التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم

نبذة مختصرة

هذا البحث ( التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم ) بين الباحث صوراً من تطاول البشر على الله سبحانه وتعالى، وصوراً من تطاول أهل الكتاب على الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، كما تطرق البحث إلى تطاول الكفار على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في عهده الشريف، وتبين أن التطاول عليه صلى الله عليه وسلم من قبل أهل الكتاب له أسباب جوهرية ذكرها القرآن الكريم وبينها غاية البيان، وهذا من عظمة هذا القرآن الكريم، ولم يتناول البحث الوسائل والأساليب التي تتحقق بها هذه الأسباب؛ لأنها أدوات لها غير مؤثرة بنفسها، وظهر أيضاً أن الأسباب المعاصرة التي تدعو أهل الكتاب للتطاول على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هي الأسباب السابقة مضافاً إليها بعض الأسباب التي استجدت مما تضمنه هذا البحث.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم

د. محمد بن عبدالله بن صالح السحيم

أستاذ العقيدة المشارك قسم الدراسات الإسلامية

 كلية التربية جامعة الملك سعود

عضو الجمعية العلمية السعودية لعوم العقيدة

والأديان والفرق والمذاهب

عضو الجمعية السعودية للدراسات الدعوية

م2009 - ھ1430

بسم الله الرحمن الرحيم

ملخص البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أما بعد

ففي هذا البحث ( التطاول على الرسول ﷺ‬ ) بين الباحث صوراً من تطاول البشر على الله سبحانه وتعالى، وصوراً من تطاول أهل الكتاب على الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، كما تطرق البحث إلى تطاول الكفار على رسولنا محمد ﷺ‬ في عهده الشريف، وتبين أن التطاول عليه ﷺ‬ من قبل أهل الكتاب له أسباب جوهرية ذكرها القرآن الكريم وبينها غاية البيان، وهذا من عظمة هذا القرآن الكريم، ولم يتناول البحث الوسائل والأساليب التي تتحقق بها هذه الأسباب؛ لأنها أدوات لها غير مؤثرة بنفسها، وظهر أيضاً أن الأسباب المعاصرة التي تدعو أهل الكتاب للتطاول على رسولنا محمد ﷺ‬ هي الأسباب السابقة مضافاً إليها بعض الأسباب التي استجدت مما تضمنه هذا البحث.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. 

بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد لله الذي كتب النصر لأهل ولايته، وكتب الذلة والصغار على من خالف أمره، ودفع بأهل دينه أهل عداوته، وقذف بالحق على الباطل فإذا هو زاهق، ونصر الحق بأهله فإذا هو في مكان سام شاهق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وجاهد بالحق أهل الضلالة، فصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً وعلى آله وصحبه، أما بعد فقد مضت سنة الله التي لا تتبدل ولا تتحول أن الصراع قائم بين الحق والباطل، وأن الحق منصور لا محالة، والباطل زاهق لا مرية في ذلك، وجعل لكلٍ حزب، وملأ قلوب أوليائه محبة النصرة للحق وأهله، نصرة تورثهم الجنة بإذن الله، وأشربت قلوب الذين ظلموا الحمية للباطل والذود عنه، ذوداً يوردهم مواطن العطب والهلكة, ولما كان هذا التدافع والجدال بين الحزبين قائماً؛ رأيت أن من واجبي أن أبين أسباب تطاول أهل الكتاب على نبينا ﷺ‬ سواء كان هذا التطاول فيما مضى أو فيما بقي، من أجل أن يكون تبصرة لمسترشد، ومناراً لمهتدٍ، وحجة على معاند، وجعلت عنوان هذا البحث: (التطاول على الرسول ﷺ‬ )، وقد قسمت هذا البحث إلى تمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة، حسبما يوضحه البيان التالي:    

التمهيد: ويتضمن مطلبين هما:

المطلب الأول: المدافعة بين الحق والباطل

المطلب الثاني: كفاية الله لنبيه ﷺ‬ وعصمته له من أعدائه

المبحث الأول: التطاول السابق، وتحته ثلاثة مطالب هي:

المطلب الأول: التطاول على الله

المطلب الثاني: التطاول على الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين

المطلب الثالث: تطاول الكفار على الرسول ﷺ‬ في عهده

المبحث الثاني: أسباب التطاول على الرسول ﷺ‬، وتحته سبعة مطالب هي:

المطلب الأول: الحسد

المطلب الثاني: الصد عن سبيل الله

المطلب الثالث: إعراضهم عن القرآن لا يزيدهم إلى خساراً

المطلب الرابع: البغي والعدوان

المطلب الخامس: الكراهية والبغضاء

المطلب السادس: الخوف من الإسلام

المطلب السابع: التقليد الأعمى

المبحث الثالث: دوافع زيادة التطاول في العصر الحاضر

ولم أتناول في هذا البحث أثر المستشرقين، وإن كانوا طلائع سوء لمن خلفهم، ولا إرجاف الإعلاميين، وإن دأبوا على التضليل، وتضخيم الأحداث، والكيل بمكيالين، وتهييج العامة والدهماء؛ لأن هؤلاء وهؤلاء إنما هم وسائل وأدوات تتحقق بهم ومن خلالهم الدوافع السابقة؛ لذا رأيت الاقتصار على الأسباب وترك الوسائل، وإن كان هذا الأمر جدير بالعناية، بل أرى أن تخصص دراسة متكاملة عن أنماط التطاول وآثاره في العصر الحاضر. كما أننا بحاجة إلى دراسة التطور والتدرج في علاقة بالغرب بالعالم الإسلامي وسعيه من خلال عمل دؤوب متواصل لتحقيق أغراضه وأهدافه من خلال وسائل متعددة وأساليب متنوعة.

والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً صواباً، وأن يجعله من العلم النافع والعمل الصالح، إنه ولي ذلك وموليه والقادر عليه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

والحمد لله رب العالمين الذي هدى من الضلالة، وأنقذ من الجهالة.

                                       د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

أستاذ العقيدة المشارك في قسم الدراسات الإسلامية، كلية التربية،

جامعة الملك سعود في الرياض.

الرياض في 25/7/1429هـ

البريد الإلكتروني: [email protected]

التمهيد

قبل الحديث عن تطاول أهل الكتاب على رسولنا ﷺ‬  يحسن بنا أن نتحدث عن المدافعة بين الحق والباطل منذ خلق الله الإنسان وابتلاه، كما نتحدث عن حماية الله لنبيه ﷺ‬ وكفايته له ﷺ‬، وذلك في مطلبين هما:

 المطلب الأول: المدافعة بين الحق والباطل

قال تعالى: } وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ[ البقرة،251.

قال ابن جرير في تفسيره عند هذه الآية: (يعني تعالى ذكره بذلك ولولا أن الله يدفع ببعض الناس - وهم أهل الطاعة له والإيمان به – بعضاً - وهم أهل المعصية لله والشرك به - كما دفع عن المتخلفين عن طالوت يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له، وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداء من بعثة ملك عليهم؛ ليجاهدوا معه في سبيله، بمن جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر - جالوت وجنوده (لفسدت الأرض) يعني لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم، ففسدت بذلك الأرض ولكن الله ذو مَنّ على خلقه، وتطوّل عليهم؛ بدفعه بالبر من خلقه عن الفاجر، وبالمطيع عن العاصي منهم، وبالمؤمن عن الكافر

وهذه الآية إعلام من الله تعالى ذكره أهل النفاق الذين كانوا على عهد رسول الله، المتخلفين عن مشاهده والجهاد معه؛ للشك الذي في نفوسهم ومرض قلوبهم،والمشركين وأهل الكفر منهم، وأنه إنما يدفع عنهم معاجلتهم العقوبة على كفرهم ونفاقهم بإيمان المؤمنين به وبرسوله، الذين هم أهل البصائر والجد في أمر الله وذوو اليقين بإنجاز الله إياهم وعده على جهاد أعدائه وأعداء رسوله من النصر في العاجل والفوز بجناته في الآخرة).([1])

وقال الشيخ السعدي رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية: (لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيدَ الفجار وتكالب الكفار؛ لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها، وإقامتهم شعائر الكفر، ومنعهم من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه } ولكن الله ذو فضل على العالمين[؛ حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم، ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها). ([2])

وقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه موضحاً جانباً من جوانب هذه السنة الإلهية وهي سنة المدافعة: }الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[ الحج،40. (أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء؛ لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بنته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة؛ فالجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال: أذن في القتال، فليقاتل المؤمنون.ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله: } ولولا دفع الله الناس[ الآية، أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة. فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه؛ إذ لولا القتال لما بقى الدين الذي يذب عنه. وأيضاً هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم، وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى، أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس، وفى زمن عيسى الصوامع والبيع، وفى زمن محمد عليه السلام المساجد... قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية).([3])

 قال ابن عاشور: (ويجوز أن يكون المراد: لولا ما سبق قبل الإسلام من إذن الله لأمم التوحيد بقتال أهل الشرك (كما قاتل داود جالوت، وكما تغلّب سليمان على مَلِكَة سبأ)؛ لمَحق المشركون معالم التوحيد (كما محق بختنصر هيكل سليمان)... أي أذن للمسلمين بالقتال كما أذن لأمم قبلَهم؛ لكيلا يطغى عليهم المشركون كما طغوا على من قبلهم حين لم يأذن الله لهم بالقتال).([4])

إذاً المدافعة واقعة كوناً وقدراً، وحماة الحق ودعاته قائمون بنصرة الدين والذب عن حياضه، وأرباب الباطل وأنصاره متواطئون على دفع الحق وإنكاره، ولما كان الأنبياء والمصلحون هم أكمل الناس إيماناً كانوا أعظم الناس بلاءً، وقد أخبر الصادق المصدوق عن ذلك فيما رواه الحاكم وابن حبان وغيرهما عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ‬  من أشد الناس بلاء؟ قال: النبيون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، إن كان صلب الدين اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء على العبد حتى يدعه يمشي على الأرض ليس عليه خطيئة). وبوّب البخاري في صحيحه فقال باب: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول. ([5]) وقد لقي الأنبياء عليهم السلام من التقتيل والتشريد ما أخبر الله عنه في محكم تنزيله قال تعالى: } وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ[ البقرة،87. وكما لقي بعض الأنبياء هذا العنت فقد لقيه بعض أتباعهم قال تعالى: }قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ . النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ . وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ[ البروج،4-8.    

ونهاية هذه المدافعة في الدنيا والآخرة، ونهاية هذا العنت هو الفوز والانتصار والفلاح للذين آمنوا في الدنيا والآخرة، قال تعالى: } كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ[ المجادلة،21. وقال سبحانه وتعالى:}إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ[ غافر،51.

فلئن طالت المواجهة وتواصل المكر والكيد فالنصر لرسل الله عليهم الصلاة والسلام ولأتباعهم من بعدهم، فالحمد لله على شرعه والحمد لله على قضائه وقدره.

 المطلب الثاني: كفاية الله لنبيه ﷺ‬ وعصمته له من أعدائه

تكفل الله ـ جل جلاله وتعالى مجده ـ بحفظ رسله عليهم الصلاة والسلام، وخص رسوله ﷺ‬ بما لم يخص به أحداً من خلقه، فقال سبحانه وتعالى في معرض الإخبار عن حفظ الأنبياء والمرسلين: }إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ[ غافر،51. وقال عن حمايته سبحانه وتعالى لنبينا محمد ﷺ‬: } يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[ المائدة، 67. وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي ﷺ‬ يُحرس حتى نزلت هذه الآية: }وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[ فأخرج النبي ﷺ‬ رأسه من القبة فقال لهم: أيها الناس! انصرفوا فقد عصمني الله)([6]). وقال عز شأنه: }إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلـهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ[الحجر، 95-96.

قال ابن تيمية فصل وآياته ﷺ‬ المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير أنواع، ثم قال: (النوع السابع: في كفاية الله له أعداءه وعصمته له من الناس وهذا فيه آية لنبوته من وجوه منها أن ذلك تصديق لقوله تعالى:} فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلـهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ[ الحجر،94-96. فهذا إخبار الله بأنه يكفيه المشركين المستهزئين، وأخبر أنه يكفيه أهل الكتاب بقوله: }فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ البقرة،137. فأخبره الله أنه يكفيه هؤلاء الشاقين له من أهل الكتاب، وأخبره أنه يعصمه من جميع الناس بقوله تعالى: } يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[ المائدة، 67. فهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس فكل من هذه الأخبار الثلاثة العامة قد وقع كما أخبر، وفي هذا آيات عدة منها: أنه كفاه أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ومنها أنه نصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وأنه كان وحده جاهراً بمعاداتهم، وسب آبائهم وشتم آلهتهم، وتسفيه أحلامهم والطعن في دينهم، وهذا من الأمور الخارقة للعادة، والمستهزئون كانوا من أعظم سادات قريش وعظماء العرب، وكان أهل مكة أهل الحرم أعز الناس وأشرفهم يعظمهم جميع الأمم، أما العرب فكانوا يدينون لهم، وأما غيرهم من الأمم فكانوا يعظمونهم به، لا سيما من حين ما جرى لأهل الفيل ما جرى، كما كانت الأمم تعظم بني إسرائيل لما ظهر فيهم من الآيات ما ظهر).([7])

ولما خرج ﷺ‬ مهاجراً إلى مكة وبحثت عنه قريش في كل جهة ولم يظفروا به، وقفوا على الغار الذي توارى فيه ﷺ‬ عن الأنظار، فقال له صاحبه: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا. قال ما ظنك باثنين الله ثالثهما!([8])

وكما أن الله حفظه وعصمه فقد خلقه خلقاً يستعصي على القدح، ذلك أن الله خلقه على خُلق عظيم كامل، وجَبَلَه على معالي الأمور ومحاسن الأخلاق، قال جل ثناؤه: }وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[ القلم،4. ونشأه تنشئة يتعذر معها الطعن عليه في رسالته ذلك أنه أوجده في بيئة أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولم يعلمه الكتابة والقراءة لئلا يرتاب المبطلون إذا رأوه يتلو عليهم آيات الله قال تعالى:}وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [ العنكبوت، 48. قال ابن سعدي في تفسيره: (إِذًا لو كنتَ بهذه الحال } لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ[ فقالوا: تعلمه من الكتب السابقة، أو استنسخه منها، فأما وقد نزل على قلبك، كتاباً جليلاً تحديت به الفصحاء والبلغاء، الأعداء الألداء، أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، فعجزوا غاية العجز، بل ولا حدثتْهم أنفسهم بالمعارضة، لعلمهم ببلاغته وفصاحته، وأن كلام أحد من البشر، لا يبلغ أن يكون مجارياً له أو على منواله)([9]).

