تعظيم الحرم [ دراسة تعتمد على نصوص من التوراة والإنجيل والقرآن ]

نبذة مختصرة

هذا البحث يتناول مكانة الحرم في الكتاب والسنة، وينقسم إلى عدة مباحث، أولها: بناء البيت العتيق، وآخرها: منع غير المسلمين من دخول الحرم.
وقد تضمن هذا البحث المستند الشرعي لبناء البيت العتيق وتحريمه، وبماذا تميز الحرم عن غيره، كما حاول البحث الإجابة على التساؤل الذي يتردد كثيرا وهو: لماذا يمنع الإسلام غير المسلمين من دخول الحرم؟ وبين البحث أن الشرائع الثلاث كلها تحرم وتمنع غير أتباعها من دخول أماكن العبادة، وفند البحث الشبهة القائلة بأن المسلمين يمارسون تفرقة عنصرية مع غيرهم بسبب اعتقادهم نجاسة الكفار، وأوضح البحث أن غير المسلم نجس نجاسة حكمية في الشريعة الإسلامية، بينما غير اليهودي وغير النصراني نجس نجاسة ذاتية في الديانة اليهودية والنصرانية، بل تشددت هاتان الديانتان فجعلتا الكافر ينجس المكان الذي يحل فيه والزمان الذي يعيش فيه.
كما بين أن المملكة العربية السعودية – حينما تمنع غير المسلمين من دخول الحرم- فإنما تقوم بواجبها الشرعي أداء لأمانة الولاية الدينية التي جعلها الله لها على هذا المكان المعظّم، كما تقوم به - أيضا - التزاما إداريا أمام العالم الإسلامي الذي رأى فيها خير قائم على هذا المكان، فالعالم الإسلامي يشكر لها هذا القيام الشرعي، ولا يأذن لها ولا لغيرها بأن يستباح من الحرم ما حرمه الله.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 تعظيم الحرم [ دراسة تعتمد على نصوص من التوراة والإنجيل والقرآن ]

تأليف

د . محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

عضو هيئة التدريس قسم الدراسات الإسلامية

في كلية التربية  جامعة الملك سعود

م2009 - ھ1430


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الثانية

الحمد لله الذي أرسل رسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأشد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد

فلا تفتأ بعض منظمات حقوق الإنسان وبعض أجهزة الإعلام تثير بين آونة وأخرى هجمة شرسة على هذا الدين وأهله، وقد أخبر الله عن استمرار هذا الكيد الخفي فقال سبحانه وتعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) سورة آل عمران الآية 186. ومن هذا الكيد والتلبيس الشغب حول مسألة ( منع غير المسلمين من دخول الحرم) أظهرهم عليها ثلة من المستشرقين الحاقدين الذين يتهمون الإسلام بما يعلمون براءته منه، ويعلمون – أيضا – أن الإسلام جاء بأفضل مما في دينهم، ولكن دفعهم الحقد والحسد وكراهية الحق، وقد اتخذوا هذه المسألة ذريعة للوقيعة في الإسلام وأهله، ووصمه بالعنصرية، ولمز أهله بالطبقية، وما ذاك إلا رغبة في صد الناس عن الهدى، وصدفهم عن آياته سبحانه، قال تعالى:( فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون) سورة الأنعام الآية 157. وقال تعالى:( وويل للكافرين من عذاب شديد. الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال مبين) سورة إبراهيم الآية3...

ورغبة في بيان الحق، ودمغ الباطل ودفعه وإزهاقه، وبيان أن ما تقوم به حكومة المملكة العربية السعودية من منع غير المسلمين من دخول الحرم - هو واجب شرعي، وأمانة دينية ومسئولية إدارية أمام العالم الإسلامي أجمع.

وبما أن هذا البحث نشر أول مرة ضمن أبحاث الندوة العلمية الكبرى بمناسبة اختيار مكة المكرمة عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 1426هـ 2005م، في المحور الأول الجزء الأول: (واقع مكة المكرمة الديني وأثره في حياة الأمم) ص 271-356. وحيث جرت العادة أن أبحاث الندوات العلمية – نظرا لكثرتها وتنوعها – لا تنال حقها من النشر والإشاعة؛ فقد رأيت أن أعيد طبعه ومن ثم ترجمته ليكون في متناول القارئ، وليكون حجة وبيانا في أيدي المسلمين وخاصة سفراء وموفدي هذه البلاد؛ لأن الاعتراض عليهم والسؤال لهم أكثر من غيرهم لاعتقاد المخالف أن هذا تحكّم وتعنت من السعوديين.

وفي ختام هذه المقدمة أقدم شكري لكل من أسهم في إخراج هذا الكتاب، وأخص بالثناء سعادة وكيل جامعة أم القرى للدراسات العليا والبحث العلمي الأستاذ الدكتور محمد بن علي العقلا، وسعادة الإعلامي الأستاذ منصور بن عبد العزيز الخضيري، وكيل الرئيس العام لرعاية الشباب لشؤون الشباب، والأديب الأستاذ حمد بن عبد الله القاضي، عضو مجلس الشورى،  وأسأل الله أن يجزيهم عني خير الجزاء.

والله أسأل أن يكون هذا الكتاب محققا لغرضه وافيا بمقصوده، وأن يجعله من العلم النافع والعمل الخالص، إنه ولي ذلك وموليه والقادر عليه ، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه وأمينه على وحيه نبينا محمد وآله وصحبه. 

                             المؤلف

                            د محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

                                 ص ب 261032  الرياض 11342

جامعة الملك سعود، كلية التربية، قسم الدراسات الإسلامية

                   12/10/1426هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الأولى

الحمد لله الذي جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمنا، وشرع تعظيمه وحجه والطواف حوله؛ إيمانا وتصديقا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة عبد يقر بربوبية ربه ووحدانيته، ويشهد له بأسمائه وصفاته على ما يليق بجلا له وعظمته وكماله وجماله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه ربه رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحجة على الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا . أما بعد :

        فمن منّة الله على العبد أن يستعمله في طاعته، وأن يوفقه للعلم النافع، ـ فأسأله سبحانه أن يجعلني من أولئك - وأن يسخر علمه للذب عن دينه، وتفنيد الشبه الواهية التي يقذف بها المغرضون والحاقدون؛ حقدا على هذا الدين، وحسدا لأهله على ما آتاهم الله من الخير، وخصهم به من الفضل، كما قال تعالى: } ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق { ([1]). وقال تعالى: } أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله { ([2]). فهم يحسدون أهل الحق على ما آتاهم الله من الحق، وهم يعلمون أنه الحق }يعرفونه كما يعرفون أبناءهم { ([3]).- ومن أجل ذلك يثيرون الشبه، ويقذفون بالباطل، ويتظاهرون بمظهر المحق،؛ إمعانا في التعمية، وإيغالا في التدليس على المتلقي، ومن هذه الترهات التي يدلون بها الدعوة إلى أن تكون مكة لجميع الخلق: مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، بحجة أن بيت الله بيت لجميع عباده، وأن التفريق بينهم دليل عنصرية، وعلامة على احتقار البشرية .

ولم يعلموا أن للعبودية معنيين: عبودية قسرية يستوي فيه البر والفاجر، والمسلم والكافر، فكلهم تحت مشيئة الله وقهره وسلطانه، كما قال تعالى } إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا { ([4]) .

وعبودية طاعة واستسلام وانقياد وقبول ، وهذه لا تكون لكل أحد؛ بل هي منة من الله وفضل، وهي من أشرف المقامات، وقد وصف الله بها أشرف خلقه في أشرف مقام، فقال تعالى مخاطبا نبيه محمدا ﷺ‬ : } سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله { ([5]).

وفي هذا العصر تقاربت أطراف الأرض بما فتح الله للناس فيه من وسائل، ويسر من سبل الاتصال ـ فركب هذه الوسائل كل مغرض وحاقد، فلا تكاد تخلو وسيلة مقروءة أو مسموعة أو مرئية من شبههم، ومن هذه الشبه: دعوى أن مكة  بيت الله وحرم الله ، وأن الله هو رب الجميع، فمن حق الجميع أن يفدوا إلى بيت الله وحرمه. وهذه الشبهة تجدها تُعرض على المسؤولين السعوديين في مؤتمراتهم الصحفية التي يجْرُونها خارج البلاد، كما تتلقاها كثير من سفارات المملكة العربية السعودية، وهي -  أيضا -  تُعرض على الموفدين السعوديين  للمشاركة في المعارض الدولية، وتتنوع الإجابات بحسب عنصر المفاجأة، والخلفية الشرعية للمسؤول .

وهذه القضية لم أجد من أفردها بالدراسة والبحث، والتفنيد لما ترتكز عليه من شبه واهية، كما أنه يغيب - في الجملة - عن الكثيرين الإحاطة  بالأدلة الشرعية التي ينبني عليها القول الشرعي في هذه المسألة، كما يخفى على الكثير نصوص أهل الكتاب التي تُعد حجة عليهم في هذا الباب ـ من باب من فمك أدينك ـ لذا رأيت أن أتناول هذه المسألة، وأجمع فيها نصوص الكتاب والسنة، وكلام أهل العلم، وأورد نصوص أهل الكتاب التي يحسن الاستدلال بها هنا، وأستنتج من كل ذلك ما يفتح الله به علي في هذه المسألة، من رد وتفنيد لهذه القضية، وبيان الحق فيها، وكشف الزيف وتعريته .

وقد جعلت هذا البحث في مقدمة، وعشرة مباحث، وخاتمة، يجدها القارىء مرتبة في ثنايا البحث حسب الترتيب التالي :ـ

المبحث الأول : بناء البيت العتيق .

المبحث الثاني : المراد بعهد الله . 

المبحث الثالث : المراد بالمسجد الحرام .

المبحث الرابع : طهارة المسجد الحرام .

المبحث الخامس : تعظيم الإسلام للحرم

المبحث السادس: تعظيم أهل الجاهلية للحرم .

المبحث السابع : من أحكام الحرم .

المبحث الثامن : نجاسة المشرك، كما وردت في القرآن الكريم .

المبحث التاسع : نجاسة المشرك، كما وردت في العهد القديم والعهد الجديد .

المبحث العاشر: منع غير المسلمين من دخول الحرم .

الخاتمة  .

ولا يخفى على الباحث أن الهدف من كتابة هذا البحث هو المبحث العاشر، أما بقية المباحث فهي مقدمات له، وتهيئة ذهن المتلقي لهذه القضية، ولذا اقتصر البحث في هذه المباحث الثمانية على التقرير والاستدلال، دون الحاجة إلى التفنيد والرد .

وبمناسبة اختيار مكة المكرمة عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 1426هـ ، وإقامة جامعة أم القرى ندوة كبرى بهذه المناسبة ؛ فقد حرصت على أن أشارك في هذه الندوة بهذا البحث؛ بيانا للحق، ودفاعا عن الدين، وكشفا للباطل، وتعرية للشبهة، وأشكر الله الذي يسر وأعان على إتمام هذا البحث، وأشكر الجامعة على الترتيب لهذه الندوة ، إثراءً لهذه المناسبة، كما أشكر جامعة الملك سعود على إتاحة الفرصة لي للمشاركة في هذه الندوة، وأسأل الله أن يكون هذا البحث من العلم النافع والعمل الخالص، إنه ولي ذلك وموليه، والقادر عليه ، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

                                           المؤلف

د . محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

                                                   الرياض

                                    8/5/1425 هـ

 المبحث الأول: بناء البيت العتيق

من حكمته سبحانه أن خلق الخلق؛ ليعبدوه، قال تعالى:} وما خلقت الجن والإنس  إلا ليعبدون{([6]) . وفطرهم على عبادته وحده لا شريك له، قال تعالى:} فطرة الله التي فطر الناس عليها { ([7]) . ومن رحمته بعباده أن جعل لهم مكانا يثوبون إليه، ويعبدون ربهم حوله؛ ابتغاء لثوابه، وطلبا لمرضاته، فكان المكان الأول مكة، وكان أول بيت وضع للناس - المسجد الحرام، قال تعالى: }إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة{([8]). وخص سبحانه خليله ونبيه إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام بشرف بنائه وعمارته، فقال تعالى:} وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل{([9]).

وسأل أبو ذر رضي الله عنه النبي ﷺ‬ عن أي مسجد وضع أول، فأخبره النبي ﷺ‬ أنه المسجد الحرام، كما أخرج ذلك البخاري عن أبي ذر t قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: ثم المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال أربعون. ثم قال: حيثما أدركتك الصلاة فصل، والأرض لك مسجد). ([10])

 قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عند قوله تعالى :} إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة{ : ( هذا البيت العتيق هو أول بيت وضع للناس للعبادة والطاعة ، وهناك بيوت قبله للسكن ، لكن أول بيت وضع للناس ليعبد الله فيه ، ويطاف به ، هو هذا البيت، وأول من بناه هو خليل الله إبراهيم عليه السلام وساعده في ذلك ابنه إسماعيل . وأما ما روي أن أول من عمره هو آدم فهو ضعيف ، والمحفوظ والمعروف عند أهل العلم أن أول من عمره هو خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام)([11])

وقال ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لقوله تعالى :} إن أول بيت وضع للناس ...{([12]) (يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس، أي لعموم الناس؛ لعبادتهم ونسكهم يطوفون به ويصلون إليه ويعتكفون عنده ( للذي ببكة ) يعني الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك، ونادى الناس إلى حجه؛ ولهذا قال تعالى ( مباركا ) أي وضع مباركا (وهدى للعالمين )([13]) . 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله موضحا التسلسل التاريخي لبناء المساجد الثلاثة، وذاكرا أسماء الأنبياء الذين دعوا إليها: (والمساجد الثلاثة لها فضل على ما سواها؛ فإنها بناها أنبياء ودعوا الناس إلى السفر إليها، فالخليل دعا إلى المسجد الحرام، وسليمان دعا إلى بيت المقدس، ونبينا دعا إلى الثلاثة: إلى مسجده، والمسجدين، ولكن جعل السفر إلى المسجد الحرام فرضا، والآخرين تطوعا، وإبراهيم وسليمان لم يوجبا شيئا، ولا أوجب الخليل الحج). ([14])

 المبحث الثاني : المراد بعهد الله

تضمنت الآيات التي وردت في سورة البقرة، وتناولت شأن بناء البيت: أن إبراهيم الخليل u سأل ربه أن يجعل من ذريته أئمة هدى يقتدي بهم الناس؛ فجاء الجواب الإلهي }لا ينال عهدي الظالمين { ([15])، وقال عز من قائل في مدح المؤمنين ) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق( ([16]) وقال جل ثناؤه مبينا صفة الكافرين المخالفين: ) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ( ([17]) إلى آخر الآيات الواردة في شأن العهد  فما المراد بالعهد في هذه الآية؟ وهل معنى العهد الوارد في هذه الآية هو نفس المعني الوارد في الآيات الأخرى؟.

