إلى من حجبته السحب

د. عبد الملك القاسم

 المقدمة

الحمد لله الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن شباب الأمة هم عمادها بعد الله عز وجل، وهم فجرها المشرق وأملها المنتظر.

ولقد رأيت قلة فيما كتب لهم رغم الحاجة الماسة إلى ذلك.. فسطرت بقلمي وأدليت بدلوي محبة لمن حجبته السحب وتأخر عن العودة.

وهي ورقات يسيرة متنوعة المواضيع.. أدعو الله عز وجل أن يبارك في قليلها، وأن تكون سببًا في انقشاع السحب عن عين ذلك الشاب الذي تنتظره أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ليسير مع الركب ويلحق القافلة.


 قبل البداية

أخي الشاب:

رسالتي هذه إليك قصيرة جدًا ولا تكفي أن أبث لك فيها ما أريد.. ولكن حسبي منك نباهة وفطنة.

لقد عرفتك تحب الحوار.. وتتطلع إلى معرفة كل جديد.. امنحني عشر دقائق من وقتك وأصغ بسمعك وارعني قلبك.. ثم بعد ذلك أنت الحكم.

أخي الحبيب:

لقد احترت في نقطة البداية وأنت تضع يدك في يدي!! وعينك على حروفي؛ ولذا جمعت لك شهدًا مصفى وزهرًا معطرًا بالشذا..

إني محدثك بمجموعة من القصص قبل أن أبدأ حديثي معك.. جعلت ثلاثًا منها في البداية وهي قصص رأيت بعضها وسمعت بعضها ويتناقل الركبان أضعافها!!

فلا تبخل علي بقراءتها والتمعن فيها ويهمني معرفة رأيك في نهايتها.. بل وفي بدايتها.

جعلك الله إمامًا للمتقين وقائدًا فاتحًا من قواد المسلمين ونفع بك الإسلام والمسلمين.. ومثلك لا تسقط راية الإسلام من يده.


 القصة الأولى

انتهت الإجازة والناس بين مشرق ومغرب.. وكل نفس بما كسبت رهينة.. اجتمع الأصدقاء.. كل يحكي ما رأى ويورد ما شاهد!!

أحدهم سبقت ضحكته حديثه وهو يحكي رحلته إلى أمريكا وقصة هبوط الطائرة الاضطراري!!

أما الآخر فقد كان مغرمًا بحب الرحلات والمغامرات.. وتملكه حب الصيد ومطاردة الغزلان والأرانب حتى وصل إلى القارة السوداء.. وكان حديثه متميزًا.

قال: ذهبت إلى أفريقيا وسرت في أرضها وبين أشجارها وغاباتها.. مناظر رائعة وطبيعة خلابة لا تمل مشاهدتها.. وفي وسط غابة متشابكة الأطراف لاح لنا مبنى مرتفع.. وخطر في بالي أن هذا القصر لحاكم الولاية أو لغني من أغنيائها.. ولكنه خاب ظني وأخطأ حدسي.. فما أن اقتربنا منه وبدت ملامحه حتى اتضح أنه كنيسة يعتني بأمرها منصر عجوز قارب الثمانين من عمره يعيش في غرفة صغيرة في زاوية منها لا تتجاوز مساحتها عشرين مترًا مربعًا.. في مجاهل مروعة وسط غابة مليئة بالوحوش واللصوص وقطاع الطرق.. وليس في هذه الغرفة أي وسيلة من وسائل الحياة المعاصرة التي نعيشها.. فلا يوجد هاتف ولا كهرباء ولا ماء.. ولا ما تراه عينك من الخدمات يوميًا!! وهذا المبنى الضخم هو الكنيسة التي يدعو فيها صباحًا ومساء.. حتى يرهقه التعب ويدركه النوم ثم يأوي إلى غرفته الصغيرة في زاوية مجاورة لمبنى الكنيسة!! ولكن ما الذي دفع هذا المنصر لأن يبقى في هذه الغرفة وسط الوحوش وفي ظل الخوف أربعين سنة متواصلة!!

لا بد أن له هدفًا ينشده وأملاً يسير في طريقه!! أربعون سنة في مكان تختفي فيه وسائل الحياة المعاصرة.. أربعون سنة يكد ويكدح.

أربعون سنة وسط الغابات وعلى مرمى من زئير الأسد وأنياب النمر..

سأخبرك لماذا بقي أربعين سنة في وسط هذا المكان.. ولعلمي بفطرتك الطيبة وعقيدتك الصافية ستضحك على ضلاله.

إنه يدعو إلى دين محرف وطريق معوج.. ولكنه يمضي قدمًا ويسير في ثبات. يبحث عن فريسة في وسط أدغال أفريقيا.. ربما تكون فريسته شيخ مسلم جائع أو طفل يتيم أو امرأة مريضة.. وربما يمر عليه العام والآخر ولم يستمع له أحد.. ولكنه الصبر على الضلال.

هذا فرد من ملايين يدعون إلى دينهم الباطل.. وهو في هذه الغابة المنقطعة عن العالم تصله طائرة مروحية كل حين محملة بالغذاء والأدوية التي هي إحدى وسائل دعوته.. ثم تغيب الطائرة لتهبط في مكان آخر فيه عجوز أو شاب آخر في مثل سنك تفرغ للدعوة!! نعم إنها معركة طاحنة وحرب ضروس لا هوادة فيها.. لقد بذلوا أموالهم وأوقاتهم وسخروا إمكاناتهم في سبيل دينهم.

إليك معلومات سريعة عن جهودهم في سبيل التنصير، ففي عام واحد هو عام 1996م وحتى لا نرى ضبابًا فحسب. بل إنه مطر أنبت شوكًا وأرضًا جرزًا.. إليك الأرقام..

1- تم جمع مبلغ وقدره 193 مليار دولار أمريكي.

2- عدد المنظمات التنصيرية 23300 منظمة وأما المنظمات المتخصصة في إرسال منصرين فعددها 4500 منظمة.

3- عدد المنصرين الذين يعملون داخل أوطانهم هو 4.635.500 منصر. وبلغ الذين يعملون خارج أوطانهم 398.000 منصر. بلغ عدد محطات الإذاعة والتلفزة التي تمتلكها المنظمات التنصيرية 3200 محطة، وعدد الأناجيل الموزعة 178.317.000 كتابًا.

سنخجل أنا وأنت من تلك المعلومات والأرقام، وربما لم يقدم الكثير من المسلمين ريالاً واحدًا مدى حياته!!

ألست معي في ذلك؟! وغدًا سيسألك الله عز وجل عن شبابك فيم أمضيته؟! فما هو جوابك؟!

وهاك أخي الحبيب معلومة تدمي الكبد وتقرح الفؤاد: أنشيء مستشفى تنصيري عام 1965م في قرية (معلوم جات) في منطقة (شيتاجانج) في بنغلاديش التي لم يكن يوجد بها نصراني آنذاك.. أما الآن فقد بلغ عددهم أربعين ألف نصراني!!

وكان عدد السكان النصارى في بنغلاديش بطولها وعرضها عام 1972م مائتي ألف نسمة فقط.. ها هو قد ارتفع عام 1991م إلى خمسة ملايين نصراني!! وخلف هذا الرقم جهود وأموال وتضحيات.

 القصة الثانية

قال محدثي وكانت عليه علامات النجابة والنباهة وتعلوه سيما الخير والصلاح: نحن في زمن تقبل فيه أنصاف الحلول وتميع فيه الأوامر والنواهي.. فما وافق الهوى أخذنا وما خالفه تجاهلنا.. وسأحدثك عن حادثة وقعت لي قبل شهور.. سأحدثك عن قريب بعيد.. قربه النسب وأبعده الدين. وبحكم اطلاعي على دقائق حياته وتفاصيل أيامه فقد تأكد لي أنه لا يصلي مطلقًا.

كنت استعجل الأيام.. وأسير معه في الحديث خطوات عجلى ليقيم الصلاة ولكنه كان يقدم ويؤخر ويظن أن العمر طويل والحياة دائمة.. ورغم النهاية المرة التي يعلمها كل بني البشر إلا أنه يتماهل ويتجاهل.

قلت له: عشرون وثلاثون بل وثمانون عامًا ثم ماذا؟ الموقف نفسه سيمر عليك طالت بك الأيام أم قصرت عنك الليالي.

في ليل مظلم استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله أطلق قدميه تركض في أوحال المعصية وأوزار الكبيرة.. ألهته الأماني وغرته نسمة الحياة وبهجة الدنيا.. وكثير من الناس اليوم مثله لو أجلت طرفك في المجتمع.

وفجأة على غير موعد نزل به نازل وطرقه طارق ولم يكن هذا الضيف ليزوره إلا هذه المرة فحسب ولكنها زيارة ثقيلة مؤلمة.. إنه الزائر الذي لا يرد.

حاول أن يؤخره أو يؤجله بل ورغب أن يتفاهم معه ويدفع في وجهه الدواء والطبيب والأموال والأولاد ولكن انتهى كل شيء.. هوت آمال عظام وأحلام كالجبال، ورغم كل الوسائل الدفاعية نزل بساحته أمر كان ينكر وقوعه؛ فحشرج صدره وضاقت أنفاسه وغادرت روحه، وأمامه الأسئلة الصعاب والجنة والنار!!

في مجتمع أسرتي لم يكن هو أول من غادر الدنيا بهذه السرعة ولم يكن هو الشاب الوحيد الذي فقدناه.. ولكن كان لحياته فجيعة ولموته عبرة!! وكان يوم موته وتغسيله والصلاة عليه ثم دفنه يومًا مشهودًا غاب عنه الكثير وكنت أولهم. فكيف أصلي على من حرم الله عز وجل ورسوله الصلاة عليه. تراجعت طاعة وعبادة حتى تم كل شيء.. ولعلك تعلم أن في مجتمعي الصغير بعضًا ممن في دينه وهن وفي إسلامه دخن ومنهم من تلبسته الشياطين فأعلن النفاق قولاً وعملاً. وهؤلاء وأعوانهم اجتمعوا لحربي وإطلاق السهام نحوي في اجتماع عائلي شهري ملأه الأشياخ من كبار السن ومن شبابهم وصغارهم.

