أختاه أين تذهبين ؟

إعداد: أحمد العمران


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أختاه: فقد نطقت العبر فأين سامعها؟! وتجلت الحقائق فأين مطالعها؟! واستنار الطريق فأين تابعها؟! إلى أين تسيرين؟ وأين تذهبين؟ إلى جنة أم إلى نار، أما تعلمين أن لحظاتك تُكتب، ولفظاتك تجمع، وعزماتك تعلم، وحركاتك تُحسب ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ وها هي المنية قد دنت والشيب يخبرك بقرب الأجل، وأمامك منازل لابد منها، فتيقظي من الرقدة، وانتبهي من الغفلة.

أول هذه المنازل: الموت، سماه الله: مصيبة، فقال: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. وقال عنه بعض أهل العلم: «اعلم أن شدة الألم في سكرات لا يعرفها على الحقيقة إلا من ذاقها، ومن لم يذقها إنما يعرفها بالقياس على الآلام التي أدركها، فألم النزع يهجم على الروح نفسها، فيستغرق جميع أجزائها، من كل عرق من العروق، وكل عصب من الأعصاب، وكل مفصل من المفاصل، ومن أصل كل شعرة وبشرة، من أعلى الرأس إلى أسفل القدمين، فلا تسأل عن كربه وألمه – حتى قالوا-: إن الموت أشد من ضرب بالسيف، ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض؛ لأن ألم الضرب بالسيف أو النشر أو غيرهما إنما يؤلم لتعلقه بالروح فكيف إذا كان المجذوب والمنتزع هو الروح نفسها.

وإنما يستغيث المضروب ويصيح لبقاء القوة في قلبه ولسانه، ولكن المحتضر ينقطع صوته وصياحه وتضعف قوته وتخور قواه؛ لأن الكرب قد بالغ فيه وتصاعد على قلبه بألم شديد حتى غلب على كل موضع من جسده، فهد كل جزء وأضعف كل جارحة، فلم يترك له قوة للاستغاثة.

أما العقل فقد غشيه ألم وشوشه، وأما اللسان فقد أبكمه، وأما الأطراف فقد أضعفها، ويود المحتضر أن لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح وغير ذلك، ولكنه لا يستطيع، فإن بقيت فيه قوة سمعت منه عند نزع الروح وجذبها خوارًا وغرغرة من حلقة وصدره وقد تغير لونه، وانتشر الألم في داخله وخارجه، حتى ترتفع الحدقتان إلى أعلى جفونه ويتقلص اللسان إلى أصله، وتخضر أنامله فلا تسأل عن جسد يجذب منه كل عرق من عروقه، ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجيًا، فتبرد أولاً قدماه ثم ساقاه ثم فخذاه، ولكل عضو سكرة بعد سكرة وكربة بعد كربة، حتى يبلغ بها الحلقوم. فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها، وينغلق دونه باب التوبة (الإحياء للغزالي 4/461).

فيا قابض الروح من نفس إذا احتضرت

ويا غافر الذنب زحزحنى عن النار

ثانى هذه المنازل: القبر: كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكى من هذا؟ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «القبر أول منازل الآخرة، فإن ينجُ منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشد منه»، ثم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

«ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه» رواه أحمد والترمذي.

فارقت موضع مرقدي

يومًا فقارقني السكون

القبر أول ليلة

بالله قل لي ما يكون

وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الطويل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما جلس على قبر قال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا...» وفيه قال: «فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: ربي أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي...»، ثم وصف حال قبض الكافر حتى قال: «فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدرى؛ فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادى منادٍٍٍٍٍِِ من السماء: أن كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار،فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول ربي لا تقم الساعة» [رواه أبو داود].

وهكذا – أختي الكريمة – يتصل نعيم أهل الجنة في قبورهم، ويتواصل العذاب لأهل النار – عياذًا بالله – في قبورهم إلى أن ينفخ إسرافيل في الصور مؤذنًا بقيام الساعة.

ولو أنا إذا متنا تركنا

لكان الموت غاية كل حي

ولكنا إذا متنا بعثنا

ونُسأل بعده عن كل شيء

اسمعي – أختاه – إلى رب العزة – عز وجل – وهو يقول: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَمَنْ في الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، ويصف الله – عز وجل – في سورة يس هذا المشهد الرهيب يقول: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾، ويبعث الناس من قبورهم على ما ماتوا عليه من خير أو شر وهذا هو حسن أو سوء الخاتمة، نسأل الله العافية، يقول الله – عز وجل -: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء، عليها جلباب من لعنة الله، ودرع من نار، يدها على رأسها تقول: يا ويلاه»، وفي الصورة المقابلة حديث الصحابي الذي مات محرمًا بالحج وفيه قال - صلى الله عليه وسلم -: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» [رواه مسلم].

