الشهادتان معناهما وما تستلزمه كل منهما

نبذة مختصرة

الشهادتان معناهما وما تستلزمه كل منهما : قال المؤلف في المقدمة: « فحيث إن التلفظ بالشهادتين والعمل بمقتضاهما هو الركن الأساسي للدين الإسلامي، وحيث إن جماهير أمة الدعوة يجهلون ما يراد بهما ويعتقدون أن المراد مجرد النطق بهما دون معرفة وعمل، وأن هناك من يفسرهما بما يخالف معناهما، لذا فقد أحببت أن أكتب بحثًا حول ذلك رجاء أن يستفيد منه من له قصد حسن ممن أراد الله به خيرًا ».

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

الشَّهادَتَانِ معناهُمَا وما تستلزمه كُل مِنهما

تأليف

سَمَاحَةِ الشَّيْخِ العلاّمةِ

عَبْدِ اللَّـهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ جِبْرِيْنٍ

ـ سَلَّمَهُ اللَّـهُ تَعَالَى ـ

قام بتنسيق الرِّسالة ونشرها : سَلمَانُ بْنُ عَبْدِ القَادِرِ أبُوْ زَيْدٍ

غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ.

O

« مُقدّمة » :

الحمد لله المتفرد بالكمال، المتوحد بصفات الجلال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعالى عن الأنداد والأمثال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي فضله ربه لما تميز به من شريف الخصال، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، أهل الاتباع والامتثال.

أما بعد:

فحيث إن التلفظ بالشهادتين والعمل بمقتضاهما هو الركن الأساسي للدين الإسلامي، وحيث إن جماهير أمة الدعوة يجهلون ما يراد بهما، ويعتقدون أن المراد مجرد النطق بهما دون معرفة وعمل، وأن هناك من يفسرهما بما يخالف معناهما، لذا فقد أحببت أن أكتب بحثا حول ذلك، ورجاء أن يستفيد منه من له قصد حسن، ممن أراد الله به خيرا، وذلك يتضمن مباحث ستة هي :

المـبحث الأول : في فضل الشهادتين.

المـبحث الثاني : القتال على الشهادتين، ووجوب الإتيان بهما.

المـبحث الثالث : في معنى كلمة: لا إله إلا الله.

المـبحث الرابع : في معنى: (شهادة أن محمدا رسول الله).

المـبحث الخامس : شروط الشهادتين.

المـبحث السادس : نواقض الشهادتين.

« المبحث الأوّل في فَضلِ الشَّهادَتَيْنِ » :

يجد القارئ في كتب الحديث والسنة كثيرا وكثيرا من أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- تتضمن فضل هاتين الشهادتين والبشارة لمن أتى بهما بالجنة والرضوان، والسعادة والنجاة من عذاب الله وسخطه([1])؛ فمن ذلك حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال :

« من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل »متفق عليه ، وفي رواية : « أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء »([2])، وفي صحيح مسلم وغيره عن عثمان -رضي الله عنه- مرفوعا : « من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة »([3]) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة »([4])، وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : « من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؛ حرم الله عليه النار »([5])، وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ بن جبل : « ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار »([6])، وعن عتبان بن مالك -رضي الله عنه- في حديثه الطويل أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : « فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله »([7]).

وكل هذه النصوص في الصحيحين أو أحدهما، ودلالتها ظاهرة على فضل الإتيان بهاتين الكلمتين، حيث رتب على ذلك دخول الجنة وفتح أبوابها الثمانية، والتحريم على النار، وورد أيضا ترتب العتق من النار على ذلك؛ فقال -صلى الله عليه وسلم- : « من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك، وأنبياءك وملائكتك وجميع خلقك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك أعتق الله ربعه من النار، فمن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار، ومن قالها ثلاثا أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار، ومن قالها أربعا أعتقه الله من النار » رواه الترمذي وأبو داود عن أنس رضي الله عنه([8])، وورد أيضا في فضل هذه الكلمة أنها ترجح بالسيئات، بل بجميع المخلوقات إلا ما شاء الله، فروى ابن حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : « قال موسى : يا رب، علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: يا موسى، قل لا إله إلا الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا. وفي رواية قال: لا إله إلا أنت، إنما أريد شيئا تخصني به. قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله »([9]).

وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : « إن نوحا - عليه السلام- قال لابنه عند موته : آمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ولا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله »([10] وروى الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو حديث صاحب البطاقة الذي يدعى يوم القيامة : « فينشر له تسعة وتسعون سجلا -يعني من السيئات- ثم يخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة »([11]).

فأنت ترى هذه النصوص الصحيحة قد أفادت النجاة والفوز لأهل هذه الكلمة، ولكن لا بد من تحقيقها والعمل بمقتضاها، فإن هذه الأدلة المطلقة تحمل على الأخرى التي قيد فيها الإتيان بالشهادتين بالإخلاص والصدق... إلخ؛ لتكون بذلك مؤثرة في العمل والسلوك.

« المبحث الثَّانِي القتال على الشَّهادتَيْنِ ووجوب الإتيان بهما » :

في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقهما وحسابه على الله عز وجل وفي رواية لمسلم : « حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به »([12])، وفي الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله »([13]) ، وفي الصحيح عن أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : « أمرت أن أقاتل الناس -يعني المشركين- حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها »([14]).

والأحاديث في هذا كثيرة، وهكذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتقبل كل فرد أسلم بعد أن يتكلم بالشهادتين، فقد ذكر المؤرخون في قصة إسلام أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- أنه قال : « أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فرأيت الاستبشار في وجهه »([15]).

وذكروا عن خالد بن الوليد أنه قدم المدينة للإسلام، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : « فسلمت عليه وقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: الحمد لله الذي هداك »([16])، وكذا قصة إسلام خالد بن سعيد بن العاص -رضي الله عنه- أنه لقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « فقال : إلام تدعو؟ قال: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يضر ولا ينفع، ولا يدري من عَبَدَهُ ممن لا يعبده . قال خالد : فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله »([17]).

فهذه القصص ونحوها تفيد أن النطق بالشهادتين شرط لقبول الإسلام فمن أتى بهما دخل في هذا الدين، وعصم بذلك دمه وماله وحرم قتله، وقد أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على أسامة لما قتل من تلفظ بهذه الكلمة، ففي صحيح مسلم وغيره عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعثه في سرية قال :

« فأدركت رجلا فقال : لا إله إلا الله، فطعنته، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقال لا إله إلا الله وقتلته ؟ قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح. قال: أفلا شققت عن قلبه »([18]).

وفي حديث جندب البجلي في الصحيح « أن أسامة قال : يا رسول الله، أوجع في المسلمين وقتل فلانا وفلانا، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال لا إله إلا الله، قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة »([19])، وفي حديث ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بعث معاذا إلى اليمن قال له : « فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله » متفق عليه([20])، وفي المعنى أحاديث كثيرة تفيد أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكتفي من أهل ‏‏زمانه بهاتين الشهادتين، وأن من أتى بهما وعمل بمدلولهما، والتزم بما تستلزمه كل منهما من الطاعة لله ورسوله وجميع أنواع العبادة؛ فيوحد الله - عز وجل- ويتخلى عن العادات الشركية، ويأخذ ذلك من معنى قوله لا إله إلا الله، كما يلتزم طاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واتباعه بمجرد قوله : محمد رسول الله، وما ذاك إلا أن القوم إذ ذاك كانوا عربا فصحاء يعرفون ويفهمون معنى الشهادة، ومعنى الإله ، وما في هذه الكلمة من النفي والإثبات، فلا جرم اقتصر على تلقينهم هذه الكلمة؛ وذلك أن من شرط نجاة من تلفظ بهذه الشهادة أن يكون عالما بمعناها، عاملا بمقتضاها ظاهرا وباطنا، قال الله -تعالى- : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ﴾[ سورة مُحمَّد، الآية : 19 ] وقال - عز وجل- : ﴿ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة الزخرف، الآية : 86 ] ونحو ذلك من الآيات التي تبين أنه يشترط العلم بمعناها، وعلى هذا فيجب الكف عن من أتى بالشهادتين ظاهرا من المشركين، ويحقن بذلك دمه حتى يختبر وينظر في أمره بعد ذلك؛ فإن استقام على الدين والتزم بالتوحيد، وعمل بتعاليم الإسلام، فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، وإن خالف مقتضى ما شهد به، أو ترك بعض ما كلف به جحدا وإنكارا، أو استباح المحرمات المعلوم بالضرورة تحريمها، لم تعصمه هذه الكلمة.

وهذا هو الواقع في الكثير من أهل هذا الزمان من علماء وعامة، جهلة أو مقلدة، حيث إن الكثير من العوام في هذه القرون المتأخرة قد فسدت عقائدهم، ونشأوا على جهالة بالدين وبمدلول الشهادتين، بل معاني اللغة العربية كلها، فلا جرم أصبح الجمهور منهم لا يفهمون معنى الشهادتين، ويقعون في ما يناقضهما صريحا، ويكتفون بمجرد التلفظ بهما معتقدين أن الأجر والحسنات وعصمة الدم والمال تحصل بترديد هذه الأحرف الجوفاء، دون معرفة لمعانيها ولا عمل بمقتضاها؛ لذلك نحن بحاجة إلى الكلام على معاني هاتين الشهادتين لإقامة الحجة على من خالف ذلك معنى واكتفى بالتلفظ بهما، وزعم أنه بذلك مسلم كامل التوحيد.

« المبحث الثَّالث في معنى كلمةِ لا إله إلا اللَّـه » :

لقد عني أئمة الدعوة -رحمهم الله- ببيان معنى كلمة التوحيد، فأفردها الشيخ محمد بن عبد الوهاب برسالة في جواب سؤال، وتكلم عليها في كشف الشبهات وغيره، وتعرض لها شراح كتاب التوحيد وغيرهم، وإليك ما ذكره الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد صفحة: 53 حيث يقول : ومعنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [ سورة الأنبياء، الآية : 25 ].

مع قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [ سورة النحل، الآية : 36 ].

فصح أن معنى الإله هو المعبود، ولهذا لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « لكفار قريش: قولوا: لا إله إلا الله. قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب » وقال قوم هود : ﴿ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾[ سورة الأعراف، الآية : 70 ].

وهو إنما دعاهم إلى: لا إله إلا الله ، فهذا هو معنى : لا إله إلا الله وهو عبادة الله وترك عبادة ما سواه، وهو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فتضمنت هذه الكلمة العظيمة: أن ما سوى الله ليس بإله، وأن إلهية ما سواه من أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، فتضمنت نفي الإلهية عما سواه، وإثباتها له وحده لا شريك له، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه إلها وحده، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلا يستفتي أو يستشهد من ليس أهلا لذلك، ويدع من هو أهل له، فتقول: هذا ليس بمفت ولا شاهد، المفتي فلان والشاهد فلان، فإن هذا أمر منه ونهي.

وقد دخل في الإلهية جميع أنواع العبادة الصادرة عن تأله القلب لله بالحب والخضوع، والانقياد له وحده لا شريك له، فيجب إفراد الله تعالى بها: كالدعاء، والخوف، والمحبة، والتوكل والإنابة، والتوبة، والذبح، والنذر، والسجود، وجميع أنواع العبادة، فيجب صرف جميع ذلك لله وحده لا شريك له، فمن صرف شيئا مما لا يصلح إلا لله من العبادات لغير الله فهو مشرك ولو نطق بـلا إله إلا الله؛ إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص.

ذكر نصوص العلماء في معنى الإله :

قال ابن عباس -رضي الله عنه- الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين رواه ابن جرير وابن أبي حاتم([21]).