قال محدثني وهو يتذكر الموقف: في ذلك الجمع الكبير هب أحدهم شاهرًا سيفه ومصوبًا سهمه ورافعًا صوته باستغراب يملأه الاستهزاء وهو يسمع الجميع: أين أنت عن صلة الرحم والقيام بالواجب؟ فها هو فلان مات ولم نر لك أثرًا ولم نعلم لك مكانًا وهي أيام مشهودة لم يتأخر عنها القاصي والداني سوى أنت.. وأشار بأصبعه نحوي.

اتجهت العيون يملأها العتاب، وتحركت الأيدي تلوم، واهتزت الرءوس تؤكد حديثه وتستطلع جوابًا لسؤاله: أين أنت عن واجب الصلاة والعزاء؟ وأضاف أحدهم ممن اتخذ الاستهزاء طريقًا: تُصلي وتصوم ولا تعرف حقوق القريب وواجبات الأسرة؟

ثم نفث حقدًا أسود من قلبه وهو يقول: أنت مظهر بدون مخبر وصورة بدون روح. تدعون أنكم اتخذتم الدين شعارًا ودثارًا وأنتم لم تقيموا صلبه.

قال محدثي كأنه يزيل حيرتي واستعجالي سماع ردة فعله ونهاية المجلس الغاضب والمحاكمة السريعة:

جعلتهم يتحدثون ما شاءوا وجعلت نفسي هدفًا لسهامهم حتى فرغت كنانة الكثير منهم.. ثم قلت للمتحدث الأول بصوت يسمعه الجميع: ما رأيك لو صليت صلاة المغرب أربع ركعات؟ هل يجوز لك ذلك؟ سكت ولم يجب وهو يحرك حاجبيه ويهز يده باستغباء عجيب، ولكني عدت وكررت السؤال وطلبت منه الإجابة بصوت مسموع حتى يسمع المجلس كله.. قال لي بعد تكرار السؤال عليه ثلاثة مرات: لا يجوز..

قلت له: قد أحسنت، هذا أمر الله ورسوله فنحن نطيعه في هذا، والله عز وجل ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا في الكتاب والسنة أن لا نصلي على من مات وهو لا يصلي وسماه كافرًا.. رفعت صوتي وأنا أفرغ سهمًا من كنانتي.. هل أسمع كلام الله ورسوله وأطيع أمرهما أم أسمع جعجعتك وهراءك؟!

استدرت نحو المجلس وأنا أقول: أمرنا أن لا نصلي على من مات وهو تارك الصلاة ولا نغسله ولا ندفنه في مقابر المسلمين.. لقد سلمت وأنبت وأطعت ونفذت، ولهذا صليت المغرب ثلاث ركعات كما يجب وتركت الصلاة على من لا يصلي كما يجب.

خيم الصمت على المجلس واستراحت النفوس وأغمدت السيوف فقد ظهر الأمر واضحًا جليًا، ولم أفرح انتصارًا لنفسي بل لما عطرت به المجلس من قول الحق.

قال محدثي: مرت شهور فإذا كثير من شباب أسرتنا وقد سمع ورأى هذا الموقف يعيد حساباته ويراجع أفعاله ويخشى أن يمر عليه يوم لا يجد فيه من يصلي عليه.. لقد كان هلاك هذا القريب رحمة لمن بعده وعبرة لمن خلفه.. ولا يزال يتردد في جنبات المسلمين قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. وقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».

وهكذا تمر الأيام عجلى، وتنطوي صفحات الأيام ويبقى للمرء ما قدم. فأطلق بصرك قليلاً لترى الأمر، ثم مد يدك للترحيب بالزائر القادم وأكرم وفادته فهو يقطع الأيام والشهور سائرًا نحوك..


 القصة الثالثة

أيام العشر الأواخر من رمضان بدأت تنقضي.. والعيد قاب قوسين أو أدنى.

لا أعرف أين سنذهب وأنا أنتظر صديق الطفولة.. ولكن كالعادة الجزء الأكبر من وقتنا ليلاً نقضيه في جولات بين الأسواق والتجمعات والشوارع.

وحين استقررت على مقعد السيارة بجوار عبد الرحمن سألني.. هل جهزت ثوبًا جديدًا؟! .. لقد أقبل العيد!!

قلت له: لا!! قال: ما رأيك نذهب للخياط الآن؟.. وأنا أهز رأسي متعجبًا سألته.. بقي ثلاثة أيام أو أربعة على العيد .. أين نجد الخياط الذي يسابق العيد ويختصر الأيام؟!

لم يعجبه حديثي واستغرابي..

سابق الزمن بسيارته حتى توقفت أمام الخياط بصوت قوي يوحي بالعجلة والتسرع!!

فأجأني صاحبي بالسلام الحار على الخياط فهو يعرفه منذ زمن وقال له: نريد أن نفرح بالعيد.. ونلبس الجديد!!

ضحك الرجل وأجاب وهو يربت على كتفه!! كم بقي على العيد؟.. لماذا لم تأت مبكرًا؟!

أجاب عبد الرحمن وهو يهز يده بحركة لها معنى: سنزيد لك في الأجرة.. المهم أن ينتهي بعد غد!!

وأعاد الموعد مرة أخرى.. بعد غد!!

وأنا أرقب المفاوضات الشاقة إذا بصاحبي يدفع جزءًا من الثمن وهو يردد.. ويؤكد بعد غد.. لا تنس الموعد..

حتى قبيل الفجر.. ونحن لاهون.. ساهون.. غافلون.. مضت الليلة كاملة لم نذكر الله -عز وجل- فيها ولا مرة واحدة.. ربما أنها ليلة القدر..

حياة لا طعم فيها.. وسعادة لا مذاق لها.

ولجنا من المعاصي كل باب.. وهتكنا منها كل حجاب.. وحسبنا الأمر دون حساب.. إظهار للسرور والسعادة.. وضحكات تملأ المكان.. ولكن في القلب هم وغم.. والنفس تحلق بها حسرات ويحيطها نكد.. افترقنا قبيل الفجر.. يجمعنا الليل والسهر والعبث.. نلتقي على المعاصي وتجمعنا الذنوب.. نوم طويل.. يمتد من الفجر حتى العصر.. صيام بلا صلاة.. وصلاة بلا قلب..

ساعة الصيام التي أستيقظ فيها قبل المغرب كأنها أيام.. أقطعها بالمكالمات الهاتفية العابثة.. وبقراءة الصحف والمجلات.

وأنا أنتظر موعد آذان المغرب حادثني بالهاتف أحد الأصدقاء.. وصوته متغير وقال.. أما علمت أن عبد الرحمن مريض؟!

قلت: لا.. مساء البارحة كان بصحة وعافية..

قال: إنه مريض.

انتهت المكالمة.. والأمر لا يعني لي شيئًا سوى معلومة غير صحيحة.. والمؤذن يرفع أذان العشاء.. فإذا بالهاتف يناديني.. إنه الشقيق الأكبر لعبد الرحمن.. قلت في نفسي: ماذا يريد؟! هل سيؤنبني على ما أفعله أنا وعبد الرحمن؟ أو أن أحدًا أخبره بزلة من زلاتنا أو سقطة من سقطاتنا.

ولكن أتى صوته منهكًا مجهدًا.. وعبراته تقطع الحديث.. وأخبرني بالخبر.. مات عبد الرحمن.

بهت.. ولم أصدق.. لا أزال أراه أمامي.. وصوته يرن في أذني!!

سألته: كيف مات؟!

وهو عائد إلى المنزل ارتطم بسيارة أخرى قادمة ثم حمل إلى المستشفى.. ولكنه فارق الحياة ظهر هذا اليوم.

أذني لا تصدق ما تسمع.. لا أزال أراه أمامي .. نعم أمامي.. بل اليوم موعدنا لنذهب إلى السوق الفلاني.. بل وغدًا موعد ثياب العيد..

ولكنه أيقظني من غفوتي وهز جوانحي وأزال غشاوة على عيني عندما قال.. سنصلي عليه الظهر غدًا.. أخبر زملاءك.. انتهى الحديث..

تأكدت أن الأمر جد لا هزل فيه.. وصدق لا كذب معه.. وأن أيام عبد الرحمن انقضت .. آمنت بأن الأمر حق.. وأن الموت حق.. وأن غدًا موعدنا هناك في المقبرة لا عند الخياط!!ّ لقد ألبس الكفن وترك ثوب العيد.. تسمرت في مكاني.. وأصبت بتشتت في ذهني.. وبدوار في رأسي.. قررت أن أذهب إلى منزل عبد الرحمن لأستطلع الأمر.. وأستوضح الفاجعة.. فلا يزال الشك يراودني!!

عندما ركبت سيارتي فإذا شريط غناء في جهاز التسجيل أخرجته.. فانبعث صوت إمام الحرم في المذياع يعطر المكان بخشوعه وحلاوته.. أنصت بكل جوارحي .. وأرهفت سمعي كأن الدنيا انقلبت.. والقيامة قامت.. والناس تغيرت.. أوقفت سيارتي جانبًا أستمع.. وأستمع.. وكأني أول مرة أسمع القرآن.. وعندما بدأ دعاء القنوت.. كانت دمعتي أسرع من صوت الإمام.. رفعت يدي تستقبل تلك الدموع.. وقلبي يردد صدى تلك العبرات.. وبارقة أمل خلف تلك الضلوع..

أعلنت توبة صادقة.. بدأتها بصحبة طيبة ورفقة صالحة..

من كرهتهم.. هم أحب الناس إليَّ.. من تطاولت عليهم.. هم أرفع الناس في عيني.. من استهزأت بهم.. هم أكرم الناس عندي.. كنت على شفا جرف هار.. ولكن الله رحمني.

