أمطر الخير مطرًا

د. عبد الملك القاسم

 المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

لا شك أن المسلم الذي رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً يسعى إلى التقرب إلى الله عز وجل بالأعمال المشروعة في كل وقت وحين، فيمطر الخير مطرًا، والله عز وجل هو المنبت.

يحتسب الأجر والمثوبة في كل حركة وسكنة، فالعمر قصير، والأيام محدودة، والأنفاس معدودة، والآجال مكتوبة.

أدعو الله عز وجل، أن تكون حبات الخير متتالية؛ لتجري منها أودية الأجر والمثوبة، لتصب في روضات الجنات برحمة الله وعفوه، ومنٍّه وكرمه.


 أمطر الخير

إلى كل أخ حبيب جملة من آيات الله - عز وجل - وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الدالة على طريق السعادة في الدنيا والآخرة، ومن أخذ منها أخذ بنصيب وافر، ومن استكملها أو قارب فقد أحسن إلى نفسه، وسقاها، من معين صاف رقراق لا تكدره الدلاء، واستثمر حياته الاستثمار الذي يعود عليه بالنفع والفائدة، ومن ذلك أنه:

1- يمطر الخير مطرًا.. بقضاء حوائج الناس وتنفيس كربهم.. يفرج هم المهمومين، ويسارع إلى تفريج كربة الأرملة، ويسعى في حاجة اليتيم، ويعين الشيخ الكبير، ويفرج هم الشاب الذي وقع في غم تطاول به. فكم في هذه الدنيا من أصحاب الهموم والغموم.. وكثير من الناس تنفرج همومهم بتذكيرهم بالصبر والأجر، ويزول الجزء الأكبر من الهم إذ بث حزنه إلى من يستمع إليه!

قال - صلى الله عليه وسلم - : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» [رواه مسلم].

2- يمطر الخير مطرًا، بالمسارعة إلى المناسبات والتجمعات والأعياد، يسعى إلى أن يكون له أثر في الحضور، وتميز في المشاركة، ونصيب من المعاونة، لا لإشباع بطنه ورؤية وجهه فحسب، بل تراه سباقًا إلى الإعانة، والتنظيم، والترتيب.

3- يقدم خدماته، ولا ينتظر الشكر أو الطلب، وهو في هذا الأمر يطرق باب الإخلاص، ويلج منه؛ لأنه يبتغي بعمله وجه الله - عز وجل - فلا ينتظر شكرًا، ولا مدحًا ولا ثناء. ولا يتعذر بأن غيره لا يعمل، وهو يكد ويتعب!

قال يوسف بن الحسين: أعز شيء في الدنيا: الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، فكأنه ينبت على لون آخر.

4- يمطر المحبة والمودة على زوجته وأم أولاده.. يرفق بها، ويتودد إليها، ويعينها، فقد علم أن الزوجة أمانة عنده ووديعة لديه، حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على إكرامها والإحسان إليها فقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا فإنما هن عوان (أسيرات) عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك» ولهذا فهو يتبع سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حسن معاملة أهله، وطيب معشره لهن.

5- يربي أبناءه على الخير، ويرى أنهم استثمار طويل الأجل في الدنيا والآخرة، ويحرص أشد الحرص على حسن التربية، وتلمس طرق الخير والصحبة الطيبة لهم؛ إذا صلحوا واستقاموا نفع الله بهم أنفسهم أولا ووالديهم ثانيًا والأمة أجمع.

6- آثار أقدامه في مجال الدعوة إلى الله واضحة جلية، فهو يتفقد من انقطع من إخوانه، ويخشى عليهم التفلت والانتكاس ويعلم أنهم في هذه الحالة أحوج ما يكونون إليه.

مر أبو الدرداء على رجل قد أصاب ذنبًا فكانوا يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله - عز وجل - الذي عافاكم. قالوا: أفلا نبغضه؟ قال: إنما ابغضوا عمله، فإذا تركه فهو أخي.

7- يؤمن بأن محاسبة النفس ومراجعة صحائف حياتها طريق نجاة وسبيل وهداية، فالكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والفطن من ألزم نفسه طريق الخير، وخطمها بخطام الشرع!

امتثل أمر الله - عز وجل - في قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18].

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم».

فبدأ يحاسب نفسه، ويراجع أعماله؛ ليصحح مسار حياته، ويزيد في حسناته؛ فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل.

8- يقوم على حلق تحفيظ القرآن الكريم؛ محبة لهذا الكتاب العظيم. فهو يساعد، ويعين، ويحث الآباء على إلحاق أبنائهم بهذه الحلق المباركة، ويأتي بالمال جوائز، ومسابقات، وهدايا؛ لإعانة الطلاب على الاستمرار. قال ابن تيمية - رحمه الله -: «وإن إعانة المسلمين بأنفسهم وأموالهم على تعليم القرآن وقراءته وتعليمه من أفضل الأعمال».

9- لسانه رطب من ذكر الله، حتى لكأنه يلهم الذكر، ألا ترى صاحب الشعر الماجن والغناء كيف يردد ما يحفظ في كل حين -والعياذ بالله-؟

أصحاب الخير أمطروا الخير ذكرًا، وتعظيمًا وتقديسًا لله - عز وجل - ولأسمائه وصفاته، قال - صلى الله عليه وسلم - : «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت» [رواه مسلم].

10- جاره أولى بالإحسان وأحق بالرعاية، يراه في اليوم على أقل الأحوال خمس مرات، وهي موعد الاجتماع للصلاة، يراه أكثر من أقاربه، وأحيانة من إخوانه ووالديه! قال - صلى الله عليه وسلم - : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وهو يدفع الأذى عن الجار سواء من صغاره، أو حين إيقاف سيارته فلا يضايقه بها، قال - صلى الله عليه وسلم - : «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» [رواه مسلم].

قال النووي: «البوائق هي الغوائل والشرور».

11- إذا سافر في طريق بري، بدأ ينثر بذور الخير في طريقه، ها هو يمطر الخير مطرًا، إن رأى منقطعًا أعانه، وإن دلف من باب المسجد جعل له فيه مصحفًا وكتابًا.. وإن وقف عند محطة الوقود لا يترك أحدًا بدون نصيحة وهدية! ها هو يرى ما يزعجه في دورات المياه على الطريق، فهو يحضر علبة طلاء (بوية) ويقوم بإزالة تلك العبارات النابية؛ حتى لا يقرأها مراهق، أو من في قلبه مرض فتقع منه في موقع.

يتأول صنيع إخوانه، ويحمله على محمل الخير ما وجد إلى ذلك سبيلاً، فهم إخوانه وأحبابه، ومن أولى منهم بذلك.

قالت بنت عبد الله بن مطيع لزوجها طلحة بن عبد الرحمن بن عوف عوف وكان أجود قريش في زمانه: ما رأيت قوم ألأم من إخوانك!! قال لها: مه، ولم ذلك؟ قالت: أراهم إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك، فقال لها: هذا والله من كرم أخلاقهم، يأتوننا في حال قدرتنا على إكرامهم، ويتركوننا في حال عجزنا عن القيام بحقوقهم.

13- عيناه تنظر إلى أعلى، وقلبه يتحرك إلى أعمال تكون سببًا في دخوله الجنة. وفي الحديث المتفق عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنه يدخل الجنة من أمته سبعون ألفًا لا حساب عليهم، ثم قال في وصفهم: «هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون» عندها سارع إلى كتب التوحيد ليعرف أقصر الطرق وأسهلها وأسرعها إلى جنة عرضها السموات والأرض. ودعا الله - عز وجل - أن يكون من الذين آمنوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم.

14- علم أن الأمة فيها خير، لكنها تحتاج إلى تذكير بين الحين والآخر، لهذا تنادى مع جمع من إخوانه وحثهم على جعل لوحات على الطريق، تذكر المار، ما أجملها من عبارة «لا إله إلا الله»، «استغفر الله»، «لا حول ولا قوة إلا بالله»، «تعوذ من الشيطان»، «تذكر أن الله يراك».

15- كلما جذبته نفسه إلى الكسل وركن إلى الفتور.. تمثل حال النار وأهلها، وتذكر نعيم الجنة وحبورها، فساقته إلى الجد والبذل والمسارعة والمداومة، قال إبراهيم التميمي: «مثلت نفسي في النار: أعالج أغلالها وسعيرها، وآكل من زقومها، وأشرب من زمهيريها، فقلت: يا نفسي أي شيء تشتهين؟ قالت: أرجع إلى الدنيا وأعمل صالحًا، وعملاً أنجو به من النار.. من هذا العذاب، ومثلت نفسي في الجنة مع حورها، وألبس من سندسها واستبرقها وحريرها، فقلت: يا نفسي أي شيء تشهين؟ قالت: أرجع إلى الدنيا فأعمل عملاً أزداد من الثواب، فقلت: أنت في الدنيا وفي الأمنية».

16- الصحبة في طريق الدنيا أمرها طويل، فإما إلى الخير تقود، وإما إلى الشر والهاوية تنحرف، وهي الأكثر تأثيرًا في حياة الإنسان، ألا ترى نافخ الكير وحامل المسك كأوضح مثال وأنصع بيان؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» [رواه أحمد] لذا هو كثير التفقد لأخلائه إن وجد منهم المقصر نصحه ووجهه، وإن رأى إعراضًا وصدودًا تركه ونجا بنفسه، وتذكر رفيق السوء أبا جهل حين وقف على رأس أبي طالب عند موته، وجعل يقول: هو على ملة عبد المطلب، حتى مات على الشرك، لذا فهو يحذر رفقاء السوء وإن تقادم به العمر.

قال أحمد بن حرب: «عبدت الله خمسين سنة فما وجدت حلاوة العبادة حتى تركت ثلاثة أشياء: تركت رضى الناس حتى قدرت أن أتكلم بالحق، وتركت صحبة الفاسقين حتى وجدت صحبة الصالحين، وتركت حلاوة الدنيا حتى وجدت حلاوة الآخرة».

17- يعلم أن ثمرة الخلق الحسن، الألفة وانقطاع الوحشة، ومتى طاب الثمر طابت الثمرة.. قال أبو علي الرباطي: «صحبت عبد الله الرازي وكان يدخل البادية، فقال: عليَّ أن تكون أنت الأمير أو أنا؟ فقلت: بل أنت، فقال: وعليك بالطاعة، فقلت: نعم، فأخذ مخلاه، ووضع فيها الزاد، وحمله على ظهره.. فإذا قلت له: أعطني، قال: ألست قلت أنت الأمير؟ فعليك بالطاعة، فأخذنا المطر ليلة فوقف على رأسي إلى الصباح وعليه كساء وأنا جالس يمنع عني المطر، فكنت أقول مع نفسي: ليتني مت ولم أقل أنت الأمير».

18- السفر يسفر عن أخلاق الرجال، ويظهر معادن الناس، ها هو يتعبد الله - عز وجل - بإعانة إخوانه وبذل النفس لهم.. لا يغفل عن فضل حمل متاع صاحبه في السفر. قال - صلى الله عليه وسلم - : «ويعين الرجل على دابته، فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة» [رواه البخاري].

19- البعض يهتم ويغتم لأمر من أمور الدنيا.. يهتم لفقد مفتاح سيارة، أو محفظة نقود، أو لفقدان زيادة دخل أو نقص مورد! أما هو فقد صرف هذا الهم والغم في الطاعة والتقرب إلى الله - عز وجل - إن فاتته تكبيرة الإحرام قطع قلبه الهم، وإن نسي أن يردد مع المؤذن أشغلته نفسه لم أضعت هذا الخير العظيم؟ وإن غربت شمس ذلك اليوم ندم على قلة أعمال الخير فيه؛ لأنه يعلم علم اليقين أن عمل الأمس انتهى وطويت صحائفه، ولن تفتح إلا يوم الحساب والجزاء.

20- قلبه معلق بالمساجد، يسارع إلى المساجد عند سماع الأذان، فالأذان نداء.. هلموا إلى الصلاة، ويقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه» وحينًا يأتي قبل الأذان، فقد تأثر بقول سفيان بن عيينة: «لا تكن مثل عبد السوء، لا يأتي حتى يدعى، ائت الصلاة قبل النداء».

21- إذا قام إلى الصلاة، صلى صلاة مودع.. يعلم أنه سوف يموت بين صلاتين، الأولى أداها والأخرى ينتظرها.. لذا يخشع في الصلاة، فالمفرطون كثر، والمضيعون أكثر، والموفق إذا وقف بين يدي الله - عز وجل - خشع، وذل، وانكسر.

قال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» [رواه أبو داود].

22- داء الأمل داء عضال، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، وصعب علاجه ولم يفارقه الداء، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطباء ويئس من برئه الحكماء والعلماء، وما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل! وبطول الأمل تقسو القلوب وبإخلاص النية تقل الذنوب! تفقد نفسه فإذا الأمل ضارب أطنابه في قلبه، فبدأ ينفضه حتى كأنه يرى الجنة عيانًا، فإن المكوث في دار الدنيا قليل والرحيل قريب!

23- ما رأى خيرًا أو سمع حديثًا إلا سارع إليه بما يستطيع أو دل عليه وسهل أمره، وإن لم يتيسر له فقد بلغت النية وفضل الله واسع.. قال - صلى الله عليه وسلم - : «من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة» [رواه أحمد].

وتأمل حينًا فإذا تكلفة بناء المساجد في بعض الدول لا يتجاوز ثلاثين ألف ريال! وقال: هؤلاء الذين أسلموا حديثًا ومرتباتهم دون الألف ريال يسارعون إلى بناء المساجد في قراهم، لا يقبلون أن يكون معهم شريك في بنائها! أهم أفقه مني في جمع الحسنات والتقرب إلى الله -عز وجل! تألم وقادة الألم إلى العمل، فقال: لا أحرم نفسي من هذا الأجر حتى ولو جمعت المبلغ في سنوات.

كان أبو بكر أحمد النجار، يصوم الدهر، ويفطر على رغيف ويترك منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة أكل تلك اللقم التي استفضلها، وتصدق بالرغيف!

24- يعين على التذكير بصيام الاثنين والخميس، ويمد الموائد في تلك الأيام، ها هو يأتي إلى تجمعات الصوام في المؤسسات الخيرية، والمساجد الكبيرة ويفطرهم. وأذكر أن أحد الشباب إحدى المؤسسات الخيرية طلب أن يفطر الصوام في يوم عاشوراء. وكان الطلب قبل الموعد بأربعة أشهر خوفًا من أن يتقدم عليه أحد.

25- تأمل في حال الدنيا فإذا هي مقبلة عليه! وسأل الله - عز وجل - أن لا يكون ذلك استدراجًا، وتذكر قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر عملك، ويعظم حلمك، ولا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل أذنب ذنوبًا فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل في تقوي، كيف يقل ما يتقبل؟!».

26- يمطر الخير مطرًا.. رحمة وشفقة.. ووفاء ومحبة.. يبر بوالديه امتثالاً لأمر الله - عز وجل - ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. يلتمس أوجه البر وطريق السعادة فيسلكها؛ برًا بهما ورغبة فيما عند الله - عز وجل - من الأجر والمثوبة. فمنزلة برهما أعظم من الجهاد في سبيل الله، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» [رواه البخاري ومسلم].

27- يسابق اللحظات، ويستثمر الدقائق، فعمره محدود، إن طال به فهو قصير، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقل من يجوز ذلك» [رواه الترمذي]. فالستين عامًا ليست عمرًا يضيع، ولا وقتًا طويلاً ليهمل.

قال ابن القيم - رحمه الله -: «وبالجملة فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾».

28- يطبع الكتب ويوزعها؛ لرغبته أن تكون من الصدقة الجارية في حياته وبعد مماته؛ ولعلمه أن ذلك من أسباب صحوة الأمة، فنشر الخير، ودل عليه. وتذكر أنه سمع قصصًا كثيرة لأثر كتاب واحد سعره أقل من ريال، وكيف أحيا الله - عز وجل - به أممًا وقرى كاملة.

29- جعل الوظيفة عبادة يتقرب بها إلى الله - عز وجل -، ودائمًا يسأل الله الإخلاص وبراءة الذمة، ولذا لا يلقي بالاً على ترقية أو زيادة، ولا يسعى لها كما يسعى غيره بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بل الدنيا آخر همومه، قال الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله -: «فالورع الاحتياط ألا تطلب شيئًا من ترقية أو انتداب، أو غير ذلك، إن اعطيت فخذ، وإن لم تعط فالأحسن والأورع والأتقى ألا تطلب،فكل الدنيا ليست بشيء، إذا رزقك الله زرقًا عفافًا لا فتنة فيه، فهو خير من مال كثير تفتن فيه، نسأل الله السلامة».

30- يحذر الفتنة في الدين والخروج منه بكلمة يقولها ولا يلقي لها بالاً، ويحذر أن يكون له نصيب من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» [رواه البخاري]، قال بعض السلف: «مهما كنت لاعبًا بشيء فإياك أن تلعب بدينك» لذا صان دينه، وقام به، وجعله في قلبه، وسمعه وبصره حتى ملأ جوارحه وجوانحه، فكان نعم المؤنس والجليس! عبادة، وطاعة، وقربة، ورفعة درجات!

31- يمطر الخير مطرًا.. فهو حسن الخلق قولاً وفعلاً.. يظهر ذلك الخلق الجميل والنفس الطيبة مع الصغير، والخادم، والفقير، والمسكين، وحين تشح الأنفس وتضيق، يسعى لمجاهدة نفسه، رغبة فيما عند الله - عز وجل - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» [رواه أبو داود].

وهو يرغب في المنزلة الرفيعة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقًا...» [رواه الترمذي].

32- يحرى الإخلاص في عمله، وكتم حسناته كما يكتم سيئاته، فالناس لا يرجى وراءهم نفع ولا ضر، بل هو يرجو من بيده ملكوت السموات والأرض، ولأن الإخلاص عزيز وشاق على النفس.. بدأ يدرب نفسه ويعودها على ذلك؛ حتى لا تضيع أعماله وتندثر. قال القرطبي - رحمه الله -: «حقيقة الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادة وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس».

لذا لجأ إلى ربه وتضرع بين يديه أن يرزقه الإخلاص في القول والعمل.

حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد.. قال: أجاهده، قال: فإن عاد.. قال: أجاهده.. قال: هذا يطول. أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها أو منعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن استعن بصاحب الغنم يكفه عنك.

33- يسأل الله - عز وجل - الثبات على هذا الدين؛ فإن الفتن أقبلت كقطع الليل المظلم، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.. لذا فهو شديد الخوف كثير الوجل يتجنب مواطن الفتن، ويبتعد عنها، ويحرص على الدعاء الذي كان يردده نبي هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - : «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» [رواه الترمذي].

34- يتأمل في يوم آت لا محالة، قرب أم بعد.. إنه يوم عصيب، حين تغرب فيه شمس الدنيا، وينزل به ملك الموت، وينزع روحه من جسده، كيف تكون خاتمته وحاله مع ربه؟ يوم عظيم وسكرات شديدة «اللهم أعني على سكرات الموت» تحيي في قلبه الخوف من شدة ذلك اليوم.

قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «ألا أحدثكم بيومين وليلتين لم تسمع الخلائق بمثلهن؟ أول يوم يجيئك البشير من الله -تعالى-، إما برضاه، وإما بسخطه، ويوم تعرض فيه على ربك آخذًا كتابك، إما بيمينك، وإما بشمالك، وليلة تستأنف فيها المبيت في القبور ولم تبت فيها قط، وليلة تمخض صبيحتها يوم القيامة، ويرجف قلبه إذا تذكر قول الله - عز وجل -: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]، ويتذكر مشهد يوم عظيم ولحظات وأيام عصيبة ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 2].

35- علم أن الزارع يسأل ويبحث ويدقق؛ حتى يكون زرعه مستقيًا سالمًا من الأمراض والآفات!

تيقن أن الدنيا مزرعة الآخرة، لذا سعى لمعرفة الطريق إلى الجنة بطلب العلم الشرعي فهو أسهل الطرق إلى الجنة. قال - صلى الله عليه وسلم - : «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سهل الله له طريقًا إلى الجنة» [رواه البخاري].

36- أتى بنواقض الإسلام العشرة، وبدأ يقرؤها مع شرحها، ويراجع حاله، فكم من امرئ مسلم خرج من الدين وهو لا يشعر، وكم من مسلم أضحى يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يفطن!

الأمر عظيم يحتاج إلى وقفات، ليتأكد المسلم أنه لا يزال يسير على الطريق الصحيح المستقيم.

37- يعمل ويكدح في الدنيا وهمه الآخرة إن جمع مالاً أهمه: هل فيه شبهة من حرام؟ وإن أنفقه جعل الآخرة صوب عينيه، فهو يعلم أن المقام قليل والسفر طويل والزاد قليل، قال رجل لسفيان: أوصني، قال: «اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، واللآخرة بقدر بقائك فيها».

38- دائم الشكر للمنعم، كثير الحمد للرب - عز وجل - قلبه مليء بمحبة الله -تعالى- لما يغدق عليه من النعم، وما يدفع عنه من النقم، ويرجو من ربه المزيد ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].

39- جعل نفسه على الخير منقادة، وساقها سوقًا حثيثًا.. فهو من مفاتيح الخير في كل مكان، يحث على العمل الصالح وينشر العلم، ويعين، ويساعد، ويواسي، ويبذل. قال - صلى الله عليه وسلم - : «إن هذا الخير خزائن، ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لمن جعله الله عز وجل مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، وويلا لعبد جعله الله مفتاحًا للشر، مغلاقًا للخير» [رواه ابن ماجه].

40- يزور المرضى، ويدعو لهم، ويخص أصحاب الإعاقات الشديدة ممن تركهم أقاربهم ومن حولهم، يسعى لتحصيل الأجور في تلك الزيارة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة، إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة» [رواه الترمذي].

41- تفقد قلبه من الغل والحقد والحسد، فإذا الأمر قريب منه، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» [رواه البخاري].

فبدأ يصلح قلبه ويطهره من تلك الأمراض التي قال فيها ابن سيرين: ما حسدت أحدًا على شيء من أمور الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة! وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار.

42- استنزل حسن الخلق على نفسه بالصبر والمجاهدة، وأخذ أعماله بالتربية الجادة؛ لأطرها على حسن الخلق وطيب المعشر التي من علاماته عشر خصال: قلة الخلاف، وحسن الإنصات، وترك طلب العثرات، وتحسين ما يبدو من السيئات، التماس المعذرة، واحتمال الأذى، الرجوع بالملامة على النفس، والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره، وطلاقة الوجه للصغير والكبير، ولطف الكلام لمن دونه ولمن فوقه.

43- أمطر الخير على نفسه قناعة باليسير وزهدًا في الدنيا، ورغبة فيما عند الله، فقام بالتقريب إلى الله - عز وجل - بالطاعات والنوافل، وأصبح همه الوحيد الطاعة والعبادة!.

قال ابن القيم - رحمه الله -: «إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمل الله -سبحانه- حوائجه كلها. وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته. وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها، وأخطارها، ووكله إلى نفسه فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم، فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره» تأمل في الكلام النفيس، ثم بدأ يحاسب نفسه على ذلك.

44- دموع الأيتام تمطر حبات من الحزن, والهم، والغم، وقلة العطف والحنان، مع الحاجة الشديدة والفاقة والمسغبة، يربت على رأس اليتيم، ويحني عليه، ويسارع إلى كفالته ماديًا ومعنويًا قال - صلى الله عليه وسلم - : «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى [متفق عليه]. قال النووي: كافل اليتيم القائم بأموره من نفقة، وكسوة، وتأديب، وتربية، وغير ذلك. قال ابن بطال: «حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به؛ ليكون رفيق النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك».

وأعرف من قام بذلك حتى إنه ليتابع مستواهم الدراسي بزيارة مدارسهم وتفقد أحوالهم؛ فهنيئًا له ذلك.

45- كلما دعته نفسه إلى الكسل والتأخر في الصلاة، تذكر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فسارع إلى ترك العجز والكسل قال - صلى الله عليه وسلم - : «من صلى أربعين يومًا في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق» [رواه الترمذي].

عندها قرر من وقتها البدأ بتطبيق هذا الحديث تطبيقًا جادًا، فأخذ نفسه على ذلك وبدأ يستمع للأذان ليدلف إلى المسجد مع الأوائل. وعندما يسمع النداء يقوم من مكانه متجهًا إلى المسجد، وقد كان بعض السلف حدادًا وإذا رفع المطرقة وسمع الأذان لم يعد المطرقة إلى مكان الضرب بل يلقي بها خلفه!

46- يلقي السلام، وينشره على من عرف ومن لم يعرف.. وعندما ألقى السلام على رجل قال: أتعرفني؟ قال: لا، ولكنها سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال في نفسه: وما تعجب هذا الرجل إلا من تركنا لهذه السنة العظيمة. إنها استجابة عملية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يا أيها الناس أفشوا السلام...» [رواه ابن ماجه].

47- يسعى لتزويج بنات المسلمين من الأكفاء. فتلك أخت مسلمة نسيها الخطاب، لبعد دارها، وعدم معرفة الأخيار بها.. لذا هو يبحث ويسأل عمن يريد الزواج من الشباب متمثلاً قول الله - عز وجل - ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ يهمس في أذن الشاب «عليك بذات الدين تربت يداك» أين أنت عن صائمة، قائمة، تقية، نقية؟!.. أين أنت عن فلانة.. الساعة أحادث والدها، وأسير معك إليهم.. وكلما أتت عقبة ذللها بالدعاء، وتقريب وجهات النظر حتى يتم الأمر.

48- يوزع مطوية أو كتابًا أو شريطًا يهدي إلى الخير ويقول: الكتاب والشريط فتح من الفتوح في الدعوة، ولا تبرأ ذمة من يملك ريالاً ولا يقدم الشريط النافع والكتاب المفيد، ويذكر قصص من اهتدوا بسبب ريال بذل في شراء كتاب أو شريط. وكم لصاحب الريال من الأجور إلى يوم القيامة بسبب هذه الدعوة والإنفاق فيها! وقد رأيت كتيبًا صغيرًا أسفر تقادم به الزمن، قالوا: إنه لدى إمام المسجد في قرية أفريقية منذ سبعة عشر عامًا، وكل من أراد الحج أخذ هذا الكتاب؛ ليعرف كيف يحج على الوجه الصحيح، ثم إذا رجع إلى قريته أعاد الكتاب إلى إمام المسجد!

49- يحب إخوانه لله - عز وجل - يدنيهم حين حضورهم ويبش للقائهم، أما في حال الغيبة فهو يحفظ أعراضهم، وينزه لسانه عن أكل لحومهم، بل هو أعلى نفسًا وأصدق معاشرة.. إنه يدعو لأخيه بظهر الغيب. قال - صلى الله عليه وسلم - : «دعوة المرء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل» [رواه مسلم].

50- يتفكر في عظم خلق الله عز وجل في السماء، والجبال، والأمطار، والأشجار، وذرات الرمال، بل في نبضات قلبه، وتسارع أنفاسه، وسمعه وبصره، وعقله، ويتذكر قول الله - عز وجل - ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.

51- كثير الثناء والتمجيد لربه - عز وجل - على ما وهبه من نعم عظيمة، وأعظمها وأشرفها نعمة الإسلام، ويذكر بهذه النعم العظيمة في المجالس والمنتديات، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ والله - عز وجل - ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾.

52- ينزل الخير على من عرف ومن لم يعرف دعوة وتوجيهًا، حليم صبور، باذل لنفسه، مذل إياها في جنب الله، حتى يورق العود وتجنى الثمرة، قال ابن تيمية - رحمه الله -: «وينبغي أن يكون الداعي حليمًا، صبورًا على الأذى، فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح».

53- كلما تيسرت له صلاة الضحى صلاها، وهي لا تأخذ منه سوى دقائق معدودة! لكنه لا يضيع بسببها واجبًا أو يفوت عملاً يأخذ عليه أجرًا، قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث: «صيام ثلاثة أيام في كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» [متفق عليه]، ودائمًا يتذكر قصة ذلك الموظف البسيط الذي كان يقدم لهم الشاي في دائرته الحكومية، ثم إذا قدم الشاي فقد لمدة دقائق فتتبعه أحدهم فإذا به في ساحة المبنى خلف نخلة كبيرة يصلي صلاة الضحى، قال أحدهم: «هذا أغنى من مديرنا ومنا جميعًا!».

54- لا يدخل السوق إلا لحاجة ضرورية، ويتحين القرص التي تقل فيها الفتن، وإذا دخل السوق لا تراه إلا وهو ذاكر لله - عز وجل - رافعًا بها صوته، قال - صلى الله عليه وسلم - : «ومن دخل السوق، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب له ألف ألف حسنة، ومحي عنه ألف ألف سيئة وبني له بيتًا في الجنة» [رواه الترمذي، وحسنه الألباني].

55- أمطر الخير على سبع حالات، ودعا الله - عز وجل - أن يكون منهم قال - صلى الله عليه وسلم -: «سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله -تعالى- ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» [متفق عليه].

56- لا يزعج الناس بكثرة الطلبات والإلحاح، بل يقوم بعمله دون طلب من أحد، فلا يشق على الناس ولا يحرجهم، عن أبي مليكة قال: «كان ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق، قال: فيضرب بذراع ناقته فينيخها فيأخذه، قال: فقالوا له: أفلا أمرتنا نناولكه؟ قال: إن حبي - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن لا أسأل الناس شيئًا».

57- يفكر في هداية جاره وانتشاله من مرتع السوء، ويبذل لذلك كل الأسباب يومًا بعد يوم، بلا كلل أو ملل، بل يسارع كمن يريد إنقاذه من نار الدنيا! فيا ترى كيف تكون النجدة والإسراع؟ ويزيده إصرارًا على المتابعة والدعوة قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» [رواه مسلم].

58- صاحب توكل على الله - عز وجل -، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

قيل لحاتم الأصم: علام بنيت أمرك في التوكل؟ قال: «على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فاطمأنت به نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتي بغتة، فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله فأنا مستحي منه!».

59- صاحب همة عالية في عبادته، وأعماله، وأخلاقه، وسيره، وطلبه! وكأن ابن الجوزي يتحدث عنه: «ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها، فهم يبالغون في كل علم ويجتهدون في كل عمل، يثابرون على كل فضيلة، فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون».

60- يخاف يوم البعث والنشور، فزاده قليل، والعقبة كؤود، والرب جواد كريم، قال الحسن: «ما ظنك بيوم قاموا فيه على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة، لا يأكلون فيها أكلة، ولا يشربون فيها شربة، حتى انقطعت أعناقهم عطشًا، واحترقت أجوافهم جوعًا، انصرف بهم يقصد العصاة المجرمين إلى النار فسقوا من عين آنية، قد آن حرها، واشتد لفحها»...

61- استعاذ بالله من عدوه الشيطان؛ فهو يدفعه إلى المعاصي ويقوده إلى الفتن، فالحرب قائمة، والرماح مصوبة، لكنه لم يستسلم، ويعلم أن في ذلك أجرًا.

قال الحسن: «إذ نظر إليك الشيطان فرآك على طاعة الله فبغاك وبغاك، فرآك مداومًا ملك ورفضك، وإذ كنت مرة كهذا، مرة كهذا طمع فيك».

62- يتفقد قلبه بين الحين والآخر.. في الصباح والمساء.. فالقلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة، وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم، وزينته التقوى، فحدث نفسه: إياك والغفلة عمن جعل لحياتك أجلاً، ولأيامك وأنفاسك أمدًا، ومن كل ما سواه بد، ولا بد لك منه، ودائمًا يتمثل قول مورق العجلي: «ما وجدت للمؤمن مثلاً، إلا مثل رجل في البحر على خشبة فهو يدعو، يا رب، يا رب لعل الله - عز وجل - أن ينجيه».

63- السواك سنة نبوية، لذا يسارع إلى إحياء هذه السنة بشراء مجموعة من المساويك له ولزوجته، وأبنائه، وزملائه في العمل، وأحيانًا يجعلها في المسجد. ولا يماكس في سعر الشراء؛ لأن ذلك من دناءة النفوس وفيها التضييق على البائعين، ولهذا لا تجدهم إلا في مساجد عدة، لكن لو كان الربح عاليًا لوجدانهم عند كل مسجد وأحيينا هذه السنة العظيمة. قال - صلى الله عليه وسلم - : «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» [رواه النسائي].

64- يمطر الخير مطرًا فهو يتطوع للعمل مع الجمعيات الخيرية في أوقات فراغه، فالمسلم مأمور بالقيام بأمر الدعوة إلى الله، ها هو يهب جزءًا من وقته لهذا الجانب الهام ويحيي همم الشباب نحو القيام بواجبهم لهذا الدين، أتريدون دعاة من اليهود والنصارى يقومون بمهمتكم لهذا الدين؟ ألم ترضوا بالإسلام فلماذا لا تقومون به وله؟

65- في زمن التحولات العجيبة في كل شيء، سمع حديثًا يوآنس وحشته، ويزيل غمه وحزنه، قال - صلى الله عليه وسلم - : «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» [رواه البخاري].

قال ابن حجر - رحمه الله -: «هاهنا ثلاث درجات: واصل ومكافئ وقاطاع. فالواصل من يتفضل ولا يتفضل عليه، والمكافئ من يصل ولا يزيد على ما يأخذ، والقطاع: الذي يتفضل عليه، وهو لا يتفضل. وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين، كذلك تقع المقاطعة من الجانبين، فمن بدأ حينئذ فهو الواصل، فإن جوزي سمي من جازاه مكافئًا».

66- الرحمة تجري في قلبه وبين جوارحه.. تذرف الدمعة من عينيه، وتنفق يده، ويلين لسانه، ويعذب كلامه، قال - صلى الله عليه وسلم - : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» [رواه الترمذي].

67- يمطر الصدقة معونة وشفقة، ويقدم لآخرته من دنياه قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: «من استطاع منكم أن يجعل كنزه حيث لا يأكله السوس ولا تناله السراق فليفعل، فإن قلب الرجل من كنزه، لهذا فهو يحمل على كتفه الطعام؛ ليوصله إلى من يحتاجه. ولا يدع أحدًا يعينه في ذلك فقد ذكر عن علي بن الحسن -رضي الله عنهما- أنه لما مات فغسلوه فجعلوا ينظرون إلى آثار سوداء في ظهره! فقالوا: ما هذا؟ فقالوا: كان يحمل جرب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء المدينة.

68- في كل مكان له أثر! لا يترك الفرص تفوت دون فائدة أبدًا.. يلقي كلمة في مدرسة أو ناد أو استراحة يحث فيها على الدعوة إلى الله والدار الآخرة. والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «بلغوا عني ولو آية» فكيف بمن تعلم سنوات؛ ويقرأ ويكتب ثم هو يحجم عن الدعوة، ونشر الدين، والأمر بالمعروف والدلالة عليه؟

69- بين الفينة والأخرى كلما وجد فرصة يتوضأ ويصلي ركعتين بقلب حاضر ولسان ذاكر، قال - صلى الله عليه وسلم - : «ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا قد أوجب» [رواه أبو داود] ومعنى (أوجب): أي وجبت له الجنة، كما في لفظ مسلم.

70- يرد على المغرضين الذين يحاربون الإسلام بالكتابة والمهاتفة، وما أكثرهم في هذا الزمن! ورأى أن لو تقاعس كما تقاعس غيره لثار غبار المرجفين في الأرض، ولكنه يدافع، ويجاهد بلسانه، وقلمه وقال: هذا من أعظم أنواع الجهاد اليوم، ودائمًا يحمد الله - عز وجل - فلقد رأى الثمرة سريعة.

71- النصيحة بين المسلمين أمرها عظيم، وفائدتها كبيرة، وهي أعظم هدية تقدم وأسهل طريقة للنجاة، قال - صلى الله عليه وسلم - : «الدين النصيحة» قلنا لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» [رواه مسلم]. قال الحافظ أبو نعيم: هذا الحديث له شأن عظيم، وذكر محمد بن أسلم الطوسي: أنه أحد أرباع الدين. ووسائل المناصحة في هذا الزمن كثيرة منها المناصحة بالهاتف، وبالرسالة البريدية، وعبر الفاكس، وغيرها.

وقال الفضيل بن عياض: «ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة». وكان السلف إذا رأوا نصيحة أحد وعظوه سرًا، حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رءوس الناس فإنما وبخه..

72- يسعى إلى نشر السنن وإحيائها بين الناس؛ امتثالاً لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا» [رواه مسلم]. فكم من السنن مضيعة، أو مجهولة، أو منسية يسعى إلى نشرها وتعليمها.

73- إذا رأى رجلاً صالحًا يسير بسكينة تذكر قول الله - عز وجل -: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63] وأفزعه وأقضى مضجعه نهاية رجل خالط قلبه الكبر قال - صلى الله عليه وسلم - : «بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجل رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» [متفق عليه].

74- يكتب للعلماء والمفتين يطلب منهم الفتوى فيما أشكل على الناس وانتشر بينهم، ثم هو يسعى في نشرها وإيصالها إلى المهتمين بالأمر كدور النشر، ومكاتب الجاليات، ومراكز الدعوة وغيرها.

75- يسعى إلى أن يجعل الخير في بيته متصلاً، ها هو يعلم صغاره سورة الفاتحة وهم دون الرابعة، وقال: هذا أجر وخير أفوز به لقاء تعليمهم الفاتحة وقصار السور، قال - صلى الله عليه وسلم - : «من علم آية من كتاب الله - عز وجل - كان له ثوابها ما تليت» [السلسلة الصحيحة 1335].

76- مع إشراقة كل شمس، له فجر جديد مع التوبة إلى الله - عز وجل - من المعاصي، وتوبة من ضياع الأوقات دون طائل، فالرب جواد كريم ﴿نَبِّئ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيْمُ﴾ والرب عز وجل يمن على عباده بالرحمة والرضوان قال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» إنها منه وجود لا يعدله إلا القبول من الرحمن والرضا، وكلما هم بمعصية تذكر قول الحسن: يا بن آدم ترك الخطية أيسر من طلب التوبة.

77- لا يستشرف لمدح أو ثناء، بل همه منصب في قبول العمل من الله - عز وجل - قال محمد بن زهير: «أتيت أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) في شيء أسأله عنه، فأتاه رجل فسأله عن شيء، أو كلمه في شيء، فقال له: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، فغضب أبو عبد الله وقال له: من أنا حتى يجزيني عن الإسلام خيرًا، بل جزى الله الإسلام عني خيرًا».

78- كلما فتح الله - عز وجل - له بابًا من أبواب الخير سارع إليه، لا يتردد ولا يتأخر؛ لأنه يعلم أن هذا الباب لو أغلق قد لا يفتح أبدًا، قال ابن القيم - رحمه الله -: «... فإن العزائم والهمم سريعة الانقضاض كلما تثبتت، والله -سبحانه- يعاقب من فتح له بابًا من الخير فلم ينتهزه بأن يحول بين قلبه وإرادته فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له، فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه حال بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكن الاستجابة بعد ذلك، قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24].

79- بعض مجالس اليوم تطول أو تقصر، وحديث الغيبة والنميمة والاستهزاء بحر لا ساحل له، تقع الهنات وتظهر الأحقاد ويتحدث من في قلبه مرض، قعد لهم بالمرصاد، يدافع عن المؤمنين في أي مجلس غيبة، يرجو رجاء عظيمًا قال - صلى الله عليه وسلم - : «من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة» [رواه الترمذي].

80- يضع الأفكار التي تنفع المسلمين، سواء كتيب أو مطوية. فكم هي كثيرة الأفكار والآراء لكنها حبيسة الرءوس والصدور، وأحيانًا تخرج على شكل غيبة، وانتقاص لأعمال الغير، وإلا فكل إنسان لديه رأي وعنده تصور، وقد ابتدأ الصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرأي في غزوة بدر وفي غزوة الأحزاب لحفر الخندق، وغيرها من المواقع.

81- يمطر الخير على نفسه؛ فضلاً منه وجودًا. قال - صلى الله عليه وسلم - : «من قال في كل يوم حين يمسي: حسبي الله، لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع مرات كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة» [رواه ابن ماجه].

82- يسعى إلى الإخلاص ومجاهدة النفس وحظوظها، فهو يريد بعمله الله - عز وجل - والدار الآخرة... قطع كل عمل إلا ما كان لله، وابتعد عن قليل الرياء وكثيره.

يقول ابن الجوزي: «واعلم أن المؤمن لا يريد بعمله إلا الله - سبحانه وتعالى - وإنما يدخل عليه خفي الرياء فيلبس الأمر، فنجاته منه صعبة، وفي الحديث مرفوعًا عن يسار قال لي يوسف بن سباط: تعلموا صحة العمل من سقمه، فإني تعلمته في اثنين وعشرين سنه».

قال إبراهيم بن أدهم: «تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان، دخلت عليه في صومعته فقلت له: يا سمعان، منذ كم وأنت في صومعتك هذه؟ قال: منذ سبعين سنة.. قلت ما طعامك؟ قال: يا حنيفي، وما دعاك إلى هذا؟ قلت: أحببت أن أعلم.

قال: في كل ليلة حمصة..قلت: فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة؟ قال: ترى الذي بحذائك؟ قلت: نعم، قال: إنهم يأتونني في كل سنة يومًا واحدًا فيزينون صومعتي ويطوفون حولها يعظمونني بذاك، وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة. فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة. فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد. فوقر في قلبي المعرفة. فقال: أزيدك؟ قلت: نعم، قال: انزل عن الصومعة. فنزلت، فأدلى إليَّ ركوة فيها عشرون حمصة.. فقال لي: ادخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك، فلما دخلت الدير، اجتمعت النصارى، فقالوا: يا حنيفي، ما الذي أدلي إليك الشيخ؟ قلت: من قوته، قالوا: وما تصنع به ونحن أحق؟ ساوم. قلت: عشرين دينارًا، فأعطوني عشرين دينارًا فرجعت إلى الشيخ فقال: أخطأت، لو ساومتهم عشرين ألفًا لأعطوك، هذا عز من لا تعبده، فانظر كيف تكون بعز من تعبده، يا حنيفي: أقبل على ربك».

83- همة إشاعة المحبة، والصفاء، والنقاء بين إخوانه المسلمين، وأن وقع ما يكدر الصفو، ويدعو للقطيعة ها هو يقوم بالإصلاح بين المتخاصمين. قال - صلى الله عليه وسلم - : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة» [رواه البخاري].

84- يسعى إلى إزالة الأذى عن الطريق، خاصة في الطرق السريعة التي ربما تؤدي إلى هلاك المسلمين وانقلاب عرباتهم، قال - صلى الله عليه وسلم - : «لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس» [رواه مسلم].

85- استجلب الشفعاء استجلابًا -رحمة من الله وتوفيقًا- فهو يقرأ القرآن، ويراجع حفظه، قال - صلى الله عليه وسلم - : «اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» [رواه مسلم].

وكلما أطلق بصره قارئًا في صفحات كتاب الله - عز وجل - رأى الثواب الجزيل: «من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها: لا أقول (الـم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» [رواه الترمذي].

86- له برنامج دعوي خارجي، يراسل المسلمين في العالم ينشر من خلاله العقيدة الصحيحة والفقه، فالأمر ميسور وسهل مع تنوع الكتب والرسائل، وتوفر وسائل البريد، ويعلم أن خدمة هذا الدين شرف ما بعده شرف، وعز ما بعده عز..

87- لا يبتعد عن أرحامه بين الحين والآخر، وجعل لمن بعدت به المساكن مكالمة هاتفية كل أسبوع؛ ليطمئن على أحوالهم، ويسأل عن أخبارهم، ولكنه لا يكثر السؤال في الأمور الشخصية، ولا يحرجهم بتتبع أسرارهم الخاصة! يكفيه أداء الواجب.

88- يمطر الخير على من حوله حثًا على البر بالوالدين ويتلمس هذا الأمر في الشباب، فإذا قعد مقعدًا ذكر بهذا الخير العظيم، وذكر صورًا من العقوق تنبه الغافل منهم، فليس العقوق في الهجر، والضرب، ورفع الصوت، بل العقوق في عدم القيام بهم، وتلمس طلباتهم، وإدخال السرور عليهم.

89- من أثر حبات المطر المتتالية على قلبه، صفا قلبه، وخلا من الغل والكراهية؛ طمعًا في الأجر والمثوبة، يتحمل أذى الغير، ولا يقابل السيئة إلا بالحسنة ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].

90- الدعوة ليست في المساجد فحسب، قال: نعم الأمر في كل مكان خاصة من قل عندهم المعين والموجه.. يذهب على المستشفيات، ويزور المرضى، ويعظهم، ويوزع عليهم الكتيبات والمطويات، ويعلمهم كيفية الصلاة والتيمم وغيرها.

91- يوقر الكبير، ويقدره، وينزله منزلته! قال بكر بن عبد الله: «إذا رأيت من هو أكبر منك فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك، فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني!».

قال ابن الحاج: «من أراد الرفعة فليتواضع لله -تعالى- فإن العزة لا تقع إلا بقدر النـزول، ألا ترى أن الماء لما نزل إلى أصل الشجرة صعد إلى أعلاها؟ فكأن سائلاً سأله: ما صعد بك هنا أعني في رأس الشجرة وأنت تحت أصلها؟ فكأن لسان حاله يقول: من تواضع لله رفعه!».

92- زيارة الإخوان أجرها عظيم. رتب جدولاً لزيارة إخوانه خاصة من نأت بهم الديار، ومن يقومون بالدعوة في القرى قضاة ومدرسين، يزورهم محتسبًا الأجر مثبتًا إياهم في مواقعهم، ومثنيًا على أعمالهم، ومشاركًا في سد حاجاتهم من الكتب، والأشرطة، وعرض الأفكار، والمسابقات، قال - صلى الله عليه وسلم - : «أن رجلاً زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليك من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله - عز وجل -. قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه» [رواه مسلم].

93- يعلم أن بقاءه في هذه الدنيا غنيمة لا تعوض وفرصة لا ترد سمع حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من أصبح منكم اليوم صائمًا» «فمن تبع منكم اليوم جنازة» «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا» «فمن عاد منكم اليوم مريضًا»، قال - صلى الله عليه وسلم - : «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» [رواه مسلم]، عندها أسر لزوجته هيا لنصوم، ونطعم مسكينًا، ونزور مريضًا، ونصلي على جنازة لعل الله عز وجل أن يتقبل منا!

94- يبحث عن عمل دنيوي لإخوانه يسد حاجاتهم ويغنيهم عن الفاقة والسؤال، ويتصل بمن يعرفهم لإتمام توظيفهم، فإن هذا من إعانتهم على الدنيا وتفريج كربهم، وفي جانب الأعمال الدنيوية يتحرى اختيار الأماكن الملائمة لهم البعيدة عن مواطن الفتن؛ حتى يثبتوا على هذا الدين.

95- يدرأ الفتنة عن نفسه بغض البصر، ففي هذا الزمن كثرت الفتن، وظهر التبرج في كل مكان، والله - عز وجل - يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30].

قال ابن كثير - رحمه الله -: «وهذا أمر من الله -تعالى- لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعًا».

وكلما دعته نفسه إلى تكرار النظر تذكر أن هذا التكرار من كبائر الذنوب فغض بصره.

96- يكثر السجود لله - عز وجل - ما وجد إلى ذلك سبيلاً، فهو يتحين الفرص في منـزله وخلوته قال - صلى الله عليه وسلم - : «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ (أو يسبغ الوضوء) ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» [رواه مسلم].

97- سعى لأن يكون إمامًا أو مؤذنًا، قال - صلى الله عليه وسلم - : «من أذن اثنتي عشرة سنة، وجبت له الجنة، وكتب له بتأذنيه في كل يوم ستون حسنة، ولكل إقامة ثلاثون حسنة» [رواه ابن ماجه].

وقال - صلى الله عليه وسلم - : «المؤذن يغفر له مد صوته، وأجره مثل أجر من صلى معه» [رواه الطبراني].

98- يبتعد عن الفتن والشبهة، فتراه لا يرى الشاشة مطلقًا، وإن كان فيها خير فشرها كثير متدفق لا يسافر إلا لحاجة ومع رفقة صالحة تعينه وتذكره؛ لأنه يخشى أن تكون هذه الفتن مطية تأخذه إلى الهلاك كما قال - صلى الله عليه وسلم - : «من استشرف إليها (يعني الفتن) أخذته» [رواه البخاري].

99- يشفع للآخرين في طلباتهم، ويسعى إلى قضائها. فكم من أخ تأخذه الهموم ولا ينام بسبب عوائق الدنيا، وقد شفع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند بريرة وهي جارية فردته - صلى الله عليه وسلم - ولم يستنكف، ولم يقل شفاعتي لا تقبل إنما قال - صلى الله عليه وسلم - : «اشفعوا تؤجروا» [متفق عليه].

100- يعين أصحاب الخط الواضح في الأدب الإسلامي، ويشجعهم، ويناصحهم ويرسل لهم النصائح والتوجيهات، ويطرح عليهم الآراء والأفكار، ويدعو لهم بالثبات، ويبشرهم أن هذا عملهم من الجهاد في صد موجات الكتب السيئة التي غزت الأمة من روايات وقصص دس فيها السم الزعاف.

101- يحرص على تجهيز الغزاة في سبيل الله؛ محبة لهذا الأمر ورفعة للإسلام، وكسبًا للدرجات.

لذا فهو يتابع أحوال المسلمين في كل مكان ويسهم بما تيسر، ويعين عليه لما في ذلك من الأجر العظيم.. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» [رواه مسلم]، وفضل الله واسع، «ومن جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا» [رواه مسلم].

102- علم أن الحياة مبنية على الكدر، والعناء، والمشقة، فيتمسك بالصبر وقد جعله له شعار ودثارًا، وتأمل في موعود الله - عز وجل - للصابرين من الأجر العظيم والثواب الجزيل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

واحتسب الأجر في كل مصيبة وأمر يحزنه، قال - صلى الله عليه وسلم - : «ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه» [متفق عليه].

103- يوفي بالعهود، ويصدق في المواعيد؛ امتثالاً لأمر الله - عز وجل - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] فلا يخل بشرط ولا يتأول أمرًا لصالحه، بل يعطي كل ذي حق حقه؛ حتى تبرأ ذمته، ولا يطالبه أحد يوم القيامة بشيء!

قال الحسن: «إن الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة، فيقول: بيني وبينك الله، فيقول: والله ما أعرفك، فيقول: أنت أخذت طينة من حائطي، وآخر يقول: وأنت أخذت خيطًا من ثوبي» فهذا وأمثاله قطع قلوب الخائفين!

104- أتى لأمه الكبيرة وبدأ يقرؤها آية الكرسي؛ حتى يعم الخير في أوساط الكبيرات، وذكرهن بفضل هذه السورة، قال - صلى الله عليه وسلم - : «من قرأ (آية الكرسي) عقب كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» [رواه النسائي].

105- يعين نفسه على الابتسامة للمسلمين؛ لأنه في ذلك مأجور «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» [رواه البخاري] وقال جرير بن عبد الله: «ما رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا تبسم» [رواه البخاري]. لذا فهو طلق الوجه حسن الطلعة بين إخوانه المسلمين تنبسط أساريره إذا رأهم وتهش نفسه إذا قابلهم.

106- يسعى لرضا ربه، وامتلأ قلبه به رغبة فيما عنده، ورضا بما رزقه، قال ابن القيم في الرضا: «إنه يفتح للعبد باب السلامة، فيجعل قلبه نقيًا من الغش، والدغل، والغل، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم، وكذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط، وعدم الرضا، وكلما كان العبد أشد رضًا كان قلبه أسلم، فالخبث والدغل والغش قرين السخط، وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضا، وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط، وسلامة القلب منه من ثمرات الرضا».

107- همه هداية العاصي وانتشاله من النار، فكما أن مريض الجسد يرحم وهو يئن ويشتكي من الأسقام، فإن داء ذاك، أشد خطرًا، وأعظم أثرًا ولهذا فهو يسعى إلى هدايته وإنقاذه من أوحال المعاصي، وله من الأجر ما بشر به النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «لئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم».

108- لا يمن بعمله، ولا يردد كل يوم عملت وفعلت، فإن ذلك باب من أبواب رد العمل منة أو رياء أو عجبًا! ﴿لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: 262]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264].

109- لا يجعل وقته ضائعًا، لذا كل أمر لديه يحسب فيه دقائقه، فلا يضيع وقته في الاستراحات  بحجة رؤية الأصدقاء، ويضيع خمس ساعات أو عشر في الأسبوع دون طائل ولا فائدة، بل يجب أصحابه، ويقبل عليهم، ولكنه يستفيد من هذا الوقت الطويل في فائدة أو قراءة كتاب أو نشر فتوى... ثم هو يلح عليهم بالعودة مبكرين حتى يدركوا الفجر في جماعة؛ لأن السهر مكروه إلا في طلب علم أو ملاطفة زوجة أو عمل لا بد منه.

قال أبو الوفاء بن عقيل وهو يحدث عن نفسه: «إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمره، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي؛ حتى أختار سف الكعك وتحسه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ».

110- طبق حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» طبقه في واقع حياته وفي مسير أيامه.. فترك ما لا يعني من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش والمشي والمفكر، لذا أراح واستراح.

111- لا يتبرم، ولا يشتكي من العمل أو الدنيا أو غيرها، بل دائم الصمت محتسبًا للأجر طالبًا للمثوبة.

قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكوا وجعك، ولا تذكر مصيبتك».

وقال الأحنف: «لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة، وما ذكرتها لأحد».

112- زكاة ماله تذهب إلى من يحتاجها، ويصرفها في أوجه الخير، ويتحرى الفقراء والمساكين، ويسأل بنفسه؛ حتى تبرأ ذمته، وأذكر أني سألت أحد المشايخ - رحمه الله - في مكة عن الفقراء المستحقين لزكاة الفطر، فقال: عليك برءوس الجبال فستجد الكثير.

113- الشهادة مطلبه، ودائمًا يبرز أمام عينه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : «للشهيد عند الله ست خصال، يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوته منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه» [رواه الترمذي].

وإن كان الأمر قد قصر به ولم يتيسر طريقه وسبله، إلا أنه يسأل الله - عز وجل - الشهادة: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» [رواه مسلم].

114- له في سهام الخير نصيب، ها هو يدل على أعمال البر ويذكر حاجة الجهات الدعوية والإغاثية، إن حل فصل الشتاء عرض مشروع بطانية الشتاء، وإن حل الصيف بحرارته وسمومه أسرع إلى الدلالة على إنشاء المبردات وحفر الآبار لسقيا المسلمين، وإن أزف رمضان جعل بين يديه قسائم تفطير الصائمين؛ ليقدمها لمن يريد، همه جمع الحسنات من رواء الدلالة على هذه الأعمال.

115- قال - صلى الله عليه وسلم - : «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجته حتى تقضى أحب إلي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرًا...» إلى أن قال: «من مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام» [حسنه الألباني في الجامع].

عن أبي موسى- رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أتاه سائل أو طالب حاجة، قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء» [متفق عليه].

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -: «وهذا الحديث متضمن لأصل كبير، وفائدة عظيمة، وهو أنه ينبغي للعبد أن يسعى في أمور الخير سواء أثمرت مقاصدها ونتائجها أو حصل بعضها، أو لم يتم منها شيء، وذلك كالشفاعة لأصحاب الحاجات عند الملوك والكبراء، ومن تعلقت حاجاتهم بهم؛ فإن كثيرًا من الناس يمتنع من السعي فيها إذا لم يعلم قبول شفاعته، فيفوت على نفسه خيرًا كثيرًا من الله، ومعروفًا عند أخيه المسلم. فلهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يساعدوا أصحاب الحاجة بالشفاعة لهم عنده؛ ليتعجلوا الأجر عند الله، لقوله: «اشفعوا تؤجروا» فإن الشفاعة الحسنة محببة لله، ومرضاة له. قال -تعالى-: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: 85]. ومع تعجله للأجر الحاضر فإنه أيضًا يتعجل الإحسان وفعل المعروف مع أخيه، ويكون له بذلك عنده يد.

وقد ذكر لي أحد الإخوة الفضلاء أنه أتى للشيخ عبد الرحمن الدوسري - رحمه الله - ضحى يوم وذكر له حاجة في إدارة من الإدارات. فهز الشيخ رأسه ودخل البيت. قال الأخ: ثم عاد بعد قليل وآثار الوضوء على وجهه ويديه وقال: هيا، فذهب. يقول فأصابتني الحيرة وقلت يا شيخ: يكفي أن تكتب ورقة لفلان فهو يعرفك! قال: لا. هيا، وأصر - رحمه الله - على الذهاب حتى انقضت حاجتي، وتيسر أمري. فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى.

116- يعين أهل المصائب ويغسل الأموات، ويكفيهم، ويسعى في حاجاتهم، قال - صلى الله عليه وسلم - : «من غسل ميتًا فكتم غفر الله له أربعين مرة، ومن كفن ميتًا، كساه الله من سندس واستبرق في الجنة، ومن حفر لميت قبرًا ، فأجنه فيه أجرى الله من الأجر كأجر مسكن أسكنه إلى يوم القيامة» [رواه الحاكم، وصححه الألباني].

117- يوقظ جيرانه لصلاة الفجر؛ فهذه أعظم خدمة تقدم لهم، بأن يعينهم على الطاعة والعبادة. وهو الذي يطلب منهم ذلك ابتداء.. أنا أوقظكم وأطرق جرس بابكم، أو هاتفكم، فيزيل ما بهم من كسل أو خمول.

118- يتعوذ بالله من برودة القلب وهوان الدين عليه، والإعراض عن نصرته، والذب عنه، والدفاع عن أحكامه وتعاليمه! البعض يدافع عن قريته أعظم في دفاعه من الدين! لذا تثور ثائرتهم إن استهزأ مستهزئ بقريتهم، لكن الإسلام يسخر بتعاليمه ويستهزأ بأوامره ولا حراك!

قال أبو الوفاء بن عقيل: «إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، وهذا يدل على برودة الدين في القلب».

119- يؤلف جيرانه، ويجمع بينهم، ويحسن إليهم، ويذكرهم بخصالهم الطيبة، ويحسن إليهم بالكتاب، والشريط، وإهداء الطعام، ومتابعة الزيارة دون التكلفة الشاقة عليهم. بل هو كنسمات الصباح الجميلة يهب حينًا ثم يغيب ليعود بأحسن وأبهى حال.

120- تمثل قول الحسن في حياته، وبدأ يجاهد نفسه في ذلك:"رحم الله عبدًا جعل العيش عيشاً واحدًا،فأكل كسرة، ولبس خلقًا بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة؛ ابتغاء الرحمة حتى يأتيه أجله وهو على ذلك".

121-الدمعة لها شأن، فإن كانت من مؤمن في خلوة فلها شأن أعظم، إذا تذكر ذنوبه وتفريطه وعظم المطلع والجزاء والحساب سالت مدامعة على وجنتيه، قال عبد الرحمن بن يزيد: قلت ليزيد بن مرثد: مالي أري عينيك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: يا أخي إن الله قد توعدني إن عصيته أن يسجنني في النار، والله لولم يتوعدني إلا في الحمام لكنت حريًا أن لا تجف لي عين، فقلت له: هكذا،

أنت في خلوتك؟ قال:وما مسألتك؟ قلت عسى أن ينفعني به،فقال:والله، إن ذلك

ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي، فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام بين يدي فيعرض لي، فيحول بيني وبين أكله، حتى تبكي امرأتي، ويبكي صبياننا، ما يدرون ما أبكانا.

122- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم المهمات، وأفضل القربات ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فهو يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر في بيته، ومقر عمله، وفي الشارع، وفي المساجد، وفي كل مكان يصل إليه. ثم هو يذكر بهذا الواجب، ويركز على القيام به والدعوة إلى تطبيقه واقعًا عمليًا قال - صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرمه من الكفر، والفسوق، والعصيان، لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه، فإن لم يكن مبغضًا لشيء من المحرمات أصلاً لم يكن معه إيمان أصلاً».

123- لا يتباهى بعمله، ولا يجعل العجب يدخل قلبه، يرى عمله قليلاً في جنب الله - عز وجل - قال ابن عون: «لا تثق بكثرة العمل؛ فإنك لا تدري أيقبل منك أم يرد، ولا تأمن ذنوبك؛ فإنك لا تدري أكفرت عنك أم لا؟ إن عملك مغيب عنك كله».

124- سريع العودة والتوبة، ويسره سماع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله - عز وجل - من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة سيئة مثلها، أو أغفر، ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة» [رواه مسلم].

125- يمطر الخير على صحيفته استغفارًا متتاليًا متتابعًا، فالأجر ميسور، بحركة سهلة من لسانه وبلا أدنى مشقة يستغفر! قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار» [رواه البيهقي، وحسنه الألباني].

126- يقرب المساكين، ويدنو منهم؛ فذلك أقرب إلى الإخلاص ورقة القلب. فكان الحسن بن علي -رضي الله عنهما-: يمر بالسوال وبين أيديهم كسر، فيقولون: هلم إلى الغذاء يابن رسول الله، فكان ينـزل، ويجلس على الطريق، ويأكل معهم، ويركب ويقول: إن الله لا يحب المستكبرين.

127- للصدقة وقع غريب في قلبه، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً يتصدق وينفق! إن رأى فقيرًا أو مسكينًا، أو صاحب حاجة ناوله ما تيسر!

مكث أبو الحسين النوري عشرين سنة يأخذ من بيته رغيفين ويخرج ليمضي إلى السوق، فيتصدق بالرغيفين، ويدخل المسجد، فلا يزال يركع حتى يجيء وقت سوقه، فإذا جاء الوقت مضى إلى السوق فيظن أنه قد تغدى في بيته، ومن هم في بيته عندهم أنه قد أخذ معه غداءه وهو صائم.

128- ينفق أحب أمواله إليه؛ امتثالاً لقول الله عز وجل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]. ويتذكر إنفاق أبو بكر - رضي الله عنه - ماله كله لهذا الدين!

كلما مر زمن اختار لباسًا جديدًا فكساه عارٍ، وطعامًا جيدًا فقدمه لفقير.

كان أويس القرني: «إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب، ثم قال: «اللهم من مات جوعًا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريًا فلا تؤاخذني به».

وكان يقول في دعائه: «اللهم إني أعتذر إليك من كل كبد جائعة وبدن عار، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وليس لي شيء من الدنيا إلا على ظهري».

129- سلامة الصدر من الغل، والحقد، والكراهية، والحسد مطلب شرعي عظيم، عن سفيان بن دينار قال: قلت لأبي بشر: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا ويؤجرون كثيرًا، قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم.

130- سمت همته إلى العليا.. يريد مرافقة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنعم بها من رفقة وأعظم به من رفيق وصاحب، في نعيم وحبور، عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك؟» قال: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» [رواه مسلم].

131- يحذر من التشبه بالكفار، ويتذكر قول اليهود في النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا، إلا خالفنا فيه» [رواه مسلم] ويذكر دائمًا من يراه بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من تشبه بقوم فهو منهم» [رواه أحمد]، ويكرر دائمًا على لسانه قول الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113]، وقوله -تعالى-: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 138، 139]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - «وفي هذه الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين، وترك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من صفات المنافقين، وأن الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم».

132- يداوي نفسه وأبناءه بالصدقة، كلما نزل مرض أسرع إلى مضاعفة صدقته، قال - صلى الله عليه وسلم -: «داووا مرضاكم بالصدقة».

قال رجل لابن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، قرحة من ركبتي خرجت منذ سبع سنين، وقد عالجتها بأنواع العلاجات، وسألت عنها الأطباء فلم أنتفع بهم، فماذا أفعل؟ قال: اذهب فانظر موضعًا يحتاج الناس للماء فاحفر بئرًا، فإنني أرجو من الله أن يمسك عنك الدم. ففعل وبريء الرجل.

133- وطن نفسه على الالتزام الجاد، فقد علم أن المؤمن لا يليق به أن يكون إمعة يسيء مع المسيئين، ويسير حيث اتجه الآخرون، بل له وقفة وعودة وخطى ثابتة، روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: «وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تتجنبوا إساءتهم».

134- يسر بالضيف المؤمن، ويسارع إلى إكرامه فهذا من سنن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ويحرص على أن لا يأكل طعامه إلا تقي؛ امتثالاً لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم أن الله أكرم الناس في هذا الزمن وأغناهم، وليست حاجتهم إلى الطعام، لكنهم في حاجة إلى بسط الوجه ولين الجانب والفرح والسرور بزيارتهم فهذا ما يحتاجه الضيف اليوم.

135- يحرص على مصافحة إخوانه؛ لعل الله - عز وجل - أن يغفر خطاياه قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلمين التقيا فأخذ أحدهما بيد صاحبه، إلا كان حقًا على الله أن يحضر دعاءهما، ولا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما» [رواه أحمد].

136- يرتب جدوله ليلة الجمعة بعدم السهر؛ حتى يستيقظ مبكرًا، ويفرغ نفسه للعبادة ذلك اليوم، فإذا صلى الفجر جلس في المسجد حتى تطلع الشمس راجيًا ثوابًا ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة» [رواه الترمذي].

ثم يبكر إلى صلاة الجمعة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً: «من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها» [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني].

137- يسير في الدنيا وفي كل موقف يتذكر الآخرة، إن رأى زحام الناس تذكر الحشر، وإن صعد جسرًا معلقًا تذكر الصراط، قال ابن القيم: «فهمة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلا ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء فهمته شغله، ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة رأيت البزار ينظر إلى الرش، ويحرز قيمته، والنجار إلى السقف، والبناء إلى الحيطان، والحائك إلى النسيج المخيط، والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإذا رأى مؤلمًا ذكر العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا، ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذة، ذكر الجنة، فهمته متعلقة بما ثم، وذلك يشغله على ما تم.

138- يعمل في أوجه الخير بلا كلل ولا ملل، فهو لا يعرف أرجى أعماله عند الله - عز وجل - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن رجلاً رأى كلبًا يأكل الثرى من العطش، فأخذ خفه، فجعل يغرف له به حتى أرواه، فشكر الله له، فأدخله الجنة» [رواه البخاري].

139- الحج ركن من أركان الإسلام، والبعض في هذه الديار بلغ من العمر عتيًا ولم يحج، بعضهم جاوز العشرين، والثلاثين، والأربعين، ولم يحج. وعن عبد الرحمن بن سابط يرفعه: «من مات ولم يحج حجة الإسلام، لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فليمت على أي حال، يهوديًا أو نصرانيًا».

وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فلينظروا كل من له جده ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين» [رواه البيهقي].

لذا يسارع إلى من عرف أنه لم يؤد فريضة الحج ويحثهم على الحج، ويسهل الأمر، ويقوم بالحجز لهم في حملات الحج وإن اضطر أن يسافر معهم حتى يتيسر لهم الحج ويسقط عنهم الركن الخامس من أركان الإسلام.

140- الرجل القدوة عملة نادرة وصفة مفقودة، إلا في القليل من الخلص؛ لأن الرجل القدوة أشد على أعداء الله من كل عدة... ولذلك لما تمنى الناس ذهبًا ينفقونه في سبيل الله، كانت كلمة عمر - رضي الله عنه -: «ولكني أتمنى رجلاً مثل أبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله».

141- قامت وسائل الإعلام بحرب لا هوادة فيها لتحديد النسل وتقليل عدد المسلمين، لكن مرجعه الذي يسمع منه ومنبعه الذي يروى منه ليس أولئك، بل هو قول الله، وقول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - فقد قال: «تزوجوا الولود الودود؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة».

وفرح بوعده الله - عز وجل - إذا أحسن تربية الأبناء على الاستقامة قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله - عز وجل - ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب، أني لي هذا؟ فيقول: باستغفار ولدك» [رواه أحمد].

وتأمل في أجر عظيم يجب احتسابه قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ابتلي من البنات بشيء، فأحسن إليهن كن له سترًا من النار» [رواه مسلم] والإحسان إليهن بالطعام والكسوة، وقبل هذا تعليمهن شرائع الإسلام وإبعادهن عن مواطن الفساد.

142- حديثه لأبنائه عن الجنة ونعيمها.. هل تريدون يا أحبابي نخلة في الجنة، لا نحتاج إلى فأس ومسحاة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة» [رواه الترمذي] ثم يذكرهم بين الحين والآخر بهذا النخل الذي غرسوه في الجنة فتشتاق أنفسهم لرؤيته ويسعون إليه.

143- قل من يحافظ على السنن الرواتب مع عظم أجرها، وحين أراد بيتًا في الجنة كل يوم سعى إلى المداومة والمحافظة عليها قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة، أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر» [رواه النسائي]، في رواية لمسلم: «إلا بنى الله له بيتًا في الجنة، أو إلا بنى له بيت في الجنة».

144- كلما دعته نفسه إلى أمر من أمور الدنيا، تذكر قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا: كمثل راكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها» [رواه أحمد].

لذا يعمل للدنيا والآخرة، ويستعين بالنية الصالحة في تحصيل معاشه ورزقه، قال يحيى بن معاذ: «لست آمرك بترك الدنيا، آمركم بترك الذنوب، ترك الدنيا فضيلة، وترك الذنوب فريضة، وأنتم إلى إقامة الفريضة أحوج منكم إلى الحسنات والفضائل».

145- يمطر المطر دعاء، واستغفارًا للمؤمنين والمؤمنات؛ محبة لهم ورجاء، وثواب عمله قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة» [رواه الطبراني] فكم عدد المؤمنين والمؤمنات؟

146- يتذكر القبر وظلمته، والحساب وكربته، لذا يردد دائمًا: «أعوذ بالله من عذاب القبر» ويتذكر بين الحين والآخر والدمعة تلازمه أهوال القبر وأحواله، ثم البعث والنشور، ثم الحساب والعقاب والمنصرف إلى الجنة والنار، أهوال وأهوال يدعو الله - عز وجل - أن يهونها عليه وييسر له طريق النجاة والخلاص بمنه،  وجوده، وكرمه.

147- من محبته لإخوانه المسلمين يدعو لهم بظهر الغيب، فإذا رأى أخاه المسلم مع أبنائه وسره منظرهم، اتبع ذلك بالدعاء لهم بالصلاح والفلاح، وإذا رأى أخًا آخر تزوج ألح في الدعاء بأن يجعل زوجته من الصالحات القانتات، وأن يجمع بينهما في خير، وإذا رأى صاحبه اشترى منزلاً أو سيارة سر بذلك؛ لأنها من علامات الخير التي تعين -بإذن الله- على الطاعة، عندها دعا له أن تكون مباركة عليه، وأن تكون عونًا على الطاعة، وإن وقعت عينه على أخت محجبة أطال في الدعاء لها بالثبات، والتوفيق وبالجنان والرحمة. قال - صلى الله عليه وسلم -: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل» [رواه مسلم].

148- قال - صلى الله عليه وسلم -: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه» [رواه أحمد].

ولذا يسعى إلى الدلالة على الخير، والحث عليه، ونشره بين أصحابه ومعارفه؛ لينقذهم من النار وليرفع درجاتهم في عليين، أليس خير الأصحاب من يدل على أعظم منزلة وأرفع مكانة في جنات النعيم.

قال بلال بن سعد: «أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارًا».

149- يسعى لتحصين نفسه من الشرك بحضور محاضرات، وندوات العلماء؛ رغبة في حصوله على الأمن والهداية قال -تعالى-: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ .

150- يقدم لآخرته ما استطاع ويبذل أطيب أمواله صدقة في سبيل الله، بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنًا له اشترى خاتمًا بألف درهم، فكتب إليه عمر: بلغني أنك اشتريت فصًا بألف درهم، فإذا آتاك كتابي، فبع الخاتم وأشبع به ألف بطن، واتخذ خاتمًا بدرهمين، واجعل فصه حديد حينيًا واكتب عليه: رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.

151- حتى يقطع الأمر على من يفتون بغير علم، جعل في جيبه ورقة صغيرة تحمل أسماء العلماء وهواتفهم، وأرقام جوالاتهم، وإن جلس في مجلس ذكر الأرقام والأسماء، وإن كان هناك سؤال يطرح وتصدى له من يجيب: قال يا أيها الإخوة، هذه أرقام الجوالات للعلماء المفتين، حتى لا نقع في ما حرم الله - عز وجل - من الفتوى بغير علم.

152- لا يستفيد من معرفة الناس له ومحبتهم إليه، وأنه يعمل في المؤسسة الخيرية، أو أن ظاهره الاستقامة ليفسح له ويقدم على غيره.

قال الحسن: «كنت مع ابن المبارك يومًا، فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه، فلما خرج قال لي: ما العيش إلا هكذا، يعني حيث لم نعرف ولم نوقر»!

واليوم البعض يشتري بدينه! أنا أعمل في المكان الدعوي؛ حتى يخفض له أو يزاوله أو..... !

قال بشر بن الحارث: «لا أعلم رجلاً أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح».

وقال: «لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس».

153- يمطر الخير مطرًا على الإخوة ويعلم أنه «لو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة» لذا لا يقر له قرار، وهو يعلم أن هناك شحناء بين اثنين .. فهو يسير إلى الأول يذكره بفضل المسامحة وسلامة الصدر، ويأتي الثاني ويذكر له أن الأول يثني عليه ولا يجد في قلبه عليه شيئًا، حتى يصلح بينهما: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114] وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة» [رواه الترمذي].

154- يعين إخوانه المسلمين بالصدقة والقرض الحسن، مساعدة لهم في محنهم وكربهم، وإذا اقرض أحدهم أنظره فلا يلح ولا يشح، علها أن تجري مجرى الصدقة في الأجر، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أنظر معسرًا، فله كل يوم صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين، فأنظره بعد ذلك، فله كل يوم مثليه صدقة» [رواه الحاكم].

155- سمح في البيع والشراء وعدم المشادة؛ حتى لا يوغر الصدور وتظهر محبة الدنيا، ولعل في ذلك أن يبرز المسلم المستقيم بصورة العفيف المنزيه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى».

156- أيقن أن أساس كل خير: أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فتيقن حينئذ أن الحسنات نعمة، فشكر عليها، وتضرع إليه أن لا يقطعها عنه، وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فيبتهل إليه أن يحول بينه وبينها، ولا يكله إلى فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسه.

157- الصوم عبادة عظيمة أحبها وقام بها، فهو يصوم تطوعًا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً دون أن يعلم أحد ودون أن يبلغ الجميع بأنه صائم، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من صام يومًا في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» [متفق عليه]، ودائمًا يدعو الله - عز وجل - ويحسن الظن بربه أن يدخل من باب الريان قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال لهم: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» [متفق عليه].

158- تأمل قول الله - عز وجل - ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وفيها إشارة إلى الشفقة والإكرام، ومن تمام الشفقة أن لا ينفرد بطعام لذيذ أو بحضور في مسرة دون صاحبه التقي بل يتنغص لفراقه، ويستوحش بانفرداه، إنه الأخ الذي يذكر بحق الله، ويعين على الطاعة، ويحذر من المعصية، كان عبد الله بن المبارك إذا عز على الحج يقول لأصحابه: من عزم منكم في هذا العام على الحج فليأت بنفقته حتى أكون أنا أنفق عليه، فيأخذ منهم نفقاتهم، ويكتب على كل صره اسم صاحبها، ويجعلها في صندوق، ثم يخرج بهم في أوسع ما يكون من النفقات والركوب، وحسن الخلق، والتيسير عليهم، فإذا قضوا حجتهم يقول لهم: هل أوصاكم أهلوكم بهدية؟ فيشتري لكل واحد منهم ما وصاه أهله من الهدايا المدنية، فإذا رجعوا إلى بلادهم بعث من أثناء الطريق إلى بيوتهم فأصلحت، وابيضت أبوابها، ورمم شعثها، فإذا وصلوا إلى البلد عمل وليمة بعد قدومهم، ودعاهم فأكلوا، وكساهم، ثم دعا بذلك الصندوق ففتحه، وأخرج منه تلك الصرر، ثم يقسم عليهم أن يأخذ كل واحد نفقته التي عليها اسمه فيأخذونها وينصرفون إلى منازلهم!

159- يتأدب بالأدب الحسن في المجالس، فهو يفسح لإخوانه، ولا يتصدر المجلس، بل يجلس حيث انتهى به! ولا يكثر من تتبع أحوال الناس وخاصتهم!

قال مجاهد: «لا تحد النظر إلى أخيك، ولا تسأل من أين جئت؟ وأين تذهب؟».

ويتخير مجالس كبار السن فهم أهل الحكمة والعقل! قال أبو عمر بن العلاء: «رآني سعيد بن جبير وأنا جالس مع الشباب، قال: ما يجلسك مع الشباب؟ عليك بالشيوخ!».

160- تمثل في واقع حياته قول الحسن: «إن المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله - عز وجل- وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يفجؤا الشيء يعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك وإنك عن حاجتين، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا، مالي ولهذا؟ والله لا أعود لهذا أبدًا إن شاء الله، إن المؤمنين قوم لله، أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، وإن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله - عز وجل - يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه».

161- خطم نفسه بخطام التواضع، وزمها بزمام الانكسار بين يدي الله - عز وجل - وعلم أن العبد كلما زيد في عمله زيد في تواضعه وكلما زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله، زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه، زيد في قربه من الناس، وقضاء حوائجهم والتواضع لهم، سخر نفسه ذليلة منكسرة تزداد قربًا لله - عز وجل - وحسرة على ما فات، وندمًا على ما اقترفت من المعاصي.

162- أقض مضجعه حديثًا سمعه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» [رواه مسلم].

163- يعلم أنه ضعيف مسكين، يرجو رحمة ربه، ويخاف عقابه.. يكثر من الدعاء لنفسه؛ موافقة لما جاء في الحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم» فهو يلح ويطرق باب السماء كل حين عسى الله - عز وجل - أن يجيب دعاءه.

164- استبق الخيرات، وجعل نصب عينيه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين الحين والآخر يعمل ما استطاع قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علمه ونشره، وولدًا صالح تركه، أو مصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته» [رواه ابن ماجه].

وبدأ بالمتيسر فأوقف مصحفًا ونشر علمًا، إما بالتعليم والتدريس، أو بتوزيع كتب العلم على العامة والمكتبات، وتصدق بما تيسر من ماله في حياته، وسعى لإصلاح ولده، وأخذه على الطريق المستقيم، ونوى بناء المسجد وبدأ يجمع له!

165- واثق من نصر هذا الدين، يبشر بذلك، ويدفع الانهزامية، والخور، والضعف عن الناس، ويستشهد بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والتمكين».

لكن يعلم أن من شروط النصر تحقيق متطلباته ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

ويعلم أن كربة أمة الإسلام إلى زوال والحرب ضد الإسلام قديمة لا جديدة فهم ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8].

قال ابن القيم - رحمه الله -: «ومن ظن إدالة أهل الكفر على أهل الإسلام إدالة تامة فقد ظن بالله ظن السوء».

166- صاحب ذل وخضوع، وانطراح بين يدي الله - عز وجل -.

قال ابن القيم - رحمه الله -: «فليس شيء أحب إلى الله من هذه الكسرة، والخضوع، والتذلل، والإخبات، والانطراح بين يديه، والاستسلام له، فالله، ما أحلى قوله في هذه الحال: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي وبغناك وفقري إليك هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته رغم أنفه وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه».

167- يرفع نفسه عن سفاسف الأمور ودنيئها، فالأشرار يتبعون مساوئ الناس ويتركون محاسنهم، كما يتتبع الذباب المواضع الفاسدة في الجسد، ويترك الصحيح منه! لذا نزه لسانه وعفت أذنه عن سماع وقول الغيبة، وأكل لحوم الناس.

قال ابن القيم - رحمه الله - عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

قال: «فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب».

168- يحفظ من كتاب الله - عز وجل - ما تيسر، وجعل له في كل يوم جزءًا يقرؤه ولا يدعه!

قال ابن القيم - رحمه الله -: «فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، هو الذي يورث المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه، فلو علم الناس ما في القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان، وتذوق حلاوة القرآن وهذه كانت عادة السلف يردد أحدهم الآية إلى الصباح».

169- جعل بيته واحة إيمانية تحفها الرحمة، وتتنزل فيها الطاعة.. قام من الليل ما تيسر له، ثم أيقظ زوجته؛ لتأخذ نصيبها من صلاة الليل!

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء» [رواه أحمد].

170- أنس بالقرب من الطاعة، والقيام بها، والبعد عن المعصية، والخوف من الوقوع فيها، إن استغنى الناس بالدنيا، استغنى بالله وطاعته ومحبته، وإن فرح الناس بالدنيا فرح بالله - عز وجل - وتوفيقه، وإن أنسوا بأحبابهم وأصحابهم جعل أنسه بالله - عز وجل- وإن تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم؛ لينالوا العزة والرفعة. تعرف إلى الله وتودد إليه وانقاد لطاعته وذل جبهته خضوعًا وطاعة، وبذلك تنال غاية العز والرفعة.

171- قال عبد الله بن داود: كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه، أي كان لا ينام طول الليل، يسبح، ويصلي، ويستغفر، يستدرك ما مضى من عمره، ويستعد لما أقبل من أيامه.

172- أخذ نفسه بالتواضع، ونبذ الكبر فكله شر، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثال ذرة من كبر» [رواه مسلم].

قال ابن تيمية - رحمه الله -: «التكبر شر من الشرك، فإن المتكبر يتكبر عن عبادة الله -تعالى-، والمشرك يعبد الله وغيره!

قال يحيى بن كثير: «رأس التواضع ثلاث: أن ترضى بالدون من شرف المجلس، وأن تبدأ من لقيته بالسلام، وأن تكره المدحة والسمعة والرياء بالبر».

173- بدأ يراجع سنوات عمره، فإذا بها سريعة، تقوده إلى الكبر والشيخوخة، فاستثمر نشاطه وقوته وصبره وصحته في العمل للآخرة، وقال: اليوم أستطيع أن أعمل للدعوة، وأقف أصلي وأصوم.. غدًا ربما أسقط طريح الفراش لمرض أو لكبر فهيا إلى المسارعة! كانت صفية بنت سيرين توصي فتقول: «يا معشر الشباب، خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب».

174- لما سمع الصحابة -رضي الله عنهم- قول الله - عز وجل -: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ فهموا من ذلك أن المراد أن يجتهد كل واحد منهم حتى يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة، والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية، فكان أحدهم إذا رأى من يعمل للآخرة أكثر منه نافسه، وحاول اللحاق به بل مجاوزته، فكان تنافسهم في درجات الآخرة، واستباقهم إليها كما قال -تعالى-: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ ولما سمع الآية وحال الصحابة، بدأ يربي نفسه، ويحرك جوانحه على السير في هذه السباق؛ لعل الله أن يتقبل منه.

175- أذل نفسه لله - عز وجل - وأظهر افتقاره وحاجته لربه - عز وجل - فهو يخشى أن يمن على الله بعمل عمله أو جهد بذله. قال بعض العلماء: «آفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر إلى نفسه استسحان شيء منها فقد أهلكها، ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور».

176- تحرى المال الحلال، وابتعد عن الشبه فيه! قال إبراهيم ابن أدهم: «وما أدرك من أدرك، إلا من كان يعقل ما يدخله جوفه» لذا وقف على كل ريال يدخل جيبه، وكل لقمة تدخل جوفه؛ لأن الحساب عسير.. قال شميط بن عجلان: «إنما بطنك يابن آدم شبر في شبر، فلم يدخلك النار؟».

177- الهم منصرف إلى الآخرة، لذا فهو زاهد في الدنيا وأخذ منها ما يكفي أيامه القصير ولياليه المتلاحقة حتى يدركه الأجل. قال الحسن: «والله لقد أدركت أقوامًا ما طوي لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض شيئًا قط» وكان الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل الزهد يقول: «إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل، ما أعدل بالفقر شيئًا».


 الخاتمة

أخي الحبيب:

أراك قد انشرح صدرك بحبات المطر، وهي تلامس شفاف قلبك، وتدفعك إلى المسارعة والعمل، فاجعل لك نصيبًا منها، وإذا بلغك شيء من الخير فأعمل به ولو مرة تكن من أهله! فالدين يحتاج إلى رجال يخدمونه ويقومون به.

أخي المسلم: أمطر الخير مطرًا، فالرب جواد كريم يقبل التوبة، ويغفر الزلة، ويجازي على القليل كثيرًا.. تقرب إليه ما استطعت إلى ذلك، وأبشر بخير وأجر، وروضة جنات فيها الحبور والسرور، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين .

جعلني الله وإياك من الدعاة إلى دينه، وغفر لنا، ولوالدينا، ولجميع المسلمين.