رسالة في مواقيت الصلاة

نبذة مختصرة

رسالة في مواقيت الصلاة: تحدَّث المؤلف - رحمه الله - عن أوقات الصلاة كما جاء في القرآن والسنة، وقد تناول الكتاب مسائل عديدة مهمة تتعلق بالأماكن التي تمتد ليلاً ونهارًا أيامًا أو شهورًا.

تفاصيل

سلسلة مؤلّفات فضيلة الشّيخ (41)

 رسالةٌ في مواقيت الصلاة

بقلم فضيلة الشيخ العلّامة

محمّد بن صالح العثيمين

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

من إصدارات مؤسّسة الشيخ محمّد بن صالح العثيمين الخيرية

بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدّمــة

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ، وسلّم تسليمًا، أمّا بعد:

فإنّ الله تعالى فرض على عباده خمس صلواتٍ في اليوم والليلة موقّتةً بأوقاتٍ اقتضتها حكمة الله تعالى؛ ليكون العبد على صلةٍ بربّه تعالى في هذه الصلوات مدة هذه الأوقات كلّها، فهي للقلب بمنزلة الماء للشجرة تسقى به وقتًا فوقتًا، لا دفعةً واحدةً ثم يقطع عنها.

ومن الحكمة في تفريق هذه الصلوات في تلك الأوقات أن لا يحصل الملل والثقل على العبد إذا أداها كلّها في وقتٍ واحدٍ، فتبارك الله تعالى أحكم الحاكمين.

وهذه رسالةٌ موجزةٌ نتكلّم فيها على أوقات الصلوات في الفصول التالية:

الفصل الأوّل: في بيان المواقيت.

الفصل الثاني: في بيان وجوب فعل الصلاة في وقتها، وحكم تقديمها في أوّله أو تأخيرها عنه.

الفصل الثالث: فيما يدرك به الوقت وما يترتّب على ذلك.

الفصل الرابع: في حكم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما.

وقد مشينا فيها على ما تقتضيه دلالة الكتاب والسّنة، وأسندنا المسائل إلى أدلّتها؛ ليكون المؤمن سائرًا على بصيرةٍ ويزداد ثقةً وطمأنينةً.

والله المسؤول المرجوّ الإجابة أن يثيبنا على ذلك، وأن يجعل فيه الخير والبركة لنا وللمسلمين، إنّه جوادٌ كريمٌ.

المؤلّف

 *

 الفصل الأوّل: في بيان المواقيت

قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون } [النحل:44].

وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين } [النحل:89].

فما من شيءٍ يحتاج العباد في دينهم أو دنياهم إلى معرفة حكمه إلّا بيّنه الله تعالى في كتابه أو سنّـة رسـوله صلى الله عليه وسلم، فإنّ السّنة تبيّن القـرآن وتفسّره، وتخصّص عمومه وتقيّد مطلقه، كما أنّ القرآن يبين بعضه بعضه ويفسّره، ويخصّص عمومه ويقيّد مطلقه، والكلّ من عند الله تعالى كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ألا إنّي أوتيت الكتاب ومثله معه» رواه أحمد وأبو داود وسنده صحيحٌ([1]).

ومن أفراد هذه القاعدة الكلية العامّة بيان أوقات الصلوات الخمس أوكد الأعمال البدنية فرضيّةً، وأحبّها إلى الله عز وجل فقد بين الله تعالى هذه الأوقات في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بيانًا كافيًا شافيًا ولله الحمد.

أمّا في كتاب الله فقال الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء:78].

فأمر الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم -والأمر له أمرٌ لأمّته معه- أن يقيم الصلاة {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } [سورة الإسراء:78] أي: من زوال‍ها عند منتصف النهار إلى غسق الليل -وهو اشتداد ظلمته وذلك عند منتصفه-، ثم فصل فقال: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } أي: صلاة الفجر، وعبّر عنها بالقرآن؛ لأنّه يطول فيها.

فاشتمل قوله تعالى: {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } [سورة الإسراء:78] أوقات صلواتٍ أربعٍ، هي الظهـر والعصر، وهما صـلاتان نهاريّتان في النّصف الأخير من النهار، والمغرب والعشاء وهما صلاتان ليليّتان في النّصف الأوّل من الليل، أمّا وقت الفجر ففصله بقوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } [سورة الإسراء:78] وعلم به تعيين الوقت من إضافته إلى الفجر وهو تبيّن ضوء الشمس في الأفق.