بعد شهرين فاجأت الخياط وسألته عن ثوبي.. سأل عن عبد الرحمن.. قلت له: مات.. أعاد الاسم مرة أخرى.. قلت له: مات.. بدأ يصف لي الرجل وسيارته وحديثه.. قلت: نعم هو .. لقد مات.. وعندما أراني ثوبه بدأت أسترجع الذاكرة.. هل حقًا مات؟! ثوبي بجوار ثوبه.. ومقعدي في السيارة بجوار مقعده.. ولكن بقي لي أجل وعمر.. لعلي أستدرك ما فات.

بعد فترة من الزمن.. هدأت نفسي.. أطلت سعادة لا أعرفها.. انشراح في القلب وعلى عيني سكينة ووقار..

حمدت الله على التوبة والرجوع والأوبة ولكن.. بقي أخ لي هناك.. لا يزال على عينيه غشاوة ويعلو قلبه ران المعصية.. هل أتركه؟! شمرت عن ساعدي.. لن أتركه..

أمامه نار وعذاب.. وأهوال وصعاب..

لن أتركه.. وقد هداني الله.

هنا كتاب.. وهناك شريط..

وبيني وبينه نصيحة صادقة.


 همسة صادقة

أخي الحبيب:

أنت تعرف نفسك، ولكن دعني أعرفك بقيمة نفسك على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

عن عبد الله بن عمرو قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالكعبة ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك. والذي نفس محمدٍ بيده! لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك. ماله ودمه، وأن نظن به إلا خيرًا» رواه ابن ماجه.

عن ابن عمر - - رضي الله عنه -ما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» (صحيح الترغيب والترهيب).

أخي المسلم: لك مكانة عظيمة رفيعة إذا أطعت وامتثلت وصدقت وآمنت.. فالسعادة في الدنيا والجنة في الآخرة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.


 الحرب القذرة

أخي الحبيب:

أنت نور الفجر المنبثق من ظلال الليالي السوداء ولذا سعى الأعداء جميعًا إلى وأد هذا النور وحجبه بشتى الوسائل والسبل.. ألق نظرة على حرب المخدرات الموجهة للأمة.. لترى كيف هي حرب شرسة لا هوادة فيها.. فهل ترضى لنفسك أو لأخيك أو لابنك هذا السقوط؟! تأمل: بلغت كمية المضبوطات من قبل أجهزة مكافحة المخدرات في الدول العربية في عام واحد ما يلي:

208 أطنان من الحشيش و1.2 طن أفيون و1.5 طن هيروين و407 كيلو غرام كوكايين و32 مليون حبة كبتاجون([1]).

وقد عبر الحدود أرقام مهولة لا يعلمها إلا الله..


 قصص التائبين

ذكر أن الفضيل بن عياض كان شاطرًا في قطع الطريق. وكان يتعشق جارية، فبينما هو ذات ليلة يتسور عليها جدارًا، إذ سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فقال: بلى، فتاب، وأقلع عما كان عليه، ورجع إلى خربة، فبات بها، فسمع سفارًا يقول: خذوا حذركم؛ إن فضيلاً أمامكم يقطع الطريق، فأمنهم واستمر على توبته، حتى كان منه ما كان من السيادة والعبادة والزهادة، ثم صار علمًا يقتدى به، ويهتدى بكلامه وفعاله.

قال إبراهيم بن بشار: قلت لإبراهيم بن أدهم: كيف كان بدء أمرك؟ قال: غير ذا أولى بك، قال: قلت: أخبرني لعل الله أن ينفعنا به يومًا، قال: كان أبي من الملوك المياسير، وحبب إلينا الصيد، فركبت يومًا، فثار أرنب أو ثعلب، فحركت فرسي، فسمعت نداءً من ورائي، ليس لذا خلقت، ولا بذا أمرت، فوقفت أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحدًا. فقلت: لعن الله إبليس، ثم حركت فرسي، فأسمع نداء أجهر من ذلك: يا إبراهيم ليس لذا خلقت، ولا بذا أمرت، فوقفت أنظر فلا أرى أحدًا، فقلت: لعن الله إبليس، فأسمع نداء من قربوس (حنو الفرس) سرجي بذاك، فقلت: أنبهت، أنبهت، جاءني نذير، والله لا عصيت الله بعد يومي ما عصمني الله، فرجعت إلى أهلي، فخليت فرسي، ثم جئت إلى رعاة لأبي، فأخذت جبة كساء، وألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى العراق، فعملت بها أيامًا، فلم يصف لي منها الحلال، فقيل لي: عليك بالشام.

قال مالك بن دينار رحمه الله: رأيت في البادية يوم شديد البرد شابًا عليه ثوبان خلقان، وعليه آثار الدعاء وأنوار الإجابة، فعرفته، وكنت قبل ذلك عهدته في البصرة: ذا ثروة، وحسن حال، وكان ذا مالٍ وآمال.

قال: فبكيت لما رأيته على تلك الحال، فلما رآني بكى وبداني بالسلام، وقال لي: يا مالك بن دينار، ما تقول في عبد أبق من مولاه؟ فبكيت لقوله بكاءً شديدًا، وقلت له: وهل يستطيع المسكين ذلك؟ البلاد بلاده، والعباد عباده، فأين يهرب؟ فقال: يا مالك، سمعت قارئًا يقرأ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ فأحسست في الحال بنار وقعت بين ضلوعي، فلا تخمد، ولا تهدأ من ذلك اليوم. يا مالك، أتراني أرحم وتطفأ هذه الجمرة من قلبي؟

فقلت له: أحسن الظن بمولاك، فإنه غفور رحيم، ثم قلت له: إلى أين؟ قال: إلى مكة شرفها الله تعالى لعلي أكون ممن إذا التجأ إلى الحرم استحق مراعاة الذمم.

قال مالك: ففارقني ومضى، فتعجبت من وقوع الموعظة منه موقعها، وما تأجج بين جنبيه من نار التيقظ والإنابة، وما حصل عليه من صدق القبول وحسن الاستماع.


 كلمات في التوبة

قال أحمد بن عاصم الأنطاكي: هذه غنيمة باردة، أصلح ما بقي من عمرك، يغفر لك ما مضى.

قال بعض السلف: كان داود عليه السلام بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، فمن قضي له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير: إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة، وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينيه ويعجب بها، ويعمل السيئة فتكون نصب عينيه فيستغفر الله ويتوب إليه منها.

وقال مالك بن دينار: إن البدن إذا سقم لم ينجع فيه طعام، ولا شراب، ولا نوم، ولا راحة. وكذلك القلب إذا علقه حب الدنيا لم تنجع فيه الموعظة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الذي يضر صاحبه هو ما لم يحصل منه توبة، فأما ما حصل منه توبة، فقد يكون صاحبه بعد التوبة أفضل منه قبل الخطيئة، كما قال بعض السلف: كان داود بعد التوبة أحسن منه حالاً قبل الخطيئة، ولو كانت التوبة من الكفر والكبائر، فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم خيار الخليقة بعد الأنبياء، وإنما صاروا كذلك بتوبتهم مما كانوا عليه من الكفر والذنوب، ولم يكن ما تقدم قبل التوبة نقصًا ولا عيبًا، بل لما تابوا من ذلك عملوا الصالحات كانوا أعظم إيمانًا، وأقوى عبادة وطاعة ممن جاء بعدهم، فلم يعرف الجاهلية كما عرفوها.

أخي الشاب:

ليس عيبًا أن تزل قدمك فتسقط من القمة إلى الحضيض، إنما العيب أن تذهلك السقطة فتظل حيث أنت دون أن تحاول الصعود!! بل دون أن تفكر!! إلى أين المصير؟!!


 خمس دقائق

أنت شاب فطن تتطلع إلى مستقبل مشرق.. فها أنت تبحث عن المنصب والوظيفة والزوجة والمسكن.. بل وحتى شراء السيارة يأخذ من وقتك الكثير..

ولكني أتساءل: أما آن لك أن تفكر في آخرتك ولو بخمس دقائق من عمرك لترى كيف حالك غدًا؟!

سترحل من هذه الدنيا عاجلاً أو آجلاً.. طالت بك الأيام أو قصرت.. فماذا أعددت لهذا الرحيل؟! وماذا قدمت لما بعد الرحيل؟!

لا شك أنك ستفكر ولو لدقائق لترى حالك بالأمس وحالك اليوم وحالك غدًا!!

أيها الحبيب:

آخرتك أهم من وظيفتك.. وقبرك أهم من منزلك والحور العين خير لك من نساء الدنيا أجمع.. فأين ستقف بعد هذا الحديث؟!

هل سنراك تسابق المصلين إلى الصف الأول.. أم تبقى على تخلفك حتى يتخطفك الموت على حال لا تُرضي ولا تسر؟!

لكأني أرى منك النباهة وفي عينك بعد الرؤية وصفاءها ولكن تعال لتجيب على سؤالي حبًا وكرامة لي ولك: هل خططت ورتبت نفسك للموت؟ هل استعددت له وتجهزت لحضوره؟!

قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: قلت ليزيد بن مرثد: ما لي أرى عينك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: يا أخي، إن الله قد توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حريًا أن لا تجف لي عين، فقلت له: فهكذا أنت في خلواتك؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، فقال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي، فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام بين يدي فيعرض لي، فيحول بيني وبين أكله، حتى تبكي امرأتي ويبكي صبياننا، وما يدرون ما أبكانا([2]).

قال أبو عياش القطان:

كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها منيبة، وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها وتعجب من عبادتها على حداثتها.

فبينما الحسن ذات يوم جالس إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت؟!

فوثب الحسن فدخل عليها فلما نظرت الجارية إليه بكت، فقال لها: يا حبيبتي، ما يبكيك؟ قالت له: يا أبا سعيد، التراب يحثى على شبابي ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد، انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي قبرًا واسعًا وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أجهز إلى مكة لطال بكائي، كيف وأنا أجهر إلى ظلمة القبور ووحشتها بيت الظلمة والدود.


 الأنفاس الأخيرة

أنت شاب في مقتبل العمر تتطلع إلى الدنيا وإلى أهلها من أصحاب الدور والقصور والأموال والأولاد.. وقد أخذ هذا التطلع من وقتك الكثير وربما أوردك موارد كثيرة بعضها قد لا ترضاه لنفسك ولكنها الحاجة كما تقول..