وقبل الحديث عن معنى العهد في هذه الآية، يناسب أن نتعرف على معنى العهد لغة واصطلاحا. فأما معناه لغة، فقد عرفه الرازي في مختار الصحاح بقوله: (العهد: الأمان، واليمين، والموثِق،والذمة، والحِفَاظُ، والوصية، وعَهِدَ إليه من باب فهم، أي أوصاه، ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة.) ([18])

 ومعناه اصطلاحا: (حفظ الشيء، ومراعاته حالا بعد حال. هذا أصله، ثم استعمل في الموْثِق الذي تلزم مراعاته.) ([19])

وقال ابن منظور : (العهد كل ما عوهد الله عليه، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد، وأمر اليتيم من العهد، وكذلك كل ما أمر الله به في هذه الآيات، ونهى عنه.)([20])

وبين الراغب الأصفهاني في مفرداته  معاني العهد في القرآن الكريم، فقال: (العهد: حفظ الشيء، ومراعاته حالا بعد حال، وسمي المَوثِق الذي يلزم مراعاته عهدا... وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به في الكتاب وبألسنة رسله، وتارة بما نلتزمه، وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور). ([21])

وبعد هذا البيان لمعناه اللغوي والاصطلاحي، وبيان معانيه حيثما وردت في القرآن الكريم يحسن بنا أن نتعرف على ما قاله المفسرون في معنى العهد في هذه الآية.

  اختلف المفسرون في المعنى المراد بالعهد في هذه الآية ، فقال بعضهم : النبوة. وقال آخرون: الإمامة في الدين. وقال غيرهم: العهد هنا ألا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه. بينما قال فريق رابع: العهد هو الأمان، أي لا ينال أماني أعدائي وأهل الظلم لعبادي، أي لا أُؤمنهم من عذابي في الآخرة. ([22])

 وخالف هؤلاء ابن عاشور فقال: إن المراد بالعهد هنا الوعد، وقال: قوله تعالى: } لا ينال عهدي الظالمين { استجابة مطويّة بإيجاز، وبيان للفريق الذي تتحقق فيه دعوة إبراهيم، والذي لا تتحقق فيه بالاقتصار على أحدهما؛ لأن حكم أحد الضدين يثبت للآخر نقيضه على طريق الإيجاز، وإنما لم يذكر الصنف الذي تتحقق فيه الدعوة؛ لأن المقصد ذكر الصنف الآخر تعريضا بأن الذين يزعمون يومئذ أنهم أولى الناس بإبراهيم - وهم أهل الكتاب ومشركو العرب - هم الذين يحرمون من دعوته... وسمى وعد الله عهدا؛ لأن الله لا يخلف وعده، كما أخبر بذلك؛ فصار وعده عهدا، ولذلك سماه النبي ﷺ‬ عهدا في قوله:( أنشدك عهدك ووعدك)([23])  ... إلى أن يقول: ومن دقة القرآن اختيار هذا اللفظ هنا؛ لأن اليهود زعموا أن الله عهد لإبراهيم عهدا بأنه مع ذريته، ففي ذكر لفظ العهد تعريض بهم، وإن كان صريح الكلام توبيخا للمشركين. والمراد بالظالمين ابتداءً المشركون، أي الذين ظلموا أنفسهم؛ إذ أشركوا بالله تعالى...وقد وصف القرآن اليهود بوصف الظالمين... ففي الآية تنبيه على أن أهل الكتاب والمشركين يومئذ ليسوا جديرين بالإمامة؛ لاتصافهم بأنواع من الظلم .. وإناطة الحكم بوصف الظالمين إيماء إلى علة نفي أن ينالهم عهد الله).([24])

 والله سبحانه وتعالى كما بين أن الظالمين لا ينالون عهده، فقد حكم عليهم بالسفه، وفساد الرأي، قال تعالى:}ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه{([25])  فمن رغب عن ملة إبراهيم u  فقد سفه نفسه.والسفيه هو القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار، وأي سفه أعظم من أن يكفر بربه، ويكذب رسله، ويعادي أولياءه، ويجحد حججه وأدلته وبراهينه، ويكذب ببعثه، ثم يزكي نفسه، ويدعي أنه محبوب لله، وأن وعد الله وعهده يناله ؟! .

ومن سفه الكافر أنه يكفر بربه، ثم يزعم أنه أهل للولاية الدينية، ومن سفهه - أيضا - أنه يرغب عن ملة إبراهيم u  وهو يفتخر بانتسابه إليه، قال تعالى } يأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون. هاأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين { ([26]) . ومن سفهه – أيضا- أنه يطلب لنفسه الحظ الأدنى - وهو دخول الأماكن المقدسة، وزيارة البيت الحرام - وينسى أن يطلب لنفسه الحظ الأعلى، وهو دخول الجنة، ألا يعلم أن الأماكن المقدسة لا تقدس أحدا، وأن الدار الآخرة لا يدخلها إلا من زكت نفسه وتقدست؟!.

والمفسرون - مع اختلافهم في معنى العهد هنا-  متفقون على أن معنى العهد في هذه الآية مخالف لمعنى العهد الوارد في الآيات الأخرى، كما أنهم - أيضا - لم يتفقوا على معنى العهد في الآيات الأخرى؛ فمنهم من قال: إن معنى العهد في قوله تعالى } الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه{([27])   هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ‬ ، ونقضهم ذلك تركهم العمل به.

 ومنهم من قال: هو ما أخذه الله عليهم في التوراة، من العمل بما فيها، واتباع محمد e إذا بعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم عِلْم ذلك عن الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس، ولا يكتمونه.

 ومنهم من قال: عهده إلى جميع خلقه في توحيده -  ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهده إليهم في أمره ونهيه، ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها، الشاهدة لهم على صدقهم، قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق.

ومنم من قال: هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصفه في قوله: }وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم { ([28])  الآيتين، ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به. ([29])

ويحتمل أن يكون المراد بالعهد هو ما أشار إليه بعض المهتدين من أهل الكتاب من أن الله عهد لإبراهيم عهدا في ذريته، من أجل أن إبراهيم u  امتثل أمر ربه وقرب ابنه قربانا، فقد استدل هؤلاء المهتدون بما ورد في التوراة :( من أجل أنك فعلت هذا الفعل ولم تشفق على ولدك وفردك، فها أنا أقسم بنفسي لأباركن عليك ولأكثرن ذريتك، ولأجعلنهم في عدد نجوم السماء، ورمل سواحل البحار، ويرث ولدك بلدان أعدائهم، ويتبرك بهم جميع أمم الأرض).([30])

 فيتبين لنا أن معنى العهد في هذه الآية مخالف لمعنى العهد في الآيات الأخرى، وأن معناه في هذه الآية يدل على النبوة، أو الإمامة في الدين، أو مباركة الذرية وحفظها، وأيا كان معناه فلا يشمل غير المسلم والظالم لنفسه، وعلى هذا فلا يستحق غير المسلمين التردد على حرم الله؛ لأنهم ليسوا أهل ولايته وعهده ! .

 المبحث الثالث : المراد بالمسجد الحرام

أمر الله المؤمنين بأن لا يأذنوا للمشركين بالقرب من المسجد الحرام، قال تعالى:) إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام(.([31]) فما المراد بالمسجد الحرام؟ وهل المراد به سائر الحرم؟ أو المراد به المسجد فقط ؟ .

فأقول : ورد ذكر المسجد الحرام في كتاب الله خمس عشرة مرة، وقد قال الماوردي ـ رحمه الله ـ :( كل موضع ذكر فيه المسجد الحرام فهو الحرم، إلا قوله تعالى: } فول وجهك شطر المسجد الحرام..{([32]) . فهو نفس الكعبة).([33])

وقال النووي - رحمه الله - في المجموع :( واعلم أن المسجد الحرام قد يطلق، ويراد به الكعبة فقط، وقد يراد به المسجد وحولها معها، وقد يراد به مكة كلها، وقد يراد به مكة مع الحرم حولها بكماله، وقد جاءت نصوص الشرع بهذه الأقسام الأربعة. إلى أن قال :ومن الرابع قوله تعالى:)إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام( . ([34])

وقد اختلف العلماء في المراد بالمسجد الحرام على أربعة أقوال:

القول الأول: أنه المكان الذي يحرم على الجنب الإقامة فيه.

القول الثاني: أنه مكة.

القول الثالث: أنه الحرم.

القول الرابع: أنه الكعبة، وهو أبعدها.

وقد استعرض هذه الأقوال ابن حزم - رحمه الله - وبين الراجح منها، فقال: ( فواجب أن نطلب مراد الله تعالى بقوله:} حاضري المسجد الحرام {؛ لنعرف من ألزمه الله تعالى الهدي أو الصوم إن تمتع، ممن لم يلزمه الله تعالى ذلك، فنظرنا، فوجدنا لفظة المسجد الحرام لا تخلو من أحد ثلاثة وجوه لا رابع لها: إما أن يكون الله تعالى أراد الكعبة فقط، أو ما أحاطت به جدران المسجد فقط، أم أراد الحرم كله؛ لأنه لا يقع اسم مسجد حرام إلا على هذه الوجوه فقط، فبطل أن يكون الله تعالى أراد الكعبة فقط؛ لأنه لو كان ذلك لكان لا يسقط الهدي إلا عمن أهله في الكعبة، وهذا معدوم وغير موجود، وبطل أن يكون عز وجل أراد ما أحاطت به جدران المسجد الحرام فقط؛ لأن المسجد الحرام قد زيد فيه مرة بعد مرة، فكان يكون هذا الحكم ينتقل ولا يثبت، وأيضا فكان لا يكون هذا الحكم إلا لمن أهله في المسجد الحرام، وهذا معدوم غير موجود، فإذا قد بطل هذان الوجهان فقد صح الثالث؛ إذ لم يبق غيره، وأيضا فإنه إذا كان اسم المسجد الحرام يقع على الحرم كله فغير جائز أن يخص بهذا الحكم بعض ما يقع عليه  هذا الاسم دون سائر ما يقع عليه بلا برهان، وأيضا فإن الله تعالى قد بين علينا، فقال: } يريد الله ليبين لكم {،  فلو أراد الله تعالى بعض ما يقع عليه اسم المسجد الحرام دون بعض لما أهمل ذلك ولبينه، أو لكان الله تعالى مُعنّتا لنا غير مبين علينا ما ألزمنا، ومعاذ الله من أن يظن هذا مسلم، فصح إذ لم يبين الله تعالى أنه أراد بعض ما يقع عليه اسم المسجد الحرام دون بعض، فلا شك في أنه تعالى أراد كل ما يقع عليه اسم المسجد الحرام، وأيضا فإن الله تعالى يقول: } إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا { فلم يختلفوا في أنه تعالى أراد الحرم كله، فلا يجوز تخصيص ذلك بالدعوى، وصح عن رسول الله e من طريق أبي هريرة وجابر وحذيفة جعلت (لي الأرض مسجدا وطهورا)، فصح أن الحرم مسجد؛ لأنه من الأرض، فهو كله مسجد حرام، فهو المسجد الحرام بلا شك...إلى أن قال: وروينا من طريق مسلم نا علي بن حجر نا علي بن مسهر عن الأعمش عن إبراهيم بن يزيد التيمي أن أباه قال له: سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله e عن أول مسجد وضع في الأرض؟ فقال: (المسجد الحرام). قال أبو محمد: فصح أنه الحرم كله بيقين لا شك فيه؛ لأن الكعبة لم تبن في ذلك الوقت، وإنما بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قال عز وجل:} وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل{  ولم يبن المسجد حول الكعبة إلا بعد ذلك بدهر طويل) ([35]) .

وتناول الشيخ الدكتور إبراهيم الصبيحي هذه المسألة بالدراسة والتحليل في كتابه: المسائل المشكلة من مناسك الحج والعمرة فقال بعد أن أورد كلام أهل العلم في هذه المسألة-: ( هذه نصوص أهل العلم، والمسألة خلافية كما ترى، إلا أن الظاهر أن المراد به عموم الحرم؛ لأن اسم المسجد الحرام إذا أطلق في القرآن فالظاهر أنه يراد به العموم كما سبق نقل ذلك عن العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ  وأن أصرح الآيات في ذلك قول الله تعالى :

1 ـ } واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين{. ([36])

2 ـ وقوله تعالى :} يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله { . ([37])

3 ـ وقال تعالى : }  إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم{.([38])

فهذه ثلاث آيات من كلام الله تعالى تدل على أن المراد بالمسجد الحرام : الحرم كله؛ إذ لا يصح أن يقال : إن مقاتلة الكفار لا تصح في الحرم حتى يقاتلوا المسلمين داخل المسجد المحيط بالكعبة.

كما لا يصح أن يقال : إن المراد بقوله: } وإخراج أهله منه{ ، إخراجهم من نفس المسجد، لما عرف من أن المسجد المحيط بالكعبة ليس محلا للسكن ، بل المراد إخراجهم من الحرم، وهذا ما حصل للمهاجرين - رضوان الله عليهم -  فقد أخرجوا من الحرم ، وليس من المسجد.

كما لا يصح أن يقال : إن التسوية بين العاكف والباد لا تحصل إلا داخل المسجد، وأن التوعد على مريد الإلحاد والظلم لا يحصل - أيضا - إلا داخل المسجد ، وأما في سائر الحرم فالحكم فيه كالحكم في سائر البلدان؛ بل الصحيح أن التسوية بين العاكف والباد حاصلة لمن داخل الحرم، وكذا التوعد على مريد الإلحاد والظلم. فهذه الآيات دالة على أن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله). ([39])  

 وورد سؤال إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية , نصه كما يلي:( هل ثواب الصلاة في مكة كلها مضاعف مثل الصلاة في المسجد الحرام نفسه...فأجابت اللجنة بما يلي: في المسألة خلاف بين أهل العلم، والأرجح أن المضاعفة للثواب تعم الحرم كله؛ لأنه كله يطلق عليه المسجد الحرام). ([40])   

وقيل لعطاء : هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام وحده , أو في الحرم ؟ قال: لا, بل في الحرم ؛ فإن الحرم كله مسجد.([41])           

وبعد هذا التوضيح لبيان المراد بالمسجد الحرام، وأن المراد به الحرم كله، يحسن بنا أن نذكر حدود الحرم؛ حتى يكون القارىء على بصيرة من المواضع التي تنطبق عليها أحكام الحرم، وقد عُني بها المتقدمون والمتأخرون؛ لكثرة ما يتعلق بها من أحكام، قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ: (ومعرفة حدود الحرم من أهم ما يعتني به ؛ لكثرة ما يتعلق به من الأحكام، وقد اجتهدت في إيضاحه، وتتبع كلام الأئمة في إتقانه على أكمل وجوهه ـ بحمد الله تعالى ـ فحد الحرم من جهة المدينة دون التنعيم، عند بيوت بني نفار([42])، على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق اليمن طرف أضاة ([43]) لبن([44])، على سبعة أميال من مكة، ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة على سبعة أميال، ومن طريق العراق على ثنية جبل بالمقطع على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد الله بن خالد على تسعة أميال، ومن طريق جدة منقطع الأعشاش على عشرة أميال من مكة . هكذا ذكر هذه الحدود أبو الوليد الأزرقي في كتاب مكة، وأبو الوليد هذا أحد أصحاب الشافعي الآخذين عنه، الذين رووا عنه الحديث والفقه، وكذا ذكر هذه الحدود الماوردي صاحب الحاوي في كتابه الأحكام السلطانية، وكذا ذكرها المصنف، وأصحابنا في كتب المذهب، إلا أن عبارة بعضهم أوضح من بعض). ([45])

وأعدَّ فضيلة الدكتور عبد الملك بن دهيش دراسة متكاملة عن حدود الحرم ([46])  ضمنها صورا وخرائط ومخططات جوية من واقع القياسات الميدانية؛ ليتمكن من تحديد المسافة التي تبلغها دائرة الحرم، وقد قام بقياسها من واقع  الطرق القديمة والحديثة، وخلص إلى التحديد التالي:

أولا : من خلال الطرق القديمة إلى مكة :

 1 ـ من جدار المسجد الحرام إلى أعلام منطقة التنعيم بلغت (6,150) ستة أكيال ومئة وخمسين مترا .

