في جميع المنازعات والخصومات وشئون الحياة؛ لأن هذا هو مقتضى العبودية والتوحيدة لأن التشريع حق لله وحده؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ‏}‏ ؛ أي‏:‏ هو الحكم وله الحكم‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ‏}

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا‏}

فالتحاكم إلى شرع الله ليس لطلب العدل فقط، وإنما هو في الدرجة الأولى تعبد لله وحق لله وحده وعقيدة؛ فمن احتكم إلى غير شرع الله من سائر الأنظمة والقوانين البشرية؛ فقد اتخذ واضعي تلك القوانين والحاكمين بها شركاء لله في تشريعه‏:

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ‏}

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ‏}

وقد نفى الله الإيمان عمن تحاكم إلى غير شرعه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا‏}

فمن دعا إلى تحكيم القوانين البشرية؛ فقد جعل لله شريكا في الطاعة والتشريع، ومن حكم بغير ما أنزل الله؛ يرى أنه أحسن أو مساو لما أنزله الله وشرعه أو أنه يجوز الحكم بهذا؛ فهو كافر بالله، وإن زعم أنه مؤمن؛ لأن الله أنكر على من يريد التحاكم إلى غير شرعه وكذبهم في زعمهم الإيمان؛ لأن قوله‏:‏ ‏{‏يَزْعُمُونَ‏}‏ متضمن لنفي إيمانهم؛ لأن هذه الكلمة تقال غالبا لمن يدعي دعوى هو فيها كاذب، ولأن تحكيم القوانين تحكيم للطاغوت، والله قد أمر بالكفر بالطاغوت، وجعل الكفر بالطاغوت ركن التوحيد؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى‏}‏ ؛ فمن حكم القوانين البشرية؛ لم يكن موحدا؛ لأنه اتخذ شريكا في التشريع والطاعة، ولم يكفر بالطاغوت الذي أمر أن يكفر به، وأطاع الشيطان؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا‏}

وقد أخبر الله أن المنافقين حينما يدعون إلى التحاكم إلى شرع الله يأبون ويعرضون، فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا‏}

كما أخبر أنهم يرون الفساد صلاحا؛ لانتكاس فطرهم وفساد قلوبهم، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ‏}

فالتحاكم إلى غير الله من أعمال المنافقين، وهو من أعظم الفساد في الأرض‏.‏‏.‏‏.‏

قال الإمام ابن القيم رحمه الله على هذه الآية‏:‏ ‏"‏قال أكثر المفسرين‏:‏ ولا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى طاعة غير الله بعد إصلاح الله لها ببعثة الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله؛ فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك ومخالفة أمره؛ فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع للرسول ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته؛ فلا سمع ولا طاعة، ومن تدبر أحوال العالم؛ وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله‏"‏‏.‏

وقد سمى الله كل حكم يخالف حكمه بأنه حكم الجاهلية؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏}

قال ابن كثير رحمه الله‏:‏ ‏"‏ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله؛ كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، وكما تحكم به التتار من السياسات، المأخوذ عن جنكيز خان، الذي وضع لهم ‏"‏الياسق‏"‏، وهو عبارة عن كتاب أحكام اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا، يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة؛ فمن فعل ذلك؛ فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله؛ فلا يحكم بسواه في قليل أو كثير‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏ انتهى كلامه رحمه الله‏.‏

ومثل قانون التتار هذا القوانين الوضعية التي جعلت اليوم في كثير من الدول هي مصادر الأحكام وألغيت من أجلها الشريعة الإسلامية إلا فيما يسمونه بالأحوال الشخصية‏.‏‏.‏‏.‏

والدليل على كفر من فعل ذلك آيات كثيرة؛ منها‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}

وكما قلنا قريبا إنه يجب تحكيم الشريعة عقيدة ودينا يدان الله به لا من أجل طلب العدالة فقط‏.‏

هذا ولابد للعبد من قبول حكم الله، سواء كان له أم عليه، وسواء وافق هواه أم لا‏:‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ‏}

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به‏)‏ ‏.‏

قال ابن رجب رحمه الله‏:‏ ‏"‏معنى الحديث‏:‏ أن الإنسان لا يكون مؤمنا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكره ما نهى عنه، وقد ورد القرآن بمثل هذا المعنى في غير موضع، وذم سبحانه من كره ما أحبه الله أو أحب ما كرهه الله؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ‏}

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وقد وصف المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ‏}‏ ، وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا سمي أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تنشأ من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه، وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فيجب على المؤمن محبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏ انتهى كلامه رحمه الله‏.‏

  أمور أخرى تنافي التوحيد

هذا وهناك أشياء تنافي التوحيد وتقتضي الردة عن الإسلام؛ منها‏:

 1- سوء الظن بالله

فسوء الظن بالله خطير؛ لأن حسن الظن بالله من واجبات التوحيد، وسوء الظن به ينافي التوحيد‏.‏

وقد وصف الله المنافقين أنهم يطنون به غير الحق، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ‏}

وأخبر عنهم في الآية الأخرى أنهم يظنون به ظن السوء، فقال‏:‏ ‏{‏وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا‏}

قال الإمام ابن القيم في تفسير الآية الأولى‏:‏ ‏"‏فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته؛ ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن لا يليق به سبحانه ولا بحكمته وحمده ووعده الصادق؛ فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة؛ فذلك ظن الذين كفروا؛ فويل للذين كفروا من النار‏.‏

وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده‏.‏

فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء‏.‏

ولو فتشت من فتشت؛ لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا؛ فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم‏.‏

فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ** وإلا فإني لا أخالك ناجيا

وقال ابن القيم رحمه الله‏:‏ ‏"‏فمن ظن به أنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائهم ويظهرهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا؛ فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بجلاله وكماله وصفاته ونعوته؛ فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به؛ فمن ظن به ذلك؛ فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله‏.‏

وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه؛ فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته، وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد، وظن أن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فواتها، وأن تلك الأسباب المكروهة له المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة؛ لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له؛ فما قدرها سدى ولا شاءها عبثا ولا خلقها باطلا، ‏{‏ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ‏}

وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حكمته وحمده‏.‏

فمن قنط من رحمته، وأيس من روحه؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏

ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويسوي بينهم وبين أعدائه؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏

ومن ظن أنه يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي، لا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملا كالأنعام؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏

ومن ظن أنه لا يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار؛ يجازي المحسن فيها بإحسانه والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسوله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏

ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه على امتثال أمره ويبطله بلا سبب من العبد، وأنه يعاقبه بما لا صنع له فيه ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة له في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به، أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله، ويجريها على أيديهم ليضلوا بها عباده، وأنه يحسن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته فيخلده في الجحيم في أسفل سافلين، وينعم من استنفذ عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحسن عنده سواء، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر صادق، وإلا؛ فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الآخر؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏

ومن ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزا بعيدة، وأشار إليه إشارات ملغزة، ولم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه وتأويله على غير تأويله ويتطلبوا له الوجوه والاحتمالات المستكرهة والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفونه من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏

فإنه إن قال‏:‏ إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه؛ فقد ظن بقدرته العجز‏.‏ وإن قال‏:‏ إنه قادر ولم يبين وعدل عن البيان وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد؛ فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء‏.‏

ومن ظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم، وأما كلام الله؛ فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المشركين والحيارى هو الهدى والحق؛ فهذا من أسوأ الظن‏.‏

فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين بالله غير الحق ظن الجاهلية‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

انتهى كلام الإمام ابن القيم في بيان من هم الذين يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، ومن أراد استيفاءه؛ فليراجعه في ‏"‏زاد المعاد‏"‏‏.‏ والله والمستعان‏.‏

 2- الاستهزاء بشيء فيه ذكر الله

يجب على المسلم احترام كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، وأن يعرف حكم من استهزأ بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول؛ ليكون المسلم على حذر من ذلك؛ فإن من استهزأ بذكر الله أو القرآن أو الرسول أو بشيء من السنة؛ فقد كفر بالله عز وجل؛ لاستخفافه بالربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد، وكفر بإجماع أهل العلم‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ‏}‏ الآية

وقد جاء بيان سبب نزول هاتين الآيتين الكريمتين أنه ما حصل من المنافقين في بعض الغزوات من سخرية بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏

فقد روى ابن جرير وغيره عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة دخل حديث بعضهم في بعض‏:‏ ‏(‏أنه قال رجل في غزوة تبوك‏:‏ ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء -يعني‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء-‏.‏ فقال له عوف بن مالك‏:‏ كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب عوف إلى رسول الله 0 ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق‏.‏ قال ابن عمر‏:‏ كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الحجارة تنكب رجليه وهو يقول‏:‏ إنما كنا نخوض ونلعب‏.‏ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ‏}‏‏)‏ ‏.‏

ففي هاتين الآيتين الكريمتين مع بيان سبب نزولهما دليل واضح على كفر من استهزأ بالله أو رسوله أو آيات الله أو سنة رسوله أو صحابة رسول الله؛ لأن من فعل ذلك؛ فهو مستخف بالربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد والعقيدة، ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء، ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله وعدم احترامهم أو الوقيعة فيهم من أجل العلم الذي يحملونه، وكون ذلك كفرا، ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء؛ لأن هؤلاء الذين نزلت فيهم الآيات جاءوا معترفين بما صدر منهم ومعتذرين بقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ‏}‏ أي‏:‏ لم نقصد الاستهزاء والتكذيب، وإنما قصدنا اللعب، واللعب ضد الجد، فأخبرهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن عذرهم هذا لا يغني من الله شيئا، وأنهم كفروا بعد إيمانهم بهذه المقالة التي استهزءوا بها، ولم يقبل اعتذارهم بأنهم لم يكونوا جادين في قولهم، وإنما قصدوا اللعب، ولم يزد صلى الله عليه وسلم في إجابتهم على تلاوة قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ‏}‏ لأن هذا لا يدخله المزح واللعب، وإنما الواجب أن تحترم هذه الأشياء وتعظم، وليخشع عند آيات الله إيمانا بالله ورسوله وتعظيما لآياته، والخائض اللاعب متنقص لها‏.‏

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب يرحمه الله‏:‏ ‏"‏القول الصريح في الاستهزاء هذا وما شابهه، وأما الفعل الصريح؛ فمثل مد الشفة وإخراج اللسان ورمز العين وما يفعله كثير من الناس عند الأمر بالصلاة والزكاة؛ فكيف بالتوحيد‏؟‏‏!‏‏"‏انتهى‏.‏

ومثل هذا الاستهزاء بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كالذي يستهزئ بإعفاء اللحى وقص الشوارب، أو يستهزئ بالسواك، أو غير ذلك، وكالاستهزاء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ‏"‏وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشي بن حمير يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض‏:‏ أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا‏؟‏ والله؛ لكأنا بكم غبرا مقرنين في الحبال‏!‏ إرجافا وترهيبا للمؤمنين‏.‏ فقال مخشي بن حمير‏:‏ والله؛ لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مئة جلدة، وإنا نتلفت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه‏.‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لعمار بن ياسر‏:‏ ‏"‏أدرك القوم؛ فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا؛ فإن أنكروا؛ فقل‏:‏ بلى؛ قلتم كذا وكذا‏"‏‏.‏ فانطلق إليهم عمار، فقال لهم ذلك، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحقيها‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إنما كنا نخوض ونلعب‏.‏ فقال مخشي بن حمير‏:‏ يا رسول الله‏!‏ قعد بي اسمي واسم أبي‏.‏ فكان الذي عناه - أي‏:‏ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ‏}‏ - في هذه الآية مخشي بن حمير، فسمي عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر‏"‏‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم‏:‏ إنما تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل إنما كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدرا بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه؛ لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام، والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏.‏ نفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم؛ سمعوا وأطاعوا؛ فبين أن هذا من لوازم الإيمان‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

وبه يعلم كفر من يتنقصون الشريعة الإسلامية ويصفونها بأنها لا تصلح لهذا الوقت الحاضر، وأن الحدود الشرعية فيها قسوة ووحشية، وأن الإسلام ظلم المرأة‏.‏‏.‏‏.‏ إلى غير ذلك من مقالات الكفر والإلحاد‏.‏ نسأل الله العافية والسلامة‏.‏

  أمور يفعلها بعض الناس وهي من الشرك أو من وسائله

هناك أشياء مترددة بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر بحسب ما يقوم بقلب فاعلها وما يصدر عنه من الأفعال والأقوال، ويقع فيها بعض الناس، قد تتنافى مع العقيدة أو تعكر صفوها، وهي تمارس على المستوى العام، ويقع فيها بعض العوام تأثرا بالدجالين والمحتالين والمشعوذين، وقد حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم ومن هذه الأمور‏:

 1- لبس الحلقة والخيط ونحوهما بقصد رفع البلاء أو دفعه

وذلك من فعل الجاهلية، وهو من الشرك الأصغر، وقد يترقى إلى درجة الشرك الأكبر بحسب ما يقوم بقلب لابسها من الاعتقاد بها‏.‏

فعن عمران بن حصين رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر، فقال ما هذا‏؟‏ قال من الواهنة فقال انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنا؛ فإنك لو مت وهي عليك؛ ما أفلحت أبدا‏)‏ رواه أحمد بسند لا بأس به، وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي‏.‏

 2- تعليق التمائم

وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها يتقون بها العين، ويتلمحون من اسمها أن يتم الله لهم مقصودهم‏.‏

وقد تكون التمائم من عظام ومن خرز ومن كتابة وغير ذلك، وهذا لا يجوز‏.‏

وقد يكون المعلق من القرآن؛ فإذا كان من القرآن؛ فقد اختلف العلماء في جوازه وعدم جوازه، والراجح عدم جوازه؛ سدا للذريعة؛ فإنه يفضي إلى تعليق غير القرآن، ولأنه لا مخصص للنصوص المانعة من تعليق التمائم؛ كحديث ابن مسعود رضي الله عنه؛ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن الرقى والتمائم والتولة شرك‏)‏ ‏.‏ رواه أحمد وأبو داود‏.‏ وعن عقبة بن عامر مرفوعا‏:‏ ‏(‏من علق تميمة؛ فقد أشرك‏)‏ ‏.‏ وهذه نصوص عامة لا مخصص لها‏.‏

 3- التبرك بالأشجار والأحجار والآثار والبنايات

والتبرك معناه‏:‏ طلب البركة ورجاؤها واعتقادها في تلك الأشياء‏.‏

وحكمه‏:‏ أنه شرك أكبر؛ لأنه تعلق على غير الله سبحانه في حصول البركة، وعباد الأوثان إنما كانوا يطلبون البركة منها؛ فالتبرك بقبور الصالحين كالتبرك باللات، والتبرك بالأشجار والأحجار كالتبرك بالعزى ومناة‏.‏

وعن أبي واقد الليثي؛ قال‏:‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها‏:‏ ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا‏:‏ يا رسول الله‏!‏ اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏الله أكبر، إنها السنن، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى ‏{‏اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}‏ ، لتركبن سنن من كان قبلكم‏)‏ ‏.‏ رواه الترمذي وصححه‏.‏

 4- السحر

وهو عبارة عما خفي ولطف سببه، سمي سحرا لأنه يحصل بأمور خفية لا تدرك بالأبصار، وهو عبارة عن عزائم ورقى وكلام يتكلم به وأدوية وتدخينات، ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه، وتأثيره بإذن الله الكوني القدري‏.‏

وهو عمل شيطاني، كثير منه لا يتوصل إليه إلا بالشرك والتقرب إلى الأرواح الخبيثة بشيء مما تحب والاستعانة بالتحيل على استخدامها بالإشراك بها، ولهذا يقرنه الشارع بالشرك، وهو داخل في الشرك من ناحيتين

الأولى‏:‏ ما فيه من استخدام الشياطين والتعلق بهم وربما تقرب إليهم بما يحبونه ليقوموا بخدمته‏.‏

الثانية‏:‏ ما فيه من دعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله في ذلك، وهذا كفر وضلال؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ‏}‏ وعن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله‏!‏ وما هن‏؟‏ قال الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات‏)

 5- الكهانة

وهي ادعاء علم الغيب؛ كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب هو استراق السمع؛ حيث يسترق الجني الكلمة من كلام الملائكة، فيلقيها في أذن الكاهن، فيكذب معها مئة كذبة، فيصدقه الناس بسبب تلك الكلمة‏.‏

والله هو المتفرد بعلم الغيب؛ فمن ادعى مشاركته في شيء من ذلك بكهانة أو غيرها أو صدق من يدعي ذلك؛ فقد جعل لله شريكا فيما هو من خصائصه، وهو مكذب لله ولرسوله‏.‏

وكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي يستعان بها على دعوى العلوم الغيبية‏.‏

فالكهانة شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير الله‏.‏

وفي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من أتى عرافا، فسأله عن شيء، فصدقه بما يقول؛ لم تقبل له صلاة أربعين يوما‏)‏ ‏.‏

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من أتى كاهنا، فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد‏)‏ ‏.‏ رواه أبو داود‏.‏

ومما يجب التنبيه عليه والتحذير منه أمر السحرة والكهان والمشعوذين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؛ فبعضهم يظهر للناس بمظهر الطبيب الذي يداوي المرض، وهو في الحقيقة مفسد للعقائد؛ بحيث يأمر المريض أن يذبح لغير الله، أو يكتب له الطلاسم الشركية والتعاويذ الشيطانية‏.‏ والبعض الآخر منهم يظهر بمظهر المخبر عن المغيبات وأماكن الأشياء المفقودة؛ بحيث يأتيه الجهال يسألونه عن الأشياء الضائعة، فيخبرهم عن أماكن وجودها، أو يحضرها لهم بواسطة الشياطين‏.‏ والبعض الآخر منهم يظهر بمظهر الولي الذي له خوارق وكرامات؛ كدخول النار، وضرب نفسه بالسلاح، ومسك الحيات‏.‏‏.‏‏.‏ وغير ذلك، وهو في الحقيقة دجال مشعوذ وولي للشيطان، وكل هذه الأصناف تريد الاحتيال والنصب لأكل أموال الناس وإفساد عقائدهم‏.‏

فيجب على المسلمين أن يحذروهم ويبتعدوا عنهم، ويجب على ولاة الأمور استتابة هؤلاء؛ فإن تابوا، وإلا؛ قتلوا لإراحة المسلمين من شرهم وفسادهم وتنفيذا لحكم الله فيهم‏.‏

ففي ‏"‏صحيح البخاري‏"‏عن بجالة بن عبدة؛ قال‏:‏ ‏"‏كتب عمر بن الخطاب‏:‏ أن اقتلوا كل ساحر وساحرة‏"‏‏.‏

وعن جندب مرفوعا‏:‏ ‏(‏حد الساحر ضربة بالسيف‏)‏ ‏.‏ رواه الترمذي‏.‏

 6- التطير

وهو التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ والبقاع والأشخاص وغير ذلك؛ فإذا عزم شخص على أمر من أمور الدين أو الدنيا، فرأى أو سمع ما يكره؛ أثر فيه لك أحد أمرين‏:‏ إما الرجوع عما كان عازما عليه تطيرا وتأثرا بما رأى أو سمع، فيعلق قلبه بذلك المكروه، ويؤثر ذلك على إيمانه، ويخل بتوحيده وتوكله على الله‏.‏ وإما أن لا يرجع عما عزم عليه، ولكن يبقى في قلبه أثر ذلك التطير من الحزن والألم والهم والوساوس والضعف‏.‏

فيجب على من وجد شيئا من ذلك في نفسه أن يجاهدها على دفعه، ويستعين بالله، ويتوكل عليه، ويمضي في شأنه، ويقول‏:‏ اللهم‏!‏ لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك‏.‏

والتطير داء قديم ذكره الله عن الأمم الكافرة، وأنهم كانوا يتطيرون بخير الخلق، وهم الأنبياء وأتباعهم المؤمنين‏:

كما ذكر الله عن فرعون وقومه أنهم إذا أصابتهم سيئة‏:‏ ‏{‏يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ‏}‏ ‏.‏

وكما ذكر عن قوم صالح أنهم قالوا له‏:‏ ‏{‏اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ‏}‏ ‏.‏

وكما ذكر الله عن أصحاب القرية أنهم قالوا لرسل الله‏:‏ ‏{‏إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏.‏

وكما ذكر الله عن المشركين أنهم تطيروا بمحمد صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ‏}‏ ‏.‏

وهكذا؛ دين المشركين واحد، حيث انتكست قلوبهم وعقولهم، فاعتقدوا الشر بمن هو مصدر الخير، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما ذلك إلا لتمكن الضلالة في نفوسهم وانتكاس فطرهم، وإلا؛ فالخير والشر كلاهما بقضاء الله وقدره، ويجريان حسب حكمته وعلمه تفضلا؛ فالخير تفضل منه وجزاء على فعل الطاعة، والشر عدل منه وجزاء وعقوبة على فعل المعصية‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‏}‏ ‏.‏

والتطير شرك؛ لكونه تعلق على غير الله، واعتقاد بحصول الضرر من مخلوق لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولكونه من إلقاء الشيطان ووسوسته، ولكونه يصدر عن القلب خوفا وخشية وهو ينافي التوكل‏.‏

وإليكم ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم محذرا من التطير؛ فقد روى الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر‏)‏ ‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل قالوا وما الفأل‏؟‏ قال الكلمة الطيبة‏)‏ ‏.‏ متفق عليه‏.‏

وعن ابن مسعود مرفوعا‏:‏ ‏(‏الطيرة شرك‏)‏ ‏.‏

وفي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏ ‏(‏عن معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومنا أناس يتطيرون‏؟‏ قال ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه؛ فلا يصدنكم‏)‏ فأخبر صلى الله عليه وسلم أن تأذيه وتشاؤمه بالطيرة إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده تأثرا بما رآه أو سمعه‏.‏

فأوضح صلى الله عليه وسلم لأمته، وبين فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها لهم دلالة، ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى، التي أرسل بها رسله وأنزل بها كتبه وخلق لأجلها السماوات والأرض، فقطع علق الشرك من قلوبهم؛ فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله؛ قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها قبل استكمالها‏.‏

قال عكرمة‏:‏ كنا جلوسا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم‏:‏ خير، خير‏!‏ فقال ابن عباس‏:‏ لا خير ولا شر‏.‏ فبادره بالإنكار عليه لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر، وكذلك سائر المخلوقات لا تجلب خيرا ولا تدفع شرا بذاتها‏.‏

وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ويعجبني الفأل‏)‏ ، ثم بينه بأنه الكلمة الطيبة، وإنما أعجبه الفأل لأنه حسن ظن بالله، والعبد مأمور أن يحسن الظن بالله، والطيرة سوء ظن بالله عز وجل وتوقع للبلاء، ومن هنا جاء الفرق بينهما في الحكم؛ لأن الناس إذا أملوا الخير من الله؛ علقوا قلوبهم به وتوكلوا عليه، وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الله؛ كان ذلك من الشرك والتعلق على غير الله‏.‏

قال الإمام ابن القيم رحمه الله‏:‏ ‏"‏ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك؛ بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها؛ كما أخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب، فكان يحب الحلواء والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم، وبالجملة يحب كل كمال وخير وما يفضي إليهما، والله سبحانه قد جعل في غرائز الناس الإعجاب لسماع الاسم الحسن ومحبته وميل النفوس إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر؛ فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع؛ استبشرت بها النفس وانشرح لها الصدر وقوي بها القلب، وإذا سمعت أضدادها؛ أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها ذلك، وأثار لها خوفا وطيرة وانكماشا وانقباضا عما قصدت وعزمت عليه، فأورث لها ضررا في الدنيا ونقصا في الإيمان ومقارفة للشرك‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى كلامه رحمه الله‏.‏

وفي الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏من ردته الطيرة عن حاجته؛ فقد أشرك قالوا فما كفارة ذلك‏؟‏ قال أن تقول اللهم‏!‏ لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك‏)

فتضمن هذا الحديث الشريف أن الطيرة لا تضر من كرهها ومضى في طريقه، وأما من لم يخلص توكله على الله، واسترسل مع الشيطان في ذلك؛ فقد يعاقب بالوقوع فيما يكره؛ لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله‏.‏‏.‏‏.‏

هذا ونسأل الله عز وجل أن يمن علينا بالإيمان والتوكل عليه ويجنبنا طريق الشر والشرك؛ إنه سميع مجيب‏.‏

 7- التنجيم

وهو كما عرفه بعض المحققين بأنه الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية؛ كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، أو حدوث الأمراض والوفيات، أو السعود والنحوس‏.‏ وهذا ما يسمى بعلم التأثير، وهو على نوعين‏:

النوع الأول‏:‏ أن يدعي المنجم أن الكواكب فاعلة مختارة، وأن الحوادث تجري بتأثيرها، وهذا كفر بإجماع المسلمين؛ لأنه اعتقاد أن هناك خالق غير الله، وأن أحدا يتصرف في ملكه بغير مشيئته وتقديره سبحانه وتعالى‏.‏

النوع الثاني‏:‏ الاستدلال بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها على حدوث الحوادث، وهذا لا شك في تحريمه؛ لأنه من ادعاء علم الغيب، وهو من السحر أيضا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من اقتبس شعبة من النجوم؛ فقد اقتبس شعبة من السحر؛ زاد ما زاد‏)‏ ‏.‏ رواه أبو داود، وإسناده صحيح، وصححه النووي والذهبي، ورواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما‏.‏

والسحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع‏.‏

والإخبار عن الحوادث المستقبلية عن طريق الاستدلال بالنجوم من ادعاء علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه؛ فهو ادعاء لمشاركته سبحانه بعلمه الذي انفرد به أو تصديق لمن ادعى ذلك، وهذا ينافي التوحيد؛ لما فيه من هذه الدعوى الباطلة‏.‏

قال الخطابي‏:‏ ‏"‏علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان؛ أوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها؛ يدعون أن لها تأثيرا في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاط لعلم قد استأثر به الله، ولا يعلم الغيب سواه‏"‏‏.‏

قال البخاري في ‏"‏صحيحه‏"‏‏:‏ ‏"‏قال قتادة‏:‏ خلق الله هذه النجوم لثلاث‏:‏ زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها؛ فمن تأول فيها غير ذلك؛ أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

وأخرج الخطيب عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏وإن أناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة‏:‏ من أعرس بنجم كذا وكذا؛ كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا؛ كان كذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏ ولعمري؛ ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والذميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدا علم الغيب؛ لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

أقول‏:‏ ومن الخرافات الباطلة ما يروجه الدجالون في بعض الصحف والمجلات من ذكر البخت والنحوس والسعود، ويعلقون ذلك بحسابات البروج والنجوم، ويصدق به بعض السذج‏.‏

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في ‏"‏فتح المجيد‏"‏‏:‏ ‏"‏فإن قيل‏:‏ المنجم قد يصدق‏.‏ قيل‏:‏ صدقه كصدق الكاهن؛ يصدق في كلمة ويكذب في مئة، وصدقه ليس عن علم، بل قد يوافق قدرا فيكون فتنة في حق من صدقه‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏وقد جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بإبطال علم التنجيم؛ كقوله‏:‏ ‏(‏من اقتبس شعبة من النجوم؛ فقد اقتبس شعبة من السحر؛ زاد ما زاد‏)‏ ‏.‏ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه‏.‏ وعن رجاء بن حيوة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن مما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم والتكذيب بالقدر وحيف الأئمة‏)‏ ‏.‏ رواه ابن حميد‏.‏

وأما الاستدلال بالنجوم لمعرفة الاتجاه في الأسفار في البر والبحر؛ فهذا لا بأس به، وهو من نعمة الله عز وجل؛ حيث يقول سبحانه‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ‏}‏ ؛ أي‏:‏ لتعرفوا بها جهة قصدكم، وليس المراد أنه يهتدى بها في علم الغيب كما يعتقده المنجمون‏.‏

قال الخطابي‏:‏ وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة؛ فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة من الأئمة، الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين ومعرفتهم بها وصدقهم فيما أخبروا به عنها؛ مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة، ويشاهدها على حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة، وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم ولا مقصرين في معرفتهم‏.‏

وقال ابن رجب‏:‏ والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير؛ فإنه -أي‏:‏ علم التأثير- باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير؛ فيتعلم ما يحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة والطرق، وهو جائز عند الجمهور اهـ‏.‏

وكذلك تعلم منازل الشمس والقمر للاستدلال بذلك على القبلة وأوقات الصلوات والفصول ومعرفة الزوال‏:‏ قال الخطابي‏:‏ أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر الذي يعرف به الزوال وتعلم به جهة القبلة؛ فإنه غير داخل فيما نهي عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئا أكثر من أن الظل ما دام متناقصا؛ فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة؛ فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصلح إدراكه بالمشاهدة؛ إلا أن أهل هذه الصناعة قد دبروها بما اتخذوه من الآلات التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصدته‏.‏‏.‏‏.‏ انتهى‏.‏

وروى ابن المنذر عن مجاهد‏:‏ أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل القمر‏.‏

وبعد؛ فإن عقيدة المسلم هي أعز شيء عنده؛ لأن بها نجاته وسعادته، فيجب عليه أن يحرص على تجنب ما يسيء إليها أو يمسها من الشركيات والخرافات والبدع؛ لتبقى صافية مضيئة، وذلك بالتزام الكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح، ولا يتم ذلك إلا بتعلم هذه العقيدة، ومعرفة ما يضادها من العقائد المنحرفة، لا سيما وأنه قد كثر اليوم في صفوف المسلمين من يحترف التدجيل والشعوذة والتعلق بالقبور والأضرحة لطلب الحاجات وتفريج الكربات كما كان عليه المشركون الأولون أو أشد، إضافة إلى اتخاذ السادة وأصحاب الطرق الصوفية أربابا من دون الله يشرعون لأتباعهم من الدين ما لم يأذن به الله؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏

 8- الاستسقاء بالأنواء

وهو عبارة عن نسبة المطر إلى طلوع النجم أو غروبه على ما كانت الجاهلية تعتقده من أن طلوع النجم أو سقوطه في المغيب يؤثر في إنزال المطر، فيقولون‏:‏ مطرنا بنوء كذا وكذا‏!‏ وهم يريدون بذلك النجم، ويعبرون عنه بالنوء، وهو طلوع النجم، من ناء ينوء‏:‏ إذا نهض وطلع، فيقولون‏:‏ إذا طلع النجم الفلاني؛ ينزل المطر‏.‏ والمراد بالأنواء عندهم؛ منازل القمر الثمانية والعشرون، في كل ثلاث عشرة ليلة؛ يغرب واحد منها عند طلوع الفجر ويطلع مقابله وتنقضي جميعها عند انقضاء السنة القمرية، وتزعم العرب في جاهليتها أنه عند طلوع ذلك النجم في الفجر ومغيب مقابله؛ ينزل المطر، ويسمى ذلك الاستسقاء بالأنواء، ومعنى ذلك نسبة السقيا إلى هذه الطوالع، وهذا من اعتقاد الجاهلية الذي جاء الإسلام بإبطاله والنهي عنه؛ لأن نزول المطر وانحباسه يرجع إلى إرادة الله وتقديره وحكمته، وليس لطلوع النجوم تأثير فيه‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ‏}

فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ‏}‏ ‏:‏ معناه‏:‏ نسبة المطر الذي هو الرزق النازل من الله إلى النجم؛ بأن يقال‏:‏ مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذا من أعظم الكذب والافتراء؛ كما روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه ابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في ‏"‏المختارة‏"‏عن علي رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وتجعلون رزقكم يقول شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا‏)

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله‏:‏ ‏"‏وهذا أولى ما فسرت به الآية، وروي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغيرهم، وهو قول جمهور المفسرين‏"‏‏.‏ انتهى‏.‏

وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة‏)‏ ‏.‏ والمراد بالجاهلية هنا‏:‏ ما قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما يخالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهو جاهلية‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معنى الحديث‏:‏ ‏"‏أخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذما لمن لم يتركه، وهذا يقتضي أن كل ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم؛ فهو مذموم‏.‏ في دين الإسلام، وإلا؛ لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى‏}‏ ؛ فإن ذلك ذم للتبرج وذم لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏ انتهى‏.‏

وقوله في هذا الحديث‏:‏ ‏"‏والاستسقاء بالنجوم‏"‏‏:‏ معناه نسبة المطر إلى النوء، وهو سقوط النجم؛ بأن يقول‏:‏ مطرنا بنجم كذا وكذا‏.‏

وحكم الاستسقاء بالأنواء أنه إن كان يعتقد أن له تأثيرا في إنزال المطر؛ فهذا شرك وكفر أكبر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية‏.‏ وإن كان لا يعتقد للنجم تأثيرا، وأن المؤثر هو الله وحده، ولكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم؛ فهذا لا يصل إلى الشرك الأكبر، ويكون من الشرك الأصغر؛ لأنه يحرم نسبة المطر إلى النجم، ولو على سبيل المجاز؛ سدا للذريعة‏.‏

وقد روى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد رضي الله عنه؛ قال‏:‏ ‏(‏صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف؛ أقبل على الناس، فقال هل تدرون ماذا قال ربكم‏؟‏ قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب‏)‏ ‏.‏

فقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر‏)‏ وفسر المؤمن بأنه الذي ينسب المطر إلى فضل الله ورحمته، وفسر الكافر بأنه الذي ينسب المطر إلى الكوكب، وهذا فيه دليل على أنه لا تجوز نسبة أفعال الله إلى غيره، وأن ذلك كفر؛ فإن اعتقد أن للكوكب تأثيرا في إنزال المطر؛ فهذا كفر أكبر؛ لأنه إشراك في الربوبية والمشرك كافر، وإن لم يعتقد أن للكواكب تأثيرا في إنزال المطر، وإنما نسبه إليها مجازا؛ فهذا محرم، وهو من الشرك الأصغر؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره‏.‏

قال القرطبي رحمه اللة‏:‏ ‏"‏وكانت العرب إذا طلع نجم من المشرق وسقط آخر من المغرب، فحدث عند ذلك مطر أو ريح؛ فمنهم من ينسبه إلى الطالع، ومنهم من ينسبه إلى الغارب نسبة إيجاد واختراع، ويطلقون ذلك القول المذكور في الحديث، فنهى الشارع عن إطلاق ذلك؛ لئلا يعتقد أحد اعتقادهم ولا يتشبه بهم في نطقهم‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

وقد روى مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏في سبب نزول قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ‏}‏ الآيات عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ قال بعضهم‏:‏ لقد صدق نوء كذا وكذا‏.‏ فأنزل الله هذه الآيات‏:‏ ‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ‏}‏ ‏.‏

فإنزال المطر من الله وبحوله وقوته لا دخل لمخلوق فيه؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ‏}‏ ؛ فمن نسب إنزال المطر إلى الكواكب أو إلى الظواهر الطبيعية كالانخفاض الجوي أو المناخ؛ فقد كذب وافترى، وهذا شرك أكبر، وإن كان يعتقد أن المنزل هو الله، ولكنه نسبه إلى هذه الأشياء من باب المجاز؛ فهذا حرام وكفر أصغر؛ لأنه نسب النعمة إلى غير الله؛ كالذي يقول‏:‏ مطرنا بنوء كذا وكذا‏.‏

وما أكثر التساهل في هذا الأمر على ألسنة بعض الصحفيين أو الإعلاميين‏!‏ فيجب على المسلم أن ينتبه لهذا، والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

 9- نسبة النعم إلى غير الله

سبق الكلام عن حكم نسبة المطر إلى الأنواء والاستسقاء بها، والكلام الآن في حكم نسبة النعم عموما إلى غير الله‏.‏

إن الاعتراف بفضل الله وإنعامه والقيام بشكره من صميم العقيدة؛ لأن من نسب النعمة إلى غير موليها - وهو الله سبحانه -؛ فقد كفرها وأشرك بالله بنسبتها إلى غيره‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ‏}‏ ‏.‏

قال بعض المفسرين‏:‏ يعرفون أن النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوها عن آبائهم، وبعضهم يقول‏:‏ لولا فلان؛ لم يكن كذا وكذا‏!‏ وبعضهم يقول‏:‏ هذا بشفاعة آلهتنا‏.‏‏.‏‏.‏ وهكذا كل ينسب النعمة إلى من يعظمه من الآباء والآلهة والأشخاص، متناسين مصدرها الصحيح والمنعم بها على الحقيقة، وهو الله سبحانه، كما أن بعضهم ينسب نعمة السير في البحر والسلامة من خطره إلى الريح وحذق الملاح، فيقول‏:‏ كانت الريح طيبة والملاح حاذقا‏!‏ ومثله اليوم ما يجري على ألسنة الكثير من نسبة حصول النعم واندفاع النقم إلى مجهود الحكومات أو الأفراد أو تقدم العلم التجريبي، فيقولون مثلا‏:‏ تقدم الطب تغلب على الأمراض أو قضى عليها‏!‏ والمجهودات الفلانية تقضي على الفقر والجهل‏!‏ وما أشبه ذلك من الألفاظ التي يجب على المسلم أن يبتعد عنها ويتحفظ منها غاية التحفظ، وأن ينسب النعم إلى الله وحده، ويشكره عليها، وما يجري على يد بعض المخلوقين أفرادا أو جماعات من المجهودات إنما هي أسباب قد تثمر وقد لا تثمر، وهم يشكرون على قدر ما بذلوه، ولكن لا يجوز نسبة حصول النتائج إلا إلى الله سبحانه‏.‏

وقد ذكر الله في كتابه الكريم عن أقوام أنكروا نعمة الله عليهم ونسبوا ما حصلوا عليه من المال والنعمة إلى غير الله‏:‏ إما إلى كونهم يستحقونها، أو إلى خبرتهم ومعرفتهم ومهارتهم‏.‏

قال تعالى عن الإنسان‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ‏}‏ ؛ فقوله‏:‏ ‏{‏هذا لي‏}‏ ؛ أي‏:‏ حصلت على هذا بعلمي، وأنا محقوق به، لا أنه تفضل من الله ونعمة ليس بحول العبد ولا بقوته‏.‏

وقال تعالى عن قارون الذي آتاه الله الكنوز العظيمة فبغى على قومه وقد وعظه الناصحون وأمروه بالاعتراف بنعمة الله والقيام بشكرها فكابر عند لك وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي‏}‏ ؛ أي‏:‏ حصلت على هذه الكنوز بسبب حذقي ومعرفتي بوجوه المكاسب، لا أنها تفضل من الله تعالى، فكانت عاقبته من أسوء العواقب، وعقوبته من أشد العقوبات، حيث خسف الله به وبداره الأرض لما جحد نعمة الله ونسبها إلى غيره وأنه حصل عليها بحوله وقوته‏.‏

وما أحرى هؤلاء الذين اغتروا في زماننا بما توصلوا إليه من مخترعات وقدرات أقدرهم الله عليها امتحانا لهم فلم يشكروا نعمة الله وصاروا يتشدقون ويتفاخرون بحولهم وقوتهم وبغوا في الأرض بغير الحق وتطاولوا على عباد الله؛ ما أحراهم بالعقوبة؛ فقد اغترت قبلهم عاد بقوتها كما قال الله تعالى عنهم‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ‏}‏ ‏.‏

وهاكم قصة قصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جماعة ممن كان قبلنا ابتلاهم الله فأنعم عليهم؛ فمنهم من جحد نعمة الله ونسب ما حصل عليه من المال إلى وراثته عن آبائه فسخط الله عليه، ومنهم من اعترف بفضل الله وشكر نعمة الله فرضي الله عنه‏.‏

عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص، فقال أي شيء أحب إليك‏؟‏ قال لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به قال فمسحه، فذهب عنه قذره، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا قال فأي المال أحب إليك‏؟‏ قال الإبل -أو البقر؛ شك إسحاق-، فأعطي ناقة عشراء، وقال بارك الله لك فيها قال فأتى الأقرع، فقال أي شيء أحب إليك‏؟‏ قال شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به فمسحه، فذهب عنه، وأعطي شعرا حسنا فقال أي المال أحب إليك‏؟‏ قال البقر -أو الإبل- فأعطي بقرة حاملا قال بارك الله لك فيها فأتى الأعمى، فقال أي شيء أحب إليك‏؟‏ قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس فمسحه، فرد الله إليه بصره قال فأي المال أحب إليك‏؟‏ قال الغنم فأعطي شاة والدا فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم قال ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري؛ فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ به في سفري فقال الحقوق كثيرة فقال كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله عز وجل المال‏؟‏ فقال إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر فقال إن كنت كاذبا؛ فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل هذا، فقال إن كنت كاذبا؛ فصيرك الله إلى ما كنت قال وأتى الأعمى في صورته، فقال رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري؛ فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال كنت أعمى فرد الله إلي بصري؛ فخذ ما شئت؛ فوالله؛ لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله فقال أمسك مالك؛ فإنما ابتليتم؛ فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك‏)‏ ‏.‏ رواه البخاري ومسلم‏.‏

وهذا حديث عظيم فيه معتبر؛ فإن الأولين جحدا نعمة الله، ولم ينسباها إليه، ومنعا حق الله في مالهما، فحل عليهما سخط الله، وسلبت منهما النعمة‏.‏ والآخر اعترف بنعمة الله، ونسبها إليه، وأدى حق الله فيها، فاستحق الرضى من الله، ووفر الله ماله لقيامه بشكر النعمة‏.‏

قال ابن القيم‏:‏ ‏"‏أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة؛ فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلا بها؛ لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها؛ لم يشكرها أيضا، ومن عرف النعمة والمنعم، لكن جحدها كما يجحد المنكر النعمة والمنعم عليه بها؛ فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها، وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ويرض به وعنه؛ لم يشكره أيضا، ومن عرفها وعرف المنعم بها، وأقر بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محبته وطاعته؛ فهذا هو الشاكر لها؛ فلابد في الشكر من علم القلب وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏ انتهى‏.‏

  الشرك الأصغر

الشرك الأصغر ينقص التوحيد ويخل به، وهناك أشياء من الشرك الأصغر حذرنا منها الله ورسوله صيانة للعقيدة وحماية للتوحيد؛ لأنها تنقص التوحيد، وربما تجر إلى الشرك الأكبر‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏.‏

قال ابن عباس رضي الله عنهما في الآية‏:‏ ‏"‏الأنداد‏:‏ هو الشرك؛ أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول‏:‏ والله وحياتك يا فلان وحياتي‏!‏ وتقول‏:‏ لولا كليبة هذا؛ لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار؛ لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه‏:‏ ما شاء الله وشئت، وقول الرجل‏:‏ لولا الله وفلان؛ لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك‏"‏‏.‏ رواه ابن أبي حاتم‏.‏

فقد بين ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الأشياء من الشرك، والمراد به الشرك الأصغر، والآية عامة تشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر‏.‏

فابن عباس رضي الله عنهما نبه بهذه الأشياء بالأدنى - وهو الشرك الأصغر - على الأعلى - وهو الشرك الأكبر -، ولأن هذه الألفاظ تجري على ألسنة الكثير من الناس إما جهلا أو تساهلا‏.‏

ومن هذه الأشياء‏:‏

  1- الحلف بغير الله عز وجل

وهو شرك؛ كما روى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏من حلف بغير الله؛ فقد كفر أو أشرك‏)‏ ‏.‏ رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فقد كفر أو أشرك‏)‏ ؛ يحتمل أن يكون هذا شكا من الراوي، ويحتمل أن يكون ‏"‏أو‏"‏ بمعنى الواو، فيكون قد كفر وأشرك، ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر، كما أنه من الشرك الأصغر‏.‏ وقد كثر من الناس اليوم من يحلف بغير الله؛ كمن يحلف بالأمانة، أو يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو يقول‏:‏ وحياتي، وحياتك يا فلان‏.‏‏.‏‏.‏ وما أشبه هذه الألفاظ، وقد سمعنا ما ورد في الأحاديب من النهي عن الحلف بغير الله عز وجل، واعتباره كفرا أو شركا؛ لأن الحلف بالشيء تعظيم له، والذي يجب أن يعظم ويحلف به هو الله عز وجل، والحلف بغيره شرك وجريمة عظمى‏.‏

قال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا‏.‏

ومن المعلوم أن الحلف بالله كاذبا كبيرة من الكبائر، لكن الشرك - وهو الحلف بغير الله - أكبر من الكبائر - وإن كان شركا أصغر -‏.‏

فيجب على المسلم أن يتنبه لهذا ولا تأخذه العوائد الجاهلية‏.‏

قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من كان حالفا؛ فليحلف بالله أو ليصمت‏)‏ ‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تحلفوا بآبائكم‏)‏ ‏.‏