* * * *


 الحشـــر

ثم يَعقُب البعث الحشر، وفيه يُجْمعَ الأولون والآخرون، والوالد وولده، والمقتول وقاتله، والمظلوم وظالمه، والمفتون وفاتنه ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، ويقول سبحانه: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾، يومها تُحشرين يا أختاه، عارية، حافية، سألت عائشة رضي الله عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض» [متفق عليه]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «يحشر كل شيء حتى الذباب»، ويقول الله – عز وجل-: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، وفي هذا اليوم: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، وفي هذا اليوم: ﴿تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وفي هذا اليوم: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، كل يقول: نفسي نفسي، فالشمس قد دنت من الرؤوس قدر ميل، والناس ألجمهم العرق، فمنهم من قد بلغ إلى حقويه، ومنهم من بلغ العرق ثدييه، ومنهم من بلغ العرق أذنيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا.

أما عن أصناف الناس في الحشر فيُحشرون على ثلاثة أصناف:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجهوهم» قيل: يا رسول الله: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك» [رواه الترمذي].

* * * *


 تطـاير الصحف والحساب

عن عائشة رضي الله عنها قالت: ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما يبكيك؟» قلت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: «أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا، عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه، أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حتى يجوز» [رواه الترمذي].

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾.

وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ في عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * في جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ في الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِي كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾.

تخيلي نفسك – أخيتي – وقد تطايرت الصحف ونصبت الموازين ونوديت باسمك على رؤوس الأشهاد، أين فلانة بنت فلان؟ هلمى إلى العرض على الله، وقد وكل بأخذك ملائكة فقربتك إلى الحساب لا يمنعها اشتباه الأسماء، وهي تتخطى بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم وقد طار قلبك واشتد رعبك لعلمك أين يراد بك! تخيلي نفسك وفي يدك صحيفة مخبرة بعملك، لا تغادر بلية ولا مخبأة، فكم من بلية نسيتيها ذكرها، وكم من سيئة أخفيتيها أظهرها، وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص فرده عليكِ في ذلك الموقف فيا حسرة قلبك، ويا أسفك على ما فرطت فيه من طاعة ربك. يوم تعرضين عليه للحساب، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه؛ فاتقوا النار ولو بشق تمره» وفي رواية: «ولو بكلمة طيبة» [متفق عليه].

* * * *


 حوض النبي - صلى الله عليه وسلم -

للنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا اليوم حوض جاء في وصفه: «ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منها فلا يظمأ أبدًا» [متفق عليه]. فهل تعلمين – يا أخيتي – أن هناك من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من يذاد عن هذا الحوض. فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «ترد علي أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله أتعرفنا؟ قال: نعم؛ لكم سيم ليست لأحد غيركم، تردون غرًّا محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم، فلا يصلون، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي، فيجيء ملك، فيقول: وهل تدرى ما أحدثوا بعدك» [رواه مسلم] فاحذري – حفظك الله – أن تكوني ممن يذاد عن حوض النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* * * *


 الميزان

قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا ِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.

ويقول - صلى الله عليه وسلم -: «يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك» [السلسلة الصحيحة].

فالفوز والفلاح لمن ثقلت موازينه، والخسران والبوار لمن خفت موازينه كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ في عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾.

* * * *


 الصراط

ورد في صفته أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، عليه كلاليب عظيمة تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم ناج مسلم ومنهم ناج مخدوش، ومنهم مكردس في نار جهنم.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «... يضرب الصراط بين ظهرانى جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجوز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى» [رواه مسلم].

والناس في المرور على الصراط أصناف، فمنهم من: يمر كالبرق الخاطف .. ثم كمر الريح، ثم كمر الطير .. ونبيكم - صلى الله عليه وسلم - قائم على الصراط يقول: «يا رب سلم سلم، حتى يجئ الرجل ولا يستطيع السير إلا زحفًا وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت بأخذه، فمخدوش ناج، ومكردس في النار، والذي نفس محمد بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفًا» [رواه مسلم].

هذا هو: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبي وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

* * * *


 الجنة

هي: «نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة».

