بر الوالدين .. وصية الله لك

نبذة مختصرة

هذا الكتيب يبين أهمية بر الوالدين في ضوء الإسلام مع بيان فضائله وصوره، والتحذير من العقوق ومظاهره.

تنزيــل

تفاصيل

 بر الوالدين وصية الله إليك

القسم العلمي بدار الوطن

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وبعد:

فمن الأخلاق التي اعتنى بها الإسلام عناية فائقة، ودعا الناس إلى القيام بها خير قيام: «خلق بر الوالدين» لأنهما الأصل في وجودنا، والسبب في سعادتنا، ولولاهم بعد الله ما كنا شيئًا مذكورًا.

وهذا الخلق: من الأخلاق التي غدت عند كثير من الناس في عصرنا من المنسيات أو الثانويات، فلم يعد الأولاد يعرفون ما للأبوين من فضل، وما عليهم تجاههم من حق، بل صرنا نسمع ونرى صورًا من الجحود لفضل الأبوين، فهذا يرفع صوته عليهما، وآخر يشتمهما ويسبهما وثالث يحتقرهما ورابع يطردهما.. إلى غير ذلك من الصور التي يندي لها الجبين حياء، وتتفطر لها القلوب ألمًا وتخر منها الجبال هدًا، وتضيق بها الأرض حدًا.

وهذا ما دعانا إلى الوقوف مع بر الوالدين، مبينين فضائله وصوره، ومحذرين من العقوق ومظاهره، لعل هذا يكون سببًا في رجوع العاق عن عقوقه، وزيادة البار في بره وإحسانه نسأل الله أن يغفر لنا ولوالدينا الأحياء منهم والأموات وصلى الله على نبينا محمد.

الناشـر


 بر الوالدين في القرآن

لقد جاءت آيات الله تترى، متضافرة متعاقبة تضع مرضاة الوالدين بعد مرضاة الله، وتعد الإحسان إليهما فضيلة تلي فضيلة الإيمان بالله، لما لهذا الحق من التعظيم والإجلال والاحترام، فقال سبحانه ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: 36] وقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: 151].

وقد أوصى الله بالإحسان إليهما فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: 8] وقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾[لقمان: 14].

ويستمر القرآن الكريم في تصوير مكانة الوالدين، وبيان الأسلوب الذي ينبغي للمسلم أن يتبعه في معاملة والديه، إن قدر لهما أو لأحدهما أن يصل إلى مرحلة الشيخوخة والضعف والعجز فيقول سبحانه:﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23، 24].

ويتجلى ذلك بأن تتبع معهما أمورًا خمسة:

أولا: ألا تتأفف من شيء تراه أو تشمه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما، واحتسب الأجر عليه من الله كما صبرا عليك في صغرك، واحذر الضجر والملل القليل والكثير.

ثانيًا: ألا تنغص ولا تكدر عليهما بكلام تزجرهما به.

ثالثًا: أن تقول لهما قولاً حسنًا لينًا مقرونًا بالاحترام والتعظيم مما يقتضيه حسن الأدب، وترشد إليه المروءة كأن تقول: يا أبتاه أو يا والدي ويا أماه أو يا والدتي ، ولا تدعها بأسمائهما، ولا ترفع صوتك أمامهما، ولا تحدق فيهما بنظرك بل يكون نظرك إليهما نظر لطف وعطف وتواضع، وقد قال سبحانه:﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قال عروة: إن أغضباك فلا تنظر إليهما شذرًا، فإن أول ما يُعرف به غضب المرء شدة نظره إلى من غضب عليه.

رابعًا: أن تدعو الله أن يرحمهما برحمه الواسعة جزاء رحمتها لك، وجميل شفقتهما عليك.

خامسًا: أن تتواضع لهما وتتذلل، وتطيعهما فيما أمراك به ما لم يكن معصية لله، وتشتاق وترتاح إلى بذل ما يطلبان منك، رحمة منك بهما وشفقة عليهما إذا هما قد احتاجا إلى من كان أحوج الناس إليهما أيام كان في غاية العجز بحيث لو غفل عنه والده قليلا من الزمن لهلك.

والأمر بالإحسان: إلى الوالدين عام ينضوي تحته ما يرضي الابن وما لا يرضيه من غير احتجاج ولا جدل ولا مناقشة، بل إن القرآن الكريم ليسمو بتوجيهاته إلى الذروة في البر، فيوصي ببر الوالدين والإحسان إليهما ولو كانا مشركين، فيقول سبحانه، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾[لقمان: 15].

 شروط البر

لبر الوالدين شروط ثلاثة لا يسمى الابن بارًا إلا إذا تحققت فيه وهي:

الأول: أن يؤثر الابن رضا والديه على رضا نفسه وزوجته وأولاده والناس أجمعين.

الثاني: أن يطيعهما في كل ما يأمرانه به وينهيانه عنه، سواء وافق رغباته أم لم يوافقها، ما لم يأمراه بمعصية الله.

الثالث: أن يقدم لهما كل ما يلحظ أنهما يرغبان فيه من غير أن يطلباه منه عن طيب نفس وسرور، مع شعوره بتقصيره في حقهما ولو بذل لهما حياته وماله.