إلى غير ذلك من النصوص التي تأمرنا إذا أردنا أن نحلف أن نقتصر على الحلف بالله وحده ولا نحلف بغيره‏.‏

ويجب على من حلف له بالله أن يرضى؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من حلف بالله؛ فليصدق، ومن حلف له بالله؛ فليرض، ومن لم يرض؛ فليس من الله‏)

  2- الشرك في الألفاظ

ومن الشرك الأصغر الشرك في الألفاظ مثل قول‏:‏ ما شاء الله وشئت‏!‏

فقد روى الإمام أحمد والنسائي عن قتيلة‏:‏ (أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ إنكم تشركون؛ تقولون‏:‏ ما شاء الله وشئت‏!‏ وتقولون‏:‏ والكعبة‏!‏ فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا‏:‏ ورب الكعبة، وأن يقولوا‏:‏ ما شاء الله ثم شئت‏).‏

وروى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما شاء الله وشئت‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أجعلتني لله ندا‏؟‏ قل ما شاء الله وحده‏)‏ ‏.‏

فدل الحديثان وما جاء بمعناهما على منع قول‏:‏ ما شاء الله وشئت‏!‏ وما شابهه من الألفاظ؛ مثل‏:‏ لولا الله وأنت، ما لي إلا الله وأنت؛ لأن العطف بالواو يقتضي التسوية بين المتعاطفين، وهذا شرك؛ فالواجب أن يعطف بـ ‏"‏ثم‏"‏، فيقال‏:‏ ما شاء الله ثم شئت، أو‏:‏ ثم شاء فلان، لولا الله ثم أنت، أو‏:‏ ثم فلان، ما لي إلا الله ثم أنت؛ لأن العطف بـ ‏"‏ثم‏"‏ يقتضي الترتيب والتعقيب، وأن مشيئة العبد تأتي بعد مشيئة الله تعالى لا مساوية لها؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ‏}‏ ؛ فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى؛ فالعبد وإن كانت له مشيئة - خلافا للجبرية -؛ فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا يقدر على أن يشاء شيئا إلا إذا كان الله قد شاءه؛ خلافا للقدرية من المعتزلة وغيرهم، الذين يثبتون للعبد مشيئة تخالف ما أراده الله، تعالى الله عما يقولون‏.‏

  3- الشرك في النيات والمقاصد

ومن الشرك الأصغر الشرك في النيات والمقاصد وهو ما يسمى بالشرك الخفي؛ كالرياء، وهو نوعان‏:

أ- الرياء‏:

وهو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها، فيحمدون صاحبها، والفرق بين الرياء وبين السمعة أن الرياء لما يرى من العمل؛ كالصلاة، والسمعة لما يسمع؛ كالقراءة والوعظ والذكر، ويدخل في ذلك تحدث الإنسان عن أعماله وإخباره بها، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا‏}‏ ‏.‏ قال الإمام ابن القيم في معنى الآية‏:‏ ‏"‏أي‏:‏ كما أن الله واحد لا إله سواه؛ فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له؛ فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية؛ فالعمل الصالح هو الخالص من الرياء المقيد بالسنة‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

وقد توعد الله المرائين بالويل، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ‏}‏ ‏.‏ وأخبر أن الرياء من صفات المنافقين، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ‏}‏ ‏.‏ وعن أبي هريرة مرفوعا؛ قال‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري؛ تركته وشركه‏)‏ ‏.‏ رواه مسلم؛ أي‏:‏ من قصد بعمله غيري من المخلوقين؛ تركته وشركه‏.‏ وفي رواية لابن ماجه‏:‏ ‏"‏فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك‏"‏‏.‏

قال ابن رجب رحمه الله‏:‏ ‏"‏اعلم أن العمل لغير الله أقسام‏:‏ فتارة يكون رياء محضا؛ كحال المنافقين؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ‏}‏ ، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة أو الحج الواجب أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها؛ فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة‏.‏ وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء‏:‏ فإن شاركه من أصله؛ فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه‏.‏ وأما إن كان العمل لله، وطرأ عليه نية الرياء؛ فإن كان خاطرا ثم دفعه؛ فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه؛ فهل يحبط عمله أو لا فيجازى على أصل نيته؛ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن وغيره‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏ انتهى‏.‏ فتحفظوا على أعمالكم من الشرك أعظم مما تتحفظون على أنفسكم من أعدائكم وأعظم مما تتحفظون على أموالكم من السراق؛ فإن خطر الشرك عظيم‏.‏

نسأل الله لنا ولكم السلامة والإخلاص في القول والعمل‏.‏

ب- إرادة الإنسان بعمله الدنيا‏:

إرادة الإنسان بعمله الدنيا نوع من أنواع الشرك في النية والقصد قد حذر الله منه في كتابه وحذر منه رسوله في سنته، وهو أن يريد الإنسان بالعمل الذي يبتغى به وجه الله طمعا من مطامع الدنيا، وهذا شرك ينافي كمال التوحيد ويحبط العمل‏.‏

قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏.‏

ومعنى الآيتين الكريمتين‏:‏ أن الله سبحانه يخبر أن من قصد بعمله الحصول على مطامع الدنيا فقط؛ فإن الله يوفر له ثواب عمله في الدنيا بالصحة والسرور وبالمال والأهل والولد، وهذا مقيد بالمشيئة؛ كما قال في قوله تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ‏}‏ ، وهؤلاء ليس لهم في الآخرة إلا النار؛ لأنهم لم يعملوا ما يخلصهم منها، وكان عملهم في الآخرة باطلا لا ثواب له؛ لأنهم لم يريدوها‏.‏

قال قتادة‏:‏ يقول تعالى‏:‏ من كانت الدنيا همه وطلبته ونيته؛ جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما المؤمن؛ فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة‏.‏

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله‏:‏ ‏"‏ذكر عن السلف في معنى الآية أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه‏.‏‏.‏

فمن ذلك‏:‏ العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وصلة وإحسان إلى الناس وترك ظلم ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعمة عليهم، ولا همة له في طلب الجنة والهرب من النار؛ فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب‏.‏ وهذا النوع ذكره ابن عباس‏.‏

النوع الثاني‏.‏ وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية أنها أنزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة‏.‏

النوع الثالث‏.‏ أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا؛ مثل أن يحج لمال يأخذه، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم؛ فقد ذكر هذا النوع أيضا في تفسير الآية، وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهل أو مكسبهم أو رئاستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد؛ كما هو واقع كثيرا‏.‏

النوع الرابع‏.‏ أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرا يخرج عن الإسلام؛ مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، والآيتان تتناولان هذه الأنواع الأربعة؛ لأن لفظهما عام؛ فالأمر خطير يوجب على المسلم الحذر من أن يطلب بعمل الآخرة طمع الدنيا‏.‏

وقد جاء في ‏"‏صحيح البخاري‏"‏أن من كان قصده الدنيا يجري وراءها بكل همه أنه يصير عبدا لها‏:‏

فعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة إن أعطي؛ رضي، وإن لم يعط؛ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش‏)‏ ‏.‏

ومعنى ‏"‏تعس‏"‏ لغة‏:‏ سمط، والمراد هنا هلك، وسماه عبدا لهذه الأشياء لكونها هي المقصودة بعمله؛ فكل من توجه بقصده لغير الله؛ فقد جعله شريكا له في عبوديته؛ كما هو حال الأكثر، وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على من جعل الدنيا قصده وهمه بالتعاسة والانتكاسة وإصابته بالعجز عن انتقاش الشوك من جسده، ولابد أن يجد أثر هذه الدعوات كل من اتصف بهذه الصفات الذميمة فيقع فيما يضره في دنياه وآخرته‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة، وذكر فيها ما هو دعاء بلفظ الخبر، وهو قوله‏:‏ ‏"‏تعس وانتكس، وإذا شيك؛ فلا انتقش‏"‏، وهذا حال من إذا أصابه شر؛ لم يخرج منه ولم يفلح؛ لكونه تعس وانتكس؛ فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن منع سخط؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ‏}‏ ؛ رضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا منها برئاسة أو صورة ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط؛ فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته؛ فما استرق القلب واستعبده فهو عبده‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وهكذا طالب المال؛ فإن ذلك يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان‏:

الأول‏.‏ منها ما يحتاج العبد كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك؛ فهذا يطلب من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده يستعمله في حاجته - بمنزلة حماره الذي يركبه وبساطه الذي يجلس عليه - من غير أن يستعبده فيكون هلوعا‏.‏

الثاني‏.‏ ومنها ما لا يحتاج إليه العبد؛ فهذا ينبغي أن لا يعلق قلبه به؛ فإذا علق قلبه؛ صار مستعبدا له، وربما صار مستعبدا ومعتمدا على غير الله، فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله‏.‏ وهذا أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة‏)‏ ، وهذا عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله؛ فإن الله إذا أعطاه إياها؛ رضي، وإن منعه إياها؛ سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله؛ فهذا الذي استكمل الإيمان‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى كلامه رحمه الله‏.‏

قلت‏:‏ ومن عبيد المال اليوم الذين يقدمون على المعاملات المحرمة والمكاسب الخبيثة بدافع حب المادة؛ كالذين يتعاملون بالربا مع البنوك وغيرها، والذين يأخذون المال عن طريق الرشوة والقمار، وعن طريق الغش في المعاملات والفجور في المخاصمات، وهم يعلمون أن هذه مكاسب محرمة، لكن حبهم للمال أعمى بصائرهم، وجعلهم عبيدا لها، فصاروا يطلبونها من أي طريق‏.‏

نسأل الله العافية لنا ولإخواننا المسلمين من الشح المطاع والهوى المتبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه‏.‏

  4- مسبة الدهر ونحوه

ومن الأشياء يرتكبها بعض الناس بحكم العادة، وهي مما ينقص التوحيد أيضا ويسيء إلى العقيدة‏:‏ مسبة الدهر ومسبة الريح وما أشبه ذلك من إسناد الذم إلى المخلوقات فيما ليس لها فيه تصرف، فيكون هذا الذم في الحقيقة موجها إلى الله سبحانه؛ لأنه الخالق المتصرف‏.‏

قال الله تعالى عن المشركين‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ‏}‏ ؛ فقد كذبوا بالبعث، وقالوا‏:‏ ‏{‏مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا‏}‏ ‏:‏ التي نحن فيها، ليس هناك حياة سواها‏.‏ ‏{‏نموت ونحيا‏}‏ ؛ أي‏:‏ يموت قوم ويعيش آخرون‏.‏ وهذا منهم إنكار لوجود الخالق المتصرف، ورد جريان الحوادث إلى الطبيعة، ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ‏}‏ ؛ أي‏:‏ لا يفنينا إلا مرور الليالي والأيام، فنسبوا الإهلاك إلى الدهر على سبيل الذم له، وإنما قالوا هذا القول عن جهل وتخرص لا عن علم وبرهان؛ لأن البرهان يرد هذا القول ويبطله، ولهذا رد الله عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ‏}‏ ، وكل قول لا ينبني على علم وبرهان؛ فهو قول باطل مردود، والبراهين تدل على أن ما يجري في الكون لابد له من مدبر حكيم قادر، وهو الله سبحانه وتعالى؛ فكل من سب الدهر ونسب إليه شيئا من الحوادث؛ فقد شارك المشركين والدهرية في هذا الوصف الذميم، وإن لم يشاركهم في أصل الاعتقاد‏.‏

وفي ‏"‏الصحيحين‏"‏وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قال الله تعالى يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار‏)‏ ‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر‏)‏ ‏.‏

فدل الحديث على أن من سب الدهر؛ فقد آذى الله سبحانه؛ لأن السب يتجه إلى مدبر الحوادث والوقائع وخالقها، والدهر إنما هو ظرف ومحل وخلق مدبر ليس له شيء من التدبير، ولهذا قال الله‏:‏ ‏"‏وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار‏"‏‏.‏

فقوله سبحانه‏:‏ ‏"‏أقلب الليل والنهار‏"‏‏:‏ تفسير لقوله‏:‏ ‏"‏وأنا الدهر‏"‏، وكذا قوله‏:‏ ‏"‏فإن الله هو الدهر‏"‏‏:‏ معناه أن الله هو المتصرف الذي يصرف الدهر وغيره؛ فالذي يسب الدهر إنما يسب من خلقه، وهو الله تعالى وتقدس‏.‏

قال بعض السلف‏:‏ كانت العرب في جاهليتها من شأنها ذم الدهر؛ أي سبه عند النوازل، فكانوا إذا أصابتهم شدة أو بلاء؛ قالوا‏:‏ أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وقالوا‏:‏ يا خيبة الدهر‏!‏ فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعل ذلك هو الله؛ فإذا أضافوا ما نالهم من الشدائد إلى الدهر؛ فإنما سبوا الله عز وجل؛ لأن الله هو الفاعل لذلك حقيقة‏.‏

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله‏:‏ ‏"‏وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذا بهذا الحديث، وقد بين معناه في الحديث بقوله‏:‏ ‏"‏أقلب الليل والنهار‏"‏، وتقليبه‏:‏ تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه؛ فالذي يليق بالمسلم تجنب مثل هذه الألفاظ، وإن كان يعتقد أن الله هو المتصرف، لكن في تجنبها ابتعاد عن مشابهة الكفار ولو في الألفاظ، وفي ذلك حفاظ على العقيدة وتأدب مع الله سبحانه‏"‏‏.‏

ومن جنس مسبة الدهر مسبة الريح‏.‏

وقد ورد النهي عنها في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تسبوا الريح؛ فإذا رأيتم ما تكرهون؛ فقولوا اللهم‏!‏ إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به‏)‏ ‏.‏

وذلك لأن الريح إنما تهب بأمر الله وتدبيره؛ لأنه هو الذي أوجدها وأمرها؛ فمسبتها مسبة للفاعل، وهو الله سبحانه؛ كما تقدم في سب الدهر؛ لأن سب الريح وسب الدهر يرجعان إلى مسبة الخالق الذي دبر هذه الكائنات‏.‏

ثم أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم عندما يرون ما يكرهون مما يأتي مع الريح بأن يتوجهوا إلى خالقها وآمرها ليسألوه من خيرها وخير ما فيها ويستعيذوا من شرها وشر ما فيها؛ فما استجلبت نعمة إلا بطاعة الله وشكره، ولا استدفعت نقمة إلا بالالتجاء إلى الله والاستعاذة به، وأما سب هذه المخلوقات؛ ففيه مفاسد‏:

منها‏:‏ أنه سب ما ليس أهلا للسب؛ فإنها مخلوقات مسخرة ومدبرة‏.‏

ومنها‏:‏ أن سب هذه الأشياء متضمن للشرك؛ فإنه إنما سبها لظنه أنها تضر وتنفع من دون الله‏.‏

ومنها‏:‏ أن السب إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، وهو الله‏.‏

وإذا قال العبد عند هبوب الريح ما أرشده إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏(‏إذا رأيتم ما تكرهون؛ فقولوا اللهم‏!‏ إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به‏)‏ ؛ فقد لجأ إلى خالق الريح ومدبرها ومصرفها، وهدا هو التوحيد والاعتقاد السليم الذي يخالف اعتقاد أهل الجاهلية‏.‏

وهكذا يكون المسلم دائما وأبدا مع الأحداث؛ يرجعها إلى خالقها، ويسأله من خيرها، وأن يدفع عنه شرها، ولا يلقي باللوم عليها ويسبها ويفسرها بغير تفسيرها الصحيح‏.‏

وليعلم أن ما أصابه من هذه الأحداث مما يكره إنما هو بتقدير من الله وتسليط لها عليه بسبب ذنوبه؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ‏}‏ ‏.‏

فالأمر كله راجع إلى الله؛ فالواجب حمده في الحالتين حالة السراء وحالة الضراء، وحسن الظن به، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ‏}‏ ‏.‏

هذا هو التفسير الصحيح لمجريات الأحداث؛ فالمؤمن يعلم أن ما أصابه مما يكره إنما هو بسبب ذنوبه، فيلقي باللوم على نفسه لا على الدهر ولا على الريح، فيتوب إلى الله، والكافر والفاسق أو الجاهل يلقي باللوم على هذه المخلوقات، ولا يحاسب نفسه، ولا يتوب من ذنبه؛ كما قال الشاعر‏:

يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا ** إذ أنت والد سوء تأكل الولدا

وقال آخر‏:‏

قبحا لوجهك يا زمان فإنه ** وجه له في كل قبح برقع

نسأل الله العافية والبصيرة في دينه‏.‏

  5- قول ‏"‏لو‏"‏ في بعض الحالات

ومن الألفاظ التي لا ينبغي التلفظ بها لأنها تخل بالعقيدة، وقد ورد النهي عنها بخصوصها‏:‏ كلمة ‏"‏لو‏"‏ في بعض المقامات‏.‏

وذلك عندما يقع الإنسان في مكروه أو تصيبه مصيبة؛ فإنه لا يقول‏:‏ لو أني فعلت كذا؛ ما حصل علي هذا‏!‏ أو‏:‏ لو أني لم أفعل؛ لم يحصل كذا‏!‏ لما في ذلك من الإشعار بعدم الصبر على ما فات مما لا يمكن استدراكه، ولما يشعر به اللفظ من عدم الإيمان بالقضاء والقدر، ولما في ذلك من إيلام النفس وتسليط الشيطان على الإنسان بالوساوس والهموم‏.‏

والواجب بعد نزول المصائب التسليم للقدر، والصبر على ما أصاب الإنسان، مع عمل الأسباب الجالبة للخير والواقية من الشر والمكروه بدون تلوم‏.‏

وقد ذم الله الذين قالوا هذه الكلمة عند المصيبة التي حلت بالمسلمين في وقعة أحد، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا‏}‏ ‏:‏ هذه مقالة قالها بعض المنافقين يوم أحد لما حصل على المسلمين ما حصل من المصيبة، قالوها يعارضون القدر، ويعتبون على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين خروجهم إلى العدو، فرد الله عليهم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ‏}‏ ؛ أي‏:‏ هذا قدر مقدر من الله لابد أن يقع، ولا يمنع منه التحرز في البيوت والتلهف‏.‏

وقول ‏"‏لو‏"‏ بعد نزول المصيبة لا يفيد إلا التحسر والحزن وإيلام النفس والضعف مع تأثيره على العقيدة من حيث إنه يوحي بعدم التسليم للقدر‏.‏

ثم ذكر سبحانه عن هؤلاء المنافقين مقالة أخرى، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا‏}‏ ، وهذه من مقالات المنافقين يوم أحد أيضا، ويروى أن عبد الله بن أبي كان يعارض القدر ويقول‏:‏ لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج؛ ما قتلوا مع من قتل‏.‏ فرد الله عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ‏}‏ ؛ أي‏:‏ إذا كان القعود وعدم الخروج يسلم به الشخص من القتل أو الموت؛ فينبغي أن لا تموتوا، والموت لابد أن يأتي إليكم في أي مكان؛ فادفعوه عن أنفسكم إن كنتم صادقين في دعواكم أن من أطاعكم سلم من القتل‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر مقالة ابن أبي هذه؛ قال‏:‏ ‏"‏فلما انخزل يوم أحد، وقال‏:‏ يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان -أو كما قال-؛ انخزل معه خلق كثير، كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك؛ فأولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان هو الضوء الذي ضرب الله به المثل؛ فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق؛ لماتوا على الإسلام، وهؤلاء لم يكونوا من المؤمنين حقا الذين امتحنوا فثبتوا على المحنة، ولا من المنافقين الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

والشاهد منه أن اللهج بكلمة ‏(‏لو‏)‏ عند حصول المصائب من سمات المنافقين الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر‏.‏

فيجب على المؤمن الابتعاد عن التلفظ بهذه الكلمة عندما تصيبه محنة أو مكروه، وأن يعدل إلى الألفاظ الطيبة التي فيها الرضى بما قدر الله والصبر والاحتساب، وهي الألفاظ التي وجه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل لو أني فعلت كذا؛ كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان‏)‏ ؛ فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وآخرته مما شرعه الله تعالى لعباده من الأسباب الواجبة والمستحبة والمباحة، ويكون العبد في حال فعله السبب مستعينا بالله؛ ليتم له سببه وينفعه؛ لأن الله تعالى هو الذي خلق السبب والمسبب، والجمع بين فعل السبب والتوكل على الله توحيد، ثم نهى عن العجز، وهو ترك فعل الأسباب النافعة، وهو ضد الحرص على ما ينفع؛ فإذا حرص على ما ينفعه، وبذل السبب، ثم وقع خلاف ما أراد أو أصابه ما يكره؛ فلا يقل‏:‏ لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا وكذا؛ لأن هذه الكلمة لا تجدي شيئا، وإنما تفتح عمل الشيطان، وتبعث على التأسف ولوم القدر، وذلك ينافي الصبر والرضى، والصبر واجب، والإيمان بالقدر فرض، ثم أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى اللفظ النافع المتضمن للإيمان بالقدر، وهو أن يقول‏:‏ ‏"‏قدر الله وما شاء فعل‏"‏؛ لأن ما قدره الله لابد أن يكون، والواجب التسليم للمقدور، وما شاء الله فعل؛ لأن أفعاله لا تصدر إلا عن حكمة‏.‏

قال الإمام ابن القيم رحمه الله‏:‏ ‏"‏والعبد إذا فاته المقدور له حالتان‏:‏ حالة عجز‏:‏ وهي عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى ‏(‏لو‏)‏، ولا فائدة فيها، بل هي مفتاح اللوم‏.‏ والحالة الثانية‏:‏ النظر إلى المقدور وملاحظته وأنه لو قدر لم يفته ولم يغلبه عليه أحد‏.‏

فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ينفعه حال حصول مطلوبه وحال فواته، ونهاه عن قول ‏(‏لو‏)‏، وأخبره أنها تفتح عمل الشيطان؛ لما فيها من التأسف على ما فات والتحسر والحزن ولوم القدر، فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان، وليس هذا لمجرد لفظ ‏(‏لو‏)‏؛ بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان‏.‏

فإن قيل‏:‏ الرسول قد قال هذه الكلمة حينما أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة ولم يفسخ هو لأنه ساق الهدي‏.‏

فالجواب عن ذلك‏:‏ أن قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي‏)‏ ‏:‏ خبر عن مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، بل هو إخبار لأصحابه أنه لو استقبل الإحرام بالحج؛ ما ساق الهدي، ولأحرم بالعمرة، قال ذلك لهم لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة؛ حثا وتطييبا لقلوبهم لما رآهم توقفوا في أمره؛ فليس هذا من المنهي عنه، بل هو إخبار لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما ينهى عن ذلك في معارضة القدر‏.‏ والله أعلم‏"‏‏.‏

فهذا الحديث الذي رواه أبو هريرة لا يستغني عنه العبد، وهو يتضمن إثبات القدر وإثبات الكسب والقيام بالعبودية‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى هذا الحديث‏:‏ ‏"‏لا تعجز عن مأمور، ولا تجزع من مقدور‏"‏‏.‏

  الصبر ومنزلته في العقيدة

تقدم الكلام في النهي عن قول ‏(‏لو‏)‏ عندما يقع الإنسان في مصيبة وأن الواجب عليه الصبر والاحتساب‏.‏

قال الإمام أحمد رحمه الله‏:‏ ‏"‏ذكر الله تعالى الصبر في تسعين موضعا من كتابه‏"‏‏.‏

وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏"‏الصبر ضياء‏"‏‏.‏ رواه أحمد ومسلم‏.‏

قال عمر رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏وجدنا خير عيشنا بالصبر‏"‏‏.‏ رواه البخاري‏.‏

وقال علي رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد‏"‏، ثم رفع صوته وقال‏:‏ ‏"‏ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له‏"‏‏.‏

وقد روى البخاري ومسلم مرفوعا‏:‏ ‏"‏ما أعطي أحد عطاء أوسع من الصبر‏"‏‏.‏

والصبر مشتق من صبر إذا حبس ومنع؛ فهو‏:‏ حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب‏.‏

وهو ثلاثة أنواع‏:‏ صبر على فعل ما أمر الله به، وصبر على ترك ما نهى الله عنه، وصبر على ما قدره الله من المصائب‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ‏}‏ ‏:‏ قال علقمة‏:‏ ‏"‏هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم‏"‏‏.‏ وقال غيره في معنى الآية‏:‏ أي‏:‏ من أصابته مصيبة، فعلم أنها بقدر الله، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله؛ هدى الله قلبه وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ‏}‏ ؛ يعني‏:‏ يسترجع ويقول‏:‏ ‏{‏إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ‏}‏ ‏.‏

وفي الآية الكريمة دليل على أن الأعمال من الإيمان، وعلى أن الصبر سبب لهداية القلوب، وأن المؤمن يحتاج إلى الصبر في كل المواقف‏:

يحتاج إليه مع نفسه أمام أوامر الله ونواهيه بإلزام نفسه بالتزامها‏.‏

ويحتاج إلى الصبر في مواقف الدعوة إلى الله تعالى على ما يناله في سبيلها من مشقة وأذى؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ‏}‏ ‏.‏

ويحتاج إلى الصبر في موقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما يلاقيه من أذى الناس؛ قال تعالى عن لقمان‏:‏ ‏{‏يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ‏}‏ ‏.‏

المؤمن بحاجة إلى الصبر أمام مواجهته المصائب التي تجري عليه؛ بأن يعلم أنها من عند الله؛ فيرضى، ويسلم، ويحبس نفسه عن الجزع والتسخط الذي قد يظهر على اللسان والجوارح‏.‏

وهذا من صميم العقيدة؛ لأن الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، وثمرته الصبر على المصائب؛ فمن لم يصبر على المصائب؛ فهذا دليل على فقدان هذا الركن أو ضعفه لديه، ومن ثم سيقف أمام المصائب موقف الجزع والتسخط، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا كفر يخل بالعقيدة الإسلامية‏:

ففي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب، والنياحة على الميت‏)‏ ‏.‏

فهاتان الخصلتان من خصال الكفر؛ لأنهما من أعمال الجاهلية، ولكن ليس من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرا الكفر المطلق، وفرق بين الكفر المعرف باللام - كما في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة‏)‏ - وبين كفر منكرا كما في هذا الحديث‏.‏

وفي ‏"‏الصحيحين‏"‏‏:‏ ‏(‏ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية‏)‏ ‏.‏

وقوله في الحديث‏:‏ ‏"‏ودعا بدعوى الجاهلية‏"‏‏:‏ قال ابن القيم‏:‏ ‏"‏الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ وتفضيل بعضهم على بعض؛ يدعو إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي؛ فكل هذا من دعوى الجاهلية‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

والله سبحانه يجري المصائب على عباده لحكم عظيمة، منها أنه يكفر بها خطاياهم؛ كما في حديث أنس‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا أراد الله بعبده الخير؛ عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر؛ أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة‏)‏ ‏.‏ رواه الترمذي وحسنه الحاكم‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏المصائب نعمة لأنها مكفرات للذنوب، وتدعو إلى الصبر فيثاب عليها، وتقتضي الإنابة إلى الله والذل له والإعراض عن الخلق‏.‏‏.‏‏.‏ إلى غير ذلك من المصالح العظيمة، فنفس البلاء يكفر الله به الذنوب والخطايا، وهذا من أعظم النعم، فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق؛ إلا أن يدخل صاحبها في معاص أعظم مما كان قبل ذلك، فيكون شرا عليه من جهة ما أصابه في دينه؛ فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو وجع؛ حصل له من النفاق والجزع ومرض القلب والكفر الظاهر وترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له الضرر في دينه؛ فهذا كانت العافية خيرا له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة؛ كما أن من أوجبت له المصيبة صبرا وطاعة؛ كانت في حقه نعمة دينية؛ فهي بكونها فعل الرب عز وجل رحمة للخلق، والله تعالى محمود عليها، فمن ابتلي فرزق الصبر؛ كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصل له بعد ما كفر من خطاياه رحمة، وحصل له ثناء ربه عليه؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ‏}‏ ، وحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات؛ فمن قام بالصبر الواجب؛ حصل له لك‏"‏‏.‏ انتهى‏.‏

ومن الحكم الإلهية في إجراء المصائب ابتلاء العباد عند وقوعها؛ من يصبر ويرضى، ومن يجزع ويسخط؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم؛ فمن رضي؛ فله الرضى، ومن سخط؛ فله السخط‏)‏ ‏.‏ رواه الترمذي وحسنه‏.‏

والرضى‏:‏ هو أن يسلم العبد أمره إلى الله ويحسن الظن به ويرغب في ثوابه‏.‏

والسخط‏:‏ هو الكراهية للشيء، وعدم الرضى به؛ أي‏:‏ من سخط على الله فيما دبره؛ فله السخط من الله‏.‏

وفي هذا الحديث أن الجزاء من جنس العمل، وفيه إثبات الرضى من الله سبحانه على ما يليق به كسائر صفاته، وفيه بيان الحكمة في إجراء المصائب على العباد، وفيه إثبات القضاء والقدر، وأن المصائب تجري بقضاء الله وقدره، وفيه مشروعية الصبر على المصائب والرجوع إلى الله والاعتماد عليه وحده في كل ملمة ودفع كل مكروه‏.‏

وقد أمر الله بالاستعانة بالصبر والصلاة على ما يواجه الإنسان في هذه الحياة من متاعب ومشاق؛ لأن من وراء ذلك الخير والعاقبة الحميدة، وأخبر أنه مع الصابرين بنصره وتأييده؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏ ، مما يدل على أهمية الصبر وحاجة المؤمن إليه، وهو من مقومات العقيدة‏.‏

نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الصبر والاحتساب، وأن يمن علينا بالتوفيق والهداية‏.‏

  بيان ألفاظ لا يجوز أن تقال في حق الله تعالى تعظيما لشأنه

الله جل وعلا عظيم يجب أن يعظم، وهناك ألفاظ لا يجوز أن تقال في حقه سبحانه تعظيما له، وقد ورد النهي عنها‏:

فمن هذه الألفاظ‏:‏ أنه لا يقال‏:‏ السلام على الله؛ لأن السلام دعاء للمسلم عليه بطلب السلامة له من الشرور، والله سبحانه يطلب منه ذلك ولا يطلب له، ويدعى ولا يدعى له؛ لأنه المغني، له ما في السماوات والأرض، وهو السالم من كل عيب ونقص، ومانح السلامة ومعطيها، وهو السلام، ومنه السلام‏.‏

وفي ‏"‏الصحيح‏"‏عن ابن مسعود رضي الله عنه؛ قال‏:‏ كنا إذ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة؛ قلنا‏:‏ السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام‏)‏ ؛ أي‏:‏ إن الله سالم من كل نقص‏.‏

قال الإمام ابن القيم رحمه الله‏:‏ ‏"‏السلام مصدر، وهو من ألفاظ الدعاء، يتضمن الإنشاء والإخبار؛ فجهة الإخبارية تناقض الجهة الإنشائية، وهو معنى السلام المطلوب عند التحية‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏والمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم عند الرجل؛ أتى في طلبها بصيغة اسم من أسماء الله تعالى، وهو السلام الذي تطلب منه السلامة، فتضمن معنيين‏:‏ أحدهما‏:‏ ذكر الله‏.‏‏.‏‏.‏ والثاني‏:‏ طلب السلامة، وهو مقصود المسلم‏"‏‏.‏

ومن الألفاظ التي لا تقال في حق الله تعالى‏:‏ اللهم اغفر لي إن شئت‏.‏ فطلب الحاجة من الله لا يعلق على المشيئة، وإنما يجزم به‏.‏

وفي ‏"‏الصحيح‏"‏عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يقل أحدكم اللهم‏!‏ اغفر لي إن شئت اللهم‏!‏ ارحمني إن شئت ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكره له‏)‏ ‏.‏

ولمسلم‏:‏ ‏"‏وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه‏"‏‏.‏

والنهي عن ذلك لأمرين‏:‏

الأول‏.‏ أن الله سبحانه لا مكره له على الفعل، وإنما هو يفعل ما يريد؛ بخلاف العبد؛ فإنه قد يفعل الشيء وهو كاره، ولكن يفعله لخوف أو رجاء من أحد، والله ليس كذلك‏.‏

الثاني‏.‏ أن التعليق على المشيئة يدل على فتور في الطلب وقلة رغبة فيه؛ فإن حصل، وإلا؛ استغنى عنه، وهذا يدل على عدم الافتقار إلى الله‏.‏ وفي رواية مسلم الأمر بتعظيم الطلب؛ لأن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه؛ أي‏:‏ لا يكبر عليه سبحانه ولا يعسره، وليس عنده بعظيم، وإن عظم في نفس المخلوق، وذلك لكمال فضله وجوده وسعة غناه، فهو يعطي العظائم، ولا يعجزه شيء، ‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏.‏

ومن الألفاظ التي لا تقال في حق الله تعالى‏:‏ الإقسام على الله إذا كان على جهة الحجر عليه أن لا يفعل الخير‏!‏

عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قال رجل والله لا يغفر الله لفلان فقال الله عز وجل من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان‏؟‏ إني قد غفرت له وأحبطت عملك‏)‏ ‏.‏ رواه مسلم‏.‏

والتألي من الألية - بتشديد الياء - وهي اليمين، ومعنى يتألى‏:‏ يحلف، وقوله‏:‏ ‏"‏من ذا الذي‏"‏‏:‏ استفهام إنكار‏.‏

وهذا الرجل أساء الأدب مع الله، وحكم عليه وقطع أنه لا يغفر لهذا المذنب، فكأنه حكم على الله سبحانه، وهذا من جهله بمقام الربوبية، واغتراره بنفسه وبعمله وإدلاله بذلك، فعومل بنقيض قصده، وغفر لهذا المذنب بسببه، وأحبط عمله بسبب هذه الكلمة السيئة التي قالها، مع أنه كان عابدا‏.‏

قال أبو هريرة رضي الله عنه‏:‏ تكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته‏.‏

ففي الحديث‏:‏ وجوب التأدب مع الله سبحانه في الأقوال والأفعال، وتحريم الإدلال على الله والإعجاب بالنفس واحتقار الآخرين، وتحريم الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر عليه أن لا يفعل الخير بعباده، أما إذا كان الحلف على الله على جهة حسن الظن به سبحانه ورجاء الخير منه؛ فهذا جائز؛ كما جاء في الحديث‏:‏ ‏"‏إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره‏"‏‏.‏

وفي حديث جندب بيان خطر اللسان ووجوب التحفظ منه‏.‏

وعن معاذ رضي الله عنه‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ثكلتك أمك يا معاذ‏!‏ وهل يكب الناس في النار على وجوههم ‏-‏أو قال على مناخرهم‏-‏ إلا حصائد ألسنتهم‏)‏ ‏.‏ رواه الترمذي وصححه‏.‏

ومما سبق يتبين أنه يجب التحفظ في الألفاظ والابتعاد عن اللفظ الذي فيه سوء أدب مع الله سبحانه؛ لأن هذا يخل بالعقيدة وينقص التوحيد؛ فلا يقال‏:‏ السلام على الله؛ لأنه هو السلام سبحانه، ولأن السلام على أحد دعاء له بالسلامه، والله سبحانه يدعى ولا يدعى له‏.‏ ولا يقال‏:‏ اللهم اغفر لي وارحمني إن شئت‏.‏‏.‏‏.‏ ونحو ذلك، بل كل دعاء يؤتى به على سبيل الجزم بلا تعليق بالمشيئة؛ لأن الله يفعل ما يشاء ولا مكره له‏.‏ وأنه لا يقسم على الله أن لا يرحم فلانا أو يغفر لفلان؛ لأن هذا حظر ومنع لرحمة الله، وسوء ظن بالله عز وجل‏.‏ كما أنه لا يجوز أن يقال‏:‏ ما شاء الله وشاء فلان، وإنما يقال‏:‏ ما شاء الله ثم شاء فلان؛ لأن العطف بالواو يقتضي المشاركة، ولا أحد يشارك الله سبحانه ويساويه في أمر من الأمور، وأما العطف بـ ‏(‏ثم‏)‏؛ فإنه يقتضي الترتيب والتبعية، فتكون مشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله سبحانه وحاصلة بعدها وليست مشاركة لها‏.‏

وكل هذا مما يؤكد على المسلم وجوب دراسة العقيدة ومعرفة ما يصححها وما يخل بها حتى يكون على بينة من أمره وحتى لا يقع في المحذور وهو لا يشعر‏.‏

وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح‏.‏

  ثالثا‏:‏ توحيد الأسماء والصفات

تقدم أن بينا أن التوحيد ثلاثة أنواع‏:‏ توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات‏.‏

وقد تكلمنا عن النوعين الأولين منه، وهما‏:‏ توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية؛ لأن كل نوع من هذه الأنواع جحده طائفة من البشر‏.‏

فتوحيد الربوبية‏:‏ جحده المعطلة الذين أنكروا وجود الله؛ كالدهرية والملاحدة ومنهم الشيوعية في عصرنا الحاضر، وإن كان جحودهم له إنما هو في الظاهر مكابرة منهم، وإلا؛ فهم يقرون به في الباطن وفي قرارة أنفسهم؛ إذ لا يعقل وجود مخلوق بدون خالق‏.‏

والقسم الثاني - وهو توحيد الألوهية - جحده أكثر الخلق، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بالدعوة إليه، وقد جحده المشركون قديما وحديثا، وجحودهم له يتمثل بعبادة الأشجار والأحجار والأصنام والقبور والأضرحة وعبادة المشايخ الصوفية باعتقاد النفع والخير فيهم من دون الله عز وجل ممن ينتسبون إلى الإسلام زورا وبهتانا‏.‏

والقسم الثالث - وهو توحيد الأسماء والصفات - يعني‏:‏ إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من صفات الكمال، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله من صفات النقص؛ على حد قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ‏.‏

وهذا القسم قد جحده الجهمية وتلاميذهم من المعتزلة والأشاعرة، وهو في الحقيقة داخل في توحيد الربوبية، لكن لما كثر منكروه وروجوا الشبه حوله؛ أفرد بالبحث، وجعل قسما مستقلا، وألفت فيه المؤلفات الكثيرة‏.‏

فألف الإمام أحمد رده المشهور على الجهمية، وألف ابنه عبد الله كتاب ‏"‏السنة‏"‏، وألف عبد العزيز الكناني كتاب ‏"‏الحيدة‏"‏في الرد على بشر المريسي، وألف أبو عبد الله المروزي كتاب ‏"‏السنة‏"‏، وألف عثمان بن سعيد كتاب ‏"‏الرد على بشر المريسي‏"‏، وألف إمام الأئمة محمد بن خزيمة كتاب ‏"‏التوحيد‏"‏، وألف غير هؤلاء كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم هؤلاء ومن جاء بعدهم وسار على نهجهم، فلله الحمد والمنة على بيان الحق ودحض الباطل‏.‏

وأول من عرف عنه إنكار الصفات بعض مشركي العرب الذين أنزل الله فيهم قوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ‏}‏ ‏.‏

وسبب نزول هذه الآية أن قريشا لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن؛ أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ‏}‏ ‏.‏

وذكر ابن جرير أن ذلك كان في صلح الحديبية، حين كتب الكاتب ‏"‏بسم الله الرحمن الرحيم‏"‏؛ قالت قريش‏:‏ أما الرحمن؛ فلا نعرفه‏.‏

روى ابن جرير أيضا عن ابن عباس‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ساجدا يقول‏:‏ ‏"‏يا رحمن‏!‏ يا رحيم‏!‏‏"‏، فقال المشركون‏:‏ هذا يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو مثنى‏.‏ فأنزل‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى في سورة الفرقان‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ‏}‏ ‏.‏

فهؤلاء هم سلف الجهمية والأشاعرة في إنكار أسماء الله وصفاته، وبئس السلف لبئس الخلف، ‏{‏أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا‏}‏ ‏.‏

أما الرسل وأتباعهم - خصوصا خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والذين اتبعوهم بإحسان-؛ فهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، وينكرون على من يخالف هذا المنهج‏.‏

فقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس‏:‏ أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكارا لذلك‏!‏ فقال‏:‏ ‏"‏ما فرق هؤلاء‏؟‏ يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه‏"‏‏.‏

يشير رضي الله عنه إلى أناس يحضرون مجلسه من عامة الناس؛ بأنهم إذا سمعوا شيئا من نصوص الصفات - وهي من المحكم -؛ حصل معهم فرق ‏(‏أي‏:‏ خوف‏)‏ وانتفضوا كالمنكرين لها؛ فهم كالذين قال الله فيهم‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ‏}‏ ؛ فيدعون المحكم ويتبعون المتشابه، ويؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض‏.‏

ونصوص الصفات من المحكم لا من المتشابه، يقرؤها المسلمون ويتدارسونها ويفهمون معناها ولا ينكرون منها شيئا‏.‏

قال وكيع‏:‏ ‏"‏أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ‏(‏يعني‏:‏ أحاديث الصفات‏)‏ ولا ينكرونها‏"‏‏.‏ انتهى‏.‏ وإنما ينكرها المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين ساروا على منهج مشركي قريش الذين يكفرون بالرحمن ويلحدون في أسماء الله‏.‏

وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ؛ فأثبت لنفسه الأسماء الحسنى، وأمر أن يدعى بها، وكيف يدعى بما لا يسمى به ولا يفهم معناه على زعم هؤلاء‏؟‏‏!‏ وتوعد هؤلاء الذين يلحدون في أسمائه فينفونها عنه أو يؤولونها عن معانيها الصحيحة بأنه سيجزيهم على عملهم بالعقاب والعذاب‏.‏

كما وصفهم بالكفر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ‏}‏ ؛ فلهذا كفر الجهمية كثير من أهل السنة‏.‏

قال ابن القيم رحمه الله تعالى‏:‏

ولقد تقلد كفرهم خمسون في ** عشر من العلماء في البلدان

واللالكائي الإمام حكاه عنـ ** ـهم بل قد حكاه قبله الطبراني

 وجوب احترام أسماء الله سبحانه وتعالى

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى‏}‏ ‏.‏

يخبر تعالى أن أسماءه حسنى؛ أي‏:‏ حسان، قد بلغت الغاية في الحسن، فلا أحسن منها؛ لما تدل عليه من صفات الكمال ونعوت الجلال؛ فهي أحسن الأسماء وأكملها‏.‏

وأسماؤه سبحانه توقيفية؛ فلا يجوز لنا أن نسميه إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فادعوه بها‏}‏ أي‏:‏ اسألوه وتوسلوا إليه بها؛ كما تقول‏:‏ اللهم‏!‏ اغفر لي وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم‏.‏

وأسماؤه سبحانه كثيرة لا تحصر ولا تحد بعدد، منها ما استأثر الله بعلمه فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ كما في الحديث الصحيح‏:‏ ‏"‏أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك‏"‏‏.‏

قال الإمام ابن القيم رحمه الله‏:‏ ‏"‏فجعل أسماءه ثلاثة أقسام‏:‏ قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه، وقسم أنزل به كتابه وتعرف به إلى عباده، وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحدا من خلقه‏"‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ‏}‏ ؛ أي‏:‏ أعرضوا عنهم واتركوهم؛ فإن الله سيتولى جزاءهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ، ومعنى ‏{‏يلحدون في أسمائه‏}‏ ؛ أي‏:‏ يميلون بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها‏.‏

والإلحاد بأسماء الله أنواع‏:‏

أحدها‏.‏ أن يسمى بها الأصنام؛ كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلها‏.‏

الثاني‏.‏ تسميته بما لا يليق بجلاله؛ كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته أو علة فاعلة بالطبع‏.‏

الثالث‏.‏ وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص؛ كقول أخبث اليهود‏:‏ إنه فقير، وانه استراح يوم السبت، وقولهم‏:‏ يد الله مغلولة‏.‏

والرابع‏.‏ تعطيل أسماء الله الحسنى عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول الجهمية وأتباعهم‏:‏ إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني، فيطلقون عليه اسم السميع البصير، ويقولون‏:‏ لا سمع له ولا بصر مثلا، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلا وشرعا، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإن المشركين أعطوا من أسمائه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوا كماله وعطلوا أسماءه وصفاته‏.‏

والواجب إثبات أسمائه وصفاته واعتقاد ما تدل عليه من صفات كماله ونعوت جلاله؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، على حد قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ‏.‏

والواجب احترام أسمائه من أن يسمى بها غيره، وذلك من تحقيق التوحيد‏.‏

فعن أبي شريح‏:‏ أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله هو الحكم، وإليه الحكم فقال إن قومي كانوا إذا اختلفوا في شيء؛ أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين فقال ما أحسن هذا‏!‏ فما لك من الولد‏؟‏ قلت شريح ومسلم وعبد الله قال فمن أكبرهم‏؟‏ قلت شريح قال فأنت أبو شريح‏)‏ ‏.‏ رواه أبو داود وغيره‏.‏

