هل القرآن كلام الله؟

تأليف : فاتن صبري

نبذة مختصرة

يُعنى هذا الكتاب بإثبات أنه مهما تعددت وتنوعت الطرق التي يتبعها إنسان في تحليل القرآن، لوصل إلى نتيجة حتمية، وهي أنه لم يقم بكتابة هذا الكتاب لجنة من المفكرين المتميزين، ولا الشياطين، ولا حتى النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

وبما أنه يستحيل على محمد عليه الصلاة والسلام أن يكون كاتبًا للقرآن، فهذا يعني أنه كان صادقًا في حقيقة أن القرآن من عند الله، ومع ثبوت حقيقة كون القرآن وحي من عند الله، فهذا يعني أنه كان نبيًا حقيقيًا. ويجب أن تستحق رسالته الاستماع والاحترام، وقبولها كاملةً من عقيدة وشرائع وأحكام.
وكما يُعنى هذا الكتاب بمخاطبة من أنكر القرآن كاملاً كوحي إلهي، يستهدف أيضًا من يُنكر من بعض المنتسبين للإسلام لبعض الحقائق والأحكام في القرآن بدعوى عدم فهمها أو عدم وملاءمتها لأفكارهم وحياتهم، كالمطالبة بتعطيل أحكام الميراث على سبيل المثال، بسبب عدم الاقتناع بالأحكام القرآنية، والادعاء بعدم ملاءمة هذه الأحكام لزماننا، أو المطالبة بفصل أحكام الدين عن حياة المجتمع.

وعن هذا يقول البريطاني المسلم "بول ويليامز" مستنكرًا:
"العلماني المسلم هو شخص يؤمن بأن الخالق كان قادرًا بما يكفي على خلق قوانين رياضية وفيزيائية عالية الدقة لضبط حركة الأجرام، لكنه لم يكن قادرًا بما يكفي على خلق قوانين تنظم المجتمع الإنساني".

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

أذكر يومًا خلال نقاشي مع منكر لألوهية مصدر القرآن الكريم، أنه أراد بكل ما أُوتي من قوة أن يُثبت أن القرآن كتاب قد أخرجه مجموعة من البشر لهذا الوجود.

حيث قال:

أنا لا أُرجح حتى فكرة أن الشيطان هو كاتب القرآن، والتي يعتقد بها البعض، لأن الشيطان ليس بالسذاجة لكي يُخطأ خطأً فادحًا كذكر آية "ثم كسونا العظام لحما". فقد ثبت علميًا أن اللحم يتكون قبل العظام.

قلت له:

نعم الشيطان ليس ساذجًا، فقط لأنه استطاع أن يلعب بعقول الكثير ويبعدهم عن الحق.

فالقرآن لم يقل أصلاً أن الله خلق العظام قبل خلق اللحم، بل قال غطى العظام باللحم.

قال الله في القرآن الكريم:

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (المؤمنون: 14)

وعلى ذلك فإن معنى لفظة "فكسونا" هو أن اللحم موجود قبل أن يكسو الله العظام به، وإنما الحاصل هو تغطية العظام باللحم. وهو ما يسمى علميًا ب "كسو العظام باللحم".

ومن البلاغة القرآنية أن معنى الستر يتحقق في نفس الوقت، فيزداد الجلد غلاظة وإعتامًا، بعد أن كان شفافًا، وبذلك تتحقق عملية تغطية العظام باللحم وعملية سترها بجعل الجلد معتمًا، متزامنتان في نفس الوقت، وهذا التزامن في الخلق هو ما أقر به العلم وجاء به القرآن. عبر القرآن عن هذا كله بتعبير واحد هو "فكسونا العظام". فتختفي العظام خلف العضلات، وخلف الجلد المعتم ويتحقق المعنى المقصود بالكسوة.

وبناءً على هذه القصة قررت أن أكتب هذا المختصر لأثبت به ألوهية مصدر القرآن. وأدعو الله أن يجعله مصدر هداية للجميع.


يُنكر البعض القرآن كاملاً كوحي إلهي، في حين يُنكر بعض المنتسبين للإسلام بعض الحقائق والأحكام في القرآن بدعوى عدم فهمها أو عدم وملاءمتها لأفكارهم وحياتهم، كالمطالبة بتعطيل أحكام الميراث على سبيل المثال، بسبب عدم الاقتناع بالأحكام القرآنية، والادعاء بعدم ملاءمة هذه الأحكام لزماننا، أو المطالبة بفصل أحكام الدين عن حياة المجتمع.

فيقول الله في القرآن:

…أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة:85)

وعن هذا يقول البريطاني المسلم "بول ويليامز" مستنكرًا:

"العلماني المسلم هو شخص يؤمن بأن الخالق كان قادرًا بما يكفي على خلق قوانين رياضية وفيزيائية عالية الدقة لضبط حركة الأجرام، لكنه لم يكن قادرًا بما يكفي على خلق قوانين تنظم المجتمع الإنساني".

 ما القرآن؟

●       القرآن هو آخر الكتب التي اُرسلت من الخالق. بخلاف الكتب السماوية السابقة فالقرآن لم يكن محتكرًا على فئة أو طائفة معينة دون أخرى، ولا يوجد منه نسخ مختلفة ولم يتم أي تغيير عليه.

●       يؤمن المسلمون بكافَّة الكتب غير المحرفة التي أُرسلت قَبل القرآن (صحف إبراهيم، الزبور، التوراة والإنجيل...وغيرها).

●        يعتقد المسلمون أنَّ الرسالة الحقيقية لجميع الكتب كانت التوحيد الخالص (الإيمان بالله الذي ليس له ولد، ولا يتجسد في صورة صنم ولا حيوان أو بشر، وعبادته وحده بدون قسيس ولا قديس أو وسيط).

●        نص القرآن لا يزال بلغته الأصلية (العربية). إن الخالق يرسل الرسول بلسان قومه، والخالق اختار رسوله محمد ليكون خاتم الرسل، وكانت لغة القرآن بلسان قومه.

●       الترجمات الحالية للقرآن بلغات متعددة والمتداولة بين أيدي الناس، ما هي إلا ترجمة وشرح لمعاني القرآن فقط وليس للقرآن نفسه.

●       وسيلة تَلَقِّي القرآن كانت هي السماع الصوتي من مُرسِل إلى مستقبِل. وهو علم السند المتصل الذي تميزت به الأمة الإسلامية عن بقية الأمم في حفظ كتابها.

●       كتابة النص القرآني في مصاحف ليس هو الأصل، بل الأصل في حماية نصوص القرآن من التحريف هو الحفظ غيبًا. لذلك تستحيل احتمالية تحريف القرآن عقلاً ومنطقًا. فلو تم اليوم حرق كل نسخ القرآن على وجه الأرض، لكان قد تم جمع القرآن في فترة وجيزة من صدور الأطفال قبل الكبار.

●       ترك الرسول القرآن موثق ومدون بأيدي الصحابة لتلاوته وتعليمه للآخرين، وحينما تولى أبو بكر -رضى الله عنه - الخلافة أمر بجمع هذه الصحف لتكون في مكان واحد ويمكن الرجوع إليها.

●       جمع عثمان رضي الله عنه القرآن على حرف واحد هو لسان قريش الذي نزل به القرآن، ورسم المصاحف من غير نقط ولا تشكيل، مما سمح بأنواع من الاختلافات في اللهجات التي لا تخرج عن الرسم، بناء على أصل الرخصة بقراءته بأكثر من لهجة من لهجات العرب.

●       القرآن الكريم قرآن واحد مع اختلاف الطوائف، والقراءات إنما هي لهجات متعددة وطرق مختلفة في الأداء الصوتي لبعض كلمات القرآن التي هي وحي من عند الله لكلمات معدودة ومعروفة في القرآن، ويوجد أصل صحيح للقرآن بكافة القراءات والتي لا تؤدى إلى خلل في المعاني.

