إلا صلاتي ()

 

|

 إلا صلاتي

مشعل العتيبي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -.. أما بعد.

نظرت إليها ودموع الأسى والحزن تنهمر من عينيها، فدنوت بين يديها وقلت: ما لك يا روضة العابدين ويا أنس الطائعين، ويا حبيبة العباد المخلصين، ويا بغيضة عند الفساق والمنافقين، فنظرت إليَّ بنظرات الأسى والاكتئاب وكلمتني بنبرات اللوم والعتاب وقالت: ألم أبلغك رسالتي؟ وأُحَمِّلُك شكايتي فلم لم توصلها للمقصرين؟ لقد أودعتك يومًا ما رسالتي والتي تحمل آمالي وآلامي، وتنبض بشعوري وأحلامي، فلم لم توصل هذه المشاعر إلى كل مقصر وهاجر؟ فقلت: قد والله فعلت فبلغت الرسالة، وأسمعتها للهاجرين، وخاطبت بها المعرضين، ولكن ما حيلتي إذا كانت الرسالة لا مست الأسماع، ولم تخترق الفؤاد..

وما ذنبي إذا كان بعض من جيل اليوم جيل استماع لا انتفاع، لقد أديت الرسالة إلى المعرضين.

لقد أسمعت لو ناديت حيًا

ولكن لا حياة لمن أنادي

لقد أوصلت الرسالة إلى الهاجرين فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة وآثر الهوى على الهدى قالت: ولكني لا أزال أشكو من كثرة المعرضين وقلة الراغبين فقلت: أيتها الشعيرة المظلومة لك عليَّ أن أعيد رسالتك وأبثها من جديد وأرسلها لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولكن لا تيأسي ولا تحزني فلست أنت المظلومة الوحيدة فما أكثر شعائر الإسلام المظلومة في هذا الزمن حينما أصبح سلطان الهوى حاكمًا، واتُّخِذَ الهوى إلهًا من دون الله، ورفع بعض الناس شعار أنت حر ما لم تضر.

وتحللوا من المفهوم الحقيقي للإسلام والذي يعني الاستسلام لله والانقياد والخضوع له ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36] ما أكثر الشعائر المظلومة يوم أن تخلف هذا المفهوم عن واقع الناس، وأصبح بعضهم يأخذ من أحكام الإسلام ما يوافق هواه، وما ترتاح له نفسه الأمارة بالسوء. إن رسالتك تفيض حسرة وألمًا وتذرف أسى وندمًا على واقع الناس معك وها أنا ذا أبلغها على لسانك قائلاً: أنا شعيرة من شعائر الإسلام شرعني العليم الخبير؛ لأكون من أركان الإسلام، وسبيل رضا العلام.

عايشت أجيالاً عرفوا لي قدري فلم يتخلفوا عن الحضور إليَّ، حتى في أصعب الأحوال، كانوا يبحثون عن فضائلي، ويسعون للحصول على رضا الرب الذي شرعني و حينما شرعني الله خصني بمزيد من الفضائل والمزايا والخصائص والعطايا. فأنا شعيرة من شعائر الإسلام ضحية للسهر المحرم عند قوم وأسيرة الالتزام الأجوف عند آخرين، بليت بقوم لا يعرفون قدري ولا يدركون أثري، لقد آثروا راحة النفس على فضائلي أتدرون من أنا؟ أنا التي لا يكون صلاح الأمم إلا بإقامتي، أنا التي صلاح الشباب مرتبط بالحرص على التمسك بي..

بل إن سبب ضياع كثير من الشباب لم يبدأ إلا بعد تضييعهم لي أنا التي كانت آخر ما أوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته وهو على فراش الموت. بل أنا التي كان يرددها عليه الصلاة والسلام في كل أوقاته ومواعظه وخطبه، بل حتى في سكرات موته أنا الصلاة.. أنا الصلاة.. الصلاة الصلاة يا عباد الله.

أنا التي كان عليه الصلاة والسلام ينادي بها، بل ويعلنها ويقولها «لا دين لمن لا صلاة له»: حسنه الألباني.

«وليس بين الرجل والكفر والشرك إلا ترك الصلاة» رواه مسلم.

«ومن ترك صلاة مكتوبة متعمدًا برئت منه ذمة الله» رواه أحمد بسند حسن.

بل حتى أصحابه عليه الصلاة والسلام «لا يرون شيئًا من الأعمال، تركه كفر غير الصلاة».

لقد تساهلنا وفرطنا.. في أُمِّ العبادات وأعظم القربات، وصلنا إلى أن تجد الكثير من الأسر وللأسف الصلاة ليست في حسابهم. فأي خير يرجى من أمة لا تقيم لهذه الشعيرة العظيمة وزنًا، من ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع، من تهاون بها فلا تسأله عن ما بعدها، الصلاة أول ما ستسأل عنه يوم القيامة أسمعت يا عبد الله.. أول ما ستسأل عنه يوم القيامة فمن أراد أن يحاسب نفسه.. من أراد أن ينظر في حاله حين يقف أمام ربه فليتفقد نفسه في صلاته فإن قُبِلَتْ قُبِلَ عمله وإن رُدَّتْ رد سائر عمله. كيف لا وهي الصلة التي بينك وبين الله، كيف لا وهي سبب نجاتك وسعادتك.

لا تتردد.. صلاتك هي التي ستبدل سيئاتك حسنات..

نعم ستتبدل سيئاتك حسنات بإقبالك على رب الأرض والسماوات

بدءً بصلاتك وعودتك.. بدءً بصلتك وطاعتك.

فوالله ما إن تفكر في العودة إلى الله ولو أتيت بالذنوب والخطايا.. وأنت تتذكر حديث نبيك عليه الصلاة والسلام «ما من عبد يخرج من بيته إلى بيت من بيوت الله فيرفع قدمًا، أو يضع أخرى إلا تحاتت عنه ذنوبه وخطاياه» حديث صحيح.

«وما من عبد يصلي صلاة في بيت من بيوت الله، ثم يجلس في المسجد ينتظر الصلاة بعدها؛ إلا تحاتت ذنوبه ومحيت خطاياه» حديث صحيح.

فضائل ورحمات من رب الأرض والسماوات ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1، 2].

فلن يكون الفلاح إلا بالصلاة

أين الذين ضيعوا الصلاة ويريدون الخير والفلاح؟.. أين الذين يؤخرون الصلاة ويريدون ما عند الله؟.. أَخَّرُوا الصلاة عن وقتها، ولم يبالوا بها فإذا كانوا نائمين أدوها متى استيقظوا، وإذا كانوا مشغولين صلوها عند الفراغ من شغلهم، فالصلاة عند هؤلاء تؤجل لأي سبب؛ فيا حسرتاه على أحوالهم ما الذي أخرهم؟؟ وما الذي أبعدهم وصرفهم؟؟ كيف يهنأ هؤلاء في حياتهم.. كيف يطيب لهم من دون الصلاة عيشهم وأحوالهم.

سؤال:

إلى أولئك الذين أعرضوا وما زالوا يصرون على التهاون بالصلوات، إلى أولئك الذين أخرتهم الصوارف والملهيات، أخرتهم الجلسات والسهرات أخرتهم القنوات والمسلسلات، أخرتهم المباريات وضياع الأوقات، حتى أصبحوا بصلاتهم لا يعتنون وبسخط ربهم لا يبالون وماذا بعد هذا؟.. لقد ازدادت في بيوتهم المنكرات فعكفوا على الشاشات؛ فلا تسأل عن الصلوات، ولا تسأل عن الطاعة.