فغير النبي صلى الله عليه وسلم كنيته من أجل احترام أسماء الله؛ لأن الله هو الحكم على الإطلاق، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ‏}‏ ، وهو الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم في الدنيا بين خلقه بوحيه الذي أنزله على أنبيائه، ويحكم بينهم يوم القيامة بعلمه فيما اختلفوا فيه، وينصف المظلوم من الظالم‏.‏

وفي هذا الحديث دليل على المنع من التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به، والمنع مما يوهم عدم الاحترام لها؛ كالتكني بأبي الحكم ونحوه‏.‏

ومن احترام أسماء الله أن لا يقول الإنسان لمملوكه‏:‏ عبدي وأمتي؛ لما في لك من إيهام المشاركة في الربوبية‏.‏

وفي ‏"‏الصحيح‏"‏عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يقل أحدكم أطعم ربك‏!‏ وضيء ربك‏!‏ وليقل سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي وغلامي‏)‏ ‏.‏

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الألفاظ ‏(‏ربك‏)‏ ‏(‏عبدي‏)‏ ‏(‏أمتي‏)‏؛ لأنها توهم التشريك مع الله، وسدا للذريعة، وحسما لمادة الشرك، وأرشد المالك أن يقول‏:‏ فتاي وفتاتي، والعبد أن يقول‏:‏ سيدي ومولاي‏.‏

ومن احترام أسماء الله سبحانه أن لا يرد من سأل بالله‏.‏

عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من استعاذ بالله؛ فأعيذوه، ومن سأل بالله؛ فأعطوه‏)‏ ‏.‏

لأن منع من سأل بالله يدل على عدم إجلال الله، وفي إعطائه دليل على تعظيم الله والتقرب إليه سبحانه‏.‏

ومن احترام أسماء الله تعالى أنه لا يسأل بوجه الله تعالى إلا الجنة؛ إجلالا له وإكراما له وتعظيما له‏.‏

عن جابر رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يسأل بوجه الله إلا الجنة‏)‏ ‏.‏ رواه أبو داود‏.‏

فلا يسأل بوجه الله تعالى ما هو حقير من حوائج الدنيا، وإنما يسأل به ما هو غاية المطالب، وهو الجنة، أو ما هو وسيلة إلى الجنة مما يقرب إليها من قول أو عمل‏.‏

ومن احترام أسماء الله أن لا يكثر الحلف بها‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏واحفظوا أيمانكم‏}‏ ؛ قال ابن عباس‏:‏ يريد‏:‏ لا تحلفوا‏.‏ لأن كثرة الحلف تدل على الاستخفاف بالله وعدم التعظيم له، وذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب‏.‏

وعن سلمان رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه‏)‏ ‏.‏ رواه الطبراني بسند صحيح‏.‏

ومعنى ‏"‏جعل الله بضاعته‏"‏؛ أي‏:‏ جعل الحلف بالله بضاعته؛ ففيه شدة الوعيد على كثرة الحلف؛ لأن ذلك يدل على الاستخفاف بحق الله تعالى وعدم احترام أسمائه‏.‏

ومن إجلال الله وتعظيمه أنه لا يستشفع به على خلقه؛ لما في ذلك من تنقصه سبحانه؛ لأن المستشفع به يكون أقل درجة من المشفوع عنده‏.‏

قال الإمام الشافعي رحمه الله‏:‏ إنما يشفع عند من هو أعلى منه، تعالى الله عن ذلك‏.‏

وقد جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشكى إليه القحط وهلاك الأموال، وطلب منه أن يستسقي لهم، وقال‏:‏ فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏سبحان الله‏!‏ سبحان الله‏!‏ فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ويحك‏!‏ أتدري ما الله‏؟‏‏!‏ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه‏)‏ ‏.‏ رواه أبو داود‏.‏

فشأن الله عظيم وهو الذي يشفع عنده بإذنه سبحانه‏.‏

  منهج أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته

منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة الذين هم الفرقة الناجية في أسماء الله وصفاته إثباتها كما جاءت في الكتاب والسنة مع اعتقاد ما دلت عليه وأنها على ظاهرها‏.‏

ولا يلزم من إثباتها تشبيه الله بخلقه تعالى الله عن ذلك؛ لأن صفات الخالق تخصه وتليق به، وصفات المخلوقين تليق بهم وتخصهم، ولا تشابه بين الصفتين؛ كما أنه لا تشابه بين ذات الخالق سبحانه وذات المخلوق‏.‏

ومذهب أهل السنة والجماعة في ذلك ينبني على أسس سليمة وقواعد مستقيمة، وهذه الأسس هي‏:

أولا‏.‏ أن أسماء الله وصفاته توقيفية؛ بمعنى أنهم لا يثبتون لله إلا ما أثبته لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله في سنته من الأسماء والصفات، ولا يثبتون شيئا بمقتضى عقولهم وتفكيرهم، ولا ينفون عن الله إلا ما نفاه عن نفسه في كتابه أو نفاه عنه رسوله في سنته، لا ينفون عنه بموجب عقولهم وأفكارهم؛ فهم لا يتجاوزون الكتاب والسنة في إثبات ولا نفي، وما لم يصرح الكتاب والسنة بنفيه ولا إثباته - كالعرض والجسم والجوهر - فهم يتوقفون فيه بناء على هذا الأصل العظيم‏.‏

ثانيا‏.‏ أن ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهو حق على ظاهره، ليس فيه أحاجي ولا ألغاز، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه‏.‏

فأهل السنة يثبتون ألفاظ الصفات ومعانيها، فليس ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من المتشابه الذي يفوض معناه؛ لأن اعتبار نصوص الصفات مما لا يفهم معناه يجعلها من الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، والله تعالى قد أمرنا بتدبر القرآن كله، وحضنا على تعقله وتفهمه، وإذا كانت نصوص الصفات مما لا يفهم معناه؛ فيكون الله قد أمرنا بتدبر وتفهم ما لا يمكن تدبره وتفهمه، وأمرنا باعتقاد ما لم يوضحه لنا، تعالى الله عن ذلك‏!‏

إذا؛ فمعاني صفات الله تعالى معلومة يجب اعتقادها، وأما كيفيتها فهي مجهولة لنا لا يعلمها إلا الله تعالى‏.‏

ولهذا قال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه لما سئل عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏ ؛ كيف استوى‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة‏"‏‏.‏

وما قال الإمام مالك في الاستواء هو قاعدة في جميع الصفات، وهو قول أهل السنة والجماعة قاطبة؛ فمن نسب إلى السلف أنهم يفوضون معاني الأسماء والصفات ويجعلون نصوصها من المتشابه الذي استأثر الله بعلم معناه؛ فقد كذب عليهم؛ لأن كلامهم يخالف ما يقوله هذا المفتري‏.‏

ثالثا‏.‏ السلف يثبتون الصفات إثباتا بلا تمثيل؛ فلا يمثلونها بصفات المخلوقين؛ لأن الله ليس كمثله شيء ولا كفء له ولا ند له ولا سمي له، ولأن تمثيل الصفات وتشبيهها بصفات المخلوقين ادعاء لمعرفة كيفيتها، وكيفيتها مجهولة لنا مثل كيفية الذات؛ لأن العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، والله تعالى لا يعلم كيفية ذاته إلا هو، والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات؛ فكما أن لله ذاتا لا تشبه الذوات؛ فكذلك له صفات لا تشبه الصفات، ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ؛ أي‏:‏ لا يشبهه أحد لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله‏.‏

فيجب الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا أحد أعلم من الله بالله، ‏{‏أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ‏}‏ ؛ فهو أعلم بنفسه وبغيره؛ كما يجب الإيمان بما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا أحد بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله في حقه‏:‏ ‏{‏وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى‏}‏ ؛ فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وينزه ربه جل وعلا من أن تشبه صفته صفة الخلق‏.‏

فمن تقدم بين يدي الله ورسوله، وتجرأ على الله، فنفى عنه ما أثبته لنفسه من الصفات العظيمة وما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال‏:‏ هذا الذي وصفت به نفسك ووصفك به رسولك لا يليق بك‏!‏ وفيه من النقص كذا وكذا‏!‏‏!‏ فأنا أأوله وألغيه وآتي ببدله من تلقاء نفسي؛ كما قال بعضهم‏:

وكل نص أوهم التشبيها ** أوله أو فوض ورم تنزيها

فلا أرجع إلى كتابك ولا إلى سنة نبيك في ذلك؛ لأن فيها ما يوهم التشبيه، وإنما أرجع إلى قواعد المتكلمين وأقاويل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية‏!‏ فهل يكون يا عباد الله هذا مؤمنا بالله وبكتابه وسنة رسوله‏؟‏‏!‏ وهل يكون معظما لربه‏؟‏‏!‏ سبحانك هذا بهتان عظيم‏.‏

رابعا‏.‏ وكما أن أهل السنة والجماعة يثبتون لله الصفات التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله على وجه يليق بجلاله ولا يشبهونه بخلقه؛ فهم ينزهونه عن النقائص والعيوب تنزيها لا يفضي بهم إلى التعطيل بتأويل معانيها أو تحريف ألفاظها عن مدلولها بحجة التنزيه؛ فمذهبهم في ذلك وسط بين طرفي التشبيه والتعطيل، تجنبوا التعطيل في مقام التنزيه، وتجنبوا التشبيه في مقام الإثبات‏.‏

خامسا‏.‏ وطريقة أهل السنة والجماعة فيما يثبتون لله من الصفات وما ينفون عنه من النقص هي طريقة الكتاب والسنة، وهي الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ؛ فأجمل في النفي، وهو قوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ وفصل في الإثبات، وهو قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ‏.‏

وكل نفي في صفات الله؛ فإنه يتضمن إثبات الكمال، وليس هو نفيا محضا؛ لأن النفي المحض ليس فيه مدح؛ لأنه عدم محض، والعدم ليس بشيء‏.‏

ومن أمثلة النفي المتضمن لإثبات الكمال‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا‏}‏ ؛ أي‏:‏ لكمال عدله سبحانه، وقوله‏:‏ ‏{‏ولا يؤوده حفظهما‏}‏ ؛ أي‏:‏ لكمال قدرته وقوله، وقوله‏:‏ ‏{‏لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ‏}‏ ؛ أي‏:‏ لكمال حياته وقيوميته‏.‏

وهكذا كل نفي عن الله؛ فإنه يتضمن إثبات ضد المنفي من الكمال والجلال‏.‏

هذا، ونسأل الله البصيرة في دينه، والعمل بطاعته، ومعرفة الحق والعمل به

 منهج الجهمية وتلاميذهم في أسماء الله وصفاته

يجب على المسلم إثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته على وفق ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأن هذا يدخل في باب الإيمان بالله عز وجل، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، متخذين كتاب الله وسنة رسوله الدليل والمرجع في ذلك، عكس ما عليه الجهمية وتلاميذهم من المعتزلة والأشاعرة، الذين ينفون ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، أو ينفون بعضا منها ويثبتون البعض الآخر تحكما منهم، ويجعلون مرجعهم في ذلك ما قررته عقولهم القاصرة أو قرره لهم أئمة الضلال، وفرق بين من جعل دليله الكتاب والسنة ومن جعل دليله نحاتة الأفكار وزبالة الأذهان؛ كما يقوله واحد منهم‏:

وكل نص أوهم التشبيها ** أوله أو فوض ورم تنزيها

هذا تعاملهم مع نصوص الكتاب والسنة في باب أسماء الله وصفاته؛ التأويل، وهو صرف هذه النصوص عما دلت عليه من المعاني الجليلة إلى ما تقرره عقولهم من الأفكار العقيمة والآراء الباطلة، وما عجزت عنه عقولهم؛ فرفضوه واعتقدوا خلاف ما يدل عليه‏.‏

سبحانك ربي‏!‏ ما أعظم شأنك‏!‏ وما أحلمك على عبادك‏!‏ إنهم نفوا عنك ما أثبته لنفسك من صفات الكمال ونعوت الجلال، وخالفوا كتابك، وقدموا ما أملته عليهم عقولهم على ما أنزلته في كتابك، نفوا عنك أسماءك وصفاتك، ونفوا عن كتابك حجيته وهدايته‏.‏

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في هؤلاء‏:‏ ‏"‏ومن ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزا بعيدة، وأشار إليه إشارات ملغزة، ولم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل الباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه، بل أراد منهم أن يحملوا كلامه على ما لا يعرفونه من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏

فإنه إن قال‏:‏ إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه؛ فقد ظن بقدرته العجز، وإن قال‏:‏ إنه قادر ولم يبين، وعدل عن البيان وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم، بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد؛ فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء‏.‏

ومن ظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم، وأما كلام الله؛ فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المتهوكين والحيارى هو الحق والهدى؛ فهذا من أسوء الظن بالله‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏ومن ظن أنه لا سمع له ولا بصر ولا علم ولا إرادة ولا كلام إلا كلام يقوم به، وأنه لا يكلم أحدا من الخلق ولا يتكلم أبدا، ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏

ومن ظن أنه ليس فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وأن نسبة ذاته إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل سافلين؛ فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏ انتهى كلامه رحمه الله، وهو يعني به أولئك الذين نفوا ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ومعلوم أن من نفى عن الله صفات الكمال؛ فقد أثبت له أضدادها من صفات النقص، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا‏.‏

ثم يلزم من هذا أن يكون هؤلاء الضلال أعلم بالله وما يستحقه من الله؛ لأنهم نفوا عنه ما أثبته لنفسه، وزعموا أنه لا يليق به، وأي ضلال أعظم من هذا‏؟‏‏!‏ وأي جرأة على الله أعظم من هذه الجرأة‏؟‏‏!‏

ويلزم من ذلك أيضا أن يكونوا أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت لله هذه الصفات، وهم نفوها وقالوا‏:‏ إنها لا تليق بالله‏!‏ وأي ضلال أعظم من هذا الضلال لو كانوا يعقلون‏؟‏‏!‏

كيف يكون هؤلاء الجهال الضلال أعلم بالله من نفسه تعالى الله عما يقولون؛ والله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا‏}‏ ، ولا أحد من الخلق أعلم بالله وما يستحقه وما يليق به من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏‏!‏

إن الذي حمل الجهمية وأتباعهم على نفي صفات الله عز وجل هو جهلهم بالله وسوء أفهامهم؛ حيث ظنوا أنه يلزم من إثبات هذه الصفات التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله يلزم منها التشبيه؛ لأنهم يرون هذه الصفات في المخلوقين، ولا يفرقون بين صفات الخالق وصفات المخلوق، ولم يفهموا من صفات الخالق إلا ما فهموا من صفات المخلوقين، ولم يعلموا أن صفات الخالق سبحانه تخصه وتليق به وصفات المخلوقين تخصهم وتليق بهم، ولا تشابه بين صفات الخالق وصفات المخلوق؛ كما أنه لا تشابه بين ذات الخالق وذوات المخلوقين؛ كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ فأثبت لنفسه السمع والبصر، ونفى عنه مشابهة الأشياء، فدل ذلك على أن إثبات الصفات لا يلزم منه المشابهة بين الخالق والمخلوق‏.‏

وهذا هو الأصل الذي سار عليه أهل السنة والجماعة في إثبات أسماء الله وصفاته؛ أثبتوا له ما أثبته لنفسه بلا تمثيل، ونزهوه عما نزه نفسه عنه بلا تعطيل‏.‏

أما الجهمية وتلاميذهم من المعتزلة والأشاعرة؛ فإنهم بنوا مذهبهم على أصل باطل أصلوه من عند أنفسهم، وهو أن إثبات هذه الصفات يقتضي التشبيه، فيلزم حيال النصوص الواردة بذلك أحد أمرين عندهم‏:‏ إما تأويلها عن ظاهرها، واما تفويضها مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، ولهذا يقول ناظم عقيدتهم‏:

وكل نص أوهم التشبيها ** أوله أو فوض ورم تنزيها

سبحانك ربي عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا‏.‏

وقد أجرى الله الحق على لسان هذا الناظم حيث قال‏:‏ ‏"‏وكل نص أوهم التشبيها‏"‏؛ فبين أن مذهبهم مبني على الوهم لا على الحق؛ لأنهم توهموا أن هذه النصوص تقتضي التشبيه، فراحوا يؤولونها‏!‏‏!‏ وهل الوهم يا عباد الله تعارض به النصوص وتبنى عليه عقيدة‏؟‏‏!‏ إن الوهم أقل درجة من الظن، والله تعالى يقول في الظن‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا‏}‏ ‏!‏‏!‏

  الرد على المنحرفين عن منهج السلف في أسماء الله وصفاته من المشبهة والمعطلة

المنحرفون عن منهج السلف في أسماء الله وصفاته طائفتان‏:‏ المشبهة، والمعطلة‏.‏

1- المشبهة‏:

وهؤلاء شبهوا الله بخلقه، وجعلوا صفاته من جنس صفات المخلوقين، ولذلك سموا بالمشبهة‏.‏

وأول من قال هذه المقالة هو هشام بن الحكم الرافضي وبيان بن سمعان التميمي الذي تنسب إليه البيانية من غالية الشيعة‏.‏

فالمشبهة غلوا في إثبات الصفات حتى أدخلوا في ذلك ما نفاه الله ورسوله مما لا يليق به سبحانه من صفات النقص تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ومن هؤلاء هشام بن سالم الجواليقي وداود الجواربي‏.‏

وقد نفى الله في كتابه مشابهته لخلقه ونهى عن ضرب الأمثال له؛ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏{‏هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ ‏{‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏ ‏{‏فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ‏}‏ ‏.‏

فمن شبه صفات الله بصفات خلقه؛ لم يكن عابدا لله في الحقيقة، وإنما يعبد وثنا صوره له خياله ونحته له فكره؛ فهو من عباد الأوثان لا من عباد الرحمن‏.‏

قال العلامة ابن القيم‏:‏

لسنا نشبه وصفه بصفاتنا ** إن المشبه عابد الأوثان

ومن شبه صفات الله بصفات خلقه؛ فهو مشابه للنصارى الذين يعبدون المسيح بن مريم عليه السلام‏.‏

يقول العلامة ابن القيم‏:‏

من مثل الله العظيم بخلقه ** فهو النسيب لمشرك نصراني

وقال نعيم بن حماد شيخ البخاري رحمهما الله‏:‏ ‏"‏من شبه الله بخلقه؛ فقد كفر، ومن نفى ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله؛ فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه‏"‏‏.‏

2- المعطلة‏:

وهؤلاء نفوا عن الله ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من صفات الكمال، زاعمين أن إثباتها يقتضي التشبيه والتجسيم؛ فهم على طرفي نقيض مع المشبهة‏.‏

ومذهب التعطيل مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، وأول من حفظ عنه مقالة التعطيل في الإسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المئة الثانية، أخذ هذا المذهب الخبيث عنه الجهم بن صفوان وأظهره، وإليه نسبت الجهمية، ثم انتقل هذا المذهب إلى المعتزلة والأشاعرة‏.‏‏.‏‏.‏

فهذه أسانيد مذهبهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة‏!‏‏!‏

وهم في هذا التعطيل متفاوتون‏:‏ فالجهمية ينفون الأسماء والصفات‏.‏ والمعتزلة يثبتون الأسماء مجردة عن معانيها وينفون الصفات‏.‏ والأشاعرة يثبتون الأسماء وسبع صفات فقط هي‏:‏ العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وينفون بقية الصفات‏.‏

وشبهة الجميع فيما نفوه من الصفات أن إثباتها يقتضي التشبيه والتجسيم بزعمهم؛ لأنه لا يشاهد موصوف بها إلا هذه الأجسام، والله ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏}‏ ؛ فتعين نفي الصفات وتعطيلها تنزيها لله عن التشبيه بزعمهم، ولهذا يسمون من أثبتها مشبها‏.‏

ووقفوا من النصوص الدالة على إثباتها موقفين‏:‏

الموقف الأول‏.‏ الإيمان بألفاظها وتفويض معانيها؛ بأن يسكتوا عن تفسيرها ويفوضوه إلى الله مع نفي دلالتها على شيء من الصفات، وسموا هذه الطريقة طريقة السلف، وقالوا هي الأسلم‏.‏

الموقف الثاني‏.‏ صرف هذه النصوص عن مدلولها إلى معان ابتدعوها، وهذا ما يسمونه بطريقة التأويل، وسموه طريقة الخلف، وقالوا هي الأعلم والأحكم‏.‏

والرد على شبهتهم‏:‏ أن نقول‏:‏

لا ريب أن التمثيل قد نطق القرآن الكريم بنفيه عن الله تعالى؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ‏}‏ ، لكن مع نفيه سبحانه عن نفسه مشابهة المخلوقين أثبت لنفسه صفات الكمال؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ؛، فجمع في هذه الآية الكريمة بين نفي التشبيه عنه وأثبت لنفسه صفتي السمع والبصر، فدل على أن إثبات الصفات لا يقتضي التشبيه؛ إذ لا تلازم بينهما‏.‏

وهكذا في كثير من آيات القرآن الكريم نجد إثبات الصفات مع نفي التشبيه جنبا إلى جنب، وهذا هو مذهب السلف الصالح؛ يثبتون الصفات وينفون عنه التشبيه والتمثيل‏.‏

ومن زعم أن إثبات الصفات لا يليق بالله لأنه يقتضي التشبيه؛ فإنما جره إلى ذلك سوء فهمه؛ حيث فهم أن إثبات الصفات يلزم منه التشبيه، فأداه هذا الفهم الخاطئ إلى نفي ما أثبته الله عز وجل لنفسه، فكان هذا الجاهل مشبها أولا ومعطلا ثانيا وارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه طاهرا من أقذار التشبيه؛ لكان المتبادر عنده والسابق إلى فهمه أن صفات الله عز وجل بالغة من الكمال والجلال ما يقطع أوهام علائق التشبيه والمشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعدا للإيمان بصفات الله على وجه يليق به، مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، أما من توهم أن صفات الله تشبه صفات المخلوقين؛ فإنه لم يعرف الله حق معرفته، ولم يقدره حق قدره، ولهذا وقع فيما وقع فيه من ورطة التعطيل، وصار يسمي من أثبت لله صفات الكمال ونزهه عن صفات النقص على مقتضى الكتاب والسنة؛ صار يسميه مشبها ومجسما؛ نظرا لما قام بقلبه من توهم أن صفات الله تشبه صفات خلقه، ولم يدر أن هذا الوصف أليق به؛ فهو الذي شبه أولا، ثم عطل ثانيا، ولا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏

قال إمام الأئمة ناصر السنة أبو بكر محمد بن خزيمة رحمه الله في الرد على الجهمية وتلاميذهم ممن زعم أن إثبات الصفات لله عز وجل يقتضي التشبيه، وننقل كلامه مختصرا في هذا الموضوع؛ قال رحمه الله‏:

‏"‏وزعمت الجهمية - عليهم لعائن الله - أن أهل السنة ومتبعي الآثار، القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، المثبتين لله عز وجل من صفاته ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله المثبت بين الدفتين وعلى لسان نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم بنقل العدل عن العدل موصولا إليه مشبهة جهلا منهم بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وقلة معرفتهم بلغة الذين بلغتهم خوطبنا‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏نحن نقول وعلماؤنا جميعا من جميع الأقطار‏:‏ إن لمعبودنا عز وجل وجها كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فزواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك‏.‏ ونقول‏:‏ إن لوجه ربنا عز وجل من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره‏.‏‏.‏‏.‏ ونقول‏:‏ إن لبني آدم وجوها كتب الله عليها الهلاك‏.‏ ونقول‏:‏ إن أوجه بني آدم محدثة مخلوقة لم تكن فكونها الله بعد أن لم تكن مخلوقة، أوجدها بعدما كانت عدما، وأن جميع وجوه بني آدم فانية غير باقية، تصير جميعها ميتا ثم رميما، ثم ينشئها الله بعدما صارت رميما، ثم تصير إما إلى جنة منعمة فيها أو إلى نار معذبة فيها‏.‏‏.‏‏.‏

فهل يخطر - يا ذوي الحجا - ببال عاقل مركب فيه العقل يفهم لغة العرب ويعرف خطابها ويعلم التشبيه أن هذا الوجه شبيه بذاك‏؟‏‏!‏

وهل هاهنا أيها العقلاء تشبيه وجه ربنا جل ثناؤه الذي هو كما وصفنا وبينا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم التي ذكرناها ووصفناها‏؟‏‏!‏

ولو كان تشبيها من علمائنا لكان كل قائل إن لبني آدم وجها وللخنازير والقردة والسباع والحمير والبغال والحيات والعقارب وجوها قد شبه وجوه بني آدم بوجه الخنازير والقردة والكلاب وغيرها مما ذكرت‏!‏‏!‏ ولست أحسب أن أعقل الجهمية المعطلة عند نفسه لو قال له أكرم الناس عليه وجهك يشبه وجه الخنزير والقرد والكلب والحمار والبغل ونحو هذا إلا غضب‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال رحمه الله‏:‏ ‏"‏فإذا كان ما ذكرنا على ما وصفنا؛ ثبت عند العقلاء وأهل التمييز أن من رمى أهل الآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم بالتشبيه؛ فقد قال الباطل والكذب والزور والبهتان، وخالف الكتاب والسنة، وخرج عن لسان العرب‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال رحمه الله‏:‏ ‏"‏والمعطلة من الجهمية تنكر كل صفة لله وصف بها نفسه في محكم تنزيله أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، لجهلهم بالعلم، وذلك أنهم وجدوا في القرآن أن الله قد أوقع أسماء من أسماء صفاته على بعض خلقه، فتوهموا لجهلهم بالعلم أن من وصف الله بتلك الصفة التي وصف الله بها نفسه قد شبهه بخلقه‏!‏‏!‏ فاسمعوا يا ذوي الحجا ما أبين من جهل هؤلاء المعطلة‏:

أقول‏:‏ وجدت الله وصف نفسه في غير موضع من كتابه، فأعلم عباده المؤمنين أنه سميع بصير، فقال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ، وذكر عز وجل الإنسان، فقال‏:‏ ‏{‏فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا‏}‏ ، وأعلمنا جل وعلا أنه يرى، فقال‏:‏ ‏{‏وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ‏}‏ ، وقال لموسى وهارون عليهما السلام‏:‏ ‏{‏إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى‏}‏ ، فأعلم عز وجل أنه يرى أعمال بني آدم، وأن رسوله وهو بشر يرى أعمالهم أيضا، وقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ‏}‏ ، وبنو آدم يرون أيضا الطير مسخرات في جو السماء، وقال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا‏}‏ ، وقال‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏}‏ ؛ فثبت ربنا لنفسه عينا، وثبت لبني آدم أعينا، فقال‏:‏ ‏{‏تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ‏}‏ ؛ فقد أخبرنا ربنا أن له عينا، وأن لبني آدم أعينا، وقال لإبليس لعنه الله‏:‏ ‏{‏مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏}‏ ، وقال‏:‏ ‏{‏بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ‏}‏ ؛ فثبت ربنا جل وعلا لنفسه يدين، وخبرنا أن لبني آدم يدين‏.‏

أفيلزم عند هؤلاء الفسقة أن من يثبت ما ثبته الله في هذه؛ أن يكون مشبها خالقه بخلقه‏؟‏‏!‏ حاش لله أن يكون هذا تشبيها كما ادعوا لجهلهم بالعلم‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى كلامه‏.‏

هذا مما رد به إمام الأئمة محمد بن خزيمة على الجهمية وتلاميذهم، وهو رد مفحم، لا يستطيعون الإجابة عنه‏.‏

وقد رد عليهم أيضا كبار الأئمة من أمثال الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم، ولا تزال ردودهم والحمد لله بأيدي أهل السنة والجماعة‏.‏

ونسوق من ذلك نموذجا من رد شيخ الإسلام ابن تيمية على طائفة من هؤلاء زعمت أن النصوص التي وردت في الكتاب والسنة في صفات الله عز وجل هي من قبيل المتشابه الذي استأثر الله بعلمه ولا يعلم معناه إلا هو؛ فهذه النصوص بزعمهم ليست على ظاهرها؛ لأن ظاهرها عندهم التشبيه، بل لها معنى لا يعلمه إلا الله، فيفوضون معناها إلى الله، ويزعمون أن هذه طريقة السلف، وقد كذبوا على السلف، ونسبوا إليهم ما هم براء منه؛ لأن عقيدة السلف إثبات صفات الله عز وجل كما دل عليها الكتاب العزيز والسنة النبوية، وأنها على ظاهرها، ويفسرون معناها على ما يليق بجلال الله، ولا يفوضونها، بل وهي عندهم من المحكم لا من المتشابه‏.‏

قال رحمه الله‏:‏ ‏"‏وأما على قول أكابرهم - يعني نفاة الصفات - إن معاني هذه النصوص لا يعلمه إلا الله، إن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها؛ فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا الملائكة ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال رحمه الله‏:‏ ‏"‏ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذا كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا؛ فأشرف ما فيه - وهو ما أخبر به الرب عن صفاته أو عن كونه خالقا لكل شيء وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهى ووعد وتوعد، أو ما أخبر به عن اليوم الآخر - لا يعلم أحد معناه؛ فلا يعقل، ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاع المبين‏"‏‏.‏

وقال رحمه الله نافيا هذا القول عن السلف‏:‏ ‏"‏وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله؛ فنقول‏:‏ ما الدليل على ذلك‏؟‏ فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة ولا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية؛ يعني‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ‏}‏ الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات‏:‏ تمر كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها، التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه، ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية، ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها؛ فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا، وأن لا يسكت عن بيانه وتفسيره، بل يبين ويفسر باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو إلحاد في أسماء الله وآياته‏.‏

هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وحكاه عن الأئمة والسلف؛ أنهم لا يجعلون نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يفهم معناه ويجب تفويضه، بل كانوا يعلمون معاني هذه النصوص ويفسرونها، وإنما يفوضون علم كيفيتها إلى الله عز وجل؛ كما قال الإمام مالك وغيره‏:‏ ‏"‏الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة‏"‏‏.‏

قال الإمام ابن كثير رحمه الله‏:‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ ؛ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مسلك السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت؛ من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله؛ فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ، بل الأمر كما قال الأئمة؛ منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري؛ قال‏:‏ من شبه الله بخلقه؛ فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه؛ فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه؛ فمن أثبت لله ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله تعالى النقائص؛ فقد سلك سبيل الهدى‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

هذا مذهب السلف في أسماء الله وصفاته، وهو إثباتها كما جاءت في الكتاب والسنة؛ من غير تشبيه لها بصفات المخلوقين، ومن غير تعطيل ونفي لها، بل إثبات بلا تشبيه، وتنزيه لله بلا تعطيل، على حد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ؛ فمن نسب إلى السلف أن مذهبهم التفويض؛ فقد كذب وافترى عليهم ورماهم بما هم بريئون منه‏.‏

نسأل الله العفو والعافية‏.‏

  الأصل الثاني‏:‏ الإيمان بالملائكة

الإيمان بالملائكة هو أحد أركان الإيمان الستة؛ كما جاء في حديث جبريل؛ حيث قال‏:‏ ‏"‏الإيمان‏:‏ أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره‏"‏‏.‏

وقد جاء ذكر الإيمان بالملائكة مقرونا بالإيمان بالله في كثير من الآيات القرآنية‏:‏

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ‏}‏ ‏.‏

وكما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ‏}‏ ‏.‏

والإيمان بالملائكة يتضمن التصديق بوجودهم، وأنهم عباد مكرمون، خلقهم الله لعبادته وتنفيذ أوامره، والإيمان بأصنافهم وأوصافهم وأعمالهم التي يقومون بها حسبما ورد في الكتاب والسنة، والإيمان بفضلهم ومكانتهم عند الله عز وجل‏.‏

وقد ورد في ‏"‏صحيح مسلم‏"‏‏:‏ أن الله خلقهم من نور‏.‏

ومما يدل على فضلهم وشرفهم‏:‏

أن الله يضيفهم إليه إضافة تشريف؛ كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ‏}‏ ‏.‏

ويقرن سبحانه شهادتهم مع شهادته وصلاتهم مع صلاته؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ‏}‏ ‏.‏

ويصفهم سبحانه بالكرم والإكرام؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ‏}‏ ‏.‏

ويصفهم بالعلو والتقريب؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى‏}‏ ، وفي قوله‏:‏ ‏{‏يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ ‏.‏

ويذكر حملهم للعرش وحفهم به؛ كما في قوله‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ‏}‏ ‏.‏

ويذكر سبحانه أنهم عنده ويعبدونه ويسبحونه؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ‏}‏ ‏.‏

وهم بالنسبة إلى الأعمال التي يقومون بها أصناف‏:‏

فمنهم حملة العرش؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ‏}‏ ‏.‏

ومنهم المقربون؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ ‏.‏

ومنهم الموكلون بالجنان وإعداد الكرام؛ لأهلها‏.‏

ومنهم الموكلون بالنار وتعذيب أهلها، وهم الزبانية، ومقدموهم تسعة عشر، وخازنها مالك، وهو مقدم الخزنة؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ‏}‏ ، وقوله ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ‏}‏ ‏.‏

ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم في الدنيا؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ‏}‏ الآية؛ أي‏:‏ معه ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه؛ فإذا جاء قدر الله؛ خلوا عنه‏.‏

ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد وكتابتها؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ‏}‏ ، وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار‏)‏ ؛ فمع الإنسان ملائكة يحفظونه من المؤذيات، وملائكة يحفظون عليه أعماله وما يصدر منه‏.‏

ومن الملائكة من هو موكل بالرحم وشأن النطفة؛ كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات؛ يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد‏"‏‏.‏

ومنهم ملائكة موكلون بقبض الأرواح؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ‏}‏ ؛ فملك الموت له أعوان من الملائكة؛ يستخرجون روح العبد من جسمه حتى تبلغ الحلقوم، فيتناولها ملك الموت‏.‏

والمقصود أن الله وكل بالعالم العلوي والسفلي ملائكة تدبر شئونهما بإذنه وأمره ومشيئته سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ‏}‏ ؛ فلهذا يضيف سبحانه التدبير إلى الملائكة تارة لكونهم المباشرين له؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا‏}‏ ، ويضيف إليه التدبير تارة؛ كقوله‏:‏ ‏{‏يُدَبِّرُ الْأَمْرَ‏}‏ ‏.‏

فالملائكة رسل الله في خلقه وأمره، واسم الملك يتضمن أنه رسول؛ لأنه من الألوكة؛ بمعنى الرسالة، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا‏}‏ ؛ فهم رسل الله في تنفيذ أمره الكوني الذي يدبر به السماء والأرض، وهم رسله في تدبير أمره الديني الذي تنزل به على الرسل من البشر؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏.‏

وأعظمهم جبريل عليه السلام، وهو أمين الوحي؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ‏}‏ ‏.‏

وقد أعطى الله الملائكة قدرة على التشكل بأشكال مختلفة؛ فقد جاءوا إلى إبراهيم ولوط عليهما السلام بصورة أضياف، وكان جبريل يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صفات متعددة‏:‏ تارة يأتي في صورة دحية الكلبي، وتارة في صورة أعرابي، وتارة في صورته التي خلق عليها، وقد وقع منه هذا مرتين، وذلك لأن البشر لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته، ولما اقترح المشركون أن يرسل الله إليهم ملكا؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ‏}‏ ؛ أي‏:‏ لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيا؛ لكان على هيئة الرجل؛ ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه؛ لأن كل جنس يأنس بجنسه، وينفر من غير جنسه‏.‏

هذا، وبالله التوفيق‏.‏

  الأصل الثالث‏:‏ الإيمان بالكتب

الإيمان بالكتب الإلهية هو أحد أصول الإيمان وأركانه‏.‏

والإيمان بها هو التصديق الجازم بأنها حق وصدق، وأنها كلام الله عز وجل؛ فيها الهدى والنور والكفاية لمن أنزلت عليهم‏.‏

نؤمن بما سمى الله منها، وهي القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وما لم يسم منها؛ فإن لله كتبا لا يعلمها إلا هو سبحانه‏.‏

وإنزال الكتب من رحمة الله بعباده لحاجة البشرية إليها؛ لأن عقل الإنسان محدود، لا يدرك تفاصيل النفع والضرر، وإن كان يدرك الفرق بين الضار والنافع إجمالا‏.‏

والعقل الإنساني أيضا تغلب عليه الشهوات، وتلعب به الأغراض والأهواء؛ فلو وكلت البشرية إلى عقولها القاصرة؛ لضلت وتاهت، فاقتضت حكمة الله ورحمته أن ينزل هذه الكتب على المصطفين من رسله؛ ليبينوا للناس ما تدل عليه هذه الكتب وما تتضمنه من أحكامه العادلة ووصاياه النافعة وأوامره ونواهيه الكفيلة بإصلاح البشرية‏.‏

قال تعالى حين أهبط آدم أبي البشرية من الجنة‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ ‏.‏

وقد انقسم الناس حيال الكتب السماوية إلى ثلانة أقسام‏:‏

قسم كذب بها كلها، وهم أعداء الرسل من الكفار والمشركين والفلاسفة‏.‏

وقسم آمن بها كلها، وهم المؤمنون الذين آمنوا بجميع الرسل وما أنزل إليهم؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ‏}‏ ‏.‏

وقسم آمن ببعض الكتب وكفر ببعضها، وهم اليهود والنصارى ومن سار على نهجهم، الذين يقولون‏:‏ ‏{‏نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ‏}‏ ، بل هؤلاء يؤمنون ببعض كتابهم ويكفرون ببعضه؛ كما قال تعالى فيهم‏:‏ ‏{‏أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏.‏

ولا شك أن الإيمان ببعض الكتاب أو ببعض الكتب والكفر بالبعض الآخر كفر بالجميع؛ لأنه لابد من الإيمان بجميع الكتب السماوية وبجميع الرسل؛ لأن الإيمان لابد أن يكون مؤتلفا جامعا لا تفريق فيه ولا تبعيض ولا اختلاف، والله تعالى ذم الذين تفرقوا واختلفوا في الكتاب؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ‏}‏ ‏.‏

وسبب كفر من كفر بالكتب أو كفر ببعضها أو ببعض الكتاب الواحد هو اتباع الهوى والظنون الكاذبة، وزعمهم أن لهم العقل والرأي والقياس العقلي، ويسمون أنفسهم بالحكماء والفلاسفة، ويسخرون من الرسل وأتباعهم، ويصفونهم بالسفه؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ‏}‏ ‏.‏

وأما أتباع الرسل فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله، لا يفرقون بينها‏.‏

والإيمان بالكتب السابقة إيمان مجمل؛ يكون بالإقرار به بالقلب واللسان، أما الإيمان بالقرآن؛ فإنه إيمان مفصل؛ يكون بالإقرار به بالقلب واللسان، واتباع ما جاء فيه، وتحكيمه في كل كبيرة وصغيرة، والإيمان بأنه كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود‏.‏

وقد اقتضت حكمة الله أن تكون الكتب السابقة لآجال معينة ولأوقات محددة، ووكل حفظها إلى الذين استحفظوا عليها من البشر؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ‏}‏ ، أما القرآن الكريم؛ فقد أنزله الله لكل الأجيال من الأمم في كل الأوطان إلى يوم القيامة، وتولى حفظه بنفسه؛ لأن وظيفة هذا الكتاب لا تنتهي إلا بنهاية حياة البشر على الأرض؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ‏}‏ ‏.‏

ويجب تحكيم هذا القرآن في جميع الخلافات، ويجب رد جميع النزاعات إليه‏.‏

وقد جعل الله التحاكم إلى غير كتابه تحاكما إلى الطاغوت؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ‏}‏ ، والطاغوت‏:‏ فعلوت من الطغيان، وهو مجاوزة الحد‏.‏

وقد ذم الله المدعين للإيمان بالكتب كلها وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت‏.‏

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وما حكم قوم بغير ما أنزل الله؛ إلا وقع بأسهم بينهم‏"‏‏.‏ وهذا من أعظم تغيير الدول ونشوب الفتن والتناحر بين الشعوب؛ لأن الإيمان بالكتاب يوجب التحاكم إليه؛ فمن ادعى الإيمان بالكتاب وهو يتحاكم إلى غيره؛ فهو متناقض في دعواه، والكتاب لا يتجزأ؛ فيجب تطبيقه كله والعمل به كله في كل المجالات؛ في العقائد والعبادات والمعاملات، وفي الأحوال الشخصية والجنايات والحدود، وفي الآداب والسلوك‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ‏}‏ ، ‏{‏وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏ ، ‏{‏وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا‏}‏ ؛ فنفى الإيمان نفيا مؤكدا بالقسم عمن لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع، مع انشراح صدره وانقياده لحكم الله؛ كما وصف من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر والظلم والفسق، وإن ادعى الإيمان والعدالة والعدل‏.‏

فتبا لقوم استبدلوا كتاب الله بالقوانين الوضعية الطاغوتية وهم يدعون الإيمان؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

  الأصل الرابع‏:‏ الإيمان بالرسل

الإيمان بالرسل أحد أصول الإيمان؛ لأنهم الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ رسالاته وإقامته حجته على خلقه‏.‏

والإيمان بهم يعني‏:‏ التصديق برسالتهم، والإقرار بنبوتهم، وأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله، وقد بلغوا الرسالات، وبينوا للناس ما لا يسع أحدا جهله‏.‏

والأدلة على وجوب الإيمان بالرسل كثيرة؛ منها‏:

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ‏}‏ ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ‏}‏ ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا‏}‏ ‏.‏

ففي هذه الآيات قرن الله الإيمان بالرسل بالإيمان به سبحانه وبملائكته وكتبه، وحكم بكفر من فرق بين الله ورسله؛ فآمن ببعض وكفر ببعض‏.‏

وبعث الرسل نعمة من الله على البشرية؛ لأن حاجة البشرية إليهم ضرورية؛ فلا تنتظم لهم حال ولا يستقيم لهم دين إلا بهم؛ فهم يحتاجون إلى الرسل أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الله سبحانه جعل الرسل وسائط بينه وبين خلقه في تعريفهم بالله وبما ينفعهم وما يضرهم، وفي تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه؛ فلا سبيل إلى معرفة ذلك إلا من جهة الرسل؛ فإن العقل لا يهتدي إلى تفصيل هذه الأمور، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ‏}‏ ‏.‏

وحاجة العباد إلى الرسالات أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطبيب؛ فإن غاية ما يحصل بعدم وجود طبيب تضرر البدن، والذي يحصل من عدم الرسالة هو تضرر القلوب، ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسالة موجودة فيهم؛ فإذا ذهبت آثار الرسالة من الأرض؛ أقام الله القيامة‏.‏

والرسل الذين ذكر الله أسماءهم في القرآن يجب الإيمان بأعيانهم وهم خمسة وعشرون، منهم ثمانية عشر ذكرهم الله في قوله‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ‏}‏ ، والباقون- وهم سبعة- ذكروا في آيات متفرقة‏.‏

ومن لم يسم في القرآن من الرسل؛ وجب الإيمان به إجمالا؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ‏}‏ ‏.‏

وهنا مسألة تحتاج إلى بيان وهي‏:‏ الفرق بين النبي والرسول‏:‏

فالفرق بين النبي والرسول على المشهور‏:‏ أن الرسول إنسان ذكر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه‏.‏ والنبي إنسان ذكر أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه‏.‏

وكل من النبي والرسول يوحى إليه، لكن النبي قد يبعث في قوم مؤمنين بشرائع سابقة؛ كأنبياء بني إسرائيل؛ يأمرون بشريعة التوراة، وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصة معينة‏.‏ وأما الرسل؛ فإنهم يبعثون في قوم كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته؛ فهم يرسلون إلى مخالفين فيكذبهم بعضهم‏.‏

والرسول أفضل من النبي‏.‏

والرسل يتفاضلون؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ‏}‏ ‏.‏

وأفضل الرسل أولو العزم، وهم خمسة‏:‏ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وهم المذكورون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا‏}‏ ، وفي قوله‏:‏ ‏{‏شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى‏}‏ ‏.‏

وأفضل أولو العزم الخليلان إبراهيم ومحمد عليهما وعليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام‏.‏

وأفضل الخليلين محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

هذا؛ والنبوة تفضُّل واختيار من الله تعالى؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏.‏

وليست النبوة كسبا يناله العبد بالجد، والاجتهاد، وتكلف أنواع العبادات، واقتحام أشق الطاعات، والدأب في تهذيب النفس وتنقية الخاطر وتطهير الأخلاق ورياضة النفس؛ كما يقول الفلاسفة‏:‏ إنه يجوز اكتساب النبوة؛ حيث يزعمون أن من لازم المشاهدة بعد كمال ظاهره وباطنه بالتهذيب والرياضة؛ فإنها تنصقل مرآة باطنه، وتفتح له بصيرة لبه، ويتهيأ له ما لا يتهيأ لغيره‏!‏‏!‏

