حديث: «لا تغضب» دراسة حديثية دعوية نفسية

نبذة مختصرة

حديث: «لا تغضب» دراسة حديثية دعوية نفسية: هذه الدراسة محاولة لتشخيص غريزة الغضب ودراستها دراسة حديثية نبوية؛ لمعالجة من يُصاب بهذا الداء، أو للوقاية منه قبل الإصابة، وكذا محاولة لبيان أثر هذا الغضب في نفسية الإنسان وتدخله في الأمراض العضوية، ومن ثَمَّ استيلاء هذا المرض النفسي على المُصاب به.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 حـديـث لا تغضب دراسة حديثية دعوية نفسية

إعداد

أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

أستاذ السنة وعلومها بجامعة الإمام

محمد بن سعود الإسلامية بالرياض

دار ابن الأثير

1425هـ


 المقدمــة

الحمد لله الحليم التواب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خير من صلى وصام وتاب وأناب، وعلى الآل والأصحاب، والتابعين ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم المآب، أما بعد:

فقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ثم جعل فيه نفسًا، وأودع في هذه النفس غرائز كثيرة، وجعل لهذه الغرائز وظائف ومهمات، لبقاء الإنسان وتمكنه من القيام بما يجب القيام به من الأعمال، وحكمة الله تعالى في هذه الغرائز أنه جعل لها قابلية الخير وقابلية الشر، يقول جل ذكره: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا))([1]).

ثم إنه تعالى ذكره أرسل للناس بعد ذلك رسلاً يحملون إليهم رسالات، تدعوهم إلى توحيد الله واتباع منهجه الذي يتلاءم مع رغباتهم وتطلعاتهم، وتحكم الغرائز التي أودعها في نفوسهم وترسم لها حدودًا لا يتجاوزها، فكل غريزة لها حاجة معينة لأداء وظيفة محددة، فلا تسرف في حاجتها ولا تخرج عن أداء وظيفتها، فإذا تجاوزت حدودها انقلبت إلى آفة خطيرة على الإنسان نفسه وعلى المجتمع من حوله.

ومجموع هذه الغرائز الكامنة في الإنسان يشكل ما يسمى بالأخلاق الموصوف بها الإنسان، فالحب والكراهية والجوع والعطش والجنس والغضب والفرح والحزن والألم وغيرها، كلها تعبر عن أخلاق الإنسان من خلال ممارسته لها بالخير أو بالشر، فغريزة الجنس - مثلاً - لها وظيفة عظيمة في خلق الإنسان وإيجاد النسل في الحياة أولاً، ثم الاستمتاع المشروع ثانيًا، أما إذا استعملت هذه الغريزة خارج الإطار المرسوم لها فإن حياة الناس ستصبح شبيهة بحياة الأنعام والبهائم، حيث لا أسر، ولا آباء ولا أبناء، وبالتالي لا تكافل ولا ترابط، وهذا ما نجده في معظم المجتمعات الإباحية، التي لا يعرف فيها الأب ابنه ولا الأم ولدها، ولا الابن أبويه. وكذا سائر الغرائز الجبلية الأخرى، فإن أسرف الإنسان في استخدامها تحولت إلى بلاء عام.

والغضب - الذي هو موضوع بحثنا - غريزة من هذه الغرائز وله وظيفة كبيرة في الدفاع عن حرمات الله وحقوق المسلمين وديارهم، يقول الله تعالى: ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ))([2]). ولكنه إذا تحول إلى انتقام للذات، تحول إلى نار يحرق الأخضر واليابس، فعندها تفقد هذه الغريزة هدفها، وتضل طريقها، فكان لا بد من وضع علاج لها ودواء، لتفادي آثارها الوخيمة، فجاءت السنة النبوية المباركة والتي هي المكملة لكتاب الله، شخصت غريزة الغضب وعالجتها بأفعال وأقوال، لتبقى مكنونة في النفس، لا تظهر إلا في حالات معينة، وذلك حفاظًا على الود بين المسلمين ووحدة صفهم وقوته، وحفاظًا على الإنسان ذاته من أن يؤدي به هذا الغضب إلى نتائج لا تحمد عقباها.

وهذه الدراسة التي بين يديك أخي القارئ الكريم هي محاولة لتشخيص هذه الغريزة ودراستها دراسة حديثية نبوية، لمعالجة من يصاب بهذا الداء، أو للوقاية منه قبل الإصابة، وكذا محاولة لبيان أثر هذا الغضب في نفسية الإنسان وتدخله في الأمراض العضوية، ومن ثم استيلاء هذا المرض النفسي على المصاب به، وقد لا يشعر أن هذا هو السر ومكمن الداء، وكذا أيضًا لأثر الحلم وردّ الغضب دعويًا على الداعي نفسه، وعلى المدعوين في القبول والرد، أسأل الله تعالى أن تكون هذه الخواطر نافعة للكاتب والقارئ، وأن يجعلها من المدخرات إنه سميع قريب مجيب وصلى الله على نبينا محمد وعلى آل وصحبه.

كتبه/

فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

ص. ب. 41961 الرياض -11531

Email: [email protected]

* * *


نص الحديث

حدثني يحيى بن يوسف أخبرنا أبو بكر - هو ابن عباس - عن أبي حصين عن أبي صالح «عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني. قال: لا تغضب، فردّد مرارًا، قال: لا تغضب»([3]).


تخريج الحديث

روى هذا الحديث في غير الصحيح في مصادر عدة منها:

-  في صحيح ابن حبان برقم [5689]، 12/501.

-  ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم [6578] 3/713.

-  وفي سنن البيهقي الكبرى برقم [20065] 10/105.

-  ورواه البيهقي أيضًا في 10/105. ورواه أيضًا في 10/105.

-  ورواه الإمام أحمد في 2/362، 2/466، 3/484، 5/34، 5/370، 5/372، 5/373.

-  ورواه أبو يعلى في 3/166، 10/51.

-  ورواه الطبراني في مسند الشاميين 1/36.

-  وفي المعجم الكبير 2/261، 262، 263.

-  وفي المعجم الأوسط 7/277.

-  وفي الآحاد والمثاني 2/380.

-  وفي موطأ مالك 2/905.

-  وفي مصنف عبد الرزاق 11/187.

-  وفي مصنف ابن أبي شيبة 5/216.

كلهم من طريق أبي هريرة رضي اﷲ عنه.

* * *

 الغضب: مفهومه ومنشأه

الغضب: ثوران في النفس يحملها على الرغبة في البطش والانتقام([4]).

وقيل فيه أيضاً: إنه غليان دم القلب. ويظهر أثر هذا الغليان على الجوارح، كاحمرار الوجه، وانتفاخ الودجين، واحمرار العينين([5]).

تفاعل الغضب مع جسم الإنسان:

إن حالة الغضب التي تعتري الإنسان عبارة عن عملية كيميائية في جسم الإنسان تتمثل في ازدياد نسبة هرمون «الأدرينالين» في الدم، تفرزه الغدة الكظرية المكوّنة من غدتين صغيرتين كل واحدة منهما فوق كلية، فأثناء الغضب تفرز هاتان الغدتان هرمون «الأدرينالين» إلى الدم، وبقدر ما يكون الغضب شديدًا تكون نسبة الإفراز أكثر تدفقًا إلى الدم مما يؤدي إلى ازدياد نبضات القلب حتى تصل من 72-150 نبضة في الدقيقة الواحدة، وينتج عن ذلك زيادة في الدم الذي يرسله القلب إلى أعضاء الجسم فيرتفع الضغط حينها. وتظهر عليه أعراض أخرى كانتفاخ الأوداج واحمرار الوجه واتساع حدقة العين، وارتعاد الأطراف، وربما تظهر علامات أخرى حسب طبيعة الشخص المنفعل. وهذا ما تدل عليه مجمل الأحاديث وكذا حالة الغضبان حال غضبه.

أما إذا كان الغضب معتدلاً أو تمالك الإنسان نفسه عند الحالة التي تثيره، فإن الغدة الكظرية تفرز هرمون «الأدرينالين» بنسبة معتدلة أيضًا، وهو ضروري للجسم لتنشيط الدورة الدموية، ولقيام القلب بإمداد الجسم بالطاقة اللازمة في كسب رزقه ومقاومة أعدائه([6]).