وإنّما جمع الله تعالى الأوقات للصلوات الأربع دون فصلٍ؛ لأنّ أوقاتها متصلٌ بعضها، فلا يخرج وقت صلاةٍ منها إلّا بدخول وقت التالية. وفصل وقت الفجر لأنّه لا يتّصل بوقتٍ قبله ولا بعده، فإنّ بينه وبين وقت صلاة العشاء نصف اللّيل الأخير، وبينه وبين وقت صلاة الظّهر نصف النهار الأوّل، كما سيتبيّن ذلك من السّنة إن شاء الله تعالى.

وأمّا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي صحيح مسلمٍ عن عبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «وقت الظّهر إذا زالت الشّمس وكان ظلّ الرّجل كطوله ما ل‍م يحضر العصر، ووقت العصر ما ل‍م تصفرّ الشّمس، ووقت صلاة المغرب ما ل‍م يغب الشّفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف اللّيل الأوسـط، ووقت صلاة الصّبح من طلـوع الفجر ما ل‍م تطلع الشّمس»، وفي روايةٍ: «ووقت العشاء إلى نصف اللّيل»([2])، ول‍م يقيّده بالأوسط.

وله من حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه أتاه سائلٌ يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يردّ عليه شيئًا، قال: فأقام الفجر حين انشقّ الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا، ثمّ أمره –يعني: أمر بلالًا- كما في رواية النّسائيّ -فأقام بالظّهر حين زالت الشمس والقائل يقول: قد انتصف النهار. وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعةٌ، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت -وفي رواية النّسائيّ: غربت([3]) -الشمس-، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حتّى انصرف منها، والقائل يقـول: قـد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظّهر حتّى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتّى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس. ثم أخر المغرب حتّى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتّى كان ثلث الليل الأوّل، ثم أصبح فدعا السائل فقال: «الوقت بين هذين»([4]).

فاتّضح بهذه الآية الكريمة والسّنة النبويّة القولية والفعلية بيان أوقات الصلوات الخمس بيانًا كافيًا شافيًا على النحو التالي:

1- وقت صلاة الظهر من زوال الشمس -وهو تجاوزها وسط السماء- إلى أن يصير ظلّ كلّ شيءٍ مثله. ابتداءً من الظلّ الّذي زالت عليه الشمس.

وشرح ذلك: أنّ الشمس إذا طلعت ارتفع لكلّ شاخصٍ ظلٌّ طويلٌ فلا يزال يقصر شيئًا فشيئًا حتّى تزول الشمس، فإذا زالت عاد إلى الطول ودخل وقت صلاة الظّهر، فقس من ابتداء عودة طول الظلّ، فإذا كان الظلّ طول الشاخص فقد خرج وقت صلاة الظّهر.

2- وقت صلاة العصر من كون ظلّ الشيء مثله إلى أن تصفرّ الشمس أو تحمرّ.

ويمتدّ وقت الضرورة إلى الغروب لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك ركعةً من الصّبح قبل أن تطلع الشّمس فقد أدرك الصّبح، ومن أدرك ركعـةً من العصر قبل أن تغـرب الشّمس فقـد أدرك العصر»([5]). متّفقٌ عليه.

3- وقت صلاة المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق وهو الحمرة.

4- وقت صلاة العشاء الآخرة من مغيب الشفق إلى نصف الليل.

ولا يمتدّ وقتها إلى طلوع الفجر؛ لأنّه خلاف ظاهر القرآن وصريح السّنة، حيث قال الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } [الإسراء:78]، ول‍م يقل: إلى طلوع الفجر. وصرّحت السّنة بأنّ وقت العشاء ينتهي بنصف الليل كما رأيت في حديث عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما.

5- وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني -وهو البياض المعترض في الأفق الشرقيّ الّذي ليس بعده ظلمةٌ- إلى طلوع الشمس.

وهذه المواقيت المحدّدة إنّما تكون في مكانٍ يتخلّله الليل والنهار في أربعٍ وعشرين ساعةً، سواءٌ تساوى الليل والنهار أم زاد أحدهما على الآخر زيادةً قليلةً أو كثيرةً.

أمّا المكان الّذي لا يتخلّله الليل والنهار في أربعٍ وعشرين ساعةً فلا يخلو إمّا أن يكون ذلك مطردًا في سائر العام أو في أيامٍ قليلةٍ منه.