فللنبوة عند الفلاسفة ثلاث خصائص‏:‏

الأولى‏.‏ القوة العلمية؛ بحيث ينال العلم بدون تعلم بل بطريق القوة‏.‏

الثانية‏.‏ قوة التخيل؛ بحيث يتخيل في نفسه أشكالا نورانية تخاطبه ويسمع الخطاب منها‏.‏

الثالثة‏.‏ قوة التأثير في الناس، وهي التي يسمونها التصرف في هيولى العالم‏.‏

وهذه الصفات عندهم تحصل بالاكتساب‏.‏

ولهذا طلب النبوة بعض المتصوفة؛ فهي عندهم صنعة من الصنائع، وهذا قول باطل، يرد عليه قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏.‏

فالنبوة اصطفاء من الله حسب حكمته وعلمه بمن يصلح لها، وليست اكتسابا من قبل العبد‏.‏

صحيح أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اختصوا بفضائل يمتازون بها عن غيرهم، ولكن ليست على النحو الذي يقوله الفلاسفة الضلَّال‏.‏

 دلائل النبوة

دلائل النبوة هي الأدلة التي تعرف بها نبوة النبي الصادق، ويعرف بها كذب المدعي للنبوة من المتنبئين الكذبة؛ لأن هذا موضوع هام جدا‏.‏

ودلائل النبوة كثيرة ومتنوعة وغير محصورة؛ فمنها‏:

1‏.‏ المعجزة‏:‏ وهي اسم فاعل من العجز المقابل للقدرة، وفي القاموس‏:‏ معجزة النبي‏:‏ ما أعجز به الخصم عند التحدي، والهاء فيها للمبالغة، وهي أمر خارق للعادة يجريه الله على يد من يختاره لنبوته ليدل على صدقه وصحة رسالته‏.‏

ومعجزات الرسل عليهم الصلاة والسلام كثيرة‏:‏ منها الناقة التي أوتيها صالح عليه السلام حجة على قومه، وقلب العصا حية آية لموسى عليه السلام، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى آية لعيسى عليه السلام، ومنها معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة، أعظمها القرآن الكريم، وهو المعجزة الخالدة التي تحدى الله بها الجن والإنس، ومنها الإسراء والمعراج وانشقاق القمر وتسبيح الحصا في كفه عليه الصلاة والسلام وحنين الجذع إليه وإخباره عن حوادث المستقبل والماضي‏.‏‏.‏‏.‏

ودلائل النبوة ليست محصورة في المعجزة كما يقوله المتكلمون، بل هي كثيرة متنوعة؛ فمنها أيضا‏:

2‏.‏ إخبارهم الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أعدائهم وبقاء العاقبة لهم، فوقع كما أخبروا، ولم يتخلف منه شيء؛ كما حصل لنوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وموسى ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مما قصه الله في كتابه‏.‏

3‏.‏ ومنها أن ما جاءوا به من الشرائع والأخبار في غاية الإحكام والإتقان وكشف الحقائق وهدي الخلق مما يعلم بالضرورة أن مثله لا يصدر إلا عن أعلم الناس وأبرهم‏.‏

4‏.‏ ومنها أن الله يؤيدهم تأييدا مستمرا، وقد علم من سنته سبحانه أنه لا يؤيد الكذاب بمثل ما يؤيد به الصادق، بل لابد أن يفتضح الكذاب، وقد يمهله الله ثم يهلكه‏.‏

5‏.‏ ومنها‏:‏ أن طريقتهم واحدة فيما يأمرون به من عبادة الله والعمل بطاعته والتصديق باليوم الآخر والإيمان بجميع الكتب والرسل؛ فلا يمكن خروج واحد منهم عما اتفقوا عليه؛ فهم يصدق متأخرهم متقدمهم، ويبشر متقدمهم بمتأخرهم؛ كما بشر المسيح ومن قبله بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكما صدق محمد صلى الله عليه وسلم جميع النبيين قبله‏.‏‏.‏‏.‏

6‏.‏ ومن دلائل النبوة‏:‏ تأييد الله للأنبياء؛ فقد علم من سنة الله وعادته أنه لا يؤيد الكذاب بمثل ما يؤيد به الصادق، بل يفضح الكذاب ولا ينصره، بل لابد أن يهلكه، وإذا نصر ملكا ظالما مسلطا؛ فهو لم يدع النبوة ولم يكذب عليه، بل هو ظالم سلطه الله على ظالم مثله؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ‏}‏ ؛ بخلاف من قال‏:‏ إن الله أرسله وهو كاذب؛ فهذا لا يؤيده تأييدا مستمرا، لكن قد يمهله مدة ثم يهلكه‏.‏

والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما هو دون دعوى النبوة؛ فكيف بدعوى النبوة‏؟‏‏!‏

ومعلوم أن مدعي الرسالة‏:‏ إما أن يكون من أفضل الخلق وأكمله، وإما أن يكون من أنقص الخلق، ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي صلى الله عليه وسلم لما بلغهم ودعاهم إلى الإسلام فقال له‏:‏ ‏"‏والله؛ لا أقول لك كلمة واحدة‏:‏ إن كنت صادقا؛ فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا؛ فأنت أحقر من أن أرد عليك‏"‏‏.‏ فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم‏؟‏‏!‏

وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين؛ إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر به كذبه لمن له أدنى تمييز، وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين؛ إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر به صدقه لمن له أدنى تمييز؛ فإن الرسول لابد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولابد أن يفعل أمورا، والكاذب يظهر من نفس ما يأمر به ويخبر عنه ويفعله ما يظهر به كذبه من وجوه كثيرة‏.‏

هذا؛ وربما يسأل سائل عن الفرق بين دلائل النبوة وخوارق السحرة والكهان وعجائب المخترعات التي ظهرت اليوم‏؟‏

والجواب‏:‏ أن هناك فوارق كثيرة بين دلائل النبوة وخوارق السحرة والكهان والمخترعات الصناعية‏:‏

منها‏:‏ أن أخبار الأنبياء لا يقع فيها تخلف ولا غلط؛ بخلاف أخبار الكهنة والمنجمين؛ فالغالب عليها الكذب، وإن صدقوا أحيانا في بعض الأشياء بسبب ما يحصل عليه الكهان من استراق شياطينهم للسمع‏.‏

ومنها‏:‏ أن السحر والكهانة والاختراع أمور معتادة معروفة ينالها الإنسان بكسبه وتعلمه؛ فهي لا تخرج عن كونها مقدرة للجن والإنس، ويمكن معارضتها بمثلها؛ بخلاف آيات الأنبياء؛ فإنها لا يقدر عليها جن ولا إنس؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا‏}‏ ؛ فآيات الأنبياء لا يقدر عليها الخلق، بل الله هو الذي يفعلها آية وعلامة على صدقهم؛ كانشقاق القمر وقلب العصا حية وتسبيح الحصا بصوت يسمع وحنين الجذع وتكثير الماء والطعام القليل‏.‏‏.‏‏.‏ فهذا لا يقدر عليه إلا الله‏.‏

ومنها‏:‏ أن الأنبياء مؤمنون مسلمون يعبدون الله وحده بما أمر ويصدقون جميع ما جاءت به الأنبياء، وأما السحرة والكهان والمتنبئون الكذبة؛ فلا يكونون إلا مشركين مكذبين ببعض ما أنزل الله‏.‏

ومنها‏:‏ أن الفطر والعقول توافق ما جاء به الأنبياء عليهم السلام، وأما السحرة والكهان والدجالون الكذابون؛ فإنهم يخالفون الأدلة السمعية والعقلية والفطرية‏.‏

ومنها‏:‏ أن الأنبياء جاءوا بما يكمل الفطر والعقول، والسحرة والكهان والكذبة يجيئون بما يفسد العقول والفطر‏.‏

ومنها‏:‏ أن معجزات الأنبياء لا تحصل بأفعالهم هم، وإنما يفعلها الله عز وجل آية وعلامة لهم؛ كانشقاق القمر وقلب العصا حية والإتيان بالقرآن والإخبار بالغيب الذي يختص الله به‏.‏‏.‏‏.‏ فأمر الآيات إلى الله لا إلى اختيار المخلوق؛ كما قال الله لنبيه عندما طلبوا منه أن يأتي بآية؛ قال‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ‏}‏ ، وأما خوارق السحرة والكهان والمخترعات الصناعية؛ فإنها تحصل بأفعال الخلق‏.‏

والفوارق بين آيات الأنبياء وخوارق الكهان كثيرة واضحة، ومن أراد المزيد؛ فليراجع كتاب ‏"‏النبوات‏"‏لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏.‏

 معجزة القرآن

إن أعظم معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن العظيم؛ لأن كل نبي تكون معجزته مناسبة لحال قومه، ولذلك‏:

لما كان السحر فاشيا في قوم فرعون؛ جاء موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا فاحتاروا وانفجعوا وعلموا أن ما جاء به موسى هو الحق وليس من السحر؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ‏}‏ ، ولم يقع ذلك بعينه لغير موسى عليه السلام‏.‏

ولما كان الزمن الذي يعيش فيه عيسى عليه السلام قد فشا فيه الطب؛ جاء المسيح بما حير الأطباء من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص من الداء العضال القبيح وخلق من الطين كهيئة الطير فنفخ فيه فكان طيرا بإذن الله، فطاشت عقول الأطباء، وأذعنوا أن ذلك من عند الله عز وجل‏.‏

ولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة وفرسان الكلام والخطابة؛ جعل الله سبحانه معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم، الذي ‏{‏لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ‏}‏ ، وهي المعجزة الباقية الخالدة على مر العصور‏.‏

فقد اختار الله هذه المعجزة الباهرة لخاتمة الرسالات السماوية العامة للناس أجمعين؛ فالقرآن معجزة يطلع عليها الأجيال في كل زمان ويتلونه، فيعلمون أنه كلام الله حقا، وليس كلام البشر، وقد تحدى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور منه، أو بسورة منه؛ فما استطاع أحد منهم منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا وإلى الأبد أن يأتي أحد بكتاب مثله أو بمثل سورة منه، على الرغم من وجود أعداء كثيرين للرسول صلى الله عليه وسلم ولدين الإسلام في عصور التاريخ‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُم صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُوهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّت لِلْكَافِرِين‏}‏ ؛ فالتحدي لا يزال قائما إلى قيام الساعة في قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ‏}‏ ‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية‏:‏ ‏"‏وهذا التحدي كان بمكة؛ فإن سورة يونس وهود والطور من المكي، ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة، فقال في سورة البقرة -وهي مدنية-‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏}‏ ؛ فذكر أمرين‏:

أحدهما‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ‏}‏ ؛ يقول‏:‏ إذا لم تفعلوا؛ فقد علمتم أنه حق؛ فخافوا الله أن تكذبوه، فيحيق بكم العذاب الذي وعده للمكذبين‏.‏

والثاني‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَلَنْ تَفْعَلُوا‏}‏ ، ولن لنفي المستقبل، فثبت أنهم فيما يستقبل من الزمان لا يأتون بسورة من مثله؛ كما أخبر بذلك‏.‏

وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول في سورة سبحان - وهي مكية افتتحها بذكر الإسراء وهو كان بمكة بنص القرآن والخبر المتواتر-‏:‏ ‏{‏قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا‏}‏ ؛ أمره أن يخبر بالخبر جميع الخلق؛ معجزا لهم، قاطعا بأنهم إذا اجتمعوا كلهم لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا عليه وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن، وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه ولا أتوا بسورة من مثله‏.‏

ومن حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم والأمر على ذلك، مع ما علم من أن الخلق كانوا كلهم كفارا قبل أن يبعث، ولما بعث إنما تبعه قليل، وكان الكفار من أحرص الناس على إبطال قوله، مجتهدين بكل طريق ممكن؛ تارة يذهبون إلى أهل الكتاب فيسألونهم عن أمور الغيب حتى يسألوه عنها؛ كما سألوه عن قصة يوسف وأهل الكهف وذي القرنين، ويجتمعون في مجمع بعد مجمع ليتفقوا على ما يقولونه فيه، وصاروا يضربون له الأمثال فيشبهونه بمن ليس بمثله مع ظهور الفرق؛ فتارة يقولون‏:‏ مجنون، وتارة‏:‏ ساحر، وكاهن، وشاعر‏.‏‏.‏‏.‏ إلى أمثال ذلك من الأقوال التي يعلمون هم وغيرهم من كل عاقل يسمعها أنها افتراء عليه‏.‏

فإذا كان قد تحداهم بالمعارضة مرة بعد مرة، وهي تبطل دعواهم؛ فمعلوم أنهم لو كانوا قادرين عليها؛ لفعلوها؛ فإنه مع وجود هذا الداعي التام المؤكد إذا كانت القدرة حاصلة؛ وجب وجود المقدور، ثم هكذا القول في سائر أهل الأرض؛ فهذا يوجب علما مبينا لكل أحد بعجز جميع أهل الأرض عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن بحيلة وبغير حيلة‏.‏ وهذا أبلغ من الآيات التي تكرر جنسها؛ كإحياء الموتى؛ فإن هذا لم يأت أحد بنظيره‏.‏

فإقدامه صلى الله عليه وسلم في أول الأمر على هذا التحدي وهو بمكة وأتباعه قليل على أن يقول خبرا يقطع به أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله في ذلك العصر وفي سائر الأعصار المتأخرة لا يكون إلا مع جزمه بذلك وتيقنه له، وإلا؛ فمع الشك والظن لا يقول ذلك من يخاف أن يظهر كذبه فينفضح فيرجع الناس عن تصديقه، وإذا كان جازما بذلك متيقنا له؛ لم يكن ذلك إلا عن إعلام الله تعالى له بذلك، وليس في العلوم المعتادة أن يعلم الإنسان أن جميع الخلق لا يقدرون أن يأتوا بمثل كلامه إلا إذا علم العالم أنه خارج عن قدرة البشر، والعلم بهذا يستلزم كونه معجزا‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

والقرآن الكريم معجزة من وجوه متعددة؛ من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب المستقبل وعن الغيب الماضي، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية‏.‏

 عصمة الأنبياء

العصمة‏:‏ المنعة، والعاصم‏:‏ المانع الحامي، والاعتصام‏:‏ الامتساك بالشيء‏.‏

والمراد بالعصمة هنا حفظ الله لأنبيائه من الذنوب والمعاصي‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية حاكيا للخلاف ومبينا الراجح في هذه المسألة‏:‏ ‏"‏الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون عن الله سبحانه وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه‏:

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ‏}‏ ‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ‏}‏ ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة؛ فإن النبي هو المنبئ عن الله، والرسول هو الذي أرسله الله تعالى، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة؛ فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة؛ فللناس فيه نزاع‏:‏ هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع‏؟‏ ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها‏؟‏ أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها‏؟‏ أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط‏؟‏ وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل المبعث أو لا‏؟‏

والقول الذي عليه جمهور الناس -وهو الموافق للآثار المنقولة من السلف- إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا، والرد على من يقول‏:‏ إنه يجوز إقرارهم عليها‏.‏ وحجج القائلين بالعصمة إذا حررت إنما تدل على هذا القول، وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أقر عليه الأنبياء‏.‏

فإن القائلين بالعصمة احتجوا بأن التأسي بهم إنما هو مشروع فيما أقروا عليه دون ما نهوا عنه ورجعوا عنه؛ كما أن الأمر والنهي إنما تجب طاعتهم فيما لم ينسخ منه، فأما ما نسخ من الأمر والنهي؛ فلا يجوز جعله مأمورا به ولا منهيا عنه فضلا عن وجوب اتباعه والطاعة فيه‏.‏

وكذلك ما احتجوا به من أن الذنوب تنافي الكمال، أو أنها ممن عظمت عليه النعمة أقبح، أو أنها توجب التغيير، أو نحو ذلك من الحجج العقلية‏.‏‏.‏‏.‏ فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك وعدم الرجوع، وإلا؛ فالتوبة النصوح التي يقبلها الله يرفع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه؛ كما قال بعض السلف‏:‏ كان داود عليه السلام بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة‏.‏ وقال آخر‏:‏ لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه؛ لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه، وقد ثبت في الصحاح حديث التوبة‏:‏ ‏(‏لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا‏)‏ الحديث‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وفي الكتاب والسنة الصحيحة والكتب التي أنزلت قبل القرآن مما يوافق هذا القول ما يتعذر إحصاؤه، والرادون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد، وهي من جنس تأويلات القرامطة الباطنية التي يعلم بالاضطرار أنها باطلة وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم، ويريد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم‏.‏

ثم إن العصمة المعلومة بدليل الشرع والعقل والإجماع- وهي العصمة في التبليغ- لم ينتفعوا بها إذ كانوا لا يقرون بموجب ما بلغته الأنبياء، وإنما يقرون بلفظ حرموا معناه، أو كانوا فيه كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني‏.‏

والعصمة التي كانوا ادعوها؛ لو كانت ثابتة؛ لم ينتفعوا بها، ولا حاجة بهم إليها عندهم؛ فإنها متعلقة بغيرهم، لا بما أمروا بالإيمان به، فيتكلم أحدهم فيها على الأنبياء بغير سلطان من الله، ويدع ما يجب عليه من تصديق الأنبياء وطاعتهم، وهو الذي تحصل به السعادة وبضده تحصل الشقاوة، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ الآية‏.‏‏.‏

والله تعالى لم يذكر في القرآن شيئا من ذلك عن نبي من الأنبياء؛ إلا مقرونا بالتوبة والاستغفار‏:

كقول آدم وزوجته‏:‏ ‏{‏قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏.‏

وقول نوح‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِر لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِيْنَ‏}‏ ‏.‏

وقول الخليل عليه السلام‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ‏}‏ ‏.‏

وقول موسى‏:‏ ‏{‏أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏.‏

وقوله تعالى عن داود‏:‏ ‏{‏فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ‏}‏ ‏.‏

وقوله تعالى عن سليمان‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ‏}‏ ‏.‏

وأما يوسف الصديق؛ فلم يذكر الله عنه ذنبا؛ فلهذا لم يذكر الله عنه ما يناسب الذنب من الاستغفار، بل قال‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ‏}‏ ؛ فأخبر أنه صرف عنه السوء والفحشاء، وهذا يدل على أنه لم يصدر منه سوء ولا فحشاء، وأما قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ‏}‏ ؛ فالهمّ‏:‏ اسم جنس تحته نوعان؛ كما قال الإمام أحمد‏:‏ الهمّ نوعان‏:‏ همُّ خطرات، وهمُّ إصرار، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أن العبد إذا همَّ بسيئة؛ لم تكتب عليه، وإذا تركها؛ كتبت له حسنة، وإن عملها؛ كتبت له سيئة واحدة‏)‏ ، وإن تركها من غير أن يتركها لله؛ لم تكتب له حسنة ولا تكتب عليه سيئة، ويوسف صلى الله عليه وسلم همَّ همًّا تركه لله، ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه، وذلك إنما يكون إذا قام المقتضي للذنب- وهو الهم- وعارضه الإخلاص الموجب لانصراف القلب عن الذنب لله؛ فيوسف عليه السلام لم يصدر منه إلا حسنة يثاب عليها؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وبهذا يظهر جواب شبهة من يقول‏:‏ إن الله لا يبعث نبيا إلا من كان معصوما قبل النبوة‏!‏ كما يقول ذلك طائفة من الرافضة وغيرهم، وكذلك من قال‏:‏ إنه لا يبعث نبيا إلا من كان مؤمنا قبل النبوة‏!‏ فإن هؤلاء توهموا أن الذنوب تكون خفضا وإن تاب التائب منها، وهذا منشأ غلطهم؛ فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصا؛ فهو غالط غلطا عظيما؛ فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منها شيء أصلا، لكن؛ إن قدم التوبة؛ لم يلحقه شيء، وإن أخر التوبة؛ فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله‏.‏

والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه كانوا لا يؤخرون التوبة، بل يسارعون إليها ويسابقون إليها، لا يؤخرون ولا يصرون على الذنب، بل هم معصومون من ذلك، ومن أخر ذلك زمنا قليلا؛ كفر الله ذلك بما يبتليه به؛ كما فعل بذي النون صلى الله عليه وسلم، هذا على المشهور أن إلقاءه كان بعد النبوة، وأما من قال‏:‏ إن إلقاءه كان قبل النبوة؛ فلا يحتاج إلى هذا‏.‏

والتائب من الكفر والذنوب قد يكون أفضل ممن لم يقع في الكفر والذنوب، وإذا كان قد يكون أفضل؛ فالأفضل أحق بالنبوة ممن ليس قبله في الفضيلة‏.‏

وقد أخبر الله عن إخوة يوسف بما أخبر من ذنوبهم، وهم الأسباط الذين نبأهم الله تعالى‏.‏

وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي‏}‏ ؛ فآمن لوط لإبراهيم عليه السلام، ثم أرسله الله تعالى إلى قوم لوط‏.‏

وقد قال الله تعالى في قصة شعيب‏:‏ ‏{‏قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا‏}‏ الآية‏.‏

وإذا عرف أن الاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، وهذا الكمال إنما يحصل بالتوبة والاستغفار، ولا بد لكل عبد من التوبة، وهي واجبة على الأولين والآخرين؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا‏}‏ ‏.‏

وقد أخبرنا الله سبحانه بتوبة آدم ونوح ومَن بعدهما إلى خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

وآخر ما نزل عليه- أو‏:‏ من آخر ما نزل عليه- قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

ثم ذكر نصوصا كثيرة في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ ‏"‏ونصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة متظاهرة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة‏.‏

ولكن المنازعون يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية؛ كما فعل ذلك من فعله في هذا الباب، وتأويلاتهم تبين لمن تدبرها أنها فاسدة، من باب تحريف الكلم عن مواضعه؛ كتأويلهم قول‏:‏ ‏{‏لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ‏}‏ ؛ المتقدم ذنب آدم، والمتأخر ذنب أمته، وهذا معلوم البطلان‏"‏‏.‏

وقال أيضا‏:‏ ‏"‏والجمهور الذين يقولون بجواز الصغائر عليهم؛ يقولون‏:‏ إنهم معصومون من الإقرار عليها، وحينئذ؛ فما وصفوهم إلا بما فيه كمالهم؛ فإن الأعمال بالخواتيم، وقول المخالف يلزم عليه كون النبي لا يتوب إلى الله‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى المقصود‏.‏

ويمكن تلخيص هذا الموضوع فيما يلي‏:‏

عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منها ما هو مجمع عليه بداية ونهاية، ومنها ما هو مختلف فيه بداية لا نهاية‏.‏‏.‏‏.‏ وبيان ذلك‏:

1‏.‏ أجمعوا على عصمتهم فيما يخبرون عن الله تعالى وفي تبليغ رسالاته؛ لأن هذه العصمة هي التي يحصل بها مقصود الرسالة والنبوة‏.‏

2‏.‏ واختلفوا في عصمتهم من المعاصي‏:

فقال بعضهم بعصمتهم منها مطلقا كبائرها وصغائرها؛ لأن منصب النبوة يجل عن مواقعتها ومخالفة الله تعالى عمدا، ولأننا أمرنا بالتأسي بهم، وذلك لا يجوز مع وقوع المعصية في أفعالهم؛ لأن الأمر بالاقتداء بهم يلزم منه أن تكون أفعالهم كلها طاعة، وتأولوا الآيات والأحاديث الواردة بإثبات شيء من ذلك‏.‏

وقال الجمهور بجواز وقوع الصغائر منهم بدليل ما ورد في القرآن والأخبار، لكنهم لا يصرون عليها، فيتوبون منها ويرجعون عنها؛ كما مر تفصيله، فيكونون معصومين من الإصرار عليها، ويكون الاقتداء بهم في التوبة منها‏.‏

 دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحد

إن دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دين واحد وإن تنوعت شرائعهم‏:‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ‏}‏ ‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة لعلات‏)‏ ‏.‏

ودين الأنبياء هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله‏:

قال تعالى عن نوح‏:‏ ‏{‏وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏}‏ ‏.‏

وقال عن إبراهيم‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏.‏

وقال عن موسى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ‏}‏ ‏.‏

وقال عن المسيح‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏.‏

وقد قال تعالى فيمن تقدم من الأنبياء وعن التوراة‏:‏ ‏{‏يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى عن ملكة سبأ‏:‏ ‏{‏رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏.‏

فالإسلام هو دين الأنبياء جميعا، وهو الاستسلام لله وحده؛ فمن استسلم له ولغيره؛ كان مشركا، ومن لم يستسلم له؛ كان مستكبرا، وكل من المشرك والمستكبر عن عبادة الله كافر‏.‏

والاستسلام لله يتضمن عبادته وحده وأن يطاع وحده، وذلك بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت؛ فإذا أمر في أول الإسلام بأن يستقبل بيت المقدس، ثم أمر بعد ذلك باستقبال الكعبة؛ كان كل من الفعلين حين أمر به داخلا في الإسلام؛ فالدين هو الطاعة، وكل من الفعلين عبادة لله، وإنما تنوع بعض صور الفعل، وهو توجه المصلي؛ فكذلك الرسل دينهم واحد، وان تنوعت الشرعة والمنهاج والوجه والمنسك؛ فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا؛ كما لم يمنع ذلك في شريعة الرسول الواحد؛ كما مثلنا باستقبال بيت المقدس أولا ثم استقبال الكعبة ثانيا في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

فدين الأنبياء واحد، وإن تنوعت شرائعهم؛ فقد يشرع الله في وقت أمرا لحكمة، ثم يشرع في وقت آخر أمرا لحكمة؛ فالعمل بالمنسوخ قبل نسخه طاعة لله، وبعد النسخ يجب العمل بالناسخ؛ فمن تمسك بالمنسوخ وترك الناسخ؛ فليس هو على دين الإسلام، ولا هو متبع لأحد من الأنبياء، ولهذا كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ‏.‏

والله تعالى يشرع لكل أمة ما يناسب حالها ووقتها ويكون كفيلا بإصلاحها متضمنا لمصالحها، ثم ينسخ الله ما يشاء من تلك الشرائع لانتهاء أجلها، إلى أن بعث نبيه محمدا خاتم النبيين إلى جميع الناس على وجه الأرض وعلى امتداد الزمن إلى يوم القيامة، وشرع له شريعة شاملة صالحة لكل زمان ومكان؛ لا تبدل ولا تنسخ؛ فلا يسع جميع أهل الأرض إلا اتباعه والإيمان به صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ‏}‏ ‏.‏

والآيات التي أنزلها الله سبحانه على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فيها خطاب لجميع الخلق الجن والإنس وعلى اختلاف أجناسهم، ولم يخص العرب بحكم من الأحكام، بل علق الأحكام باسم كافر ومؤمن، ومسلم ومنافق، وبر وفاجر، ومحسن وظالم‏.‏‏.‏‏.‏ وغير ذلك من الأسماء المذكورة في القرآن والحديث؛ فليس في القرآن والحديث تخصيص العرب بحكم من الأحكام الشرعية، إنما علق الأحكام بالصفات المؤثرة فيما يحبه الله وفيما يبغضه الله‏.‏

ونزول القرآن بلسان العرب إنما هو لأجل التبليغ؛ لأنه بلغ قومه أولا، ثم بواسطتهم بلغ سائر الأمم، وأمره الله بتبليغ قومه أولا، ثم تبليغ الأقرب فالأقرب؛ كما أمر بجهاد الأقرب فالأقرب، وليس هذا تخصيصا، وإنما هو تدرج بالتبليغ‏.‏

والمقصود أن دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحد، وهو إخلاص العبادة لله والنهي عن الشرك والفساد، وإن تنوعت شرائعهم حسب الظروف والحاجات، إلى أن ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي عمت رسالته الخلق، وامتدت إلى آخر الدنيا؛ لا تبدل ولا تغير ولا تنسخ، وهي صالحة ومصلحة لكل زمان ومكان، ولا نبي بعده عليه الصلاة والسلام إلى آخر الزمان، وهو يأمر بما أمر به المرسلون من قبله من الإيمان وإخلاص العبادة لله بما شرعه من الأحكام، وهو مصدق لإخوانه المرسلين، وإخوانه المرسلون قد بشروا به، خصوصا أقرب الرسل إليه زمانا، وهو المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، حين قال لقومه‏:‏ ‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ‏}‏ ‏.‏

وفي الكتب السابقة من بيان صفات هذا الرسول وخصائصه ما هو من أوضح الواضحات، وإن جحده من جحده من اليهود والنصارى حسدا وتكبرا؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏.‏

اللهم‏!‏ أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه‏.‏

  ذكر خصائص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إجمالا

للرسول محمد صلى الله عليه وسلم خصائص اختص بها عن غيره من الأنبياء، وخصائص اختص بها عن أمته‏:

والخصائص التي اختُصَّ بها عن غيره من الأنبياء كثيرة؛ منها‏:

1- أنه خاتم النبيين‏:‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ‏}‏ ، وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي‏)‏ ‏.‏

2- المقام المحمود، وهو الشفاعة العظمى؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏ ، وكما في حديث الشفاعة الطويل المتفق على صحته‏:‏ أن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيقول بعض الناس لبعض‏:‏ ألا ترون إلى ما أنتم فيه، ألا ترون إلى ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم، فيأتون آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم إلى محمد؛ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ فكلهم يقول‏:‏ اذهبوا إلى غيري؛ إلا محمدا صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يقول‏:‏ أنا لها‏.‏ فيخر ساجدا إلى أن يؤذن له بالشفاعة، وبهذا يظهر فضله على جميع الخلق، واختصاصه بهذا المقام‏.‏

3- عموم بعثته إلى الثقلين الجن والإنس؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا‏}‏ ، ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ‏}‏ ، ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا‏}‏ ، ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ‏}‏ ، ‏{‏وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ‏}‏ ، وهذا مجمع عليه‏.‏

والآيات التي أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم فيها خطاب لجميع الخلق الجن والإنس؛ إذ كانت رسالته عامة للثقلين، وإن كان من أسباب النزول ما كان موجودا في العرب؛ فليس شيء من الآيات مختصا بالسبب المعين الذي نزل فيه باتفاق المسلمين؛ فلم يقل أحد من المسلمين‏:‏ إن آيات الطلاق أو الظهار أو اللعان أو حد السرقة والمحاربين‏.‏‏.‏‏.‏ وغير ذلك يختص بالشخص المعين الذي كان سبب نزول الآية‏.‏

والمقصود هنا‏:‏ أن بعض آيات القرآن- وإن كان سببه أمورا كانت في العرب-؛ فحكم الآيات عام يتناول ما تقتضيه الآيات لفظا ومعنى في أي نوع كان، ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس والجن؛ فدعوته شاملة للثقلين الإنس والجن على اختلاف أجناسهم؛ فلا يظن أنه خص العرب بحكم من الأحكام أصلا، بل إنما علق الأحكام باسم مسلم وكافر ومؤمن ومنافق وبر وفاجر ومحسن وظالم وغير ذلك من الأسماء المذكورة في القرآن والحديث، وليس في القرآن ولا الحديث تخصيص العرب بحكم من أحكام الشريعة، وإنما علق الأحكام بالصفات المؤثرة فيما يحبه الله وفيما يبغض؛ فأمر بما يحبه الله ودعا إليه بحسب الإمكان، ونهى عما يبغضه الله وحسم مادته بحسب الإمكان، لم يخص العرب بنوع من أنواع الأحكام الشرعية؛ إذ كانت دعوته لجميع البرية، لكن نزل القرآن بلسانهم- بل بلسان قريش- لأجل التبليغ؛ لأنه بلغ قومه أولا، ثم بواسطتهم بلغ سائر الأمم، وأمره بتبليغ قومه أولا، ثم بتبليغ الأقرب فالأقرب إليه؛ كما أمر بجهاد الأقرب فالأقرب‏.‏

وكما كان صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الإنس؛ فهو مبعوث أيضا إلى الجن، فقد استمع الجن لقراءته، وولوا إلى قومهم منذرين؛ كما أخبر الله عز وجل، وهذا متفق عليه بين المسلمين‏.‏

وقد ذكر الله في القرآن من خطاب الثقلين ما يبين هذا الأصل؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ‏}‏ الآية‏.‏

وقد أخبر الله عن الجن أنهم قالوا‏:‏ ‏{‏وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا‏}‏ ؛ أي‏:‏ مذاهب شتى؛ مسلمون وكفار، وأهل سنة وأهل بدعة‏.‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ‏}‏ الآية، والقاسط‏:‏ الجائر، يقال‏:‏ قسط‏:‏ إذا جار، وأقسط‏:‏ إذا عدل‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية‏:‏ ‏"‏يجب على الإنسان أن يعلم أن الله عز وجل أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الثقلين الإنس والجن، وأوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته، وأن يحللوا ما حلل الله ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويحبوا ما أحبه الله ورسوله، ويكرهوا ما كرهه الله ورسوله، وأن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الإنس والجن فلم يؤمن به؛ استحق عقاب الله تعالى؛ كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين بعث إليهم الرسول، وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين‏.‏

4- ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم القرآن العظيم الذي أذعن لإعجازه الثقلان، وأحجم عن معارضته مصاقيع الإنس والجان، واعترف بالعجز عن الإتيان بأقصر سورة من مثله أهل الفصاحة والبلاغة من سائر الأديان، وقد سبق تفصيل ذلك‏.‏

5- ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم المعراج إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام فكان قاب قوسين أو أدنى‏.‏

وأما الخصائص التي اختص بها دون أمته‏:‏

فقد قال القرطبي في ‏"‏تفسيره‏"‏‏:‏ ‏"‏خص الله تعالى رسوله من أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد في باب الفرض والتحريم والتحليل؛ مزية على الأمة، وهبة له، ومرتبة خص بها؛ ففرضت عليه أشياء ما فرضت على غيره، وحرمت عليه أشياء لم تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحلل لهم؛ منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏ثم ذكر هذه الخصائص‏:

فمنها‏:‏ التهجد بالليل، يقال‏:‏ إن قيام اليل كان واجبا عليه إلى أن مات؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا‏}‏ ، والمنصوص أنه كان واجبا عليه، ثم نسخ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ‏}‏ ‏.‏

ومنها‏:‏ أنه إذا عمل عملا؛ أثبته‏.‏

ومنها‏:‏ تحريم الزكاة عليه وعلى آله‏.‏

ومنها‏:‏ أنه أحل له الوصال في الصيام‏.‏

ومنها‏:‏ أنه أحل له الزيادة على أربع نسوة‏.‏

ومنها‏:‏ أنه أحل له القتال بمكة‏.‏

ومنها‏:‏ أنه لا يورث‏.‏

ومنها‏:‏ بقاء زَوجِيَّتِهِ بعد الموت، وإذا طلق امرأته؛ تبقى حرمته عليها فلا تنكح‏.‏‏.‏‏.‏

إلى غير ذلك من الخصائص النبوية‏.‏

ولنتكلم عن ثلاث من أعظم خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي‏:‏ الإسراء والمعراج، وعموم رسالته، وختم النبوة به صلى الله عليه وسلم‏.‏

 1- الإسراء والمعراج

قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ‏.‏

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة‏:‏ يمجد الله تعالى نفسه، ويعظم شأنه؛ لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه؛ فلا إله غيره ولا رب سواه، ‏{‏الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ‏}‏ يعني‏:‏ محمدا صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏ليلا‏)‏؛ أي‏:‏ في جنح الليل‏.‏ ‏{‏من المسجد الحرام‏}‏ ‏:‏ وهو مسجد مكة‏.‏ ‏{‏إلى المسجد الأقصى‏}‏ ‏:‏ وهو بيت المقدس الذي بإيليا، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام، ولهذا جُمِعوا له هناك كلهم، فأمهم في محلتهم ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم والرئيس المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏ ؛ أي‏:‏ في الزروع والثمار‏.‏ ‏(‏لنريه‏)‏؛ أي‏:‏ محمدا‏.‏ ‏{‏من آياتنا‏}‏ ؛ أي‏:‏ العِظام؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى‏}‏ ، ‏{‏إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ؛ أي‏:‏ السميع لأقوال عباده؛ مؤمنهم وكافرهم مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم فيعطي كلا منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة‏"‏اهـ‏.‏

والمعراج‏:‏ مفعال من العروج؛ أي‏:‏ الآلة التي يعرج فيها؛ أي‏:‏ يصعد، وهو بمنزلة السلم، لكن لا يعدم كيف هو إلا الله، وحكمه كحكم غيره من المغيبات؛ نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته‏.‏

والذي عليه أئمة النقل‏:‏ أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة وقبل الهجرة بسنة، وقيل بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البر‏.‏

 صفة الإسراء والمعراج المستفادة من النصوص

قال الحافظ ابن كثير في ‏"‏تفسيره‏"‏‏:‏ ‏"‏والحق أنه عليه السلام أسري به يقظة لا مناما، من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد؛ ربط الدابة عند الباب، ودخله، فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج، وهو كالسلم ذو درج يرقى فيه، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما- صلى الله وسلم عليه وعليهما وعلى سائر الأنبياء- حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام؛ أي‏:‏ أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته، وله ست مائة جناح، ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار، وفرض عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه أمهم ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم؛ جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا، وهو يخبر بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوي؛ ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به؛ اجتمع فيه- أي‏:‏ بيت المقدس- هو وإخوانه من النبيين، ثم ظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام في ذلك، ثم خرج من بيت المقدس، فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس‏.‏ والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه أو بروحه فقط‏؟‏

اختلف الناس‏:‏ هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه أو بروحه فقط‏؟‏ على قولين‏:

فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناما، والدليل على ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏ ؛ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام؛ فلو كان مناما؛ لم يكن فيه شيء كبير، ولم يكن مستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضا؛ فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والبدن، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا‏}‏ ، وأيضا قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏}‏ ؛ قال ابن عباس‏:‏ ‏"‏هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به‏"‏‏.‏ رواه البخاري‏.‏ وأيضا قال سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى‏}‏ ، والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضا فإنه حمل على البراق، وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه‏.‏

وقال آخرون‏:‏ بل أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه لا بجسده، نقل هذا القول ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية رضي الله عنهما، ونقل عن الحسن البصري نحوه، وليس المراد بهذا القول أن الإسراء كان مناما، بل إن الروح ذاتها أسري بها، ففارقت الجسد، ثم عادت إليه‏.‏‏.‏‏.‏ وهذا من خصائصه؛ فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت‏.‏

والمراد بالمنام أن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء وذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، والفرق بين الأمرين واضح‏.‏

واستدل من قال‏:‏ إن الإسراء كان بروحه لا بجسده؛ بما جاء في رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس‏:‏ ‏"‏ثم استيقظت؛ فإذا أنا في الحجر‏"‏‏.‏

وقد أجيب عنه بجوابين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن هذا معدود من غلطات شريك؛ فقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء‏.‏

الثاني‏:‏ أن الاستيقاظ محمول على الانتقال من حال إلى حال‏.‏

قال ابن كثير‏:‏ ‏"‏وهذا الحمل أحسن من التغليط‏.‏ والله أعلم‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الإسراء طبق ما وقع بعد ذلك؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبيت والإيناس‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏والله أعلم‏.‏

 هل تكرر المعراج‏؟‏

قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق الأحاديث الواردة في هذا الموضوع‏:‏ ‏"‏وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها؛ فحصل مضمون ما اتفقت عليه من إسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه؛ فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء عليهم السلام‏.‏

ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة؛ فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب ولم يتحصل على مطلب‏.‏

وقد صرح بعض المتأخرين بأنه عليه السلام أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك، وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد؛ لأخبر النبي صلى الله عليه وسلم به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرار‏.‏

وزعم بعض الصوفية أن المعراج وقع له صلى الله عليه وسلم ثلاثين مرة‏!‏ وقال بعضهم‏:‏ أربعا وثلاثين مرة‏!‏‏!‏ واحدة منها بجسمه الشريف والباقي بروحه‏!‏‏!‏ وقيل‏:‏ كان الإسراء مرتين؛ مرة يقظة، ومرة مناما‏!‏‏!‏ وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله ‏"‏ثم استيقظت‏"‏وبين سائر الروايات‏!‏‏!‏ وكذلك منهم من قال‏:‏ بل كان مرتين؛ مرة قبل الوحي ومرة بعده‏!‏‏!‏ ومنهم من قال‏:‏ بل ثلاث مرات؛ مرة قبل الوحي ومرتين بعده‏!‏‏!‏ وكلما اشتبه عليهم لفظة؛ زادوا مرة للتوفيق‏.‏

قال ابن القيم‏:‏ ‏"‏يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارا؛ كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، فيقول‏:‏ أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي‏.‏‏.‏‏.‏ ثم يعيدها في المرة الثانية خمسين، ثم يحطها إلى خمس‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏‏!‏‏!‏

وقال ابن كثير‏:‏ ‏"‏وكان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه، أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، وتارة يحذف عن مخاطبه بما هو الأنفع عنده‏.‏‏.‏‏.‏ ومن جعل كل رواية إسراء على حدة كما تقدم عن بعضهم؛ فقد أبعد جدا، وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، وفي كل منها يعرفه بهم، وفي كلها يفرض عليه الصلوات؛ فكيف يمكن أن يدعى تعدد ذلك‏؟‏‏!‏ هذا في غاية البعد والاستحالة‏.‏ والله أعلم‏"‏اهـ‏.‏

  2- عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم والرد على من أنكره

يقول جماعة من اليهود والنصارى ومن قلدهم‏:‏ إن محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل إلى العرب دون أهل الكتاب‏!‏ ويلبسون بقولهم‏:‏ إن كان دينه حقا؛ فديننا أيضا حق، والطرق إلى الله تعالى متنوعة‏!‏ ويشبهون ذلك بمذاهب الأئمة؛ فإنه وإن كان أحد المذاهب راجحا؛ فأهل المذاهب الأخر ليسوا كفارا‏.‏

وهذا القول ظاهر البطلان؛ لأنهم لما صدقوا برسالته؛ لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال‏:‏ إنه رسول الله إلى الناس عامة، والرسول لا يكذب، فلزم تصديقه حتما‏.‏

وقد أرسل رسله وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وسائر ملوك الأطراف يدعو إلى الإسلام‏.‏

ثم مقاتلته لأهل الكتاب وسبي ذراريهم واستباحة دمائهم وضرب الجزية عليهم أمر معلوم بالتواتر والضرورة؛ فإنه دعا المشركين إلى الإيمان به، ودعا أهل الكتاب إلى الإيمان به، وجاهد أهل الكتاب كما جاهد المشركين؛ فجاهد بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وأهل خيبر- وكلهم يهود-، وسبى ذراريهم ونساءهم، وغنم أموالهم، وغزا النصارى عام تبوك بنفسه وبسراياه، حتى قتل في محاربتهم زيد بن حارثة مولاه وجعفر وغيرهما من أهله، وضرب الجزية على نصارى نجران‏.‏

وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده جاهدوا أهل الكتاب، وقاتلوا من قاتلهم، وضربوا الجزية على من أعطاها منهم عن يد وهم صاغرون‏.‏

وهذا القرآن الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به مملوء من دعوة أهل الكتاب إلى اتباعه وتكفير من لم يتبعه منهم ولعنه كما جاء بتكفير من لم يتبعه من المشركين وذمه‏:‏

فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ‏}‏ الآية‏.‏

وفي القرآن من قوله‏:‏ ‏{‏يا أهل الكتاب‏}‏ ، ‏{‏يا بني إسرائيل‏}‏ ما لا يحصى إلا بكلفة‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ‏}‏ الآية، إلى قوله‏:‏ ‏{‏خَيْرُ الْبَرِيَّةِ‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ومثل هذا في القرآن كثير جدا‏.‏

وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ‏}‏ ‏.‏

واستفاض عنه صلى الله عليه وسلم قوله‏:‏ ‏(‏فُضِّلتُ على الأنبياء بخمس‏)‏ ذكر منها أنه‏:‏ ‏(‏كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة‏)‏ ‏.‏

