ألا فعودي يا أخية

القسم العلمي بدار ابن خزيمة

بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

أختي المسلمة:

إن طريق الرجوع سهل لمن سكب على خطاياه الدموع.. واقتفى طريق التوبة والاستغفار بصدق وصفاء وعزم وخشوع.

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].

﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: 25].

فعودي يا أخية إلى رحاب الطاعة والالتزام, واهجري طرق الغي والضلال والظلام.. واتبعي سبيل من استقام ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136].

كم ذا أغالط أمري

كأنني لست أدري

أغفلت ذا الذي كان

في مقدم عمري

ولم أزل أتمادى

حتى تصرم دهري

مالي إذا صرت رهنًا

بالذنب في رمس قبري

فليت شعري متى أدرك

المنى ليت شعري

عودي إلى صفاء الصدق.. ونقاء الفضيلة.. وطهارة الحجاب.. وشرف العفاف.

عودي إلى الله بنية صافية.. وعين باكية.. وأذن واعية.. تتذوقي حلاوة الإيمان.. وسعادة الاطمئنان.. وتذهب عنك الأذران والأحزان.

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: 124-126].

عودي إلى الحياة حياة السلف.. ففيها العزة والتمكين والشرف.

عودي إلى صناعة الأبطال.. وأنجبي للأمة خير الرجال.. وازرعي بذور النصر للأجيال ألا فعودي يا أخية!

 عودة إلى الالتزام

العودة إلى الالتزام ليست ككل عودة.. إنها عودة إلى نور العبادة.. وعيش السعادة.. وعالم الاطمئنان والصفاء.. والطهارة والعفاف والنقاء.

لذا أختي المسلمة.. فإن التشمير لنيله.. والاستعداد لطرقه.. يستلزم منك الصبر والمصابرة.. والاجتهاد والمثابرة.. ومغالبة الهوى والشيطان.. وقهر النفس الأمارة بالعصيان..

أخية.

وتذكري أن مطلب الرجوع إلى الله ورضوانه.. ليس لك فيه خيار ولا اختيار.. فهو أمر واجب التنفيذ – من لدن العزيز الغفار..

فقد أمرك بالعودة إليه.. ودعاك إلى التوبة إليه.. والفرار منه إليه.. فقال في خطاب ملؤه الرحمة والرأفة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

فمهما يكن ذنبك، ومهما تعاظم عيبك.. فعودي إلى الله يا أخية فهو غفار الذنوب جميعًا.. وستار العيوب جميعًا.

أخية.

إذا المرء لم يكفف بوادر غيظه

شكا الدهر أو ألقى المعادة صاغرًا

وإن هو لم يزجر عن الغي نفسه

أصاب لها من حادث الدهر زاجرًا

فأسرعي في العودة إلى الله.. وبادري قبل أن يحال بينك وبينها بالموت أو المرض فإن الأنفاس معدودة.. والحياة محدودة.

﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 17، 18].

قد كنت ميتًا فصرت حيا

وعن قليل تصير ميتًا

بنيت بدار الفناء بيتًا

فابن لدار البقاء بيتًا

أختاه.

ألا فعجلي بالرجوع.. وإياك أن تركبي ظهر التسويف والأماني.. فإنها رؤوس أموال المفاليس.. لا يبرح من ركبها أن يباغته اليقين وساعتها يقول: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99، 100].

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى

ولاقيت من بعد الموت من تزودا

ندمت على أن لا تكون كمثله

وأنت لم ترصد كما كان أرصد

عودي من ظلام الغواية إلى نور الهداية.. ومن متابعة الشيطان إلى رضوان الرحمن.. ومن سماع الغناء إلى تدبر القرآن.

حطمي أصنام الأفلام بالذكر والتبتل والقيام.. واهجري رفقاء الرذيلة واصحبي رفقاء الفضيلة..

وأعلني مولدك الجديد.. وعودك الحميد.. بالتزام صادق يخط خطته إلى الله بعزم ويقين.