منشأ الغضب:

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»([7])، فمنشأ الغضب من الشيطان، وبالرغم من أن الأطباء فسروها علميًا بتفاعلات كيميائية داخل الجسم، إلا أن هناك عامل آخر يدخل في هذه العملية الكيميائية ويحرّكها ويغذيها، وهو المسؤول الحقيقي عن حالة الغضب لدى الإنسان، هذا العامل هو الشيطان الذي لا يهدأ له بال بهدوء الإنسان واستقراره، وهذه حقيقة يجهلها كثير الناس بل كثير من الأخصائيين النفسانيين، فالحديث النبوي السابق يؤكد هذه الحقيقة بوضوح وجلاء، وإن جري الشيطان في عروق ابن آدم هو جري حقيقي لا مجازي، وهناك أحاديث كثيرة تعضد هذه الحقيقة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»([8]).

وفي حديث آخر يبين ويؤكد التفسير العلمي للغضب والأعراض التي تظهر على الإنسان أثناءه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء فليلصق بالأرض»([9]).

ويذهب كثير من أطباء النفس المعاصرين إلى أن مصدر الغضب عضوي وعصبي، لا علاقة له بالشيطان أو غيره، لذا فهذا النوع من الأطباء يبنون دراساتهم وتشخيصاتهم للمرضى على هذا الأساس، ولا يتجاوز علاجهم لهؤلاء المرضى العقاقير والمهدئات، وهي أدوية آنية سرعان ما ينتهي مفعولها ويرجع المريض النفسي إلى حالته المرضية بل وربما تزداد حالته سوءًا نتيجة تناول مثل هذه العقاقير والمهدئات التي صنعت للأمراض العضوية والبدنية، وليس لها علاقة بأمراض النفس وحالات الغضب التي تعتري الإنسان، فالنفس شيء آخر وبعيد كل البعد عن العضو المادي.

ثم لينظر هؤلاء المختصون أن هناك حالات كثيرة لبعض المرضى الذين يشتكون من آلام في الرأس أو في المفاصل أو في أي عضو آخر من جسم الإنسان، وبعد الفحوصات والتحاليل المخبرية، والصور الظليلية والمقطعية، يلاحظ أنه لا يوجد أي خلل عضوي في الجسم، ولا يوجد أثر للمرض فيه، ولا تزال الآلام والأوجاع في الجسم، ولا يزال المريض يشتكي من حاله، فبماذا نفسر مثل هذه الحالات، هل يكذب هذا المريض ويفتري على الأطباء؟ أم هي حقيقة يجب الاستسلام بها؟! لا شك إنها حقيقة لا مفر منها، وإنه الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، استطاع التمكن من الإنسان في لحظة انفعالية معينة، من غضب أو خوف أو حزن أو غيره، لذا يشعر هذا الإنسان بآلام بأطرافه أو مفاصله أو رأسه، لتأثير الوسواس الخناس فيه عندما وجد نقطة ضعف في هذا الجسم.

وقد أثبتت التجارب في الشرق والغرب أن معالجة الإنسان الغاضب بالعقاقير فقط خطأ جسيم، ونظرية قاصرة، وأن العلاج بالمعنويات هو السبيل الأنجع للحد من من حالة الغضب وغيره، حتى صار بعض الغربيين يعتمدون في العلاج على بعض أنواع الموسيقى، أو الرقص في مواجهة مشكلاتهم النفسية، ففروا من شيء ووقعوا في أشد منه.

ومن هنا كان واجبًا على أطباء الأعصاب وأطباء النفس أن يعوا حقيقة النفس البشرية وعلاقتها مع الشيطان وأن يدركوا أن منشأ الغضب ومصدره هو الوسواس الخناس التي يجري من ابن آدم مجرى الدم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه لا مناص من هذه الحقيقة ولا خلاص من المشكلة إلا بالربط بين الغضب أو أية حالة نفسية أخرى وبين الشيطان. فإذا عرف الداء، تعرف آثاره، ويعرف علاجه بإذن الله تعالى.

* * *


 أنواع الغضـب

يمكن أن نقسم الغضب حسب ما ورد في الأحاديث النبوية الشريفة إلى نوعين، ولكل منهما حالاته ومقاماته وسلوكياته، وآثاره على النفس والمجتمع، من سعادة أو شقاء، وهي كما يلي:

1- الغضب المحمود (الواجب):

وهو ما كان لله ولحرماته، ولم يكن للنفس فيه نصيب، ويكون هذا النوع من الغضب بسبب اعتداء على حرمة من حرمات الله، من هجمة على العقيدة أو خلل فيها، أو بدعة في أداء عبادة، أو قتل نفس مسلمة، أو أخذ مال بغير حق، أو اعتداء على أرض، أو انتهاك عرض، أو فشو معصية وغيرها من الحرمات والمحظورات التي نهي عنها في دين الله، ففي مثل هذه الحالات يكون الغضب واجبًا ومحمودًا، يقول الله تعالى: ((قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ)) ((وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ))([10]). وقــال تعــالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ))([11]). وقال جل ذكره: ((يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ))([12]).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء يؤتى إليه حتى يُنتهك من حرمات الله فينتقم لله»([13]).

وجاء في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم «كان أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه»([14]).

فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم - وهو القدوة والأسوة لنا في أمورنا كلها - لم يغضب لنفسه قط، ولم يضع للدنيا في خاطره شيئًا يساوم فيه الناس ويحاكمهم، وإنما كان غضبه إذا تجاوز فيه أحد حدًا من حدود الله أو تعدى إنسان على حرمة لله، فقد روت عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب فقال: أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»([15]).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه هتكه، وتلّون وجهه وقال: «يا عائشة: أشدّ الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله»([16] القرام: الستر الرقيق.

والوعيد شديد للذي لا يغضب في هذه الحالات، يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا فلا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب»([17]).

من هذا كله تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغضب وفي الوقت نفسه لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله لكن السؤال: ما حدود هذا الغضب؟ وهل هذا الغضب يخرج الإنسان عن القدرة على التوازن في التفكير، أو التعدي بالقول، أو العمل؟ لا شك أن المحلل لغضب النبي صلى الله عليه وسلم يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يتصرف وهو بكامل عقله وتصرفاته؟

فالغضب المراد هنا أن لا يخرج الإنسان عن وضعه الطبيعي حال هدوئه فيتصرف تصرف الإنسان في حال طبيعته قبل غضبه فلا يتعدى بالقول أو الفعل، فهذا الغضب أفاد فوائد عدة منها:

 أ - أنه أعطاه دفعة نفسية لتغيير هذا المنكر.

ب - أن تغير ملامح الإنسان بسبب هذا الغضب يدل على عظم هذا المنكر فليس أمرًا طبيعيًا.

ج - أن المشاهد والمستمع لهذا الغضبان يحرص على الاستجابة لما يرى من شدة تأثر المتكلم فيكون هذا الغضب دافعًا للاستجابة.

أما إذا خرج به الغضبان عن الحد الطبيعي وتجاوز الحدود الشرعية كأن يتعدى في أحكامه، أو أقواله، أو تصرفاته، أو لا يدري ماذا يقول، أو لا يضبط ألفاظه، أو يزيد في الكلام عن الأمر المراد، أو يضرب ... كل هذه وأمثالها نقلت هذا الغضب من كونه محمودًا إلى أن أصبح مذمومًا.

2- الغضب المذموم:

وهو ما كان انتقامًا للنفس، وهذا الغضب تترتب عليه نتائج خطيرة على الإنسان ذاته وعلى مجتمعه، وهو الذي حذرنا منه الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، ومناسبات عدة، كما في حديثنا الذي جعلناه منطلق الحديث.

وهذا - أعني الغضب المذموم - هو الذي نبسط الكلام عليه في الأسطر القادمة.