وقال الوزير أبو المظفر في الإفصاح: قوله: شهادة أن لا إله إلا الله، يقتضي أن يكون الشاهد عالما بأن لا إله إلا الله، كما قال الله -عز وجل- : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [ سورة مُحمَّد، الآية : 19 ].

وينبغي أن يكون الناطق بها شاهدا فيها، فقد قال الله -عز وجل- ما أوضح به أن الشاهد بالحق إذا لم يكن عالما بما شهد به، فإنه غير بالغ من الصدق به مع من شهد من ذلك بما يعلمه في قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الزخرف، الآية : 86 ].

قال: واسم الله تعالى مرتفع بعد (إلا) من حيث إنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره -سبحانه- قال: واقتضى الإقرار بها أن تعلم أن كل ما فيه أمارة للحدث، فإنه لا يكون إلها، فإذا قلت: لا إله إلا الله، فقد اشتمل نطقك هذا على أن ما سوى الله ليس بإله، فيلزمك إفراده -سبحانه- بذلك وحده. قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة هي مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله -سبحانه- كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله.

وقال أبو عبد الله القرطبي في التفسير: لا إله إلا هو، إي: لا معبود إلا هو.

وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس، كالرجل والفرس، اسم يقع على كل معبود بحق أو بباطل، ثم غلب على المعبود بحق.

وقال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع.

وقال أيضا في لا إله إلا الله: إثبات انفراده بالإلهية، والإلهية تتضمن كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته؛ ففيها إثبات إحسانه إلى العباد، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع.

وقال ابن القيم -رحمه الله- : الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا، وإنابة وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا، وخوفا ورجاء وتوكلا.

وقال ابن رجب -رحمه الله- : الإله هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه، وسؤالا منه ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله عز وجل، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله ونقصا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك.

وقال البقاعي: لا إله إلا الله، أي: انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علما إذا كان نافعا، وإنما يكون نافعا إذا كان الإذعان والعمل بها تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف.

وقال الطبي: الإله فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله إلهة، أي: عبد عبادة. وهذا كثيرا جدا في كلام العلماء، وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود، خلافا لما يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله أنه الخالق، أو القادر على الاختراع، أو نحو هذه العبارات، ويظنون أنهم إذا قالوا بهذا المعنى فقد أتوا من التوحيد بالغاية القصوى، ولو فعلوا ما فعلوا من عبادة غير الله: كدعاء الأموات، والاستغاثة بهم في الكربات، وسؤالهم قضاء الحاجات، والنذر لهم في الملمات، وسؤالهم الشفاعة عند رب الأرض والسموات، إلى غير ذلك من أنواع العبادات. وما شعروا أن إخوانهم من كفار العرب يشاركونهم في هذا الإقرار، ويعرفون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع، ويعبدونه بأنواع من العبادات، فليهن أبا جهل وأبا لهب ومن تبعهما الإسلام بحكم عباد القبور، وليهن أيضا إخوانهم عباد ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر إذ جعل هؤلاء دينهم هو الإسلام المبرور، ولو كان معناها ما زعمه هؤلاء الجهال، لم يكن بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبينهم نزاع، بل كانوا يبادرون إلى إجابته، ويلبون دعوته، إذ يقول لهم قولوا: لا إله إلا الله. بمعنى أنه لا قادر على الاختراع إلا الله. فكانوا يقولون: سمعنا وأطعنا. قال الله تعالى: ﴿ ولئن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ [ سورة الزخرف، الآية : 87 ] ، ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾ [ سورة الزخرف، الآية : 9 ] ، ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [ سورة يونس، الآية : 31 ] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.

لكن القوم أهل اللسان العربي، فعلموا أنها تهدم عليهم دعاء الأموات والأصنام من الأساس، وتكب بناء سؤال الشفاعة من غير الله وصرف الإلهية لغيره، لأم الرأس، فقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ [ سورة الزمر، الآية : 3 ] ، ﴿ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [ سورة يونس، الآية : 18 ] ،

﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ سورة ص، الآية : 5 ].

فتبا لمن كان أبو جهل ورأس الكفر من قريش وغيرهم أعلم منه بلا إله إلا الله. قال تعالى : ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ *وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾ [ سورة الصافات : 35 ـ 36 ].

فعرفوا أنها تقتضي ترك عبادة ما سوى الله، وإفراد الله بالعبادة، وهكذا يقول عباد القبور إذا طلبت منهم إخلاص الدعوة والعبادة لله وحده: أنترك سادتنا وشفعاءنا في قضاء حوائجنا؟ فيقال لهم: نعم وهذا الترك والإخلاص هو الحق، كما قال تعالى: ﴿ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [ سورة الصافات، الآية : 37 ].

فلا إله إلا الله اشتملت على نفي وإثبات :

فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، فكل ما سواه من الملائكة والأنبياء فضلا عن غيرهم فليس بإله، ولا له من العبادة شيء.

وأثبتت الإلهية لله وحده، بمعنى أن العبد لا يأله غيره، أي لا يقصده بشيء من التأله، وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة: كالدعاء، والذبح، والنذر، وغير ذلك.

وبالجملة: فلا يأله إلا الله، أي: لا يعبد إلا هو. فمن قال هذه الكلمة عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها: من نفي الشرك، وإثبات الوحدانية لله، مع الاعتقاد الجازم لما تضمنته من ذلك والعمل به، فهذا هو المسلم حقا، فإن عمل به ظاهرا من غير اعتقاد فهو المنافق، وإن عمل بخلافها من الشرك فهو الكافر ولو قالها، ألا ترى أن المنافقين يعملون بها ظاهرا وهم في الدرك الأسفل من النار، واليهود يقولونها وهم على ما هم عليه من الشرك والكفر، فلم تنفعهم، وكذلك من ارتد عن الإسلام بإنكار شيء من لوازمها وحقوقها فإنها لا تنفعه، ولو قالها مائة ألف، فكذلك من يقولها ممن يصرف أنواع العبادة لغير الله، كعبادة القبور والأصنام، فلا تنفعهم ولا يدخلون في الحديث الذي جاء في فضلها، وما أشبهه من الأحاديث، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله: وحده لا شريك له. تنبيها على أن الإنسان قد يقولها وهو مشرك: كاليهود، والمنافقين، وعباد القبور. لما رأوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا قومه إلى قول لا إله إلا الله، ظنوا أنه إنما دعاهم إلى النطق بها فقط، وهذا جهل عظيم، وهو -عليه السلام- إنما دعاهم إليها ليقولوها ويعملوا بمعناها، ويتركوا عبادة غير الله، ولهذا قالوا: ﴿ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾[ سورة الصافات، الآية : 36 ] وقالوا : ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَّا وَاحِدًا ﴾[ سورة ص، الآية : 5].

فلهذا أبوا عن النطق بها ، وإلا فلو قالوها وبقوا على عبادة اللات والعزى ومناة ، لم يكونوا مسلمين، ولقاتلهم -عليه السلام- حتى يخلعوا الأنداد ويتركوا عبادتها، ويعبدوا الله وحده لا شريك له، وهذا أمر معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة والإجماع، وأما عباد القبور فلم يعرفوا معنى هذه الكلمة، ولا عرفوا الإلهية المنفية عن غير الله، الثابتة له وحده لا شريك له، بل لم يعرفوا من معناه إلا ما أقر به المؤمن والكافر، واجتمع عليه الخلق كلهم من أن معناها: لا قادر على الاختراع، أو أن معناها: الإله، هو الغني عما سواه، الفقير إليه كل ما عداه، ونحو ذلك. فهذا حق وهو من لوازم الإلهية، ولكن ليس هو المراد بمعنى لا إله إلا الله، فإن هذا القدر قد عرفه الكفار، وأقروا به ولم يدعوا في آلهتهم شيئا من ذلك، بل يقرون بفقرهم، وحاجتهم إلى الله، وإنما كانوا يعبدونهم على معنى أنهم وسائط وشفعاء عند الله في تحصيل المطالب ونجاح المآرب، وإلا فقد سلموا الخلق والملك والرزق والإحياء والإماتة والأمر كله لله وحده لا شريك له، وقد عرفوا معنى لا إله إلا الله، وأبوا عن النطق والعمل بها، فلم ينفعهم توحيد الربوبية مع الشرك في الإلهية، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [ سورة يوسف، الآية : 106 ].

وعباد القبور نطقوا بها، وجهلوا معناها، وأبوا عن الإتيان به، فصاروا كاليهود الذين يقولونها ولا يعرفون معناها ولا يعملون به، فتجد أحدهم يقولها وهو يأله غير الله بالحب والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء، والتوكل والدعاء عند الكرب، ويقصده بأنواع العبادة الصادرة عن تأله قلبه لغير الله، مما هو أعظم مما يفعله المشركون الأولون.

ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله تعالى، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقا أو كاذبا، ولو قيل له: احلف بحياة الشيخ فلان، أو بتربته ونحو ذلك، لم يحلف إن كان كاذبا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أعظم في قلبه من رب الأرباب، وما كان الأولون هكذا، بل كانوا إذا أرادوا التشديد في اليمين حلفوا بالله تعالى، كما في قصة القسامة التي وقعت في الجاهلية، وهي في صحيح البخاري([22]).

وكثير منهم أو أكثرهم يرى أن الاستغاثة بإلهه الذي يعبده عند قبره أو غيره أنفع وأنجح من الاستغاثة بالله في المسجد، ويصرحون بذلك، والحكايات عنهم بذلك فيها طول، وهذا أمر ما بلغ إليه شرك الأولين. وهؤلاء إذا أصابتهم الشدائد أخلصوا للمدفونين في التراب. وهتفوا بأسمائهم ودعوهم ليكشفوا ضر المصاب، في البر والبحر والسفر والإياب، وهذا أمر ما فعله الأولون، بل هم في هذه الحال يخلصون للكبير المتعال، فاقرأ قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [ سورة العنكبوت، الآية : 65 ].

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ *ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [ سورة النحل : 53 ـ 54 ].

وكثير منهم قد عطلوا المساجد، وعمروا القبور والمشاهد، فإذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه، أخذ في دعاء صاحبه باكيا خاشعا ذليلا خاضعا، بحيث لا يحصل له ذلك في الجمعة والجماعات، وقيام الليل وأدبار الصلوات، فيسألونهم مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب، والنجاة من النار، وأن يحطوا عنهم الأوزار، فكيف يظن عاقل فضلا عن عالم أن التلفظ بلا إله إلا الله مع هذه الأمور تنفعهم؟! وهم قالوها بألسنتهم وخالفوها باعتقادهم وأعمالهم، ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين، ونطق أيضا بشهادة أن محمدا رسول الله، ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول، وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك، إلا أنه رأى الناس يفعلون فتابعهم، ولم يفعل شيئا من الشرك، فإنه لا يشك أحد في عدم إسلامه، وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك، كما ذكره صاحب (الدر الثمين في شرح المرشد المعين) من المالكية، ثم قال شارحه: وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء، لا يمكن أن يختلف فيه اثنان. انتهى.

ولا ريب أن عبادة القبور أشد من هذا؛ لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين.

فإن قيل: قد تبين معنى الإله والإلهية، فما الجواب عن قول من قال بأن الإله القادر على الاختراع، ونحو هذه العبارة ؟

قيل: الجواب من وجهين :

أحدهما : أن هذا قول مبتدع، لا يعرف أحد قاله من العلماء ولا من أئمة اللغة، وكلام العلماء وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم، فيكون هذا القول باطلا.

الثانـي : على تقدير تسليمه فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم له أن يكون خالقا قادرا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك، فليس بإله حق وإن سمي إلها، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام، وأتى بتحقيق المرام، من مفتاح دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد؛ لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين، ولو قدر أن بعض المتأخرين أرادوا ذلك فهم مخطئون، يرد عليهم بالدلائل السمعية والعقلية. انتهى.