بل تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى الجن والإنس‏.‏

فإذا علم بالاضطرار وبالنقل المتواتر الذي تواتر كما تواتر ظهور دعوته أنه دعا أهل الكتاب إلى الإيمان به، وأنه حكم بكفر من لم يؤمن منهم، وأنه أمر بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وأنه قاتلهم بنفسه وسراياه، وأنه ضرب الجزية عليهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وغنم أموالهم؛ فحاصر بني قينقاع ثم أجلاهم إلى أذرعات، وحاصر بني النضير ثم أجلاهم إلى خيبر، وفي ذلك أنزل الله سورة الحشر، ثم حاصر بني قريظة لما نقضوا العهد وقتل رجالهم وسبى حريمهم وأخذ أموالهم، وقد ذكره الله تعالى في سورة الأحزاب‏.‏‏.‏‏.‏ وقاتل أهل خيبر حتى فتحها، وقتل من قتل من رجالهم، وسبى من سبى من حريمهم، وقسم أرضهم على المؤمنين، وقد ذكره الله تعالى في سورة الفتح، وضرب الجزية على النصارى، وفيهم أنزل الله سورة آل عمران، وغزا النصارى عام تبوك، وفيها أنزل الله سورة براءة، وفي عامة السور المدنية مثل البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وغير ذلك من السور المدنية من دعوة أهل الكتاب وخطابهم ما لا يتسع المقام لنشره‏.‏‏.‏‏.‏

ثم خلفاؤه من بعده أبو بكر وعمر ومن معهما من المهاجرين والأنصار الذين يعلم أنهم كانوا أتبع الناس له وأطوعهم لأمره وأحفظهم بعهده، وقد غزوا الروم كما غزوا فارس، وقاتلوا أهل الكتاب كما قاتلوا المجوس؛ فقاتلوا من قاتلهم، وضربوا الجزية على من أداها منهم عن يد وهم صاغرون‏.‏

ومن الأحاديث الصحيحة عنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده؛ لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي؛ إلا دخل النار‏)‏ ‏.‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ تصديق ذلك في كتاب الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ‏}‏ ، ومعنى الحديث متواتر عنه معلوم بالاضطرار‏.‏

فإذا كان الأمر كذلك؛ لزم أنه صلى الله عليه وسلم رسول إلى كل الطوائف‏.‏‏.‏‏.‏

فإنه يقرر بأنه رسول الله إلى أهل الكتاب وغيرهم، ورسول الله لا يكذب، ولا يقاتل الناس على طاعته بغير أمر الله، ولا يستحل دماءهم وأموالهم وديارهم بغير إذن الله؛ فمن قال‏:‏ إن الله أمره بذلك، ولم يكن الله أمره؛ كان كاذبا مفتريا ظالما، ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ‏}‏ ، وكان مع كونه ظالما مفتريا من أعظم المريدين علوا في الأرض وفسادا، وكان شرا من الملوك الجبابرة الظالمين، فإن الملوك الجبابرة يقاتلون الناس على طاعتهم، ولا يقولون‏:‏ إنا رسل الله إليكم، ومن أطاعنا؛ دخل الجنة، ومن عصانا؛ دخل النار، بل فرعون وأمثاله لا يدخلون في مثل هذا، ولا يدخل في هذا إلا نبي صادق أو متنبئ كذاب؛ كمسيلمة والأسود وأمثالهما‏.‏

فإذا علم أنه نبي؛ لزم أن يكون ما أخبر به عن الله حقا، وإذا كان رسول الله؛ وجبت طاعته في كل ما يأمر به؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ‏}‏ ، وإذا أخبر أنه رسول الله إلى أهل الكتاب وأنه تجب عليهم طاعته؛ كان ذلك حقا‏.‏

ومن أقر بأنه رسول الله وأنكر أن يكون مرسلا إلى أهل الكتاب؛ فهو بمنزلة من يقول‏:‏ إن موسى كان رسولا، ولم يكن يجب أن يدخل أرض الشام، ولا يخرج بني إسرائيل من مصر، وأن الله لم يأمره بذلك، وأنه لم يأمره بالسبت، ولا أنزل عليه التوراة، ولا كلمه على الطور‏.‏ ومن يقول‏:‏ إن عيسى كان رسول الله، ولم يبعث إلى بني إسرائيل، ولا كان يجب على بني إسرائيل طاعته، وأنه ظلم اليهود‏.‏‏.‏‏.‏ وأمثال ذلك من المقالات التي هي أكفر المقالات‏.‏‏.‏‏.‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا‏}‏ ‏.‏

 3- ختم الرسالات ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم

لقد ختم الله سبحانه وتعالى النبوة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ‏}‏ ‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنا خاتم النبيين؛ لا نبي بعدي‏)‏ ‏.‏

وذلك يستلزم ختم المرسلين؛ إذ ختم الأعم يستلزم ختم الأخص‏.‏

ومعنى ختم النبوة بنبوته عليه الصلاة والسلام‏:‏ أنه لا تبدأ نبوة ولا تشرع شريعة بعد نبوته وشرعته‏.‏

وأما نزول عيسى في آخر الزمان؛ فلا ينافي ذلك؛ لأن عيسى عليه السلام إذا نزل إنما يتعبد بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون شريعته المتقدمة؛ لأنها منسوخة، فلا يتعبد إلا بهذه الشريعة أصولا وفروعا، فيكون خليفة لنبينا صلى الله عليه وسلم، وحاكما من حكام ملته بين أمته‏.‏

فهذا النبي الخاتم للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قد بعث بخير كتاب وأتم شريعة وأفضل ملة وأكمل دين، جاء بشريعة كافية لحاجة الخليقة في كل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة، وكمل به عقد النبيين؛ فلا نبي بعده‏.‏

وفي ‏"‏الصحيحين‏"‏وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏مثلي ومثل الأنبياء من بعدي كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها؛ إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلون ويعجبون منها ويقولون لولا موضع لبنة‏)‏ ‏.‏ زاد مسلم‏:‏ ‏(‏فجئت فختمت الأنبياء‏)‏ ‏.‏

وفي ‏"‏الصحيحين‏"‏أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‏.‏‏.‏‏.‏ معناه، وفيه‏:‏ ‏(‏فجعل الناس يطوفون به ويقولون هلا وضعت اللبنة؛ فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين‏)‏ ‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي؛ خَلَفَهُ نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء‏)‏ ‏.‏ رواه البخاري‏.‏

وعن جابر بن سمرة؛ قال‏:‏ ‏"‏رأيت خاتما في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمام‏"‏‏.‏ رواه مسلم‏.‏

قال الحافظ في ‏"‏الفتح‏"‏‏:‏ ‏"‏قال القرطبي‏:‏ اتفقت الأحاديث الثابتة على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه الأيسر قدره إذا قلل قدر بيضة الحمامة، وإذا كبر جمع اليد‏(1)‏، والله أعلم‏.‏

قال العلماء‏:‏ ‏"‏السر في ذلك أن القلب في تلك الجهة‏:‏

قال السهيلي‏:‏ وضع خاتم النبوة عند كتفه صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم من وسوسة الشيطان، وذلك الموضع يدخل منه الشيطان‏.‏

وقال الحافظ ابن كثير‏:‏ فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في السنة المتواترة عنه‏:‏ أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده؛ فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل، ولو تخرف وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات؛ فكلها محال وضلال عند أولي الألباب؛ كما أجرى الله تعالى على يد الأسود العنسي باليمن ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان لعنهما الله‏.‏‏.‏‏.‏ وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة، حتى يختموا بالمسيح الدجال؛ فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها، وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه؛ فإنهم بضرورة الواقع- أي الكذابون- لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتقاء، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكونون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏}‏ ‏.‏

وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإنهم في غاية الصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات والأدلة الواضحات والبراهين الباهرات؛ فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرا ما دامت الأرض والسماوات‏.‏

وليس الناس بحاجة إلى بعثة نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم لكمال شريعته ووفائها بحاجة البشرية‏.‏

وماذا عسى أن يقتضي بعثة نبي جديد بعد محمد صلى الله عليه وسلم‏؟‏

وإن قيل‏:‏ إن الأمة قد فسدت؛ فالعمل على إصلاحها يحتاج إلى بعثة نبي جديد‏.‏

قلنا‏:‏ هل بعث نبي في الدنيا لمجرد الإصلاح حتى يبعث في هذا الزمان لمجرد هذا الغرض‏؟‏‏!‏ إن النبي لا يبعث إلا ليوحى إليه، ولا تكون الحاجة إلى الوحي إلا لتبليغ رسالة جديدة أو إكمال رسالة متقدمة أو لتطهيرها من شوائب التحريف والتبديل، فلما قضت كل هذه الحاجات إلى الوحي بحفظ القرآن وسنة محمد صلى الله عليه وسلم وإكمال الدين على يده صلى الله عليه وسلم؛ لم تبق الحاجة الآن إلى الأنبياء، وإنما هي إلى المصلحين‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏اهـ‏.‏ بتصرف يسير من الرد على القاديانية‏.‏

وقد أعلن الله ختم النبوات والرسالات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا‏}‏ ‏.‏

ومن البديهي الذي لا يقبل الاعتراض أن استمرار بقاء القرآن الحاوي بشرائعه وأحكامه أسس مطالب البشر التشريعية كلها محفوظا كما أنزل على محمد مع استمرار بقاء سيرة الرسول وسنته المبينة لمعاني القرآن صحيحة ثابتة هو بمثابة استمرار وجود الرسول فينا على قيد الحياة؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ‏}‏ ، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته هو الرد إلى سنته، وبذلك فقد أصبح العالم بغنية عن بعث أنبياء وإرسال رسل وتجديد شرائع للناس بعد محمد صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه لو بعث الله رسلا وأنبياء؛ فلن يحدثوا شيئا ولن يزيدوا على ما جاء به الرسول محمد من أسس في العقيدة أو في التشريع؛ فقد أكمل الله الدين وأتم الشريعة؛ حيث يقول‏:‏ ‏{‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا‏}‏ ، وإن كان الغرض من إرسال الرسل هو نشر هذه الرسالة ودعوة الناس إليها؛ فهذه وظيفة علماء المسلمين؛ فعليهم أن يقوموا بتبليغ هذه الدعوة للناس‏.‏

فمن ادعى عدم ختم النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم، أو صدق من يدعي ذلك؛ فهو مرتد عن دين الإسلام‏.‏

ولهذا حكم الصحابة على من ادعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم بالردة، وقاتلوه هو وأتباعه، وسموهم بالمرتدين، وهذا ما أجمع عليه علماء المسلمين سلفا وخلفا‏.‏

  الحكمة في ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم

وكانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمة للنبوات؛ لأنه بعث إلى الناس كافة إلى أن تقوم الساعة؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا‏}‏ ، ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ‏}‏ ، ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا‏}‏ ، ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا‏}‏ ‏.‏

وإذا كانت رسالته عامة للناس؛ فلا بد أن تكون شريعته كاملة شاملة لمصالح البشر، لا يحتاج معها إلى شريعة أخرى وبعثة نبي آخر؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكَتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ‏}‏ ‏.‏

قال الشيخ أبو الأعلى المودودي في رده على القاديانية‏:‏ ‏"‏ونحن إذا تتبعناه- أي‏:‏ القرآن- بغية أن نعرف الأسباب التي لأجلها ظهرت الحاجة إلى إرسال نبي في أمة من أمم الأرض؛ علمنا أن هذه الأسباب أربعة‏:

1- كانت هذه الأمة ما جاءها من الله نبي من قبل، ولا كان لتعاليم نبي مبعوث في أمة غيرها أن تصل إليها‏.‏

2- كان قد أرسل إليها نبي من قبل، ولكن كان تعليمه قد انمحى أو لعبت به يد النسيان أو التحريف حتى لم يعد بإمكان الناس أن يتبعوه اتباعا كاملا صحيحا‏.‏

3- كان قد أرسل إليها نبي من قبل، ولكن تعاليمه ما كانت شاملة لمن يأتي بعده وافية لمتطلبات عصرهم، فألحت الحاجة إلى المزيد من الأنبياء لإكمال الدين‏.‏

4- كان قد أرسل إليها نبي، ولكن كانت الحاجة تقتضي أن يرسل معه نبي آخر لتصديقه وتأييده‏.‏

وكل سبب من هذه الأسباب الأربعة قد زال بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلا حاجة للأمة الإسلامية ولا لأية أمة أخرى في العالم إلى أن يرسل إليها نبي جديد بعد محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقد تولى القرآن بنفسه بيان أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ولهداية الناس عامة؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا‏}‏ ‏.‏

وأيضا؛ مما يدل عليه تاريخ الحضارة في الدنيا أن الظروف في العالم ما زالت منذ بعثته صلى الله عليه وسلم ولا تزال مهيأة بحيث من الممكن أن تصل دعوته إلى كل صقع من أصقاع العالم، وإلى كل أمة من أممه؛ فلا حاجة بعد ذلك إلى نبي جديد إلى أمة من أمم الدنيا أو صقع من أصقاعها؛ فبذلك قد زال السبب الأول‏.‏

ومما يشهد به القرآن كذلك وتؤيده عليه ذخيرة كتب الحديث والسيرة أن التعليم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال حيا محفوظا على صورته الحقيقية ولم تلعب به يد النسيان ولا التحريف والتبديل‏.‏

أما الكتاب الذي جاء به؛ فما وقع التحريف ولا النقص ولا الزيادة في أي حرف من أحرفه، ولا من الممكن أن يقع إلى يوم القيامة‏.‏

وأما الهداية التي أعطاها للناس بأقواله وأفعاله؛ فإننا نجد آثارها حتى اليوم حية مصونة، كأننا أمام شخصه صلى الله عليه وسلم وفي زمانه؛ فبذلك قد زال السبب الثاني‏.‏

ثم إن القرآن ليصرح كذلك بأن الله تعالى قد أكمل دينه بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فبذلك قد زال السبب الثالث أيضا‏.‏

ثم إن الحاجة لو كانت تقتضي إرسال نبي مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم لتأييده وتصديقه؛ لأرسل في زمانه صلى الله عليه وسلم؛ فبذلك قد زال السبب الرابع أيضا‏.‏‏.‏‏.‏

فأي سبب خاص من بعد زوال هذه الأسباب الأربعة‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى المقصود من كلامه‏.‏

 كرامة الأولياء

كنا قد تكلمنا عن آيات الأنبياء والفرق بينها وبين خوارق السحرة والكهان وعجائب المخترعات الحديثة وما لها من الآثار‏.‏

وسنتكلم إن شاء الله عن كرامات الأولياء؛ لأن لها ارتباطا وثيقا بآيات الأنبياء، ونبين الفرق بينها وبين خوارق السحرة والمشعوذين أيضا، فنقول‏:

أولياء الله عز وجل هم المؤمنون المتقون؛ كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ‏}‏ ‏.‏

فكل مؤمن تقي؛ فهو ولي لله عز وجل بقدر إيمانه وتقواه، وقد يظهر الله على يديه من خوارق العادات، وهي ما يسمى بالكرامات‏.‏

فالكرامة خارق للعادة يجريه الله على يد بعض الصالحين من أتباع الرسل إكراما من الله له ببركة اتباعه للرسل صلوات الله وسلامه عليهم‏.‏

وليس كل ولي تحصل له كرامة، وإنما تحصل لبعضهم‏:‏ إما لتقوية إيمانه، أو لحاجته، أو لإقامة حجة على خصمه المعارض في الحق‏.‏

والأولياء الذين لم تظهر لهم كرامة لا يدل ذلك على نقصهم؛ كما أن الذين وقعت لهم الكرامة لا يدل ذلك على أنهم أفضل من غيرهم‏.‏

وكرامات الأولياء حق بإجماع أئمة الإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وإنما ينكرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم، وهذا إنكار لما هو ثابت في القرآن والسنة‏.‏

ففي القرآن الكريم‏:‏ قصة أصحاب الكهف، وقصة مريم‏.‏‏.‏‏.‏

وفي السنة الصحيحة؛ مثل نزول الملائكة كهيئة الظلة فيها أمثال السرج لاستماع قراءة أسيد بن حضير رضي الله عنه، وسلام الملائكة على عمران بن حصين رضي الله عنه‏.‏‏.‏‏.‏ ولها أمثلة كثيرة‏.‏

ومن أراد الاطلاع على هذه المسألة؛ فليراجع كتاب ‏"‏الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‏"‏لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏.‏

وقد حصل في موضوع كرامات الأولياء التباس وخلط عظيم بين الناس‏:‏

فطائفة أنكروا وقوعها ونفوها بالكلية، وهم الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم، فخالفوا النصوص وكابروا الواقع‏.‏

وطائفة غلت في إثباتها، وهم العوام وعلماء الضلال، فأثبتوا كرامات للفجرة والفساق ومن ليسوا من أولياء الله بل من أولياء الشيطان، واعتمدوا في إثبات ذلك على الحكايات المكذوبة والمنامات والخوارق الشيطانية، فادعوا الكرامات للسحرة والمشعوذين والدجالين من مشايخ الطرق الصوفية والمخرفين، حتى عبدوهم من دون الله؛ أحياء وأمواتا، وبنوا الأضرحة على قبور من يزعمون لهم الولاية ممن حيكت لهم الدعايات العريضة ونسب إليهم التصرف في الكون وقضاء حوائج من دعاهم وطلب منهم المدد واستغاث بهم، وسموهم الأقطاب والأغواث بسبب تلك الكرامات المزعومة والحكايات المكذوبة‏.‏

فقد اتخذت دعوى الكرامات ذريعة لعبادة من نسبت إليه، وربما سموا الشعوذة والتدجيل والسحر كرامة؛ لأنهم لا يفرقون بين الكرامة والأحوال الشيطانية، ولا يفرقون بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وإلا؛ فمن المعلوم أنه حتى من ثبت أنه ولي لله بنص من القرآن أو السنة، وإن جرى على يده كرامة من الله؛ فإنه لا يجوز أن يعبد من دون الله، ولا أن يتبرك به أو بقبره؛ لأن العبادة حق لله وحده‏.‏

وهناك فروق بين كرامات الأولياء وخوارق السحرة والمشعوذين والدجالين‏:‏

منها‏:‏ أن كرامات الأولياء سببها التقوى والعمل الصالح، وأعمال المشعوذين سببها الكفر والفسوق والفجور‏.‏

ومنها‏:‏ أن كرامات الأولياء يستعان بها على البر والتقوى أو على أمور مباحة، وأعمال المشعوذين والدجالين يستعان بها على أمور محرمة؛ من الشرك والكفر وقتل النفوس‏.‏

ومنها‏:‏ أن كرامات الأولياء تقوى بذكر الله وتوحيده، وخوارق السحرة والمشعوذين تبطل أو تضعف عند ذكر الله وقراءة القرآن والتوحيد‏.‏

فتبين بهذا أن بين كرامات الأولياء وتهريجات المشعوذين والدجالين فروقا تميز الحق من الباطل‏.‏

وكما ذكرنا؛ فإن أولياء الله حقا لا يستغلون ما يجريه الله على أيديهم من الكرامات للنصب والاحتيال ولفت أنظار الناس إلى تعظيمهم، وإنما تزيدهم تواضعا ومحبة لله وإقبالا على عبادته؛ بخلاف هؤلاء المشعوذين والدجالين؛ فإنهم يستغلون هذه الأحوال الشيطانية التي تجري على أيديهم لجلب الناس إلى تعظيمهم والتقرب إليهم وعبادتهم من دون الله عز وجل، حتى كون كل واحد منهم له طريقة خاصة وجماعة تسمى باسمه؛ كالشاذلية، والرفاعية، والنقشبندية‏.‏‏.‏‏.‏ إلى غير ذلك من الطرق الصوفية‏.‏

والحاصل أن الناس انقسموا في موضوع الكرامات إلى ثلاث أقسام‏:‏

قسم غلوا في نفيها حتى أنكروا ما هو ثابت في الكتاب والسنة من الكرامات الصحيحة التي تجري على وفق الحق لأولياء الله المتقين‏.‏

وقسم غلوا في إثبات الكرامات حتى اعتقدوا أن السحر والشعوذة والدجل من الكرامات، واستغلوها وسيلة للشرك والتعلق بأصحابها من الأحياء والأموات، حتى نشأ عن ذلك الشرك الأكبر بعبادة القبور وتقديس الأشخاص والغلو فيهم؛ لما يزعمونه لهم من الكرامات والخرافات‏.‏

والقسم الثالث‏:‏ وهم أهل السنة والجماعة، توسطوا في موضوع الكرامات بين الإفراط والتفريط، فأثبتوا منها ما أثبته الكتاب والسنة، ولم يغلوا في أصحابها، ولم يتعلقوا بهم من دون الله، ولا يعتقدون فيهم أنهم أفضل من غيرهم، بل هناك من أولياء الله من هو أفضل منهم، ولم تجر على يديه كرامة، ونفوا ما خالف الكتاب والسنة من الدجل والشعوذة والنصب والاحتيال، واعتقدوا أنه من عمل الشيطان، وليس هو من كرامات الأولياء‏.‏

فلله الحمد والمنة على وضوح الحق وافتضاح الباطل؛ ‏{‏لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏ ‏.

  الأصل الخامس‏:‏ الإيمان باليوم الآخر

ويتضمن‏:‏

  أولا‏:‏ الإيمان بأشراط الساعة

لما كان اليوم الآخر مسبوقا بعلامات تدل على قرب وقوعه تسمى أشراط الساعة؛ ناسب أن نذكر أهمها؛ لأن الإيمان بها واجب، وهو من صلب العقيدة‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا‏}‏ ؛ أي علاماتها وأماراتها، واحدها شرط بفتح الراء، وهو العلامة‏.‏

قال الإمام البغوي رحمه الله‏:‏ ‏"‏وكانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ‏}

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ‏}‏ ‏.‏

ولقرب وقوع يوم القيامة وتحققه، جعله سبحانه كغد‏:

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ‏}‏ ، والغد هو ما بعد يومك‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا‏}‏ ‏.‏

وروى الترمذي وصححه من حديث أنس مرفوعا‏:‏ ‏(‏بعثت أنا والساعة كهاتين‏)‏ وأشار بالسبابة والوسطى‏.‏

وفي ‏"‏الصحيحين‏"‏عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا‏:‏ ‏(‏إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس‏)‏ ‏.‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس‏)‏ ‏.‏

ولما كان أمر الساعة شديدا؛ كان الاهتمام بشأنها أكثر من غيرها، ولهذا أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من بيان أشراطها وأماراتها، وأخبر عما يأتي بين يديها من الفتن، ونبه أمته وحذرهم ليتأهبوا لذلك‏.‏

أما وقت مجيئها؛ فهو مما انفرد الله تعالى بعلمه وأخفاه عن العباد لأجل مصلحتهم؛ ليكونوا على استعداد دائما؛ كما أخفى سبحانه عن كل نفس وقت حلول أجلها؛ لتكون دائما على أهبة الاستعداد والانتظار ولا تتكاسل عن العمل‏.‏

قال العلامة السفاريني‏:‏ ‏"‏ثم اعلم أن أشراط الساعة وأماراتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام‏:‏ قسم ظهر وانقضى‏:‏ وهو الأمارات البعيدة‏.‏ وقسم ظهر ولم ينقض بل لا يزال في زيادة‏.‏ والقسم الثالث‏:‏ الأمارات الكبيرة التي تعقبها الساعة، وهي تتابع كنظام خرزات انقطع سلكها‏.‏

فالأولى ‏(‏أعني التي ظهرت ومضت وانقضت‏)‏‏:‏ منها‏:‏ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وموته، وفتح بيت المقدس‏.‏ ومنها‏:‏ قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ قال حذيفة‏:‏ أول الفتن قتل عثمان‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

وذكر الحروب التي وقعت بين المسلمين بعد ذلك، وظهور الفرق الضالة كالخوارج والرافضة‏.‏‏.‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏ومنها‏:‏ خروج كذابين دجالين كل منهم يدعي أنه نبي‏.‏ ومنها‏:‏ زوال ملك العرب، رواه الترمذي‏.‏ ومنها‏:‏ كثرة المال، رواه الشيخان وغيرهما‏.‏ ومنها‏:‏ كثرة الزلازل والخسف والمسخ والقذف وغير ذلك مما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أمارات الساعة فظهر ومضى وانقضى‏.‏

القسم الثاني‏:‏ الأمارات المتوسطة‏:‏ وهي التي ظهرت ولم تنقض بل تتزايد وتكثر، وهي كثيرة جدا‏.‏

منها قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع‏)‏ ‏.‏ رواه الإمام أحمد والترمذي والضياء المقدسي من حديث حذيفة رضي الله عنه، واللكع‏:‏ العبد والأحمق واللئيم، والمعنى‏:‏ لا تقوم الساعة حتى يكون اللئام والحمقى ونحوهم رؤساء الناس‏.‏

ومن الأمارات‏:‏ قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يأتي على الناس زمان الصابر على دينه كالقابض على الجمر‏)‏ ‏.‏ رواه الترمذي عن أنس‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد‏)‏ ‏.‏ رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يكون في آخر الزمان عباد جهال وقراء فسقة -وفي لفظ فساق-‏)‏ ‏.‏ رواه أبو نعيم والحاكم عن أنس‏.‏

ومنها‏:‏ أن يرى الهلال ساعة يطلع، فيقال‏:‏ لليلتين؛ لانتفاخه وكبره‏.‏ روى معناه الطبراني عن ابن مسعود، وفي لفظ‏:‏ ‏(‏من أشراط الساعة انتفاخ الأهلة‏)‏ بالخاء المعجمة؛ أي‏:‏ عظمها، وروي بالجيم‏.‏

ومنها اتخاذ المساجد طرقا‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏ومنها ما في ‏"‏صحيح البخاري‏"‏وغيره من حديث أنس رضي الله عنه‏:‏ أنه قال‏:‏ ألا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم به أحد غيري‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ ‏(‏إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنى، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال، ويكثر النساء؛ حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد‏)‏ ‏"‏

وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال‏:‏ ‏(‏بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم؛ جاءه أعرابي؛ قال متى الساعة‏؟‏ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، وقال بعض القوم سمع ما قال، وقال بعضهم بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه؛ قال أين السائل عن الساعة‏؟‏ فقال ها أنا يا رسول الله‏!‏ قال فإذا ضيعت الأمانة؛ فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها‏؟‏ قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر الساعة‏)‏ ‏.‏

القسم الثالث من أمارات الساعة‏:‏ العلامات العظام والأشراط الجسام التي تعقبها الساعة، ومنها‏:‏ خروج المهدي، والمسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج، وهدم الكعبة، والدخان، ورفع القرآن، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج النار من قعر عدن، ثم النفخ في الصور نفخة الفزع، ثم نفخة الصعق وهلاك الخلق، ثم نفخة البعث والنشور‏.‏

وعلى كل؛ فالأمر عظيم، ونحن في غفلة، وقد ظهر من هذه العلامات الشيء الكثير؛ فنسأل الله عز وجل أن يثبتنا على دينه، ويتوفانا على الإسلام، ويقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن‏.‏

وهذا من علامات النبوة ومعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث أخبر عن أمور مستقبلة مما أطلعه الله عز وجل على علمه، فوقع كما أخبر، وهذا مما يقوي إيمان العبد‏.‏

وفي إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك رحمة بالعباد؛ ليحذروا، ويستعدوا، ويكونوا على بصيرة من أمرهم؛ فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الكريم الذي بلغ البلاغ المبين وبين غاية التبيين، ونحن على ذلك من الشاهدين‏.‏

وأول هذه العلامات‏:‏ ظهور المهدي، ثم خروج الدجال، ثم نزول المسيح عليه السلام، ثم تتتابع‏.‏

 ظهور المهدي‏:‏

كنا قد ذكرنا فيما سبق العلامات الكبار مجملة، والآن سنذكرها مفصلة، وأولها ظهور المهدي‏.‏

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي؛ يواطئ اسمه اسمي‏)‏ ‏.‏ رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏ وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة‏.‏

قال العلامة السفاريني‏:‏ ‏"‏وقد تكاثرت الروايات والآثار بأمر المهدي‏"‏‏.‏

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم‏"‏‏.‏ انتهى‏.‏

واسم المهدي محمد بن عبد الله، من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورا وظلما فيملؤها عدلا وقسطا‏.‏

قال العلامة السفاريني‏:‏ ‏"‏قد كثرت الأقوال في المهدي، حتى قيل‏:‏ لا مهدي إلا عيسى‏!‏ والصواب الذي عليه أهل الحق‏:‏ أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى عليه السلام، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

أقول‏:‏ وقد انقسم الناس في أمر المهدي إلى طرفين ووسط‏:‏

فالطرف الأول‏:‏ من ينكر خروج المهدي مثل بعض الكتاب المعاصرين الذين ليس لهم خبرة بالنصوص وأقوال أهل العلم وإنما يعتمدون على مجرد آرائهم وعقولهم‏.‏

والطرف الثاني‏:‏ من يغالي في أمر المهدي من الطوائف الضالة، حتى ادعت كل طائفة لزعيمهم أنه المهدي المنتظر‏:‏ فالرافضة تدعي أن المهدي هو إمامهم المنتظر الذي ينتظرون خروجه من السرداب، ويسمونه محمد بن الحسن العسكري، دخل سرداب سامرا طفلا صغيرا منذ أكثر من خمس مائة سنة، وهم ينتظرون خروجه‏!‏ والفاطمية‏:‏ يزعمون أن زعيمهم هو المهدي‏.‏‏.‏‏.‏ وهكذا؛ كل من أراد التسلط والتغلب على الناس وخداعهم ادعى أنه المهدي المنتظر؛ كما أن من أراد الدجل والاحتيال من الصوفية ادعى أنه من أهل البيت وأنه سيد‏.‏

وأما الوسط في أمر المهدي؛ فهم أهل السنة والجماعة، الذين يثبتون خروج المهدي على ما تقضي به النصوص الصحيحة؛ في اسمه، واسم أبيه، ونسبه، وصفاته، ووقت خروجه، لا يتجاوزون ما جاء في الأحاديث في ذلك، ولخروجه أمارات وعلامات تسبقه ذكرها أهل العلم‏.‏

قال العلامة السفاريني‏:‏ ‏"‏قد كثرت الأقوال في المهدي، حتى قيل‏:‏ لا مهدي إلا عيسى‏!‏ والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى عليه السلام، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم رضي الله عنهم بروايات متعددة وعن التابعين بعدهم ما يفيد مجموعه العلم القطعي؛ فالإيمان بخروج المهدي واجب؛ كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة‏"‏‏.‏

ثم قال السفاريني في بيان سيرته‏:‏ ‏"‏قال أهل العلم‏:‏ يعمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يوقظ نائما، ويقاتل على السنة، لا يترك سنة إلا أقامها، ولا بدعة إلا رفعها، يقوم بالدين آخر الزمان كما قام به النبي صلى الله عليه وسلم، يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويرد إلى المسلمين إلفتهم ونعمتهم، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا‏"‏‏.‏

وقال في وصفه أيضا‏:‏ ‏"‏ثم يخرج رجل من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مهدي حسن السيرة؛ يغزو مدينة قيصر، وهو آخر أمير من أمة محمد، يخرج في زمانه الدجال، وينزل عيسى ابن مريم‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏ونقل العلامة الشيخ مرعي في كتابه ‏"‏فوائد الفكر‏"‏عن أبي الحسن محمد بن الحسين‏:‏ أنه قال‏:‏ قد تواترت الأحاديث واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم بمجيء المهدي؛ أنه من أهل بيته صلى الله عليه وسلم، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأنه يخرج مع عيسى فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه؛ يعني‏:‏ صلاة واحدة، وهي الفجر‏"‏انتهى‏.‏

ذلكم هو المهدي الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين صفاته الفارقة ووقت خروجه وسيرته، وقد ادعى المهدية جماعة من الضلَّال في وقت مبكر عن وقته، ولا تنطبق عليهم صفاته، وإنما أرادوا بذلك التغرير بالسذج، واستغلال ادعاء هذه الشخصية لمطامعهم الخاصة، فأظهر الله كذبهم، وفضح باطلهم، ولا تعجب؛ فقد ادعى قوم النبوة، وافتروا على الله الكذب، ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ‏}‏ ‏.‏

نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، ويكفينا شر الأئمة المضلين والمحتالين الدجالين‏.‏ والحمد لله رب العالمين‏.‏

 خروج الدجال‏:‏

المسيح الدجال والفاتن الكذاب مسيح الضلالة نعوذ بالله من فتنته؛ فقد أنذرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقوامها، وحذرت منه أممها، وبينت أوصافه، وحذر منه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر، وبين أوصافه ونعته لأمته نعوتا لا تخفى على ذي بصيرة‏.‏

وفي ‏"‏الترمذي‏"‏‏:‏ أنه يخرج من خراسان‏.‏

وفي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏عن أنس رضي الله عنه مرفوعا‏:‏ ‏(‏يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة‏)‏ ‏.‏

وسمي المسيح؛ لأن عينه ممسوحة، وقيل‏:‏ لأنه يمسح الأرض؛ أي‏:‏ يقطعها، وسمي الدجال‏:‏ من الدجل، وهو الخلط، يقال‏:‏ دجل؛ إذا خلط وموّه، ودجال على وزن فعال من أبنية المبالغة؛ أي‏:‏ يكثر منه الكذب والتلبيس، وهو يخرج في زمان المهدي‏.‏

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله‏:‏ ‏"‏ثم يؤذن له ‏(‏أي‏:‏ الدجال‏)‏ في الخروج في آخر الزمان، يظهر أولا في صورة ملك من الملوك الجبابرة، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية، فيتبعه على ذلك الجهلة من بني آدم والطغام من الرعاع والعوام، ويخالفه ويرد عليه من هداه الله من الصالحين وحزب الله المتقين، ويتدنى فيأخذ البلاد بلدا بلدا وحصنا حصنا وإقليما إقليما وكورة كورة، ولا يبقى بلد من البلدان إلا وطئه بخيله ورجله؛ غير مكة والمدينة‏.‏

ومدة مقامه في الأرض أربعون يوما؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيام الناس هذه، ومعدل ذلك سنة وشهران ونصف‏.‏

وقد خلق الله على يديه خوارق كثيرة يضل بها من يشاء من خلقه، ويثبت معها المؤمنون فيزدادون إيمانا مع إيمانهم وهدى إلى هداهم‏.‏

ويكون نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام مسيح الهدى في أيام مسيح الضلالة، فيجتمع عليه المؤمنون، ويلتف معه عباد الله المتقون، فيسير بهم المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام قاصدا نحو الدجال وقد توجه نحو بيت المقدس، فينهزم منه الدجال، فيلحقه عند باب مدينة لد، فيقتله بحربته وهو داخل إليها، ويقول له‏:‏ إن لي فيك ضربة لن تفوتني، وإذا واجهه الدجال؛ ينداع كما ينحل الملح في الماء، فيتداركه، فيقتله بالحربة الحريبة بباب لد، فتكون وفاته هناك لعنه الله؛ كما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح من غير وجه‏"‏‏.‏ انتهى كلام ابن كثير رحمه الله في تلخيص قصة الدجال حسبما ورد في النصوص الصحيحة، وهو تلخيص جيد مفيد‏.‏

والذي تدل عليه النصوص من أمر الدجال أيضا وفتنته‏:‏ أن من استجاب له؛ يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت لهم زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم، وترجع لهم مواشيهم سمانا ذات لبن، ومن لا يستجيب له ويرد عليه أمره؛ تصيبهم السنة والجدب والقحط والقلة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وأنه تتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل، وأنه يقتل شابا ثم يحييه؛ كل ذلك امتحان يمتحن الله به عباده في آخر الزمان، فيضل به كثيرا‏.‏

وهو مع هذا هين على الله، ناقص ظاهر النقص والفجور والظلم، وإن كان معه ما معه من الخوارق، مكتوب بين عينيه كافر، وما يجريه على يديه محنة من الله لعباده، وهي محنة خطيرة، لا ينجو منها إلا أهل الإيمان واليقين، ولخطورة محنته وشدة فتنته حذرت منه الأنبياء أممها، وأشدهم تحذيرا لأمته محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه؛ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إنه لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر الدجال قومه، وإني أنذركموه‏)‏ ‏.‏ رواه أحمد وأبو داود والترمذي‏.‏

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالاستعاذة من فتنته في آخر كل صلاة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر؛ فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال‏)‏ ‏.‏ رواه الإمام أحمد ومسلم‏.‏

وقد تواترت الأحاديث من وجوه متعددة في إثبات خروج الدجال وبيان فتنته والاستعاذة منه، وأجمع أهل السنة والجماعة على خروج الدجال في آخر الزمان، وذكروا ذلك ضمن مباحث العقيدة؛ فمن أنكر خروجه؛ فقد خالف ما دلت عليه الأحاديث المتواترة، وخالف ما عليه أهل السنة والجماعة، ولم ينكر خروجه إلا بعض المبتدعة كالخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وبعض الكتاب العصريين والمنتسبين إلى العلم، ولم يعتمدوا على حجة يدفعون بها النصوص المتواترة سوى عقولهم وأهوائهم، ومثل هؤلاء لا عبرة بهم ولا بقولهم‏.‏

والواجب على المؤمن الإيمان بما صح عن الله ورسوله، واعتقاد ما يدل عليه، ولا يكون من الذين قال الله تعالى فيهم‏:‏ ‏{‏بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ‏}‏ ؛ لأن مقتضى الإيمان بالله ورسوله هو التسليم لما جاء عنهما والإيمان به، ومن لم يفعل؛ فإنه متبع لهواه بغير هدى من الله‏.‏

نسأل الله العافية والسلامة من الشك والشرك، والكفر والنفاق وسوء الأخلاق، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، والحمد لله رب العالمين‏.‏

 نزول عيسى ابن مريم عليه السلام

إن نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام كما دل عليه القرآن فقد أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتواتر النقل عنه بذلك، وأجمع عليه علماء الأمة سلفا وخلفا، واعتبروه مما يجب اعتقاده والإيمان به‏.‏

قال السفاريني‏:‏ ‏"‏ونزوله عليه الصلاة والسلام ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة‏:‏ أما الكتاب؛ فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ‏}‏ ؛ أي‏:‏ ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء آخر الزمان، حتى تكون الملة واحدة؛ ملة إبراهيم حنيفا مسلما‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وأما السنة؛ ففي ‏"‏الصحيحين‏"‏وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية‏)‏ الحديث‏.‏ وفي مسلم عنه‏:‏ ‏(‏والله؛ لينزلن ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب‏)‏ بنحوه‏.‏ وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم تعال صلِّ بنا‏!‏ فيقول لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة‏)‏ ‏.‏

وأما الإجماع؛ فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة أو من لا يعتد بخلافه‏.‏

وقد انعقد إجماع الأمة على أن ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية، وليس بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء، وإن كانت النبوة قائمة به، وهو متصف بها، ويتسلم الأمر من المهدي، ويكون المهدي من أصحابه وأتباعه كسائر أصحاب المهدي‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى كلام السفاريني رحمه الله‏.‏

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏وعيسى حي في السماء لم يمت بعد، وإذا نزل من السماء؛ لم يحكم إلا بالكتاب والسنة، لا بشيء يخالف ذلك‏"‏‏.‏

وقال أيضا‏:‏ ‏"‏عيسى عليه السلام حي، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية‏)‏ ‏.‏ وثبت في الصحيح عنه‏:‏ ‏(‏أنه ينزل على المنارة البيضاء شرق دمشق ويقتل الدجال‏)‏ ‏.‏ ومن فارقت روحه جسده؛ لم ينزل جسده من السماء، وإذا أحيي؛ فإنه يقوم من قبره‏.‏

وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ ؛ فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت؛ إذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكدلك قوله‏:‏ ‏{‏وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ ، ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء أو غيره من الأنبياء‏.‏

وقد قال تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ‏}‏ ؛ فقوله هنا‏:‏ ‏{‏بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ‏}‏ ؛ يبين أنه رفع بدنه وروحه؛ كما ثبت في الصحيح أنه ينزل بدنه وروحه؛ إذ لو أريد موته لقال‏:‏ وما قتلوه وما صلبوه بل مات‏.‏

ولهذا قال من قال من العلماء‏:‏ ‏{‏إِنِّي مُتَوَفِّيكَ‏}‏ ؛ أي‏:‏ قابضك، أي‏:‏ قابض روحك وبدنك، يقال‏:‏ توفيت الحساب واستوفيته، ولفظ التوفي لا يقتضي توفي الروح دون البدن ولا توفيهما جميعا إلا بقرينة منفصلة، وقد يراد به توفي النوم؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ‏}‏ ‏"‏انتهى‏.‏

وقال القاضي عياض‏:‏ ‏"‏نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته‏.‏ وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وخاتم النبيين‏}‏ ، وبقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا نبي بعدي‏)‏ ، وبإجماع المسلمين أنه لا نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة ولا تنسخ‏!‏ وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى عليه السلام أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت هذه الأحاديث هنا وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

أقول‏:‏ وفي عصرنا هذا ينكر بعض الكتاب الجهال وأنصاف العلماء نزول عيسى عليه السلام؛ اعتمادا على عقولهم وأفكارهم، ويطعنون في الأحاديث الصحيحة، أو يؤولونها بتأويلات باطلة، والواجب على المسلم التصديق بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح عنه واعتقاده؛ لأن ذلك من الإيمان بالغيب الذي أطلع الله ورسوله عليه‏.‏‏.‏‏.‏

قال العلامة السفاريني رحمه الله‏:‏ ‏"‏ويكون مقررا لشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه رسول لهذه الأمة كما مر، ويكون قد علم أحكام هذه الشريعة بأمر الله تعالى وهو في السماء قبل أن ينزل‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏وزعم بعض العلماء أنه بنزول سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام يرفع التكليف، وهذا مردود؛ للأخبار الواردة أنه يكون مقررا لأحكام هذه الشريعة ومجددا لها؛ إذ هي آخر الشرائع، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم آخر الرسل، والدنيا لا تبقى بلا تكليف؛ فإن بقاء الدنيا إنما يكون بمقتضى التكليف إلى أن لا يقال في الأرض الله الله، ذكره القرطبي في ‏"‏تذكرته‏"‏‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏وأما مدته ووفاته؛ فقد ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الطبراني وابن عساكر‏:‏ أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ينزل عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة‏)‏ ‏.‏ وعند الإمام أحمد وابن أبي شيبة وأبي داود وابن جرير وابن حبان عنه‏:‏ أنه يمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنوه عند نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ‏"‏‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

 خروج يأجوج ومأجوج

نتكلم عن خروج يأجوج ومأجوج على ضوء ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله من ذكر هذا الحدث العظيم؛ لأن الإيمان بذلك واعتقاده واجب على المسلم‏.‏

وخروج يأجوج ومأجوج ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ ذكر ذلك السفاريني رحمه الله‏:

أما الكتاب؛ ففي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ‏}

وقال تعالى في قصة ذي القرنين‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا‏}‏ ، وهذا سد من حديد بين جبلين بناه ذو القرنين فصار ردما واحدا يحجز هؤلاء القوم المفسدين في الأرض عن أذية الناس والإفساد في الأرض؛ فإذا جاء الوقت الذي قدر انهدام السد فيه؛ جعله الله مساويا للأرض؛ وعدا لا بد منه؛ فإذا انهدم؛ يخرجون على الناس ويموجون وينسلون- أي‏:‏ يسرعون المشي- من كل حدب، ثم يكون النفخ في الصور قريبا من ذلك‏.‏

وأما الدليل من السنة؛ ففي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الله تعالى يوحي إلى عيسى ابن مريم عليه السلام بعد قتله الدجال أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد في قتالهم؛ فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذا ماء، ويحصرون عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار‏)‏ الحديث‏.‏

وفي حديث حذيفة عند الطبراني‏:‏ ‏"‏ويمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس‏"‏‏.‏

قال الإمام النووي‏:‏ ‏"‏هم من ولد آدم عند أكثر العلماء‏"‏‏.‏

وقال ابن عبد البر‏:‏ ‏"‏الإجماع على أنهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام‏"‏‏.‏

وذكر العلامة السفاريني‏:‏ ‏"‏قال ابن كثير‏:‏ يأجوج ومأجوج طائفتان من الترك من ذرية آدم‏.‏ ثم قال‏:‏ وهم من ذرية نوح من سلالة يافث أبي الترك‏"‏‏.‏

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن قرب خروجهم وحذر منهم، فقال عليه الصلاة والسلام- كما في ‏"‏الصحيحين‏"‏- عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا‏)‏ ‏.‏

وفي ‏"‏الصحيحين‏"‏من حديث زينب بنت جحش‏:‏ ‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام عندها، ثم استيقظ محمرا وجهه وهو يقول لا إله إلا الله‏!‏ ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق بين إصبعيه‏)

وأما صفاتهم وأجسامهم؛ فقد قال الإمام ابن كثير رحمه الله‏:‏ ‏"‏وهم يشبهون الناس كأبناء جنسهم من الترك الغتم المغول؛ المجرزمة عيونهم، الدلف أنوفهم، الصهب شعورهم، على أشكالهم وألوانهم‏.‏ ومن زعم أن منهم الطويل الذي كالنخلة السحوق أو أطول، ومنهم القصير الذي هو كالشيء الحقير، ومنهم من له أذنان يتغطى بإحداهما ويتوطأ بالأخرى؛ فقد تكلف ما لا علم له به، وقال ما لا دليل عليه‏"‏‏.‏