والغضب كما سبق حالة نفسية وغريزة بشرية كسائر الغرائز التي أودعها الله في الإنسان، ولكن تأثيره على النفس البشرية يختلف من إنسان لآخر، وكذلك السلوك الذي يسلكه الإنسان عند الغضب يتباين من إنسان لآخر، وصدق الله تعالى إذ قـال: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)) ((فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا))([18])، فالنفس العامرة بتقوى الله تعالى وطاعته، والعارفة حدود الله، وما أعده الله للذين لا يتبعون طريق الشيطان ولا يخضعون للوسواس الخناس، هي النفس لا يؤثر فيها الغضب ذلك التأثير الجامح الذي يجعلها تتصرف بغير حكمة وعقل. وأما النفس التي خلت من الإيمان أو ضعف فيها وتمكن منها الشيطان فهي المناخ المناسب لأن يتفرخ فيها الشيطان ويوسوس لها ما يشاء ليضلها ضلالاً بعيدًا، وللغضب في هذه النفس مجال كبير ودور فاعل وعظيم، لأن لها قابلية لاستقبال أي انفعال أو مرض نفسي فتراها إذا غضبت، خرجت من طورها الطبيعي ويصبح الإنسان حينها كالمجنون تتغير ملامحه، ويلفظ بأسوأ الكلمات، ويتحول إلى ثورة من النار، لا تميزه من المجنون في هذه الحالة، وهذا ما دعا كثيرًا من علماء النفس أن يقولوا «بأن الغضب صنف من الجنون القصير المدى وإن الأعمال تجري في أثنائه بعد أن يتوقف العقل فما يعمل»([19]).

ومهما يكن فإن الغضب لا يأتي من الفراغ، وأي انفعال يعتري الإنسان يكون له دوافع وأسباب، وهذه الأسباب لا يمكن عدها وحصرها، فهي كثيرة جدًا، حسب المواقف والحالات التي يمر بها الإنسان، فحصرها محال، ولكن يمكن أن نذكر بعضًا منها، والتي انتشرت في هذا العصر بشكل كبير، فهي تمس واقعنا وحياتنا واليومية.


 أســـباب الغضــب

1- الخلافات الزوجية:

وهي أحد الأسباب الكبرى التي تولّد الغضب لدى الإنسان، وقد دخلت هذه الخلافات الأسرة المعاصرة من أوسع الأبواب فصارت سمة شبه عامة تتوسم بها الأسر، وهي ذات صورة وأشكال مختلفة، منها ضيق حال الرجل وقلة مورده، أو بسبب عمل المرأة خارج المنزل والخلاف على راتبها وعدم إنفاقها على البيت، ومنها ما يكون بسبب عدم التفاهم بين الزوجين حول نظام الأسرة، أو سهر الرجل خارج المنزل لأوقات متأخرة، أو لتقصير المرأة في تربية أولادها، وكذا الرجل، أو لاستعمال الرجل بعض المحرمات كالدخان، والمخدرات، أو الخمور، أو لتقصير كل منهما في الواجبات الشرعية. أو لعدم اهتمام المرأة في شكلها ومظهرها لزوجها، فالأسباب كثيرة ومتنوعة، وهي نتيجة ضعف الإيمان أو العقل لدى الزوجين أو أحدهما على الأقل، وتمكّن الجانب الدنيوي منهما.

ومن المعروف أن تكرار نشوب الخلافات بين الزوجين واستمرارها، سيزرع حتمًا الحقد والكراهية بينهما، وسيخلق لدى الطرفين نوعًا من الانفعالات النفسية من غضب وغيره، لا سيما لدى الرجل الذي يرى نفسه سيد البيت ومقوم الأسرة، وبيده السلطات جميعها، فالشيطان سيتمكن من الزوج في يوم ما أثناء هذه المشاكسات، ويجري في عروقه ليدفعه أن يطلق زوجته، ويزين له الشيطان أنه بذلك سوف ينتهي من الحالة النفسية السيئة التي كانت تصيبه من زوجته ومشكلاتها، ويصدّق وسوسة الشيطان له، فينفذ أمره، ولا يدري أنه بفعله هذا دخل معركة نفسية أخرى أشد من سابقتها ألمًا وعذابًا، فهؤلاء الأطفال الذين بين يديه أين يتركهم، ولمن يترك رعايتهم؟ وكيف يربيهم وقد غاب عنهم عطف الأم، وحنان الأب؟ إنها بحق معركة نفسية، ستشغله وتجعله في حالة تفكير مستمر معظم وقته، فلا يفارقه الهم والغم، والشيطان معه أيضًا أينما حل وارتحل، فلا يجعله يفكر خارج هذا البلاء الذي لحق به، فيزين له طريقًا آخر للهروب من هذا الواقع، والتخلص من هذا الهم، فيزين له المخدرات، والمسكرات، والسهر مع النساء، ورفاق السوء، وهي المرحلة الثانية حتى إذا يئس وأراد الخلاص منها، أرداه الشيطان إلى إحدى الطريقين إما إلى أمراض نفسية وعصبية والجنون، أو إلى الموت الذي لا مفر منه، وبهذا تكون المعركة قد انتهت لصالح الشيطان، وكل هذا نتيجة انفعال في لحظة غضب، لم يملك فيها الإنسان الغاضب نفسه، ولم يفكر مليًا قبل الإقبال على الطلاق، ولو أنه ملك نفسه، واستعان بالله من شرور الشيطان، ورجع إلى الله رجعة حقيقية لتفادى هذه المشاق كلها.

2- الفقــر:

وما أدراك ما الفقر، وهو الهمّ الملاصق للإنسان الفقير في كل أحواله، فلا يفارقه ليلاً ونهارًا، ولا يجعله يذوق للحياة مذاقًا، وكيف يستمتع بالحياة وليس لديه شيء، ولا يملك مقومات هذا المتاع، فهو يرى الناس من حوله يفرحون ويمرحون، وينالون كل ما يشتهون، وأما هو فعلى العكس من ذلك لا يستطيع تأمين أقل ما تحتاج إليه أسرته وأولاده، مسكنًا كان أو ملبسًا أو مأكلاً، وغير ذلك. وهذا كاف لأن يصيب هذا الإنسان بنوع من الانفعال الداخلي، ويسيطر عليه الهمّ والتفكير الدائم بحاله وحال أولاده، لا سيما إذا كانت أسرته لا تقدّر حاله، فتطالبه زوجته بما ترى على زوجات الآخرين من زينة وسكن وسيارة، والأطفال يلحون عليه أن يكون لهم ما لأصدقائهم وأولاد جيرانهم وأقاربهم من كذا وكذا، وهو واقف أمامهم لا يستطيع أن يحرّك ساكنًا، ويده لا تصل إلى ما يحقق لهم آمالهم وطلباتهم، ودوام هذه الحال على هذا الإنسان وحتى على الأسرة، سيولد انفجارًا عصبيًا داخل البيت لا يسلم منه أحد من الأسرة، ونتيجة هذا الانفعال وأثره سيكون إما العقد النفسية والأمراض العصبية التي ستلازمهم مدى الحياة، أو سيكون الانحراف والسرقة والنهب، والحصول على الأموال بأي شكل وبأية وسيلة.

3- الظلم:

ومن الأسباب التي تولّد الغضب لدى الإنسان وتجعله يفكر في الانتقام بأشد ما أوتي من قوة هو تعرضه لظلم الآخرين، والظلم أشكال كظلم الحاكم للمحكوم، وظلم المدير لموظفه في الإدارة، وظلم المعلم للطالب في المدرسة، وظلم الأب للابن في البيت، وظلم الصديق لصديقه والتاجر لعماله، وظلم الناس بعضهم لبعض وغيرها، فالإنسان المظلوم لا ينسى مظلمته ما دام على قيد الحياة، ولا ينسى من ظلمه مهما مرّ الزمان، وكيف ينسى وقد أهان هذا الظالم كرامته وكبرياءه، وأكل حقه وسلبه؟! فيلجأ المظلوم في هذه الحالة بكل الوسائل التي يراها تصله للانتقام من الظالم والحصول على حقه مهما كلفه ذلك من تعب ومشقة، لأنه في حالة غضب لا يفكر في النتائج المترتبة على سلوكه وانتقامه من ظالمه، والشواهد والحوادث اليومية كثيرة على الانتقامات اللامحدودة لبعض المظلومين من ظالميهم، فقد حدث أن جنديًا كان ينال من قائده الكلام البذيء والمعاملة السيئة، ولا يمنحه الإجازة الاعتيادية التي تحق له، وتكررت هذه الحالة كثيرًا، مما دفع ذلك هذا الجندي أن يذهب إلى قائده في مكتبه، ويرشه بعدة طلقات فيقتله، ثم قتل نفسه، والشواهد كثيرة جدًا، وكلها عائدة إلى الظلم، الذي كان سببًا في هلاك الأمم ودمارها.