فما من شيء تتركينه لله إلا عوضك الله خيرًا منه.

لكل شيء إذا ضيعته عوض

وليس في الله إن ضيعت من عوض

وتذكري يا أخية:

أن التأخر في العودة.. ذنب وفسوق.. ومعصية وعقوق.. فهو يدل على الإصرار وما الإصرار إلا حاجز من حواجز التوبة والعودة إلى الله. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 135، 136].

تؤمل في الدنيا طويلاً ولا تدري

إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من صحيح مات من غير علة

وكم من عليل عاش دهرًا إلى دهر

وكم من فتى يمسي ويصبح آمنًا

وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري

أختي المسلمة.

تذكري أن الاسترسال في المعاصي والسيئات.. يوجب الهلاك والعقوبات.. في الحياة وبعد الممات.. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30].

فمتى تدركين – أخية – هذا التحذير!

فكم من شابة يافعة خبطتها يد المنون..!

وكم من صغير جاءه الموت والناس ينظرون..!

وكم من صحيح مات من غير سقم.. وكم من جبار قهره الاحتضار..

ألا فاعتبري..

﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 97-99].

فلا تأمني أختي المسلمة – مكر الله.. فإنه يأتي على غرة.. ولا ترده قوة ولا نصرة!

﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 45-47].

﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: 68، 69].

أختاه:

فاحذري من حلول العذاب.. وتأهبي للعرض والحساب..

وإليك أسوق هذه القصة المؤثرة، لفتاة طالما استهانت بالمعاصي حتى أتاها داعي الموت.. فأدركت نفسها بالرجوع والتوبة.. حتى أتاها الفرج!

تقول هذه الأخت:

نشأت في أسرة عربية، مكونة من أب وأم وأربع بنين وبنتين. كنت أنا أصغرهم.. وفي أحضان هذه الأسرة ترعرعت وتربيت..

وبعد المرحلة الثانوية تقدم لخطبتي رجل طيب يعمل في أمريكا، فوافقت عليه وتزوجنا. كان- ولله الحمد- خيرًا، فكان يشجعني على لبس الحجاب حتى ونحن في وسط كافر على الرغم من أنه لم يكن محافظًا على الصلاة والصيام، وقد طلبت منه صيام شهر رمضان معي فصامه ولله الحمد، ودعوته إلى الصلاة فوعد خيرًا، ومع ذلك كله كنت متعلقة بسماع الغناء، والخروج إلى الأسواق، فلم تكن صلاتي تنهاني عن كثير من المنكرات والذنوب فالقلب لم يزل في أسر المعاصي.

وذات يوم خرجت من الحمام بعد أن اغتسلت، كانت الريح شديدة وقوية، وكانت نافذة المطبخ مفتوحة، فاتجهت لإغلاقها، فأحسست بلفحة هواء، وبعد فترة قصيرة، أحسست بصداع في رأسي، فتناولت دواء لتخفيف الصداع، ولكن دون جدوى، فبدأ الألم يزداد، والحالة تتطور من صداع إلى حرارة ثم رعشة قوية – فلما حضر زوجي وكان طبيبًا – أعطاني دواء آخر فهدأ جسمي قليلاً، ثم عادت الرعشة من جديد فمكثت في البيت على هذه الحال خمسة أيام مع تناول الدواء، لكن الدواء لم يؤد مفعوله ثم تطورت الحال إلى أسوأ.. حيث أصبت بتورم القدمين، وعدم القدرة على الحركة إلا قليلاً، فقرر زوجي نقلي إلى المستشفى، وفي الصباح الباكر تركت أطفالي عند جارة لي مسلمة كانت لهم خير أم جزاها الله خيرًا.

فلما دخلت المستشفى ورأى الطبيب حالتي، أسرع بي إلى قسم الطوارئ.. وذلك أن جسمي كان قد هزل من قلة الأكل، لأنني في تلك الفترة كنت كلما أكلت شيئًا ولو يسيرًا استفرغته..

كنت وقتها لا أملك إلا نظرات شاردة، فلساني ثقل عن الكلام بسبب الحرارة العالية، والرعشة القوية، وقدماي قد ثقلت عن الحركة بسبب الأورام، والأعضاء مني قد سكنت إلا من قلب ينبض ببطء، فلم أجد ما أعبر به عن آلامي في تلك اللحظات إلا بقطرات من الدموع خرجت بصعوبة بالغة، ومع ذلك لم أستطع مسحها، لأن يدي كانتا غير قادرتين على الحركة.

وفي صباح اليوم التالي قام الأطباء بإجراء الفحوصات للتعرف على سبب الحرارة.. فكانت النتيجة كلها سليمة!!

فاحتار الأطباء في أمري، حيث عجزوا عن معرفة مسببات الحرارة في جسمي، فقاموا باستدعاء أطباء آخرين من ولاية أخرى، فاقترحا أن يستمر فحص الدم يوميًا لاحتمال وجود جرثومة فيه.. وكانت النتيجة دائمًا لا شيء.. فأصبحت في حال لا يعلمها إلا الله.

وذات يوم قامت رئيسة الممرضات بغسل شعري وتسريحه، فسرح ذهني بعيدًا، وتذكرت هادم اللذات؛ الموت، وقلت في نفسي: الآن يغسلون شعري، وغدًا يغسلون جسمي، ويحنطونه، ويكفنونه، ويصلون علي، ويدفنوني تحت التراب، ويفارقني الأحباب فأكون رهينة للحساب..

فبكيت كثيرًا.. وقلت في نفسي: يا نفس! ها أنت تموتين رويدًا رويدًا فماذا قدمت من صالح الأعمال؟ وبدأت محاسبة نفسي.. فتذكرت سيئاتي من سماع الأغاني صباح مساء، ومشاهدة التلفاز، وما أدراك ما التلفاز وما فيه من مسلسلات وأفلام.. لدرجة أني كنت أؤدي الصلاة بسرعة حتى لا يفوتني شيء منها.. ناهيك عن حب الأسواق وغيرها من الأماكن التي كنت أخرج إليها مع زوجي.

وبكيت وبكيت.. وما زلت على هذه الحال من المحاسبة الشديدة والبكاء، وتذكر الجنة والنار وما فيهما من النعيم، والجحيم والأغلال، حتى دخل وقت صلاة الفجر، وعيناي تذرفان الدموع. وفي ختام هذه المحاسبة وبعد استسلامي لأمر الله وقضائه، دعوت الله عز وجل بالدعاء المأثور «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إن كانت الوفاة خيرًا لي».

غبت بعدها عن الوعي، فلم أشعر بنفسي إلا والممرضة تضع يدها على كتفي، لتوقظني وتدعوني لتناول الدواء، وفتحت عيناي.. فإذا بها تنظر إلي بدهشة بالغة، وتخرج مسرعة إلى الباب لتتأكد من الاسم.. فهل يعقل أن تكون هذه هي المرأة التي عجز الأطباء عن علاجها بالأمس، بل أعلنوا يأسهم من شفائها؟!! إنها الآن في حال مختلف.. يا إلهي.. ما الذي حدث، هل أنت حقًا فلانة؟!! قالت الممرضة بلهجتها الأمريكية! فنهضت وجلست، وأخذت منها بيدي حبة الدواء وتناولتها، فشربت عليها الماء، ثم فتحت حقيبتي وأخرجت منها المصحف فاحتضنته بقوة وأنا أبكي.. ثم قرأت منه بعض الآيات بتدبر وخشوع.. فإذا بالممرضة تصرخ، وتنادي الأطباء والممرضات لينظروا إلي، فجاءوا مسرعين، وقد ظنوا جميعًا أني قد فارقت الحياة، فلما دخلوا الغرفة ورأوني على تلك الحال، أصيبوا بالدهشة، ومن الممرضات من لم تتمالك نفسها فأجهشت بالبكاء، وتساءلوا جميعا ماذا جرى؟ وما الذي حدث.. وكيف حصل الشفاء؟ فأجبتهم بأن الله جل وعلا هو الشافي، ألم يقل سبحانه ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62].

هذه قصة هدايتي منذ بدايتها، وقد مر الآن على تلك الحادثة التي أيقظتني من غفلتي ستة أعوام، واليوم أسأل الله عز وجل أن يثبتني وجميع المسلمين على الدين القويم حتى نلقاه على ذلك، فإن الأعمال بالخواتيم ([1]).

يا نائم الليل مسرورًا بأوله

إن المصائب قد يأتين أسحارًا

 عودة إلى الأخلاق

أختي المسلمة..

إن العودة إلى الأخلاق هي من صميم العودة إلى الالتزام بشرع الله كافة، فهي عبادة والتزام، وحينما نتحدث عن الأخلاق فإننا نعني بذلك المعاملات التي تحكم المرأة المسلمة في علاقتها مع أفراد المجتمع من حولها في بيتها وفي الشارع مع الوالدين والأقربين والأصدقاء والأجانب.

 1- الإحسان إلى الوالدين:

فبر الوالدين من أسمى الأخلاق وأفضل القيم التي على الأخت المسلمة أن تتحلى بها، فقد وردت الأيام والأحاديث في الحق على الإحسان إليهما وزجر عقوقهما، فمن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23، 24].

أخية..

تأملي كيف قرن الله جل وعلا عبادته وهي غاية الخلق ببر الوالدين والإحسان إليهما وما ذلك إلا لعظم منزلة هذا الخلق عند الله جل وعلا.. فلا يفوتنك هذا الخير العظيم.. فبرهما هو الخير كله.. والفضل كله.. فهما اللذان ربيا فأحسنا.. وأطعما فأشبعا.. وسقيا فأرويا.. وأعطيا فأجزلا.. فمن أدى حقهما فلح.. ومن فرط فيهما خاب.

روى البخاري في الأدب المفرد أن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري حدث أنه شهد ابن عمر رجلاً يمانيًا يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره يقول:

إني لها بعيرها المذلل

إذا أذعرت ركابها لم أذعر

حملتها أكثر مما حملت

فهل ترى جازيتها يا ابن عمر

ثم قال: يا ابن عمر أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة([2]).

أختاه.. فاحذري أن تضيعي حقهما.. أو تعصي أمرهما.. فإن سخط الله في سخطهما.. قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. فلما كان التأفف منهما محرمًا كان ما سواه أشد تحريما من باب أولى. فتأملي.

لأمك يا هذا لو عملت كثير

كثيرك يا هذا لديه يسير

فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي

لها من جواها أنة وزفير

فدونك فارغب في عميم دعائها

فأنت لما تدعو إليه فقير

 2- الخلق الحسن مع الناس:

أخية... تذكري أن عودك للأخلاق الفاضلة.. هو عود إلى الرفعة في الدنيا والآخرة.. فما من شيء أثقل في الميزان يوم القيامة من الخلق الحسن.. وما من شيء يرفع قدر الناس في الدنيا بين ذويهم وأقربائهم من حسن المعاملة وطيب الكلام.

قال طاووس: إن هذه الأخلاق منائح يمنحها الله عز وجل من يشاء من عباده، فإذا أراد الله بعبد خيرًا منحه خلقًا صالحًا ([3]).

وعن أنس بن مالك t قال: إن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجة في الجنة وهو غير عابد، ويبلغ بسوء خلقه أسفل درك في جهنم وهو عابد ([4]).

فعودي يا أخية.. إلى العفة والصيانة، والجود، والحلم، والعفو، والصفح، والاحتمال، والإيثار، وحبس النفس عن الدناءات، والتواضع، والقناعة، والصدق، والإخلاص، والمكافأة على الإحسان بمثله أو أفضل، والتغافل عن زلات الناس.

قال أيوب السحتياني: «لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم»([5]).

سامح أخاك إذا خلط

منه الإصابة والغلط

وتجاف عنه تعنيفه

إن زاغ يومًا أو قسط

واعلم بأنك إن طلبت

مهذبًا رمت الشطط

من ذا الذي ما ساء قط

ومن له الحسنة فقط

أختي المسلمة:

ومن الأخلاق التي حث عليها الإسلام ورغب في التحلي بها قرار المرأة في بيتها، لاسيما في زماننا هذا حيث كثرت الفتن وعم الهرج وأصبح الأمر بالقرار في البيت أشد وجوبًا في حق النساء من ذي قبل سدًا للذرائع وحماية للمرأة, والمجتمع من الافتتان بها.

فعن ابن مسعود t قال: «إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته. وإن المرأة لتلبس ثيابها فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها».

أخية.. ألا فعودي إلى بيتك.. وزينيه بالقرار.. وتاجري مع الله فيه بالأذكار والاستغفار وبر الوالدين وتدبر القرآن.. وطلب العلم والعرفان.

قال الأستاذ عبد الله عفيفي رحمه الله: في معرض ذكر امرأة صالحة استفادت من قرارها في بيتها أيما استفادة. قال: «السيدة الشريفة فاطمة الزهراء ابنة السيد محمد بن أحمد الإدريسي، تحفظ القرآن الكريم بقراءاته وتحفظ كثيرًا من كتب الفقه والحديث، ولها فوق ذلك صلة وثيقة بالعلوم العصرية، ولم تبارح دارها قط، وتخرجت على أبيها وجدها»([6]).

فلو كان النساء كما ذكرنا

لفضلت النساء على الرجال

فما التأنيث لاسم الشمس عيب

ولا التذكير فخر للهلال

أختاه.. هذا غيظ من فيض.. فلا تضيعي أوقاتك في الملاهي.. واعلمي أن الوقت أمانة ستسألين عنها يوم القيامة!!


 عودة إلى الآداب

 أدب الكلام:

أخية.. تذكري أن الله جل وعلا أمر بطيب الكلام فقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «والكلمة الطيبة صدقة» فاحرصي على انتقاء أطايب الكلام حين مخاطبة الناس لاسيما الوالدين والأقربون.

ولكن كوني شديدة الحذر أن تخلطي بين طيب الكلام، وترخيمه وترقيقه أمام الرجال الأجانب فإن ذلك مما نهى الله جل وعلا عنه، فقال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32].

فلقد أمرهن الله وسائر المؤمنات بقول المعروف، ونهاهن عن الخضوع بالقول لما له من تأثير على آذان من يستهوين صوت النساء كما قال الشاعر:

يا قوم أدني لبعض الحي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانًا

 أدب اللباس:

والمقصود من اللباس هو تحصيل الستر والعفاف، وصيانة المرأة والمجتمع من الفتنة، لذا فإنه ليس مقصودًا في ذاته إلا إذا حقق شروط الحشمة والحياء، وكان شاملاً لأوصاف الستر والحجاب.

فالحجاب ليس هو كل عباءة تلبس وإنما هو العباءة المتضمنة أوصاف الحجاب الشرعي وشروطه، فلا تكون ضيقة ولا رقيقة ولا شبيهة بلباس الرجال ولا الكافرات، ولا تحقق الشهرة لمن يرتديها. فتأملي.

وأما حجاب الزينة والتجمل للفت نظر الأجانب فهو مخالف لآداب اللباس الشرعي وداخل في مسمى التبرج الممنوع وإن كان يخالفه في شكله المعتاد.

كأن الثوب ظل في صباح

يزيد تقلصًا حينًا فحينا

تظنين الرجال بلا شعور

لأنك ربما لا تشعرينا

 أدب النظر:

قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31]. فالله جل وعلا يعلم مدى تأثير النظرة المحرمة في القلب، وما تحدثه من أمراض في النفس فكم من نظرة محرمة أودت بصاحبها إلى الوقوع في المعصية، وفتنة الرجل بالمرأة، وفتنة المرأة بالرجل، وقد قرن الله عز وجل الأمر بغض البصر بالأمر بحفظ الفرج؛ لأن غض البصر هو السبيل لحفظ الفرج. وفي الحديث سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري [رواه مسلم].

 أدب الخروج:

وإذا رمت الخروج – أختي المسلمة – لحاجة أو ضرورة، فتحلي بآداب اللباس وصوني كلامك من الفحش والغيبة والنميمة والكذب، واحذري أن تخضعي به أمام الرجال الأجانب وتحلي بآداب النظر في الطريق، وتجنبي الاختلاط، واحذري من أن يجد منك المارة ريحًا عطرًا فإن في ذلك فتنة وفسادًا، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية»([7]).

 أدب طاعة الزوج:

وذلك بخدمته، والقيام على تدبير شؤون المنزل، حتى يتفرغ هو للعمل والعبادة فيسود التعاون والتكافل جميع الأسرة.

ومن آداب الطاعة أن تكون في المعروف، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قال ابن حجر رحمه الله: «ولو دعاها الزوج إلى معصية فعليها أن تمتنع فإن أدبها على ذلك كان الإثم عليه»([8]).

فتأملي أختي المسلمة هذه الآداب، واحرصي عليها في حياتك فإنها معينة لك على السعادة والاطمئنان وتحصيل العيش الهنيء.


 عودة إلى صناعة التاريخ

أختي المسلمة..

قلبي صفحات التاريخ.. وتصفحي كتب التراجم والسير.. واقرأي أخبار من غبر.. من نساء السلف الصالحات.. العابدات القانتان.. الذاكرات الحافظات.. فلقد دون التاريخ من أخبارهن ما لولا أن وقوعه ثابت لظنه القارئ ضربًا من ضروب الخيال.. مما يقرأه من عظيم الإنجازات والبطولات في شتى المجالات.

فهذه أم صهباء معاذة بنت عبد الله العدوية زوجة صلة بن أشيم رحمهما الله: وهي تلميذة مباركة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كانت رحمها الله إذا جاء النهار تقول: «هذا يومي الذي أموت فيه» فما تطعم حتى تمسي، فإذا جاء الليل تقول: «هذه الليلة التي أموت فيها» فتصلي حتى تصبح، ومن قولها: «عجبت لعين تنام وقد عرفت طول الرقاد في ظلمة القبور» وكانت إذا جاء البرد لبست الثياب الرقاق حتى يمنعها البرد من النوم، ولما بلغها نبأ استشهاد زوجها وابنها أتت النساء يواسينها في مصابها، فقالت لهن: «إن كنت جئتن لتهنئنني فمرحبًا بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن»([9]).

فأين نساؤنا من هؤلاء.. وأين نساؤنا من قيام الليل والاستغفار في الأسحار، وإظهار الخوف من الواحد القهار.. وقد استثقلت عليهن الصلاة.. وضيعتهن الحفلات والسهرات, وآثرت الملاهي والتسليات.. إلا من رحم رب الأرض والسموات. أخية... لا تغتري بما هو حاصل في واقع العصر.. فإن السائرات إلى الله قليل.. وتأملي فيمن سبقوا.. كيف عبدوا الله وصدقوا..

فكل خير في اتباع من سلف

وكل شر في ابتداع من خلف

كانت نفيسة ابنة الحسن بن زيد بن السن بنت علي رضي الله عن الجميع، من الصالحات العابدات، زاهدة، تقية، تقوم الليل وتصوم النهار، وتكثر البكاء من خشية الله عز وجل، حتى قيل لها: «ترفقي بنفسك» لكثرة ما رواه منها، فقالت: «كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلا الفائزون؟» حجت ثلاثين حجة وكانت تحفظ القرآن وتفسيره، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن حكى أنها دخلت مصر مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر بن محمد الصادق: «فأقامت بها، وكانت ذات مال، فأحسنت إلى الناس، والجذمى، والمرض، وعموم الناس وكانت عابدة، زاهدة، كثيرة الخير، ولما ورد الشافعي مصر أحسنت إليه، وكان ربما صلى بها في شهر رمضان، وحين مات أمرت بجنازته فأدخلت عليها المنزل فصلت عليه ([10]).