« المبحث الرَّابع في معنى : ( شهادة أن مُحمَّدًا رسول اللَّـه ) » :

لما كانت كلمة الشهادة علما على النطق بالشهادتين معا، وكانتا متلازمتين لا تنفك إحداهما عن الأخرى، كان من الواجب على من أتى بكل منهما أن يعرف ما تدل عليه الكلمة، ويعتقد ذلك المعنى، ويطبقه في سيرته ونهجه. فبعد أن عرفت أن ليس المراد من لا إله إلا الله مجرد التلفظ بها، فكذلك يقال في قرينتها، بل لا بد من التصديق بها، والالتزام بمعناها ومقتضاها، وهو الاعتقاد الجازم بأنه -صلى الله عليه وسلم- مرسل من ربه -عز وجل- قد حمله الله هذه الشريعة كرسالة، وكلفه بتبليغها إلى الأمة، وفرض على جميع الأمة تقبل رسالته والسير على نهجه، والبحث في ذلك يحتاج إلى معرفة أمور يحصل بها التأثر والتحقق لأداء هذه الشهادة والانتفاع بها، وهذه الأمور هي:

الأمر الأول : « أهلية النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الرّسالة » :

قال الله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾[ سورة القصص، الآية : 68 ].

وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾[ سورة الأنعام، الآية : 124 ].

وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾[ سورة ص، الآية : 47 ].

ونحو هذه الآيات التي تفيدنا بأن رسل الله من البشر هم الذين فضلهم واجتباهم وطهرهم، حتى أصبحوا أهلا لحمل رسالته، وأمناء على شرعه ودينه، ووسطاء بينه وبين عباده.

وقد ذكر الله عن بعض الأمم المكذبة للرسل أنهم قالوا لرسلهم: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ﴾ [ سورة إبراهيم، الآية : 10 ] فكان جواب الرسل أن قالوا: ﴿ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [ سورة إبراهيم، الآية : 11 ].

وحيث إن نبينا محمدا -صلى الله عليه وسلم- هو خاتم الرسل وأفضلهم، وقد خصه بما لم يحصل لغيره ممن قبله، فإنه بلا شك على جانب كبير من هذا الاصطفاء والاختيار الذي أصبح به مرسلا إلى عموم الخلق من الجن والإنس، وقد قال الله تعالى له: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [ سورة القلم، الآية : 4].

وفي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: « كان خلقه القرآن »([23]) تعني أنه يطبق ما فيه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال التي يشهد بحسنها وملاءمتها كل عاقل، فلقد كان قبل نزول الوحي عليه، على جانب كبير من الأمانة والصدق والوفاء والعفاف ونحوها، حتى كان أهل مكة يعرفونه بالصادق الأمين، وقد تضاعفت وتمكنت فيه تلك الأخلاق بعد النبوة، فكان يتحلى بأعظم درجات الكرم والجود والحلم والصبر، والمروءة والشكر، والعدل والنزاهة، والتواضع والشجاعة... إلخ، كما يوجد ذلك مدونا بأمثلة رائعة في كتب السيرة والتأريخ ولا يخالف في ذلك إلا من أنكر المحسوسات.

وهكذا كان -صلى الله عليه وسلم- مبرءا عن النقائص ومساوئ الخلاق التي تزيل الحشمة وتسقط المروءة، وتلحق بفاعلها الإزراء والخسة: كالبخل والشح، والظلم والجور، والكبر والكذب والجبن والعجز والكسل، والسرقة والخيانة ونحوها.

الأمر الثاني: « عصمته من الخطايا » :

اتفقت الأمة على أن الأنبياء معصومون من كبائر الذنوب؛ لمنافاتها للاجتباء والاصطفاء، ولأن الله حملهم رسالته إلى البشر، فلا بد أن يكونوا قدوة لأممهم، وكلفهم أن يحذروا الناس من مقارفة الكفر والذنوب، والفسوق والمعاصي، فلو وقع منهم ظاهرا شيء من هذه الخطايا، لتسلط أعداؤهم بذلك على القدح فيهم، والطعن في شريعتهم، وذلك ينافي حكمة الله تعالى، فكان من رحمته أن حفظهم من فعل شيء من هذه المخالفات، وكلفهم بالنهي عنها، وبيان سوء مغبتها، كما جعلهم قدوة وأسوة في الزهد، والتقلل من شهوات الدنيا التي تشغل عن الدار الآخرة، فأما صغائر الذنوب فقد تقع من أحدهم على وجه الاجتهاد، ولكن لا يقرون عليها، فلا تكون قادحة في العدالة، ولا منافية للنبوة، وإنما هي أمارة على أنهم بشر لم يصل أحدهم إلى علم الغيب، ولا يصلح أن يمنح شيئا من صفات الربوبية.

وقد ذكر المفسرون وأهل العلم بعضا مما وقع من ذلك، كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾[ سورة الأنعام، الآية : 52 ].

وقوله: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا *وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَـنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾[ سورة الإسراء : 73 ـ 74 ]. ونحو تلك الوقائع التي فعلها اجتهادا لما يؤمله من مصلحة ظاهرة، علم الله تعالى أنها لا تتحقق.

فأما المعاصي والذنوب فإن الله تعالى حماه من فعلها أو إقرارها؛ لمنافاة ذلك لصفات الرسالة والاختيار، ولمخالفة ما ورد عنه من التحذير عن الكفر والفسوق والعصيان، فأما تبليغ ما أوحي إليه من الشرع فقد ذكر العلماء المحققون اتفاق الأمة على عصمته، بل وعصمة الأنبياء فيما يبلغونه عن الله تعالى من الوحي والتشريع، بل إن الله -جل ذكره- قد عصمه قبل النبوة عن الشرك والخنا ونحو ذلك.

فقد روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به، وما هممت بسوء حتى أكرمني الله برسالته . ذكره القاضي عياض في كتابه الشفا([24]) وغيره.

وقال ابن إسحاق في السيرة: فشب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكلؤه الله ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعائبها؛ لما يريد به من كرامته ورسالته وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم خلقا، وأصدقهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما، حتى ما سمي في قومه إلا الأمين؛ لما جمع الله به في صغره وأمر جاهليته([25]).

الأمر الثالث : « عموم رسالته صلى اللَّـه عليه وسلم » :

اختص محمد -صلى الله عليه وسلم- دون الأنبياء بخصائص كثيرة، ذكر بعضها في حديث جابر المتفق عليه بقوله : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة »([26]). وقال -صلى الله عليه وسلم- : « بعثت إلى الأسود والأحمر » رواه مسلم([27]).

وعلى هذا فإن على جميع البشر أن يتبعوه ويطيعوه، فإنهم جميعا من أمته أمة الدعوة، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾[ سورة سبأ، الآية : 28 ] أي: للناس كافة.

وقال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [ سورة الأعراف، الآية : 158 ] .

وقد وردت الخطابات في القرآن لعموم الناس كقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ [ سورة البقرة، الآية : 21 ] .

وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ [ سورة النساء، الآية : 170 ].

وقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ [ سورة النساء، الآية : 174 ]. فالإشارة إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- وما جاء به من ربه.

فهذه النصوص تبين أن جميع البشر مكلفون باتباع رسالته، وملزمون بطاعته. وقد اشتهر أيضا أنه -صلى الله عليه وسلم- مبعوث إلى الجن كما بعث إلى الإنسن، واستدل لذلك بقوله تعالى : ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ [ سورة الأحقاف، الآية : 29 ] إلى قوله : ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ ﴾

[ سورة الأحقاف، الآية : 31 ].

وكذا قوله تعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا *يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ﴾ [ سورة الجن : 1 ـ 2 ].

وقد زعم اليهود والنصارى -لعنهم الله- أن رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- خاصة بالعرب، وذلك بعد ان اطمأنوا إلى صحة رسالته، وما تأيد به من المعجزات، وما حصل له من الأتباع، فلم يجدوا بدا من التصديق بأنه مرسل من ربه، ولكن حملهم الكبر وحب المناصب والمكاسب على ترك اتباعه، وقد اعترفوا بأن ما أنزل إليه فهو وحي من الله تعالى لصدقه وصحة رسالته، ومع ذلك لم يتقبلوا ما فيه من الأوامر الموجهة إليهم كقوله تعالى: ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ *وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 41 ـ 42 ] ونحو ذلك من الآيات.

الأمر الرابع : « تبليغه الرسالة » :

قال الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾

[ سورة المائدة، الآية : 67 ].

وهذا تكليف من ربه تعالى، فلا بد من حصوله مع أن هذا هو وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- من جملتهم، وقد قال تعالى : ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ﴾ [ سورة الشورى، الآية : 48 ]. وقال: ﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [ سورة النور، الآية : 54 ].

وقد شهد له صحابته -رضي الله عنهم- بهذا البلاغ والبيان، فيقول أبو ذر -رضي الله عنه- : « توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علما »([28]).

وروى أحمد بن ماجه عنه - صلى الله عليه وسلم – قال : « لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك »([29]).

وفي صحيح مسلم وغيره: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : « إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم »([30]).

وقد اشتهر أنه - صلى الله عليه وسلم - بدأ بدعوة أهل بلده وقومه، ثم بدعوة العرب في أنحاء الجزيرة، ثم بمن وراءهم، فكان يرسل الرسل إلى القبائل في البوادي والقرى للدعوة إلى الله، وقبول هذه الرسالة، ثم بعث الدعاة إلى اليمن والبحرين وغيرهما، ثم بعث كتبا تتضمن الدعوة إلى هذه الشريعة إلى ملوك الفرس والروم وغيرهم، فما توفي حتى انتشرت دعوته، واشتهر أمره عند القريب والبعيد: ﴿ فَمَنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾ [ سورة النحل، الآية : 36 ].

وهكذا قام صحابته من بعده بالدعوة إلى دينه، وقتال من أبى وامتنع من قبولها، حتى يدخل في الإسلام أو يعطي الجزية، ويلتزم الذل والصغار، حتى بلغت هذه الدعوة أقطار الأرض في أقصر مدة، كما ذكر في كتب التأريخ، ومع ذلك فإن من كان نائيا في طرف البلاد، وقدر أنه لم يسمع بهذ الشريعة أصلا فإن له حكم أهل الفترات، وهو مع ذلك مكلف بأن يبحث وينقب عن الدين الذي خلق له، وما يدين به الناس حوله.

الأمر الخامس: « ختم النبوة » :

لما كانت هذه الشريعة لجميع الخلق، وقد كلف بها جميع العباد في أقطار البلاد، فإنما ذلك لكونها خاتمة الشرائع، وآخر الرسالات المنزلة من السماء، فيجب علينا الإيمان بأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء وآخر الرسل قال الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾[ سورة الأحزاب، الآية : 40 ].

وقد قرئ بفتح التاء وكسرها، وأصل الخاتم ما يختم به ما قبله، ومنه ما تختم به الرسائل حتى لا يضاف إليها شيء ليس منها، والمعنى أنه - صلى الله عليه وسلم - آخر الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فيلزم من كونه خاتم الأنبياء أن يكون آخر الرسل، وقد روى مسلم وغيره، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : « مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بنيانا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به وبعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟! قال: فأنا اللبنـة وأنا خاتـم النبيين »([31]).

وروى مسلم أيضا: عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : « إن لي أسماء : أنا محمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي »([32]).

وفي سنن أبي داود وغيره في حديث ثوبان الطويل: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : « وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي »([33]).