2 ـ من جدار المسجد الحرام إلى أعلام منطقة ثنية النقوى، الموصلة للجعرانة (18) ثمانية عشر كيلا .

3 ـ من جدار المسجد الحرام إلى أعلام منطقة ثنية خلّ ( أو جبل المَقْطَع) طريق الطائف نجد العراق السريع (12,850) اثنا عشر كيلا وثمانمئة وخمسون مترا .

4 ـ من جدار المسجد الحرام إلى أعلام عرنة طريق الطائف القديم الملغى الآن (15,400) خمسة عشر كيلا وأربعمائة متر .

5 ـ  من جدار المسجد الحرام إلى أعلام طريق اليمن القديم ( 17) سبعة عشر كيلا .

6ـ من جدار المسجد الحرام إلى أعلام الحديبية ( الشُّمَيسي) على طريق جدة القديم    ( 20 ) عشرون كيلا.

ثانيا من خلال الطرق الحديثة :

1 ـ من جدار المسجد الحرام إلى أعلام طريق جدة الذي يخترق حنك الغراب ( أو ما يسمى أظلم الغربي ) (22) اثنان وعشرون كيلا .

2 ـ من جدار المسجد الحرام إلى أعلام طريق الليث اليمن الجديد (17) سبعة عشر كيلا.

3 ـ  من جدار المسجد الحرام إلى أعلام طريق الطائف الهدا الجديد المار قرب قرن العابدية (15,5) خمسة عشر كيلا ونصف الكيل ([47]) .

 المبحث الرابع : طهارة المسجد الحرام

وقبل الحديث عن طهارة المسجد الحرام، وما المراد به يحسن أن نسوق تعريف الطهارة لغة وشرعا، فالطهارة في اللغة: النظافة حسية أو معنوية.

 وشرعا: صفة حكمية توجب أن تصحح لموصوفها صحة الصلاة به أو فيه أو معه. وعرفت أيضا بأنها: صفة حكمية توجب من قامت به رفع حدث أو إزالة خبث في الماء نية واستباحة كل مفتقر إلى طهر في البدلية.([48])

 وهي كما ترى صفة حكمية توجب أن تصحح لموصوفها صحة الصلاة به أو فيه؛ ولما شرع الله سبحانه وتعالى لعباده أن يتخذوا مكانا لعبادته يطوفون حوله، ويعتكفون فيه، ويصلون إليه، ومن لوازم العبادة الطهارة في البقعة والثياب، قال تعالى: } يا بني آدم  خذوا زينتكم { ([49]). وبين النبي ﷺ‬ أن مواضع العبادة لا تصلح لشيء من القاذورات والنجاسات؛ وإنما هي لذكر الله والصلاة، كما روى ذلك أنس بن مالك t  قال:( بينما نحن في المسجد مع رسول الله e إذ جاء أعرابي , فقام يبول في المسجد , فقال أصحاب رسول الله e : مه مه! قال : قال رسول الله e : لا تزرموه، دعوه. فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ‬  دعاه , فقال  له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر؛ إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة , وقراءة القرآن ) أو كما قال رسول الله e )([50]) . وهذا عام في جميع أماكن العبادة الصحيحة المشروعة ـ كان لزاما على المسلمين تطهيرها وتنظيفها، والعناية بها، ولا شك أن أعظمها شرفا وحرمة ومكانة ـ وهو المسجد الحرام ـ أولاها بالطهارة والنظافة الحسية والمعنوية؛ ولذا أمر الله خليله ونبيه إبراهيم , وإسماعيل عليهما السلام أن يطهرا البيت الحرام من سائر النجاسات والقاذورات المعنوية والحسية , فقال تعالى :} وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل{ ([51]). ولا يخفى على مسلم أن النجاسات المعنوية كالشرك والكفر ووجود الأوثان ـ أعظم أثرا وأبلغ في التدنيس لأماكن العبادة من النجاسات الحسية؛ وما ذاك إلا لأن النجاسات المعنوية تخالف مقصود العبادة وغايتها، ولا يمكن تنظيفها منها , وتطهيرها إلا بإزالتها , وإبعادها عنها. بينما النجاسات الحسية قد تدنس المكان تدنيسا مؤقتا ـ كما في خبر الأعرابي السابق ـ ولا تخالف مقصود العبادة وغايتها.

فما المراد بالتطهير الذي أمر الله نبييه أن يطهرا البيت الحرام منه؟ ومن أي شيء يطهر؟ وهل كان قبل بنائه بيتٌ يطهر من الشرك؟ أو أن الأمر جاء بتطهير المكان قبل بناء البيت فيه؟.      

وقد كفانا المفسرون الإجابة على هذه الأسئلة، فابن جرير رحمه الله يقول:( والتطهير الذي أمرهما الله به في البيت هو تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك بالله، فإن قال قائل: وما معنى قوله:}وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين{  وهل كان أيام إبراهيم قبل بنائه البيت بيتٌ يطهر من الشرك وعبادة الأوثان في الحرم، فيجوز أن يكونا أُمرا بتطهيره؟ قيل : لذلك وجهان من التأويل، قد كان لكل واحد من الوجهين جماعة من أهل التأويل أحدهما: أن يكون معناه: وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مطهرا من الشرك والريب، كما قال تعالى ذكره :} أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار{([52]) ، فكذلك قوله :  } وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي {  أي ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب. فهذا أحد وجهيه، والوجه الآخر منهما: أن يكونا أُمِرا بأن يطهرا مكان البيت قبل بنيانه، والبيت بعد بنيانه مما كان أهل الشرك بالله يجعلونه فيه على عهد نوح ومن قبله من الأوثان؛ ليكون ذلك سنة لمن بعدهما، إذ كان الله تعالى ذكره قد جعل إبراهيم إماما يقتدي به من بعده) ([53]) .

وقال الفخر الرازي في تفسيره:( فيجب أن يراد به التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلى؛ وجب تطهيره من الأنجاس والأقذار، وإذا كان موضع العبادة والإخلاص لله تعالى؛ وجب تطهيره من الشرك وعبادة غير الله، وكل ذلك داخل تحت الكلام، ثم إن المفسرين ذكروا وجوها، أحدها: أن معنى }طهرا بيتي{  ابنياه , وطهراه من الشرك، وأسساه على التقوى، كقوله تعالى: } أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله { ([54]) .

 وثانيها: عرّفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجّوه, وزاروه, وأقاموا به...

وثالثها: ابنياه, ولا تدعا أحدا من أهل الريب والشرك يزاحم الطائفين فيه .

ورابعها: نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي؛ ليقتدي الناس بكما في ذلك .

 وخامسها: تطهير مكانه قبل البناء مما كان يلقي فيه أهل الجاهلية من القاذورات)([55]) .

وقال الشوكاني في فتح القدير :( والمراد بالتطهير قيل من الأوثان، وقيل من الآفات والريب، وقيل من الكفار، وقيل من النجاسات وطواف الجنب والحائض وكل خبث. والظاهر أنه لا يختص بنوع من هذه الأنواع، وأن كل ما يصدق عليه مسمى التطهير فهو يتناوله) ([56]) .

وقال ابن عاشور:( المراد من تطهير البيت ما يدل عليه لفظ التطهير من محسوس، بأن يحفظ من القاذورات والأوساخ؛ ليكون المتعبد فيه مقبلا على العبادة دون تكدير. ومن تطهير معنوي , وهو أن يُبْعَد عنه مالا يليق بالقصد من بنائه من الأصنام والأفعال المنافية للحق كالعدوان والفسوق، والمنافية للمروءة كالطواف عريانا دون ثياب الرجال والنساء). ([57])

وكلام المفسرين ـ كما ترى ـ  يتضمن أن الله أمر نبيه وخليله إبراهيم , وابنه إسماعيل  - عليهما السلام -  أن يطهرا مكان البيت، وأن يبنيا البيت، وأن يطهراه , وأن يجعلاه طاهرا مطهرا من النجاسات الحسية كالقاذورات، ومن النجاسات المعنوية كالشرك والأوثان، والأفعال المنافية للغاية من إقامته. ويجب على ذريتهما ومن اتبعهما على الهدى أن يقتدوا بهما، وأن يطهروا البيت الحرام من كل النجاسات الحسية والمعنوية  .

 المبحث الخامس : تعظيم الإسلام للحرم

إن للحرم حرمة عظيمة في الإسلام، وحسبك بأمر عظّمه العظيم فلا بد أن يكون عظيما، إن عظمة الحرم لا يحيط بها وصف، ولا يلمّ بها بيان، ولا يطيقها بنان، فهل يتحدث الباحث عن التحريم الإلهي الموغل في القدم لهذا المكان، أم يتناول الأمن الشامل في هذه البقعة المقدسة، أم يعرض لكونه مهوى الأفئدة وقبلة الوجوه والقلوب، أم يشير إلى مضاعفة الحسنات والأجور، أم يذكّر بأنه أحب البقاع إلى الله سبحانه وتعالى، أم يذكر أنه مأرز الإيمان.

إن الباحث حينما يهم بالحديث عن هذا الأمر العظيم تصيبه الدهشة، ويمنعه الإجلال عن الحديث؛ فلا يدري عن أي أمر يتحدث، ولكن حسب الباحث أن يورد آية، ويستدل بحديث، ويستشهد بقول عالم؛ ليشير إلى هذا الأمر،و وإن لم يحط به .

إن عظمة الحرم تتناول جوانب عظيمة وكثيرة منها :

1-   أن الله سبحانه وتعالى حرم هذه البلدة منذ خلق السموات والأرض، قال تعالى:)إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء(([58] وفي الصحيحين عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير! أحدثك قولا قام به رسول الله ﷺ‬ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا).([59]) وقال ﷺ‬  يوم فتح مكة ( إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض).([60])

2-   أن الله جعل هذا البيت مثابة للناس، قال تعالى:) وإذ جعلنا البيت مثابة للناس (.([61]) قال أبو جعفر الطبري: (فمعنى قوله :) وإذ جعلنا البيت مثابة للناس( وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا يأتونه كل عام، ويرجعون إليه فلا يقضون منه وطرا). ([62]

3-   أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه جعله حرما آمنا  قال تعالى: )أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون(.([63]) قال الشافعي رحمه الله: (يعني والله أعلم آمنا من صار إليه لا يتخطف اختطاف من حولهم).([64]) وذكّر أهل الحرم بما امتن عليهم حتى في حال جاهليتهم فقال تعالى:)لإيلاف قريش.إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. فليعبدوا رب هذا البيت. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف( ([65])  وقال سبحانه وتعالى:) وإذ جعلنا البيت مثابة للناس(.([66]) قال السيوطي: (آمنا من العدوان أن يحمل فيه السلاحَ، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون). ([67])

4-   أنه من شعائر الله، قال تعالى:) إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما( ([68]). قال ابن العربي بعد أن أورد أقوال العلماء في المراد بالشعائر:(والصحيح أنها جميع مناسك الحج).([69]) وقال تعالى مبينا أن تعظيم هذه الشعائر علامة على الإيمان: )ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب(.([70]) قال ابن جرير:(قال ابن زيد في قوله:) ومن يعظم حرمات الله( قال: الحرمات المشعر الحرام، والبيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، هؤلاء الحرمات).([71])

5-   أنه قبلة للقلوب والوجوه، قبلة في الحياة وفي الممات، قال تعالى: ) قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره( ([72]) .

6-   تحريم الإلحاد فيه، والإلحاد هو الميل عن الحق إلى الباطل ([73])، وهو شامل لكل عدول عن الصواب إلى الظلم، وارتكاب المنهيات على تنوعها حسبما فسرته السنة. ([74]) وقد حرم الله الإلحاد في كل زمان ومكان، ولكن يختص الحرم دون ما سواه أن العبد يؤاخذ بالذنب في الحرم بمجرد الهم فيه، وهو عامد قاصد أنه ظلم وليس بمتأول، ولو لم يفعله، قال تعالى:)ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم(.([75])وأورد ابن كثير قول ابن مسعود t:( لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم) وقال: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري ([76])   

7-   تعظيم الحسنات ومضاعفتها فيه، فكما عظّم الباري سبحانه وتعالى أثم من ألحد فيه، فقد عظّم وضاعف أجر من عمل صالحا فيه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيr قال:( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام).([77]) ففي هذا الحديث بين النبي ﷺ‬ مضاعفة أجر الصلاة لمن صلى فيه، ولم يبين عدد التضعيف؛ بينما ورد من حديث عبد الله بن الزبير عند ابن حبان أن الصلاة فيه تعدل مائة صلاة في المسجد النبوي، فعن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول اللهr :(صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في ذاك المسجد أفضل من مائة صلاة في هذا، يعني في مسجد المدينة).([78])

8-   أن مكة أفضل البلاد وأحبها إلى الله ورسوله ﷺ‬ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول اللهr لمكة:( ما أطيبك من بلدة، وأحبك إلي، ولولا أن قومك أخرجوني ما سكنت غيرك). ([79])

9-   أن مكة والمدينة النبوية هما مأرز الإيمان في آخر الزمان فمنها انطلق، وإليهما يعود فعن بن عمر رضي الله عنهما عن النبيr قال:( إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين، كما تأرز الحية إلى جحرها)([80])

10- أن مكة حرمها الله، فلا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، فعن بن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ‬ قال:( حرم الله مكة فلم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد بعدي؛ أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف. فقال العباس رضي الله عنه: إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا. فقال: إلا الإذخر).([81])

11- أن مما خص الله به الحرم  أنه يجبى إليه ثمرات كل شيء قال تعالى:)أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون(([82]) ، وهذه الثمرات المتتابعة على هذا الحرم الآمن هي منّة من الله تعالى، واستجابة لدعوة الخليل عليه السلام حين دعا ربه قائلا:)رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر(([83] وقال الله سبحانه وتعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه توسل إلى ربه فقال:)ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون(([84]). فكان الواقع المشاهد في هذا الحرم وفرة الرزق، وتعدد الثمرات وتنوعها .