 فضائل بر الوالدين

لبر الوالدين فضائل كثيرة منها:

1- أنه من  أحب الأعمال إلى الله: فعن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة في وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»([1]) .

2- أنه من أسباب دخول الجنة: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -  قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة»([2]) .

وعن معاوية بن جاهمة عن أبيه - رضي الله عنه - ما قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أستشيره في الجهاد في سبيل الله فقال: «ألك والدان؟» قلت: نعم. قال: «الزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما»([3]) .

3- أنه سبب في طول العمر وزيادة الرزق: فعن سلمان - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر»([4]) .

وقال أنس - رضي الله عنه - : «من سره أن يمد له عمره ويزاد في رزقه، فليبر بوالديه وليصل رحمه»([5]) .

4- أنه سبب من أسباب قبول الأعمال وتكفير السيئات قال تعالى:﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ إلى أن قال:       ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾[الأحقاف: 15، 16].

وعن ابن عمر - رضي الله عنه - ما قال: أتى رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أذنبت ذنبًا عظيمًا فهل لي من توبة؟ قال: «هل لك من أم؟» قال: لا. قال: «فهل لك من خالة؟» قال: نعم. قال: «فبرها»([6]) .

5- أنه سبب لرضا الله عن العبد: ففي حديث عبد الله ابن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما»([7]) .

6- أنه سبب لقبول الدعاء وتفريج الكربات: ومما يدل على ذلك قصة الثلاثة الذين أواهم المبيت في غار فانحدرت على فم الغار صخرة من الجبل فسدت عليهم الباب، فدعوا الله تعالى بأعمال صالحة جعلها الله سببًا للتفريج عنهم، وكان أحد الثلاثة بارًا بوالديه فقال في دعائه: «اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران وامرأتي ولي صبية صغار أرعى عليهم، فإذا أرحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني، وإني نأى بي ذات يوم الشجر فلم آت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب، فقمت عند رءوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقي الصبية قبلهما والصبية يتضاغون أي يبكون جوعًا عند قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء..» ([8]) .

7- أنه مقدم على الهجرة والجهاد: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أقبل رجل إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله قال: «فهل من والديك أحد حي؟» قال: نعم كلاهما، قال: «فتبتغي الأجر من الله» قال: نعم قال: «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما»([9]) .

8- أنك ببرك لوالديك تنال رضاهما، وإذا رضيا عنك دعوا لك: ودعاؤهما مستجاب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث دعوات يستجاب لهن لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده»([10]) .

ولو لم يكن في البر بهما من الفضل إلا إجابة دعوتهما تكفي فربما كتب لك بدعوة منهما أن لا تشقى.

9- أنه سبب في صلاح ذريتك وبرهم بك فالبر كما يُقال سلف، وكما تكون بارًا بوالديك يكون أبناؤك بارين بك، والحياة دين ووفاء فعامل أبويك بما تحب أن يعاملك به بنوك.

10- الطمأنينة وعدم الشعور بالندم إذا مات الأبوان أو أحدهما فالإنسان إذا كان بارًا بوالديه فإن يسعد ويشعر بالرضا وطمأنينة القلب، وإذا قدر على والديه أو أحدهما موت قبله فإنه لا يندم ولا يقلق بخلاف العاق لوالديه.

11- الذكر الحسن عند الناس والثناء على البار والدعاء له فإن البر صفة حميدة يُمدح بها من يتصف بها، وقصة أويس القرني خير شاهد على ذلك، وستأتي إن شاء الله.

12- أنه صفة من صفات الأنبياء عليه السلام: فقال تعالى عن يحيى عليه السلام:﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: 14] وقال عن عيسى عليه السلام ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32] وحكى عن إسماعيل قوله: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102].

 الأمور المعينة على بر الوالدين

هناك أمور تعين المسلم على بر والديه إذا أخذ بها وسعى إليها ومن هذه الأمور.

1- استحضار فضائل البر وعواقب العقوق: فمعرفة ثمرات البر واستحضار فضائله من أكبر الدواعي على فعله و تمثله والسعي إليه، وكذلك النظر في عواقب العقوق وما يجلبه من الهم والغم والحسرة والندم، كل ذلك يعين على البر، ويحول دون العقوق.

2- استحضار فضل الوالدين على الإنسان: فهما سبب وجوده في هذه الدنيا، وهما اللذان تعبا من أجله فالأم حملته تسعة أشهر في بطنها، تعاني ألم الوحم وثقل الحمل، ثم تضعه كرهًا وتقاسي من الأسقام والآلام ما الله به عليم، ثم ترضعه حولين كاملين، تجوع ليشبع وتسهر لينام، وتتعب ليستريح فهي به رحيمة، وعليه شفيقة، تفضل حياته على موتها، وتود لو يقبل الموت فداء فتفدي بنفسها ولدها.

وأما الأب: فيجد ويسعى في طلب العيش وتحصيل النفقة يظل نهاره يكد، ويبيت ليله يساعد الأم على التربية فمهما فعل الولد معهما فلن يستطيع أن يوفيهما حقهما، فإذا استحضر الولد هذا الأمر دعاه ذلك إلى برهما والإحسان إليهما.

