الأذكار النووية ()

 

|

 الأذكار النووية

الإمام النووي

باب المقدمات:

 كلمة الناشر:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، وأفضلُ الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة المؤلف: اسمه: هو الإمام أبو زكريا [ولا زكريا له؛ لأنه لم يتزوج] محيي الدين [ونقل عنه أنه قال: لا أجعل في حل من لقبني محيي الدين] يحيى بن أبي يحيى شرف بن مِرَى أو مُرِّي بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام الحزامي النَّوَوِي [نسبة لبلدة نوى السورية الواقعة إلى الجنوب الغربي من دمشق على حدود هضبة الجولان من أرض حوران، على بعد 70كم تقريبًا] الحوراني الدمشقي. مولده ووفاته: ولد في العشر الأوسط من المحرم سنة إحدى وثلاثين وست مائة من الهجرة، 1233م، بنوى، وتوفي في ليلة الأربعاء في الثلث الأخير من الليل، رابع والعشرين من شهر رجب سنة ست وسبعين وست مائة، 1277م، بنوى أيضًا؛ وقبره معروف فيها إلى اليوم.

نشأته: تعلم وحفظ القرآن ببلدته نوى، ثم قدم به والده إلى دمشق وكان عمره تسع عشرة سنة في سنة تسع وأربعين، فسكن المدرسة الرواحية الواقعة شرقي المسجد الأموي ولصيقته من جهة الشمال. حج مع والده سنة إحدى وخمسين وست مائة. كان مواجهًا للملوك والجبابرة بالإنكار، لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، وكان إذا عجز عن المواجهة كتب الرسائل. صفاته: كان إمامًا في العلم والعبادة والزهد وصيام الدهر والورع وعدم إضاعة الوقت. مؤلفاته: وهي كثيرة، منها: "الأذكار"، "الأربعون الحديث النبوية"، "إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق"، "الأصول والضوابط"، "الإيجاز في مناسك الحج"، "الإيضاح في مناسك الحج"، "بستان العارفين"، "التبيان في آداب حملة القرآن"، ومختصره، "روضة الطالبين"، "رياض الصالحين"، "المجموع شرح المذهب"، "المقاصد الحسان"، "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج"، "منهاج الطالبين".

هذا الكتاب: يعد كتاب: الأذكار من أشهر كتب الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- ويتنازع مع كتاب: رياض الصالحين، على هذه الشهرة، فكثرة طبعاته وانتشاره يجعله يأتي بعد رياض الصالحين؛ فقلّما يخلو بيت مسلم من نسخة من هذا الكتاب. وهو من أهم الكتب وأكثرها انتشارًا التي جمعت أذكار اليوم والليلة، ولولا حجمه لكان انتشاره أكثر من صنوه رياض الصالحين. وهو من أنفس الكتب الجامعة للأذكار بشكل عام مع ذكر الدليل والتحقيق فيها وذكر الأحكام التي لها صلة بها، إذا جمع ما يحتاج إليه في سائر الأحوال من أذكار ودعوات في اليوم والليلة وعلى مدار العام، بل في جميع العمر. فهو عدة للمتعبدين والذاكرين، ودليل للمتصوفين بشكل خاص، ولعامة المسلمين بشكل عام. فالعالم لا يُستغنى عن الرجوع إليه في موضوعه، والخطيب جل اعتماده عليه، والمثقف لا يفتر عن النظر إليه، والصوفي والذاكر لا يمل منه، بل يجد مطالعه والمراجع له فيه أحكامًا فقهية وفوائد علمية كثيرة. ولا شك أن لصدق مؤلفه وإخلاصه أكبر الأثر وأعظم السبب في هذا الرواج والانتشار؛ حيث إن إخلاصه وصلاح نيته دعاه لبناء كتابه بشكل يفيد عامة المسلمين وخواصهم، فيجدون فيه تلبية لحاجاتهم ومنهلاً لتعلمهم وتثقفهم في دينهم. ولما سبق قيل: "بع الدار واشترِ الأذكار". وقال أحدهم: ليس يذكر من لم يقرأ الأذكار. وقال الشيخ المحدِّث أبو المواهب نجم الدين محمد بن أحمد السكندري الغيطي "910 - 981 هـ، 1504 - 1573م" من الطويل: تمسك بآثار النووي واعتصم ... وسرح عيون الفكر في الروضة الغنا ولازم حمى أذكاره ورياضه ... تقر بمنهاج له رائق المعنى

بدأ الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- كتابه بمقدمة بيَّن فيها سبب تأليفه للكتاب وهدفه، فقال: أردت مساعدة أهل الخير بتسهيل طريقه، والإِشارة إليه، وإيضاح سلوكه، والدلالة عليه، ثم رسم مخطط كتابه: فقال: فأذكر في أوَّلِ الكتاب فصولاً مهمة يحتاجُ إليها صاحبُ هذا الكتاب وغيره من المعتنين. ثم أردف مبينًا مصادره وموارده في الكتاب قائلاً: وأقتصر في هذا الكتاب على الأحاديث التي في الكتب المشهورة التي هي أصول الإِسلام، وهي خمسة: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي. وقال: وقد أروي يسيراً من الكتب المشهورة وغيرها. وقال: وأما الأجزاء والمسانيد، فلستُ أنقل منها شيئاً إلا في نادر من المواطن، ولا أذكرُ من الأصول المشهورة أيضاً من الضعيف إلا النادر مع بيان ضعفه، وإنما أذكر فيه الصحيح غالباً. ومثل ذلك قال في رياض الصالحين: وألتزم فيه أن لا أذكر إلا حديثًا صحيحًا من الواضحات، مضافًا إلى الكتب الصحيحة المشهورات. ومن المفيد بيان مقصود الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- من كلامه، وهو: أن منهج الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- ومراده من قوله السابق هو الاصطلاح القديم الذي يجعل المقبول من الحديث قسمًا واحدًا، وهو قسم الصحيح، وهو الحديث القوي الذي يشمل الحسن وما فوقه، والذي كان عليه علماء الحديث قبل أن يشهر الترمذي تبعًا لشيخه البخاري، تقسيم الحديث المقبول إلى صحيح وحسن، وهذا الذي حاول أن يذكره الشيخ ناصر الدين الألباني في مقدمته لـ: رياض الصالحين، وقال: وذلك استعمال جائز لا غبار عليه. ثم أضاف: وقد جريت عليه في كثير من مصنفاتي، مثل: صحيح الجامع الصغير وزيادته ورسالتي: صحيح الكلم الطيب، وصحيح أبي داود، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، وغيرها. اهـ. وقبل الشيخ ناصر الدين الألباني قال ابن علاّن شارح "الأذكار": مراد النووي من الصحيحة المقبولة، فتشمل الحسن ولو لغيره، والضعيف المقبول في موطنه. اهـ.

ويقول الإمام النووي: لا أذكر في الباب من الأحاديث إلا ما كانت دلالته ظاهرة في المسألة. وأستطيع أن أضيف على ما ذكر الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- أنه كان ينقل في كتابه عن كتب الفقه واللغة، وكتب شروح الحديث، مثل: الأحوذي شرح الترمذي، ومعالم السنن. على كل يمكن مراجعة القائمة المتضمنة مصادر الكتاب لمعرفة المزيد من الكتب التي اعتمد عليها الإِمام النووي، رحمه الله تعالى. وبَيَّن الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- ما يريد من كتابه بكل وضوح: فلهذا أرجو أن يكون هذا الكتاب أصلاً معتمدًا. وأعتقد، بل أجزم إن الله تعالى حقق للإمام النووي -رحمه الله تعالى- ما أراده. وعلى عادة الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- بدأ كتابه بباب الإخلاص واستحضار النية الصالحة، وهذا واضح تمامًا في مؤلفات الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- ولعل بمراجعة ما نقله عن حديث: "إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ" في كتابه "بستان العارفين"1، نعرف سبب حرص الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- على البداءة دائمًا في مؤلفاته بالكلام على الإخلاص والنية؛ حيث يقول: واستحب العلماء -رضي الله تعالى عنهم- أن تُسْتَفْتَحَ المصنفات بهذا الحديث، وممن بدأ به في أول كتابه الإمام أبو عبد الله البخاري -رحمه الله- في أول حديثه في صحيحه، الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. وروينا عن الإِمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله- قال: لو صنفت كتابًا بدأت في أول كل باب منه بهذا الحديث. وروينا عنه أيضًا، قال: مَنْ أَرَادَ أن يُصنِّفَ كتاباً فليبدأ بهذا الحديث. وروينا عن الإِمام أبي سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطَّابي -رحمه الله- فيما قرأته في أول كتابه "الإعلاء"، في شرح صحيح البخاري، قال: كان المتقدمون من شيوخنا يستحبُّون تقديم حديث: "الأعمال بالنيّة" أمامَ كل شيء يُنشأ ويُبتدأ من أمور الدين، لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها. __________ 1 راجع طبعتنا لـ"بستان العارفين" الصادرة عن الجفان والجابي للطباعة والنشر، ليماسول قبرص.

وبلغنا عن جماعات من السلف -رضي الله تعالى عنهم- أشياء كثيرة من نحو هذا من الاهتمام بهذا الحديث، والله أعلم. انتهى نقلاً عن "بستان العارفين". وسمة الإخلاص والصدق في صلاح النية هي أبرز صفة في الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- حيث تتجلى هذه الصفة دائمًا في كل كتاباته ومؤلفاته. ولنعود إلى الكلام عن بنية كتاب "الأذكار"، فأقول: ثم انتقل إلى تعريف القارئ بأن المقصود من خلال الإنسان عبادة الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وَإنَّ اللَّهَ تَعالى قال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] ثم بعد ثبوت ذلك يجدر بالإنسان العاقل أن يسلك الطريق الصواب لتحقيق المقصود، ولا شك أن الصواب في اتباع ما أنزل على سيدنا ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو القرآن الكريم، وكذلك اتباع ما ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أخبار صحيحة. لقد أجاد الإِمام النَّوَوِي -رحمه الله تعالى- في تأليف كتابه، ونفع الله المسلمين به، فرحمه الله تعالى وجزاه خيرًا عليه. فـ"الأذكار" كتاب مفيد، يجدر بكل مسلم أن يقرأه ويرجع إليه، فيكفي أنه مليء بتحقيقات وتعليقات الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- فتعليقات الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- لها نكهة خاصة، يشعر قارئها بالفائدة والحاجة إليها، بل يستطيع أن يتذوقها ويتلذذ بمذاقها، ويتمتع بها؛ فهي مليئة بالإخلاص والوضوح، رحمه الله تعالى. أنهى الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- تأليف كتابه "رياض الصالحين"، يوم الاثنين رابع شهر رمضان سنة سبعين وست مائة كما ورد في نهاية الكتاب.

وفي بعض نسخ "رياض الصالحين"، ورد التاريخ أنه "رابع عشر رمضان"، فإذا علمنا أن شهر رمضان لا يفرد دون كلمة شهر كباقي الأشهر التي تبدأ بحرف الراء، يغلب على الظن أن كلمة "شهر"، قد تصحفت إلى "عشر"، كما ورد في بعض النسخ، وأن الأقرب إلى الصواب والذي يطمئن له القلب هو رابع شهر رمضان لا رابع عشر رمضان. وأنهى الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- تأليف كتابه "الأذكار" في المحرم سنة سبع وستين وست مائة كما ورد في نهاية الكتاب، وفي نسخة مقروءة على المؤلف رآها الإمام الحافظ السخاوي سنة 665 هـ، والمهم هو أن كتاب "الأذكار" سابق في التأليف لكتاب "رياض الصالحين". وسيجد القارئ من خلاله ما أثبته من زيادات على الأصل الذي طبعته والمحصورة ضمن معقوفتين [] ترابط الكتابين المتين، حيث إنهما نهلا من مصادر واحدة وبزمن متقارب ومتتالي، بل نجد أحيانًا اختصارًا لما ورد في الأذكار أو استدراكًا لما ورد فيه بزيادة تناسب موضوع رياض الصالحين، بل سيتلمس القارئ ترابط كتب النووي -رحمه الله تعالى- ببعضها. ولا شك عندي أن النووي -رحمه الله تعالى- كان يعتمد جهوده التي بذلها في تأليف كتبه السابقة في بناء كتبه اللاحقة، ففي التي سبقت تأليف رياض الصالحين على سبيل المثال، فعل ذلك وبخاصة "الأذكار". فكل مدقق في طبعة رياض الصالحين التي أخرجتها وملاحظ لما أثبته فيها من إحالات إلى كتاب "الأذكار"، يكون الدليل بين يديه لصحة ما ذكرته، بل إننا نجد إحالات من الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- إلى كتاب الأذكار حيث يكون أوضح المسألة بشكل أفضل، راجع مثلا تعليق الإمام النووي عقب الحديث رقم: 1590، أو ما ذكره في الباب رقم: 261 -بابُ بَيانِ ما يجوز من الكذب- من كتاب: رياض الصالحين. وهناك فقرات طويلة كاملة وردت في كتابه "الأذكار"، نجدها كما هي في "رياض الصالحين"، مثال على ذلك ما وردَ في الكتابين عن التوبة.

اسم الكتاب: ذكر شارح الأذكار محمد علي بن محمد علان البكري الصديق الشافعي، اسم الكتاب في مقدمة شرحه فقال: "حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار"، وبهذا الاسم ذكره المولى مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي الحنفي الشهير بالملا كاتب الجلبي والمعروف بحاجي خليفة، 1017- 1067 هـ، 1609، 1657م، في كتابه: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. أما الأسماء الأخرى فاستعرضها اعتمادًا على ما ورد على صفحات العنوان في المخطوطات التي اطلعت عليها: "الأذكار". "الأذكار النَّوَورية". "الأذكار من أحاديث المختار". "حلية الأبرار وشعار الأخيار". مصادر "الأذكار": اعتمد الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- في الأخبار الواردة عن القرآن على ابن أبي داود في كتابه "شريعة القارئ"، علمًا أن الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- لم يصرح باسم الكتاب، وإنما كان يذكر فقط الرواية عن ابن أبي داود، والذي صرح بالاسم هو الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- وعنه نقل الشارح ابن علان اسم الكتاب؛ ولهذا الاعتماد على "شريعة القاري"، كان الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- يعترض على الإِمام النووي -رحمه الله- أنَّ ابن أبي داود أورد هذا الخبر لكن الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- لم يشر إليه، فكأنه يقول: إن الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- اعتمد هذا الكتاب لكنه أغفل ذكر هذا الموضوع الذي أورده الكتابُ المعتمدُ عليه.

وهذه قائمة بأسماء الكتب التي نقل عنها المؤلف والتي وردت ضمن الكتاب: "الأحوذيّ في شرح الترمذي" لأبي بكر محمد بن عبد الله المعافري الإشبيلي المالكي، المعروف بابن العربي، 468-543 هـ، 1076-1148م. "إحياء علوم الدين" لحجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، 450-505 هـ، 1058-1111م. "الأربعون" لعبد القادر بن عبد الله الفهمي الرهاوي ثم الحراني، 536-612 هـ، 1141-1215م. "الإشارة" لأبي الفتح سُليم بن أيوب الرازي الشافعي، 365-447 هـ، 975-1055م. "الأم" لأبي عبد الله محمد بن إدريس الهاشمي القرشي الْمُطَّلِّبِي، الإمام الشافعي، 150-204 هـ، 767-820م. "البحر" للروياني، أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد، 415-502هـ، 1025-1108، الفقيه الشافعي. "البسيط في التفسير" لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، 000- 468هـ، 000-1076م. "التبيان في آداب حملة القرآن" للإمام النووي رحمه الله. "التتمة" لأبي سعيد عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري المتولي الشافعي، 426- 478 هـ، 1035-1086م، أو تتمة الإبانة، وهو شرح لكتاب الإبانة: لأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني، 388-461 هـ، 998-1069م. "التعازي" لأبي الحسن علي بن محمد بن عبد الله المدائني، 135-225 هـ، 752-840م.

"التعليق" للقاضي حسين بن محمد بن أحمد الْمَروَرُّوذي الشافعي، 000-462 هـ، 000-1069م. "تفسير الموطأ" لابن مُزَين المالكي، يحيى بن إبراهيم، ... -259هـ، 000-873م. "التهذيب" لأبي الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم النَّابُلُسِي المقدسي، 377-390هـ، 987-1096م. وهو شرح لكتاب التقريب لأبي الفتح سُليم بن أيوب الرازي الشافعي، 365-447هـ، 975-1055م. "تهذيب الأسماء واللغات" للإمام النووي رحمه الله. "الجمع بين الصحيحين" للحُميدي، أبي عبد الله محمد بن أبي نصر فَتُّوح، 420 -488هـ، 1029-1095م، المؤرخ والمحدث الأندلسي. "الحاوي" لأبي الحسن علي بن محمد حبيب الْمَاوَرْدِي، 364-450هـ، 974-1058م. "حلية الأولياء" لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، 336-430هـ، 948 -1038م. "الرسالة القشيرية" لزين الإسلام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن النيسابوري القشيري، 376-465هـ، 986-1072م. حلية العلماء في مذاهب الفقهاء، هو المستظهري: لأبي بكر فخر الإسلام محمد بن أحمد بن القفال الشاشي الشافعي، 429-507هـ، 1037-1114م. "السنن الكبرى" للبيهقي، أبي بكر أحمد بن الحسين بن عليّ، 384-458هـ، 994-1066م، أحد أئمة الحديث الشافعية. "السنن" للترمذي، أبي عيسى محمد بن عيسى بن سَورة السلمي البوغي، 209-279هـ، 824-892م.