 المبحث السادس : تعظيم أهل الجاهلية للحرم

  

أمر الله سبحانه وتعالى نبيه وخليله إبراهيم u  أن يبني البيت الحرام؛ ليكون مثابة للناس وأمنا، قال تعالى: } أولم يرو أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم{([85]). وقال تعالى: } وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا{([86]).  

ورَكَزَ سبحانه وتعالى في القلوب محبته وتعظيمه، وجعل القلوب تهفوا إليه، قال تعالى مخبرا عن إبراهيم u  أنه دعا ربه فقال : } فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم{([87]) فاستجاب الله دعوته، وأمضى فريضته بحج بيته وتعظيمه، وعلى هذا توالت الشرائع الإلهية: } ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا { ([88])

  وأخبر النبي ﷺ‬ أن الأنبياء توافدوا على البيت معظمين حاجين , فقال ﷺ‬ كما رواه مسلم عن  بن عباس رضي الله عنهما : ( أن رسول الله e مر بوادي الأزرق , فقال : أي واد هذا؟ فقالوا: هذا وادي الأزرق. قال : كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطا من الثنية، وله جؤار إلى الله بالتلبية. ثم أتى على ثنية هَرْشَى، فقال : أي ثنية هذه؟ قالوا ثنية هرشى. قال : كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام، على ناقة حمراء جعدة، عليه جبة من صوف، خطام ناقته خلبة , وهو يلبي. قال : ابن حنبل في حديثه قال هشيم: يعني ليفا)([89]) .

وسار أتباع الأنبياء يقتفون خطى أنبيائهم , فقد قال ابن الزبير رضي الله عنهما: ( إن هذا البيت كان يحجه من بني إسرائيل سبعمائة ألف، يضعون نعالهم بالتنعيم، ثم يدخلون حفاة؛ تعظيما له)([90]).

وتتابعت القلوب على ما فطرت عليه تعظيما وإجلالا لهذا البيت حتى بعدما اندرست النبوة , وخفيت معالمها، وغلبت الجاهلية، فكانت العرب تعظم الحرم، ولا تطوف فيه بثياب عصت الله فيها، فكان الرجل إذا قدم الحرم اشترى ثيابا ؛ ليطوف فيها، فإن لم يستطع استعار من أهل الحرم ، فإن لم يجد طاف عاريا؛ كما ذكر ذلك ابن شهاب رحمه الله قال: (كانت العرب تطوف بالبيت  عراة  إلا الحمس، قريش وأحلافهم، فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه، فطاف في ثوبي أحمسي يستعيرهما منه، فإن لم يجد من يعيره استأجر من ثيابهم، فإن لم يجد من يستأجر منه ثوبه من الحمس، ولا من يعيره ذلك؛ كان بين أحد أمرين: إما أن يلقي عنه ثيابه ويطوف عريانا، وإما أن يطوف في ثيابه، فإن طاف في ثيابه ألقاها عن نفسه إذا قضى طوافه، وحرمها عليه فلا يقربها ولا يقربها غيره، فكان ذلك الثوب يسمى اللقي.

 والمرأة في ذلك والرجل سواء إلا أن النساء كن يطفن بالليل، والرجال بالنهار، فقدمت امرأة لها هيئة وجمال فطافت عريانة، وقال بعضهم: بل كان عليها من ثيابها ما ينكشف عنها، فجعلت تقول:                    

اليوم يبدو بعضه أو كله        فما بدا منه فلا أحله

فكانوا على ذلك حتى بعث الله نبيه e)([91]). وقال السهيلي: (كان سيدنا رسول الله e حين قدم من تبوك أراد الحج، فذكر مخالطة المشركين للناس في حجهم، وتلبيتهم بالشرك، وطوافهم عراة بالبيت؛ وكانوا يقصدون بذلك أن يطوفوا كما ولدوا بغير الثياب التي أذنبوا فيها وظلموا، فأمسك e عن الحج في ذلك العام.) ([92])

ولما أرادت قريش تجديد عمارة البيت الحرام بعدما تهدم تواصوا فيما بينهم ألا يدخلوا فيه مالا حراما من ربا، أو مهر بغي، ولا مظلمة أحد من الناس، كما ذكر ابن إسحاق في السيرة عن عبد الله بن أبي نجيح أنه أخبر عن عبد الله بن صفوان بن أمية أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم وهو جد جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي قال لقريش: ( لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيب، ولا تدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس).([93])

كل ذلك من تعظيم الحرم، وأن لا يدخل في بنائه مال حرام ؛ ولذا لما قصرت بهم النفقة لم يستطيعوا إكمال بناء البيت؛ فأخرجوا منه الحجر، فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( سألت النبي e عن الجدر أمن البيت هو؟ قال نعم. قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة. قلت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: فعل ذلك قومك ؛ ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت , وأن ألصق بابه بالأرض) ([94]).

 وكانت العرب تمتنع فيه عما تستحله في غيره، فكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، ولم يعرض له حتى يخرج منه.([95]) وتسميه مضر الأصم؛ لسكون أصوات السلاح وقعقعته فيه.  ولما أراد كفار قريش قتل خبيب t أخرجوه خارج الحرم ؛ وذلك تعظيما للحرم.([96])

 المبحث السابع : من أحكام الحرم

جعل الله سبحانه وتعالى البيت الحرام مثابة للناس وأمنا ، وأخبر رسول الله ﷺ‬  أن الله شرف مكة , وعظمها , وحرمها ، منذ خلق الله السموات والأرض ، وخص الله سبحانه وتعالى هذا البلد بخصائص وأحكام لم يشترك معه فيها غيره، وهذه الأحكام مختلفة:

 فمنها ما يتعلق ببيان حرمته وشرفه ، فقد بين النبي ﷺ‬ أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض كما روى ذلك أهل الصحاح والسنن، ومن ذلك قوله ﷺ‬ :( إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات , والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة , لم تحل لأحد قبلي , ولا تحل لأحد بعدي , ولم تحلل لي إلا ساعة من الدهر , لا ينفر صيدها , ولا يعضد شوكها ولا يختلى خلاها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد). ([97])

 وأخرج البخاري عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي e قال:( إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد قبلي , ولا تحل لأحد بعدي , وإنما أحلت لي ساعة من نهار , لا يختلى خلاها , ولا يعضد شجرها , ولا ينفر صيدها , ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف). ([98])

وقال رسول الله e :( إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها , وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة). ([99])

وفي الحديث الأول , والثاني أن الله حرم مكة وجعلها آمنة، وفي الحديث الثالث أن إبراهيم الخليل عليه السلام هو الذي حرم مكة. فقد يتساءل متسائل أو ما كان الحرم آمنا قبل أن يسأل إبراهيم ربه لــه الأمان؟.

فيقال : المسألة محل نظر واختلاف , وقد أورد ابن جرير رحمه الله الأقوال في ذلك , وذكر دليل كل فريق , ثم قال: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره جعل مكة حرما حين خلقها وأنشأها، كما أخبر النبي أنه حرمها يوم خلق السماوات والأرض بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله، ولكن بمنعه من أرادها بسوء، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات، وعن ساكنيها ما أحل بغيرها وغير ساكنيها من النقمات، فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله , وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل، فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانه؛ ليكون ذلك سنة لمن بعده من خلقه يستنون بها فيها، إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلا , وأخبره أنه جاعله للناس إماما يقتدى به، فأجابه ربه إلى ما سأله، وألزم عباده حينئذ فرض تحريمه على لسانه؛ فصارت مكة - بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها بغير إيجاب الله فرضَ الامتناع منها على عباده، ومحرمة بدفع الله عنها بغير تحريمه إياها على لسان أحد من رسله - فرضاً تحريمها على خلقه على لسان خليله إبراهيم عليه السلام، وواجباً على عباده الامتناع من استحلالها، واستحلال صيدها وعضاهها، بإيجابه الامتناع من ذلك؛ ببلاغ إبراهيم رسالة الله إليك بذلك إليه ؛ فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم، فقال رسول الله: إن الله حرم مكة؛ لأن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده على وجه العبادة له به ـ دون التحريم الذي لم يزل متعبدا لها به على وجه الكلاء والحفظ لها قبل ذلك ـ كان عن مسألة إبراهيم ربه إيجاب فرض ذلك على لسانه، لزم العباد فرضه دون غيره) ([100]) .

وقال الشوكاني رحمه الله بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في ذلك , وساق الأقوال :( ولا تعارض بين هذه الأحاديث؛ فإن إبراهيم عليه السلام لما بلغ أن الله حرمها، وأنها لم تزل حرما آمنا، نسب إليه أنه حرمها، أي أظهر للناس حكم الله فيها، وإلى هذا الجمع ذهب ابن عطية وابن كثير، وقال ابن جرير: إنها كانت حراما ولم يتعبد الله الخلق بذلك ، حتى سأله إبراهيم فحرمها وتعبدهم بذلك. وكلا الجمعين حسن) ([101])

   وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عند قوله تعالى :  } وإذ بوأنا لإبراهيم{   ....:( فالله جلت قدرته أمر نبيه إبراهيم وابنه إسماعيل أن يطهرا هذا البيت ، وهكذا جميع ولاة الأمور يجب عليهم ذلك؛ ولهذا نبه النبي ﷺ‬  على ذلك يوم فتح مكة ، وأخبر أنه حرم آمن، وأن الله حرمه يوم خلق السموات والأرض، ولم يحرمه الناس ).  ([102])

ومنها ما يتعلق بعمارته الحسية والمعنوية بالعبادة فيه, والطواف حوله, ومضاعفة الحسنات فيه .

فقد بين النبي ﷺ‬ عظيم أجر من بنى لله بيتا في سائر الأرض فقال رسول الله e :(من بنى لله مسجدا , ولو كمفحص قطاة, بنى الله له بيتا في الجنة)([103]). فما بالك بعمارة المسجد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، وشرع أن تشد الرحال إليه؛ طلبا لمضاعفة الأجر فيه إذ يقول الرسول ﷺ‬ :( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول e، ومسجد الأقصى) ([104]) .

 وبين النبي ﷺ‬ مضاعفة الصلاة فيه فقال:( صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام , وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)([105]).

 وأخبر ابن عمر t عن الأجور المترتبة على الطواف بالبيت  حينما سأله والد عبد الله ابن عبيد بن عمير بقوله لابن عمر: إنك لتزاحم على هذين الركنين فقال ابن عمر: إن أفعل فإني سمعت رسول الله e يقول: (مسحهما يحط الخطايا. وسمعته يقول: من طاف بالبيت لم يرفع قدما , ولم يضع إلا كتب الله له حسنة , ويحط عنه خطيئة , وكتب له درجة. وسمعته يقول : من أحصى أسبوعا كان كعتق رقبة , قال يوسف في حديثه : ورفعت له بها درجة) ([106]) .

ومنها ما يتعلق بتطهيره وتهيئته للمتعبدين والطائفين والقائمين والركع السجود، قال تعالى: } وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود{ ([107]). وقال تعالى:} وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود{ ([108]). وقال تعالى:} ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا {  ([109]) .

 ومنها ما يتعلق بحمايته من أن يقربه مشرك, أو يجوس في أرضه كافر. قال تعالى :} إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا{([110]) .

وأمر النبي ﷺ‬  ألا يحج  البيت مشرك، فقد قال أبو هريرة :(بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمّره عليها رسول الله e قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر : لا يحج بعد العام مشرك). ([111])

وسأل رجل علي بن أبي طالب t بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: ( بعثت بأربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مؤمن وكافر في المسجد الحرام بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي e عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر).([112])

وقال الشافعي رحمه الله: قال الله تبارك وتعالى:} إنما المشركون نجس{ الآية, قال: فسمعت بعض أهل العلم يقول: المسجد الحرام: الحرم. وبلغني أن رسول الله e قال: ( لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل الحرم). قال: وسمعت عددا من أهل العلم بالمغازي يروون أنه كان في رسالة النبي e: لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا، فإن سأل أحد ممن تؤخذ منه الجزية أن يعطيها ويجري عليه الحكم على أن يترك يدخل الحرم بحال فليس للإمام أن يقبل منه على ذلك شيئا، ولا أن يدع مشركا يطأ الحرم بحال من الحالات طبيبا كان أو صانعا بنيانا أو غيره؛ لتحريم الله عز وجل دخول المشركين المسجد الحرام، وبعده تحريم رسوله ذلك، وإن سأل من تؤخذ منه الجزية أن يعطيها ويجري عليه الحكم على أن يسكن الحجاز لم يكن ذلك له، والحجاز مكة). ([113])

وقال - أيضا - : ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد إلا المسجد الحرام , فإن الله عز وجل يقول:} إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا {  فلا ينبغي لمشرك أن يدخل الحرم بحال([114]). وبين شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن هذا الحكم يدخل فيه الكافر الوثني والكتابي وجميع الكفار ([115]).

قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ مبينا ما يختص به الحرم عن سائر الحجاز:( ويخالف الحجاز؛ لأن الله تعالى منع منه، مع إذنه في الحجاز، فإن هذه الآية نزلت , واليهود بخيبر والمدينة وغيرهما من الحجاز، ولم يمنعوا من الإقامة به، وأول من أجلاهم عمر رضي الله عنه، ولأن الحرم أشرف ؛ لتعلق النسك به، ويحرم صيده، وشجره، والملتجىء إليه، فلا يقاس عليه، فإن أراد كافر الدخول إليه منع منه، فإن كانت معه ميرة أو تجارة خرج إليه من يشتري منه، ولم يترك هو يدخل، وإن كان رسولا إلى إمام بالحرم خرج إليه من يسمع رسالته , ويبلغها إياه، فإن قال: لا بد لي من لقاء الإمام، وكانت المصلحة في ذلك؛ خرج إليه الإمام، ولم يأذن له في الدخول، فإن دخل الحرم عالما بالمنع عزر، وإن دخل جاهلا نهي وهدد، فإن مرض بالحرم أو مات أخرج , ولم يدفن به ؛ لأن حرمة الحرم أعظم).([116])

ومنها ما يتعلق بأمن وحماية من حل فيه من آدمي أو حيوان أو طير أو شجر وتحريم الاعتداء عليه. قال تعالى }وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا{. ([117]) وكذلك ما جاءت به الأحاديث الصحيحة والصريحة عن رسول الله ﷺ‬ التي تحرم أن يسفك فيه دم حرام , أو أن يقتل فيه صيد , أو يعضد فيه شجر. ([118])

 وجمع الإمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ في المجموع الأحكام التي يخالف الحرم فيها غيره من البلاد , وأوصلها إلى سبعة عشر حكما , فقال: ( المسألة السادسة: في الأحكام التي يخالف الحرم فيها غيره من البلاد , وهي كثيرة نذكر منها أطرافا:

 أحدها: أنه ينبغي أن لا يدخله أحد إلا بإحرام , وهل ذلك واجب أم مستحب ؟ فيه خلاف. وختمها بقوله : السابع عشر : لا يجوز إحرام المقيم في الحرم بالحج خارجه)([119]) .