فيجب الإيمان بأنه -صلى الله عليه وسلم- آخر الأنبياء، وأن من ادعى النبوة بعده فهو كاذب، وأن عيسى بن مريم -عليه السلام- حين ينزل في آخر الزمان، إنما يحكم بشريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو كفرد من أفراد هذه الأمة، وإن كان ينزل عليه الحي، لكنه لا يخرج عن هذا الشرع الشريف. وعلى هذا فكل من زعم النبوة أو ادعى الرسالة في هذه الأمة، فهو كذاب أفاك، ضال مضل، ولو أتى بمخرقة أو شعوذة، ولو سحر أعين الناس بأنواع من السحر والبهرج، الذي يروج على الرعاع والجهلة من العوام، كما جرى على يدي الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب من الأحوال الشيطانية، والترهات الباطلة التي يعلم كذبها كل ذي عقل سليم، وكذلك غيرهما ممن ادعى النبوة وحصل له أتباع وشوكة، وفتن به بعض الناس، ومن آخرهم غلام أحمد القادياني الذي انتشر شره، وفتن بشبهته طوائف وأمم في الهند والسند وكثير من البلاد، وهكذا كل مدع للنبوة إلى يوم القيامة، وآخرهم الدجال الكذاب الذي وردت السنة بأمره وبيان فتنته والتحذير من شره، وقد قال تعالى: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ *تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ [ سورة الشعراء: 221 ـ 222 ].

فهذا يدل على أن أولئك الكذابين تنزل عليهم الشياطين، وتخيل إليهم أن ما يأتيهم وحي من الله، ولكن سنة الله في خلقه أن يجعل على الحق نورا، وأن الخرافات والأكاذيب لا بد وأن ينكشف أمرها، ويتجلى لأولي الألباب.

الأمر السادس: « واجب الأمة نحوه » :

وبعد أن عرفنا صدقه - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به، وصحة رسالته، ووجوب تصديقه، وذلك هو مدلول شهادة أن محمدا رسول الله، التي تستلزم تصديقه ثم التعبد باتباعه، والإيمان بما يترتب على ذلك من الثواب، وعلى تركه من العقاب، فإن من واجبنا أن نقوم بتحقيق ذلك وتطبيقه في واقع الحياة، وذلك يتمثل في أوامر وردت أدلتها في الكتاب والسنة وهي:

أولا: الإيمان به صلى الله عليه وسلم.

فقد أمر الله بذلك كما أمر بالإيمان بالله والملائكة والكتب، ورتب الله تعالى على ذلك جزيل الثواب، وعلى تركه أليم العقاب.

قال الله -تعالى- : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [ سورة النساء، الآية : 136 ].

وقال -تعالى- : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِـرْ لَكُمْ ﴾ [ سورة الحديد، الآية : 28 ].

وقال -سبحانه- : ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ﴾ [ سورة التغابن، الآية : 8 ].

وقال -تعالى- : ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ ﴾ [ سورة الأعراف، الآية : 158 ].

وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا ﴾ [ سورة الفتح، الآية : 13 ] وغيرها من الآيات في هذا المعنى.

وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :

« أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به »([34]).

وفسر - صلى الله عليه وسلم - الإيمان في حديث جبريل المشهور بقوله : « أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر: خيره وشره »([35]).

ولا شك أن الإيمان به - صلى الله عليه وسلم - يستلزم تصديقه فيما جاء به، واعتقاد صحة رسالته؛ ذلك أن أصل الإيمان يقين القلب واطمئنانه بصحة الشيء، ثم التكلم به عن معرفة وإيمان، ثم تطبيق ذلك بالعمل بمقتضاه فباجتماع ذلك يتم الإيمان، ويعتبر وسيلة للنجاة. وبتخلف تصديق القلب يبطل أثر الشهادة ولا تنفع قائلها. ولهذا كذب الله المنافقين بقوله : ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [ سورة المنافقون، الآية : 1].

ثانيا : الأمر بطاعته -صلى الله عليه وسلم- والتحذير من معصيته.

ولا شك أن طاعته من علامات الإيمان به، فإن التصديق الجازم بصدقه يستلزم طاعته فيما بلغه عن الله تعالى، فمن خالفه في ذلك أو شيء منه عنادا أو تهاونا ، لم يكن صادقا في شهادته بالرسالة، ولقد أمر الله تعالى بطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مواضع كثيرة من القرآن، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [ سورة النساء، الآية : 59 ].

وقال تعالى : ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [ سورة المائدة، الآية : 92 ].

وقال -سبحانه وتعالى- : ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [ سورة النور، الآية : 54 ] .

ومثل معنى ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾[ سورة الحشر، الآية : 7 ].

بل قد رتب على طاعته صلى الله عليه وسلم جزيل الثواب فقال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [ سورة آل عمران، الآية : 132 ].

وقال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [ سورة الأحزاب، الآية : 71 ] .

وهكذا توعد على معصيته بالعقوبة الشديدة: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [ سورة النساء : 13 ـ 14 ].

وحكى عن أهل النار قولهم : ﴿ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ ﴾ [ سورة الأحزاب، الآية : 66 ].

وورد في الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :

« من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله »([36]).

ومعنىهذا أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما يأمر بما أوحى إليه، فطاعته في ذلك طاعة لربه، قال الله تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ [ سورة النساء، الآية : 80 ].

وروى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « كل الناس يدخل الجنة إلا من أبى قالوا: يا رسول الله وكيف يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى »([37]).

ولا شك أن طاعته هي فعل ما أمر به، وتجنب ما نهى عنه، والتسليم مع ذلك لما جاء به، والرضا بحكمه وترك الاعتراض على شرعه أو التعقب والانتقاد لحكمه.

ثالثا : أمر الأمة باتباعه والاقتداء بسنته.

وقد رتب الله على ذلك الاهتداء والمغفرة، وجعله علامة على صدق المحبة لله تعالى، قال -عز وجل-:

﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾[ سورة الأعراف، الآية : 158 ].

ولما ادعى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه أنزل آية المحنة، وهي قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [ سورة آل عمران : 31 ـ 32 ].

وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [ سورة الأحزاب، الآية : 21 ].

ولا شك أن مما يجب على العباد محبة ربهم الذي خلقهم وأنعم عليهم، ولكن حصول هذه المحبة وقبولها متوقف على اتباع هذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد جعل الله من ثواب اتباعه محبة الله تعالى لمن اتبعه، ومغفرته له، ولكن علامة هذا الاتباع، تقليده - صلى الله عليه وسلم - والسير على نهجه، والاقتداء به في سيرته وأعماله وقرباته، وتجنب كل ما نهى عنه، والحذر من مخالفته، التي نهايتها الخروج عن التأسي به، كما في الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: « فمن رغب عن سنتي فليس مني»([38]).

رابعا : محبته الصادقة بالقلب والقالب.

بل تقديمها على ما سواها. قال الله تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [ سورة التوبة، الآية : 24 ].

فانظر كيف وبخهم على تقديم شيء من هذه الأصناف الثمانية، التي تميل إليها النفس عادة، وتؤثر الحياة لأجلها على محبة الله ومحبة رسوله، وتوعدهم بقوله فَتَرَبَّصُوا إلخ ، أي : انتظروا أمر الله وهو أثر سخطه وغضبه، بما ينزل من العقوبة، وفي ذلك أبلغ دليل على وجوب محبة الله تعالى، ومحبة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وقد أكد ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في سنته، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أنس : « ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار »([39]) متفق عليه وفي الصحيحين أيضا : عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين »([40]).

ولما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : « والله لأنت أحب إلي من كل شيء، إلا من نفسي قال:

لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال رضي الله عنه : والله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي. فقال: الآن يا عمر » رواه البخاري([41]).

وقد ورد في الحديث أن من ثواب محبته -صلى الله عليه وسلم- الاجتماع معه في الآخرة، وذلك لما سأله رجل عن الساعة فقال : « ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا حب الله ورسوله. فقال: أنت مع من أحببت »([42]).

وفي الصحيحين: عن ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « المرء مع من أحب »([43]) وكفى بذلك ثوابا وأجرا لهذه المحبة، ولكن المحبة الصادقة تستلزم الاقتداء به والتأدب بآدابه، وتقديم سنته على رضا كل أحد، وتستلزم أيضا محبة من يحبه ويواليه، وبغض من يبغضه ويعاديه، ولو كان أقرب قريب، فمن استكمل ذلك فقد صدق في هذه المحبة، ومن خالفه أو نقص شيئا من ذلك نقصت محبته بقدر ذلك.

خامسا : احترامه صلى الله عليه وسلم، وتوقيره، وتعزيره

كما ذكر في قوله تعالى: ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ [ سورة الفتح، الآية : 9 ].

وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ *إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾[ سورة الحجرات : 1 ـ 3 ] فنهاهم عن التقدم بين يديه برأي، أو نظر يخالف ما جاء به، ونهاهم عن رفع الصوت بحضرته، أو الجهر له بالقول بدون مبرر، وتوعدهم على ذلك بحبوط العمل، وقال تعالى: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ﴾ [ سورة النور، الآية : 63 ] أي لا تنادوه باسمه العلم كما يدعو أحدكم الآخر، ولكن ادعوه بما تميز به بأن تقولوا: يا نبي الله، أو يا رسول الله، وما ذاك إلا لما خصه الله به من الفضل والرفعة.

وفي تعزيره وتوقيره واحترامه تعظيم لسنته، ورفع لقدرها في نفوس أتباعه، مما يحصل به اتباعه وامتثال أمره وتجنب نهيه.

سادسا : وجوب التحاكم إليه والرضا بحكمه، ومنع الاعتراض عليه.

قال تعالى : ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [ سورة النساء، الآية : 59 ].

وقال تعالى : ﴿ فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة النور، الآية : 63 ].

وأجمعت الأمة على أن الرد والتحاكم بعده يكون إلى سنته ففي هذه الآيات أعظم برهان على تحريم مخالفته، ومنع الاستبدال بسنته، فانظر كيف حذر الذين يخالفون عن أمره بالفتنة وهي الشرك أو الزيغ، وبالعذاب الأليم، وكيف أقسم على نفي الإيمان عنهم حتى يحكموه في كل نزاع يحدث بينهم، ويسلموا لقضائه، ولا يبقى في نفوسهم أي حرج أو تعنت مما قضى به بينهم، وكفى بذلك وعيدا وتهديدا لمن ترك سنته بعد معرفة حكمها تهاونا واستخفافا، واعتاض عنها بالعادات والآراء والقوانين الوضعية ونحوها.

الأمر السابع : « الاقتصاد والتوسط في حقه صلى الله عليه وسلم » :

جرت سنة الله في خلقه بوقوع الإفراط أو التفريط، وأن كل أمة يقع منهم في الغالب غلو أو تقصير؛ لذلك حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته المتبعين له من الغلو في حقه وإعطائه شيئا من خالص حق الله تعالى، ويتبين ذلك بما يأتي:

أولا : أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يخرج عن كونه بشرا :

قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾[ سورة الكهف، الآية : 110 ] فبين أنه اختص بالوحي إليه فقط.

وقال تعالى: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾ [ سورة الإسراء، الآية : 93 ] وذلك لما طلب منه المشركون أن يفجر الأرض، أو يسقط السماء عليهم كسفا.. إلخ، فبين لهم أن الذي يملك ذلك هو ربه وحده ، فأما هو فإنما تميز بالرسالة التي حمله الله إياها.

وقد حكى الله عن الأمم السابقة طعنهم في رسالة الرسل بأنهم بشر، كما في قوله تعالى عن قوم هود أو صالح: ﴿ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ *وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون، الآية : 33 ـ 34 ].