●       تعدد قراءات القرآن دليل على أن القرآن كلام الله، لأنه على الرغم من تعددها فإنه لا يؤدي الى تناقض في المضمون. ولا يُقبَل ابتداع قراءة جديدة. ولكل قراءة سند متصل إلى رسول الله، بأسانيد متواترة، لرواة معلومين معروفين بصدقهم. ويستحيل وجود قراءة متواترة تتناقض مع قراءة أخرى، بل تتكامل في معناها.

●        القرآن في متداول أيدي الجميع حيث يُتلى في الصلوات ويُرجَع إليه في جميع الشؤون الحياتية، وهو منهج حياة.

●       المسلمون في جميع أنحاء العالم يَتْلون القرآن كما كان يُتلى في زمن الرسول وأصحابه، دون تغييرٍ أو إضافةٍ أو إزالةٍ لأيِّ حَرْفٍ من حروفه.

قال تعالى:

 إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (القيامة:17)

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9)

 السير وليام موير، مستشرق إنجليزي من آثاره "سيرة النبي والتاريخ الإسلامي" وهو من المراجع التي يعتمد عليها في الجامعات الإنجليزية والهندية، قال:

"إن المصحف الذي جمعه عثمان، قد تواتر من يد ليد، حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر، بل نستطيع أن نقول: أنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق، في النسخ التي لا حصر لها في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع فرق المسلمين المتنازعة، وهذا الاستعمال الجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم حجة ودليل على صحة النص الموجود معنا، والذي يرجع الى عهد عثمان". جمع القران الكريم والطعن الاستشراقي - المجلد 1 - الصفحة 10 - جامع الكتب الإسلامية.

 هل نبي الله محمد هو كاتب القرآن؟

يقول الله مخاطبًا رسوله:

وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (العنكبوت:48)

 هل عرف الرسول القرآن قبل البعثة؟

يقول الله تعالى:

كَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (الشورى:53)

 هل علم الرسول أو قومه بأخبار الأمم المذكورة في القرآن؟

يقول تعالى:

تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (هود:49)

فالنبي محمد عليه الصلاة والسلام لم يكن يعلم كتب أهل الكتاب (التوراة والإنجيل) ولا كان يقرأ وما عاين شيئًا مما أخبر.

 هل القرآن أساطير الأولين؟

لقد ادعى أعداء محمد عليه الصلاة والسلام أن قصص القرآن الكريم ما هي إلا أساطير وخرافات، تشابه ما عند الفرس والهند والروم من قصص وأشعار.

فقال الله:

إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (المطفّفيين:13)

فرد الله عليهم:

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (البقرة:176)

وقال تعالى:

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (الأنعام:25)

وقال تعالى:

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (الأنفال:31)

وقال تعالى مخبرًا:

وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (الفرقان:5)

فكان الرد:

قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (الفرقان:6)

قال تعالى أيضًا:

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ … (الفرقان:4)

 فكان الرد:

...فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (الفرقان:4)

نفهم هنا:

●       لقد كان من العلوم عند الحضارات القديمة الصحيح ومنها الكثير من الأساطير والخرافات. كيف استطاع نبيٌّ أُميّ نشأ في صحراء مقفرة أن ينسخ من هذه الحضارات الصحيح فقط ويترك الأساطير؟

●       اختلاف التشريعات والمعاملات من صلاة وحج وزكاة وغيرها عن تشريعات الكتب السابقة يدحض احتمالية النقل منها.

●       شهادة غير المسلمين بتميُز القرآن عن غيره من الكتب وعدم بشريته واحتوائه على الإعجاز البلاغي والعلمي. وعندما يعترف صاحب عقيدة بصحة العقيدة التي تخالفه لهو أكبر دليل على صحتها.

●       إن التشابه في بعض القصص والأحداث بين القرآن والكتب السابقة دليل على وحدة مصدرها، قبل أن يتم تحريف الكتب السابقة، فتكون هذه القصص من بقايا الحق. على سبيل المثال، عندما يشتري شخصان نفس المنتج من نفس المتجر فهذا لا يدل على سرقة أحدهما من الآخر.

عندما ادعى بعض المشركين أن القرآن قد ساعد بكتابته أحد من المتعلمين الرهبان في ذلك الوقت، كان هذا الشخص من غير الناطقين باللغة العربية. مما يدحض هذا الافتراء تمامًا.

ويخبر الله تعالى:

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (النحل :103)

وقال تعالى:

وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (العنكبوت:48-49)

نفهم مما سبق:

●       القرآن ليس ترجمة لكتب أهل الكتاب، وهذا أمر يعرفه من يعرف هذه الكتب.

●       نزل القرآن بلسان عربي مبين، ولو كان ترجمة عن لغة أعجمية فلا يستطيع أحد من أهل الكتاب نقله الى العربية بهذه الدقة والبلاغة.

●        القرآن عربي فصيح، وكل من امتهن الترجمة بين اللغات يدرك قدر المشاكل التي يقع فيها التعريب والترجمة.

●       القصص القرآني حجة على صدق النبي، وأنه مصدقًا لما قبله من كتاب، إن وجود ما يصدق الكتب الأولى هو دليل على أن القرآن من عند الله. 

●       لم يدع أحد من العرب ولا حتى اليهود– مع شدة تكذيبهم – نسبة هذا القرآن إلى نفسه، ولو كان القرآن من عند اليهود لكان اليهود أسرع الناس في نسبته لأنفسهم.

وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ (طه:133)

القران يقص على أهل الكتاب أمور يعرفونها وأخرى اختلفوا فيها.

إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (النمل:76)

والقرآن فيه بيان حقيقة المسيح.

مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (المائدة:75)

خلق الله تعالى المسيح من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم، فهو تعالى يخلق ولا يلد.

 والقرآن فيه أخبار وأحكام اختلفوا فيها.

قال الله في سورة آل عمران:

"كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93)

علينا أن نفهم أنه:

●       عُرف النبي بصدقه وأمانته، ولُقب بالصادق الأمين.

●       تختلف لغة القرآن وأسلوبه تمامًا عن كلام الرسول في الأحاديث الشريفة. أحاديث النبيّ محمد رغم فصاحتها بعد القرآن، فإنها لا تنتظم في كتاب واحد سلس العبارة مترابط كالقرآن.

●       افتراض أن الرسول لم يكن أميًا وأنه نقل من كتب حضارات أخرى، كالإغريق، الهنود، الفرس والفراعنة، يعني أنه قد فاق أقوى محركات البحث العالمية في كمية المعلومات قياسًا على وقتنا الحالي، وفاق كل البشر في اللغة بحيث صاغ نصوصًا يعجز عن الإتيان بها أي مخلوق.

●       النبي صلى الله عليه وسلم نشأ بين قوم منعزلين بعبادة الأصنام عن أهل الكتاب، وهم النصارى الذين استبدلوا التوحيد بالتثليث إلا القليل منهم. فكيف يتسنى له جمع هذه المعلومات؟

ويبقى التحدي قائمًا: من يشكك في القرآن فليؤلف لنا شيئًا مثله.

وعلينا أن نفهم أيضًا:

●       لم يكن النبي حاضرًا بين من تكلمت قصص القرآن عنهم.

●       لم يكن القرآن مطابقًا للتوراة والإنجيل، وإنما كان مصدقًا ومصححًا للكتب المحرفة عن الأصول لاحقًا.

●       كان النبي أمي، وبعثه الله بين أمة تشتهر بالفصاحة والبلاغة لكنها أمة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة إلا القليل منهم، فلا يمكنه أن يجمع القصص من الشرق والغرب.

 هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (الجمعة: 2)

●       القرآن نزل مفرقًا على رسول الله عن طريق الملك جبريل خلال ثلاثة وعشرين عامًا، في فترات زمنية مختلفة، ومع ذلك فالقرآن بالكامل محكم السرد، متين الأسلوب، وهذا أكبر دليل على أنه كلام الله.

●        لقد سرد القرآن قصص ليست في التوراة ولا في كتب أهل الكتاب. وأعطى القرآن تفاصيل لقصص لا يعرف عنها العرب إلا القليل:

وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (العنكبوت:38)

فكانت مساكنهم شاهدًا عليهم، كما كانت مساكن قوم لوط شاهدًا على ما أنزل الله بهم من عقوبة:

وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) (الصافات: 133-138)

لقد ادعى مشركو قريش أن القرآن هو قول شاعر.

إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (الصافات:35-37)

فيقول الله في سورة 69 الحاقة:

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)

وقال تعالى:

 وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (يـس:69)

ويقول أيضًا في سورة الشعراء:

وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)

نفهم مما سبق:

●       نفى الله تعالى بهذه الآية كون النبي محمد شاعر.

●       كان الرسول أول من يطبق ما يدعو إليه، ويصدق أقواله بالأفعال، وأنه لم يكن يطلب أجرًا دنيويًا على ما يدعو إليه، فعاش فقيرًا كريمًا رحيمًا متواضعًا، وكان أكثرهم تضحية وأزهدهم فيما عند الناس.

●        بالنسبة للعرب، كل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق ينزل بمستوى شعره، ولذلك قيل "أحسن الشعر أكذبه"، إلا ما كان صياغة لحكمة. والقرآن جاء فصيحًا مع التنزه عن الكذب.

●       كل شاعر يحسن كلامه في مجال معين، فإنه يضعف في غير هذا المجال، والقرآن جاء على غاية الفصاحة في كافة المجالات، ترغيبًا كان أو ترهيبًا، زجرًا كان أو وعظًا أو غيرهما.

ففي الترغيب قوله في سورة السجدة:

 فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)

 وفي الترهيب قوله في سورة إبراهيم:

وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ (15-16)

●       كلام العرب لا يخرج عن كونه شعرًا ونثرًا، ولا يعرف العرب غيرهما، وما يذكره بعض العلماء من وجود قسم ثالث وهو " السجع "، وهو داخل في النثر، وليس قسمًا مستقلاًّ.  جاء الله تعالى بالقرآن، وأنزله على نبيه محمد، ولم يكن من ضمن هذه الأقسام، فبهرت كلماته عقول العرب، وأخذ أسلوبه بعقولهم، فتركهم في حيرة، فلا هو بالشعر الذي ينظمونه، ولا هو بالنثر الذي يقولونه.

●       من قال من العرب أنه " شعر " فهو مكابر، يعرف نفسه أنه غير صادق، أو أنه لا يعرف الشعر.

●       لو كان القرآن شعرًا فما الذي منع المشككون به من الإتيان بمثله؟

قال تعالى في سورة المدثر:

إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25 :18)

قال الوليد بن المغيرة عندما سمع القرآن:

 والله لقد سمعت منه كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر.

ماذا عن إمكانية كون شياطين ذكية قد أملت وأثرت على محمد عليه الصلاة والسلام لكتابة القرآن، فأي نوع من الشياطين هذه التي تدعو إلى حسن الخلق، وعبادة الله، وإجلال المسيح وأمه السيدة مريم، التصدق على الفقراء، والتحذير من الشيطان.

كان الباحث الكندي ميلر من المبشرين النشطين جدًا في التبشير بالنصرانية، وكان يحب الرياضيات بشكل كبير، لذلك كان يحب المنطق، فقرر أن يقرأ القرآن بقصد أن يجد فيه بعض الأخطاء التي تعزز موقفه عند دعوته المسلمين للدين النصراني.

يعرف الباحث ميلر بوجود من يقول بأن القرآن كتبته الشياطين، ولكنه وجد في هذا الكتاب الآية من سورة الشعراء:

وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)

وتقول الآية 98 من سورة النحل:

فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)

وهنا تساءل الباحث:

 "هل هذه طريقة الشيطان في كتابة أي كتاب؟ يؤلف كتاب ثم يقول قبل أن تقرأ هذا الكتاب يجب عليك أن تتعوذ مني؟ إن في هذه الآيات رد منطقي على أصحاب هذا الادعاء".

في الواقع الشياطين لا تستطيع أن تؤلف القرآن لأنها مطرودة من رحمة الله، وهذا القرآن فوق مقام البشر من جن وإنس، فلا الجن ولا الإنس تقدر عليه.

قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (الإسراء:88)

وعزل الجن عن السمع وعدم امكانيتهم التكلم بمثله أو استراق السمع من أهل السماء هو دليل أن الرسول ليس ممن تلبسته الشياطين، بل هو يتكلم بكلام رب العالمين الذي نزل به الروح الأمين.

إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)  

هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (الشعراء: 221-223)

 هل الرسول كاهن أو مجنون؟

وقال تعالى في سورة الطور:

فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)

إنه بعمل مقارنة بسيطة بين النبي محمد وأي قسيس أو كاهن في يومنا الحاضر لسوف ندرك صدقه. فقد رفض كل امتيازات عُرضت عليه من مال وجاه أو حتى أي منصب كهنوتي، فلم يكن يسمع لاعتراف أو يغفر ذنوب المؤمنين. بل أمر أتباعه باللجوء مباشرة إلى الخالق.

●       لو كانت نبوة الرسول مزيفة والقرآن من صنعه لنسب الرسول لنفسه صفات إلهية ودعا الناس إلى عبادته، وجعل من نفسه سلطانًا وادعى النبوة في نسله.

●        ليس هناك مصلحة لأي عاقل يرجو لنفسه الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد دعواه؛ ثم تجده بعد ذلك ينسب هذه المعجزات إلى غيره، على حين أنه كان يستطيع أن ينسبها لنفسه، فيزداد بها رفعة، وعظمة شأن.

●       أن الرجل مهما بلغ ذكاؤه ونقاء سريرته، فلن يستطيع أن يأتي بذكر لأحوال الأمم الغابرة، ومسائل العقائد والشرائع، وما في الجنة والنار من النعيم والعذاب، ثم يذكر لنا بعض ما سيقع في المستقبل.

●        لم تذكر أي من المصادر التاريخية جلوس النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي أحبار اليهود، أو رهبان النصارى بهدف الدراسة.

●       مقابلة الرسول بحيرا الراهب والذي أخبر بأن صفات النبي محمد هي المذكورة في الإنجيل كانت قبل النبوة بفترة من الزمن، وكانت قصيرة في وقتها؛ لا يُعقل أن يتلقى فيها كل هذا العلم.

●       مقابلة الرسول بورقة بن نوفل – ابن عم زوجه خديجة رضي الله عنها - بعد النبوة، كانت لأجل اطمئنان خديجة عليه، وورقة كان شيخًا كبيرًا قد أصيب بالعمى، ولم يقابله مرة أخرى، حيث أن ورقة ما لبث أن توفي، مما يدحض دعوى تعلم الرسول منه شيئًا. وقد أكد ورقة بن نوفل على أن الذي يأتي النبي محمد هو ما كان يأتي النبي موسى وأن الله سينصره.

●       لو كان القرآن كلام بشر ما كان يحتوي عتابًا لرسول الله، فالبشر من عاداتهم لا يتقبلون النقد ويدعون الكمال، وما من منهج بشري يلوم فيه صاحبه نفسه أو يعاتبها، بل كل منهج وضعه بشر يحاول أن يوهم نفسه والناس بأنه هو الكمال المطلق. وأن القرآن الكريم لم يحدث فيه تبديل ولا تغيير، ولو حدث ذلك لحذفت منه هذه الآيات التي تتضمن العتاب أو على الأقل حرفت.

فقد عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال له:

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (الكهف:24)

عندما أشاع قوم في المدينة أن الشمس انكسفت لموت إبراهيم ابن النبي، خطب بهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال عبارة كانت بمثابة رسالة لكل من يتبنى خرافات لا تُحصى عن كسوف الشمس حتى يومنا هذا.