 المبحث الثامن :نجاسة المشرك كما وردت في القرآن الكريم

جاء القرآن صريحا في وصف المشركين بالنجاسة، قال تعالى:} إنما المشركون نجس{ ([120]) . فما المراد بالنجس المذكور في هذه الآية؟ وما سببه؟.

وقبل الخوض في المراد الشرعي من هذا الوصف، يحسن بنا أن ننظر في معنى النجس عند أهل اللغة .

 النجس: ضد الطاهر، والنجس: القذر من الناس ومن كل شيء قذرته. و نجس الشيء بالكسر ينجس نجسا فهو نجس، ورجل نجِس و نجَس، والجمع أنجاس، وقيل: النجس يكون للواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد , يقال : رجل نجس، ورجلان نجس، وقوم نجس، قال الله تعالى:} إنما المشركون نجس { فإذا كسروا ثنوا وجمعوا وأنثوا، فقالوا: أنجاس ونجسة. وقال الفراء: نجس لا يجمع , ولا يؤنث. وقال أبو الهيثم في قوله : ( إنما المشركون نجس ) أي أنجاس أخباث، في الحديث أن النبي كان إذا دخل الخلاء قال:(اللهم إني أعوذ بك من النجس الرجس الخبيث المخبث) ([121])

 يقول الفيروز أبادي في قاموسه :( النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك وككتف وعضد ضد الطاهر، وقد نجس كسمع، ... وتنجس فعل فعلا يخرج به عن النجاسة)([122]).

ويقول القاضي عياض - رحمه الله - في مشارق الأنوار في مادة ( ن ج س ):( قوله : إن المؤمن لا ينجس , بضم الجيم ثلاثي , وبفتحها – أيضا – والرجس: النجس , يقال : نجس ونجس بفتحهما للواحد والاثنين والجمع والذكر والأنثى , قاله الكسائي , وقال غيره : إنما يقال بفتحهما , فإذا أتبعته رجس قلت بالوجه الآخر بكسر النون وسكون الجيم والنجس كل مستقذر)([123]) .

بينما أورد أبو السعادات مادة (نتن) حيث تضمنت  هذه المادة معنى مقاربا لمعنى النجس. وقال :( فيها [ أي في هذه المادة] (ما بال دعوى الجاهلية دعوها فإنها منتنة). أي مذمومة في الشرع، مجتنبة مكروهة كما يجتنب الشيء النتن، .... ومنه حديث بدر (لو كان المطعم بن عدي حيا فكلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له) يعني أسارى بدر , واحدهم نتن كزمن وزمنى؛ سماهم نتنى لكفرهم , كقوله تعالى :(إنما المشركون نجس)([124]). وقال الراغب الأصفهاني في مفرداته :( نجس : النجاسة القذارة وذلك ضربان: ضرب يدرك بالحاسة. وضرب يدرك بالبصيرة، والثاني وصف الله تعالى به المشركين , فقال :( إنما المشركون نجس).([125])

أما المعنى المراد بالنجس في هذه الآية فقد اختلف فيه المفسرون على قولين  :

القول الأول: أنها نجاسة معنوية ([126])  نفسانية؛ لأنهم يجْنبون ولا يغتسلون . وهذا قول جمهور السلف والخلف , ومنهم أئمة المذاهب الأربعة ؛ لأن الله أحل طعامهم ، وثبت عن النبي ﷺ‬ في ذلك من فعله وقوله ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم ، فأكل في آنيتهم , وشرب منها , وتوضأ فيها , وأنزلهم في مسجده ([127]) .

   وقال ابن عاشور عند تفسير هذه الآية:(فالمشرك نجس لأجل عقيدة إشراكه، وقد يكون جسده نظيفا مطيبا لا يستقذر، وقد يكون مع ذلك مستقذر الجسد ملطخا بالنجاسات؛ لأن دينه لا يطلب منه التطهر، ولكن تنظفهم يختلف باختلاف عوائدهم وبيئتهم ، والمقصود من هذا الوصف لهم في الإسلام تحقيرهم وتبعيدهم عن مجامع الخير، ولا شك أن خباثة الاعتقاد أدنى بصاحبها إلى التحقير من قذارة الذات، ولذلك أوجب الغسل على المشرك إذا أسلم؛ انخلاعا عن تلك القذارة المعنوية بالطهارة الحسية لإزالة خباثة نفسه) ([128]) .

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -   :( وأي نجاسة أبلغ ممن كان يعبد مع الله آلهة لا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنه شيئا؟! وأعمالهم ما بين محاربة لله، وصد عن سبيل الله، ونصر للباطل، ورد للحق، وعمل بالفساد في الأرض لا في الصلاح؛ فعليكم أن تطهروا أشرف البيوت وأطهرها منهم) ([129])

 القول الثاني : أنها نجاسة ذاتية ، كما ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية والزيدية، وهو مروي عن  الحسن البصري ([130]) . وقد نصر هذا القول الرازي في تفسيره .

ولا شك أن القول الأول هو الذي تنصره الأدلة .

وإذا ثبت أن المشرك نجسٌ نجاسةً معنوية , فهل يجوز له دخول المسجد الحرام، وسائر المساجد، والبلاد الإسلامية أو لا؟

اختلف الفقهاء في دخول الكفار المسجد الحرام وغيره من المساجد وبلاد الإسلام، وقد لخص الإمام البغوي - رحمه الله - أقوال الفقهاء، وبيّن أن بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام، ونقل عنه ذلك محمد رشيد رضا في تفسيره، وهذه الأقسام هي:

القسم الأول: الحرم , فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال ذميا كان أو مستأمنا؛ لظاهر الآية، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وجوّز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم.

القسم الثاني: الحجاز , وحده ما بين اليمامة واليمن ونجد والمدينة الشريفة، وقال الكلبي: حد الحجاز ما بين جبلي طيء وطريق العراق ـ فيجوز للكافر دخول أرض الحجاز بالإذن، ولكن لا يقيمون فيها أكثر من مقام المسافر , وهو ثلاثة أيام.

القسم الثالث: سائر بلاد الإسلام , فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأمان وذمة؛ ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن المسلم. ([131])

وبناء على ذلك , فسواء كان المشرك نجسا نجاسة معنوية أم ذاتية فيجب منعه من دخول الحرم؛ ولذا أمر الله إبراهيم, وإسماعيل عليهما السلام أن يطهرا بيته للطائفين والعاكفين والركع السجود ،فقال سبحانه وتعالى:} وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود. وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير{ ([132]). والأمر بالتطهير يقتضي المنع مما ينجسه أو يدنسه، ولا شك أن أعظم ما تدنس به المقدسات هو وقوع الكفر فيها، وتردد الكفار في جنباتها، وانتصاب الأوثان والأصنام في عرصاتها.

بل قد جاء النهي صريحا للمؤمنين بأن يمنعوا الكفار من القرب منها فضلا عن دخولها , والتردد في عرصاتها، وعلل الباري جل ثناؤه ذلك بما يلي :

الأول : أنهم كفار , والكفر في حد ذاته موجب للحرمان من عمارة المساجد، سواء كانت عمارة حسية أو معنوية؛ قال تعالى:}  ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله { ([133]) ؛ لأنها مساجد الله , فلا حق لغير الله فيها .

الثاني : أن هذه المواطن والمقدسات والحرمات أقيمت لعبادة الله وحده ، وأقام إبراهيم الخليل عليه السلام أول مسجد ـ وهو الكعبة ـ عنوانا على التوحيد ، وإعلانا به، كما قال تعالى:} إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا{ ([134]) ، فلا حق لغير المسلم بالاقتراب منها أو المرور فيها فضلا عن أن يتعبد فيها.

الثالث : أنهم يشهدون على أنفسهم بالكفر([135])  في حالهم ومقالهم، فكيف مع شهادتهم على أنفسهم بالكفر يطمعون بالقرب من المقدسات، ومن مواضع عبادة الله, ومشاركة المؤمنين بالله في مواضع العبادة ؟. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - : ( فإذا كانوا شاهدين على أنفسهم بالكفر وعدم الإيمان الذي هو شرط لقبول الأعمال، فكيف يزعمون أنهم عُمّار مساجد الله، والأصل منهم مفقود، والأعمال منهم باطلة ؟!)([136]).     

الرابع : أن المشركين نجس فلا يكونون أهلا لدخول الحرم ما داموا متصفين بهذه الصفة التي تلبسوا بها في طوعهم واختيارهم ([137]) .

وقال الجصاص في أحكام القرآن عند قوله تعالى :} إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا{ :  إطلاق اسم النجس على المشرك من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه , كما يجب اجتناب النجاسات والأقذار؛ فلذلك سماهم نجسا، والنجاسة في الشرع تنصرف على وجهين , أحدهما: نجاسة الأعيان، والآخر: نجاسة الذنوب، وكذلك الرجس والرجز ينصرف على هذين الوجهين في الشرع، قال الله تعالى:} إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان{([138] وقال في وصف المنافقين: } سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس{([139])  فسماهم رجسا , كما  سمى المشركين نجسا)([140]).

وقال الشوكاني - رحمه الله - عند قوله تعالى: }  فلا يقربوا المسجد الحرام {  قال : (الفاء للتفريع ، فعدم قربانهم للمسجد الحرام متفرع على نجاستهم، والمراد بالمسجد الحرام : جميع الحرم، وروي ذلك عن عطاء ، فيمنعون عنده من جميع الحرم). ([141])

 المبحث التاسع: نجاسة المشرك كما وردت في العهد القديم والعهد الجديد

يحسن بنا قبل أن نستعرض نصوص العهدين ـ القديم والجديد ـ  أن ننظر ماذا قال قاموس الكتاب المقدس عن النجاسة، فقد ورد تحت مادة نجس : نجاسة : خصص جزء كبير من العهد القديم لتبيان موقف الشريعة من النجاسة. ثم سرد مواقع هذه النصوص، وقال بعدها: (أما نجاسة القلب فهي الخطيئة، وهي تنتج من القلب , وتمتد إلى الفكر والضمير).([142])

 وحينما تتابع مواقع هذه النصوص تجد أن نصوصا كثيرة وردت في العهدين تصِمُ أصنافا من البشر بالنجاسة، كما تذكر أن الإنسان النجس ينجّس المكان الذي يحل فيه، بل ينجّس الزمان الذي يعيش فيه، وجاء في بعضها ضرورة نفي الإنسان النجس إلى خارج المدينة التي يعيش فيها الطاهرون، كما جاء في بعضها إن الخطيئة تمتد في ذرية المذنب ويتوارثها أبناؤه.

فقد تضمنت نصوص العهدين أن عبادة الأصنام تنجس صاحبها, كقول حزقيال: (وقلت لأبنائهم في البرية: لا تسلكوا في فرائض آبائكم، ولا تحفظوا أحكامهم، ولا تتنجسوا بأصنامهم).([143])

وفي سفر حزقيال ـ أيضا ـ ورد أن الكهنة ([144]) خالفوا الشريعة، ولم يفرقوا بين الحلال والحرام، ولا بين النجس والطاهر، حيث يقول: (كهنتها خالفوا شريعتي، ونجسوا أقداسي، لم يميزوا بين المقدس والمحلل، ولم يعلموا الفرق بين النجس والطاهر، وحجبوا عيونهم عن سبوتي؛ فتدنست في وسطهم).([145])  وفي سفر صفنيا: (كهنتها نجسوا القدس، خالفوا الشريعة).([146])

  ففي هذا النص ذكر أن مخالفي الشريعة نجسوا المكان والزمان، وفي النص التالي أن الكهنة أكثروا من الخيانة، وشابهوا الأمم الأخرى في ضلالها: ( حتى إن جميع رؤساء الكهنة والشعب أكثروا من الخيانة حسب كل رجاسات الأمم، ونجسوا بيت الرب الذي قدسه في أورشليم). ([147])  

بل جاءت نصوص  تعتبر الشعوب الأخرى نجسة , وتنجس البيت المقدس، كما في سفر حزقيال: ( يكفيكم كل رجاساتكم - يا بيت إسرائيل - بإدخالكم أبناء الغريب الغلف القلوب، الغلف اللحم؛ ليكونوا في مقدسي , فينجسوا بيتي). ([148])

ولم تقتصر هذه النصوص على وصم المشرك أو الكافر بالنجاسة، بل نجد نصوصا من نصوص العهد القديم ـ تصف المذنب بالنجس , كما ورد ذلك في حزقيال ([149]) ، وفي سفر الاويين: ( ولا تقترب إلى امرأة في نجاسة طمثها؛ لتكشف عورتها، ولا تجعل مع امرأة صاحبك مضجعك لزرع , فتتنجس بها... ولا تضاجع ذكرا مضاجعة امرأة؛ إنه رجس... بكل هذه لا تنجسوا؛ لأنه بكل هذه قد تنجس الشعوب الذين أنا طاردهم من أمامك). ([150])

وفي سفر العدد ورد التحذير, من الزنى واعتبار من يقترفه نجسا: (وكلم الرب موسى قائلا : كلم بني إسرائيل وقل لهم : إذا زاغت امرأة رجل , وخانته خيانة , واضطجع معها رجل اضطجاع زرع , وأخفى ذلك عن عيني رجلها , واستترت , وهي نجسة) .([151])

         وفي سفر التثنية ورد تحريم دخول الخصي وابن الزنى حتى الجيل العاشر في الجماعة  اليهودية :( لا يدخل مخصي بالرضّ أو مجبوب في جماعة الرب، لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر، لا يدخل منه أحد في جماعة الرب، لا يدخل عموني([152]) ولا موآبي([153]) في جماعة الرب حتى الجيل العاشر، لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد). ([154])

          فهذا النص تضمن تحريم دخول الخصي والمجبوب وابن الزنى في الجماعة اليهودية، بل حرم – تحريما أبديا – دخول شعوب بأكملها في هذه الجماعة. ولا تظن أن هذا النص يقدسه اليهود فقط ، بل النصارى تعتقد حجية كتب العهد القديم كما هو معروف، وتغالي فيها الأصولية المسيحية المعاصرة إذ تعتقد تنزيه الكتاب المقدس من الخطأ وأن نصوصه كتبت بإلهام.([155])

  كما نجد في نصوص العهد الجديد مثل ذلك، فقد جاء في سفر متى: ( وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر؛ وذاك ينجس الإنسان ؛ لأن من القلب تخرج أفكار شريرة: قتل، زنى، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف، هذه هي التي تنجس الإنسان). ([156])  

والنجاسة ليست وقفا على الأجساد , بل وصفت الأرواح بالنجاسة، فقد ذكر سفر زكريا الوعيد بالقضاء على الأرواح النجسة حيث يقول:( وأزيل الروح النجس). ([157])

   بل تتعدى الأجساد والأرواح والأحياء لتصل إلى الأموات، حيث ذكر الإنجيلي متى نجاسة الميت في قبره:( لأنكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من خارج جميلة، وهي في داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة).([158])

  وهذه الآثام لا تقتصر نجاستها على مرتكبيها , بل تتجاوز ذلك إلى أن تنجس المكان الذي يحل فيه المذنب , كما جاء في سفر نحميا: (اذكرهم يا إلهي؛ لأنهم نجسوا الكهنوت).([159])  ولذا ورد النص عندهم على ضرورة إخراج المذنب من المحلة ؛ لئلا ينجسها , كما في سفر العدد:( وكلم الرب موسى قائلا : أوص بني إسرائيل أن ينفوا من المحلة كل أبرص، وكل ذي سيل، وكل  متنجس ، الذكر والأنثى ينفون إلى خارج المحلة تنفونهم؛ لكيلا ينجسوا محلاتهم).([160])

 ويلاحظ الباحث أن هذا النص تضمن إخراج الأبرص من المحلة؛ لئلا ينجس الأرض، والبرص أمر خارج عن قدرة الإنسان, ولا حيلة له في دفعه، ولا يتسبب الإنسان في جلبه لنفسه؛ ولكنها النصوص المحرفة , والعبث البشري المحض .