سأذهب وإياك سويًا عبر الماضي لنرى من مَلَكَ الدنيا بأسرها كيف حاله عند الموت.. لترى هوان الدنيا وذلتها وحقارتها.. سنرجع زمنًا لنقف على رءوس علية القوم وهم في الأنفاس الأخيرة.. فيا ترى ماذا تعني لهم الدنيا، وماذا يرونها تلك اللحظات؟!

ولكن إياك أن تتهمني بأنني أدعوك إلى ترك العمل للدنيا وعدم السعي في أطرافها.. كلا.. ولكن اعمل للدنيا على قدر بقائك فيها وللآخرة على قدر بقائك فيها..

قال عبد الملك بن مروان في مرض موته وهو الذي حكم الدولة الإسلامية من شرقها إلى غربها ثلاث عشرة سنة: ارفعوني، فرفعوه حتى شم الهواء، وقال: يا دنيا ما أطيبك، إن طويلك قصير، وإن كثيرك لحقير، وإنا كنا بك لفي غرور.

ولما حضرت المأمون الوفاة أمر بجل دابته ففرش له فاضطجع عليه، ووضع الرماد على رأسه وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم اليوم من قد زال ملكه.

أما الخليفة المنتصر فقد كان يضطرب على نفسه عند موته فقيل له: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين. فقال: ليس إلا هذا، لقد ذهبت الدنيا وأقبلت الآخرة.

أخي الحبيب:

تهيأ اليوم لزيارة المقبرة.. وانظر واعتبر!! وتفقد مسكنك قبل أن تنتقل إليه!!


 أبشر برحمة ومغفرة

أيها الحبيب العائد:

تأمل في دعوة ربك ومليكك وهو ينادي عباده المؤمنين: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾([3] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾([4] وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾([5]).

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة» رواه مسلم.

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» رواه الترمذي.

وانظر إلى فضل الله العظيم وإحسانه الجزيل فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» رواه ابن ماجه.

وقال - صلى الله عليه وسلم - في حديث يفرح كل عاصٍ ويسر وكل مقبل على الله: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» رواه مسلم.

فبادر إلى التوبة النصوح واستغفر الله مما بدر وكان.. عسى الله أن يرحمنا جميعًا.

وتأمل فضل الله عز وجل وكرمه مع عبده الضعيف المسكين.. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه» رواه البخاري.

أخي الشاب:

خل الذنوب صغيرها

وكبيرها ذاك التقى

واصنع كماش فوق أر

ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة

إن الجبال من الحصى

أخي المسلم:

إذا ما خلوت يومًا فلا تقل

خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ما مضى

ولا أن ما تخفي عليه يغيب

لهونا عن الأيام حتى تتابعت

ذنوب على آثارهن ذنوب


 لا تكن من هؤلاء

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» رواه البخاري.

فهذا الحديث بشارة لجميع المسلمين بالجنة إلا صنفًا منهم لا يريد دخلوها، لا زهدًا فيها، ولكن جهلاً بالطريق الموصلة إليها، وتراخيًا وتكاسلاً عن دخولها، وتفضيلاً لهذه المتع الدنيوية الزائلة على تلك النعم الخالدة في الجنة.

وإن يسر الله لك أمر العودة والتوبة فاسجد في هجيع الليل المظلم وأرو الأرض من دموع الشكر لله عز وجل أن هداك دون غيرك وسهل لك هذا الطريق دون من حرموا السير فيه!! وتأمل كم على هذه الأرض من كافر وكم يسير عليها من تائه.. فاحمد الله أن اختصك بالتوبة وأنار لك طريق السعادة!!

ثم بعد أن يطفح نور البشر على وجهك ويتحرك قلبك شوقًا إلى الآخرة.. ستصوب نحوك السهام وترمى إليك كلمات الاستهزاء؟! من سفهاء الناس وضالتهم!! هذا مطوع!! وهذا فلان اهتدى!! وكيف تركت يا فلان ذاك الطريق!! ثم إذا رأوا عزمك وثباتك بدأوا باللمز والغمز.. سيعود بعد حين وسيرجع بعد شهور.. ثم يتحول ذلك كله إلى غيبة لك وإظهار لعيوبك السابقة.. هذا كان فاسقًا.. عاصيًا.. فيه وفيه..! كلمات كثيرة ولست أفضل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال عنه سفهاء قريش ساحر ومجنون ورموه بالسفه واختلال العقل!! فهذا طريق معروف لا بد لك من الصبر ولا تكن ضعيفًا في دينك فلقد كنت قويًا فتيًا في فسادك!! لماذا يصيبك الخور والضعف الآن؟!

وسيطلق عليك عبارات كثيرة.. فأنت متشدد! أتعرف لماذا؟ لأنك صليت! لأنك تركت ملاعب الفجور وأماكن الضياع! لأنك أطلت لحيتك وقصرت ثوبك اتباعًا لسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -!

فكن أسد وليثًا في سبيل الله فسر على ما سار عليه رسول الله ولا تلق بالاً لأحد ولا يهمك أحد من هؤلاء ولكن عليك بالرفق معهم ودعوتهم، واحذر إطالة الجلوس معهم فإن منهم عدوى الفساد تنتشر فاحذرهم!

ولا يليق بالمؤمن أن يكون إمعة يسيء مع المسيئين ويسير حيث اتجه الآخرون، بل له وقفة وعودة .. فقد روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قوله: وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإذا أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم.

أيها الحبيب: كثير من الشباب يكرهون الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وقد تتعجب من هذا الكره لهم؟! فهم لا يأخذون أموال الناس ولا يقفون بينهم وبين حياة سعيدة.. وليس بينهم عداء مستأصل وثأر قديم! أتعلم لماذا يكرهونهم؟! لأنهم يحولون بينهم وبين شهواتهم.. نعم لأجل هذا يكرهونهم.. ولو تركوا شهواتهم لكانوا إخوانًا لهم.. وتأمل في رجل المرور.. الكل يرى عمله وجهده.. ولكن يا ترى هل يحبه من تجاوز الإشارة الحمراء وأراد أن يقتل عباد الله؟!


 أبشر بخير عظيم

أخي الشاب:

وأنت تسير في طريق الحق تتلمس مواطن الأجر ومكفرات الذنوب إليك بعضًا من ذلك، فإن المؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع بعشرة أسباب:

أحدها: أن يتوب توبة نصوحًا ليتوت الله عليه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

الثاني: أن يستغفر الله فيغفر الله تعالى له.

الثالث: أن يعمل حسنات تمحوها لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾([6]).

الرابع: أن يدعو له إخوانه المؤمنون ويشفعوا له حيًا وميتًا.

الخامس: أن يهدي له إخوانه المؤمنون من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به.

السادس: أن يشفع فيه نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -.

السابع: أن يبتليه الله في الدنيا بمصائب في نفسه وماله وأولاده وأقاربه ومن يحب ونحو ذلك.

الثامن: أن يبتليه في البرزخ بالفتنة والضغطة، وهي عصرة القبر، فيكفر بها عنه.

التاسع: أن يبتليه الله في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه.

العاشر: أن يرحمه أرحم الراحمين.

فمن أخطأته هذه العشرة، فلا يلومن إلا نفسه، كما قال تعالى في الأحاديث الإلهية: «إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم (ثم أوفيكم إياها) فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»([7]).

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله عند تفسير سورة يوسف وما فعل به إخوته وكيف تسلسلت المعصية إلى معاصٍ أخرى متتابعة:

ومنها: الحذر من شؤم الذنوب، فكم من ذنب واحد استتبع ذنوبًا كثيرة وتسلسل الشر المؤسس على الذنب الأول، وانظر إلى جرم إخوة يوسف، فإنهم لما رأوا التفريق بينه وبين أبيه الذي هو من أعظم الجرائم، احتالوا على ذلك بعدة حيل، وكذبوا عدة مرات، وزوروا على أبيهم في القميص والدم الذي فيه، وفي صفة حالهم حين أتوا عشاء يبكون؛ ولا بد أن الكلام في هذه القضية تسلسل وتشعب، بل ربما أنه اتصل إلى الاجتماع بيوسف، وكل ما بحث في هذا الموضوع فهو بحث كذب وزور مع استمرار أثر تلك المصيبة على يعقوب، بل وعلى يوسف، فليحذر العبد من الذنوب، خصوصًا الذنوب المتسلسلة، وضد ذلك بعض الطاعات تكون طاعة واحدة، ولكن يتسلسل نفعها وبركتها حتى يستتبع طاعات من الفاعل وغيره، وهذا من أعظم آثار بركة الله للعبد في علمه وعمله([8]).


 أين أنت؟!

أيها الشاب:

أين أنت من أولئك الأخيار؟.. صفوة الأمة الذين قاموا لهذا الدين وسعوا إلى رفع رايته بالدم والمال ومفارقة الأوطان!

أين أنت من جعفر بن أبي طالب الذي استشهد في معركة مؤتة، بل أين أنت من مصعب بن عمير الذي استشهد في غزوة أحد، وتأمل أين قبور الصحابة والتابعين؟ وكيف قضوا نحبهم بعيدين عن أوطانهم وأبنائهم وزوجاتهم وأموالهم؟!

ماذا قدمت لهذا الدين وأنت ابنه الذي نشأت عليه وترعرعت في كنفه؟!

أيها الشاب:

قبل أن تسأل نفسك أين ذهبت أيامك؟ وأين تقضى شبابك.. إليك روائع حفظها لنا التاريخ عن شباب الإسلام في وقتهم.

إنها أمثلة حية للنبوغ المبكر والاشتغال بالعلم منذ الصغر.. فهذا الصحابي الجليل معاذ بن جبل - رضي الله عنه - الذي قال عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل» وقد شبهه عبد الله بن مسعود بإبراهيم الخليل في تعليمه الخير للناس وفي طاعته وإنابته لربه فقال: إن معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا.. ولقد مات معاذ هذا وعمره ثنتان وثلاثون سنة فقط!!