3- أن يضع الولد نفسه موضع والديه: فهل يسرك أيها الولد  غدًا إذا أصابك الكبر، ووهن العظم منك واشتعل الرأس شيبًا وعجزت عن كل شيء.. هل يسرك أن تلقى من أولادك المعاملة السيئة، والإهمال القاسي والتنكرات لك؟!

4- النظر في سير البارين بوالديهم: وما هم فيه من الراحة والطمأنينة، فهذا مما يقوي الهمة ويبعث على البر.

5- تذكر نعمة وجودهما بين يديك وأنهما راحلين: فوجود والديك أو أحدهما نعمة عظمى، ومنحة كبرى، فبادر بشكرها بعظيم برهما، وعمل كل ما يسرهما قبل أن يأتي يوم يصدع القلب مساؤه، ويفطرُ الكبد صباحه، حيث تصبح وتمسي وقلبك مجروح بفقدهما وغيابهما عن ناظريك إلى يوم القيامة.

6- تذكر الأجر المترتب على برهما: فهما بابان من أبواب الجنة إذا بررتهما، وعقوقهما باب من أبواب النار، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه»([11]) .

7- استشعار فرح الوالدين بالبر وحزنهما بالعقوق: فلو استشعر الولد ذلك لانبعث إلى البر، ولانزجر عن العقوق، وما أجمل قول القائل:

لو كان يدري الابنُ أية غُصة

قد جرعت أبويه بعد فراقه

أم تهيم بوجده حيرانة

وأب يسح الدمع من آماقه

يتجرعان لبينه غصص الردى

ويبوح ما كتماه من أشواقه

لرثا لأم سُل من أحشائها

وبكى لشيخ هام في آفاقه

ولبدّل الخُلقَ الأبِّي بعطفه

وجزاهما بالعذْب من أخلاقه

8- دعاء الله أن يعينك على البر بوالديك: فما استجلبت النعم بمثل الدعاء، ولا استدفعت النقم بمثله، وقد كان السلف الصالح يتضرعون إلى بارئهم أن يوفقهم لبر والديهم، وأن يكون آباؤهم وأمهاتهم راضين عنهم.

9- صلاح الآباء: فصلاحهم سبب لصلاح الأبناء وبرهم به، كما أن فسادهم سبب لفساد الأبناء وعقوقهم لهم.

10- التوفيق بين الزوجة والوالدين: وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه، والموازنة بني حقوق الوالدين وحقوق الزوجة، مع زيادة البر بالوالدين بعد الزواج سواء البر المادي أو المعنوي.

 بر الأم مقدم على بر الأب

عن أبي هريرة: - رضي الله عنه -  قال: جاء رجل إلى رسول الله ص فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم مَنْ؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك»([12]) .

وقال: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم» (ثلاثًا) إن الله يوصيكم بآبائكم (مرتين) إن الله تعالى يوصيكم بالأقرب فالأقرب ([13]) .

فهذان الحديثان يبينان عظم حق الأم، وما تستحقه من البر والصلة والخدمة والطاعة، وقد خصها النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاثة أضعاف ما للأب جزاء ما تبذله من الجهد والنصب، وجعل للأب نصيبًا واحدًا جزاء إنفاقه.

يقول ابن بطال: إن الأم تنفرد عن الأب بثلاثة أشياء: صعوبة الحمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع.

وفي تقديم الأم على الأب حكمة عظيمة، وهي أنها في حاجة إلى من يعولها ويبرها؛ لأنها ضعيفة الجسم عديمة الكسب في الغالب، ومن أولى ببرها من ابنها؟! ومن أحق بخدمتها والإحسان إليها منه؟

 كيف يكون بر الوالدين؟

اعلم أخي الحبيب: أن الإحسان إلى الوالدين والبر بهما يشمل كل ما من شأنه إرضاءهما وإدخال السرور على قلبيهما ما لم يكن في معصية الله، فالولد البار بوالديه كالخادم لهما، يعمل بأمرهما ويتفانى في خدمتهما، ولا يتأخر عن فعل ما فيه سعادتهما وفرحهما؛ لأنهما أسديا له من الخدمة ما لا يستطيع تقديم الجزاء عليه، فحقهما أكبر من أن يُرد، وأغلى من أن يُفتدى .

والمسلم مطالب ببر والديه في حياتهما وبعد موتهما ولكلا الحالتين مظاهر.

 أولاً: بر الوالدين في حياتهما

ويكون بـ:

1- طاعتهما واجتناب معصيتهما: وتقديم طاعتهما على كل طاعة ما لم يأمرا بمعصية الله ورسوله.

2- الإحسان إليهم بالقول والفعل.

3- الدعاء لهما بالرحمة: والإكثار من الاستغفار لهما، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: يا رب، أني لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك»([14]) .

4- عدم نهرهما أو التضجر والتأفف منهما أو رفع الصوت عليهما.

5- العمل على ما يسرهما ويدخل الفرح إلى قلبيهما من غير أن يأمرا به.

6- عدم مقاطعتهما أثناء الكلام، والإصغاء لحديثهما، والإقبال عليهما بالوجه، وعدم رد حديثهما.

7- مخاطبتهما بلين الخطاب، والتلطف معهما بالكلام.

8- عدم التكبر والترفع عليهما.