وإذا رأينا ـ فيما مر معنا ـ أن الشرك والذنب ينجس صاحبه , وينجس الأرض التي يحل فيها، فهو - أيضا - ينجس الزمان الذي يتقلب فيه، ففي سفر نحميا أن العمل يوم السبت يدنس اليوم حيث يقول: (فخاصمت عظماء يهوذا , وقلت لهم: ما هذا الأمر القبيح الذي تعملونه, وتدنسون يوم السبت ؟ ). ([161])

كما جاء الترغيب في حفظ السبت, وعدم تنجيسه من قول إشعياء: ( الحافظ السبت؛ لئلا ينجسه). ([162])

وأيضا فإن عبادة الأصنام تدنس الزمان:( لأنهم رفضوا أحكامي، ولم يسلكوا فرائضي, بل نجسوا سبوتي ؛ لأن قلبهم ذهب وراء أصنامهم).([163])

 المبحث العاشر: منع غير المسلمين من دخول الحرم

كثيرا ما يتردد في وسائل الإعلام، وفي المؤتمرات الصحفية، وفي مواقع الشبكة العنكبوتية التساؤلات التالية:

 يحرم الإسلام على غير المسلمين دخول مكة، وكذلك دخول المدينة؛ ويعلل ذلك بأن غير المسلم نجس.

 أليس هذا دليلاً قاطعاً على احتقار المسلم لغيره من بني البشر؟ .

أليس هذا من الاعتداء على حقوق الإنسان وكرامته؟ .

أليس هذا من الاعتداء على حق المعاملة بالمثل؟ والمسلمون يدخلون معابد ومقدسات غير المسلمين ؟ .

أليست مكة بيت الله ؟ .

أليس الله رب الجميع ؟ .

لماذا يحتكر المسلمون بيت الله لأنفسهم دون غيرهم ؟ ؟ .

وهذه التساؤلات والشبه كلها واهية، بل هي أوهى من بيت العنكبوت، كما سيتبين لك فيما بعد، ولعل من المناسب أن تكون الإجابة على هذه التساؤلات مجملة؛ لأن إجابة بعضها متعلقة بالإجابة على بعضها الآخر، ولئلا يمل القارىء من تكرار الأدلة , وتردد الحجج.

فأقول مستعينا بالله : إن الله سبحانه وتعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل؛ من أجل أن يرتقي الجنس الإنساني، ويبلغ كماله المنشود، فأبى الكافر إلا أن يظلم نفسه, ويدنسها، ويوبقها بالكفر والمعاصي، ويمنعها حقها الفطري , وهو عبادة الله وحده، فأبى أن يعبّدها لله ، وعبّدها لغيره، ثم يطالب أن يسوى بينه وبين من يعبد الله، كلا فلا يستوي المؤمن والكافر، كما لا يستوي الخبيث والطيب .

وأما بيان زيف هذه المطالبة، وسقوط هذه الشبهة فيتضح من خلال الوجوه التالية : ـ

  الوجه الأول : أن هذا الدين حق، ولا يقبل الله في الدنيا والآخرة دينا غيره، قال تعالى: } ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين{ ([164]) . وقد جعله الله مهيمنا على ما سبقه من الأديان والشرائع قال تعالى: } وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه{ ([165]). وهذا الدين هو ملة إبراهيم u - وهو النبي المبجل من جميع أصحاب الأديان - قال تعالى: } ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا { ([166])

  الوجه الثاني : أن أنبياءهم بشروا أقوامهم بهذا النبي الخاتم ، وبهذا الدين الكامل، قال تعالى: }وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد {. ([167])  

 وكتب اليهود والنصارى مملوءة بالشواهد المنقولة عن أنبيائهم التي تبشرهم بمقدم هذا النبي ﷺ‬ كقول موسى u  مخبرا عن الله أنه يقول: (أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، واجعل كلامي في فمه , فيكلمهم بكل ما أوصيه به ). ([168])

  وجاء أيضا قول موسى u  :( إن الرب تعالى جاء من طور سيناء، وأشرق من ساعير، وظهر من جبال فاران). ([169])

 وفي هذا النص إشارة إلى مواطن الرسالات الثلاث، فطور سيناء إشارة لرسالة موسى u ، وساعير إشارة إلى موطن رسالة عيسى u، وفاران - وهي جبال مكة -  إشارة إلى مهبط الرسالة الخاتمة، رسالة نبينا محمد ﷺ‬ .

  الوجه الثالث : شهادة من أسلم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن هذا الدين حق، فقد صنفوا في ذلك مصنفات كثيرة، وضمنوها من الأدلة والبراهين والحجج ما فيه حجة عل كل مبطل، ومن هذه الكتب : بذل المجهود , في إفحام اليهود , للمهتدي السموأل،كان يهوديا فأسلم، والدين والدولة في إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ‬ لعلي بن ربّن الطبري، والنصيحة الإيمانية , في فضيحة الملة النصرانية , لنصر بن يحيى المتطبب، وتحفة الأريب في الرد على أهل الصليب , لعبد الله الترجمان، ومحمد ﷺ‬ في التوراة والإنجيل والقرآن , لإبراهيم خليل أحمد، وكل هؤلاء كانوا نصارى؛ فهداهم الله إلى الإسلام، ([170]) وقد نقل عن هذه الكتب أئمة الإسلام كابن تيمية, وابن القيم, والقرافي, وابن حزم, ورحمة الله الهندي ...وغيرهم ممن صنف في مجال الجدل مع أهل الكتاب .

  الوجه الرابع : تضمنت كتب اليهود والنصارى أن النبوة تنزع  منهم، وتعطى أمةً تقدرها حق قدرها؛ ولذلك ذكّرهم المسيح u  بما يجدونه في كتبهم حينما قال لهم : ( أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية... لذلك أقول لكم : إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره). ([171])

   ويلحظ القارىء تشابها كبيرا بين هذا النص وبين ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: ( إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة. قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين).([172]

  الوجه الخامس : تضمن الإنجيل حرمان غير بني إسرائيل من الهداية, وحصرها فيهم، وعدم جواز تقديمها إلى غيرهم، فقد جاء في إنجيل متى : أن امرأة طلبت من المسيح u  أن يشفي ابنتها؛ فرفض، فشفع في شأنها حواريوه فقال لهم: ( لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، فأتت, وسجدت له قائلة: يا سيدي أعني. فأجاب, وقال: ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين, ويطرح للكلاب). ([173])

 والحرْمَان من الهداية أعظم من الحرْمَان من مكان العبادة؛ لأن الهداية لا تُتَلقى إلا من رسول، بينما يستطيع العبد أن يعبد ربه في كل مكان.

وإذا كانت هذه الرسالة مقصورة على أهلها، فإن رسالة محمد ﷺ‬ موجهة إلى كل البشر، فقد وجه محمد ﷺ‬ كتبه ورسله إلى الملوك والزعماء, كما هو مشهور من كتب السنة والسيرة .

  الوجه السادس : أن كتب أهل الكتاب نصت ـ كما مر معنا ـ  على نجاسة الكافر والمشرك، وأنه ينجس الزمان والمكان الذي يحل فيه، ويجب نفيه وإبعاده عن المدينة والمحلة التي يسكنها غيره. بل توجب هذه النصوص نفي الأبرص, وتجعله نجسا .

وقد يقول قائل منهم: إننا تركنا ذلك, ولا نعتقده. فنقول: لا تزال فئام منكم كثيرة تعتقد ذلك, وتدين به، وهب أنكم تركتم العمل بهذا, فهل نطالب بأن نترك العمل بشرعنا ؟ فأنتم تركتم ذلك كما تركتم غيره من شعائر دينكم، ونحن تمسكنا بما أمرنا الله به من تحريم أن يقرب حرمه كافر أو مشرك، كما تمسكنا ببقية شرائع ديننا، وأنتم ضيعتم هذا الأمر كما ضيعتم بقية شرائع دينكم .

  الوجه السابع : أن منع غير المسلمين من دخول الحرم ليس احتقارا لذواتهم؛ وإنما هو تنزيه  للمكان الذي شرع الله تطهيره من أن يقربه من يحمل في قلبه الكفر بالله، أو يشرك معه آلهة أخرى، فإذا كان البيت الحرام أمر الله ببنائه تعظيما لذكره، وإعلانا لتوحيده؛ فلا يجوز أن يتردد الكفار في الموطن الذي جعله الله خالصا للتوحيد، وميدانا لعبادة الله وحده، وقد مر معنا أن نصوصهم تمنع من دخول العصاة في الأماكن المقدسة .

  الوجه الثامن : أن الرسول الذي بلغ البشرية أمر تحريم الحرم، وتحريم أن يدخله مشرك- هو إبراهيم الخليل u ، وهو أبو الأنبياء ، وهو النبي الذي يدعي جميع أتباع الأديان: اليهودية، والنصرانية، والإسلام، أنهم يتبعونه , ويبجلونه , ويعظمونه، فمن كان حقا متبعا لإبراهيم ومعظما لما حرمه ومنعه؛  فليحرم ما حرمه، وليمتنع مما منعه .

والمسلمون حينما يمنعون الكفار من دخول الحرم، فإنما يتبعون أمر الله الذي بلغه إبراهيم إلى البشرية، وجدده نبينا محمد ﷺ‬ ، فهم متبعون لا مبتدعون، ويقتفون أثر الأنبياء , ولا يمارسون الاحتقار أو التفرقة العنصرية؛ إذ لم يكن تشريعا خاصا بشريعة محمد ﷺ‬ ؛ بل كان تشريعا ربانيا منذ خلق الله السموات والأرض .

  الوجه التاسع : أن جَعْلَ الإسلام المشركَ نجسا نجاسة حكمية إنما هو بسبب ما اتصف به من شرك وكفر، بينما جعلت نصوص أهل الكتاب أن من سواهم فهم أنجاس نجاسة ذاتية، وأنه ينجس المكان كما في سفر حزقيال: ( يكفيكم كل رجاساتكم - يا بيت إسرائيل - بإدخالكم أبناء الغريب الغلف القلوب، الغلف اللحم؛ ليكونوا في مقدسي , فينجسوا بيتي).([174]) ووصفوا - أيضا - بأنهم كلاب، ولا يحسن أن تقدم لهم الهداية، كما مر معنا في الوجه الخامس.([175])   

  الوجه العاشر : أن الإسلام يجعل أصل الجنس البشري واحدا , وهو آدم عليه السلام، كما قال تعالى :} يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء{ ([176]) . وعلى هذا فلا فرق بين الناس إلا بالتقوى , قال تعالى:  }يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم{ ([177]). فالله سبحانه وتعالى جعل الناس شعوبا وقبائل؛ ليتعارفوا، لا ليتفاخروا , ويحتقر بعضهم بعضا .

  الوجه الحادي عشر : أن الإسلام وضع القواعد الشرعية التي تكفل التعايش البشري الراقي، وينهى عن كل ما يدعو إلى الأحقاد والضغائن، واحتقار الخلق، كما قال ﷺ‬ :(إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم , وآدم من تراب، لينتهين أقوام فخرهم برجال، أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن).([178]) فبين النبي ﷺ‬ أصل الخليقة، ونهى عن التفاخر الممقوت، ووضح أسس التفاضل المحمود الذي يحقق للبشرية السعادة والرقي المنشود. 

  الوجه الثاني عشر : أن الله سبحانه خلق خلقه لغاية شريفة، وهي عبادته سبحانه وتعالى، ونهى عن معصيته ، وأخبر أن البشرية إما مؤمن تقي، أو فاجر شقي ، ولا يستوي- شرعا وعقلا - البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فمن سوى بينهما فقد سوى بين المتضادات, وجمع بين المتفرقات، والله, وهو رب الجميع ـ المسلم والكافر ـ هو الذي أمر أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام أن يمنعوا الكافر من دخول الحرم، وأوجب عليهم أن يبلغوا أتباعهم وجوب المحافظة على هذه الأوامر الإلهية؛ فمن قام بها فقد أطاع الله، ومن خالفها فقد عصى ربه، واستوجب عقوبته .

  الوجه الثالث عشر : أن المسلمين لا يمنعون الكفار من دخول سائر المساجد؛ وإنما يمنعونهم من دخول الحرم المكي والحرم المدني، فليس لقائل أن يقول: كما يدخل المسلمون سائر المعابد، فليؤذن لغير المسلمين بدخول الحرمين، فالمعابد تقابلها المساجد، والحرمان لا تقابلهما المعابد .

كما أن هذا المنع ليس من الاعتداء على حق المعاملة بالمثل؛ لأن من حق غير المسلمين أن يمنعوا المسلم من دخول سائر معابدهم ومقدساتهم، والمسلمون لا يطالبون غيرهم بأن يؤذن لهم بدخول معابدهم؛ فقد أغناهم الله ببيوت الله عن بيوت من سواه .