وحكى عن المكذبين لمحمد -صلى الله عليه وسلم- أنهم قالوا: ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ [ سورة الفرقان، الآية : 7 ] أي يسعى للتكسب وطلب الرزق ، فأجاب عن ذلك بقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾

[ سورة الفرقان، الآية : 20 ] أي ليسوا ملائكة؛ فإن البشر لا يتمكنون عادة من رؤية الملائكة، بل لو أرسل الله ملكا لما تمكنوا من مشاهدته حتى يتمثل في صورة إنسان فيقع الاشتباه ، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ﴾ [ سورة الأنعام، الآية : 9 ].

ولما وقع منه -صلى الله عليه وسلم- السهو في الصلاة، ولم يذكروه ظنا منهم أن الصلاة قد قصرت فقال : « إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني » متفق عليه([44]).

ومتى كان الرسل بشرا فلا يناسب إعطاؤم شيئا من حق الله من صفة أو عمل.

ثانيا : أنه -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم الغيب :

وإنما يخبر بما أخبره الله به وأوحاه إليه، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾[ سورة الأنعام، الآية : 50 ].

وقال تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ﴾ [ سورة الأحقاف، الآية : 9 ].

وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ [ سورة لأعراف، الآية : 188 ].

فالغيب لا يعلمه إلا الله تعالى ، وإنما يظهر بعض خلقه على شيء من ذلك كمعجزة وبرهان على صدقه، كما قال تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا *إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ [ سورة الجن : 26 ـ 27 ].

أي أنه تعالى يطلع من ارتضاه، وهم رسله، على أمور من الغيب مما سبق أو مما يأتي، ولا ينافي ذلك قوله تعالى : ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾[ سورة النمل، الآية : 65 ].

فإن ما وقع من الإخبار في الأحاديث عن الأمور المستقبلة، هو من الوحي الذي أطلع الله عليه رسوله - صلى الله عليه وسلم - بواسطة الرسول الملكي، أو بما فتح الله عليه وألهمه، ومتى كان هذا وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن قبله من الرسل، لم يصلح أن يصرف لهم شيء من حق الله الذي هو عبادته وحده، ولا أن يوصفوا بما اختص به الرب تعالى، فقد أنكر - صلى الله عليه وسلم - على الجاريتين اللتين عند الربيع بنت معوذ قولهما: « وفينا نبي يعلم ما في غد » رواه الترمذي([45]).

وقالت عائشة -رضي الله عنها- : « من حدثك أن محمدا يعلم ما غد فلا تصدقه » رواه البخاري([46]).

وورد في حديث جبريل -عليه السلام- لما سأل عن الساعة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : « ما المسئول عنها بأعلم من السائل وسأحدثك عن أماراتها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا رأيت الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم قرأ: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت » متفق عليه .

وهذه الخمس هي مفاتح الغيب المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ﴾

[ سورة الأنعام، الآية : 59 ]فمن ادعى العلم بشيء منها أو نسبه إلى بشر، فهو كاذب.

ثالثا : أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يملك الضر ولا النفع لنفسه فضلا عن غيره :

قال تعالى : ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾[ سورة الأعراف، الآية : 188 ].

وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾[ سورة الجن، الآية : 21 ].

وما ذاك إلا أن الملك لله وحده، فهو الذي بيده النفع والضر العطاء والمنع، وهو مالك الملك، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، أما الخلق كلهم بما فيهم الأنبياء فإنهم مملوكون، يعمهم قول الله تعالى: ﴿ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾

[ سورة سبأ، الآية : 22 ].

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد هذه الآية: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك، أو قسط منه، أو يكون عونا لله.. إلخ.

وقد قال تعالى لمحمد -صلى الله عليه وسلم- : ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [ سورة آل عمران، الآية : 128 ] وذلك حين شج النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقعة أحد وكسرت رباعيته، فقال :

« كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ؟! »([47]) أو كان ذلك لما قنت -عليه الصلاة والسلام- يدعو على بعض المشركين بمكة، فأنكر الله عليه، وأخبره بأن الأمر كله لله وحده، ليس له منه شيء([48]).

وثبت في الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - أنذر عشيرته وأقاربه وقال لهم : « أنقذوا أنفسكم من النار، لا أغني عنكم من الله شيئا »([49]) حتى قال ذلك لعمه وعمته وابنته وفي رواية : « اشتروا أنفسكم » أي بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، وطاعته فيما أمر والانتهاء عما عنه زجر، فإن في ذلك انقاذا من النار، دون الاعتماد على النسب والقرابة، فدفع بذلك ما يتوهمه بعضهم من أنه يغني عن أقاربه ويشفع لهم، وهذا الوهم قد سرى وتمكن في نفوس الجم الغفير، فتراهم يعتمدون على مجرد الانتساب إلى قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعدونه شرفا، ظانين أن النجاة والشفاعة تحصل لهم بدون عمل، بل إنهم يخالفون سنته، ويعصون الله ورسوله علنا، كما أن هناك آخرون يتعلقون بحبه المزعوم دون اتباعه وطاعته، ويعتقدون أنه يشفع لهم بمجرد تلك المحبة الوهمية، رغم مخالفة مدلول المحبة من تقليده والسير على نهجه، فإذا كان هو - صلى الله عليه وسلم - لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا يدفع الضر والعذاب عن نفسه لو عصاه، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ [ سورة الجن، الآية : 22 ].

فكيف بغيره من قريب أو بعيد ؟!

وقد بين - عليه الصلاة والسلام- لأقاربه أنه لا ينجيهم من عذاب الله ولا يدخلهم الجنة، ولا يقربهم إلى الله، وإنما أعمالهم هي التي تنقذهم من النار.

وثبت في الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - حاول هداية عمه أبي طالب فلم يقدر على ذلك، فلما حضرته الوفاة جاءه فقال له : « يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله »([50]) فلقنه جلساء السوء الحجة الشيطانية، فكان آخر كلامه هو: على ملة عبد المطلب. ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [ سورة القصص، الآية : 56 ].

ففي هذه القصة أعظم ما يبطل شبهة المشركين الذين يغلون في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- ويسألونه تفريج الكروب، وغفران الذنوب، ويهتفون باسمه عند الشدائد بقولهم: يا رسول الله، ونحو ذلك.

فإذا كان هو -عليه الصلاة والسلام- أفضل الخلق وأقربهم من الله، وأعظمهم عنده جاها، ومع ذلك حرص على هداية عمه أبي طالب في حياته وعند وفاته فلم يستطع ذلك؛ لأن الله تعالى كتب عليه الشقاء، وقد عزم على الاستغفار له، فنهاه الله عن ذلك بقولـه : ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [ سورة التوبة، الآية : 113 ].

ففي ذلك دليل على أنه -صلى الله عليه وسلم- لا يملك لغيره نفعا ولا يدفع عنه ضرا، ولو دعاه ورجاه وهتف باسمه، ولو زعم أن يحبه حبا شديدا، فلو كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء من هداية القلوب أو تفريج الكربات، لكان أولى الناس بذلك عمه الكبير الذي كفله وحماه، وحال بينه وبين أذى المشركين ، فإذا لم يقدر على هدايته ونجاته، فغيره بطريق الأولى.

رابعا : عبوديته - صلى الله عليه وسلم - شرف وفضيلة :

فقد ثبت في الصحيحين : عن عمر -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال : « لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله »([51]).

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله -رحمه الله- على هذا الحديث في شرح التوحيد صفحة: 272 قوله : « إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله ». أي لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد الله فصفوني بذلك كما وصفني به ربي، وقولوا: عبد الله ورسوله. فأبى عباد القبور إلا مخالفة لأمره وارتكابا لنهيه، وناقضوه أعظم المناقضة، وظنوا أنهم إذا وصفوه بأنه عبد الله ورسوله، وأنه لا يدعى ولا يستعان به، ولا ينذر له، ولا يطاف بحجرته، وأنه ليس له من الأمر شيء، ولا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، أن في ذلك هضما لجنابه، وغضا من قدره، فرفعوه فوق منزلته، وادعوا فيه ما ادعت النصارى في عيسى أو قريبا منه، فسألوه مغفرة الذنوب وتفريج الكروب.

وقد ذكر شيخ الإسلام في كتاب: الاستغاثة عن بعض أهل زمانه، أنه جوز الاستغاثة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يستغاث فيه بالله، وصنف فيه مصنفا ، وكان يقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله.

وحكى عن آخر من جنسه يباشر التدريس، وينسب إلى الفتيا أنه كان يقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر الله عليه، وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسن ثم انتقل إلى ذرية الحسن إلى أبي الحسن الشاذلي.

وقالوا: هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع، ومن هؤلاء من يقول في قول الله تعالى: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [ سورة الفتح، الآية : 9 ] إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يسبح بكرة وأصيلا.

ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله. فيجعلون الرسول معبودا.

قلت: قال البوصيري :

فإن من جودك الدنيا وضرتها * * * ومن علومك علم اللوح والقلم

فجعل الدنيا والآخرة من جوده، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ، وهذا هو الذي حكاه شيخ الإسلام عن ذلك المدرس، وكل ذلك كفر صريح.

ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته - عليه السلام- وتعظيمه ومتابعته، وهذا شأن اللعين، إذ لا بد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام أتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق؛ لأن هذا ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح، وهم أبعد الناس منه، فإن التعظيم بالقلب: ما يتبع اعتقاد كونه عبدا رسولا، من تقديم محبته على النفس والوالد والولد والناس أجمعين، ويصدق هذه المحبة أمران :

أحدهما: تجريد التوحيد، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان أحرص الخلق على تجريده، حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال : « أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده » رواه أحمد([52]). ونهى أن يحلف بغير الله، وأخبر أن ذلك شرك، ونهى أن يصلى إلى القبر أو يتخذ مسجدا أو عيدا، أو يوقد عليه سراج، بل مدار دينه على هذا الأصل الذي هو قطب رحى النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره - صلى الله عليه وسلم - بقوله وفعله وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه -صلى الله عليه وسلم- بموافقته على ذلك لا بمناقضته فيه.

الثاني: تجريد متابعته وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من أصول الدين وفروعه، والرضا بحكمه والانقياد له، والتسليم والإعراض عما خالفه، وعدم الالتفات إلى ما خالفه، حتى يكون وحده هو الحاكم المتبع المقبول قوله، المردود ما خالفه كما كان ربه تعالى وحده هو المعبود المألوه المخلوق المستغاث به، المتوكل عليه الذي إليه الرغبة والرهبة، الذي يؤمل وحده لكشف الشدائد ومغفرة الذنوب، الذي من جوده الدنيا والآخرة، الذي خلق الخلق وحده، ورزقهم وحده، ويبعثهم وحده، ويغفر ويرحم ويهدي ويضل، ويسعد ويشقي وحده، وليس لغيره من الأمر شيء كائنا من كان، لا النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا جبريل -عليه السلام- ولا غيرهما، فهذا هو التعظيم الحق المطابق لحال المعظم، النافع للمعظم في معاشه ومعاده، والذي هو لازم إيمانه وملزومه. وأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به عليه ربه، وأثنى على نفسه من غير غلو ولا تقصير، كما فعل عباد القبور، فإنهم غلوا في مدحه إلى الغاية. وأما التعظيم بالجوارح فهو العمل بطاعته، والسعي في إظهار دينه، ونصر ما جاء به، وجهاد من خالفه.

وبالجملة: فالتعظيم النافع هو التصديق له فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله، وتحكيمه وحده، والرضا بحكمه، وأن لا يتخذ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى أقواله، فما وافقها من قوله -صلى الله عليه وسلم- قبله، وما خالفها رده أو تأوله أو أعرض عنه، والله -سبحانه- يشهد -وكفى به شهيدا- وملائكته ورسله وأولياؤه أن عباد القبور خصوم الموحدين ليسوا كذلك، والله المستعان.