9- مقابلتهما بطلاقة الوجه: ومبادأتهما بالسلام، وتقبيل أيديهما ورءوسهما والتوسيع لهما في المجلس، والمشي أمامهما بالليل حماية وخلفهما بالنهار، توقيرًا واحترامًا.

10- عدم القيام أمامهما بما ينافي الأدب كمد الرجل أمامهما أو رفعها في مواجهتهما أو القهقهة أو الاضطجاع أو التعري أمامهما.

11- مساعدتهما في أعمالهما فليس من اللائق أن يرى الولد والده وهو يحمل شيئًا ويسير إلى جانبه، أو ترى البنت أمها في حاجة إلى من تساعدها ولا تتعاون معها.

12- تلبية ندائهما حال سماعه بسرعة.

13- المحافظة على شرفهما وسمعتها ومالهما.

14- عدم إزعاجهما وتعكير صفوهما.

15- مشاورتهما في الأمور: والاستنارة برأيهما.

16- عدم لومهما إذا عملا عملاً لا يعجبك.

 ثانيًا: بر الوالدين بعد موتهما

وبر الوالدين: ليس مقصورًا على حياتهما فقط بل هو ممتد أيضًا بعد موتهما، فمن كان مقصرًا في بر والديه في حياتهما، فلا تزال الفرصة أمامه لتعويض ما فاته من الأجر، واستدراك ما ضاع منه من الفضل.

وطرق بر الوالدين بعد موتهما كثيرة: فقد روي عن أبي أسيد الساعدي - رضي الله عنه -  أنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء، أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم، الصلاة عليهما» (أي الدعاء لهما)«والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا تُوصل إلا بهما، وإكرام صديقهما»([15]) .

وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - ما أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبد الله ابن عمرن وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، قال ابن دينارك فقلنا له: أصلحك الله، إنهم الأعراب، وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله بن عمرك إن أبا هذا كان ودًا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه»([16]) .

وعن بر الوالدين بعد موتهما التصدق عنهما: فعن عائشة - رضي الله عنه - ا أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم»([17]) .

ومن برهما بعد موتهما أيضًا قضاء النذر عنهما فعن ابن عباس - رضي الله عنه - ما أن سعد ابن عبادة استفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالك إن أمي ماتت وعليها نذر فقال: «اقضه عنها»([18]) .

قصص في بر الوالدين من حياة السلف:

أخي الحبيب: وهذه صور من حياة سلفنا الصالح نسوقها لمن أبكى أبويه وأحزنهما وأسهر ليلهما وحملهما الهموم، وجرعهما غصص الفراق ووحشة البعاد، صور يفوح شذاها ويضوع عبيرها، صور لأناس بررة أخيار وفقوا لبر والديهم، فكانت أفعالهم ومواقفهم في حق والديهم صفحات مشرقة، نسوق هذه النماذج لعلها تحرك في قلوبنا  جوانب الخير، وتدفعنا إلى الإحسان والبر:

1- رأى ابن عمر - رضي الله عنه - ما رجلاً قد حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة، فقال: يا ابن عمر، أتراني جازيتها؟ قال: ولا بطلقة واحدة من طلْقاتها، ولكن أحسنت، والله يثيبك على القليل كثيرًا ([19]) .

2- وهذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - م وكان كثير البر بأمه، حتى قيل له: أنت من أبر الناس بأمك، ولا نراك تؤاكل أمك؟ فقال : أخاف أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه، فأكون قد عققتها ([20]) .

3- وكان أبو هريرة : - رضي الله عنه -  إذا أراد أن يخرج وقف على باب أمه، وكانت في بيت وهو في بيت آخر، وقال: السلام عليك، يا أماه، ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام يا ولدي ورحمة الله وبركاته، فيقولك رحمك الله كما ربيتني صغيرًا فتقول: ورحمك الله كما بررتني كبيرًا، وإذا أراد أن يدخل صنع مثله.([21])

5- وعن أنس بن النضر الأشجعي قال: استقت أم ابن مسعود ماء في بعض الليالي، فذهب فجاءها بالماء، فوجدها قد ذهب بها النوم فثبت بالماء عند رأسها حتى أصبح([22]) .

6- وقال سفيان بن عيينة: قدم رجل من سفر فصادف أمه قائمة تصلي، فكره أن يقعد وأمه قائمة، فعلمت أمه ما  أراد فطولت ليؤجر.([23])

7- وكان حيوة بن شريح وهو أحد أئمة المسلمين يقعد في حلقته يُعلم الناس، فتقول له أمه: قم يا حيوة فألق الشعير للدجاج، فيقوم ويترك التعليم ([24]) .

8- ورأى كهمس بن الحسن التميم عقربًا في بيته فأراد أن يقتلها أو يأخذها فسبقته فدخلت في جُحْر فأدخل يده في الجُحْر ليأخذها فلدغته فقيل له: ما أردت إلى هذا؟ قال: إني خفت أن تخرج من الجحر فتجيء إلى أمي فتلدغها ([25]) .