فويل لهم ويا خيبتهم

لقد أضاعوا الصلة بينهم وبين الله؟ ويحهم ما أعظم خيبتهم، وما أشد غفلتهم، ويا خسارتهم باعوها بمتاع قليل.وأعرضوا عنها.. لاهين في بيوتهم.. أو منشغلين ببيعهم.. أو منغمسين في الحرام.. أو في متابعة المسلسلات والأفلام..

يسمع منادي الصلاة والفلاح ثم يدبر ويتولى ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: 31-35].

والله الذي لا إله إلا هو إنك لن تلقى الله بقربة أعظم من المحافظة على الصلوات، والله لن يقودك إلى الجنة إلا المحافظة على الصلوات، ولو سألت أهل النيران عن سبب سلوكهم ذلك الصراط وذلك الطريق الضال ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 42، 43] فهل هذه إجابتك؟ لم نك من المصلين.

إنها الصلاة يا هؤلاء.. إنها الصلاة.

عظيمة عند الله.. عظيمة عند رسول الله.. عظيمة عند صحابته والتابعين.

فماذا عنك أنت هل عظمت الصلاة؟

إنها الصلاة تَمَسَّك بها صحابته وعظموها فلم يتهاونوا بها ويؤخروها. أما سمعت عن ميمون بن مهران وقد علم قدر الصلاة فلما حانت ساعة موته واحتضاره وهو على فراش الموت وبناته حوله يبكون فينظر إليهن وهو يقول على ماذا تبكون؟ والله ما فاتتني صلاة الجماعة خمسين سنة.. فلا إله إلا الله قد علم أن عمله لن يرفع إلا بالصلاة.

هذا ميمون بن مهران يا شباب ويا فتيان.. هذا ميمون بن مهران يا رجال فأين الرجال؟. وهذا سعيد بن المسيب الذي يقول والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام أربعين سنة. أربعون سنة لم تَفُتْهُ تكبيرة الإحرام فأين الذي لم يستطع أن ينضبط على الخمس صلوات.

لا إله إلا اله.. أين تعظيم الله في قلوبنا؟ أين الخوف من الله في حياتنا؟ أين الذي يدعي محبة الله ويريد الجنة؟ أين هو عن الصلاة؟ الجنة يا عباد الله من يعمل لها.. الجنة ليس بينك وبينها إلا لحظات الموت فماذا أعددت لها؟؟ فيا حسرتاه على من تكاسل وتهاون ويا خيبتاه على من تأخر وتمادى؟ إلى متى؟ إلى متى ونحن نرى الموت يتخطفنا؟ إلى متى ونحن نعلم أن القبر ينتظرنا متى تصلي وتقبل؟ متى تتصل بربك؟

والله ستتحسر وتندم في يوم لا ينفع الندم.. ستندم وأنت تقاد إلى قبر موحش مظلم.. والله لن يدافع عنك في قبرك إلا الصلاة، إلا الصلاة هي التي ستقف عند رأسك وتقول أنا عمله.. أنا من يشفع له فهنيئًا لمن هم على صلاتهم دائمون.. بصلاتك ستنال الشفاعة من نبيك عليه الصلاة والسلام إذا قيل: يا محمد ارفع رأسك.. وسل تعط.. واشفع تشفع، فسينادي نبينا: يا رب أمتي.. أمتي.. يا رب أمتي.. أمتي فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة ثم يفصل الله القضاء بين الناس.. والله لن تكون هذه الشفاعة العظمى.. والنجاة الكبرى.. إلا للمصلين يوم يقول الله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 85-88] إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا.. فأي عهد بينك وبين الله يا تارك الصلاة.

أنسيت أن «العهد الذي بيننا وببينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» رواه الخمسة، أي عهد بينك وبين الله وأنت تسمع النداء وتتشاغل وتنصرف وكأن النداء لا يناديك..أي عهد بينك وبين الله.

وأنت تختلق الأعذار ولم تبال بسخط الجبار.

الحياة والله لحظات..

لحظات ثم يقال فلان مات

فماذا تنتظر؟؟ وعلام التردد والتسويف؟؟ كم نسمع وتسمعون في كل يوم وليلة عن أخبار الموتى من الشباب والشيب والرجال والنساء في صور متعددة، هذا يموت في سريره وآخر لمرض، وثالث بسكتة ورابع في حادث مروع وهكذا، تعددت الأسباب والموت واحد.

فعلى ماذا ستموت؟ هل ستموت على ترك الصلاة؟ شاب من الشباب سمعنا عنه بيته قريب من المسجد يقول أحد الإخوة كم مررنا على بيته هو ومن معه من رفقته.. والله كنا نراهم يوميًا أثناء ذهابنا وإيابنا للمسجد، وهم معتكفون على هواية أضلتهم وأشغلتهم فأحدهم منصرف لغسيل سيارته والعناية بها، ولا يكون ذلك إلا على أنغام الموسيقى والأغاني الغربية، والآخر يتجول بدراجته النارية وكثيرًا ما كانوا يتجمعون عند بيته في لهو وضياع للأوقات، يقول: نمر عليهم في أوقات الصلاة ونقول لهم: يا شباب إلا الصلاة.. إلا الصلاة.. ثم اصنعوا ما تشاءون لعل الله أن يتدارككم برحمته.. كانوا لا يستجيبون كنا نراهم أثناء ذهابنا للصلاة يختفون عنا في البيت حتى لا نقول لهم ونذكرهم بالصلاة. وهكذا يمضون أوقاتهم في تضييع للصلوات، وإهمال للأوقات حتى جاءنا من يخبرنا أنهم قد أرادوا السفر إلى بلد قريبة؛ طلبًا للهو والرقص والغناء ومحاربة الله بالمعاصي ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ذكرناهم.. خوفناهم.. ولكن تمكن منهم الشيطان، وزين لهم أعمالهم وقال: لا غالب لكم من الناس وإني جار لكم.. يقول الأخ مضت السنوات ولم تصلنا عنهم أخبار.. حتى رأينا أحدهم يصلي بيننا... وقلنا يا سبحان الله.. فيقول اقتربت منه وقلت له: أنت فلان، قال: نعم، قلت: أين صحبتك؟ منذ فترة لم أراكم كما كنت أراكم فقال والله ليتنا كنا مع الذين يسمعون القول.. ليتنا وليتنا؛ نظرت إليه فإذا عبرات الحزن والأسف على وجهه وفي نبرة صوته، أمسكت بيديه وخرجت معه من المسجد ووقفنا عند السيارة فقلت له: أين صحبتك؟ فقال فلان، فقلت: تقصد صاحب الدراجة، قال: نعم. هو الآن في السجن مدين من قبل الفندق بعد أن رهن جواز سفره وكل أوراقه.

فقلت: لا إله إلا الله وماذا عن الآخر؟ فأخذ يبكي بين يدي، والله قد ارتمى على صدري حتى علا صوت بكائه ونشيجه فقلت له: هون عليك يا أخي ما الذي حدث لصاحبكم الآخر.. فقال: أرجوك أن تدعو له.. قلت: هل مات؟ فقال: يا ليته مات ولم يبق على هذه الحال فقلت: إذًا هو مسجون مع الآخر؛ فازداد بكاؤه وهو يقول: يا ليته مسجون، صاحبنا مريض يتلقى العلاج فقد أصيب بالمرض الذي لا يذكر حتى سقط من بين يدي؛ فأركبته في سيارتي وجلست بقربه فقال: صاحبنا يعاني من مرض الإيدز فقلت لا إله إلا الله وحسبنا الله ونعم الوكيل، نظرت إليه وأنا أقول له: إنا لله وإنا إليه راجعون، أنسيتم تلك الأيام أنسيتم كم ذكرناكم؟ كم قلنا لكم؟ ولكن والله لا تحبون الناصحين كم وعظناكم؟ ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون.

أهكذا تنتهي حياة الشباب؟ أهكذا تدمر حياتهم وأقواتهم؟ أهكذا يموتون على غير صلاة؟..