ومن أخبارها رحمها الله تعالى: أنها أقامت بمصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق، وقيل: مع أبيها الحسن الذي عين واليًا على مصر من قبل أبي جعفر المنصور. وقد هرع إليها أهل مصر يشتكون من ظلم أحمد بن طولون، فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في غد. فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه، وقالت: «يا أحمد بن طولون» فلما رآها عرفها، فترجل عن فرسه، وأخذ منها الرقعة وقرأها، فإذا فيها:

«ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخولتم فعسفتم، ورد إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام القدر نافذة غير مخطئة لاسيما في قلوب أوجعتموها، وأكباد قطعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا مُسْتَجِيرُون، واظلموا فإنا إلى الله متظلمون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227] فعدل لوقته ([11]).

فأين نساؤنا من هذه الصفات النقية.. والنعوت العلوية.. والمواقف الربانية.. فهؤلاء نسوة صنعن التاريخ.. ليس في عالم الأزياء.. ولا في الفنون والغناء.. ولكن في القدوة بالأعمال الصالحة.. والمواقف المشرفة.. وزادهم في ذلك الإيمان وعدتهن الإحسان.. ومطلبهن رضوان من الله ومنزلة في الجنان.

فلو أنما أسعى لأدنى معيشة

كفاني- ولم أطلب- قليل من المال

ولكنما أسعى لمجد مؤثل

وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي

أختاه..

فتأملي هذه الصور المشرقة.. وعودي إلى حنين الماضي القريب فإنه إرث لا يضاهى.. وكنز لا يتناهى.. وتعودي على ما كان عليه نساء السلف من صدق العبادة.. وقوة الزهادة.. وصفاء الإخلاص.. فما نراه اليوم صور باهتة.. همها في بطنها وشهوتها.. لا تسمن ولا تغني من جوع..

أفلام ومسلسلات.. وفنون ومجون.. ومجلات ساقطات.. وأغنيات فاضحات وفضائيات هابطات وسهرات وحفلات..

فما أغبت من كانت الدنيا همها.. والدرهم سعيها.. والشهوات مطلبها.. والمعاصي مركبها..

كأنك لم تسمع بأخبار من مضى

ولم ترَ في الباقين ما يصنع الدهر

فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم

صحها مجال الريح بعدك والقطر

على ذاك مروا أجمعون وهكذا

يمرون حتى يستردهم الحشر

فحتى متى لا تصحو وقد قرب المدى

وحتى متى لا ينجاب عن قلبك الذكر

أخية..

قد ذكرت لك في هذا الفصل.. نماذج من نساء السلف ممن دون التاريخ مجدهن في الصلاح والإصلاح.. وإليك نماذج من الصالحات اللواتي صنعن خيرة الرجال للأجيال.