والإمام الشافعي حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر سنين!!

والإمام البخاري صحح إسناد حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن أحد عشر عامًا!!

أما الإمام ابن الجوزي فيقول محدثًا عن نفسه: كتبت بأصبعي ألفي مجلد، وتاب علي يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألفًا!!

وقد رحل الإمام محمد بن إسحاق بن منده لطلب العلم وعمره عشرون سنة، ورجع إلى بلده وعمره خمسه وستون عامًا، وكانت مدة رحلته خمسة وأربعين عامًا، فلما رجع إلى بدله تزوج وهو ابن خمسة وستين عامًا!!

أما أبو حاتم الرازي فقد كان يرتحل في طلب أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ماشيًا على أقدامه وقال: مشيت على قدمي ألف فرسخ (5000 كم) ثم تركت العدد!!

وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: كنت أرحل الأيام والليالي في طلب حديث واحد!!

وإن أطلت عليك بذكر السير العطرة لأولئك فإني أبقيت الكثير.. ولعلك تتأمل في همة وصبر حجاج بن الشاعر الذي قال: جمعت لي أمي مائة رغيف فجعلتها في جراب، وانحدرت إلى شبابة بالمدائن، فأقمت بشباب مائة يوم أغمس الرغيف في دجلة وآكله، فلما نفذت خرجت!!

نعم وقف بباب العلم ولم يقف بباب المحبوبة أو الملعب!!

وقد أقام أبو طاهر في الأسكندرية في عام 511هـ إلى عام 576هـ لطلب العلم وكان يقول عن نفسه: لي ستون سنة ما رأيت منارة الإسكندرية إلا من الطاقة. وكانت هذه المنارة من عجائب الدنيا ولكنها لم تلهه عن طلب العلم!!

أما العالم يحيى بن يحيى الليثي فقد ذكر أنه كان تلميذًا عند إمام دار الهجرة مالك بن أنس في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء فيل عظيم بجانب المسجد، فخرج الطلاب لرؤيته ولم يبق إلا يحيى بن يحيى الليثي، فقال له الإمام مالك: لِمَ لم تخرج لترى الفيل وهو لا يكون ببلادك؟ فقال يحيى: جئت من الأندلس لأراك لا لأرى الفيل، إنما رحلت لأتعلم من علمك وهديك!!([9]).

أيها الحبيب:

إنه سير إلى الله عبادة وطاعة.. فإن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل!! ووالله الذي لا إله غيره ما خلقت للهو واللعب ولا لإضاعة الأوقات خلف شاشة أو على مدرج كرة!! فالأمر أعظم من ذلك ولكن متى تهب من غفلتك وتستيقظ من رقدتك! إن عمرك يجري وصيدك في هذه الحياة ينقضي وأنت لاهٍ ساهٍ!!

أما أولئك الأخيار فقد فطنوا لما خلقوا .. وشمروا.. وعلموا أن الدقائق والأنفاس هي رحلة العمر، وهي من أنفس الموجود لديهم.. فهبوا إلى استثمار الدقائق واللحظات معروفة بالوقت وأهميته.

أما من جهل قيمة الوقت الآن فسيأتي عليه حينٌ يعرف فيه قدره ونفاسته وقيمة العمل فيه، ولكن بعد فوات الأوان، وفي هذا يذكر القرآن موقفين للإنسان يندم فيهما على ضياع وقته حيث لا ينفع الندم.

الموقف الأول: ساعة الاحتضار، حيث يستدبر الإنسان الدنيا ويستقبل الآخرة، ويتمنى لو منح مهلة من الزمن، وأخر إلى أجل قريب ليصلح ما أفسده ويتدارك ما فات.

الموقف الثاني: في الآخرة، حيث توفى كل نفس ما عملت وتجزى بما كسبت، ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وهناك يتمنى أهل النار لو يعودون مرة أخرى إلى حياة التكليف، ليبدءوا من جديد عملاً صالحًا.

هيهات هيهات لما يطلبون فقد انتهى زمن العمل وجاء زمن الجزاء.

ونلحظ في زماننا هذا الجهل بقيمة الوقت والتفريط فيه.. فلا تكن ممن ذهبت أيامه سدى وأضاع عمره فرطًا.. فإن سنوات مرت من عمرك كالحلم.. بل كسحاب يدفعه الريح.. لحظات ثم تختفي.. ها هي سنوات عمرك الماضية انتهت أسرع مما تتخيل.. كأنها طرفة عين!!

واعلم أن الإحصاء دقيق وأن المحاسب بصير ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فكيف بك أيها الشاب إذا نشرت لك تلك الصحف الماضية؟ وكيف بك إذا مررت على الصراط ودقته والحساب وشدته؟!


 سبحان الله العظيم

تعمل الكلى عمل المرشحات لإزالة المواد الضارة من الدم، حيث تقوم بتنظيف 17099 لتر من الدم يوميًا على وجه التقريب!!

معدل التنفس الطبيعي للإنسان بين 16 إلى 18 نفسًا في الدقيقة الواحدة!! وفي الساعة 960 إلى 1080 وفي اليوم الواحد من 23040 إلى 25920!!

سرعة الضوء 299.792.05 كيلومترات في الثانية الواحدة!! ويصلنا ضوء القمر خلال ثانية واحدة فقط. أما ضوء الشمس فيحتاج لثماني ثوان حتى يصلنا!! فيما يصلنا ضوء أقرب نجم في أربع سنوات وثلاثة أشهر!!

قلب الإنسان العادي ينبض بين 60 و80 نبضة في الدقيقة الواحدة أي ما يعاد 40 مليون نبضة كل عام، وفي كل نبضة يضخ القلب 100سم3 في الدم ويبلغ ما يضخه خلال اليوم الواحد 15067 لترًا مكعبًا.

في العالم اليوم 26796 لغة، أشهرها: 48 لغة منتشرة في أوروبا و153 في آسيا، و18 لغة في أفريقيا، و424 لغة في الأمريكتين و17 لغة في جزر المحيطات!!

طول أمعاء الإنسان يتراوح بين 8.5 إلى 9 أمتار.

أعلى درجة حرارة توصَّل الإنسان لإنتاجها تتراوح بين 300 إلى 400 مليون درجة، وهي الحرارة الناشئة عن انفجار قنبلة ذرية!!

عضلة القلب تزن نحو ثلاثمائة وخمسمائة وعشرين جرامًا، وتعمل على ضخ الدم عبر مائة ألف كيلومترًا في الأوعية الدموية يوميًا.

يوجد تحت سطح الجلد بين خمسة إلى خمسة عشر مليون مكيف لحرارة البدن.

يستهلك الجسم من خلاياه نحو مائة وخمسة وعشرين مليون خلية في الثانية الواحدة، ويتشكل العدد نفسه في الثانية الواحدة.


 خير الزاد

وأنت تسير في هذه الدنيا تلامس سمعك كل يوم كلماتٍ متكررة.. المستقبل.. الرزق.. تكوين النفس.. العمل.. وهكذا كلمات مادية تنظر فيها بعين بائسة إلى المستقبل!! والمستقبل كما تعلم بيد الله عز وجل والأرزاق بيد الله عز وجل، فلماذا أضعت هذا الأمر وفرطت في هذا اليقين؟

تكد وتتعب وتبذل وتجد وتجتهد لتحصيل أمر مادي بحت ولسنوات قليلة جدًا هي مسافة عمرك القصير على وجه الأرض.. نعم كل هذا الاهتمام والحرص والمثابرة لعشرين أو خمسين أو ثمانين سنة ولا تزيد عن ذلك في الغالب. ولكن أين أنت عن حياة أبدية؛ اليوم فيها عن ألف سنة من حساباتنا ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾([10]).

فماذا عملت لهذه الدار الأبدية التي ستنتقل إليها قريبًا شئت أم أبيت؟ رغبت أم عصيت؟! فتزود لها فإن بها منزلتين فقط إما جنة أو نار.. فافرح بهذه الجنة وشمر لها وابتعد عن هذه النار وتجنب حرها.. وتزود للآخرة كما تتزود لسفر من أسفار الدنيا وعليك بخير الزاد ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾([11]).

واحذر أيها الحبيب من نار يقال لها لظى ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾([12]).. واحذر أن تكون ممن ينادون وهم في النار ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾([13]).. بل جد وكن ذا بصيرة، وسابق إلى جنة عرضها السماوات والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. جعلك الله من أهلها وبوأك أعلى منازلها.


 احذر

أيها الحبيب:

قد ترى أن كثرة الضحك فيها أنس لخاطرك وسرور لجلسائك.. ولكن إياك والمزالق فربما أطلقت لسان فزل بك..

تأمل في بعض من حولك وكثرة استهزائه باللحية والثوب القصير بل وطلبة العلم ورجال الهيئة، ثم تعقب تلك النكات وضحكات طويلة وتعليقات متتابعة.

أربأ بك وأنت ابن الإسلام أن تعود إلى الكفر وترتد عن دينك عن جهل أو مسايرة للجلساء.. إن ما تراه سهلاً يسع المجالس ويطير مع الهواء.. ربما يهوي بك في النار سبعين خريفًا.. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: إن الاستهزاء بالله وآياته ورسله كفر يكفر صاحبه بعد إيمانه([14]).

وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله: من يقول: حلق اللحية وتقصير الثوب قشور. هذا الكلام خطير وليس في الدين قشور، بل كله لب وإصلاح وينقسم إلى أصول وفروع، ومسألة اللحية من الفروع لكن لا يجوز أن يسمى شيء من أمور الدين قشورًا. ويخشى على من قال هذا الكلام مستهزئًا أن يرتد بذلك عن دينه.

ولعلك أيها الشاب سمعت قصة رجل من المنافقين في غزوة تبوك حيث قال: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونًا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء، فرفع ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء المنافق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾([15]).

ولعلك أيها الأخ لحظت في الآية الكريمة أن الله شهد لهم بالإيمان قبل الاستهزاء فقال تعالى: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ولكن هذا لم يشفع لهم.