يا ويلهم من غضب الله

يا ويلهم من عذاب الله

والله إن مآسي الشباب وهو يموتون على ترك الصلاة مآسي مبكية ومآسي مفزعة. في إحدى الطريق السريعة. أربعة من الشباب وهم في سيارتهم. وعند إحدى المحطات رأيتهم والله وقد نزلوا من سيارتهم إلى محل الأغاني، واشتروا ما أملاه الشيطان لهم ثم انطلقوا بسرعة جنونية وأغنية مدوية.. بل والله كان الذين في المقاعد الخلفية يتراقصون.. يتراقصون على الموسيقى والألحان. تراقصوا فالحياة قصيرة وإن طالت.. تراقصوا فالموت لا يعرف المهلة والانتظار.

والله مثل هؤلاء لم ولن يخطر في بالهم الموت والنهاية المؤلمة.. فماذا حدث. حدث ما لم يكن في حسبانهم.. وهم مندفعون بسرعة من مخرج المحطة فإذا بسيارة كبيرة مندفعة بسرعتها وهي على مسارهم على الطريق السريع؛ فإذا بها تصطدم بهم فتنحرف بهم عن الطريق فلا حول ولا قوة إلا بالله. تدافعنا عليهم.. حاولنا إخراجهم.. والله لم نتمكن إلا من اثنين.. وقفنا على أحدهم ولا نسمع إلا أنينه والدماء قد غطت وجهه وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة علمنا أنه يصارع الموت وقف أحد الإخوة وهو يقول له تشهد قل: لا إله إلا الله يا فلان، قل: لا إله إلا الله. فينظر إلينا وهو يفتح عينه مرة ويغمضها مرة أخرى وصاحبنا يناديه بلا إله إلا الله..، لكنه والله كان يتمنى أن ينطق بها لكن للأسف ثقلت على لسانه.. ثقلت لأنه لم يتعود عليها كيف لا تثقل على لسان لم يتصل بالله؟ كيف لا تثقل على لسان آخر ما سمعه في دنياه الأغاني والألحان؟.. يا حسرتاه على شبابنا.. أين أنتم يا شباب؟ يا من ستموتون اليوم أو بعد يوم حسبنا الله ونعم الوكيل.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.. أولئك الذين يموتون على خاتمة سيئة هل كانوا يتصورون أن يختم له بهذه الطريقة؟، هل كانوا يعلمون أن موعدهم قد آن؟.. كما أنت الآن.. أسألك بالله أتعلم متى موتك وساعتك؟ أين طاعتك؟

والله لن ينقذك إلا انضباطك في صلواتك لقد أصبحنا نردد: العمر طويل.. وسأتوب عند الكبر، نسينا أن الموت لا يعرف الكبير والصغير.. نسينا أن الموت يأتي بغتة، فانظر في حالك يا مسكين واعمل لموعدك.. وتجهز لقبرك فإن أسباب الموت لا تنتهي وحوادث الطرق تزداد يومًا بعد يوم، فيا من لا يبالي بسخط ربه وغضبه، يا من حياته وأوقاته وبيته مليئًا بالمحرمات والمنكرات، يا من يصر على أن يقضي جلساته وسهراته بالغيبة والمعازف والألحان. أين الحسرات.. أين الندم؟ الذي لا يصلي هل سيعتني بوقته؟ الذي لا يصلي هل سيعيش مطمئنًا؟ بل والله همه هوايته وجلساته، همه جولاته وسهراته حتى تجره للهاوية. ولن يقف الأمر عند الصلاة، لا سيتدرج إلى الكثير من الفواحش والمنكرات.. من تدخين ومخدرات.. كيف لا.. والصلاة هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.. فماذا تنتظر؟ من ذلك الذي تهاون فيها.. ولم يعتن بها.. يقول أحد المغسلين للموتى: لقد جيء بميت يحمله أبوه وإخوانه ودخلنا لغسله فبدأنا بتجريده من ملابسه، ها هو جثة نقلبها بأيدينا، لقد آتاه الله قوة في جسمه، وفتوة في عضلاته وبياضًا ناصعًا في بشرته. وبينما نحن نقلب الجثة وفجأة وبدون مقدمات انقلب لونه كأنه فحمة سوداء، فتجمدت يداي وشخضت عيناي خوفًا وفزعًا، فخرجت من مكان الغسيل وأنا خائف وسألت أباه: ما شأن هذا الشاب؟.. فقال: إنه كان لا يصلي، إنه كان لا يصلي يقول المغسل: فقلت لهم: خذوا ميتكم فغسلوه، فرفض المغسل أن يغسله، ورفض إمام المسجد أن يصلي عليه، إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا إله إلا الله لا يُغَسَّل ولا يُصَلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين هذا حكم الله فيه، فمسألة الصلاة لا مجال فيها للمساومة والمجاملة. فهذا الذي تهاون في صلاته وضيع أمر ربه تجري عليه الأحكام، فيا حسرتاه من مات على غير صلاة.. أما سمع هؤلاء فتوى المشايخ والعلماء.

هذه فتوى في تارك الصلاة للشيخ العالم محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يقول: "إذا تبين أن أدلة كفر تارك الصلاة قائمة لا مقاوم لها تعين القول بمقتضاها، إن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، وأنه يحكم عليه بما يُحكم على المرتدين عن دين الإسلام من الأحكام الدنيوية والأخروية".

واستمعوا إلى بعض منها: "إن تارك الصلاة لا تحل ذبيحته ولو سمى الله عليها، إن تارك الصلاة لا يحل له أن يدخل حدود مكة ولو كان محرمًا بحج وعمرة؛ لأن حجه وعمرته غير مقبولين؛ لأنه من شرط صحة العمرة والحج أن يكون الإنسان مسلمًا، إن تارك الصلاة لا يحل أن يزوج بمسلمة لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10]

إن تارك الصلاة إذا كان معه زوجة ينفسخ نكاحه ولا يحل له أن تبقى معه طرفة عين؛ لأنها لا تحل له! إن تارك الصلاة إذا مات لا يجوز أن يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يدعى له بالمغفرة ولا بالرحمة.. ولا يتصدق عنه ولا يكون مع المسلمين يوم القيامة. ولا يدخل الجنة معهم، نعوذ بالله من ذلك، ولا يحل لأهله الذين يعلمون أنه مات على ترك الصلاة ولم يتب، أن يقدموه للمسلمين ليصلوا عليه فإن فعلوا فهم آثمون؛ لأن الله نهانا أن نصلي على الكافرين فإن قال قائل: إذا كنتم لا ترون دفنه مع المسلمين، فأين ندفنه؟ قلنا: نخرج به إلى بر شاسع، ونحفر له حفرة، وندفنه فيها خوفًا من تأذي الناس برائحته وتأذي أهله برؤيته! وقد قال الله ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ فيا هؤلاء إني أسألكم بالله.. ألم تفكر كيف حالك لو مت على غير صلاة؟.. ألم تعتبر بنهايات من سبقوك؟.. أما سمعت عن موتى الحوادث والطرقات؟.. أترضى أن يقال عنك كافر؟.. والله لا نرضاها لك.. لأننا نعلم أنك تحب الخير وفطرتك تستجيب لكل خير..

