مكارم الأخلاق

نبذة مختصرة

مكارم الأخلاق: أصل هذا الكُتيب محاضرة ألقاها الشيخ - رحمه الله - في المركز الصيفي بمعهد عنيزة العلمي ضمن جهوده التربوية المُوفقة لأبنائه الطلاب، وإسداء النصح الصادق لهم، والتوجيه العلمي والعملي للتحلِّي بالفضائل، والتخلُّق بالآداب الإسلامية الحسنة، تأسيًا برسولنا محمد - عليه الصلاة والسلام -.

تفاصيل

 مكارم الأخلاق

بسم الله الرحمن الرحيم

 تقديم

إن الحمد لله, نحمده، ونستعينه، ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضلّ له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فأصل هذا الكتيّب الذي بين يديك -أيّها القارئ الكريم- محاضرةٌ ألقاها صاحب الفضيلة شيخنا محمد بن صالحٍ العثيمين -رحمه الله تعالى- في المركز الصيفيّ بمعهد عنيزة العلميّ ضمن جهوده التربوية الموفقة لأبنائه الطّلاب، وإسداء النّصح الصادق لهم، والتوجيه العلميّ والعمليّ للتحليّ بالفضائل، والتخلّق بالآداب الإسلامية الحسنة؛ تأسّيًا برسولنا محمدٍ -عليه الصلاة والسلام-.

وقد كان عنوان المحاضرة «حسن الخلق»، ونشرت عام 1417هـ بعنوان «مكارم الأخلاق»، بعناية الشّيخ خالد مصطفى سالم أبو صالحٍ -جزاه الله خيرًا-.

وإنفاذًا للقواعد والضوابط والتوجيهات التي قررها صاحب الفضيلة شيخنا محمد بن صالحٍ العثيمين -رحمه الله تعالى- لإخراج مؤلفاته، تمّ -ولله الحمد والشّكر- التوثيق ومقابلة الكتيّب على أصوله المسموعة، وأكملت مراحل إعداده للطّباعة والنشر.

وبهذا العمل تكون هذه الطبعة -التي نسأل الله تعالى أن ينفع بها- هي المعتمدة دون غيرها.

ندعو المولى -عز وجل- أن يكلّل أعمالنا بالتوفيق والسداد، وأن يجعلها خالصةً لوجهه الكريم، ويجزي شيخنا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويعلي درجته في المهديّين، ويسكنه فسيح جناته؛ إنه سميعٌ قريبٌ، والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين.

اللجنة العلمية

في مؤسسة الشّيخ محمد بن صالحٍ العثيمين الخيرية

1/6/1428هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله, نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضلّ له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحقّ, ليظهره على الدين كلّه, بعثه الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا, وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا, فبلغ الرّسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة, وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين, ووفق الله من شاء من عباده فاستجاب لدعوته, واهتدى بهديه, وخذل الله بحكمته من شاء من عباده, فاستكبر عن طاعته, وكذب خبره, وعاند أمره, فباء بالخسران والضلال البعيد.

أما بعد: فإنه يطيب لي في هذا اللّقاء([1]) أن أتحدث عن الخلق الحسن.

والخلق -كما يقول أهل العلم-: هو صورة الإنسان الباطنة؛ لأنّ للإنسان صورتين:

صورةً ظاهرةً: وهي شكل خلقته التي جعل الله البدن عليه، وكما نعلم جميعًا أن هذه الصّورة الظاهرة منها ما هو جميلٌ حسنٌ, ومنها ما هو قبيحٌ سيئٌ, ومنها ما بين ذلك.

وكذلك تنقسم الصّورة الباطنة إلى صورةٍ حسنةٍ وإلى صورةٍ سيّئةٍ، وهذا ما يعبر عنه بالخلق، فالخلق إذن هو الصّورة الباطنة التي طبع الإنسان عليها.

وهل الأخلاق جبلةٌ أم اكتسابٌ؟

والجواب: أن الأخلاق منها جبلةٌ ومنها اكتسابٌ بلا شكّ. فكما يكون الخلق طبيعةً, فإنه قد يكون كسبًا, بمعنى أن الإنسان كما يكون مطبوعًا على الخلق الحسن الجميل, فقد يحصل على الخلق عن طريق الكسب والتمرين؛ ولذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: «إن فيك خلّتين يحبّهما الله: الحلم والأناة» قال: يا رسول الله! أنا أتخلّق بهما، أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله جبلك عليهما» قال: الحمد لله الذي جبلني على خلّتين يحبّهما الله ورسوله.

فهذا دليلٌ على أن الأخلاق الحميدة الفاضلة تكون طبعًا وتكون تطبّعًا, ولكن الطبع – بلا شك – أحسن من التطبّع؛ لأن الخلق إذا كان طبيعيًّا صار سجيةً للإنسان وطبيعةً له, لا يحتاج في ممارسته إلى تكلّفٍ, ولا يحتاج في ممارسته إلى تصنّعٍ، ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء. ومن حرم هذا – أي من حرم الخلق عن سبيل الطبع – فإنه يمكنه أن يناله عن سبيل التطبّع, وذلك بالتمرين والممارسة، كما سنذكره -إن شاء الله تعالى- فيما بعد.