في جواب اللجنة الدائمة للإفتاء على من قال لآخر: «يا لحية» مستهزئًا: أن الاستهزاء باللحية منكر عظيم، فإن قصد القائل بقوله «يا لحية» السخرية فذلك كفر، وإن قصد التعريف فليس بكفر، ولا ينبغي أن يدعوه بذلك.

وقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم: ومن الناس ديدنه تتبع أهل العلم لقيهم أو لم يلقهم مثل قوله: المطاوعة كذا وكذا. فهذا يخشى أن يكون مرتدًا.

***

لا يغفل شاب مسلم ما نزل بشباب الأمة من أمور تغضب الله عز وجل وتجلب سخطه وعقابه ومن أوضح تلك الذنوب.. الزنا.. زنا العين وزنا الفرج.. وزنا العين هو الخطوة الأولى لزنا الفرج.

وقد علق سبحانه فلاح العبد على حفظ فرجه من الزنا فلا سبيل إلى الفلاح بدونه قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾([16]).

وقد ذم الله عز وجل هذه الفعلة الشنيعة وقرنها بالشر والقتل قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾([17]).

وقد نهى الله عز وجل عن الزنا ومقدماته فقال تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾([18]).

فنهى عن الزنا ودواعيه والقرب لما يكون سببًا في ذلك من النظرة والكلمة والخلوة وغيرها وأمر بحفظ البصر فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾([19]).

وأحذرك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له أن يمس امرأة لا تحل له»([20]).

وإن كنت ترى أنك استطعت أن تغرر بالمرأة المسلمة وأن هذا من مقدرتك ومهارتك.. فاعلم أن لك أخوات ووالدة وزوجة وبنات. واعلم إذا كنت ذئبًا فإن هناك ذئاب ولك محارم فاتق الله في نفسك وأهلك.

واحذر أن تعرض محارمك للوقوع في الفاحشة فكما تدين تدان.

من يَزن يُزن به ولو بجدره

إن كنت يا هذا لبيبًا فافهم

من يَزْن بألفي درهم

يُزن به بغير الدرهم


 هذه هي أولوياتنا

أيها الحبيب:

وأنت تستقبل فجرًا جديدًا في حياتك.. فجرًا تبدأ معه رحلة العودة إلى الله عز وجل بقلب منكسر ودمع منسكب.. إليك حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو بشارة لنا جميعًا: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها».

فاحمد الله عز وجل أن فتح باب التوبة وجعل التوابين من أهل محبته ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾([21])، وأبشرك بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» رواه ابن ماجه والطبراني.

والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة لا تخفى عليك ولكني أوردت طرفًا منها لتهنأ نفسك ويطمئن قلبك بهذا الفضل العظيم.

وإني موصيك ونفسي بأمور لا تغيب عن بالك ولكنها من باب التذكير والتواصي بالحق:

أولاً: توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة. وإن لم يكن عندنا في هذه البلاد ولله الحمد قبور وأولياء فإن هناك أمورًا خطيرة عدها العلماء من نواقض الإسلام وعليك بها واحدة تلو الأخرى واحذر منها. وسأذكر لك ستة من عشرة نواقض ذكرها الإمام الشيخ محمد ابن عبد الوهاب:

1- من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.

2- من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد كفر، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾([22]).

3- من استهزأ بشيء من دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو ثوابه أو عقابه، كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾([23]).

4- السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾([24]).

5- مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾([25]).

6- الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾([26]).

إن فرارك أيها الحبيب من المعصية ومواطن الزلل.. فرار الخائف من الذنوب والآثام إلى المسكن المطمئن الآمن حيث جنات عدن.

ولسوف يأتيك الشيطان ويلقي في قلبك كلمات.. وماذا يفعل معك رفقاء السوء؟.. أنت رجل لك شخصية وفكر! فماذا يؤثر فيك أولئك؟! هذه هي الخطوة الأولى نحو الانتكاسة وعدم التوبة وليس البعد عن رفقاء السوء مختصًّا بصغار السن كما نتوهم.. هاك رجل من كبراء قريش وقادتها أرداه رفيقه في المهالك وحرمه من دخول الجنة..

لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عم: قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» فقالا له: ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأعادوا، فكان آخر ما كلمهم به هو: على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول لا إله إلا الله. ومات على الكفر.

وأصدق وصف للرفقاء ما ذكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة»([27]).

خامسًا: الوقت هو حياتك، ولكأني بك نادم الآن على ما مضى من عمرك لعلمك أنه لن يعود، فبادر بالاستفادة من الأوقات ودع عنك الملهيات التي لا تفيدك بل تحصد وقتك حصدًا مثل مشاهدة المباريات وغيرها. واعلم أنه إذا حضرك الموت لن تستطيع أن تؤخر ملك الموت ولو دقيقة واحدة بمال الدنيا أجمع.

سادسًا: سارع إلى الزواج بالمرأة الصالحة العابدة التقية، النقية وأمسك حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعض عليه بالنواجذ: «عليك بذات الدين تربت يداك».

سابعًا: شد الرحال إلى طلب العلم الشرعي والتزود منه وسارع إلى حضور الدروس والمحاضرات وشراء الكتب والأشرطة النافعة، وضع جدولاً طويل الأمد لحفظ القرآن، واجعل لذلك وقتًا معلومًا إما بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر أو حسب ما تراه، وراجع ما حفظته في سيارتك واسمع قراءة الأئمة المجودين المرتلين لكتاب الله.

ثامنًا: ملازمة الدعاء وتحري أوقات الإجابة: فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو وهو نبي هذه الأمة وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. وتذلل بين يدي الله عز وجل أن يغفر لك زللك وتقصيرك وأن يثبتك على دينه حتى تلقاه.

وكن خائفًا وجلاً من ذنوبك.. قال ابن عون: لا تثق بكثرة العمل فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا؟! ولا تأمن ذنوبك فإنك لا تدري أكفرت عنك أم لا؟! إن عملك مغيب عنك كله..

تاسعًا: داوم على العمل الصالح وإياك والكسل والتراخي فإنها مدعاة إلى الفتور وربما الانتكاسة والعياذ بالله.. وليكن لك خبيئة من عمل صالح لا يعلمها إلا الله من بكاء ندم، وصدقة سر، واعلم أن خير العمل «أدومه وإن قل». وساهم مع المؤسسات الدعوية والإغاثية ومكاتب الجاليات ولو بجهد بسيط لنفع الإسلام والمسلمين ونفع نفسك قبل ذلك.

قال الحسن: أبى قوم المداومة، والله ما المؤمن بالذي يعمل شهرًا أو شهرين أو عامًا أو عامين، لا والله ما جعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت!

والنصائح والتوجيهات بين المحبين كثيرة ولكن حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.


وماذا لي إذا عدت؟

أبشر إذا عدت إلى الله بجنة عرضها السموات والأرض، وقبل ذلك رضوان من الله ورحمة وعفو ومغفرة..

ولك سعة في الرزق وهناء في العيش ولذة عبادة وصحبة إخوة صالحة..

إنها سعادة وتوفيق في الدنيا والآخرة.. اجتمعت لك سعادة الدنيا ونعيم الآخرة في عودتها تعلنها وفي رجوع تخطوه.

أبشر فلك بعد التوبة أن يبدل الله سيئاتك حسنات.. نعم أبشر بالخير العظيم.

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ...﴾([28]).

هذا في الآخرة .. أما في الدنيا وهي ما تحب أن تراه عاجلاً فأبشر بالسعادة والطمأنينة وأبشر ببهاء الوجه وهدوء النفس..

أبشر بصحبة الأخيار وقراءة القرآن ومحبة الصالحين..

أبشر بحياة طيبة في الدنيا والآخرة..

قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾([29]).

وأبشر بخير عظيم... ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

تأمل في يوم واحد من أيام عودتك.. إنها سعادة لا تنكرها وصفاء لا مثيل له.. سمعك يعطر بآيات من القرآن وبحديث علماء الأمة ودعاتها.. أما بصرك فهو قراءة في مصحف أو نظر في ملكوت السموات والأرض!! أما دمعتك فهي خوف من الله ورجاء وطمع في رحمته ...

أما قلبك فلا تتحدث عنه.. فهو في سعادة وأمن وراحة وطمأنينة!! شغلك الشاغل: هل أذن المؤذن؟! وهمك نصرة هذا الدين.. ثم ألا ترى معي أنه زاد عقلك وذهبت خفته التي كانت تظهر لك بعد مشاهدة مباريات كرة القدم؟! ألا ترى أن دموعك تنحدر خوفًا من الله لما عنده؟!

تأمل جلساءك في السابق!! النطيحة والمتردية ممن أضاعوا الصلاة وغفلوا عن الحساب.. همهم لا يتجاوز موضع أقدامهم.. واليوم رفعك الله إلى مكانة علية ومنزلة رفيعة.. فها أنت تسير مع إمام المسجد وتحدث العلماء وتصافح الدعاة!!

أخي الشاب:

جربت طرقًا كثيرة سنوات عديدة!! لا يمنع أن تجرب هذا الطريق أسبوعًا واحدًا.. ثم ليكن بيني وبينك موعدًا عند كل أذان أدعو لك وتدعو لي!!

فوائد

فائدة: قوله تعالى في المصطفين الذين أورثهم الله الكتاب: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾([30]).

اشترك هؤلاء الثلاثة في أصل الإيمان، وفي اختيار الله لهم من بين الخليقة وفي أنه من عليهم بالكتاب، وفي دخول الجنة، وافترقوا في تكميل مراتب الإيمان، وفي مقدار الاصطفاء من الله وميراث الكتاب، وفي منازل الجنة ودرجاتها بحسب أوصافهم.

أما الظالم لنفسه: فهو المؤمن الذي خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا؛ وترك من واجبات الإيمان ما لا يزول معه الإيمان بالكلية، وهذا القسم ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: من يرد القيامة وقد كفر عنه السيئات كلها. إما بدعاء أو شفاعة أو آثار خيرية ينتفع بها في الدنيا أو عذب في البرزخ بقدر ذنوبه، ثم رفع عنه العقاب وعمل الثواب عمله، فهذا من أعلى هذا القسم وهو الظالم لنفسه.

