إغاثة اللهفان في التحذير من إتيان السحرة والتقرب إلى الجان ()

 

|

 إغاثة اللهفان في التحذير من إتيان السحرة والتقرب إلى الجان

فريح بن صالح البهلال


بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد للهِ ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فنظرًا لكثرة المرضى بالسِّحْرِ في هذا الزمن أحببتُ أن أقرأ عنه؛ طلبًا لمعرفته ومعرفة حُكْمِه وعِلاجِه عند أهل العلم، وبعد مطالعتي ما تيسر لي من المراجع، رأيتُ أن أُدَوِّنَ خلاصتَه تعميمًا للفائدة، وهذا أَوَانُ البَدْءِ، والله المستعان.

تعريف السِّحْرِ: قالَ الإمام العلامةُ الشيخ: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب المتوفى عام 1233هـ رحمه الله تعالى في كتابه: تيسير العزيز الحميد ص333.

السحر في اللغة: عبارة عما خَفِيَ ولطف سببه، ولهذا جاء في الحديث: «إن من البيان لسحرًا». وسمي السّحور سحورًا لأنه يقع خفيًّا آخرَ اللَّيْلِ.

وقال الله تعالى: ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأعراف: 116]؛ أي: أخفوا عنهم علمَهم([1])، ولما كان السحرُ من أنواع الشرك، لا يأتي السِّحْرُ بدونه، ولهذا جاء في الحديث: «ومن سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ».

أدخله المصنف في كتاب التوحيد ليُبَيِّنَ ذلك؛ تحذيرًا منه. اهـ.

وقال الإمام أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي المتوفى في سنة 656هـ رحمه الله – تعالى – في كتابه المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (5/569): والسِّحْرُ – عند علمائنا – حِيَلٌ صناعيَّةٌ يُتَوَصَّلُ إليها بالتَّعَلُّمِ والاكتسابِ؛ غير أنها لخفائها ودِقَّتِها لا يَتَوَصَّلُ إليها إلا آحادُ الناس؛ فيندر وقوعها، وتستغرب آثارها؛ لندورها، ومادته الوقوف على خَوَاصِّ الأشياء والعلم بوجوه تركيبها وأزمان ذلك؛ وأكثره تخيُّلات لا حقيقة لها وإيهامات لا ثبوت لها، فتعظم عند من لا يعرفها، وتشتبه على من لا يقف عليها ... إلى أن قال: ولا ينكَرُ أن السحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض، وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء وقلبه، وبإدخال الآلام وعظيم الأسقام؛ إذ كل ذلك مدرك بالمشاهدة وإنكاره معاندة. اهـ.

وقال الإمام العلامة أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المتوفى عام 543هـ رحمه الله تعالى في كتابه (القبس: 3/ 1125): "هو فعلٌ غريب يحدث عند قول الساحر وفعله في جسم المسحور أو ماله، وضَعَهُ تعالى في الأرض بمشيئته وحكمته، فتحق الكلمة على من سبقت عليه بالهلكة، وهو كفر في نفسه؛ لأنه لا يتأتى إلا بالكفر".

وقال أيضًا في عارضة الأحوذي (6/246): "وحقيقته أنه كلامٌ مؤلَّفٌ يُعَظَّمُ فيه غيرُ اللهِ وتُنْسَبُ إليه الأفعال والمقادير الكائناتُ بخلق الله عند قول الساحر وفعله في المسحور ما شاء من أمره حسب ما جرت العادة به، وتلك الأفعال من خلق الله تعالى عند ذلك تكون فيه على مَنْ يعثر لها ([2]). اهـ.

وقال الإمام الموفق ابن قدامة المتوفى سنة 620هـ - رحمه الله تعالى – في كتابه (الكافي) (5/331): (السحرُ عزائمُ ورُقَى وعُقَد تؤثر في الأبدان والقلوب، فيُمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه؛ قال الله تعالى: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ [البقرة: 102].

وقال سبحانه: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾ [الفلق: 1-4]؛ يعني السواحر اللاتي يعقدن في سِحْرِهِنَّ، ويَنْفُثْنَ في عُقَدِهِنَّ. اهـ.

وقال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي المتوفى عام 676هـ في كتابه (روضة الطالبين) (197): «فالساحر قد يأتي بفعل أو قول يتغير به حال المسحور، فيمرض، ويموت منه، وقد يكون ذلك بوصول شيء إلى بدنه من دخان، وغيره، وقد يكون دونه» اهـ.

وقال البيضاوي في أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/79): «والمراد بالسحر: ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس؛ فإن التناسب شرط في التضام والتعاون».

وجاء في لسان العرب لابن المنظور (4/348): «الأزهري: السِّحْرُ عمل تقرب فيه إلى الشيطان، وبمعونة منه كل ذلك الأمر كينونة للسحر، ومن السحر: الأخذة التي تأخذ العين حين يظن أن الأمر يُرَى، وليس الأصل على ما يرى.

والسحر: الأُخذة: وكل ما لطف ودَقَّ، فهو سحر» اهـ.

ومن صفاتهم ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في مجموع فتاويه (19/34) بقوله: «والإنسان إذا فسدت نفسه أو مزاجه يشتهي ما يضره، ويلتذ به، بل يعشق خبيثًا، فإذا تقرب صاحب العزائم والأقسام وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك إليهم بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل([3]) لهم، فيقضون أغراضه كمن يعطي غيره مالاً ليقتل له من يريد قتله أو يعينه على فاحشة أو ينال معه فاحشة.

ولهذا كثير من هذه الأمور يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة – وقد يقلبون حروف كلام الله – عز وجل – إما حروف الفاتحة، وإما حروف ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1] وإما غيرهما – إما دم وإما غيره – وإما بغير نجاسة، أو يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان أو يتكلمون بذلك، فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين أعانتهم على بعض أغراضهم؛ إما بتغوير ماء من المياه، أو إما أن يحمل في الهواء إلى بعض الأمكنة، وإما أن يأتيه بمال من أموال بعض الناس، كما تسرقه بعض الشياطين من أموال الخائنين، ومن لم يذكر اسم الله عليه، وتأتي به، وإما غير ذلك». اهـ.

وقال في المصدر نفسه (11/214): «ويكون أحدهم لا يتوضأ، ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسًا للنجاسات معاشرًا للكلاب، يأوي إلى الحمامات والقمامين والمقابر والمزابل، رائحته خبيثة، لا يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتطيب، وقال: قال النبي ﷺ‬: «إن هذه الحشوش محتضرة». أي يحضرها الشيطان ... إلى أن قال: فإذا كان الشخص مباشرًا للنجاسات والخبائث التي يحبها الشيطان أو يأوي إلى الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين أو يأكل الحيات والعقارب الزنابير، وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي يحبها الشيطان أو يدعو غير الله؛ فيستغيث بالمخلوقات، ويتوجه إليها ... فهذه علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن». اهـ بتصرف.


 فصل في نقل كلام أهل العلم في حكم السحر

قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني المتوفي سنة 728هـ في مجموع الفتاوى (35/171): «والسِّحْرُ محرَّمٌ بالكتاب والسُّنَّةِ والإجماعِ» اهـ.

قلت: أما دلالة الكتاب على تحريمه بل كُفْر فاعله قول الله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 102].

قال ابن العربي في أحكام القرآن (1/28) في الآية: «وما كفر سليمان قط ولا سحر، ولكن الشياطين كفروا بسحرهم، وأنهم يعلمون الناس ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وما كان الملكان يعلمان أحدًا حتى يقولا: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ﴾ ... إلى أن قال: وقد أوردنا في كتاب "المشكلين" القول في السحر وحقيقته ومنتهى العمل به على وجه يشفي الغليل؛ وبيَّنَّا أن من أقسامه فعل ما يفرِّقُ بينَ المرْءِ وزَوْجِه، ومنه ما يجمع بين المرء وزوجه، ويسمى التِّوَلَة، وكلاهما كفر، والكل حرام كفر. قاله مالك، وقال الشافعي: السِّحْرُ معصية إن قتل بها الساحر قُتل، وإن أضر بها أُدِّبَ على قَدْرِ الضَّرَرِ. وهذا باطل من وجهين:

أحدهما: أنه لم يَعْلَمِ السِّحْر، وحقيقته: أنه كلام مُؤَلَّفٌ يُعَظَّمُ به غيرُ اللهِ تعالى، وتُنْسَبُ إليه فيه المقادير، والكائنات.

والثاني: أن الله سبحانه قد صَرَّحَ في كتابه بأنه كفر؛ لأنه تعالى قال: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾، وبتعليمه هاروت وماروت يقولان: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾، وهذا تأكيد للبيان». اهـ.

وقال في عارضة الأحوذي (6/246) نحو هذا.

واستدلَّ الإمامُ الشنقيطي - رحمه الله تعالى – كما في أضواء البيان (4/442) بهذه الآية على أن الساحر كافرٌ من أمرين:

الأول: قوله: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾: فإنه يدل على أنه لو كان ساحرًا - وحاشاه من ذلك – لكان كافرًا، وقوله: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾، صريح في كفر معلم السحر، وقوله عن هاروت وماروت مقررًا له: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾؛ أي نصيب. ونفي النصيب في الآخرة بالكلية لا يكون إلا للكافر – عياذًا بالله تعالى – وهذه الآيات أدلةٌ واضحة على أن من السحر ما هو كفر بواح، وذلك مما لا شك فيه.

ومن الأدلة أيضًا على ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 69]؛ قال الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (5/4264) في وجه الدليل منها: «أي لا يفوز، ولا ينجو حيث أتى من الأرض، وقيل: حيث احتال».

وقال الإمام الشنقيطي في أضواء البيان (4/442): «اعلم أن قولَه تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ يَعُمُّ نَفْيَ جميعِ أنواعِ الفلاحِ عنِ السَّاحِرِ، وأَكَّدَ ذلك في التعميم في الأمكنة بقوله: ﴿حَيْثُ أَتَى﴾، وذلك دليل على كفره؛ لأنَّ الفلاحَ لا ينفى بالكلية نفيًا عامًا إلا عَمَّنْ لا خَيْرَ فيه وهو الكافر». اهـ.

ومنها: قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: 3]، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:4]. والنفاثات هي السواحر.

أما الأدلة من السنة على تحريم السحر فمنها ما يلي:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬: «من عقد عقدة، ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه».

أخرجه النسائي في المجتبى (7/112) والطبراني في الأوسط (1/401) رقم 1469، والمزني في تهذيب الكمال (14/169) وابن عدي في الكامل (4/648) من طريق أبي داود الطيالسي: حدثنا عباد بن ميسرة المنقري عن الحسن عن أبي هريرة... الحديث.

قال الطبراني: لم يروِ هذا الحديث عن عبَّاد إلا أبو داود، وعزاه الحافظ الذهبي لأبي داود والطيالسي ثم قال: (هذا الحديث لا يصح للين عباد وانقطاعه).

قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (3/73) معلقًا على قول الذهبي هذا: قال في الميزان: لا يصح؛ للين عباد ولانقطاعه. كذا قال: ويتوجه أنه حديث حسن). اهـ.

واحتج به الحافظ ابن كثير في التفسير (1/138) على قبح تعلم السحر شرعًا. اهـ.

وأما جَزْمُ الحافظ الذهبي بأن سنده منقطع فمبني على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه، وهي مسألة فيها نزاع بين العلماء؛ منهم من نفى سماعه منه، ومنهم من أثبته، ولعله الصواب – إن شاء الله تعالى – لكثرة الأدلة الصريحة على ذلك ([4]).

وأما لين عبَّاد فهو مما اختلف فيه؛ فنقل الحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد أنه ضَعَّفَه، ونقل ابن عدي عن ابن معين أنه ضعَّفَه أيضًا؛ وأنه ليس بالقوي، وهو ممن يكتب حديثه.

ووَثَّقَه آخرون؛ فقال الحافظ: قال ابن معين: ليس به بأس. ونقل العقيلي عن ابن مهدي أنه يروي عنه، وذكره ابن حبان في الثقات وكذلك ابن شاهين.

2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا بلفظ: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». متفق عليه.

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى (7/29) مترجمًا له: (باب الشرك والسحر من الموبقات).

قال العيني في عمدة القارئ (21/282) تحت هذه الترجمة: (أي هذا باب في بيان أن الشرك والسحر من الموبقات أي المهلكات).

(قلت: ورواية البخاري في هذا الموضع مختصرة على ذكر: الشرك بالله، والسحر).

ولذا قال الحافظ في الفتح (10/232): والنكتة في اقتصاره على اثنين من سبع هنا: الرمز إلى تأكيد أمر السحر ... إلى أن قال: واقتصر في هذا الحديث على ثنتين منها؛ تنبيهًا على أنها أحق بالاجتناب. اهـ.

وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية – رحمه الله تعالى – في مجموع الفتاوى (29/384): «وقد علم أنه محرم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ‬ وإجماع الأمة، بل أكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتلُه، وقد ثبت قَتْلُ الساحرِ عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وحفصة بنت عمر، وعبد الله بن عمر، وجندب بن عبد الله، وروي ذلك مرفوعًا عنه، عن النبي ﷺ‬، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 69].