فإن كان في أيامٍ قليلةٍ منه مثل أن يكون هذا المكان يتخلّله الليل والنهار في أربعٍ وعشرين ساعةً طيلة فصول السّنة، لكن في بعض الفصول يكـون الليل فيه أربعةً وعشرين ساعـةً أو أكثر والنهار كذلك؛ ففي هـذه الحال:

§ إمّا أن يكون في الأفق ظاهرةٌ حيّةٌ يمكن بها تحديد الوقت، كابتداء زيادة النّور مثلًا، أو انطماسه بالكلّيّة؛ فيعلّق الحكم بتلك الظّاهرة.

§ وإمّا ألّا يكون فيه ذلك؛ فتقدّر أوقات الصّلاة بقدرها في آخر يومٍ قبل استمرار اللّيل في الأربع والعشرين ساعةً أو النهار.

فإذا قدّرنا أنّ الليل كان -قبل أن يستمرّ- عشرين ساعةً، والنهار فيما بقي من الأربع والعشرين، جعلنا الليل المستمرّ: عشرين ساعةً فقط، والباقي نهارًا واتّبعنا فيه ما سبق في تحديد أوقات الصلوات.

أمّا إذا كان المكان لا يتخلّله الليل والنهار في أربعٍ وعشرين ساعةً طيلة العام في الفصول كلّها فإنّه يحدّد لأوقات الصلاة بقدرها؛ ل‍ما رواه مسلمٌ من حديث النوّاس بن سمعان رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر الدجّال الّذي يكون في آخر الزمان فسألوه عن لبثه في الأرض فقال: «أربعون يومًا؛ يـومٌ كسنةٍ، ويـومٌ كشهرٍ، ويـومٌ كجمعةٍ، وسائر أيّامه كأيّامكـم» قالـوا: يا رسول الله، فذلك اليوم الّذي كسنةٍ أتكفينا فيه صلاة يومٍ؟ قال: «لا، اقدروا له قدره»([6]).

فبين النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن لا يقتصر في هذا اليوم الطّويل على صلاة يومٍ واحدٍ، وأمر أن يقدر له قدره.

فإذا ثبت أنّ المكان الّذي لا يتخلّله الليل والنهار يقدر له قدره فبماذا نقدّره؟

يرى بعض العلماء أنّه يقدّر بالزمن المعتدل فيقدّر الليل باثنتي عشرة ساعةً وكذلك النهار؛ لأنّه ل‍مّا تعذّر اعتبار هذا المكان بنفسه؛ اعتبر بالمكان المتوسّط كالمستحاضة الّتي ليس ل‍ها عادةٌ ولا تمييزٌ.

ويرى آخرون أنّه يقدّر بزمن أقرب البلاد إلى هذا المكان –ممّا يحدث فيه ليلٌ ونهارٌ في أثناء العام-؛ لأنّه ل‍مّا تعذّر اعتباره بنفسه اعتبر بأقرب الأماكن شبهًا به وهو أقرب البلاد إليه الّتي يتخلّلها الليل والنهار في أربعٍ وعشرين ساعةً.

وهذا القول أرجح؛ لأنّه أقوى تعليلًا وأقرب إلى الواقع، والله أعلم.

 *

 الفصل الثاني: في وجوب فعل الصلاة في وقتها وحكم تقديمها في أوّله أو تأخيرها عنه

يجب فعل الصلاة جميعها في وقتها المحدّد ل‍ها؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا } [النساء:103]، أي: فرضًا ذا وقتٍ؛ ولقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء:78]، والأمر للوجوب.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر الصلاة يومًا فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن ل‍م يحافظ عليها ل‍م يكن له نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاةٌ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيّ بن خلفٍ»([7] قال المنذريّ: رواه أحمد بإسنادٍ جيّدٍ([8]).

فلا يجوز للمسلم أن يقدّم الصلاة كلّها أو بعضها قبل دخول وقتها؛ لأنّ ذلك من تعدّي حدود الله تعالى والاستهزاء بآياته.

فإن فعل ذلك معذورًا بجهلٍ أو نسيانٍ أو غفلةٍ فلا إثم عليه، وله أجر ما عمل، وتجب عليه الصلاة إذا دخل وقتها؛ لأنّ دخول الوقت هو وقت الأمر بها، فإذا أتى بها قبله ل‍م تقبل منه ول‍م تبرأ بها ذمته؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» أي: مردودٌ، رواه مسلمٌ عن عائشة رضي الله عنها([9]).