هذا كلام الشيخ -رحمه الله- وقد حكى ما شاهده في زمانه وقبله من أقوام جهلة بالتوحيد، ادعوا محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- فبالغوا في مدحه حتى وصفوه بما لا يستحقه إلا الله تعالى، من الملك والعلم والتصرف، وحتى صرفوا له خالص حق الله -عز وجل- من الدعاء والرجاء وتفويض الأمور إليه، والاعتماد عليه، وقد ذكر -رحمه الله- في شرح التوحيد صفحة: 186 وما بعدها بعض ما قال أهل الغلو والإطراء في حقه -صلى الله عليه وسلم- وأورد أبياتا من قصيدة البردة للبوصيري، كقوله:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به * * * سواك عند حلول الحادث العمم

وما بعده من الأبيات، ثم بين ما فيها من الشرك الصريح، وذكر أيضا بعضا من شعر البرعي الذي بالغ فيه وغلا، ووقع في عبادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - صريحا، ونسى ربه -عز وجل- وهكذا ذكر النعمي في (معارج الألباب) صفحة: 169 وما بعدها بعض أقوال الغلاة ومبالغتهم في التعلق بالأموات، ومن ذلك أبيات شعر تتضمن الشرك الواضح بالنبي - صلى الله عليه وسلم- وأولها قوله:

يا سيدي يا صفي الدين يا سندي * * * يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري

أنت الملاذ لمـا أخشى ضرورته * * * وأنت لي ملجـأ من حـادث الدهر

إلى آخر تلك الأبيات الشركية، وعلق عليها -رحمه الله- بقوله: فلا ندري أي معنى اختص به الخالق بعد هذه المنزلة من كيفية مطلب، أو تحصيل مأرب؟!.

وماذا أبقى هذا المشرك الخبيث من الأمر؟! فإن المشركين أهل الأوثان ما يؤهلون كل ما عبدوه من دون الله لشيء من هذا، ولا لما هو أقل منه. اهـ.

ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخاف على أمته من هذا الغلو، ويحذرهم من أسبابه، فقد روى أبو داود بسند جيد: عن عبد الله بن الشخير -رضي الله عنه- قال: « انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: أنت سيدنا. فقال السيد الله تبارك وتعالى قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم »([53]).

وعن أنس -رضي الله عنه- : « أن أناسا قالوا : يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال: يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل » رواه النسائي بسند جيد([54]).

وهذا كثير في السنة كقوله -صلى الله عليه وسلم- : « إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله » رواه الطبراني([55]).

وتقدم أنه -صلى الله عليه وسلم- قال له رجل : « ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله مثلا، بل ما شاء الله وحده ». فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو سيد الخلق وأفضلهم وخيرهم، لكنه يكره المدح سيما أمام الممدوح ، حتى قال: « إذا لقيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب » رواه مسلم([56]) وما ذاك إلا أن المدح قد يوقع الممدوح في الإعجاب والكبرياء، التي تحبط الأعمال أو تنافي كمال التوحيد.

وقد افتخر -عليه الصلاة والسلام- بالعبودية لربه، وهي الذل والتواضع له، وذلك شرف وفضيلة، ولذلك ذكره الله باسم العبد في قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾ [ سورة البقرة، الآية : 23 ]. وفي قوله: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾ [ سورة الإسراء، الآية : 1 ]. وقولـه تعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾ [ سورة الكهف، الآية : 1 ]. وقوله : ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾ [ سورة الجن، الآية : 19 ].

فإن العبوديه لله تعالى، تقتضي غاية الذل وغاية المحبة، فالتذلل لله تعالى يستدعي الخضوع والخشية والاستكانة لله تعالى، وأن يرى نفسه حقيرا ذميما مقصرا في واجبه، فيرجع إلى نفسه بالمعاتبة، ويعترف لربه بالفضل والإنعام، وكذلك الحب يستدعي محبة ما يحبه الله وكراهة ما يكرهه من الأقوال والأفعال والإرادات، فظهر بذلك كمال صفة العبودية لرب الأرباب.

خامسا : موته صلى الله عليه وسلم كغيره من الأنبياء والرسل قال الله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [ سورة الزمر، الآية : 30 ] وقال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ *كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [ سورة الأنبياء : 34 ـ 35 ].

ثم إن المسلمين يدينون جميعا بأن الأنبياء قبل قديما قد ماتوا، وانقضت أعمارهم التي كتب الله لهم في الدنيا، وأصبحوا في عالم البرزخ، وحيث ورد في النصوص ما يقتضي حياة الشهداء، كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [ سورة آل عمران، الآية : 169 ].

فإن الأنبياء أولى بهذه الحياة، ومعلوم أن الشهداء قد خرجوا من هذه الحياة الدنيا، وقد قسمت أموالهم بين الورثة، وحلت نساؤهم لغيرهم، فكان ذلك أوضح دليل على موتهم ، ولكن الله تعالى نهى أن نقول لهم أموات في قوله -عز وجل- : ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾[ سورة البقرة، الآية : 154 ].

وهذه الحياة لا نعلم كيفيتها إلا أنا نتحقق أن أرواحهم خرجت من أبدانهم، وأن أعمارهم انقضت، وأعمالهم قد ختمت، وقد فسرت حياتهم في الحديث الصحيح بأن أرواحهم جعلت في أجواف طير خضر تعلق في شجر الجنة([57]). وهذا يحقق أنها قد فارقت أبدانهم، وإنما تميزوا بهذه الحياة الخاصة.

ومعلوم أن الأنبياء والرسل أولى بهذه الحياة وبكل حال فإنها لا تمكنهم من إجابة من دعاهم، أو إعطاء من سألهم، فنحن نعتقد أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في حياة برزخية، أكمل من حياة الشهداء، وقد تميز بحماية جسده عن البلى، كما ثبت في سنن أبي داود عن أوس بن أوس عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: « إن من خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة علي فيه، فإن صلاتكم معروضة علي قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض عليك وقد أرمت؟ قال: الله حرم على الأرض أن تأكل أجسام الأنبياء »([58]) وهذا أوضح دليل على أن روحه قد خرجت من جسده، ورفعت إلى الرفيق الأعلى، كما كانت ذلك آخر طلبه من الدنيا.

وكذا قد ورد في الحديث: عن أبي هريرة قوله -صلى الله عليه وسلم- : « ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام » رواه أبو داود([59]).

وفي كيفية هذا الرد خلاف والله أعلم بذك، وقد روى أبو داود بإسناد حسن: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم »([60]).

وروى الحافظ الضياء في المختارة، وغيره: عن علي بن الحسين بن علي -رضي الله عنه- أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي. عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: « لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم »([61]).

وقال سعيد بن منصور حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي -رضي الله عنهم- عند القبر، فناداني فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ ؟فقلت: سلمت على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: « لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء »([62]).

فهذه الآثار تدل على شهرة ذلك عند السلف ، وحرصهم على حفظ هذه السنة وتبليغها، ومعنى قوله: « لا تجعلوا بيوتكم قبورا ». أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور التي لا تجوز الصلاة عندها، والمراد صلاة التطوع. وقوله: ولا تتخذوا قبري عيدا. نهى -صلى الله عليه وسلم- عن زيارة قبره على وجه مخصوص واجتماع معهود، بحيث يكون كالعيد الذي يتكرر الاجتماع فيه في زمن محدد ويحصل به فرح واغتباط يعود ويتكرر كل عام مرة أو مرارا، ثم أخبرنا بأن صلاتنا تبلغه أين ما كنا، يعني أن ما يناله من الصلاة والسلام حاصل مع القرب والبعد، فلا مزية لمن صلى عليه أو سلم عند القبر، وهذا معنى قول الحسن بن الحسن ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.

ومن قصد القبر للسلام فقط ، ولم يكن قصده المسجد فقد اتخذه عيدا كما فهم ذلك الحسن بن الحسن رضي الله عنه.

وقد كره الإمام مالك - رحمه الله - لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي القبر النبوي؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، قال: ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- وكذا كبار التابعين يصلون في المسجد النبوي خلف الخلفاء الراشدين أغلب الأوقات، ثم ينصرفون بعد السلام، أو يجلسون في قراءة أو عبادة، ولم يحفظ عنهم الإتيان إلى القبر بعد كل صلاة، بل يكتفون بالصلاة والسلام عليه في التشهد، وذلك أفضل من الوقوف أمام القبر لذلك، رغم تمكنهم من الوصول إلى القبر في حياة عائشة وبعدها قبل بناء الحيطان دونه، بعد أن أدخل في توسعة المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك وبكل حال فإن الصحابة لم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج إذا قدم من سفر فيسلم عليه ثم ينصرف، كما نقل ذلك عن ابن عمر ولم يحفظ عن غيره من الصحابة، ولم يكن يفعله دائما، فتكرار ذلك كل وقت بدعة ووسيلة إلى تعظيمه أو دعائه مع الله.

وقد اتفق الأئمة -رحمهم الله- أن من سلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأراد الدعاء لنفسه لا يستقبل القبر، وإنما يستقبل القبلة التي هي أفضل الجهات وأرجى لقبول الدعاء، وأما الحكاية عن مالك أنه قال للمنصور: ولم تصرف وجهك عنه؟ ... بل استقبله واستشفع به... إلخ فهي حكاية موضوعة مكذوبة عليه كما حقق ذلك العلماء رحمهم الله([63]).

سادسا : منع السفر لمجرد زيارة القبر النبوي.

ثبت في الصحاح والسنن والمسانيد عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى »([64]).

ومعنى ذلك: النهي عن السفر إلى بقعة أو موضع لقصد التعبد فيه؛ لاعتقاد أن العمل فيه مضاعف أو له مزية على غيره من المواضع، فدخل في ذلك منع السفر لزيارة القبور ولو قبور الأنبياء، فإنه من اتخاذها أعيادا، والاعتقاد في المقبورين بما يكون وسيلة إلى عبادتهم مع الله تعالى، كما هو الواقع من المشركين في هذا الزمان وقبله، حيث ينشئون الأسفار الطويلة، إلى قبور الأولياء كما زعموا، أو يتجشمون المشقات وينفقون الأموال الطائلة، ومتى وصلوا إلى تلك المشاهد كما اسموها حطوا رحالهم، وأخذوا في الهتاف والنداء لأولئك الأموات، وعملوا هناك ما لا يصلح إلا لله رب العالمين، من الطواف بتلك الأضرحة والتمسح بترابها والدعاء لأربابها، والذبح والنحر لها ونحو ذلك.

فهذا ما خافه -عليه الصلاة والسلام- من منعه شد الرحال لغير المساجد الثلاثة.

وقد كتب في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - رسالة ذكر فيها اختلاف العلماء في حكم شد الرحال لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ورجح المنع، وذكر أنه قول ابن بطة وأبي الوفاء بن عقيل والجويني والقاضي عياض وغيرهم، بل هو قول الجمهور، ونص عليه مالك ولم يخالفه أحد من الأئمة، لكن ليس المراد النهي عن زيارة القبور بدون شد رحل، فقد ورد الترغيب فيها وأنها تذكر الآخرة، وأن الزائر يدعو للأموات ويترحم عليهم، وهذا يحصل في أقرب مقبرة عنده؛ فإن كل بلد لا تخلو من المقابر، فأما إعمال المطي والسفر إلى بلد بعيد لأجل بقعة أو قبر فإنما يكون ذلك لاعتقاد عظمة ذلك المقبور، وأهليته أن يعظم ويدعى ويرجى، فيصرف له خالص العبادة، فلا جرم ورد النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة.

وقد روى الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري أنهما منعا شد الرحل إلى الطور لأجل الصلاة فيه، واستدلا بحديث النهي عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مع أن الله ذكر الطور وسماه بالوادي المقدس والبقعة المباركة، وكلم عبده موسى هناك.