ثم ساق الأدلة على ذلك ثم قال: «ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن السحر من أعظم المحرمات» اهـ.

وقال الشيخ حافظ حكمي في معارج القبول (1/516): «وكذلك كل من تعلم السحر أو علمه أو عمل به يكفر ككفر الشياطين الذين علموه الناس؛ إذ لا فرق بينه وبينهم؛ بل هو تلميذ الشيطان وخريجه؛ عنه رَوَى، وبه تَخَرَّجَ، وإيَّاه اتَّبَعَ». اهـ.


 فصل: الإجماع على تحريم السحر وكفر من استحلَّه

وأما الإجماع على تحريم السحر وكفر من استحلَّه فإليك طائفة من النقول عن أهل العلم في ذلك:

قال النووي – رحمه الله تعالى – في الروضة (7/198): «ويحرم فعل السحر بالإجماع، ومن اعتقد إباحته فهو كافر، وإذا قال إنسان: تعلمت السحر أو أحسنه، استوصف، فإن وصفه بما هو كفرٌ فهو كافر بأن يعتقد التقرب إلى الكواكب السبعة».

قال القَفَّال: «ولو قال: أفعل السحر بقدرتي دون قدرة الله تعالى فهو كافر، وإن وصفه بما ليس بكفر فليس بكافر». اهـ.

وقال النووي أيضًا في شرح مسلم (14/176): «وعمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع». اهـ.

وقال أيضًا في المصدر نفسه (2/88): «وأما عَدُّه ﷺ‬ السحر من الكبائر فهو دليل لمذهبنا الصحيح المشهور، ومذهب الجماهير: أن السحر حرام من الكبائر فعله وتعلمه وتعليمه. وقال بعض أصحابنا: إن تعلمه ليس بحرام؛ بل يجوز، ليعرف، ويرد على صاحبه، ويميز عن الكرامة للأولياء. وهذا القائل يمكنه أن يحمل الحديث على فعل السحر والله أعلم». اهـ.

وقال الوزير ابن هبيرة في كتابه الإفصاح (2/226): «واختلفوا فيمن يتعلم السحر، ويستعمله؛ فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يُكَفَّرُ بذلك. إلا أن من أصحاب أبي حنيفة من فصَّل فقال: إن تعلمه، ليتقيه أو ليتجنبه، فلا يُكَفَّرُ بذلك، وإن تَعَلَّمَه معتقدًا لجوازه أو معتقدًا أنه ينفعه، فإنه يُكَفَّرُ، ولم ير الإطلاق، وإن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر».

وقال الشافعي: «إذا تعلم السحر قلنا له: صف سحرك؟ فإن وصف ما يوجب الكفر بمثل ما اعتقده أهل (بابل) من التقرب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر» اهـ.

ونقل الإمام أبو عبد الله الدمشقي العثماني الشافعي من علماء القرن الثامن الهجري – رحمه الله تعالى – في كتابه (رحمة الله الأمة) ص280 عن أبي جعفر الاستراباذي الشافعي أنه قال: «تعليم السحر حرام بالإجماع». اهـ.

وقال القاضي عياض – رحمه الله تعالى – في كتابه: (إكمال المعلم بفوائد مسلم) (7/89): «من عمل السحر وعلمه كفر عند المالكية».

وقال الإمام العلامة عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته على الروض المربع (7/413) في ذلك: «وتعَلُّمُه وتعليمُه وفعلُه حرامٌ بلا نزاع، ومعتقدٌ حِلَّه كافرٌ إجماعًا».

وقال الإمام الموفق ابن قدامة – رحمه الله تعالى – في كتابه (الكافي) (5/332): «وتَعَلُّمُ السِّحْرِ والعملُ به حرام، فإن فعله رجل وجب قتله إن كان مسلمًا».

ونقل الإمام النووي في الروضة (7/198) عن إمام الحرمين أنه قال في كتابه (الإرشاد): «لا يظهر السِّحْرُ إلَّا على فاسق، ولا تظهر الكرامة على فاسق، وليس ذلك بمقتضى العقل، ولكنه مستفادٌ من إجماع الأمة، وذكر المتولي في كتابه (الغنية) نحو هذا». اهـ.

ونقل مثل هذا الإمام أبو عبد الله الشافعي في رحمة الأمة ص281، وزاد: «وقال مالك: السحر زندقة، وإذا قال الرجل: أحسنه. قتل، ولم تقبل توبته» اهـ.


 فصل: هل يُقتل المسلم بمجرد تعلم السحر أو استعماله؟

قال الوزير ابن المظفر في كتابه (الإفصاح) (2/226): قال مالك وأحمد: يقتل بمجرد ذلك، وإن لم يَقْتُلْ به.

وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يُقْتَلُ بذلك؛ فإن قَتَلَ بالسِّحْرِ قُتِلَ عندهم حَدًّا إلا أبا حنيفة؛ فإنه قال: لا يقتل حتى يتكرر ذلك منه.

وروي عنه أنه قال: لا يُقْتَلُ حتى يقر أني قَتَلْتُ إنسانًا بعينه. اهـ.

وقال الإمام أبو عبد الله الشافعي في رحمة الأمة ص280 مثل ذلك؛ إلا أنه قال في قول أبي حنيفة آنف الذكر: «وروي عنه أنه قال: لا يُقْتَلُ حتى يُقِرَّ أنه قَتَلَ إنسانًا بِسِحْرِه». اهـ.


 فصل: هل يُقْتَلُ السَّاحرُ قصاصًا أو حدًّا؟

اختلف الأئمة في ذلك؛ فنقل ابن هبيرة في الإفصاح (2/226) عن الإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يُقْتَلُ حَدًّا، ونقل عنه الإمام الشافعي أنه يقتل قصاصًا.

ونقل مثل ذلك أبو عبد الله الشافعي في رحمة الأمة ص280.


 فصل: هل تقبل توبة الساحر؟

قال الإمام أبو العباس القرطبي في كتابه (المفهم) (5/574): «الساحر عند مالك كالزنديق؛ لأن العمل عنده بالسحر كفر مُسْتَسَرٌ به؛ فلا تقبل توبة الساحر، كما لا تقبل توبة الزنديق؛ إذ لا طريق لنا إلى معرفة صدق توبته ... إلى أن قال: ويتأيد ذلك بأن الساحر لا يتم له سحره حتى يعتقد أن سحرَه ذلك مؤثرٌ بذاته، وحقيقته، وذلك كفر». اهـ.

وقال الوزير ابن هبيرة في الإفصاح (2/227) في مذاهب الأئمة في ذلك: «واختلفوا هل تُقْبَلُ توبتُه؟ فقال أبو حنيفة – في المشهور عنه – ومالك: لا تقبل توبته، ولا تسمع. قولاً واحدًا، وقال الشافعي: تقبل توبته. قولاً واحدًا، وعند أحمد روايتان أظهرهما: لا تقبل توبته، والأخرى: تقبل توبته كالمرتد».

وبمثل ذلك قال أبو عبد الله في رحمة الأمة ص80.


 فصل: في بيان فلتات من أجاز إتيان السحرة لحل السحر

لقد سطر في جريدة المدينة – الرسالة في يوم الجمعة، 4 جمادى الآخرة 1427هـ الموافق 30 يونيو 2006م ما نصه:

«ومن المعلوم أنه لا يعرف مكان السحر، لاستخراجه – في الغالب – إلا الجن عن طريق الساحر، وإلا فكيف يستخرج، والذين يأمرون الناس بالاقتصار على الرقية الشرعية يخالفون ما فعله – يعني النبي ﷺ‬ من استخراج السحر وحله، وأمر جبريل – عليه السلام – به إضافة إلى الرقية، ولم يكن الرسول ﷺ‬ يعرف أنه مسحور، أو من سحره أو مكان السحر إلا عن طريق الوحي وجبريلَ – عليه السلام ، وعامة الناس لا يستطيعون ذلك إلا عن طريق ساحر – في الغالب".

 ومن المؤسف أن بعض الناس تكلموا في هذه المسألة رادِّين هذه الفتوى، وأخذوا يستدلون بما لا دليل عليه فيه، ويخلطون بين الساحر والكاهن والعَرَّاف، ويستدلون بقوله: «من أتى كاهنًا أو عرافًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد».

والكاهن والعراف هما اللذان يخبران بالغيب المستقبل الذي لا يعرفه إلا الله.

فالمقصود بالحديث من يأتي هؤلاء لأجل أن يخبروه عن مستقبل أيامه في عمره، وما يحصل له في المستقبل من خير أو شر مما استأثر الله بعلمه، ويدل عليه قوله: فصدقه بما يقول؛ أي من علم الغيب في المستقبل ... إلى أن قال: أما من ألجأته الضرورة إلى الذهاب إلى ساحر، ليُطْلِقَ عنه السِّحْرَ، ولأجل أن يستخرجه – بعد أن بذل الأسباب من الرقية الشرعية والأدوية المباحة – فلم يتطرق إليه هذا الحديث». اهـ.

قلت: ينبغي لمن تَصَدَّرَ للفتوى أن يَجْتَهِدَ في تأصيل فَتْوَاه؛ وذلك في النظر والفهم للأدلَّةِ وكلامِ أَهْلِ العِلْمِ؛ خصوصًا في أحكام العقائد، ويحرص أن لا يزال؛ لأن زَلَّةَ العالم يَزِلُّ بها فئامٌ من الناس، جاعلاً نصب عينه قول المولى – جل وعلا -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70-71].

وليحذر التعصب الذي يوصله إلى أن يحكم على مخالفيه بقلة العلم، وسفاهة الرأي، والعنونة لقوله ومذهبه بما يوحي بتزكية نفسه، والانتصار لها، وأنه قد أحاط بعلمٍ لم يُحِطْ به غيرُه؛ كأن يقول في فتواه: «كنت أفتي بهذه الفتوى منذ سنوات ولم يعرف الناس هذا الحكم إلا بعد أن بيّنه في وسائل الإعلام، جريدة المدينة، الرسالة، الجمعة 11 جمادى الآخرة 1427هـ الموافق يوليو 2006م).

إذا تقرر هذا فإن فيما سطره هنا من الكلام ما يجب أن ينبه عليه من الأخطاء الشرعية التي ساقها في حديثه؛ وذلك مثل قوله: «لا يعرف مكان السحر –في الغالب– إلا الجن عن طريق الساحر، وعامة الناس لا يستطيعون ذلك إلا عن طريق ساحر». اهـ.

أقول – عفا الله عنك أيها المفتي – إذا كنت تعتقد هذا الاعتقاد: على أي وجه تخرج قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ [سبأ: 14].

فقد لبث سليمان ﷺ‬ ميتًا عامًا كاملاً واقفًا متكئًا على عصاه، ولم تعلم الجن بموته إلا بدلالة أكل الأرضة عصاه وخروره ساقطًا على الأرض؟

ومن الفلتات قوله: الذين يأمرون الناس بالاقتصار على الرقية يخالفون ما فعله –يعني الرسول ﷺ‬- من استخراج السِّحْرِ وحَلِّه. اهـ.

يريد بذلك – والله أعلم – أن استخراج السحر متوقفٌ على العلم بمكانه: ومكانه لا يعلمه إلا الجن، والجن لا يمكن الاتصال بهم إلا عن طريق الساحر، وعلى هذا فيجوز للمسحور إتيان السحرة؛ ليعلموه بمكان سحره وطريقة حله.

ومن ثم زعم أن ترك إتيان السحر لهذا الغرض مخالفة لفعل الرسول ﷺ‬.

أقول: يلزمك أيها المفتي أن تبين فعل الرسول ﷺ‬ صريحًا الذي فعله مع السحرة، وخالفه الآمرون بالاقتصار على الرقية؛ لكني أخالك لا تستطيع ذلك لوجوه.

الأول: أن فعل الرسول ﷺ‬ ضد فعل السحرة من كل وجه؛ فقد ثبت عنه في الصِّحاح والسُّنن والمسانيد والمعاجم أنه أمر باجتناب السحر؛ كقوله ﷺ‬: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر»... الحديث.

وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7]».

وقال ﷺ‬: «وما نَهَيْتُكم عنه فاجتنبوه».

وقد وردت أحاديث كثيرة فيها الوعيد لمن يأتي السحرة كما سيأتي ذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى.

يؤيد هذا أن الساحر يأمر المسحور بما يوبق عمله كالتقرب إلى الشيطان إما بالذبح لغير الله أو نحو ذلك، وقد جاء في صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ‬ قال: «لعن الله من ذبح لغير الله ...» الحديث.

وفي حديث طارق بن شهاب، عن سلمان الفارسي أن رسول الله ﷺ‬ قال: «دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب»، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قَرّب. قال: ليس عندي شيء أُقَرِّبُ. قالوا له: قَرِّب ولو ذبابًا، فَقَرَّب ذبابًا، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا: للآخر: قَرِّبْ. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله – عز وجل – فضربوا عنقه، فدخل الجنة».