"السنن" للدراقطني، أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، 306-385هـ، 919-995م. "السنن" لأبي داود، سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، 202-275هـ، 817-889م. "السنن" لابن ماجه، أبي عبد الله محمد بن يزيد الربعي القزويني، 209-273هـ، 724-887م. "السنن" بما فيها "الكبرى" للنسائي، أبي عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب، 215-303هـ، 830-915م. "الشامل" لأبي نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ البغدادي 400-477هـ، 1010-1084م. "شرح أسماء الله الحسنى" لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، 000-338هـ، 000-950م. "شرح مختصر المزني" لأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الْمَرْوَزِي الشافعي، ... - 340هـ، ... -951م. "شرح الموطأ" = "تفسير الموطأ". "شعب الإيمان" لأبي عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني الحليمي، 338-403 هـ، 950-1012م. "الشمائل النبوية" للترمذي، أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي البوغي 209-279هـ، 824-892م. "الصحاح" للجَوهَرِي، أبي نصر إسماعيل بن حماد،.....-393هـ،.....-1003م) . "الصحيح" للإسماعيلي، أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، 297-371هـ، 910-982م.

"الصحيح" للبخاري، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي 194-256هـ، 810-870م. "الصحيح المستخرج على الصحيحين، المسند" للبرقاني، أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب 336-435 هـ، 948-1034م. "الصحيح" لابن خزيمة، أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري 223-311هـ، 838-924م. "الصحيح" لمسلم، أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري 304-261هـ، 820-875م. "صناعة الكُتَّاب" لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، ... -338هـ، ... -950م، هو: عمدة الكُتَّاب، التالي. "عمدة الكُتَّاب" لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، ... -338هـ،.....-950م، هو: صناعة الكُتَّاب، السابق. "غريب الحديث" لأبي عبيد أحمد بن محمد الباشاني الهروي، ... -401هـ،.... -1011م. "غريب الحديث" لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، 319-388هـ، 931 -998م. "الفتاوى" لأبي عمرو تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن الشَّهْرَزُورِي، ابن الصلاح، 577-643هـ، 1181-1245م. "غريب الحديث" لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي، 198-285هـ، 815-898م. "القواعد الكبرى" لأبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء، 577-660هـ، 1181-1262م.

"المجموع شرح المهذب" للإمام النووي -رحمه الله تعالى- مع أن الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- أشار فيه إلى "رياض الصالحين"، راجعه: 179/3، 395/4، 481. "المختصر" لأبي إبراهيم بن يحيى المزني، 175-264هـ، 791-878م. المستدرك على الصحيحن: للحاكم، أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري، المعروف بابن البَيِّع، 321-405هـ، 933-1014م. المستظهري، هو حلية العلماء في مذاهب الفقهاء. "المسند" لأحمد، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الوائلي، 164-241هـ، 780-855م. "المستند" للبزار، أبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، ... -292هـ، ... -905م. "المسند" للحُميدي شيخ البخاري، أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي الأسدي، ... -219هـ، ... -834م. "المسند" للدَّارِمي، أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي السمرقندي، 181-255هـ، 797-869م. "المسند" لأبي يَعْلى أحمد بن علي التميمي الموصلي، ... -307هـ، ... -919م. "مشارق الأنوار" للقاضي عياض، أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السَّبْتِي، 476-544هـ، 1083-1149م. "مطالع الأنوار على صحاح الآثار"، في فتح ما استغلق من كتاب

"الموطأ"، ومسلم والبخاري وإيضاح مبهم لغاتها؛ لابن قرقول، أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف الوهراني الحمزي، 505-569هـ، 1111-1174م. "معالم السنن" للخطابي، أبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُستي 319-388هـ، 931-998م. "معرفة علوم الحديث" للحاكم، أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري، المعروف بابن البَيِّع، 321-405هـ، 933-1014م. "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" للإمام النووي -رحمه الله تعالى- مع أن الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- أشار فيه إلى "رياض الصالحين"، راجعه: 8/ 183. "الموضوعات" لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي القرشي البغدادي، 508-597هـ، 1114-1201م. "الموطأ" لمالك، أبي عبد الله مالكُ بن أنس بن مالك الأصبحي الحِمْيَرِي، 93- 179هـ، 712-795م. "النهاية في غريب الحديث" لأبي السعادات مجد الدين مبارك بن أبي الكرم محمد، بن الأثير الْجَزَرِي، 544-606هـ، 1150-1210م. كتب حول كتاب الأذكار: اختصره المؤلف كما وجدت في فهارس المخطوطات، منه نسخة في يني جامع بإستانبول 14 [276] . اختصره محمد بن علي قاسم البلتاجي الشافعي بعنوان "الأنوار المضيئة مختصر الأذكار النووية". منه مخطوطة محفوظة بدار الكتب، القاهرة، 1/م12 [2054] كتبت سنة 1283 هـ. ونسخة محفوظة في

جامعة الرياض، جامعة الملك سعود، 338/4 [3565] 58 ورقة، من القرن 13هـ، تقديرًا. اختصره شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبدُ الملك بن أحمد القسطلاني، 851-923هـ، 000-000م، منه نسخة في الأزهرية بالقاهرة 595/1 [3212، 43093] 145 ورقة، كتبت سنة 1116هـ. علمًا أن للقسطلاني كتابًا اسمه "الأنوار في الأدعية والأذكار"، واختصره بكتاب سماه "اللوامع في الأدعية والأذكار الجوامع". اختصره شهاب الدين أحمد بن الحسين، ابن رسلان الرملي المقدسي الشافعي 773-844هـ،1371-1440م. اختصره شمس الدين محمد بن محمد القاهري الشافعي الحجازي القاضي القليوبي 000-849هـ، 000-1445م. أملى عليه الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمه الله،773-852هـ، 1372-1449م) أمالي استخرج فيها أحاديثه وبَيَّنَ مرتبة أحاديث الكتاب من صحة أو حسن أو ضعف أو اضطراب، ومات قبل إكمالها، وأملى متممًا لذلك تلميذه الحافظ السخاوي، وتوفي قبل الإكمال أيضًا، ومجموع الأمالي في نحو ثلاثة مجلدات، وطبع الأستاذ حمدي عبد المجيد السلفي 220 مجلسًا ثم أوصلهم إلى المجلس رقم: 292 بثلاثة مجلدات باسم: نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار، الطبعة الثانية الصادرة عن دار ابن كثير، عام 1421هـ، 2000م، جاء في آخرها: آخر المجلس الحادي والتسعين بعد المائتين من التخريج، وهو الحادي والسبعون بعد الست مائة من الأمالي المصرية بالبيبرسية رواية كاتبه البقاعي. أ. هـ. وتضم مطبوعة حمدي عبد المجيد السلفي ثلاثة أجزاء، تضم 291 مجلسًا، متوزعة كما يلي:

الجزء الأول: يضم المجالس 1-110. الجزء الثاني: يضم المجالس 111-220. الجزء الثالث: يضم المجالس 221-291. وهذه المجالس تستغرق تخريج كتاب "الأذكار"، إلى الفقرة 636، ومن كتاب "تحفة الأبرار بنكت الأذكار"، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي إلى الفقرة رقم: 46، بينما يستمر كتاب السيوطي ليغطي لغاية الفقرة رقم: 1245 من كتاب "الأذكار". وإذا علمنا أن ابن حجر أملى 660 مجلسًا على كتاب "الأذكار"، كما يقول تلميذه شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة 902هـ في "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر"، صفحة: 583؛ يكون المطبوع يساوي أقل بقليل من نصف الذي أملاه ابن حجر، والذي أملاه ابن حجر يغطي نصف الكتاب وزيادة. وإتمامًا للفائدة فإن السخاوي شرع في إكمال تخريج: الأذكار، [راجع: الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، صفحة: 587] لكن لم يكمل. وذكر حمدي السلفي في المقدمة أنه حصل على مصورات مخطوطات للمجالس الباقية، وصلت أرقام مجالسها إلى 642. اختصره جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر الخضيري السيوطي، 849-911 هـ، 1445-1505م، وسماه "أذكار الأذكار"، ثم شرحه. وله كذلك "تحفة الأبرار بنكت الأذكار"، جمع فيه أهم أمالي ابن حجر وما تضمنت من تصحيحات واعتراضات، وأضاف إليه أشياء قليلة. اختصره محمد بن عمر الْحِمْيَرِي الحضرمي الشافعي الشهير بِبَحْرَق، 869-930هـ، 1465-1524م.

"إتحاف الأخيار في نكت الأذكار" لشمس الدين محمد بن علي، ابن طولون الدمشقي الصالحي الحنفي، 880-953هـ، 1475-1546م. "الفتوحات الربانية على الأذكار النووية"، لمحمد بن علي بن محمد علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي، 996-1057هـ، 1588-1647م. وقد طبع بسبعة مجلدات بمصر، طبعته جميعة النشر والتأليف الأزهرية، بإدارة الشيخ محمود حسن ربيع، وبتصحيح الشيخ علي حسن البولاقي، وصورت هذه الطبعة في لبنان عدة مرات. وضع نور الدين أبو الضياء علي بن علي الشَّبْرَامَلِّسِي، 997-1087هـ، 1588-1676م، فهرسًا له بعنوان "فهرس الأذكار النووية"، راجع فهرس الأزهرية 363/1 [3107، زكي 41650]-"12و". "حاشية" لنور الدين أبي الحسن بن عبد الهادي السندي التتوي الحنفي المدني نزيل المدينة المنورة، 000-1138هـ، 000-1726م. راجع: هدية العارفين، 318/2. ترجمات الأذكار: ترجمة فرنسية لـ N.YOUNES وراجعها فوزي شعبان Fawzi CHAABAN تحت عنوان Les invocations، طبعتها دار الفكر ببيروت سنة 1994م، بمجلدين. أهم طبعات الأذكار: الطبعة الأولى للكتاب طبعت في مطبعة عبد الرزاق بمصر، سنة 1306هـ باسم "حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار"، راجع "معجم المطبوعات العربية والمعربة"، ليوسف إليان سركيس صفحة: 1878.

ثم طبع باسم "الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار"، في المطبعة الميمنية بمصر، سنة 1312هـ، وعلى هامشه بعض التقييدات من شرح ابن علان، راجع "معجم المطبوعات العربية والمعربة"، ليوسف إليان سركيس صحفة: 1876. طبعة مطبعة الملاح بدمشق سنة 1971م، بتحقيق وتعليق للشيخ عبد القادر الأرناؤوط حفظه اللَّهَ تَعالى. ثُمَّ أعيدت هذه الطبعة سنة 1409هـ، 1988م، في دار الهدى للنشر والتوزيع بالرياض، السعودية. ثم هناك كثير من الطبعات لكنها لا تتضمن ميزات فارقة. ميزات الطبعة التي عملت على إخراجها ومبررات طباعتها: لقد أردت من هذه الطبعة أن تكون واضحة الحرف، صحيحة الترقيم، سهلة المتناول، قليلة التعليق، موثقة الأصل. لذلك اعتمدت كأصل لهذه الطبعة: 1- الفتوحات الربانية على الأذكار النووية: لمحمد بن علي بن محمد علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي، 996-1057هـ، 1588-1647م، وهو شرح لكتاب "الأذكار"، فاستعنت به خاصة في ما نقله عن ابن حجر من "نتائج الأفكار"، بالقسم الذي لم يطبع منه، وكذلك مما أورده من خلافات النسخ ووصف للأصول التي اعتمدها أو نقل عنها. وقد نقلت ما هو جدير بالنقل من حيث الذي أردته من هذه الطبعة. وكذلك فرغت هذه المواد من القسم المطبوع من "نتائج الأفكار". 2- رجعت إلى عدة مخطوطات محفوظات اليوم في مكتبة الأسد، وهي من مخطوطات المكتبة الظاهرية:

أ- رقم: 433 حديث، عدد أوراقها: 179، وهي بالأصل من مخطوطات وقف الشيخ عثمان الكردي. ب- رقم: 7017 عام، عدد أوراقها: 173. ج- رقم: 5417 عام، عدد أوراقها: 175. د- رقم: 6201 عام، عدد أوراقها: 173. هـ- رقم: 8255 عام، عدد أوراقها: 170. و رقم: 8822 عام، عدد أوراقها: 164. 3- رجعت إلى مخطوطتين من مقتنيات الأستاذ زهير الشاويش صاحب المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، كل واحدة منها تمثل جزءًا من الكتاب. 4- رجعت إلى أصول الكتاب لبيان صحة النقل وصحة النسخ، فصححت إن كان هناك سقط أو تصحيف، راجع مثالاً على ذلك النقل عن كتاب: الأفعال، للسرقسطي في النص رقم: 752، حيث تجد أنَّ السقط يتضمن أداة النفي التي تغير المعنى المقصود من الشاهد، وعلى هذا النقص كانت كل طبعات الكتاب السابقة لطبعتنا. وهناك نقل كثير من كتاب أبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، 000 -338 هـ، 000-950م "صناعة الكُتَّاب"، منه نسخة فريدة محفوظة في مكتبة بودليانا في إكسفورد في إنكلترا، تحت رقم: 338 مارس، كنت أرجع إليها، وأرجو الله تعالى أن يكرمني في إخراجه مطبوعًا. كما أني استدركت أحيانًا ما فات الإِمام النووي -رحمه الله تعالى- وذلك ضمن حدود ضيقة، مثل على ذلك: وَعَدَ في الرقم: 1455، أنه سيأتي دليل كراهة أن يُقال للمتزوّج: بالرَّفاء والبنين؛ وسها عن أن

يفي بذلك، في الفقرة رقم: 1855، حيث أتى بالحكم دون الدليل، فأتيت بالدليل إيفاءً بوعده الذي سبق. 5- ولقد أفرغت كامل كتاب: تحفة الأبرار بنكت الأذكار، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الذي جمع فيه أهم أمالي ابن حجر وما تضمنت من تصحيحات واعتراضات، وما أضاف إليه من أشياء؛ كل ذلك وضعته في الهامش، مميزًا لها من غيرها باستعمال الأرقام العربية 123، مع تخريج ما اختصره السيوطي من أصله: نتائج الأفكار، وبالتالي سيجد القارئ أن هناك بعض الفقرات المثبتة غير مخرجة في "نتائج الأفكار"، وبالتالي فإنها من السيوطي -رحمه الله- ومثال على ذلك رقم: 31. وبالتالي إذا جمعنا الحواشي ذات الأرقام العربية 123 يكون لدينا النص الكامل لـ: تحفة الأبرار بنكت الأذكار. هذا وقد تضمن كتاب "تحفة الأبرار"، النص الكامل لرسالة ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في حديث أم رافع فيما يقال عند إرادة القيامَ إلى الصَّلاة، وبالتالي فإن نص الرسالة يكون ضمن هذه الطبعة. 6- رقمت بشكل تسلسلي عنوانات الأبواب والفصول، وكذلك بشكل تسلسلي الفقرات، ووضعت عنوانات للفصول والأبواب التي لم يكن لها عنوان، تشير إلى مضمون الفصل أو الباب. 7- ومن نافلة القول أني ضبطت النص وشكلته وفصلته، وخرجت الأحاديث والآيات، وكذلك الأخبار بالإحالة إلى مصادرها، وبيان المكرر من النصوص بالإحالة على بعضها كلَّما تكررت، وصنعت فهرسًا للنصوص وآخر للأرجاز والأشعار، وأشياء أخرى يغني وجودها عن ذكرها.

ورحم الله الإمام الذهبي حيث يقول في: سير أعلام النبلاء، 339/19: فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله وبإدمان النظر في الصحيحين وسنن النسائي ورياض النووي وأذكاره تفلح وتنجح. اهـ. وفي الختام، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ييسرنا للخير، ويستعملنا صالِحًا، ويرحمنا، ويغفر لنا ولوالدينا ولكل من له حق علينا، وآخر دعوانا أنِ الحَمْدُ لِلَّه ربّ العالمين. بسام عبد الوهاب الجابي. دمشق في 2002/1/17م.

بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي ونِعمَ الوكيل

 مقدمة المؤلف:

الحمد للَّه الواحد القهَّار، العزيز الغفَّار، مقدِّر الأقدار، مصرِّف الأمور مُكوِّر الليل على النهار، تبصرةَ لأُولي القلوب والأبصار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار، ووفَّق من اجتباه من عبيده فجعلَه من المقرَّبين الأبرار، وبصَّرَ من أحبَّه فزهَّدهم في هذه الدار، فاجتهدوا في مرضاته والتأهُّب لدار القرار، واجتناب ما يُسخطه والحذر من عذاب النار، وأخذوا أنفسهم بالجدِّ في طاعته، وملازمة ذكره بالعشيّ والإِبكار، وعند تغاير الأحوال وجميع آناء الليل والنهار، فاستنارت قلوبُهم بلوامع الأنوار. أحمده أبلغَ الحمد على جميع نعمه، وأسألُه المزيد من فضله وكرمه؛ وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إلاَّ اللَّه العظيم، الواحد الصمد العزيز الحكيم، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله، وصفيُّه وحبيبه وخليله، أفضلُ المخلوقين، وأكرمُ السابقين واللاحقين، وصلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيّينَ والمرسلين، وآل كلٍّ وسائر الصالحين. أما بعد؛

1- فقد قال الله العظيم العزيز الحكيم: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . فعُلِم بهذا إِنَّ مِنْ أفضلِ، -أو أفضلَ- حالِ العبد حالَ ذكرِهِ ربَّ العالمين، واشتغاله بالأذكار الواردة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيد المرسلين. 2- وقد صنَّف العلماءُ -رضي الله عنهم- في عمل اليوم والليلة والدعوات والأذكار كتباً كثيرةً معلومةً عند العارفين، ولكنها مطوّلة بالأسانيد والتكرير، فضَعُفَتْ عنها هممُ الطالبين، فقصدتُ تسهيل ذلك على الراغبين؛ فشرعتُ في جمع هذا الكتاب مختصراً مقاصد1 ما ذكرتْهُ تقريباً للمعتنين، وأحذف الأسانيد في معظمه لما ذكرته من إيثار الاختصار ولكونه موضوعاً للمتعبدين، وليسوا إلى معرفة الأسانيد متطلعين، بل يكرهونه وإن قَصُرَ إلا الأقلّين؛ ولأن المقصود به معرفةُ الأذكار والعمل بها وإيضاحُ مظانّها2 للمسترشدين. وأذكر -إن شاء الله تعالى- بدلاً من الأسانيد ما هو أهم منها مما يُخَلُّ به غالباً، وهو بيان صحيح الأحاديث وحسنها وضعيفها ومنكرها، فإنه مما يفتقرُ إلى معرفته جميعُ الناس إلا النادر من المحدّثين، وهذا أهمّ ما يجب الاعتناء به وما يُحقِّقهُ الطالبُ من جهة الحفاظ المتقنين، والأئمة الحُذَّاق المعتمدين، وأضمُّ إليه إن شاء الله الكريم جملاً من النفائس من علم الحديث ودقائق الفقه ومهمات القواعد ورياضات النفوس والآداب التي تتأكد معرفتُها على السالكين، وأذكرُ جميعَ ما أذكرُه مُوَضَّحَاً بحيث يسهلُ فهمه على العَوَمِّ والمتفقهين. __________ 1 في نسخة: "مختصرًا قاصدًا"؛ من الشارح. 2 في نسخة: "معانيها"؛ من الشارح.