يا الله.. كم من الناس تعرفه وقد تشير إليه أنه رجل.. إن قَيَّمْتَه بين الرجال لوجدته أفضلهم.. خلق كريم وطيبة وحيوية.. إذا تعاملت معه لن تجد منه إلا الأمانة وحسن الخلق، وإن جاورته سيحرجك بطيبه وجميل تعامله.. لكن للأسف! وهذا ما سيجعلك تتأسف وتتحسر كيف تكون كل هذه الأخلاق وهذه الآداب في رجل لا يعرف الصلاة ولا يعتني بها! كيف تكون هذه القيم وهذه الرجولة في من لا يتصل بربه ولا يعرف له طريقًا، أنسينا أن أخلاقنا وكرمنا وأمانتنا وشيمنا إذا لم تكن لله وفي الله فوالله لن تثمر لنا إلا الخيبة والحسرة.. إذا لم تكن لإرضاء الله؛ نتقرب بها إلى الله فلن تنفعنا بل ستكون هباء منثورًا. والله لن يُقَيَّمَ الرجال ولن يقاس الرجال إلا بإيمانهم..إلا بصلتهم بربهم.. إلا بصلاتهم.. هؤلاء هم الرجال، هؤلاء هم الذين وصفهم الله بالرجولة، هؤلاء هم الذين قال عنهم الله ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37] هذا هو الميزان والمقياس إذا أردت أن تزن الرجال فاسأل عن صلاتهم.. يتقدم إليك من يريد الزواج تسأل عن صلاته..

يأتيك من يريد دينًا أو قرضًا من المال تسأل عن صلاته، يأتيك من يطلب الشفاعة في وظيفة أو عمل تسأل عن صلاته. فمن سقطت صلاته سقط وانتكس.. بل هو ميت وإن كان يتقلب بين الأحياء، فمن سقطت صلاته فلا تسأل عن حاله وأحواله. إنك تتعجب من أناس لا يعرفون الله والصلة بالله إلا بعد مصابهم وابتلاءاتهم، ألا يعلم أولئك أن الصلاة حفظ في الحياة حتى قبل الممات، إذا حفظت الله حفظك من كل ما تكره، إذا حفظت الله وفقك لكل خير وصرف عنك كل شر، أعرف من الرجال من كان لا يعرف للمسجد طريقًا ولا للصلاة اهتمامًا.. له من الأبناء أربعة وبنت واحدة.. أحد أبنائه توفاه الله بعد سنوات بسبب إدمانه للمخدرات، والآخر قد ابتلاه الله بفشل كلوي؛ فكان هذا الأب يرافق ولده أحيانًا في المستشفى وأحيانًا يسافر به لعلاجه، فأشغل الله هذا الأب مع ولده بمعاناته مع مرضه، هذا الأب الذي لم يخطر بباله يومًا الاتصال بربه. كان لا يعرف المسجد أبدًا إلا في الجمعة مع الناس. نزلت عليهم هذه البلوى وأصبح الأب مهمومًا مغمومًا لا يدري كيف يفكر، والأم لا تملك إلا البكاء والأنين والشكوى. أصيب هذا الرجل بِهَمٍّ لا تطيقه الجبال، من معيشته وأحواله من بلد إلى بلد ومن مستشفى إلى مستشفى ذهبت أمواله التي جمعها سنوات.. وجل وقته أصبح لهذه الحالة وفي هذه الأثناء وقد هيمنت عليه همومه. يأتيه هم أكبر وأشد فإذا بأحد رجال الهيئة يتصل به ويطلب منه مراجعتهم.. ليقول له للأسف: لقد وجدنا ابنتك مع شاب في إحدى المطاعم العائلية. فيا الله لقد ابتلاه الله رحمة به ليعود إليه فما أرحمك يا الله، والله لم يتحمل الخبر أصيب بجلطة ومكث في المستشفى أسابيع وكنا نزوره ونذكره بالله وهو يبكي ويردد والله هذا ما جنيته على نفسي لم أكن أعرف الصلة بالله.. كم كنت بعيدًا عن الله.. فلا إله إلا الله الآن يقولها.. أين كان عنها؟.. أين هو عن الصلاة؟ قطعت الصلة بالله فقطع الله عنك الراحة والاستقرار. خسران والله خسران يا من ترك الصلاة، تمر الأيام حتى بدأ يحافظ على الصلاة ومنذ تلك اللحظات والله تحسنت أحواله ابنته رزقت بزوج.. ولده وجد من يتبرع له بكلية.. والله وأقسم بالله لا ملجأ لنا إلا الله.. والله لم ولن يخيب الله من اتصل به وتعرف عليه واشتكى إليه.. إنك تتعجب والله من أولئك الذين لا يعرفون الصلاة إلا في أوقات الحاجة لا يعرفون الصلوات إلا بعد المصائب والابتلاءات، حتى بعض الشباب والطلاب بعضهم والله لا يعرف الصلوات إلا عند الاختبارات.

أنسي هؤلاء أن حياتهم ومعيشتهم وأعمالهم لا تستقيم ولا تصلح لهم إلا بإقامة الصلوات خمس مرات كل يوم، لتتصل بالله في كل أوقاتك.. لتتصل بالله على كل أحوالك لتتصل بالله في السراء والضراء.. لتتصل بالله الذي هو من يملك نفعك وسقمك.. لتتصل بالله الذي هو من يملك سعادتك وشقاءك، فلا إله إلا الله كيف يعصي الله من علم أنه هو الله الذي بيده ملكوت كل شيء؟.. كيف يعصي الله من علم أنه هو الله المصرف في كل شؤون الحياة؟ فيا غافل.. يا من كان يظن أنه سيعيش مطمئنًا وهو بعيد عن الصلاة.. ويا معرض.. يا من يتردد على المصحات والرقاة وشفاؤه بين يدي ربه بالصلاة.. إلى متى؟؟ أما فكرت في حالك؟؟ أما فكرت في مآلك صلاتك هي نجاتك.. صلاتك هي حياتك.. صلاتك هي ضياؤك، إن الأسف كل الأسف أن لا يخرج من البيوت للصلاة إلا الشيب وكبار السن وشبابنا يتقاعسون ويتكاسلون، جاءتني امرأة مسنة كبيرة في السن في المسجد في رمضان الماضي بعد صلاة التراويح.. سبحان الله وكأنها تحمل الهم بل تحمل الهموم.. وقفت تنتظر عند سيارتي. فلما اقتربت أنا من سيارتي فإذا بها تقترب نحوي. فقالت: يا ولدي قلت لا تكملي سأعطيك المتيسر فقالت: عفا الله عنك.