مبانيها: «لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك والإذخر، وحصبائها الدر والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها يبقَ ولا ييأس، ويخلد ولا يمت، ولا تبلَ ثيابه ولا يفنى شبابه».

فيها: «ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين»، «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفي لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

طعامهم: قال الله فيه: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.

شرابهم: قال الله فيه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾.

ثيابهم: قال الله فيه: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.

وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾.

فرشهم: قال الله فيها: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابي مَبْثُوثَةٌ﴾.

وقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾.

أنهارها: قال الله فيها: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ في النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾.

أشجارها: قال الله فيها: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * في سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾.

ولأهل الجنة خلود فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي به مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم؛ هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادي مناد: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم؛ هذا الموت، وكلهم قد رآه.. فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت» [رواه البخاري].

وهناك يوم المزيد: قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله – عز وجل -: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة ونجيتنا من النار. قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم» ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [رواه مسلم].

* * * *


 النار

هي عقاب الله لأعدائه من العاصين له ولرسله، منع ذكرها بعض السلف من النوم، ومنعت بعضهم من الضحك، حتى قال سعيد بن جبير – رحمه الله -: كيف أضحك وجهنم قد سُعرت والأغلال قد نُصبت، والزبانية قد أُعدت.

كيف لا.. وهم يعلمون: «أن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل (أي: القدر) ما يرى أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا» [متفق عليه].

كيف لا.. وهم يعلمون أنها نار «أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، وألف سنة حتى احمرت، وألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة».

كيف لا.. وهم يعلمون: «أن النار اشتكت إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر من سمومها، وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها».

كيف لا.. وهم يعلمون أنه: «يؤتى يوم القيامة بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» [رواه مسلم].

كيف لا.. وهم يعلمون أنهم يسحبون، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾.

كيف لا.. وهم يعلمون أن لباسهم قال الله فيه: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾. وقال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾.

كيف لا.. وهم يعلمون أن طعامهم قال الله فيه: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلي في الْبُطُونِ * كَغَلي الْحَمِيمِ﴾.

وقال تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾.

كيف لا.. وهم يعلمون أن شرابهم قال الله فيه: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾.

كيف لا.. وهم يعلمون أن لهم مقامع قال الله فيها: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.

كيف لا.. وهم يعلمون أنهم يُسلسلون بسلاسل قال الله فيها: ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾. قال فيها المفسرون: «تدخل السلسلة من دبره حتى تخرج من فمه كما ينظم الدجاج في الحديد ليشوى».

كيف لا.. وهم يعلمون أمنيات أهل النار التي لن تتحقق والتي قال الله فيها: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.

وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾.

وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.

وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ حينئذ يأتيهم الجواب الرادع من رب العزة: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾.

عندها يسألون خزنة جهنم أن يخفف عنهم العذاب – عياذًا بالله – كما قال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ في النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ فترد الملائكة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ﴿قَالُوا بَلَى﴾ ﴿قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا في ضَلَالٍ﴾.

فحينما ييأسون وينقطع رجاؤهم يتمنون الموت، ويسألون مالك خازن النار أن يقضي الله عليهم ويميتهم: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.

والأعذار في النار غير مقبولة، ويتبرأ التابع من المتبوع، حيث يتبرأ الشيطان من أتباعه الذين أطاعوا أمره في معصية الله – عز وجل – وها هو يقوم خطيبًا في أتباعه داخل جهنم وهو على منبر من نار كما قال – عز وجل – يصف هذا الموقف: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِي الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِي إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

والآيات – أختي الكريمة – في وصف النار وأهلها كثيرة جدًا، لكنها تذكرة دفعنا إليها الخوف عليك من عذاب الله حيث صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اطلعت في النار فوجدت أكثر أهلها النساء» [متفق عليه].

وقال - صلى الله عليه وسلم - للنساء: «تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار».

أخيتي، اعلمي أنك إذا لم تدركي أشراط الساعة فقيامتك العاجلة موتك، فإذا حانت ساعة الوفاة كان زمن الاستدراك، وقد قال تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ أي: فمن أين لهم إذا جاءتهم الساعة أن يتذكروا ويتوبوا؟ فكذلك عند صرعة الموت لا عثرة تُقال ولا توبة تُنال.

وهذا طريق الجنة وطريق النار، فانظري أي الطرق تسلكين؟ وأين تذهبين؟

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

* * *