ولا يجوز للمسلم أن يؤخّر الصلاة عن وقتها؛ لأنّ ذلك من تعدّي حدود الله تعالى والاستهزاء بآياته، فإن فعل ذلك بدون عذرٍ فهو آثمٌ وصلاته مردودةٌ غير مقبولةٍ، ولا مبرئةٌ لذمّته؛ لحديث عائشة السابق، وعليه أن يتوب إلى الله تعالى ويصلح عمله فيما استقبل من حياته.

وإن أخر الصلاة عن وقتها لعذرٍ من نومٍ أو نسيانٍ أو شغلٍ، ظنّ أنّه يبيح له تأخيرها عن وقتها فإنّه يصلّيها متى زال ذلك العذر؛ لحديث أنس ابن مالكٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من نسي صلاةً فليصلها إذا ذكـرها لا كفـارة ل‍ها إلّا ذلك»، وفي روايـةٍ: «من نسي صلاةً أو نـام عنها...»([10]). متّفقٌ عليه.

وإذا تعدّدت الصلوات الّتي فاتته بعذرٍ فإنّه يصليها مرتّبةً من حين زوال عذره ولا يؤخّرها إلى نظيرها من الأيّام التالية؛ لحديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق توضّأ بعدما غربت الشمس فصلّى العصر ثمّ صلّى بعدها المغرب»([11]). متّفقٌ عليه.

وعن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه قال: «حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتّى كان بعد المغرب بهوي من الليل... قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالًا فأقام الظّهر فصلّاها فأحسن صلاتها كما كان يصلّيها في وقتها، ثمّ أمره فأقام العصر فصلّاها فأحسن صلاتها كما كان يصلّيها في وقتها، ثمّ أمره فأقام المغرب فصلّاها كذلك»([12]). رواه أحمد.

وفي هذا الحديث دليلٌ على أنّ الفائتـة تصلّى كـما تصلّى في الـوقت، ويؤيّده حديث أبي قتادة رضي الله عنه في قصة نومهم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفرٍ عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس قال: ثمّ أذّن بلالٌ بالصّلاة فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثمّ صلّى الغـداة فصنع كـما كان يصنع كـلّ يومٍ..([13]) الحديث. رواه مسلمٌ.

وعلى هذا فإذا صلّى في النهار فائتةً من صلاة اللّيل جهر فيها بالقراءة، وإذا صلّى في الليل فائتةً من صلاة النّهار أسرّ فيها بالقراءة، كما يدلّ على الأوّل حديث أبي قتادة، وعلى الثاني حديث أبي سعيدٍ.

وإذا صلّى الفوائت غير مرتّبةٍ لعذرٍ فلا حرج عليه، فإذا جهل أنّ عليه صلاةً فائتةً فصلّى ما بعدها، ثم علم بالفائتة صلّاها ول‍م يعد الّتي بعدها، وإذا نسي الصلاة الفائتة فصلى ما بعدها ثم ذكر الفائتة صلاها ول‍م يعد الّتي بعدها؛ لقوله تعالـى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } [البقرة:286].

قال أهل العلم: وإذا كان عليه فائتةٌ فذكرها أو علم بها عند خروج وقت الحاضرة صلّى الحاضرة أوّلًا ثم صلّى الفائتة؛ لئلّا يخرج وقت الحاضرة قبل أن يصلّيها فتكون الصلاتان -كلتاهما- فائتتين.

والأفضل تقديم الصلاة في أوّل وقتها؛ لأنّ هذا هو فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو أسبق إلى الخير وأسرع في إبراء الذّمة.

ففي صحيح البخاريّ عن أبي برزة الأسلميّ رضي الله عنه أنّه سئل كيف كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي المكتوبة؟ قال: كان يصلّي ال‍هجير الّتي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس -وفي روايةٍ: إذا زالت الشمس([14])- ويصلّي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حيّةٌ([15]).

وله من حديث أنسٍ: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي العصر والشمس مرتفعةٌ حيةٌ، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعةٌ، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميالٍ أو نحوه»([16] وفي روايةٍ: «كنّا نصلّي العصر ثم يذهب الذاهب منّا إلى قباءٍ فيأتيهم والشمس مرتفعةٌ. ونسيت ما قال في المغرب»([17]).

لكن روى مسلمٌ من حديث سلمة بن الأكوع أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلّي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب([18] ومن حديث رافع ابن خديجٍ: كنّا نصلّي المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وإنّه ليبصر مواقع نبله([19]). وكان يستحبّ أن يؤخّر من العشاء الّتي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالسّتين إلى المئة([20]).

ول‍هما من حديث جابرٍ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي العشاء أحيانًا وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، والصّبح كانوا أو كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّيها بغلسٍ([21]).

وفي صحيح البخاريّ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنّ نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفّعاتٍ بمروطهنّ، ثم ينقلبن إلى بيوتهنّ حين يقضين الصلاة، لا يعرفهنّ أحدٌ من الغلس([22]).

وفي صحيح مسلمٍ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال مكثنا ذات ليلةٍ ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده... فذكر الحديث، وفيه: «ولولا أن يثقل على أمّتي لصلّيت بهم هذه السّاعة» ثمّ أمر المؤذّن فأقام الصّلاة وصلّى([23]).

وفي صحيح البخاريّ عن أبي ذرٍّ الغفاريّ رضي الله عنه قال: كنّا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فأراد المؤذّن أن يؤذّن للظّهر فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أبرد» ثم أراد أن يؤذّن فقال له: «أبرد» حتّى رأينا فيء التّلول. وفي روايةٍ: حتّى ساوى الظلّ التّلول([24]). فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ شدة الحرّ من فيح جهنّم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصّلاة»([25]).

ففي هذه الأحاديث دليلٌ على أنّ السّنة المبادرة بالصلاة في أوّل وقتها سوى صلاتين:

الأولى: صلاة الظّهـر في شدة الحرّ فتؤخّر حتّى يبرد الوقت وتمتدّ الأفياء.

الثانية: صلاة العشاء الآخرة فتؤخّر إلى ما بعد ثلث الليل إلّا أن يحصل في ذلك مشقّةٌ فيراعى حال المأمومين إذا رآهم اجتمعوا عجّل، وإذا رآهم أبطؤوا أخّر.

 *

 الفصل الثالث: فيما يدرك به الوقت وما يترتّب على ذلك

يدرك الوقت بإدراك ركعةٍ بمعنى أنّ الإنسان إذا أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعةٍ فقد أدرك تلك الصلاة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك ركعةً من الصّلاة فقد أدرك الصّلاة»([26]) [متّفقٌ عليه].

وفي روايةٍ: «من أدرك من الصّبح ركعةً قبل أن تطلع الشّمس فقد أدرك الصّبح، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشّمس فقد أدرك العصر»([27] وفي روايةٍ للبخاريّ: «إذا أدرك أحدكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشّمس فليتمّ صلاته، وإذا أدرك سجدةً من صلاة الصّبح قبل أن تطلع الشّمس فليتمّ صلاته»([28]).

فدلت هذه الرّوايات بمنطوقها على أنّ من أدرك ركعةً من الوقت بسجدتيها؛ فقد أدرك الوقت ودلّت بمفهومها على أنّ من أدرك أقلّ من ركعةٍ ل‍م يكن مدركًا للوقت.

ويترتّب على هذا الإدراك أمران:

أحدهما: أنّه إذا أدرك من الصلاة ركعةً في الوقت صارت الصلاة كلّها أداءً، ولكن لا يعني ذلك أنّه يجوز له أن يؤخّر بعض الصلاة عن الوقت؛ لأنّه يجب فعل الصلاة جميعها في الوقت، وفي صحيح مسلمٍ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشّمس حتّى إذا كانت بين قرني شيطانٍ قـام فنقـرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلّا قليلًا»([29]).

الأمر الثاني: أنّه إذا أدرك من وقت الصّلاة مقدار ركعةٍ وجبت عليه، سواءٌ كان ذلك من أوّل الوقت أم من آخره.

مثال ذلك من أوّله: أن تحيض امرأةٌ بعد غروب الشمس بمقدار ركعةٍ فأكثر ول‍م تصلّ المغرب فقد وجبت عليها صلاة المغرب حينئذٍ فيجب عليها قضاؤها إذا طهرت.

ومثال ذلك من آخره: أن تطهر امرأةٌ من الحيض قبل طلوع الشمس بمقدار ركعةٍ فأكثر فتجب عليها صلاة الفجر. ومثل ذلك إذا طهرت قبل غروب الشمس بمقدار ركعةٍ فتجب عليها صلاة العصر.

فإن حاضت بعد غروب الشمس بأقلّ من مقدار ركعةٍ أو طهرت قبيل طلوع الشمس بأقلّ من ركعةٍ، ل‍م تجب عليها صلاة المغرب في المسألة الأولى، ولا صلاة الفجر في المسألة الثانية؛ لأنّ الإدراك فيهما أقلّ من مقدار ركعةٍ.