4- الحســد:

وهو مرض في القلب خطير، ينشأ نتيجة تفاوت الناس وتفاضلهم في الأرزاق والأعمال والمناصب والجمال وغيرها، والحسد دائمًا يكثر بين الأقران من البشر، كالحسد بين التجار أنفسهم، وبين الأطباء، وبين طلبة العلم، وهو سبب من أسباب إثارة النفوس وانفعالها، فالذي يراقب الناس ويحسدهم على ما آتاهم الله من فضله ولم يرزقه الله من ذلك شيئًا يتضجر ويغضب من حاله، لأن الحسد حبل قوي من حبال الشيطان يدخل من خلاله إلى نفس الإنسان ويوسوس له ليخرجه من هدوئه واستقراره إلى عالم الغضب والانفعال ويجعل هذا الإنسان الغاضب يتصرف تجاه المحسود سلوكًا له آثاره الضارة والسيئة عليه وعلى المجتمع من حوله، وربما يتحول غضبه هذا إلى نوع من الاحتقان النفسي فيكون عرضة لأمراض نفسية، وحالات القلق والتوتر المستمر، وهزال في الجسم والبدن.

5- مشكلات الشباب والحدة فيها:

الخصومات نتيجة طبيعية في المجتمعات البشرية، وهي ناتجة عن الاختلاف الفكري أو اختلاف في السجايا والطبائع، ولكن الحدة في هذه الخصومات والشدة فيها تؤدي إلى إثارة الإنسان وانفعاله واضطرابه، وهذه الحالة منتشرة بشكل كبير بين الشباب لا سيما في سن المراهقة التي يشعر فيها الشاب بالاستعلاء على غيره، والإعجاب اللامحدود بنفسه، وتزداد الحساسية في المشاعر معه، بحيث لا يقبل كلمة تجرحه، أو فعلاً يسيء إليه، فإن حدث شيء من ذلك يركبه الغرور والاستكبار، فيزين له الشيطان هذا الغرور، فيثور غاضبًا على من أساء إليه وتنفجر قوته الشبابية، فيندفع للانتقام بلا وعي ولا تفكير، وما أكثر هذه الحالات في صالات الرياضة والملاعب الرياضية أثناء تشجيع الشباب للفرق الرياضية، حيث تحدث خصومات حادة وقوية بين جماهير الفرق المتبارزة، ربما تتحول إلى مضاربات وتنكيل، وهذه ظاهرة خطيرة تهدد الشباب وتهدد مستقبلهم وطاقاتهم، ومن ثم تهدد المجتمع بأسره.

* * *


 آثار الغضب وأضراره

لا شك أن للغضب آثاراً وخيمة وأضراراً جسيمة يمكن أن نقسمها إلى ما يلي:

1- الآثار الاجتماعية:

أ - الغضب يولد العداوة والبغضاء بين الناس، لأن الغاضب عند الانفعال لا يتحكم في أقواله وأفعاله التي تخرج غالبًا عن الآداب العامة، فيثير الطرف الآخر ويقابله بالمثل، مما يؤدي في النهاية إلى حقد دائم ونزاع مستمر بين الناس، فضلاً عن قطع الأرحام الذي يفكك الأسر ويمزقها.

ب - قد يصدر عن الغاضب عند غضبه تصرف يندم عليه طول عمره ولا ينفع الندم بعده، فإذا وقع الضرر فلن ترجع الحال كما كانت، والشواهد الواقعية المحزنة كثيرة على ذلك، فقد روي أن ولدًا أغضب أباه في محله التجاري بسلوكه الطفولي، فما كان من الأب أن أمسك به وربط رجليه وقدميه وتركه في المحل فترة الظهيرة، وأغلق المحل وذهب للغداء والراحة، وعند رجوعه من البيت بعد العصر، فتح باب المحل فوجد ابنه قد مات لانعدام الأوكسجين في المحل، فماذا ينفع الندم في مثل هذه الحالة؟ وكيف سيعيش الأب عمره الباقي وصورة ابنه الميت أمامه بفعله عند غضبه.

وآخر غضب على ابنيه الصغيرين نتيجة تخريبهما شيئًا من أثاث البيت فربط أيديهما من مفصل الكف بقوة حال غضبه وتركهما مدة ساعات ولم يجدي معه قوة الصراخ فتحجر الدم في أيديهما وآل الأمر إلى قطع أيديهما. فما شعور هذا الأب طوال حياته وهو يرى أيدي أبنائه مقطوعة نتيجة غضبه.

أما حوادث الطلاق فحدث ولا حرج، والسبب الغضب ثم بعد ذلك لا تسأل عن حال الأولاد وضياعهم ودخولهم عالم الفساد والمخدرات والجرائم.

أما القتل فلا يقل عما سبق وكم تسمع من ذلك ما يندى له الجبين؟!

والحوادث المؤلمة المشابهة لهذه الحوادث كثيرة جدًا، وكلها بسبب انفعال عصبي لا يملك فيه الإنسان نفسه، فيتصرف بدون حكمة أو وعي، وتكون النتيجة مرة وقاسية.

2- الآثار الصحية:

أثبتت الدراسات والوقائع أن الغضب يحدث ما يلي:

أ - جلطات دماغية، نتيجة الإفراز الزائد لهرمون الأدرينالين الذي يؤدي إلى زيادة ضربات القلب بشكل متكرر ودفع الدم بغزارة إلى الدماغ مما يحدث نزيفًا فيه.

ب - ترسب الدهون والشحوم في الشرايين مما يؤدي إلى تصلبها وعدم وصول الدم إلى الدماغ، فيحدث ذبحة صدرية.

ج - الغضب الزائد والانفعال المستمر يزيد من حموضة المعدة ويحدث فيها قرحة مزمنة قد لا تنفع معها الأدوية.

د - الغضب يحدث اضطرابًا في عمل الكليتين، لأنه يحدث اضطرابًا في توازن الأملاح فيهما.

هـ - يؤثر الغضب على الدورة الدموية الخاصة بالأعضاء التناسلية فيؤدي إلى نوع من العجز الجنسي لدى الرجل، وبرود جنسي لدى المرأة.

و - الغضب يحدث إمساكًا شديدًا ومزمنًا للأمعاء، لأنها في حالة الغضب تكون متقلصة لا تستطيع القيام بامتصاص المواد المفيد للجسم من الأطعمة والأشربة.

ز - تنتج عن الغضب الإصابة بمرض القولون العصبي، وقد تفشى هذا المرض بشكل هائل بين الناس، وكله بسبب الانفعالات العصبية الكثيرة. وهو من الأمراض المزمنة، وصاحبه يلازم الأدوية طوال حياته.

ح - الغضب المستمر يؤدي إلى الإصابة بالسكر، نتيجة زيادة هرمون الأدرينالين عند الغضب والذي يضعف مفعول هرمون (الأنسولين) الذي يفرزه البنكرياس لحرق السكر في الدم.

ط - أكدت الدراسات الحديثة أن المصابين بالانفعالات النفسية والعصبية عندهم قابلية أكثر للإصابة بالأمراض الخبيثة، لأن الغضب يحدث اضطرابًا في الهرمونات في الغدد الصماء وعدم استقرارها يهيئ جوًا مناسبًا داخل الجسم للأمراض الخبيثة.

ي - تظهر على الغضبان آثار وأمراض لا يعرف لها مصدرًا، وقد يعالج عند كثير من الأطباء ويعمل كثيرًا من الفحوص المخبرية والإشعاعية ولا يجدون شيئًا يعالجونه فيزداد قلقه وكدره، ويتضاعف حزنه واكتئابه فيستمر معه هذا المرض أزمانًا عديدة.

3 - الآثار النفسية:

أ - التوتر والقلق المرافقين للإنسان الذي يغضب كثيرًا هذا في اليقظة، أما في حالة النوم فتكثر الكوابيس عليه والأحلام المزعجة التي لا تدعه ينام بالشكل الكافي، مع عدم الراحة في النوم.

ب - عدم القدرة على إنجاز الأعمال لعدم القدرة على التركيز، والشعور بالتعب بسرعة، وكذا الشعور بالملل دائمًا.

ج - عدم إدراك الأشياء على حقيقتها، فتختلط معه الحقيقة بالخيال، والواقع بالأحلام، فربما يتخيل شيئًا ويظنه حقيقة يسعى إليها.

د - قصور في التفكير الصحيح، فالغاضب قد ينصاع لأتفه فكرة، أو يقتنع بأسوأ عقيدة.

هـ - انشغال الفكر بأشياء تافهة أو غير مهمة والبعد عن الأشياء المهمة فينشغل مثلاً بأن فلان عمل معي كذا وكذا، وفلان وقف مني كذا.. وكلها أوهام لا حقيقة لها.