 المبحث الأول: التطاول السابق

بعد أن تناول الحديث في التمهيد سنة المدافعة بين الحق والباطل، وحماية الله لنبيه ﷺ‬ من كيد أعدائه، يتناول البحث في هذا المبحث نماذج من التطاول السابق، وهو تطاول فج ممجوج يتطاول فيه البشر الضعيف على الحي القيوم ذي البطش الشديد والعرش المجيد، ثم يتجارى بهم التطاول فيتطاولون على خير الناس للناس وأنفعهم للناس، وهم الأنبياء، وهذا ما سيكون الحديث عنه ها هنا.

 المطلب الأول: التطاول على الله

خلق الله الخلق ليعبدوه، وأمدهم برزقه ليشكروه، فمنهم تقي ومنهم شقي، ومنهم كافر ومنهم مؤمن، ولا يتوقف الكفر على جحود النعمة وغمْط الحق، بل يتجاوز ذلك ليكون تطاولاً على الله سبحانه وتعالى وتنزه وتقدس عما يقوله المفترون الظالمون، يقول الرسول ﷺ‬ فيما يرويه عن الله:(يؤذيني بن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)([10])   وقال أيضاً: (قال الله عز وجل إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري)([11]) وقد أخبرنا الله في محكم كتابه من ذلك الشيء الكثير فقال سبحانه وتعالى: } وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا[ مريم،88،89. وأخبر سبحانه وتعالى أن هذا القول اشترك فيه اليهود والنصارى مشابهة للمشركين قال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: }وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ[ التوبة،30. ولم يكتف الكفار بذلك بل جعلوا لأنفسهم البنين ولربهم البنات قال تعالى مخبراً عن هذا التطاول الشنيع:} وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ. أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ . وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ[ الزخرف،15-19. وتطاولت اليهود على الله تطاولاً يستحي العاقل من ذكره فوصفوا الله بأنه فقير وهم أغنياء، وأن يد الله مغلولة. غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا. بل يداه مبسوطتان.

هذا خبر الله عن الأمم البائدة الكافرة، ولكن هل الكتاب المقدس الذي يزعم اليهود والنصارى عصمته ينزه الله عما قاله المشركون أم أنه يشاركهم في غيهم وافترائهم؟

لم يستطع كتاب الكتاب المقدس التخلي عن العقائد التي نشئوا عليها فتراهم ينسبون إلى الله الولد والزوجة والظلم، وينسبون إليه أنه مات ودفن في قبره ثلاثة أيام، إلى غير ذلك من الأخبار التي تكذبها العقول وترفضها الفطر السليمة.([12]) ومما جاء فيه نسبة المخادعة إلى الله جل جلاله حيث جاء في إرمياء: (10فَقُلْتُ: «آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، حَقًّا إِنَّكَ خِدَاعًا خَادَعْتَ هذَا الشَّعْبَ وَأُورُشَلِيمَ، قَائِلاً: يَكُونُ لَكُمْ سَلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَ السَّيْفُ النَّفْسَ») إرمياء4. وفيه نسب إلى النوم والاستيقاظ: (65فَاسْتَيْقَظَ الرَّبُّ كَنَائِمٍ، كَجَبَّارٍ مُعَيِّطٍ مِنَ الْخَمْرِ. 66فَضَرَبَ أَعْدَاءَهُ إِلَى الْوَرَاءِ. جَعَلَهُمْ عَارًا أَبَدِيًّا) مزمور 78.

 قال السموأل وهو من علماء اليهود الذين هداهم الله إلى الإسلام في فصل عقده بعنوان"ذكر طرف من تبديلهم وكفرهم" (وقولهم أي اليهود في التوراة:(لِمَ تقول الأمم أين إلههم؟ انتبه لِمَ تنام يارب استيقظ من رقدتك). وهؤلاء إنما نطقوا بهذه الهذايانات والكفريات من شدة الضجر من الذل والعبودية والصغار وانتظار فرج لا يزداد منهم إلا بعداً).([13]) وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فهو الحي الذي لا يموت والقيوم الذي لا ينام.

وبولس اليهودي الذي تنصر وحرف النصرانية عن وجهتها يبث تعاليمه محذراً من التوراة (الناموس) وواصفاً لها بأنها هي الخطيئة، وأن الإنسان لو لم يعرف التوراة لم يعرف الخطيئة، فيقول:(7فَمَاذَا نَقُولُ؟ هَلِ النَّامُوسُ خَطِيَّةٌ؟ حَاشَا! بَلْ لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوسِ. فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الشَّهْوَةَ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ:«لاَ تَشْتَهِ»). رسالة بولس إلى رومية7. وهذا مشابه لقول المشركين الذين قال الله عنهم: } وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[ الأعراف، 28.

فهؤلاء المفترون كلهم يجمعهم أمر واحد وهو أنه إذا ذكر الله وحد اشمأزت قلوبهم وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون كما أخبر الله عنهم، وقد توعد الله جميع المفترين عليه فقال جل من قائل: }وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ[ آل عمران،93. ومع هذا التطاول العظيم فقد دعاهم سبحانه ورغبهم في التوبة فقال الرحيم الرحمن: } قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ[ الأنفال،38.

 المطلب الثاني: التطاول على الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم

كما تجرأ الخلق على الخالق فسبوه وآذوه ونسبوا إليه النقائص والعيوب، تجرؤوا على أنبيائه ورسله فنوح يُتوعد بالرجم، وإبراهيم يُلقى في النار، وموسى يتهم بالسحر ويطلب ليقتل، ولوط يتوعده قومه بإخراجه من بلده، وشعيب يطلب منه قومه أن يعود في ملتهم... وزكريا يقتل، والمسيح عيسى ابن مريم يحاول اليهود قتله وصلبه، ويبلغ الصلف من اليهود مبلغه فيطلبون من موسى أن يروا الله جهرة، فتأخذهم الرجفة ويرفع الله فوق رؤوسهم الطور ويؤخذ عليهم الميثاق بالسمع والطاعة ومع ذلك يكفرون ويرتدون على أعقابهم خاسرين، قال تعالى:} يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا . وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا . فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً[ النساء، 153-155.  

وهذا الافتراء والتعنت على الأنبياء لا يبلغ ما تضمنه الكتاب المقدس في شأن الأنبياء؛ لأن هذا تكذيب وتعنت ومحاولة للقتل، بينما ما جاء به الكتاب المقدس يتناول اتهامهم في عقولهم وأديانهم وأعراضهم فقد اتهموا سليمان بأنه كفر في آخر عمره وتبع آلهة نسائه وبنى لآلهتهن معابد (4وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ. 5فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. 6وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ. 7حِينَئِذٍ بَنَى سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ الْمُوآبِيِّينَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَ أُورُشَلِيمَ، وَلِمُولَكَ رِجْسِ بَنِي عَمُّونَ. 8وَهكَذَا فَعَلَ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ الْغَرِيبَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُوقِدْنَ وَيَذْبَحْنَ لآلِهَتِهِنَّ. 9فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ لأَنَّ قَلْبَهُ مَالَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ) سفر الملوك الأول11. وافتري سفر التكوين على لوط أنه زنى بابنتيه. ([14]

إلى غير ذلك من المفتريات التي لا يقرها عقل صحيح، فضلاً عن أن يتعبد بها على أنها دين إلهي صحيح، فسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 المطلب الثالث: تطاول الكفار على الرسول صلى الله عليه وسلم في عهده

اتهموه بكل ما يمكن أن يتفتق عنه ذهن البشر ليتولى الله الدفاع عنه (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك) فنلاحظ أن كل فرية فقد سبق إليها الكفار السابقون.

لم يكن الرسول ﷺ‬ بدعاً من الرسل، فقد لقي مثل ما لقوا، وتطاولوا عليه أكثر مما تطاول سفهاء الأمم على رسلهم، وحفظه الله من كيدهم وعتوهم، وقص عليه قصص الأنبياء السابقين مع أممهم تسلية لقلبه، وتطييباً لخاطره، وبياناً أن هذا هو سبيل المرسلين، وسأذكر بعض ما لقي الرسول ﷺ‬ من قومه توطئة لبيان أن التطاول المعاصر ما هو إلا تكرار لسنة ماضية، سنها الشيطان فسار عليها أتباعه في كل عصر، السابق يوصي اللاحق، والمتأخر يقتفي أثر المتقدم؛ }أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ[ الذاريات،53. وقال جل ثناؤه مخبراً عن هذا التواصي: }وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ[سورة ص، 6.

وقد تنوعت صور ذاك التطاول وتكاثرت كثرة قد تتعذر الإحاطة بها، ولكن يكفي من ذلك موضع الشاهد، فمن ذلك:

أولاً: اتهامه ﷺ‬ بالسحر والجنون قال تعالى مخبراً عن ذلك: }أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ[ سبأ، 8. وقال تعالى: }وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ . لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ[ الحجر،7.

ويتكرر منهم القول}وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ . بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ[ الصافات،36، 37.

ويدافع الله عنه ويقسم بما يشاء إنه لرسول كريم وما هو بمجنون، قال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه:}فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ . الْجَوَارِ الْكُنَّسِ. وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ . وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ . وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ . وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ[ التكوير،15-22.

ثم يبين الله أن هذا الاتهام سنة ماضية } كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ . أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ[ الذاريات،52، 53.

ثانيا: اتهامه بالكذب، قال الحق مخبراً عن قول الكَذَبَة في حق الصادق الأمين ﷺ‬: }أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور[ الشورى،24.

وقالوا: }أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ[ سبأ,8. وهم في ضلالهم يعلمون صدقه وأنه الصادق الأمين، هذا أبو سفيان في حضرة هرقل لما سأله: (هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا. فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله). ([15])

وهذا أبو جهل كما أخبر عنه المغيرة بن شعبة قال: إن أول يوم عرفت فيه رسول الله ﷺ‬  أني كنت أمشي مع أبي جهل بمكة، فلقينا رسول الله ﷺ‬،  فقال له: يا أبا الحكم! هلم إلى الله وإلى رسوله وإلى كتابه، أدعوك إلى الله. فقال: يا محمد! ما أنت بمنته عن سب آلهتنا، هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت. قال فانصرف عنه رسول الله ﷺ‬، فأقبل علي فقال: والله إني لأعلم أن ما يقول حق؛ ولكن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا نعم، ثم قالوا:فينا القرى، فقلنا نعم، ثم قالوا فينا الندوة فقلنا نعم، ثم قالوا فينا السقاية فقلنا نعم، ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي. والله لا أفعل)([16]).

وأخبره ربه أن هذا منهج السابقين يتبعهم اللاحقون، فهم إن كذبوك فقد كذبت رسل من قبلك فلا يضيق صدرك بما يقولون، قال جل في علاه: }وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ[ فاطر,4.

ثالثاً: السخرية منه ﷺ‬؛ فلم يأل كفار قريش جهداً في الصد عن دين الله، وفي السخرية من رسول الله ﷺ‬؛ ولذا سخروا من ذاته الشريفة فقالوا كما أخبر الله عنهم: }وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ....وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون[  الأنبياء،41. وهو والله خيرهم نسباً فقد أخبر عن نفسه الشريفة فقال ﷺ‬: (إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم إلى أن قال: ثم اصطفى من كنانة قريشاً ثم اصطفى من قريش بني هاشم، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب، ثم اصطفاني من بني عبد المطلب).([17]) وهو أيضاً خيرهم خلقاً، كيف وقد زكاه ربه فقال جل من قائل: }وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[ القلم،4.

 وسخروا منه أن أتباعه هم الضعفاء والفقراء، فطالبوه بأن ينحيهم عن مجلسه فأنزل الله: }وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ . وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ[ الأنعام،52، 53.

ونبزوه بأحد أجداده على عادة العرب إذا انتقصت أحداً نسبته إلى جد غامض؛ ولذا لما رأى أبو سفيان احتفاء هرقل برسالة الرسول ﷺ‬ قال مقالته الشهيرة: (لقد أمِرَ أمر بن أبي كبشة إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام).([18])  

وأراد بابن أبي كبشة النبي ﷺ‬؛ لأن أبا كبشة أحد أجداده، وعادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جد غامض.([19])

وسلاه ربه سبحانه وتعالى فبين أنه لو نزل عليهم كتاباً في قرطاس يقرؤونه، ولو أنزل عليهم ملكاً يشهد له بصحة ما جاء به؛ لسخروا منه واستهزؤوا به، وبين أيضاً سبحانه أن هذا ديدن السابقين قال جل ثناؤه:}وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ . وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ . وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ[ الأنعام7،-10. قال ابن جرير رحمه الله:(يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ‬ مسلياً عنه بوعيده المستهزئين به عقوبة ما يلقى منهم من أذى الاستهزاء به والاستخفاف في ذات الله: هون عليك يا محمد! ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك، المستخفين بحقك فيّ وفي طاعتي، وامض لما أمرتك به من الدعاء إلى توحيدي، والإقرار بي والإذعان لطاعتي؛ فإنهم إن تمادوا في غيهم، وأصروا على المقام على كفرهم؛ نسلك بهم سبيل أسلافهم من سائر الأمم غيرهم، من تعجيل النقمة لهم، وحلول المثلاث بهم، فقد استهزأت أمم من قبلك برسل أرسلتهم إليهم بمثل الذي أرسلتك به إلى قومك، وفعلوا مثل فعل قومك بك؛ فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون).([20])

وكان المنافقون يستهزئون به ويعلمون أنه نبي، ويحذرون أن ينزل الله على رسوله ﷺ‬ سورة تنبئهم بما في قلوبهم قال تعالى:}يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ[ التوبة،64.  