وهنا مسألةٌ وهي: أيّهما أفضل؛ رجلٌ جبل على خلقٍ حميدٍ, ورجلٌ يجاهد نفسه على التخلّق به، فأيّهما أعلى منزلةً وأعظم أجرًا؟

ونقول جوابًا على هذه المسألة: إنه لا شك أن الذي جبل على الخلق أكمل من حيث تخلّقه بذلك, أو من حيث وجود الخلق فيه؛ لأنه لا يحتاج إلى عناءٍ ولا مشقةٍ, ولا يفوته في بعض المواطن والأماكن؛ إذ إن حسن الخلق فيه سجيةٌ وطبعٌ, فهو في أيّ وقتٍ تلقاه تجده حسن الخلق, وفي أيّ مكانٍ تلقاه تجده حسن الخلق, وعلى أيّ حالٍ تلقاه تجده حسن الخلق, فهو من هذه الناحية أكمل بلا شك.

وأما الخلق الذي يكون بالتطبّع وبالمعالجة والممارسة أو التمرين، فالإنسان يؤجر عليه من جهة مجاهدة نفسه، لكنه من حيث كمال الخلق أنقص بكثيرٍ من القسم الأول.

فإذا رزق الإنسان الخلقين جميعًا, طبعًا وتطبّعًا, كان ذلك أكمل, والأقسام أربعةٌ:

1- من حرم حسن الخلق.

2- من جبل عليه ولكنه اقتصر على الجبلة.

3- ومن جبل عليه وزاد ذلك بالتكسّب.

4- ومن لم يجبل لكنه أخذه بالتكسّب .

فالحاصل: بالنّسبة لحسن الخلق أن من جبل عليه فهو أكمل، وأما من حيث المعاناة والمشقة في تحصيل حسن الخلق، فإن من أخذه عن طريق التكسّب فله أجر المجاهدة.

وهنا مسألةٌ: هل هناك أخلاقٌ ليست في القرآن والسّنة، وما السبيل إلى معرفتها؟

الجواب: قال -عليه الصلاة والسلام-: «إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»؛ وذلك أن الشرائع السابقة التي شرعها الله للعباد كلّها تحثّ على الأخلاق الفاضلة, ولهذا ذكر أهل العلم أن الأخلاق الفاضلة مما أطبقت الشرائع على طلبه، ولكن هذه الشريعة الكاملة جاء النبيّ -عليه الصلاة والسلام- فيها بتمام مكارم الأخلاق, ولنضرب لذلك مثلًا بمسألة القصاص، أي: لو أن أحدًا جنى على أحدٍ, فهل يقتصّ منه أم لا؟ ذكروا أن القصاص في شريعة اليهود حتميٌّ ولا بدّ منه, ولا خيار للمجنيّ عليه فيه، وأن في شريعة النصارى العكس وهو وجوب العفو, لكن شريعتنا جاءت كاملةً من الوجهين, ففيها القصاص وفيها العفو؛ لأن في أخذ الجاني بجنايته حزمًا وكفًّا للشرّ, وفي العفو عنه إحسانًا وجميلًا وبذل معروفٍ فيمن عفوت عنه, فجاءت شريعتنا والحمد لله مكمّلةً, خيّرت من له الحقّ بين العفو والأخذ؛ لأجل أن يعفو في مقام العفو, وأن يأخذ في مقام الأخذ.

 مجالات حسن الخلق

إن كثيرًا من الناس يذهب فهمه إلى أن حسن الخلق خاصٌّ بمعاملة الخلق دون معاملة الخالق، ولكن هذا الفهم قاصرٌ, فإن حسن الخلق كما يكون في معاملة الخلق, يكون أيضًا في معاملة الخالق.

فموضوع حسن الخلق إذن: معاملة الخالق -جلّ وعلا-، ومعاملة الخلق أيضًا, وهذه المسألة ينبغي أن ينتبه لها.

الأول: حسن الخلق في معاملة الخالق -جلّ وعلا-:

حسن الخلق في معاملة الخالق يجمع ثلاثة أمورٍ:

1- تلقّي أخبار الله تعالى بالتصديق.

2- تلقّي أحكامه بالتنفيذ والتطبيق.

3- تلقّي أقداره بالصبر والرّضا.

هذه ثلاثة أشياء عليها مدار حسن الخلق مع الله تعالى.

1- تلقّي أخباره بالتصديق, بحيث لا يقع عند الإنسان شكٌّ أو تردّدٌ في تصديق خبر الله -عز وجل-؛ لأن خبر الله تعالى صادرٌ عن علمٍ وهو سبحانه أصدق القائلين, كما قال الله تعالى عن نفسه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا } [النساء:87].