وأما ما يحصل منهم من الأذى والفساد في الأرض ونهايتهم؛ فقد دل على ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري؛ قال‏:‏ ‏(‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس؛ كما قال تعالى ‏{‏وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ‏}‏ ، فيغشون الناس، وينحاز الناس عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، فيشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر، فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبسا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر، فيقول قد كان هاهنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة؛ قال قائلهم هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، بقي أهل السماء قال ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع إليه مختضبة دما للبلاء والفتنة؛ فبينما هم على ذلك؛ بعث الله دودا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو قال فيتجرد رجل منهم محتسبا، قد وطنها على أنه مقتول، فينزل، فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي يا معشر المسلمين‏!‏ ألا أبشروا‏!‏ إن الله تعالى قد كفاكم عدوكم فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم؛ فما يكون لها رعي إلا لحومهم، فتشكر عنه كأحسن ما تشكر عن شيء أصابته من النبات قط‏)‏ ‏.‏

قال الإمام ابن كثير‏:‏ ‏"‏وهكذا أخرجه ابن ماجه من حديث يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به، وهو إسناد جيد‏"‏‏.‏

وقد أنكر بعض الكتاب العصريين وجود يأجوج ومأجوج ووجود السد‏!‏ وبعضهم يقول‏:‏ إن يأجوج ومأجوج هم جميع دول الكفر المتفوقة في الصناعة‏!‏‏!‏ ولا شك أن هذا تكذيب لما جاء في القرآن، وتكذيب لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تأويل له بما لا يحتمله، ولا شك أن من كذب بما جاء في القرآن أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو كافر، وكذلك من أوله بما لا يحتمله، فإنه ضال ويخشى عليه من الكفر‏.‏

وليس لهؤلاء شبهة يستندون إليها إلا قولهم‏:‏ إن الأرض قد اكتشفت كلها فلم يوجد ليأجوج ومأجوج ولا للسد مكان فيها‏!‏‏!‏

والجواب عن ذلك‏:‏ أن كون المكتشفين لم يعثروا على يأجوج ومأجوج وسدهم لا يدل ذلك على عدم وجودهم، بل يدل على عجز البشر عن الإحاطة بملكوت الله عز وجل، وقد يكون الله عز وجل صرف أبصارهم عن رؤيتهم، أو جعل أشياء تمنع من الوصول إليهم، والله قادر على كل شيء، وكل شيء له أجل؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ، وما الذي أعمى أبصار الأوائل وأعجز قدراتهم عن كنوز الأرض التي اكتشفها المعاصرون كالبترول وغيره إلا أن الله عز وجل جعل لذلك أجلا ووقتا‏؟‏‏!‏ فالله المستعان‏.‏

 خروج الدابة

ذكر الله خروج الدابة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ‏}‏ ‏.‏

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في ‏"‏النهاية‏"‏‏:‏ ‏"‏قال ابن عباس والحسن وقتادة‏:‏ ‏(‏تكلمهم‏)‏؛ أي‏:‏ تخاطبهم مخاطبة، ورجح ابن جرير تخاطبهم؛ تقول لهم‏:‏ ‏{‏أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ‏}‏ ، وحكاه عن علي وعطاء‏"‏‏.‏

قال ابن كثير‏:‏ ‏"‏في هذا نظر‏"‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏"‏وعن ابن عباس‏:‏ ‏"‏تكلمهم‏"‏‏:‏ تجرحهم؛ بمعنى‏:‏ تكتب على جبين الكافر كافر، وعلى جبين المؤمن مؤمن، وعنه‏:‏ تخاطبهم وتجرحهم، وهذا القول ينتظم المذهبين، وهو قوي حسن جامع لهما‏.‏ والله أعلم‏"‏‏.‏

وقال أيضا في ‏"‏تفسيره‏"‏‏:‏ ‏"‏هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق؛ يخرج الله لهم دابة من الأرض؛ قيل‏:‏ من مكة، وقيل‏:‏ من غيرها، فتكلم الناس‏"‏‏.‏

وقال القرطبي في ‏"‏تفسيره‏"‏‏:‏ ‏"‏قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ‏}‏ ‏:‏ اختلف في معنى ‏(‏وقع القول‏)‏ وفي الدابة؛ فقيل‏:‏ معنى ‏(‏وقع القول عليهم‏)‏‏:‏ وجب الغضب عليهم‏.‏ قاله قتادة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ أي‏:‏ حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون‏.‏ وقال ابن عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما‏:‏ إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر؛ وجب السخط عليهم‏.‏ وقال عبد الله بن مسعود‏:‏ وقع القول يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن قال عبد الله أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع قالوا هذه المصاحف ترفع؛ فكيف بما في صدور الرجال‏؟‏‏!‏ قال يسرى عليه ليلا فيصبحون منه قفرا وينسون لا إله إلا الله ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم وذلك حين يقع القول عليهم

ثم ذكر أقوالا أخرى في معنى وقع القول عليهم، ثم قال‏:‏ ‏"‏قلت‏:‏ وجميع الأقوال عند التأمل ترجع إلى معنى واحد، والدليل عليه آخر الآية‏:‏ ‏{‏أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ‏}‏ ، وقرئ‏:‏ ‏(‏أن الناس‏)‏؛ بفتح الهمزة‏.‏

وفي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ثلاث إذا خرجن؛ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض‏)‏ ‏.‏

واختلف في تعيين هذه الدابة وصفتها ومن أين تخرج اختلافا كثيرا قد ذكرناه في كتاب ‏"‏التذكرة‏"‏‏"‏ انتهى‏.‏

وعن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه؛ قال‏:‏ ‏(‏طلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال ما تذاكرون‏؟‏ قالوا نذكر الساعة قال إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات وذكر منها الدابة‏)‏ ‏.‏ رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏

ولمسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏بادروا بالأعمال ستا طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة‏)‏ الحديث‏.‏

ولمسلم أيضا من حديث قتادة عن الحسن عن زياد بن رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال‏:‏ ‏(‏بادروا بالعمل ستا الدجال، والدخان، ودابة الأرض‏)‏ الحديث‏.‏

وقال مسلم‏:‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر عن أبي حيان عن أبي زرعة عن عبد الله بن عمرو؛ قال‏:‏ حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى؛ فأيهما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبا‏)‏ ‏.‏

قال ابن كثير‏:‏ ‏"‏أي‏:‏ أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج؛ فكل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر، مشاهدتهم وأمثالهم مألوفة، فأما خروج الدابة على شكل غير مألوف ومخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان والكفر؛ فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية؛ كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عاداتها المألوفة أول الآيات السماوية‏"‏‏.‏ انتهى‏.‏

وعمل هذه الدابة كما جاءت به الأحاديث أنها تسم الناس المؤمن والكافر‏:‏ فأما المؤمن؛ فيرى وجهه كأنه كوكب دري، ويكتب بين عينيه‏:‏ مؤمن‏.‏ وأما الكافر؛ فتنكت بين عينيه نكتة سوداء، ويكتب بين عينيه‏:‏ كافر‏.‏

وفي رواية‏:‏ فتلقى المؤمن فتسمه في وجهه نكتة فيبيض لها وجهه، وتسم الكافر نكتة سوداء يسود لها وجهه، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن الكافر وبالعكس، حتى إن المؤمن يقول للكافر‏:‏ يا كافر‏!‏ اقضني حقي‏.‏

وأما صفتها؛ فقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي في ‏"‏تفسيره‏"‏‏:‏ ‏"‏وهذه الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث، ولم يذكر الله ولا رسوله كيفية هذه الدابة، وإنما ذكر أثرها المقصود منها، وأنها من آيات الله، تكلم الناس كلاما خارقا للعادة حين يقع القول على الناس وحين يمترون بآيات الله، فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين وحجة على المعاندين‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

وقد أنكر بعض المعاصرين خروج هذه الدابة، واستبعدوا ذلك، وبعضهم يؤولونها بتأويلات فارغة، وليس لهم حجة في ذلك سوى أن عقولهم لا تتحمل ذلك‏.‏

والواجب على المؤمن التصديق والتسليم لما جاء عن الله ورسوله؛ لأن هذا من الإيمان بالغيب الذي مدح الله به المؤمنين‏.‏

هذا ونسأل الله الهداية والتوفيق لمعرفة الحق والعمل به‏.‏

 طلوع الشمس من مغربها

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ‏}

قال الحافظ ابن كثير في ‏"‏النهاية‏"‏‏:‏ ‏"‏قال البخاري عند تفسير هذه الآية‏:‏ حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة، حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها؛ فإذا رآها الناس؛ آمن من عليها؛ فذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل‏)‏ ‏.‏ وقد أخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

وقال السفاريني‏:‏ ‏"‏قال العلماء رحمهم الله تعالى‏:‏ طلوع الشمس من مغربها ثابت بالسنة الصحيحة والأخبار الصريحة، بل وبالكتاب المنزل على النبي المرسل‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا‏}‏ الآية؛ أجمع المفسرون- أو جمهورهم- على أنها طلوع الشمس من مغربها، وحاصل ذلك والمقصود من الآية الكريمة‏:‏ أن من لم يكن إيمانه متحققا إذا طلعت الشمس من مغربها؛ لم ينفعه تجديد الإيمان، ولم ينفعه فعل بر من جميع الأعمال؛ لأنه فقد الإيمان الذي هو الأساس لما عداه من تلك الأعمال؛ فلا ينفعه إيمانه الحادث حينئذ، ولا ما صدر منه قبل ذلك من الإحسان وعمل البر من صلة الأرحام وإعتاق الرقاب وقرى الأضياف وغير ذلك مما هو مكارم الأخلاق؛ لأنها على غير أساس؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ‏}‏ ، والإيمان الحادث في ذلك الوقت ليس مقبولا‏.‏

وقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها؛ فإذا طلعت ورآها الناس؛ آمنوا أجمعون؛ فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها‏)‏ ‏.‏

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله‏:‏ ‏"‏وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه النسائي وابن ماجه من طريق عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن الله فتح بابا قبل المغرب، عرضه سبعون -‏أو قال أربعون عاما‏-‏ للتوبة، ثم لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها‏)‏ ‏.‏

فهذه الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة دليل على أن من أحدث إيمانا وتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل منه، وإنما كان كذلك - والله أعلم-؛ لأن ذلك من أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على اقترابها ودنوها، فعومل ذلك الوقت معاملة يوم القيامة؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَهَل يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُم‏}‏ ‏.‏ انتهى‏.‏

وقال أيضا في ‏"‏تفسيره‏"‏‏:‏ ‏"‏ ‏{‏لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ‏}

أي‏:‏ إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ؛ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحا، فأحدث توبة حينئذ؛ لم تقبل منه توبته؛ كما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، وعليه يحمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا‏}‏ ؛ أي‏:‏ لا يقبل منه كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك‏"‏‏.‏ انتهى‏.‏

وقال البغوي‏:‏ ‏"‏ ‏{‏يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ‏}‏ ؛ أي‏:‏ لا ينفعهم الإيمان عند ظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان‏.‏ ‏{‏أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا‏}‏ ؛ يريد‏:‏ لا يقبل إيمان كافر ولا توبة فاسق‏"‏‏.‏ انتهى‏.‏

قال القرطبي رحمه الله في ‏"‏تفسيره‏"‏‏:‏ ‏"‏قال العلماء‏:‏ وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوعها من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم- لإيقانهم بدنو القيامة- في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها في أبدانهم؛ فمن تاب في مثل هذه الحال؛ لم تقبل توبته؛ كما لا تقبل توبة من حضره الموت؛ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر‏)‏ ؛ أي‏:‏ تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يُرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار؛ فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله‏"‏اهـ‏.‏

وعلى كل؛ فهذا حدث عظيم وهول مفزع يؤذن بتغيير نظام الكون وقرب قيام الساعة، وفيه دليل على عظيم قدرة الله عز وجل، وأن هذه الشمس مدبرة مخلوقة يعتريها الخلل بإذن الله تعالى‏.‏

هذا؛ ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا الإيمان الصادق واليقين النافع الذي يدفع إلى العمل الصالح والاستعداد بالزاد النافع ليوم المعاد قبل فوات الفرصة ونهاية الأجل، والله المستعان، والحمد لله رب العالمين‏.‏

 حشر الناس إلى أرض الشام

قال الإمام ابن كثير في ‏"‏النهاية‏"‏‏:‏ ‏"‏ثبت في ‏"‏الصحيحين‏"‏من حديث وهيب، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار؛ تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا‏)‏ ‏.‏

ثم ساق الأحاديث في هذا المعنى، ثم قال‏:‏ ‏"‏فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدنيا من أقطار الأرض إلى محلة، وهي أرض الشام، وأنهم يكونون على أصناف ثلاثة؛ فصنف طاعمين كاسين وراكبين، وقسم يمشون تارة ويركبون تارة أخرى، وهم يعتقبون على البعير الواحد- كما تقدم في ‏"‏الصحيحين‏"‏- اثنان على بعير وثلاثة على بعير‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وعشرة على بعير يعتقبونه من قلة الظهر؛ كما تقدم في الحديث، وكما جاء مفسرا في الآخر‏:‏ ‏"‏وتحشر بقيتهم النار‏"‏، وهي التي تخرج من قعر عدن، فتحيط بالناس من ورائهم؛ تسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر، ومن تخلف منهم؛ أكلته النار‏.‏

وهذا كله مما يدل على أن هذا في آخر الزمان؛ حيث الأكل والشرب والركوب على الظهر المشترى وغيره، وحيث تهلك المتخلفين منهم النار، ولو كان هذا بعد نفخة البعث؛ لم يبق موت ولا ظهر يشترى ولا أكل ولا شرب‏"‏‏.‏ انتهى‏.‏

وقد جاءت أحاديث تدل على أنه في آخر الزمان تخرج نار من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر‏.‏

منها الحديث الذي رواه أحمد ومسلم وأهل ‏"‏السنن‏"‏‏:‏ ‏"‏تخرج نار من قعر عدن، تسوق ‏(‏أو‏:‏ تحشر‏)‏ الناس؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا‏"‏‏.‏

ومنها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ قال‏:‏ ‏(‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستخرج نار من حضرموت ‏(‏أو من نحو بحر حضرموت‏)‏ قبل يوم القيامة تحشر الناس قالوا يا رسول الله‏!‏ فما تأمرنا‏؟‏ قال عليكم بالشام‏)‏ ‏.‏ رواه أحمد والترمذي وابن حبان في ‏"‏صحيحه‏"‏، وقال الترمذي‏:‏ ‏"‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏"‏‏.‏

قال السفاريني‏:‏ ‏"‏اختلف العلماء في حشر الناس من المشرق إلى المغرب؛ هل هو يوم القيامة أو قبله، فقال القرطبي والخطابي وصوبه القاضي عياض‏:‏ إن هذا الحشر يكون قبل يوم القيامة‏.‏ وأما الحشر من القبور؛ فهو على ما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا؛ كما في ‏"‏الصحيحين‏"‏وغيرهما‏:‏ ‏"‏إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا‏"‏‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وانتصر القاضي عياض لقول الخطابي والقرطبي بأن حديث أبي هريرة‏:‏ ‏"‏تقيل معهم‏.‏‏.‏‏.‏ وتبيت‏.‏‏.‏‏.‏ وتصبح‏.‏‏.‏‏.‏ وتمسي‏"‏‏:‏ يؤيد أن الحشر في الدنيا إلى الشام؛ لأن هذه الأوصاف مختصة بالدنيا‏"‏‏.‏

وقال أيضا‏:‏ ‏"‏ذكر القرطبي في ‏"‏تذكرته‏"‏‏:‏ أن الحشر أربع‏:‏ حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة‏"‏‏.‏

فاللذان في الدنيا‏:‏ المذكور في سورة الحشر، وهو حشر اليهود إلى الشام، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اخرجوا‏!‏‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ إلى أين‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏إلى أرض المحشر‏"‏‏.‏ ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه من جزيرة العرب‏.‏

والحشر الثاني المذكور في أشراط الساعة؛ نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب؛ كما في حديث أنس وعبد الله بن سلام‏.‏

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهم مرفوعا‏:‏ ‏"‏تبعث على أهل المشرق نار فتحشرهم إلى المغرب؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم وتخلف، وتسوقهم سوق الجمل‏"‏‏.‏

قال الحافظ ابن حجر‏:‏ وكونها تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب؛ لأن ابتداء خروجها من عدن؛ فإذا خرجت؛ انتشرت في الأرض كلها؛ المراد تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق‏.‏

قال القرطبي‏:‏ وأما اللذان في الآخرة؛ فحشر الأموات من قبورهم بعد البعث جميعا؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا‏}‏ ، وحشرهم إلى الجنة والنار، وقال‏:‏ على قول الناظم‏:‏

وآخر الآيات حشر النار ** كما أتى في محكم الأخبار

قال‏:‏ ‏"‏وآخر الآيات‏"‏‏:‏ العظام والعلامات الجسام‏.‏ ‏"‏حشر النار‏"‏‏:‏ للناس من المشرق إلى المغرب، ومن اليمن إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام، وهو أرض الشام‏.‏ ‏"‏كما أتى‏"‏‏:‏ ذلك مصرحا به‏.‏ ‏"‏في محكم الأخبار‏"‏‏:‏ وصحيح الآثار‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

ثم ذكر الأحاديث الواردة في خروجها من اليمن ومن قعر عدن أبين، وفي كونها تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وكونها تحشرهم إلى أرض الشام، وقال في وجه الجمع بين ذلك‏:‏ ‏"‏بأن النار ناران‏:‏ إحداهما تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، والثانية تخرج من اليمن فتطرد الناس إلى المحشر الذي هو أرض الشام‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏وإن لم يكن في علم الله إلا نار واحدة؛ فالجمع بين حديث‏:‏ ‏"‏نار تخرج قبل يوم القيامة من حضرموت فتسوق الناس‏"‏، وفي لفظ‏:‏ ‏"‏تخرج من قعر عدن، ترحل الناس إلى المحشر‏"‏، وحديث‏:‏ ‏"‏نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب‏"‏؛ فبأن يقال‏:‏ إن الشام الذي هو المحشر مغرب بالنسبة إلى المشرق، فيكون ابتداء خروجها قعر عدن من اليمن، فإذا خرجت؛ انتشرت إلى المشرق، فتحشر أهله إلى المغرب الذي هو الشام، وهو المحشر، ولفظة ‏(‏أبين‏)‏ بوزن أحمر‏:‏ اسم الملك الذي بناها، وفي ‏"‏نهاية ابن الأثير‏"‏‏:‏ عدن أبين‏:‏ مدينة معروفة باليمن، أضيفت إلى أبين بوزن أبيض، وهو رجل من حمير عدن بها؛ أي‏:‏ أقام‏.‏ والله أعلم‏"‏‏.‏

 النفخ في الصور والصعق

قد تكرر ذكر النفخ في الصور في القرآن العظيم وذكر ما يحدث عند ذلك‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات‏:‏

نفخة الفزع ذكرها في سورة النمل في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ‏}

ونفخة الصعق والقيام ذكرهما في سورة الزمر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ‏}‏ وأما الاستثناء؛ فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين؛ فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله؛ فإن الله أطلق في كتابه، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى آخذا بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي أم كان مما استثناه الله‏؟‏‏)‏ ‏.‏ وهذه الصعقة قيل‏:‏ إنها رابعة، وقيل‏:‏ إنها من المذكورات في القرآن‏"‏انتهى‏.‏

وقال السفاريني‏:‏ ‏"‏واعلم أن النفخ في الصور ثلاث نفخات‏:‏

نفخة الفزع‏:‏ وهي التي يتغير بها هذا العالم ويفسد نظامه، وهي المشار إليها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ‏}‏ ؛ أي‏:‏ من رجوع ومرد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ‏}‏ ‏:‏ فسر الزمخشري في ‏"‏كشافه‏"‏المستثنى في هذه الآية بمن ثبت الله قلبه من الملائكة، وهم‏:‏ جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت‏.‏ وقيل غير ذلك‏.‏ وإنما يحصل الفزع بشدة ما يقع من هول تلك النفخة‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏النفخة الثانية‏:‏ نفخة الصعق، وفيها هلاك كل شيء؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ‏}‏ ، وقد فسر الصعق بالموت‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏والصور قرن من نور، يجعل فيه أرواح الخلائق، وقال مجاهد‏:‏ كالبوق‏.‏ ذكره البخاري‏.‏ وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما‏:‏ ‏(‏جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ما الصور‏؟‏ قال قرن ينفخ فيه‏)‏ ‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏"‏النفخة الثالثة‏:‏ نفخة البعث والنشور، وقد جاء في الكتاب العزيز آيات تدل عليها وأخبار تشير إليها؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ‏}‏ الآية؛ قال المفسرون‏:‏ المنادي هو إسرافيل عليه السلام، ينفخ في الصور وينادي‏:‏ أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة‏!‏ إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء‏.‏ وقيل‏:‏ ينفخ إسرافيل وينادي جبريل‏.‏ والمكان القريب‏:‏ صخرة بيت المقدس‏.‏ قال جماعة من المفسرين‏:‏ وبين النفختين أربعون عاما‏.‏ قال بعض العلماء‏:‏ اتفقت الروايات على ذلك‏.‏

وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا‏:‏ ‏"‏ما بين النفختين أربعون‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا أبا هريرة‏!‏ أربعون يوما‏؟‏ قال‏:‏ أبيت‏.‏ قالوا‏:‏ أربعون شهرا‏؟‏ قال‏:‏ أبيت‏.‏ قالوا‏:‏ أربعون عاما‏؟‏ قال‏:‏ أبيت‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏الحديث‏.‏

وقول أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏أبيت‏"‏‏:‏ فيه ثلاث تأويلات‏:‏ أولها‏:‏ امتنعت من بيان ذلك لكم‏.‏ وقيل‏:‏ أبيت أسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ نسيت‏.‏ وقيل‏:‏ إن سر ذلك لا يعلمه إلا الله لأنه من أسرار الربوبية‏.‏

وفي حديث أبي هريرة الطويل الذي رواه ابن جرير والطبراني وأبو يعلى في ‏"‏مسنده‏"‏والبيهقي في ‏"‏البعث‏"‏وأبي موسى المديني وغيرهم؛ قال‏:‏ ‏(‏حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل؛ فهو واضعه على فيه، شاخصا ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر قلت يا رسول الله وما الصور‏؟‏ قال القرن قلت أي شيء هو‏؟‏ قال عظيم، إن عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، فيأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول انفخ الفزع‏!‏ فينفخ، فيفزع أهل السماء والأرض إلا من شاء الله، فيأمره فيمدها ويطيلها ولا يفتر، وهي التي يقول الله تعالى ‏{‏وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ‏}‏ فيسير الله الجبال، فتمر مر السحاب، فتكون سرابا، وترتج الأرض بأهلها رجا، فتكون كالسفينة الموقرة في البحر تضربها الأمواج، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، وهي التي يقول الله ‏{‏يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَة تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ‏}‏ فتميل الأرض بالناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار، فتتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله تعالى ‏{‏يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ‏}‏ فبينما هم على ذلك؛ إذ تصدعت الأرض، فانصدعت من قطر إلى قطر، فرأوا أمرا عظيما، ثم نظروا إلى السماء؛ فإذا هي كالمهل، ثم انشقت فانتثرت نجومها وانخسفت شمسها وقمرها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموات يومئذ لا يعلمون بشيء من ذلك قلت يا رسول الله‏!‏ من استثنى الله تعالى في قوله ‏{‏إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ‏}‏ ؛ قال أولئك الشهداء وإنما يتصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وأمنهم منه، وهو عذاب يبعثه الله على شرار خلقه، يقول الله ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد‏}‏ ، فيمكثون في ذلك ما شاء الله‏)‏ الحديث‏"‏‏.‏

هذا؛ ونسأل الله عز وجل أن يهدينا الصراط المستقيم، ويجعلنا من الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون‏.‏


  ثانيا‏:‏ الإيمان باليوم الآخر

وسمي باليوم الآخر لتأخره عن الدنيا‏.‏

وقد دل عليه العقل والفطرة، كما صرحت به جميع الكتب السماوية، ونادى به الأنبياء والمرسلون‏.‏

وقد أخبر الله عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على المنكرين له في غالب سور القرآن‏.‏

والإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بالرب؛ إلا من عاند- كفرعون-؛ بخلاف الإيمان باليوم الآخر؛ فإن منكريه كثيرون‏.‏

ومحمد صلى الله عليه وسلم لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين؛ بين تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء‏.‏

وقد تنوعت أدلة البعث في القرآن الكريم‏:‏

فتارة يخبر عمن أماتهم ثم أحياهم في الدنيا كما أخبر عن قوم موسى الذين قالوا‏:‏ ‏{‏أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً‏}‏ ؛ قال‏:‏ ‏{‏فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ‏}‏ ، وعن ‏{‏الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ‏}‏ ، وعن إبراهيم إذ قال‏:‏ ‏{‏رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ القصة، وكما أخبر عن المسيح أنه كان يحيي الموتى بإذن الله، وعن أصحاب الكهف أنهم بعثوا بعد ثلاث مائة سنة وتسع سنين‏.‏

وتارة يستدل على ذلك بالنشأة الأولى؛ فإن الإعادة أهون من الابتداء؛ كما في قوله‏:‏ ‏{‏إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏}

وتارة يستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض؛ فإن خلقهما أعظم من إعادة الإنسان؛ كما في قوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى‏}

وتارة يستدل عليه بتنزيه الله عن العبث؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ‏}‏ ، ‏{‏أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى‏}‏ ‏.‏

فالناس في هذه الدنيا منهم المحسن ومنهم المسيء، وقد يموتون ولا ينال أحدهم جزاء عمله؛ فلا بد من دار أخرى يقام فيها العدل بين الناس وينال كل منهم جزاء عمله‏.‏

والإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان؛ كما يدل على ذلك القرآن في كثير من الآيات‏:

حيث يذكر الإيمان به تارة مع الإيمان بالأركان الستة التي هي‏:‏ الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ كما في حديث عمر رضي الله عنه في سؤالات جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وتارة يذكر الإيمان به مع الإيمان بالله؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‏}‏ ‏.‏

وقد سمى الله هذا اليوم بعدة أسماء؛ تنويها بشأنه وتنبيها للعباد ليخافوا منه؛ فسماه اليوم الآخر؛ لأنه بعد الدنيا وليس بعده يوم غيره‏.‏ وسماه يوم القيامة؛ لقيام الناس فيه لربهم‏.‏ وسماه الواقعة والحاقة والقارعة والراجفة والصاخة والآزفة والفزع الأكبر ويوم الحساب ويوم الدين والوعد الحق‏.‏‏.‏‏.‏ وكلها أسماء تدل على عظم شأنه وشدة هوله وما يلقاه الناس فيه من الشدائد والأهوال؛ فهو يوم تشخص فيه الأبصار، وتطير القلوب عن أماكنها حتى تبلغ الحناجر‏.‏

{‏يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ‏}‏ ‏.‏

{‏يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ‏}

والإيمان بهذا اليوم يحمل الإنسان على العمل والاستعداد له‏:‏

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا‏}‏ ‏.‏

كما أن الإيمان بهذا اليوم يحمل على الثبات عند لقاء الأعداء والصبر على الشدائد؛ كما قال تعالى في قصة طالوت وجنوده حينما لقوا عدوهم الذي يفوقهم في الكثرة بعدما جاوزوا نهر الامتحان ولم ينجح منهم إلا القليل؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏ ‏.‏

كما أن عدم الإيمان بهذا اليوم يحمل الإنسان على الكفر والمعاصي وعلى الظلم والعدوان والبغي والفساد‏:‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ‏}‏ ‏.‏

وقد أمر الله باتقاء ذلك اليوم بالاستعداد له بالأعمال الصالحة التي تنجي من أهواله‏:‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ‏}‏ ‏.‏

وقال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ‏}‏ ‏.‏

والإيمان باليوم الآخر معناه أن تصدق بكل ما بعد الموت من عذاب القبر ونعيمه وبالبعث بعد ذلك والحساب والميزان والثواب والعقاب والجنة والنار وبكل ما وصف الله به يوم القيامة‏.‏

وسمي باليوم الآخر لتأخره عن الدنيا، وله أسماء كثيرة في القرآن منها‏:

1- يوم البعث‏:‏ لأن فيه البعث والحياة بعد الموت‏.‏

2- يوم الخروج‏:‏ لأن فيه خروج الناس من قبورهم إلى الحياة الأخرى‏.‏

3- يوم القيامة‏:‏ لأن فيه قيام الناس للحساب‏.‏

4- يوم الدين‏:‏ لأن فيه إدانة الخلائق ومجازاتهم على أعمالهم‏.‏

5- يوم الفصل‏:‏ لأن فيه الفصل بين الناس بالعدل‏.‏

6- يوم الحشر‏:‏ لأن فيه جمع الخلائق وحشرهم في موقف الحساب‏.‏

7- يوم الجمع‏:‏ لأن الله يجمع فيه الناس للجزاء‏.‏

8- يوم الحساب‏:‏ لأن فيه محاسبة الناس على أعمالهم التي عملوها في الدنيا‏.‏

9- يوم الوعيد‏:‏ لأن فيه تحقيق وعيد الله للكافرين‏.‏

10- يوم الحسرة‏:‏ لأن فيه حسرة الكافرين‏.‏

11- يوم الخلود‏:‏ لأن الحياة في هذا اليوم حياة خالدة أبدية‏.‏

12- الدار الآخرة‏:‏ لأنها بعد دار الدنيا، وهي دار باقية، ليس بعدها انتقال إلى دار أخرى‏.‏

13- دار القرار‏:‏ لأنها الاستقرار الدائم بلا فناء ولا انتقال‏.‏

14- دار الخلد‏:‏ لأن الإقامة فيها إقامة أبدية‏.‏

15- الواقعة‏:‏ لتحقيق وقوعها‏.‏

16- الحاقة‏:‏ لأنها تحق كل مجادل ومخاصم بالباطل بمعنى تغلبه‏.‏

17- القارعة‏:‏ لأنها تقرع الأسماع والقلوب بأهوالها‏.‏

18- الغاشية‏:‏ لما يجري فيها من غشيان عام للثقلين‏.‏

19- الطامة‏:‏ لأنها تغلب وتفوق ما سواها من الدواهي‏.‏

20- الآزفة‏:‏ أي‏:‏ القريبة، سميت بذلك إشعارا بقربها بالنسبة إلى عمر الدنيا‏.‏

21- يوم التغابن‏:‏ لأن أهل الجنة يغبنون أهل النار‏.‏

22- يوم التناد‏:‏ لأنه يدعى فيه كل أناس بإمامهم، وينادي بعضهم بعضا، وينادي أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، وينادي أصحاب الأعراف‏.‏

 الموت

ومن مقدمات اليوم الآخر الموت، وهو القيامة الصغرى‏.‏

والقيامة الصغرى‏:‏ هي وفاة كل شخص عند انتهاء أجله، وبها ينتقل من الدنيا إلى الآخرة‏.‏

وقد ذكر الله العباد بالموت؛ ليستعدوا له بالأعمال الصالحة والتوبة من الأعمال السيئة؛ لأنه إذا جاء؛ ختم عمل الإنسان، وهو لا يقبل التأخير‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ‏}‏ ‏.‏

والموت هو القيامة الصغرى، وقيام الساعة هو القيامة الكبرى‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏وهو سبحانه وتعالى في السورة الواحدة يذكر القيامة الكبرى والصغرى؛ كما في سورة الواقعة؛ فإنه ذكر في أولها القيامة الكبرى، وأن الناس يكونون أزواجا ثلاثة؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً‏}‏ ، ثم إنه في آخرها ذكر القيامة الصغرى بالموت، وأنهم يكونون ثلاثة أصناف بعد الموت، فقال‏:‏ ‏{‏فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ‏}‏ ‏"‏‏.‏

وعند الموت تقبض روح الإنسان من جسده بأمر الله تعالى‏.‏

وقد أسند الله قبض الأنفس إليه سبحانه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا‏}‏ ، وأسنده إلى الملائكة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ‏}‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ‏}‏ ، وأسنده إلى ملك الموت في قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏}

ولا تعارض بين الآيات، والإضافة في هذه الآيات إلى كل بحسبه؛ فالله هو الذي قضى بالموت وقدره، فهو بقضائه وقدره وأمره، فأضيف إليه التوفي لأجل ذلك، وملك الموت يتولى قبضها واستخراجها من البدن، ثم تأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، ويتولونها بعده، فصحت إضافة التوفي إلى كل بحسبه‏.‏

 التوفي بالنوم والتوفي بالموت

الروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالنوم‏:

قال النبي صلى الله عليه وسلم لما نام عن الصلاة‏:‏ ‏(‏إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء‏)‏ ‏.‏ وقال له بلال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى‏}‏ ‏.‏

قال ابن عباس وأكثر المفسرين‏:‏ يقبضها قبضتين؛ قبض الموت وقبض النوم، ثم في النوم يقبض التي تموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى حتى يأتي أجلها وقت الموت‏.‏

وقد ثبت في ‏"‏الصحيحين‏"‏عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه كان يقول إذا نام‏:‏ ‏(‏باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي؛ فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها؛ فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين‏)‏ ‏.‏

وهذا أحد القولين في الآية، وهو أن الممسكة والمرسلة كلاهما متوفى وفاة النوم؛ فمن استكملت أجلها؛ أمسكها عنده فلا يردها إلى جسدها، ومن لم تستكمل أجلها؛ ردها إلى جسدها لتستكمله‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن الممسكة من توفيت وفاة الموت أولا، والمرسلة من توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا‏:‏ أن الله يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسده إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ‏}‏ ‏.‏

 حقيقه الروح

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ‏(‏13/341‏)‏‏:‏ ‏"‏ومذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر سلف الأمة وأئمة السنة‏:‏ أن الروح عين قائمة بنفسها، تفارق البدن، وتنعم، وتعذب، ليست هي البدن، ولا جزء من أجزائه، ولما كان الإمام أحمد رحمه الله ممن نص على ذلك كما نص عليه غيره من الأئمة؛ لم يختلف أصحابه في ذلك‏"‏‏.‏

وقال في موضع آخر ‏(‏9/303‏)‏‏:‏ ‏"‏والصواب أنها ليست مركبة من الجواهر الفردة، ولا من المادة والصورة، وليست من جنس الأجسام المتميزات المشهودة المعهودة، وأما الإشارة إليها؛ فإنه يشار إليها، وتصعد، وتنزل، وتخرج من البدن، وتسيل منه؛ كما جاءت بذلك النصوص ودلت عليه الشواهد العقلية‏.‏

وأما قول القائل‏:‏ أين مسكنها من الجسد‏؟‏ فلا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد؛ فإن الحياة مشروطة بالروح؛ فإذا كانت الروح في الجسد؛ كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح؛ فارقته الحياة‏"‏‏.‏

 الروح مخلوقة

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ‏(‏4/216‏)‏‏:‏ ‏"‏روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين‏"‏‏.‏

وقال تلميذه العلامة ابن القيم‏:‏ ‏"‏والذي يدل على خلقها وجوه‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏، وذكر اثني عشر وجها‏:

منها‏:‏ قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ ؛ فهذا اللفظ عام، لا تخصيص فيه بوجه ما، ولا يدخل في ذلك صفاته؛ فإنها داخلة في مسمى اسمه؛ فالله سبحانه هو الإله الموصوف بصفات الكمال، وهو سبحانه بذاته وصفاته الخالق وما سواه مخلوق‏.‏

ومنها‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا‏}‏ ، وهذا الخطاب لروحه وبدنه، وليس لبدنه فقط؛ فإن البدن وحده لا يفهم ولا يخاطب ولا يعقل، وإنما الذي يفهم ويعقل ويخاطب هو الروح‏.‏

ومنها‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ‏}‏ ، وهذا الإخبار إما أن يتناول أرواحنا وأجسادنا كما يقوله الجمهور، وإما أن يكون واقعا على الأرواح قبل خلق الأجساد كما يقوله من يزعم ذلك، وعلى التقديرين؛ فهو صريح في خلق الأرواح‏.‏

ومنها‏:‏ النصوص الدالة على أن الإنسان عبد بجملته، وليست عبوديته واقعة على بدنه دون روحه، بل عبودية الروح أصل، وعبودية البدن تبع؛ كما أنه تبع لها في الأحكام، وهي التي تحركه وتستعمله، وهو تبع لها في العبودية‏.‏

ومنها‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا‏}‏ ؛ فلو كانت روحه قديمة؛ لكان الإنسان لم يزل شيئا مذكورا؛ فإنه إنما هو إنسان بروحه لا بدنه‏.‏

ومنها‏:‏ حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي في ‏"‏صحيح البخاري‏"‏وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف‏)‏ ، والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة‏.‏

ومنها‏:‏ أن الروح توصف بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال، وهذا شأن المخلوق المحدث المربوب‏.‏

 كيفية قبض روح المتوفى وما لها بعد وفاته

قد جاء بيان كيفية التوفي ومآل الروح بعده في حديث البراء بن عازب الطويل، وهذا نصه‏:

عن البراء بن عازب رضي الله عنه؛ قال‏:‏ ‏(‏كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا حوله كأن على رءوسنا الطير وهو يلحد له، فقال أعوذ بالله من عذاب القبر؛ ثلاث مرات ثم قال إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا؛ نزلت إليه الملائكة، كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول يا أيتها النفس الطيبة‏!‏ اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها؛ فإذا أخذها؛ لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة؛ إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة‏؟‏ فيقولون فلان ابن فلان؛ بأطيب أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله، فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له من ربك‏؟‏ فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك‏؟‏ فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم‏؟‏ فيقول هو رسول الله فيقولان له ما علمك‏؟‏ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي؛ فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسخ له في قبره مدَّ بصره قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت‏؟‏ فوجهك الذي يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول يا رب‏!‏ أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي قال وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة؛ نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول أيتها النفس الخبيثة‏!‏ اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال فتفرَّق روحه في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها؛ لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة؛ إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث‏؟‏ فيقولون فلان ابن فلان؛ بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط‏}‏ فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا ثم قرأ ‏{‏ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق‏}‏ فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له من ربك‏؟‏ فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم‏؟‏ فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت‏؟‏ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر‏!‏ فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة‏)‏ ‏.‏

رواه الإمام أحمد وأبو داوود والحاكم وأبو عوانة في ‏"‏صحيحيهما‏"‏ وابن حبان‏.‏

قال شارح الطحاوية‏:‏ ‏"‏وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد في الصحيح‏"‏‏.‏

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏أما الحديث المذكور في قبض روح المؤمن، وأنه يصعد بها إلى السماء التي فيها الله؛ فهذا حديث معروف جيد الإسناد، وقوله‏:‏ ‏"‏فيها الله‏"‏‏:‏ بمنزلة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ‏}‏ ‏"‏ انتهى‏.‏

قال العلامة ابن القيم‏:‏ ‏"‏الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت‏:‏

فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم؛ كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء‏.‏

ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء، لا جميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه أو غيره‏.‏ ومنهم من يكون محبوسا على باب الجنة‏.‏ ومنهم من يكون محبوسا في قبره؛ كحديث صاحب الشملة التي غلها ثم استشهد فقال الناس‏:‏ هنيئا له الجنة‏!‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده؛ إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارا في قبره‏)‏ ‏.‏ ومنهم من يكون مقره باب الجنة؛ كما في حديث ابن عباس‏:‏ ‏(‏الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم من الجنة بكرة وعشية‏)‏ ‏.‏

ومنها ما يكون محبوسا في الأرض لم يعل إلى الملأ الأعلى؛ فإنها كانت روحا سفلية أرضية؛ فإن الأنفس الأرضية لا تجامع الأنفس السماوية كما لا تجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها ومحبته وذكره والأنس به والتقرب إليه، بل هي أرضية سفلية، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك؛ كما أن النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة الله وذكره والتقرب إليه والأنس به تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها؛ فالمرء مع من أحب في البرزخ ويوم القيامة، والله تعالى يزوج النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد؛ كما تقدم في الحديث، ويجعل المؤمن مع النسم الطيب؛ أي‏:‏ الأرواح الطيبة المشاكلة؛ فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها وأخواتها وأصحاب عملها، فتكون معهم هناك‏.‏

ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة‏.‏

فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد، بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏وأنت إذا تأملت السنن والآثار، وكان لك بها فضل اعتناء؛ عرفت حجة ذلك‏.‏

ولا تظن أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضا؛ فإنها كلها حق يصدق بعضها بعضا، لكن الشأن في فهمها ومعرفة النفس وأحكامها، وأنها لها شأنا غير شأن البدن‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وأنها تنقسم إلى مرسلة ومحبوسة وعلوية وسفلية، ولها بعد المفارقة صحة ومرض ولذة ونعيم وألم أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير؛ فهنالك الحبس والألم والعذاب والمرض والحسرة، وهنالك اللذة والراحة والنعيم والإطلاق‏"‏‏.‏

 هل الروح والنفس شيء واحد أو شيئان متغايران‏؟‏

اختلف الناس في ذلك‏:‏ فمن قائل‏:‏ إنهما شيء واحد، وهم الجمهور‏.‏ ومن قائل‏:‏ إنهما متغايران‏.‏

والتحقيق أن لفظ الروح والنفس يعبر بهما عن عدة معان، فيتحد مدلولها تارة ويختلف تارة، فالنفس تطلق على أمور‏:

منها‏:‏ الروح؛ يقال‏:‏ خرجت نفسه؛ أي‏:‏ روحه، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ‏}‏ ‏.‏

ومنها‏:‏ الذات؛ يقال‏:‏ رأيت زيدا نفسه وعينه، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ‏}‏ ‏.‏

ومنها‏:‏ الدم؛ يقال‏:‏ سالت نفسه، ومنه قول الفقهاء‏:‏ ما له نفس سائلة، وما ليس له نفس سائلة، ومنه يقال‏:‏ نفست المرأة إذا حاضت ونفست إذا نفسها ولدها، ومنه النفساء‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية‏:‏ ‏"‏ويقال‏:‏ النفوس ثلاثة أنواع، وهي‏:

النفس الأمارة بالسوء‏:‏ التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي‏.‏

والنفس اللوامة‏:‏ وهي التي تذنب وتتوب؛ ففيها خير وشر، ولكن إذا فعلت الشر؛ تابت وأنابت، فتسمى لوامة؛ لأنها تلوم صاحبها على الذنوب، ولا تتلوم؛ أي‏:‏ تتردد بين الخير والشر‏.‏

والنفس المطمئنة‏:‏ وهي التي تحب الخير والحسنات، وتبغض الشر والسيئات، وقد صار ذلك لها خلقا وعادة‏.‏

فهذه صفات وأحوال لذات واحدة؛ لأن النفس التي لكل إنسان هي نفس واحدة‏.‏

والروح أيضا تطلق على معان‏:‏

منها‏:‏ القرآن الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله؛ قال تعالى‏:

{‏وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا‏}‏ ‏.‏

وعلى جبريل؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ‏}‏ ‏.‏

وعلى الوحي الذي يوحيه إلى أنبيائه ورسله؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ ، سمي روحا لما يحصل به من الحياة النافعة؛ فإن الحياة بدونه لا تنفع صاحبها البتة، وسميت الروح روحا لأن بها حياة البدن‏.‏

وتطلق الروح أيضا على الهواء الخارج من البدن والهواء الداخل فيه‏.‏

وتطلق الروح على ما سبق بيانه، وهو ما يحصل بفراقه الموت، وهي بهذا الاعتبار ترادف النفس ويتحد مدلولهما، ويفترقان في أن النفس تطلق على البدن وعلى الدم، والروح لا تطلق عليهما‏.‏ والله أعلم‏"‏‏.‏

  ثالثا‏:‏ فتنة القبر وعذابه ونعيمه

الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، ومن ذلك الإيمان بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه‏.‏

وذلك أن بين الموت الذي تنتهي به الحياة الأولى وبين البعث الذي تبتدئ به الحياة الثانية -وبعبارة أخرى‏:‏ بين القيامة الصغرى والقيامة الكبرى- فترة جاءت تسميتها في القرآن الكريم برزخا؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏}‏ ‏.‏

والبرزخ لغة‏:‏ الحاجز بين الشيئين‏.‏

وفي هذا البرزخ نموذج من الجزاء الأخروي؛ فهو أول منزل من منازل الآخرة؛ ففيه سؤال الملكين ثم العذاب أو النعيم‏.‏