إني لا أطلب مالاً فالحال ميسور، ولكني أسألك بالله أن لا تترك جيرانك. والله إنني تعبت وعانيت كثيرًا مع أبنائي لقد أشقوني كثيرًا.. أبنائي لا يعرفون المسجد. وجهتهم ونصحتهم وذكرتهم، بل والله خوفتهم، والله حتى صلاة الجمعة يتكاسلون عنها. فأرجوك إني أسألك بالله أن تزورهم فأشارت إلى بيتها. وإذا البيت قريب جدًا للمسجد. فقلت أهذا هو بيتكم لا إله إلا الله إذًا هم يسمعون النداء.. بل يسمعون القراءة ويسمعون الصلاة.. قالت: والله يسمعون.. يسمعون لكنهم لا يبالون قلت لها: هل هم في البيت الآن؟ فقالت: نعم أرجوك.. ذهبت إليهم.. ذهبت مستعينًا بالله فقلت: لها اسبقيني يا والدتي ولا تخبريهم بمجيئي، طرقت الباب فاستقبلني أحدهم.. وهو ينظر إليَّ مستغربًا زيارتي دخلت المجلس فإذا أصوات القنوات والغناء يصدع في أرجاء المجلس فسبقني وهو محرج لجهاز التلفاز فأغلقه، وإذا بأخيه الآخر جالس وبيديه الشيشة وعلبة السجائر ملقاة على الأرض.. سلمت وأنا أسألهم عن أحوالهم ثم جلست وأنا أقول لهم: كم تعني لكم والدتكم؟ هل تهمكم سعادتها؟ هل تضايقكم همومها؟ هل تبحثون عن رضاها؟ والدتكم تريد أن ترضون الله بها. والدتكم تريد أن تتصلون بالله لإرضائها.. حتى قال أحدهم: والله إننا نجتهد في إرضائها. قلت له: أسألك بالله كيف تجتهدون في رضاها قبل رضا الله؟ أسألك بالله أنت وأخاك كيف أنتم مع الصلاة؟.. كيف أنتم مع المسجد؟.. مسجدكم القريب من بيتكم.. أجيبوني سألتكم بالله؟ والله ما رفعت صوتي بهذا السؤال حتى سمعت بكاء وأنين والدتهم من خلف الباب.. فقلت: لهم اتقوا الله في هذه التي تسمعون أنينها وبكاءها.. والله ما جاء بي إليكم إلا هي.. هي التي ترتجي صلاحكم.. هي التي تريد أن تنقذكم من النار إلى متى؟ وقد بلغتم من الكبر ما يجعلكم تميزون الحق من الباطل.. ألم يمنعكم خوف من ربكم؟.. ألم يردعكم حياؤكم؟ تنعمون بنعم الله بين شهوات وصحة وتضييع أوقات، ولم تتصلوا بالذي أنعم عليكم هذه النعم!.. فإذا بأحدهم يخرج ويقبل على أمه وينكب على يديها ثم على رأسها، وهو يردد أمي ما الذي يبكيك؟.. أمي والله سنصلي والله سنصلي.. أماه سنكون والله كما تحبين.. سامحينا نعاهدك أمي أن نكون مع المصلين. فخرجت أنا من عندهم، خرجت وأنا أقول لهم: تبكون أولا تبكون والله لن تصلح أحوالكم وترضوا والدتكم إلا إذا قمتم لله وقمتم إلى الصلاة مع الذين هم على صلاتهم دائمون. وإلا والله ستندمون.. ستندمون يوم لا ينفع الندم.

يحدثنا أحد رجال مكافحة المخدرات أنهم قبضوا على شاب أصبح رهينة الإدمان.. حيث كان منغمسًا في الإدمان، حتى أصبح يسرق مجوهرات أمه وأخته وهو العائل الوحيد لهم وقد كانت أمه المسكينة تعظه وتنهاه عن هذه الطرق السيئة. لكن للأسف كلما وقفت تنصحه.. أشهر السكين في وجهها، ولما سرق جميع ما لديهم من مجوهرات بدأ ببيع أثاث بيتهم حتى لم يبق شيء يبيعه، ثم بعد ذلك أتدرون عياذ الله ماذا فعل؟ لم يجد هذا المجرم إلا أن يوقع أخته في الإدمان وهي غافلة لا تعلم، ثم أخذ بعد ذلك يتاجر بعرضها وشرفها من أجل المال والإدمان، ولم يقف جنون هذا المدمن عند هذا الحد، بل سولت له نفسه المريضة وجشعه المسعور أن يزيد دخله فلم يجد سوى أمه العجوز المسكينة التي أخذ يهددها بأخته أن تخرج وتأتي بالمال من الشارع والمساجد والجيران وبأية وسيلة ولا يقف عن تهديدها وضربها؛ فلم تصبر هذه الأم المسكينة حتى استعانت بجيرانها. فأمسك به رجال الأمن على غفلة منه ليأخذوه، فانظر وتأمل يا عبد الله.. تأمل في أحوال من هجروا الصلاة.. هذه أحوال الذين يصرون على ترك الصلاة.. فانظر ماذا عمل بهم هذا الإصرار؟.. تردت أحوالهم وازدادت منكراتهم وساءت خاتمتهم والله ما مررنا على سجن من السجون أو إصلاحية من الإصلاحيات وتكلمنا معهم وعن سبب مآسيهم إلا وجدنا بداية منكراتهم بدأت مع تركهم للصلوات حتى نسوا أنفسهم وضاعت أخلاقهم.. وتردت أحوالهم وأوقاتهم.. فكيف سيحفظ الله من ضيع الصلة به ولم يبال بسخطه ولا حول ولا قوة إلا بالله؟..كم تسمع من مآسي بعض من تهاون في ترك الصلاة، اتصل بي أحد الشباب وهو يردد ويتأوه: والله إنني أصبحت لا أطيق الحياة. طرقت كل الأبواب بحثًا عن وظيفة اجتهدت بالشفاعات والواسطات. ولكن للأسف أصبحت عالة على والدي.. لا أحد يقبلني لا زواج ولا وظيفة.. فوالله لم أجد أمامي حتى أنسى ما أنا فيه.. إلا الشرب والمسكرات.. أدمنت المسكرات فقلت له: يا حسرتاه يا من هزمك الشيطان أنسيت عندما اتصلت بجميع الناس تطلب الشفاعات، أنسيت أن تتصل برب الناس.. أسألك بالله كيف أنت مع الصلاة؟ قال: والله أذكر أني صليت.. صليت على جنازة والدي قبل سنوات. ولا أذكر أني صليت بعدها... فلا حول ولا قوة إلا بالله، اسمع يا من تهاون بسخط الله.. اسمع يا من لا يعترف بصلته بالله.

 عندما تركت الصلاة؛ أغلقت أمامك كل الأبواب لا وظيفة ولا زواج حتى وقعت في الكبائر والمسكرات فلا حول ولا قوة إلا بالله كيف يحفظ الله من ضيع الصلة به بتضييع الصلاة؟ كيف يوفق الله من أصبح بعيدًا عن ربه بترك الصلاة؟.

يرسل لنا أحد الشباب عبر الجوال رسالة يسأل ويشتكي بعد أن تاب من تركه للصلوات تاب، لكن ألم المعاصي ما زال ينبض في قلبه وجوارحه، كيف لا وترك الصلاة أمره عظيم. يقول: لقد تزوجت من ابنة عمي قبل سنتين، وقد كنت حينها لا أعرف الصلاة.. بل والله كنت أصوم مجاملة لأنني أعرف أن تارك الصلاة لا يقبل له صيام وإذا صليت صليت مجاملة حتى لو من غير وضوء وخشوع، وللأسف لم أخبر أهل زوجتي بذلك وحتى زوجتي لا تعلم ذلك فقد تم عقد الزواج حين ذاك وأنا لم أكن مع المصلين بل حتى أحد الشهود.. كنت أعلم أنه مثلي لا يصلي والشاهد الآخر أيضًا هو متهاون في الصلاة. يقول: والله منذ أن تبت في رمضان الماضي وعلمت قيمة الصلاة وأنا أشعر بضيق لا يعلمه إلا الله، فلي من زوجتي ولد وبنت ولا أدري هل كان عقد زواجنا صحيحًا أو لا؟ وماذا عليَّ الآن؟ فلا إله إلا الله.. وحسبنا الله ونعم الوكيل. مصيبتنا أننا لم نترب ونجاهد أنفسنا على الصلوات مصيبتنا أننا لم ندرك أهمية الصلاة تأملوا؟؟ هذه أحوال من ضيعوا الصلوات لكن رحمة الله واسعة والتوبة تجب ما قبلها تدارك نفسك أيها المسكين.. صلاتك هي مفتاح سعادتك وحياتك فلا تجعلها آخر أعمالك.