قال بكل وضوح وبيان قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا:

"إنَّ الشَّمسَ والقَمَر آيتانِ مِن آياتِ الله، لا يُخسَفانِ لمِوتِ أحدْ ولا لحِياته، فإِذا رأيتُم ذلكْ، فافزَعوا إلى ذِكر الله والصَّلاة"

يؤكد الإسلام على عصمة الأنبياء من الخطأ فيما يُبلغوا عن الخالق، ولا عصمة ولا وحي لقسيس أو قديس، ومن المحرم تمامًا في الإسلام اللجوء لغير الخالق في الاستعانة والطلب، حتى لو كان الطلب من الأنبياء أنفسهم.  والطلب من الخالق عز ومن غيره مذلة.  فهل يُعقل أن يُساوى بين الملك وعامة الشعب بالطلب؟

قال الله:

لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ... (الرعد:14)

وأمر الله رسوله بأن يقول:

قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأعراف:188)

ومن العجب أن يُنسب مثل هذا الكتاب الحكيم إلى غير الله.

وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (الأنبياء:50)

ويؤكد الله تعالى على أن تكذيب الأنبياء من قِبل أقوامهم كان شائعًا، وكأنهم متفقون على التكذيب:

كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (الذاريات: 52-53)

في الواقع فإن اتهام رسل الله بالجنون لا يأتي به إلا من استكبر عن اتباع الحق.

إن دعوة الناس إلى الإيمان بخالق الكون وعبادته وحده مباشرة بدون قسيس ولا قديس، لا يأتي بها إلا عاقل.

 هل القرآن سحر؟

السحر فعل الضعيف، ولا فلاح فيه:

 ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَىٰ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80)

إن معجزة الرسول المتمثلة في القرآن الكريم جاءت من جنس ما اشتهر به العرب من فصاحة وبلاغة، فلو كان سحرًا لحاولوا الإتيان بمثله، كما نرى في قصة موسى عليه السلام في سورة طه:

قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)

ونختم بشهادة عتبة بن ربيعة وهو أحد حكماء ووجهاء مكة البارزين المتعلمين، حيث يروي قصته عند سماع آيات سورة فصلت:

حم (١)‏ تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (٢)‏ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)‏ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ …

إلى أن وصل إلى الآية:

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)

لم يتمالك عتبة نفسه عن عدم السماع، وقد أخذ به الرعب والهلع كل مأخذ، وكاد قلبه ينخلع، وشعر وكأن صاعقة ستنزل عليه في لحظة أو في لحظات، وفي حالة نسي فيها أمر عدائه، ونسي أمر المفاوضات، بل نسي مكانته وهيبته، قام فزعًا وقد وضع يده على فم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أنشدك الله والرحم، أنشدك الله والرحم. ومن فوره قام عتبة يجرُّ ثوبه يتبعثر فيه مهرولاً إلى قومه، لا ينظر خلفه، عيناه زائغتان، أنفاسه متقطعة، حتى دخل على زعماء قريش.

قال بعضهم: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. وحين جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟!

بدأ أبو الوليد عتبة يحكي تجربته، بدأ يتحدث وكأنه أحد الدعاة للإسلام فقال: "ورائي أني سمعتُ قولاً والله ما سمعت مثله قَطُّ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت منه نبأٌ عظيمٌ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. وفي ذهول تام ردوا عليه وقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. فأجابهم برأيه متمسكًا: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم".

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء:107)

في الواقع، لن يعترض على هذه الحدود إلا المجرمين وقطاع الطرق والمفسدين في الأرض لخوفهم على أنفسهم، والتي وُضعت للردع ولعقاب من يقصد الإفساد في الأرض، بدليل أنها تُعطَّل في حالات القتل الخطأ أو السرقة بسبب الجوع والحاجة الشديدة أو الاشتباه.

لنتخيل معًا حاكم قرية يعلن على الملأ:

●       حقوقكم محفوظة.

●       أموالكم أمانة في أعناقنا، وتحت حراستنا المشددة، ومن يقترب منها سارقًا لسوف نقطع يده.

●       أنتم في أعيننا، وحياتكم عزيزة علينا، ومن يقترب منها قاتلاً سوف ننهي حياته.

الآن، ماذا يمكننا أن نُطلق على حاكم هذه القرية؟ هل يمكننا إطلاق لقب وحشي أو بربري عليه؟

 لماذا أحداث القرآن غير مرتبة زمنيًا؟

كثير من يسأل ويقول:

لقد حاولت قراءة القرآن ووجدت الأحداث غير متسلسلة. لماذا القرآن غير مرتب زمنيًا حسب زمن الأحداث تاريخيًا؟ لماذا تحتوي كل سورة على مواضيع ليس لها علاقة ببعضها البعض؟

والإجابة هي:

●       كل سورة من سور القرآن لها محور خاص وهدف رئيسي تتكلم عنه.

●       يذكر الله تعالى القصة التاريخية المناسبة للمغزى الذي اختاره الله للسورة.

●       تأتي القصص المذكورة لخدمة هذا الهدف.

فالقرآن ليس كتاب سرد أحداث تاريخية، بل هو كتاب هداية وشفاء لما في الصدور، فتُذكر القصص فيه لأخذ الموعظة والعبرة.

فعلى سبيل المثال:

إن محور سورة البقرة هو الاستخلاف في الأرض.

فذكر الله تعالى في سورة البقرة قصص مختلفة لشخصيات وأقوام مختلفة لخدمة هذا الهدف.

●       آدم في بداية الخلق، قصة تمهيدية للاستخلاف في الأرض.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً... (30)

●       بني اسرائيل، قصة استخلاف في الأرض فشل أتباعها بتحمل المسؤولية بمعاصيهم.

 يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)

●       نبي الله إبراهيم، قصة استخلاف في الأرض لمن نجح في اختباره.

 وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا... (124)

فالذي يسير على نظام الله الذي اختاره للبشر هو من يتولى مسؤولية عمارة الأرض، والذي يتخلى عن هذا النظام ليس له نصيب من عهد الله.

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ (المائدة:48)

●       لقد وكَّل الله تعالى حفظ التوراة والإنجيل إلى علمائهم ورهبانهم، لكنهم غيروا وبدلوا فيهم حسب الأهواء، وذلك باعترافهم، مع بقاء بعض الحق في هذه الكتب. وقد كانت الكتب السابقة مؤقتة في زمانها، وخاصة أن عهد القرآن قريب من عهد الإنجيل، فليس بينهما سوى ستمائة عام.

إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء (المائدة:44)

●       لم يتكفل سبحانه وتعالى بحفظ الكتب السابقة كما تكفل بحفظ القرآن، وعلم الله أن أصحاب هذه الكتب لن يحافظوا عليها. على سبيل المثال، ولله المثل الأعلى، قد يعلم الوالد طبيعة ولديه اللذان كان اشترى لهما نفس مجموعة القصص المفيدة، فعلم أن الطفل الأول سوف يهمل بحفظها ولن يقرأها، أم الثاني فيقرأ ويحفظ، فأعانه الوالد بتوفير مكتبة منزلية لحفظها ومكتب صغير يستخدمه لقراءة تلك القصص.

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (البقرة:75) 

يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ (المائدة:13)

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (آل عمران:78)

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (البقرة:79)

●       إسناد مهمة حفظ التوراة والإنجيل من التحريف كان اختبارًا لأصحاب هذه الكتب. (هل يقومون بدورهم في حفظ الكتاب؟ وهل يؤمنون بما جاء فيه؟ وهل يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا، أم يصروا على العناد، فيقوموا بالتحريف والكتمان؟

●       كون أن رسول الله محمد خاتم الرسل، فقد أرسل الله معه خاتم الكتب، ليكون الناطق الخالد إلى يوم الدين. فكان من لطف الله أن تكفل بحفظ الإصدار الأخير والشريعة الباقية إلى يوم القيامة، فلم تكن هناك حاجة لحفظ الكتب السابقة، ولو حافظ أصحابها عليها لكان خيرًا لهم. بينما أبدع أهل القرآن في حفظه وصيانته من التحريف، وقد شهد غير المسلمين بذلك.

يقول جان ديفيد بورت مؤلف كتاب: "الاعتذار إلى محمد والقرآن" - كتاب التنظيمات الحضارية في الإمبراطورية الإسلامية، ص111:

"القرآن بعيد للغاية عن كل نقص، بحيث لا يحتاج إلى أدنى إصلاح أو تصحيح، وقد يقرؤه شخص من أوّله إلى آخره دون أن يحسّ بأي ملل".