وعلى هذا فمن سافر إلى المدينة قاصدا المسجد النبوي الذي تكون الصلاة فيه بألف صلاة فسفره طاعة وقربة، وله بعد الصلاة في المسجد أن يسلم على القبر الشريف ، وعلى قبور الصحابة والشهداء، ويدعو لهم.

فأما من أنشأ السفر لأجل القبر نفسه، سواء للسلام عليه أو للدعاء عنده فسفره بدعة منكرة؛ حيث خالف حديث : « لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ».

فأما الأحاديث المروية في فضل الزيارة للقبر الشريف فكلها ضعيفة أو موضوعة ، كما حقق ذلك العلماء، فليتنبه لذلك والله الموفق.

المبحث الخامس : « شروط الشهادتين » :

ذكر العلماء لكلمة الإخلاص سبعة شروط، نظمها بعضهم بقوله :

علم يقين وإخلاص وصدقك مع * * * محبة وانقياد والقبول لها

وهذه الشروط مأخوذة بالاستقراء والتتبع للأدلة من الكتاب والسنة، وقد أضاف بعضهم إليها شرطا ثامنا، ونظمه بقوله:

وزيد ثامنها الكفران منك بما * * * سوى الإله من الأنداد قد ألها

وأخذ هذا الشرط من قوله -صلى الله عليه وسلم- : « من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه » رواه مسلم([65]).

وذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، ثم قال بعده: وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه.. إلخ.

ومعنى هذا الشرط أن يعتقد بطلان عبادة من سوى الله، وأن كل من صرف شيئا من خالص حق الله لغيره فهو ضال مشرك، وأن كل المعبودات سوى الله من قبور وقباب وبقاع وغيرها، نشأت من جهل المشركين وخرافاتهم، فمن أقرهم على ذلك أو تردد في صوابهم أو شك في بطلان ما هم عليه فليس بموحد، ولو قال: لا إله إلا الله. ولو لم يعبد غير الله.

ومع ذلك فإن الشروط السبعة هي المشهورة في كتب أئمة الدعوة -رحمهم الله- فنذكر عليها بعض الأدلة للتوضيح :

الشرط الأول: العلم: ودليله قوله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾[ سورة محمّد، الآية : 19 ].

وروى مسلم عن عثمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ».

والمراد: العلم الحقيقي بمدلول الشهادتين وما تستلزمه كل منهما من العمل وضد العلم الجهل، وهو الذي أوقع المشركين من هذه الأمة في مخالفة معناها، حيث جهلوا معنى الإله، ومدلول النفي والإثبات، وفاتهم أن القصد من هذه الكلمة معناها، وهو الذي خالفه المشركون العالمون بما تدل عليه، حيث قالوا:

﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ﴾ [ سورة ص، الآية : 5 ] وقالوا: ﴿ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ﴾ [ سورة ص، الآية : 6 ].

الشرط الثاني: اليقين: وضده الشك والتوقف، أو مجرد الظن والريب.

والمعنى: أن من أتى بالشهادتين فلا بد أن يوقن بقلبه ويعتقد صحة ما يقوله، من أحقية إلهية الله تعالى، وصحة نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- وبطلان إلهية غير الله بأي نوع من التأله، وبطلان قول كل من ادعى النبوة بعد محمد -صلى الله عليه وسلم- فإن شك في صحة معناها أو توقف في بطلان عبادة غير الله، لم تنفعه هاتان الشهادتان.

ودليل هذا الشرط ما رواه مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الشهادتين : « لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما، إلا دخل الجنة ».

وفي الصحيح عنه أيضا، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له : « من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة »([66]).

وقد مدح الله تعالى المؤمنين بقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾

[ سورة الحجرات، الآية : 15 ] .

وذم المنافقين بقوله: ﴿ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾[ سورة التوبة، الآية : 45 ].

وقد روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: « الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله »([67]).

ولا شك أن من كان موقنا بمعنى الشهادتين، فإن جوارحه تنبعث لعبادة الرب وحده، ولطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام.

الشرط الثالث: القبول المنافي للرد: فإن هناك من يعلم معنى الشهادتين، ويوقن بمدلولهما ولكنه يردهما كبرا وحسدا، وهذه حالة علماء اليهود والنصارى فقد شهدوا بإلهية الله وحده، وعرفوا محمدا -صلى الله عليه وسلم- كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم يقبلوه: ﴿ حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ [ سورة البقرة، الآية : 109 ].

وهكذا كان المشركون يعرفون معنى لا إله إلا الله، وصدق محمد -صلى الله عليه وسلم- ولكنهم يستكبرون عن قبوله، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [ سورة الصافات، الآية : 35 ] وقال تعالى: ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام، الآية : 33 ] .

الشرط الرابع: الانقياد: ولعل الفرق بينه وبين القبول، أن الانقياد: هو الاتباع بالأفعال، والقبول: إظهار صحة معنى ذلك بالقول، ويلزم منهما جميعا الاتباع ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان وعدم التعقب لشيء من أحكام الله. قال الله تعالى: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾ [ سورة الزمر، الآية : 54 ] وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ [ سورة النساء، الآية : 125 ] وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

[ سورة لقمان، الآية : 22 ].

فهذا هو الانقياد لله تعالى بعبادته وحده ، فأما الانقياد لنبي - صلى الله عليه وسلم - بقبول سنته، واتباع ما جاء به والرضى بحكمه، فقد ذكره الله تعالى بقوله : ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [ سورة النساء، الآية : 65 ].

فاشترط في صحة إيمانهم أن يسلموا تسليما لحكمه، أي ينقادوا ويذعنوا لما جاء من ربه.

الشرط الخامس: الصدق: وضده الكذب، وقد ورد اشتراط ذلك في الحديث الصحيح، عنه -صلى الله عليه وسلم- : « من قال لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة »([68]).

فأما من قالها بلسانه وأنكر مدلولها بقلبه فإنها لا تنجيه، كما حكى الله عن المنافقين أنهم قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ [ سورة المنافقون، الآية : 1 ] وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [ سورة المنافقون، الآية : 1 ].

وهكذا كذبهم بقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة البقرة، الآية : 8 ].

الشرط السادس: الإخلاص: وضده الشرك، قال الله تعالى: ﴿ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ *أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ [ سورة الزمر : 2 ـ 3 ] وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ [ سورة الزمر، الآية : 11 ] وقال: ﴿ قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ [ سورة الزمر، الآية : 14 ].

وفي الصحيح: عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه » وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عتبان : « فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله ».

فالإخلاص: أن تكون العبادة لله وحده، دون أن يصرف منها شيء لغيره، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وكذا الإخلاص في اتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- بالاقتصار على سنته، وتحكيمه، وترك البدع والمخالفات، وكذا ترك التحاكم إلى ما وضع البشر من قوانين وعادات ابتكروها وهي مصادمة للشريعة، فإن من رضيها أو حكم بها لم يكن من المخلصين.

الشرط السابع: المحبة: المنافية لضدها من الكراهية والبغضاء؛ فيجب على العبد محبة الله ومحبة رسوله ومحبة كل ما يحبه من الأعمال والأقوال، ومحبة أوليائه وأهل طاعته، فهذه المحبة متى كانت صحيحة ظهرت آثارها على البدن، فترى العبد الصادق يطيع الله ويتبع رسوله -صلى الله عليه وسلم- ويعبد الله حق عبادته، ويلتذ بطاعته، ويسارع إلى كل ما يحبه مولاه من الأقوال والأعمال، وتراه يحذر المعاصي ويبتعد عنها، ويمقت أهلها ويبغضهم، ولو كانت تلك المعاصي محبوبة للنفس ولذيذة في العادة لعلمه بأن النار حفت بالشهوات، والجنة حفت بالمكاره، فمتى كان كذلك فهو صادق المحبة، ولهذا سئل ذو النون المصري -رحمه الله- متى أحب ربي؟ فقال: إذا كان ما يبغضه أمر عندك من الصبر([69]).

ويقول بعضهم: من ادعى محبة الله ولم يوافقه فدعواه باطلة.

وقد شرط الله لعلامة محبته اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [ سورة آل عمران، الآية : 31 ].

وقد سبق أن ذكرنا بعض الأدلة على محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وما تستلزم من الأعمال فكذلك محبة الله تعالى.

المبحث السادس : « نواقض الشهادتين » :

تكلم علماء الإسلام في كل مذهب على نواقض الإسلام، في كتب الفقه في حكم المرتد، وما تحصل به الردة، وبالغ بعضهم في سرد الأمثلة التي تحصل بها الردة نعوذ بالله، وقد بلغت عددا من المئين ما بين فعل وترك، لكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- لخصها في عشرة نواقض مذكورة في مجموعة التوحيد وغيرها.

وإنما يهمنا هنا أن نذكر بعض الخصال التي ينافي فعلها كلمتي التوحيد، ولا يحصل الأجر المرتب على فعلهما، والنطق بهما، فمن ذلك:

أولا: إنكار خلق الله تعالى لبعض الموجودات: أو إسناد بعض التدبير والتصرف إلى الطبيعة والصدفة، فإن ذلك طعن في الرب تعالى، وذلك ينافي اعتقاد المسلمين إثبات كمال التصرف لله وحده، وأنه لذلك هو المستحق للعبادة.

ثانيا: إنكار شيء من صفات الكمال لله -عز وجل- كالعلم، والحياة، والقيومية والجبروت، والسمع والبصر، فإن ذلك غاية التنقص الذي ينافي استحقاق الرب للإلهية، وهكذا إثبات شيء من النقائص التي نزه الله نفسه عنها: كالسنة، والنوم، والنسيان، والظلم، والولد، والشريك، ونحوها، فإن ذلك ينافي الكمال الذي استحق به تعالى العبادة من جميع الخلق.

ثالثا: وصف بعض المخلوقات بشيء من خصائص الخالق: كعلم الغيب، وعموم الملك، وكمال التصرف في الكون، والقدرة على الخلق والإيجاد بدون إرادة الله، فإن هذا تشريك مع الله لهذا المخلوق، ورفع له إلى مرتبة الخالق، وذلك غاية التنقص لله تعالى.

رابعا: نفي استحقاق الرب - عز وجل- لكل العبادات أو لبعضها: كاعتقاد أنه تعالى لا يخشى، ولا يدعى، ولا يستحق أن يستعان به، أو لا أهمية لذلك أو لا فائدة فيه، وهكذا حكم من سخر ببعض العبادات، أو استهزأ بالمصلين أو المتمسكين بأي نوع من أنواع الطاعة، فإن ذلك انتقاد للشرع، وهو ينافي الشهادتين.

خامسا: من اعتقد أن أحدا من الناس يسوغ له التشريع، والتقنين، ووضع الأحكام التي تغير الشرع: كإباحة الزنا أو الربا، وإبطال العقوبات الشرعية: كقتل القاتل، وقطع السارق، وإبطال الزكاة، وتغيير الفرائض، أو أي نوع من أنواع العبادات، وهكذا التحاكم إلى غير شرع الله، والحكم بغير ما أنزل، فمن اعتقد ذلك أو نحوه فقد اعترض على الرب في شرعه، وزعم أنه ناقص أو غير ملائم، أو أن غير حكم الله أحسن من حكمه، وذلك غاية التنقص فلا يجتمع مع التوحيد الخالص.

سادسا: صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله تعالى: وهو شرك القبوريين في هذه الأزمنة، فمن دعا ميتا، أو رجاه، أو علق قلبه به أو أحبه كحب الله، أو انحنى له، أو خشع وخضع عند القبر ونحوه، أو طاف به، أو ذبح له، أو نحو ذلك من أنواع العبادة، فقد أبطل شهادته: أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وقد سبق شيء مما يتعلق بمعنى الإلهية والعبادة وما يدخل فيها.