9- وعن محمد بن سيرين قال: بلغت النخلة على عهد عثمان بن عفان ألف درهم، فعمد أسامة بن زيد إلى نخلة فعقرها فأخرج جمارها وهو الجزء الأبيض الغض في قلب النخلة فأطعمه أمه فقالوا له: ما يحملك على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟ قال: إن أمي سألتنيه، ولا تسألني شيئًا أقدر عليه إلا أعطيتها ([26]) ­­.

10- وعن حفصة بنت سرين قالت: كانت والدة محمد بن سرين يعجبها الصبغ، وكان محمد إذا اشترى لها ثوبًا اشترى ألين ما يجد فإذا كان عيد صبغ لها ثيابًا، وما رأيته رافعًا صوته عليها، كان إذا كلمها كالمصغي إليها ([27]) .

وعن ابن عون قال: دخل رجل على محمد ابن سرين وهو عند أمه فقال: ما شأن محمد؟ أيشتكي شيئًا؟ قالوا: ولكنه هكذا يكون إذا كان عنده أمه ([28]) .

11- وعن حميد قال: لما ماتت أم إياس بن معاوية بكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة، وغُلق أحدهما ([29]) .

12- ونختم هذه النماذج بقصة أويس القرني: فعن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -  إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال : نعم، قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم قال: فكان بك بَرصٌ فبرأت وإلا موضع درهم؟ قال: نعم. قال: لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فاستغفر لي فاستغفر له.

فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي ([30]) .

وبعد أخي الحبيب: فهذه طائفة من أحوال السلف  مع بر الوالدين تنم عن ذوق رفيع، وفهم دقيق، وروح عالية، وتوحي بمدى عناية السلف ببر الوالدين، وحرصهم على رد بعض جميل الوالدين، وحرصهم على رد بعض جميل الوالدين، أما الآن فقد انقلبت الموازين واختلت المعايير عند كثير من الناس وأصبح الكثيرون لا يرون للوالدين حقًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

 عقوق الوالدين

عقوق الوالدين ذنب عظيم: وكبيرة من الكبائر فهو قرين الشرك بالله، وموجب للعقوبة في الدنيا، وسبب لدخول النار ورد العمل في الآخرة، وهو جحود للفضل، ونكران للجميل ودليل على الحمق والجهل، وعنوان على الخسة والدناءة وحقارة الشأن وضعة النفس، وهو شق لعصا الطاعة وقطع لعرى الصلة الأبوية ورابطتها، وخروج عن مألوفها ومرغوبها.

وبرغم تحريم الله للعقوق، وزجره الشديد عنه، وأمره بالإحسان إلى الوالدين وحسن صحبتهما إلا أننا نرى عقوق الوالدين أصبح منتشرًا في مجتمعات المسلمين، وأصبح ظاهرة واضحة، ولو رحنا نتأمل واقع كثير من الأسر اليوم لوجدا التفكك والتفرق والضعف، فلا الصغير يحترم الكبير، ولا الابن يقدر أباه، ولهذا كان التحذير من العقوق شديدًا والوعيد عليه رهيبًا والتأكيد على أن عاقبته مهلكة في الدارين متكررًا يقول - صلى الله عليه وسلم -: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه» قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم له يدخل الجنة»([31]) .


 من مظاهر عقوق الوالدين

1- عدم القيام بحق النفقة عليهما إذا كانا محتاجين مع أن النفقة على الوالدين والقيام بحقهما خصوصًا في حال الكبر والضعف وعند الحاجة أمر و اجب يحاسب عليه الابن في الدنيا والآخرة، وقد جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: يا رسول الله، إن لي مالا وولدًا، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، أي يستولي عليه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» ([32]) .

ومن أكبر العقوق أن يضطر الولد والديه إلى إقامة دعوة عليه ليلزمه القاضي بالإنفاق عليهما.

2- الإعراض عن خدمتهما والهروب من ذلك، وأشد منه أن يأمرهما بخدمة نفسهما بنفسهما وأقل منه ترك مساعدتهما في عمل المنزل، سواء في الترتيب والتنظيم، أو في إعداد الطعام أو غير ذلك.

3- إبكاؤهما وتحزينهما بالقول أو بالفعل أو بغير ذلك، وقد جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبواي يبكيان، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما»([33]) . وقال ابن عمر - رضي الله عنه - ما: بكاء الوالدين من العقوق والكبائر، وقيل: من أحزن والديه فقد عقهما.

4- التأفف منهما والتضجر ورفع الصوت في حضرتهما: عند حدوث خلاف ما أو عرض رأي فيلزمهما بكلماته المؤذية وعباراته الجارحة التي تعبر عن الإهانة لهما، لا سيما إذا كان الولد متعلمًا والأبوان غير متعلمين.

5- النظر إلى الوالدين شزرًا وتسديد النظر بالطرف إليهما عند الغضب، وقد قيل: ما بر أباه من شد إليه الطرف بالغضب.

6- أن يتصدر المجلس في حضرتهما: ولا يلتفت إليهما، فيجلس قبلهما، ويبتدر الحديث دونهما أو دون استئذانهما، فهذا يدل على الاستعلاء عليهما والتكبر، ويسبب الحنق وتغير قلب الوالدين على ولدهما، كما أنه يغضب المولى جل ذكره.