أين نحن من هذه المرأة التي علمت عظمة هذه الشعيرة، بل عظمة ذنب من تهاون بها حتى لو كان زوجها أو ولدها أو قريبها فاحترقت مشاعرها تشكوا معاناتها وتستغيث بعد الله بمن يعينها.. أهمها زوج لا يبالي بالصلاة فجاءت منها هذه الرسالة حيث تسكن في أحد الأحياء القريبة، وكتبت أستحلفك بالله أن تقرأ ما كتبت أو تدفعه لإمام المسجد وهذا نص رسالتها: "الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله.. أرفع بين أيديكم كلماتي هذه التي أولها أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن من اتقى الله احتسب الأجر في كل عمله، ومن اتقى الله احتسب الأجر في كل مكروب؛ فرج كربه له.. وأسأل الله أن لا تكون هذه شكوى، فإنني إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأسأله أن أكون من الصابرات ومن المحتسبات وأهل الابتلاء الذين يحبهم الله.. فإنني أعلم كما تعلمون أن من أحبه الله ابتلاه كما جاء في الحديث.. وأعلم كما تعلمون أن في الصبر على ما نكره خيرًا كثيرًا. أنتم أيها المصلون الذين تستشعرون هذا الشعيرة العظيمة وتطمئنون بها وتستعينون بها على مصائب هذه الدنيا.. وتقرؤون في قرآنكم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153] وأنتم أيها الجيران الذين قال عنهم النبي عليه الصلاة والسلام «خير الجيران عند الله خيرهم لجاره» رواه الترمذي بسند حسن.

كم رأيتك وأنت تخرج من بيتك للصلاة ولا تعبأ بجار أصلى معك أم لا؟. ولا تبالي بتركه للصلاة حتى وإن قابلته أو جالسته.. فتجامله وتسلم عليه دون نصيحة أو وعظ.. أو تذكير.. إنني أخبركم.. وللأسف أنني عانيت الكثير مع زوجي فوجهته ونصحته. لكنه يغضب.. ولا يعبأ بما به.. فكم من صفعة على وجهي تلقيتها.. وكم مرة طردني ولجأت إلى جيراني وكل هذا بسبب نصيحتي له وتذكيري له بالصلاة.. فأخاف أن أسكت عن تركه للصلاة فيعمني الله بالعقاب معه.. وأخاف أن أنصحه وأذكره فيصب غضبه عليَّ.. فكم توجهت له بالحكمة والرفق ولكنه جاف معي ولا يأخذ مني.. وغليظ في التعامل. ولا أخفيكم أنني والله الذي لا إله إلا هو أخاف أن يرسل عليَّ الكلمة التي أكره ما تسمعها النساء.. كلمة الطلاق.. الشقاق والفراق.. الذي أجده آخر الحلول فيا لها من لحظة رهيبة حين تسمع المرأة طلاقها.. فبالله كم هدمت من بيوت للمسلمين؟.. وكم فرقت بين الأقارب والمحبين؟. ولذلك استشرت واستخرت أن تكونوا عونًا لي بعد الله. وكلنا يؤمن بقوله عز وجل ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ولا أقول: إن المصيبة أنني أُمٌّ لأطفال.. وليس لي بعد الله إلا هذا الرجل فقد توفي والداي وأصبحت أسيرة في بيته لا أملك حلاً ولا عقدًا؛ لأجابه حياتي مع هذا الرجل الذي يرى جمهور أهل العلم أنه إذا استمر على ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام.. ألم نسمع الحديث «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» رواه الخمسة.

إن زوجي لا يصلي.. أقولها فتيقنوا ماذا تعني زوجي لا يصلي.. إذا لم تحرك هذه الكلمة مشاعركم وغيرتكم على هذا الدين؛ فوالله لقد انطفأ نور الإيمان في قلوبكم التي لا تعي أن المسلم للمسلم كالجسد الواحد.. لقد تقطعت بي الأسباب وأغلقت أمامي كل الأبواب ولم يبق إلا باب الله الذي لا يخيب عباده.. فكيف لا تكونون عونًا لي؟! وإلهنا واحد.. وكيف لا تكونون معي ومصيبتنا واحدة.. زيارة له.. أو مهاتفة معه.. أو مراسلته ولأمثاله المساكين.. فإن من أخلص لله لن يخيب الله عمله.. كم حاولت أن أخفف عن نفسي حرارة أحزاني.. بلا إله إلا الله.. وبحسبنا الله ونعم الوكيل.. وأدعو الله وأنا على يقين أن الله إذا حجب عني شيئًا مما أريده فإنما يحجبه لحكمة فهو أحكم الحاكمين.. إنني لم أناد بالحرية ولا بالخروج عن الحياء.. أليس إذا خرجت متبرجة سافرة حرك ذلك في قلوبكم الغيرة لردعي.. فكيف لا تتحرك هذه الغيرة على جاركم.. بل الغيرة لأعظم شعيرة في دينكم الصلاة، فمن تركها فقد كفر.. ألا تسمعون فقد كفر.. أين الولاء لهذا الحديث ألا تتفقدون جيرانكم؟ ألا تدركون أن صلاحهم صلاحكم؟. ومصابهم مصابكم؟. أيئستم من الدعوة؟.. إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. وأنت أيها الإمام -إمام المسجد- الذي والله نعقد بك الآمال بعد الله.. فكم كلمة خرجت من فمك تحذر من ترك الصلاة..

وكم مرة سمعتك تردد أن تارك الصلاة محارب لمنهج الله.. تارك الصلاة لا يؤاكل ولا يشارب ولا يجالس ولا يؤتمن ولا يصدق ولا يغسل إذا مات.. ولا يقبر في مقابر المسلمين.. نعم كل هذا ولا تخاف على رعاياك. نعم وإننا والله رعيتك بالتوجيه وبالحرص على ديننا. ولا أريد أن أذكرك بالحديث «ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة» رواه البخاري.

إني لا أطلب مالاً وعطفًا بتحريك الرؤوس، ولكنني أطلب العون منكم والهمة بكم.. وألا تكونون من أهل التجاهل والغفلة واللامبالاة بالآخرين.. فجاركم يشكو للرحمن خذلان النصوح والكل في دنياه يغدو ويروح، أيها الخيرون.. أيها الفضلاء لا تلوموني بالشكوى وطلب الإغاثة.. ألا تشاركوني في حب النبي وحب حديثه عليه الصلاة والسلام «فاظفر بذات الدين تربت يداك» رواه البخاري ومسلم.