كان فروخ أبو ربيعة خرج في البعوث إلى فرسان أيام بني أمية، وربيعة حمل في بطن أمه، وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرسًا، وفي يده رمح، فنزل، ودفع الباب برمحه، فخرج ربيعة، وقال: «يا عدو الله أتهجم على منزلي» فقال فروخ: «يا عدو الله أنت دخلت على حرمي» فتواثبا حتى اجتمع الجيران، وبلغ مالكًا بن أنس، فأتون يعينون ربيعة وكثر الضجيج، وكل منهما يقول: «لا فارقتك» فلما بصروا بمالك سكتوا، فقال مالك: «أيها الشيخ لك سعة في غير هذه الدار» فقال الشيخ: هي داري وأنا فروخ» فسمعت امرأته كلامه فخرجت وقالت: هذا زوجي، وهذا ابني الذي خلفه، وأنا حامل به» فاعتنقا جمعًا وبكيا، ودخل فروخ المنزل، وقال: «هذا ابني» فقالت: نعم. فقال: «أخرجي المال الذي عندك» قالت – تعرض - «قد دفنته وأنا أخرجه» ثم خرج ربيعة إلى المسجد، وجلس في حلقته، فأتاه مالك والحسن وأشراف المدينة، وأحدق الناس به، فقالت أمه لزوجها فروخ: أخرج فصل في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فخرج فنظر إلى حلقة وافرة، فأتاه، فوقف عليها فنكس ربيعة رأسه يوهمه أنه لم يره، وعليه قلنسوة طويلة، فشك أبوه فيه، فقال: «من هذا الرجل؟» فقيل: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال: لقد رفع الله ابني» ورجع إلى منزله، وقال لوالدته: «لقد رأيت ولدك في حالة ما رأيت أحدًا من أهل العلم والفقه عليها، فقالت أمه: فأيهما أحب إليك: ثلاثون ألف دينار أو هذا الذي هو فيه؟ فقال: لا والله بل هذا. فقالت: أنفقت المال كله عليه. فقال: فوالله ما ضيعته»([12]).

فانظري يا أمة الله في حال هذه المرأة العظيمة كيف لعبت دورًا رائدًا في صناعة تاريخ الفقه الإسلامي، وخرجت من بيتها بحسن تدبيرها وتربيتها أحد فحول الفقه وعظمائها ربيعة الرأي، شيخ مالك بن أنس، وركن من أركان الفتوى والفقه عبر العصور!

فقد غاب عنها زوجها واقتضت الأقدار أن غيب سبعًا وعشرين سنة، فلما رده القدر وجد نتاجًا لم يكن ليتوقعه لولا أن رآه رأي العين، وما ذلك إلا من فضل الله ثم اجتهاد تلك المرأة الصالحة في تربية ابنها وتحريضه على طلب العلم وملازمة الأخيار من فقهاء وفضلاء المدينة حتى أنبه الله نباتًا حسنًا وأعلى قدره وجعله من أبطال التاريخ العظماء!

فأين من تربي لنا أمثال ربيعة ومالك والشافعي وسفيان الثوري وأبي عمرو الأوزاعي، فإن كل هؤلاء الفقهاء البارزين وغيرهم قد كان لأمهاتهم الدور الأكبر في تربيتهم وحسن توجيههم وتحريضهم على الخير وطلب العلم، حتى شكلوا باجتهاداتهم مدارس فقهية لم يستغن عنها العلماء على مر التاريخ.

أختاه..

ألا فليكن دورك في الحياة أسمى.. وهدفك فيها أنقى وأعلى.. فمن العيب أن تهضمي طاقاتك في السفاسف، وقد كان من هن أمثالك من نساء المسلمين.. يوظفنها في النصح للأمة.. والنهوض بها إلى الخير والفضيلة.

ولم أر في عيون الناس عيبًا

كنقص القادرين على التمام

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



([1]) العائدون إلى الله، المجموعة السادسة، لمحمد المسند ص49 بتصرف.

([2]) رواه البخاري في الأدب المفرد، حديث رقم (11).

([3]) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا رقم (32).

([4]) إحياء علوم الدين للغزالي (3/52).

([5]) مكارم الأخلاق رقم (42).

([6]) المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها، للأستاذ عبد الله عفيفي 3/155.

([7]) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

([8]) فتح الباري 9/304.

([9]) صفة الصفوة 4/22.

([10]) البداية والنهاية لابن كثير 10/262.

([11]) مرآة النساء فيما حسن منهن وساء، لمحمد كمال الدين الأدهمي ص82.

([12]) من أخلاق العلماء للشيخ محمد بن سليمان ص153-154.