7- عدم الاعتداد برأيهما، وترك استشارتهما واستئذانهما في أي أمر من أموره سواء في زواجه أو سفره أو خروجه من المنزل.

8- ترك الإصغاء إليهما: والمبادرة إلى قطع حديثهما، والاشتداد في الخصومة معهما.

9- أن يأنف من القيام لهما وتقبيل يديهما عند الدخول عليه مع أن هذا الأمر يجوز في حق أهل الصلاح والعلم احترامًا لهم فكيف إذا كان القادم أبًا أو أمًا فلا شك أن حقهما مضاعف، والأدب معهما آكد.

10- أن يستحوذ الغرور بالولد فيستحي أن يُنسب إلى أبيه، أو يُعرف به في أوساطه الاجتماعية لا سيما إذا كان الولد في مركز اجتماعي مرموق وبسطة في المال، وكان أبوه في مهنة وضيعة وضيق ذات اليد، وهذا بلا شك برهان على قلة دينه وضعة نفسه، والنفس الشريفة الكريمة تعتز بمنبتها وأصلها مهما كانت حياتهما ونشأتهما وبيئتهما وهيئتهما

11- ويلحق بالسابق طردهما من البيت وإدخالهما دور العجزة والملاحظة للخلص منهما أو من الإنفاق عليهما، وهذا الفعل في غاية البشاعة ونهاية في القبح والشناعة.

12- إدخال المنكرات إلى بيتهما أو مزاولتها أمامهما كإدخال آلات اللهو والغناء والفسق إلى البيت، والاستماع إليها، وشرب الدخان أمامهما، ومشاهدة الأفلام الخليعة والصور الماجنة، وترك الصلاة وشرب الخمر، وإدخال أصدقاء السوء، إلى البيت إلى غير ذلك من المنكرات.

13- سبهما أو شتمهما أو لعنهما سواء بالمباشرة أو التسبب في ذلك: فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» وفي رواية: «من الكبائر شتم الرجل والديه» ([34]) .

14- غيبتهما في المجالس: وذكر بعض النقائص عنهما وتشويه سمعتهما، وهذا لا يجوز في حق الناس عامة، فكيف به في حق الوالدين؟

15- تقديم طاعة الزوجة على طاعة الوالدين: وهذا أمر منتشر في زماننا هذا، وإذا كان بر الوالدين مقدم على صلاة النافلة، ويعد الولد آثمًا إذا قدمها على بر والديه كما في قصة جريج الثابتة في الصحيحين، فما بالك بمن قدم طاعة زوجته على طاعة والديه؟

16- تمني زوالهما ليرثهما إن كان غنيين: أو ليتخلص منهما إن كان فقيرين، أو لينجو من مراقبتهما ومحاسبتهما، إن كان مؤدبين، وهذا من أقبح العقوق.

 جزاء العاق

1- أن الله لا ينظر إليه يوم القيامة ولا يدخله الجنة: فعن ابن عمر - رضي الله عنه - ما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة، العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى»([35]) .

2- أن الله لا يقبل منه صرفًا ولا عدلاً: لحديث أبي أمامة - رضي الله عنه -  أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاثة لا يقبل الله عز وجل منهم صرفًا ولا عدلاً: عاق ومنان ومكذب بالقدر» ([36]) .

قال ابن الأثير: الصرف: التوبة، وقيل: النافلة والعدل، الفدية. وقيل:الفريضة.

3- أن الله يلعن العاق: فعن علي - رضي الله عنه -  قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله من ذبح لغير الله، ثم تولى غير مولاه، ولعن الله العاق لوالديه، ولعن الله من نقص منار الأرض»([37]) .

4- أن الله تعالى لا يحب العاق: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - ما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال: «إن الله لا يحب العقوق»([38]) .

5- أن الله توعد العاق بالنار: لحديث أبي هريرة وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن جبريل عليه السلام أتاني فقال : ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت آمين»([39]) .

6- أن العاق مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب: فعن أبي بكرة - رضي الله عنه -  قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئًا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور» فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت([40]) .

7- أن العاق يعيش في أسوء حال، بعيدًا عن عطف القلب واحترام الناس: فلا يحنو عليه صديق ولا شفيق ولا قريب، ولا يأخذ بيده كريم في كربة، ولا يُرغب في مصاهرته خشية أن يجب أولادهم فيكونوا مثله عاقين بخلاف البار فإنك تراه محببًا إلى القلوب، يتمنى كل من يعرفه ويفهم بره وصلته لأبويه أن يتقدم إليهم بما يحبون، وإذا وقع في شدة يترحم الناس عليه، ويدعون له بالخروج منها على خير، هذا حاله في الدنيا التي ليست هي دار جزاء؛ فكيف في الآخرة التي هي دار الجزاء؟!

 أيها العاق.. تذكر

أيها العاق.. تذكر زمن حمل أمك بك وأنت في بطنها علة من أكبر العلل.

وتذكر وقت أن كانت تلدك وهي مما بها لا من الأحياء ولا من الأموات.

وتذكر ما خرج عقب ولادتك من النزيف الدموي الذي هو نفسها.

وتذكر أنك كنت تمص دمها مدة الرضاع، وسرورها بك تقصر عن شرحه العبارات.

وتذكر تنظيفها لبدنك وملابسك من الأقذار.