اتفق أصحاب الديانات الوثنية والملحدين على إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما فيهم أتباع المسيح وأتباع موسى عليهم السلام. وكان خلاصة قولهم أن النبي لم ينزل عليه شيء.

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (الأنعام:92-91)

مع أن قوم نبي الله موسى وقوم نبي الله المسيح كلهم آمنوا بأن الله أنزل على موسى الوصايا، لكن منهم من عاد وأنكر الوحي. 

فأشار القرآن إلى إخفائهم بعض ما يوجد في كتبهم عن الناس، فأخبرهم الله موبخًا لهم بأن هذا الذي جاء به محمد مصدقًا لما عندهم وما أخفوا من كتبهم عن الناس.

والملحدون بطبيعة الحال ليسوا بحاجة لتأييد المنكرين لنبوة محمد من أتباع أنبياء الله موسى والمسيح لهم، لأنهم منكرين في الأصل للوحي المتمثل بكتب أهل الكتاب.

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (القصص:48)

وقد بين الله أن هذا القرآن ليس بمقدور البشر على اختراعه.

حيث قال تعالى في سورة الإسراء:

قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89)

فدليل صدق القرآن أن البشر عجزوا عن الإتيان بمثله، وما ذلك إلا أن الذي أنزله إنما أنزله بعلمه.

لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (النساء:166)

فهذه الشهادة هي تأكيد على عجز الناس عن الإتيان بكتاب مثل القرآن أو حتى بسورة واحدة، سواء كان البشر متفرقين أو مجتمعين، وسواء بقدرتهم أو بالاستعانة بآلهة مزعومة أو جن وبشر.

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (الأحقاف:10-8)

ومن أسلوب القرآن وضع الناس على الحقيقة وتذكيرهم بها.

" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ"

فيأتيهم الجواب في سورة السجدة.

...بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)

فهذا الأسلوب هو بيان للحقيقة التي ينبغي أن يُسلم لها الجميع، لأن عجزهم عن الإتيان بمثله وضعهم أمام خيارين:

الأول: الإيمان به.

الثاني: الكفر به.

قال الله في سورة يونس:

وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40)

وقال:

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ۚ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (إبراهيم:9)

فمن آمن وأصلح فأجره على الله، ومن كفر به فإنه مطالب ببيان سبب كفره.

يجب أن نفهم هنا ما يلي:

●       من المسلمين من هو من أتباع أنبياء الله موسى والمسيح الذين آمنوا بمحمد وصدقوا رسالته واتبعوه.

●       هناك الكثير من أتباع المسيح من هو على الدين الصحيح إلى يومنا هذا، وذلك لأنهم آمنوا بخالق الكون وعبدوه بلا وسيط ولم يعتنقوا التثليث، وآمنوا بالمسيح على أنه بشرًا رسولا. بالإضافة إلى إيمانهم باليوم الآخر، لكن حين سماعهم بقدوم محمد خاتم الأنبياء عليهم الإيمان به مباشرة، واتباع شريعته.

●       من سمع بقدوم خاتم الرسل محمد عليه الصلاة والسلام ولم يؤمن به ولم يتبع شريعته فلن ينجو يوم القيامة حتى وإن كان موحدًا والأمر لله في جميع الأحوال، فشرط الإيمان بمحمد كرسول من عند الله هو شرط أساسي من شروط استكمال العقيدة لدخول الجنة في حال السماع عن قدومه.

●       لا يوجد مصطلح اسمه أديان سماوية، فالدين واحد، وهو الإيمان بخالق الكون وعبادته مباشرة، وهذا دين جميع الأنبياء التي بعثت لجميع الأمم.

●       جميع الأمم اختلف في شرائعها حسب حاجات البشر في كل زمن، فنستطيع أن نقول شرائع سماوية وليس أديان سماوية.

 كسَبْت محمدًا ولم أخسر المسيح

هذه عبارة من العبارات المتكررة التي يرددها من اعتنق دين الإسلام من النصارى عندما يُسألوا عن سبب اقتناعهم بدين الإسلام.

من الشبهات التي أثيرت حول القرآن هي شبهة تعظيم القرآن للمسيح للحث على تعظيم محمد وعبادته من دون الله:

فيرد الله تعالى في القرآن نفسه:

وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) (الزخرف)

من يقرأ القرآن يعرف كيف يعطي القرآن الناس بما فيهم الأنبياء قدرهم ومكانتهم الحقيقية، ولا يغالي في تعظيمهم لدرجة مساواتهم بالخالق، ويدعوهم إلى عبادة الخالق وحده كما عبد هؤلاء الأنبياء الخالق، وليس عبادة النبي نفسه أو أي شيء آخر.

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (يوسف:111)

منذ عهد آدم أبو البشر، كان الخالق يختار الأتقى في قومه كرسول لهم كلما حُرِّفت رسالة النبي السابق وحادوا عن الطريق المستقيم، واختلفوا فيما بينهم بعبادة غير خالقهم، ولتقديم أجوبة شافية لهم على الأسئلة الوجودية التي تدور في خلدهم (مصدر وجودهم والهدف من وجودهم ومآلهم بعد الموت). وكانت خاتم هذه الرسالات متمثلة في القرآن الكريم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ... (النحل: 36)

وقد استخدم الخالق في الآية السابقة صيغة الجمع في الإشارة إلى نفسه للدلالة على عظمته سبحانه وتعالى.

جاء القرآن الكريم بأسمى رسالة في الوجود وهي رسالة جميع أنبياء الله من قبله:

●       الإيمان بأن لا إله إلا الله وحده، الذي ليس له شريك ولا ولد، وهو الخالق والرازق للكون وما يحتويه.

●       اجتناب الطاغوت (الوثنية). بمعنى الالتزام بعبادة الله وحده بدون وسيط، كما فعل الرسول، وليس عبادة الرسول نفسه باللجوء إليه بالطلب، أو جعله إلهًا.

●       اتباع الشريعة التي جاء بها الرسول مناسبة لزمانهم. مع تصديق الرسالات السابقة في أصل التوحيد، ومن ضمن وصايا الرُّسل البشارة بقدوم خاتم النبيين، محمد عليه الصلاة والسلام، والحث على الإيمان به واتباعه لمن أدرك زمانه أو سمع عن رسالته لاحقًا.

●       فعل الخيرات واجتناب السيئات، استعدادًا للقاء الخالق بعد الموت للحساب، ومن ثم الثواب أو العقاب.

كما أنَّ العديد من الأنبياء والرُّسل الذين أرسلهم الخالق للأمم المختلفة، ذُكرت أسمائهم في القرآن الكريم (مثل المسيح، موسى، إبراهيم، نوح، داود، سليمان، إسماعيل، إسحاق ويوسف، إلخ....)، هناك آخرون لم يُذكروا. فليس من المستبعد كون أصل بعض الرموز الدينية المقدسة في الديانات الوضعية أنبياء قد عبدتهم أقوامهم وقدستهم على مر الزمن من دون الله. كما فعل قوم نبي الله نوح عندما قدسوا وعبدوا الصالحين منهم.

وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ... (النساء :164)

يظن البعض أن من لا يؤمن بالقرآن لا يستدل عليه بالقرآن لأنه لا يؤمن به أصلاً، وهذا صحيح إن كنا نستدل عليه بوجوب أمر بلا حجة لمجرد ورودها في القرآن، ولكن الأمر هنا مختلف. فالقرآن يقص القصص ويضرب الأمثال والعبر، ويبرهن صدقه بطريقة امتازت بالآتي:

 السهولة والوضوح

فلا يلزم الإنسان شهادة جامعية ولا حتى دراسة ابتدائية كي يستوعب ما أراد الله أن يلفت انتباهه إليه من أدلة يستوعبها، ولا يحتاج لمن يحل له ألغازها.