القسم الثاني: من ورد القيامة وعليه سيئات؛ فهذا توزن حسناته وسيئاته ثم هم بعد هذا ثلاثة أنواع:

أحدها: من ترجح حسناته على سيئاته، فهذا لا يدخل النار، بل يدخل الجنة برحمة الله وبحسناته، وهي من رحمة الله.

ثانيها: من تساوت حسناتهم وسيئاتهم فهؤلاء هم أصحاب الأعراف، وهي موضع مرتفع بين الجنة والنار يكونون عليه، وفيه ما شاء الله، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة، كما وصف ذلك في القرآن.

ثالثها: من رجحت سيئاته على حسناته فهذا قد استحق دخول النار، إلا أن يمنع من ذلك مانع، من شفاعة الرسول له، أو شفاعة أحد أقاربه أو معارفه ممن يجعل الله لهم في القيامة شفاعة لعلو مقاماتهم على الله وكرامتهم عليه؛ أو تدركه رحمة الله المحضة بلا واسطة، وإلا فلا بد له من دخول النار يعذب فيها بقدر ذنوبه، ثم مآله إلى الجنة؛ ولا يبقى في النار أحد في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها.

وأما المقتصد فهو الذي أدى الواجبات وترك المحرمات، ولم يكثر من نوافل العبادات، وإذا صدر منه بعض الهفوات بادر إلى التوبة فعاد إلى مرتبته، فهؤلاء أهل اليمين، وأما من كان من أصحاب اليمين: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾([31]).

فهؤلاء سلموا من عذاب البرزخ وعذاب النار، وسلم الله لهم إيمانهم وأعمالهم فأدخلهم بها الجنة، كل على حسب مرتبته.

وأما السابق إلى الخيرات فهو الذي كمل مراتب الإسلام وقام بمرتبة الإحسان، فعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وبذلك ما استطاع من النفع لعباد الله، كان قلبه ملآن من محبة الله والنصح لعباد الله، فأدى الواجبات والمستحبات، وترك المحرمات والمكروهات وفضول المباحات المنقصة لدرجته، فهؤلاء هم صفوة الصفوة، وهم المقربون في جنات النعيم إلى الله، وهم أهل الفردوس الأعلى، فإن الله كما أنه رحيم واسع الرحمة، فإنه حكيم ينزل الأمور منازلها ويعطي كل أحد بحسب حاله ومقامه، كما كانوا هم السابقين في الدنيا إلى كل خير، كانوا في الآخرة في أعلى المنازل؛ وكما تخيروا من الأعمال أحسنها، جعل الله لهم من الثواب أحسنه؛ ولهذا كانت عين التسنيم أعلى أشربة أهل الجنة، يشرب منها هؤلاء المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين مزجًا في بقية أشربة الجنة، التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كما قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾([32]).

وهكذا بقية ألوان وأصناف نعيم الجنة لهؤلاء السابقين منه أعلاه وأكمله وأنفسه، وإن كان ليس في نعيم الجنة دني ولا نقص ولا كدر بوجه من الوجوه، بل كل من تنعم بأي نعيم من نعيمها لم يكن في قلبه شيء أعلى منه؛ فإن الله أعطاهم وأرضاهم، وخيار هؤلاء الأنبياء على مراتبهم، ثم الصديقون على مراتبهم، ولكل درجات مما عملوا، فسبحان من فاوت بين عباده هذا التفاوت العظيم، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.


 الحق والباطل

لا أخفيك.. ولا أخبئ عنك..

أنا مفتون!!

سأله في استغراب .. كيف يكون ذلك؟! هل في قلبك شك؟! أم ماذا؟

هز الناصح رأسه وقال:

هات كأسًا واملأه ماءً.. ثم ضع نقطة من السم عليه!!

هل يجتمعان؟! كيف تريد أن يجتمع في قلبك حب الغناء وحب القرآن؟!

وتابع وهو يشير بيده..

حتى ومن قال بإباحة الغناء من بعض العلماء فإنه قصد الغناء بالصوت وحده دون آلة لهو أو طرب.. مثل حداء الركبان بدون كلمات فحش ولا بذاءة..

أما بآلات اللهو.. فلم يفت أحد بجوازها!! لا تتعجب..

أرأيت ما تتكئ عليه وتضعه حجابًا لك عن النار!! وتقول إن العلماء أجازوا ورخصوا!!

إنه الصوت فقط..

ثم إني سائلك ومستفتيك مثل ما استفتى ابن عباس أحدهم وهو يسأله عن الغناء..

فقال: أرأيت إذا كان يوم القيامة أين يكون الغناء! في ميزان الحسنات أو السيئات؟!

رفع صوته نحو رفيقه وهو يلح عليه.

أجبني أنت.. أين يكون؟!

هل هو زاد تتقرب به إلى الله أم هي أوزار وسيئات تحملها على ظهرك يوم القيامة؟!!

يوم تكون في حاجة إلى حسنة.. نعم إلى حسنة واحدة.. إنه يوم الفقر الشديد.

أخي الحبيب:

هلا استبدلت شريط الغناء بشريط قرآن أو محاضرة.. استمع -حفظك الله- ولو مرة واحدة شريطًا لأحد أئمة الحرم. لترى كيف يفيض دمعك وتتغير نبضات قلبك.

لكم حرمت من الخير بسبب ذلك التفريط.. فالمعصية وراءها معصية والحسنة تتبعها حسنة.

وقفة:

قال ابن تيمية قدس الله روحه: «ولقد حدثني بعض المشايخ أن بعض ملوك فارس، قال لشيخ رآه قد جمع الناس على مثل هذا الاجتماع [رقص وغناء..]: يا شيخ؛ إن كان هذا هو طريق الجنة، فأين طريق النار؟»([33]).


 علامات مضيئة

قالت عائشة - رضي الله عنه -ا: أقلوا الذنوب، فإنكم لن تلقوا الله عز وجل بشيء أفضل من قلة الذنوب.

قال مورق العجلي: ما وجدت لمؤمن مثلاً إلا مثل رجل في البحر على خشبة فهو يدعو يا رب، يا رب، لعل الله عز وجل أن ينجيه.

قال يحيى بن معاذ - رضي الله عنه -: من أحب الجنة انقطع عن الشهوات، ومن خاف النار انصرف عن السيئات.

قال الربيع بن خثيم لأصحابه: تدرون ما الداء والدواء والشفاء؟ قالوا: لا، قال: الداء الذنوب، والدواء: الاستغفار، والشفاء: أن تتوب فلا تعود.

عن طلق بن حبيب قال: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين.

قال ابن سيرين: إذا أراد الله عز وجل بعبده خيرًا جعل له واعظًا من قلبه يأمره وينهاه.

قال معاذ بن جبل: إن المؤمن لا يسكن روعه، حتى يترك جسر جهنم وراءه.

قال بلال بن سعد: رب مسرور مغبون يأكل ويشرب ويضحك وقد حق له في كتاب الله عز وجل أنه من وقود النار.

قال سلمة بن دينار لجلسائه: لوددت أن أحدكم يبقي على دينه كما يبقي على نعله.

قال الحسن: يا ابن آدم: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة.


 الهمة العالية

ودعت أهلي.. حزنًا لفراقهم.

فرحًا بقدومي إلى هذه الأرض..

لأول مرة أدخل المطار.. ولأول مرة سأركب الطائرة.. ستصعد بنا إلى أعلى.. وأكون معلقًا بين السماء والأرض..

مشاعر متلاحقة.. وعواطف متقلبة..

زحف الخوف على قلبي..

لم يكن هناك متسع للتفكير في عملي..

أين هو..؟ وكيف..؟

ألمح خيالاً يلوح بناظري.. وأنا مرتد ملابس الإحرام.. هذه أمنيتي..

تحملت من أجلها الغربة والصعاب.

يهدئ ذكرها رجف الخوف في قلبي..

تجاذبتني الخواطر.. وسرت مع دروب كثيرة..

ركبت الطائرة بين مصدق ومكذب، وكلما ألقيت نظرة إلى الأرض البعيدة زاد خوفي وارتجف قلبي.. حتى مضت الثلاث ساعات.. بعدها هبطنا بسلام..

وقطع تفكيري موظف الجوازات.. ناولته جواز سفري..

ما هي مهنتك؟ .. راعي غنم..؟!

أجبته .. نعم..

بعد خروجي من صالة المطار.

استقبلني صاحب العمل .. فرحًا.. مبتسمًا..

استبشرت خيرًا..

لم ألمح سوى أنوار المدينة من بعيد.. ثم اختفى كل شيء.. الأسئلة تتوالى.. كم سنة رعيت الغنم.. تعرف أمراضها وأسقامها؟

وما أن فرغ من الأسئلة الطويلة .. والنوم يغالبني.

حتى توالت النصائح..

لا تفرط .. لا تهمل.. عليك بالجد والاجتهاد..

أقبلنا على خيمة صغيرة.. بعدما اجتزنا طرقًَا وعرة..

هذا مسكنك.. فرحت بسعة المكان.. وبالهدوء الجميل.. خيمتي في مكان مرتفع.. ويسكن معي فيها أكوام من الأعلاف والشعير.. لم تترك لي سوى ركن صغير..

ما تبقي من الخيمة كان مطبخي..

استيقظت لصلاة الفجر.. بعد نوم مريح..

بدأت أول يوم من أيام عملي..

نظرت إلى غنمي.. واحدة واحدة..

انطلقن أمامي.. وانطلقت أحمل طعامي.

استويت على ظهر دابتي.. ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾([34]).

ارتفعت الأتربة على أثر سير الغنم.

ونحن نسير الهوينا.. بدأت الخيمة تختفي..

التفت إليها مودعًا.

موعد الإياب غروب الشمس..

بعد مسير طويل.. حططنا رحالنا..

تفقدت المكان.. وأطعمت الصغار..

أذنت لصلاة الظهر..

تردد صدى صوتي في الأماكن القريبة.. اطمأننت أن الغنم حولي.. أقمت الصلاة.. وصليت.. رحلت بعيدًا حيث مسجدنا هناك.