ولما كانت السخرية والاستهزاء هي سنة السابقين واللاحقين من مخالفي الرسل؛ أخبره ربه بهذه السنة وما يترتب عليها من المصير البئيس قال جل ثناؤه:}وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ[ الرعد،32. قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره:(يقول تعالى مسلياً لرسوله ﷺ‬ في تكذيب من كذبه من قومه (ولقد استهزئ برسل من قبلك) أي فلك فيهم أسوة (فأمليت للذين كفروا) أي أنظرتهم وأجلتهم (ثم أخذتهم) أخذة رابية فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم وأمليت لهم).([21])  

رابعاً: الأذى الجسدي؛ لئن حاول الكفار إحراق نبينا إبراهيم عليه السلام، وقتل اليهود يحيى بن زكريا عليه السلام؛ فقد بلغ الأذى لرسولنا ﷺ‬ مبلغ عظيماً، ولكن على قدر الإيمان يكون البلاء، ولقد تعددت محاولات الكفار لقتل الرسول محمد ﷺ‬، وإيذائه، ومن ذلك أنهم تآمروا ليلة على قتله ﷺ‬ وتشاوروا في الأمر، وحضرهم إبليس على هيئة رجل من أهل نجد، وانتهى أمرهم بتأييد رأي أبي جهل في أن يُختار شاب من كل بطن من بطون قريش، ويعطى كل منهم سيفاً فإذا خرج رسول الله ﷺ‬ ضربوه ضربة واحدة فيتفرق دمه في القبائل فلا تستطيع بنو هاشم أن تأخذ بثأره، وترضى حينئذ بالعقل.فحماه الله من كيدهم وأنزل جبريل بالخبر من السماء وأذن له في الخروج قال تعالى: }وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ[ الأنفال،30.([22]) ومن ذلك أيضا أنه لما خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الله أعرضوا عنه وأغروا به سفهاءهم فرموه بالحجارة حتى أدموا عقب الشريف، ولما عاد من الطائف لم يتمكن من الدخول إلى مكة إلا في جوار المطعم بن عدي،([23]) ولذا لما سألت عائشة رضي الله عنها الرسول ﷺ‬ عن أشد الأيام التي مرت عليه؟  فقالت كما روى ذلك عروة عنها أن عائشة قالت لرسول الله ﷺ‬: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك - وكان أشد ما لقيت منهم - يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمر بما شئت فيهم، قال فناداني ملك الجبال وسلم علي، ثم قال يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال رسول الله ﷺ‬ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا).([24])   

ومن ذلك أيضا أنهم وضعوا سلا الجزور على الرسول ﷺ‬  وهو ساجد،([25])  وحاصروه في الشعب ثلاث سنين،([26]) وشجوا وجهه الشريف في معركة أحد،([27]) وحاولت امرأة يهودية أن تقتل الرسول ﷺ‬ وذلك حينما أهدت إليه شاة مسمومة.([28])

خامسا: اتهامه بأن ما جاء به من الوحي إنما هو من أساطير الأولين، قال تعالى مخبرا عن هذا الافتراء العظيم: } وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ[ الأنفال،31. وأكذبهم الله وتحداهم فقال سبحانه وتعالى: }وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[ سورة البقرة، 23.

واتهموه أيضا بأن هذا العلم الذي يعلمهم إياه إنما يتعلمه من بشر  من البشر قال تعالى: }وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ[ سورة النحل، 103. فأبطل الله زعمهم ودلهم على عوار قولهم فذكرهم أن لسان الذي يلحدون إليه ويتهمون الرسول ﷺ‬ به - أعجمي وهذا قرآن عربي مبين، فكيف يجتمعان، وكيف يخرج هذا من هذا إلا كما تخرج الحياة من النار؟! وإذا كانوا يتهمون الرسول ﷺ‬ بالأخذ من هذا الرجل الأعجمي فلم لا يأخذون منه أيضا ويتحدون الرسول ويأتون بمثله قال تعالى:}أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ[ يونس،38.

سادسا: اتهامه ﷺ‬ في غرضه من الرسالة، فقد أُسْقِط في أيدي كفار قريش حينما رأوا أن أمر النبي ﷺ‬ يعلو، وأصحابه يزيدون ولا يرتدون، وبذلوا كل ما في وسعهم لصد الناس عنه، ومع ذلك لم تفلح مساعيهم، وكيف لها أن تفلح وقد قضى أن هذا الدين يعلو ولا يعلى عليه، وأنهم مهما بذلوا فلن يستطيعوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فانتهى أمرهم أن يعرضوا عليه أمورا كثيرة لعله يقبل بعضها ويكف عنهم أمر الرسالة، وهذه الحادثة ذكرها ابن جرير وابن كثير وابن إسحاق رحمهم الله جميعا وغيرهم فقال ابن إسحاق:حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال حدثت أن عتبة بن ربيعة - وكان سيدا - قال يوما وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ‬  جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش! ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا، لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا - وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ‬  يزيدون ويكثرون – فقالوا: بلى يا أبا الوليد! فقم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ‬، فقال يا بن أخي إنك منا حيث علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال فقال له رسول الله ﷺ‬: قل يا أبا الوليد! أسمع قال: يا بن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك؛ طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه،وإن كان بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا فقال رسول الله ﷺ‬  أو كما قال، له حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ‬  يستمع منه، قال: أفرغت يا أبا الوليد! قال نعم قال: فاستمع مني قال أفعل قال: }بسم الله الرحمن الرحيم، حم. تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ[ فصلت،1-4. ثم مضى رسول الله ﷺ‬  فيها وهو يقرؤها عليه؛ فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله ﷺ‬ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد! ما سمعت فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد! قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط: والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم).([29])      

والناظر في هذه القصة يجد أن كفار قريش قد عرضوا عليه ﷺ‬ أمورا كثيرة، وحقيقة هذا العرض اتهام له ﷺ‬ في مقصد رسالته؛ ذلك أنهم عرضوا عليه: الملك، والمال، والنساء، والعلاج، ويلزم من ذلك أنهم يتشككون في مقصده من الرسالة إذ يعتقدون أنه إنما جاء طالبا للملك، أو طالبا للمال، أو مستكثرا من النساء، أو مريض سيطر عليه المرض فلا يدري ما يقول، وحاشا رسول الله ﷺ‬، لكن الحال التي آل إليها أبو الوليد تفصح عن حقيقة الرسالة؛ فقد كان لهذه الرسالة نبأً عظيما كما قال أبو الوليد.

سابعا: اتهامه ﷺ‬ في عرضه الشريف الطاهر؛ وهذا الاتهام روّج له رأس النفاق في المدينة عبدالله بن أبي بن سلول، وتولى الله بيان كذبه وافترائه في آيات تتلى إلى يوم القيامة. ([30])  

ومن أجل ذلك وغيره ولحكم كثيرة لا يعلمها إلا الله؛ تكاثرت في السور المكية قصص الأمم الغابرة مع أنبيائها، وكيف سخروا منهم، وكيف تمالوا عليهم، وكيف وقفوا منهم موقف المحارب المعاند، فكانت عاقبة الأنبياء الظفر والنصر، وكانت عاقبة المخالفين البوار والدمار، قال جل ثناؤه: } قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ[ الأنعام،33-35.

وبعد هذا الإيجاز في ذكر بعض تطاول الكفار على رسولنا ﷺ‬ أقول إن كل تطاول من الأمم السابقة على أنبيائها تجد أن كفار قريش قد استخدموه، وكل شبهة ألقيت على رسول سابق فقد ألقيت على رسولنا ﷺ‬، ذلك أن كفار قريش رزقوا ذكاء ولم يرزقوا زكاءً، فقد تعنتوا على رسول الله ﷺ‬ ورموه بكل طامة؛ رغبة في صد الناس عن الهدى، وهذا كله لحكمة عظيمة لا يعلمها إلا الله؛ حتى لا يبقى بعدهم لمتعنت أو مجادل شبهة لم تثر في وجهه الشريف ﷺ‬، وما ذاك – والله أعلم - إلا ليستقصي كفار قريش كل شبهة يمكن أن يرمى بها الإسلام في أي وقت، ثم يتولى الله جوابهم عنها، حتى إذا توالت الأيام ونبغ في دول الكفر من يفترى شبهة على الرسول ﷺ‬ أو على الإسلام، فإذا الشبهة قد سبق أن قيلت في وجه رسول الله ﷺ‬ وتكفل الله بردها وتفنيدها، ذلك أن الله سبحانه وتعالى تكفل بتفنيد كل شبهة، وبيان زيفها وزيغ أصحابها. قال تعالى: }وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا[ الفرقان،33. وقال تعالى: } إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ[ غافر،51

 قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره ولا يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه إلا جئناك من الحق بما نبطل به ما جاؤوا به وأحسن منه تفسيرا).([31])

وقال ابن كثير:(}وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ[ أي: بحجة وشبهة }إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا[ أي: ولا يقولون قولا يعارضون به الحق إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم، قال سعيد بن جبير عن بن عباس:}وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ[ أي بما يلتمسون به عيب القرآن والرسول}إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ[ الآية أي إلا نزل جبريل من الله تعالى بجوابهم؛ وما هذا إلا اعتناء وكبير شرف للرسول ﷺ‬، حيث كان يأتيه الوحي من الله عز وجل بالقرآن، صباحا ومساء، وليلا ونهارا، سفرا وحضرا، وكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن لا كإنزال الكتاب مما قبله من الكتب المتقدمة، فهذا المقام أعلى وأجل وأعظم مكانة من سائر إخوانه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).([32])

 المبحث الثاني أسباب تطاول أهل الكتاب على الرسول صلى الله عليه وسلم

سيتناول البحث في هذا المبحث الأسباب التي تدعو أهل الكتاب للتطاول على رسولنا ﷺ‬، وسيكون التركيز على الأسباب الكبرى التي تعتبر أصولا لغيرها، ويكون ما سواها وسيلة إليها أو ثمرة عنها، وهذه الأسباب نص عليها القرآن الكريم وبينها غاية البيان، وهي مفصلة في المطالب الآتية: 

 المطلب الأول: الحسد

أخبرنا الله في كتابه الكريم أنهم يحسدوننا على ما آتانا الله من فضله، قال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: } وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ البقرة،109. فهم يحسدون أهل الإسلام بعدما تبين لهم الحق، وقد تبين لهم ذلك من خلال شواهد عديدة وعظيمة سواء من الآيات التي أظهرها الله على يدي الرسول ﷺ‬، أو من خلال كمال شريعته، أو من خلال كمال صفاته ﷺ‬، أو من خلال التوافق التام بين حاله ﷺ‬ وبين ما أخبرتهم به أنبياؤهم عنه ﷺ‬، من مثل ما ورد العهد القديم في سفر التثنية: (18أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. 19) الأصحاح 19. فهذه بشارة بنبوته، كما أن بشارة أشعياء التالية خبر عن علامة على جسده الشريف من علامات نبوته، وهو قول أشعياء: (6لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا) أشعياء، 9.

وعيسى عليه السلام بشرهم بهذا النبي ﷺ‬، وذكّرهم بما سيكون على يديه من تحويل القبلة فقال للمرأة التي سألته عن القبلة:(19قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ:«يَا سَيِّدُ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ! 20آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ». 21قَالَ لَهَا يَسُوعُ:«يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. 22أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ) يوحنا،4. إلى غير ذلك من البشارات التي امتلأت بها كتبهم، وقد أوردت في كتابي مسلمو أهل الكتاب أكثر من تسعين بشارة مما ذكره الذين أسلموا من أهل الكتاب، وقد ذكرها غيرهم أيضا ممن تناول هذا الموضوع مثل شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح، وعلي بن ربن الطبري في كتابه الدين والدولة وغيرهم. ([33])

ولكن قد يتساءل الإنسان لماذا يحسدون بعدما تبين لهم الحق، وقبل ذكر بعض دواعي حسدهم نبين حقيقة الحسد، حيث يقول الجرجاني في تعريفاته إن: الحسد تمني زوال نعمة المحسود إلى الحاسد.([34]) ويقول ابن القيم رحمه الله: (والحسد خلق نفس ذميمة وضيعه ساقطة ليس فيها حرص على الخير؛ فلعجزها ومهانتها تحسد من يكسب الخير والمحامد ويفوز بها دونها وتتمنى أن لوفاته كسبها حتى يساويها في العدم). ([35])

وذكر الرازي رحمه الله في تفسيره نقلا عن الغزالي بيانه لمراتب الحسد فقال: ( مراتب الحسد أربعة: الأولى: أن يحب زوال تلك النعمة وإن كانت لا تحصل له، وهذا غاية الحسد. الثانية: أن يحب زوال تلك النعمة عنه إليه. الثالثة: أن لا يشتهي([36]) عنها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها؛ لكي يظهر التفاوت بينهما. الرابعة: أن يشتهي لنفسه مثلها، فإن لم يحصل فلا يحب زوالها، وهذا الأخير معفو عنه). ([37] )

ونقل الرازي أيضا عن الغزالي أسباب الحسد وحصرها في سبعة، ونقتصر منها على ما يناسب هذا المقام وهي: العداوة والبغضاء، والتعجب، ومنه قوله تعالى:) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ. فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ( المؤمنون 48.47. ومنها وحب الرياسة وطلب الجاه، وشح النفس بالخير على عباد الله) ([38])

ويدفع الحسد عن النفس بعشرة أسباب ذكرها ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد، فلينظرها القارئ إن احتاج إلى ذلك. ([39])

أما الأسباب التي تدفع أهل الكتاب إلى حسد أهل الإسلام على هذه النعمة العظيمة فهي كثيرة ونذكر منها ما يلي:

الأول: كراهية الحق، حارب أهل الكتاب أنبياءهم ورسلهم، وحرفوا كتبهم من بعدهم حتى اندرس دينهم وانطمست معامله، ليتبعوا أهواءهم ويتمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم، فلما جاءهم الحق شرقوا به، وحاولوا أن يعاملوه كما عاملوا الأنبياء السابقين، ويقفوا من الوحي اللاحق كما وقفوا من الوحي السابق، فكانوا يقولون للمشركين إنكم على شرككم خير من محمد ودينه قال تعالى مخبرا عن إفكهم: } أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا[النساء،51، 52. ولم يكتفوا بهذه الشهادة الزور بل حاولوا سحر النبي ﷺ‬ حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، حتى عافاه الله منه.([40])

الثاني: كراهية أن يتميز عليهم غيرهم - لاعتقادهم أنهم أتباع الكتاب الأول - ثم يأتي رجل أمي من غيرهم ويخبرهم بما لديهم من كتبهم ويصدقها ويؤمن بها، ويصبح أكثر وأكمل متابعة للأنبياء السابقين موسى وعيسى عليهم السلام، ثم يطالبهم بمتابعته والإيمان برسالته وبما يصدقها من كتبهم، فكيف يتبعونه وهو من غيرهم، وكيف يقرونه على نبوته وهو يطالبه إن لم يؤمنوا به أن يشهدوا له ولأصحابه أنهم مسلمون، قال الضحاك عن بن عباس أن رسولا أميا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرا وحسدا وبغيا وكذلك قال الله تعالى: (كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) يقول من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئا؛ ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيّرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة، وشرع لنبيه ﷺ‬  وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل الله عليهم وما أنزل من قبلهم بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم... وقال أبو العالية:(من بعد ما تبين لهم الحق) من بعد ما تبين أن محمدا رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل؛ فكفروا به حسدا وبغيا إذ كان من غيرهم). ([41])