قال تعالى:

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (القمر:22)

وقال:

وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (النور:34)

وقال تعالى أيضًا:

هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (الحديد:9)

 الفصاحة والبلاغة

قال تعالى:

وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) (الشعراء)

وقال:

بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) (البروج)

اشتمال القرآن على:

 أكمل الأحكام التي تنظم علاقة الإنسان بخالقه وبمن حوله.

علاقة الإنسان بخالقه. (عقائد وعبادات).

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (الكهف:110)

علاقة الإنسان بنفسه. (مأكل وملبس وأخلاق).

علاقة الإنسان بالإنسان. (عقود ومعاملات).

عندما قال القرآن الكريم في سورة البقرة -43:

(وأقيموا الصلاة).

قال أيضًا في سورة المائدة -2:

(أوفوا بالعقود).

وعندما قال في سورة البقرة -43:

(وآتوا الزكاة).

قال أيضًا في سورة التوبة-4:

(وأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم).

وهو ما يعبر عن السياسة الخارجية.

وعندما قال محمد صلى الله عليه وسلم:

(خذوا عني مناسككم).

تحدث أيضًا عن الاقتصاد والملكية العامة. 

حيث قال:

(الناس شركاء في ثلاثة: النار والماء والكلأ).

 أحسن القصص.

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (يوسف:3)

أحسن الآداب.

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) ‏فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (النور:27-28)

أكمل المواعظ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ  رَّحِيمٌ (١٢)‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) (الحجرات)

أحسن الحكم.

 ...إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (القصص:26)

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (إبراهيم: 24-25)

إن استخدام أسلوب القرآن الذي جاء أصلاً لتصحيح المفاهيم الخاطئة ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، هو الطريقة المثلى في خطاب غير المسلمين.

بخلاف طريقة البشر الذين يستخدمون مصطلحات مختلفة، ويملكون عقليات مختلفة، فتضيع المفاهيم الصحيحة عن الكون وخالقه ودينه الصحيح بين هذه المصطلحات والمفاهيم.

●       إن من تيسير رب العالمين لقراءة القرآن، أن الذي لا يتكلم العربية يقرأ القرآن بصوت جميل.

●       أن الذوق البشري بفطرته النقيَّة يستمتع بالقرآن، كما نشاهد هذا الحال عند سماع كثير من غير المسلمين للقرآن.

●       إن كثيرًا من البشر الذين يطلبون تطبيق الْمُثُل العُليا في علمهم وعملهم، وضعوا نظريات أخلاقية وعلمية، منها ما هو صالح ومنها غير ذلك، وهم في اضطراب دائم بحكم عملهم البشري، غير أن ما توصلوا إليه من حقائق علمية، والذي يتفق على صحته العلماء، ويُشِيدون به ويذكرونه على أنه آخر صيحات العلم الحديث، يفاجؤون بأن القرآن قد ذكره منذ قرون عديدة.

●        عندما يرى غير المسلمين آيات الله الباهرة في القرآن المعجز ينقسمون فريقين: فريق يُؤمن بالله ربِّ العالمين، وآخر يعرف نعمة الله ثم يُنْكرها.

●       من بلاغة أسلوب القرآن هو التزام جانب الإيجاز بقدر ما يتَّسع به جمال اللغة، فالكلمة التي تقرأ على وجهين أو أكثر يكون لكل قراءة معنى مقبول يزيد المعنى ويُثريه، مما يجعله يقوم مقام تعدد الآيات. وينتقل القرآن بسلاسة من وصف للأحداث إلى سرد للقصص، ومنها إلى تشريع.

●       مع كثرة آيات القرآن وسوره فإنه خال من الاختلاف والاختلال.

 التحدي والإعجاز

من ادعاءات من أنكر وجود خالق للكون كان إنكار الوحي المتمثل بالقرآن الكريم، فتحداهم الخالق سبحانه بأن يأتوا بمثله فقال:

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (هود:13) 

أَمْ يَقولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (الطور: 34-33)

 ولما عجزوا عن الإتيان بعشر سور، تحداهم الله بأن يأتوا بسورة واحدة فقط.

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (يونس:38)

 فلما عجزوا عن جميع ذلك، صرح القرآن بهذا العجز، وأثبت التحدي، وذلك في قوله عز وجل قال تعالى:

قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (الإسراء:88)

 الأسلوب الوصفي التصويري

أسلوب القرآن في القصص يجعل السامع كأنه يعيش القصة بتفاصيلها:

قال تعالى:

ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (يوسف:102)

وقال تعالى:

وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (القصص:44-46)

يستعمل القرآن الكريم الأسلوب الوصفي التصويري لتقريب المعنى إلى الأذهان، ومرةً يستخدم أسلوب الترغيب والترهيب بأسلوب الشدة أو اللين في الخطاب، ومرةً أخرى يُذكر بالبعث والحساب، وأخرى يضرب الأمثلة ليتضح المقصود، وأيضًا يعرض الحجج المزعومة المنكرة لوجود الله ويبطلها بأدلة مقنعة.

وهذا مما امتاز به أسلوب القرآن، فهو يرسم في ذهن السامع صورًا يعرفها ويوقن بها، ويتعرف بها على ما لا يعرف، فيجد نفسه داخل الحدث موقنًا بصدق الخالق عز وجل فيما أخبر.

قال تعالى:

وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (فصلت:39)

وقال:

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (الأعراف:57)

وقال أيضًا:

اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الروم:50-48)

 خطاب الفطرة 

إن أول ما انطلق منه القرآن الكريم في رده على من ينكر وجود الخالق هو التأكيد بداية على حقيقة أساسية مفادها أن النفس البشرية مفطورة على معرفة بارئها بالفطرة السليمة التي خُلقت عليها، وهي معرفة خالقها والشوق إلى التواصل المباشر معه، وأن هذه الفطرة أبدية لا تتبدل.

كل مولود يولد على فطرته الصحيحة عابدًا لله بدون وسيط (مسلم)، فهو يطلب من الخالق العفو مباشرة، ويحمد الخالق على النعم مباشرة، ويستغيث بالخالق عند المصائب مباشرة. فهو دون تدخل الأهل يعبد الخالق مباشرة، حتى سن البلوغ، فيصبح محاسبا على أعماله، فحينها إما أن يأخذ المسيح وسيطًا يطلب من خلاله من الخالق العفو والغفران على سبيل المثال ليصبح نصرانيًا، أو أن يتخذ بوذا وسيطًا ليصبح بوذيًا، أو كريشنا ويصبح هندوسيًا، أو أن يتخذ محمدًا وسيطًا ليحيد عن الإسلام تمامًا، أو أن يبقى على دين الفطرة عابدًا للخالق وحده. فلو توجه الجميع مباشرة للخالق لتوحدت البشرية.

قال تعالى في سورة الروم:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)

قال رسول الله:

"ما مِن مَولودْ إلا يُولَد على الفِطرة، فَأبواه يُهَودانه أو يُنَصرانه أو يُمَجسانه" (رواه البخاري ومسلم).

إنه يكفي لأن نقول بين الجماهير من أصحاب الديانات: الخالق إله واحد، لأجابوا بصوت واحد: نعم، نعم الخالق واحد. لكنهم قد يختلفون وقد يذبح بعضهم البعض على نقطة واحدة وهي: الصورة التي يتجسد بها الخالق. فمنهم من يقول: الخالق واحد، لكنه يتجسد في ثلاثة أقانيم أو له ولد، ومنهم من يقول: يأتي الخالق بصورة حيوان أو صنم.

فالإسلام ليس توحيد الربوبية فقط (الإيمان بإله واحد)، بل وتوحيد الإله في العبادة (توحيد الألوهية بمعنى عبادته وحده). إن الإيمان بإله واحد موجود في ديانات كثيرة، وكان موجود في عقيدة كفار قريش (قوم النبي محمد) أيضًا؛ فعندما سُئلوا عن سبب عبادتهم للأصنام قالوا: لتقربنا إلى الله زُلفى، فهم لا يُنكرون وجود الله.

قال الخالق:

...وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ... (الزمر:3)

وكان ذلك كله بسبب الجهل بالمفهوم الحقيقي للخالق، مما أدى إلى تشويش الأذهان وبالتالي اللجوء إلى الإلحاد، والتساؤل عن أسباب وجود الخالق وغيرها من الأسئلة المشككة بوجوده.