ولازم تصديق أخبار الله أن يكون الإنسان واثقًا بها, مدافعًا عنها, مجاهدًا بها بحيث لا يدخله شكٌّ أو تشكيكٌ في أخبار الله -عز وجل- وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم.

وإذا تخلّق العبد بهذا الخلق أمكنه أن يدفع كلّ شبهةٍ يوردها المغرضون على أخبار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، سواءٌ أكانوا من المسلمين الذين ابتدعوا في دين الله ما ليس منه, أم كانوا من غير المسلمين, الذين يلقون الشّبه في قلوب المسلمين.

ولنضرب لذلك مثلًا: ثبت في «صحيح البخاريّ» من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وقع الذّباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه, فإن في إحدى جناحيه داءً والأخرى شفاءً».

فهذا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو في أمور الغيب لا ينطق عن الهوى, وإنما ينطق بما أوحى الله تعالى إليه؛ لأنه بشرٌ, والبشر لا يعلم الغيب, بل قد قال الله له: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام:50].

فهذا الخبر يجب علينا أن نقابله بحسن الخلق, وحسن الخلق نحو هذا الخبر أن نتلقاه بالقبول, وأن نجزم بأنّ ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فهو حقٌّ وصدقٌ، وإن اعترض عليه من يعترض, ونعلم علم اليقين أن ما خالف ما صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه باطلٌ؛ لأن الله تعالى يقول: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُون } [يونس:32].

ومثالٌ آخر: من أخبار يوم القيامة:

أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم «أن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بقدر ميلٍ»، فسواءٌ كان هذا ميل المكحلة, أو كان ميل المسافة, فإن هذه المسافة بين الشمس ورؤوس الخلائق قليلةٌ, ومع هذا فإن الناس لا يحترقون بحرّها, مع أن الشمس لو تدنو الآن في الدّنيا مقدار أنملةٍ لاحترقت الدّنيا.

فقد يقول قائلٌ: كيف تدنو الشمس من رؤوس الخلائق يوم القيامة بهذه المسافة, ثم يبقى الناس لحظةً؟!

فما حسن الخلق نحو هذا الحديث؟

حسن الخلق نحو هذا الحديث أن نقبله، ونصدّق به, وأن لا يكون في صدورنا حرجٌ منه ولا ضيقٌ ولا تردّدٌ, وأن نعلم أن ما أخبر به النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا فهو حقٌّ.

ولا يمكن أن نقيس أحوال الآخرة بأحوال الدّنيا لوجود هذا الفارق العظيم، فنحن نعلم أن الناس يقفون يوم القيامة خمسين ألف سنةٍ، وعلى مقياس ما في الدّنيا فهل يمكن أن يقف أحدٌ من الناس خمسين ألف سنةٍ؟

الجواب: لا، إذن فالفارق عظيمٌ، فإذا كان كذلك فإن المؤمن يقبل مثل هذا الخبر بانشراح صدرٍ وطمأنينةٍ, ويتسع فهمه له، وينفتح قلبه له.

2- تلقّي أحكام الله بالقبول والتنفيذ والتطبيق: فلا يردّ شيئًا من أحكام الله, فإذا ردّ شيئًا من أحكام الله فهذا سوء خلقٍ مع الله -عز وجل-, سواءٌ ردها منكرًا حكمها, أو ردها مستكبرًا عن العمل بها, أو ردها متهاونًا بالعمل بها, فإن ذلك منافٍ لحسن الخلق مع الله -عز وجل-.

ولنضرب لذلك مثلًا: بما نتلبس به في شهر رمضان من الأعمال الصالحة الشاقة، فالصوم لا شكّ أنه شاقٌّ على النّفوس؛ لأن الإنسان يترك فيه المألوف: من طعامٍ, وشرابٍ ونكاحٍ, وهذا أمرٌ شاقٌّ على الإنسان, ولكن المؤمن حسن الخلق مع الله -عز وجل-, يقبل هذا التكليف, أو بعبارةٍ أصح: يقبل هذا التشريف, وهذه نعمةٌ من الله -عز وجل- يقبلها بانشراح صدرٍ وطمأنينةٍ, وتتسع لها نفسه, فتجده يصوم الأيام الحارة الطويلة, وهو بذلك راضٍ منشرح الصدر؛ لأنه يحسن الخلق مع ربّه. لكن سيّئ الخلق مع الله يقابل مثل هذه العبادة بالضّجر والكراهية, ولولا أنه يخشى من أمرٍ لا تحمد عقباه, لكان لا يلتزم بالصّيام.

ومثالٌ آخر: الصلاة، فهي لا شك أنها ثقيلةٌ على بعض الناس, وهي ثقيلةٌ على المنافقين, كما قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: «أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر».

لكن الصلاة بالنّسبة للمؤمن ليست ثقيلةً, قال تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِين  الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون } [البقرة:45-46]. فهي على هؤلاء غير كبيرةٍ, بل إنها سهلةٌ يسيرةٌ؛ ولهذا قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: «جعلت قرّة عيني في الصلاة».