 سؤال الملكين

ويسمى بفتنة القبر، وهي الامتحان والاختبار للميت حين يسأله الملكان‏.‏

وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب وأنس بن مالك وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم‏.‏

وهي عامة للمكلفين إلا النبيين فقد اختلف فيهم، وكذلك اختلف في غير المكلفين كالصبيان والمجانين‏:‏ فقيل‏:‏ لا يفتنون لأن المحنة إنما تكون للمكلفين‏.‏ وقيل‏:‏ يفتنون‏.‏

وحجة من قال‏:‏ إنهم يسألون‏:‏ أنه يشرع الصلاة عليهم والدعاء لهم وسؤال الله أن يقيهم عذاب القبر وفتنة القبر‏:‏

كما ذكر مالك في ‏"‏موطئه‏"‏عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏أنه صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة صبي، فسمع من دعائه اللهم‏!‏ قِهِ عذاب القبر‏)‏ ‏.‏

واحتجوا بما رواه علي بن معبد، عن عائشة رضي الله عنها‏:‏ أنه مر عليها بجنازة صبي صغير، فبكت، فقيل لها‏:‏ ما يبكيك يا أم المؤمنين‏؟‏ فقالت‏:‏ هذا الصبي بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر‏.‏

قالوا‏:‏ والله سبحانه يكمل لهم عقولهم؛ ليعرفوا بذلك منزلتهم، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه‏.‏

قالوا‏:‏ وقد دل على ذلك الأحاديث الكثيرة التي فيها أنهم يمتحنون في الآخرة، وحكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث؛ فإذا امتحنوا في الآخرة؛ لم يمتنع امتحانهم في القبور‏.‏

واحتج من قال‏:‏ إنهم لا يسألون‏:‏ بأن السؤال إنما يكون لمن عقل الرسول والمرسل، فيسأل‏:‏ هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا‏؟‏ فأما الطفل الذي لا تمييز له بوجه ما؛ فكيف يقال له‏:‏ ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم‏؟‏ ولو رد إليه عقله في القبر؛ فإنه لا يسأل عما لم يتمكن من معرفته والعلم به، ولا فائدة في هذا السؤال‏.‏ وهذا بخلاف امتحانهم في الآخرة؛ فإن الله سبحانه يرسل إليهم رسولا ويأمرهم بطاعته وعقولهم معهم؛ فمن أطاعه منهم؛ نجا، ومن عصاه؛ أدخله النار‏.‏ فذلك امتحان بأمر يأمرهم به يفعلونه ذلك الوقت، لا أنه سؤال عن أمر مضى لهم في الدنيا من طاعة أو عصيان كسؤال الملكين في القبر‏.‏

وأجابوا عن أدلة الأولين‏:‏

أما حديث أبي هريرة؛ فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل على ترك طاعة أو فعل معصية قطعا؛ فإن الله لا يعذب أحدا بلا ذنب عمله، بل عذاب القبر قد يراد به الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره، وإن لم يكن عقوبة على عمله، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه‏)‏ ؛ أي‏:‏ يتألم بذلك ويتوجع منه لا أنه يعاقب بذنب الحي، ‏{‏وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى‏}‏ ، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏السفر قطعة من العذاب‏)‏ ، فالعذاب أعم من العقوبة، ولا ريب أن في القبر من الآلام والهموم والحسرات ما قد يسري أثره إلى الطفل فيتألم، فيشرع للمصلي عليه أن يسأل الله تعالى له أن يقيه ذلك العذاب‏.‏ والله أعلم‏.‏

واختلفوا‏:‏ هل السؤال في القبر عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار أو يختص بالمسلم والمنافق‏؟‏

فقيل‏:‏ يختص ذلك بالمسلم والمنافق دون الكافر الجاحد المبطل‏.‏

وقيل‏:‏ السؤال في القبر عام للكافر والمسلم، وهذا هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة، واستثناء الكافر من هذا لا وجه له‏.‏

واختلفوا‏:‏ هل السؤال في القبر مختص بهذه الأمة، أو يكون لها ولغيرها على ثلاثة أقوال‏:

القول الأول‏:‏ أنه خاص بهذه الأمة؛ لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة؛ فإذا أبوا؛ كفت الرسل، واعتزلوهم، وعوجلوا بالعذاب، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالرحمة إماما للخلق؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ‏}‏ ؛ أمسك عنهم العذاب، وأعطي السيف حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف ثم يرسخ الإيمان في قلبه، فأمهلوا فمن ثم ظهر أمر النفاق، وكانوا يسرون الكفر ويعلنون الإيمان، فكانوا بين المسلمين في ستر، فلما ماتوا؛ قيض الله لهم فتَّاني القبر ليستخرجا سرهم بالسؤال‏.‏

واحتج أهل هذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن هذه الأمة تبتلى في قبورها‏)‏ ، وبقوله‏:‏ ‏(‏أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم‏)‏ ؛ وهذا ظاهر في الاختصاص بهذه الأمة، ويدل عليه قول الملكين‏:‏ ‏"‏ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم‏؟‏‏"‏‏.‏

القول الثاني‏:‏ أن السؤال في القبر لهذه الأمة ولغيرها، وأجاب أصحاب هذا القول عن أدلة القول الأول بأنها لا تدل على الاختصاص بالسؤال لهذه الأمة دون سائر الأمم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏هذه الأمة‏"‏‏:‏ إما أن يراد به أمة الناس؛ أي‏:‏ بني آدم؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ‏}‏ ، وكل جنس من أجناس الحيوان يسمى أمة‏.‏ وإن كان المراد أمته صلى الله عليه وسلم؛ لم يكن فيه ما ينفي سؤال غيرهم من الأمم؛ لأنه إخبار لهم بأنهم يسألون في قبورهم‏.‏ وكذلك حديث‏:‏ ‏(‏أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم‏)‏ ؛ مجرد إخبار لا ينفي سؤال غيرهم‏.‏

القول الثالث‏:‏ التوقف في هذه المسألة؛ لأن الأدلة في ذلك محتملة وليست قاطعة في الاختصاص‏.‏ والله أعلم‏.‏‏.‏‏.‏

 صفة سؤال الملكين على ما وردت به الأحاديث

جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه‏:‏ قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فتعاد روحه ‏-‏يعني الميت‏-‏ في جسده، ويأتيه ملكان‏)‏ ‏.‏

وفي ‏"‏الصحيحين‏"‏من حديث قتادة عن أنس‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الميت إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه؛ إنه ليسمع خفق نعالهم؛ أتاه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد‏؟‏ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله قال فيقول انظر إلى مقعدك من النار؛ قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة‏)‏ ‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فيراهما جميعا‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فأما الكافر والمنافق؛ فيقولان له‏:‏ ما كنت تقول في هذا الرجل‏؟‏ فيقول‏:‏ لا أدري‏!‏ كنت أقول ما يقول الناس‏.‏ فيقولان له‏:‏ لا دريت ولا تليت‏.‏ ثم يضرب بمطارق من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة، فيسمعها من عليها غير الثقلين‏"‏‏.‏

وفي حديث آخر في ‏"‏صحيح أبي حاتم‏"‏‏:‏ ‏(‏أتاه ملكان أسودان أزرقان؛ يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير‏)‏ ‏.‏

وفي حديث آخر في ‏"‏المسند‏"‏و ‏"‏صحيح أبي حاتم‏"‏عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الميت إذا وضع في قبره؛ إنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه؛ فإن كان مؤمنا؛ كانت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى من يمينه، فيقول الصيام ما قبلي مدخل ثم يؤتى من يساره، فتقول الزكاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان ما قبلي مدخل فيقال له اجلس‏!‏ فيجلس وقد مثلت له الشمس وقد أخذت في الغروب فيقال له هذا الرجل الذي كان فيكم؛ ما تقول فيه‏؟‏ وماذا تشهد به عليه‏؟‏ فيقول دعوني حتى أصلي فيقولون إنك ستصلي، أخبرنا عما نسألك عنه‏)‏ الحديث‏.‏

فهذه الأحاديث وما جاء بمعناها تدل على مسائل‏:‏

1‏.‏ أن السؤال يحصل حين يوضع الميت في قبره، وفي هذا رد على أهل البدع -كأبي الهذيل والمريسي- القائلين‏:‏ إن السؤال يقع بين النفختين‏.‏

2‏.‏ تسمية الملكين منكر ونكير، وفي هذا رد على من زعم من المعتزلة أنه لا يجوز تسميتهما بذلك، وأوَّلوا ما ورد في الحديث بأن المراد بالمنكر تلجلجه إذا سئل، والنكير تقريع الملائكة له‏.‏

3‏.‏ أنها ترد روح الميت إليه في قبره حين السؤال، ويجلس ويستنطق، وفي هذا رد على أبي محمد بن حزم حيث نفى ذلك؛ إلا إن كان يريد نفي الحياة المعهودة في الدنيا؛ فهذا صحيح؛ فإن عود الروح إلى بدن الميت ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة الدنيا، وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه؛ كما أن النشأة الأخرى ليست مثل هذه النشأة، وإن كانت أكمل منها، بل كل موطن في هذه الدار وفي البرزخ والقيامة له حكم يخصه، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يوسع له في قبره ويسأل ونحو ذلك، وإن كان التراب قد لا يتغير؛ فالأرواح تعاد إلى بدن الميت وتفارقه‏.‏

وللروح بالبدن تعلقات مختلفة إليك بيانها‏:‏

 تعلقات الروح بالبدن

للروح بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام‏:‏

أحدهما‏:‏ تعلقها به في بطن الأم جنينا‏.‏

الثاني‏:‏ تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض‏.‏

الثالث‏:‏ تعلقها به حال النوم؛ فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه‏.‏

الرابع‏:‏ تعلقها به في البرزخ؛ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه؛ فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى إليه التفات البتة؛ فقد دلت الأحاديث على ردها إليه عند سؤال الملكين وعند سلام المسلم، وهذا الرد إعادة خاصة لا توجب حياة البدن قبل يوم القيامة‏.‏

الخامس‏:‏ تعلقها به يوم يبعث الأجساد، وهو أكمل تعلقاتها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه j؛ إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا‏.‏

 عذاب القبر ونعيمه

مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا، ويحصل له معها النعيم أو العذاب‏.‏

فأهل السنة والجماعة يتفقون على أن النفس تنعم وتعذب منفردة عن البدن وتنعم وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين؛ كما يكون ذلك على الروح منفردة عن البدن، وهل يكون النعيم والعذاب على البدن بدون الروح‏؟‏ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة وأهل الكلام‏.‏

  أدلة عذاب القبر ونعيمه من القرآن الكريم

1‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ ، وهذا خطاب لهم عند الموت، وقد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون، ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا؛ لما صح أن يقال لهم‏:‏ ‏{‏الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ‏}‏ ، فدل على أن المراد به عذاب القبر‏.‏

2‏.‏ وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ ، وهذا يحتمل عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر؛ لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا، وقد يقال -وهو أظهر-‏:‏ إن من مات منهم؛ عذب في البرزخ، ومن بقي منهم؛ عذب في الدنيا بالقتل وغيره؛ فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ‏.‏

3‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ‏}‏ ‏.‏ فذكر عذاب الدارين ذكرا صريحا لا يحتمل غيره، فدل على ثبوت عذاب القبر‏.‏

4‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ‏}‏ ؛ فذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية؛ إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام؛ كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام‏.‏

 أدلة عذاب القبر من السنة النبوية

إذا تأملت أحاديث عذاب القبر ونعيمه؛ وجدتها تفصيلا وتفسيرا لما دل عليه القرآن‏.‏

وأحاديث عذاب القبر كثيرة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها‏:

1‏.‏ ما في ‏"‏الصحيحين‏"‏عن ابن عباس‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين، فقال إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير أما أحدهما؛ فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر؛ فكان يمشي بالنميمة ثم دعا بجريدة، فشقها نصفين، فقال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا‏)‏ ‏.‏

2‏.‏ في ‏"‏صحيح مسلم‏"‏عن زيد بن ثابت؛ قال‏:‏ ‏(‏بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلته، ونحن معه؛ إذ حادت به، فكادت تلقيه، فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال من يعرف أصحاب هذه القبور‏؟‏ فقال رجل أنا قال فمتى مات هؤلاء‏؟‏ قال في الإشراك فقال إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه‏)‏ الحديث‏.‏

3‏.‏ في ‏"‏صحيح مسلم‏"‏وجميع ‏"‏السنن‏"‏عن أبي هريرة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير؛ فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال‏)‏ ‏.‏

4‏.‏ وفي ‏"‏الصحيحين‏"‏عن أبي أيوب؛ قال‏:‏ ‏(‏خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجبت الشمس، فسمع صوتا، فقال يهود تعذب في قبورها‏)‏ ‏.‏

5‏.‏ وفي ‏"‏الصحيحين‏"‏عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت‏:‏ ‏(‏دخلت عليَّ عجوز من عجائز يهود المدينة، فقالت إن أهل القبور يعذبون في قبورهم قالت فكذبتها، ولم أنعم أن أصدقها قالت فخرجت، ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله‏!‏ إن عجوزا من عجائز يهود أهل المدينة دخلت فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم‏؟‏ قال صدقت؛ إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم كلها قالت فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر‏)

 تنبيه هام

وعذاب القبر وسؤال الملكين ينالان كل من مات، ولو لم يدفن؛ فهو اسم لعذاب البرزخ ونعيمه، وهو ما بين الدنيا والآخرة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏}‏ ، وسمي عذاب القبر باعتبار الغالب؛ فالمصلوب والمحرق والمغرق وأكيل السباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه الذي تقتضيه أعماله، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما‏.‏

فقد ظن بعض الأوائل أنه إذا حرق جسده بالنار وصار رمادا وذري بعضه في البحر وبعضه في البر في يوم شديد الريح؛ أنه ينجو من ذلك، فأوصى بنيه أن يفعلوا به ذلك، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال‏:‏ قم‏!‏ فإذا هو قائم بيني يدي الله، فسأله‏:‏ ما حملك على ما فعلت‏؟‏ فقال‏:‏ خشيتك يا رب‏!‏ وأنت أعلم‏.‏ فرحمه الله‏.‏ فلم يفت عذاب البرزخ ونعيمه لهذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال‏.‏

حتى لو علق الميت على رءوس الأشجار في مهاب الرياح؛ لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه ونصيبه، ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار؛ لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه نصيبه وحظه، فيجعل الله النار على هذا بردا وسلاما، والهواء على ذلك نارا أو سموما‏.‏

فعناصر العالم ومواده منقادة لربها وفاطرها وخالقها؛ يصرفها كيف يشاء، ولا يستعصي منها شيء أراده، بل هي طوع أمره ومشيئته منقادة لقدرته؛ فغير ممتنع أن ترد الروح إلى المصلوب والغريق والمحرق ونحن لا نشعر بها؛ لأن ذلك الرد نوع آخر غير المعهود؛ فهذا المغمى عليه والمسكور والمبهوت أحياء وأرواحهم معهم ولا تشعر بحياتهم، ومن تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالا بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه، ويكون في تلك الأجزاء شعور بنوع من الألم واللذة‏.‏

وإذا كان الله تعالى قد جعل في الجمادات شعورا وإدراكا تسبح ربها به، وتسقط الحجارة من خشيته، وتسجد له الجبال والشجر، وتسبحه الحصى والمياه والنبات؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏}‏ ؛ فإذا كانت هذه الأجسام فيها الإحساس والشعور؛ فالأجسام التي كانت فيها الأرواح والحياة أولى بذلك‏.‏

وقد أشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار إعادة حياة كاملة إلى بدن قد فارقته الروح فتكلم ومشى وأكل وشرب وتزوج وولد له‏:‏

قال سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ‏}‏ ‏.‏

وقال سبحانه‏:‏ ‏{‏أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏}‏ ‏.‏

وكقبيل بني إسرائيل الذين قالوا لموسى‏:‏ ‏{‏لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً‏}‏ فأماتهم الله ثم بعثهم من بعد موتهم‏.‏

وكأصحاب الكهف‏.‏

وكقصة إبراهيم في الطيور الأربعة‏.‏

فإذا أعاد الحياة التامة إلى هذه الأجساد بعدما بردت بالموت؛ فكيف يمتنع على قدرته الباهرة أن يعيد إليها بعد موتها حياة ما غير مستقرة يقضي بها أمره فيها ويستنطقها بها ويعذبها أو ينعمها بأعمالها‏؟‏‏!‏ وهل إنكار ذلك إلا مجرد تكذيب وعناد وجحود‏؟‏‏!‏

 المنكرون لعذاب القبر ونعيمه وشبهتهم والرد عليهم

أنكرت الملاحدة والزنادقة عذاب القبر ونعيمه، وقالوا‏:‏ إنا نكشف القبر، فلا نجد فيه ملائكة يضربون الموتى، ولا حيات، ولا ثعابين، ولا نيران تأجج‏!‏ وكيف يفسح له مد بصره أو يضيق عليه ونحن نجده بحاله ونجد مساحته على حد ما حفرناه له ولم يزد ولم ينقص‏؟‏ وكيف يصير القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار‏؟‏

وجوابنا على ذلك من وجوه‏:‏

أولا‏:‏ أن حال البرزخ من الغيوب التي أخبرت بها الأنبياء، ولا يكون خبرهم محالا في العقول أصلا؛ فلا بد من تصديق خبرهم‏.‏

ثانيا‏:‏ أن النار في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا ولا من زروع الدنيا فيشاهد ذلك من شاهد نار الدنيا وخضرها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها، وهي أشد من نار الدنيا؛ فلا يحس بها أهل الدنيا؛ فإن الله سبحانه يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه وتحته، حتى يكون أعظم حَرًّا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا؛ لم يحسوا بذلك، وقدرة الرب أوسع من ذلك وأعجب‏.‏

وإذا شاء الله أن يطلع بعض العباد على عذاب القبر؛ أطلعه، وغيبه عن غيره؛ إذ لو أطلع العباد كلها؛ لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس؛ كما في ‏"‏الصحيحين‏"‏في الحديث الذي مر من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع‏)‏ ، ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم؛ سمعت ذلك وأدركته؛ كما حادت برسول الله صلى الله عليه وسلم بغلته وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب في قبره‏.‏

فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجن؛ تقع أحيانا لمن شاء الله أن يريه ذلك‏.‏

وكيف يستنكر من يعرف الله سبحانه ويقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه حكمة منه ورحمة بهم لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها؛ والعبد أضعف بصرا وسمعا أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر‏؟‏‏!‏

وسر المسألة أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالم، والله سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها، فأما ما كان من أمر الآخرة؛ فقد أسبل عليه الغطاء؛ ليكون الإقرار به والإيمان به سببا لسعادتهم؛ فإذا كشف عنهم الغطاء؛ صار عيانا مشاهدا؛ فلو كان الميت بين الناس موضوعا؛ لم يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألاه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك، ويجيبهما من غير أن يسمعوا كلامه، ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضربه‏.‏ وهذا الواحد منا ينام إلى جنب صاحبه المستيقظ، فيعذب في النوم ويضرب ويتألم وليس عند المستيقظ خبر من ذلك ألبتة‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية‏:‏ ‏"‏فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير؛ فكثيرة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ مثل ما في ‏"‏الصحيحين‏"‏عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين، فقال إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير أما أحدهما؛ فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر؛ فكان لا يستتر من بوله ثم دعا بجريدة رطبة، فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، فقالوا يا رسول الله‏!‏ لم فعلت هذا‏؟‏ قال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا‏)‏ ‏.‏

وفي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏وسائر ‏"‏السنن‏"‏عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير؛ فليقل أعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال‏)‏ ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

وساق الشيخ أحاديث كثيرة في هذا الباب إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا وسؤال الملكين؛ فيجب اعتقاد ذلك والإيمان به، ولا نتكلم عن كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد له في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول؛ فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ؛ فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه؛ قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادا ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر؛ وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور، وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو ذلك؛ فيجب أن يفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم مراده من غير غلو ولا تقصير؛ فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصد من الهدى والبيان؛ فكم حصل من إهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏فالحاصل أن الدور ثلاث‏:‏ دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وقد جعل الله لكل دار أحكاما تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها؛ فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم؛ صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعا‏.‏ فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل؛ ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم‏.‏

ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها، وإن كان الله تعالى يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه والتي تحته، حتى يكون أعظم حرا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا، لم يحسوا بها، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه، وهذا في حفرة من النار، وهذا في روضة من رياض الجنة، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره، ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه، وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما‏.‏

وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير، وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده؛ أطلعه، وغيبه عن غيره، ولو أطلع الله على ذلك العباد كلهم؛ لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس؛ كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع‏)‏ ‏.‏

 أسباب عذاب القبر

قال العلامة السفاريني‏:‏ ‏"‏الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور على قسمين‏:‏ مجمل ومفصل‏:‏

أما المجمل؛ فإنهم يعذبون على جهلهم بالله وعدم إطاعتهم لأمره وارتكابهم معاصيه؛ فلا يعذب الله روحا عرفته وأحبته وامتثلت أمره واجتنبت نهيه، ولا بدنا كانت فيه أبدا؛ فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على عبده؛ فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار بارتكاب مناهيه ولم يتب ومات على ذلك؛ كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه؛ فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذب‏.‏

وأما المفصل؛ فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجلين اللذين رآهما يعذبان في قبورهما‏:‏ أن أحدهما كان يمشي بالنميمة بين الناس، والآخر كان لا يستتر من البول، ثم ذكر من يعذب لكونه صلى بغير طهور، ومن مر على مظلوم فلم ينصره، ومن يقرأ القرآن ثم ينام عنه بالليل ولا يعمل به في النهار، وتعذيب الزناة والزواني وأكلة الربا والذين تتثاقل رءوسهم عن صلاة الفجر، وتعذيب الذين يمنعون الزكاة، والذين يوقدون الفتنة بين الناس، والجبارين والمتكبرين والمرائين والهمازين واللمازين‏.‏

وقد أنكر الملاحدة والزنادقة عذاب القبر ونعيمه اعتمادا على عقولهم وحواسهم؛ لأنهم لا يشاهدون شيئا من ذلك‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

ونرد عليهم بأن عذاب القبر من علم الغيب الذي يعتمد فيه على النصوص الصحيحة، وليس للعقل ولا الفكر دخل فيه، وأحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، وعدم إدراك الإنسان للشيء لا يدل على عدم وجوده‏.‏ والله أعلم‏.‏

  رابعا‏:‏ البعث والنشور

اعلم أن وقوع البعث من القبور قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة؛ أخبر الله عنه في كتابه العزيز، وأقام عليه الدليل، ورد على منكريه في آيات كثيرة من القرآن العظيم، وقد أخبرت عنه جميع الأنبياء أممها، وطالبت المنكرين بالإيمان به، ولما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين؛ بين تفصيل الآخرة تفصيلا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء قبله‏.‏

والقيامة الكبرى معروفة عند جميع الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم‏.‏‏.‏‏.‏ عليهم الصلاة والسلام‏.‏

وقد أخبر الله من حين أهبط آدم بالقيامة‏:‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ‏}‏ ‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ‏}‏ ‏.‏ ولما قال إبليس اللعين‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏}‏ ‏.‏

وقال نوح عليه السلام لقومه‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا‏}‏ ‏.‏

وقال إبراهيم عليه السلام‏:‏ ‏{‏وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ‏}‏ ‏.‏

وموسى عليه السلام قال الله له‏:‏ ‏{‏إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى‏}‏ ‏.‏ وقال موسى في دعائه‏:‏ ‏{‏وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ‏}‏ ‏.‏

وقد أخبر الله أن الكفار إذا أدخلوا النار يقرون أن رسلهم أنذرتهم هذا اليوم؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ‏}‏ ؛ فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم عليهم جميعا صلوات الله وسلامه‏.‏

وقد أخبر الله تعالى أن الموتى يقومون من قبورهم إذا نفخ في الصور النفخة الثالثة؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ‏}‏ ‏.‏

قال السفاريني‏:‏ ‏"‏وفي تفسير الثعلبي عن أبي هريرة رضي الله عنه في تفسير سورة الزمر مرفوعا‏:‏ ‏(‏إن الله يرسل مطرا على الأرض، فينزل عليها أربعين يوما، حتى يكون فوقهم اثني عشر ذراعا، فيأمر الله تعالى الأجساد أن تنبت كنبات البقل؛ فإذا تكاملت أجسادهم كما كانت؛ قال الله تعالى ليحي حملة العرش‏!‏ ليحي جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل‏!‏ ثم يأمر الله تعالى إسرافيل، فيأخذ الصور، فيضعه على فيه، ثم يدعو الأرواح، فيؤتى بها؛ تتوهج أرواح المؤمنين نورا، والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا، ثم يلقيها في الصور، ثم يأمره أن ينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كلها كأنها النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض، ثم يقول الله تعالى وعزتي وجلالي؛ لترجعن كل روح إلى جسدها، فتدخل الأرواح من الخياشيم، ثم تمشي مشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنها سراعا؛ فأنا أول من تنشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربكم تنسلون‏)‏ ‏"‏‏.‏

وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏ينزل من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى؛ إلا عَُظيم واحد، وهو عجب الذنب، منه يركب الخلق يوم القيامة‏)‏ ‏.‏ وفي روايات مسلم‏:‏ ‏(‏إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا، منه يركب الخلق يوم القيامة‏.‏ قالوا‏:‏ أي عظم هو يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ عجب الذنب‏)‏ ‏.‏

قال العلماء‏:‏ وعجب الذنب هو العظم الحديد الذي يكون في أسفل الصلب‏.‏

وقد جاء في الحديث أنه مثل حبة الخردل؛ منه ينبت جسم الإنسان‏.‏

وقد استبعد المشركون إعادة الناس في حياة أخرى بعد الموت، فأنكروا البعث والنشور‏.‏

فأمر الله نبيه أن يقسم به على وقوعه، وأنه كائن لا محالة‏:‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ‏}‏ ‏.‏

وأخبر عن اقتراب ذلك، فقال‏:‏ ‏{‏اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ‏}‏ ، ‏{‏اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ‏}‏ ‏.‏

وذم المكذبين بالبعث، فقال‏:‏ ‏{‏قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ‏}‏ ، ‏{‏أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ‏}‏ ، ‏{وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً . ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً . أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً}‏ ، وقال‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً}‏ ، فرد الله عليهم بقوله‏:‏ ‏{قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً . أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً . يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً}

قال شارح ‏"‏الطحاوية‏"‏على هذه الآيات الكريمة‏:‏ ‏"‏فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل؛ فإنهم قالوا أولا‏:‏ ‏{أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً}‏ ‏؟‏‏!‏ فقيل لهم في جواب هذا السؤال‏:‏ إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم؛ فهلا كنتم خلقا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك‏!‏ فإن قلتم‏:‏ كنا خُلِقْنا على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء‏.‏ فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديدا‏؟‏‏!‏ وللحجة تقدير آخر هو‏:‏ لو كنتم حجارة أو حديدا أو خلقا أكبر منهما؛ فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة؛ فما الذي يعجزه فيما دونها‏؟‏‏!‏ ثم أخبر أنهم يسألون سؤالا آخر بقوله‏:‏ ‏{‏من يعيدنا‏}‏ إذا فنيت جسومنا واستحالت‏!‏ فأجابهم بقوله‏:‏ ‏{‏قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ، فلما أخذتهم الحجة؛ انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به تعلل المنقطع، وهو قولهم‏:‏ ‏{‏متى هو‏}‏ ‏!‏ فأجابهم بقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا‏}‏ ‏.‏

  خامسا‏:‏ الإيمان بما يكون يوم القيامة

قال الإمام السفاريني‏:‏ ‏"‏واعلم أن ليوم الوقوف أهوالا عظيمة وشدائد جسيمة تذيب الأكباد وتذهل المراضع وتشيب الأولاد‏.‏

وهو حق ثابت، ورد به الكتاب والسنة وانعقد عليه الإجماع، وهو يوم القيامة‏.‏

وقد اختلف في تسمية ذلك اليوم بيوم القيامة‏:‏

قيل‏:‏ لكون الناس يقومون من قبورهم؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا‏}‏ ‏.‏ وقيل‏:‏ لوجود أمور المحشر والوقوف ونحوها فيه‏.‏ وقيل‏:‏ لقيام الناس لرب العالمين‏.‏ كما روى مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ؛ قال‏:‏ يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وروى الإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان في ‏"‏صحيحه‏"‏عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏يوما كان مقداره خمسين ألف سنة‏)‏ ‏.‏ فقيل‏:‏ ما أطول هذا اليوم‏!‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده؛ إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة‏)‏ ‏.‏

وقيل‏:‏ إنما سمي يوم القيامة لقيام الملائكة والروح فيه صفا؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا‏:‏ ‏(‏يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم -وفي بعض ألفاظ الصحيح سبعين عاما-‏)‏ ‏.‏

فأخرج مسلم عن المقداد رضي الله عنه؛ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إذا كان يوم القيامة؛ أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين‏)‏ ‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما‏)‏ ‏"‏‏.‏

ويواجه الناس في هذا الموقف أمورا عظيمة منها‏:‏

 الحساب

الحساب هو تعريف الله سبحانه الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم بما قد نسوه‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ‏}‏ ‏.‏

وقال سبحانه‏:‏ ‏{وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}‏ ‏.‏

وقال سبحانه‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏}

ومن الحساب إجراء القصاص بين العباد، فيقتص للمظلوم من الظالم؛ كما في ‏"‏صحيح مسلم‏"‏و ‏"‏سنن الترمذي‏"‏من حديث أبي هريرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لَتُؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء‏)‏ ‏.‏

والحساب متفاوت؛ فمنه الحساب العسير، ومنه الحساب اليسير‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية‏:‏ ‏"‏يحاسب الله تعالى الخلق، ويخلو بعبده المؤمن، ويقرره بذنوبه؛ كما وصف ذلك في الكتاب والسنة‏.‏ وأما الكفار؛ فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها‏"‏‏.‏ انتهى‏.‏

وأول ما يحاسب عنه العبد صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء؛ كما في الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه وأبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة؛ يقول الله تعالى لملائكته انظروا لصلاة عبدي، أتمها أم نقصها‏؟‏ فإن كانت تامة؛ كتبت له تامة، وإن كان نقص منها شيئا؛ قال الله انظروا؛ هل لعبدي من تطوع‏؟‏ فإن كان له تطوع؛ قال أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك‏)‏ ‏.‏ وأخرج النسائي عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏أول ما يحاسب عليه العبد صلاته‏)‏ ‏.‏

 إعطاء الصحائف

الصحائف‏:‏ هي الكتب التي كتبتها الملائكة وأحصوا فيها ما فعله كل إنسان في الحياة الدنيا من الأعمال القولية والفعلية‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا‏}‏ ؛ قال العلماء‏:‏ طائره‏:‏ عمله‏.‏

ومنهم من يعطى كتابه بيمينه، ومنهم من يعطى كتابه بشماله‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ‏}‏ ، ثم قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ‏}‏ ‏.‏

 وزن الأعمال

مما يكون في هذا اليوم وزن الأعمال‏:‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ‏}‏ ، فالأعمال توزن بميزان حقيقي له لسان وكفتان‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏الميزان‏:‏ هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنة؛ مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

ثم ساق بعض الأحاديث التي فيها وزن الأعمال، ثم قال‏:‏ ‏"‏وهذا وأمثاله مما يبين أن الأعمال توزن بموازين يبين بها رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس؛ فهو مما يتبين به العدل، والمقصود بالوزن العدل؛ كموازين الدنيا، وأما كيفية تلك الموازين؛ فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

 الصراط والمرور عليه

ومما يكون في يوم القيامة المرور على الصراط، وهو جسر ممدود على متن جهنم، يرده الأولون والآخرون، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، وهو أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأشد حرارة من الجمر، عليه كلاليب تخطف من أمرت بخطفه، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كهرولة الراجل، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم‏.‏‏.‏‏.‏ نسأل الله السلامة والعافية‏.‏

قال السفاريني‏:‏ ‏"‏اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره؛ من كونه جسرا ممدودا على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعر، وأنكر هذا القاضي عبد الجبار المعتزلي وكثير من أتباعه؛ زعما منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن؛ ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ‏}‏ ، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ‏}‏ ، ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة والمباحات والأعمال الرديئة ليسأل عنها ويؤاخذ بها، وكل هذا باطل وخرافات؛ لوجوب رد النصوص إلى حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء أو الوقوف فيه، وقد أجاب صلى الله عليه وسلم عن سؤال حشر الكافر على وجهه بأن القدرة صالحة لذلك‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

 الحوض

قال الحافظ السيوطي‏:‏ ‏"‏ورد ذكر الحوض من رواية بضعة وخمسين صحابيا، منهم الخلفاء الأربعة الراشدون، وحفاظ الصحابة المكثرون، وغيرهم؛ رضوان الله عليهم أجمعين‏"‏انتهى‏.‏

وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه؛ لا يظمأ أبدا‏)‏ ‏.‏

وروى مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏عن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ قال‏:‏ ‏(‏أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقال إنه أنزلت عليَّ آنفا سورة، فقرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ‏{‏إنا أعطيناك الكوثر‏}‏ حتى ختمها؛ قال هل تدرون ما الكوثر‏؟‏ قالوا الله ورسوله أعلم قال هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم، فأقول يا رب‏!‏ إنه من أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك‏)‏ ‏.‏ ومعنى يختلج‏:‏ يطرد عن ورود الحوض‏.‏

قال القرطبي‏:‏ ‏"‏قال علماؤنا‏:‏ كل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ولم يأذن به؛ فهو من المطرودين عن الحوض، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين؛ كالخوارج والروافض والمعتزلة على اختلاف فرقهم؛ فهؤلاء كلهم مبدلون، وكذا الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وإذلال أهله، والمعلنون بكبائر الذنوب، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والبدع، ثم الطرد قد يكون في حال، ثم يقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏ انتهى‏.‏

وقد خالفت المعتزلة؛ فلم تقل بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة؛ فكل من خالف في إثباته؛ فهو مبتدع وأحرى أن يطرد عنه‏.‏

 الشفاعة

الشفاعة لغة‏:‏ الوسيلة والطلب، وعرفا‏:‏ سؤال الخير للغير، وقيل‏:‏ هي من الشفع الذي هو ضد الوتر، فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له‏.‏

والشفاعة حق إذا تحققت شروطها، وهي‏:‏ أن تكون بإذن الله تعالى، ورضاه عن المشفوع له‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى‏}‏ ‏.‏

ففي هذه الآية الكريمة أن الشفاعة لا تنفع إلا بشرطين‏:‏

الأول‏:‏ إذن الله للشافع أن يشفع؛ لأن الشفاعة ملكه سبحانه؛ ‏{‏قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا‏}‏ ‏.‏

الثاني‏:‏ رضاه عن المشفوع فيه بأن يكون من أهل التوحيد؛ لأن المشرك لا تنفعه الشفاعة؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ‏}‏ ‏.‏

فتبين بهذا بطلان ما عليه القبوريون اليوم الذين يطلبون الشفاعة من الأموات ويتقربون إليهم بأنواع القربات‏:‏

كما قال الله في سلفهم‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ‏}‏ ‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ ‏.‏

وقد أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم الشفاعة، فيشفع لمن أذن الله له فيه‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏وله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات‏:‏

أما الشفاعة الأولى؛ فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم الشفاعة حتى تنتهي إليه‏.‏

وأما الشفاعة الثانية؛ فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة‏.‏

وهاتان الشفاعتان خاصتان له‏.‏

وأما الشفاعة الثالثة؛ فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها‏"‏‏.‏

وقال رحمه الله‏:‏ ‏"‏وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته؛ فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء‏:‏ من يدخل النار؛ لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها‏!‏ وعند هؤلاء ما ثَمَّ إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ‏"‏واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ‏}‏ ، وبقوله‏:‏ ‏{‏مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ‏}‏ ، وبقوله‏:‏ ‏{‏مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ‏}‏ ، وبقوله‏:‏ ‏{‏فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ‏}‏ ‏.‏

وجواب أهل السنة‏:‏ أن هذا يراد به شيئان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها لا تنفع المشركين؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ‏}‏ ؛ فهؤلاء لا تنفعهم شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارا‏.‏

والثاني‏:‏ أنه يراد بذلك الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه كما يشفع الناس في بعضهم عند بعض‏"‏‏.‏

 الجنة والنار

وفي يوم القيامة الداران العظيمتان اللتان لا تفنيان؛ الجنة والنار؛ فالجنة دار المتقين، والنار دار الكافرين‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ‏}‏ ‏.‏

وهما مخلوقتان موجودتان الآن؛ كما قال تعالى في الجنة‏:‏ ‏{‏أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ ، وقال في النار‏:‏ ‏{‏أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏}‏ ، وغير ذلك من النصوص التي تدل على وجودهما الآن‏.‏

وهما باقيتان لا تفنيان؛ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة‏.‏

قال شارح ‏"‏الطحاوية‏"‏‏:‏ ‏"‏مما ينبغي أن يعلم أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه، وهو العمل الصالح؛ فإنه قال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا‏}‏ ، وكذلك لا يعاقب أحدا إلا بعد حصول سبب العقاب؛ فإن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ‏}‏ ، وهو سبحانه المعطي المانع؛ لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏ انتهى‏.‏

والأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة، والأعمال السيئة سبب لدخول النار‏.‏

نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار؛ إنه سميع مجيب الدعاء‏.‏

  الأصل السادس‏:‏ الإيمان بالقضاء والقدر

لا شك أن إثبات القضاء والقدر ووجوب الإيمان بهما وبما تضمناه من أعظم أركان الإيمان؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره‏)‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ‏}‏ ‏.‏

والقدر‏:‏ مصدر‏:‏ قدرت الشيء‏:‏ إذا أحطت بمقداره‏.‏

والمراد هنا‏:‏ تعلق علم الله بالكائنات وإرادته لها أزلا قبل وجودها؛ فلا يحدث شيء إلا وقد علمه الله وقدره وأراده‏.‏

ومذهب أهل السنة والجماعة هو الإيمان بالقدر خيره وشره‏.‏

والإيمان بالقدر يتضمن أربع درجات‏:‏

الأولى‏:‏ الإيمان بعلم الله الأزلي بكل شيء قبل وجوده، ومن ذلك علمه بأعمال العباد قبل أن يعملوها‏.‏

الثانية‏:‏ الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ‏.‏

الثالثة‏:‏ الإيمان بمشيئة الله الشاملة لكل حادث وقدرته التامة عليه‏.‏

الرابعة‏:‏ الإيمان بإيجاد الله لكل المخلوقات، وأنه الخالق وحده، وما سواه مخلوق‏.‏

ومن أدلة المرتبة الأولى والثانية‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ‏}

ومن أدلة المرتبة الثالثة‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ‏}

من أدلة المرتبة الرابعة‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ‏}

والتقدير نوعان‏:‏

1‏.‏ تقدير عام شامل لكل كائن، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ؛ فقد كتب الله فيه مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة، كما في الحديث الذي رواه أبو داوود في ‏"‏سننه‏"‏عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏أول ما خلق الله القلم، قال له اكتب‏!‏ قال وما أكتب‏؟‏ قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة‏)‏ ‏.‏ وهذا التقدير يعم جميع المخلوقات‏.‏

2‏.‏ وتقدير مفصل للتقدير العام، وهو أنواع‏:

النوع الأول‏:‏ التقدير العمري؛ كما في حديث ابن مسعود في شأن ما يكتب على الجنين وهو في بطن أمه من كتابة أجله ورزقه وعمله وشقاوته أو سعادته‏.‏

النوع الثاني‏:‏ التقدير الحولي، وهو ما يقدر في ليلة القدر من وقائع العام؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏}

النوع الثالث‏:‏ التقدير اليومي، وهو ما يقدر من حوادث اليوم من حياة وموت وعز وذل‏.‏‏.‏‏.‏ إلى غير ذلك؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ‏}

ولا بد للمسلم من الإيمان بالقدر العام وتفاصيله؛ فمن جحد شيئا منهما؛ لم يكن مؤمنا بالقدر، ومن لم يؤمن بالقدر؛ فقد جحد ركنا من أركان الإيمان؛ كما عليه الفرقة القدرية الضالة التي تنكر القدر، وهم في هذا الإنكار على قسمين‏:

القسم الأول‏:‏

القدرية الغلاة الذين ينكرون علم الله بالأشياء قبل كونها، وينكرون كتابته لها في اللوح المحفوظ، ويقولون‏:‏ إن الله أمر ونهى، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه؛ فالأمر أنف ‏(‏أي‏:‏ مستأنف‏)‏، لم يسبق في علم الله وتقديره‏.‏ وهذه الفرقة قد انقرضت أو كادت‏.‏

القسم الثاني‏:‏

تقر بالعلم، ولكنها تنفي دخول أفعال العباد في القدر، وتزعم أنها مخلوقة لهم استقلالا، لم يخلقها الله ولم يردها، وهذا مذهب المعتزلة‏.‏

وقابلتهم طائفة غلت في إثبات القدر حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، وقالوا‏:‏ إن العبد مجبر على فعله، ولذلك سموا بالجبرية‏.‏

وكلا المذهبين باطل لأدلة كثيرة؛ منها‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ لأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ‏}‏ ‏:‏ يرد على الجبرية؛ لأن الله تعالى أثبت للعباد مشيئة، وهم يقولون‏:‏ إنهم مجبورون لا مشيئة لهم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏:‏ فيه الرد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله، وهذا قول باطل؛ لأن الله علق مشيئة العبد على مشيئته سبحانه، ربطها بها‏.‏

وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، فلم يُفَرِّطوا تفريط القدرية النفاة، ولم يُفَرِّطوا إفراط الجبرية الغلاة‏.‏

فمذهب سلف الأمة وأئمتها أن جميع أنواع الطاعات والمعاصي والكفر والفساد واقع بقضاء الله وقدره، لا خالق سواه؛ فأفعال العباد كلها مخلوقة لله؛ خيرها وشرها، حسنها وقبيحها، والعبد غير مجبور على أفعاله، بل هو قادر عليها وقاصد لها وفاعل لها‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏الأعمال والأقوال والطاعات والمعاصي هي من العبد، بمعنى أنها قائمة بالعبد وحاصلة بمشيئته وقدرته، وهو المتصف بها والمتحرك بها الذي يعود حكمها عليه، وهي من الله، بمعنى أنه خلقها قائمة بالعبد، وجعلها عملا له وكسبا؛ كما يخلق المسببات بأسبابها؛ فهي من الله مخلوقة له، ومن العبد صفة قائمة به واقعة بقدرته وكسبه؛ كما إذا قلنا‏:‏ هذه الثمرة من الشجرة، وهذا الزرع من الأرض؛ بمعنى أنه حدث منها، ومن الله بمعنى أنه خلقه منها، لم يكن بينهما تناقض‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

وقال السفاريني‏:‏ ‏"‏والحاصل أن مذهب أهل السلف ومحققي أهل السنة أن الله تعالى خلق قدرة العبد وإرادته وفعله، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة ومحدث لفعله، والله سبحانه جعله فاعلا له محدثا له؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏؛ فأثبت مشيئة العبد، وأخبر أنها لا تكون إلا بمشيئة الله، وهذا صريح قول أهل السنة في إثبات مشيئة العبد، وأنها لا تكون إلا بمشيئة الله‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

وأقول‏:‏ إن مما يؤيد هذا أن الله أعطى الإنسان عقلا وقدرة واختيارا، ولا يحتسب فعله له أو عليه؛ إلا إذا توفرت فيه هذه القوى‏.‏

فالمجنون والمعتوه أو المكره لا اعتبار لما يصدر منهم من الأقوال والأفعال، ولا يؤاخذون عليها، مما يدل على أنه ليس بمجبر ولا مستقل بنفسه‏.‏ والله المستعان‏.‏

 ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر

إن من أعظم ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر صحة إيمان الشخص بتكامل أركانه؛ لأن الإيمان بذلك من أركان الإيمان الستة التي لا يتحقق إلا بها؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنة‏.‏