الخالق خلق قانون السببية، فلا يخضع له، بمعنى أنه قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته. لذلك فهو لا يتغير، ولا يمر بنفس المراحل الزمنية التي نمر بها من خلال خضوعنا للوقت، ولا يتعب، ولا يحتاج إلى وضع نفسه في شكل مادي.  فلا يمكننا رؤيته، لأننا محاصرون في الزمان والمكان. فعلى الشخص الذي يجلس في غرفة بلا نوافذ مثلاً، مغادرة الغرفة لرؤية ما في الخارج.

ومع أن الخالق فعالٌ لما يريد وله طلاقة القدرة، فيجب أن نُسلّم أيضًا بأنه لا يفعل ما لا يليق بجلاله، تعالى عن ذلك علوًا كبيرا.

ولله المثل الأعلى: فعلى الرغم من استطاعة رجل دين ذو منزلة رفيعة الخروج إلى الملأ عاري الجسد، فإنه لا يفعل ذلك، لأن هذا التصرف لا يليق بمكانته الدينية.

 خطاب العقل

سار القرآن الكريم في إثبات وجود خالق للكون، وتوضيح العقيدة وترسيخها في النفوس طريقًا عقليًا متناسقًا ومتناغمًا مع الخطاب الفطري ومكملاً له.

فيجيب القرآن في سورة الطور على من أنكر وجود خالقه:

أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (الطور:35-37)

 الدعوة إلى التفكر

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (فصلت:53)

التفكر في النفس:

وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (الذاريات:21) 

التفكر في الكون:

أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (الأعراف:185) 

وقال:      

أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (النحل:48) 

التفكر في مخلوقات الكون:

أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)‏ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)‏ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)‏ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (٢١)‏ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ… (الغاشية 17:21)

 تحدي الأخطاء

يقول الدكتور جاري ميلر (عبد الأحد عمر) عالم الرياضيات واللاهوت المسيحيِ ومبشِّر سابق في كتابه "القرآن المذهل":

" أن كل مؤلف يبدأ كتابه بالاعتذار عن الأخطاء التي وقعت في كتابه، ولا يوجد مؤلف في العالم يمتلك الجرأة ويؤلف كتابًا ثم يقول: هذا الكتاب خالٍ من الأخطاء، ولكن القرآن على العكس من ذلك يبدأ في سورة البقرة بتحدي خلوه من الأخطاء".

ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (البقرة:2)

وينطبق حال التأليف على جميع الكتب المقدسة لأصحاب العقائد الأخرى فيما عدا القرآن، فعلى سبيل المثال:

العهد القديم تعاقَبَ عليه كثير من الكتبة، كان آخرهم كاتب خاتمة سفر المكابيين الثاني [15/39 – 40] ـ وهو آخر أسفار العهد القديم الكاثوليكي ـ الذي قال:

" إن كنت قد أحسنت التأليف وأصبت الغرض، فذلك ما كنت أتمنى، وإن كان قد لحقني الوهن والتقصير فإني قد بذلت وسعي، ثم كما أن شرب الخمر وحدها أو شرب الماء وحده مضر، وإنما تطيب الخمر ممزوجة بالماء وتعقب لذة وطربًا، كذلك تنميق الكلام على هذا الأسلوب يطرب مسامع مطالعي التأليف".

أما عن العهد الجديد فهي مجرد قصص مكتوبة، يقول لوقا في مقدمة إنجيله [1/1-4]:

"كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلَّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة، رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحة الكلام الذي علمت به".

وهذا النص يُبيِّن:

– أن كثيرًا من الناس قاموا " بتأليف" قصص عن (سيرة حياة) يسوع، تحمل " وجهة نظرهم" لتلك السيرة.

– هدف ما قام به لوقا، كتابة رسالة إلى صديقه " ثاوفيلس"، وذلك "لتعرف صحة الكلام"، أي ليس لهدف إلهي ديني.

– تصريح لوقا أنه لم يرَ المسيح ولكنه ناقل.

قال تعالى:

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (النساء:82)

يقول جاري ملير بعد قراءة هذه الآية من سورة النساء:

 "من المبادئ العلمية المعروفة في الوقت الحاضر هو مبدأ إيجاد الأخطاء، أو تقصِّي الأخطاء في النظريات إلى أن تثبت صحتها، والعجيب أن القرآن يدعو المسلمين وغير المسلمين إلى إيجاد الأخطاء فيه منذ 14 قرنًا".

 إظهار خفايا الصدور

يقول الباحث ميلر في كتابه "القرآن المذهل"، أنه كان يتوقع أن يجد القرآن كتابًا قديمًا مكتوبًا منذ 14 قرنًا يتكلم عن الصحراء، لكنه اكتشف أن هذا الكتاب يحتوي على أشياء لا توجد في أيِّ كتاب آخر في هذا العالم. ومن القصص التي أبهرت الدكتور ميلر ويعتبرها من المعجزات، هي قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي لهب.

يقول ميلر:

"هذا الرجل أبو لهب كان يكره الإسلام كرهًا شديدًا، وقبل 10 سنوات من وفاة أبي لهب نزلت سورة في القرآن اسمها سورة المسد، وفيها تقرر أن أبو لهب سوف يذهب إلى النار، أي بمعنى آخر أن أبو لهب لن يدخل الإسلام. وخلال عشر سنوات كاملة كل ما كان على أبي لهب أن يفعله للقضاء على دعوة محمد هو أن يأتي أمام الناس ويقول: "محمد يقول إني لن أسلم وسوف أدخل النار، ولكني أعلن الآن أني أريد أن أدخل في الإسلام وأصبح مسلما". لكن أبو لهب لم يفعل ذلك ولم يسلم ولم يتظاهر حتى بذلك، بينما كانت لديه الفرصة أن يهدم الإسلام بدقيقة واحدة، وهذا دليل أن هذا ليس كلام محمد، ولكنه وحي ممن يعلم الغيب ويعلم أن أبا لهب لن يسلم، وإلا كيف لمحمد أن يعلم ذلك ولكي يضع شخص ما هذا التحدي الخطير فهذا ليس له إلا معنى واحد، وهو أن هذا الكلام وحي من الله".

 التنبؤ بالمستقبل

كقوله تعالى في سورة الروم:

ألم (١)‏ غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)‏ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)‏ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)‏ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)

وقد تحقق هذا الوعد بانتصار الروم كما جاء في الآية تمامًا.

 تحدي المعلومات

يقول ميلر:

"بدون أدنى شك يوجد في القرآن توجه فريد ومذهل لا يوجد في أي مكان آخر، وذلك أن القرآن يعطيك معلومات معينة ويقول لك: لم تكن تعلمها من قبل".

ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ  (آل عمران: 44)

 تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (هود: 49)

يقول جاري ميلر:

" لا يوجد كتاب مما يسمى بالكتب الدينية المقدسة يتكلم بهذا الأسلوب، لأن كل الكتب الأخرى عبارة عن مجموعة من المعلومات، ودائمًا تخبرك إذا كنت تريد المزيد من المعلومات يمكنك أن تقرأ الكتاب الفلاني أو الكتاب الفلاني لأن هذه المعلومات أتت منه. بعكس القرآن الذي يمد القارئ بالمعلومة ثم يقول لك هذه معلومة جديدة بل ويطلب منك أن تتأكد منها إن كنت مترددًا في صحة القرآن بطريقة لا يمكن أن تكون من عقل بشر. والمذهل في الأمر هو أهل مكة في ذلك الوقت ومرة بعد مرة كانوا يسمعونها ويسمعون التحدي بأن هذه معلومات جديدة لم يكن يعلمها محمد صلى الله عليه وسلم ولا قومه، بالرغم من ذلك لم يقولوا هذا ليس جديدًا بل نحن نعرفه، أبدًا لم يحدث أن قالوا: نحن نعلم من أين جاء محمد بهذه المعلومات".