  الوجه الرابع عشر : أن الجزيرة العربية هي الحصانة الجغرافية للدين الإسلامي، كما ورد ذلك في البيان الصادر عن المجلس الأعلى للدعوة والإغاثة في جلسته المنعقدة في القاهرة بتاريخ 10/10/2000 م، والحرمان الشريفان هما قلبها وقاعدتها وأساسها، فكيف يطالب غير المسلم أن يظهر دينه  المخالف للإسلام  في قلب العالم الإسلامي وأساسه وقاعدته.

إن لكل دين أساساً وحصانة يحرص أتباعه على المحافظة عليها نقية من كل دخل، صافية من كل شائبة؛ حتى يبقى للدين كيان محفوظ يحفظ به على مر الأجيال .

 الوجه الخامس عشر : أن المملكة العربية السعودية - وهي تحافظ على هذا الأمر الرباني - إنما تقوم بواجب شرعي يفرضه عليها دينها.

 وموقعها الشرعي والجغرافي والسياسي فرض عليها التزامات إدارية وأدبية أمام بقية العالم الإسلامي - بحكوماته وبشعوبه - الذي يبلغ تعداده ملياراً ومائتي ألف مسلم؛ إذ هذه البقعة الشريفة المباركة هي قبلة صلاتهم، وإليها يتجهون في كل يوم خمس مرات ، وهي مهوى أفئدتهم ، يقصدونها من جميع أنحاء المعمورة؛ لأداء مناسك الحج والعمرة، وهذا الأمر لا خيار للملكة العربية السعودية فيه؛ إذ يستند إلى أمر إلهي، وتشريع رباني، ويعتمد على قاعدة من قواعد الشريعة، وليس أساسه قانونا وضعيا، أو حكما برلمانيا قابلاً للتبديل والتغيير، بل لا تملك أي سلطة على وجه الأرض حق التبديل أو التغيير في هذا الأمر الإلهي، بل على جميع المسلمين السمع والطاعة .

  الوجه السادس عشر : أن هذه البقعة الخاصة لها أحكام خاصة، فكما يمنع الكافر من دخولها، فكذلك المسلم يحرم عليه فيها ما لا يحرم عليه في غيرها، بل إن المسلم يعاقب بنية الإثم فيها, ولو كان خارج الحرم، كما قال تعالى : } ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم{([179]) وهذه الخصوصية شملت الحيوان والطير والنبات , فلا يصاد صيدها، ولا يقطع شجرها، ولا يختلى خلاها.

  الوجه السابع عشر : أن أهل الجاهلية - مع شركهم وبعدهم عن هدي الأنبياء - كانوا يعظمون الحرم، ويمتنعون فيه عن أشياء لا يمتنعون عنها خارج الحرم - كما مر معنا - فوجب على أتباع الأنبياء أن يعظموا الحرم تعظيما أعظم من تعظيم أهل الجاهلية له، وتعظيم الحرم من تعظيم الله، وتعظيم شعائر الله يدل على تقوى القلب , وزكاة النفس، قال تعالى:  }ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب{([180]). فتعظيم الحرم يدل على التقوى، والمطالبةُ بامتهان الحرم والاستهانةِ بما عظم الله علامةٌ على فساد القلب، وخبث الطوية، وسوء المقصد.

  الوجه الثامن عشر : أن وجود الكفار والمشركين والأوثان والأصنام في أماكن العبادة, بل في أشرفها مكانا وأعظمها حرمة - يخالف مقصود العبادة وغايتها، وهو تعظيم الله سبحانه وتعالى وعبادته وحده لا شريك له , بل يخالف شرع الله الذي أمر أن لا يقربها كافر أو مشرك.

الوجه التاسع عشر : أن النجاسات المعنوية كالشرك والكفر ووجود الأوثان - أعظم أثرا , وأبلغ في التدنيس لأماكن العبادة من النجاسات الحسية؛ وما ذاك إلا لأن النجاسات المعنوية تخالف مقصود العبادة وغايتها، ولا يمكن تنظيفها منها وتطهيرها إلا بإزالتها وإبعادها عنها.

  الوجه العشرون : أن هذه المواطن والمقدسات والحرمات أقيمت لعبادة الله وحده ، وأقام إبراهيم الخليل عليه السلام أول مسجد - وهو الكعبة - عنوانا على التوحيد، وإعلانا به، كما قال تعالى:} إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا{ ([181]) ، فلا حق لغير المسلم بالاقتراب منها أو المرور فيها فضلا عن أن يتعبد فيها. فإذا أذن الله بعمارته لتوحيده، فكيف يؤذن لمن أراد تدنيسه بالكفر والشرك الذي يخالف غاية وجوده -   أن يقربه ؟!.            

  الوجه الحادي والعشرون : أن الله عهد إلى إبراهيم في ذريته في قوله تعالى: } وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين{([182]).  فالإمامة بالدين مرتبة شريفة لا ينالها إلا المتقون، فمن اتصف بالكفر والشرك فلا يناله عهد الله، قال الشيخ السعدي - رحمه الله - :( لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها، وحط من قدرها؛ لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقامٌ آلتهٌ الصبرُ واليقينُ، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبة التامة، والخشية والإنابة، فأين الظلم من هذا المقام ؟)([183]) .  

وقال ابن عاشور:( وفي الآية تنبيه على أن أهل الكتاب والمشركين يومئذ ليسوا جديرين بالإمامة؛ لاتصافهم بأنواع من الظلم كالشرك وتحريف الكتاب)([184]) .

 الوجه الثاني والعشرون : أن الله كما حكم على الكفار بالظلم فقد بين أنهم سفهاء, ومن علامة سفههم أنهم يكفرون بالله, ثم يدعون أحقيتهم بالولاية الدينية، وينسون الحظ الأعلى, وهو الرغبة في الجنة , ويطلبون لأنفسهم الحظ الأدنى, وهو دخول الأماكن المقدسة؛ ألا يعلمون أن الأماكن المقدسة لا تقدس أحدا .

 الخاتمة

بعد أن منّ الله علينا بإكمال هذا البحث؛ وقفنا على الحقائق التالية:ـ

  1 ـ أن الله سبحانه وتعالى حرم الحرم قبل أن يخلق السموات والأرض ، وهو الذي شرع لعباده وأوليائه المؤمنين أن يعظموا الحرم، ويمنعوا الكفار والمشركين أن يدخلوه. 

  2 ـ أن الله جل ثناؤه , وتقدست أسماؤه أمر الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام أن يبنيا البيت الحرام ؛ ليكون مثابة للناس وأمنا .

  3 ـ أن الذي بلغ البشرية الأمر الإلهي بتحريم الحرم هو الخليل ﷺ‬ ، وهو النبي الذي يعظمه جميع أتباع الأنبياء .

  4 ـ أن المراد بالمسجد الحرام هو الحرم كله، فعلى هذا يكون الأمر بالتطهير , ومنع المشركين يعم الحرم كله, ولا يخص مسجد الكعبة.

  5 ـ أن الحرم يختص بأحكام يخالف فيها غيره من البلاد الإسلامية.

   6 ـ أن الذي ينازع في تحريم الحرم، ويطالب بأن يكون الحرم حمىً مباحا لكل وافد؛ إنما يطالب بخلاف ما شرع الله، ويعارض هدي الأنبياء، ويشاق الله ورُسُلَه .

  7 ـ أن الشرائع الثلاث : اليهودية , والنصرانية , والإسلام كلها جاءت بمنع غير المسلم من الاقتراب من الأماكن المقدسة أو الدخول فيها، كما نصت على أن الكفر وصف يُحل بصاحبه النجاسة، ويوجب على المؤمنين بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر أن يمنعوه من الأماكن المقدسة، ولا شك أن الحرم أعظمها قداسة, وأعظمها حرمة .

  8 ـ أن الكافر نجس نجاسة حكمية في الإسلام، ولا تتعدى نجاسته إلى ما سواه، ولكنه يمنع من دخول الحرم، بينما الكافر في الديانة اليهودية والنصرانية نجس نجاسة ذاتية، وأن نجاسته تتعداه إلى الأرض التي يعيش عليها ، وإلى الزمان الذي يحيا فيه؛ ولذا يجب عندهم أن يخرج من الأماكن المقدسة والمدن والقرى التي يسكنونها. بل اعتبروا عامة الشعوب أنجاساً وأرجاساً ، ولا يستحقون أن تقدم لهم الهداية .

   9 ـ أن الظالم لا يناله عهد الله، ولا ينال ولاية الله ، وليس أهلا لأن يكون إماما في الدين؛ فعلى هذا فليس للكافر أو المشرك أن يتردد في مواطن جعلها الله عنوانا للتوحيد، وميدانا للإيمان، وموطنا لتلقي الوعد الإلهي بالإمامة الدينية .

  10 ـ  أن الله سبحانه وتعالى كما حكم بأن الظالمين لا ينالون عهده، فقد حكم عليهم بالسفه وفساد الرأي، قال تعالى:} ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه{([185])  فمن رغب عن ملة إبراهيم u  فقد سفه نفسه.والسفيه هو القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار، وأي سفه أعظم من أن يكفر بربه، ويكذب رسله، ويعادي أولياءه، ويجحد حججه وأدلته وبراهينه، ويكذب ببعثه، ثم يزكي نفسه , ويدعي أنه محبوب لله، وأن وعد الله وعهده يناله ؟؟

ومن سفه الكافر أنه يكفر بربه , ثم يزعم أنه أهل للولاية الدينية، ومن سفهه – أيضا - أنه يرغب عن ملة إبراهيم u  وهو يفتخر بانتسابه إليه، قال تعالى : } يأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون. هاأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين { ([186]) . ومن سفهه - أيضا- أنه يطلب لنفسه الحظ الأدنى , وهو دخول الأماكن المقدسة وزيارة البيت الحرام ، وينسى أن يطلب لنفسه الحظ الأعلى , وهو دخول الجنة، ألا يعلم أن الأماكن المقدسة لا تقدس أحدا، وأن الدار الآخرة لا يدخلها إلا من زكت نفسه , وتقدست؟!.

  11 ـ أن الأنبياء وأتباعهم كانوا يعظمون الحرم, ويحجونه، ويرون تقديسه وتنزيهه واجبا شرعيا، وعملا دينيا، وقياما بالولاية الدينية التي جعلها الله لهم على هذا المكان الطاهر المبارك .

        12ـ أن أهل الجاهلية كانوا - مع شركهم وكفرهم      وعبادتهم للأصنام - يعظمون الحرم, ويمتنعون فيه عن أمور لا يمتنعون عنها خارج الحرم؛ وإنما كانت العرب تفعل ذلك عملا بما بقي في أيديهم من   شريعة إبراهيم  عليه  السلام.                                               

       13 ـ أن المسلمين حينما يمنعون غير المسلم من دخول الحرم  فليس مرد ذلك إلى نظرة عنصرية ضيقة، أو تمييز طائفي؛ بل يفعلون ذلك اتباعا لشرع ربهم، واقتفاء لسنن الأنبياء السابقين : إبراهيم , وموسى, وعيسى , ومحمد صلى الله عليهم وسلم، ولو صح أن يوصف المسلمون بالعنصرية لأجل هذا التشريع، فهذا الوصف ألصق باليهودي والنصراني؛ لأنهم يرون أن الكافر نجس نجاسة ذاتية، بل يرون أن العاصي نجس أيضا. فأي الفريقين أحق بالوصف ؟!.                                             

      14 ـ أن الله سبحانه وتعالى توعد من أراد الإلحاد بالحرم بالعذاب الأليم , سواء كان مسلما أم كافرا، والمسلمون مؤتمنون على حفظه من الإلحاد، وأي ظلم أو إلحاد أعظم من ممارسة الشرك والكفر على أرض الحرم ؟!   

  15 ـ أن ما يطالب به المطالبون اليوم أمر مخالف للشرائع الإلهية؛ بل مخالف للملل الثلاث، وهو من تدنيس الحرم, والاستهانة به.

16 ـ أن المملكة العربية السعودية حينما تمنع غير المسلمين من دخول الحرم ؛ فإنما تقوم بواجبها الشرعي أداء لأمانة الولاية الدينية التي جعلها الله لها على هذا المكان المعظم ، كما تقوم به - أيضا - التزاما إداريا أمام العالم الإسلامي الذي رأى فيها خير قائم على هذا المكان ، فالعالم الإسلامي يشكر لها هذا القيام الشرعي، ولا يأذن لها ولا لغيرها بأن يستباح من الحرم ما حرمه الله .

17 ـ  أن تحريم الحرم ليس مستندا على حكم دستوري أو قرار برلماني يقبل التغيير والتبديل؛ بل يعتمد على تشريع إلهي لا يملك البشر تغييره أو تبديله .

18 ـ  أن الحرم هو الحصانة الجغرافية لهذا الدين الخاتم ؛ فيجب على المسلمين المحافظة على هذا الموطن ؛ لئلا يشوب الدين غيره، ويندرس الدين كما اندرست الأديان السابقة . 

وختاماً  أحمد الله سبحانه وتعالى الذي بنعمته تتم الصالحات،

وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين .

                               بسم الله الرحمن الرحيم

ملخص البحث:

هذا البحث يتناول مكانة الحرم في الكتاب والسنة ، و وينقسم إلى عدة مباحث أولها : بناء البيت العتيق، وآخرها: منع غير المسلمين من دخول الحرم .

وقد تضمن هذا البحث المستند الشرعي لبناء البيت العتيق وتحريمه ، وبماذا  تميز الحرم عن غيره، كما حاول البحث الإجابة على التساؤل الذي يتردد كثيرا وهو: لماذا يمنع الإسلام غير المسلمين من دخول الحرم؟؟، وبين البحث أن الشرائع الثلاث كلها تحرم وتمنع  غير أتباعها من دخول أماكن العبادة، وفند البحث الشبهة القائلة بأن المسلمين يمارسون تفرقة عنصرية مع غيرهم بسبب اعتقادهم نجاسة الكفار، وأوضح البحث أن غير المسلم نجس نجاسة حكمية في الشريعة الإسلامية، بينما غير اليهودي وغير النصراني نجس نجاسة ذاتية في الديانة اليهودية والنصرانية، بل تشددت هاتان الديانتان فجعلتا الكافر ينجس المكان الذي يحل فيه والزمان الذي يعيش فيه .

   وبيّن البحث أن المملكة العربية السعودية – حينما تمنع غير المسلمين من دخول الحرم- فإنما تقوم بواجبها الشرعي أداء لأمانة الولاية الدينية التي جعلها الله لها على هذا المكان المعظّم ، كما تقوم به - أيضا -  التزاما إداريا أمام العالم الإسلامي الذي رأى فيها خير قائم على هذا المكان، فالعالم الإسلامي يشكر لها هذا القيام الشرعي، ولا يأذن لها ولا لغيرها بأن يستباح من الحرم ما حرمه الله. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .



(1) سورة البقرة الآية 109 .

(2) سورة النساء الآية 54 .

(1) سورة البقرة الآية 146 .

(2) سورة مريم الآية93 .