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر طمأنينة القلب وارتياحه وعدم القلق في هذه الحياة عندما يتعرض الإنسان لمشاق الحياة؛ لأن العبد إذا علم أن ما يصيبه فهو مقدر لا بد منه ولا راد له، واستشعر قول الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك‏)‏ ؛ فإنه عند ذلك تسكن نفسه ويطمئن باله؛ بخلاف من لا يؤمن بالقضاء والقدر؛ فإنه تأخذه الهموم والأحزان، ويزعجه القلق حتى يتبرم بالحياة ويحاول الخلاص منها ولو بالانتحار؛ كما هو مشاهد من كثرة الذين ينتحرون فرارا من واقعهم وتشاؤما من مستقبلهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالقضاء والقدر، فكان تصرفهم ذلك نتيجة حتمية لسوء اعتقادهم‏.‏

وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}‏ فأخبرنا سبحانه أنه قدر ما يجري من المصائب في الأرض وفي الأنفس؛ فهو مقدر ومكتوب لا بد من وقوعه مهما حاولنا دفعه، ثم بين أن الحكمة من إخباره لنا بذلك لأجل أن نطمئن فلا نجزع ولا نأسف عند المصائب ولا نفرح عند حصول النعم فرحا ينسينا العواقب، بل الواجب علينا الصبر عند المصائب وعدم اليأس من روح الله، والشكر عند الرخاء وعدم الأمن من مكر الله، ونكون مرتبطين بالله في الحالتين‏.‏

قال عكرمة رحمه الله‏:‏ ‏"‏ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن؛ ولكن جعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا‏"‏‏.‏

وليس معنى هذا أن العبد لا يتخذ الأسباب الواقية من الشر والجالبة للخير، وإنما يتكل على القضاء والقدر؛ كما يظن بعض الجهال، هذا من أكبر الغلط والجهل؛ فإن الله أمرنا باتخاذ الأسباب، ونهانا عن التكاسل والإهمال، ولكن إذا اتخذنا السبب وحصل لنا عكس المطلوب؛ فعلينا أن لا نجزع؛ لأن هذا هو القضاء المقدر، ولو قدر غيره؛ لكان، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تجزعن، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل لو أني فعلت كذا؛ كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل؛ فإن ‏(‏لو‏)‏ تفتح عمل الشيطان‏)‏ ‏.‏ رواه مسلم‏.‏

وعلى العبد مع هذا أن يحاسب نفسه ويصحح أخطاءه؛ فإنه لا يصيبه شيء إلا بسبب ذنوبه؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ‏}

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر الثبات عند مواجهة الأزمات، واستقبال مشاق الحياة بقلب ثابت ويقين صادق لا تزلزله الأحداث ولا تهزه الأعاصير؛ لأنه يعلم أن هذه الحياة دار ابتلاء وامتحان وتقلب؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}

كم جرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صحابته من المحن والشدائد، لكنهم واجهوها بالإيمان الصادق والعزم الثابت حتى اجتازوها بنجاح باهر، وما ذاك إلا لإيمانهم بقضاء الله وقدره، واستشعارهم لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏}

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر تحويل المحن إلى منح، والمصائب إلى أجر؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}

قال علقمة‏:‏ ‏"‏هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم‏"‏‏.‏

ومعنى الآية الكريمة‏:‏ من أصابته مصيبة، فعلم أنها من قدر الله، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله؛ هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدًى في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف الله عليه ما كان أخذ منه أو خيرا منه، وهذا في نزول المصائب التي هي من قضاء الله وقدره، لا دخل للعبد في إيجادها إلا من ناحية أنه تسبب في نزولها به، حيث قصر في حق الله عليه بفعل أمره وترك نهيه؛ فعليه أن يؤمن بقضاء الله وقدره، ويصحح خطأه الذي أصيب بسببه‏.‏

وبعض الناس يخطئون خطأ فاحشا عندما يحتجون بالقضاء والقدر على فعلهم للمعاصي وتركهم للواجبات، ويقولون‏:‏ هذا مقدر علينا‏!‏ ولا يتوبون من ذنوبهم؛ كما قال المشركون‏:‏ ‏{‏لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ‏}‏ وهذا فهم سيئ للقضاء والقدر؛ لأنه لا يحتج بهما على فعل المعاصي والمصائب، وإنما يحتج بهما على نزول المصائب؛ فالاحتجاج بهما على فعل المعاصي قبيح؛ لأنه ترك للتوبة وترك للعمل الصالح المأمور بهما، والاحتجاج بهما على المصائب حسن؛ لأنه يحمل على الصبر والاحتساب‏.‏

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر أنه يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والقوة والشهامة؛ فالمجاهد في سبيل الله يمضي في جهاده ولا يهاب الموت؛ لأنه يعلم أنه لا بد منه، وأنه إذا جاء لا يؤخر، لا يمنع منه حصون ولا جنود، ‏{أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}‏ ‏{‏قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ‏}‏ وهكذا حينما يستشعر المجاهد هذه الدفعات القوية من الإيمان بالقدر؛ يمضي في جهاده حتى يتحقق النصر على الأعداء وتتوفر القوة للإسلام والمسلمين‏.‏

وكذلك بالإيمان بالقضاء والقدر يتوفر الإنتاج والثراء؛ لأن المؤمن إذا علم أن الناس لا يضرونه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ولا ينفعونه إلا بشيء قد كتبه الله له؛ فإنه لن يتواكل، ولا يهاب المخلوقين، ولا يعتمد عليهم، وإنما يتوكل على الله، ويمضي في طريق الكسب، وإذا أصيب بنكسة، ولم يتوفر له مطلوبه؛ فإن ذلك لا يثنيه عن مواصلة الجهود، ولا يقطع منه باب الأمل، ولا يقول‏:‏ لو أنني فعلت كذا؛ كان كذا وكذا‏!‏ ولكنه يقول‏:‏ قدر الله وما شاء فعل‏.‏ ويمضي في طريقه متوكلا على الله، مع تصحيح خطئه، ومحاسبته لنفسه، وبهذا يقوم كيان المجتمع، وتنتظم مصالحه، وصدق الله حيث يقول‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا‏}

والحمد لله رب العالمين‏.‏

خاتمة

وفيها فصلان‏:‏

فصل في الولاء والبراء

فصل في التحذير من البدع

 فصل في الولاء والبراء

هذا؛ وبعد انتهائنا من هذا البيان المختصر لأصول العقيدة الإسلامية نشير إلى أنه يجب على كل مسلم يدين بهذه العقيدة أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها؛ فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويواليهم، ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم‏.‏

وذلك من ملة إبراهيم والذين معه، الذين أمرنا بالاقتداء بهم؛ حيث يقول سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ‏}

وهو من دين محمد عليه الصلاة والسلام‏:‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏}‏ وهذه في تحريم موالاة أهل الكتاب خصوصا‏.‏

وقال في تحريم موالاة الكفار عموما‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ‏}

بل لقد حرم الله على المؤمن موالاة الكفار ولو كانوا من أقرب الناس نسبا؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ‏}‏ ‏.‏

وقد جهل كثير من الناس هذا الأصل العظيم، حتى لقد سمعت بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة في إذاعة عربية يقول عن النصارى‏:‏ إنهم إخواننا‏!‏ ويا لها من كلمة خطيرة‏!‏‏!‏

وكما أن الله سبحانه حرم موالاة الكفار أعداء العقيدة الإسلامية؛ فقد أوجب سبحانه موالاة المؤمنين ومحبتهم؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ‏}

فالمؤمنون إخوة في الدين والعقيدة، وإن تباعدت أنسابهم وأوطانهم وأزمانهم؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}

فالمؤمنون من أول الخليقة إلى آخرها مهما تباعدت أوطانهم وامتدت أزمانهم إخوة متحابون؛ يقتدي آخرهم بأولهم، ويدعوا بعضهم لبعض، ويستغفر بعضهم لبعض‏.‏

وللولاء والبراء مظاهر تدل عليهما‏:‏

 مظاهر موالاة الكفار

مظاهر موالاة الكفار قد بينها الكتاب والسنة، ومنها‏:

1- التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما؛ لأن التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما يدل على محبة المتشبِّه للمتشبَّه به، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من تشبه بقوم؛ فهو منهم‏)‏ ؛ فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم ومن عاداتهم وعباداتهم وسمتهم وأخلاقهم؛ كحلق اللحى، وإطالة الشوارب، والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة، وفي هيئة اللباس والأكل والشرب وغير ذلك‏.‏

2- الإقامة في بلادهم وعدم الانتقال منها إلى بلد المسلمين لأجل الفرار بالدين؛ لأن الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض واجبة على المسلم؛ لأن إقامته في بلاد الكفر تدل على موالاة الكافرين‏.‏

ومن هنا حرم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا‏}‏ فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم‏.‏

3- ومن مظاهر موالاة الكفار السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس، والسفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة -كالعلاج والتجارة والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم- فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة؛ وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مُظهِرا لدينه، معتزا بإسلامه، مبتعدا عن مواطن الشر، حذرا من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل نشر الدعوة إلى الله ونشر الإسلام‏.‏

4- ومن مظاهر موالاة الكفار إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين، ومدحهم والذب عنهم، وهذا من نواقض الإسلام وأسباب الردة؛ نعوذ بالله من ذلك‏.‏

5- ومن مظاهر موالاة الكفار الاستعانة بهم‏(1)‏ والثقة بهم وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين واتخاذهم بطانة ومستشارين‏:‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنَّ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا‏}

فهذه الآيات الكريمة تشرح دخائل الكفار، وما يكنونه نحو المسلمين من بغض، وما يدبرونه ضدهم من مكر وخيانة، وما يحبونه من مضرة المسلمين وإيصال الأذى إليهم بكل وسيلة، وأنهم يستغلون ثقة المسلمين بهم فيخططون للإضرار بهم والنيل منهم‏.‏

روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قلت لعمر رضي الله عنه‏:‏ لي كاتب نصراني‏!‏ قال‏:‏ ما لك قاتلك الله‏؟‏ أما سمعت الله يقول‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ‏}‏ ألا اتخذت حنيفا‏؟‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين‏!‏ لي كتابته، وله دينه‏.‏ قال‏:‏ لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله‏.‏

وروى الإمام أحمد ومسلم‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر، فتبعه رجل من المشركين، فلحقه عند الحرة، فقال إني أردت أن أتبعك وأصيب معك قال تؤمن بالله ورسوله‏؟‏ قال لا قال ارجع؛ فلن أستعين بمشرك‏)‏ ‏(2)‏‏.‏

ومن هذه النصوص يتبين لنا تحريم تولية الكفار أعمال المسلمين التي يتمكنون بواسطتها من الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم ويكيدون لهم بإلحاق الضرر بهم‏.‏

ومن هذا ما وقع في هذا الزمان من استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين -بلاد الحرمين الشريفين- وجعلهم عمالا وسائقين ومستخدمين ومربين في البيوت، وخلطهم مع العوائل أو خلطهم مع المسلمين في بلادهم‏.‏

6- ومن مظاهر موالاة الكفار التأريخ بتأريخهم، خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم؛ كالتاريخ الميلادي، والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح عليه السلام، والذي ابتدعوه من أنفسهم، وليس هو من دين المسيح عليه السلام؛ فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم‏.‏

ولتجنب هذا لما أراد الصحابة رضي الله عنهم وضع تاريخ للمسلمين في عهد عمر رضي الله عنه؛ عدلوا عن تواريخ الكفار، وأرخوا بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يدل على وجوب مخالفة الكفار في هذا وفي غيره مما هو من خصائصهم‏.‏ والله المستعان‏.‏

7- ومن مظاهر موالاة الكفار‏:‏ مشاركتهم في أعيادهم، أو مساعدتهم في إقامتها، أو تهنئتهم بمناسبتها، أو حضور إقامتها، وقد فسر قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ‏}‏ أي‏:‏ ومن صفات عباد الرحمن أنهم لا يحضرون أعياد الكفار‏.‏

8- ومن مظاهر موالاة الكفار مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى‏}

وليس معنى ذلك أن المسلمين لا يتخذون أسباب القوة من تعلم الصناعات ومقومات الاقتصاد المباح والأساليب العسكرية، بل ذلك مطلوب؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ‏}

وهذه المنافع والأسرار الكونية هي في الأصل للمسلمين؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا‏}‏ قالواجب أن يكون المسلمون سباقين إلى استغلال هذه المنافع وهذه الطاقات، ولا يستجدون الكفار في الحصول عليها، يجب أن تكون لهم مصانع وتقنيات‏.‏

9- ومن مظاهر موالاة الكفار التسمي بأسمائهم؛ بحيث يسمون أبناءهم وبناتهم بأسماء أجنبية، ويتركون أسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم والأسماء المعروفة في مجتمعهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن‏)‏ ‏.‏

وبسبب تغيير الأسماء؛ فقد وجد جيل يحمل أسماء غريبة، مما يسبب الانفصال بين هذا الجيل والأجيال السابقة، ويقطع التعارف بين الأسر التي كانت تعرف بأسمائها الخاصة‏.‏

10- ومن مظاهر موالاة الكفار الاستغفار لهم والترحم عليهم، وقد حرم الله ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ‏}‏ لأن هذا يتضمن حبهم وتصحيح ما هم عليه‏.‏

 مظاهر موالاة المؤمنين

مظاهر موالاة المؤمنين قد بينها الكتاب والسنة، ومنها‏:

1- الهجرة إلى بلاد المسلمين وهجر بلاد الكافرين‏.‏ والهجرة؛ هي الانتقال من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين‏.‏

والهجرة بهذا المعنى ولأجل هذا الغرض واجبة وباقية إلى طلوع الشمس من مغربها عند قيام الساعة، وقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، فتحرم على المسلم الإقامة في بلاد الكفار إلا إذا كان لا يستطيع الهجرة منها أو كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظُالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فَيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا‏}

2- مناصرة المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بِيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ‏}

3- التألم لألمهم والسرور بسرورهم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر‏)‏ ، وقال أيضا عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم‏)‏ ‏.‏

4- النصح لهم، ومحبة الخير لهم، وعدم غشهم وخديعتهم؛ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏المسلم أخو المسلم؛ لا يحقره ولا يخذله ولا يسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه‏)‏ ، وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا‏)‏ ‏.‏

5- احترامهم وتوقيرهم وعدم تنقصهم وعيبهم؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الِّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أُنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الِّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ‏}

6- أن يكون معهم في حال العسر واليسر والشدة والرخاء، بخلاف أهل النفاق، الذين يكونون مع المؤمنين في حالة اليسر والرخاء، ويتخلون عنهم في حال الشدة؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}

7- زيارتهم ومحبة الالتقاء بهم والاجتماع معهم، وفي الحديث القدسي‏:‏ ‏(‏وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ‏)‏ ، وفي حديث آخر‏:‏ ‏(‏أن رجلا زار أخا له في الله، فأرصد الله على مدرجته ملكا، فسأله أين تريد‏؟‏ قال أزور أخا لي في الله قال هل لك عليه من نعمة تربها عليه‏؟‏ قال لا؛ غير أنني أحببته في الله قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه‏)‏ ‏.‏

8- احترام حقوقهم؛ فلا يبيع على بيعهم، ولا يسوم على سومهم، ولا يخطب على خطبتهم، ولا يتعرض لما سبقوا إليه من المباحات؛ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته‏)‏ ‏(‏وفي رواية‏:‏ ولا يسم على سومه‏)‏‏.‏

9- الرفق بضعفائهم؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ليس منا من لم يوقِّر كبيرَنا ويرحمْ صغيرَنا‏)‏ ، وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم‏)‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}

10- الدعاء لهم والاستغفار لهم؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ‏}‏ ‏{‏رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ‏}

 تنبيه

وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ‏}‏ فمعناه أن من كف أذاه من الكفار، فلم يقاتل المسلمين، ولم يخرجهم من ديارهم؛ فإن المسلمين يقابلون ذلك بمكافأته بالإحسان والعدل معه في التعامل الدنيوي، ولا يحبونه بقلوبهم؛ لأن الله قال‏:‏ ‏{‏تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ‏}‏ ، ولم يقل‏:‏ توالونهم وتحبونهم‏.‏

ونظير هذا قوله تعالى في الوالدين الكافرين‏:‏ ‏{‏وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ‏}

وقد جاءت أم أسماء إليها تطلب صلتها وهي كافرة، فاستأذنت أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال لها‏:‏ ‏"‏صلي أمك‏"‏‏.‏

وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ الآية

فالصلة والمكافأة الدنيوية شيء، والمودة شيء آخر؛ لأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيبا للكافر في الإسلام، فهما من وسائل الدعوة؛ بخلاف المودة والموالاة؛ فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه والرضى عنه، وذلك يسبب عدم دعوته إلى الإسلام‏.‏

وكذلك تحريم موالاة الكفار لا يعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم استأجر ابن أريقط الليثي ليدله على الطريق وهو كافر، واستدان من بعض اليهود، وما زال المسلمون يستوردون البضائع والمصنوعات من الكفار، وهذا من باب الشراء منهم بالثمن، وليس لهم علينا فيه فضل ومنة، وليس هو من أسباب محبتهم وموالاتهم؛ فإن الله أوجب محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ‏}‏ ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ‏}

قال الحافظ ابن كثير‏:‏ ‏"‏ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ‏}‏ ؛ أي‏:‏ إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلا؛ وقعت فتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وهذا ما حصل في هذا الزمان‏.‏ والله المستعان‏.‏

 أقسام الناس فيما يجب في حقهم من الولاء والبراء

الناس في الولاء والبراء على ثلاثة أقسام‏:‏

 القسم الأول

من يحب محبة خالصة لا معاداة معها، وهم المؤمنون الخلَّص من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه تجب محبته أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ثم زوجاته أمهات المؤمنين، وأهل بيته الطيبين، وصحابته الكرام، خصوصا الخلفاء الراشدين، وبقية العشرة، والمهاجرين والأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ثم التابعون والقرون المفضلة وسلف هذه الأمة وأئمتها؛ كالأئمة الأربعة‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏.‏

ولا يبغض الصحابة وسلف هذه الأمة من في قلبه إيمان، وإنما يبغضهم أهل الزيغ والنفاق وأعداء الإسلام، كالرافضة والخوارج، نسأل الله العافية‏.‏

 القسم الثاني

من يبغض ويعادي بغضا ومعاداة خالصين لا محبة ولا موالاة معهما، وهم الكفار الخلص من الكفار والمشركين والمنافقين والمرتدين والملحدين على اختلاف أجناسهم؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ‏}‏ ، وقال تعالى عائبا على بني إسرائيل‏:‏ ‏{‏تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ‏}‏ ‏.‏

 القسم الثالث

من يحب من وجه ويبغض من وجه، فيجتمع فيه المحبة والعداوة، وهم عصاة المؤمنين؛ يحبون لما فيهم من الإيمان، ويبغضون لما فيهم من المعصية التي هي دون الكفر والشرك‏.‏

ومحبتهم تقتضي مناصحتهم والإنكار عليهم؛ فلا يجوز السكوت على معاصيهم، بل ينكر عليهم، ويؤمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وتقام عليهم الحدود والتعزيرات حتى يكفوا عن معاصيهم ويتوبوا من سيئاتهم، لكن لا يُبْغَضون بغضا خالصا ويتبرأ منهم؛ كما تقوله الخوارج في مرتكب الكبيرة التي هي دون الشرك، ولا يُحَبُّون ويوالون حبا وموالاة خالصين كما تقوله المرجئة، بل يعتدل في شأنهم على ما ذكرنا؛ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة‏.‏

والحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، والمرء مع من أحب يوم القيامة؛ كما في الحديث‏.‏

وقد تغير الوضع وصار غالب موالاة الناس ومعاداتهم لأجل الدنيا؛ فمن كان عنده مطمع من مطامع الدنيا؛ والوه، وإن كان عدوا لله ولرسوله ولدين المسلمين، ومن لم يكن عنده مطمع من مطامع الدنيا؛ عادوه، ولو كان وليًّا لله ولرسوله عند أدنى سبب، وضايقوه واحتقروه‏.‏

وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏"‏من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله؛ فإنما تنال ولاية الله بذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا‏"‏‏.‏ رواه ابن جرير‏.‏

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله تعالى قال من عادى لي وليًّا؛ فقد آذنته بالحرب‏)‏ الحديث‏.‏ رواه البخاري‏.‏

وأشد الناس محاربة لله من عادى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبهم وتنقصهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا؛ فمن آذاهم؛ فقد آذاني، ومن آذاني؛ فقد آذى الله، ومن آذى الله؛ يوشك أن يأخذه‏)‏ ‏.‏ أخرجه الترمذي وغيره‏.‏

وقد صارت معاداة الصحابة وسبهم دينا وعقيدة عند بعض الطوائف الضالة‏!‏‏!‏ نعوذ بالله من غضبه وأليم عقابه، ونسأله العفو والعافية‏.‏

  فصل في التحذير من البدع

  أولا‏:‏ تعريف البدعة؛ أنواعها وأحكامها

 تعريف البدعة‏:‏

البدعة في اللغة مأخوذة من البدع، وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ ؛ أي‏:‏ مخترعها على غير مثال سابق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ‏}‏ ؛ أي‏:‏ ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل، ويقال‏:‏ ابتدع فلان بدعة؛ يعني‏:‏ ابتدأ طريقة لم يسبق إليها‏.‏

والابتداع قسمان‏:‏

ابتداع في العادات؛ كابتداع المخترعات الحديثة‏(3)‏، وهذا مباح؛ لأن الأصل في العادات الإباحة‏.‏

وابتداع في الدين‏:‏ وهذا محرم؛ لأن الأصل فيه التوقيف؛ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد‏)‏ ‏[‏رواه البخاري ومسلم‏]‏، وفي رواية‏:‏ ‏(‏من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد‏)‏ ‏[‏في ‏"‏صحيح مسلم‏"‏‏]‏‏.‏

 أنواع البدع

البدعة في الدين نوعان‏:‏

النوع الأول‏:‏ بدعة قولية اعتقادية؛ كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم‏.‏

النوع الثاني‏:‏ بدعة في العبادات؛ كالتعبد لله بعبادة لم يشرعها، وهي أنواع‏:

النوع الأول‏:‏ ما يكون في أصل العبادة؛ بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صياما غير مشروع أو أعيادا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها‏.‏

النوع الثاني‏:‏ ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة؛ كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلا‏.‏

النوع الثالث‏:‏ ما يكون في صفة أداء العبادة؛ بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏

النوع الرابع‏:‏ ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع؛ كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام؛ فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل‏.‏

 حكم البدعة في الدين

كل بدعة في الدين –من أي نوع كانت- فهي محرمة وضلالة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة‏)‏ ‏[‏رواه أبو داود والترمذي، وقال‏:‏ ‏"‏حديث حسن صحيح‏"‏‏]‏، وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد‏)‏ ، وفي رواية‏:‏ ‏(‏من عمل عملا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد‏)‏ ‏.‏ فدلت هذه الأحاديث على أن كل محدث في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة‏.‏

ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة‏:

فمنها ما هو كفر صراح؛ كالطواف بالقبور تقربا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها والاستغاثة بهم، وكمقالات غلاة الجهمية والمعتزلة‏.‏

ومنها ما هو من وسائل الشرك؛ كالبناء على القبور، والصلاة والدعاء عندها‏.‏

ومنها ما هو فسق اعتقادي؛ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية‏.‏

ومنها ما هو معصية؛ كبدعة التبتل، والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع‏(4).‏

 تنبيــه

من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة؛ فهو غالط ومخطئ ومخالف لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فإن كل بدعة ضلالة‏)‏ ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول‏:‏ ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة‏.‏

قال الحافظ ابن رجب في ‏"‏شرح الأربعين‏"‏‏:‏ ‏"‏فقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كل بدعة ضلالة‏)‏ ‏:‏ من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد‏)‏ ؛ فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه؛ فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة‏"‏‏(5)‏.‏ انتهى‏.‏

وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة؛ إلا قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح‏:‏ ‏"‏نعمت البدعة هذه‏"‏‏!‏

وقالوا أيضا‏:‏ إنها أحدثت أشياء لم يستنكرها السلف؛ مثل‏:‏ جمع القرآن في كتاب واحد، وكتابة الحديث وتدوينه‏.‏

والجواب عن ذلك أن هذه الأمور لها أصل في الشرع؛ فليست محدثة‏.‏

وقول عمر‏:‏ ‏"‏نعمت البدعة‏"‏؛ يريد‏:‏ البدعة اللغوية لا الشرعية؛ فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه، إذا قيل‏:‏ إنه بدعة؛ فهو بدعة لغة لا شرعا؛ لأن البدعة شرعا ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه‏.‏

وجمع القرآن في كتاب واحد له أصل في الشرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابة القرآن، لكن كان مكتوبا متفرقا، فجمعه الصحابة في كتاب واحد حفظا له‏.‏

والتراويح قد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ليالي وتخلف عنهم في الأخير خشية أن تفرض عليهم، واستمر الصحابة رضي الله عنهم يصلونها أوزاعا متفرقين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه خلف إمام واحد؛ كما كانوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا بدعة في الدين‏.‏

وكتابة الحديث أيضا لها أصل في الشرع؛ فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه لما طلب منه ذلك، وكان المحذور من كتابته بصفة عامة في عهده صلى الله عليه وسلم خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما توفي صلى الله عليه وسلم؛ انتفى هذا المحذور؛ لأن القرآن قد تكامل وضبط قبل وقاته صلى الله عليه وسلم، فدون المسلمون السنة بعد ذلك حفظا لها من الضياع، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا؛ حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم من الضياع وعبث العابثين‏.‏

  ثانيا‏:‏ ظهور البدع في حياة المسلمين والأسباب التي أدت إلى ذلك

 ظهور البدع في حياة المسلمين

وتحته مسألتان‏:‏

 1- وقت ظهور البدع

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏(6)‏‏:‏ ‏"‏واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلم والعبادات إنما وقع في الأمة في أواخر الخلفاء الراشدين؛ كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال‏:‏ ‏(‏من يعش منكم بعدي؛ فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي‏)‏‏[‏صحيح‏.‏ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه‏]‏ ‏.‏

وأول بدعة ظهرت بدعة القدر وبدعة الإرجاء وبدعه التشيع والخوارج؛ هذه البدع ظهرت في القرن الثاني، والصحابة موجودون، وقد أنكروا على أهلها‏.‏

ثم ظهرت بدعة الاعتزال، وحدثت الفتن بين المسلمين، وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء‏.‏

وظهرت بدعة التصوف وبدعة البناء على القبور بعد القرون المفضلة‏.‏

وهكذا؛ كلما تأخر الوقت؛ زادت البدع وتنوعت‏"‏‏.‏

 2- مكان ظهور البدع

تختلف البلدان الإسلامية في ظهور البدع فيها‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية‏:‏ ‏"‏فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج منها العلم والإيمان خمسة‏:‏ الحرمان والعراقان والشام، منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور الإسلام، وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية؛ فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النصب والقدر، أما التجهم؛ فإنما ظهر في ناحية خراسان، وهو شر البدع‏.‏

وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان؛ ظهرت بدعة الحرورية، وأما المدينة النبوية؛ فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك؛ فكان عندهم مهانا مذموما؛ إذ كان بهم قوم من القدرية وغيرهم، ولكن كانوا مقهورين ذليلين؛ بخلاف التشيع والإرجاء في الكوفة، والاعتزال وبدع النساك بالبصرة، والنصب بالشام؛ فإنه كان ظاهرا، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الدجال لا يدخلها‏.‏

ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهرا إلى زمن أصحاب مالك، وهم من أهل القرن الرابع‏(7)‏، فأما الأعصار الثلاثة المفضلة؛ فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين ألبتة كما خرج من سائر الأمصار‏"‏‏.‏

 الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع

مما لا شك فيه أن الاعتصام بالكتاب والسنة فيه منجاة من الوقوع في البدع والضلال‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ‏}‏ ‏.‏

وقد وضح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه؛ قال‏:‏ ‏(‏خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا، فقال هذا سبيل الله ثم خطَّ خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال‏:‏ ‏"‏وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه‏"‏‏[‏رواه أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم‏]‏ ثم تلا ‏{‏وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏‏)‏ ‏.‏

فمن أعرض عن الكتاب والسنة؛ تنازعته الطرق المضللة والبدع المحدثة‏.‏

فالأسباب التي أدت إلى ظهور البدع تتلخص في الأمور التالية‏:‏

الجهل بأحكام الدين، اتباع الهوى، التعصب للآراء والأشخاص، التشبه بالكفار وتقليدهم‏.‏

ونتناول ذلك بشيء من التفصيل‏:‏

 1- الجهل بأحكام الدين

كلما امتد الزمن وبعد الناس عن آثار الرسالة؛ قل العلم وفشا الجهل؛ كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏(‏من يعش منكم؛ فسيرى اختلافا كثيرا‏)‏‏[‏من حديث رواه أبو داود والترمذي، وقال‏:‏ ‏"‏حديث حسن صحيح‏"‏‏]‏ ، وقوله‏:‏ ‏(‏إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما؛ اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا‏)‏‏(8) ‏.‏

فلا يقاوم البدع إلا العلم والعلماء؛ فإذا فقد العلم والعلماء؛ أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر ولأهلها أن ينشطوا‏.‏

 2- اتباع الهوى

من أعرض عن الكتاب والسنة؛ اتبع هواه؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ‏}‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ‏}‏ ، والبدع إنما هي نسيح الهوى المتبع‏.‏

 3- التعصب للآراء والرجال

التعصب للآراء والرجال يحول بين المرء واتباع الدليل ومعرفة الحق، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا‏}‏ وهذا هو شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين، إذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما؛ احتجوا بمذاهبهم ومشايخهم وآبائهم وأجدادهم‏.‏

 4- التشبه بالكفار

وهو من أشد ما يوقع في البدع كما في حديث أبي واقد الليثي؛ قال‏:‏ ‏(‏خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا يا رسول الله‏!‏ اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر‏!‏ إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ‏{‏اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ‏}‏ ، لتركبن سنن من قبلكم‏)‏‏[‏رواه الترمذي وصححه‏]‏ ‏.‏

ففي هذا الحديث أن التشبه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل وبعض أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام أن يطلبوا هذا الطلب القبيح، وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها ويتبركون بها من دون الله‏.‏

وهذا هو نفس الواقع اليوم؛ فإن غالب الناس من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات؛ كأعياد الموالد، وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة، والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات، وإقامة التماثيل والنصب التذكارية، وإقامة المآتم وبدع الجنائز والبناء على القبور‏.‏‏.‏‏.‏ وغير ذلك‏.‏

  ثالثا‏:‏ موقف أهل السنة والجماعة من المبتدعة ومنهجهم في الرد عليهم

 موقف أهل السنة والجماعة من المبتدعة

ما زال أهل السنة والجماعة يردون على المبتدعة وينكرون عليهم بدعهم ويمنعوهم من مزاولتها، وإليك نماذج من ذلك‏:

1- عن أم الدرداء، قالت‏:‏ ‏"‏دخل علي أبو الدرداء مغضبا، فقلت له‏:‏ ما لك‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ ‏"‏والله، ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا‏"‏‏[‏رواه البخاري‏]‏‏.‏

2- عن عمرو بن يحيى؛ قال‏:‏ سمعت أبي يحدث عن أبيه؛ قال‏:‏ ‏"‏كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة؛ فإذا خرج؛ مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال‏:‏ أخرج عليكم أبو عبد الرحمن بعد‏؟‏‏!‏ قلنا‏:‏ لا‏.‏ فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج؛ قمنا إليه جميعا، فقال‏:‏ يا أبا عبد الرحمن‏!‏ إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرا‏!‏ قال‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏:‏ إن عشت؛ فستراه‏.‏ قال‏:‏ رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول‏:‏ كبروا مائة‏!‏ فيكبرون مائة، فيقول‏:‏ هللوا مائة‏!‏ فيهللون مائة، فيقول‏:‏ سبحوا مائة‏!‏ فيسبحون مائة‏.‏ قال‏:‏ أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء‏؟‏‏!‏ ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال‏:‏ ما هذا الذي أراكم تصنعون‏؟‏‏!‏ قالوا‏:‏ يا أبا عبد الرحمن‏!‏ حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد‏.‏ قال‏:‏ فعدوا سيئاتكم؛ فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد‏!‏ ما أسرع هلكتكم‏!‏ هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده؛ إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة‏.‏ قالوا‏:‏ والله يا أبا عبد الرحمن؛ ما أردنا إلا الخير‏.‏ قال‏:‏ وكم مريد للخير لن يصيبه؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله لا أدري؛ لعل أكثرهم منكم‏.‏ ثم تولى عنهم‏.‏ فقال عمرو بن سلمة‏:‏ رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج‏"‏‏[‏رواه الترمذي‏]‏‏.‏

3- جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس رحمه الله، فقال‏:‏ من أين أحرم‏؟‏ فقال‏:‏ من الميقات الذي وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحرم منه‏.‏ فقال الرجل‏:‏ فإن أحرمت من أبعد منه‏؟‏ فقال مالك‏:‏ لا أرى ذلك‏.‏ فقال‏:‏ ما تكره من ذلك‏؟‏ قال‏:‏ أكره عليك الفتنة‏.‏ قال‏:‏ وأي فتنة في ازدياد الخير‏؟‏ فقال مالك‏:‏ فإن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏.‏ وأي فتنة أعظم من أنك خصصت بفضل لم يختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏‏!‏‏(9)

وهذا نموذج، ولا زال العلماء ينكرون على المبتدعة في كل عصر، والحمد لله‏.‏

 منهج أهل السنة والجماعة في الرد على أهل البدع

منهج أهل السنة والجماعة في الرد على أهل البدع مبني على الكتاب والسنة، وهو المنهج المقنع المفحم؛ حيث يوردون شبه المبتدعة وينقضونها، ويستدلون بالكتاب والسنة على وجوب التمسك بالسنن والنهي عن البدع والمحدثات‏.‏

وقد ألفوا المؤلفات الكثيرة في ذلك، وردوا في كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة في مقالاتهم المبتدعة في أصول الإيمان والعقيدة، وألفوا كتبا خاصة في ذلك؛ كما ألف الإمام أحمد كتاب ‏"‏الرد على الجهمية‏"‏، وألف غيره من الأئمة في ذلك؛ كعثمان بن سعيد الدارمي، وكما في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من الرد على تلك الفرق وعلى القبورية والصوفية‏.‏

وأما الكتب الخاصة في الرد على أهل البدع؛ فهي كثيرة، منها على سبيل المثال من الكتب القديمة‏:

1‏.‏ كتاب ‏"‏الاعتصام‏"‏للإمام الشاطبي‏.‏

2‏.‏ كتاب ‏"‏اقتضاء الصراط المستقيم‏"‏لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد استغرق الرد على المبتدعة جزءا كبيرا منه‏.‏

3‏.‏ كتاب ‏"‏إنكار الحوادث والبدع‏"‏لابن وضاح‏.‏

4‏.‏ كتاب ‏"‏الحوادث والبدع‏"‏للطرطوشي‏.‏

5‏.‏ كتاب ‏"‏الباعث على إنكار البدع والحوادث‏"‏لأبي شامة‏.‏

ومن الكتب العصرية‏:‏

1‏.‏ كتاب ‏"‏الإبداع في مضار الابتداع‏"‏للشيخ علي محفوظ‏.‏

2‏.‏ كتاب ‏"‏السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات‏"‏للشيخ محمد بن أحمد الشقيري الحوامدي‏.‏

3‏.‏ رسالة ‏"‏التحذير من البدع‏"‏للشيخ عبد العزيز بن باز‏.‏

ولا يزال علماء المسلمين -والحمد لله- ينكرون البدع، ويردون على المبتدعة، من خلال الصحف والمجلات والإذاعات وخطب الجمع والندوات والمحاضرات، مما له كبير الأثر في توعية المسلمين، والقضاء على البدع، وقمع المبتدعين‏.‏

  رابعا‏:‏ بيان نماذج من البدع المعاصرة

البدع المعاصرة كثيرة بحكم تأخر الزمن، وقلة العلم، وكثرة الدعاة إلى البدع والمخالفات، وسريان التشبه بالكفار في عاداتهم وطقوسهم؛ مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لتتبعن سنن من كان قبلكم‏)‏‏[‏رواه الترمذي وصححه‏]‏ ‏.‏

 الاحتفال بمناسبة المولد النبوي في ربيع الأول

ومن هذا التشبه التشبه بالنصارى في عمل ما يسمى بالاحتفال بالمولد النبوي‏.‏

يحتفل جهلة المسلمين أو العلماء المضلين في ربيع الأول من كل سنة بمناسبة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فمنهم من يقيم هذا الاحتفال في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت أو الأمكنة المعدة لذلك، ويحضره جموع كثيرة من دهماء الناس وعوامهم؛ يعملون ذلك تشبها بالنصارى في ابتداعهم الاحتفال بمولد المسيح عليه السلام‏.‏

والغالب أن هذا الاحتفال- علاوة على كونه بدعة وتشبها بالنصارى- لا يخلو من وجود الشركيات والمنكرات؛ كإنشاء القصائد التي فيها الغلو في حق الرسول صلى الله عليه وسلم إلى درجة دعائه من دون الله والاستغاثة به، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو في مدحه، فقال‏:‏ ‏(‏لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله‏)‏‏[‏رواه الشيخان‏]‏ ‏.‏ والإطراء معناه الغلو في المدح، وربما يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحضر احتفالاتهم‏.‏

ومن المنكرات التي تصاحب هذه الاحتفالات الأناشيد الجماعية المنغمة وضرب الطبول وغير ذلك من عمل الأذكار الصوفية المبتدعة، وقد يكون فيها اختلاط بين الرجال والنساء، مما يسبب الفتنة ويجر إلى الوقوع في الفواحش‏.‏

وحتى لو خلا هذا الاحتفال من هذه المحاذير، واقتصر على الاجتماع وتناول الطعام وإظهار الفرح كما يقولون؛ فإنه بدعة محدثة، ‏"‏وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة‏"‏، وأيضا هو وسيلة إلى أن يتطور ويحصل فيه ما يحصل في الاحتفالات الأخرى من المنكرات‏.‏

وقلنا‏:‏ إنه بدعة لا أصل له في الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح والقرون المفضلة، وإنما حدث متأخرا بعد القرن الرابع الهجري، أحدثه الفاطميون الشيعة‏.‏

قال الإمام أبو حفص تاج الدين الفاكهاني رحمه الله‏:‏ ‏"‏أما بعد؛ فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد؛ هل له أصل في الدين‏؟‏ وقصدوا الجواب عن ذلك مبينا والإيضاح عنه معينا، فقلت -وبالله التوفيق-‏:‏ لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون‏"‏‏(10)‏‏.‏

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ ‏"‏وكذلك ما يحدثه بعض الناس -إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما- من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدا، مع اختلاف الناس في مولده؛ فإن هذا لم يفعله السلف، ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا؛ لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا؛ فإنهم كانوا أشد محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كان محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان؛ فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان‏"‏‏(11) انتهى‏.‏

وقد ألف في إنكار هذه البدعة كتب ورسائل قديمة وحديثة، وهو علاوة على كونه بدعة وتشبها؛ فإنه يجر إلى إقامة موالد أخرى؛ كموالد الأولياء والمشايخ والزعماء، فيفتح أبواب شر كثيرة‏.‏

 التبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتا

التبرك‏:‏ طلب البركة، وهو ثبات الخير في الشيء وزيادته‏.‏

وطلب ثبوت الخير وزيادته إنما يكون ممن يملك لك ويقدر عليه، وهو الله سبحانه؛ فهو الذي ينزل البركة ويثبتها، أما المخلوق؛ فإنه لا يقدر على منح البركة وإيجادها، ولا على إبقائها وتثبيتها‏.‏

فالتبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتا لا يجوز؛ لأنه إما شرك إن اعتقد أن ذلك الشيء يمنح البركة، أو وسيلة إلى الشرك إن اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من الله‏.‏

وأما ما كان الصحابة يفعلونه من التبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم وريقه وما انفصل من جسمه صلى الله عليه وسلم؛ فذلك خاص به صلى الله عليه وسلم في حال حياته؛ بدليل أن الصحابة لم يكونوا يتبركون بحجرته وقبره بعد موته، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها ليتبركوا بها، وكذلك مقامات الأولياء من باب أولى، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة؛ لا في الحياة ولا بعد الموت، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلوا فيه ويدعوا، أو إلى غير هذه الأمكنة من الجبال التي يقال‏:‏ إن فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، ولا إلى مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء‏.‏

وأيضا؛ فإن المكان الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه بالمدينة النبوية دائما لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا الموضع الذي صلى فيه بمكة وغيرها؛ فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين ويصلي عليه لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله؛ فكيف بما يقال‏:‏ إن غيره صلى فيه أو نام عليه‏؟‏‏!‏ فتقبيل شيء من ذلك والتمسح به قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعته صلى الله عليه وسلم‏(12)‏.‏

 البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله

البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف؛ فلا يشرع شيء منها إلا بدليل، وما لم يدل عليه دليل؛ فهو بدعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من عمل عملا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد‏)‏ ‏.‏

والعبادات التي تمارس الآن ولا دليل عليها كثيرة جدا‏:‏

منها‏:‏ الجهر بالنية للصلاة؛ بأن يقول‏:‏ نويت أصلي لله كذا وكذا‏!‏ وهذا بدعة؛ لأنه ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ، والنية محلها القلب؛ فهي عمل قلبي لا عمل لساني‏.‏

ومنها‏:‏ الذكر الجماعي بعد الصلاة؛ لأن المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردا‏.‏

ومنها‏:‏ طلب قراءة الفاتحة في المناسبات وبعد الدعاء للأموات‏.‏

ومنها‏:‏ إقامة المآتم على الأموات وصناعة الأطعمة واستئجار المقرئين؛ يزعمون أن ذلك من باب العزاء، أو أن ذلك ينفع الميت‏.‏‏.‏‏.‏ وكل ذلك بدعة لا أصل له وآصار وأغلال ما أنزل الله بها من سلطان‏.‏

ومنها‏:‏ الاحتفال بالمناسبات الدينية؛ كمناسبة الإسراء والمعراج، ومناسبة الهجرة النبوية، وهذا الاحتفال بتلك المناسبات لا أصل له من الشرع‏.‏

ومن ذلك‏:‏ ما يفعل في شهر رجب؛ كالعمرة الرجبية، وما يفعل فيه من العبادات الخاصة به؛ كالتطوع بالصلاة والصيام فيه؛ فإنه لا ميزة له على غيره من الشهور؛ لا في العمرة والصيام والصلاة والذبح للنسك فيه ولا غير ذلك‏.‏

ومن ذلك‏:‏ الأذكار الصوفية بأنواعها؛ كلها بدع ومحدثات؛ لأنها مخالفة للأذكار المشروعة في صيغتها وهيئاتها وأوقاتها‏.‏

ومن ذلك‏:‏ تخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام ويوم النصف من شعبان بصيام؛ فإنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء خاص به‏.‏

ومن ذلك‏:‏ البناء على القبور، واتخاذها مساجد، وزيارتها لأجل التبرك بها والتوسل بالموتى وغير ذلك من الأغراض الشركية، وزيارة النساء لها؛ مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج‏.‏

وختاما نقول‏:‏ إن البدع بريد الكفر، وهي زيادة دين لم يشرعه الله ولا رسوله، والبدعة شر من المعصية الكبيرة، والشيطان يفرح بها أكثر مما يفرح بالمعاصي الكبيرة؛ لأن العاصي يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية فيتوب منها، والمبتدع يفعل البدعة يعتقدها دينا يتقرب به إلى الله فلا يتوب منها، والبدع تقضي على السنن، وتكره إلى أصحابها فعل السنن وأهل السنة، والبدعة تباعد عن الله وتوجب غضبه وعقابه وتسبب زيغ القلوب وفسادها‏.‏

 خامسا‏:‏ ما يعامل به المبتدعة

تحرم زيارة المبتدع ومجالسته؛ إلا على وجه النصيحة له والإنكار عليه، لأن مخالطته تؤثر على مخالطه شرا، وتنشر عداوة إلى غيره‏.‏

ويجب التحذير منهم ومن شرهم إذا لم يمكن الأخذ على أيديهم ومنعهم من مزاولة البدع، وإلا؛ فإنه يجب على علماء المسلمين وولاة أمورهم منع البدع والأخذ على أيدي المبتدعة وردعهم عن شرهم؛ لأن خطرهم على الإسلام شديد‏.‏

ثم إنه يجب أن يعلم أن دول الكفر تشجع المبتدعة على نشر بدعتهم، وتساعدهم على ذلك بشتى الطرق؛ لأن في ذلك القضاء على الإسلام وتشويه صورته‏.‏

نسأل الله عز وجل أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويخذل أعداءه‏.‏

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه‏.‏

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا