التمسك بالسنة النبوية

نبذة مختصرة

كتاب نافع تحدث فيه الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - عن وجوب التمسك بالسنة وفوائده وآثاره، كما أجاب الشيخ عن بعض الأسئلة المهمة التي تتعلق بالعقيدة والشريعة.

تفاصيل

 التّمسّك بالسّنّة النّبويّة وآثاره

بسم الله الرحمن الرحيم

 كلمة المقدّم

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، اللهم صلّ وسلّم عليه، وبعد:

فإننا سعداء، وأظنّكم -أيضًا- سعداء أن نلتقي في هذه الليلة المباركة بعالمٍ جليلٍ، أعطى من وقته وجهده الكثير؛ خدمةً للعلم وطلّاب العلم، لا يبغي من ذلك غير الأجر والثواب من ربّ العباد؛ إنـه سماحة الوالـد الشّيخ: محمد بن صالحٍ العثيمين، عضو هيئة كبار العلماء، وإمام وخطيب الجامع الكبير بعنيزة، والأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعودٍ الإسلاميّة، فرع القصيم.

فله منا جميعًا الشّكـر والدعاء على استجابته الكـريمة لرغبة اللجنة بمهرجان المدينة الأول لإلقاء محاضرةٍ عن (التّمسّك بالسّنة وآثاره)؛ وذلك في رحاب هذه الجامعة العريقة: الجامعة الإسلاميّة في المدينة، والتي تعاونت -مشكورةً- مع اللجنة الثقافيّة لمهرجان المدينة الأول في استضافة هذه المحاضرة.

يسرّني أن أدعو سماحة الوالد الشّيخ (محمد بن صالحٍ العثيمين) -نفع الله بـه وبعلمه الإسلام والمسلمين- لإلقـاء محاضرتـه، والتّفضّـل بالإجابة على ما قد يرد من أسئلةٍ مكتوبةٍ في نهاية المحاضرة؛ فليتفضّل مشكورًا.

 التّمسّك بالسّنة النّبويّة وآثاره

الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أرسله الله بالهدى ودين الحقّ، فبلّغ الرّسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وجاهد في الله حقّ جهاده؛ فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين.

أما بعد: ففي هذه الليلة، ليلة الخميس، التّاسع من شهر رجبٍ، عام تسعة عشر وأربع مئةٍ وألفٍ، يسرّني أن ألتقي بإخواني أهل المدينة -أهل طيبة- في قاعة المحاضرات في الجامعة الإسلاميّة، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا اللّقاء لقاءً مباركًا نافعًا.

إنّ موضوع المحاضرة ما سمعتموه من آثار التّمسك بالسّنة النّبويّة؛ وذلك أن السّنة النّبويّة شقيقة القرآن الكريم؛ من كونها حجّةً تقوم على العباد، وهم مكلّفون بالعمل بها؛ كما هم مكلّفون بالعمل بالقرآن.

إنّ السّنّـة النّبويّـة: هـي ما ثبت عن النّبيّ -صلى الله عليه وعلى آلـه وسلم- من قولٍ، أو فعلٍ، أو إقرارٍ؛ والعمل بها واجبٌ كالعمل بالقرآن تمامًا؛ إلا أن المستدلّ بالقرآن لا يحتاج إلا إلى نظرٍ واحدٍ، والمستدلّ بالسّنة يحتاج إلى نظرين:

أمّا القرآن: فيحتاج المستدلّ به إلى النّظر في دلالة النّصّ على الحكم الذي استدلّ له بهذا النّصّ؛ ولا ريب أن الناس يختلفون في هذا اختلافًا كثيرًا بحسب علومهم وفهمهم.

والناس يختلفون في فهم دلالة القرآن الكريم؛ حسب علومهم وأفهامهم، وحسب إيمانهم بالله عز وجل وتعظيمهم لحرمات الله.

أما المستدلّ بالسّنّة فيحتاج إلى نظرين:

أولهما: النظر في ثبوت السّنة عن رسول الله -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأن السّنة دخل فيها كثيرٌ من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فيحتاج المستدلّ بها إلى النظر في صحّتها وثبوتها عن رسول الله -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ ولهذا ألف العلماء رحمهم الله كتب الرّجال، وألفوا في المصطلح حتى تتبين السّنة الصّحيحة من السّقيمة.

أمّا النّظر الثّاني: فهو كالنّظر في القرآن، أي: [النّظر في] دلالة النّصّ على الحكم الذي استدلّ له به؛ والناس يختلفون في هذا اختلافًا كثيرًا؛ ولقد قال الله عز وجل لنبيّه -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-: {وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء:113]، وفسّر كثيرٌ من العلماء (الحكمة) بأنها السّنة. وأمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله؛ فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} [النساء:59]، والأمر بطاعة الرسول يستلزم أن تكون سنته دليلًا شرعيًّا يجب العمل به.

وقال الله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن:23]؛ وثبوت الوعيد على من يعصي الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلّم- يدلّ على أن سنته حجةٌ ملزمةٌ كالقرآن تمامًا.

وقال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7]؛ وهذا -وإن كان في مال الفيء- فإن مال الفيء مقسومٌ حسب اجتهاد الرسول -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإذا كنا ملزمين بقبوله، فأحكام الشريعة من باب أولى.

وقال الله تعالـى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]، والتّأسّي برسول الله -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- يشمل ما فعله النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- بمقتضى دلالة القرآن، وما فعله فيما سنه -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-.

وقال النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- معلنًا في خطبة الجمعة: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم».

وحث صلى الله عليه وسلم على لـزوم سنّته، فقـال: «عليكم بسنتـي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي؛ تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ».

والنّصوص في هذا المعنى كثيرةٌ.

ولقد خاب وخسر من قال: «إنه لا عمل إلا بما في القرآن»، وتناقض أيضًا؛ وذلك لأنه إذا قال: «لا عمل إلا بما في القرآن»، فنقول: والقرآن جاء بوجوب اتّباع النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فإذا كنت صادقًا فيما تقول، فلا بد أن تقبل الحكم بما جاءت به السّنة.

وأشار النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى هذا الطّراز من الناس في قوله: «لا ألفينّ أحدكم متّكئًا على أريكته يقول إذا جاءه الأمر من أمري: لا ندري! ما جاء في كتاب الله اتّبعناه؛ ألا وإنّي أوتيت الكتاب ومثله معه».

ثم إن كثيرًا من الآيات المجملة لم تبيّن إلا في السّنة؛ فلو قلنا بأنه لا يؤخذ بما جاء في السّنة، لبقيت الأدلّة المجملة كلّها لا يعمل بها؛ وهذا خطيرٌ جدًّا؛ لذلك نقول: إن سنّة النبيّ صلى الله عليه وسلم كالقرآن في وجوب العمل بها حسب ما يقتضيه الدليل من إيجابٍ أو استحبابٍ، أو إباحةٍ، أو كراهةٍ أو تحريمٍ.

ولقد كان السّلف الصّالح على سنة النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-، لا يقصّرون عنها، ولا يتجاوزونها، وإذا جاءهم الأمر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذوا به كما يأخذون بالأمر من عند الله عز وجل.

ولم يكن الصّحابة يسألون النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أمر بأمرٍ: هل هو للإيجاب أو للاستحباب؟ وإنما يمتثلون دون أن يستفصلوا ويسألوا؛ ولهذا من المؤسف: أنّ بعض الناس إذا سمع أمر الرسول، قال: «هل هو للإيجاب أو للاستحباب؟»؛ سبحان الله! كيف هذا، كيف نستفصل هذا الاستفصال, والله يقول: و{أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59]؟! افعل ما أمرت: فإن كان على سبيل الإيجاب، فقد أبرأت ذمتك، وإن كان على سبيل الاستحباب، فقد أتيت ما فيه الأجر.

ولا يمكن أن يثبت أحدٌ أن الصّحابة كانوا إذا أمرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بأمرٍ، قالوا: «أهذا على سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب؟».

نعم، إذا أشار عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهنا قد يستفصلون؛ كما جاء في حديث بريرة رضي الله عنها وكانت أمةً تزوّجها رجلٌ يسمّى مغيثًا، فأعتقتها عائشة رضي الله عنها فلما أعتقتها، خيّرها النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- بين أن تبقى مع زوجها، فاختارت فسخ النّكاح، فتمسّك بها زوجها رضي الله عنه وتشبّث بها، وجعل يتابعها في أسواق المدينة يبكي، لعلّها ترجع عن قرارها، ولكنها أبت رضي الله عنها, فأشار عليها النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- أن ترجع إلى زوجها مغيثٍ، فقالت: يا رسول الله، إن كنت تأمرني، فسمعًا وطاعةً، وإن كنت تشير عليّ، فلا رغبة لي فيه.

فهنا يرد السّؤال؛ لأنه لو كان أمرًا لامتثلته، أما إذا كان مشورةً فلها أن تقبل ولها أن لا تقبل.

والمهمّ: أنّي أنصح إخواني -طلبة العلم- إذا ورد عليهم أمرٌ من الله ورسوله، أن لا يستفصلوا؛ كما قال الله عز وجل: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور:51]، وقال عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36].

نعم، إذا تورّط الإنسان بالمخالفة، فحينئذٍ يسأل: إذا كان الأمر للوجوب، وجب أن يحدث توبةً لهذه المخالفة؛ لأن ترك الواجب معصيةٌ، وإذا كان للاستحباب، فالأمر فيه هيّنٌ؛ أما قبل فاجعل صدرك منشرحًا واسعًا لأوامر الله ورسوله، وقل: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور:51]، وافعل؛ هذا هو الذي ينبغي للإنسان الذي يريد تحقيق امتثال أمر الله تبارك وتعالى ورسوله.

وإنّ من المهمّ جدًّا: أن يفهـم الإنسان معاني النّصـوص، ومقتضى الحقائق الشرعيّة، والقرائن المرعية؛ حتى لا يزلّ ويهلك؛ فإنّ من الناس من هو حريصٌ على اتّباع الرّسول -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-، لكن يفعل ما يظنّه صوابًا وليس بصوابٍ, ولهذا أمثلةٌ كثيرةٌ:

منها: ما نشاهد من بعض الناس في الصّلاة حين يقـوم من التّشهّـد الأول: أنه يرفع يديه وهو جالسٌ قبل أن يستتم قائمًا؛ يظنّ ذلك هو السّنة، ولكنّ السّنة خلاف ذلك؛ السّنة: أن لا يرفع يديه إلا إذا قام؛ كما جاء ذلك في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

ومن ذلك أيضًا: فهم بعض الناس أن معنى قول الصّحابة: «كان أحدنا يلزق كعبه بكعب صاحبه، ومنكبه بمنكبه» يعني: في الصّلاة أنه يفرّج بين رجليه حتى تلتصق الكعوب بعضها ببعضٍ؛ والأمر ليس كذلك؛ بل معنى قول الصّحابة: أنهم يتراصّون ويسوّون الصّفوف حتى إنهم يسوّونها بالأكعب؛ فلا يتقدّم ولا يتأخّر على صاحبه؛ ولو كانوا يفرّجون أرجلهم، لقالوا: وكانوا يفرّجون أرجلهم؛ ومن المعلوم: أنك إذا فرّجت رجليك، فسوف يتباعد ما بين المنكبين.

فالحاصل: أن من المهمّ أن نفهم معنى النّصوص.

ثم ليعلم أنّ لاتباع السّنة آثارًا حميدة:

منها: أن الإنسان يعرف أنه اتخذ إمامًا يقتدي به، وهو رسول الله -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ وحينئذٍ ينشأ في قلبه محبّة رسول الله -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ مثال هذا: رجلان توضّآ وضوءًا حسب السّنة، لكن أحدهما يشعر بأنه مقتدٍ بالرسول صلى الله عليه وسلم كأنه ينظر إليه وهو يتوضّأ، والآخر في غفلةٍ عن هذا؛ إذن لكان تأثّر قلب الأول أكبر من تأثر قلب الثاني؛ لأنّ الثاني توضأ على حين غفلةٍ، والأول كان يشعر بأنه متّبعٌ لرسول الله -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-، متأسٍّ به، محتسبٌ قوله صلى الله عليه وسلم: «من توضّأ نحـو وضوئـي هـذا، ثم صلـى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه؛ غفر الله له ما تقدّم من ذنبه».

وكذلك في الصّلاة: كثيرٌ من المسلمين -والحمد لله- الذين يتحرّون العمل بالسّنة، يصلّون على حسب السّنة، لكن يغيب عن بالهم أنهم يتأسّون برسول الله صلى الله عليه وسلم في كلّ حركةٍ وكلّ قولٍ؛ وهذا غفلةٌ؛ لكن لو كان الإنسان حين يصلّي يشعر بأنه متأسٍّ برسول الله -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- وكأنما ينظر إليه وهو يصلّي، لوجد لذلك أثرًا عظيمًا في قلبه.

وليعلم؛ أن التّمسّك بالسّنة من آثاره: أن الإنسان يرفض البدعة؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها»؛ فجعل الإحداث مقابلًا للسّنّة؛ فإذا كان مقابلًا لها، فكلّما اشتدّ تمسّك الإنسان بسنّة النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-، كان ذلك أبعد له من البدعة؛ فتجده يرفض البدعة، ولا يمكن أن يتعبّد لله إلا بشيءٍ قد شرعه الله عز وجل؛ لأنه متبعٌ للسّنّة؛ وهذا من الآثار العظيمة، وهي: نبذ البدع؛ لأنه متمسّكٌ بالسّنة.

 ونبذ البدع وكراهتها من نعمة الله تعالى على العبد، وهو -أعني: نبذ البدعة- كنبذ الشّرك؛ وذلك لأنّ العبادات كلّها لا تتمّ إلا بإخلاص النّية المنافي للشّرك، وإخلاص الاتّباع المنافي للبدعة.

ومن فوائد التّمسّك بالسّنّة وآثاره الحميدة: أن المتمسّك بالسّنة يكون قدوةً ويكون إمامًا، ولا يدخل أحدٌ عليه بخللٍ؛ لأن الذي يقوم بالعبادة تقليدًا لإمامٍ من أئمّة المسلمين: قد يدخل عليه بعض الخلل، وبكل سهولةٍ يمكن أن يقال له: «ما دليلك على هذا؟»؛ لكن المتمسّك بالسّنة لا يستطيع أحدٌ أن يدخل عليه، إذا قال: «ما دليلك؟»، قال: «هذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم» إن كان فعلًا، أو «هذا قوله» إن كان قولًا؛ فهو في حصنٍ حصينٍ؛ لأنه داخل أسوار السّنة المحمديّة».

ومن آثار السّنّة الحميدة: اكتساب الإنسان من أخلاق النّبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث ليتمّم مكارم الأخلاق -صلوات الله وسلامه عليه- وقد جبله الله على أكرم الأخلاق؛ وإذا كان الإنسان متمسّكًا بسنته، فسوف يكون على خلق يحمد عليه، ويقرّبه إلى الله عز وجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكمل المؤمنين إيمانًا: أحسنهم خلقًا».

ومن آثار التّمسّك بالسّنّة المطهّرة: أن الإنسان يكون وسطًا بين الغالي في دين الله والجافي عنه؛ فإن دين الإسلام دين الوسط، لا غلوّ فيه ولا تفريط فيه، بل هو وسطٌ بين هذا وهذا؛ فمتّبع السّنة يكون سيره إلى الله عز وجل بما يتعبّد لله به بين الغالي والجافي، وينزل كل شيءٍ منزلته.

وإنّي ضاربٌ مثلين في هذا الأمر:

المثل الأوّل: معاملة الجاهل بما يليق بحاله.

والمثل الثّاني: معاملة المتعمّد بما يليق بحاله.

مثال الأوّل: أن رجلًا دخل المسجد مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فتنحّى ناحيةً من جوانب المسجد، وجعل يبول في المسجد، فنهاه الناس وصاحوا به، فقال النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تزرموه» -يعني: لا تقطعوا عليه بوله- «دعوه» يعني: دعوه يبول، وزيادة البول زيادةٌ في تلويث المسجد، لكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك حكمةٌ لم يدركها الصّحابة رضي الله عنهم.

فقضى الأعرابيّ بوله، ثم أمر النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يصبّوا على بوله دلوًا من ماءٍ؛ ففعلوا؛ فارتفع المحذور الذي هو تلويث المسجد بالتّطهير؛ أما الأعرابيّ: فدعاه النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- وقال له: «إنّ هذه المساجد لا يصلح فيها شيءٌ من الأذى والقذر، إنما هي للصلاة وقراءة القرآن» -أو كما قال صلى الله عليه وسلم- فقال الأعرابيّ: اللهم ارحمني ومحمّدًا، ولا ترحم معنا أحدًا.

فانظر كيف كانت معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا.

فالمتمسّك بالسّنة يفعل مثل ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لا ينتهر الجاهل ولا يزجره ولا يؤثّمه، ولكن يأتيه بالحكمة.

أما الثاني: فإنّ النبـيّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا عليه خاتمٌ من ذهبٍ، فنزعـه -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- بيده الكريمـة وطرحـه، وقـال: «يعمـد أحدكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيضعها في يده», فتجد الفرق بين معاملة النبيّ صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل ومعاملته للأعرابيّ؛ فلمّا انصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم، قيل للرجل: خذ خاتمك، قال: والله, لا آخذ خاتمًا رمى به النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وفي التّمسّك بالسّنة: ما يدعو إلى الرحمة والعطف واللّين والتّواضع؛ لقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يمازح الصّبيان، ويسلّم عليهم، ويصبر على مخالفاتهم؛ كما فعل في الطّفل الذي كان عنده طائرٌ يسمّى النغير، وكان يلعب به ويفرح به، كعادة الصّبيان، فمات هذا الطائر؛ فكان النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- يمازحه، يقول: «يا أبا عميرٍ، ما فعل النغير؟!»؛ وهذه ملاطفةٌ وممازحةٌ.

وفي يومٍ من الأيام: أتى إليه الحسن بن عليٍّ وهو ساجدٌ يصلّي بالناس، فركب عليه، فتأخر النبيّ صلى الله عليه وسلم في السّجود، فلمّا سلّم أخبر أصحابه أن ابنه ارتحله، وأراد أن يدعه حتى يقضي نهمته.

اللهم صلّ وسلّم عليه.

أفيفعل أحدٌ منا هذا؟! إنه إن فعله، فسوف ينتقده أناسٌ كثيرون، لكن فعله محمدٌ صلى الله عليه وسلم تلطّفًا بالصّبيان وإرضاءً لهم.

كثيرٌ منا لا يتلطّف بالصّبيان، ولا يرحمهم، بل يزجرهم، حتى لو دخل الصّبيّ المجلس على أكمل أدبٍ انتهره وقال: «اذهب إلى أهلك!»، أو ما أشبه ذلك، وإذا قيل له في ذلك؟ قال: «أخشى أن يدرب على الرجال ويلعب».

لا إله إلا الله! قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21].

فالتّمسّك بالسّنة له آثارٌ جليلةٌ حميدةٌ، ولكنّ هذا يتطلب العلم بالسّنة؛ ولهذا أحث إخواني -طلبة العلم- أن يجتهدوا في معرفة سنّة النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ حتى يتمكّنوا من العمل بها، ومن الدعوة إليها؛ فإن ذلك خيرٌ وأبقى.

في أثناء كلامي ذكرت أن التّمسّك بالسّنة يستلزم كراهة البدعة، وطردها، والإبعاد عنها.

وبهذه المناسبة، ونحن الآن في شهرٍ حرامٍ -شهر رجبٍ- كتبت ما تيسّر بالنّسبة لما يقال أو يفعل في هذا الشّهر، أحبّ أن أقرأه عليكم، لعلّ الله أن ينفع به:

1- شهـر رجبٍ أحد الأشهـر الحـرم الأربعـة، وهـي: ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرّم، ثلاثةٌ متواليةٌ، ورجبٌ الفرد بين جمادى وشعبان. ولهذه الأربعة خصائص معلومةٌ تشترك فيها، لا ينفرد بها رجبٌ.

وقد اختلف العلماء: أيّ الأربعة أفضل؟

فقال بعض الشافعيّة: رجبٌ، وضعفه النوويّ، وغيره.

وقيل: المحرّم، قاله الحسن، ورجّحه النوويّ.

وقيل: ذو الحجة، روي عن سعيد بن جبيرٍ، وغيره، وهو أظهر.

هكذا قال في (اللطائف).

قلت: وهو الصّواب؛ لأن ذا الحجّة اجتمع فيه مزيتان: أنه من أشهر الحجّ، وفيه يوم الحجّ الأكبر، وأنه من الأشهر الحرم.

2- شهر رجبٍ شهرٌ يعظّمه أهل الجاهلية، ويحرّمون فيه القتال؛ كسائر الأشهر الحرم.

وقد اختلف المسلمون في تحريم القتال فيها:

فأكثر العلماء رحمهم الله: على أن تحريم القتال فيها منسوخٌ، وأنه يجوز فيه -وفي غيره من الأشهر الحرم- ابتداء القتال، أعني: قتال الكفار؛ لعموم الأدلة في ذلك.

والصّحيح: أنّ ابتداء القتال فيها محرّمٌ، وأمّا إذا قاتلونا، أو كان القتال استمرارًا لقتالٍ ابتدئ في الأشهر الحلال؛ فلا بأس.

3- شهر رجبٍ يعظّمه أهل الجاهلية بالصّوم فيه، ولكن لم يصح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم شيءٌ في صوم رجبٍ بخصوصه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في [الفتاوى (25/290)]: «وأما صوم رجبٍ بخصوصه: فأحاديثه كلّها ضعيفةٌ، بل موضوعةٌ [يعني: مكذوبةٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم]، لا يعتمد أهل العلم على شيءٍ منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات».

إلى أن قال: «صح أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الناس؛ ليضعوا أيديهم في الطعام في رجبٍ، ويقول: لا تشبّهوه برمضان.

ودخل أبو بكرٍ الصّدّيق رضي الله عنه فرأى أهله قد اشتروا كيزانًا للماء، واستعدّوا للصوم، فقال: ما هذا؟! قالوا: رجبٌ، قال: أتريدون أن تشبّهوه برمضان؟! وكسر تلك الكيزان» اﻫ.

وذكر الحافظ ابن رجبٍ في (اللطائف) أثر عمر بن الخطاب بنحو ما ذكر في (الفتاوى)، وزاد فيه: «إن رجبًا كان يعظّمه أهل الجاهلية، فلمّا كان الإسلام ترك».

4- شهر رجبٍ يعظّمه العرب، فيعتمرون فيه؛ لأن شهر ذي الحجّة يحجّون فيه البيت، ورجبٌ نصف السنة من بعد محرمٍ، فيعتمرون فيه؛ ليعمر البيت بالحجاج والعمار عند منتهى العام ونصفه.

قال في (اللطائف): «واستحبّ الاعتمار في رجبٍ: عمر بن الخطاب وغيره، وكانت عائشة تفعله، وابن عمر أيضًا، ونقل ابن سيرين عن السّلف: أنهم كانوا يفعلونه».

5- في رجبٍ صلاةٌ تسمى (صلاة الرغائب)، تفعل في أول ليلة جمعةٍ منه بين المغرب والعشاء، وهي اثنتا عشرة ركعةً، بصفةٍ غريبةٍ، ذكرها الحافظ ابن حجرٍ في كتابه (تبيين العجب بما ورد في فضل رجبٍ).

قال النوويّ في [شرح المهذّب (3/548)]: «الصّلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي ثنتا عشرة ركعةً، تصلّى بين المغرب والعشاء، ليلة أوّل جمعةٍ في رجبٍ. وصلاة ليلة نصف شعبان مئة ركعةٍ.

وهاتان الصّلاتان بدعتان، ومنكرتان قبيحتان، ولا يغترّ بذكرهما في كتاب (قوت القلوب) و(إحياء علوم الدّين)، ولا بالحديث المذكور فيهما؛ فإنّ كل ذلك باطلٌ، ولا يغترّ ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمّة، فصنّف ورقاتٍ في استحبابهما؛ فإنه غالطٌ في ذلك.

وقد صنف الشّيخ الإمام أبو محمدٍ عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسيّ كتابًا نفيسًا في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد، رحمه الله تعالى».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في [مجموع الفتاوى (23/124)]: «صلاة الرّغائب بدعةٌ باتّفاق أئمة الدّين، لم يسنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدٌ من خلفائه، ولا استحبّها أحدٌ من أئمّة الدّين؛ كمالكٍ، والشافعيّ، وأحمد، وأبي حنيفة، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، وغيرهم، والحديث المرويّ فيها كذبٌ بإجماع أهل المعرفة بالحديث» اﻫ.

وقال ابن رجبٍ في (اللطائف): «لم يصحّ في شهر رجبٍ صلاةٌ مخصوصةٌ تختصّ به، والأحاديث المرويّة في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعةٍ من شهر رجبٍ كذبٌ باطلٌ، لا تصحّ».

قال: «وإنما لم يذكـرها المتقدّمـون؛ لأنها أحدثت بعدهـم، وأوّل ما ظهرت بعد الأربـع مئة؛ فلذلك لم يعرفـها المتقدّمون، ولم يتكلمـوا فيها».

وقال الشـوكانيّ في [الفـوائد المجموعة (ص:48)]: «وقـد اتفـق الحفاظ على أنها [يعني: صلاة الرغائب] موضوعةٌ»، إلى أن قال: «فوضعها لا يمتري فيه من له أدنى إلمامٍ بفنّ الحديث»، قال: «وقال الفيروزاباديّ في (المختصر): إنها موضوعةٌ بالاتّفاق، وكذا قال المقدسيّ».

وذكر -أي: الشوكانيّ في الكتاب المذكور- حديثًا في فضل الصّلاة ليلة النّصف من رجبٍ، وقال: «رواه الجوزقانيّ عن أنسٍ مرفوعًا، وهو موضوعٌ، ورواته مجاهيل».

5- في شهر رجبٍ يفد بعض الناس إلى المدينة النّبويّة بزيارةٍ يسمّونها (الرجبيّة)، يرون أنها من السّنن المؤكّدة، ويزورون فيها ما يزورونه من أماكن:

بعضها زيارته مشروعةٌ: كالمسجد النبويّ، ومسجد قباءٍ، وكقبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقبري صاحبيه، والبقيع، وقبور الشّهداء في أحدٍ.

وبعضها غير مشروعةٍ: كالمسجد الذي يقال له مسجد الغمامة، ومسجد القبلتين، والمساجد السّبعة.

وهذه الزّيارة (الرجبيّة) ليس لها أصلٌ في كلام أهل العلم، وكأنها أحدثت أخيرًا، ولا ريب أن المسجد النبوي أحد المساجد التي تشدّ إليها الرّحال، وهي: المسجد الحرام، ومسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، ولكنّ تخصيص هذا بشهرٍ معينٍ، أو يومٍ معينٍ، يحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ، ولا دليل هنا على تخصيص رجب بذلك.

وعلى هذا: فاتّخاذ هذا سنةً يتقرب بها إلى الله تعالى في هذا الشهر بخصوصـه: بدعـةٌ مردودةٌ؛ لقـول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ»، وفي لفظٍ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ» أي: مردودٌ على صاحبه.

6- في شهر رجبٍ كان الإسراء والمعراج في المشهـور عند الناس في العصور المتأخّرة، في ليلة سبعٍ وعشرين، ويقيمون لذلك احتفالاتٍ، وربّما جعلوا يومها عطلةً رسميّةً، وهذا يحتاج إلى إثبات أمرين:

الأمر الأول: من الناحية التّاريخيّة.

الأمر الثاني: من الناحية التّعبديّة بإقامة الاحتفال فيها.

فأما الأول: فقد اختلف العلماء في ذلك.

فذكر ابن كثير في [البداية والنّهاية (3/119-طبعة الفجالة)] عن الزّهريّ وعروة: «أنه كان قبل خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بسنةٍ»؛ فيكون في ربيعٍ الأول.

وعن السّدّيّ: «أنه كان قبل مهاجره بستّة عشر شهرًا»؛ فيكون في ذي القعدة.

وقد أورد الحافظ عبد الغنيّ بن سرورٍ المقدسيّ -في سيرته- حديثًا لا يصحّ سنده: أنه كان ليلة السّابع والعشرين من شهر رجبٍ.

ومن الناس من يزعم أنه كان أول ليلة جمعةٍ من رجبٍ وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصّلاة المشهورة، ولا أصل لذلك، والله أعلم» انتهى كلامه بمعناه، أو لفظه.

وذكر السّفّاريني في [شرح عقيدته (2/280)]: «عن الواقديّ، عن رجاله: أن المسرى والمعراج في ليلة السّبت، لسبع عشرة ليلةً خلت من رمضان، في السّنة الثانية عشرة من المبعث، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا.

وروى -أيضًا- عن أشياخٍ له، قالوا: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من ربيعٍ الأول، قبل الهجرة بسنةٍ.

وادعى أبو محمدٍ بن حزمٍ فيه الإجماع.

وهذا قول ابن عباسٍ، وعائشة، رضي الله عنهم».

ثم ذكـر كلامًا عن ابن الجـوزيّ: أنـه في ربيعٍ الأول، أو رجبٍ، أو رمضان.

وذكر الحافظ ابن حجرٍ في [فتح الباري (7/203- في باب: المعراج، من صحيح البخاريّ]: «أن العلماء اختلفوا فيه اختلافًا يزيد على عشرة أقوالٍ، وذكر منها: أنه قبل الهجرة بسنةٍ؛ قاله ابن سعدٍ وغيره، وجزم به النوويّ، وأنه قبلها بثمانية أشهرٍ، أو ستةٍ، أو أحد عشر، أو سنةً وشهرين، أو سنةً وثلاثةً، أو سنةً وخمسةً، أو ثمانية عشر شهرًا، أو بثلاث سنين، أو بخمس سنين، وقيل: كان في رجبٍ؛ حكاه ابن عبد البرّ، وجزم به النوويّ في (الروضة)» اﻫ.

لكن ذكر بعضهم أنه لم يجده في (الروضة).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقله عنه تلميذه ابن القيّم في (زاد المعاد) أثناء ذكره التّفضيل؛ تفضيل بعض الأيام والشّهور على بعضٍ، فأجاب الشّيخ -شيخ الإسلام-: «أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر؛ فإن أراد أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبيّ صلى الله عليه وسلم -ونظائرها من كلّ عامٍ- أفضل لأمّة محمدٍ من ليلة القدر؛ بحيث يكون قيامها والدّعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر-, فهذا باطلٌ، لم يقله أحدٌ من المسلمين، وهو معلوم الفساد بالاطّراد من دين الإسلام. هذا إذا كانت ليلة الإسراء تعرف عينها؛ فكيف ولم يقم دليلٌ معلومٌ لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النّقول في ذلك منقطعةٌ مختلفةٌ، ليس فيها ما يقطع به، ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظنّ أنها ليلة الإسراء بقيامٍ ولا غيره».

إلى أن قال: «ولا يعرف عن أحدٍ من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلةً على غيرها، لا سيما على ليلة القدر، ولا كان الصّحابة والتّابعون لهم بإحسانٍ يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمرٍ من الأمور، ولا يذكرونها؛ ولهذا لا يعرف أيّ ليلةٍ كانت» اﻫ.

هذا هو الأمر الأول فيما يتعلق بالإسراء والمعراج، وقد تبيّن به أنه لم يثبت تاريخ الإسراء والمعراج في أيّ ليلةٍ، أو شهرٍ، أو سنةٍ.

أما الأمر الثاني: وهو اتّخاذ ليلته عيدًا يحتفل فيها، وتلقى فيها الكلمات، ويقرأ فيها ما هو موضوعٌ أو ضعيفٌ جدًّا في قصّة الإسراء والمعراج: فإنه لا يرتاب أحدٌ في أن ذلك من البدع المحدثة في الإسلام؛ إذا تجرّد من الهوى، وعرف حقيقة ذلك؛ فإن الاحتفال بتلك الليلة لم يكن معروفًا في عهد الصّحابة والتّابعين لهم بإحسانٍ، وليس في الإسلام إلا ثلاثة أعيادٍ: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وهذان عيدان حوليّان، والثالث: يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع؛ وليس في الإسلام عيدٌ سوى هذه الثلاثة.

وليعلم: أنّ حقيقة اتّباع النبيّ صلى الله عليه وسلم هو: «التّمسّك بسنته فعلًا فيما فعل، وتركًا فيما ترك»، فمن زاد عليها أو نقص عنها فقد نقص المتابعة له، لكـن الزّيادة أعظم؛ لأنها تقـدّمٌ بين يدي الله ورسـوله، وتستلزم لـوازم لا يرتاب عاقلٌ فضلًا عن مؤمنٍ في أنها من أعظم الطوامّ، وكفى بالمؤمن كمالًا أن يتعبّد لله تعالى بما شرعه على لسان رسـوله صلى الله عليه وسلم، وكفى بالرّجل نقصًا أن يزيد على ما شرعه الله ورسوله.

فليحذر المؤمن أن يبتدع في دين الله تعالى ما استحسنه هواه؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يحذر من ذلك، ويعلنه في خطب الجمعة، يقول: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ ضلالةٌ»؛ هكذا في (صحيح مسلمٍ)، وفي رواية النسائيّ: «وكلّ ضلالةٍ في النار».

أسأل الله تعالى أن يثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة، ويعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه جوادٌ كريمٌ.

ألقينا هذه الوريقات أثناء محاضرةٍ لنا بعنوان: (التّمسّك بالسّنة وآثاره) في قاعة المحاضرات في الجامعة الإسلامية ليلة الخميس 9/7/1419ﻫ.

وربّما زدنا أو نقصنا أثناء الإلقاء.

قاله كاتبه

محمدٌ الصّالح العثيمين

في 13/7/1419ﻫ

 الأسئلـــة

بسم الله الرحمن الرحيم

جزى الله سماحة الوالد خير الجزاء على محاضرته القيّمة، ونفع الله به وبعلمه الإسلام والمسلمين.

لدينا -في الحقيقة- أسئلةٌ كثيرةٌ جدًّا، ولعلّنا نلقي منها ما يتّسع له الوقت، ونترك بقيّة الأسئلة لسماحة الوالد لعلّه يجد فرصةً فيما بعد للردّ على سائلي هذه الأسئلة.

السّؤال الأول: سؤالي -يا فضيلة الشّيخ- أنني إمام مسجدٍ، ولكنّي لا أصلّي بهذا المسجد؛ وعذري: أن عملي شاقٌّ، والمسجد يبعد عن منزلي بكثيرٍ؛ فما حكم المرتّب الذي آخذه، علمًا بأن هناك الكثير ممن هم على شاكلتي؛ فما هي نصيحتكم لي ولهم؟

الجواب: بارك الله فيه! هذا سؤالٌ مهمٌّ؛ بعض الناس يتولّى رسميًّا إمامة مسجدٍ أو أذان مسجدٍ، لكنه لا يتولاه حقيقةً، يأخذ الراتب، ويقيم بعض الناس بنصف الراتب أو أقلّ، ويستمرّ على هذا.

وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في (كتاب الوقف) من (الاختيارات) أن هذا من أكل المال بالباطل: أن يأخذ الإنسان العمل باستحقاقٍ أكثر، ثمّ ينيب غيره بما هو دونه. وصدق رحمه الله.

وإذا كان يهمل الجماعة ولا يقيم أحدًا عنه، فهو أشد وأشد، فلا يحل له أن يبقى إمامًا في المسجد وهو لا يصلّي فيه، وليتخلّ عنه، والحمد لله يوجد من يقوم بالإمامة سواه.

وبهذه المناسبة أقول: حتى الموظّفون الذين يتخلّفون عن الحضور إما أيامًا وإما ساعاتٍ، تجد بعضهم يتأخر عن الحضور اليوميّ، وأدهى من ذلك وأمرّ: أنه يقيّد حضوره وقت الحضور الرسميّ وهو قد تأخّر ساعةً أو أكثر، ويخرج قبل أن ينتهي الوقت؛ وهذا حرامٌ عليه، وهذا خلاف الأمانة.

إذا قدرنا أن الدوام في الأسبوع يبلغ خمسًا وثلاثين ساعةً، ونقص كلّ يومٍ ساعةً -يعني: كل يومٍ من الحضور ساعةً- فسينقص خمس ساعاتٍ من خمسٍ وثلاثين ساعةً؛ فـما الذي يبيح لـه أن يأخذ راتبه كاملًا؟ ما الذي يبيحه؟! أليس هذا الرجل لو نقص من راتبه درهمٌ من مئةٍ، لطالب به، فكيف لا يطالب نفسه بالوفاء بالدوام؟!

وليعلم: أن الإنسان إذا عوّد نفسه الحزم والحضور في وقته، والخروج عند انتهاء الوقت، سهل عليه ذلك، وإذا عوّد نفسه الكسل صعب عليه أن يقوم بالواجب؛ فقد ثبت عن النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «المـؤمن القـويّ خيرٌ وأحب إلى الله من المـؤمن الضعيـف، وفي كلٍّ خيرٌ؛ احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز؛ فإن أصابك شيءٌ، فلا تقل: لو أنّي فعلت كذا؛ لكان كذا وكذا؛ فإنّ لو تفتح عمل الشيطان»، وفي القرآن الكريم: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين} [القصص:26].

وأين الأمانة في رجلٍ ينام على فراشه حتى تمضي السّاعة والسّاعتان من عمله وهو لا يحضر؟! فالواجب على الإنسان: أن يحاسب نفسه، ويتقي ربه.

السّؤال الثاني: ومضمونه أن طائفًا أحدث في أثناء الطواف، واستمرّ في طوافه وأكمل عمرته، فهل عمرته صحيحةٌ؟

وجوابه: أنّ من العلماء من قال: إن من شرط صحّة الطواف أن يكون على طهارةٍ؛ فعليه: تكون عمرة هذا غير صحيحةٍ، ولا يزال على إحرامه، ويجب من الآن أن يخلـع الثّياب التي عليـه، وأن يلبـس ثياب الإحرام، ويذهب إلى مكة؛ فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصّر.

ومن العلماء من قال: إن الطهارة ليست شرطًا لصحة الطواف؛ وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وعلى هذا: تكون عمرة هذا الرجل صحيحةً؛ لأن طوافه صحيحٌ، وإذا صح طوافه، صحّ سعيه، وتمّت عمرته.

السّؤال الثّالث: جرت العادة في بعض بلاد المسلمين: تلاوة القرآن الكريم في جماعةٍ ختمًا؛ لأجل قضاء بعض الحوائج العاجلة، مثل نيل رتبةٍ أو وظيفةٍ؛ فما الحكم في هذا؟ أفيدوني -بارك الله فيكم-.

الجواب: من المعلوم: أن القرآن كلام الله عز وجل، وأن من قرأه، فله بكـلّ حرفٍ حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها؛ وما يقصـد بـه ثـواب الآخرة لا يجوز أن يقصد به الإنسان ثواب الدّنيا.

ثم من قال: إنّ قـراءة القـرآن تكـون سببًا للحصول على وظيفةٍ، أو على تجارةٍ، أو ما أشبه ذلك؟! فالقـرآن شفاءٌ لكـلّ داءٍ، شفـاءٌ لما في الصّـدور، لأمراض القلـوب، شفاءٌ لأمراض الأجسام أيضًا؛ لكـن هـل ورد أن قراءته سببٌ للرّزق؟! سبب الرّزق تقوى الله عز وجل؛ لقول الله تعالـى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2-3].

فنقول: إن هؤلاء الذين يجعلون قراءة القرآن وسيلةً للرّزق بدون دليلٍ، نقول لهم: أين الدليل على هذا؟! أما تقوى الله؛ فنعم، هي سببٌ للرّزق؛ كما قال الله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2-3].

السّؤال الرّابع: يحتج بعض الناس بأنّ فعل الأكثرين دليلٌ على صحّة العمل، ويحتجّون بحديث: «عليكم بالسّواد الأعظم»، فما رأي فضيلتكم؟

الجواب: هذه الحجّة غير صحيحةٍ؛ لأن الله تعالى قال: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ} إلى من؟ {إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59]، لم يقل: ردّوه إلى الأكثر؛ وليست المسألة مسألة تصويت برلمانٍ وما أشبه ذلك، المسألة: دليلٌ من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالواجب: الرّجوع إلى ما دل عليه الكتاب والسّنة، ولو لم يكن عليه إلا واحدٌ.

وأما: «عليكم بالسّواد الأعظم» فإن صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالسّواد الأعظم هم المسلمـون المتمسّكـون بالحقّ؛ لأن كلمـة «الأعظم» ليست «الأكثر»؛ بل الأعظم منزلةً، والأعظم منزلةً: هو من وافق قوله كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا إن صح الحديث، وأظنّه أثرًا عن ابن مسعودٍ أو غيره.

السّؤال الخامس: ما حكم الإيداع في البنوك؟

الجواب: الإيداع في البنوك: لا بأس به عند الحاجة إليه؛ لأن بعض الناس يحتجّ بأن بقاء الفلوس عنده في البيت على خطرٍ؛ فيضعها في البنوك من أجل أن يأمن عليها.

ولو كانت البنوك لا تتعامل إلا بالرّبا؛ لقلنا: لا تودعه أبدًا لكنها لها موارد أخرى غير الرّبا؛ فيكون ما أودع من الأموال مختلطًا بين الحلال والحرام، وهذا يبيح للإنسان أن يضع عند البنك ما يخشى عليه من الضياع؛ ولكن في هذه الحال: يختار أقل البنوك معاملةً بالرّبا.

ثم إنّي أنبّه على نقطةٍ مهمّةٍ: وضع الأموال في البنوك يسمّيه الناس (إيداعًا)، وليس بصوابٍ؛ لأنّ الوديعة عند العلماء: أن يعطي الإنسان ماله شخصًا يكون عنده أمانةً لا يتصرّف فيه؛ ووضع الأموال في البنوك: يضعها البنك في صندوقه ويتصرّف فيها في البيع والشّراء؛ وهذا عند أهل العلم يسمّى قرضًا؛ ولهذا نصّوا على أن الرجل إذا أودع ماله عند شخصٍ، ثم أذن له بعد ذلك في التّصرف فيه، انقلبت الوديعة إلى قرضٍ؛ والفرق بين الوديعة والقرض ظاهرٌ؛ فإن الوديعة لو تلفت بغير تعدٍّ ولا تفريطٍ من المودع عنده فلا ضمان عليه، والقرض عليه الضمان بكلّ حالٍ.

السّؤال السّادس: كثيرًا ما نسمع هذه القاعدة من بعض المعاصرين، قاعدةٌ يردّدونها دائمًا؛ ألا وهي: لنجتمع فيما اتفقنا فيه، وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه؛ فما مدى صحة هذا القول؟

الجواب: أما الجزء الأول منها: فصحيحٌ أن نجتمع على ما اتفقنا فيه.

وأما الجزء الثاني، ففيه تفصيل: إن كان ما اختلفنا فيه قد دلّ الدليل على أن أحد الجانبين هو الصّواب، وأن هذا الخلاف لا يسوغ فيه الاجتهاد: فإننا لا ندع أحدًا يقول الخطأ دون أن ننكر عليه؛ فمثلًا: لو أن أحدًا خالفنا في العقيدة لا نسكت؛ لأن العقيدة -والحمد لله- أصولها معلومةٌ، وإجماع السّلف الصّالح عليها معلومٌ، فننكر على من خالفنا في ذلك.

أما في المسائل الفقهيّة التي يسوغ فيها الاجتهاد: فهذه نعم، لا يمكن أن ينكر بعضنا على بعض في مسائل يسوغ فيها الاجتهاد؛ لأنك لو أنكرت على المخالف، فهذا يعني أنك ادعيت أن قولك هو الصّواب، وقوله هو الخطأ؛ والاحتمال واردٌ أنك أنت المخطئ، أو أنه هو المخطئ.

ثم إن الإنسان إذا أراد أن يحمل الناس على قوله، ويضلّل من خالفه: فقد تبوّأ لنفسه مكان الرّسالة؛ لأن الرسول هو المعصوم، أما هذا: فاجتهادك لك، واجتهاد غيرك لهم.

لكن المشكلة: أن بعض الناس يتخذ من هذا الخلاف الذي يسوغ ولاءً وبراءً، ويكـره من خالفه، ويذمّه عند الناس، مع أن المسائل يسـوغ فيها الاجتهاد؛ هذا هو الخطأ؛ وهذا الطريق مخالفٌ لطريق الصّحابة؛ فإن الصّحابة رضي الله عنهم يختلفون في أشياء أكبر، ومع ذلك لا يتكلّم أحدهم في أحدٍ ولا يضلّله؛ ولا يخفى على كثيرٍ من الحاضرين قصة الصّحابة حينما رجع النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- من غزوة الأحزاب، وكان ممن شارك الأحزاب بنو قريظة، نقضوا العهد؛ فأتى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يخرج إلى بني قريظة، فندب النبيّ صلى الله عليه وسلم الصّحابة رضي الله عنهم إلى الخروج إلى بني قريظة، وقال لهم: «لا يصلّينّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة»؛ فخرجوا، أدركتهم الصّلاة في الطريق، فمنهم من قال: نصلّي؛ لئلا يخرج الوقت، ومنهم من قال: لا نصلي؛ لأن الرسول -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يصلّين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة»؛ فقومٌ صلّوا، وقومٌ أخّروا؛ ولم ينكر النبيّ صلى الله عليه وسلم على أحدٍ منهم ولا عنّفهم؛ وهم بأنفسهم لم يدخل بينهم خلافٌ في القلوب ولا تضليل بعضهم لبعضٍ.

فالمسائل الخلافيّة التي يسوغ فيها الاجتهاد: لا يجوز للإنسان أن يحمل الناس على رأيه، وإلا لادعى أنه رسولٌ؛ وأما المسائل التي لا يسوغ فيها الاجتهاد -وخصوصًا مسائل العقيدة- فإنه لا يجوز إقرار الخطأ فيها.

السّؤال السّابع: هل يجوز تفسير اسم الله «الشكور» بأنه «الغفور»، وما الفرق بين هذا وبين تفسير الرحمة بإرادة الإحسان؟

الجواب: هذا لا يجوز؛ لا يجوز أن نفسّر (الشكور) -وهو من أسماء الله- بـ(الغفور)؛ لأن الشكور هو: الذي يعطي ويجازي على فعل ما يحمد، وأما الغفور فهو: السّاتر لذنوب العباد؛ فرقٌ بين من يشكر من أطاعه، ومن يغفر لمن عصاه؛ فلا يجوز أن يفسر هذا بهذا؛ لظهور الفرق التّامّ بينهما.

الجزء الثاني من السّؤال: وما الفرق بين هذا وبين تفسير الرحمة بإرادة الإحسان؟

الجواب: الرحمة -أيضًا- لا صلـة لها في مسألة الشكـور والغفور؛ لأن الرحمة معناها: أنه جل وعلا يرحم العباد بجلب النّعم لهم، ودفع النّقم عنهم.

وأما تفسير الرحمة -أعني: رحمة الله- بإرادة الإحسان: فهذا غلطٌ؛ لأن إرادة الإحسان من لوازم الرحمة، وليست هي الرحمة؛ الرحمة: صفـةٌ ذاتيّةٌ لله عز وجل يرحم به من يشاء، ومن آثار رحمته: إرادة الإحسان إلى الخلق.

ولا يجوز أن نفسّر الرحمة بإرادة الإحسان، ولا بالإحسان أيضًا؛ لأن هذه من مقتضيات الرحمة ولوازمها، وليست هي الرحمة.

السّؤال الثّامن: هل يجوز بيع وشراء الحيوانات المنوية من الحيوان الذكر، وإدخالها في الحيوان الأنثى؛ بقصد الإنجاب؟

الجواب: ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن عسب الفحل، يعني: ضرابه؛ وهذا من جنسه، بل هو أبلـغ في النهـي عنه؛ لأن عسب الفحـل قـد يضرّ الفحل، وأما هذا، فإنه لا يضرّ، ولا عبرة بما يفعله من لا يدين بالإسلام؛ لأن هـؤلاء لا يهمّهم شيءٌ؛ فيقال: إن بيع هذه الأشياء مثل عسب الفحل وقد نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عنه.

وأشدّ من ذلك وأنكر منه: أن تباع حيوانات البشر للإنسان الذي لا ينجب لينسب هذا الجنين إليه؛ فإنّ هذا من أكبر الكبائر، والعياذ بالله!

السّؤال التّاسع: ما هو الراجح في أقوال السّلف -رحمهم الله جميعًا- في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على صورته»؛ أفيدوني -جزاكم الله خيرًا-.

الجواب: السّؤال هذا مهمٌّ؛ لا لذات السّؤال، ولكن مهمٌّ من حيث إن الواجب علينا: الإيمان والتّسليم لما جاء في القرآن والسّنة من صفات الله؛ ولا نسأل: كيف؟ ولم؟ لأن السّؤال والتّعمّق في هذه الأمور الغيبيّة قد يهلك به الإنسان؛ فيؤدّي به إلى الإنكار أو التّمثيل.

«إن الله خلق آدم على صورته»، وفي لفظٍ: «على صورة الرحمن»، وهذا اللفظ ثابتٌ في البخاريّ؛ هل الصّحابة رضي الله عنهم سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن المعنى أو قبلوه وسلّموا به؟ الجواب: الثاني لا شك؛ ولم نعلم أن أحدًا من الصّحابة قال: «يا رسول الله، ما المراد بصورته؟!»؛ قبلوه، لكنهم بنوا على أصلٍ عظيمٍ وهو: عدم المماثلة؛ لأن الله تعالى قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير } [الشورى:11].

حتى لو قلنا بثبوت الصّورة: فإننا نجزم بأنها لا تماثل صورة المخلوق، وأن صورة آدم لا تماثل صورة الله عز وجل.

أرأيتم قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن أول زمرةٍ تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر»؛ هل يلزم من قوله: «على صورة القمر ليلة البدر» التّماثل؟! لا يلزم؛ فنحن نؤمن بأن الله خلق آدم على صورته لكن بدون مماثلةٍ؛ للآية المحكمة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير } [الشورى:11].

وقال بعض السّلف: إن المعنى: «على صورته» يعني: أن الله تعالى اختار هـذه الصّـورة في أحسن تقويمٍ، خلـق الإنسان فصـوّره وعدلـه؛ فلا ينبغي لهذه الصّورة التي اعتنى الله عز وجل أن تقبّح أو تضرب.

لكـن القـول الأول أسلم؛ لأن القـول الثاني فيه شيءٌ من التّأويـل؛ فالأخذ بالقول الأول أن الله خلق آدم على صورته على حقيقته، ولكن بدون مماثلةٍ.

السّؤال العاشر: قال بعض العلماء الأثبات رحمهم الله: إن أقوى دليلٍ في ردّ المجاز في القرآن: أن المجاز يجوز نفيه، وليس في القرآن ما يجوز نفيه؛ أشكل عليّ -فضيلة الشّيخ- أن في القرآن أخبارًا، وما أكثرها، والخبر هو ما يصحّ أن تقول لصاحبه فيه: صادقٌ أو كاذبٌ، وليس في القرآن ما يجوز تكذيبه؟ أفيدونا -جزاكم الله خيرًا-.

الجواب: أن معنى قول العلماء الذين فسّروا الخبر بأنه ما يصح أن يقال لقائله: إنه صادقٌ فيه أو كاذبٌ، مرادهم: نفس الخبر، بقطع النظر عن القائل، يعنـي: أنه ما يصـحّ أن يقـال فيه: صـادقٌ أو كاذبٌ؛ باعتبار الخبر نفسـه لا باعتبار المخبر به؛ فمثلًا: خبر الله عز وجل لا يحتمل أبدًا أن يقال فيه: إنه كاذبٌ، وخبر مسيلمة الكذاب الذي ادّعى أنه رسولٌ لا يمكن أن نقول: إنه صادقٌ.

وأما مسألة المجاز في القرآن أو في غير القرآن: فهذا موضع خلافٍ، والخلاف فيه طويلٌ عريضٌ؛ ولكـن يجب أن نعلـم أن الألفاظ قوالب للمعاني، وأن السّياقات هي التي تحدّد المعنى؛ فالكلمة -في مكانها، وفي سياقها- حسب ما يدلّ عليه السّياق بقطع النظر عن لفظها.

وإذا قلنا: بأن هذا هو حقيقة الكلام، زالت عنّا إشكالاتٌ كثيرةٌ؛ لأن القرية -مثلًا- يراد بها أهل القرية، ويراد بها البناء المجتمع؛ فقوله تعالى: {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} [العنكبوت:31]، يراد بها: البناء المجتمع، وفي قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف:82]، المراد بها؛ أهلها. فترى هذه الكلمة في موضعٍ: يجب تفسيرها بأنها البناء المجتمع، وفي موضعٍ: يجب أن تفسر بأنها أهل القرية.

ولا يمكن لأيّ عاقلٍ أن يقول: إن قول أبناء يعقوب لأبيهم {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف:82]، لا يمكن لأيّ عاقلٍ أن يقول: إن معناها يحتمل أن يريدوا أن يذهب يعقوب إلى البنايات والجدران يسألها، لا يمكن هذا.

وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيميّة: أنه لا مجاز في اللّغة ولا في القرآن؛ لأن الكلمة يتحدّد معناها بسياقها، وإذا تحدد معناها بسياقها، صارت حقيقةً في سياقها، وبهذا يزول إشكالٌ كثيرٌ.

ومما استدلّ به القائلون بأن في القرآن مجازًا: قول الله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ} [الكهف:77]، قالوا: والإرادة لا تكون إلّا لذي الشّعور، والجدار لا شعور له؛ هذا على فهمهم.

لكننا نقول: بل الجدار له إرادةٌ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جبل أحدٍ: «يحبّنا ونحبّه»، والمحبة أخصّ من الإرادة؛ ومن يستطيع أن يقول: «لا إرادة للجدار» والله يقول: {يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ} [الكهف:77]؟! إلّا مجرّد فهمٍ فهمه بعض الناس، قالوا: «إن الإرادة لا تكون إلا لذي الشّعور»؛ وحديث: «جبل أحدٍ جبلٌ يحبّنا ونحبّه» يثبت أن للجبل محبّةً.

فإذا قال قائلٌ: بماذا أعرف أن الجدار يريد أن ينقض؟ نقول: بميله، أو تفطّره نعرف أنه يريد أن ينقض.

السّؤال الحادي عشر: هل نفرّق بين أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي فعلها على وجه الجبلة والعادة، وبين أفعاله التي يلزمنا اتّباعه فيها؟ جزاكم الله خيرًا.

الجواب: هذا سؤالٌ مهمٌّ، والحمد لله أهل أصول الفقه بيّنوه تمامًا:

فـما وقـع على وجه الجبلة، وهـو ما يحتاج إليه الجسم؛ فالنوم -نوم الرسول، عليه الصلاة والسلام- هل هو جبلّيٌّ، أو تعبّديٌّ، أو عاديٌّ؟ نجيب: بأنه جبلّـيٌ؛ عطشه وشربه إذا عطش، وكذلك أكله إذا جاع، كلّ هذا تدعو له الفطرة والجبلّة.

لبسه الإزار والرّداء وعمامته هذا عاديٌّ، إبقاء شعر الرأس هذا مختلفٌ فيه؛ بعضهم يقول: إنه تعبّديٌّ، وبعضهم يقول: إنه عاديٌّ، والأرجح: أنه عاديٌّ.

أما ما يظهر فيه قصد التّعبّد فهو تعبّديٌّ؛ وهذا يعلم فيما إذا لم يكن الشيء دعت إليه الجبلة، أو دعت إليه العادة؛ فإن الأصل في أفعاله صلى الله عليه وسلم أنها تعبّديّةٌ.

السّؤال الثاني عشر: «منهج السّلف الصّالح» ماذا تعني هذه الكلمة؟ وما علامة متبع هذا المنهج؟ وهل لا بد من اتّباع هذا المنهج؟

الجواب: «منهج السّلف الصّالح» يعني: اتّباع طريقتهم في العقيدة، في العبادة، في المعاملة؛ فهي عبارةٌ واسعةٌ.

ويمكـن أن نحكـم على كلّ مسألـةٍ بعينـها أنها من منهج السّلف أو مخالفةٌ لمنهج السّلف؛ لكن منهج السّلف هو: طريقتهم في العبادة، والمعاملة، والسّلوك، وما أشبه ذلك.

وعلامة متّبع منهج السّلف: أن يكون متخلّقًا بأخلاقهم، متأسيًا بأفعالهم في أمـور الـدّين والدّنيا، ومن أراد السّلامـة فليتبع منهجـهم الصّالح.

السّؤال الثّالث عشر: ما هـي الوسائل التـي يمكـن بها فهـم السّنة والعمل بها على الوجه الصّحيح؟

الجواب: أولًا: اعلم أن الفهم نعمةٌ من الله عز وجل، ولا يستطيع الإنسان أن يتوصل إليه بكسبٍ؛ فهو فضلٌ من الله عز وجل؛ ولهذا لما قال أبو جحيفة لعليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: «هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ؟» ويريد: هل أوصى إليه بالخلافة، كما اشتهر في ذلك الوقت، قال: «لا، والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة! ما خصنا بشيءٍ إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى أحدًا في القرآن، وما في هذه الصّحيفة»، قال: «وما في هذه الصّحيفة؟»، قال: «العقل -يعني: الدّية-، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلمٌ بكافرٍ».

والناس يختلفون في الفهم اختلافًا عظيمًا؛ ولهذا تجد بعض العلماء يستنبط من هـذا الحديث عشرة أحكامٍ، وبعضـهم أكثر بكثيرٍ، وبعضـهم لا يستطيع أن يستنبط شيئًا.

يذكر أن رجلًا قد حفظ (الفروع) في فقه الإمام أحمد، و(الفروع) كتابٌ كبيرٌ، لكن هذا الرجل لا يعرف حكم أيّ مسألةٍ، ليس عنده فهمٌ؛ وكان أصحابه يخرجون به معهم كنسخةٍ من الكتاب، إذا أشكل عليهم شيءٌ، قالوا: يا فلان، اقرأ لنا الباب الفلاني، أو الفصل الفلاني، فإذا قرأ أخذوا الحكم مما قرأه؛ ففضل الله تعالى يؤتيه من يشاء.

ولكـن من أسباب الفهم: التّمـرّن على الكتاب والسّنـة، والتّدبّـر، ومراجعة كلام أهل العلم الذين سبقوا الإنسان.

السّؤال الرابع عشر: سائلٌ يسأل عن الآثار، والاهتمام بالآثار، وزيارة هذه الآثار، يرغب التّوجيه في هذا -حفظكم الله-.

الجواب: الذي نرى: أن الاهتمام بالآثار إذا كان نافعًا، فلا بأس به، أما إذا كان وسيلةً إلى التّعبّد لله عز وجل بالخروج إلى هذه الآثار، واعتقاد أن لها تأثيرًا؛ فإن الذي ينبغي إزالة هذه الآثار -بل قد يجب- لأنّ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بلغه أن قومًا يخرجون إلى الشجرة التي بايع النبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلم- تحتـها بيعـة الرّضـوان، فأمـر بقطعـها؛ والحمد لله أن الله قطعها على يد هذا الخليفة، لو بقيت إلى الآن ماذا يكون؟! إذن لحج الناس إليها أكثر مما يحجّون إلى الكعبة؛ لأن النّفوس كثيرٌ منها يميل إلى الباطل.

والآثار التي تذكر نوعان:

أولًا: الآثار التي لا أصل لها؛ فمن المعلوم: أن إزالتها هو الخير.

ثانيًا: الآثار التي لها أصلٌ؛ فينظر هل الشرع شرع زيارتها والنظر إليها؛ فهذا خيرٌ؛ وإلا فالخير في تركها.

وأضرب لذلك مثلًا: غار حراءٍ، نزل فيه الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّل ما نزل، لكن هل هو محلّ تعظيمٍ وتعبّدٍ بالصّعود إليه؟ الجواب: لا، أبدًا؛ ولو كان محلًّا للتعظيم، والتّعبّد بالصّعود إليه؛ لكان أول من يفعل ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم.

وكذلك يقال في غار ثورٍ.

السّؤال الخامس عشر: سائلٌ يسأل عن الدعوة في بلاد الكفر، هل هي أفضل من الإقامة بالمدينة أو مكة؟

الجواب: لا شك أن الدعوة إلى الله من أفضل ما يقوم به الإنسان.

والدعوة إلى الله في بلاد الكفر إذا كان لها نتيجةٌ وأثرٌ، فهي أفضل من البقاء في مكّة أو المدينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة إلى الطائف يدعوهم، ولأن الصّحابة رضي الله عنهم لما فتحوا الفتوحات، ذهبوا من مكّة ومن المدينة إلى أماكن الدعوة.

أما إذا كانت دعوته لا تجدي شيئًا، فإن الإقامة في المكان الفاضل أفضل؛ ولهذا لما اختلف العلماء رحمهم الله أيّهما أفضل: أن يقيم الإنسان في مكة أو في المدينة؟ وكلٌّ منهم أدلى بدلوه: قال شيخ الإٍسلام رحمه الله: «الإقامة في موضع يزيد فيه إيمانه وتقواه أفضل».

وبهذا نختم هذا اللّقاء، ونرجو الله أن يكون لقاءً مباركًا، وأن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا؛ إنه على كلّ شيءٍ قديرٌ.

اللهم اجعلنا من دعاة الحقّ وأنصاره

وصلى الله على نبيّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.

رأيك يهمنا