 *

 الفصل الرابع: في حكم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما

سبق في الفصل الثاني بيان وجوب فعل كلّ صلاةٍ في وقتها المحدّد ل‍ها، وهذا هو الأصل، لكن إذا وجدت حالاتٌ تستدعي الجمع بين الصلاتين أبيح الجمع، بل كان مطلوبًا ومحبوبًا إلى الله تعالى لموافقته لقاعدة الدّين الإسلاميّ الّتي أشار الله تعالى إليها بقوله: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [البقرة:185]، وقوله: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج:78]، وفي صحيح البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الدّين يسرٌ ولن يشادّ الدّين أحدٌ إلّا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا»([30] وفي الصحيحين عن أبي موسى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال حين بعثه ومعاذًا إلى اليمن: «يسرا ولا تعسّرا، وبشرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا»([31] وفي روايةٍ لمسلمٍ عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا»([32])، وفيهما عن أنسٍ -رضي الله تعالى عنه- أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قـال: «يسّـروا ولا تعسّـروا وبشّـروا ولا تنفّـروا»، وفي روايـةٍ: «سكنـوا ولا تنفّروا»([33]).

إذا تبين هذا فقد وردت السّنة بالجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء في وقت إحداهما في عدة مواضع:

الأوّل: في السفر سائرًا أو نازلًا، ففي صحيح البخاريّ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر»([34] وفي صحيح مسلمٍ عنه قال: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظّهر حتّى يدخل أوّل وقت العصر، ثم يجمع بينهما»([35])، وفيه أيضًا عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في سفرةٍ سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء»([36] وفيه عن معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فكان يصلّي الظّهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا»([37]).

وفي صحيح البخاريّ من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه حين أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في الأبطح بمكة في ال‍هاجرة (أي: وقت الظّهر) قال: فخرج بلالٌ فنادى بالصلاة، ثم دخل فأخرج فضل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع الناس عليه يأخذون منه، ثم دخل فأخرج العنزة وخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم -أي: من قبةٍ كان فيها من أدمٍ- كأنّي أنظر إلى بياض ساقيه، فركز العنزة، ثم صلّى الظّهر ركعتين والعصر ركعتين([38]).

وظاهر هذه الأحاديث أنّه كان يجمع بين الصلاتين وهو نازلٌ، فإمّا أن يكون ذلك لبيان الجواز، أو أنّ ثمة حاجةً إلى الجمع، وذلك لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ل‍م يجمع في حجّته حين كان نازلًا بمنًى وعلى هذا فنقول: الأفضل للمسافر النازل أن لا يجمع، وإن جمع فلا بأس إلّا أن يكون في حاجةٍ إلى الجمع إمّا لشدة تعبه ليستريح أو لمشقّة طلب الماء عليه لكلّ وقتٍ ونحو ذلك، فإنّ الأفضل له الجمع واتباع الرّخصة.

وأمّا المسافر السائر: فالأفضل له الجمع بين الظّهر والعصر وبين المغرب والعشاء حسب الأيسر له، إمّا جمع تقديمٍ يقدّم الثانية في وقت الأولى، وإمّا جمع تأخيرٍ يؤخّر الأولى إلى وقت الثانية، ففي الصحيحين عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس (أي: تزول) أخر الظّهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلّى الظّهر ثم ركب»([39]).

وذكر في (فتح الباري) أنّ إسحاق بن راهويه روى هذا الحديث عن شبابة فقال: «كان إذا كان في سفرٍ فزالت الشمس صلّى الظّهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل. قال: وأعلّ بتفرّد إسحاق به عن شبابة، ثم تفرّد جعفرٍ الفريابيّ به عن إسحاق، قال: وليس ذلك بقادحٍ، فإنّهما إمامان حافظان([40]).

الموضع الثاني: عند الحاجة إلى الجمع بحيث يكون في تركه حرجٌ ومشقّةٌ سواءٌ كان ذلك في الحضر أم السفر؛ ل‍ما رواه مسلمٌ عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جمع بين الظّهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوفٍ ولا مطرٍ فقيل: ل‍م فعل ذلك؟ فقال: كي لا يحرج أمّته([41] وروى عن معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك بين الظّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. فقيل: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمّته([42]).