تذكرت بداية حفظي للقرآن..

عاد صوت والدي إلى مسامعي.. وهو يوصيني بحفظ القرآن، فرصة لا تعوض.. وغنيمة باردة...

ليس لدي ما يشغلني.. ومن هنا يحادثني؟

من شدة الحر.. لم أزد على ثلاث لقيمات أكلتها.

وعندما حانت العودة.

كنت قد اتخذت القرار المهم.. سأحفظ القرآن إن شاء الله.. نعم.. وأنا أرعى الغنم.

شكرت الله على هذا التوفيق..

وأن عملي خارج المدينة.. هنا رغم شدة العيش وقسوة الحياة.. لا غيبة.. ولا نميمة.. ولا فتن.. صفاء في كل شيء..

ما إن تراءت الخيمة.. حتى أسرعت الخراف والنعاج سريعًا.. وصلن إلى حيث الماء.

توضأت وأذنت لصلاة المغرب.

هذا كان أول يوم لي هنا.. وأيامي هكذا يوم الجمعة أسير على قدمي لأشهد الصلاة..

أخبرت صاحب العمل.

أني ما جئت إلى هنا إلا رغبة في أداء مناسك الحج..

ولكنه أجاب ببرود واضح بقي شهور ولم أر ذلك الحماس..

تسألني.. هذا هو قدومي..

ولكنك تعجب كيف حفظت القرآن؟

في الصباح وأنا ذاهب بغنمي.. أراجع ما حفظته أمس.. وعندما يستقر بي المقام .. أبدأ بالحفظ.

وإذا قفلت عائدًا راجعت ما حفظته في يومي.. وأكرر المراجعة صباح الغد..

وفي يومي الخميس والجمعة.. مراجعة لكامل حفظي.. سأله رفيقي متعجبًا.

ليس لديك مذياع.. ولا تلفاز.. ولا تقرأ الصحف!!

كيف تعرف أحداث العالم؟ .. وماذا يجري..؟

معزول عن العالم أنت.. هذا واقعك..

تطوعت للإجابة.. ماذا استفدنا؟ ... وماذا استفاد؟ ..

اعتدل الراعي في جلسته.. همومي قليلة.. وفي وقتي متسع يشغلني مرض غنيمة من الغنيمات.. أو تمزق في ثوبي.

هذه الأحداث الكبرى عندي.

أما ولادة نعجة من النعاج فهذا الحدث العالمي.

قلت لرفيقي.. كيف ترانا على هذه الدنيا؟.. نجري ونجري.. ولا نقرأ القرآن شهرًا أو شهرين..

قلنا له:

حياتك خير من حياتنا.. أنت وغنماتك خير من دنيانا.. وما أن ركبنا عائدين.

حتى وضع رفيقي يده على المذياع.

وقال..

حديث الناس هذه الأيام.

تمزق في طبقة الجو العليا..!!


 هل من مشمر؟!

هل من مشمر؟!

نعم هناك مشمرون..

ولكن التشمير إلى أين؟!

إنه إلى جنة عرضها السموات والأرض.

مسارعة للخطى.. وتقوية للعزائم .. وحث للنفوس .. إنها خطوات في الطريق إلى هناك، حيث الموقف العظيم.. ثم برحمة الله إلى روح وريحان وجنة نعيم.

نستدرك بالتشمير تقصيرنا.. ونعوض بالسير القويم تكاسلنا وتأخرنا.

هل من مشمر؟!

كل يوم في طريق .. وكل حين في سبيل.

خطوات متسارعة وقفزات متتابعة..

نسد الفرج .. ونغلق الثلم..

نحصن أنفسنا.. ونبني ديارنا.

هل من مشمر؟!

نداء لمن تأخر عن الركب.. ولا يزال يرى القافلة.. شمر عن ساعدك.. واستدرك أيامك..

إلى من حجبته سحب المعصية وغيوم الذنوب.. لا نزال ننتظر إطلالتك وانقشاع الظلام عن عينك.. فهيا أقبل وكن من أول الركب.. فأنت ابن الإسلام!!

 رب ارجعون

أخي الحبيب:

احمد الله عز وجل أننا نجتمع على أخوة إسلامية ورابطة إيمانية.. الحمد لله لم تجتمع على وثن أو صنم يعبد أو في كنيسة ومعبد.. فاللهم لك الحمد ولك الشكر على نعمة الإسلام ونعمة الهداية.

أخي التائب: نادى منادي الإيمان ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾([35]).

فأسرع وشمر قبل أن يهجم عليك الزائر الذي لا يرد ولا تستطيع إرجاعه ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾([36]).


 قبل النهاية

قبل النهاية.. وقد سرت معي في هذه السطور القليلة التي تعلوها آية ويجملها حديث.. أحذرك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾([37])، عليك بالتوبة واستعد لأمر يفجأك على غير موعد.. فاحمد الله عز وجل الذي أمهلك.. ومن العيوب سترك.. وإلى طريق الهداية سيرك.. وعن طريق المعاصي قيدك.. فإن الأعمال بالخواتيم، فمن أحسن فيما بقي غفر له ما مضى وما بقي، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقي.

أخي الحبيب:

هلم إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصب ولا تعب ولا عناء، بل من أقرب الطرق وأسهلها، وذلك أنك في وقت بين وقتين وهو في الحقيقة عمرك، وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يستقبل، فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار، وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عمل شاق، إنما هو عمل قلب. وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب، وامتناعك ترك وراحة ليس هو عملاً بالجوارح يشق عليك معاناته، وإنما هو عزم ونية جازمة تريح بدنك وقلبك وسرك.

فيما مضى تصلحه بالتوبة، وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية، وليس في هذين نصب ولا تعب، ولكن الشأن في عمرك وهو وقتك الذي بين الوقتين، فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك، وإن حفظته مع إصلاح الوقتين اللذين قبله وبعده بما ذكر نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم، وحفظه أشق من إصلاح ما قبله وما بعده، فإن حفظه أن تلزم نفسك بما هو أولى بها وأنفع لها وأعظم تحصيلاً لسعادتها.

وفي هذا تفاوت الناس أعظم تفاوت، فهي والله أيامك الخالية التي تجمع فيها الزاد لمعادك، إما إلى الجنة وإما إلى النار، فإن اتخذت إليها سبيلاً إلى ربك بلغت السعادة العظمى والفوز الأكبر في هذه المدة اليسيرة التي لا نسبة لها إلى الأبد، وإن آثرت الشهوات والراحات واللهو واللعب انقضت عنك بسرعة معاناة الصبر عن محارم الله والصبر على طاعته ومخالفة الهوى لأجله([38]).

أيها الشاب:

إني أدعوك أن تكون أحد هؤلاء السبعة الذين يكرمهم الله عز وجل فيظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما أخبر بذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..» وذكر منهم «وشاب نشأ في عبادة ربه..»([39]) فأقدم ولا تتأخر وأسرع ولا تؤجل.. فمثلك يفكر في جواب سؤال عظيم كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟»([40]).

أخي الحبيب.. أنت أمل الأمة بعد توفيق الله عز وجل.. فإن الرجل القدوة لأشد على أعداء الله من كل عُدة.. ولذلك تمنى الناس ذهبًا ينفقونه في سبيل الله.. فكانت كلمات عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ولكني أتمنى رجلاً مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة.. فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله.

وأنت أيها الشاب من ترى يرفع راية لا إله إلا الله؟! هل هم المنصرون أو اليهود والكفار عمومًا أم يد متوضئة ما سجدت إلا لله ولا حنت الجباه إلا له.. فكن أنت ذلك الرجل..


 الخاتمة

يقول الله عز وجل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾([41]).

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾([42]).

قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلاً»([43]).

كان الحسن رحمه الله يقول: رحم الله رجلاً لم يغره كثرة ما يرى من الناس. ابن آدم، إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك.



([1]) جريدة الرياض العدد (10586) في 3/2/1418هـ.

([2]) حلية الأولياء (5/164).

([3]) سورة النور، الآية: 31.

([4]) سورة الزمر، الآية: 53.

([5]) سورة الحجر، الآيتان: 49، 50.

([6]) سورة هود، الآية: 114.

([7]) تسلية أهل المصائب، ص218.

([8]) المجموعة السعدية (8/ 411).

([9]) للاستزادة انظر إن أردت كتابي «ورثة الأنبياء».

([10]) سورة الحج، الآية: 47.

([11]) سورة البقرة، الآية: 197.

([12]) سورة المعارج، الآية: 16.

([13]) سورة المؤمنون، الآية: 107.

([14]) مجموع الفتاوى (7/273).

([15]) سورة التوبة، الآيتان: 65، 66.

([16]) سورة المؤمنون، الآيات: 5-7.

([17]) سورة الفرقان، الآية: 68.

([18]) سورة الإسراء، الآية: 32.

([19]) سورة النور، الآية: 31.

([20]) رواه الطبراني.

([21]) سورة البقرة، الآية: 222.

([22]) سورة محمد، الآية: 9.

([23]) سورة التوبة، الآيتان: 65، 66.

([24]) سورة البقرة، الآية: 102.

([25]) سورة المائدة، الآية: 51.

([26]) سورة السجدة، الآية: 22.

([27]) متفق عليه.

([28]) سورة الفرقان، الآية: 70.

([29]) سورة النحل، الآية: 97.

([30]) سورة فاطر، الآية: 32.

([31]) سورة الواقعة، الآية: 91.

([32]) سورة المطففين، الآيتان: 27، 28.

([33]) الاستقامة لابن تيمية (1/317).

([34]) سورة الزخرف، الآيتان: 13، 14.

([35]) سورة الأحقاف، الآية: 31.

([36]) سورة المنافقون، الآية: 10.

([37]) سورة لقمان، الآية: 7.

([38]) كتاب الفوائد.

([39]) متفق عليه.

([40]) رواه الترمذي.

([41]) سورة آل عمران، الآية: 133.

([42]) سورة آل عمران، الآية: 30.

([43]) رواه البخاري.