 إنني والله احتسب تطبيقها عند الله ألا تعينوني بأن تكون كل واحدة ذات دين في بيتها ومع زوجها وبين جاراتها. ولا يخفيكم أن الشيطان يلازمني كيف لا؟.. وأنا وحيدة مكسورة أطرق باب الله وأرى بجميل الظن ما يصنعه الله لنا ولديننا. وأنا على يقين أن الله يدبر خيرًا لهذا الدين.. وإن العاقبة للمتقين والحمد لله رب العالمين هذه رسالة من امرأة.." فلله درها وهنيئًا لها على صبرها وثباتها فأين الرجال؟.. أين الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة؟.. أين الرجال الذين يحبون أن يتطهروا؟.. يتطهروا مما يسخط الله.. يتطهروا مما يغضب الله.. أين أولئك الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا؟.. تأمل في أحوال من تركوا الصلوات.. تأمل في أحوال من قطعوا صلتهم برب الأرض والسموات. والله في المدارس كثير من الطلاب والطالبات لم يتربوا على الصلوات في بيوتهم فأصبحت صلاتهم في المدرسة عادة ومجاملة، بل بعضهم يصليها من غير وضوء يقول أحد المعلمين: إننا نجاهد كثيرًا من الطلاب على صلاة الظهر، وأتساءل كيف هم مع باقي الصلوات؟ وكذلك مع بعض الطالبات أحوالهن مبكية بعض الطالبات تصل إلى الثالث الثانوي ولم تصل في حياتها تقول إحدى المعلمات: والله إننا نعاني أشد المعاناة مع الطالبات في وقت صلاة الظهر وفي حضور المحاضرات.. حتى قالت لها إحداهن: أنا لا أذكر أنني صليت في المدرسة وكلما عزمت على الصلاة تكاسلت وترددت؛ تقول المعلمة سألتها: وماذا عن البيت؟ ألا تصلين في البيت؟ فقالت: أصلي حسب المزاج.. أصلي حسب المزاج. فلا إله إلا الله.. أصبحت صلتنا بربنا حسب المزاج والله يا إخوان تتصل عليَّ طالبة من إحدى الكليات وهي تردد أرجوكم ما العمل ما الذي نفعله؟ تقول والله لقد أصبح الحرص على الصلاة بالكلية قليلاً جدًا، ونحن الصالحات بالكلية قلة حتى بدأ الكثيرات يستهزئن ويسخرن على حرصنا على صيام النوافل والصلوات. فلا إله إلا الله وحسبنا الله ونعم الوكيل أصبحنا نحرص على تربية شبابنا وفتياتنا على الدراسة والعمل والدنيا الفانية، أما صلتهم بربهم فالأمر يرجع إليهم. أمر الصلاة بيديهم حسب هوايتهم ورغبتهم. فيا حسرتاه على أحوال هؤلاء. فكيف ستنتفع الآباء بأبناء لا يعرفون الصلة بالله ألبسوهم.. وأطعموهم. ولم يبخلوا بشيء عليهم.. وما علموا أن زادهم ونجاتهم لا يكون إلا بصلاتهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6] تأمل في الشوارع والطرقات تأمل فيها والصلوات قد أقيمت في المساجد. الكثير من أبنائنا وشبابنا يجولون الأحياء ولا يبالون بالصلوات بل بعضهم قد تجمعوا في الزوايا والخبايا، تجمعوا على تدخين ولعب وتضييع أوقات تقول لأحدهم وأنت في طريقك للمسجد: يا أُخَيَّ الصلاة تقام الآن فيقول لك: وماذا يعني؟.. تقول له: الصلاة يا عبد الله فيرد عليك متضايقًا والدي لم ينصحني، فماذا تريد أنت؟ عباد الله. وصل بنا الحال أن أصبحنا نجاهر بالمعاصي.. وأي المعاصي إنها الصلاة.. الصلاة التي تربطك مع الله.. الصلاة التي تربطك مع من بيديه شقاؤك وسعادتك.. الصلاة التي تربطك مع الذي يتحكم بحياتك ومماتك.

تأمل في أحوال كثير من الشباب بعد أن ضيعنا الصلوات بعد أن أصبحنا لا نبالي بسخط رب الأرض والسموات ضيعنا الصلوات فضاع الحياء.. شباب أصبحت وللأسف لا تميزهم أهم رجال أم أشباه رجال؟ تأمل في أحوالهم بعد أن قطعوا صلتهم بربهم وهَيْمَنَ عليهم شيطانهم. انظر في أحوالهم في الأسواق والمجمعات كرهوا لبس الثياب وأدمنوا على بناطيل وبدل ضيقة عارية مقطعة. علقوا في صدورهم السلاسل ورسموا على متونهم وأيديهم الوشم والألوان. فأصبحت مشيتهم متكسرة وقصاتهم متنوعة فلا حول ولا قوة إلا بالله. تشبهوا بالكفار.. تشبهوا بالساقطين والساقطات أهؤلاء شبابنا؟ أهؤلاء أبناؤنا وأبناؤكم؟. أهذا الجيل الذي تنتظر منه الأمة الرقي والعون على الأعداء؟ أهذا طموحهم وهمهم واهتماماتهم؟

لو أسمعوا عمر الفاروق نسبتهم

وأخبروه الرزايا أنكر النسبا

من زمزم قد سقينا الناس قاطبة

وجيلنا اليوم من أعدائنا شربا

أين خوفهم من الله؟.. أين حياؤهم من الله؟.. أهؤلاء تربوا على الصلاة؟؟ تأمل في الأسواق والمجمعات الحرص على البيع والشراء، الحرص على التجول والتجوال، لكن وللأسف مصليات في المجمعات والأسواق لا تقام فيها الصلوات.

تسأل إحدى النساء وهي تجول من المغرب حتى العشاء تقول لها: هذا طريق المصلى ألا تصلين حتى تفتح المحلات؟ فتقول لك: أنا أصلي أنا أجمع صلاة المغرب مع العشاء حين أصل إلى البيت..

فحسبنا الله ونعم الوكيل: صلاتنا ضاعت بعدم خوفنا من الله.. صلاتنا تركت بعدم مراقبتنا الله ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. ضاعت الصلوات؛ لأننا أضعنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضاعت الصلوات؛ لأننا لم نعظم هذا المنكر في قلوب الناس، تخرج إلى المسجد فتجد الكثير في طريقك غافلين ومضيعين، ذلك الذي جلس على عتبة بابه وكأن الأمر لا يعنيه، والآخر يغسل سيارته، والثالث مشغول في إصلاح الدش مشغول في نداء المنكرات إلى بيته.

حتى العمالة أصبحوا لا يبالون.. أصبحوا يتدرجون بالمعاصي لأنهم ضيعوا الصلوات.

إني أسألكم بالله يا من ينكر المنكرات.. يا من ينكر المنكرات في الزوايا والشقق والاستراحات أين أنتم من أعظم المنكرات؟ أين أنتم من ترك الصلوات؟ والله وأقسم بالله إذا بدأنا بالإنكار على من يترك الصلاة وعظمنا هذا المنكر في قلوب الناس؛ لزالت كل المنكرات. والله لن ينهانا عن الفواحش والمحرمات إلا الصلوات ألم نقرأ قول الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].

تارك الصلوات على وجهه ظلمة المعاصي والمنكرات، تارك الصلوات قريب من الفحش والمحرمات. تارك الصلوات سريع في ارتكاب الفساد والممنوعات. انظر في أحوال من تهاونوا وأصبحوا لا يبالون في ترك صلاة الفجر وقد أصبح الواحد منهم لا يقوم في صباحه إلا بعد أن يبول الشيطان في أذنه ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يقوم في بداية يومه مهمومًا مغمومًا مغتسلاً ببول الشيطان حتى تدب الفحشاء والمعاصي في قلبه، ثم جوارحه، ثم انظر كيف سيكون حاله؟ وكيف ستكون أحواله؟ لن يمنعه كائن من كان عن الفواحش والمحرمات. والله لن يمنعه كائن من كان إذا لم يكن خوفه من الله بدأ بانضباطه في الصلاة، والله لن يمنعه أمن ولا حياء.. فيا له من أمر خطير.. أمر بدأنا الآن نذوق مرارته؛ اسمع يا من لا يعرف ربه إلا في أوقات الحاجة، اسمع يا من لا يصلي إلا في الأعياد والجمع والمناسبات، اسمع يا من لا يصلي إلا أربع صلوات وإذا سألته عن صلاة الفجر قال عجزت عنها.. لم أستطع القيام لها. والله وبالله من تعمد أن يؤخر صلاة الفجر وهو مقيم على باقي الصلوات والله لن تنفعه ولن تشفع له هذه الصلوات، فإذا لم يكن من الذين هم على صلاتهم دائمون، إذا لم يكن من الذين هم على صلواتهم الخمس يحافظون وإلا دار عليه الحديث «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» فما عذرك يا من تسمع النداء؟ ما عذرك يا من تسمع النداء تقول: مجهد.. تقول: متعب. تقول سوف أصلي أما تستحي من الله أما تخاف؟ ألم تسمع الآيات ألا يعنيك قولهم إنه لا يصلي.. ماذا يعني لك إذا سمعت عن فلان أنه لا يصلي.. لا يصلي ونبينا يقول من تركها فقد كفر.. ألا تسمعون.. ألا تقرؤون فقد كفر. أبعد هذا كله تصر على ترك الصلاة؟؟ وخاصة صلاة الفجر والتي تبدأ بها يومك وحياتك. فالحذر الحذر.. والبدار البدار قبل يوم تكشف فيه الأسرار، نداء التوبة يناديك فلا تتردد.. صلاتك بداية سعادتك وحياتك عباد الله يقول لك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن..» الحديث يا من يعلم أنه سيموت وإن طال عمره سنوات بأي حال ستقف أمام الله؟ يا من يعلم أن القبر بيته وينتظره.. بماذا ستجيب إذا سئلت عن الصلاة ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:92 _ 93].