وتذكر فزعها عندما يعتريك خوف أو مرض أو نحو ذلك..

وتذكر دفاعها عنك إذا اعتدي عليك معتد.

وتذكر حرصها الشديد على أن تعيش لها ولو حرمت لذة الطعام والشراب..

وتذكر سهرها عليك عندما يؤلمك شيء من جسدك.

وتذكر أيها العاق: كد والدك عليك في تحصيل ما به تحيا، لا يهدأ عن ذلك مدى الأيام والليالي.

وتذكر عنايته بك في تعليمك وتوجيهك إلى ما فيه صلاح دينك ودنياك..

وتذكر نصحه لك وتحمل الشدائد من أجل راحتك.

وتذكر فرحه واستبشاره بنجاحك.

وتذكر دفاعه عنك بيده ولسانه.

وتذكر قلقه عليك إذا تأخرت عنه وقت المجيء.

أيها العاق تذكر: أباك الذي إذا دخلت عليه هش، وإذا أقبلت عليه بش، وإذا خرج تعلقت به، وإذا حضر احتضنت حجره والتزمت صدره.

تذكر: أباك وقد ذاك منك العقوق وهو يقول لك.

غدوتك مولودًا وعُلتك يافعًا

تُعَلُّ بما أجني عليك وتنهلُ

إذا ليلة نابتك بالسقم لم أبت

لسقمك إلا ساهرًا أتململُ

كأني أنا المطروق دونك بالذي

طُرقتَ به دوني فعيني تهملُ

تخافَ الردى نفسي عليك وإنها

لتعلم أن الموتَ حتمٌ مؤجلُ

فلما بلغت السن والغاية التي

إليها مدى ما كنت فيك أؤملُ

جعلتَ جزائي غلظة وفظاظة

كأنك أنت المنعمُ المتفضلُ

فليتك إذا لم ترع حق أبوتي

فعلتَ كما الجار المجاور يفعلُ

فأوليتني حق الجوار ولم تكن

علي بمالي دون مالك تبخلُ

ألا فالعار والويل: على مَنْ قابل الإحسان بالإساءة والمعروف بالجحود والإنكار وتناسى ضعفه وطفولته، وأُعجب بشبابه وفتوته، وغره تعليمه وثقافته، وترفع بجاهه ومرتبته.

 أيها العاق.. أنصف

شخصان: لهما عشرون سنة أو يزيد يتابعانك بالنظر، يجوعان لتشبع، ويعريان لتلبس، ويشقيان لتسعد، ويعملان لترتاح، إذا عطشت أسقياك، وإذا ظمأت أروياك، وإذا مرضت داوياك، وإذا بكيت أرضياك.. وإذا ضحكت فرحا، وإذا نهضت أتبعاك النظر، وإذا جلست أتبعاك الدعاء، ما ظنك بهذين المخلوقين؟! وما جزاؤهما؟ وماذا يستحقان منك؟!


 من قصص العقوق

وهذه بعض القصص: تبين لك لعاق عاقبة عقوقه، وقبح فعله، ودناءة تصرفه، وشين مسلكه.

1- يذكر أن عاقًا كان يجر أباه برجله إلى الباب ليخرجه من الدار، فكان له ولد أعق منه، وكان يجره برجله إلى الشارع، وإذا بلغ به الباب، قال: حسبك، ما كنت أجر أبي إلا إلى هذا المكان، فيقول له ولده: هذا جزاؤك والزائد صدقة مني عليك([41]) .

فانظر أخي الكريم: إلى هذه القصة لترى كيف أن الحياة دين ووفاء، وأن الجزاء من جنس العمل، وأنك كما تدين تدان، فعامل أبويك بما تحب أن يعاملك به بنوك.

2- وذكر أن شابًا كان مكبًا على اللهو واللعب لا يفيق عنه، وكان له والد صاحب دين.. كثيرًا ما كان يعظ هذا الابن، ويقول له: يا بني، احذر هفوات الشباب وعثراته، فإن لله سطوات ونقمات، ما هي من الظالمين ببعيد، وكان إذا ألح عليه زاد في العقوق وجار على أبيه.

ولما كان يوم من الأيام ألح على ابنه بالنصح على عادته، فمد الولد يده على أبيه، فحلف الأب بالله مجتهدًا ليأتين بيت الله الحرام، فيتعلق بأستار الكعبة، ويدعو على ولده، فخرج حتى انتهى إلى البيت الحرام، فتعلق بأستار الكعبة وأنشأ يقول:

يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا

عرض المهامه من قرب ومن بُعد

إني أتيتك يا من لا يخيِّبُ من

يدعوه مبتهلاً بالواحد الصمد

هذا مُنازل لا يرتد من عققي

فخذ بحقي يا رحمن من ولدي

وشل منه بحول منك جانبه

يا من تقدس لم يُولد ولم يلد

فقيل: إنه ما استتم كلامه حتى يبس شق ولده الأيمن.

3- وذكر بعضهم أن ولدًا أودع أمه العجوز في إحدى دور العجزة، ولم يزرها سنوات بل لم يتصل بها إطلاقًا حتى تردت حالتها، وعندما طلبت من مسئول الدار أن يتصل على ابنها لتراه، وتضمه إلى صدرها، وتقبله قبل أن تموت، وسبقتها الدموع وهي تنادي باسمه قبل أن يحضر.