3- وقد روينا في: صحيح مسلم [رقم: 2674] ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ دَعا إلى هُدىً كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ تبعهُ لا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ أجورهم شيئًا". [سيرد برقم: 1606] . 4- فأردت مساعدة أهل الخير بتسهيل طريقه، والإِشارة إليه، وإيضاح سلوكه والدلالة عليه، فأذكر في أوَّلِ الكتاب فصولاً مهمةٌ يحتاجُ إليها صاحبُ هذا الكتاب وغيره من المعتنين؛ وإذا كان في الصحابة مَن ليس مشهوراً عند مَن لا يعتني بالعلم نبَّهتُ عليه، فقلت: رُوِّينا عن فلان الصحابيّ، لئلا يُشَك في صحبته. 5- وأقتصر في هذا الكتاب على الأحاديث التي في الكتب المشهورة التي هي أصول الإِسلام، وهي خمسة "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود"، و"الترمذي"، و"النسائي"؛ وقد أروي يسيراً من الكتب المشهورة غيرها. 6- وأما الأجزاء والمسانيد، فلستُ أنقل منها شيئاً إلا في نادر من المواطن، ولا أذكرُ من الأصول المشهورة أيضاً من الضعيف إلا النادر مع بيان ضعفه، وإنما أذكر فيه الصحيح غالباً1، فلهذا أرجو أن يكون هذا الكتابُ أصلاً معتمداً. 7- ثم إني لا أذكر من الباب من الأحاديث إلا ما كانت دلالته ظاهرة في المسألة. 8- واللهَ الكريمَ أسألُ التوفيق والإِنابة والإِعانة، والهداية والصيانة؛ __________ 1 راجع ما سيذكر المؤلف في الفقرة: 27 وما بعدها.

وتيسير ما أقصده من الخيرات، والدوام على أنواع المكرمات، والجمع بيني وبين أحبائي في دار كرامته وسائر وجوه المسرّات. 9- وحسبي الله ونِعم الوكيل، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، ما شَاءَ اللَّهُ، لا قُوَّةَ إِلاَّ بالله، توكلتُ على الله، اعتصمتُ بالله، استعنت بالله، فوضت أمري إلى الله، واستودعته1 ديني ونفسي ووالِدَيَّ وإخواني وأحبابي وسائر من أحسن إِلَىَّ وجميع المسلمين وجميعَ ما أنعمَ به عليَّ وعليهم من أمور الآخرة والدنيا، فإنه سبحانه إذا استُودع شيئاً حفظه، ونعم الحفيظ. __________ 1 في نسخة: "وأستودعه"؛ من الشارح.

 باب: أذكار اليوم والليلة:

  1- فصل في الأمر بالإِخلاص وحسن النِّيَّات في جميع الأعمال الظاهرات والْخَفِيِّات:

قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البيِّنة: 5] ، وقال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37] . قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: ولكن يناله النِّيَّات. 10- أخبرنا شيخنا الإِمام الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف بن الحسن بن سعد1 بن المحسن بن المفرّج بن بكار المقدسيّ النابلسيّ ثم الدمشقي -رضي الله عنه- أخبرنا أبو اليمن الكندي، أخبرنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري، أخبرنا أبو محمد الحسنُ بن عليّ الجوهري، أخبرنا أبو الحسين محمد بن المظفر الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن __________ 1 قارن الاسم مع الفقرة رقم: 68.

سليمان الواسطي، حدّثنا أبو نُعيم عبيد بن هاشم الحلبي، حدّثنا ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّمَا لكل امرئ مَا نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها، أَوِ امْرأةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُه إلى ما هاجر إليه". [وسيرد برقم: 2062] . 11- هذا حديث صحيح متفق على صحته [البخاري، رقم: 1؛ ومسلم، رقم: 1907] ، مجمع على عظم موقعه وجلالته، وهو أحدُ الأحاديث التي عليها مدارُ الإِسلام، وكان السلفُ وتابعوهم من الخلف رحمهم الله تعالى يَستحبُّون استفتاح المصنفات بهذا الحديث، تنبيهاً للمُطالع على حسن النيّة1، واهتمامه بذلك والاعتناء به. [وممن ابتدأ به في أول كتابه الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله في أول حديث في: صحيحه، الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. "بستان العارفين"، رقم: 20 وما بعده؛ "متن الأربعين النووية"، رقم: 1 "رياض الصالحين"، رقم: 1] . 12- رُوِّينا عن الإِمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى، قال: مَنْ أَرَادَ أن يُصنِّفَ كتاباً فليبدأ بهذا الحديث. [ورُوِّينا عنه أيضًا، قال: لو صَنَّفْتُ كتابًا بدأت في أول كل باب منه بهذا الحديث. "بستان العارفين"، رقم: 31] . __________ 1 في نسخة: "صدق النِّية"، وفي أخرى: "صحة النيّة"؛ من الشارح.

13- وقال الإِمام أبو سليمان [أحمد بن محمد بن إبراهيم] الخطابي رحمه الله [في أوّل كتابه "الإعلاء" في شرح "صحيح البخاري"] : كان المتقدمون من شيوخنا يستحبُّون تقديم حديث: "الأعمال بالنيّة" أمامَ كل شيء ينشأ ويبتدأ من أمور الدين لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها1. [بستان العارفين، رقم: 33] . 14- وبلغنا عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: إنما يحفظ [حديثُ] الرجلُ على قدر نيته. [سنن الدارمي، 1/ 105] . 15- وقال غيرُه: إنما يُعطى الناسُ على قدر نياتهم. [التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 27] . 16- وَرُوِّينا عن السيد الجليل أبي عليّ الفُضَيْل بن عياض رضي الله عنه، قال: تركُ العمل لأجل الناس رياءٌ، والعملُ لأجل الناس شِركٌ، والإِخلاصُ أن يعافيَك الله منهما. [شرح الرسالة القشيرية، 135/3؛ راجع "التبيان في آداب حملة القرآن" رقم: 32] . 17- وقال الإمام الحارث المحاسبيُّ رحمه الله [عن عَلاَمَة الصدق] : الصادق هو الذي لا يبالي [و] لو خرج كلُّ قَدْرٍ له في قلوب الخلق من أجل صَلاح قلبه، ولا يحبُّ اطّلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله، ولا يكرهُ أن يطلع الناس على السيئ من عمله، [فإنَّ كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم، وليس هذا من أخلاق الصِّدِّقِين. "الرسالة القشيرية" باب __________ 1 في نسخة: "أنواعه"؛ من الشارح.

الصدق؛ "التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 36] . 18- وعن حُذيفة الْمَرْعَشِيّ رحمه الله، قال: الإِخلاصُ أن تستوي أفعالُ العبد في الظاهر والباطن. [الرسالة القشيرية: باب الإخلاص؛ راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 30] . 19- ورُوِّينا عن الإمام الأستاذ أبي القاسم القُشيري رحمه الله، قال: الإِخلاصُ إفرادُ الحق سبحانه وتعالى في الطاعة بالقصد، وهو أن يُريد بطاعته التقرّب إلى الله تعالى دون [أي] شيء آخر؛ من تَصنعٍ لمخلوق، أو اكتساب مَحْمَدَةٍ عند الناس، أو محبّة مدحٍ من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرّب إلى الله تعالى. [الرسالة القشيرية: باب الإخلاص] . 20- وقال السيد الجليل أبو محمد سهل بن عبد الله التُّسْتَرِيّ رضي الله عنه: نظر الأكياسُ في تفسر الإِخلاص، فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركتُه وسكونه في سرِّه وعلانيته لله تعالى، لا يمازجه [شيءٌ، لا] نَفسٌ، ولا هوىً، ولا دنيا. [بستان العارفين، رقم: 82؛ التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 33] . 21- وَرُوِّينا عن الأستاذ أبي عَلِيِّ الدَّقَّاق رضي الله عنه، قال: الإِخلاصُ: التَّوَقِّي عن ملاحظة الخلق، والصدق: التنقي من مطاوعة النفس، فالمخلصُ لا رياء له، والصادقُ لا إعجابَ له. [الرسالة القشيرية: باب الإخلاص، التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 29] .

22- وعن ذي النون المصري رحمه الله، قال: ثلاثٌ من علامات الإِخلاص: استواءُ المدح والذمّ من العَامَّة، ونسيانُ رؤية الأعمال في الأعمال، ونسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة. [الرسالة القشيرية: باب الإخلاص، حلية الأولياء، 9/ 361؛ راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 31] . 23- وَرُوِّينا عن القُشَيريِّ رحمه الله، قال: أقلُّ الصدق استواءُ السر والعلانية. [الرسالة القشيرية: باب الإخلاص؛ راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 30 و35] . 24- وعن سهل التُّسْتَرِيِّ: لا يشمّ رائحة الصدق عبدٌ داهَنَ نفسه، أو غيره. 25- وأقوالهم في هذا غير منحصرة، وفيما أشرتُ إليه كفاية لمن وقف1. __________ 1 ذكر النووي جملاً من أقوال السلف في الإخلاص، مع شرحها؛ في أول: المجموع، شرح: المهذب، "16/1"، وكذلك في معظم افتتاحيات كتبه.

 2- فصل [في] [العمل بما ورد في فضائل الأعمال]

26- اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء في فضائل الأعمال أن يعمل به، ولو مرّة واحدة، ليكون من أهله، ولا ينبغي له أن يتركه مطلقاً، بل يأتي بما تيسر منه، لقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق على صحته [البخاري رقم: 7288؛ ومسلم، رقم: 1337] : "إذَا أَمَرْتُكُمْ بَشَيءٍ فأْتُوا مِنْهُ1 ما اسْتَطَعْتُمْ". __________ 1 في بعض النسخ: "فافعلوا منه"؛ من الشارح.

 3- فصل [في] [حكم العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب] :

27- قال العلماءُ من المحدّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُستحبّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً1. 28- وأما الأحكام، كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك؛ فلا يُعْمَل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياطٍ في شيء من ذلك، كما إذا وردَ حديثٌ ضعيفٌ بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزّه عنه، ولكن لا يجب2. 29- وإنما ذكرتُ هذا الفصل لأنَّه يجيءُ في هذا الكتاب أحاديثُ أنُصُّ على صحتها أو حسنها أو ضعفها، أو أسكتُ عنها لذهول عن ذلك أو غيره3، فأردتُ أن تتقرّر هذه القاعدة عند مُطالِع هذا الكتاب. __________ 1ذكر الحافظ ابن حجر لذلك ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون الضعيف غير شديد، فيخرج ما انفرد به راوٍ من المكَذِّبِين والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه. نقل العلائي الاتفاق عليه. الثاني: أن يكون مندرجًا تحت أصلٍ عام، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلاً. الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما لم يَقُلْه، بل يعتقد الاحتياط. قال: وهذان الأخيران ذكرهما الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وصاحبه ابن دقيق العيد. 2 قال المؤلف في "الأربعين" صفحة 12: "اتفق العلماءُ على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال"؛ وقال أيضًا في مقدمة كتابه: "التبيان في آداب حملة القرآن": واعلم أن العلماء من أهل الحديث وغيرهم جوزوا العمل بالضعيف في فضائل الأعمال" ا. هـ. وراجع كذلك "الأجوبة الفاضلة" لِلَّكْنَوِي، بتحقيق الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، صفحة: 43، 44 حيث نقل قول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله عن السخاوي في "القول البديع" صفحة: 195. 3 في نسخة: "لذهول عنها أو غيرها"؛ من الشارح.

 4- فصل [في] [استحباب الجلوس في حِلَقِ الذكر] :

30- اعلم أنه كما يُستحبُّ الذكر يُستحبُّ الجلوس في حِلَق أهله، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك، وستردُ في مواضعها إن شاء تعالى، ويكفي في ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذا مَرَرْتُمْ بِرِياضِ الجَنَّةِ فارْتَعُوا"، قالُوا: وَمَا رِياضُ الجَنَّةِ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "حِلَقُ الذّكْرِ، فإنَّ لله تعالى سَيَّارَاتٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَطْلُبُونَ حِلَقَ الذّكْرِ، فإذَا أَتَوْا عَليْهِمْ حفوا بهم" 2. __________ 1 في نسخة: "لذهول عنها أو غيرها"؛ من الشارح. 2 قال الحافظ ابن حجر في أماليه على "الأذكار": لم أجده من حديث ابن عمر ولا بعضه، لا في الكتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة؛ ["نتائج الأفكار" 21/1] [بل هو في "الحلية" 354/6 من حديث ابن عمر. قال أبو نعيم: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الله المقدسي، حدثنا محمد بن عبد الله بن عامر، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مالك، عن نافع، عن سالم، عن ابن عمر؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا مَرَرْتُمْ بِرِياضِ الجَنَّةِ فارْتَعُوا" قالُوا: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: "حِلَقُ الذِّكْرِ". وضعفة أبو نعيم بقوله: غريب من حديث مالك، لم نكتبه إلا من حديث محمد بن عبد الله بن عامر.=

31- وَرَوَينا في: صحيح مسلم، [رقم: 2701] ، عن معاوية رضي الله عنه أنه قال: خرجَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على حَلْقَةٍ من أصحابه، فقال: "ما أجْلَسَكُم"؟ قالوا: جلسنا نذكُر الله تعالى، ونحمَدُه على ما هدانا للإسلام، ومَنَّ به علينا؛ قال: "آلله ما أجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ"؟ [قالوا: واللَّهِ ما أجلسنا إلاّ ذاك؛ قال:] "أما إني لَمْ أستحلِفكُمْ تُهمةً لكُمْ، ولَكنَّهُ أتاني جبْرِيلُ، فأخْبَرَنِي أنَّ الله تعالى يُباهي بكُمُ المَلائكَةَ". 32- وَرَوَينا في: صحيح مسلم، أيضاً [رقم: 2700] ، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهما؛ أنهما شهدا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهُ قال: "لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُون اللَّهَ تَعالى إلا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَليهِمْ السَّكِينَةُ، وَذَكَرََهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيمَنْ عِنْدَهُ". __________ = وانظر هامش "نتائج الأفكار" 15/1، 16 المجلس الثاني] ، ولكن وجدتُه من حديث أنس [بلفظة مفرقًا، ووجدته من حديث جابر] بمعناه مختصرًا [مفترقًا ومجموعًا "نتائج الأفكار" 1/ 21] . قال أحمد [150/3] والترمذي [رقم: 3510] وحسنه، [عن أنس] : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذا مَرَرْتُمْ بِرِياضِ الجَنَّةِ فارْتَعُوا" قالُوا: وَمَا رِياضُ الجَنَّةِ؟ قالَ: "حِلَقُ الذِّكْرِ". وأخرج أبو نُعيم في "الحلية" [268/6] من طريق يوسف القاضي، حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا زائدة ابن أبي الرقاد، حدثنا زياد النميري، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذا مَرَرْتُمْ بِرِياضِ الجَنَّةِ فارتعوا" قالوا: وأين لنا برياض الجنة في الدنيا؟! قال: "إنها مجالس الذكر". وأخرج أبو نعيم أيضًا ["الحلية" 268/6] : من طريق الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا زائدة ابن أبي الرقاد، عن زياد النميري، عن أنس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفوا بهم، وبعثوا رائدهم إلى السماء، إلى ربّ العزة، فيقولون -وهو أعلم: أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك، ويسألون لآخرتهم ودنياهم، فيقول: غشوهم رحمتي، هم القوم لا يشقى جليسهم". قلت [والقول للسيوطي] : الظاهر أن الحديثين حديث واحد؛ لاتحاد الرواة؛ فجمع النووي بينهما، واختصر بقية الحديث، وأراد أن يقول: حديث أنس، فسبق قلمه إلى ابن عمر.

 5- فصل [في] [كَيّفيَّةِ الذِّكْرِ] :

33- الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، والأفضلُ منه ما كانَ بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصرَ على أحدهما، فالقلبُ أفضل. ثم لا ينبغي أن يُتركَ الذكرُ باللسان مع القلب خوفاً من أن يُظنَّ به الرياءُ، بل يذكرُ بهما جميعاً، ويقصدُ به وجهُ الله تعالى، وقد قدمنا [رقم: 16] عن الفضيل بن عِياض -رحمه الله- أن ترك العمل لأجل الناس رياءٌ؛ ولو فتح الإنسانُ عليه بابَ ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرُّق ظنونهم الباطلة لانْسدَّ عليه أكثرُ أبواب الخير، وضيَّع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمَّات الدين، وليس هذا طريقة العارفين. 34- ورَوَينا في صحيحي: البخاري [رقم: 4723] ، ومسلم [رقم: 447] رضي الله عنهما، عن عائشة رضي الله عنها، قال: نزلت هذه الآية: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} ، [الإسراء: 110] في الدُّعاء.

 6- فصل [في] [أنَّ العبادةَ ذكرٌ] :

35- اعلم أن فضيلة الذكر غيرُ منحصرةٍ في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كلُّ عاملٍ لله تعالى بطاعةٍ فهو ذاكرٌ لله تعالى؛ كذا قال سعيدُ بن جُبير رضي الله عنه، وغيره من العلماء. 36- وقال عطاءُ رحمه الله: مجالسُ الذِّكر هي مجالسُ الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيعُ، وتصلّي وتصومُ، وتنكحُ وتطلِّق، وتحجّ؛ وأشباه هذا.

 7- فصل [في] [فضل الذِّكر] :

قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] . 37- ورَوَينا في: صحيح مسلم [رقم: 2676] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ" قالُوا: ومَا المُفَرِّدونَ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "الذَّاكِرُونَ الله كَثِيراً وَالذَّاكرَاتُ". قلت: رُوي "المفرِّدون" بتشديد الراء وتخفيفها1، والمشهور الذي قاله الجمهور: التشديد. 38- واعلم أن هذه الآية الكريمة [أي: الآية: 35، من سورة الأحزاب] مما ينبغي أن يَهْتَمَّ بمعرفتها صاحبُ هذا الكتاب. وقد اختُلِف في ذلك؛ فقال الإِمامُ أبو الحسن الواحديّ: قال ابن عباس رضي الله عنه: المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدوّاً وعشيّاً، وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه وكلما غدا أو راح من منزله ذكرَ الله تعالى. 39- وقال مجاهد: لا يكونُ من الذاكرين الله تعالى كثيراً والذاكرات، حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضطجعاً. 40- وقال عطاء: من صلَّى الصلوات الخمس بحقوقها، فهو داخلٌ __________ 1 قال الحافظ: والرَّاءُ مفتوحة، وقيل: مكسورة ["نتائج الأفكار" 1/ 37] .

في قول الله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} ، [الأحزاب: 35] . هذا نَقْلُ الواحدي. 41- وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذا أيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّيَا، أَوْ صَلَّى رَكعَتينِ جَمِيعاً كُتِبَا في: {الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ}[الأحزاب: 35] . هذا حديث مشهور1، رواه أبو داود [رقم: 1309] ، والنَّسائي [في: الكبرى، كما في: تحفة الأشراف، رقم: 3965] ، وابنُ ماجه2 [رقم: 1335] في: سننهم. 42- وسئل الشيخ الإِمام أبو عمرو ابن الصَّلاح -رحمه الله- عن الْقَدْرِ الذي يصيرُ به من {الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب: 35] ، فقال [في: الفتاوى، صفحة: 150] : إذا واظبَ على الأذكار المأثورة المثبتة صباحًا ومساءً، وفي الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مُبيّنة في كتاب: عمل اليوم والليلة، كان من {الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب: 35] ، والله أعلم. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: قول الشيخ: هذا حديث مشهور؛ يريد شهرته على الألسنة، لا أنه مشهور اصطلاحًا؛ فإنه من أفراد علي بن الأقمر، عن الأغر. ["نتائج الأفكار" 1/ 40] . 2 قال الحافظ ابن حجر: هو كما قال، لكنهم ذكروا أبا هريرة مع أبي سعيد، فما أدري لِمَ حذفه، فإنهما عند جميع مَن أخرجه مرفوعاً؛ وأما من أفرد أبا سعيد فإنه أخرجه موقوفاً. ["نتائج الأفكار" 40/1] .

فصل في بيان حكم الذكر للمحدث والجنب

  8- فصل [في] [بيان حكم الذاكر للمُحْدِثِ والْجُنُبِ] :

43- أجمع العلماءُ على جواز الذكر بالقلب واللسان للمُحْدِث والجُنب، والحائض والنفساء، وذلك في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والدعاء وغير ذلك. ولكنَّ قراءة القرآن حرامٌ على الجُنب والحائض والنفساء، سواءٌ قرأ من القرآن قليلاً أو كثيراً، حتى بعض آية، ويجوز لهم إجراءُ القرآن على القلب من غير لفظ، وكذا النَّظَرُ في المصحف، وإمرارُه على القلب. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 145] . 44- قال أصحابُنا: ويجوز للجُنب والحائض أن يقولا عند المصيبة: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] ، وعند ركوب الدابة: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] ، وعند الدعاء: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 202] إذا لم يقصدا به القرآن. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 146، 147] . 45- ولهما أن يقولا: بسم اللَّه، سُبحانَ اللَّهِ والحمدُ لله، إذا لم يقصدا القرآن، سواءٌ قصدا الذكر أو لم يكن لهما قصدٌ، ولا يأثمان إلا إذا قصدا القرآن. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 148] . 46- ويجوزُ لهما قراءةُ ما نُسخت تلاوتُه: كـ: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما [ألبته] ". [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 148] . 47- وأما إذا قالا لإِنسان: {خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة} [مريم: 11] أو قالا: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46] ونحو ذلك، فإن قصدا غيرَ القرآن لم يحرم. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 146] . 48- وإذا لم يجدا الماء تيمَّما وجاز لهما القراءةُ، فإن أحدثَ بعد ذلك لم تحرم عليه القراءة، كما لو اغتسل، ثم أحدث. ثم لا فرق بين أن يكون تَيمُّمُه لعدم الماء في الحَضَر، أو في السفر؛ فله أن يقرأ القرآن بعده وإن أحدث. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 149، 150] .

49- وقال بعضُ أصحابنا: إن كان في الحضر صلَّى به، وقرأ به في الصلاة، ولا يجوزُ أن يقرأ خارجَ الصلاة، والصحيحُ جوازه كما قدّمناه؛ لأن تيمُّمَه قام مقام الغسل. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 150] . 50- ولو تيمَّمَ الجنبُ، ثم رأى ماء يلزمهُ استعمالهُ؛ فإنه يحرمُ عليه القراءةُ وجميعُ ما يحرمُ على الجنُبِ حتى يغتسل. ولو تيمَّم وصلَّى وقرأ ثم أراد التيمّم لحدثٍ أو لفريضةٍ أخرى أو لغير ذلك لم تحرُم عليه القراءة. هذا هو المذهب الصحيح المختارُ، وفيه وجه لبعض أصحابنا أنه يحرمُ، وهو ضعيف. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 151] . 51- أما إذا لم يجد الجُنبُ ماءً ولا تُراباً، فإنه يُصلِّي لحُرمة الوقت على حسب حاله، وتحرمُ عليه القراءةُ خارجَ الصلاة، ويحرمُ عليه أن يقرأ في الصلاة ما زاد على الفاتحة. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 152] . 52- وَهَل تحرم عليه الفاتحة؟ فيه وجهان: أصحُّهما: لا تحرمُ، بل تجبُ، فإن الصَّلاةَ لا تصحُّ إلا بها، وكما جازت الصلاةُ للضرورة [مع الجنابة] تجوزُ القراءة. والثاني: تحرمُ، بل يأتي بالأذكار التي يأتي بها مَن لا يحسن شيئا من القرآن. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 152] . 53- وهذه فروعٌ رأيتُ إثباتَهَا هنا لتعلقها بما ذكرتُه، فَذَكَرتها مختصرة، وإلا فلها تتمّات وأدلة مستوفاةٌ في كتب الفقه؛ والله أعلم.

 9- فصل [في] [آداب الذاكر] :

54- ينبغي أن يكون الذاكرُ على أكمل الصفات، فإن كان جالساً في موضع استقبال القبلة، وجلس مُتذلِّلاً مُتخشعاً بسكينة ووقارٍ، مُطرقًا رأسه، ولو ذَكَرَ على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهةَ في حقه، لكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل والدليل على عدم الكراهة قول الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: الآيتان: 190، 191] . [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 161، 162] . 55- وثبت في: الصحيحين، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن. رواه البخاري [رقم: 297] ، ومسلم [رقم: 301] . وفي رواية [للبخاري، رقم: 7549] : ورأسه في حجري وأنا حائض. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 163] . 56- وجاء عن عائشة -رضي الله عنها أيضاً- قالت: إني لأقرأ حزبي وأنا مضطجعةٌ على السرير. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 165] .

 10- فصل [في] [صفة مواضع الذكر] :

57- ينبغي أن يكون الموضعُ الذي يذكرُ فيه خالياً نظيفاً، فإنه أعظمُ في احترام الذكر والمذكور، ولهذا مُدح الذكرُ في المساجد والمواضع الشريفة. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 153] . 58- وجاء عن الإِمام الجليل أبي ميسرة [عمرو بن شرحبيل] رضي الله عنه، قال: لا يُذكر اللَّهَ تعالى إلاَّ في مكان طيّب. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: 156] . 59- وينبغي أيضاً أن يكون فمه نظيفاً، فإن كان فيه تَغَيُّر أزاله بالسِّواك، وإن كان فيه نجاسة أزالها بالغسل بالماء، فإن ذكر ولم يغسلها فهو مكروهٌ، ولا يَحرمُ؛ ولو قرأ القرآن وفمُه نجسٌ كُره، وفي تحريمه وجهان لأصحابنا، أصحُّهما أنه لا يحرم. [راجع الأرقام: 587-591، وكذلك: التبيان في آداب حملة القرآن، الأرقام: 139-142] .

 11- فصل [في] [حُكم الذكر في أحوال عدةٍ] :

60- اعلم أن الذكر محبوبٌ في جميع الأحوال، إلا في أحوال وَرَدَ الشرعُ باستثنائها، نذكرُ منها هنا طرفاً إشارةٍ إلى ما سواه مما سيأتي في أبوابه إن شاء الله تعالى. 61- فمن ذلك أنه يُكره الذكرُ حالة الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجِماع، وفي حالة الخُطبة لمن يسمعُ صوت الخطيب، وفي القيام في الصلاة، بل يشتغلُ بالقراءة، وفي حالة النعاس. ولا يُكره في الطريق، ولا في الحمَّام، والله أعلمُ. [راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، الأرقام: 157-160] .

 12- فصل [في] [المرادُ مِنَ الذِّكْرِ] :

62- المرادُ من الذكر حضورُ القلب، فينبغي أن يكون هو مقصودُ الذاكر، فيحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه؛ فالتدبُر في الذكر مطلوبٌ، كما هو مطلوبٌ في القراءة، لاشتراكهما في المعنى المقصود، ولهذا كان المذهبُ الصحيح المختار استحباب مدَّ الذاكر قوله: لا إله إلا الله، لما فيه من التدبر، وأقوالُ السلف وأئمة الخلف في هذا مشهورةٌ؛ والله أعلم.

 13- فصل [في] [حكم قضاء الذكر] :

63- ينبغي لمن كان له وظيفةٌ من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقب صلاةٍ، أو حالةٍ من الأحوال، ففاتتهُ أن يتداركها، ويأتي بها إذا تمكن منها، ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرّضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سَهُلَ عليه تضييعها في وقتها. 64- وقد ثبت في: صحيح مُسلم [رقم: 747] ، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شيءٍ مِنْهُ، فقرأهُ فيما بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من اللَّيل".

 14- فصل في أحوال تَعْرِضُ للذاكر يُستحب له قطعُ الذكر بسببها، ثم يعودُ إليه بعد زوالها:

65- منها: إذا سُلِّم عليه ردّ السلام ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا عطس عنده عاطسٌ شَمَّتهُ ثم عادَ إلى الذكر، وكذا إذا سمع الخطيبَ، وكذا إذا سمع المؤذّنَ أجابهُ في كلمات الأذان والإقامة ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا رأى منكراً أزالهُ، أو معروفاً أرشد إليه، أو مسترشداً أجابه ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا غلبه النعاس أو نحوه، وما أشبه هذا كله؛ والله أعلم.

 15- فصل [في] [أنه لا يُعْتَدُّ بالذكر حتى يُتَلَفَّظُ به] :

66- اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبةً كانت أو مستحبةً، لا يُحسبُ شيءٌ منها ولا يُعتدّ به حتى يتلفَّظَ به، بحيثُ يسمعُ نفسهُ إذا كان صحيح السمع لا عارض له؛ والله أعلمُ.

 16- فصل [في] [المصنفات في عمل اليوم والليلة وأسانيد المؤلف إلى مؤلفيها] :

67- اعلم أنه قد صَنَّفَ في عمل اليوم والليلة جماعةٌ من الأئمة كتباً نفيسةٌ، رَوَوا فيها ما ذكروه بأسانيدهم المتصلة، وطَرَّقُوهَا من طرقٍ كثيرة، ومن أحسنها "عمل اليوم والليلة"، للإِمام أبي عبد الرحمن النسائي، وأحسنُ منه وأنفسُ وأكثر فوائد كتابُ "عمل اليوم والليلة"، لصاحبه الإمام أبي بكرٍ أحمد بن محمدِ بن إسحاقَ السني رضي الله عنهم. 68- وقد سمعتُ أنا جميعَ كتاب ابن السني على شيخنا الإمام الحافظ أبي البقاء خالد بن يوسف بن الحسن بن سعد بن الحسن1 رضي الله عنه، قال: أخبرنا الإمام العلامة أبو اليَمن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن الكِنْدي سنة اثنتين وست ومائة، قال: أخبرنا الشيخ الإمامُ أبو الحسن سعدُ الخير بن محمد بن سَهْل الأنصاريّ، قال: أخبرنا الشيخُ الإِمام أبو محمد عبد الرحمن بن حمد بن الحسن الدُّوني، قال: أخبرنا القاضي أبو نصر أحمدُ بنُ الحسين بن محمد بنِ الكسَّار الدِّينَوَرِي، قال: أخبرنا الشيخُ أبو بكرٍ أحمدُ بن محمدِ بنِ إسحاقَ السُّني رضي الله عنهُ. 69- وإنما ذكرتُ هذا الإسناد هُنا لأني سأنقلُ من كتاب ابن السني -إن شاء الله تعالى- جُملاً، فأحببتُ تقديمَ إسناد الكتابِ، وهذا مستحسنٌ عند أئمة الحديث وغيرهم، وإنما خصصتُ ذكر إسناد هذا الكتاب لكونه أجمع __________ 1 قارن الاسم مع الفقرة رقم: 10.

الكتب في هذا الفنّ، وإلا فجميعُ ما أذكرهُ فيه لي به رواياتٌ صحيحةٌ بِسَمَاعات متصلة بِحَمْدِ الله تَعالى، إلا الشاذّ النادر. 70- فمن ذلك ما أنقلُه من الكتب الخمسة التي هي أصول الإسلام، وهي: الصحيحان، للبخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي. 71- ومن ذلك ما هو من كتب المسانيد والسنن، كـ "موطأ" الإِمام مالك رحمه الله، وكـ "مسند" الإِمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وأبي عوانة، و"سنن" ابن ماجه والدارقطني والبيهقيّ، وغيرهما من الكتب ومن الأجزاء مما ستراه إن شاء الله تعالى. 72- وكلُّ هذه المذكورات أرويها بالأسانيد المتصلة الصحيحة إلى مؤلفها؛ والله أعلم.

 17- فصل [في] [أصول معتمدة في تصنيف هذا الكتاب] :

3- اعلم أنَّ ما أَذْكُرُه في هذا الكتاب من الأحاديث أُضيفه إلى الكتب المشهورة وغيرها مما قدّمتُه، ثم ما كَانَ في "صحيحي"، البخاري ومسلم أو في أحدهما أقتصرُ على إضافته إليهما، لحصول الغرض، وهو صحته، فإن جميعَ ما فيهما صحيح، وأما ما كَانَ في غيرهما، فأُضيفُه إلى كتب السنن وشبهها مبيِّناً صحته وحسنه، أو ضعفه إنْ كانَ فِيهِ ضعفٌ في غالب المواضع، وقد أغفلُ عن صحته وحسنه وضعفه. 74- واعلم أن "سنن أبي داود" من أكثر1 ما أنقلُ منه، وقد روينا عنه أنه قال: ذكرتُ في كتابي الصحيح وما يُشبهه ويُقاربه، وما كان فيه ضعف شديد بيّنته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالحٌ، وبعضُها أصحّ من __________ 1 في نسخة: "أكبر".

بعضٍ ["تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي" 167/1] . 75- هذا كلام أبي دَاودَ، وفيه فائدة حسنة يحتاجُ إليها صاحب هذا الكتاب وغيرُه، وهي أن ما رواه أبو داود في "سننه" ولم يذكر ضعفَه، فهو عنده صحيح أو حسن، وكلاهُما يحتج بها في الأحكام، فكيف بالفضائل؟! 76- فإذا تقرَّر هذا، فمتى رأيتَ هنا حديثاً من رواية أبي داود، وليس فيه تضعيف، فاعلم أنه لم يضعِّفْه؛ والله أعلم. 77- وقد رأيتُ أن أُقدِّم في أوّل الكتاب باباً في فضيلة الذكر مطلقاً، أذكرُ فيه أطرافاً يسيرةَ توطئةً لما بعدها، ثم أذكرُ مقصود الكتاب في أبوابه، وأختمُ الكتابَ إن شاء الله تعالى بباب الاستغفار تفاؤلاً بأن يختم الله لنا به؛ والله الموفِّق، وبه الثقة، وعليه التوكل والاعتماد، وإليه التفويضُ والاستناد.