الثالث: النكاية بالمسلمين بغضا لهم وكراهية أن يوافقوا المرسلين في هديهم وسمتهم، قال ابن عاشور عند تفسير قوله سبحانه: } وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم[ البقرة،109. وإنما أسند هذا الحكم إلى الكثير منهم، وقد أسند قوله )مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ( إلى جميعهم؛ لأن تمنيهم أن لا ينزل دين إلى المسلمين يستلزم تمنيهم أن يتبع المشركون دين اليهود أو النصارى حتى يعم ذلك الدين جميع بلاد العرب، فلما جاء الإسلام شرقت لذلك صدورهم جميعا، فأما علماؤهم وأحبارهم فخابوا وعلموا أن ما صار إليه المسلمون خير مما كانوا عليه من الإشراك؛ لأنهم صاروا إلى توحيد الله والإيمان بأنبيائه ورسله وكتبه، وفي ذلك إيمان بموسى وعيسى وإن لم يتبعوا ديننا، فهم لا يودون رجوع المسلمين إلى الشرك القديم؛ لأن في مودة ذلك تمني الكفر، وهو رضى به. وأما عامة اليهود وجهلتهم فقد بلغ بهم الحسد والغيظ إلى مودة أن يرجع السلمون إلى الشرك ولا يبقوا على الحالة الحسنة الموافقة لدين موسى في معظمه؛ نكاية بالمسلمين وبالنبي ﷺ‬.([42])

الرابع: الكتاب المحرف الذي لا يزيد صاحبه إلا كفرا وبغيا فقد تضمن كتابهم المقدس من الحسد للمخالف، واستكثار الخير عنده، وتمني زوال نعمته، بل ومعاتبة الله جل جلاله على إنعامه على مخالفيهم ما يدفع اللاحق إلى اقتفاء أثر السابق، فقد ورد في سفر أيوب:(6عِنْدَمَا أَتَذَكَّرُ أَرْتَاعُ، وَأَخَذَتْ بَشَرِي رَعْدَةٌ. 7لِمَاذَا تَحْيَا الأَشْرَارُ وَيَشِيخُونَ، نَعَمْ وَيَتَجَبَّرُونَ قُوَّةً؟ 8نَسْلُهُمْ قَائِمٌ أَمَامَهُمْ مَعَهُمْ، وَذُرِّيَّتُهُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ. 9بُيُوتُهُمْ آمِنَةٌ مِنَ الْخَوْفِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ عَصَا اللهِ. 10ثَوْرُهُمْ يُلْقِحُ وَلاَ يُخْطِئُ. بَقَرَتُهُمْ تُنْتِجُ وَلاَ تُسْقِطُ. 11يُسْرِحُونَ مِثْلَ الْغَنَمِ رُضَّعَهُمْ، وَأَطْفَالُهُمْ تَرْقُصُ. 12يَحْمِلُونَ الدُّفَّ وَالْعُودَ، وَيُطْرِبُونَ بِصَوْتِ الْمِزْمَارِ. 13يَقْضُونَ أَيَّامَهُمْ بِالْخَيْرِ). أيوب 21. لماذا يقضون أيامهم بالخير؟ لماذا أطفالهم ترقص؟ لماذا يحيون ويشيخون؟

ولينظر القارئ كيف تغلي مراجل الحسد في صدورهم فتبلغ بهم إلى درجة مساءلة الله على حكمه وقضائه، فلا إله إلا الله ما أعظم حلمه على خلقه، ورد في سفر إرمياء:(1أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ: لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا! 2غَرَسْتَهُمْ فَأَصَّلُوا. نَمَوْا وَأَثْمَرُوا ثَمَرًا. أَنْتَ قَرِيبٌ فِي فَمِهِمْ وَبَعِيدٌ مِنْ كُلاَهُمْ. 3وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَنِي. رَأَيْتَنِي وَاخْتَبَرْتَ قَلْبِي مِنْ جِهَتِكَ. اِفْرِزْهُمْ كَغَنَمٍ لِلذَّبْحِ، وَخَصِّصْهُمْ لِيَوْمِ الْقَتْلِ). إرمياء 12.

وينكر عليهم الحق هذا الحسد فيقول:) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا(النساء، 54.

الخامس: مودة الكفر للمسلمين قال تعالى مخبرا عما تكنه صدروهم نحو المسلمين: } مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[ البقرة،105. (فتأويل الكلام: ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا المشركين بالله من عبدة الأوثان أن ينزل عليكم من الخير الذي كان عند الله ينزله عليكم، فتمنى المشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينزل الله عليهم الفرقان وما أوحاه إلى محمد ﷺ‬ من حكمه وآياته؛ وإنما أحبت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك حسدا وبغيا منهم على المؤمنين.

وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تبارك وتعالى نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين، والاستماع من قولهم وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم، بإطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون).([43])

 المطلب الثاني: الصد عن سبيل الله

لا يكتفي الضال ببعده عن الهدى، وضلاله عن الطريق، بل يريد غيره أن يكون شريكا له في الغي، وقرينا له في المصير المشئوم، وقال الفخر الرازي: ( واعلم أن الإضلال على مرتبتين:

الأولى: أن يسعى في صد الغير ومنعه من الوصول إلى المنهج القويم والصراط المستقيم.

والمرتبة الثانية: أن يسعى في إلقاء الشكوك والشبهات في المذهب الحق، ويحاول تقبيح صفته بكل ما يقدر عليه من الحيل، وهذا هو الغاية في الضلال والإضلال).([44])

وقد أخبر الله جل في علاه أن الكافرين جمعوا ثلاث رزايا فقال: }الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ[إبراهيم،3. فهم يحبون الحياة الدنيا على الآخرة، ويصدون عن سبيل الله، ويريدون طريقه معوجة، وهذا الصنيع غير مقبول من الكافرين الجاهلين، فكيف يسلكه من آتاه الله الكتاب وجعله شاهدا على حقائق التنزيل ومستيقنا من علامات النبوة، قال تعالى موبخا أهل الكتاب: }قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[ آل عمران،99. قال ابن عاشور عند تفسير هذه الآية:(المعنى: تصدّون عن السَّبيل المستقيم وتريدون السَّبيل المعوجّ ففي ضمير (تبغونها) استخدام لأنّ سبيل الله المصدود عنها هي الإسلام، والسّبيل الَّتي يريدونها هي ما هم عليه من الدّين بعد نسخه وتحريفه.

وقوله: (وأنتم شهداء) حال أيضاً توازن الحال في قوله قبلها (والله شهيد على ما تعملون) ومعناه وأنتم عالمون أنّها سبيل الله. وقد أحالهم في هذا الكلام على ما في ضمائرهم مِمَّا لا يعلمه إلاّ الله لأنّ ذلك هو المقصود من وخز قلوبهم، وانثنائهم باللائمة على أنفسهم، ولذلك عقّبه بقوله: (وما الله بغافل عما تعملون) وهو وعيد وتهديد وتذكير لأنَّهم يعلمون أنّ الله يعلم ما تخفي الصدور وهو بمعنى قوله في موعظتهم السابقة (والله شهيد على ما تعملون) إلاّ أنّ هذا أغلظ في التَّوبيخ لما فيه من إبطال اعتقاد غفلته سبحانه، لأنّ حالهم كانت بمنزلة حال من يعتقد ذلك.([45])  

وأهل الكتاب في هذا الصنيع يشابهون من سبقهم من أمم الكفر في الصد عن سبيل الله قال تعالى مخبرا عن قوم شعيب: }وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا[الأعراف،86.

فهم إذا شاكلوا من سبقهم في الضلال، وقد تنوع صدهم عن سبيل الله وسلكوا في ذلك طرقا منها:

أولا: إلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين.([46])

ثانيا: إنكار كون صفته صلى الله عليه وسلم في كتابهم.

ثالثا: إثارة الفتنة بين المسلمين كما فعل اليهود حينما أشعلوا نار الفتنة بين الأوس والخزرج؛ فحملوا السلاح حتى كادوا يقتتلون، فانزل الله في ذلك قرآنا يتلى وهو قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ[ آل عمران،100.([47])

رابعا: الشهادة للكافرين الوثنيين بأنهم أهدى سبيلا من محمد ﷺ‬ وأصحابه رضي الله عنهم، كما مر معنا في آية سورة النساء. قال الفخر الرازي: ( فإنهم لو أقروا بأن محمدا على الحق لزمهم متابعته، وحينئذ فكان يبطل حكمهم وتزول حرمتهم؛ فلأجل الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعة محمد، ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه المكر والخديعة، وفي منع الخلق من قبول دينه الحق والاتباع لمنهجه الصحيح).([48])                                                           

   ويؤكد د على النملة أن الاستشراق كان محاولة لصد الشعوب الأخرى عن الدخول في الإسلام؛ بالإيحاء بأن تعاليم الإسلام إنما هي سبب في رجوع المسلمين إلى الوراء وستكون سببا في انحطاط هذه الشعوب التي يتوقع منها أن تدخل الإسلام ([49]) .

ويؤكد الدكتور محمود حمدي زقزوق تعصب الغرب ضد الإسلام فيقول:( والأمر الغريب هو أن الدراسات الغربية حول الديانات الوضعية مثل لابوذية والهندوسية غالبا ما تكون دراسات موضوعية بعيدة عن أي تجريح؛ ولكن الإسلام وحده من بين كل الأديان هو الذي يتعرض في الغرب للنقد والتجريح على الرغم من أنه دين يؤمن بالله ويحترم اليهودية والمسيحية ويؤمن بموسى وعيسى ويرفعهما فوق النقد بوصفهما من أنبياء الله عليهم السلام)([50]) .

 المطلب الثالث: إعراضهم عن القرآن لا يزيدهم إلى خسارا

قال تعالى مخبرا عن حال الكفار المعرضين - سواء من أهل الكتاب أو من غيرهم – مع القرآن: }وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.ثم قال بعدها..: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[المائدة،64، 68. فهذا القرآن الذي أنزله الله رحمة وشفاءً إذا أعرض عنه الكافر كان من عقوبة كفره بهذا القرآن أن يزداد به كفرا وبغيا؛ ذلك أن القرآن يأمرهم بأوامر عليهم أن يتبعوها، ويخبرهم بأخبار يجب عليهم أن يصدقوها، فإذا هم يكذبونه ويخالفون أمره، فيكون ذلك منهم زيادة في الكفر على كفرهم السابق، وإذا القرآن أيضا يحكم عليهم بالكفر، ويبين ضلالهم ويخبر عن مآلهم ويشنع عليهم، ويغري الأتباع بطلب الدليل ويحذر من التبعية المقيتة، ويحض على دعوتهم، ويبين المنهج في التعامل معهم... فإذا قراه الكافر المعرض - الذي لا يبحث عن الهداية، ولا يطلب الحق، بل منهجه الصد عن سبيل الله، وغاية أمره أن تكون سبيل الله معوجة – فحينئذ لا يزيده القرآن إلا طغيانا وكفرا. قال ابن كثير عند تفسير الآية السابقة:(أي يكون ما آتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغيانا، وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء، وكفرا أي تكذيبا).([51])  

فلا إله إلا الله كيف يجعل الأمر الواحد سبيلا للنجاة لقوم، ثم يكون سبيلا للهلاك لقوم آخرين، قال ابن سعدي:(فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ورحمة] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال).([52]) السعدي عند آية البقرة إن الله لا يستحيي.

وقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: } وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا[الإسراء،82. فأثبتت في الآيات السابقة أن القرآن لا يزيد الكافرين إلا طغيانا وكفرا، وهنا يبين سبحانه وتعالى أن القرآن هو في ذاته شفاء للمؤمنين، وهو في الوقت نفسه لا يزيد المعرضين الظالمين إلا خسارا،

قال الشوكاني عند تفسير هذه الآية:(ذكر سبحانه أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من العلوم النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدين والدنيا، ولما في تلاوته وتدبره من الأجر العظيم الذي يكون سبباً لرحمة الله سبحانه ومغفرته ورضوانه، ومثل هذه الآية قوله تعالى:} قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى[فصلت،44. ثم لما ذكر سبحانه ما في القرآن من المنفعة لعباده المؤمنين، ذكر ما فيه لمن عداهم من المضرّة عليهم فقال: {وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا} أي: ولا يزيد القرآن كله أو كل بعض منه الظالمين الذي وضعوا التكذيب موضع التصديق، والشك والارتياب موضع اليقين والاطمئنان{ إَلاَّ خَسَارًا} أي: هلاكاً؛ لأن سماع القرآن يغيظهم ويحنقهم، ويدعوهم إلى زيادة ارتكاب القبائح تمرّداً وعناداً، فعند ذلك يهلكون).([53])  وقال ابن كثير: (أي يذهب ما في القلوب من أمراض: من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفى من ذلك كله، وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدا وكفرا؛ والآفة من الكافر لا من القرآن). ([54])

ويبين الأمر ابن عاشور كيف يكون القرآن شفاءً وكيف يكون بلاءً وخسارا للكافرين فيقول: (أن القرآن كله شفاءً ورحمة للمؤمنين، ويزيد خسارة للكافرين؛ لأن كل آية من القرآن من أمره ونهيه ومواعظه وقصصه وأمثاله ووعده ووعيده، كل آية من ذلك مشتملة على هَديٍ وصلاحِ حالٍ للمؤمنين المتبعينَه، ومشتملة بضد ذلك على ما يزيد غيظ المستمرين على الظلم، أي الشرك، فيزدادون بالغيظ كراهية للقرآن فيزدادون بذلك خساراً بزيادة آثامهم واستمرارهم على فاسد أخلاقهم وبُعْدِ ما بينهم وبين الإيمان).([55])

والآيات التي تشابه هذه الآيات من حيث إثبات أن القرآن الكريم يزيد المؤمنين إيمانا، ويزيد الكافرين كفرا وعنادا – كثيرة جدا في القرآن الكريم ولا يحتمل المقام إيرادها كلها وذكر أقوال المفسرين لها؛ لكن نكتفي من هذه الشواهد المباركة بما يقوم به الاستدلال، ونختم بآية (فصلت) وهي قول جل ثناؤه:} قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى[ فصلت،44. قال ابن كثير رحمه الله: (وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم، كما أن سيء المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالا ونقصا). ([56]) فتأمل كيف كان القرآن العظيم نورا للمؤمنين كما وصفه في آيات سورة النور، وأخبر أنه يخرج المؤمنين به من الظلمات إلى النور كما في آيات سورة المائدة، وبين أنه أي القرآن }عمى[ للكافرين، فنسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وبصائرنا.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي:} وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى[ أي: لا يبصرون به رشدًا، ولا يهتدون به، ولا يزيدهم إلا ضلالا؛ فإنهم إذا ردوا الحق، ازدادوا عمى إلى عماهم، وغيًّا إلى غيَّهم.([57])

وما خبر إعلان عضو البرلمان الهولندي رئيس حزب الحرية اليميني المتطرف جريت فيلدرز- عنا ببعيد، فقد أعلن عن إطلاقه اسم "الفتنة" على الفيلم المهين للقرآن الكريم الذي سبق أن روج له خلال الأشهر المنصرمة والذي ينتقد فيه آيات القرآن الكريم ويصفها بالفاشية والتحريض على العنف والإرهاب ضد غير المسلمين. ثم يضيف الخبر أنه أضاف في تصريحاته الجديدة - التي قد تحدث غضبا في الأوساط الإسلامية في هولندا وخارجها - إن "الإسلام والقرآن هما بلاءي والضرر الأكبر الذي أواجهه، فالإسلام من وجهة نظري فتنة" ([58]) .

 المطلب الرابع: البغي والعدوان

الأسباب السابقة واللاحقة واضحة المعنى، لا تحتاج من القارئ إلى تكلف في فهم المراد منها، وفي ظني أن (البغي) قد يستغلق فهمه على بعض القراء؛ لذا رأيت أن أقدم بين يدي الحديث عنه، بيان معناه اللغوي؛ حتى يكون القارئ على بصيرة من أمره قال ابن منظور مبينا أصل الكلمة ومعناها: البغي التعدي وبغى الرجل علينا بغيا عدل عن الحق واستطال، وقال الفراء: البغي الاستطالة على الناس. وقال الأزهري: معناه الكبر، والبغي الظلم والفساد، وأصل البغي مجاوزة الحد، والبغي أصله الحسد، ثم سمي الظلم بغيا، لأن الحاسد يظلم المحسود جهده.([59])

وقال الجرجاني في تعريفاته: البغي طلب الاستعلاء بغير حق. ([60]) وقال الراغب طلب تجاوز الاقتصاد فيما يُتَحرى؛ تجاوزه أو لم يتجاوزه، فتارة يعتبر في المقدار الذي هو الكمية، وتارة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية.([61])

 والبغي والعدوان، مطية كل مستكبر، وسبيل كل جبار، فبعدما تبين لأهل الكتاب الحق؛ اعرضوا عنه ورغبوا فيما عداه، وحسدوا أهله، قال تعالى:( مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) سورة البقرة، 105، فمن بغيهم ما يودون أن ينزل الله علينا خيرا قط.

وقال تعالى مخبرا عن حالهم قبل الرسالة وأنهم كانوا ينتظرون مجيء هذا النبي: }وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ . بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ[البقرة،89، 90. وعن سلمة بن سلامة بن وقش قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبدالأشهل- قال سلمة وأنا يومئذ حدث، علي بردة لي مضطجع فيها بفناء أهلي- فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار، قال فقال ذلك في أهل يثرب، والقوم أصحاب أوثان لا يرون بعثا كائنا عند الموت، فقالوا له: ويحك أترى هذا كائنا يا فلان إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى جنة ونار، ويجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلف به، قالوا يا فلان: ويحك! وما آية ذلك؟قال نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة، قالوا ومتى نراه؟ قال فنظر إلي وأنا أصغرهم سنا، فقال أن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تبارك وتعالى رسول الله ﷺ‬ وهو حي بين أظهرنا؛ فآمنا به وكفر بغيا وحسدا، فقلنا له ويحك يا فلان! ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى ولكنه ليس به). قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ([62])  

وقال عز شأنه وتقدست أسماؤه مخبرا عن الحقيقة في ذات الأمر، وأن الدين الكامل المعتبر عنده سبحانه وتعالى الذي لا يقبل من أحد دينا سواه هو الإسلام: }إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ[ آل عمران،19. أي لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنزلته مع نبي عن جهل منهم به؛ بل كان اختلافهم فيه، وخلاف حكمه من بعد ما ثبتت حجته عليهم؛ بغيا بينهم طلب الرياسة من بعضهم على بعض واستذلالا من بعضهم لبعض.([63])

وقال الشوكاني عند تفسير هذه الآية:( فيه الإخبار بأن اختلاف اليهود والنصارى كان لمجرد البغي بعد أن علموا بأنه يجب عليهم الدخول في دين الإسلام بما تضمنته كتبهم المنزلة إليهم)([64]).

ونعى عليهم سبحانه وتعالى أنه أنعم عليهم بنعم عظيمة فقد جعل فيهم النبوة والحكم والملك، قال تعالى: }وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ[ الجاثية،16، 17. وعلمهم ما  جهله غيرهم، وتتابعت فيهم الأنبياء على غير مثال سابق، وفضلهم على عالمي زمانهم، وأنزل عليهم الطيبات، وأقام لهم الحجج الواضحات، والدلائل البينات، وهيأهم لمجيء النبي الخاتم، فأخبرهم بصفته وصفته بلده ومهاجَرِه، وصفة أصحابه... حتى إذا جاء آمنوا به؛ ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، ولكن لما جاء الرسول ﷺ‬ من غير جنسهم، وأمرهم بما لم يألفوه، فكفروا به كفرا على كفر؛ فباؤا بغضب على غضب قال جل ثناؤه: }بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ[البقرة،90. وذكّرهم سبحانه وتعالى وقرّعهم بخبر إبليس مع آدم للمشاكلة بين الفريقين من حيث العلم السابق، والاستكبار اللاحق، والمآل الواحد، قال ابن جرير بعد أن ساق قوله تعالى في سورة البقرة: }وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين[  قال بعدها: وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله والتذلل لطاعته والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم - اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ‬  وأحبارهم الذين كانوا برسول الله ﷺ‬  وصفته عارفين، وبأنه لله رسول عالمين، ثم استكبروا مع علمهم بذلك عن الإقرار بنبوته، والإذعان لطاعته؛بغيا منهم له وحسدا، فقرعهم الله بخبره عن إبليس الذي فعل في استكباره عن السجود لآدم حسدا له وبغيا نظير فعلهم في التكبر عن الإذعان لمحمد نبي الله ﷺ‬  ونبوته إذ جاءهم بالحق من عند ربهم حسدا وبغيا. وقد أورد الدكتور على النملة في كتابه الاستشراق والدراسات الإسلامية اعترافات بعض المستشرقين بعد الانصاف للرسالة والرسول ﷺ‬ . ([65])

 المطلب الخامس: الكراهية والبغضاء

أخبر سبحانه عن موقفنا منهم وموقفهم منا فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ . هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)آل عمران، 118-119.

وذلك أن الإنسان إذا خلا من الدين والإنصاف، غلبه هواه، واستبدت به شهواته فظلم غيره، واستباح دياره، وسفك دمه بغير وجه حق، وفي الشواهد التي تضمنها هذا البحث خير شاهد، وأعظم من ذلك شهادة الله وكفى به شاهدا وحسيبا، قال تعالى: )أفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ(البقرة، 87. وقال جل ذكره:)قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ . إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ .وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(البروج،4-8. فهم قتلوهم لأنهم مؤمنون، وكما أخبرنا سبحانه وتعالى عن فعلهم بمن سبق حذرنا من مشابهة اللاحق للسابق، وأنه لا يريد لنا خيرا، ولا يألوا في ذلك جهدا، كما تضمنته آيتا آل عمران، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآيات (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) أي قد لاح على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم من العداوة مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل؛ ولهذا قال تعالى: (قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون). ([66])

 وقال الرازي عند قوله تعالى: } تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ[ ( وفيه وجوه أذكر منها ما يناسب المقام وهي:

الأول: تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء، ولا يحبونكم لأنهم يريدون بقاءكم على الكفر، ولا شك أنه يوجب الهلاك.

الثاني: تحبونهم بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن، ولا يحبونكم بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر.

الثالث: تحبونهم أي تخالطونهم وتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم، ولا يحبونكم أي لا يفعلون مثل ذلك بكم)

 إلى أن قال: أنكم تؤمنون بكتبهم كلها وهم مع ذلك يبغضونكم، فما بالكم – مع ذلك – تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم! وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم).([67])

وهذا هربرت جوتشالك يذكر هذه السماحة التي يعامل بها المسلمون النصارى ويخبر عما في قلوب النصارى تجاه المسلمين فيقول في كتابه (الإسلام قوة عالمية متحركة) في الباب العاشر تحت عنوان الإسلام والمسيحية: (شهدت مسيحية القرون الوسطى على مدى ثلاثة قرون تقدم القوة الإسلامية، وانتشار عقيدة المسلمين في مختلف أقطار الأرض، فارتفعت في ذلك الوقت موجات من الكراهية، اشتد هديرها، وارتفع غليانها بمقدار ما بينهم من خلافات جوهرية، فلم يستول الخوف على القلوب في الجانب المسيحي بسبب تهديد العقيدة فقط؛ بل ملأ الحقد القلوب أيضا بسبب نجاح الإسلام في المجالات: السياسية، والاقتصادية، والحضارية... التي فرضت نفسها على المنطقة كنموذج إسلامي.

ظل غضب المسيحيين مكبوتا إلى أن انفجر أثناء الحملات الصليبية؛ فسقطت الضحايا من الجانبين، وكان من بين الضحايا الكثيرة من صفوة الرجال، فإذا تذكر المرء أن المسيحيين استطاعوا الاستيلاء على الأماكن المسيحية فينبغي ألا ينسى أنهم حققوا هذا النصر في وقت خرج فيه المسلمون من محنة غارات التتار منهكة قواهم بعد أن خسروا كثيرا من مقومات حضاراتهم، وفقدوا العديد من العناصر التي كانت تشد أزرهم، وتقوي جبهتهم، ومع هذا فقد كان للمسلمين آثار بعيدة المدى... وإن من دواعي الفخر للإسلام – وهو أمر يحتم علينا الاعتراف بأفضليته – أن موقفه تجاه المسيحية في القرون الوسطى كان متسما بالسماحة؛ إذ لم يحمل أتباعه على التعصب ضد المسيحيين واضطهادهم).([68])

وقال عبد الله وليم كويليام الاإنجليزي الذي كان نصرانيا ثم أسلم بعد أن نقل قول المستشرق داود أوركوهرت في كتابه (روح الشرق) المطبوع عام 1829م : ( إن الإسلام لم يكن دينا مبتدعا ولا محيا مخترعا ليس به قسوسية ولا حكومة كنائسية؛ بل شريعة للناس كافة ونظاما مدنيا يجب على كل مسلم الانقياد إليه) ثم قال عبد الله بعد أن نقل قول المستشرق: ( ولقد أكد هذا القول جم غفير من الأوربيين إلى أن قال: ومع كل هذا فإن أفكار الأمة الإنكليزية حتى الآن لم تتأثر بذلك، وحقيقة دين الإسلام مجهولة لديهم، ومن المعلوم أن الأمة الإنكليزية مع ما هي عليه من اختلاف في الدين المسيحي قد ورثت من آبائهم الكراهية الشديدة لهذا الدين حتى صارت تلك الكراهية كأنها من واجباتهم الدينية)([69])

ومن خلال سبر لمسيرة النصرانية في مواجهة الإسلام وما حفلت به هذه لمسيرة من حقد وغضب يقسِِِم الأستاذ محمود شاكر المراحل التي مرََ بها هذا الصراع فيجعلها في أربع مراحل فيقول: ( والآن نستطيع أن نتبين أربع مراحل واضحة للصراع الذي دار بين المسيحية الشمالية والإسلام:

- المرحلة الأولى: صراع الغضب لهزيمة المسيحية في أرض الشام ودخول أهلها في الإسلام، فبالغضب أمّلت اختراق دار السلام لتسترد ما ضاع، تدفعها بغضاء حية متسامحة، لم تمنع ملكاً ولا أميراً ولا راهباً أن يمد المسلمين بما يطلبونه من كتب (( علوم الأوائل – الإغريق ))، التي كانت تحت يد المسيحية يعلوها التراب. وضل الصراع قائماً لم يفتر، أكثر من أربعة قرون.

- المرحلة الثانية: صراع الغضب المتدفق من قلب أوربة، مشحوناً ببغضاء جاهلية عاتية عنيفة مكتسحة مدمرة سفاحة للدماء، سفحت أول ما سفحت دماء أهل دينها من رعايا البيزنطية، جاءت تريد هي الأخرى، اختراق دار السلام، وذلك عهد الحروب الصليبية الذي بقى في الشام قرنين، ثم أرتد خائبا إلى مواطنه في قلب أوربة.

 - المرحلة الثالثة: صراع الغضب الذي أورثه اندحار الكتائب الصليبية، من تحته بغضاء متوجهة عنيفة، ولكنها مترددة يكبحها اليأس من اختراق دار الإسلام ثالثة بالسلاح وبالحرب، فارتدعت لكي تبدأ في إصلاح خلل الحياة المسيحية، بالاتكاء الشديد على علوم دار الإسلام، ولكي تستعد لإخراج المسيحية من مأزق ضنك مُوئِس، وظلت على ذلك قرناً ونصف قرن.

وهذه المراحل الثلاث، كانت ترسف في أغلال ((القرون الوسطى)) أغلال الجهل والضياع. ولم تصنع هذه المراحل شيئاً ذا بال.

- المرحلة الرابعة: صراع الغضب المشتعل بعد فتح القسطنطينية، يزيده اشتعالاً وتوهجاً وقود من لهيب البغضاء والحقد الغائر في العظام على ((الترك – أي المسلمين))، وهم شبح مخيف مندفع في قلب أوربة، يلقى ظله على كل شيء، ويفزع كل كائن حي أو غير حي بالليل والنهار. وإذا كانت المراحل الثلاث الأول لم تصنع للمسيحية شيئاً ذا بال، فصراع الغضب المشتعل بلهيب البغضاء والحقد هو وحده الذي صنع لأوربة كل شيء إلى يومنا هذا... إلى أن يقول: وهذه رعايا المسيحية أمام أعينهم تتساقط في الإسلام مرة أخرى، طائعة مختارة، وتدخل بحماسة ويقين ثابت في الإسلام! يالها من فجيعة!! ويرتاع مع كل فجر قلبُ المسيحية، ويغلى رهبانها ورعاياها بغضا للإسلام، وحماسة للمسيحية) ([70]).                

فالغضب والحقد والكراهية لهذا الدين وأهله قد ملأ قلوبهم، وأغلق عليها منافذ التفكير، وصدهم عن العدل والإنصاف، فكانت أفعالهم ومواقفهم مع الإسلام وأهله مواقف الجور والظلم إلا قليل منهم. وهنا يحسن أن نستشهد بقول ابن جرير رحمه الله عند قوله (تحبونهم) لما فيه بيان رحمتا لهم وقسوة قلوبهم نحونا حيث يقول: (وفي هذه الآية إبانة من الله عز وجل عن حال الفريقين أعني المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان). ([71])    

وتقول أنا ماري شيميل بهذا الصدد:( أثارت شخصية محمد أكثر من أي شخصية تاريخية أخرى مشاعر الخوف والكراهية والاحتقار في العالم المسيحي، وحينما يصفه من يصفه من النصارى بما يسوء فإنهم بذلك يعبرون عن مشاعر عدد لا يحصى من مسيحيي العصور الوسطى).([72])

ولقد أخبر القرآن عن الحقيقة وصدق واقعهم وأفعالهم الخبر القرآني، وشهد كتابهم على أقوامهم بما تكنه صدورهم، وحادثات الدهر المتوالية تؤكد أن هذه الحقيقة، وصدق الله وما تخفي صدورهم أكبر.  

المطلب السادس: الخوف من الإسلام

لا شك أن الله القوي العزيز أنزل دينه وتكفل بحفظه ونصره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وجعل الرهبة والخوف في قلوب أعداء هذا الدين، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، قال تعالى: )سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ( سورة آل عمران، 151. وقال ﷺ‬: (نصرت بالرعب على العدو) ([73]) قال ابن حجر في الفتح رحمه الله: (قوله نصرت بالرعب زاد أبو أمامة يقذف في قلوب أعدائي، أخرجه أحمد، قوله: مسيرة شهر، مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر، فالظاهر اختصاصه به مطلقا؛ وإنما جعل الغاية شهرا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده فيه احتمال).([74]) وقد تمثل هذا الخوف شاهدا حاضرا في كثير من المنتديات السياسية والعلمية فكم عقد من مؤتمر باسم الخوف من الإسلام، أو قريبا من هذا المعنى، حتى أصبح لهذا المعنى مصطلح شائع وهو (الإسلام فوبيا) أي الخوف من الإسلام، ولا يُخاف إلا من القوي، وقد تضمنت القمة الإسلامية التي عقدت في داكار في شهر ربيع الأول من عام 1429هـ موضوعا عن تخوف الغرب من الإسلام، ([75] ) ولا يغيب عن الذهن تخوف هرقل من الإسلام وهو لا يزال في العهد المكي، حتى قال أبو سفيان يومئذ وهو على كفره: (لقد أمِر أمْر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنا بأمر رسول الله ﷺ‬  أنه سيظهر حتى أدخل الله عليََ الإسلام).([76]) ووالله ما سام أعداء الإسلام هذا الدين خطة يريدون فيها هوانه وذلته إلا انتصر فيها الإسلام وعلا من خلالها، فالحمد لله.

ولكن لماذا يخافون من الإسلام؟ هل يُخاف من الحق؟ أم هل يبغض البشر الحقيقة؟ وهل الإسلام يخالف مقاصد البشر؟

أنهم يخافونه لأن الإسلام هو أن يكون الدين كله لله، قال جل ثناؤه: }وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[الأنفال، 39. ويريدون أن تكون الدينونة لأهوائهم وشهواتهم، قال سبحانه وتعالى:} كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ[ المائدة،70، والله يريد للناس أن يعبدوا ربهم لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى،  وتقوم حياتهم على التفاضل بحسب اللون والعنصر والمصلحة. وأخبر سبحانه وتعالى أن البشر لو تركوا وأهواءهم لفسدت السموات والأرض، قال تعالى:}وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ [ المؤمنون،71.

ومن أجل ذلك كله ترى ردود أفعالهم عنيفة تجاه أي حدث يشير ولو من بعيد إلى مظهر من مظاهر الإسلام، كالحجاب مثلا، أو ينبئ عن عودة الهيمنة لهذا الدين، حتى ولو كان في بلدة فقيرة في أدغال أفريقيا أو في أحراش آسيا، يقول محمود شاكر رحمه الله مبينا توجس الغرب من يقظة دار الإسلام وخوفهم منها قال ذلك بعد أن دكت جيوش مصر بقيادة محمد علي قلب الجزيرة العربية:( وكذلك أدرك الاستشراق وأدركت المسيحية الشمالية مأربا من أكبر مآربها في وأد اليقظة التي كانت تهددهم بها دار الإسلام في جزيرة العرب، والتي كانت تخشى المسيحية الشمالية أن تنضم هذه اليقظة إلى اليقظة الكائنة في مصر، فيومئذ لا يعلم غير الله ما تكون العواقب، كما أسلفت، وتم كل ذلك على يد مسلمين جهلة يوجههم الاستشراق والمسيحية الشمالية من حيث لا يبصرون ولا يعلمون ماذا يراد بهم، ولا إلى أي هوََة من الهلكة يساقون). ([77])

ومن أجل ذلك يرجع مراد هوفمان ردود الفعل العنيفة إزاء إسلامه إلى المواقف التاريخية السابقة بين الإسلام والنصرانية، ويقول:( يعود ذلك إلى فزع يسكن قلوب الألمان، ورعب متمكن من أعماق الشعب الألماني من كل ما هو إسلامي، وهذا الفزع التاريخي يصل إلى درجة غير المعقول، وسرعان ما يتحول - وبسهولة شديدة - إلى عداء سافر... إلى أن يقول: ولعبت الحروب الصليبية بطبيعة الحال – دورا أساسيا في إذكاء هذا الفزع وروح العداء تجاه الإسلام والمسلمين، فلقد أصابت هذه الحروب – برغم نجاحها العسكري – الأوربيين بصدمة هائلة ومروعة؛ لأنهم تيقنوا أن هؤلاء (الكفرة) الحقراء، الذين يقطنون بلاد الشام، أصحاب حضارة كبرى مزدهرة، بل إنها تتفوق على الحضارة المسيحية الأوربية في مختلف المجالات. ولقد أدرك بعضهم في ذلك الوقت حقيقة أثارت حرجهم، بل أزعجتهم، حقيقة مفادها: أن الغرب هو غروب صباح أشرق في بلاد الشرق).([78])

إنه أشرق وظهر واستعلن لسيطر الإسلام على كثير من بلادهم؛ فإذا الإسلام يمسك بتلابيب النصرانية ويحاصرها ويحصرها في مضايق ودهاليز أوروبا كما قال جاير دنر في مؤتمر أدنبره للتنصير عام 1910م: ( إن مشكلة الإسلام هذه مسألة لا يمكن أن نتغافلها ببساطة – ليست حتى في مواجهة الأوضاع العاجلة بطريقة لا يمكن وصفها، والتي تواجهنا في الشرق الأقصى، وهذه أولا، لأن الإسلام على أبوابنا، فمن أقصى الساحل الشمالي لأفريقيا يواجه أوروبا إنه فعلاً يلمسها، ويمكن القول إنه يمسكها عملياً من طرف البحر المتوسط عند أعمدة هرقل وعند القسطنطينية... فكروا في تلك الكتلة المركزية لعالم الإسلام الصلب من شمال أفريقيا إلى غرب ووسط آسيا إنه كإسفين ثابت يحجب الغرب المسيحي عن الشرق الوثني...إلى أن يقول: ولو واتجهنا أزمتنا الحالية في سعادة وتغلبنا عليها وأضفنا شرق أقصى مسيحي إلى الكنيسة؛ فإن ذلك الوتد – يقصد الإسلام- الغريب عنا والمعادي لنا الغير منسجم أو متعاطف؛ سيقطع العالم النصراني الغربي والشرقي كلية إلى نصفين، فاصلا الاثنين عازلهما بعن بعضهما مظهرا – للرب وللإنسان ليس فتقا فحسب بل صدعا من القمة إلى القاع في ثوب الكنيسة) ([79])

ويورد المؤلفان د مصطفى خالدي ود عمر فروخ موقف المستشرق الألماني كارل بكَر إذ يرى أن الإسلام لما انبسط في القرون الوسطى أقام سدا في وجه انتشار النصرانية ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها. وقريب من هذا ما رآه غاردنر حيث يرى أن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوربة.([80]

إن الإسلام هو التحدي الحقيقي لكل ديانة محرفة أو وضعية، إنه الدين الحق الذي يشهد على كل دين باطل ببطلانه ويظهر زيفه وخذلانه قال جورج بيترز في مؤتمر كلورادو: (إنني أميل إلى الاتفاق مع فاندر وزويمر وفريتاك وآخرون فيما ذهبوا إليه من أن الإسلام حركة دينية معادية للنصرانية ومخططة تخطيطا يفوق قدرة البشر لمقاومة إنجيل ربنا يسوع، إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تناقض مصادره الأصلية أسس النصرانية، وترفض بكل وضوح موثوقية وصحة الإنجيل وأبوة الرب وأن المسيح ابنه... إنه الخلاف الأكبر في النصرانية وفي الكتاب المقدس... وفي ذات الوقت فالنظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعيا وسياسيا ويفوق في ذلك النظام الشيوعي).([81]) إنهم يخافونه لأنه أقوى من كل مكرهم وكيدهم، ويبغضونه لأنه يرفض كل عقائدهم ولا يهادنهم فيها، ويخشونه لأنه أكثر النظم تناسقا اجتماعيا وسياسيا.

إنهم في الحقيقة يخافون من الإسلام سواءً في سكونه أو في يقظته، سواء كان أهله في حال النصر أم كانوا في حال الابتلاء والهزيمة، ولذا صرح "سالازار" - وزير المالية في لاحكومة البرتغالية ثم تولى رئاسة الحكومة عام 1923م – بقوله:( إن الخطر الحقيقي على حضارتنا هو الذي يمكن أن يحدثه المسلمون حين يغيرون نظام العالم، فلما سأله أحد الصحافيين : لكن المسلمين مشغولون بخلافاتهم ونزاعاتهم؟ أجابه: أخشى من يخرج منهم من يوجه خلافاتهم إلينا).([82])

ولكن لا مخرج لهم من ذلك ولا مفر لهم منه! وسيظل الإسلام قويا شامخا رغم محاولتهم المتكررة التي لا تنقطع – حتى يدخل عليهم في عقر دارهم في روما. وحتى يدخل كل بيت من وبر أو مدر. انظر قول تشارلز واطسون في المجلة الإنجليزية (مجلة العالم الإسلامي) التي يصدرها المنصر زويمر عن لجنة البحث في الأمور الاجتماعية في مؤتمر أدنبرج: (حصرت – أي اللجنة – قراراتها بجملتين، الأولى: أن ترقَي الإسلام في إفريقية الوسطى يجعل الكنيسة تفكر في مسألة دقيقة وهي هل ينبغي أن تكون القارة السوداء إسلامية أم مسيحية).([83])

وهذا إشعياء بومان يقول في مقالة نشرها في مجلة العالم الإسلامي التنصيرية:(لم يتفق أن شعبا مسيحيا دخل في الإسلام ثم عاد نصرانيا، وإن شيئا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي من الإسلام؛ لهذا الخوف أسباب منها: أن الإسلام منذ ظهر في مكة لم يضعف عدديا، بل إن أتباعه يزيدون باستمرار، ومن أسباب الخوف أن هذا الدين من أركانه الجهاد) ([84])

 المطلب السابع: التقليد الأعمى

 ذم الله التقليد الأعمى في كتابه؛ لأن المقلد يرد الحق لأنه يخالف ما عليه آباؤه وأجداده، والمقلد يرد الحق دون أن ينظر في دليله، أو يعرضه على عقله، قال جل ثناؤه: }وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ[ البقرة، 170.

وقال سبحانه وتعالى:} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ[ المائدة، 104. فهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ﷺ‬  استغنوا بما وجدوا عليه آباؤهم عن الله ورسوله ﷺ‬، وهل أهلك السابقين المخالفين إلا التقليد المذموم فكل أمة يأتيها رسولها تعرض عنه وتعتصم بموروثها البالي الباطل قال عز شأنه وتعالى سلطانه مخبرا عن حال الأمم السابقة وموقفهم من رسلهم عليهم الصلاة والسلام:} وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ . أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ . بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ . وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ . قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ[ الزخرف، 20-24.

وهذا الموقف هو الذي منع كفار قريش لأول وهلة من الإيمان، ففي الصحيحين عن بن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ‬ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قال رسول الله ﷺ‬ لأبي طالب: يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب. فلم يزل رسول الله ﷺ‬ يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة؛ حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ‬: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك؛ فأنزل الله تعالى فيه }ما كان للنبي[الآية.([85])

 وهو السبب نفسه الذي يحول بين أهل الكتاب وبين الإسلام يقول غوستاف لوبون: (الحقيقة أن حرية الرأي عندنا واستقلاله أمران ظاهريان أكثر منهما حقيقان واقعيان، إننا لسنا أحرارا في معالجتنا لبعض الموضوعات؛ فآراؤنا الموروثة المتحيزة التي نعتنقها ونتدارسها ضد الإسلام وأنصاره ودعاته قد تكاثفت وتراكمت عبر كثير من القرون حتى أصبحت جزءا من وجودنا العضوي).([86])

وهذا أستاذ آخر يبين لنا كيف تتراكم الخرافات عبر القرون ثم تتوالى على تصديقها الأجيال، وتقف من الحق موقف الجاهلية الأولى  يقول الأستاذ سذرن: (فيما يتعلق بحياة محمد كان لدى الكتاب الغربيين في القرون الوسطى قليل من الحقائق نقلوها عن الكتاب البيزنطيين، وهي تدور حول زواجه بأرملة ثرية، وعن نوبات صرع، وخلفية نصرانية،... وهكذا شُيِِد صرح هائل فوق أساس واه لا يمكن ربطه بأي تسلسل تاريخي، وعندما سئل الكتاب اللاتين في بداية الأمر: أي نوع من الرجال كان محمد؟ ولماذا كان ناجحا؟ أجابوا: بأنه كان ساحرا هدم الكنيسة في أفريقيا بالسحر والمكر).([87])

وفي ختام بيان الأسباب التي دعت أهل الكتاب للتطاول على نبينا وعلى الإسلام فيما مضى- يحسن بنا أن نتعرف على الأسباب التي تدعو أهل الكتاب المعاصرين للتطاول على الإسلام وأهله وهو ما سيكون الحديث عنه في المبحث التالي.

 المبحث الثالث الأسباب التي تدعو المعاصرين من أهل الكتاب للتطاول

مضى الحديث في مبحث سابق عن أسباب تطاول أهل الكتاب على الرسول ﷺ‬ وعلى الإسلام وأهله، وسيكون الحديث هنا عن الأسباب التي تدعو المعاصرين منهم للتطاول، والناظر في هذا الموضوع يرى أن الأسباب تكاد تكون متماثلة إلى أنه استجدت بعض الأحداث وتغيرت الموازين؛ فصاحب ذلك أسباب تهيأ بواسطتها لأهل الكتاب من التطاول ما لم يكن متاحا لهم من قبل، ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن الصراع قائم بين الحق والباطل منذ:) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ( إلى يوم البعث، وهذا مما أخبر الله عنه في محكم كتابه فقال جل ثناؤه: ) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ . قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ . قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ . إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ . قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ . قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ . لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ( سورة ص، 71- 85. ولكن هذا الصراع قد يستعر بين بعض أتباع المنتسبين إليهما في مكان أو زمان، وقد يستشري، وقد يخبو، وتتعدد أسباب يقظته واستعاره، وسأذكر بعض ما ظهر لي أنه أسهم في تأجيج الصراع في هذا العصر وزيادته، وسوف تكون إشارتي إلى هذه الروافد إشارة موجزة تذكر بالأمر، ولا توغر الصدر، وهذه الأسباب بعضها قديم كامن في أنفسهم، وبعضها جديد حادث أنتجته الحوادث، وهذه الأسباب هي:

السبب الأول: العداوة المتأصلة بين الحق والباطل التي أشارت إليها الآيات السابقة وغيرها. وقد سبقت الإشارة إليها.

السبب الثاني: أن مما طُبع عليه الذين لا يؤمنون بالآخرة أنهم يصدون عن سبيل الله، ويريدون طريقَه معوجّة غير سالكة لا توصل إليه سبحانه، قال جل ثناؤه: ) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ( سورة إبراهيم،3. وقد سبق الحديث عنه.قد سبق الحديث عنه.

السبب الثالث: البغي والعدوان، وهما مطية كل مستكبر، وسبيل كل جبار فبعد ما تبين لهما الحق اعرضوا عنه ورغبوا فيما عداه، وحسدوا أهله، قال تعالى:( مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) سورة البقرة، 105، فمن بغيهم ما يودون أن ينزل الله علينا خير قط. وأخبر سبحانه عن موقفنا منهم وموقفهم منا كما في ىيات سورة آل عمران وقد سبق الحديث عن ذلك

السبب الرابع: قوة الإسلام وخوفهم منه، وقد سبق الحديث عنه.

السبب الخامس: الحسد الذي ملأ قلوبهم غيضا وحنقا على هذا الدين الذي لم يكن في بني قومهم، ولم يظهر في بلادهم، فكان موقف كثير منهم الصد عنه والنأي عنه. وقد سبق الحديث عنه.

السبب السادس: إعراضهم عن القرآن لا يزيدهم إلا طغيانا وكبرا، وقد سبق الحديث عنه.

السبب السابع: هذا الكتاب المحرف، الذي يرتضعون من لبانته، ويهتدون بهديه، هو كتاب يغذي العنصرية، ويدعو إلى احتقار المخالف، واستباحة دمه وماله وعرضه،([88]) وفي النصوص التي سيجدها القارئ في ثنايا هذا البحث ما يكفي ويشفي، فكيف إذا توافرت هذه العناصر الثلاثة: طبع فاسد، وهوى غالب، وكتاب محرف يشرّع للبغي ويدعو إلى الظلم.

السبب الثامن: حوادث التاريخ السابقة بين الفريقين وما فيها من معارك ودماء، لا تزال رافدا قويا يستدعي منهم طلب الثأر والانتقام، ولا شك أن هذا التاريخ بين المسلمين والنصارى يؤجج هذا الصراع، ويجد فيه المحرضون مادة وافرة لاستعادة هذا التوتر وإيقاد الحروب بيننا وبينهم، ولا يخفى على ذي بصيرة أنه يوجد على ظهر الكرة الأرضية اليوم من الأسلحة الفتاكة ما يكفي لتدميرها مرات متعددة؛ لذا كان لزاما على أرباب الحجى في كل أمة أن يلجموا  كل سفيه يريد إشعال نار الحرب للحرب فقط وإضرام الفتنة.

السبب التاسع: استرداد البلاد التي فتحها الإسلام وعلى رأسها بيت المقدس والشام ومصر والقسطنطينية وما جاورها، وفي المقدمة التي قدم بها عبد الرحمن الشيخ كتاب (محمد مؤسس الدين الإسلامي) ذكر فيها رغبة الغرب النصراني في استرداد بلاد العالم الإسلامي كله وإعادته إلى النصرانية، وأن استيلاء الإسبان على (سبتة، ومليلة) هو بداية التاريخ الحديث على وفق تقسيمات مؤرخيهم، كما أكد على أن مشاركة الإسبان للتحالفات الغربية التي جرت للهجمة على العالم الإسلامي أخيرا ضمت إسبانيا، ويذكر أيضا أن المتحالفين عقدوا اجتماعهم في جزر الأزور البرتغالية لإحياء رموز تاريخية.([89])

السبب العاشر: التآزر التام بين صهاينة اليهود والمتصهينين من النصارى ظهور الأحزاب النصرانية المحافظة اليمينية المتطرفة بل المتصهينة في الدول الغربية وهي أحزاب تدعو إلى العودة الجادة إلى الديانة النصرانية، وتعلن شعارات الحقد والكراهية والتمييز العنصري لغيرهم وعلى وجه الخصوص للمسلمين، فتجد أن قيادات هذه الأحزاب ورموزها تستغل كل حادثة لإذكاء روح العداوة للمسلمين وتجديد الدعوة إلى النصرانية، وعندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر جاءت الدعوة إلى الحرب على المسلمين حربا صليبية من قبل الرئيس الأمريكي، كما تناقلتها وسائل الإعلام في حينها، بل أعلن أن هذه الحرب ستطال اثنين وخمسين دولة، وفي كتاب (الحرب الصليبية الأخيرة) تأليف باربرا فيكتور  تناول هذا الكتاب مسار سيطرة المسيحيين الخلاصيين، الذين يؤمنون بأن قيام دولة إسرائيل هو المقدمة الضرورية، لقيامة المخلص المسيح وسيطرة المسيحية الحقيقية في العالم. وهم لهذا يدعمون إسرائيل بكل إمكاناتهم، ويقومون بالدور الرئيس في الضغط على رؤساء أميركا لدعم إسرائيل، باعتبار أن هذه الحرب هي آخر حرب صليبية، ويعتبرون أن الرئيس الحالي جورج دبليو بوش يقود حرباً هي آخر الحروب الصليبية من أجل هذا الهدف. ([90])    

 وتجارى هذا الداء في قيادات الكنيسة الكاثوليكية حتى تطاول وأساء بابا الفاتيكان (بنديكت السادس عشر) للرسول ﷺ‬ وللإسلام ولصفات الله في القرآن، وذلك في المحاضرة التي ألقاها يوم 12 سبتمبر 2006م في جامعة (ريجينسبرغ بألمانيا) بعنوان (العقيدة والعقل وذكريات الجامعة وتأملاتها).([91]) وقد ندد مجمع الفقه الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي بذلك وطالبه بتحري الصدق في إصدار الأحكام على الإسلام، كما طالبته المملكة العربية السعودية بتوضيح موقفه من الإسلام وتعاليمه. 

السبب الحادي عشر: أحداث الحادي عشر من سبتمبر فقد استغلت أسوأ استغلال من قبل مروجي الحروب والفتن ومن قبل أعداء الإسلام، وأظهروا عبر وسائل الإعلام أن كل إفساد أو إرهاب أو تدمير فالإسلام يأمر به، ويحث عليه، كما طالبوا بالتضييق على المسلمين حكومات وشعوبا ومؤسسات وجاليات، وسنوا كثيرا من القوانين التي تحقق لهم التضييق على المسلمين والتمييز ضدهم في مجال الدعوة أو نقل الأموال أو تنقل الأشخاص أو غير ذلك، وأن على الغرب أن يتحد ويضح الخطط التي تتيح له القضاء المبرم على الإسلام وأهله، وأنى لهم ذلك.

وقد كتب 15 من أعضاء الكونجرس في11مارس 2005 خطابا إلى وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، استنادا إلى ما ورد في تقرير مركز الحريات الدينية حول المطبوعات السعودية، ضمن حملة تستهدف النيل من المملكة العربية السعودية والمطالبة بمحاسبتها كوسيلة للضغط من أجل تقديم تنازلات معينة يسعى إليها المتطرفون في مركز القرار الأمريكي، وجاء في خطاب الأعضاء: (نكتب إليك للتعبير عن تقديرنا لما قامت به وزارة الخارجية في عام 2004 من تصنيف المملكة العربية السعودية كدولة تثير قلقاً خاصاً بسبب انتهاكاتها المنتظمة والمستمرة والفظيعة للحرية الدينية... نحن قلقون أشد القلق بسبب سلسلة الأحداث الأخيرة التي تدل على دعم المملكة العربية السعودية للأفكار الدينية التي تعمل على نشر الكراهية، والتعصب الديني والعنف، في جميع أنحاء العالم، فضلاً عن القيود الصارمة التي تفرضها على الحرية الدينية والمساواة الاجتماعية داخل حدودها... ولذلك من الضروري محاسبة المملكة العربية السعودية على تأييدها للفكر الإسلامي المتطرف([92] ).

السبب الثاني عشر: ظلم الغرب للمسلمين وهو ظلم سافر جائر لا يحتاج إلى شاهد إلا إذ احتاج ضوء الشمس إلى دليل، فكم من دولة إسلامية استبيح حماها منهم، وكم من شعب قتل وهجر وسلبت أمواله وهتكت أعراضه، وكم أصدرت الهيئات العالمية من قرارات لصالح المسلمين ولم تنفذ، هذا إن سلمت من نقضها قبل صدورها أو حيل بينها وبين أن ترى النور. ولا شك أن هذا الظلم السافر يدفع بعض أبناء المسلمين إلى أفعال غير مشروعة وغير مدروسة، وهذا بدوره يحقق للنصارى استغلال هذه الحوادث الفردية ووصم الإسلام بها، وهنا فرق جوهري بين الحوادث التي يرتكبها بعض أفراد المسلمين وبين الحوادث التي تنسب إلى الغرب، فالحوادث غير المشروعة التي يقوم بها بعض المسلمين تجد أن الاستنكار لها يأتي من جميع المستويات في العالم الإسلامي، بينما الاعتداءات الغربية النصرانية تمنحها الهيئات الأمميةُ الشرعيةَ، وتضفي عليها طابع القبول والاستحسان.

وقد حاول مراد هوفمان سفير ألمانيا في المغرب – سابقا –  وكان نصرانيا ثم أسلم، أن يحدد أسباب عداوة الغرب لهذا الدين،([93]) حيث يقول: (في الواقع يستطيع المرء في أوروبا أو الولايات المتحدة أن يتبع مرشده الروحي الهندي، أو أن يمارس سحر الهنود الحمر الشاماني دون خطر أن يفقد عمله أو حياته طالما ليس هناك ما يمس العمل أو المؤسسة السياسية، فلا ضرر من اتباع ديانات غريبة، وأسوأ ما يقال في ذلك: إنه شيء غريب، وفي العادة، فإن اتباع ديانة ما يعدّ من الأمور الخاصة، والقاعدة في ذلك: كل شيء يجوز! إلا: إلا إذا كان الدين المعني هو الإسلام. فالإسلام هو الدين الوحيد الذي لا يشمله التغاضي اللطيف، أو التسامح الجميل. أسباب ذلك معقدة ومتنوعة: يرجع بعضها إلى الحروب الدموية بين المسيحيين والمسلمين، والصراع السياسي والتجاري للسيطرة على البحر الأبيض المتوسط. ثم حاول أن يستجلي أسباب هذه العداوة وهذا الموقف المتعنت من الإسلام فذكر من ذلك ما يلي:

1-     الاقتناع المسيحي أن الإسلام دين قتال وعداوة ويبررون انتشاره بالعمليات العسكرية، فكيف يمكن لأحد أن يبرر التوسع الهائل للإسلام من الحجاز إلى القسطنطينية، ولا يستطيع العالم المسيحي أن يعترف ببساطة بأن الإسلام انتشر؛ لأنه حرر الشعوب التي كابدت الحكم القيصري والبابوي والكسروي، وأن كثيرا من المسيحيين الذين زنْدَقَهم مجمعُ  نيقية رحبوا بالإسلام الذي قال عن عيسى ما كانوا يعتقدونه.... ولكن حتى اليوم – لحفظ ماء الوجه – يصر العالم الغربي على الأسطورة التي اخترعها: أن الإسلام انتشر بالسيف والنار.

2-     الخوف من الإسلام خوفا وقلقا بلغ مداه في حصار تركيا لفيينا 1529م-1683م ولا تزال آثاره إلى اليوم حيث يقول: وإذا سبرت غور النفس الأوروبية ولو بخدش سطحي صغير لوجدت تحت الطبقة اللامعة الرقيقة عداءً للإسلام – عقدة فيينا – التي يمكن استدعاؤها في أي وقت، وهذا ما حدث بالضبط في أوروبا خلال العشرين سنة الماضية.([94]

3-     الحروب الصليبية ويرى أنه من الوهم أن تعتقد تلاشي الروح الصليبية، وأورد عددا من الشواهد التي تؤكد قيام كثير من ساسة أوروبا وملوكها بحروب واتخاذهم لمواقف تؤكد حضور الروح الصليبية في هذه القرارات والمواقف، ولعل من أبرزها – وليس آخرها – الحملة الغاشمة الصربية على المسلمين في البوسنة... ثم يقول: في الحقيقة، لم ينته عصر الحروب الصليبية في أي زمان، اليوم ليس البابا من يدعو للحملة ضد الإسلام ولكنه قد يكون مجلس الأمن.

4-     تخلف المسلمين وإسهامهم في تكوين الصورة السلبية عنهم في الغرب – سواء رضينا أم كرهنا – فلقد أصبحت صورة الإسلام في الغرب تعني التعصب والقسوة والعنف والاستبداد والطغيان وخرق حقوق الإنسان والتخلف المرغوب ([95]) .

5-     التجاهل الذي لا يغتفر للإنجازات الحضارية الهائلة التي قدمتها الحضارة الإسلامية فيما مضى، ويرى أن جهل المرء بالإسلام وحضارته لا يعد في أمريكا وأوروبا نقصا في التعليم.

6-     الكيل بمكيالين وهذا ظاهر للعيان، لنأخذ الإعلام الغربي كمثال: إذا هاجم إرهابي – من خارج العالم الإسلامي –  هدفا؛ جاءت التقارير: مقاتل أو محارب من IRA أو ETA أو غير ذلك قام بـالحادث، ولن نسمع مطلقا ( متعصب كاثوليكي) أو (متعصب اشتراكي) حتى الهجوم بالغاز في مترو طوكيو 1995م نُسب إلى راديكاليين. أما إذا ألقى شخص من الشرق الأوسط قنبلة غاز فينسب العمل لمسلم متعصب، حتى ولو كان ذلك العربي مسيحيا أو بعثيا أو ملحدا. ثم قال لنأخذ حالتي الشخصية مثالا على ذلك، هاجمت إحدى وسائل الإعلام الألمانية كتابي(الإسلام كبديل) قبل صدوره 1992م وشنت حملة كراهية ضدي مطالبة سحبي كسفير لألمانيا في المغرب، دون أن يقرؤوا الكتاب.([96])

 الخاتمة

الحمد لله أولا وآخرا، وأثني عليه وهو أهل الثناء والمجد،  ثم أما بعد فقد تبين من خلال هذا البحث أن تطاول أهل الكتاب على رسولنا ﷺ‬ لم يكن بدعا من التطاول؛ فقد تطاولوا على الله جل جلاله وتقدست أسماؤه، كما تطاولوا على الأنبياء السابقين سواء كانوا من أنبيائهم أو من سائر النبيين عليهم الصلاة والسلام، وتبين - أيضا – أن الله قد عصم نبيه ﷺ‬ من كيد الكائدين، وحفظه من تطاول المغرضين، وكفاه من استهزاء المستهزئين، كما تبين – أيضا – أن من أبرز الأسباب التي تدعو أهل الكتاب إلى التطاول على نبينا محمد ﷺ‬ هي:

السبب الأول: الحسد.

السبب الثاني: الصد عن سبيل الله.

السبب الثالث: إعراضهم عن القرآن لا يزيدهم إلى خسارا.

السبب الرابع: البغي والعدوان.

السبب الخامس: الكراهية والبغضاء.

السبب السادس: الخوف من الإسلام.

السبب السابع: التقليد الأعمى.

كما تبين - أيضا – أن الأسباب التي تدعو المعاصرين منهم للتطاول على نبينا محمد ﷺ‬ هي الأسباب نفسها التي دفعت السابقين منهم للتطاول، استجدت أسباب دفعت المتأخرين منهم للتطاول وهي:

1- هذا الكتاب المحرف، الذي يرتضعون من لبانته، ويهتدون بهديه، هو كتاب يغذي العنصرية، ويدعو إلى احتقار المخالف، واستباحة دمه وماله وعرضه، وهو وإن كان موجودا لكن في العصر الحاضر أصبح يزيدهم عنصرية إلى عنصريتهم وحقدا إلى حقدهم.

2- حوادث التاريخ السابقة بين الفريقين وما فيها من معارك ودماء، لا تزال رافدا قويا يستدعي منهم طلب الثأر والانتقام، ولا شك أن هذا التاريخ بين المسلمين والنصارى يؤجج هذا الصراع، ويجد فيه المحرضون مادة وافرة لاستعادة هذا التوتر وإيقاد الحروب بيننا وبينهم.

3- استرداد البلاد التي فتحها الإسلام وعلى رأسها بيت المقدس والشام ومصر والقسطنطينية وما جاورها.

4- ظهور الأحزاب النصرانية المحافظة اليمينية المتطرفة بل المتصهينة في الدول الغربية، وهي أحزاب تدعو إلى العودة الجادة إلى الديانة النصرانية، وتعلن شعارات الحقد والكراهية والتمييز العنصري لغيرهم وعلى وجه الخصوص للمسلمين.

5- أحداث الحادي عشر من سبتمبر فقد استغلت أسوأ استغلال من قبل مروجي الحروب والفتن، ومن قبل أعداء الإسلام، وأظهروا عبر وسائل الإعلام أن كل إفساد أو إرهاب أو تدمير فالإسلام يأمر به، ويحث عليه، كما طالبوا بالتضييق على المسلمين حكومات وشعوبا ومؤسسات وجاليات، وسنوا كثيرا من القوانين التي تحقق لهم التضييق على المسلمين والتمييز ضدهم في مجال الدعوة أو نقل الأموال أو تنقل الأشخاص أو غير ذلك.

6- ظلم الغرب للمسلمين وهو ظلم سافر جائر لا يحتاج إلى شاهد إلا إذ احتاج ضوء الشمس إلى دليل، فكم من دولة إسلامية استبيح حماها منهم، وكم من شعب قتل وهجِِر وسلبت أمواله وهتكت أعراضه.

وأدعو في نهاية هذا البحث المتواضع إلى إعادة دراسة موضوع (الخوف من الإسلام) دراسة متأنية متكاملة تستقصي حقيقته، وتبين دوافعه، وتستقرئ ردود الأفعال من هذا الخوف، وتكشف الآثار المترتبة على هذا الخوف، وتبين للأمة ما يجب أن تفعله تجاه هذا الخوف منها ومن دينها.

كما أدعو إلى دراسة عن هذا الموضوع ( التطاول على الرسول ﷺ‬ ) دراسة تبين أسبابه وصوره وآثاره وكيفية القيام بواجب النصرة الشرعية؛ حماية لجناب المصطفى ﷺ‬ .

وختاما أسأل الله أن تكون هذه الأسباب تبصرة لكل ذي قلب سليم، وعونا لكل داع ذي منهج سديد، وأن تزيد المسلم هداية ورشدا.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



([1]) جامع البيان 2/633.

([2]) تيسير الكريم الرحمن108.

([3]) الجامع لأحكام القرآن، 12/70.

([4]) التحرير والتنوير17/227.

([5]) المستدرك على الصحيحين1/100، وصحيح ابن حبان 7/160، وانظر صحيح البخاري 5/2139.

([6]) المستدرك على الصحيحين2/342. وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

([7])الجواب الصحيح4/ 161، و208-209. منه، وبين هذه الصفحات مباحث مهمة في هذا الباب؛ بل كل هذا الكتاب فريد في بابه. وانظر الإعلام بما في دين النصارى من الفساد342، وانظر الصارم المسلول2/316.

([8]) صحيح البخاري4/1712، وصحيح مسلم 4/ 1854.

([9]) تيسير الكريم الرحمن 633.

([10]) متفق عليه، صحيح البخاري6/ 2722، وصحيح مسلم4/1762.

([11]) مسند الشاميين2/ 93.

([12]) انظر إنجيل متى الإصحاح 27 وغيره من الأناجيل التي روت حادثة الصلب.

([13]) إفحام اليهود، 130.

([14]) سفر التكوين 19: 30-36. وانظر لمزيد من التفصيل النبوة والأنبياء لسليمان العيد.

([15]) صحيح البخاري1/7، وصحيح مسلم3/1394.

([16]) مصنف ابن أبي شيبة 7/255،256، والمعجم الكبير 24/374.

([17]) الدر المنثور2/607.

([18]) صحيح البخاري 1/9، وصحيح مسلم3/1396.

([19]) فتح الباري 1/40.

([20]) جامع البيان 7/153.

([21]) تفسير القرآن العظيم2/517.

([22]) المصدر السابق2/303، وجامع البيان9/226.

([23]) مختصر سيرة الرسول 116.

([24]) صحيح ابن حبان 14/  516.

([25]) صحيح البخاري1/ 94، وصحيح مسلم 3/ 1418.

([26]) السيرة النبوية للندوي159.

([27]) صحيح مسلم 3/ 1417.

([28]) المسند 1/ 305، وسنن أبي داود 4/ 173.

([29]) تفسير القرآن العظيم 4/92، بتصرف يسير، وانظر جامع البيان 15/ 164.

([30]) انظر صحيح البخاري4/ 1517ن وصحيح مسلم 4/ 2129، وجامع البيان18/ 86، وتفسير القرآن العظيم3/ 270.

([31]) جامع البيان19/11.

([32]) تفسير القرآن العظيم3/ 318.

([33])الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام 1/460.وانظر الدين والدولة 137- 184.

([34]) التعريفات 117.

([35]) الروح 251.

([36]) كذا في الأصل ولعل صواب العبارة: أن لا يشتهي زوالها عنه، بل يشتهي لنفسه مثلها..إلخ.

([37]) مفاتيح الغيب  2/ 216.

([38]) مفاتيح الغيب 3/217.

([39]) بدائع الفوائد، 1/ 481.

([40]) انظر صحيح البخاري 5/2176.

([41]) تفسير القرآن العظيم1/154.

([42]) التحرير والتنوير 1/669-670.

([43]) جامع البيان1/474.

([44]) التفسير الكبير 19/62.

([45])التحرير والتنوير4/27.

([46]) مفاتيح الغيب8/ 138.

([47]) جامع البيان4/24، وانظر أخبار المدينة 1/ 235.

([48]) التفسير الكبير16/35.

([49]) ظاهرة الاستشراق 61.

([50]) الإسلام في تصورات الغرب14.

([51])تفسير القرآن العظيم2 /76،77. وانظر جامع البيان 6/299.

([52]) تيسير الكريم الرحمن 47.

([53])فتح القدير3/259.

([54]) تفسير القرآن العظيم3/60. وانظر جامع البيان15/ 151.

([55]) التحرير والتنوير15/189.

([56]) تفسير القرآن العظيم 2/ 403. وانظر أيضا تيسر الكريم الرحمن751، وانظر أيضا جامع البيان24/128.

([57]) تيسير الكريم الرحمن751.

([58]) جريدة الوطن العدد 2690، وتاريخ 3/ 2/ 1429هـ.

([59]) لسان العرب14/ 78، 79. مادة بغى.

([60]) التعريفات 138.

([61]) المفردات 55، مادة بغى.

([62]) المستدرك على الصحيحين 3/471.

([63]) جامع البيان2/ 337.

([64]) فتح القدير 1/404.

([65]) الاستشراق والدراسات الإسلامية 193.

([66]) تفسير القرآن العظيم 1/400. وانظر جامع البيان 4/60.

([67]) التفسير الكبير 8/175،  176.

([68]) الإسلام قوة عالمية متحركة، ص 209.

[69]) ) اعتقاد الإسلام 16.

([70]) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص 44- 46.

([71]) جامع البيان 4/65.

([72]) رحلة إلى مكة، ص 208-209. وانظر أيضا رؤية إسلامية للاستشراق، ص 28.

([73] ) صحيح البخاري1/168، وصحيح مسلم 1/372، واللفظ له.

([74] ) فتح الباري1/437.

[75]))  انظر تقريرا عن ذلك في موقع http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/.

([76] ) صحيح البخاري4/1658، وصحيح مسلم 3/1396.

([77]) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا138.

([78]) رحلة إلى مكة, ص 205.

([79] ) الوثيقة الإسلام الخطر 18.

([80]) التبشير والاستعمار36.

([81]) التنصير خطة لغزو العالم 566.

([82]) جند الله ثقافة وأخلاقا 15.

([83]) الغارة على العالم الإسلامي 71.

([84]) التعصب الصليبي145. وانظر أيضا جريدة الحياة الصادرة في يوم الأربعاء 27/7/1429هـ فقد نشر في هذا العدد الأستاذ جهاد الخازن الحلقة الأخيرة من سلسلة مقالات عن الخوف من الإسلام بعنوان(إسلام فوبيا).

([85]) صحيح البخاري1/457، وصحيح مسلم 1/54.

([86]) الآخر في منظور الفكر الغربي الحديث 17.

([87]) وجهات النظر الغربية، نقلا عن رؤية إسلامية للاستشراق، ص 29.

([88]) للباحث بحث بعنوان : الموقف من الآخر في الكتاب المقدس، وأوردت فيه نماذج متعددة من التمييز العنصري واستباحة دم المخالف وإقصائه وتشريع الشرائع التي تبيده وتقضي عليه. وهذا البحث قيد التحكيم والنشر.

([89] ) محمد مؤسس الدين الإسلامي91.

([90] ) الحرب الصليبية الأخيرة، وهذا الكتاب على الرابط www.neelwafurat.co-. ومن نظر في سير الأحداث اليومية على مستوى العالم وجد أنها تشابه إلى حد كبير الأجواء السياسية التي سبقت الحروب الصليبية؛ فليكن العالم على حذر فقد يجره السفهاء إلى مصير بئيس.

([91] ) انظر هذا الخبر على الرابط www.alriyadh.com

[92]))  انظر نص الكتاب الذي رفع إلى وزيرة الخارجية على الرابط http://www.alwatan.com.sa/news/index.asp?issueno.

([93]) أحبت أن أورد قول مارد في موطن واحد دون أن أقسمه على الأسباب السابقة؛ رغبة في أن يطلع القارئ على هذا الكلام متواصلا فيكون أبلغ بيانا، وأشد وقعا.

([94]) وتناقلت الصحف في يوم الثلاثاء خبر منع قناة (غولي) التلفزيونية من ظهور الطفل المسلم إسلام وعللت ذلك أن اسمه يخيف الفرنسيين. انظر هذا الخبر على الرابط:  middle_east/4/17/islam http://arabic.cnn.com/2008

/4/17/islam_france/index.html

([95]) انظر ظاهرة الاستشراق ص 177. فقد ذكر فيها كيف أعان المسلمون على أنفسهم .

([96]) الإسلام عام 2000م، ص 45-63. بتصرف.

رأيك يهمنا