فاتصل: مسئول الدار على ولدها وأخبره أن أمه تحتضر، وتريد أن تراه وتقبله قبل أن تموت ولكن هذا العاق العاص رفض ذلك وادعى ضيق الوقت، وأن عنده أعمالاً كثيرة ولديه تجارات وعقارات، وأغلق الهاتف.

فلما توفيت الأم اتصل المسئول بالابن العاق وأخبره بوفاة أمه فكان جوابه: أكملوا الإجراءات وادفنوها في قبرها.

فانظر أخي إلى هذه القصة التي ينفطر لها الفؤاد أسى، وتذوب النفس لسماعها حسرة، ويُكلم القلب القاسي، ويلين، وتسخن العين الجامدة وتذرف

 نصيحة من ابن الجوزي لكل عاق

يقول رحمه الله: «أيها المضيع لآكد الحقوق، المعتاض من بر الوالدين العقوق، الناسي لما يجب عليه، الغافل عما بين يديه، بر الوالدين عليك دين وأنت تتعاطاه باتباع الشين، تطلب الجنة بزعمك وهي تحت أقدام أمك، حملتك في بطنها تسعة أشهر كأنها تسع حجج وكابدت عند الوضع ما يذيب المهج، وأرضعتك من ثديها لبنًا وأطارت لأجلك وسنًا وغسلت بيمينها عنك الأذى، وآثرتك على نفسها بالغذاء، وصيرت حجرها لك مهدًا وأنالتك إحسانًا ورفدًا فإن أصابك مرض أو شكاية، أظهرت من الأسف فوق النهاية، وأطالت الحزن والنحيب، وبذلت مالها للطبيب، ولو خيّرت بين حياتك وموتها لطلبت حياتك بأعلى صوتها.

هذا وكم عاملتها بسوء الخلق مرارًا فدعت لك بالتوفيق سرًا وجهارًا فلما احتاجت عند الكبر إليك، جعلتها من أهون الأشياء عليك، فشبعت وهي جائعة ورويت وهي قانعة، وقدّمت عليها أهلك وأولادك بالإحسان، وقابلت أياديها بالنسيان وصعب لديك أمرها وهو يسير، وطال عليك عمرها وهو قصير، وهجرتها ومالها سواك نصير.

هذا ومولاك قد نهاك عن التأفيف، وعاتبك في حقها بعتاب لطيف، ستعاقب في دنياك بعقوق البنين، وفي أخراك بالبعد من رب العالمين، يناديك بلسان التوبيخ والتهديد ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: 10].

لأمك حق لو علمت كبير

كثيرك يا هذا لديه يسير

فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي

لها من جواها أنة وزفير

وفي الوضع لو تدري عليك مشقة

فكم غصص منها الفؤاد يطير

وكم غسلت عنك الأذى بيمينها

ومن ثديها شربٌ لديك نميرُ

وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها

حنوًا وإشفاقًا وأنت صغير

فضيعتها لما أسنت جهالة

وطال عليك الأمر وهو قصيرَ

فآها لذي عقل ويتبع الهوى

وواهًا لأعمى القلب وهو بصيرُ

فدونك فارغب في عميم دعائها

فأنت لما تدعو إليك فقيرُ

اللهم اجعلنا من البارين بوالديهم أحياء وأمواتًا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، ونسألك أن توفقنا لبرهما والإحسان إليهما.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



([1]) متفق عليه.

([2]) رواه مسلم.

([3]) رواه الطبراني، وقال المنذري: إسناده جيد.

([4]) رواه الترمذي، وحسنه الألباني.

([5]) رواه أحمد.

([6]) رواه الترمذي.

([7]) رواه الطبراني وصححه الألباني.

([8]) متفق عليه.

([9]) رواه مسلم.

([10]) رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.

([11]) رواه الترمذي وصححه الألباني.

([12]) رواه البخاري.

([13]) رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

([14]) رواه أحمد وصححه الألباني.

([15]) رواه أحمد وأبو داود.

([16]) رواه مسلم.

([17]) متفق عليه.

([18]) متفق عليه.

([19]) الكبائر للذهبي.

([20]) عيون الأخبار لابن قتيبة.

([21]) الأدب المفرد للبخاري.

([22]) بر الوالدين لابن الجوزي.

([23]) بر الوالدين لابن الجوزي.

([24]) البر والصلة لابن الجوزي.

([25]) نزهة الفضلاء.

([26]) صفة الصفوة.

([27]) سير أعلام النبلاء.

([28]) سير أعلام النبلاء.

([29]) البر والصلة لابن الجوزي.

([30]) رواه مسلم.

([31]) رواه مسلم.

([32]) رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

([33]) رواه أبو داود وصححه الألباني.

([34]) متفق عليه.

([35]) رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني.

([36]) رواه الطبراني وحسنه الألباني.

([37]) رواه الحاكم.

([38]) رواه أحمد وصححه الألباني.

([39]) رواه ابن حبان وهو حسن.

([40]) متفق عليه.

([41]) ففيهما فجاهد.

رأيك يهمنا