فحسن الخلق مع الله -عز وجل- بالنّسبة للصلاة أن تؤدّيها وقلبك منشرحٌ مطمئنٌّ, وعينك قريرةٌ, تفرح إذا كنت متلبّسًا بها, وتنتظرها إذا أقبل وقتها, فإذا صليت الفجر كنت في شوقٍ إلى صلاة الظّهر، وإذا صليت الظّهر كنت في شوقٍ إلى صلاة العصر, وإذا صليت العصر كنت في شوقٍ إلى صلاة المغرب, وإذا صليت المغرب, كنت في شوقٍ إلى صلاة العشاء, وإذا صليت العشاء كنت في شوقٍ إلى صلاة الفجر، وهكذا دائمًا قلبك معلقٌ بهذه الصلوات، فهذا لا شك أنه من حسن الخلق مع الله تعالى.

مثالٌ ثالثٌ في المعاملات: تحريم الرّبا، فقد حرّم الله علينا الرّبا تحريمًا صريحًا في القرآن كما قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } [سورة البقرة:275] وقال فيه: {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون } [البقرة:275]. فتوعد من عاد إلى الرّبا بعد أن جاءته الموعظة وعلم الحكم, توعّده بالخلود في النار -والعياذ بالله-.

فالمؤمن يقبل هذا الحكم بانشراحٍ ورضًا وتسليمٍ, وأما غير المؤمن فإنه لا يقبله, ويضيق صدره به, وربما يتحيّل عليه بأنواع الحيل؛ لأننا نعلم أنّ في الرّبا كسبًا متيقنًا، وليس فيه أيّ مخاطرةٍ, لكنه في الحقيقة كسبٌ لشخصٍ وظلمٌ لآخر, ولهذا قال الله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون } [البقرة:279].

3- تلقّي أقدار الله تعالى بالرّضا والصبر: وهو الأمر الثالث من حسن الخلق مع الله، وكلّنا يعلم أن أقدار الله -عز وجل- التي يدبّرها في خلقه ليست كلّها ملائمةً للخلق، فهل كلّ ما يقدّره الله علينا ملائمٌ لنا؟ بمعنى أن نفوسنا تميل إليه، ويتلاءم مع نفوسنا؟ الواقع لا.

فالمرض مثلًا لا يلائم الإنسان, فالإنسان يحبّ أن يكون صحيحًا.

وكذلك الفقر لا يلائم الإنسان, فالإنسان يحبّ أن يكون غنيًّا، وكذلك الجهل لا يلائم الإنسان, فالإنسان يحب أن يكون عالمًا, لكنّ أقدار الله -عز وجل- بحكمته تتنوع, منها ما يلائم الإنسان ويستريح له بمقتضى طبيعته, ومنها ما لا يكون كذلك، فما هو حسن الخلق مع الله -عز وجل- نحو أقداره؟

حسن الخلق مع الله نحو أقداره أن ترضى بما قدر الله لك, وأن تطمئن إليه، وأن تعلم أنه -سبحانه وتعالى- ما قدره إلا لحكمةٍ وغايةٍ محمودةٍ يستحقّ عليها الحمد والشّكر.

وعلى هذا، فإن حسن الخلق مع الله نحو أقداره هو أن يرضى الإنسان ويستسلم ويطمئنّ؛ ولهذا امتدح الله الصابرين فقال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِين  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون } [البقرة:155-156].

الثاني: حسن الخلق في معاملة الخلق:

أما حسن الخلق مع المخلوق: فعرّفه بعضهم ومنهم الحسن البصريّ -رحمه الله- بأنه كفّ الأذى, وبذل الندى, وطلاقة الوجه.

أولًا: معنى كفّ الأذى: أن يكف الإنسان أذاه عن غيره، سواءٌ كان هذا الأذى يتعلق بالمال, أو يتعلق بالنفس, أو يتعلق بالعرض, فمن لم يكف أذاه عن الخلق فليس بحسن الخلق, بل هو سيّئ الخلق.

وقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم حرمة ذلك في أعظم مجمعٍ اجتمع فيه بأمته حيث قال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ, كحرمة يومكم هذا, في شهركم هذا, في بلدكم هذا».

إذا كان رجلٌ يعتدي على الناس بأخذ المال, أو يعتدي على الناس بالغش, أو يعتدي على الناس بالخيانة, أو يعتدي على الناس بالضرب والجناية, أو يعتدي على الناس بالسبّ والغيبة, فلا يكون هذا حسن الخلق مع الناس؛ لأنه لم يكف أذاه عنهم, ويعظم إثم ذلك كلما كان موجهًا إلى من له حقٌّ عليك أكبر.

فالإساءة إلى الوالدين مثلًا أعظم من الإساءة إلى غيرهما, والإساءة إلى الأقارب أعظم من الإساءة إلى الأباعد, والإساءة إلى الجيران أعظم من الإساءة إلى من ليسوا جيرانًا لك؛ ولهذا قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: «والله لا يؤمن, والله لا يؤمن, والله لا يؤمن» قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه».