أما الثابت من فعل الرسول ﷺ‬ في استخراج سحره فهو اللجوء إلى ربه تبارك وتعالى بالدعاء والتضرع فاستجاب الله منه دعاءه، فنزل عليه جبريل وميكائيل – عليهما السلام – فأعلماه بأنه مسحور وبمكان سحره فأخرج.

فهذا هو فعل الرسول ﷺ‬ - كما ترى – فهل يوجد فيه مخالفة للآمرين بالاقتصار على الرقية؟

ومنها: قوله: «ومن المؤسف أن بعض الناس تكلموا في هذه المسألة رادين هذه الفتوى، وأخذوا يستدلون بما لا دليل فيه، ويخلطون بين الساحر والكاهن، والعراف، ويستدلون بقوله: «من أتى كاهنًا أو عرافًا، فصدقه بما يقول: فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ‬»... إلى آخر كلامه.

أقول: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم؛ وإلا فكيف لمن يتصدر للفتوى أن يتفوه بمثل هذا، ونصوص الأحاديث على منع إتيان السحرة بين يديه؟!

وذلك مثل قوله ﷺ‬: «ليس منا مَنْ تَطَيَّرَ، أو تُطِيِّرَ له، أو تَكَهَّنَ، أو تُكُهِّنَ له، أو سَحَرَ أو سُحِرَ له، ومن عقد عقدة - أو قال: - عُقد عقدة، ومن أتى كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ‬». من حديث عمران بن حصين، أخرجه الطبراني في الكبير (18/162) رقم 355، والبَزَّارُ كما في كشف الأَسْتار (3/399) رقم 3044، من طريق إسحاق بن الربيع أبي حمزة العطار، عن الحسن عن عمران به.

قال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/13): رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن الربيع العطار، وَثَّقَه أبو حاتم وضَعَّفَه عمرو بن علي، وبقية رجاله ثقات.

وقال أيضًا في المصدر نفسه (5/117): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الرقيع، وهو ثقة. اهـ.

وقال المنذري في الترغيب والترهيب (5/245): رواه البزَّارُ بسند جيد. اهـ.

وقال الألباني في صحيح الجامع رقم 5311: صحيح.

ورمز لحسنه السيوطي في الجامع الصغير رقم 7680.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ‬ قال: «من تسحر أو تُسحر له فليس منا، أو تكهن أو تكهن له أو تطير أو تطير له».

أخرجه البزار كما في كشف الأستار (3/399) رقم 3043، والطبراني في الأوسط (5/143) رقم 4274، من طريق أبي عامر العقدي: ثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وَهْرام، عن عكرمة، عن ابن عباس به.

قال البزار: لا نعلمه يروي عن النبي ﷺ‬ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. اهـ.

قال الهيثمي في المجمع (5/117): رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف. اهـ.

وقال ابن عدي في الكامل (3/1087) في زمعة بن صالح المكي: «حديثه كأنه فوائد، وربما يهم في بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه صالح، لا بأس به». اهـ.

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬: «لا يدخل الجنة مدمن الخمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع رحم». أخرجه أحمد في المسند (4/399) رقم 19569، وابن حبان في الصحيح (12/166) رقم 5346، و(13/507) رقم 6137، والحاكم في المستدرك (4/146)، والأصبهاني في الترغيب (1/500) رقم 1210، وأبو يعلى في المسند (13/224). رقم 7248.

قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافَقَه الذَّهَبِيُّ.

وقال الهيثمي في المجمع (5/74): «رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات». اهـ.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬: «لا يَدْخُلِ الجنةَ صاحبُ خَمْسٍ: مدمنُ خمر، ولا مؤمنٌ بسحر ولا قاطع رحم ولا كاهن ولا مَنَّانٌ».

أخرجه أحمد في المسند (3/14) رقم 11107، و (3/83) رقم 11781، والأصبهاني في الترغيب (1/505) رقم 1222 من طريق، عن سليمان الأعمش، عن سعد الطائي، عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري به.

قال الهيثمي في المجمع (5/74): رواه أحمد والبزار، وفيه عطية ابن سعد، وهو ضعيف وقد وثق. اهـ.

وقال عبد الرزاق في مصنفه (11/211) رقم 2035 عن معمر، عن قتادة، أن كعبًا قال: قال الله: «ليس مِنْ عِبادي مَنْ سَحَر، أو سُحِرَ له، أو كَهَنَ أو كُهِنَ له، أو تَطَيَّرَ، أو تُطِيِّرَ له، ولكن عبادي من آمن بي وتَوَكَّلَ عَلَيَّ». إسناده صحيح؛ إلا أن سماع قتادة من كعب لا أعلم عنه شيئًا.

وعن فقيه الأمة الإمام الحبر الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أحد السابقين الأولين والنُّجَبَاء العاملين، وأحد أذكياء العلماء - رضي الله عنه - قال: «مَنْ مَشَى إلى ساحر أو كاهن أو عَرَّاف، فصدَّقَه بما يقول فقد كفر بما أُنْزِلَ على مُحَمَّدٍ ﷺ‬». أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (8/28) رقم 23875، وأبو يعلى في مسنده (9/280) رقم 5408، والبزار كما في كشف الأستار (2/443) رقم 2067، والبيهقي في الكبرى (8/8/136) من طريق أبي إسحاق، عن هبيرة بن بريم، عن عبد الله به.

قال البزار: رواه غير واحد، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن عبد الله، حدثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام عن عبد الله.

قال الهيثمي معلقًا عليه: «قلت: فذكره بنحوه».

وقال الهيثمي أيضًا في المجمع (5/118): رجاله رجالُ الصحيح خلا هبيرة بن يريم وهو ثقة. اهـ.

وقال المنذري في الترغيب والترهيب (5/247) رقم 4395: رواه الطبراني في الكبير، ورواته ثقات. اهـ.

هذا لفظُ ابنِ أبي شَيْبَة، ولفظ البيهقي: «من أتى ساحرًا أو كاهنًا، أو عرافًا فصدقه ... الحديث». ولفظ أبي يعلى: «من أتى عرافًا أو ساحرًا، أو كاهنًا، فسأله فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ‬». ولفظ البزار: «من أتى كاهنًا أو ساحرًا، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ‬».

ونقل ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري (9/467) رقم 3871/62 عن الحسن البصري أنه قال: لا يجوز إتيان السحر؛ لما روى سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة، عن عبد الله بن مسعود قال: «من مشى إلى ساحر أو كاهن، فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». اهـ.

قلت: جاء هذا الحديث موقوفًا على عبد الله، لكن له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي.

وعن بعض أزواج النبي ﷺ‬، عن النبي ﷺ‬ قال: «من أتى عَرَّافًا فَسَأَلَه عن شيء لم تُقْبَلْ له صلاة أربعين ليلة». أخرجه الإمام مسلم في الصحيح (4/1751) رقم 2230، والبيهقي في الكبرى (8/138). قال الإمام الموفَّق ابن قدامة – رحمه الله تعالى - في كتابه الكافي (5/334): قال الإمام أحمد: «العرافة طرف من السحر، والساحر أخبث؛ لأنه شعبة من الكفر». اهـ.

ونقله الإمام عبد الرحمن بن قاسم أيضًا في حاشيته على كتاب التوحيد ص207، ثم قال ابن قاسم معلِّقًا على قولِ ابنِ تيمية – رحمه الله تعالى: «العرَّاف اسم للكاهن والمنجم والرمال، ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق؛ فهؤلاء أدخلهم شيخ الإسلام في اسم العراف، والمقصود من هذا معرفة من يدعي معرفة علم شيء من المغيبات؛ فهو إما داخل في الكاهن، وإما مشارك له في المعنى؛ فيلحق به؛ وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشيطان، ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والسحر ونحو ذلك من علم الجاهلية أعداء الرسل؛ كالفلاسفة والكهان والمنجمين وجاهلية العرب قبل البعثة، وكل هذه يسمَّى صاحبُها كاهنًا وعَرَّافًا أو ما في معناهما، ومن أتاهم فَصَدَّقَهم بما يقولون لَحِقَه الوعيدُ، وكذا الذي يَعْزِمُ على المصروع، ويزعم أنه يجمع الجن وأنها تطيعه، والذي يحل السحر فإن كان ذلك لا يحصل إلا بالشرك والتقرب إلى الجن فإنه يكفر». اهـ.


 فصل: تراجم أهل العلم لأحاديث الوعيد الشديد لمن أتى السحرة لحل سحره وتصديقهم

 1- ترجم الإمام أبو حاتم ابن حبان في صحيحه (13/507) رقم 6137 بلفظ: ذكر الإخبار عن نفي دخول الجنة للمؤمن بالسحر.

2- وترجم لها البيهقي في السنن الكبرى (8/135) بلفظ: بأن تكفير الساحر وقتله إن كان ما يسحر به كفر صريح، ثم ساق حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬: «من أتى عَرَّافًا أو كاهنًا فَصَدَّقَه بما يقول فقد كَفَرَ بما أُنْزِلَ على محمد ﷺ‬». ثم أتبعه بأحاديث قتل الساحر، وتقدم قريبًا أن الإمام أحمد قال: العرافة طرف من السحر.

3- وترجم لها الهيثمي في مجمع الزوائد بلفظ: «باب في السحر والكهانة والطِّيَرَة، وغير ذلك»، وفي كشف الأستار بلفظ: باب الطيرة والكهانة والسحر.

4- وترجم لها المنذري في الترغيب والترهيب بقوله: «الترهيب من السحر، وإتيان الكهان والعرافين والمنجمين بالرمل، والحصى، ونحو ذلك، وتصديقهم».

5- وقال عمر بن محمد بن عوض السنامي في نصاب الاحتساب ص261: الباب الرابع والثلاثون في الاحتساب على السحرة والزنادقة والرقية ونحوهم ... ثم قال: «وفي سير المحيط: سئل القاضي الفضل عن معنى قوله عليه السلام: «من أتى كاهنًا، وصدَّقَه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ‬»: قال: الكاهن والساحر.

وقال أيضًا في المصدر نفسه ص371: الباب السابع والخمسون في الاحتساب على الطيرة والتكهن والتنجيم ونحوهما ثم ذكر في ص373 أن الفضل سئل عن معنى قوله ﷺ‬: «من أتى كاهنًا وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» فقال: (الكاهن: الساحر). فقيل له: هذا الرجل أو المرأة تقول: أنا أعلم المسروقات. هل يدخل تحت هذا الخبر؟ قال: نعم. قيل له: فإن قال هذا الرجل: أنا أخبر عن أخبار الجن؟ قال: وإن قال هكذا فهو ساحر كاهن، ومن صَدَّقَه فقد كفر؛ لأن أخباره تقع على الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ [سبأ: 14] فعُلم أن الغيب لا يعلم حتى ولا جني». اهـ.

الحاصل: أن المفتي بجواز حل السحر بسحر مثله ساق من أدلة المخالفين لفتواه حديث: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ‬» مقتصرًا عليه، ومغمضًا عينيه عن بقية الأدلة السالفة الذكر، ثم جزم بأنه لا دليل فيه على منع إتيان السحرة، وفيه نظر لعدة أوجه، منها:

أن إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – جعل العرافة طرفًا من السحر، كما مرَّ قريبًا، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية أدخل الساحر في حكم المنجم والعراف.

وقال الإمام سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد ص355 في مناسبة ذكر باب ما جاء في الكهان ونحوهم بعد باب بيان شيء من أنواع السحر؛ قال: «ولما ذكر المصنف شيئًا مما يتعلق بالسحر ذكر ما جاء في الكهان ونحوهم كالعراف؛ لمشابهة هؤلاء للسحرة». اهـ.

إذا تقرر هنا فيتضح أن الحديث فيه دليل على عدم إتيان السحرة. والعلم عند الله.

ومنها: أني ناهيك برهانًا وبيانًا صريحًا أن الإمام الحسن البصري جاء عنه – كما تقدم – القولُ بأنه لا يجوز إتيان السحرة محتجًّا بحديث ابن مسعود هذا.

وأما قوله: المخالفون لفتواه يخلطون بين الساحر والكاهن والعراف.

قلت: والخلط بينهم صحيح لا ريب فيه؛ فقد خَلَطَتْ بينهم الأحاديث، ومنها: حديث ابن مسعود هذا؛ فقد جاء في عدة ألفاظ، ومنها: «من أتى ساحرًا أو كاهنًا أو عرافًا».. الحديث، وقد سَلَفَ.


 توجيه الدليل من أحاديث الوعيد لمن يأتي السحرة لفك السحر

جاء في تيسير العزيز الحميد ص359 للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى أنه قال في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه: «ليس منا من تطير ...» الحديث: قوله: (من تطير) أي فعل الطيرة، (أو تطير له) أي أمر من يتطير له. كذلك معنى: «تكهن أو تكهن له أو سحر له». اهـ.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في فتح المجيد ص294: «قوله: (ليس منا) فيه وعيد شديد يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، وتقدم أن الكهانة والسحر كُفْرٌ، وقوله: (من تطير) أي فعل الطيرة (أو تطير له) أي قبل قول المتطير له، وتابعه كذا معنى (أو تكهن له) كالذي يأتي الكاهن ويصدقه ويتابعه، وكذلك من عمل الساحر له السحر؛ فكل من تلقى هذه الأمور عمن تعاطاها فقد برئ منه رسول الله ﷺ‬؛ لكونها إما شركًا كالطيرة أو كفرًا كالكهانة والسحر، فمن رضي بذلك وتابع عليه فهو كالفاعل؛ لقبوله الباطل واتباعه». اهـ.