 18- بابٌ مختصر في أحرفٍ مما جاء في فضل الذكر غير مقيّدٍ بوقت:

78- قال الله تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45] وقال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] وقال تعالى: {فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصَّافات: 143، 144] ، وقال تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] . 79- وروينا في "صحيحي" إمامي المحدثين، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي مولاهم، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري رضي الله عنهما، بأسانيدهما، عن أبي هريرة رضيالله عنه، واسمهُ عبد الرحمن بن صخرٍ

على الأصح من نحو ثلاثين قولاً، وهو أكثر الصحابة حديثاً، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتانِ على اللِّسانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزَانِ، حَبيبَتَانِ إلى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظيمِ". وهذا الحديث آخر شيء في "صحيح البخاري" [رقم: 7563؛ ومسلم، رقم: 2694] . 80- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2731] ، عن أبي ذرّ رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ألا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلامِ إلى اللَّهِ تَعالى؟ إِنَّ أحَبَّ الكَلام إلى اللَّه: سُبحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ". وفي رواية: سُئل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أيّ الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته، أو لعبادِهِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبحمده". [سيرد برقم: 103] . 81- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2137] أيضاً، عن - سَمُرة بن جندب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أحَبُّ الكَلامِ إلى اللَّهِ تَعالى أرْبَعٌ: سُبْحانَ الله، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ لا يَضُرّكَ بِأَيَّهِنَّ بَدأتَ". 82- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 223] ، عن أبي مالك الأشعري1 رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ لِلِّهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وَسُبْحانَ اللَّه والحَمْدُ لِلِّهِ تَمْلآنِ -أو تملأ- __________ 1 قال الحافظ: ووقع في رواية جميع من تقدم عن أبي مالك الأشعري، إلا الترمذي [رقم: 3517] ، فوقع في روايته عن الحارث بن الحارث الأشعري؛ [بل هو عنده عن أبي مالك فقط، والذي ذكر الحارث هو ابن منده في كتابه "الإيمان" رقم: 212؛ فليحرر] فإن كان محفوظًا، فالحديث من مسند الحارث، وهو يكنى أبا مالك، وفي الصحابة من الأشعريين ممن يكنى أبا مالك كعب بن عاصم، وآخر اسمه عبيد، وآخر مشهور بكنيته مختلف في اسمه، وقد جعل صاحب " الأطراف" هذا الحديث من روايته، وما وقع عند الترمذي يأبى ذلك. ["نتائج الأفكار" 56/1 وراجع الحاشية التي كتبتها في "رياض الصالحين" على هذا الحديث، في الصفحة: 39، وكذلك "الأربعون النووية"، الحديث رقم: 23] .

مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ والأرض". ["الأربعين النووية"، الحديث رقم: 23] . 83- وروينا فيه أيضاً [رقم: 2726] ، عن جُويريةَ أمّ المؤمنين رضي الله عنها، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج من عندها بُكرة حين صلَّى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فيه، فقالَ: "مَا زِلْتِ اليَوْمَ عَلى الحال الَّتي فارَقْتُكِ عليها"؟ قالت: نعم! فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلماتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وزِنَتْ بِما قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتُهُنَّ: سُبحانَ اللَّهِ وبِحمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ َوزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِماتِهِ". وفي رواية: "سبحانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان اللَّهِ مِدَادَ كَلِماتِهِ". 84- ورويناه في "كتاب الترمذي" [رقم: 3555] ، ولفظه: "ألا أُعَلِّمُكِ كَلماتٍ تَقُولينَها: سُبْحانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان اللَّهِ مِدَادَ كَلِماتِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِماتِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِماتِهِ". 85- وروينا في صحيح مسلم [رقم: 2695] أيضاً، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لأَنْ أقُولَ: سُبْحَانَ الله، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ أَحَبُّ إِلَيّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ". 86- وروينا في "صحيحي البخاري" [رقم: 6404] ، ومسلم [رقم: 2693] ؛ عن أبي أيَوبَ الأنصاري رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال: "مَنْ قالَ: لا إِلهَ إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ كانَ كَمَنْ أعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ".

87- وروينا في "صحيحهما" [البخاري، رقم: 6403؛ مسلم، رقم: 2691] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قالَ: لا إِلهَ إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، في يَوْمٍ مائَةَ مَرَّةٍ، كانَتْ لَهُ عِدْلَ عَشْرِ رِقابٍ، وكتبت له مائة حسنةٍ، ومُحِيَتْ عَنْهُ مائة سَيِّئَةٍ، وكانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطانِ يَوْمَهُ ذلكَ حتَّى يُمْسيَ، ولَمْ يَأتِ أحدٌ بأفْضَلَ مِمَّا جاءَ بِهِ إِلاَّ رجلٌ عَمِلَ أكْثَرَ منه". وقال: "مَنْ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ في يَوْمٍ مائَةَ مَرَّةٍ؛ حُطَّتْ خَطَاياهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ ربد البَحْرِ". 88- وروينا في "كتاب الترمذي"1 [رقم: 3383] ،وابن ماجه [رقم 3800] ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أفْضَلُ الذّكْرِ لا إلهَ إلاّ اللَّهُ". قال الترمذي: حديث حسن. 89- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 6407] ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهُ قال: "مَثَلُ الَّذي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذي لا يَذْكُرُهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ". 90- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2696] ، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: جاءَ أَعْرَابيٌّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: علِّمني كلاماً أقوله! قالَ: "قُل: لا إله إلا الله، وحده لا شريك لَهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ لِلَّه كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبّ العالَمِينَ، لا حَوْلَ وَلا قوة إلا بالله العزيز الحكيم"2، [راجع رقم: 1088 التالي] قال: فهؤلاء لربي، فما __________ 1 في نسخة "كتابي"؛ من الشارح. 2 أخرج البزار [رقم: 3077] هذا الحديث بلفظ: "العلي العظيم" بدل: "العزيز الحكيم". ["نتائج الأفكار" 67/1] وراجعه ففيه تنبيه على زيادة: "وعافني" في نص الدعاء وآخر الحديث.

لي؟ قال: "قُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَارْحَمْنِي وَاهْدِني وَارْزُقْنِي". 91- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2698] ، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: كنّا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يكسب في كل يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَة"؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب [أحدُنَا] 1 ألف حسنة؟. قال: "يسبح مائة تَسْبِيحَةٍ، فَتُكْتَبُ لَهُ ألفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يحط عَنْهُ ألْفُ خَطِيئَةٍ". قال الإِمام الحافظ أبو عبد الله الحميدي: كذا هو في كتاب مسلم في جميع الروايات: "أو يُحَطّ" قال البرقاني: ورواه شعبة، وأبو عوانة، ويحيى القطان، عن موسى الذي رواه مسلم من جهته، فقالوا: "ويُحَطّ" بغير ألف. 92- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 720] ، عن أبي ذرّ رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُصْبحُ على كُلّ سُلامَى مِنْ أحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صدقة، ويجزئ مِن ذلكَ ركْعَتانِ تركعهما من الضحى" [وسيرد برقم: 1664] . قلتُ: "السُّلاَمَى" بضم السين وتخفيف اللام، وهو العضو، وجمعه سلاميات، بفتح الميم وتخفيف الياء. 93- وروينا في "صحيحي البخاري" [رقم: 3684] ومسلم [رقم: 2704] ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال لي النبيّ -صلى الله عليه وسلم: "ألا أدُّلُّكَ على كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَةِ"؟ فقلت: بلى! يا رسول الله، قال: "قُل: لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ". 94- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1500] ، والترمذي [رقم: __________ 1 من "صحيح مسلم".

3568] ؛ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أنه دخل مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على امرأة، وبين يديها نوىً أو حصىً تُسَبِّح به، فقال: "ألا أُخْبرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا، أو أَفْضَلُ"؟ فَقالَ: "سُبْحانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ في السَّماءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ ما خَلَقَ في الأرْضِ، وسُبْحانَ اللَّهِ عَدَدَ ما بَيْنَ ذلكِ، وسُبحَانَ الله عَدَدَ ما هُوَ خالقٌ، واللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذلكَ، والحمدُ لِلَّهِ مثْلَ ذلكَ، ولا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ مثْلَ ذلكَ، ولا حول ولا قوة إلا بالله مِثْلَ ذَلكَ". قال الترمذي: حديث حسن. 95- وروينا فيهما [أبو داود، رقم: 1501؛ الترمذي، رقم: 3583] ، بإسنادٍ حسن عن يسيرة -بضم الياء المثناة تحت وفتح السين المهملة- الصحابية المهاجرة1 رضي الله عنها؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهنّ أن يُراعين بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل، فإنهن مسئولات مستنطقات. 96- وروينا فيهما [أبو داود، رقم: 1502؛ الترمذي، رقم: 3486] ، وفي "سنن النسائي" [رقم: 1355] بإسناد حسن؛ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يعقد التسبيح؛ وفي رواية: بيمينه2. 97- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1529] ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قَالَ رَضِيتُ بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولًا؛ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ". 98- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3375] ، عن عبد الله بن __________ 1 قال في "نتائج الأفكار" 89/2: ذكر بعضهم أنها أنصارية، والذي وقع في الرواية الماضية أنها من المهاجرات يردُ عليه. اهـ. 2 قال في "نتائج الأفكار: 90/1: ويعني العقد المذكور في الحديث إحصاء العدد، وهو اصطلاح للعرب بوضع بعض الأنامل على بعض عقد الأنملة الآخرى، فالآحاد والعشرات باليمين، والمئون والآلاف باليسار؛ والله أعلم. اهـ. وقد طبعنا في هذا العلم كتابًا باسم: "حساب العقود الدلالة على الأعداد بأصابع اليدين" من أراد التفصيل فيراجعه.

بُسْر -بضمّ الباء الموحدة، وإسكان السين المهملة- الصحابي رضي الله عنه، أن رجلاً قالَ: يا رسول الله! إن شرائع الإِسلام قد كثرتْ عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال: "لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى". قال الترمذي: حديث حسن. قلت: "أتشبث" بتاء مثناة من فوق، ثم شين معجمة، ثم باء موحدة، مفتوحات؛ ثم ثاءٌ مثلثة؛ ومعناه: أتعلَّقُ به وأستمسك. 99- وَرُوِّينا فيه [رقم: 3376] ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل: أيّ العبادة أفضل درجة عند الله تعالى يَوْمَ القِيامَةِ؟ قال: "الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً" قُلْتُ: يَا رَسُول الله! ومِن الغازي في سبيل الله عزّ وجلّ؟ قال: "لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ في الكُفَّارِ والمُشْرِكِينَ حتَّى يَنْكَسِرَ سيفه، ويختصب دماً، لكان الذَّاكرون الله أفضل درجة منه". 100- وروينا فيه [رقم: 3377] ، وفي "كتاب ابن ماجه" [رقم: 3790] ؛ عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أَلا أُنْبِئُكُمْ 1 بِخَيْرِ أعمالِكُمْ، وَأزْكاها عنْدَ مَلِيكِكُمْ، وأرْفَعِها في دَرَجَاتِكُمُ، وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ والوَرِق، وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، ويضربوا أعناقكم"؟ قالوا: بلى! قال: "ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى". قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك على الصحيحين" [496/1] : هذا حديث صحيح الإِسناد. 101- وروينا في كتاب الترمذي [رقم: 3458] ، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لقيتُ إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ أسري __________ 1 في نسخة: "أخبركم"؛ من الشارح.

بي، فقالَ: يَا محمد! أقرئ أمتك مني السَّلامَ، وأخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ المَاءِ، وأنها قِيعانٌ، وأنَّ غِرَاسَها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ" قال الترمذي: حديث حسن. 102- وروينا فيه [رقم: 3372] ، عن جابر رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال: "مَنْ قالَ: سُبْحانَ الله وبِحمْدِهِ، غُرست لَهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ" قال الترمذي: حديث حسن [صحيح] . 103- وروينا في [رقم: 3593] ، عن أبي ذرّ رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا رسولُ الله! أيُّ الكلام أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: "ما اصْطَفى اللَّهُ تَعالى لمَلائِكَتِهِ: سُبْحانَ ربِّي وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ رَبي وبِحَمْدِهِ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [مر برقم: 80] . 104- وهذا حيث أشرع في مقصود الكتاب، وأذكره على ترتيب الواقع غالباً، وأبدأ بأوّل استيقاظ الإِنسان من نومه، ثم ما بعده على الترتيب إلى نومه في الليل، ثم ما بعد استيقاظاته في الليلة التي ينام بعدَها؛ وبالله التوفيق.

 كتاب أذكار الاستيقاظ من النوم

 19- باب ما يقول إذا استيقظ من منامه:

105- روينا في "صحيحي" إمامي المحدثين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري [رقم: 1142] ، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري [رقم: 776] رضي الله عنهما، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَعْقِدُ الشَّيْطانُ على قافِيةِ رأسِ أحَدِكُم إذا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ على كُلّ عقدةٍ مَكانَها: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فارْقُدْ، فإنِ اسْتَيْقَظَ وَذَكَرَ الله تعالى انْحَلَّت عُقْدَةٌ، فإن تَوْضأ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّها، فأصْبَحَ نَشِيطاً طيب النَّفْسِ، وإلاَّ أَصْبحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ".

هذا لفظ رواية البخاري، ورواية مسلم بمعناه. و"قافية الرأس": آخره. 106- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 6312] ، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، وعن أبي ذر رضي الله عنه، قالا: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أوى إلى فراشه قال: "باسْمِكَ اللهم أحيا وأموت" وإذَا اسْتَيْقَظَ قالَ: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أحيانا بعد ما أماتَنا وإلَيْهِ النشُورُ". [سيرد برقم: 489] . 107- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 9] ، بإسناد صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا اسْتَيْقَظَ أََحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحمدُ لِلَّهِ الَّذي رَدََّ عَلَيّ رُوحِي، وَعافانِي في جَسَدِي، وأذِن لي بذِكْرِهِ" 1. 108- وروينا فيه [رقم: 10] ، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ عِنْدَ رَدّ اللَّهِ تَعالى رُوحَهُ عَلَيْهِ: لا إِلهَ إلا الله، وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شيء قدير؛ إلاَّ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذُنُوبَهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ ربد البَحْرِ" 2. 109- وروينا فيه [رقم: 13] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ما من رَجُلٍ يَنْتَبِهُ منْ نَوْمِهِ، فَيَقُولُ: الحمدُ لِلَّهِ الَّذي خَلَقَ النَّوْمَ واليَقَظَةَ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي بَعَثَنِي سالِماً سَوِيّاً، أشهدُ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي المَوْتى، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِير؛ إلاَّ قال اللَّهُ تَعالى: صَدَقَ عبدي". __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: أخرجه الترمذي [بتمامه، رقم: 3398] والنسائي [في "الكبرى" مقتصرًا على شطره الثاني "عمل اليوم والليلة" رقم: 791] ، فما أدري لِمَ أغفل المصنف عزوه إليهما، واقتصر على عزوه إلى ابن السني. ["نتائج الأفكار" 1/ 113] . وقال: وأما قوله: إنه صحيح الإِسناد؛ ففيه نظر، فإنه ["نتائج الأفكار": فإن الشطر الثاني الذي اقتصر عليه] من أفراد محمد بن عجلان, وهو صدوق، لكن في حفظه شيء، وخصوصًا في روايته عن المقبري، فالذي ينفرد به من قبيل الحسن، وإنما يصحح له من يدرج الحسن في الصحيح، وليس ذلك من رأي الشيخ. 2 قال في "نتائج الأفكار" 1/ 115: هذا حديث ضعيف جدًّا. اهـ.

110- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5085] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا هَبَّ منَ اللَّيْلِ كَبَّرَ عَشْراً، وحَمِدَ عَشْراً، وقَالَ: "سُبْحان الله وبِحَمْدِهِ" عَشْراً، وقَالَ: "سُبْحانَ المَلِكِ القُدُوس" عَشْراً، وَاسْتَغْفَرَ عَشْراً، وَهَلَّل عَشْراً، ثُمََّ قال: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضِيقِ يَوْمِ القِيامَة " عَشْراً، ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلاة1. وقولها: "هبَّ" أي: استيقظ. 111- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5061] أيضاً، عن عائشة رضي الله عنها أيضاً، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا استيقظ من الليل قالَ: "لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، أسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وأسألُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْماً، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إنَّكَ أنت الوهاب". [وسيرد برقم: 529] .

 20- بابُ ما يَقُول إذا لبسَ ثوبَه:

112- يُستحبّ أن يقول: باسم الله؛ وكذلك تُستحبّ التسمية في جميع الأعمال. 113- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 14] ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، واسمه: سعد بن مالك بن سنان، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا لبس ثوباً [سمَّاهُ] : قميصاً أو رداء أو عمامة؛ يقولُ: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ منْ خَيْرِهِ وَخَيْر مَا هو لَهُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ ما هو له". [راجع رقم: 116] . 114- وروينا فيه [رقم: 272] ، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ لَبِسَ ثَوْباً فَقالَ: الحَمْدُ لله الذي كَساني هَذَا وَرَزَقنيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّة، غَفَرَ الله لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذنبه" 2؛ والله أعلم. __________ 1 أورده ابن حجر في "نتائج الأفكار" 116/1 بعد الحديث رقم: 111 التالي، وقال في 120/1: وهو في أكثر النسخ مقدم على الذي قبله. اهـ. أي على الحديث رقم: 111 التالي كما هو مثبت في نسختنا. 2 خرجه ابن حجر في "نتائج الأفكار" 153/1 عن أبي داود، رقم: 4020؛ الترمذي، رقم: 1767؛ والحاكم 507/1، 192/4؛ وابن ماجه، رقم: 3285؛ وقال: وإنما اقتصر الشيخ [النووي] على عزوه لابن السني؛ لأنه لم يقع في روايته وصف الثوب بالجدة، لكنه حديث واحد قصر فيه بعض الرواة. اهـ. مع ملاحظة أن ما رواه ابن ماجه اقتصر فقط على ما يقول بعد الفراغ من أكل الطعام.