ثانيًا: معنى بذل النّدى: الندى هو الكرم والجود, يعني أن تبذل الكرم والجود، والكرم ليس كما يظنّه بعض الناس هو أن تبذل المال، بل الكرم يكون في بذل النفس, وفي بذل الجاه, وفي بذل المال.

فإذا رأينا شخصًا يقضي حوائج الناس, ويساعدهم, ويتوجه في شؤونهم إلى من لا يستطيعون الوصول إليه, وينشر علمه بين الناس, ويبذل ماله بين الناس, فإنا نصفه بحسن الخلق؛ لأنه بذل الندى, ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت, وأتبع السيّئة الحسنة تمحها, وخالق الناس بخلقٍ حسنٍ».

ومن مخالقة الناس بخلقٍ حسنٍ: أنك إذا ظلمت أو أسيء إليك فإنك تعفو وتصفح, وقد امتدح الله العافين عن الناس, فقال في أهل الجنة: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين } [آل عمران:134].

وقال تعالى: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [آل عمران:237].

وقال تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا } [النور:22].

وقال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } [الشورى:40].

وكلّ إنسانٍ يتصل بالناس, فلا بد أن يجد من الناس شيئًا من الإساءة, فموقفه من هذه الإساءة أن يعفو ويصفح, وليعلم علم اليقين أنه بعفوه وصفحه ومجازاته بالحسنى, سوف تنقلب العداوة بينه وبين أخيه إلى ولايةٍ وصداقةٍ, قال تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم } [فصلت:34].

وتأملوا أيّها العارفون باللّغة العربية كيف جاءت النتيجة بـ(إذا) الفجائية, لأن «إذا» الفجائية تدلّ على الحدوث الفوريّ في نتيجتها {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم } [سورة فصلت:34] , ولكن ليس كلّ أحدٍ يوفق لذلك، قال الله تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم } [فصلت:35].

وهل نفهم من هذا أن العفو عن الجاني محمودٌ مطلقًا ومأمورٌ به؟ قد يفهم هذا من الآية, ولكن ليكن معلومًا أن العفو إنما يحمد إذا كان العفو أحمد, فإن كان الأخذ أحمد؛ فالأخذ أفضل، ولهذا قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } [الشورى:40]. فجعل العفو مقرونًا بالإصلاح.

فالعفو يمكن أن يكون غير إصلاحٍ، فقد يكون هذا الذي جنى عليك واجترأ عليك رجلًا معروفًا بالشرّ والفساد, فلو عفوت عنه لتمادى في شرّه وفساده، فالأفضل في هذا المقام أن نأخذ بالجريمة؛ لأن في ذلك إصلاحًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «الإصلاح واجبٌ, والعفو مندوبٌ؛ فإذا كان في العفو فوات الإصلاح فمعنى ذلك أننا قدمنا مندوبًا على واجبٍ, وهذا لا تأتي به الشريعة», وصدق رحمه الله.

وإنني بهذه المناسبة أودّ أن أنبّه على مسألةٍ يفعلها كثيرٌ من الناس بقصد الإحسان, وهي أن تقع حادثةٌ من شخصٍ, فيهلك بسببها شخصٌ آخر, فيأتي أولياء المقتول فيسقطون الدّية عن هذا الجاني الذي فعل الحادث، فهل إسقاطهم للدّية محمودٌ ويعتبر من حسن الخلق أم في ذلك تفصيلٌ؟

في ذلك تفصيلٌ: فلابد أن نتأمل ونفكّر في حال هذا الجاني الذي وقع منه الحادث, هل هو من الناس المعروفين بالتهوّر وعدم المبالاة؟ هل هو من الطّراز الذي لا يبالي -والعياذ بالله- أن يصدم شخصًا لأنه يستطيع دفع ديته، أم أنه رجلٌ حصلت منه هذه الحادثة مع كمال التحفّظ وكمال الاتّزان, ولكن الله تعالى قد جعل لكلّ شيءٍ قدرًا؟

فإن كان من الطّراز الثاني فالعفو في حقّه أولى, ولكن قبل العفو حتى في الطّراز الثاني يجب أن نلاحظ هل على الميّت دينٌ؟ فإذا كان على الميّت دينٌ لا وفاء له إلا من الدّية, فإنه لا يمكن أن نعفو؛ لأن الدّين مقدمٌ على الميراث, ولو عفونا فإن عفونا لا يعتبر، وهذه مسألةٌ ربما يغفل عنها كثيرٌ من الناس, ونحن نقول ذلك لأن الورثة يتلقون الاستحقاق لهذه الدّية من الميّت الذي أصيب في الحادث, ولا يرد استحقاقهم إلا بعد الدين؛ ولهذا لما ذكر الله الميراث قال: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } [النساء:11].

والحاصل أن من حسن الخلق: العفو عن الناس، وهو من باب بذل الندى؛ لأن بذل الندى إما إعطاءٌ وإما إسقاطٌ, والعفو من الإسقاط.