وقال أيضًا ص294 في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «فيه دليل على كفر الكاهن والساحر؛ لأنهما يَدَّعِيَان عِلْمَ الغيب، وكذلك كفر، والمصدق لهما يعتقده ذلك ويرضى به، وذلك كفر أيضًا». اهـ.

وجاء في كتاب النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (14/533) لابن أبي زيد القيرواني – رحمه الله تعالى – أنه قال: ومن كتاب ابن المواز قال: «وإذا ذهب المسلم إلى من يعمل له السحر فليؤدَّب أدبًا موجعًا». اهـ.

 بيان العلة الموجبة للحكم بالكفر في هذه الأحاديث

قال الإمام الشوكاني – رحمه الله تعالى – في الدُّرِّ النَّضيد ص13: «والعِلَّةُ الموجبةُ للحكم بالكفر ليست إلا اعتقاد أنه مشارك لله تعالى في علم الغيب، مع أنه الغالب يقع غير مصحوب بهذا الاعتقاد، ولكن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» اهـ.

وقال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى – في «القول المفيد على كتاب التوحيد (2/55): فالذي يصدق الكاهن في علم الغيب، وهو يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا الله فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وإن كان جاهلاً، ولا يعتقد أن القرآن فيه كذب فكفره كفر دون كفر». اهـ.

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – رحم الله الجميع – في تيسير العزيز الحميد ص358: «وهل الكفر في هذا الموضوع كفر دون كفر، أو يجب التوقف؟ فلا يقال: ينقل عن الملة، ذكروا فيه روايتين عن أحمد: وقيل: هذا على التشديد والتأكيد؛ أي قارب الكفر، والمراد كفر النعمة، وهذان القولان باطلان».

 شبهة من أجاز حَلَّ السحر بسحرٍ مثله

قال المفتي بجواز ذلك في جريدة المدينة – الرسالة/ يوم الجمعة 4 جمادى الآخرى 1427هـ الموافق 30 يونيو 2006 ص5 ما نصه:

«فهو يسوغ بعد ذلك لمن ينتسب إلى العلم أن ينكر تجويزهم لذلك كما دل عليه حديث عائشة في الصحيح عندما لم ينكر الرسول عليها – رضي الله عنها – قولها (هلا تنشرت؟)».

ومن المعلوم قطعًا أنها لا تقصد النشرة بالرقية الشرعية؛ لأنه فعلها عندما قرأ المعوذتين، فانحلت العقد؛ إذًا فهي تقصد النشرة الأخرى التي هي فعل الساحر، مع أن النبي ﷺ‬ لم يكتفِ بالرقية الشرعية؛ بل استخرج السِّحْر من البئر، وحَلَّه، ونزعت الإبر المغروزة في التمثال الذي من الشمع على صفة الرسول ﷺ‬. وتقدم ذكر كلام ابن القيم عندما قال: «عَدَلَ إلى العلاج المناسب له، وهو استخراجه» اهـ. ولم يقل: اكتفى بالرقية الشرعية. اهـ.

جزم المفتي بجواز نشرة السحرة بأن عائشة – رضي الله عنها – لم تقصد بقولها: «هلا تنشرت؟» النشرة بالرقية الشرعية، وإنما تقصد بها فعل الساحر معللاً ذلك بأن الرسول ﷺ‬ قد فعل النشرة الشرعية عندما قرأ المعوذتين.

قلت: الحديث صحيح، والاستدلال به على جَوَازِ نشرة السحر غلطٌ فاحشٌ ومنكرٌ من القول وزور!!! وبيان ذلك من وجوه:

الأول: أن الحديث المذكور لا يدل على جواز نشرة السحرة البتة، وهذا نَصُّه أضعه بين يديك:

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الصحيح في 7/29 رقم 5765: «حدثني عبد الله بن محمد، قال: سمعت ابن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابن جريج، يقول: حدثني آل عروة، عن عروة، فسألت هشامًا عنه فحدثنا عن أبيه، عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان رسول الله ﷺ‬ سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السِّحْرِ إذا كان كذا. فقال: «يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم رجل من بين زُرَريق حليفٌ ليهود، كان منافقًا قال: وفيم؟ قال: في مُشط ومشاقة. قال: وأين؟ قال: في جُفًّ طلعةٍ ذكرٍ تحت رَعُوفةٍ في بئر ذروان. قالت: فأتى النبي ﷺ‬ البئر حتى استخرجه.

فقال: «هذه البئر التي رأيتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء وكأن نخلها رؤوس الشياطين».

قال: فاستخرج. قالت: فقلت: (أفلا – أي تنشرت؟ فقال: «أما والله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحدٍ من الناس شرًا».

فانظر – أيها المسلم الكريم – هذا الحديث الشريف كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا: هل تجد فيه أو ترى أو تشم دليلاً أو شبه دليل على ما ادَّعاه المفتي بأن عائشة – رضي الله عنها – لم تقصد بسؤالها المذكور في هذا الحديث النشرة الشرعية، وإنما تقصد النشرة التي هي بفعل السحرة؟!!

قلت: وكيف يكون مقصدها من سؤاله للنبي ﷺ‬ نُشْرة السحرة، وقد أخبرها قبل سؤالها بأنه ﷺ‬ قد علم مكان السحر من بئر ذروان بوحي من الله سبحانه – وقد استخرجه، وعافاه الله منه.

فهذا الادِّعاء ممتنع؛ بل باطل قطعًا.

وعلى هذا يكون مراد عائشة ومقصدها من قولها: (أفلا – أي انتشرت؟) هو نشر ما في الجُفَّ للناس وإشاعته بينهم يوضح هذا أمران:

أحدهما: إخبار النبي ﷺ‬ لها قبل سؤالها هذا بأنه قد علم مكانه وأنه قد أخرجه، وعافاه الله منه.

والثاني: تعليله عدم الإخراج بكراهة أن يثير على أحد من الناس شرًا بنشرة بينهم وإشاعته، وقد يحتمل أن تريد به النشرة الشرعية.

وهذا ما عليه أئمة العلم وشراح الحديث، قال الحافظ في فتح الباري (10/235): قوله: «قالت: فقلت أفلا - أي تنشرت؟» وقع في رواية الحميدي: «فقلت: يا رسول الله، فهلا؟ قال سفيان: (بمعنى تنشرت) فبين الذي فسر المراد بقولها: (أفلا) كأنه لم يستحضر اللفظة فذكره بالمعنى، وظاهر هذه اللفظة أنه من النشرة»([5]).

وكذا وقع في رواية معمر، عن هشام عند أحمد، فقالت عائشة: «لو أنك» تعني تنشر، وهو مقتضى صنيع المصنف؛ حيث ذكر النشرة في هذه الترجمة، ويحتمل أن يكون من النشر بمعنى الإخراج، فيوافق رواية من رواه بلفظ: «فهلا أخرجتَه»؛ ويكون لفظ هذه الرواية: «هلا استخرجت» وحذف المفعول للعلم به، ويكون المراد بالمخرج ما حواه الجف، لا الجف نفسه. اهـ.

ونُقِلَ مثلُ هذا عن المهلب «ما محصله: أن الاستخراج المنفي في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان؛ فالمثبت هو استخراج الجف، والمنفي استخراج ما حواه، قال: وكأن السَّرَّ في ذلك أن لا يراه الناس، فيتعلمه من أراد استعمال السحر. قلت: وقع في رواية عمرة: فاستخرج جُفُّ من تحت راعوفة. وفي حديث زيد بن أرقم: فأخرجوه، فرموا به». اهـ.

وقال أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني في إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (8/406): «قالت عائشة - رضي الله عنها – فقلت له ﷺ‬: (أفلا - أي تنتشرت؟) وسقطت لفظة (أي) في بعض النسخ، والنشرة: الرقية التي يحل بها عقدة الرجل عن مباشرة امرأته فقال: أما بالتخفيف (والله) جُرَّ بواو القسم، ولابن عساكر وأبوي الوقت وذَرَّ: (أمَّا الله - بتشديد الميم وحذف الواو والرفع - فقد شفاني)؛ أي من ذلك السحر، (وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًا)، وسبق في 405 أن قال: النشرة التي أجازها سعيد بن المسيب: أنها من النشرة؛ وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرًا أو شيئًا من الجن. قيل لها ذلك لأنه يكشف بها غمة ما خالطه من الداء» اهـ.

وقال في ص406 في ترجيح رواية سفيان: (والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان؛ لتقدُّمِهِ في الضبط، ويؤيده أن النشرة لم تقع في رواية أبي أسامة، والزيادة من سفيان مقبولة، لأنه أثبتهم، ولا سيما أنه كرر استخراج السحر في روايته مرتين – يعني بالمرة الأخرى في قوله: قال: فاستخرجه، فبعد من الوهم، وزاد ذكر (النشرة) وجعل جوابه ﷺ‬ عنها بـ(لا) بدلاً عن الاستخراج المنفي في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان؛ فالمثبت هو استخراج الجُفَّ، والمنفي استخراج ما حواه، وكأن السر في ذلك أن لا يراه الناس، فيتعلمه من أراد السحر). اهـ.

وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (9/467) في ترجيح رواية سفيان بن عيينة: (وفيه وجه آخر يحتمل أن يحكم بالاستخراج لسفيان، وحكم لأبي أسامة بقوله: (لا) على أنه استخرج الجُفَّ بالمشاقة، ولم يستخرج صورة ما في الجف من المشط، وما ربط به، لئلا يراه الناس، فيتعلموه إن أرادوا استعمال السحر، فهو عندهم مستخرج من البئر، وغير مستخرج من الجف). اهـ.

إلى أن قال: ص468: (واختلفوا في النشرة أيضًا، فذكر عبد الرزاق، عن عقيل بن معقل، عن همام بن منبه، قال: سئل جابر بن عبد الله عن النشرة؟ قال: (من عمل الشيطان) وقال عبد الرزاق: قال الشعبي: لا بأس بالنشرة العربية التي لا تضر إذا وطئت: وهي: أن يخرج الإنسان في موضع عضاه، فيأخذ عن يمينه وشماله من كل ثم يدقه، ويقرأ فيه، ثم يغتسل به ... إلى أن قال: (وقولها: (هل تنشرت؟) يدل على جواز النشرة، كما قال الشعبي ...) اهـ.

ومما يؤكد عدم دلالة الحديث على جواز النشرة السحرية أنه جاء في صحيح الإمام مسلم (4/1719) رقم 2189/ كتاب السلام - باب السحر - أن عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا أحرقته؟ قال: «لا». أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًا ...).

قال الإمام النووي – رحمه الله تعالى – في شرح مسلم (14/177): فقلت: (يا رسول الله، أفلا أحرقته) وفي الرواية الثانية: قلت: (يا رسول الله، فأخرجه) كلاهما صحيح، فطلبت أنه يخرجه، ثم يحرقه، والمراد إخراج السحر. فدفنها رسول الله ﷺ‬، وأخبر أن الله تعالى قد عافاه، وأنه يخاف من إخراجه، وإحراقه، وإشاعة هذا ضررًا، وشرًا على المسلمين من تَذَكُّرِ السِّحْرِ، وتَعَلُّمِه، وشيوعِه، والحديث فيه، أو إبداء فاعله فيحمله ذلك، أو يحمل بعض أهله، ومحبيه والمتعصبين له من المنافقين وغيرهم على سحر الناس وأذاهم وانتصابهم لمناكدة المسلمين بذلك، هذا من باب ترك مصلحة لخوف مفسدة أعظم منها، وهو من أهم قواعد الإسلام) اهـ.

وقال الإمام الحافظ أبو الفضل القاضي عياض – رحمه الله تعالى - في إكمال المعلم (7/91) في الحديث نفسه رقم 2189: (فقلت: يا رسول الله، أفلا أحرقته؟) يعني السحر. كذا الرواية عندنا في جميع النُّسَخِ ... إلى أن قال: «كرهت أن أثير على الناس شرًا، فَأَمَرْتُ بها فدفنت». يريد والله أعلم يثير عليهم شرًا بإخراجها، واطلاع بعضهم عليها، وتعلم السحر وعمله لمن يراها، فأمر بدفن البئر؛ أي ردمها، ولا يبعد عندي صواب: (أحرقته) ولا يعترض عليه بما تقدم، بل لا يحرقه حتى يخرجه، فيخشى الوقوف عليه؛ بل أحرقته أظهر؛ لما أراد به من إفناء ذاته وإبطال عمله وما يتوقع من بقاء شره، مع بقائه، ولم يغيَّر.

وقد رواه بعضهم عن سفيان، وفيه: (فاستخرجه).

وقال في موضع آخر: (أفلا استخرجته) (أفلا تنشرت)؛ فرجح بعضهم رواية سفيان لحفظه، وأن السؤال عن النشرة، وجمع بعضهم بين الروايتين، وأن إتيان الاستخراج من البئر، ونفيه من الجف، وهو الذي يثير على الناس بين المشاهدة صفة عُقَدِه وعمله، ثم يكون ردم البئر بعد هذا – والله أعلم – لما لعله يخشى أن يبقى فيها منه). اهـ.

وقد قال القاضي في مشارق الأنوار على صحيح الآثار (2/36) في "ن ش ر": (قوله: (وتنشرت، وهلا تنشرت؟ النُّشرة بضم النون نوع من التطيب بالاغتسال على هيئة مخصوصة بالتجربة). اهـ.

وبنحو ذلك قال القرطبي في المفهم (5/573) رقم 2129.

وقال الإمام المحدث عبد الرحمن السهيلي في الروض الأنف (4/404) في فقه حديث السحر: (وأما ما فيه من الفقه، فإن عائشة قالت له: (هلا تنشرت؟) فقال: «أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على الناس شرًا».

وهو حديث مشكل في ظاهره، وإنما جاء الإشكال فيه من قبل الرواة؛ فإنهم جعلوا جوابين لكلامين كلامًا واحدًا، وذلك أن عائشة قالت له أيضًا: (هلا استخرجته؟) أي هلا استخرجت السحر من الجُفِّ والمشاطة حتى ينظر إليه).

فذلك قال: «وأكره أن أثير على الناس شرًا».

قال ابن بطال: كره أن يخرجه، فيتعلم منه بعض الناس، فذلك هو الشر الذي كره... إلى أن قال:

(وأما الفقه الذي أشرنا إليه، فهو إباحة النشرة، من قول عائشة: (هلا تنشرت؟) ولم ينكر عليها قولها ... إلى أن قال: (ومن الناس من كره النشرة على العموم، ونزع بحديث خرجه أبو داود مرفوعًا: (أن النشرة من عمل الشيطان). وهذا والله أعلم في النشرة التي فيها الخواتم والعزائم، وما لا يفهم من الأسماء العجمية. اهـ باختصار.

وبهذا البسط لأقوال أهل العلم بالحديث وشراحه وفقهائه اتضح وضوح الشمس في رابعة النهار أنه لا دليل فيه البتّة على ما ادعاه فضيلة المفتي؛ يؤيد هذا أني لا أعلم له – فيما وقفت عليه – دليلاً غيره يصلح للاحتجاج على جواز نشرة السحرة.

وبناءً على هذا فإنه يستحيل أن تقصد عائشة ما استفتت به رسول الله ﷺ‬ نشرة السحرة وذلك من وجوه:

الأول: أن الشرع ورد بالوعيد الشديد لمن قصد السحر لحل السحر عنه، وذلك مثل حديث عمران بن حصين رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ‬ أنه قال: «ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له». إسناده صحيح، رجاله ثقات.

وحديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي ﷺ‬ قال: «لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر». صححه ابن حبان والحاكم.

وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «من مشى إلى ساحر، أو كاهن، أو عراف، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ‬». رجاله ثقات.

وحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ‬ قال: «من سحر أو تسحر له، فليس منا ...» الحديث.

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر ...» الحديث. متفق عليه.

الثاني: أنه قد تقرر عن عائشة وعند غيرها أن النبي ﷺ‬ كان مجاب الدعوة، فلا يمكن أن يخطر ببالها الاستفهام عن نشرة السحرة.

وأقرب مثال لكونه ﷺ‬ مستجاب الدعوة هذه القضية؛ فقد دعا ربه فاستجاب له، فعافاه من داء السحر، وقصة المرأة السوداء التي تصرع، وتتكشف ودعاؤه لها أن لا تتكشف، متفق عليه.

الثالث: أن نُشرة السحرة من عمل الشيطان، حيث يتقرب الناشر والمنتشر إليه بما يحبط الأعمال من الشرك والكفر والفساد في الأرض، وقد بعث ﷺ‬ بمحق ذلك، ونبذه، والتحذير منه، بل وأزهقت الأرواح من أجله.

الرابع: أن الله تعالى قد وعد، ووعده حق بأنه يبطل ما جاءت به السحرة من السحر، وأول من يصدق ذلك ويعتقده نبيه ﷺ‬، ومثل عائشة لا يغيب عنها ذلك، وقد جاء ذلك الوعد في سورة يونس يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 81].

الخامس: أن عائشة – رضي الله عنها – قالت: «من أصابه بسرة، أو سم، أو سحر، فليأت الفرات، فليغتسل الجرية، فيغمس فيه سبع مرات». وفي رواية: أنها سئلت عن النشر؟ فقالت: «ما تصنعون بهذا؟ هذا الفرات إلى جانبكم يستنقع فيه أحدكم، يستقبل الجرية» وسيأتي تخريجهما في آخر الرسالة إن شاء الله تعالى.

فهل مع هذا يقال: أنها تقصد نشرة الساحر؟!!!

هذا وقد نقل المفتي عن الحافظ أنه ذكر في الفتح (10/233، 234) كلام ابن القيم، ومنه قوله: (فلما أوحي إليه أنه سحر، عدل إلى العلاج المناسب له، وهو استخراجه ولم يقل: اكتفى بالرقية) اهـ.

هذا الكلام بحروفه لم أجده في الموضع الذي عزاه إليه.

ولم أدر ما مراده منه؛ اللهم إن كان يريد أن يعزز مذهبه بأن الرقية الشرعية لم تكفه في إخراج السحر وأن العلاج المناسب له استخراجه.

فإن كان هذا مراده فلا مانع من استخراج السحر إذا علم مكانه بدون ذهاب إلى السحرة؛ بدليل فعله ﷺ‬ مع سحره؛ ولكن كلام ابن القيم في وادٍ، ومذهبه في واد. وهاك نص كلام ابن القيم من زاد المعاد (4/126) في هديه ﷺ‬ في علاج السحر بقوله:

(وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية، وأنفع المعالجة، فاحتجم، وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر، فلما جاءه الوحي من الله تعالى، وأخبره أنه قد سحر، عدل إلى العلاج الحقيقي وهو استخراج السحر وإبطاله، فسأل الله – سبحانه - فدله على مكانه، فاستخرجه، فقام كأنما أنشط من عقال). اهـ.

لم يذكر ابن القيم – كما ترى – الرقية الشرعية.

ونقله ابن مفلح في الآداب الكبرى (3/96) ولم يعزه لابن القيم، ولفظه: (وكان استعمال الحجامة حينئذ من أنفع المعالجة، وكان ذلك قبل الوحي فلما جاءه الوحي أنه سحر عدل إلى العلاج الحقيقي، وهو استخراج السحر، وإبطاله، فدعا الله، فأعلمه به، فاستخرجه) اهـ.


 فصل في الفرق بين النشرة السحرية الشركية وبين النشرة الشرعية والأدوية المباحة مما يزيل الإشكال

 قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – في كتاب التوحيد: (باب ما جاء في النشرة):

قلت: قال أبو سليمان الخطابي في معالم السنن (4/201) رقم 3868: (النشرة ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من كان يظن به مس من الجن). اهـ.

وقال أبو السعادات مجد الدين ابن الأثير في النهاية (5/54) وجامع الأصول (7/575) رقم 5727:

(النشرة كالتعويذ والرقية. يقال: نشرته تنشيرًا إذا رقيته وعوذته، وإنما سميت نشرة لأنها ينشر بها عن المريض أي يحل عنه ما خمره من الداء. هذا لفظه في الجامع، ولفظه في النهاية:

(النشرة بالضم ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مسًا من الجن، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء؛ أي يكشف ويزال، ومنه الحديث: (فلعل طبًا أصابه، ثم نشره بـ: (قل أعوذ برب الناس)؛ أي رقاه، والحديث الآخر: (هلا تنتشرت).

قال الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد ص364 تحت هذا الباب: (لما ذكر المصنف حكم السحر والكهانة ذكر ما جاء في النشرة؛ لأنها قد تكون مباحة كما سيأتي تفصيله). اهـ.

ثم قال شيخ الإسلام: (عن جابر: أن رسول الله ﷺ‬ سئل عن النُّشرة فقال: «هي من عمل الشيطان». رواه أحمد ([6]) بسند جيد، وأبو داود ([7]). اهـ.

قال الشيخ سليمان – رحمه الله تعالى – في هذا الحديث: (الألف واللام في (النشرة) للعهد؛ أي النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها هي من عمل الشيطان؛ لا النشرة بالرقى والتعويذات الشرعية والأدوية المباحة؛ فإن ذلك جائز كما قرره ابن القيم). اهـ.

قلت: وقول ابن القيم الذي أشار إليه الشيخ فقد ذكره في إعلام الموقعين (4/396) بلفظ:

(النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:

حل سحر بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان؛ فإن السحر من عمله، فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يجب، فيبطل عمله عن المسحور.

والثاني: النشرة بالرقية الشرعية والتعوذات والأدوية المباحة؛ فهذا جائز، بل مستحب، وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن (لا يحل السحر إلا ساحر).

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – بعد سياقه لقول ابن القيم: هذا فيه مسائل:

1- النهي عن النشرة.

2- الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه مما يزيل الإشكال). اهـ.

وقال الإمام البيهقي في السنن الكبرى (9/351):

(باب النشرة، ثم ساق تعريف الخطابي لها آنف الذكر، وحديث جابر هذا ثم قال:

(والقول فيما يكره من النشرة، وفيما لا يكره كالقول في الرقية، وقد ذكرناه). اهـ.

قلت: ولفظه في الرقية الذي ذكره – كما في نفس الصفحة هكذا: (وهذا كله يرجع إلى ما قلنا من أنه إن رقى بما لا يعرف أو على ما كان من أهل الجاهلية من إضافة العافية إلى الرقى لم يجز، وإن رقى بكتاب الله أو بما يعرف من ذكر الله متبركًا به وهو يرى نزول الشفاء من الله تعالى فلا بأس به). اهـ.

قلت: وقد غلط في هذا الباب بعض الناس؛ حيث نسب إلى بعض أهل العلم القول بجواز سؤال السحرة حل السحر عن المسحور؛ وذلك لعدم تفريقه بين النشرة الجائزة التي أفتى بجوازها العلماء، وبين النشرة التي هي من عمل الشيطان؛ فقد جاء في جريدة (المدينة – الرسالة 4 جمادى الآخرة 1427هـ الموافق 30 يونيو 2006م ما نصه:

(سعيد بن المسيب والحسن البصري والإمام أحمد وابن الجوزي والبخاري أجازوا حل السحر من قبل ساحر...).

ثم قال: (قال الإمام البخاري – رحمه الله تعالى – باب هل يستخرج السحر؟ وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل بن طب أويؤخذ عن امرأته؟ أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به؛ إنما يريدون به الإصلاح.

فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه، وذكر البخاري رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها قالت: فأتى النبي ﷺ‬ البئر حتى استخرجه. فقال: «هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها ناقعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين». قال: فاستخرج. قالت: فقلت أفلا؟ أي تنشرت؟ فقال: «أما والله فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًا».

قال الحافظ ابن حجر في شرحه: (وصدَّر – أي البخاري – بما نقله عن سعيد بن المسيب من الجواز إشارة على ترجيحه، قال الحافظ: وأخرجه الطبري في التهذيب من طريق يزيد بن زريع عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أنه كان لا يرى بأسًا إذا كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه. فقال: هو صلاح. قال قتادة: وكان الحسن يكره ذلك، يقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر) قال: فقال سعيد بن المسيب: (إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع). وقد أخرج أبو داود في المراسيل عن الحسن رفعه: (النشرة من عمل الشيطان، ووصله أحمد وأبو داود بسند حسن، عن جابر).

قال ابن الجوزي: النشرة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر، وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور فقال: لا بأس به وهذا هو المعتمد).

وقد سبق قبل هذا أنه وعد بذكر الأدلة ونصوص الفقهاء، فهذه أدلته.

فهذا ما أبانه وكتبه ووعد بذكره من النصوص عن المذكورين، هل ترى فيها دليلاً نصًا أو ظاهرًا على جواز حل السحرة عن المسحور، أو دليلاً نصًا أو ظاهرًا عن واحد منهم أنه أجاز نشرة السحرة؟

فإذا نظرت إليها لم تجد فيها أكثر من نفي بعضهم البأس عن الحل والنشرة، وعمن يطلق السحر، والاستخراج والانتشار اللذين سألتهما عائشة النبي ﷺ‬ فقط.

فإذا كانت أجوبة هؤلاء الأئمة ليس فيها دليل لا نصًا ولا ظاهرًا على جواز سؤال السحرة حلَّ ونشر السحر عن المسحور لم يبق إلا أن يكون مرادهم بذلك النفي النشرة التي ليست من عمل الشيطان ليس إلا، وذلك من وجوه:

الأول: أن بقية كلام الحافظ المذكور في نفس الجزء والصفحة يؤيد هذا، فقال: ما نصه: (قوله: أو ينشّر) بتشديد المعجمة من النُّشرة بالضم، وهي: ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرًا أو مسًا من الجن؛ قيل لها ذلك لأنه يكشف بها عنه ما خالطه من الداء).

الثاني: قوله رحمه الله: (ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في باب الرقية الشرعية في حديث جابر عند مسلم مرفوعًا: «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل».

قلت: وقيد هذا النفع بما رواه مسلم أيضًا في الصحيح (4/1727) رقم 2200 من حديث عوف بن مالك الأشجعي، قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك».

الثالث: قول الحافظ أيضًا: (ويؤيد مشروعية النُّشرة ما تقدم في حديث «العين حق»، في قصة اغتسال العائن). اهـ.

قلت: وقصة اغتسال العائن ذكرها الحافظ في الفتح أيضًا: (10/204)، وملخَّصُها: أن عامر بن ربيعة عان سهل بن حُنيف، فلبط سهل، فقال: «علام يقتل أحدكم أخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك بَرَّكْتَ»، ثم قال: «اغتسل له»، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره، ثم يكفأ القدح، ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس).

ثم أخذ الحافظ يذكر أنواعًا للنُّشْرة، وليس فيها شيء من عمل الشيطان.

إذا تقرر هذا، فإليك كشف شبه من نسب إليه القول بجواز النشرة السحرية الشركية من أهل العلم، وذلك على النحو التالي:


 فصل في قول ابن الجوزي في تعريف النشرة

جاء في النهاية في غريب الحديث لابن الجوزي 2/408 أنه قال: (سئل رسول الله ﷺ‬ عن النشرة؟ فقال: «من عمل الشيطان». النشرة إطلاق السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر على ذلك إلا من يعرف السحر، ومع هذا فلا بأس بذلك). قلت: وهذا من غرائب ابن الجوزي؛ كيف يحكي عن الرسول أنه حكم على النشرة أنها من عمل الشيطان ومن العلم المقطوع به أن عمل الشيطان كله بأس.

ثم يذكر أنه لا بأس بنشرة السحر التي هي من عمل الشيطان؟! لكن لعله – رحمه الله – نزع إلى ما نسب للإمام أحمد بلفظ: (وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر فقال: لا بأس به). وهذا لا يصح عنه، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.


 فصل فيما روي عن سعيد بن المسيب – رحمه الله – في الحل والنشر عن المسحور

اعلم أن جميع ما روي عن سعيد في ذلك قد رواه عنه الإمام الحافظ التابعي الكبير قتادة بن دعامة، ورواه عن قتادة جماعة من أصحابه، وهم هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد العطار، وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري وشعبة بن الحجاج.

أما رواية هشام، فعند ابن أبي شيبة في المصنف (8/27) رقم 23870، وابن عبد البر في التمهيد (6/244)، وعند الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (5/49)، وعزاه الحافظ في المصدر نفسه (5/50) لإبراهيم الحربي في غريب الحديث، وعلقه البخاري في الصحيح (7/29)، ألفاظ حديث هشام.

قلت لسعيد: رجل طب بسحر يَحلُّ عنه؟ قال: نعم؛ من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل. هذا لفظ ابن أبي شيبة وإبراهيم الحربي عن قتادة عن سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته، فيلتمس من يداويه، قال: إنما نهى الله عما يضر؛ ولم ينه عما ينفع. هذا لفظ ابن عبد البر والحافظ ابن حجر.

إذا تقرر هذا فانظر وتأمل في إمام كبير مثل سعيد بن المسيب، هل يليق بمثله أن يجيز تداوي المسحور بالسحر الضار بالدِّين لا محالة ولا نفع فه البتة؛ كما هو صريح القرآن: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ﴾ [البقرة: 102].

وأما رواية أبي عوانة اليشكري فأخرجها الحافظ في تغليق التعليق (5/50) بلفظ: (وقال سعيد بن منصور، ثنا أبو عوانة عن قتادة سألت سعيد بن المسيب عن النشرة؟ فلم ير بها بأسًا).

وأما رواية شعبة فأخرجها ابن أبي شيبة في المصنف (8/24) رقم 23859 بلفظ: (قال شعبة: أخبرنا قتادة عن سعيد بن المسيب، قال: سألته عن النشر، فأمرني بها، قلت: أرويها عنك؟ قال: نعم. وأما رواية أبان العطار فأخرجها الحافظ في تغليق التعليق (5/50) بلفظ: ثنا أبان عن قتادة عن سعيد بن المسيب في الرجل يُؤخَّذ عن امرأته فينشر عنه؟ قال: لا بأس؛ إنما يريدون الإصلاح).

وأما رواية سعيد بن أبي عروبة فأخرجها أبو جعفر بن جرير في تهذيب الآثار كما في تغليق التعليق للحافظ ابن حجر (5/49) بلفظ: (ثنا حميد بن مسعدة ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب، أنه كان لا يرى بأسًا إذا كان الرجل به سحر أن يمشي إلى من يطلق ذلك عنه؛ قال: هو صالح. قال: وكان الحسن يكره ذلك، ويقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر. قال: فقال سعيد بن المسيب: لا بأس بالنشرة؛ إنما نهى عما يضر، ولم ينهه عما ينفع). قال الحافظ: إسناده صحيح.

وقال: أجاب الإمام العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – رحمهم الله تعالى – عن فتاوى سعيد هذه في تيسير العزيز الحميد ص366 بقوله: (قوله: لا بأس به ... إلخ) يعني أن النشرة لا بأس بها؛ لأنهم يريدون به الإصلاح؛ أي إزالة السحر، ولم ينه عما يراد به الإصلاح؛ إنما ينهى عما يضر، وهذا الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم هل هو نوع من السحر أم لا؟ فأما أن يكون ابن المسيب يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل، فلا يظن به ذلك، حاشاه منه، ويدل على ذلك قوله: (إنما يريدون به الإصلاح)؛ فأي إصلاح في السحر؟ بل كله فساد وكفر). اهـ.


 فصل فيما نقل عن الإمام البخاري وسعيد بن المسيب من القول بجواز سؤال السحرة حل السحر عن المسحور

اعلم أخي الكريم أنه نُقِلَ عن الإمام البخاري أنه نَقَلَ عن سعيد بن المسيب القول بجواز إتيان السحرة لحل سحرهم عن المسحور، وممن نقل ذلك عن البخاري ابن بطال في شرحه صحيح البخاري (9/467) فقال ما نصه: (واختلف السلف: هل يسأل الساحر عن حل السحر عن المسحور؟ فأجازه سعيد بن المسيب – على ما ذكره البخاري – وكرهه الحسن، وقال: لا يعلم ذلك إلا ساحر، ولا يجوز إتيان الساحر؛ لما روى سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة عن عبد الله بن مسعود قال: (من مشى إلى ساحر أو كاهن فصدقه بما يقول: فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ‬). اهـ.

ثم تتابع العلماء على نقل هذا القول عن الإمام البخاري تقليدًا لابن بطال، وممن نقل هذا القول الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (1/439) فقال: (واختلفوا هل يسأل الساحر حلَّ السحر عن المسحور؛ فأجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري). اهـ.

وقال الحافظ ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (1/141):

(مسألة: وهل يسأل الساحر حلاً لسحره، فأجازه سعيد بن المسيب فيما نقله البخاري). اهـ.

وقال ابن حجر الهيثمي في الزواجر (2/104):

(قال القرطبي: هل يسأل الساحر حلَّ السحر عن المسحور؟ قال البخاري: عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه يجوز، وإليه مال المازري، وكرهه الحسن البصري). اهـ.

فانظر – رحمك الله – كيف تتابع هؤلاء العلماء الكبار على عزو هذا القول للإمام البخاري؛ مع أن نقل البخاري عن سعيد لا يساعد على ذلك؛ لوجوه:

الأول: أن البخاري – رحمه الله تعالى – قال في صحيحه (7/29): بابٌ: هل يستخرج السحر؟ وقال قتادة لسعيد بن المسيب: رجل به طب، أوْ يؤخذ عن امرأته. أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به؛ إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه...

ومما يدلك على أن مراد سعيد بالجواز المذكور قول القرافي في الفروق (4147) الفرق 242: (الرقية لما يطلب به النفع، أما ما يطلب به الضرر، فلا يسمى رقية، بل هو سحر). اهـ.

وأيضًا فجواب سعيد بن المسيب – رحمه الله تعالى – ليس فيه أكثر من جواز الحل والنشر عن المسحور، والحل والنشر عن المسحور ليس خاصًا، ولا مقصورًا ولا محصورًا على حل ونشر السحرة؛ فقد تقدم التعريف بالنُّشْرة الشرعية بأنها:

(رقية المريض وتعويذه. يقال: نشرته تنشيرًا إذا رقيته، وعوذته، وإنما سميت نشرة؛ لأنها ينشر بها عن المريض؛ أي يحل عنه ما خامره من الداء).

إذا تقرر هذا فمن أين يفهم أن سعيد بن المسيب أجاز إتيان السحرة لحل السحر عن المسحور؟!

يؤيد هذا أنه تقدم سياق ألفاظ سؤال قتادة لسعيد وجواب سعيد في (75)، وليس فيه ما يدل على جواز إتيان السحرة لحل السحر عن المسحورة أيضًا.

الوجه الثاني: أن فتوى سعيد هذه أوردها الإمام البخاري في باب (هل يستخرج السحر)، وقد اختلف في استخراج سحر النبي ﷺ‬ ما المراد به في هذا الحديث؛ أما إذا علم مكان السحر ومواضعه فإنه يجوز إخراجه وإبطاله بدون إتيان السحرة؛ بدليل استخراج النبي ﷺ‬ سحره بعد علمه به كما في حديث عائشة الذي أورده البخاري في هذا الباب.

الوجه الثالث: أن عائشة قالت في هذا الحديث الوارد في هذا الباب: (أفلا تنشرت؟ فقل ﷺ‬: «أما والله فقد شفاني ... الحديث».

والنشرة في عُرْفِ عائشة رضي الله عنها جائزة، وليس فيها شيء من السحر؛ فقد سئلت عنها – كما تقدم - فأجابت عنها بأنها الانغماس في الفرات سبع مرات باستقبال الحرية، ولهذا قال الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى - في جواب قول عائشة هذا وجواب سعيد في كتابه تفسير المعوذتين ص31: (قالت عائشة: فقلت: (أفلا – أي تنشرت؟ - من النُّشرة بالضم: علاج يعالج به المسحور – قال: «أما والله فقد شفاني، وأكره أن يثيرَ على أحد أحدٌ من الناس شرًا»؛ ففي هذا الحديث أنه استخرجه، وترجم البخاري عليه: (باب هل يستخرج السحر، وقال قتادة: قلت لسعيد: رجل به طب أوْ يؤخذ عن امرأته)؛ أي يحبس دون جماعها. (أيحل عنه أو ينشر) أي يعالج؟ قال: لا بأس به؛ إنما يريدون به الإصلاح؛ فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه). اهـ.

فهذه ألفاظ فتوى الإمام سعيد بن المسيب – رحمه الله تعالى - كما ترى؛ هل يفهم منها أنه أجاز نُشْرة السحرة عن المسحور، أو أجاز سؤال الساحر حلَّ السحر عن المسحور؟!

الوجه الرابع: أن هذا النقل المنسوب للإمام البخاري – رحمه الله تعالى – بأن سعيد بن المسيب يقول بجواز سؤال السحرة حلَّ السحر عن المسحور ليس له أساس من الصحة فقد تهدَّمَ بُنْيانه، وقُوِّضت خيامه، وصدق الله إذ يقول: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81].

فهذا الإمام أبو عبد الله القرطبي – وهو ممن نقل عن الإمام البخاري، عن سعيد بن المسيب القول بجواز نُشْرة السحرة – يوضح ويفصح عن مراد سعيد بن المسيب في جوابه المذكور؛ فقد قال في المصدر نفسه (5/3934) ما نصه:

(اختلف العلماء في النُّشْرَة – وهي أن يكتب شيئًا من أسماء الله أو من القرآن، ثم يغسله بالماء، ثم يمسح به المريض أو يسقيه، فأجازها سعيد بن المسيب، قيل له: الرجل يؤخذ عن امرأته. أيحل عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، وما ينفع لم ينه عنه، ولم ير مجاهد أن تكتب آيات من القرآن، ثم تغسل، ثم يسقاه صاحب الفزع، وكانت عائشة تقرأ بالمعوذتين في إناء، ثم تأمر أن يصب على المريض.

وقال المازري أبو عبد الله: النَّشْرة أمر معروف عند أهل التعزيم، وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها؛ أي تَحُلُّ. ومنعها الحسن وإبراهيم النخعي ... إلى أن قال: والنشرة من جنس الطب؛ فهي غسالة شيء له فضل). اهـ.

قلت: لقد تظاهرت هذه الأوجه الأربعة – كما ترى – على بطلان هذه النسبة المزعومة لسعيد. بهذا تعلم: فلا سعيد قال، ولا البخاري نَقَلَ عن سعيد الجواز المزعوم.

وعلى هذا فقد بطل الأصل، وإذا بطل الأصل بطل الفرع ولا بد؛ فلله الحمد والمنة.


 فصل فيما روي عن الحسن البصري في النشرة

جاء في فتح الباري (10/233): قال قتادة: وكان الحسن يكره ذلك يقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر). اهـ.

وجاء في الآداب الشرعية (3/73) لابن مفلح: (وقد قال الحسن: لا يطلق السحر إلا ساحر إلا أنه لا يجوز ذلك).

وقال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – رحمهم الله تعالى – في كتابه تيسير العزيز الحميد ص367: (نقل ذلك ابن الجوزي عن الحسن بغير إسناد). اهـ.

قال الحافظ في الفتح (10/233): (وقد أخرج أبو داود في المراسيل عن الحسن رفعه، النشرة من عمل الشيطان).

فهذا جميع ما نقل عن الحسن رحمه الله تعالى، فهل ترى فيه كلمة أو حرفًا يشم منه أنه أجاز النشرة السحرية؟!!

قال الإمام موفق الدين عبد اللطيف البغدادي في كتابه (الطب من الكتاب والسنة) ص233: (وأما النشرة – وهو ماء يرقَّى، ويترك تحت السماء، يغسل به المريض فقال أحمد: كان ابن مسعود يكره ذلك، وذكره أبو داود في كتاب المراسيل بإسناده، قال: سألت الحسن عن النُّشْرة فقال: (ذكر لي عن النبي ﷺ‬ أنها من عمل الشيطان).

قلت: روى ابن أبي شيبة في المصنف (8/25) رقم 2363، وأبو داود في المراسيل ص319 رقم 453، والحاكم في المستدرك (4/418) والطبراني في الأوسط – كما في مجمع البحرين للهيثمي (7/132 رقم 418، والبزار في المسند (13/225) رقم 6709 من طرق عن شعبة، عن أبي رجاء محمد بن سيف عن الحسن البصري، قال: سئل أنس عن النُّشْرة فقال: ذكروا أنها من عمل الشيطان).

قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وأبو رجاء هو مطر الوراق، وأقره الذهبي.

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/102): رجال البزار رجال الصحيح.

وجزم أبو حاتم الرازي – كما في العلل لابنه عبد الرحمن (2/295) رقم 2393 – أن الحديث ليس مرفوعًا، وإنما هو من كلام الحسن، وقيله). اهـ.

قلت: وأبو رجاء هو محمد بن سيف الحداني الثقة – كما عند البزار – وليس هو مطر الوراق، كما عند الحاكم. اهـ.

ورواه ابن أبي شيبة أيضًا في المصنف (8/25) رقم 23862، والخطابي في معالم السنن (4/201) رقم 3868 من طرق، عن الحكم بن عطية، قال: سمعت الحسن، وسئل عن النُّشر فقال: (سحر).

ونقل ابن بطال في شرح صحيح البخاري (9/467) عن الحسن البصري أنه قال: (لا يجوز إتيان الساحر؛ لما روى سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة، عن عبد الله بن مسعود قال: (من مشى إلى ساحر أو كاهن فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ‬).


 فصل في مذهب الإمام أحمد في علاج المسحور

جاء في المغني للإمام ابن قدامة – رحمه الله تعالى – في المغني (12/304) والكافي (5/334): (وأما من يحل السحر، فإن كان بشيء من القرآن أو شيء من الذكر والأقسام والكلام الذي لا بأس به فلا بأس به، وإن كان بشيء من السحر، فقد توقف أحمد عنه. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل يزعم أنه يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل: إنه يجعل في الطنجير([8]) ماءً، ويغيب فيه، ويعمل كذا؟ فنفض يده كالمنكر، وقال: ما أدري ما هذا؟ قيل له: فترى أن يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ فقال: ما أدري ما هذا). اهـ.

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في تيسير العزيز الحميد ص367: وكذلك ما روي عن الإمام أحمد من إجازة النُّشرة؛ فإنه محمول على ذلك، وغلط من ظن أنه أجاز النشرة السحرية، وليس في كلامه ما يدل على ذلك؛ بل لما سئل عن الرجل يحل السحر؟ قال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل: إنه يجعل في الطنجير ماءً، ويغيب فيه؟ فنفض يده، وقال: لا أدري ما هذا؟ قيل له: أفترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال: لا أدري ما هذا. وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المكروه، وكيف يجيزه وهو الذي روى الحديث: أنها «من عمل الشيطان»؛ لكن لما كان لفظ النشرة مشتركًا بين الجائز والتي من عمل الشيطان ورأوه قد أجاز النشرة ظنوا أنه قد أجاز التي من عمل الشيطان، وحاشاه من ذلك). اهـ.

وجاء في الفروع للإمام ابن مفلح – رحمه الله تعالى – (6/178): (وتوقف الإمام أحمد في الحل بسحر، وفيه وجهان، وسأله منها عمن تأتيه مسحورة، فيطلقه عنها؟ قال: لا بأس).

قال الخلال: إنما كره أحمد فعاله، ولا يرى به بأسًا كما بينه هنا، وهذا من الضرورة التي يبيح فعلها).

قلت: وفي صحة هذا عن أحمد نظر من وجوه:

الأول: أن إتيان المسحور الساحر ليحلّ عنه السحر يؤدي إلى الشرك والكفر، والشرك والكفر لا يجوز التداوي بهما بلا خلاف.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في مجمع الفتاوى (19/61): (والمسلمون – وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير – فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال؛ لأن ذلك محرم في كل حال). اهـ.

الثاني: أن حلَّ السحر عن المسحور بسحر مثله فيه معاونة للساحر وإقرار له على عمله، وتقرّب إلى الشيطان بأنواع القرب؛ ليبطل عمله عن المسحور. أفاده حافظ حكمي في معارج القبول ص530.

الثالث: أن الناشر والمنتشر كل منهما يتقرب إلى الشيطان بما يحب من ذبح شيء، أو السجود له أو غير ذلك، فإذا فعل ذلك ساعد الشيطان وجاء إلى إخوانه الشياطين الذين عملوا ذلك العمل، فيبطل عمله عن المسحور، وهذا كفر؛ أفيُعمل الكفر لتحيا نفس مريضة أو مصابة مع أن الغالب في المسحور أنه يموت أو يختل عقله؟! أفاده سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية في فتاويه ورسائله (1165).

الرابع: أن الإمام أحمد نَصَّ على قتل الساحر؛ فقد جاء في مسائله برواية إسحاق بن هانئ (2/93): وسألته عن الساحر والساحرة يقتلان؟ قال: نعم؛ إذا أبان ذلك بأحد منهما، وعُرِفا به مرارًا وأَقَرَّا على أنفسهما).

وجاء في مسائله برواية ابنه عبد الله ص427: سمعت أبي يقول: إذا عرف بذلك فَأَقَرَّ يقتل؛ يعني الساحر). اهـ.

وجاء في مسائله ومسائل إسحاق بن راهويه برواية إسحاق بن منصور المروذي (7/3476) رقم 2503: قلت لأحمد: (الساحر والساحرة؟ قال: يقتلان).

فإن كان الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - يفتي بقتل الساحر، فإنه يمتنع أن يفتي بجواز سؤاله حَلَّ السحر عن المسحور؛ لأن الفتوى بجواز سؤاله إقرار له على بقائه.

فهذه الوجوه الأربعة – كما ترى – قد تواطأت وتظاهرت على عدم صحة القول إلى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى – أنه يجيز للمسحور حلَّ سحره عند السحرة. يؤيد هذا ما جاء في الإنصاف للمرداوي – رحمه الله تعالى – (10/350) بقوله:

(فائدة: من اعتقد أن السحر حلال كفر قولاً واحدًا). وقول الإمام عبد الرحمن بن قاسم – رحمه الله تعالى – في حاشيته على الروض المربع للشيخ منصور – رحمه الله تعالى – (7/413) في حكم السحر؛ فقد قال ما نَصُّه: (وتعلُّمُه، وتعليمه وفعله حرام بلا نزاع، ومعتقد حِلَّهِ كافر إجماعًا). اهـ.

قلت: وعلى هذا يكون القول بجواز حَلَِّ السحر بسحر مثله ذريعة إلى استحلال الشكر والكفر بالتداوي عند السحرة.


 فصل فيما أطلقت عليه النُّشْرة عند أهل العلم

في الفصل السابق عرفنا ضابط النُّشرة وما ورد فيها من الآثار التي دلت على أنها من عمل الشيطان، وأنها سحر؛ ولكن نرى أن أهل العلم أطلقوها على كيفيات متنوعة، ومن الأَوْلَى ذِكْرُ ما تَيَسَّرَ مِنْها هاهنا؛ ليُعْلَمَ الجائزُ منها وغيرُ الجائز؛ وذلك بعَرْضِها على ضابط النُّشرة الشرعية.

وقبل أن نشرع في ذلك ينبغي أن يُعْلَمَ أن الأخبار الواردة بأن النُّشرة من عمل الشيطان المراد بها النُّشرة المعهودة في الجاهلية؛ يقول الإمام العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحم الله الجميع – في كتابه تيسير العزيز الحميد ص365: (قوله: «سئل عن النُّشْرَة»: الألف واللام في النُّشرة للعهد؛ أي النُّشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، هي من عمل الشيطان لا النُّشرة بالرقى والتعوُّذات الشرعية والأدوية المباحة؛ فإن ذلك جائز كما قرره ابن القيم. اهـ.

قلت: يعني بذلك ما ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين (4/396) بلفظ: (النُّشرة حلُّ السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل سحر بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، فإن السحر من عمله؛ فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يجب، فيبطل عمله عن المسحور.

والثاني: النُّشرة بالرقية الشرعية والتعوذات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب، وعلى النوع المذموم يُحمل قول الحسن: (لا يحل السحر إلا ساحر).

1- قال الإمام عبد الرزاق في المصنف (11/13/19763):

(وقال الشعبي: لا بأس بالنُّشرة العربية التي لا تضرُّ إذا وطئت؛ والنُّشرة العربية: أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وشماله من كل ثم يدقُّه، ويقرأ فيه، ثم يغتسل به)([9]).

2- وقال عبد الرزاق أيضًا (11/ 13): (وفي كتب وهب: أن يؤخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه في الماء، ويقرأ فيه آية الكرسي، وذوات قل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ويغتسل به؛ فإنه يذهب عنه كل ما به – إن شاء الله – وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله).

3- الانغماس في الفرات سبع مرات؛ قال ابن أبي شيبة في المصنف (8/25) رقم 23864: حدثنا عثام بن علي عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: من أصابه بُسْرَةٌ أو سم أو سحر، فليأت الفرات، فليستقبل الجرية فيغمس فيه سبع مرات.

وقال ابن أبي شيبة أيضًا في المصنف (8/24) رقم 23860: حدثنا يزيد قال: أخبرنا ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، أن أم المؤمنين عائشة سئلت عن النشر فقالت: (ما تصنعون بهذا؟ هذا الفرات إلى جانبكم يستنقع فيه أحدكم يستقبل الجرية). وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (6/245) كذلك.

4- ونقل عبد الرزاق في المصنف (11/14) بعد رقم 19768 عن معمر بن راشد أنه قال في الرجل يجمع السحر يغتسل به إذا أقرأ عليه القرآن: فلا بأس به). اهـ.

5- وقال الإمام العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب في تيسير العزيز الحميد ص368: (ومما جاء في صفة النُّشرة الجائزة ما رواه أبن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تقرأ في إناء فيه ماء، ثم تصب على رأس المسحور، الآية التي في سورة يونس: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: 81-82].

وقوله: ﴿ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 118-121].

وقوله: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 69].

6- وقال العلامة ابن مفلح في الآداب الشرعية والمنح المرعية (3/73): (فصل في النُّشرة وهو ماء يرقَّى، ويترك تحت السماء، ويُغسَل به المريض).

7- وقال الحافظ في الفتح (10/233): (ثم وقفت على صفة النُّشرة في (كتاب الطِّب النَّبوي) لجعفر المستغفري قال: وجدت في خط (نصوح بن واصل) على ظهر جزء من (تفسير قتيبة بن أحمد البخاري) قال: قال قتادة لسعيد بن المسيب: رجل به طب أوْ يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأتِه، أَيَحِلُّ له أن ينشِّر؟ قال: لا بأس؛ إنما يريد به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه، قال نصوح: فسألني حماد بن شاكر: ما الحَلُّ، وما النُّشرة؟ فلم أعرفهما، فقال: هو الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله، وأطاق ما سواها؛ إن المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان، وفأسًا ذا قطارين، ويضعه في وسط تلك الحزمة حتى ما حمت الفأس استخرجه من النار، وبال على حره، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، وأما النُّشْرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة وورد البساتين ثم يلقيها في إناء نظيف، ويجعل فيهما ماء عذبًا؛ ثم يغلي تلك الورود في الماء غليًا يسيرًا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أضافه عليه، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، قال حاشد: تعلمت هاتين الفائدتين بالشام.

8- وقال الحافظ ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (1/141):

(أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله ﷺ‬ في إذهاب ذلك، وهما المعوِّذتان، وفي الحديث: لم يَتعوَّذ المتعوِّذُ بمثلهما، وكذلك قراءة آية الكرسي؛ فإنها مطردة للشياطين).

9- استخراج السحر وإبطاله: قال العلامة ابن مفلح في الآداب (3/96): (كان استعمال الحجامة حينئذ من أنفع المعالجة، وكان ذلك قبل الوحي، فلما جاءه الوحي أنه سحر، عدل إلى العلاج الحقيقي، وهو استخراج السحر، وإبطاله، فدعا الله، فأعلمه به، فاستخرجه، وقال قبل هذا بأسطر: (أما علاج المسحور، فإما باستخراجه، وتبطيله كما في الخبر؛ فهو كإزالة المادة الخبيثة بالاستفراغ، وإما بالاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السِّحْر). اهـ.

10- وقال أيضًا في المصدر نفسه (3/97): (ومن أعظم ما يُتَحَصَّن به من السحر، ومن أنفع علاج له بعد وقوعه التَّوَجُّه إلى الله سبحانه وتعالى، وتَوَكُّل القلب والاعتماد عليه والتَّعَوُّذ والدعاء، وهذا هو السبب الذي لم يَصِحَّ عن النبي ﷺ‬ أنه استعمل شيئًا قبله؛ بل قد يقال: لم يصح أنه استعمل شيئًا غيره، وهو الغاية القصوى، والنهاية العظمى). اهـ.

ومن هذا الباب قول الإمام ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (4/126): (ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية؛ بل هي أدويته النافعة بالذات؛ فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلَّما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عُدَّتُه وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قهره، وكان الحكم له؛ فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله مغمورًا بذكره وله من التوجُّهات والدعوات والأذكار والتعوذات وِرْدٌ لا يُخِلُّ به يطابقُ فيه قلبُه لسانَه كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السِّحْر له، ومن أعظم العلاجات له بعدما يصيبه). اهـ.

11- وأخرج ابن عبد البر في التمهيد (6/245) بسنده عن ابن جريج، قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن النُّشْرة فَكَرِهَ نُشْرَةَ الأطباء وقال: لا أدري ما يصنعون فيها، وأما شيء تصنعه أنت فلا بأس به.

12- وقال ابن عبد البر في المصدر نفسه (6/245):

قال ابن وهب: وأخبرني يحيى بن أيوب أنه سمع يحيى بن سعيد يقول: ليس بالنشرة التي يجمع فيها من الشجر والطيب، ويغتسل به الإنسان بأس). اهـ.

13- قال الموفق بن قدامة في الكافي (5/335): (وسئل ابن سيرين عن امرأة تعذبها السحرة؟ فقال رجل: أخط خطًا عليها، وأغرز السكين عند مجمع الخط، وأقرأ عليها القرآن؟ فقال محمد: ما أعلم بقراءة القرآن بأسًا على حال، ولا أدري ما الخط والسكين؟)

14- ومن ذلك قراءة السورة التي لا يستطيعها البطلة وهي سورة (البقرة) أو قراءتها في ماء، أو زيت زيتون، وشرب ذلك. ذَكَرَ ذلك بعضُ أهلِ العلمِ قال: وقد جرب ذلك، فيحصل الشفاء بإذن الله تعالى.

15- قال ابن مفلح في الآداب الكبرى (3/103).

(وروى أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده عن عائشة أنها كانت لا ترى بأسًا أن تعوذ في الماء، ثم يصب على المريض). اهـ.

16- وروى أبو محمد الخلال بإسناده عن جابر قال: مرض الحسن بن علي، فعاده النبي ﷺ‬، فأصابه موعوكًا فانكَبَّ عليه يقبِّله، ويبكي، فهبط جبريل، قال: هذه هدية من الله لك، ولأهل بيتك. فأمر عبد الله بن رواحة أن يكتب، فدعا بجام وعسل نحل، فقال: اكتب: (وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم دعا بماء مطر، فغسله وسقاه، فبرأ من ساعته فقال: النبي ﷺ‬: «معاشر أمتي هذه هدية الله، فتداووا بها». ومن ذلك قول ابن بطال في شرح صحيح البخاري (9/478)، والقاضي عياض في إكمال المعلم (7/92).

(واختلفوا في عمل النشرة؛ فأجازها الشعبي، ويحيى بن سعيد وجماعة، وجاءت بها آثار، وروي عن الحسن أنها من عمل السحرة، وعن جابر: أنها من عمل الشيطان).

وهذا قد يفهم منه أن النُّشرة نوع واحد وهو نشرة السحرة، وليس الأمر كذلك؛ بل هي أنواع شتى – كما تقدم – والذي أجازه الشعبي ويحيى بن سعيد هي النشرة الجائزة شرعًا – كما سلف ص96، 101، وأما التي من عمل الشيطان وعمل السحر، فلم يجزها الشعبي ولا يحيى بن سعيد.


 شبهة وجوابها

ونقل ابن بطال في شرح صحيح البخاري (9/468) عن الطبري أنه قال: (وحلُّ السحر عن المسحور نفع له وقد أذن الله لذوي العلل في العلاج من غير حصرٍ معالجتهم منها على صفة دون صفة؛ فسواء كان المعالج مسلمًا تقيًا أو مشركًا ساحرًا بعد أن يكون الذي يتعالج به غير محرم، وقد أذن النبي ﷺ‬ في التعالج وأمر به أمته فقال: «إن الله لم ينزل داء إلا وأنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله»([10]).

فسواء كان علمُ ذلك وحَلُّه عند ساحر أو غير ساحر، وأما معنى نهيه - عليه الصلاة والسلام – عن إتيان السحرة، فإنما ذلك على التصديق لهم فيما يقولون على علم من أتاهم بأنه سحرة أو كهان؛ فأما من أتاهم لغير ذلك وهو عالم به وبحاله فليس بمنهيٍّ عنه عن إتيانه). اهـ.

وملخصه: جواز إتيان السحرة لحل السحر عن المسحور، وأما الأحاديث الواردة بالنهي عن إتيان السحرة فالمراد بها تصديق السحرة بما يقولون فقط.

قلت: والقول بجواز إتيان السحرة لحل السحر عن المسحور قول باطل من وجوه:

الأول: معارضته لصريح الأدلة المصرحة بالنهي والزجر عن طلب حل الساحر عن المسحور؛ مثل حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «ليس منا من سحر أو سحر له» ... الحديث، وتقدم ذكره.

وحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – بلفظ: «من سحر أو تُسُحِّرَ له»... الحديث، وتقدم.

وحديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - بلفظ: «من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا، فسأله، فصدقه بما يقول فقد كفر بما نزل على محمد ﷺ‬».

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر»... الحديث.

الثاني: أن السَّحرة يستخدمون الشياطين في عمل السحر؛ فإنهم يتقرَّبون إليهم بما يُحبون من الشِّرك بالله والكفر به؛ فإذا تقرب الإنسان إلى الشيطان بذلك أعانته الشياطين على عمل السحر، فأصبح ساحرًا؛ فمتى أراد أن يسحر أحدًا من الناس سحره.

فإذا أتى المسحور الساحر ليحل عنه السحر، طلب منه أن يتقرب إلى الشيطان إما بذبح شاة أو دجاجة أو ذباب أو نحو ذلك، فإذا تقرب المسحور إلى الشيطان بذلك أشرك بالله، وكفر به، عند ذلك يطلب الساحر من الشيطان أن يبطل عن المسحور عمل السحر؛ لأن مقصد الساحر الحصول على دريهمات من المال، ومقصد الشيطان إخراج المسلم من الإسلام إلى إدخاله في الكفر والشرك.

والأصل في هذا ما تقدم عن الإمام شمس الدين بن القيم – رحمه الله تعالى – الذي قاله في إعلام الموقعين (4/396) في فتاوى إمام المفتين ﷺ‬ في الطِّبِّ، فقال ما نصه: وسئل عن النُّشرة فقال: «هي من عمل الشيطان». ذكره أحمد وأبو داود، والنُّشرة حَلُّ السِّحر عن المسحور. وهي نوعان: حل سحر بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان؛ فإن السِّحرَ من عمله فيتقرب إليه الناشر والمنتشر لما يحب فيبطل عن المسحور.

والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة؛ فهذا جائز بل مستحب، وعلى النوع المذموم يُحمل قول الحسن: «لا يحل السحر إلا ساحر». اهـ.

وقول سماحة مفتي المملكة ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله؛ إذ يقول في فتاويه (1/165) ما نصُّه: ومعنى حديث جابر في ذلك يعني أن رسول الله ﷺ‬ سئل عن النُّشرة فقال: «هي من عمل الشيطان».

وقول الحسن: لا يحل السِّحر إلا ساحر، والسحر حرام وكفر، أفَيُعْمَلُ الكفر لتحيى نفس مريضة أو مصابة؟! مع أن الغالب في المسحور أنه يموت أو يختل عقله؛ فالرسول منع وسد الباب، ولم يفصل في عمل الشيطان، ولا في المسحور). اهـ.

الثالث: أن السحر حرام بالكتاب والسنة والإجماع كما قاله شيخ الإسلام وغيره وتقدم، ومعتقد حلَّه كافر بالإجماع كما قاله النووي وغيره فيما تقدم؛ فكيف يجوز إتيان السحرة، والحال ما ذكر؟!

الرابع: أنه تقدَّمَ عند أهل العلم أنه يجب قتل الساحر، حتى لقد قال الإمام الشوكاني في السيل الجرار (4/375):

(نعم؛ يؤدَّبُ بضربه بالسيف يطير بها رأسه عن جسده). فكيف مع هذا يقال: يجوز إتيان السحرة ليحلُّوا السِّحر عن المسحور؛ لأن القول بجواز ذلك يقتضي عدم قتلهم؛ لأجل حل السحر عن المسحورين، ومن ثَمَّ يَلْزَمُ من عدم القتل إقرارهم على السحر وتكثير سوداهم.

الخامس: أن إتيان السحرة لحل السحر يؤدي إلى الشرك والكفر، كما تقدم، وما كان يؤدي إلى شيء من ذلك حرم تعاطيه ووجب اجتنابه بلا نزاع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجمع الفتاوى (19/61): (والمسلمون – وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير – فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال؛ لأن ذلك محرَّمٌ في كل حال). اهـ.

السادس: أن الطبري قيد القول بالجواز بأن لا يكون الذي يتعالج به غير محرم.

قلت: فإن وجد ساحر يعالج بشيء غير محرم فلا مانع من التداوي عنده؛ لكن أنَّى له ذلك؛ بل يجب سد الباب وترك التفصيل في الأحوال.

وأما قوله: (وأما معنى نهيه – عليه السلام – عن إتيان السحرة، فإنما ذلك على التصديق لهم فيما يقولون على علم من أتاهم بأنهم سحرة أو كهان؛ فأما من أتاهم لغير ذلك وهو عالم به وبحاله فليس بمنهيٍّ عن إتيانه).

قلت: إتيان السحرة لغرض التداوي ممنوع شرعًا، سواء صدق السحرة بما يقولون أم لم يصدقهم؛ أي فليس من شرط المنع التصديق، وإنما المنع والحظر لما يفضي إليه إتيان الساحر من الشرك بالله والكفر بالتقرب إلى الشياطين بما يحبون كما تقدم؛ فإن صَدَّقَهم بما يقولون فزيادة شر على شره وبلاء على بلاء، وخسارة الآخرة والأولى.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه

حرر في 28/6/1427ﻫ



([1]) وعند الحافظ ابن كثير في التفسير (1/140): أي أخفوا عنهم عملهم.

([2]) كلمة غير واضحة المعنى.

([3]) البرطيل: الرشوة/ المعجم الوسيط ص50.

([4]) ينظر: كتاب تخريج أحاديث منتقدة في كتاب التوحيد للمؤلف ص28-36.

([5]) سبق أن فسر قول قتادة لسعيد بن المسيب: رجل به طب أو يُؤخذ عن امرأته. أيحل عنه أو يُنشَّر في ص233 من الفتح ج10 لفظ (أو ينشر) بقوله: بتشديد المعجمة من النشرة بالضم وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرًا أو مسًا من الجن. قيل لها ذلك؛ لأنه يكشف بها عنه ما خالطه من الداء. اهـ.

([6]) مسند أحمد (3/294).

([7]) سنن أبي داود (4/201) رقم 3868.

([8]) الطنجير قدر أو صحن من نحاس أو نحوه، المعجم الوسيط ص567.

([9]) وانظر فتح الباري للحافظ ابن حجر (10/233) فقد نقلها عن عبد الرزاق بحروفها والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك.

([10]) رواه الحاكم في المستدرك (4/401).