(3) سورة الإسراء الآية 1 .

(1) سورة الذاريات الآية 56.

(2) سورة الروم الآية 30.

(3) سورة آل عمران الآية 96.

(4)  سورة البقرة الآية 127.

(1) صحيح البخاري 3/1260، ح 3243، وصحيح مسلم 1/370 ح 520.

(2) مجلة المجمع الفقه الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي ، سنة 18 ، العدد 10، ص 20 ، وعنوان البحث : بيان حرمة مكة ومكانة البيت العتيق .

(3) سورة آل عمران الآية 96.

(1) تفسير القرآن العظيم 1/384 . 

(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 27/264.

(1) سورة  البقرة الآية 124.

(2) سورة  الرعد الآية 20.

(3) سورة  البقرة الآية 27.

(1) مختار الصحاح ، مادة عهد.

(2) التعريفات 1/204.

(3) لسان العرب 3/311.

(4) المفردات في غريب القرآن ، مادة عهد ، ص350.

(1) انظر جامع البيان 2/511-516، ومفاتيح الغيب4/31، وفتح القدير1/202.

(1) يشير إلى ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ‬  يوم بدر اللهم:0إني أنشدك عهدك ووعدك؛ اللهم إن شئت لم تعبد). فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك. فخرج وهو يقول }سيهزم الجمع ويولون الدبر{ .3/1067، ح 2758، والآية 45 من سورة القمر .

(2) التحرير والتنوير1 /706-707 .

(3) سورة البقرة الآية 130 .

(1) سورة آل عمران الآيات 65-67.

(1) سورة البقرة الآية 27 .

(1) سورة الأعراف الآية 172 .

(2) انظر جامع البيان في تأويل آي القرآن 1/182-184، والجامع لأحكام القرآن 1/246، وفتح القدير1/117، والتحرير و التنوير 1/370.

(3) سفر التكوين22:17-18، وانظر الدين والدولة ص 133، ومحمد في الكتاب المقدس ص60، ومحمد في التوراة والإنجيل والقرآن ص 33 .

(1) المجموع 3/189.

(2) سورة البقرة الآية 144 .

(3)  حاشية كفاية المحتاج ص 106.

(4) المجموع 3/189.

(1) المحلى 7/147-149.وانظر فتح الباري 3/64 وعمدة القارىء7/254، هداية السالك 2/ 922، والمغني 9/286-287.

(2) سورة البقرة الآية 191 .

(1) سورة البقرة الآية 217 .          

(2) سورة الحج الآية 25.

(1) المسائل المشكلة من مناسك الحج والعمرة ص 107 – 108 .

(2) فتاوى اللجنة الدائمة 6/223-224، ورقم الفتوى 6267. 

(3) الدر المنثور 2/269.

(1) انظر بحث بعنوان : غفار ونفار في حدود الحرم، لعبد الملك بن عبد الله بن دهيش، نشر في مجلة العرب السعودية، العدد 5،6 عام 1416هـ، ص 415-416 .

(2) أضا الأضاة الغدير، الأضاة الماء المستنقع من سيل أو غيره. لسان العرب مادة أضا14/38.

(3) لبن بالكسر بلفظ اللبن الذي يبنى به وفيه لغتان لبن بسكون الباء وهو لفظ هذا الموضع ولبن بكسر الباء أضاة لبن من حدود الحرم على طريق اليمن معجم البلدان 5/12.

(4) المجموع ج:7 ص 384-385 . وانظر الكافي في فقه الإمام أحمد 4/363.

([46]) هذه الدراسة بعنوان الحرم المكي الشريف والأعلام المحيطة به . دراسة تاريخية وميدانية . نشر مكتبة النهضة الحديثة ، مكة المكرمة .

(1) مجلة العرب عدد رجب وشعبان سنة 1416هـ، ص 27-28 .

(1) التعاريف 1/486.

(2) سورة الأعراف الآية 31 .

(1) رواه البخاري في صحيحه 5/2244، ح 5679، ومسلم في صحيحه واللفظ له 1/236 ، ح 285.

(2) سورة البقرة الآية 125 .

(1) سورة التوبة الآية 109.

(1) جامع البيان 1/538 .

(2) سورة التوبة109.

(1) مفاتيح الغيب 4/48. بتصرف يسير . 

(2) فتح القدير1/206.

(3) التحرير والتنوير 1/712 .

(1) سورة النمل الآية 91.

(1) متفق عليه من حديث أبي شريح، صحيح البخاري ،ح 4044، 4/ 1563، وصحيح مسلم،ح 1354 ، 2/987.

(2) المسند المستخرج على صحيح مسلم 4/32.

(3) سورة البقرة الآية 125.

(4) جامع البيان 1/532.، وانظر تفسير القرآن العظيم 1/169 ،170، وأحكام القرآن للشافعي1/119.

(5) سورة العنكبوت الآية 67.

(1) الأم 2/141.

(2) سورة قريش 1-4.

(3) سورة البقرة الآية 125.

(4) الدر المنثور 1/289.

(5 ) سورة البقرة الآية 158.

(6 ) أحكام القرآن لابن العربي 3/288،287.

(1) سورة الحج الآية 32.

(2) جامع البيان 17/153.

(3) سورة البقرة الآية 144.

(4) أحكام القرآن للجصاص 5/62.

(5) الموافقات 4/64.

(1) سورة الحج الآية 25.

(2) تفسير القرآن العظيم 3/216. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن راهويه، وأحمد، وعبد بن حميد، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، الدر المنثور 6/23.

(3) صحيح البخاري ،ح1133، 1/398، وصحيح مسلم ،ح 1394، 2/1012.

(4) صحيح ابن حبان ، ح 1620، 4/499.

(1) رواه الحاكم في المستدرك وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ح1787، 1/661، ورواه ابن حبان في صحيحه ، ح 3709 ، 9/23 ، والضياء في المختارة ،ح 217 ، 10/210

(2) صحيح مسلم ،ح 146 ، 1/128 ، وانظر صحيح البخاري ،ح 1777، 2/ 663.

(3) صحيح البخاري واللفظ له، ح 1284، 1/452 ، وصحيح مسلم ، ح 1355، 2/988 .

(1) سورة القصص الآية 57.

(2) سورة البقرة الآية 126.

(3) سورة  إبراهيم الآية 37.

(1) سورة العنكبوت الآية 67 .

(2) سورة البقرة الآية 125 .

(3) سورة إبراهيم الآية 37 .

(4) سورة آل عمران الآية 97 .

(1) صحيح مسلم 1/152، ح 166 .

(2) أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ، 2/267 . قال محققه : إسناده صحيح .

(1) التمهيد لابن عبد البر :6 / 377 - 378 .وانظر صحيح مسلم 4/2320 ، ح 3028 .

(2) عمدة القارىء 9/265 .

(1) فتح الباري 3/444 .

(2) رواه البخاري في صحيحه 2/573،ح 1507،واللفظ له ، ومسلم في صحيحه 2/972 ، ح 1333  .

(3) جامع البيان 1/534 ،2/346 .

(1) رواه البخاري في صحيحه 3/1108، ح 2880 .

(1) صحيح البخاري4/1567، ح 4059، صحيح مسلم 2/986 ، ح 1353 .

(1) صحيح البخاري 2/651 ، ح 1737. 

(2) صحيح مسلم 2/991 ، ح1360 .

(1) جامع البيان 1/543. 

(1) فتح القدير 1/208. 

(2) بيان حرمة مكة ومكانة البيت العتيق ، لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، السنة 18،  العدد 10 ص 19 – 25 .النص في ص 21 

(3) صحيح ابن حبان ج:4 ص:490 وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه 2/268، وابن ماجه في سننه 1/243، والترمذي في سننه 2/134، والبيهقي في السنن الكبرى 2/437.

(1) رواه البخاري في صحيحه 1/398، ح 1132، ومسلم في صحيحه 2/1014، ح 1396.

(2) رواه احمد في مسنده 2/420، والبخاري في صحيحه ، 1/398،ح 1133 ومسلم في صحيحه2/1012، ح 1394، وابن ماجه في سننه 1/451، واللفظ له، وعبد الرزاق في مصنفه 8/456، .

(3) صحيح ابن خزيمة ج:4 ص:227.

(1) سورة البقرة الآية125. 

(2) سورة الحج الآية 26.

(3) سورة آل عمران الآية 97.

(4) سورة التوبة الآية 28

(5) رواه البخاري 4/1709،ح 4378، ومسلم واللفظ له 2/982، ح 1347.

(1)  أخرجه الحاكم في المستدرك 3/54. وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

(2) الأم ج:4 ص:177

(1) الأم 1/54، وانظر المجموع 2/198.

(2) انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 3/119.

(3) المغني ج:9 ص:286- 287.

(1) سورة البقرة الآية 125 .

(2) سبق ذكر بعض هذه الأحاديث , فلا حاجة لتكرارها خوفا من الإطالة .

(3) المجموع ج:7 ص:388

(1) سورة التوبة/ الآية 28 .

(1) لسان العرب  6/226، مادة نجس .

(2) القاموس المحيط ، مادة نجس .

(3) مشارق الأنوار ج:2 ص5،4 .مادة نجس .

(1) النهاية في غريب الأثر 5/13، مادة نتن .

(2) المفردات ص 483، مادة نجس .

(3) النجاسة المعنوية: هي اعتبار صاحب وصف من الأوصاف مُحقرا متجنبا من الناس , فلا يكون أهلا لفضل ما دام متلبسا بالصفة التي جعلته كذلك. تفسير التحرير والتنوير 10/160 .

(4) انظر فتح القدير 2/369، وجامع البيان 11/397، والدر المنثور 7/306، ومفاتيح الغيب 16/20ـ21.

(1) تفسير التحرير والتنوير10/160.

(2) تيسير الكريم الرحمن 333.

(1) فتح القدير 2/369، ومفاتيح الغيب 16/21، وجامع البيان 11/398، والدر المنثور 7/308-309.

(1) تفسير المنار10/275-276.

(2) سورة البقرة الآيتان 126،125 .

(1) سورة التوبة / الآية 17 .

(2) سورة آل عمران / الآية 96.

(1)  ذكر العلماء في تفسير هذه الشهادة وجوها منها :

1ـ أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان , وتكذيب القرآن , وإنكار نبوة نبينا محمد ﷺ‬ ، وكل ذلك كفر، ومن شهد على نفسه بذلك فقد شهد عليها بالكفر.                                                                                                      

2ـ أن اليهودي إذا قيل له: من أنت ؟ قال: يهودي ، وكذا النصراني إذا قيل له: من أنت؟ قال نصراني، والوثني إذا قيل له: من أنت ؟ قال: وثني .

3 ـ أن الغلاة منهم كانوا يقولون: كفرنا بدين محمد وبالقرآن .

4ـ أنهم كانوا يطوفون بالبيت: وهم عراة ، وكلما طافوا شوطا سجدوا للأصنام , فهذا شهادة منهم على أنفسهم بالشرك.

5 ـ أنهم كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكا  هو لك تملكه وما ملك .

6ـ شهادتهم على الرسول ﷺ‬ بالكفر , ورميه بالسحر, ووصفه بالجنون .انظر التفسير الكبير للرازي 16/9، وجامع البيان 11/375، وتفسير القرآن العظيم 2/ 340 . 

(2) تيسير الكريم الرحمن، ص 331. 

(1) انظر تفسير التحرير والتنوير , لابن عاشور 6/139-140، وجامع البيان 11/374،وتفسير القرآن العظيم 2/340، ومفاتيح الغيب 15/10 .  

(2) سورة المائدة الآية 90 .

(3) سورة التوبة الآية95 .

(4) أحكام القرآن للجصاص 4/278.

(1) فتح القدير 2/369.

(1) قاموس الكتاب المقدس ، مادة نجس .

(1) حزقيال20: 18.

(2) الكاهن : هو الشخص المخصص لتقديم الذبائح. قاموس الكتاب المقدس ، مادة  كهن . 

(3) حزقيال 22: 26.

(4) صفنيا 3: 4.

(5) أخبار الأيام الثاني36: 14.

(1)  حزقيال44: 8.

(2) حزقيال 8: 13،7 .

(3)  الاويين 18: 24.19 .

(4) العدد 5 : 14 – 11 .

(1) هم نسل بن عمّي بن لوط يقال لهم بنو عمون . معجم الكتاب المقدس ، ص 640.

(2) هم نسل موآب ويقال لهم الموآبيين . معجم الكتاب المقدس ، ص 927.

(3) التثنية 23: 1-3 .

(4) انظر الأصولية الإنجيلية ص 38 وما بعدها .

(1) متى 15: 18- 20 .

(2) زكريا 13: 2.

(3) متى 23: 27.

(4) نحميا: 13: 29.

(1) العدد 5: 1 – 4 .

(2) نحميا 13 : 17 .

(3) إشعياء 56 : 2. 

(1) حزقيال 20 : 17 .

(1) سورة آل عمران 85 .

(1)  سورة المائدة الآية 48 .

(2) سورة النساء الآية 125 .

(3) سورة الصف الآية 6 .

(4) التثنية 18: 18.

(5) التثنية 33: 1 – 3 . 

(1)  وقد استقصيت هذه الحجج والأدلة في كتابي ( مسلمو أهل الكتاب وأثرهم في الدفاع عن القضايا القرآنية ) .

(1) متى 21 : 42 – 43. وقد استدل به المهتدي إبراهيم خليل أحمد لهذا الغرض في كتابه محمد ﷺ‬ في التوراة والإنجيل والقرآن ص 73 .

(2) رواه البخاري 3/1300،ح 3342، ومسلم 4/1791 ،ح 2286.

(1)  متى 15 :21 – 26 . ونحن نعلم أنه لا يجوز السجود إلا لله ، كما نعلم أن الرسالات السابقة كانت خاصة، لكن هم يزعمون أن رسالتهم عامة لكل البشر , ومع ذلك ففي كتابهم أن الدر لا يطرح للخنازير، وأن خبز البنين لا يقدم للكلاب .

(1)  حزقيال44: 8.

(2) النصوص التي يستدل بها النصارى على عموم رسالة المسيح هي من النصوص التي ألحقت بالأناجيل وليست منها، انظر الدراسة التي أعدها المهندس أحمد عبد الوهاب عن حقيقة التنصير في كتابه : حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر، ص 18 وما بعدها .

(3) سورة النساء الآية 1 .

(1) سورة الحجرات الآية 13 .

(2) رواه أحمد في المسند2/361، والترمذي 5/389، وأبو داود 4/331.

(1) سورة الحج الآية 25 .

(2) سورة الحج الآية 32 .

(1) سورة آل عمران / الآية 96.

(2) سورة البقرة الآية 124 .

(1) تيسير الكريم الرحمن ص65 .

(2) التحرير والتنوير 1/707 .

(1) سورة البقرة الآية 130 .

(2) سورة آل عمران الآيات 65-67.

رأيك يهمنا