ثالثًا: طلاقة الوجه: بأن يكون الإنسان طليق الوجه, وضدّ ذلك عبوس الوجه؛ ولهذا قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: «لا تحقرنّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلقٍ».

فطلاقة الوجه تدخل السّرور على من قابلك، وعلى من اتّجه لك وتوجب المودة والمحبة، وتوجب انشراح الصدر منك وممن يقابلك، وجرّب تجد.

لكن إذا كنت عبوسًا, فإن الناس ينفرون منك, ولا ينشرحون بالجلوس إليك, ولا بالتحدّث معك, وربما تصاب بالمرض الخطير وهو ما يسمى بالضغط, فإن انشراح الصدر وطلاقة الوجه من أنجع العقاقير المانعة من هذا الداء ؛ ولهذا ينصح الأطباء من ابتلي بهذا الداء بأن يبتعد عمّا يثيره ويغضبه؛ لأن ذلك يزيد في مرضه, فطلاقة الوجه تقضي على هذا المرض؛ لأن الإنسان بذلك يكون منشرح الصدر محبوبًا إلى الخلق.

هذه هي الأصول الثلاثة التي يدور عليها حسن الخلق في معاملة الخلق.

ومن حسن الخلق مع الخلق: حسن المعاشرة مع الأصدقاء والأقارب والأهل, فلا يضيق بهم ولا يضيّق عليهم, بل يدخل السّرور عليهم بقدر ما يمكنه في حدود شريعة الله, وهذا القيد لا بد منه؛ لأن من الناس من لا يسرّ إلا بمعصية الله -والعياذ بالله-, فهذا لا نوافقه, لكن إدخال السّرور على من يتصل بك من أهلٍ وأصدقاء وأقارب في حدود الشرع من حسن الخلق؛ ولهذا قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: «خيركم خيركم لأهله, وأنا خيركم لأهلي».

وكثيرٌ من الناس – مع الأسف الشديد – يحسن الخلق مع الناس, ولكنه لا يحسن الخلق مع أهله, وهذا خطأٌ وقلبٌ للحقائق, فكيف تحسن الخلق مع الأباعد وتسيء الخلق مع الأقارب؟! قد يقول: لأنّي لا أجد حرجًا في رفع الكلفة والمجاملة بيني وبين الأقارب، فأنا أسيء الخلق معهم، فنقول: هذا ليس بصحيحٍ فالأقارب أحقّ الناس بأن تحسن إليهم الصّحبة والعشرة ولهذا قال رجلٌ: يا رسول الله، من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمّك» قال: ثم من؟ قال: «أمّك» قال: ثم من؟ قال: «أمّك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك».

والأمر عند بعض الناس بالعكس, تجده يسيء العشرة مع أمّه, ويحسن العشرة مع زوجته, فيكون مقدّمًا إحسان العشرة مع زوجته على برّ أمّه.

والحاصل: أن إحسان العشرة مع الأهل والأصحاب والأقارب كلّ ذلك من حسن الخلق.

وينبغي لنا في هذه المراكز الصيفية أن نستغل وجود الشباب بحيث نمرّنهم على إحسان الخلق؛ ليكون هذا المركز مركز تعليمٍ وتربيةٍ؛ لأن العلم بدون تربيةٍ قد يكون ضرره أكثر من نفعه، لكن مع التربية يكون العلم مؤدّيًا لنتيجته المقصودة؛ ولهذا قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُون } [آل عمران:79].

هذه فائدة العلم أن يكون الإنسان ربّانيًّا, بمعنى مربّيًا لعباد الله على شريعة الله، فهذه المراكز التي نأمل من القائمين عليها أن يجعلوها ميدانًا للتسابق في الأخلاق الفاضلة، ومنها إحسان الخلق.

وقد ذكرنا أولًا أن حسن الخلق يكون بالطبع ويكون بالتطبّع, وأن حسن الخلق بالطبع أكمل من حسن الخلق بالتطبّع, وأتينا على ذلك بدليلٍ وهو قول الرسول -عليه الصلاة والسلام- لأشجّ عبد القيس: «بل الله جبلك عليهما».

ولأن حسن الخلق بالطبع لا يزول عن الإنسان، لكن حسن الخلق بالتطبّع قد يفوت الإنسان في مواطن كثيرةٍ؛ لأنه يحتاج إلى ممارسةٍ وإلى معاناةٍ, وإلى تذكّر ذلك عند وجود كلّ ما يثير الإنسان؛ ولهذا جاء رجلٌ إلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام-, فقال: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضب»، فردد مرارًا. قال: «لا تغضب» وقال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: «ليس الشديد بالصّرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

والصّرعة: هو الذي يصرع الناس، كهمزةٍ ولمزةٍ، فالهمزة الذي يهمز الناس، واللّمزة الذي يلمز الناس بالعيوب، فليس الشديد هو الذي يصرع الناس ويغلبهم «إنما الشديد الذي يملك نفسه عن الغضب»، فالذي يصرع نفسه ويملكها عند الغضب هو الشديد حقيقةً, وملك الإنسان نفسه عند الغضب يعتبر من محاسن الأخلاق.