ز - يرتب الغضبان على الأشياء التافهة مواقف ضخمة قد تؤدي به إلى نتائج خطيرة فيصور له الشيطان أن هذه الصغائر كبائر فيتعامل معها كذلك.

ح - حدوث أمراض نفسية كثيرة - كما سبقت الإشارة إليه في الآثار الصحية - وهذه الأمراض النفسية إن لم يتداركها صاحبها ويعرف العلة الحقيقية تزداد مع الزمن زيادة تشغله عن المهمات في هذه الحياة فتكدرها عليه فلا يستطيع أن يعمل بالبناء السليم في هذه الحياة، وإنما ينشغل تفكيره في نفسه المهلهلة.


 دراسة تحليلية لنفسية غضبان

هنا تحت هذا العنوان وقفة تأمل تطبيقية لنفسية غضبان، لنحللها تحليلاً مبسطًا، فيتصور القارئ ماهية الغضب وحالة الغضبان، وتدرج حالته من سيء إلى أسوأ، وكيف كانت العاقبة والنتيجة؟! ولننطلق من الأمثلة الآتية:

المثال الأول:

امرأة لديها خادمة استقدمتها من بلادها البعيدة، فجاءت هذه الخادمة، ووصلت تاركة بلدها وأهلها وأطفالها وعاداتها وتقاليدها إلى بلد غريب وبيت غريب وأسرة غريبة. هل نتصور نفسية هذه الخادمة؟. بدأت العمل منذ الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، عمل دؤوب، وجهد متواصل، ليس كأي موظف ست ساعات أو ثمان ساعات، بل جميع ساعات اليوم والليلة ما عدا ما تسرقه منها للنوم. هل يُتَصور من هذه المسكينة أن لا تخطئ في جزء من عملها المتقلب بين غسيل وكنس وكي وربما طبخ أو متابعة أطفال، فالويل كل الويل إن أخطأت، ولسان حال بعض (سيداتهن) يقول: أن المسكينة تأخذ راتبًا ولا تكمل عملها أو تخطئ وتقصر. هذا مستحيل.

إحداهن - أقصد الخادمات - أخطأت ذات مرة في كيّها لثياب زوج ربة البيت فأحرقت المكواة ثوبًا منها، هنا قامت قيامة ربة البيت فغضبت وزمجرت واحمر وجهها وانتفخت أوداجها فصار الشيطان يمشي في عروقها ويتحكم فيها حتى طغى على تفكيرها، فأسلمت نفسها للشيطان ووسوس لها فدلّها على أن تحرق يد الخادمة بالمكواة جزاءً لها وردعًا لأمثالها على هذا الخطأ الجسيم العظيم!! فكيف يتصور موقف تلك الخادمة؟ هذا فضلاً عن الكلمات المتلاحقة فاستحضرت ما لديها من قاموس الكلمات المشينة والشتم والسباب بأنها مستهترة، ولا تهتم وشيطانة ومريدة، فما موقف الخادمة؟ ماذا يتصور أن تعمل بعد هذا الكي بالنار جزاء هذا الفعل الشنيع في نظر ربة البيت؟ احترق قلبها، واشتعل، وغلا، ولكن لم تستطع أن تفعل شيئًا في تلك اللحظة فبقي القلب يغلي حتى جاء الصباح الباكر، وخرجت تلك الزوجة من بيتها إلى مدرستها وتركت ظفلها عند الخادمة، وظنت، بل قال لها الشيطان، إن الأمر عادي، حضرت إلى مدرستها وأصبحت تقص قصة خادمتها السيئة الجهولة التي لا تعرف الكيّ، وأخذت تندب حظها وتفكر في إبعادها وإبدالها بغيرها.. انتهى الدوام ورجعت إلى منزلها بعد أن شاركها عدد من الزميلات في مأساتها بوجود هذه الخادمة لديها، دخلت المنزل فماذا وجدت؟ إن تلك الخادمة التي لسع قلبها قبل أن تلسع يدها بالنار، أرادت أن تجرح - بدل أن تلسع - قلب تلك الزوجة الغضوب جرحًا عميقًا لا يبرأ إلا بعد موتها، فما هذا الجرح؟ لم تجد الخادمة إلا أن طبخت الغداء كالمعتاد، وجعلت إدامه هذا الطفل البريء فأحرقته حتى انشوى، فأصبح إدامًا متقطعًا، ولحمًا متفتتًا، وعظمًا متفرقًا، فما ردّ فعل الزوجة الغضوب؟ فما كان منها إلا أن أصيبت بصدمة نفسية عميقة بعد إغماء طويل، وليفعل بعد ذلك في الخادمة ما يفعل؟!!.

هنا نقف متأملين لنقول ما السبب؟ مهما حاولنا التحليل والاستقصاء لنقول في النهاية: إنه الغضب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «لا تغضب»، وحين قال عليه الصلاة والسلام: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، وصدق الله تعالى في بيانه العظيم صفات المتسابقين إلى الخيرات: ((الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)).

هكذا يؤدي الغضب، مات الطفل، احترق قلب الأم، انهارت، توالت عليها العلاجات، لا فائدة، تخلخل البيت، تعدى الضرر إلى الأب المسكين الذي لا حول له ولا قوة، وتعدى إلى أهل الزوجة ليعيشوا مأساتها، وأهل الزوج، فهل من عبرة؟!. لنعرف مؤدى الغضب.

المثال الثاني:

للجار حق على جاره بالسلام والتحية، والزيارة والسؤال عن الحال، والهدية والعطية، والصدقة والإحسان، والنصيحة والتواصل وعلى أقل حال: عدم الإيذاء.

أحدهم لم يتنبه إلى تلك الحقوق، فغفل عنها، فترك أطفاله في الشارع يؤذون الجيران، وتمركز الإيذاء حول الجار القريب فصاروا يؤذونه عند بابه، وفي سيارته، حاول نصحهم ووعظهم وتنبيههم ولم يجدِ ذلك، وذات مرة مرت إحدى سيارات الشرطة فأوقفهم ليهيب بهم فأخبرهم بأمره وبقصده، فتفهّم أفراد الشرطة المراد فقاموا بدورهم، ووقف المشهد إلى هنا..

وبعد فترة ليست بالطويلة أخبر والد هؤلاء الأطفال المؤذين فغضب أشد الغضب وهدد وزمجر وصار (ينتخي) ويتوعد إن لم يفعل ويفعل، كيف يقوم هذا الجار بهذا الفعل، فوجد الشيطان بغيته فصار يزيده ويعيره بجبنه وذله، كيف يتعدى هذا الجار على أولاده؟ وبدأ التنفيذ، فجاء إلى جاره غاضبًا مستجمعًا قواه العقلية والجسدية ليقوم بدوره الشجاع المطلوب، فعتب على جاره بصوت مرتفع، حاول الجار أن يفهمه الموقف، وأنه متحمل طوال الوقت لهذا الإيذاء، وقد أخبره مرارًا، وحق الجار عظيم، والمسألة تهييب، لكن الجار أعماه الشيطان فزاد غضبه فوصل الأمر إلى التشاجر وارتفاع الأصوات، فاجتمع الناس، فأراد البطل الشجاع ليحسم الموقف بضربة قاضية من مسدس له، قضى بها على جاره، هكذا سوّل له الشيطان، ليرمى بعد ذلك في السجن، وكان ما كان.

مرة أخرى مهما حاول كل مفكر ومتأمل بهذه الحادثة المأساوية ليبحث عن السبب فسيجد السبب الأول والأخير لها؟ إنه الغضب..

حق من الحقوق العظيمة، وأكثر من ذلك محاولة لإيقاف الأذى بالطرق المشروعة، وأبلغ من ذلك إعانة على تربية هؤلاء الأولاد..

ردّ الفعل: غضب شديد، أشعله الشيطان، أثّر على عقل هذا الغضوب، نفخ فيه الشيطان من منطلق جاهلي، ليحوله بعد ذلك إلى صورة عملية تخلف وراءها مأساة عميقة. شجار ونزاع وخصومات، يتلوها كلام غير لائق، يتحول بعدها إلى جريمة شنعاء، قتل لبريء مظلوم، يدافع عن حق من حقوقه، بأسلوب شرعي متدرج، قابل الإساءة بإحسان، فجزاؤه أن يتحول قتيلاً، ليخلف وراءه أسرة مجروحة تيتم لأطفاله وتترمل زوجته، وربما يتحول الغنى فقرًا، والصحة مرضًا، والسعادة شقاء.

وهو: يتلبس بهذه الجريمة الشنعاء، يسجن، وعقوبة في الدنيا تنتظره، وما يقابله في الآخرة أشد والعياذ بالله.

وتتحول شجاعته إلى بيت يبتعد عنه، فيزداد أولاده بعدًا عن الأخلاق، ويبقى في مخيلتهم جريمة أبيهم، وينظر إليهم الناس نظرة كره وبغض.. إلى آخر ذلك من النتائج السيئة. والسبب الأول والأخير (الغضب).

المثال الثالث:

البيوت في الإسلام مصانة، وأسرارها محفوظة، فيأتي الغضب ليعمل عمله في تفكيكها، وحل رباطها، أسرة من الأسر تنعم بالراحة والاستقرار، أب وأم وأولاد من بنين وبنات، حصلت مشكلة خفيفة في هذا البيت كعادة البيوت لا تخلو من مشكلات لكنها تزول إذا استوعبها الطرفان أو أحدهما، هنا دخل الشيطان بقوة، وأعمل جنده، واستخدم أسلحته الشيطانية في هذه الأسرة، هذه المشكلة في أمر يجب أن لا يتعدى تفهم وجهة النظر الأخرى وتبصر الحل الصحيح، ثم تزول كغيرها، استخدم الأب سلطته هذه المرة بكل ما يملك، حيث لم يستوعب ما حصل من زوجته وهو طلبها أن يخصص لهم وقتًا للجلوس، والمحادثة والحوار، وتتبع الأولاد، وألا يكون وقته كله بين العمل والنوم وسهرات الزملاء والأصدقاء، ظن الأب أن هذا تعدٍّ على شخصيته الاعتبارية، وقدح في أسلوب حياته، فنفخ فيه الشيطان فغضب على هذه الزوجة المسكينة، انبرى بكل ما لديه من قوة كلامية مجردًا نفسه من كل خطأ، مستعرضًا إنجازاته وأعماله، حاولت الزوجة تفهمه بمطلبها وعرضها، لم يكن هنا فائدة، حاولت مرة أخرى أن تسحب كلامها لتهدئته فظن أن الأمر استهتار بشخصيته الكريمة، حتى وصل الأمر إلى تشاد بينهما، تدخل الأطفال بصراخهم وعويلهم، فلم يجد ذلك حتى أطلق حكمه القاطع بطلاقها بالثلاث، أفهمه الشيطان أن هذه هي الرجولة والشهامة والشخصية العظيمة، تفرق كل منهما بغرفة، ما الذي حصل؟ أصحيح ما تمّ؟ هل ولم ولماذا.. أسئلة محيّرة! بدأ الرجل يعود إلى صوابه.. ما الحل؟ ذهب مسرعًا إلى أصدقائه ليسألهم أعندهم حل؟ والجواب معلوم أنه عند العلماء، أجابه العلماء أنها طالق ثلاثًا ويجب التفريق، ولا يجوز رجوعه إليها إلا بعد أن تتزوج رجلاً آخر، أمعقول كل هذا؟ تفرقا، تنازعا عند الأولاد، نشأ الأولاد أيتامًا ووالديهم أحياء، شخصيات متناقضة، خلاف حول المادة، الرعاية، الحقوق، انقلب البيت رأسًا على عقب، تغيّر أشخاصه، إلى غير ذلك من المآسي.. وبعد كل هذا ما السبب؟ نعود لنقول إنه (الغضب) ولا شيء غيره.

المثال الرابع:

أقوله باختصار: أحدهم شاب في مقتبل عمره، يُرجى له مستقبل عامر بالعطاء، طلبت منه زوجته العروس أن تزور أهلها، وكان طلبًا في أصله عادي، لكنه هنا عنده غير عادي لتكرره قريبًا، غضب عليها منعها، اشتد غضبه، ثم بعد جهد وعناء أوصلها إلى أهلها، ثم ماذا حصل؟ دخل الشيطان بين هذه العروق المنتفخة وتمكن منه حتى أصابه بالوسوسة؟ فصار يفكر في الخلاص من المرأة، رغم أنه يريدها، فيحدث نفسه بالطلاق كثيرًا، يلجأ إلى العلماء، أظنني طلقت امرأتي، أحسب أني أجامعها زنى، استولى علي الوسواس بأني أعمل فواحش، وأن أعمل أعمالاً أخرى غير مقبولة عند الله، لا فائدة من العمل الصالح وأنا أعرف أنه غير مقبول، أنا أعيش في جحيم، الناس من حولي سعداء وأنا شقي أتعذب، هكذا في تفكير ووسواس لا ينتهي معذبًا نفسه هذا العذاب، السبب كله: (الغضب) وكيف تدرج به هذا الغضب إلى هذا المرض العضال عافانا الله وإياكم من كل سوء.

هذه نماذج مصدرها واحد ومنشؤها ومبدؤها: الغضب. نقف هنا لننظر بداية كل قصة منها لنجده: الغضب... هل هذا صحيح؟ والجواب: نعم.

وكيف؟ نرجع إلى نفسية هذا الشخص استسلم لحدث من الأحداث لم يقف منه الموقف الصحيح، ولجأ إلى البديل فغضب من التصرف ولم يكتف هنا! لماذا؟ لأنه فتح بابًا عظيمًا للشيطان، وناداه بأعلى صوته أن ادخل، فاستجاب سريعًا؛ بل كان يبحث عن هذا الباب، فدخل الشيطان، صار يزيده ويؤزه وينفخ فيه وهو يستجيب، ومن ثم يتقلب من سيء إلى أسوأ، تعاظم في نفسه فشجعه الشيطان، حتى أوقعه في الفعل المراد، فتقع الكارثة، ولتتوالى بعدها كوارث، أمراض، ونزاعات، وخصومات، وقطيعة، وطلاق، وضياع أولاد، واعتداء بالكلام، واعتداء بالأفعال، وضرب، وقتل، وسجن، وتشتت البيوت، والسبب: (الغضب).

فهل نعي ذلك؟ وندرك عظمة هذه الوصية العظيمة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب» لنقولها في أنفسنا: «لا تغضب»، لنقول لكل أب وأم، وزوج وزوجة «لا تغضب»، ولكل مسؤول وموظف، ولكل حاكم ومحكوم، ولكل عالم وداعية «لا تغضب»، ولكل مرب وموجه «لا تغضب»، وللجار والقريب، والبائع والمشتري «لا تغضب»، ولكل أحد «لا تغضب» «لا تغضب».

* * *


 علاج الغضب والوقاية منه

لقد وجّه الإسلام إلى التوقي من الغضب أو علاجه إذا وقع بتوجيهات عديدة، يمكن الاستعانة بها لتفادي الغضب وآثاره، ومعالجة حالة الغاضب، من جميع النواحي، من أهمها:

1 - الاقتناع بأن الغضب آفة خطيرة، ومرض عضال، يخشى على من يتصف به أن يصاب بأضرار فتاكة، فإا اقتنع الإنسان بذلك حاول أن يتجنب أسبابه ودواعيه، وأن يوطن نفسه لتجنبه والوقاية منه، ولا شك أن إيمان الإنسان في الشيء يعطيه اندفاعًا لتطبيق ما فيه، فهذه أول نقاط العلاج.

2 - أن يتجنب الإنسان أسباب الغضب ودواعيه، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم للذي سأله قائلاً: أوصني. قال: «لا تغضب». وقد فسر علماء الحديث قوله عليه الصلاة والسلام «لا تغضب» بالابتعاد عن أسباب الغضب ودوافعه، لأن الغضب غريزة موجودة في الإنسان لا يستطيع أحد التخلص منها، ولكن يمكن تهذيبها وتوجيهها نحو ما ينفع الناس، فالابتعاد عن أسباب الغضب والتي ذكرنا بعضًا منها كالحسد والظلم والخلافات الزوجية، يجعل الإنسان يشعر بالراحة النفسية والسعادة الحقيقية، يقول أبو العتاهية:

ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم                عدو العقل أعدى من الغضب

3 - الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، فالشيطان الذي أخرج آدم عليه السلام من الجنة، ودفع قابيل لقتل هابيل، هو نفسه الذي يثير الغضب في نفس الإنسان، ويشعل فيها نار الانتقام، ليعم لهيبها كل مكان، وهذه رسالة الشيطان ومهمته في الحياة، فلا يترك الإنسان في حاله حتى ينساق له ويتمثل لأمره، لأنه العدو الأول للإنسان فلا يريد له خيرًا ولا سعادة ولا أمانًا، لذا حذرنا الله تعالى منه في كتابه في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ))([20])، وأمرنا بالالتجاء إليه والتعوذ به من شروره، حيث قال جل ذكره: ((وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))([21]). وقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ))([22]).

وقد أرشدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الاستعاذة من الشيطان الرجيم عند الغضب، لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فقد روى مسلم في صحيحه أنه «استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال الرجل وهل ترى بي من جنون»([23]).

4 - الوضوء: وهي وصفة نبوية تخفف من وطأة الغضب على الإنسان وتحد من ثورته، وتهدئ نفس الغاضب، وتخفض من حرارة جسمه المتوهجة نتيجة الانفعال، فدل الرسول عليه الصلاة والسلام الإنسان في حالة الغضب باللجوء إلى الوضوء، لأن الغضب من الشيطان المخلوق من النار، فالذي يطفئ النار هو الماء، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»([24]).

وقال عليه الصلاة والسلام في خطبة له: «ألا إن الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم»([25]). ومثل الوضوء؛ بل قد يكون أعظم وأجدى الغسل.

5 - الالتصاق بالأرض: أي أن يبقى الإنسان الغاضب في مكانه، فإن كان جالسًا فلا يقوم، لأن الحركة قد تثيره أكثر، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء فليلصق بالأرض»([26]).

وفي التعقيب على هذا الحديث يقول الشيخ عبدالرحمن حسن حبنكة: «نلاحظ في هذا الحديث لونًا من ألوان العلاج لثورة الغضب وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم ألا وهو اللصوق بالأرض والغرض منه تجميد كل حركة يمكن أن ينجم عنها آثار غضبية مادية»([27]).

6 - تغيير وضعية الغاضب أثناء غضبه، إن كان واقفًا يجلس أو يضطجع، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع»([28]).

وهو علاج لتهدئة النفس وإخماد نار غضبها، لأن الإنسان في حالة الوقوف يكون مهيئًا للانتقام أكثر منها في حالة الجلوس، وفي حالة الجلوس منها في حالة الاضطجاع، لذا جاء الوصف النبوي بهذه الوصفة العلمية الدقيقة، التي أكدتها الدراسات النفسية المعاصرة، من أن أعصاب الجسم ترتخي وترتاح في الانفعال أثناء الجلوس أو الاضطجاع، وهي الحقيقة يجب الالتفات إليها من قبل المختصين لعلوم النفس، والعوام من البشر.

7 - كظم الغيظ أثناء الغضب بالعفو وعدم الانتقام، لأن ذلك يقضي على بذور الفتن، ويفتح أبواب المحبة والتسامح بين الناس، ويسد أبواب الشيطان التي يمكن من خلالها أن يدخل بين المسلمين فيثير العداوات والبغضاء في صفوفهم، ثم إن لهذا الكظم والعفو أجراً عند الله عظيم، ورضواناً منه ومغفرة، يقول الله تعالى في تعداد صفات المتسابقين إلى الخيرات: ((الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ))([29]).

والأحاديث الواردة في كظم الغيظ والعفو عن الناس كثيرة جدًا نذكر بعضًا منها:

قوله صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظًا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيِّره أي الحور شاء»([30]).

وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله»([31]).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»([32]).

فهذه الأحاديث وغيرها كثيرة تحث الغاضب على العفو والتسامح، والابتعاد عن الانتقام وهي ضوابط إيمانية يلتزم بها المؤمن الصادق؛ لأنها تجعله صاحب نفس قوية، تستطيع الانتقام ولكنها تمتنع عنه امتثالاً لقول نبيه صلى الله عليه وسلم، فترسى بهذه الضوابط دعائم الوحدة بين أبناء المجتمع، وترسخ فكرة التسامح والعفو التي تسمو بالنفس البشرية إلى أعلى مدارج السمو والرقي. إضافة إلى سدها منافذ الشيطان وإغلاقها مقاصده.

8 - السكوت وضبط اللسان عن الكلام أثناء الغضب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «علِّموا ويسِّروا ولا تعسّروا وإذا غضب أحدكم فليسكت» قالها ثلاثًا([33]). لأن إطلاق اللسان أثناء الغضب قد يجعل الإنسان يتلفظ بكلمات سيئة وبذيئة، تكون لها آثارٌ ضارة عليه وعلى الآخرين، ومعلوم أثر الكلام في النفس، والإنسان يمكن أن ينسى سلوكًا معينًا نحوه، أو تصرفًا مؤذيًا له، لكنه هيهات أن ينسى كلامًا جارحًا أو ثقيلاً على النفس قيل له، وغالبًا لا يتلفظ الإنسان الغاضب إلا بالكلمات التي تجرح مشاعر الآخرين، وقد يكون مخلاً بالآداب العامة، وقد حثنا الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام على الالتزام بالصمت والسكوت في جميع الحالات، إلا إذا كان الكلام خيرًا فقد سمح به، يقول عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»([34]).

وقال الشاعر:

جراحات السنان لها التئام                     ولا يلتام ما جرح اللسان

9 - الإحسان إلى المسيء وهو أعلى درجات الإحسان، وهو امتثال حقيقي لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثّرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: «يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء»([35]).

ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «اتق الله حيثما ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن»([36]).

ولنقلب صفحات التاريخ، ونروي ذلك الموقف الذي عجز اليراع من وصفه، وأدهش الأعداء والأصدقاء، صورة من الإحسان النبوي بقيت ماثلة أمام أنظار العظماء والرؤوساء، وهو موقفه عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة من المشركين الذين آذوه واضطهدوه وأخرجوه وأصحابه من ديارهم، وحاولوا قتله والتنكيل به، واتهموه بالجنون تارة وبالسحر تارة أخرى، وها هو اليوم يدخل مكة مع أصحابه فاتحين، وانقادت إليه الجموع متذللين صاغرين، الذين كانوا بالأمس من ألد أعدائه، فلا يرى هؤلاء المشركين وصناديدهم من هذا القائد الفاتح غير العفو والرحمة، فضرب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أعظم مثل في التسامح والإحسان لمن أساء إليه، فقال عليه الصلاة والسلام لهؤلاء الأعداء: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء»([37]).

وما أحوج الناس في هذا العصر إلى مثل هذا الموقف الرحيم لا سيما من الحكام والملوك والوزراء والعلماء وغيرهم ممن بأيديهم مصائر الناس، فإن مثل هذه المواقف تجلب الخير والنصر للبلاد والعباد، وترجعهم إلى دين الله رجعة حقيقية، وتدفعهم ليكونوا مواطنين صالحين مخلصين.

10 - الحلم والتحلي بكل مكارم الأخلاق عند الغضب، وعدم الحكم على شيء إلا بعد التحقق منه، درءًا للمفاسد التي قد تترتب على الاندفاع والانتقام، والحلم من صفات المؤمنين، وهو سبب لعلاج كثير من المشكلات النفسية ومنها الغضب، وهو دواء ناجع أينما حل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه»([38]).

لذا كان التوجيه النبوي واضحًا للقاضي أن لا يحكم وهو غضبان خشية عدم تحققه من القضية، وإلحاق الضرر بأحد المتخاصمين، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقضين أحدكم بين اثنين وهو غضبان»([39]).

فقد جاء زيد بن سعنة قبل إسلامه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطالبه بدين له عليه بغلظة وجفاء، والنبي عليه الصلاة والسلام يعامله بحلم وسعة صدر، وكان عنده عمر رضي الله عنه، فقام إلى زيد ينهره عن ذلك، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا يا عمر، تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي». وأمر بأداء الدين إليه، وأن يزاد على حقه مقابل الذعر الذي أصابه من قبل عمر رضي الله عنه، فكان ذلك سبب إسلامه رضي الله عنه ونجاته من غضب الله عز وجل وناره([40]).

ويقول الإمام الشافعي - رحمه الله -:

يخاطبني السفيه بكل قبح يزيد سفاهة فأزيد حلمًا

فأكره أن أكون له مجيبا كعود زاده الإحراق طيبًا

11 - أن يمتلك الغاضب نفسه أثناء الغضب، ويتحكم بها ولا يطلقها للانتقام أو الكلام، لأن ضبط النفس، والاستيلاء عليها أثناء الغضب، وإيقافها عن الانفعال والهيجان، هو القوة الحقيقة للإنسان، فالإنسان القوي هو الذي يستطيع التغلب على نفسه، أما الذي ينساق وراء النفس وأهوائها وشرورها فهو ضعيف لا يمكنه الصمود في الأزمات والشدائد، لذلك قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في بيانه لحقيقة القوة والشجاعة: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»([41]).

حكم تصرف الغاضب:

الغضب لا يعذر الغاضب ولا يعفيه عن مسؤولية تصرفاته، فتصرفاته كلها معتبرة وعليها أحكام وعقوبات، فإذا أتلف مالاً فإنه يضمن المال الذي أتلفه، وإذا قتل نفسًا فإنه يقتص منه، وإذا تلفظ بالكفر فيحكم عليه بالردة عن الإسلام حتى يتوب، وإذا طلّق زوجته فإن طلاقه يقع إلا في حالة واحدة إذا كان الغاضب فاقدًا الوعي لا يدري ما يقول، فإنه في هذه الحالة لا يقع الطلاق، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»([42]). وهكذا فتصرفاته معتبرة وتقع عليه مسؤولية تلك التصرفات.

* * *


 الدعاة والمربون والغضب

هذه وقفة خاصة لأهميتها، وضرورتها في هذا العصر لصنف من أعلى أصناف الناس، وهم الذين يقومون بمهمة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين حملوا ميراثه العظيم وهو: مهمة العلم والدعوة والتربية والإصلاح، ما أحوجهم إلى دراسة هذا الأمر العظيم وهم يسيرون في طريقهم الميمون، لينالوا الدرجات العلى.

الدعوة والتربية مهمة عظيمة وفي الوقت نفسه مهمة شاقة؛ لذا عظم واشتد شأن الحلم فيها والبعد عن الغضب شأنهم شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يحملون ميراثه، كيف يغضب المربي ويريد ممن يربيهم أن يعملوا بتوجيهاته وينفذوا أوامره؟ وكيف يغضب الداعية وهو قد ندب نفسه لنصح الناس وتوجيههم وتصحيح أخطائهم وتعديل سلوكهم؟ كيف يغضب العالم الذي يريد تبليغ كلمة الله جل وعلا ودين الله سبحانه وتعالى.

نعم، قد يولد بعض الناس ويكون من صفاتهم سرعة الغضب، ولكن من أراد المعالي فليتحمل الصعاب ومشاق الصعود إليها، والحلم بالتحلم كما أن العلم بالتعلم.

تريد الناس أيها الداعي أن يستمعوا إليك فاحلم وابتسم.

تريد أن يصححوا أخطاءهم فارأف بهم وتحملهم.

تريد أن يحبوك فأظهر حبهم واصبر على ما بدر منهم.

تريد أن تنقلهم من الضلالة إلى الهدى فتحمل عظم النقل.

تريد طريق الأنبياء والمرسلين فاعلم أنه مفروش بالصعاب والأشواك.

تريد أن ترى ثمار عملك فابتعد عما يعكر صفو طريقك ومنه (الغضب).

تريد أن تؤثر في أفكارك ومنهجك فتقرب إلى الناس وإن أغضبوك.

تريد أن تنقل ما لديك من علم نافع فلا تغضب.

وأخيرًا أقول هنا إن كانت (لا تغضب) وصية لعامة الناس فهي لك أيها المربي والداعي والمسؤول أهم وأجدى وأشد.

* * *


 الخاتمـــة

إن هذا البحث حول حديث (لا تغضب) كان جولة مع الطب النفسي النبوي، الذي وصفه لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى وإنما هو وحي يوحى، أطلعنا على كثير من أسرار النفس البشرية ومشكلاتها وأمراضها، التي لم نكن نعرف عنها إلا اليسير، وأرشدنا إلى الدواء الناجع لمعالجة هذه المشكلات والأمراض، وتفادي أخطارها على المسلمين وأوطانهم، ليكونوا صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وأطلعنا هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم على حقيقة العلاقة بين النفس البشرية ودور الشيطان فيها، وطرقه التي يدخل منها إلى الإنسان ويغريه بالآمال الكاذبة، ويصور له الخيال واقعًا، والحقيقة خيالاً، ودلنا عليه الصلاة والسلام على طرق الوقاية من الوسواس الخناس عند الغضب، والالتزام بالحلم في الأمور كلها فإن الحلم صفة حميدة لا يؤتى إلا لذي حظ عظيم. وبهذا التشخيص النبوي وهذا العلاج النفسي، يمكن للمسلم أن يعيش حياة سعيدة بعيدة عن الأحقاد والمشاجرات، ويعيش حياة هادئة بعيدة عن الأمراض النفسية والتوترات العصبية.

وبعد؛ فهذه كلمات جرى بها القلم علها تكون مؤشرات نافعة تنفع كاتبها وقارئها، وتكون من المدخرات في الحياة وبعد الممات، أسأل الله تعالى أن يرزقنا الحلم وسعة الصدر، وأن يعيذنا من الشيطان الرجيم، وأن يقينا الغضب وسائر الشرور والآثام إنه سميع قريب مجيب.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كتبه/

فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر



([1]) سورة الشمس، الآيات: 7 - 10.

([2]) سورة التوبة، الآية 123.

([3]) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الحذر من الغضب، رقم 6116، ص1066.

([4]) الوافي في شرح الأربعين النووية، ص101.

([5]) ينظر: فتح الباري (10/637).

([6]) ينظر: - علم النفس في حياتنا اليومية، د. محمد عثمان نجاتي، ص73.

-    قوة الصوم في مواجهة الغضب، د. فوزي عبدالقادر الفيشاوي، الفيصل، ع255، ص40

-    الغضب وكيف عالجه الإسلام، محمد مصطفى السمري، المجلة العربية، س21، ع243، ربيع الآخر 1418، ص42.

([7]) صحيح البخاري، رقم 2038، ص327.

([8]) سنن أبي داود، رقم 4784، ص678.

([9]) جامع الترمذي، رقم 2191، ص504.

([10]) سورة التوبة، الآيتان 14، 15.

([11]) سورة الفتح، الآية 29.

([12]) سورة التحريم، الآية 9.

([13]) صحيح البخاري، رقم 6853، ص1181.

([14]) صحيح البخاري، رقم 6102، ص1064.

([15]) صحيح مسلم، رقم 4410، ص 748.

([16]) صحيح مسلم، رقم 5527، ص943.

([17]) سنن أبي داود، رقم 4338، ص 609-610.

([18]) سورة الشمس، الآيتان 7، 8.

([19]) قوة الصوم في مواجهة الغضب، د. فوزي عبدالقادر الفيشاوي، الفيصل، ع255، ص41.

([20]) سورة فاطر، الآية 6.

([21]) سورة الأعراف، الآية 200.

([22]) سورة الأعراف، الآية: 201.

([23]) صحيح مسلم، رقم 6646، ص 1139.

([24]) سنن أبي داود، رقم 4784، ص678.

([25]) جامع الترمذي، رقم 2191، ص504. وكذلك رواه أحمد في مسنده.

([26]) جامع الترمذي، رقم 2191، ص504.

([27]) الأخلاق الإسلامية وأسسها (2/331).

([28]) سنن أبي داود، رقم 4782، ص678. وكذلك رواه أحمد وابن حبان.

([29]) سورة آل عمران، الآية 134.

([30]) سنن ابن ماجه، رقم 4186، ص610.

([31]) سنن ابن ماجه، رقم 4189، ص610.

([32]) صحيح مسلم، رقم 6592، ص1131-1132.

([33]) مسند أحمد، رقم 2136، ص 207.

([34]) صحيح مسلم، رقم 174، ص41.

([35]) متفق عليه، واللفظ للبخاري في صحيحه، رقم 3149، ص523-524.

([36]) جامع الترمذي، رقم 1987، ص460.

([37]) السيرة النبوية لابن هشام، 4/54-55.

([38]) صحيح مسلم، رقم 6602، ص1133.

([39]) متفق عليه، واللفظ للبخاري في صحيحه، رقم 7158، ص1231-1232.

([40]) رواه الحاكم في المستدرك 2/32.

([41]) صحيح البخاري، رقم 6114، ص1066.

([42]) سنن أبي داود، رقم 2193، ص317.

رأيك يهمنا