إدراك هدفنا في الحياة في زمن الكورونا

بقلم: فاتن صبري

 لا عيش إلا عيش الآخرة

لطالما جاهدت نفسي لأستوعب قيمة هذه العبارة من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، فأردت أن أخرج من التناقض الذي يعيش في داخلي من حُبي لتحقيق السعادة لي ولأحبابي في هذه الدنيا، وبنفس الوقت أستوعب عظمة السعادة الأخروية، حتى مرض أبي وكنت أعيش وأولادي مع زوجي المُبتعث لمشروع للأمم المتحدة في أفريقيا، حزنت لبعدي عن أبي وتمنيت له الشفاء، وكنت أبكي بحرقة وأقول: يا رب اشفي أبي وأسعده، أُريد له السعادة يا رب في هذه الدنيا.

ومات أبي، وبكيت حُرقة عليه، حتى رأيت في منامي ما يجعلني أبكي فرحا. رأيته يستلقي على سرير ويقول لي اقتربي، فاقتربت فقال لي: إننا أحياء هنا ولسنا بأموات، فأخذ يُشير بيده إلى من حوله ويقول: أنظري كيف منهم من يقرأ القرآن، فقلت له بلهجتي العامية: أنت مبسوط؟ فقال أنا سعـيـــــــــــد. قد قالها بمد طويل ما زال صداها في أذني حتى هذه اللحظة، فاستيقظت فرحة قائلة: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، وفرحت فرحة كبيرة.

 وَهْم الرجل المعاصر

في قصة جميلة لعالِم فيزياء أمريكي أتى لزيارة مركزنا وقد أمضى معه الزملاء أكثر من ساعتين في مكتبة المركز في حوار قوي، وكان النقاش على أساس علمي لإثبات وُجود الله، والذي كان يُنكره هذا العالِم. كُنت أستمع بصمت ولم أتدخل في الحوار حتى شعر الإخوة بالتعب، فقد كان مجادلا قويا، وانتهى الحوار بدون الوصول لأي نتيجة مع الزائر، وغادروا جميعهم المكتبة.

وتوجه الزائر إليّ بالسؤال، إن كنتُ على استعداد لإقناعه بطريقة علمية بوجود الله، وسألني إن كان لدي معرفة بالعلم المادي، فأجبته مبتسمة: أنا عندي معرفة بما هو أفضل من ذلك، عندي معرفة بالله.

قال: لا أرجوكِ، أنا مُصر أنه لا يُوجد إله، لكن يُوجد عِلم، قُلت له أَنك لا يمكن أن تدحض وُجود الكاتب لمعرفتك بالكتاب، إنهم ليسوا بدائل. العِلم اكتشف قوانين الكون لكن لم يضعها. الخالق هو الذي وضعها.

قلت له: على أية حال، انسى العِلم هذه الحظة وأخبرني، أنت تُريد أن تُقنعني بعدم وجود الله، فهل أنت سعيد بهذه القناعة؟ هل أنت راض عن نفسك؟

فاجأني بقوله: أبدا، أنا لم أشعر بالسعادة قط في حياتي، أنا تعيس، لا أدري ماذا أفعل، وبكى.

قلت له: افعل ما يُحقق لك السعادة، وسألته: هل تعرف قانون الجذب الكوني؟ أنك تحصل على ما تتوقع.

سأل بدهشة: وهل تُؤمِنين بهذا القانون؟

قُلت له: أنا أعرفه ولكن لا أؤمن به. أنا أُؤمن بشيء أعظم منه، وهو حُسن الظن بالله.

أننا إذا آمنّا أن الإله الخالق خلقنا ليرحمنا ولم يخلقنا ليُعذبنا، وأنه أعد لنا جنة عرضها السماوات والأرض، فإننا نحصل على ما نتوقع إذا امتثلنا أمره. أما أنتم فتؤمنون أنكم لا شيء، وجئتم من لا شيء، وسوف تصيرون إلى لا شيء، فتصيرون إلى ما هو أسوأ.

هل تقبل رد ابنك عليك عندما تسأله ماذا يريد أن يُصبح عندما يكبر، ويقول لك: لا شيء؟ إنك لن تقبل هذا الرد وسوف تعمل المستحيل لحث ابنك على العمل والدراسة والاجتهاد، ليكون شخصا مهما ذا قيمة في المُستقبل.

قال: أنا أشعر أنني ضائع.

قلت له: سوف تبقى ضائع حتى تعود إلى الله، كالطفل الضائع عن أمه، لن يجد السكينة والسعادة حتى يجد أمه.

تأثر هذا العالِم الفيزيائي أكثر وقال: هل يستطيع أي شخص أن يعتنق الإسلام؟

قلت له: طبعا فهو دين الفطرة.

قال: هل عليّ فقط أن أؤمن بوجود الله؟

قلت له: والإيمان برسله وأنبيائه، من آدم إلى محمد عليهم السلام، والإيمان باليوم الآخر.

قال: نعم، نعم. 

واسترسلت قائلة: وأن تقبل عيسى عليه السلام على أنه نبياً ورسولاً وليس إله أو ابن إله.

فقال بلهفة: لا لا المسيح ليس إله، هو نبي فقط.

الشاهد هنا، أن الإنسان يجب أن ينظر لذاته أولاً قبل أن يأخذه الغرور بعيداً عن الحقيقة، فمهما تطورت العلوم والتكنولوجيا حوله، فالإنسان لا يستطيع ان يُطور نفسه إلى خلق آخر قابل للخلود أو حتى أن يعيش مستقلا بذاته ودون الحاجة للطعام، الشراب، الهواء أو حتى الاستغناء عن الذهاب للخلاء لقضاء حاجته. ويُحاول الإنسان جاهداً أن يبحث في هذ الفضاء الفسيح عن حياة تُوفر له الديمومة والسعادة، وهو يعلم يقيناً أنه يعجز أن يصل للقمر بدون ألبسة واقية أو يكون في داخل مركبة تُخرجه عن نطاق الأرض، وكل ذلك خشية أن يُدركه الموت.

" قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50) أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا(51)" (الإسراء : 50- 51)

في عصر من العلمانية، يصف تشارلز تايلور كيف اتخذ المجتمع الغربي من الكون منعطفًا محوره الإنسان، وبعبارة أخرى، فإن الشخص العلماني ينظر الآن إلى نفسه على أنه سيد الكون، وخلص إلى أن كل ما لا تستطيع عينه رؤيته غير موجود.

لا عجب أن المجتمعات الغربية على وجه الخصوص، على الرغم من الكماليات ووسائل الراحة العديدة التي تملكها، واجهت أكبر صعوبة في التعامل مع مشكلة الشر، فلذلك فإن مترفيها يلجؤون إلى الانتحار في كثير من الأحيان لمجرد تعرضهم لأي مشكلة.

قال فيكتور فرانكل:

" الناس اليوم لديهم كل وسائل العيش ، ولكن لا معنى للعيش، مما يجعل الحياة سجنًا حيث يتدافع فيه القاطنون بين جُدران الحياة والموت، مذعورين من كل لدغة، في حياة بدون معنى، كل ألم يُعتبر حدث عشوائي لا يمكن تفسيره - ولا مفر منه - لا يمكن تصنيفه إلا من حيث الطاقة والمادة، ولا يٌمثل سوى الفوضى والاضطراب والمأساة."

إن الهدف الأساسي للحياة هو ليس التمتع بإحساس عابر بالسعادة؛ بل هو تحقيق سلام داخلي عميق من خلال معرفة الله وعبادته.

تحقيق الهدف الإلهي سيُؤدي إلى النعيم الأبدي والسعادة الحقيقية. لذا، إذا كان هذا هو هدفنا الأساسي، فإن مواجهة أي مشاكل أو متاعب سوف تهون في سبيل بلوغ هذه الغاية.

تخيل شخصًا لم يُواجه أبدًا أي معاناة أو ألم، هذا الشخص، بحكم حياته المترفة، نسي الله، وبالتالي فشِل في القيام بما خُلق لأجله. قارن هذا الشخص بشخص قادته تجاربه من المشقة والألم إلى الله، وحقق هدفه في الحياة. من منظور التعاليم الإسلامية، الشخص الذي قادته معاناته إلى الله أفضل من الذي لم يتألم أبداً، وأدت به ملذاته إلى الابتعاد عنه.

كل انسان يسعى في هذه الحياة لتحقيق هدف أو غاية، وغالباً ما تكون الغاية مبنية على المعتقد الذي لديه. والشيء الذي نجده في الدين ولا نجده في العلم هو السبب أو المبرر الذي يسعى لأجله الإنسان.

فالدين يُوضّح ويُبيّن السبب الذي خُلق من أجله الإنسان ووُجدت الحياة. في حين أن العلم هو وسيلة وليس عنده تعريف للنية أو المقصد.

إن أكثر ما يخشاه الإنسان عند الإقبال على الدين هو الحرمان من مُتع الحياة. فالاعتقاد السائد عند الناس أن الدين يعني بالضرورة الانعزال، وأن كل شيء حرام الا ما أحله الدين.

وهذا الخطأ الذي وقع به الكثيرون وجعلهم ينفرون من الدين. وجاء الدين الإسلامي ليُصحّح المفهوم، وهو أن الأصل هو الحلال للإنسان وأن المحرمات والحدود هي معدودة ولا يختلف عليها أحد.

وأن الدين يدعو الفرد للاندماج مع كافة أفراد المجتمع كما يدعو للموازنة بين مُتطلبات الروح والجسد وحقوق الآخرين.

إن من أكبر التحديات التي تُواجه المجتمعات البعيدة عن الدين هي كيفية التعامل مع الشر والتصرفات السيئة للإنسان. فلا تجد غير فرض أشد العقوبات لردع أصحاب النفوس المنحرفة.

 قيمة الحياة الدنيا

إن الامتحان جُعل لتمييز الطلاب على مراتب ودرجات عند اقبالهم على الحياة العملية الجديدة. ورغم قِصر الامتحان إلا أنه يُقرر مصير الطالب نحو الحياة الجديدة المُقبل عليها. وكذلك الحياة الدنيا رغم قصرها هي بمثابة دار ابتلاء وامتحان للبشر، ليتمايزوا على درجات ومراتب عند اقبالهم على الحياة الأخرة. إن الإنسان يخرج من الدنيا بأعماله ولا يخرج منها بالماديات. فالإنسان يجب أن يفهم ويعي أنه يجب أن يعمل في الدنيا من أجل الحياة الآخرة وابتغاء الأجر في الآخرة.

لقد نسي الناس المعنى الحقيقي من هذه الحياة عندما تذمروا من فيروس الكورونا. لقد خلقنا الله للاختبار، وجزء من هذا الاختبار هو خوض تجربة المعاناة والشر. إن اجتياز الاختبار يُسهل وصولنا إلى النعيم الأبدي في الجنة.

"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا." (الملك :2) 

يُسيء الملحد فهم الغرض من وجودنا على الأرض. إن هذه الحياة الدنيا ما هي إلا ساحة للتجارب والمحن من أجل اختبار سلوك الإنسان وتنمية الفضيلة لديه. على سبيل المثال، كيف يُمكننا تنمية الصبر إذا لم نواجه مواقف تختبر صبرنا؟

كيف يُمكننا أن نُنمي الشجاعة، إذا لم تكن هناك مخاطر يجب مواجهتها؟ كيف يمكن أن نكون رحيمين إذا لم يكن هناك من يحتاج إليها؟

وأذكر أنني كنت أُردد دائما " اللهم آتنا الحكمة التي مَن أُوتيها أُوتي خيرا كثيرا"، وعندما انتقلت للعيش في أفريقيا وواجهت صُعوبات الحياة في عالم لم أكن أعرف عنه الكثير، وحِرصي على تربية أبنائي على الصراط المستقيم، دون أن أجعلهم مُنطوين ومنعزلين، مما أكسبني كثير من الحكمة، فأدركت ساعتها أن الله قد استجاب دعائي.

فلماذا الاختبار؟

منهم من يقول: بما أن الله رحيم ومصدر لكل خير، فلماذا لا يُدخلنا جميعا الجنة؟

 في الواقع أن الله يُريد الإيمان لكل عباده.

"وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ." ( الزمر :7)

ومع ذلك، إذا أرسل الله الجميع إلى الجنة، فسيحدث انتهاك صارخ للعدالة؛ وسوف يُعامِل الله نبيه موسى وفرعون بنفس الطريقة، ويدخل كل ظالم وضحاياه الجنة وكأن شيئا لم يكن، هناك حاجة إلى آلية لضمان أن الأشخاص الذين يدخلون الجنة يدخلونها على أساس الجدارة.

وإن جمال التعاليم الإسلامية هو أن الله، الذي يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا، قد أخبرنا أنه لدينا ما يلزم للتغلب على هذه الابتلاءات.

"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا." (البقرة :286 )

ومع ذلك، إذا لم نتمكن من التغلب على هذه المصاعب بعد أن بذلنا قصارى جُهدنا، فإن رحمة الله وعدله سيضمنان أننا نحصل على تعويض بطريقة ما، إما في هذه الحياة أو في الحياة الأبدية التي تنتظرنا.

 معرفة الله في السراء والضراء

في لقاء لي مع مسؤول كبير في مؤسسة دولية من الأرجنتين، وقد كان الحوار باللغة الإسبانية، أذكر أن الزملاء حذروني من التكلم معه عن الدين، لأن الدين برأيهم موضوع شائك وحساس، لكنني رفضت وقلت لهم: أنني لا أعرف أن أتكلم إلا عن الدين، وقد كُنت أنا خيارهم الوحيد حيث أنني أتكلم الإسبانية.

بدأت حواري معه بذكر وِحدانية وعظمة الخالق، وعمل مقارنة بسيطة بين الديانات وتوضيح أن التوحيد هي الحلقة المفقودة، والتي بها تتوحد الُأمم. فاجأني بدموعه واحمرار شديد بوجهه، ورجفة في يديه قائلا: أنتم المسلمون أفضل منا بكثير.

قلت له : لماذا؟

قال إنكم تلجئون له في السراء والضراء ونحن لا نلجأ إليه إلا في الشدائد، نحن مُتعلقون بالدنيا وأنتم متعلقون بالأخرة. قلت له: إذا فالشدائد رحمة لكم وليس نقمة، فتأثر كثيرا.

نحن البشر ننسى بسرعة لأسباب مختلفة. أحد هذه الأسباب هو الراحة والنعيم، لهذا يقطع الله أحيانًا حلاوة الحياة ببعض الابتلاءات عندما نتشبث بترفها، وننسى هدفنا الرئيس الذي جئنا إلى هذه الدنيا من أجله.

 وقلت له: هذه الدنيا اختبار، والإنسان يخرج من الدنيا فقط بشهادة ناجح أو راسب. فمن الخطأ أن يُحب الإنسان الدنيا، فهو كمن يقول إنه يُحب الامتحان ومتعلق به ولا يُريد الشهادة التي يخرج بها من هذا الامتحان.

 لذلك فحب الدنيا لذاتها هو أصل الشرور وهو الذي يُوقع الانسان في مَتاهة، فمُشكلة الناس انهم لا يفهمون سبب وجود هذين المتناقضين معاً في الدنيا.

فالامتحان أو البلاء في الدنيا إما أن يكون بالخير أو بالشر. فامتحان الخير غالباً ما يشد الإنسان للدنيا ويُبعده عن خالقه، في حين أن امتحان الشر يُبعد الإنسان عن الدنيا ويقربه أكثر لخالقه. فالإنسان لا يعي أن امتحان الشر ربما ينفعه أكثر مما يضره في هذه الدنيا. وخير مثال على ذلك ما حصل للإنسان من انفتاح الدنيا عليه بالعلوم والمعارف والتكنولوجيا واستغنى بها عن الدين وحتى عن الآخرين، كما أن الشر ليس بالضرورة يكون من فعل الإنسان، لكن ربما يُصيبه الضرر من بعض ما يحصل في الكون، مثل البراكين والزلازل وانتشار بعض الأمراض، فهي في نظر الإنسان شر، غير أن هذه الظواهر والأحداث تقع فعلياً لعمل توازن بيئي. وهيأ رب العالمين للإنسان من الوسائل ما يمكنه ان يدفع عن نفسه شر هذه الظواهر والأحداث.

فمثلا ما تعرض له الإنسان مؤخرا من انتشار لمرض الكورونا وما تسبب من تعطل لحركة الإنسان وشلل لكافة أنشطة الحياة وفقدان عدد كبير من الضحايا، فأصبح الإنسان أكثر اقبالاً على مساعدة الآخرين وتوحدت مشاعر الناس وحتى الأعداء منهم ومن كانت لديهم نزاعات وخصومات تركوها جانباً ريثما يجد حلاً لهذا الخطر الذي داهم الجميع. وكأن وجود الابتلاء بالشر نفع الإنسان أكثر مما ضره وخاصة عندما توقفت بعض الحروب الأهلية بسبب هذا المرض.

كما سُمح للآذان أن يُرفع ويُعلن في بعض المناطق التي لم يتصور أن يسمع فيها كلمة "الله أكبر". وكأن هذا الابتلاء الذي ألم بالناس كشف عن قلوبهم الغشاوة الزائفة.

" اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ" (الحديد: 20).

فكما عرفنا أن الحياة الدنيا هي دار للامتحان والابتلاء وجُعل فيها المتناقضات والأضداد مثل الخير والشر والمرض والدواء والحر والبرد والليل والنهار والحياة والموت ..... إلخ، كان لا بد من وجود الإرادة للإنسان ليختار.

وأما الشر الذي يقع من الناس، فهو ليس لأن الله زرع في الإنسان الخير والشر، إنه مفهوم خاطئ. إنما زرع الله الإرادة في الاختيار بين الإقبال على الخير أو الإقبال على فعل الشر. والإنسان هو الذي يختار بكامل إرادته وعليها سوف يحاسب.

" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا(9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا(10)" (الشمس: 7-10).

" وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ......." (الكهف: 29).

 عصر من الحساسية المفرطة

إن وجود الخير والشر في هذه الدنيا كانوا متلازمين في كل زمان ومكان عبر العصور. غير أنه لوحظ زيادة الحساسية من ظهور الشر بين الحين والآخر في عصرنا الحاضر، والسبب ببساطة هو الحياة الرغدة التي أصبح يعيشها الإنسان الحديث بعد التطور الكبير في العلوم والتكنولوجيا وأصبحت المقولة الشائعة في عصرنا الحالي "نحو حياة أفضل، أهنأ، أطول...." وغيرها من المقولات التي تُعبر عن سعادة الإنسان وتمكنه من تحقيق أحلامه وتخيلاته حيث أنه تمكن من الوصول للقمر وهو شيء لم يتصوره الأقدمون. فكان من الطبيعي أن مشكلة وجود الشر سوف تتضخم وتكبر عند أولئك الذين لديهم حساسية خاصة عند رؤية دموع الأطفال، وضعف كبار السن، وصراخ الألم من الأمراض.

 انتاج التميز البشري

يعلم الله النزعة البشرية إلى الغفلة والخمول، وبالتالي فهو أحيانًا يُوقظنا من غفلتنا.

إن للإنسان صفات جميلة قادرة على أن تطور وتنمي حياتنا دوماً للأفضل. وتظهر هذه الصفات والفضائل جلياً عند الأزمات والكوارث.

فعند الأزمات والزلازل، تظهر قيم الشجاعة والكرم والأخوة والإيثار بشكل واضح حتى مع الأعداء.

إن البشر الذين على قلوبهم غِشاوة الترف أو غِشاوة العداء أو غيرها من الصفات المذمومة تنقشع عند أول كرب يَلم بالإنسان.

 إن الابتلاءات مثل اليُتم، أو التشرد بلا مأوى، أو الجوع، أخرجت للعالم مواهب، أبطال وشخصيات رائعة من حولنا. نحتت هذه الابتلاءات فضائل المثابرة فيهم، والتي بدورها أكسبتهم الوصول إلى صُنع التاريخ.

إن أذكى العقول وأعظم الاكتشافات لم تؤت إلا من خلال بذل الدماء والعرق وذرف الدموع.

حتى على الصعيد الشخصي، فإنه ينشأ عن كل تجربة فاشلة حياة جديدة، فعندما يُغلق الله أمامنا باب، فهي مُجرد إشارة لحثنا على تغيير الاتجاه، فلهذا علينا أن نُدرك أنه عند تعرضنا للمشاكل، أن مشكلتنا الحقيقية لم تكن السحب الضخمة الداكنة التي تُطاردنا، ولكن هي بالجفون الثقيلة التي منعتنا من رؤية أشعة الشمس المُشرقة.

لذلك فالله تعالى يُجدد حياتنا بشكل دوري ببعض الاضطراب.

إن بمجرد استيقاظهم من الغفلة، يُدرك البشر حقيقة وجودهم، ويشعرون بدافع عاجل وقوي نحو العيش لأشياء أكبر وأهم، ومن ثم، فإن هذه "الشرور" تزرع بذور الامتياز البشري، ولا يكتشف الناس إمكاناتهم ويحقّقون أنفسهم فحسب، بل ينتقلون إلى مركز عميق من السمو الذاتي: العيش مع الله، بالله، ولله في الدنيا والآخرة.

 سعادة الدنيا والاخرة

سألني مُلحِد يوما ما عن حاجة الإنسان للإيمان بالخالق، وإنه برأيه يكفي أن يكون هناك أخلاقيات وقيم تحكمنا نحن البشر، وعلاقات يحترم بعضنا فيها البعض.

قلت له: ليس هناك معنى أن يحافظ الموظف على علاقته بباقي زملائه ويحترمهم، في حين أن يُهمل علاقته مع صاحب العمل. لذلك كي نحصل على الخير بحياتنا ويحترمنا الآخرون يجب أن تكون علاقتنا بخالقنا أفضل وأقوى علاقة.

إضافةً إلى ذلك، فنقول ما الدافع الذي يدفع بالإنسان إلى إقامة الأخلاقيات والقيم وباحترام القوانين أو احترام الآخرين. أو ما الضابط الذي يضبط الإنسان ويُجبره على فعل الخير وليس الشر. وإذا قُلنا بقوة القانون، فنرد ونقول إن القانون لا يتوفر في كل زمان ومكان. ولا يكفي وحده لحل كافة النزاعات على المستوي المحلي والدولي. ومعظم تصرفات البشر تتم في معزل عن القانون وأعين الناس.

ويكفي دليلا على الحاجة للدين هو وجود هذا العدد الكبير من الديانات والتي تلجأ إليه غالبية أمم الأرض لتُنظّم حياتها وتضبط تصرفات شُعوبها على أساس من الدين أو القانون. فكما نعلم أن الضابط الوحيد للإنسان هو مُعتقده الديني في حال غياب القانون، فالقانون لا يُمكن أن يتواجد مع الانسان في كل حين وكل مكان.

فالوازع والرادع الوحيد للإنسان هو اعتقاده الداخلي بوجود رقيب عليه ويُحاسبه، وهذا الاعتقاد هو دفين وراسخ في وجدانه يَظهر بوضوح لدى الإنسان عندما يهّم بفعل خاطئ، حيث تتنازع لديه ملكات الخير والشر ويحاول إخفاء أي عمل فاضح عن أعين الناس، أو أي عمل تستنكره الفطرة السليمة. كل هذا دليل على وجود لمفهوم الدين والاعتقاد في أعماق النفس البشرية.

فالدين جاء ليملأ الفراغ الذي لا يمكن للقوانين الوضعية أن تملأه أو تُلزم العقول والقلوب به على اختلاف الزمان والمكان.

إن الدافع أو المحرك لدي الإنسان لعمل الخير يَختلف من شخص لآخر. وأن كل شخص له دوافعه ومصالحه الخاصة لفعل أو الالتزام بأخلاقيات أو قيم محددة.

-         العقوبة: وقد تكون هي الرادع للإنسان لكف شره عن الناس.

-         المكافأة: وقد تكون هي الدافع للإنسان للإقبال على فعل الخير

-         إرضاء الذات: وقد تكون الضابط للإنسان لضبط نفسه عن الشهوات والرغبات. وأن للإنسان مزاج وهوى وما يعجبه اليوم قد لا يعجبه غداً.

-         الوازع الديني: وهو معرفة الله والخوف منه واستشعار وجوده أينما ذهب، وهو الدافع القوي والفعال.

إن للدين أثراً كبيراً في تحريك مشاعر وعواطف الناس سلباً أو إيجاباً. وهذا يدلنا على أن أصل فطرة الناس مبنية على معرفة الله، وقد تُستغل في كثير من الأحيان بقصد أو بغير قصد كدافع لتحريكه. وهذا يُوصلنا إلى خطورة الدين في وعي الانسان لأن الآمر يتعلق بربه.

يقول ابن القيم:

"إن في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه وحشة لا يُزيلها إلّا الأُنس به في خلوته، وفيه حُزن لا يُذهبه إلّا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يُسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يُطفئها إلّا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والإخلاص له، ولو أُعطى الدنيا وما فيها، لم تُسد تِلك الفاقة أبدا."