فإذا غضبت فلا تنفذ الغضب, ولكن استعذ بالله من الشيطان الرجيم, وإذا كنت قائمًا فاجلس, وإذا كنت جالسًا فاضطجع, وإذا زاد بك الغضب فتوضأ حتى يزول عنك.

فالحاصل: أن حسن الخلق بالطبع أفضل من حسن الخلق بالتطبّع؛ لأنه يكون سجيةً للإنسان ويسهل عليه في كلّ موضعٍ, لكن التطبّع قد يفوته في بعض المواضع.

وكذلك نقول: إن حسن الخلق يكون بالاكتساب، بمعنى أن الإنسان يمرّن نفسه, فيكون الإنسان حسن الخلق بأمورٍ منها:

أولًا: أن ينظر في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم: ينظر النّصوص الدّالّة على مدح ذلك الخلق العظيم، والمؤمن إذا رأى النّصوص تمدح شيئًا من الأخلاق أو من الأعمال, فإنه يقوم به.

ثانيًا: أن يصاحب من عرفوا بحسن الأخلاق: والنبيّ -عليه الصلاة والسلام- أشار إلى ذلك في قوله: «مثل الجليس الصالح والجليس السّوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيّبةً، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثةً».

 فعلى جميع الشباب: أن يصاحبوا من عرفوا بحسن الأخلاق, وعليهم البعد عن مساوئ الأخلاق، وسفساف الأعمال, حتى يأخذوا من هذه الصّحبة مدرسةً يستعينون بها على حسن الخلق.

ثالثًا: أن يتأمل الإنسان ماذا يترتب على سوء خلقه: فسيّئ الخلق ممقوتٌ, وسيّئ الخلق مهجورٌ, وسيّئ الخلق مذكورٌ بالوصف القبيح, فإذا علم الإنسان أن سوء الخلق يفضي به إلى هذا فإنّه يبتعد عنه.

 الأسوة الحسنة صلى الله عليه وسلم

ولنا في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو أحسن الخلق أخلاقًا؛ لأن الله تعالى قال فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم } [سورة القلم:4] فالحوادث والوقائع التي وقعت في عهد الرسول -عليه الصلاة والسلام-, تدلّ على حسن خلقه، بل إنّه صلى الله عليه وسلم كان حسن الخلق حتى مع الأطفال: فكان يلاطفهم ويلاعبهم, وكان يقول لأحد الأطفال: «يا أبا عميرٍ، ما فعل النّغير؟» وأبو عميرٍ كنيةٌ لطفلٍ صغيرٍ، وكان معه «نغيرٌ» وهو طائرٌ صغيرٌ مثل العصفور, هلك هذا النّغير, فحزن عليه الصبيّ واغتم, فكان -عليه الصلاة والسلام-, يلاطفه قائلًا: «يا أبا عميرٍ، ما فعل النّغير؟».

وجاء أعرابيٌّ فبال في المسجد, فزجره الناس ونهروه بشدةٍ, فنهاهم النبيّ -عليه الصلاة والسلام-, فلما قضى بوله أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم, بذنوبٍ من ماءٍ فأريق على البول، ثم دعا الأعرابي؛ فقال له: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيءٌ من الأذى أو القذر, إنما هي للصلاة وقراءة القرآن». أو كما قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-.

ووجه حسن الخلق في هذه القصة ظاهرٌ, فهو لم يوبّخ هذا الأعرابيّ ولم يأمر بضربه, بل إنه تركه حتى قضى بوله, ثم أعلمه أن المساجد لا تصلح لما فعل، وإنما هي للصلاة والذّكر وقراءة القرآن.

وأتى إليه رجلٌ في رمضان، وقال: يا رسول الله، هلكت!! فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «وما أهلكك؟» فقال الرجل: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائمٌ، فلم يوبّخه، ولم ينهره؛ بل قال له: «فهل تجد ما تعتق رقبةً؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا. قال: «فهل تجد ما تطعم ستّين مسكينًا؟» قال: لا. ثم جلس. فأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم بعرقٍ فيه تمرٌ. فأعطاه إياه وقال له: «تصدق بهذا» فقال الرجل: أعلى أفقر منا؟! فما بين لابتيها أحوج إليه منا. فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك».

وحسن خلق النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه القصة ظاهرٌ بينٌ, فإنه لم ينهر هذا الرجل, ولم يشتمه ولم يوبخه, وذلك لحلمه -عليه الصلاة والسلام- وحكمته، فقد رأى أن هذا الرجل جاء نادمًا تائبًا خائفًا؛ فرأى -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يستحقّ أن يوبّخ, بل يبيّن له الحقّ, ويعامل بالرّفق.