 توافق القرآن مع العلم الحديث

نظرية الانفجار الكبير:

توقف ميلر عند بحثه في القرآن، عند الآية 30 من سورة الأنبياء:

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ

يقول ميلر: "إن هذه الآية هو بالضبط موضوع البحث العلمي الذي حصل على جائزة نوبل عام 1973م، وكان عن نظرية الانفجار الكبير، والتي تنصُّ على أن الكون الموجود هو نتيجة انفجار ضخم حدث منه الكون بما فيه من سماوات وكواكب، والرتق هو الشيء المتماسك في حين أن الفتق هو الشيء المتفكك. لا يعقل أن يتوصل محمد في الصحراء إلى هذه الحقيقة العلمية قبل 14 قرنا إذا لم يخبره الله بذلك".

الماء المكون الأساسي للخلية:

في الجزء الأخير من نفس الآية وهو الكلام عن الماء كمصدر للحياة، يقول الدكتور جاري ملير:

"إن هذا الأمر من العجائب، حيث إن العلم الحديث أثبت مؤخرًا أن الخلية تتكون من السيتوبلازم الذي يمثل 80٪ منها، والسيتوبلازم مكون بشكل أساسي من الماء، فكيف لرجل أمِّيٍّ عاش قبل 1400 سنة أن يعلم كل هذا لولا أنه متصل بالوحي من السماء؟!".

نختم بشهادة المستشرق الألماني "د. شومبس"، نقلًا عن كتاب بالقرآن أسلم هؤلاء (ص 49)، والذي يقر بها بألوهية مصدر القرآن وبصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال:

"... وربما تعجبون من اعتراف رجل أوروبي مثلي بهذه الطريقة، فقد درستُ القرآن فوجدت فيه تلك المعاني العالية، والأنظمة المحكمة، والبلاغة الرائعة التي لم أجد مثلها قط في حياتي، جملة واحدة منه تغني عن مؤلفات، هذا ولا شك أنه أكبر معجزة أتى بها محمد -صلى الله عليه وسلم- عن ربه".

كنت قد استمعت مرةً[1] لتلخيص يدحض الشبهة التي تقول: أن محمدًا هو كاتب القرآن، وقد أعجبني كثيرًا حيث يقول:

القرآن كتاب يتكون من 600 صفحة. يغطي مواضيع عديدة ومتنوعة. أوحى به الله تدريجيًا لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – خلال 23 سنة.

فإذا كان القرآن من صنع بشر، لظهرت به العديد من المشاكل.

إذا قام إنسان بكتابة كتاب مثل القرآن، ثم ادعى أنه وحي من عند الله فيجب أن:

●       يكون خاليًا من الأخطاء.

●       ألا يناقض الكتاب نفسه.

●       يبقى محفوظًا بلا تغيير أو تحريف.

●       تبقى رسالته متناغمة باستمرار لمدة 23 سنة.

●       تبقى قواعد الصرف بلا تغيير.

●       يبقى الأسلوب كما هو.

إذا لم يكن القرآن من عند الله، فعلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام أن يكتبه شخصيًا.

هذا يعني أنه في وسط الصحراء العربية مع عدم توفر كتب تاريخية، ناهيك عن كونه أمي لا يقرأ ولا يكتب، يجب أن يكون بارعًا في:

الحقوق المدنية. القوانين الجزائية. حقوق الأُسرة. قانون العمل. القوانين العسكرية. قانون النزاعات الشخصية.

قانون العقارات. قانون المالية. التاريخ.

ومع انعدام الكتب التاريخية، ووجود شبه منعدم للمسيحية في مكة، وجب عليه أن يعرف:

●       قصص وأحداث الرسل الذين جاءوا قبله.

●       قصص الأمم السابقة.

●       الممارسات الدينية للديانات الأخرى.

يجب أن يكون ملمًا بهم بالقدر الكافي، ليتمكن من إضافة تفاصيل ومعلومات إضافية غير موجودة حتى في كتب الديانات الأخرى.

يجب عليه أن يعرف:

كيفية تنظيم دولة أو حكومة. أسس العبادة والطهارة. إرساء قوانين غذائية. علم النفس. تربية الأطفال. التحكيم. توزيع الثروات. المالية والأعمال. العلوم. علم الأجنة. علم المحيطات. حركة الصفائح التكتونية. تشكل السحب. الأشعة فوق البنفسجية. النباتات. الجبال. النحل. الدماغ البشري. الانفجار العظيم. التوسع الكوني.

ولكي يكتمل الكتاب، يجب أن يشمل:

●       معرفة المستقبل، حتى يتمكن من كتابة أحداث ستقع في السنوات القادمة.

●       وجب عليه أن يسافر عبر الزمن ليتمكن من إدراج اسمه ونبوءة قدومه في الكتاب المقدس.

إذا ادعى أن الكتاب الذي كتبه هو وحي من عند الله:

●       يجب أن يخلو تمامًا من أي تناقض، ولا من أي معلومة خاطئة.

●       يجب أن يخفي مشاعره وتفاصيل حياته الشخصية عن الكتاب.

●       لا ينبغي أن يعكس الكتاب الأوقات السعيدة أو الأوقات الحزينة في حياته.

●       لا ينبغي أن يتسم النص بالفرح أو بالتفاؤل، ولا بالحزن أو التشاؤم كما لو كتبه إنسان.

لكنك عندما تقرأ القرآن كاملاً:

فإنك لن تشعر بردة فعله ومشاعره عند وفاة زوجته. ولا عند زواج بناته. ولا عند ولادة أحفاده. ولا عندما كان منتصرًا أو مهزومًا.

ومن يقوم بتفحص القرآن يتضح له تمامًا أنه من المستحيل على رجل عاش في الصحراء قبل 1400 عام قد استطاع كتابة مثل هذا الكتاب.

ولو كان هناك لجنة من المتميزين، أو جمعية سرية مكلفة بتصحيح القرآن وتحديثه وإعادة كتابته على مر السنين، والتأكد من دقته، وعدم احتوائه على أخطاء أو تناقضات، وتحديثه باستمرار ليكون متوافقًا مع العلم والتطور. إذا كان هذا هو الحال، لكانت هناك نسخ أخرى من القرآن، بسبب التغييرات والتعديلات، مما يؤدي إلى ظهور نسخ جديدة منقحة مع وجود النسخ القديمة المحتوية على أخطاء. ولكان من المستطاع اكتشاف أنماط الكتابة المختلفة وتأثيرات المؤلفين المختلفين.

فمهما تعددت وتنوعت الطرق التي يتبعها إنسان في تحليل القرآن، لوصل إلى نتيجة واضحة، وهي أنه لم يقم بكتابة هذا الكتاب لجنة من المفكرين المتميزين، ولا الشياطين، ولا حتى النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

إذًا، إذا لم يكتب القرآن رجل، ولم تعدله لجنة. وبما أنه يستحيل على محمد عليه الصلاة والسلام أن يكون كاتبًا للقرآن، فهذا يعني أنه كان صادقًا في حقيقة أن القرآن من عند الله، ومع ثبوت حقيقة كون القرآن وحي من عند الله، فهذا يعني أن محمدًا عليه الصلاة والسلام كان نبيًا حقيقيًا. ويجب أن تستحق رسالته الاستماع والاحترام، وقبولها كاملةً من عقيدة وشرائع وأحكام.


كتب المؤلف

-         الرسالة الحقيقية للمسيح عليه السلام في القرآن والإنجيل. 2017، صدر بالإنجليزية ومترجم إلى 15 لغة.

-         المفهوم الحقيقي للإله. 2018، صدر بالإنجليزية ومترجم إلى 7 لغات.

-         لماذا الإسلام؟  2019، صدر بالإنجليزية ومترجم إلى13 لغات.

-         عين على الحقيقة. 2020، صدر بالإنجليزية ومترجم إلى 4 لغات.

-         لماذا الدين؟ - رحلة من الذاكرة. 2021، صدر بالعربية ومترجم إلى الإنجليزية.

-         الإلحاد - إعلان نجاح أم فشل؟ 2021، صدر بالعربية.



[1] Islam chat youtube