سابعا: موالاة أعداء الله: ومحبتهم وتقريبهم، ورفع مقامهم، واعتقاد أنهم على حق أو أنهم أولى بالتبجيل والاحترام من المسلمين، وسواء كانوا من أهل الكتابين أو من الوثنيين أو الدهريين، فإن طاعتهم وتوقيرهم وإعزازهم يوحى بأنهم على صواب، وأن المسلمين المخالفين لهم ضالون خاطئون، أو يدل احترامهم على تعظيم دنياهم أو علومهم الدنيوية، وكل ذلك ينافي حقيقة الشهادة.

ثامنا: الطعن في رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- أو في شريعته، أو تكذيبه أو دعوى خيانته أو كتمانه لما أوحي إليه، وكذا إظهار سبه أو عيبه أو التهكم بسيرته أو شيء من أعماله أو أحواله أو تصرفاته، ونحو ذلك مما يدل على إنكار رسالته في الباطن، فإن الطعن فيه طعن في الرب تعالى، فهو الذي أرسله وحمله هذه الرسالة، وذلك يناقض كلمتي الشهادتين.

تاسعا: الطعن في القرآن الذي هو كلام الله تعالى: كدعوى المشركين أنه سحر أو شعر أو أساطير الأولين، أو أنه مفتر مكذوب، وكذا من زعم أنه قول البشر، أو نفي وإعجازه أو حاول معارضته بمثله، وأن ذلك ممكن أو كذب ببعض ما اشتمل عليه، أو أنكر بعض السور أو الآيات المنقولة بالتواتر أو نحو ذلك، فإنه كافر مكذب لله ورسوله، وذلك يناقض كلمة التوحيد.

عاشرا: إنكار شيء من الأمور الغيبية التي أمر الله بالإيمان بها: وأخبر بثبوتها وأحقيتها في كتابه، وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- كالملائكة، والكتب، والرسل، والبعث بعد الموت، وحشر الأجساد والجنة والنار، وكذا عذاب القبر ونعيمه، ونحو ذلك فإن من جحد منها شيئا، فقد كذب الله وكذب رسوله -صلى الله عليه وسلم- وذلك أكبر الطعن في الرسالة، وما اشتملت عليه، فهو يخالف ما تستلزمه الشهادتان.

وأقتصر على هذا القدر مما يتعلق بالشهادتين وما يكون به تحقيقهما، وذلك على وجه الاختصار، ومن أراد التفصيل وجد ذلك في كتب أئمة الدعوة - رحمهم الله - وكذا من سبقهم من علماء المسلمين، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.



([1]) انظر في ذلك كتاب الإيمان أول صحيح مسلم، وكتاب التوحيد آخر صحيح البخاري وغيرهما.

([2]) رواه البخاري، كما في الفتح: 6/546 برقم: (3435)، في أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى : ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ...﴾ الآية [ سورة المائدة، الآية : 77 ]، ومسلم: برقم (28) في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا.

([3]) رواه مسلم برقم (26) في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة مطلقا.

([4]) رواه مسلم برقم (27) في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة مطلقا.

([5]) رواه مسلم برقم (29) في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة مطلقا.

([6]) رواه مسلم برقم (32) في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة مطلقا.

([7]) رواه مسلم برقم: (657) في المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر.

([8]) رواه الترمذي برقم (3501) في الدعوات، باب (79)، وأبو داود برقم: (5069) في الأدب، باب ما يقول إذا أصبح. واللفظ له.

([9]) رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، رقم (1393) وابن حبان برقم (2324) الموارد. والحاكم في المستدرك (1/528) والبغوي في شرح السنة: 5/54، 55. قال الأرناؤط في تحقيق شرح السنة: 5/55 إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة.

([10]) هو في مسند أحمد تحقيق: أحمد شاكر برقم: (6583)، وكذا رواه الحاكم: 1/48، وصححه ووافقه الذهبي.

([11]) رواه الترمذي برقم (2639) في الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وكذا رواه أحمد في المسند: 2/213، وابن ماجة برقم: (4300) في الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، بمعناه.

([12]) رواه البخاري كما في الفتح: 6/130 برقم: (2946) في الجهاد والسير، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام... إلخ، ومسلم برقم: (21) في الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله... إلخ .

([13]) رواه البخاري كما في الفتح: 1/94 برقم: (25) في الأيمان، باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة... الآية)، ومسلم برقم: (21) في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله... إلخ .

([14]) رواه البخاري كما في الفتح: 1/592 برقم: (392) في الصلاة، باب فضل استقبال القبلة، يستقبل بأطراف رجليه.

([15]) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية: 3/34.

([16]) انظر سيرة ابن هشام مع الروض الأنف: 6/363، والبداية والنهاية: 4/238.

([17]) البداية والنهاية 3/23.

([18]) رواه مسلم برقم: (96) في الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله.

([19]) رواه مسلم برقم: (97) في الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله.

([20]) رواه البخاري كما في الفتح: 3/307 برقم (1395)، في الزكاة، باب وجوب الزكاة، ومسلم برقم: (19) في الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.

([21]) ذكره ابن كثير في التفسير، أول سورة الفاتحة.

([22]) رواه البخاري كما في الفتح: 7/190 برقم: (3845) في مناقب الأنصار، باب القسامة في الجاهلية. عن ابن عباس، وهي قصة أول قسامة في الجاهلية في بني هاشم، لما قتل رجل منهم في عقال بعير فأنكر القاتل، فحلف من قومه ثمانية وأربعون رجلا، فما حال الحول ومنهم عين تطرف.

([23]) رواه مسلم برقم: (746)، في صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، في حديث طويل.

([24]) انظر كتاب الشفاء: 1/100 .

([25]) من السيرة مع الروض الأنف: 2/219.

([26]) رواه البخاري كما في فتح: 1/59 برقم: (335) في التيمم، باب (1)، ومسلم: برقم (521)، في المساجد ومواضع الصلاة.

([27]) رواه مسلم برقم (521)، في المساجد ومواضع الصلاة.

([28]) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في أول الحموية، وهو في مسند أحمد: 5/263، وغيره.

([29]) هو في سنن ابن ماجة برقم (5) في المقدمة، باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن أبي الدرداء رضي الله عنه. ومسند أحمد: 4/126. عن العرباض بن ساريه رضي الله عنه.

([30]) رواه مسلم برقم (1844)، في الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول.

([31]) رواه مسلم برقم: (2286)، في الفضائل، باب ذكر كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين.

([32]) رواه مسلم برقم: (2354)، في الفضائل، باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم.

([33]) انظر سنن أبي داود برقم: (4252)، في الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها.

([34]) رواه مسلم برقم (21)، في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله... إلخ .

([35]) رواه البخاري كما في الفتح: 1/140 برقم (50)، في الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم... إلخ . عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومسلم برقم (8)، في الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان... إلخ . عن عمر رضي الله عنه، ورواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه برقم (9).

([36]) رواه البخاري كما في الفتح: 13/119 برقم: (7137) في الأحكام، باب قول الله تعالى: ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول... ﴾ الآية.

([37]) رواه البخاري كما في الفتح: 13/263 برقم: (7280) في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... إلخ .

([38]) قطعة من حديث رواه البخاري كما في الفتح: 9/5 برقم: (5063) في النكاح، باب الترغيب في النكاح عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

([39]) رواه البخاري كما في الفتح: 1/77 برقم (16)، في الإيمان، باب حلاوة الإيمان. ومسلم برقم (43)، في الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان.

([40]) رواه البخاري كما في التفح: 1/75 برقم (15)، في الإيمان، باب (حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، ومسلم برقم (44)، في الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إلخ .

([41]) رواه البخاري كما في الفتح: 11/532 برقم: (6632)، في الإيمان والنذور، باب (كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم).

([42]) رواه البخاري كما في الفتح: 13/140 برقم: (7153) في الأحكام، باب القضاء والفتيا في الطريق، عن أنس رضي الله عنه.

([43]) رواه البخاري كما في الفتح: 10/573 برقم: (6168) في الأدب، باب علامة الحب في الله. ومسلم برقم: (2640)، في البر والصلة، باب المرء مع من أحب.

([44]) رواه البخاري كما في الفتح: 1/600 -برقم: (401)، في الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ومسلم برقم: (572)، في المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له. عن ابن مسعود.

([45]) رواه البخاري كما في الفتح: 9/109 برقم (5147) في النكاح، باب ضرب الدف في النكاح والوليمة، والترمذي برقم (1090) 3/399 في النكاح، باب ما جاء في إعلان النكاح، وقال هذا حديث حسن صحيح. عن الربيع بنت معوذ.

([46]) رواه البخاري كما في الفتح: 8/472 برقم: (4855) في التفسير، باب 1.

([47]) رواه مسلم: برقم (1791)، في الجهاد والسير، باب غزوة أحد. عن أنس.

([48]) رواه البخاري كما في الفتح: 7/422 برقم: (4069) في الإيمان، باب ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا... ﴾ الآية. عن ابن عمر رضي الله عنه.

([49]) رواه البخاري كما في الفتح: 8/360 برقم: (4771) في التفسير، باب ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾.، ومسلم برقم (204)، في الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾.

([50]) رواه البخاري كما في الفتح: 3/263 -برقم (1360) في الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله. ومسلم برقم (24) في الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت،.. إلخ . عن المسيب رضي الله عنه.

([51]) رواه البخاري كما في الفتح: 6/155 برقم: (3445) في أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ...﴾ الآية). عن عمر رضي الله عنه.

([52]) كما في المسند: 1/214، 282 عن ابن عباس رضي الله عنهما وصححه المحقق.

([53]) رواه أبو داود برقم: (4806) في الأدب، باب في كراهية التمادح.

([54]) رواه النسائي في عمل اليوم والليلة برقم: (249)، وكذا رواه أحمد: 3/249 وغيره.

([55]) ذكره في مجمع الزوائد: 10/159 قال: ورجاله رجال الصحيح، غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث.

([56]) رواه مسلم برقم (3002)، في الزهد، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط،... إلخ . عن المقداد رضي الله عنه.

([57]) رواه مسلم: برقم (1887)، في الإمارة، باب بيان أن أرواهح الشهداء في الجنة... إلخ عن ابن مسعود رضي الله عنه.

([58]) رواه أبو داود برقم: (1047)، في الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة.

([59]) رواه أبو داود برقم: (2041)، في المناسك، باب زيارة القبور.

([60]) رواه أبو داود برقم: (2042)، في المناسك، باب زيارة القبور.

([61]) ذكره الهيثمي في الزوائد: 4/3 وعزاه لأبي يعلى ووثق رجاله.

([62]) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية: في اقتضاء الصراط المستقيم، صفحة: 322، وساقه بإسناده.

([63]) ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، صفحة: 395، وغيره.

([64]) رواه البخاري عن أبي هريرة كما في الفتح: 3/76 -برقم: (1189)، في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ورواه أيضا عن أبي سعيد كما في الفتح: 3/84 - برقم: (1197)، في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب مسجد بيت المقدس.

([65]) رواه مسلم برقم (23)، في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله... إلخ .

([66]) رواه مسلم برقم (31)، في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا.

([67]) ذكره البخاري تعليقا كما في الفتح: 1/60، وقال الحافظ : وصله الطبراني بسند صحيح، وأبو نعيم في الحلية.

([68]) رواه أحمد في المسند: 4/61، عن رفاعة الجهني، ورواه أحمد أيضا: 4/402، عن أبي موسى رضي الله عنه.

([69]) ذكره أبو نعيم في الحلية: 9/363، بإسناده عنه.