مسألةٌ: يورد كثيرٌ من الناس أن أهل الغرب أحسن أخلاقًا في تعاملهم وبيعهم وشرائهم, بينما تجد الغش والكذب وإنفاق السّلعة بالحلف الكاذب بين صفوفنا نحن المسلمين، فما سبب ذلك؟ وهل لحضارتهم الصّناعية كبير أثرٍ في تكوين أخلاقهم؟

الجواب: قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجالٌ دماء قومٍ وأموالهم، ولكن البيّنة على المدعي»، وما كان مشهورًا بين الناس من أن الغرب عندهم حسن خلقٍ في المعاملة، فهذا ليس بصحيحٍ, فإن عندهم من سوء المعاملة ما يعرفه من ذهب إليهم، ونظر إليهم بعين العدل والإنصاف, دون من نظر إليهم بعين الإجلال والإكبار، فقد قال الشاعر:

وعين الرّضا عن كلّ عيبٍ كليلةٌ  كما أن عين السّخط تبدي المساويا

ولقد حدثني كثيرٌ من الشباب الذين ذهبوا إلى الغرب عن أفعالٍ من أسوأ الأخلاق, لكنهم هم إذا نصحوا فيما ينصحون فيه من البيع والشّراء, فليس لأنهم ذوو أخلاقٍ, لكن لأنهم عبّاد مادةٍ. والإنسان كلما كان أنصح في معاملته في هذه الأمور كان الناس إليه أكثر إقبالًا, وإلى شراء سلعه وترويجها أسرع.

فهم لا يفعلون ذلك؛ لأنهم كاملو الأخلاق، لكن لأنهم أصحاب مادةٍ, ويرون من أكبر الدّعايات لتنمية أموالهم أن يحسنوا المعاملة, من أجل أن تكون هذه الأموال مقبولةً، وإلا فهم كما وصفهم الله -عز وجل- بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة } [البينة:6]، ولا أظنّ أحدًا أصدق وصفًا من وصف الله -عز وجل- للكافرين, فإنهم شرّ البرية, وكيف يرجى خيرٌ مقصودٌ لذاته من قومٍ وصفهم الله بأنهم شرّ البرية, لا أعتقد أن ذلك يكون أبدًا, لكن ما يوجد فيهم من الصّدق والبيان والنصح في هذه المعاملات إنما هو مقصودٌ لغيره عندهم, وهو الحصول على المادة والكسب, وإلا فمن رأى ظلمهم وغشمهم واستطالتهم على الخلق في مواطن كثيرةٍ, عرف مصداق قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة}.

وأما بالنّسبة لما وقع من كثيرٍ من المسلمين, من الغشّ والكذب والخيانة في المعاملات, فإن هؤلاء المسلمين نقص من إسلامهم وإيمانهم بقدر ما خالفوا به الشريعة في هذه الأمور.

فلا يعني أن مخالفة بعض المسلمين وخروجهم عن إطار الشريعة في مثل هذه الأمور, لا يعني ذلك النقص في الشريعة, فالشريعة كاملةٌ, وهؤلاء الذين أساؤوا إلى أنفسهم قبل كلّ شيءٍ، ثم إلى شريعة الإسلام, ثم إلى إخوانهم من المسلمين, ثم إلى من يعاملونه من غير المسلمين, هؤلاء إنما أساؤوا إلى أنفسهم فقط, والعاقل لا يجعل إساءة العامل سوءًا في الشريعة التي ينتمي إليها هذا العامل.

ولذلك فإنني أرجو من جميع المسلمين أن تكون لديهم حملةٌ قويةٌ في محاربة هذه الأمور التي لا يقرّها الإسلام, من الكذب والخيانة والغشّ والخداع، وما أشبه ذلك.

مسألةٌ: أيّهما أفضل رجلٌ ناقص الدّين مع حسن خلقه، أم رجلٌ قارب الكمال في الالتزام بالشرع مع سوء خلقه؟ وما علاقة ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «ذهب حسن الخلق بخيري الدّنيا والآخرة»، في جوابه لأمّ سلمة؟

الجواب: لا شك أن من كمال الدّين كمال الخلق كما صح عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا».

وعلى هذا فكلّ من كان ناقص الخلق فهو ناقص الدّين, فكمال الدّين بكمال الخلق, وكما ذكرنا أن حسن الخلق يتمثل في معاملة الخالق ومعاملة الخلق, فإنه يتبين أن كمال الخلق يكون بكمال الدّين، وعلى هذا فإن تأثير كامل الخلق على غيره في جلبه إلى الإسلام وإلى الدّين, أكبر من تأثير ذي الدّيانة السيّئ الخلق, فإذا وفّق من كان قويًّا في العبادة إلى أن يكون حسن الخلق كان ذلك أكمل. وأما المفاضلة بين قويٍّ في عباداته الخاصة لكن عنده سوء خلقٍ؛ فإنه أمرٌ لا يمكن ضبطه.

نسأل الله أن يجعلنا من المتمسّكين بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا وأن يتوفانا على ذلك، وأن يتولانا في الدّنيا والآخرة، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمةً؛ إنه هو الوهاب.



([1] ) كان هذه اللقاء في المركز الصيفي بمعهد عنيزة العلمي.

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا