أيها المقصر متى تتوب ؟

القسم العلمي بمدار الوطن


 المقدمة

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى..

أما بعد:

فإن التوبة إلى الله تعالى نور يتلألأ وسط ظلام المعصية الحالك، وبريق يلوح في الأفق فيغري العصاة بالرجوع إلى ربهم، ويزين لهم الكف عن العصيان.

وما زالت التوبة تنادي العصاة والمقصرين:

أن هلموا إلى بارئكم، أقبلوا على ربكم؛ فإن رحمته واسعة، وفضله عظيم، وفرحه بالتائبين ليس له منتهى ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾ [الشورى: 25].

فيا أيها العاصي، تب إلى ربك، وابك على خطيئتك!

ويا أيها المقصر، تب إلى ربك من تقصيرك، واسأله العفو والغفران.

ويا أيها المطيع، تب إلى ربك من رؤيتك لطاعتك، وإدلالك بعملك وغفلتك عن عيوبك.

﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [النور: 31].

وهذه الصفحات- أخي المسلم الموفق - قطوف مختارة وثمار يانعة في فضل التوبة وأحكامها وثمراتها وبعض قصص التائبين، نسأل الله تعالى أن يكون عونا لكل مسلمٍ على سلوك طريق التوبة، إنه خير مسؤول، وهو نعم المولى ونعم النصير                 

الناشـر


 نعم التوبة

أخي الحبيب:

الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين؛ فالدنيا ليست وطنا ولا مقرا، بل هي معبر و ممر .. ولا ينتهي السفر إلا بالقدوم على الله، فمن أحسن في سفره كوفئ بالنعيم المقيم في الجنة، ومن أساء في سفره جوزء بالعذاب الأليم في جهنم .. فالسعيد من تأهب لهذا السفر واستعد له، واتخذ له زادا من التقوى والعمل الصالح، والشقي من ضيع عمره في الغفلة والمعصية، فكان قدومه على ربه قدوم العصاة والمذنبين والمجرمين.

والعبد في سفره إلى الله لا بد أن يقع منه ما لا يحمد من الأقوال والأفعال؛ لأن الإنسان غير معصوم، وهو دائم النسيان والغفلة .. ولما كانت المعاصي سبب سخط الله على العبد وإنزال العقوبة به، لم يترك الله عز وجل عباده أسرى للمعصية أو عرضة للحيرة والقلق، بل أنعم عليهم بنعمة عظمى، ومن عليهم بمنةٍ كبرى، وهي أن فتح لهم باب التوبة والإنابة، ولولا أن وفق الله عباده إلى التوبة، وأنعم عليهم بقبولها؛ لوقع العباد في حرجٍ شديد، وأصابهم اليأس من المغفرة، وقصرت هممهم عن طلب القرب من ربهم، وانقطع رجاؤهم من العفو والصفح والمسامحة.

 الله غفور تواب رحيم

وقد وصف الله نفسه في القرآن ما يقارب مائة مرة بأنه غفور رحيم، وامتن على عباده بالتوبة في كثيرٍ من الآيات الكريمات، قال تعالى: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما﴾ [النساء: 27].

وقال تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم﴾ [النور: 10].

وقال تعالى: ﴿إن ربك واسع المغفرة﴾ [النجم: 32]

وقال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيءٍ﴾ [الأعراف: 156].

فيا أخي الحبيب:

باب التوبة أمامك مفتوح ينتظرك، وطريق الأوبة ممهد يشتاق إليك، فاطرق الباب، واسلك الطريق، واسأل ربك التوفيق والإعانة، وجاهد نفسك واقصرها على طاعة ربها وإذا تبت إلى ربك وعدت إلى المعصية مرة أخرى ونقضت التوبة فلا تستحي من تجديد التوبة مرة أخرى، مهما تكرر ذلك منك.

قال تعالى: ﴿فإنه كان للأوابين غفورا﴾ [الإسراء: 25]

وقال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون﴾ [الزمر: 53، 54].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء، ثم تبتم لتاب الله عليكم»([1]).

فأين التائبون النادمون؟

أين العائدون الخائفون؟

أين الراكعون الساجدون؟

 وجوب التوبة

التوبة:

هي الرجوع عما يكرهه الله ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه ظاهرا وباطنا، وأصل التوبة الرجوع، ويقال: من رجع عن المخالفات حياء من الله وخوفا من عذابه فهو تائب.

والتوبة فرض عينٍ على كل مسلم بالكتاب والسنة والإجماع.

أما بالكتاب:

فلقول الله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [النور: 31].

وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ [التحريم: 8].

ففي هاتين الآيتين الأمر الصريح بالتوبة لجميع المؤمنين، وهذا يدل على وجوب التوبة، يدل كذلك على أن التوبة ليست خاصة بالعصاة والمخلطين؛ لأن الله تعالى أمر بها أهل الإيمان.

ومما يدل على وجوب التوبة كذلك قوله تعالى: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ [الحجرات: 11]

حيث قسم العباد إلى قسمين: تائب وظالم، ولما كان الظلم محرما كانت التوبة واجبة.

وأما السنة:

فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتوبة فقال: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة»([2]) .

وأما الإجماع:

فقد قال ابن قدامة: الإجماع منعقد على وجوب التوبة([3]) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا بد لكل عبدٍ من توبة، وهي واجبة على الأولين والآخرين([4]) .

وقال القرطبي: ولا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة، وأنها فرض متعين([5]) .

أخي الحبيب:

من رحمة الله تعالى عليك أن جعل التوبة فرضا لازما، وذلك ليعفو عنك ويغفر ذنوبك ويمحو سيئاتك، فالله عز وجل غني عنا وعن طاعتنا وأعمالنا كما قال سبحانه: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾ [الحج: 37].

فبادر أخي بالتوبة الصادقة، وجدد التوبة في كل يوم وفي كل وقت، فإن الراجع عن ذنبه والنادم عليه لا يكون مصرا وإن عاد في اليوم الواحد أكثر من سبعين مرة!

 تب الآن

التوبة أخي الحبيب واجبة على الفور، بمعنى أن تأخيرها والتسويف بها ذنب آخر يحتاج إلى توبة، وما يدري هذا المسوف الذي يقول: غدا سأتوب أنه سيعيش إلى غد؟ بل ما يدريه أنه سيقوم من مقامه؟ فإن الموت قد يأتي بغتة بلا أسبابٍ ولا مقدمات، وكم رأينا أناسا ماتوا فجأة بسبب توقفٍ مفاجئٍ للقلب، أو بسبب حوادثٍ مروعة، أو بأسبابٍ لا يعلمها إلا الله .. قال تعالى: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرضٍ تموت﴾ [لقمان: 34].

وأمر سبحانه بالمسارعة إلى ما يوجب المغفرة، ومنها التوبة، فقال سبحانه: ﴿وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السماوات والأرض﴾ [آل عمران: 133].

وقال سبحانه: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: 148]

وقال عز وجل: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ [آل عمران: 135].

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للمصرين على ما فعلوا وهم يعلمون»([6]) .

فيا أخي الحبيب:

تب الآن قبل أن تتراكم الظلمة على قلبك، فلا تستطيع فكاكا من المعاصي.

تب الآن قبل أن يهجم المرض أو الموت فلا تجد مهلة للتوبة.

تب الآن قبل أن يأتيك ملك الموت فتقول: ﴿رب ارجعون﴾ فيقال لك ﴿كلا﴾.

 فضائل التوبة

التوبة في الحقيقة هي دين الإسلام ومنازل الإيمان، ولا يستغني عنها الإنسان في جميع مراحل حياته، فالسعيد من جعلها ملازمة له في رحلته إلى الله والدار الآخرة والشقي من أهملها وتركها وراء ظهره.

وللتوبة فضائل كثيرة منها:

1- أنها سبب جالب لمحبة الله عز وجل .. قال تعالى:

﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: 222].

2- أنها سبب للفلاح قال تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [النور: 31].

3- أنها سبب لقبول أعمال العبد والعفو عن سيئاته قال تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ [الشورى: 25].

وقال تعالى: ﴿ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا﴾ [الفرقان: 71]

أي تقبل توبته.

4- أنها سبب لدخول الجنة والنجاة من النار:

قال تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا * إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا﴾ [مريم: 59، 60].

5- أنها سبب للمغفرة والرحمة:

قال تعالى: ﴿والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [الأعراف: 153].

6- أنها سبب في تبديل السيئات إلى حسنات:

قال تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسناتٍ وكان الله غفورا رحيما﴾ [الفرقان: 68-70].

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»([7]) .

7- أنها سبب لكل خير:

قال تعالى: ﴿فإن تبتم فهو خير لكم﴾ [التوبة: 3].

وقال سبحانه: ﴿فإن يتوبوا يك خيرا لهم﴾ [التوبة: 74].

8- أنها سبب للإيمان والأجر العظيم:

قال تعالى: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما﴾ [النساء: 146].

9- أنها سبب في نزول البركات من السماء وزيادة القوة:

قال تعالى: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين﴾ [هود: 52].

10- ومن فضائل التوبة أنها سبب في دعاء الملائكة للتائبين:

وذلك كما قال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيءٍ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ [غافر: 7].

11- ومن فضائلها أنها طاعة مرادة لله عز وجل:

وذلك كما قال تعالى: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ [النساء: 27] فالتائب فاعل لما يحبه الله ويرضاه.

12- ومن فضائلها أن الله عز وجل يفرح بها:

وذلك كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح»([8]) .

13- والتوبة كذلك سبب في نور القلب وإشراقه:

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد إذا أخطأ نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله تعالى ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾([9]) ».

فيا أخي الحبيب:

جدير بكل عاقلٍ أن يبادر إلى ما هذا فضله وتلك ثمرته..

أخي:

قدم لنفسك توبة مرجوة

قبل الممات وقبل حبس الألسن

بادر بها غلق النفوس فإنها

ذخر وغنم للمنيب المحسن

 شروط التوبة الصادقة

هناك شروط للتوبة الصادقة لا تصح ولا تقبل إلا بها، وهي:

أولا- الإسلام:

فالتوبة لا تصح من كافر؛ لأن كفره دليل على كذبه في ادعاء التوبة، وتوبة الكافر دخوله في الإسلام أولا .. قال تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما﴾ [النساء: 18].

ثانيا- الإخلاص لله:

فالله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا له وحده ليس لأحد فيه شيء، وقد يتوب الإنسان من المعصية لأنه لا يستطيع فعلها، كمن لا يجد ثمن الخمر فيتوب من شربها وفي قرارة نفسه أنه لو وجد ثمنها لاشتراها وشربها، فهذا توبته باطلة لا تصح؛ لأنه لم يخلص لله تعالى فيها.

قال تعالى: ﴿فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: 2، 3].

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى»([10]).

وكان من دعاء الفاروق عمر بن الخطاب: «اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئا».

ثالثا- الإقلاع عن المعصية:

فلا تتصور صحة التوبة مع الإقامة على المعاصي حال التوبة .. أما إذا عاود الذنب بعد التوبة، وقد توفرت في التوبة شروطها، ومنها الإقلاع عن الذنب؛ فلا تبطل توبته المتقدمة، ولكنه يحتاج إلى توبةٍ أخرى ... وهكذا.

قال النووي: «وإذا تاب توبة صحيحة بشروطها، ثم عاود الذنب؛ كتب عليه ذلك الذنب الثاني ولم تبطل توبته»([11]) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا تاب توبة صحيحة غفرت ذنوبه، فإن عاد إلى الذنب فعليه أن يتوب، وإذا تاب قبل الله توبته أيضا»([12]) .

رابعا- الاعتراف بالذنب:

إذ لا يمكن أن يتوب المرء من شيء لا يعده ذنبا، كالذي يبتدع في دين الله عز وجل ما ليس منه، فإنه لا يعد بدعته ذنبا، بل إنه يتقرب إلى الله تعالى بها .. وفي حديث الإفك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها:

«أما بعد يا عائشة، إنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه»([13]) .

ومن هنا كانت المعصية أقل خطورة من البدعة، لأن المعصية يتاب منها في الغالب، أما البدعة فلا يتاب منها في الغالب.

خامسا- الندم على ما سلف من الذنوب:

وهكذا المخالفات، ولا تتصور التوبة إلا من نادم خائفٍ وجلٍ مشفقٍ على نفسه مما حصل منه، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الندم توبة»([14]) .

سادسا- رد المظالم إلى أهلها:

إن كانت المعصية متعلقة بحقوق الآدميين، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت له مظلمة لأحد من عرض أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه»([15]) .

سابعا- وقوع التوبة قبل الغرغرة:

والغرغرة هي علامة من علامات الموت، تصل فيها الروح إلى الحلقوم، فلا بد أن تكون التوبة قبل الموت كما قال سبحانه: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما﴾.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» ([16]) .

أخي الحبيب:

خذ من شبابك قبل الموت والهرم

وبادر التوبة قبل الفوت والندم

واعلم بأنك مجزي ومرتهن

وراقب الله واحذر زلة القدم

لأن الشمس إذا طلعت من مغربها آمن الناس أجمعون وتيقنوا بقرب قيام الساعة، ولكن التوبة والإيمان عند ذلك لا تنفع .. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله عز وجل جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله عز وجل ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾([17]) ».

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها»([18]) .

 أقوال السلف في التوبة

للسلف عبارات جميلة وإضاءات عطرة تبين عظم منزلة التوبة وتحث على سلوكها، ومن هذه الأقوال:

1- قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «جالسوا التوابين؛ فإنهم أرق الناس أفئدة».

2- قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «عجبا لمن يهلك ومعه النجاة!.. قيل له: وما هي؟ قال: التوبة والاستغفار».

3- قول أحمد بن عاصم الأنطاكي: «هذه غنيمة باردة، أصلح فيما بقي، يغفر لك فيما مضى».

4- قول سعيد بن المسيب: «أنزل الله قوله تعالى: ﴿فإنه كان للأوابين غفورا﴾ (الإسراء: 25) في الرجل يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب».

5- قول الحسن البصري: «التوبة النصوح: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار ألا يعود».

6- قول الفضيل بن عياض: «كل حزن يبلى إلى حزن التائب».

7- قول الربيع بن خثيم: «أتدرون ما الداء والدواء والشفاء؟ قالوا: لا. قال: الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب ثم لا تعود».

8- قول طلق بن حبيب: «إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العبد؛ فأصبحوا تائبين وأمسوا تائبين».

9- قول شقيق البلخي: «علامة التوبة: البكاء على ما سلف، والخوف من الوقوع في الذنب، وهجران إخوان السوء، وملازمة الأخيار».

10- قول أبي علي الروذباري: «من الاغترار أن تسيء فيحسن إليك، فتترك التوبة توهما أنك تسامح في الهفوات».

11- قول لقمان لابنه: «يا بني، لا تؤخر التوبة؛ فإن الموت يأتي بغتة».

12- قول أبي بكر الواسطي: «التأني في كل شيء حسن إلا في ثلاث خصال»، وذكر منها «التوبة عند المعصية».

13- قول إبراهيم بن أدهم: «من أراد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة الناس (أي في الشر)، وإلا لم ينل ما يريد».

14- قول يحيى بن معاذ: «الذي حجب الناس عن التوبة طول الأمل، وعلامة التائب إسبال الدمعة، وحب الخلوة، والمحاسبة للنفس عند كل همة».

 مناجاة تائب

قال منصور بن عمار:

خرجت ليلة، وظننت أني قد أصبحت، وإذا علي ليل، فقعدت عند بابٍ صغير، وإذا بصوت شاب يبكي ويقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك، ولا عصيتك حين عصيتك وأنا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لي نفسي، وغلبت علي شقوتي، وغرني سترك المرخى علي .. والآن، فمن عذابك من ينقذني؟ وبحبل من أتصل إن قطعت حبلك عني؟!

وا سوأتاه من تصرم أيامي في معصية ربي!.. يا ويلي! كم أتوب.. وكم أعود.. قد حان لي أن أستحي من ربي!

 علامات التائب

قال بعض الحكماء: إنما تعرف توبة الرجل من ستة أشياء.

أحدها- أن يمسك لسانه من الفضول والغيبة والكذب وكل ذنب.

والثاني- ألا يرى لأحدٍ في قلبه حسدا ولا عداوة.

والثالث- أن يفارق أصحاب السوء.

والرابع- أن يكون مستعدا للموت، نادما مستغفرا لما سلف من ذنوبه، مجتهدا على طاعة ربه.

والخامس- أن يذهب عنه فرح الدنيا كلها من قلبه، ويرى حزن الآخرة كلها في قلبه.

والسادس- أن يرى نفسه فارغا عما ضمن الله تعالى من الرزق، مشتغلا بما أمر به.

فإذا وجدت فيه هذه العلامات فهو من الذين قال الله تعالى في حقهم:

 ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: 222].

 واجب الناس تجاه التائب

وقيل: يجب على الناس تجاه التائب أربعة أشياء:

أولها- أن يحبوه؛ فإن الله تعالى قد أحبه.

والثاني- أن يحفظوه بالدعاء على أن يثبته الله على التوبة.

والثالث- ألا يعيروه بما سلف من ذنوبه.

والرابع- أن يجالسوه ويذاكروه ويعينوه.

 غرور التوبة

قال ابن الجوزي:

ينبغي للعاقل أن يكون على خوفٍ من ذنوبه وإن تاب منها وبكى عليها، وإني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة، وكأنهم قد قطعوا على ذلك، وهذا أمر غائب، ثم لو غفرت بقي الخجل من فعلها.

فالحذر الحذر من كل ما يوجب خجلا، وهذا أمر قل أن ينظر فيه تائب أو زاهد؛ لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب التوبة الصادقة، وما ذكرته يوجب دوام الحذر والخجل([19]) .

 بداية التوبة ونهايتها

قال بعض السلف: إن للتوبة بداية ونهاية.

فبدايتها:

التوبة من الكبائر ثم الصغائر، ثم المكروهات، ثم خلاف الأولى، ثم من رؤية الحسنات، ثم من رؤية أنه صدق في التوبة، ثم من كل خاطرٍ يخطر له في غير مرضاة الله تعالى.

وأما نهايتها:

فالتوبة كلما غفل عن شهود ربه تعالى مراقبته طرفة عين.

 مم نتوب؟

أخي الحبيب:

اعلم أن الذنوب التي يتاب منها تنقسم إلى قسمين: صغائر وكبائر..

وقد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على هذا التقسيم، قال تعالى:

﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: 31].

وقال سبحانه: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ [النجم: 32]

واللمم: ما دون الكبائر.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»([20]) .

وليس معنى هذا التقسيم أن التوبة الواجبة لا تكون إلا من الكبائر فقط، وإنما الواجب أن يتوب العبد من الكبائر والصغائر معا، بل إن السنة جاءت بالتحذير من التهاون في شأن الصغائر، وذلك في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، كرجل كان بأرض فلاة فحضر صنيع قوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادا، فأججوا نارا، وأنضجوا ما قذفوا فيها»([21]).

فائدة مهمة

ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله:

إن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة، وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبة.

فاحذر أخي الحبيب من الكبائر والصغائر معا، واحذر كذلك من الأمور التي قد تقترن بالصغيرة فتنقلها من سجل الصغائر إلى سجل الكبائر ومن ذلك :

1- الإصرار والمواظبة على الصغائر:

ولذلك قيل: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار.

2- استصغار الذنب واحتقاره:

وقد مر قول ابن مسعود رضي الله عنه في ذلك، وفي ذلك أيضا يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات.

3- السرور بالصغيرة والفرح بها:

وهذا أيضا دليل على شدة الغفلة والرغبة في المعصية والجهل بعظمة الله تعالى، والجهل بسوء عواقب الذنوب والمعاصي وعظم خطرها، فإذا اشتدت غفلته إلى هذا الحد نقلته ولا بد إلى الإصرار، وهو الاستقرار على المخالفة والعزم على العودة، وذلك ذنب آخر لعله أعظم من الذنب الأول بكثير، وهذا من عقوبة الذنب أنه يوجد أكبر منه.

4- التهاون بستر الله وحلمه:

فإذا لم ير مرتكب الصغائر العقوبة الظاهرة اغتر بستر الله عليه، وظن أن الله تعالى يحبه ويكرمه، ولا يدري المسكين أن هذا إمهال من الله تعالى ليتوب إليه ويقلع عن ذنوبه.

5- هتك ستر الله بذكر الذنوب:

فمن ارتكب صغيرة وسترها الله عليه ثم أظهرها وذكرها وتحدث بها، فإنه قد ضاعف صغيرته بما ضم إليها من ذنوب؛ لأنه إذا حدث بذنبه لا عن طريق الندم بل عن طريق التفاخر والسرور؛ فإنه بذلك يرغب السامعين في ارتكاب مثل هذه الذنوب وإن كانت صغائر .. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا ثم يصبح قد ستره ربه فيقول: يا فلان، قد عملت البارحة كذا وكذا، فيبيت يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه»([22]) .

6- كون فاعل الصغيرة عالما يقتدى به أو رجلا معروفا بالصلاح:

 وهذا إن فعل الصغائر متعمدا مكابرا، ضاربا للنصوص بعضها ببعض، ربما كان حظه أن تنقلب عليه الصغائر كبائر، لكن من فعل ذلك متأولا أو لغضب، أو لغير ذلك فقد يغفر له، لاسيما إن كان له أعمال صالحة توجب ذلك ([23]) .


 أجناس المحرمات

أخي الحبيب:

تذكر أن العبد لا يستحق اسم التائب حتى يتخلص من اثني عشر جنسا من المحرمات وهي:

1- الكفر:

وهو نوعان: أكبر، وأصغر.

فالأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود في النار.

والأكبر: يوجب الخلود في النار وهو خمسة أنواع:

1- كفر التكذيب.       

2- كفر الاستكبار.

3- كفر الإباء مع التصديق.

4- كفر الشك.

5- كفر النفاق.

2- الشـرك:

وهو نوعان: أصغر، وأكبر.

فالأكبر: لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندا يسويه بالله في المحبة والتعظيم، وهو يوجب الخروج من الإسلام.

والأصغر: مثل يسير الرياء والتصنع للخلق والحلف بغير الله، وصاحب هذا النوع مستحق للوعيد، إلا أنه لا يخرج به عن دائرة الإسلام.

3- النفاق:

وهو نوعان أصغر وأكبر.

فالأكبر: يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به.

والأصغر: فلا يكون صاحبه مكذبا في الباطن، وصاحب هذا النوع متعرض للوعيد دون الخلود في جهنم.

4- 5 الفسوق والعصيان.

6- 7 الإثم والعدوان.

8- 9 الفحشاء والمنكر.

10- البغي.

11- القول على الله بلا علم.

12- اتباع غير سبيل المؤمنين.


 علامات قبول التوبة

هناك علامات تدل على صحة التوبة وقبولها، وهي مما يستأنس به التائب ويفرح به، لأنه بوقوعها يعلم أنه يسير في الطريق الصحيح الموصل إلى النجاة والفوز يوم القيامة، ومن هذه العلامات:

أولا- أن يكون العبد بعد التوبة خيرا مما كان قبلها:

وكل إنسانٍ يستشعر ذلك من نفسه، فإذا كان بعد التوبة مقبلا على الله، عالي الهمة قوي العزيمة؛ دل ذلك على صدق توبته وصحتها وقبولها.

ثانيا- ألا يزال الخوف ومراقبة الله تعالى مصاحبا له:

فإن العاقل لا يأمن مكر الله طرفة عين، فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الملائكة الموكلين بقبض روحه: ﴿ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ فهناك يزول خوفه ويذهب قلقه.

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لو أن إحدى قدمي في الجنة ما أمنت مكر الله!

ولعل هذا استشعار لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء».

ثالثا- أن تحدث له التوبة انكسارا في قلبه وذلا وتواضعا بين يدي ربه:

وهذا الانكسار والذل أنفع للعبد من طاعاتٍ كثيرةٍ يمن بها على ربه كما قيل «رب معصيةٍ أورثت ذلا وانكسارا، ورب طاعةٍ أورثت كبرا وغرورا».

رابعا- أن يستعظم الجناية التي صدرت منه وإن كان قد تاب منها:

 ويكون ذلك بتعظيم الأمر والآمر والتصديق بالجزاء، قال تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: 32]

 وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذبابٍ مر على أنفه»، ولذلك قال بعض السلف: «لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظمة من عصيت»!

خامسا: من علامات قبول التوبة أيضا:

1- أن يحذر التائب من أمر لسانه؛ فيحفظه من الكذب والغيبة والنميمة وفضول الكلام، ويشغله بذكر الله تعالى وتلاوة كتابه.

2- أن يحذر من أمر بطنه؛ فلا يأكل إلا حلالا.

3- أن يحذر من أمر بصره؛ فلا ينظر إلى الحرام، ولا إلى الدنيا بعين الرغبة فيها.

4- أن يحذر من أمر سمعه؛ فلا يستمع إلى معصيةٍ كآلات طربٍ ولهوٍ، ولا إلى كذبٍ وغيبة.

5- أن يحذر من أمر يده؛ فلا يمدها إلى الحرام، وإنما يمدها إلى ما فيه طاعة الله عز وجل.

6- أن يحذر من أمر قدميه؛ فلا يمشي بهما إلى مواطن الملاهي والمعاصي، بل يمشي بهما إلى المساجد والجهاد ومواطن الطاعات.

7- أن يحذر من أمر قلبه؛ فيطهره من العداوة الدنيوية والبغض من أجل الدنيا، ويطهره من الحسد وسائر الآفات، ويجعل فيه الشفقة والنصيحة والحب في الله والبغض في الله.

8- أن يحذر من أمر طاعته؛ فيجعلها خالصة لوجه الله عز وجل، ويجتنب الرياء والسمعة ([24]) .

 الأسباب الداعية إلى التوبة والاستمرار عليها

إذا أراد الله بعبده خيرا يسـر له الأسباب التي تأخذ بيده إلى مقام التوبة وتعينه عليها، وتزين له الاستمرار ومتابعة السير وعدم الانقطاع، ومن هذه الأسباب:

1- محاسبة النفس:

وهي منزلة التمييز بين ما للعبد وما عليه، وهي تعين العبد على التوبة، وتحافظ له عليها بعد وقوعها .. قال ابن القيم:

ومن منزلة المحاسبة يصح له نزول منزلة التوبة؛ لأنه إذا حاسب نفسه عرف ما عليه من الحق فخرج منه، وتنصل منه إلى صاحبه، وهي حقيقة التوبة.

والتحقيق:

أن التوبة بين محاسبتين: محاسبة قبلها تقتضي وجوبها، ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها([25]) .

2- تدبر عواقب الذنوب:

فالمرء إذا علم أن المعاصي قبيحة العواقب سيئة المنتهى، وأن الجزاء بالمرصاد، دعاه ذلك إلى ترك الذنوب من البداية، والتوبة إلى الله إن كان اقترف شيئا منها.

قال ابن الجوزي: إنما فضل العقل بتأمل العواقب، فأما القليل العقل فإنه يرى الحال الحاضرة ولا ينظر إلى عاقبتها؛ فإن اللص يرى أخذ المال وينسى قطع اليد!.. وكذلك شارب الخمر يلتذ تلك الساعة، وينسى ما يجني من الآفات في الدنيا والآخرة، وكذلك الزنا؛ فإن الإنسان يرى قضاء الشهوة، وينسى ما يجني من فضيحة الدنيا ومن الحد، فقس على هذه النبذة وانتبه للعواقب، ولا تؤثر لذة تفوت خيرا كثيرا([26]) .

3- تدبر القرآن:

فالقرآن كتاب الله المبين، فيه الهدى والنور والمخرج من كل فتنة، سواء في ذلك فتن الشهوات أو الشبهات .. ومن تدبر القرآن حق تدبره أورثه ذلك علما نافعا وتوبة صادقة وبصيرة نافذة وزهدا في الدنيا، وإقبالا على الآخرة، وبغضا للمعصية، وحبا للطاعة، وإجلالا للرب جل وعلا، قال تعالى:

﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا﴾ [الإسراء: 82].

4- الحرص على صحبة الأخيار وترك صحبة الأشرار:

وهذا أيضا مما يعين المرء على التوبة واستمرارها، فإن الطبع يسرق من خصال المخالطين قال تعالى: ﴿الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: 67].

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل»([27]).

5- ومن أسباب استمرار التوبة:

مفارقة موضع المعصية:

وذلك إذا كان وجوده فيه سببا في وقوعه في المعصية مرة أخرى، قال تعالى: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾.

6- و من أسباب استمرار التوبة:

ذكر الله تعالى ودعاؤه واستغفاره..

فإن الذكر حياة القلوب، والدعاء سلاح المؤمن، والاستغفار من دلائل التوبة والإنابة، وكل ذلك يوقظ القلب وينبهه ويطرد عنه واردات القسوة والغفلة والتعلق بالدنيا.

7- ومن أسباب استمرار التوبة:

قصر الأمل وذكر الموت:

وكذلك تذكر منازل الآخرة، من زيارة القبور وتشييع الجنائز، وكلها أمور تعمل على يقظة القلب وعدم غفلته.

8- ومن أسباب استمرار التوبة:

تحري الحلال في المأكل والمشرب والملبس والمركب وفي كل شيء.

9- ومن الأسباب كذلك:

التخلص من المحرمات الظاهرة بإتلافها..

مثل المسكرات وآلات اللهو والصور والأفلام المحرمة والقصص الماجنة والتماثيل والدش وغير ذلك.

 من قصص التائبين

أخي الحبيب:

قصص التائبين كثيرة، وأخبار العائدين طويلة .. فكم من أناسٍ تابوا بعد طول شرود!.. وكم من صاحب معصية أدرك أن العز في طاعة الله، وأن عواقب الذنوب والمعاصي وخيمة!.. وفي قصص هؤلاء عبر وعظات، وتنبيه للقلب وإيقاظ له من وهدة الغفلات، وحث له على الطاعة وترك المنكرات.

واعلم أخي الحبيب أن مبدأ التوبة يقظة القلب وانتباهه من رقدة الغافلين، وتعظيم جناب الرب تعالى من سلوك سبيل الجاهلين .. نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من التائبين العائدين.

 توبة الكفل

عن ابن عمر رضي الله عنه قال:

لقد سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا قال: «كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت، فقال لها: ما يبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا، ولكن هذا عمل لم أعمله قط. قال: فلم تفعلين هذا ولم تكوني فعلتيه قط؟ قالت: حملتني عليه الحاجة. قال: فتركها، ثم قال اذهبي والدنانير لك. ثم قال: والله لا يعصي الله الكفل أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه "غفر الله للكفل"»([28]).

 توبة قاتل المائة

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل من توبة؟ فقال لا، فقتله، فكمل به مائة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجلٍ عالم. فقال إنه قتل مائة نفس، فهل من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء .. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه ملك الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين؛ فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة».

وفي رواية: «فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبرٍ فجعل من أهلها».

 وفي رواية: «فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي، وقال: قيسوا بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له»([29]) .

 توبة ثلاث بنات بغايا

قال الحسن أبو جعفر:

كان لقمان الحبشي عبدا لرجلٍ جاء به إلى السوق يبيعه، قال: فكان كلما جاء إنسان يشتريه قال له لقمان: ما تصنع بي؟ فيقول: أصنع بك كذا وكذا فيقول: حاجتي إليك ألا تشتريني..

حتى جاء رجل فقال: ما تصنع بي؟

قال: أصيرك بوابا على بابي، قال: أنت اشترني.

قال: فاشتراه، وجاء به إلى داره.

قال: وكان لمولاه ثلاث بنات يبغين في القرية، وأراد أن يخرج إلى ضيعة له، فقال له: إني قد أدخلت إليهن طعامهن وما يحتجن إليه، فإذا خرجت فأغلق الباب واقعد من ورائه ولا تفتحه حتى أجيء.

قال: فقلن له: افتح الباب، فأبى عليهن فشججنه فغسل الدم وجلس. فلما قدم سيده لم يخبره. ثم عاد مولاه بعد الخروج فقال: إني قد أدخلت إليهن ما يحتجن إليه، فلا تفتحن الباب.

فلما خرج خرجن إليه فقلن له: افتح الباب، فأبى فشججنه ورجعن، فجلس فلما جاء مولاه لم يخبره بشيء.

قال: فقالت الكبيرة: ما بال هذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله عز وجل مني؟ والله لأتوبن فتابت.

وقالت الصغرى: ما بال هذا العبد الحبشي وهذه الكبرى أولى بطاعة الله عز وجل مني؟ والله لأتوبن فتابت.

وقالت الوسطى: ما بال هاتين وهذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله عز وجل مني؟ والله لأتوبن فتابت.

قال:

فقال غواة القرية: ما بال هذا العبد الحبشي وبنات فلان أولى بطاعة الله منا؟ فتابوا إلى الله عز وجل، وكانوا من عباد القرية([30]) .

 توبة الغامدية

جاءت امرأة من غامد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، طهرني.

فقال: «ويحك، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه».

فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك؟

قال: «وما ذاك؟» قالت إنها حبلى من الزنا.

فقال: «آنت؟» قالت: نعم.

فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك».

قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت.

قال: فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: قد وضعت الغامدية فقال: «إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه».

فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله، قال: فرجمها.

وفي رواية: فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - سبه إياها فقال: «مهلا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكسٍ لغفر له».

ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت.

وفي رواية: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى»([31]) .

 توبة زاذان

روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه مر ذات يومٍ في موضعٍ من نواحي الكوفة، فإذا فتيان فساق قد اجتمعوا يشربون، وفيهم مغن يقال له «زاذان» يضرب بالعود ويغني، وكان له صوت حسن، فلما سمع ذلك عبد الله قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله! وجعل الرداء على رأسه ومضى.

فسمع زاذان قوله فقال: من كان هذا؟

قالوا: عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

قال: وأي شيء قال؟

قالوا: إنه قال «ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى».

فقام، وضرب بالعود على الأرض فكسره، ثم أسرع فأدركه، وجعل بالمنديل في عنق نفسه، وجعل يبكي بين يدي عبد الله بن مسعود فاعتنقه عبد الله بن مسعود، وجعل يبكي كل واحد منهما.. ثم قال عبد الله: كيف لا أحب من قد أحبه الله عز وجل؟

فتاب إلى الله عز وجل من ذنوبه ولازم عبد الله حتى تعلم القرآن، وأخذ حظا وافرا من العلم حتى صار إماما في العلم رحمه الله([32]) .

 بشرى للتائبين

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن عبدا أصاب ذنبا فقال: يا رب، إني أذنبت ذنبا فاغفره لي. فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبا آخر، فقال: يا رب، إني أذنبت ذنبا فاغفر لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فقال ربه: غفرت لعبدي؛ فليعمل ما شاء»([33]) .

قل للذي ألف الذنوب وأجرما

وغدا على زلاته متندما

لا تيئسن من الجليل فعندنا

فضل ينيل التائبين تكرما


يا معشر العاصين جودي واسع

توبوا ودونكم المنى والمغنما

لا تقنطوا فالذنب مغفور لكم

إني الجدير بأن أجود وأرحما



([1]) صحيح ابن ماجة.

([2]) رواه مسلم.

([3]) مختصر منهاج القاصدين.

([4]) مجموع الفتاوى.

([5]) الجامع لأحكام القرآن.

([6]) رواه أحمد وصححه الألباني.

([7]) رواه ابن ماجة وصححه الألباني.

([8]) رواه مسلم.

([9]) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وحسنه الألباني.

([10]) متفق عليه.

([11]) شرح صحيح مسلم.

([12]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام.

([13]) متفق عليه.

([14]) رواه أحمد وابن ماجة وصححه الألباني.

([15]) رواه البخاري.

([16]) رواه الترمذي وأحمد وصححه النووي.

([17]) رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد.

([18]) رواه مسلم.

([19]) صيد الخاطر.

([20]) رواه مسلم.

([21]) رواه أحمد بسند حسن.

([22]) متفق عليه.

([23]) العبادات القلبية باختصار.

([24]) التوبة للبيانوني.

([25]) مدارج السالكين.

([26]) صيد الخاطر.

([27]) رواه الترمذي.

([28]) رواه الترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

([29]) متفق عليه.

([30]) كتاب التوابين.

([31]) رواه مسلم.

([32]) كتاب التوابين.

([33]) متفق عليه.