سنسألهم عن تركهم للصلوات سنسألهم عن سهرهم على القنوات والمسلسلات ونومهم عن الصلوات. سنسألهم عن تفريطهم وتضييعهم وتهاونهم يا من فقدناهم في المسجد.. يا من تخلف عن صلاة الجماعة، ألم يأن لك أن تندم على سيئاتك؟ ألم يأن لقلبك أن يخشع لذكر الله وما نزل من الحق؟ إلى متى؟ إلى متى؟ إلى متى وأنت بعيد عن ربك؟ إلى متى وأنت تحرم نفسك الراحة والسعادة؟ والأمن والاطمئنان؟ حدثونا عن رجل مسن شيبة في مدينة الخفجي خرج من بيته يريد المسجد يريد الصلاة للمغرب وهو لا يدري متى موعده وساعته، خرج وفي إحدى سجداته سجد ولم يقم بعدها سجد لله.. سجد بين يدي ربه فمات على ذلك مات في أعظم خاتمة بين يدي ربه.. اختار الله له مكان موتته واختار الله له طريقة موتته فهنيئًا له ولأمثاله.. سألنا عنه فقالوا لنا: لقد كان ذاكرًا الله في كل أوقاته وعلى كل أحواله، وقد كان يسأل الله حسن الخاتمة في كل دعواته؛ فيا عبد الله فكر كيف ستكون خاتمتك؟.. تفكر كيف سيكون مآلك؟.

إن مغسلي الموتى أصبحوا يميزون بين الذي يصلي والذي لا يصلي هذا ينقلب لونه سوادًا، وذاك يتفتت جلده بين أيديهم، وآخر لا يطيقون رائحته وتعفنه. يذكر لي أحد الشباب فيقول توفي أحد أقربائي بحادث يقول في اليوم التالي: ذهب والدي مع والده. إلى المستشفى ليتثبتون من الجثة يقول: وكنت مع والدي فلما جئنا إلى المستشفى وأخذنا المختص إلى الثلاجة والله عندما كشفوا لنا عن وجهه فإذا بمنظر لا يصدق.

يقول والله لقد رأيت عينيه قد تشققت وتفطرت وكأنها تخرج من وجهه وقد تغير لونه تمامًا وكأنه شخص آخر. خرجنا وأنا والله لم أستطع أن أنام تلك الليلة؛ اتصلت بأحد المشايخ وشرحت له ما رأيت، فسألني بالله كيف كان قريبك هذا مع الصلاة؟ فقلت: والله كان متهاونًا جدًا.. فقال: هذا هو أثر ذلك التهاون.. فلا إله إلا الله.. كان متهاونًا فماذا إن كان تاركًا؟.. فيا حسرتاه على أولئك الذين سينتهي مآلهم إلى ذلك. تداركوا أنفسكم عباد الله صلاتكم هي نجاتكم.. هي ضياؤكم في قبوركم أين الذين سمعناهم يرددون لم نركع لله ركعة، ولم نسجد لله سجدة. فيا الله! أصحيح هذا؟ أصحيح أن من بين المسلمين أناسًا لا يعترفون بالصلاة. يشهد أن لا إله إلا الله وإذا سألت عنه قالوا لك: إنه لا يصلي! بل بعضهم يجاورك.. بيته قريب من بيتك يجالسك ويؤانسك لا ينقطع اتصاله بك، لكنه لم يفكر يومًا أن يتصل بربه. والمصيبة إذا كان ممن هو معك في بيتك زوجتك أو ولدك أو بنيتك معك في كل أوقاتك معك وتحت مسؤوليتك، لكنهم لا يعرفون الصلاة، ولم يسجدوا يومًا لله كيف تهاونَّا بذلك عباد الله.. كيف تساهلت بيوتنا بهذا الضياع فويل لأولئك الآباء الذين يرون أبناءهم على ذلك المنكر العظيم فلا يحركون ساكنًا، بل ويجلسون معهم ويشربون معهم فلا ينصحون ولا يضربون ولا يهجرون وكلها وسائل شرعية، فأين هم عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» الحديث رواه مسلم، فتنبه يا ولي الأمر انتبه لأبنائك وبناتك ونسائك، واهتم بأمر الصلاة فإن شأنها عظيم. أي خير ينتظر من أمة لا يصلي أكثر شبابها، وأية سعادة للوالدين بأبناء لا يقيمون للصلاة وزنًا، أهؤلاء مصدر سعادة لوالديهم؟ إذا هجرنا الصلاة يا عباد الله.. إذا قطعنا الاتصال بالله، فبمن نلجأ ونتصل من هو نصيرنا وعوننا. من هو ملاذنا وملجؤنا؟

اتقوا الله أحبتي في الله كل شيء إلا الصلاة أقولها وأكررها.. كل شيء إلا الصلاة اسمعها واحفظها.. إلا الصلاة إلا الصلاة. قلها أنت ورددها لنفسك ولإخوتك ومن تعرف.. إلا صلاتي فبها حياتي ونجاتي، إلا صلاتي فبها سعادتي وضيائي، إلا صلاتي فبها فرج لهمومي،.. إلا صلاتي فهي عوني على معيشتي، فإنها العهد الذي بيننا وبين الكافرين وبين الرجل والكفر ترك الصلاة؛ أترضى أن يقال لك كافر؟ والله لا نرضاها لك.﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: 36-39] فوالله إنكم في نعمة غالية هي نعمة الصحة، ومن أراد أن يراها فليذهب إلى المستشفى ويتجول بين أقسامه تأمل في من يتمنى أن يقف مع المصلين. فهل عملت بصحتك لمرضك؟ وهل اغتنمت الفرصة السانحة لوقت لن تجد فيه أية فرصة؟ فالصحة سيعقبها السقم.. والشباب يلاحقه الهرم والقوة آيلة إلى الضعف.. ولكن أكثر الناس لا يتفكرون ليتذكر تاركو الصلاة أنهم صائرون إلى قبور موحشة.. وحفر مظلمة.. ولن ينفع ساعتها مال ولا بنون ولا صديق ولا صاحب..

فاستيقظ أخي من غفلتك.. وتنبه من نومتك.. فالحياة قصيرة وإن طالت والفرحة ذاهبة وإن دامت.﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: 6، 7]. فها هي الأمور لك قد بانت. وها هي الحجة عليك قد قامت فيا أيها المتهاونون في الصلاة.. يا تارك الصلاة.. تذكر إلا الصلاة.. إلا الصلاة.. اسمع ما دمت تسمع واستجب لله ولرسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]. فحياتك في صلاتك. حياتك في قرآنك.. حياتك في حفظ أوقاتك، ثم اعلموا أيها الإخوة والأخوات أنكم دعاة.. دعاة في بيوتكم.. ودعاة في طرقاتكم ودعاة حتى على أبواب المساجد. فالله الله بتارك الصلاة بنصحه وتذكيره بالله وزيارته ومهاتفته، والاتصال بمن لهم تأثير عليه والاستعانة بكل وسيلة دعوية من أشرطة ومطويات والإنكار عليه، والصبر على ذلك وهذا أقل الواجب. نفعنا الله وإياكم لكل خير.. وجعلنا وإياكم من الذين هم على صلاتهم دائمون.. الذين هم على صلاتهم يحافظون.. الذين هم في صلاتهم خاشعون.