ففي هذين الحديثين دليلٌ على أنّه كلما دعت الحاجة إلى الجمع بين الصلاتين، وكان في تركه حرجٌ ومشقّةٌ، فهو جائزٌ سواءٌ كان ذلك في حضرٍ أو سفرٍ.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله تعالى-: «فالأحاديث كلّها تدلّ على أنّه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمّته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرجٌ قد رفعه الله عن الأمة، وذلك يدلّ على الجمع للمرض الّذي يحرج صاحبه بتفريـق الصلاة بطريـق الأولى والأحرى، ويجمع من لا يمكنه إكمال الطّهارة في الوقتين إلّا بحرجٍ كالمستحاضة وأمثال ذلك من الصّور» اﻫ([43]).

ونقل في الإنصاف عنه -أي: عن شيخ الإسلام ابن تيميّة- جواز الجمع لتحصيل الجماعة إذا كانت لا تحصل له لو صلّى في الوقت([44]).

قلت: ودليل ذلك ظاهرٌ من حديث ابن عبّاسٍ حيث دلّ على جواز الجمع للمطر، وما ذاك إلّا لتحصيل الجماعة؛ لأنّه يمكن لكلّ واحدٍ أن يصلّي في الوقت منفردًا ويسلم من مشقّة المطر بدون جمعٍ.

الموضع الثالث: الجمع في عرفة ومزدلفة أيّام الحجّ، ففي صحيح مسلمٍ من حديث جابرٍ رضي الله عنه في صفـة حجّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قـال: «فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فـرحلت له، فأتى بطـن الـوادي فخطب الناس. قال: ثم أذّن ثم أقام فصلّى الظّهر ثم أقام، فصلّى العصر، ول‍م يصلّ بينهما شيئًا»([45]).

وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيدٍ وكان رديف النبيّ صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى مزدلفة قال: فنزل الشّعب فبال ثم توضّأ ول‍م يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة. قال: «الصّلاة أمامك» فركب، فلمّا جاء المزدلفة نزل فتوضّأ فأسبغ الوضـوء، ثم أقيمت الصـلاة فصلّى المغرب، ثم أناخ كلّ إنسانٍ بعيره في مزدلفـة، ثم أقيمت العشـاء فصـلّاها ول‍م يصـلّ بينهما شيئًا([46]).

وفي حديث جابرٍ الّذي رواه مسلمٌ أنّه صلّى في مزدلفة المغرب والعشاء بأذانٍ واحدٍ وإقامتين([47]).

ففي هذين الحديثين أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جمع في عرفة بين الظّهر والعصر جمع تقديمٍ، وجمع في مزدلفة بين المغرب والعشاء جمع تأخيرٍ، وإنّما أفردنا ذكرهما؛ لأنّ العلماء اختلفوا في علة الجمع فيهما، فقيل: السفر. وفيه نظرٌ؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ل‍م يجمع في منًى قبل عرفة ولا حين رجع منها. وقيل: النّسك. وفيه نظرٌ أيضًا؛ إذ لو كان كذلك لجمع النبيّ صلى الله عليه وسلم من حين أحرم، وقيل: المصلحة والحاجة. وهو الأقرب، فجمع في عرفة لمصلحة طول زمن الوقوف والدعاء؛ ولأنّ الناس يتفرّقون في الموقف، فإن اجتمعوا للصلاة شقّ عليهم، وإن صلّوا متفرّقين فاتت مصلحة كثرة الجمع.

أمّا في مزدلفة فهم أحوج إلى الجمع؛ لأنّ الناس يدفعون من عرفة بعد الغروب، فلـو حبسوا لصلاة المغرب فيها لصلّـوها من غير خشوعٍ، ولو أوقفوا لصلاتها في الطريق لكان ذلك أشقّ، فكانت الحاجة داعيةً إلى تأخير المغرب لتجمع مع العشاء في مزدلفة.

وهذا عين الصواب والمصلحة لجمعه بين المحافظة على الخشوع في الصلاة ومراعاة أحوال العباد.

فسبحان الحكيم الرّحيم، ونسأله تعالى أن يهب لنا من لدنه رحمةً وحكمةً إنّه هو الوهّاب.

والحمد لله ربّ العالمين الّذي بنعمته تتمّ الصالحات، وصلّى الله على نبيّنا محمّدٍ خير المخلوقات وعلى آله وأصحابه والتابعين ل‍هم بإحسانٍ مدى الأوقات.

تمّ بقلم الفقير إلى الله تعالى

محمّد الصالح العثيمين

في 15/3/1400ﻫ

 *



([1]) أخرجه أبو داود: كتاب السنة، باب في لزوم السنة، رقم (4604).

وأخرجه أيضا الترمذي: أبواب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم، رقم (2664)، وابن ماجه: في المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه، رقم (12)، وأحمد (4/130)، من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه.

([2]) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، رقم (612) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

([3]) أخرجه النسائي: كتاب المواقيت، باب آخر وقت المغرب، رقم (523)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

([4]) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، رقم (614)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

([5]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الفجر ركعة، رقم (579)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أدرك ركعة فقد أدرك تلك الصلاة، رقم (608)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([6]) أخرجه مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه، رقم (2937)، من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه.

([7]) أخرجه أحمد (2/ 169)، والدارمي في سننه، رقم (2763)، من حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما.

([8]) الترغيب والترهيب (1/217).

([9]) أخرجه مسلم: كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، رقم (1718)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وعلقه البخاري: كتاب البيوع، باب النجش، ومن قال: «لا يجوز ذلك البيع».

([10]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر..، رقم (597)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم (684)، من حديث أنس رضي الله عنه.

([11]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب من صلى بالناس جماعة...، رقم (596)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى...، رقم (631)، من حديث جابر رضي الله عنه.

([12]) أخرجه أحمد (3/25، 49).

([13]) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم (681)، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.

([14]) أخرجها البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الظهر عند الزوال، رقم (541)، من حديث أبي برزة رضي الله عنه.

([15]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت العصر، رقم (547)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها، وهو التغليس، وبيان قدر القراءة فيها، رقم (647)، من حديث أبي برزة رضي الله عنه.

([16]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت العصر، رقم (550)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم (621)، من حديث أنس رضي الله عنه.

([17]) أخرجها البخاري: كتاب مواقيت الصـلاة، باب وقت العصـر، رقـم (551)، ومسلم: كتاب المسـاجد ومواضـع الصـلاة، رقـم (621)، مـن حديث أنس رضي الله عنه.

([18]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت المغرب، رقم (561)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب وقت المغرب، رقم (636)، من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

([19]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت المغرب، رقم (559)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب بيان أن وقت المغرب عند غروب الشمس، رقم (637)، من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه.

([20]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الظهر عند الزوال، رقم (541)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها، رقم (647)، من حديث أبي برزة رضي الله عنه.

([21]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت المغرب، رقم (560)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها، رقم (646)، من حديث جابر رضي الله عنه.

([22]) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس، رقم (867)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها، رقم (645)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

([23]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب النوم قبل العشاء لمن غلب، رقم (570)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب وقت العشاء وتأخيرها، رقم (639) واللفظ له، من حديث ابن عمر ضي الله عنهما.

([24]) أخرجها البخاري: كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة وجمع وقول المؤذن: الصلاة في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة، رقم (629)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

([25]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، رقم (535)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة، ويناله الحر في طريقه، رقم (616)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

([26]) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الصلاة ركعة، رقم (580)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، رقم (607)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([27]) أخرجها البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الفجر ركعة، رقم (579)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أدرك ركعة من الصبح، رقم (608)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([28]) أخرجها البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، رقم (556)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([29]) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التكبير بالعصر، رقم (622)، من حديث أنس رضي الله عنه.

([30]) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب الدين يسر، رقم (39)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([31]) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا»، رقم (6124)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، رقم (1733)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

([32]) أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، رقم (1732)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

([33]) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخول‍هم بالموعظة، رقم (69)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، رقم (1734)، من حديث أنس رضي الله عنه.

([34]) أخرجه البخاري: كتاب التقصير، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، رقم (1108).

([35]) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، رقم (704)، من حديث أنس رضي الله عنه.

([36]) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم (705)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

([37]) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم (706)، من حديث معاذ رضي الله عنه.

([38]) أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم (3566)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، رقم (503)، من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه.

([39]) أخرجه البخاري: كتاب تقصير الصلاة، باب ما يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل، رقم (1111)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، رقم (704)، من حديث أنس رضي الله عنه.

([40]) فتح الباري (2/583).

([41]) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم (705)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

([42]) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم (706)، من حديث معاذ رضي الله عنه.

([43]) مجموع الفتاوى (24/84).

([44]) الإنصاف (5/98).

([45]) أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم (1218)، من حديث جابر رضي الله عنه.

([46]) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، باب إسباغ الوضوء، رقم (139)، ومسلم: كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعا بالمزدلفة في هذه الليلة، رقم (1280)، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه.

([47]) انظر الحديث قبل السابق.

رأيك يهمنا