 21- بابُ ما يقولُ إذا لبسَ ثوباً جديداً أو نعلاً وما أشبههُ:

115- يُستحبُّ أن يقول عند لباسه ما قدّمناه في الباب قبلَه [رقم: 112 وما بعده] . 116- وروينا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا استجدّ ثوباً سمَّاه باسمه: عمامة، أو قميصاً، أو رداء؛ ثم يقولُ: "اللَّهُمَّ لَكَ الحمدُ، أنْتَ كَسَوْتِنِيهِ، أسألُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ ما صُنِعَ لَهُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ ما صُنِعَ لَهُ" حديث صحيح1، رواه أبو دواد سليمان بن الأشعث السجستاني [رقم: 4020] ، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي [رقم: 1767] ، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي [في "عمل اليوم والليلة"، رقم: 309] في "سننهم". قال الترمذي: هذا حديث حسن [غريب صحيح] . [راجع رقم: 113] 2. 117- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3560] ، عن عمر رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَنْ لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَساني ما أُوَاري بِهِ عَوْرَتي، وَأَتَجَمَّلُ بِهِ في حياتي؛ ثُمََّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي أَخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، كانَ في حِفْظِ اللَّهِ، وفي كَنَفِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وفِي سَتْرِ الله 3 حيًّا وميتًا". والله أعلم. __________ 1 قال ابن حجر في "نتائج الأفكار" 125/1، 126: رجاله رجال الصحيح، لكن [سعيد] الجريري اختلط. ثم قال: كل من ذكرناه سوى حماد والثقفي سمعوا من الجريري بعد اختلاطه، فعجب من الشيخ كيف جزم بأنه حديث صحيح!، ويحتمل أن يكون صحيح المتن لمجيئه من طريق آخر حسن أيضًا. اهـ. 2 زيادة من مطبوعة الترمذي وغيرها. 3 في بعض النسخ: "وفي سبيل الله".

 22- بابُ ما يقولُ لصاحبه إذا رأى عليه ثوباً جديداً:

118- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: 5823] ، عن أُمّ خالد بنت خالد رضي الله عنها: قالت: أُتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بثياب فيها خميصةٌ سوداءُ [صغيرة] ، فقال: "من ترون نكسو هذه الخميصة"؟ فسكت القومُ، فقال: "ائتوني بأُمّ خالِدٍ" فأُتي بِيَ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- فألبسنيها بيده، وقال: "أبْلِي وأخْلِقِي" مرّتين. 119- وروينا في كتابي ابن ماجه [رقم: 3558] وابن السني [رقم: 269] ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى على عمر رضي الله عنه ثوباً، فقال: "أجَدِيدٌ هَذَا أمْ غَسِيلٌ"؟ فقال: بل غسيلٌ؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "الْبَسْ جَدِيداً، وَعِشْ حَمِيداً، وَمُتْ شَهِيداً سعيدًا". والله أعلم.

 23- بابُ كيفيّة لباسِ الثوبِ والنعلِ وخَلْعِهما:

120- يستحب أن يبتدئ في لبس الثوب والنعل والسراويل وشبهها باليمين من كميه ورجلي السراويل، ويخلع الأيسر ثم الأيمن، وكذلك الاكتحال، والسواك، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب، ونتف الإِبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، ودخول المسجد، والخروج من الخلاء، والوضوء، والغسل، والأكل، والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وأخذ الحاجة من إنسان، ودفعها إليه، وما أشبه هذا؛ فكله يفعله باليمين، وضدّه باليسار.

121- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 168] وأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري [رقم: 268] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُعجبه التيمّن في شأنه كله، في طهوره، وترجُّلِه، وتنعّلِه. 122- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم:33] ، وغيره [كالإمام أحمد في "مسنده" 265/2] ، بالإِسناد الصحيح، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت يدُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى1. 123- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 32] و"سنن البيهقي" [113/1] ، عن حفصة رضي الله عنها، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يجعلُ يمينَه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعلُ يَسَارَه لما سوى ذلك. 124- وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا لَبِسْتُمْ، وَإذَا توضأتم فابدءوا بأيامنكم" حديث حسن، رواه أبو داود [رقم: 4141] ، والترمذي [رقم: 1766] ، وأبو عبد الله محمد بن يزيد، هو ابن ماجه [رقم: 402] ، وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي [86/1] . وفي الباب أحاديث كثيرة؛ والله أعلُم. __________ 1 قال الحفاظ ابن حجر: رجاله أخرج لهم مسلم، فالإسناد على شرط الصحة كما قال المصنف، لكنه جزم في "الخلاصة" بأنه حديث صحيح، وتردد في "شرح المهذب" فقال: صحيح أو حسن. والتحرير أنه حسن؛ فإن فيه علتين: الاختلاف على سعيد بن أبي عروبة في وصله وإرساله، وفيه زيادة راوٍ على السند الموصول؛ فإن أبا داود [رقم: 33] أخرجه أولًا من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر -وهو زياد بن كليب- عن إبراهيم النخعي، عن الأسود -هو ابن يزيد النخعي- عن عائشة. ثم أخرجه من رواية عيسى بن يونس عن سعيد، بإسقاط الأسود. وأخرجه البيهقي من رواية محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن رجل لم يسم، عن أبي معشر. ورجح الدارقطني في "العلل" هذه الرواية، فصار الحديث بسبب ذلك ضعيفًا من أجل المبهم، وسعيد مع كونه مدلسًا وقد عنعنه، فإنه ممن اختلط. وإنما قلتُ: إن الحديث حسنٌ لاعتضاده بالحديث الذي بعده. ["نتائج الأفكار" 144/1] .

 24- بابُ ما يقولُ إذا خلعَ ثوبَه لغُسْلٍ أو نومٍ أو نحوهِمَا:

125- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 274] ، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "سِتْرُ ما بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ إذَا أرَاد أنْ يَطْرَحَ ثِيابَهُ: باسْمِ اللَّهِ الَّذي لا إله إلا هو".

 25- باب ما يقول حال خروجِهِ من بيتِه:

126- روينا عن أُمّ سلمة رضي الله عنها، واسمها هند، أن النبي -صلى الله عليه- وسلم كانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ، قالَ: "باسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ على اللَّهِ، اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أَضِل أَوْ أُضَل، أوْ أَزِل أَوْ أُزَل، أَوْ أَظلِم أَوْ أُظْلَم، أوْ أَجْهَل أَوْ يُجْهَلَ عليَّ" حديث صحيح، رواه أبو داود [رقم: 5094] ، والترمذي [رقم: 3427] ، والنسائي [رقم: 5486] ، وابن ماجه1 [رقم: 3884] . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. هكذا في رواية أبي داود: "أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أو أَزِلّ أو أُزَلَّ " وكذا الباقي بلفظ التوحيد. وفي رواية الترمذي: "أعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ نَزِلّ" وكذَلِكَ: "نُضل"، "ونَظْلِمَ"، "ونَجْهَلَ" بلفظ الجمع. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: جمع الشيخ هذه الزيادة [أي: بسم اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ على الله ... إلخ] في سياق الحديث، ولا وجود لها مجموعة في الكتب الأربعة التي عزاه إليها. ["نتائج الأفكار" 159/1] .

وفي رواية أبي داود: ما خرجَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- من بيتي إلا رفع طرفه إلى السماء، فقال: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ". وفي رواية غيره: كانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قالَ:.... كما ذكرناه؛ والله أعلم. 127- ورويناه في "سنن أبي داود" [رقم: 5095] ، والترمذي [رقم: 3426] والنسائي [في "عمل اليوم والليلة"، رقم: 89] وغيرهم، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قالَ -يعني: إذَا خَرَجَ مِنْ بيته: باسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ على الله، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، يُقالُ لهُ: كُفِيتَ، ووُقيت، وَهُدِيتَ؛ وتَنَحَّى عنهُ الشيطانُ". قال الترمذي: حديث حسن [صحيحٌ غريب] . زاد أبو داود في روايته: "فيقول"، يعني: الشيطان لشيطان آخر: "كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وكُفِيَ وَوُقِيَ؟ ". 128- وروينا في "كتابي" ابن ماجه [رقم: 3885] ، وابن السني [رقم: 176] ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنهُ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كانَ إذَا خَرَجَ من منزله قال: "باسم الله، التُّكْلانُ على الله، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ". والله أعلم.

 26- بابُ ما يقولُ إذا دخلَ بيتَه:

129- يُستحب أن يقول: باسم الله، وأن يكثرَ من ذكر الله تعالى: وأن يسلّمَ سواءٌ كان في البيت آدميّ أم لا، لقول الله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61] . 130- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 2698] ، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بُنَيَّ! إذَا دَخَلْتَ على أهْلِكَ فَسَلِّمْ، يكن

بَرَكَةً عَلَيْكَ وعلى أهْلِ بَيْتِكَ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح1. 131- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5096] ، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، واسمه الحارث، وقيل: عبيد، وقيل: كعب، وقيل: عمرو؛ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِني أسألُكَ خَيْرَ المَوْلِجِ، وَخَيْرَ المَخْرَجِ، باسْمِ اللَّهِ وَلجْنا، وباسْمِ اللَّهِ خَرَجْنا، وَعَلى اللَّهِ رَبِّنا تَوََكَّلْنا؛ ثُمَّ ليُسَلِّمْ على أهْلِهِ" لم يضعفه أو داود. 132- وروينا عن أبي أُمامةَ الباهلي رضي الله عنه، واسمه صُدَيُّ بن عَجْلان؛ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثَلاَثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ على اللَّهِ عَزَّ وجل: رجل خرج عازيًا في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ ضَامِنٌ على الله عَزَّ وجَلَّ حَتَّى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال مِنْ أجْرٍ وَغَنِيمَةٍ؛ وَرَجُلٌ رَاحَ إلى المَسْجِد، فَهُو ضَامِنٌ على الله تعالى حتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يرده بما نال من أجر وغنيمة، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسلامٍ، فَهُوَ ضَامنٌ على اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعَالى". حديث حسن. رواه أبو داود [رقم: 2494] بإسناد حسن، ورواه آخرون. [كالبخاري في "الأدب المفرد"، رقم: 8094؛ وابن حبان، رقم: 499؛ والحاكم في "المستدرك" 73/2؛ والبيهقي في "السنن" 166/9] . ومعنى "ضامن على الله تعالى" أي: صاحب ضمان، والضمان: الرعاية للشيء، كما يقالُ: تامرٌ ولابنٌ، أي: صاحب تمر، ولبن. فمعناه: أنه في رعاية الله تعالى، وما أجزل هذه العطية! اللهمَّ ارزقناها. 133- وروينا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: سمعت __________ 1 قال ابن حجر في "نتائج الأفكار" 168/1: هكذا أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب، كذا في كثير من النسخ المعتمدة، منها بخط الحافظ أبي علي الصدفي، ووقع الكرَّوخي: حسن صحيح، وعليها اعتمد في "الأذكار". اهـ.

النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذَا دَخَلَ الرجلُ بيتهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى عنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعامِهِ، قالَ الشِّيْطانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشاءَ؛ وَإذا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عنْدَ دُخُولِه، قالَ الشيطانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإذا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ طَعامِهِ، قالَ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ والعَشَاء" رواه مسلم في "صحيحه" [رقم: 2018، وسيرد رقم: 1172] . 134- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 157] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا رجع من النهار إلى بيته يقول: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي كَفانِي وآوَانِي، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنِي وَسَقاني، وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي مَنّ علي [فأفضل] ، أسألُكَ أن تُجِيرَني مِنَ النَّار" إسناده ضعيف1. 135- وروينا في "موطأ مالك رحمه الله" [962/2] ، أنه بلغه أنه يستحبّ إذا دخل بيتاً غير مسكونٍ أن يقولُ: السلامُ عَلَيْنا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصالحين؛ والله أعلم. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: ليس في رواته من ينظر في حاله، إلا الرجل المبهم، الراوي له عن ابن عمرو، وقد وجدت له شاهداً من حديث عبد الرحمن بن عوف، أخرجه ابن أبي شيبة والبزار [129/1] من حديث عبد الرحمن بن عوف، فالحديث حسن. ["نتائج الأفكار" 178/1 و179] .

27- باب ما يقول إذا استيقظ من الليل وخرج من بيته: 136- يستحبّ له إذا استيقظ من الليل وخرج من بيته أن ينظر إلى السماء، ويقرأ الآيات الخواتم من3 سورةِ آل عمران [الآيات: 190 - 200] : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ

وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ، لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ، وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} إلى آخر السورة. ["التبيان"، رقم: 471] . 137- قلت: ثبت في "الصحيحين" [البخاري، رقم: 4569؛ مسلم، رقم: 763] أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يفعله، إلا النظر إلى السماء، فهو في "صحيح البخاري" دون مسلم1. ["التبيان"، رقم: 472] . __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: بل ثبت ذلك في مسلم أيضًا، وسبب خفاء ذلك على الشيخ أن مسلمًا جمع طرق الحديث كعادته، فساقها في كتاب الصلاة، وأفرد طريقًا منها في كتاب الطهارة [رقم: 256] ، وهي التي وقع عنده فيها التصريح بالنظر إلى السماء، ووقع ذلك أيضًا في طريقين آخرين مما ساقهُ في كتاب الصلاة [رقم: 763] ، لكنه اقتصر في كل منهما على بعض المتن، فلم يقع عنده فيهما التصريح بهذه اللفظة، وهي في نفس الأمر عنده فيهما؛ وأما البخاري، فلم يقع عنده التقييد بكون ذلك عند الخروج من البيت؛ وليس في شيء من الطرق الثلاثة التي أشرت إليها التصريح بالقراءة إلى آخر السورة، وإنما ورد ذلك في طرق أخرى ليس فيها النظر إلى السماء، لكن الحديث في نفس الأمر واحد، فذكر بعض الرواة ما لم يذكر بعض. ["نتائج الأفكار" 1 /181.

138- وثبت في "الصحيحين" [البخاري، رقم: 1120؛ مسلم، رقم: 769] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قام من الليل يتهجد، قال: "اللهم لَكَ الحَمْدُ، أنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَمَنْ فِيهنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنْت نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنَّ، ولكَ الحَمدُ، أنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقّ، ولِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حق، والنبيون حَقٌّ، ومُحَمَّدٌ حَقٌّ، والسَّاعَةُ حَقٌّ؛ اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وبِكَ خاصَمْتُ، وَإلَيْكَ حاكَمْتُ، فاغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَما أعْلَنْتُ، أنْتَ المُقَدِّمُ وأنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إله إلا أنت". [راجع رقم: 199 التالي] . زادَ بعض الرواة: "ولا حول ولا قوة إلا بالله"؛ والله أعلمُ.

 كتاب أذكار الطهارة والوضوء

 28- بابُ ما يقولُ إذا أراد دخول الخلاء:

139- ثبت في "الصحيحين" [البخاري، رقم: 142؛ مسلم، رقم: 375] ، عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقولُ عندَ دُخول الخلاء: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". يقال: "الخبث" بضم الباء وبسكونها، ولا يصحّ قول من أنكر الإِسكان. 140- وروينا في غير "الصحيحين" [أبو داود، رقم: 4 و 5؛ الترمذي، رقم: 5؛ النسائي، رقم: 19] : "باسْمِ اللَّهِ؛ اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالخبائِثِ".

141- وروينا عن عليّ رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "سِتْرُ ما بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الكَنِيفَ أن يقول: بسم اللَّهِ" رواه الترمذي [رقم: 606] وقال: إسناده ليس بالقويّ. وقد قدّمنا في الفصول [برقم: 3] أن الفضائل يُعمل فيها بالضعيف. 142- قال أصحابنا: ويستحبّ هذا الذكر سواءٌ كان في البنيان أو في الصحراء. 143- وقال أصحابنا رحمهم الله: يُستحبّ أن يقول أوّلاً: بِاسْمِ الله، ثم يقول: اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. 144- وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل الخلاء، قال: "اللهم إني أعوذ بك من الرجل النَّجِسِ الخَبِيثِ المُخْبِثِ: الشَّيْطانِ الرجِيمِ" رواه ابن السني [رقم: 25] ، ورواه الطبراني [رقم: 367] في "كتاب الدعاء"؛ والله أعلم.

 29- بابُ النّهي عن الذِّكْرِ والكَلامِ عَلَى الخَلاَء:

145- يُكْرَه الذكر والكلام حال قضاء الحاجة، سواءٌ كان في الصحراء أو في البنيان، وسواءٌ في ذلك جميع الأذكار والكلام، إلا كلام الضرورة، حتى قال بعضُ أحصابنا: إذا عطس لا يحمدُ الله تعالى، ولا يشمِّت عاطساً، ولا يردّ السلام، ولا يجيب المؤذّن، ويكون المُسَلِّم مُقَصِّراً لا يستحقّ جواباً. والكلام بهذا كله مكروه كراهةَ تنزيه، ولا يحرم، فإن عَطَسَ، فَحَمِدَ اللَّه تعالى بقلبه، ولم يحرّك لسانه فلا بأس، وكذلك يفعل حال الجماع. 146- وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: مرّ رجل

بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلَّمَ عليه، فلم يَرُدَّ عليهِ. رواه مسلم في "صحيحه" [رقم: 370] . 147- وعن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه، قال: أتيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وهو يبول، فسلَّمت عليه، فلم يرد عليّ حتى تَوَضَّأَ، ثم اعتذر إِلَيَّ، وقال: "إني كَرِهْت أن أذْكُرَ اللَّهَ تَعالى إلاَّ على طُهْر" أو قال: "على طهارةٍ" حديث صحيحٌ، رواه أبو داود [رقم: 17] ، والنسائي [رقم: 38] ، وابن ماجه [رقم: 350] بأسانيد صحيحه1؛ والله أعلم. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: فيه نظر؛ إذ ليس له إلا إسناد واحد عند من ذكر. ["نتائج الأفكار" 208/1] .

بابُ النهي عن السلام على المجالس لقضاء الحاجة

 30- بابُ النّهي عن السَّلام على الجالس لقضاء الحَاجَة:

148- قال أصحابنا: يُكره السلام عليه، فإن سلَّم لم يستحقَّ جواباً لحديث ابن عمر والمهاجر المذكورين [برقم: 146 و147] في الباب قبلَه؛ والله أعلمُ.

 31- بابُ ما يقولُ إذَا خَرَجَ مِنْ الخَلاَء:

149- يقول: "غُفْرَانَكَ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أذْهَبَ عَنِّي الأذَى وَعافانِي". 150- ثَبَتَ في الحديث الصحيح، في "سنن أبي داود" [رقم: 30] ، والترمذي [7] ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "غُفْرَانَك" وروى النسائي [رقم: 79 في "عمل اليوم والليلة"] وابن ماجه [رقم: 300 و301] باقيه1. 151- وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذَا خَرَجَ مِنْ الخلاء قال: "الحَمْدُ لِلَّه الَّذي أذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وأبْقَى فِيّ قُوَّتَهُ، وَدَفَعَ عَنِّي أَذَاهُ" رواه ابن السني [رقم: 25] والطبراني [رقم: 370 في "الدعاء"؛ وراجع رقم: 144] والله أعلمُ. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: هذا يوهمُ أنه حديث واحدٌ اختصره بعضهم، وليس كذلك، بل قوله: "غفرانك" أخرجه أبو داود [رقم: 30] والترمذي [رقم: 7] والنسائي [في "عمل اليوم والليلة"، رقم: 79] وابن ماجه [رقم: 300] ؛ كلهم عن عائشة، والكلام الذي بعده أخرجه النسائي [ابن السني، رقم:22] من حديث أبي ذر، وابن ماجه [رقم: 301] من حديث أنس. ["نتائج الأفكار" 214/1] .

 32- بابُ ما يقولُ إذا أراد صَبَّ ماء الوضوءِ أو استقاءه:

152- يُستحبّ أن يقول: "باسم الله" كما قَدَّمناه [رقم: 112] ؛ والله أعلم.

باب ما يقول على وضوئه مدخل

 33- بابُ ما يَقولُ على وضُوئه:

153- يُستحبّ أن يقول في أوّله: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ" وإن قال: "بِاسْمِ اللَّهِ" كفى. 154- قال أصحابنا: فإن تَرَكَ التسمية في أوّل الوضوء أتى بها في أثنائه. فإن تركها حتى فرغ، فقد فات محلها، فلا يأتي بها، ووضوءُه صحيح، سواءٌ تركها عمداً أو سهواً. هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء. 155- وجاء في التسمية أحاديث ضعيفة، ثبت عن أحمد بن حنبل رحمه الله، أنه قال: لا أعلم في التسمية في الوضوء حديثاً1 ثابتاً. 156- فمن الأحاديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: لا يلزم من نفي العلم ثبوت العدم، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت ثبوتُ الضعف، لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة، فلا ينتفي الحكم الحسن، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت عن كل فرد نفيه عن المجموع. ["نتائج الأفكار" 223/1] .

النبي -صلى الله عليه وسلم: "لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيْهِ" رواهُ أبو دواد [رقم: 101] وغيره1. ["مسند أحمد" 2/ 418] . ورويناه من رواية سعيد بن زيد2، وأبي سعيد3، وعائشة، ["مجمع الزوائد" 220/1؛ "الدعاء" للطبراني، رقم: 384] وأنس بن مالك ["صحيح ابن خزيمة" رقم: 144؛ النسائي] ، وسهل بن سعد [ابن ماجه، رقم: 400؛ "المستدرك" للحاكم 269/1؛ "الدعاء" للطبراني، رقم: 382] رضي الله عنهم4. ورويناها كلها في "سنن البيهقي" [43/1 - 45] وغيره، وضعّفها كلها البيهقي وغيره؛ والله أعلم. __________ 1 أخرجه الحاكم [146/1] وصححه، وله شواهد من طرق. ["نتائج الأفكار" 224/1] . 2 أخرجه الترمذي [رقم: 25] والدراقطني [79/13] ، وقال البخاري [الترمذي، رقم: 25] : إنه أحسنُ أحاديث الباب. ["نتائج الأفكار" 228/1] . 3 قال الحافظ ابن حجر: هو حديث حسن أخرجه أحمد [41/3] والترمذي [في "العلل الكبرى"] والدارمي [رقم: 697] وابن ماجه [رقم: 397] والحاكم [147/1] وصححه؛ وعن إسحاق بن راهويه، أنه أصح أحاديث الباب. ["نتائج الأفكار" 229/1] . 4 قال الحافظ ابن حجر: وورد أيضًا من حديث علي، أخرجه ابن عدي في "الكامل" [1883/5] ؛ وابي سبرة ["المعجم الكبير" للطبراني ج22، رقم: 755؛ و"الدعاء" له، رقم: 381] أخرجه البغوي في "معجم الصحابة"؛ وابن مسعود وابن عمر؛ أخرجهما البيهقي [44/1] . قال أبو الفتح [ابن سيد الناس] اليعمري: أحاديث الباب إما صريح غير صحيح، وإما صحيح غير صريح. قال ابن الصلاح: يثبت بمجموعها ما يثبت به الحديث الحسنُ. ["نتائج الأفكار" 235/1] .

 34- فصل [ما يقولُ في ابتداء الوضوء بعد التسمية]

157- قَالَ بعض أَصْحَابِنَا، وهو الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي الزاهد: يستحب للمتوضئ أن يقولَ في ابتداء وضوئه بعد التسمية: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسولُه. 158- وهذا الذي قالهُ لا بأس به، إلا أَنَّهُ لا أصل له من جهة السنة، ولا نعلم أحداً من أصحابنا وغيرهم قال به1؛ والله أعلم. __________ 1 قال الزركشي في "الخادم": قال به شيخه سليم الرازي، وقبلهما الصَّيْمَريّ. وقال الحافظ ابن حجر في أماليه: أَخْرَج جعفر المستغفري في كتاب "الدعوات" من طريق سالم ابن أبي الجعد، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ إذا توضأ: بسم الله؛ ثم قال لكل عضو: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدا عبده ورسوله، ثم قال إذا فرغ من وضوئه: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء". هذا حديث غريب، وفيه تعقب على المصنف في قوله: إن التشهد بعد التسمية لم يرد. ["نتائج الأفكار" 244/1] .

فصل ما يقول عقب الوضوء ...

  35- فضل [ما يقول عقب الوضوء]

159- ويقول بعد الفراغ من الوضوء: أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَوَّابِينَ، واجْعَلْني مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ. 160- وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَوَضَّأ فَقالَ: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّها شاءَ" رواه مسلم في "صحيحه " [رقم: 234] ، ورواه الترمذي [رقم: 55] ، وزاد فيه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن التَّوَّابِينَ، واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ". 161- وَرَوَى: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِك...." إلى آخره النسائي

[رقم: 81, 83] في "اليوم والليلة" وغيره [مثل الطبراني في "الدعاء" رقم: 388] بإسناد ضعيف1. 162- وروينا في "سنن الدارقطني" [93/1] ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ تَوَضَّأ.. ثُم قال: أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ قَبْلَ أنْ يَتَكَلَّم؛ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الوُضُوءَيْن" إسناده ضعيف. 163- وروينا في "مسند أحمد بن حنبل" [265/3] و"سنن ابن ماجه" [رقم: 469] ، و"كتاب ابن السني" [رقم: 32] ، من رواية أنس رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ تَوَضَّأ فأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلاَّ اللَّه، وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدا عبدهُ ورسولهُ؛ فتحت له ُ ثمانيةُ أبوابِ الجنةِ، مِنْ أيّها شاءَ دَخَلَ" إسناده ضعيف. 164- وروينا تكريرَ شهادة أن لا إله إلاَّ الله ثلاث مرات، في "كتاب ابن السني" [رقم: 29] ، من رواية عثمان بن عفان رضي الله عنهُ، بإسناد ضعيف. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: هذا يوهم أن الزيادة في حديث عقبة عن عمر كما في الذي قبله، وليس كذلك، بل هي حديث مستقلّ عن أبي سعيد الخدري، وسنده مغاير لسند عقبة في جميع رواته. ["نتائج الأفكار" 244/1] . قال: وأما وصف الإسناد بالضعف ففيه نظر، فقد أخرجه النسائي "في "عمل اليوم والليلة"، رقم: 81] ، حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا يحيى بن كثير أبو غسان، حدثنا شعبة، عن أبي هاشم الرماني، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري ... ويحيى بن كثير ثقة من رجال الصحيحين، وكذا من فوقه إلى الصحابي، وأما شيخ النسائي فهو ثقة أيضًا من شيوخ البخاري؛ ولم ينفرد به، فقد أخرجه الحاكم [564/1] من وجه آخر عن يحيى بن كثير؛ فالسند صحيح بلا ريب، وإنما اختلف في رفع المتن ووقفه، فالنسائي جرى على طريقته في الترجيح بالأحفظ والأكثر، فلذلك حكم عليه بالخطأ؛ إذ قال بعد تخريجه: هذا خطأ؛ ثم أخرجه عن بندار، عن غندر، عن شعبة به موقوفًا. وأما على طريقة المصنف تبعًا لابن الصلاح وغيره، فالرفع عندهم مقدم؛ لما مع الرافع من زيادة العلم، وعلى تقدير القول بالطريقة الأخرى، فهذا مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع. ["نتائج الأفكار" 246/1] .

165- قال الشيخ نصر المقدسي: وَيَقُولُ مع هذه الأذكار: "اللهمَّ صلِّ عَلَى محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ". ويضمّ إليه: "وسلم"1. 166- قال أصحابنا: ويقول هذه الأذكار مستقبل القبلة، ويكون عقيب الفراغ2. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: لم يصرح بكونه حديثًا، وأظن قوله: "ويضم"، من كلام الشيخ المصنف. وقد ورد في الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الوضوء شيء: أخرج ابن عدي [2707/7] والبيهقي ["السنن الكبرى" 44/1] ، من طريق يحيى بن هاشم، عن الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا تطهر أحدكم ليذكر اسم الله.." الحديث، وفيه: "فإذا فرغ من وضوئه فليشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وليصلّ عَلَيّ، فإذا قال ذلك، فتحت له أبواب الرحمة"، قال البيهقي بعد تخريجه يحيى بن هاشم متروك، ولا أعلمُ رواه غيره. قال الحافظ: بل تابعه محمد بن جابر اليمامي، عن الأعمش، أخرجه أبو الشيخ في كتاب "الثواب" من طَريقِهِ، مقتصرًا على أواخره، وفيه المقصود، ومحمد بن جابر أصلح حالاً من يحيى بن هاشم. وتابعه عمرو بن شمر الجعفي الكوفي، عن الأعمش؛ كرواية محمد بن جابر؛ وعمرو متروك. [منهم بالوضع؛ "نتائج الأفكار" 251/1 و252] . وأخرج أبو بكر بن أبي عاصم، والطبراني ["المعجم الكبير"، رقم: 5698] من طريقه، عن عبد المهيمن بن العباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا وضوء لمن لم يصلّ عَلَيّ". وقد ذكر الشيخ في "شرح المهذب" لفظ الشيخ نصر، فقال: قال الشيخ نصر: ويقول مع ذلك: صلى الله على محمد وعلى آل محمد، فصح ما ظننته؛ أن قوله: ويضم إليه.. من كلام المصنف. وكأنهُ ظن أن مستند الشيخ نصر أن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- مطلوبة في الدعاء، والذكر المذكور مشتمل عليه؛ فيشرع فيه. ويحتمل أن يكون ورود الأمر بالصلاة عليه: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فلذلك لم يذكر السلام والعلم عند الله ["نتائج الأفكار" 253/1 و254] . 2 قال ابن حجر في "نتائج الأفكار" 255/1: أما الاستقبال فلم أر فيه شيئًا صريحًا يختص به، وقد نقل الروياني أنه يقول رافعًا بصره إلى السماء، وقد تقدم ذلك في حديث عمر، وفي حديث ثوبان: "السماء قبلة الدعاء" فلعل ذلك مرادُ من أطلق. وأما الفراغ فقد ورد صريحًا في معظم أحاديث الباب، والله أعلم. اهـ.

فصل في أدعية أعضاء الوضوء

  36- فضل [في أدعية أعضاء الوضوء]

167- وأما الدعاء على أعضاء الوضوء، فلم يجئ فيه شيء عن النبي، صلى الله عليه وسلم1، وقد قال الفقهاء: يُستحبّ فيه دعوات جاءتْ عن السلف، __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: كرر ذلك بنحوه في كثير من كتبه، فقال في "التنقيح": ليس فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال في "الروضة": لا أصل له، ولم يذكره الشافعي والجمهور. وقال في "شرح المذهب" [501/1] : لا أصل له، ولا ذكره المتقدمون. وقال في "المنهاج": وحذفت دعاء الأعضاء، إذ لا أصل له. وقد تعقبه [عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي صاحب "المهمات"، فقال: ليس كذلك، بل روي من طرق، منها عن أنس، رواه ابن حبان في "تاريخه"، في ترجمة عباد بن صهيب. وقد قال أبو داود ["سؤلات الآجري لأبي داود" صحفة: 229 و230] : إنه صدوق قَدَرِيّ. وقال أحمد: ما كان بصاحب كَذِب. وقال الحافظ: لو لم يقل [في "نتائج الأفكار"؛ 257/1: لم يرد] فيه إلا هذا لمشي الحال، ولكن بَقيّة ترجمته عند ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير حتى يشهد المبتدئ "في هذه الصناعة أنها موضوعة، وساق منها هذا الحديث". ["نتائج الأفكار" 257/1] . اعترض قوله: لا أصل له؛ بأنه روي في تاريخ ابن حبان من حديث أنس، فلعله أراد لا أصل له صحيحًا. وأما السبكي، فوافق النووي، وابن النقيب حكى كلام النووي في تصحيح "المهذب"، ولم يتعقبه بشيء. وقال الأذرعي في "المتوسط": لا ينبغي تركه، ولا يعتقد أنه سنة، فإن الظاهر أنه لم يثبت فيه شيء. وقد جمع الحفاظ في عمل اليوم والليلة كتبًا مطولة؛ كالنسائي والطبراني والبيهقي وابن السني، وغيرهم؛ ولم يذكروا ذلك. والظاهر أن الشيخ أراد أن يصح فيها حديث كما قاله ابنُ الصلاح. وأولى ما اعتمدُ عليه في ذلك قول النووي وابن حجر، فقد كان إمامي الحفاظ في عصرهما، والمرجع في الحديث إليهما، وليس في المعترضين المذكورين أحد في درجة الحفظ. والحديث الذي رواه ابن حبان في "تاريخه" عن أنس من قسم الواهي الشديد الضعف الذي لا يعمل به في فضائل الأعمال؛ كما تقدم نقل الاتفاق على ذلك في أول الكتاب. وقد أخرجه ابن الجوزي في "الأحاديث الواهية" [339/1] وقال: اتَّهم به ابن حبان عباد بن صهيب، واتهم به الدارقطني الراوي عن عباد أحمد بن هاشم. =

وزادوا ونقصوا فيها، فالمتحصّل مما قالوه أنه يقول بعد التسمية: الحمد للَّهِ الذي جعل الماء طهوراً؛ ويقول عند المضمضة: اللهم اسقِني من حوْضِ نبيِّك محمد كأساً لا أظمأ بعدها أبداً؛ ويقول عند الاستنشاق: اللهمّ لا تحرِمني رائحة نعيمِك وجناتِك؛ ويقول عند غسل الوجه: اللهمّ بيِّض وجهي يوم تبيضّ وجوهٌ وتسودّ وجوه؛ ويقول عند غسل اليدين: اللهمّ أعطِني كتابي بيميني، اللهمّ لا تعطِني كتابي بشمالي؛ ويقول عند مسح الرأس: اللهمّ حرّم شعري وبشرِي على النار، وأظلني تحت ظل عرشِك يوم لا ظلّ إلا ظلُّك؛ ويقول عند مسح الأُذنين: اللهمّ اجعلني من الَّذينَ يستمعونَ القَوْلَ فيتَّبعون أحسنه؛ ويقول عند غسل الرجلين: اللهمّ ثبِّت قدمي على الصراط. والله أعلم1. 168- وقد روي النسائي [رقم: 80] ، وصاحبه ابن السني [رقم: 28] في كتابيهما "عمل اليوم والليلة" بإسناد صحيح، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: أتيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوضوءٍ، فتوضأ، فسمعته يدعو __________ = وقد ألفت [القائل في السيوطي] جزءًا سميته "الإغضاء عن دعاء الأعضاء" بسطت فيه الكلام بسطًا شافيًا، وما أحسنَ صنع الإمام الرافعي، حيث قال: ورد بها الأثر عن السلف الصالحين. فعزاه إلى السلف؛ كما صنع النووي في "الأذكار" ولم يعزه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد كان الرافعي من كبار أئمة الحديث وحفاظه؛ وأخبرني من أثق به، أن الحافظ ابن حجر قال: الناس يظنون أن النووي أعلم بالحديث من الرافعي، وليس كذلك، بل الرافعي أفقه في الحديث من النووي، ومن طالع أماليه وتاريخه وشرح "المسند" له؛ تبين له ذلك. والأمر كما قال. 1 قال ابن حجر في "نتائج الأفكار" 262/1: "الذخائر" لِمُجَلِّي [بن جمع] عند المضمضة: اللَّهُمَّ أعِنِّي على تلاوة القرآن والذكر؛ وعند الاستنشاق: اللَّهُمَّ أجِرْنِي مِنَ روائح أهل النار؛ وعند غسل الوجه: اللهمّ بيِّض وجهي يوم تبيض وجوه أوليائك، وتسود وجوه أعدائك؛ وعند غسل اليد اليمنى: اللهم اجعلني من أصحاب اليمين؛ وعند اليسرى: اللهم لا تجعلني من أصحاب الشمال. وفي "البحر" للروياني عند السواك: اللهم بيض به أسناني وشد به لثاتي، وبارك لي فيه يا أرحم الراحمين. اهـ.

ويقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، وَوَسِّعِ لي فِي داري، وَبارِكْ لي في رِزْقِي"، فقلتُ: يا نبيّ الله! سمعتك تدعو بكذا وكذا، قال: "وَهَلْ تَرَكْنَ مِنْ شَيْءٍ"؟. تَرْجَم ابن السني لهذا الحديث: باب ما يقول بين ظهراني وضوئه. وأما النسائي، فأدخله في باب: ما يقول بعد فراغه من وضوئه، وكلاهما محتمل1. والله أعلم. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: رواه الطبراني في "الكبير" من رواية مسدد وعارم، والمقدمي؛ كلهم من معتمر، ووقع في روايتهم: فتوضأ، ثم صلى، ثم قال: ... وهذا يدفع ترجمة ابن السني حيث قال: باب ما يقوله بين ظهراني وضوئه؛ لتصريحه بأنه قالُ بعد الصلاة، ويدفع احتمال كونه بين الوضوء والصلاة. قال: وأما حكمُ الشيخ على الإسناد بالصحة؛ ففيه نظر؛ لأن أبا مجلز لم يلق سمرة بن جندب ولا عمران بن حصين فيما قاله على ابن المديني، وقد تأخرا بعد أبي موسى؛ ففي سماعه عن أبي موسى نظرٌ، وقد عهد منه الإرسال عن من لم يلقه. ["نتائج الأفكار" 263/1] .

 37- بابُ ما يقولُ على اغْتسالِه:

169- يستحبّ للمغتسل أن يقول جميع ما ذكرناه في الوضوء من التسمية وغيرها، ولا فرق في ذلك بين الجُنب والحائض وغيرهما. وقال بعض أصحابنا: إن كان جُنُباً أو حائضاً لم يأتِ بالتسمية، والمشهور أنها مستحبّة لهما كغيرهما، لكنهما لا يجوز لهما أن يقصدا بها القرآن. __________ 1 في نسخة: "عند".

 38- بابُ ما يقولُ على تَيَمُّمِه:

170- يُستحبّ أن يقول في ابتدائه: باسمِ الله؛ فإن كان جُنباً أو حائضاً فعلى ما ذكرناهُ في اغتساله. وأما التشهّد بعده، وباقي الذكر المتقدم في الوضوء والدعاء على الوجه والكفّين، فلم أرَ فيه شيئاً لأصحابنا، ولا غيرهم، والظاهر أن حكمه على ما ذكرنا في الوضوء، فإن التيمّم طهارةٌ كالوضوء.

 كتاب أذكار المساجد

 39- بابُ ما يقولُ إذا توجَّهَ إلى المسجد:

171- قَدْ قَدَّمْنَا ما يقوله إذا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إلى أيّ موضع خرج، وإذا خرج إلى المسجد، فيستحبّ أن يضمّ إلى ذلك ما رويناه في "صحيح مسلم" [رقم: 191/763] ، في حديث ابن عباس رضي الله عنهما الطويل في مبيته في بيت خالته ميمونة رضي الله عنها، ذكر الحديث في تهجّد النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: فأذّن المؤذّن -يعني الصبح- فخرج إلى الصلاة وهو يقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُوراً، وفي لِسانِي نُوراً، وَاجْعَلْ في سَمْعِي نُوراً، وَاجْعَلْ في بَصَري نُوراً، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُوراً، وَمِنْ أمامي نُوراً، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقي نُوراً، وَمِنْ تَحْتِي نُوراً؛ اللَّهُمَّ أعْطِني نُوراً". 172- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 83] ، عن بلال رضي الله عنه، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج إلى الصلاة قال: "بِاسْمِ اللَّهِ، آمَنْتُ باللَّهِ، تَوَكَّلْتُ على الله، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، اللَّهُمَّ بِحَقّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقّ مَخْرَجِي هَذَا، فإني لَمْ أخْرُجْهُ أشَراً وَلاَ بَطراً وَلاَ رِياءً وَلاَ سُمْعَةً، خرجتُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِكَ، وَاتِّقاءَ سَخَطِكَ؛ أسألُكَ أنْ تُعِيذَني مِنَ النار وأن تدخلني الجَنَّة". حديث ضعيف، أحد رواته: الوازع بن نافع العقيلي، وهو متفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث. 173- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 84] ، معناه، من رواية عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعطية أيضاً ضعيف1. __________ 1 قال الحافظ: ضعف عطية إنما جاء من قِبَل التشيّع والتدليس، وهو في نفسه صدوق، وقد أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأخرج له أبو داود عدة أحاديث ساكتًا عليها، وحسّن له الترمذي عدة أحاديث؛ بعضها من أفراده، فلا يظن أنه مثل الوازع؛ فإنه متروك باتفاق، وقال فيه ابن معين والنسائي: ليس بثقة. وقال الحاكم: روى أحاديث موضوعة. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غير محفوظة. ["نتائج الأفكار" 267/2] . وحديث أبي سعيد المشار إليه حسن أخرجه أحمد [21/3] وابن ماجه [رقم: 778] وابن خزيمة في "كتاب التوحيد" [ص: 17 و18] ، ورواه أبو نُعيم في "كتاب الصلاة"، وقال في روايته عن عطيه: حدثني أبو سعيد، فأمن بذلك تدليس عطية. قال الحافظ: وعجبت للشيخ كيف اقتصر على سوق رواية بلال دون أبي سعيد، وعلى عزو رواية أبي سعيد لابن السني، دون ابن ماجه وغيره. ["نتائج الأفكار" 269/1] .

 40- بابُ ما يقولُه عندَ دخول المسجد والخروج منه:

174- يُستحبُّ أن يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم؛ الحَمْد لِلَّهِ، اللَّهُمَّ صلَّى وسلَّم على مُحَمََّدٍ، وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ؛ اللهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. ثم يقول: باسم اللَّهِ. ويقدّم رجله اليمنى في الدخول، ويقدّم اليسرى في الخروج، ويقول جميع ما ذكرناه، إلا أنه يقول: "أبواب فضلك" بدل "رحمتك". 175- روينا عن أبي حُميد أو أبي أُسيد رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلْيُسَلِّم على النبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ، ثُم ليَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أبْوَابَ رَحْمَتِكَ؛ وَإذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِني أسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ" رواه مسلم في "صحيحه" [رقم: 713] وأبو داود [رقم: 465] والنسائي [رقم: 729] وابن ماجه [رقم: 772] وغيرهم بأسانيد صحيحة، وليس في رواية مسلم: "فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم" وهو في رواية الباقين. 176- زاد ابن السني [رقم: 85] في روايته: "وإذا خَرَجَ، فَلْيُسَلِّمْ على النبي صلى الله عليه وسلم، وَلْيَقُل: اللَّهُمَّ أعِذْنِي مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ" وروى هذه الزيادة ابن ماجه [رقم: 773] وابن خزيمة [رقم: 452] وأبو حاتم ابن حبان1 [رقم: 2047]- بكسر الحاء - في "صحيحهما" __________ 1 قال الحافظ: هذه الزيادة ليست عند المذكورين ولا غيرهم من حديث أبي حميد ولا أبي أسيد على ما يوهمه كلامه؛ وإنما هي من حديث أبي هريرة. ["نتائج الأفكار" 275/1] .

177- وَرُوِّينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا دخل المسجد يقول: "أعُوذُ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم 1، من الشيطان الرجيم" قال: "فإذَا قَال ذلكَ قالَ الشيطانُ: حُفِظَ مِنِّي سائِرَ اليَوْمِ" حديث حسن، رواه أبو داود [رقم: 466] بإسناد جيد. 178- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 87] ، عن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل المسجد، قال: "بِاسْمِ الله، اللهم صلى على مُحَمَّدٍ" وَإذَا خَرَجَ، قَالَ: "بِاسْمِ الله، اللهم صلى على مُحَمَّدٍ". 179- وروينا فيه [رقم: 88] الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد والخروج منه من رواية ابن عمر رضي الله عنهما أيضاً2. 180- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 86] ، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه، عن جدته، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل المسجد حمد الله تعالى، وسمَّى، وقال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، وافْتَحْ لِي أبْوابَ رَحْمَتِكَ"، وَإذَا خَرَجَ قالَ مِثْلَ ذلكَ، وقالَ: "اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أبْوَابَ فَضْلِكَ". 181- وروينا فيه [رقم: 154] ، عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أنَّ أحدَكُمْ إذَا أرَاد أن يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ تَدَاعَتْ جُنُودِ إِبلِيسَ، وَأجْلَبَتْ، واجْتَمَعَتْ كما تجتمع النخل على يَعْسُوبِها، فإذَا قامَ أحَدُكُمْ على بابِ المَسْجِدِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ إِبْليسَ وجُنُودِهِ؛ فإنَّهُ إذَا قَالَها لَمْ يَضُرَّهُ". اليعسوب: ذَكَر النحل، [المقصود: مَلِكَةُ النحل] ، وقيل: أميرها. __________ 1 قال ابن علاّن: في نسخة: "وبسلطانه" بإعادة الجار القديم. اهـ. 2 أخرجه ابن السني والطبراني بسند ضعيف، ولفظه: قال: علم النبيّ صلى الله عليه وسلم الحسنَ بن عليّ إذا دخل المسجد أن يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: "اللهم اغفر ذنوبنا وافتح لنا أبواب رحمتك" وإذا خرج مثل ذلك، لكن يقول: "افتح لنا أبواب فضلك". ["نتائج الأفكار" 279/1] .

 41- باب ما يقولُ في المسجد:

182- يُستحبُّ الإِكثارُ فيه من ذكر الله تعالى، بالتسبيح، والتهليل، والتحميد، والتكبير، وغيرها من الأذكار، ويُستحبّ الإِكثارُ من قراءة القرآن؛ ومن المستحبّ فيه قراءةُ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلم الفقه، وسائر العلوم الشرعية، قال الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ، رِجَالٌ} [النور: 36، 37] الآية، وقال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] ، وقال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30] . 183- وروينا عن بريدة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إنَّما بُنِيَت المَساجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ" رواه مسلم في "صحيحه" [رقم: 569] . 184- وعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال للأعرابيّ1 الذي بال في المسجد: "إنَّ هَذِه المَساجدَ لا تَصْلُحُ لشيءٍ مِنْ هَذَا البَولِ، وَلا القَذَرِ؛ إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ تعالى؛ والصلاة، وَقَرَاءَةِ القُرآنِ" أو كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم في "صحيحه" [رقم: 285] . __________ 1 ذكر أبو موسى المديني في "الذيل على الصحابة" أن اسم هذا الأعرابي ذو الخويصرة اليماني، وهو غير ذو الخويصرة التميمي رأس الخوارج. ["نتائج الأفكار" 289/1] .

فضل في نية الاعتكاف وتحية المسجد

 42- فصل [في نية الاعتكاف وتحية المسجد]

185- وينبغي للجالس في المسجد أن ينوي الاعتكاف، فإنه يصحّ اعتكافه عندنان ولو لم يمكث إلا لحظة؛ بل قال بعض أصحابنا: يصحّ اعتكاف من دخل المسجد مارّاً ولم يمكث، فينبغي للمارّ أيضاً أن ينوي الاعتكاف ليُحَصِّلَ فضيلتَه عند هذا القائل، والأفضل أن يقف لحظة، ثم يمرّ، وينبغي للجالس فيه أن يأمر بما يراه من المعروف، وينهي عمّا يراه من المنكر؛ وهذا وإن كان الإِنسان مأموراً به في غير المسجد، إلا أنه يتأكد القولُ به في المسجد صيانةً له وإعظاماً، وإجلالاً، واحتراماً. 186- قال بعض أصحابنا: من دخل المسجد، فلم يتمكن من صلاة تحية المسجد: إما لحدث، وإما لشغل، أو نحوه؛ يستحب له أن يقول أربع مرات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، واللَّه أكبرُ؛ فقد قال به بعض السلف، وهذا لا بأس به؛ والله أعلمُ.

 43- باب إنكاره ودعائه على من يَنشُدُ ضالّةً في المسجد، أو يبيعُ فيه:

187- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: 568] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً في المَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها الله عَلَيْكَ، فإِنَّ المَساجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا". 188- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 569] أيضاً، عن بُريدة رضي الله عنه؛ أن رجلاً نشدَ في المسجد، فقال: مَن دَعا إليَّ الجمل الأحمر؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "لا وَجَدْتَ! إنَّمَا بُنِيَت المساجدُ لِمَا بُنِيَتْ له". 189- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 1321] في آخر كتاب البيوع منه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا رأيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أوْ يَبْتَاعُ في المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجارَتَكَ! وَإذَا رَأيْتُمُ مَنْ ينشدُ فيهِ ضَالَّةً، فَقُولُوا: لا رَدَّها اللَّهُ عَلَيْكَ". قال الترمذي: حديث حسن.

 44- باب دعائه على من ينشد في المسجد شعراً ليس فيه مدحٌ للإِسلام، ولا تزهيدٌ، ولا حثٌّ على مكارمِ الأخلاق، ونحو ذلك:

190- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 152] ، عن ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رأيْتُمُوهُ يُنْشِدُ شِعْراً في المَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: فَضَّ الله فَاكَ! ثلاث مرات" 1. __________ 1 أخرجه من طريق يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبيه، عن جده. قال الحافظ: وثوبان المذكور ليس هو المشهور مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل هُو آخرُ لا يعرفُ إلا في هذا الإسناد، ولا روى عن عبد الرحمن بن ثوبان إلا ابنُه محمد، وهو في عدادِ المجهولين. ["نتائج الأفكار" 297/1] . وذكر في "الإصابة" أربعة من الصحابة، كل منهم يسمى ثوبان: الأول: مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهور. والثاني: ثوبان الأنصاري، جد محمد بن عبد الرحمن صاحب هذا الحديث. والثالث: ثوبان الأنصاري، جد عُمر بن الحكم بن ثوبان، روى له ابن أبي عاصم؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نقرة الغراب، وافتراش السبع. والرابع: ثوبان العنسي، روى له ابن عساكر، من طريق ابنه ثابت عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بطعام، فقال: "يؤم الناس في الطعام الإمام، أو رب الطعام، أو خيرهم". قال: وذكر المرزباني في "معجم الشعراء": ثوبان بن فزارة العامري مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم. قال: وقد صحفه، والصواب ثروان براءٍ ثم واو.

 كتاب أذكار الأذان والإقامة

 45- بابُ فضيلةِ الأذان:

191- روَينا عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسو ل الله -صلى الله عليه وسلم: "لو يَعْلَمُ النَّاسُ ما فِي النِّدَاءِ وَالصَّفّ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلاَّ أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ، لاسْتَهَمُوا". رواه البخاري [رقم: 615] ومسلم [رقم: 437] في "صحيحيهما". 192- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أدْبَرَ الشَّيْطانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حتَّى لا يَسْمَعَ التَّأذِينَ" رواه البخاري [رقم: 608] ومسلم [رقم: 389] . 193- وعن معاوية رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "المُؤَذّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعناقاً يوم القيامة" رواه مسلم [رقم: 387] . 194- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذّنِ جن ولا إنس ولا شيءٌ إِلاَّ شَهدَ لَهُ يَوْمَ القيامة" رواه البخاري1 [رقم: 609] . __________ 1 قال الزركشي في تخريج أحاديث "الشرح الكبير": وقع في الرافعي، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي سعيد: "إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا دخل وقت الصلاة، فأذن وارفع صوتك، فإنه لا يسمع صوتك حجرٌ ولا مدرٌ إلا شهد لك يوم القيامة" هكذا ذكر أنه صلى الله عليه وسلم هو القائل لأبي سعيد هذا الكلام، وليس كذلك، بل قال هذا أبو سعيد لابن أبي صعصعة. هكذا أخرجه البخاري في "صحيحه"، والنسائي، عن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة؛ أن أبا سعيد قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت للصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذّنِ جنّ ولا إنس إِلاَّ شَهدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم. وقال الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الشرح": تبع الرافعي في هذا السياق الغزالي، والإمام، والقاضي حسين، والماوردي، وابن داود في شرح المختصر، وهو =

والأحاديث في فضيلة الأذان كثيرة. 195- واختلف أصحابنا في الأذان والإمامة، أيّهما أفضل؟ على أربعة أوجه: الأصحّ: أن الأذان أفضل، والثاني: الإمامةُ، والثالثُ: هما سواءٌ، والرابع: إن علم من نفس القيام بحقوق الإِمامة، واستجمع خصالها؛ فهي أفضل، وإلا فالأذان أفضل. __________ = مغاير لما في صحيح البخاري والموطأ [رقم: 153] وغيرهما من كتب الحديث ... [كالنسائي، رقم 644؛ ابن ماجه، رقم: 723؛ أحمد، رقم: 10648، 10912، 11000] وساق ما تقدم. قال: وكذا رواه الشافعي عن مالك، وتعقبه الشيخ محيي الدين، وبالغ كعادته، وأجاب ابن الرفعة عن هؤلاء الأئمة الذين أوردوه مغيرًا؛ بأنهم لعلهم فهموا أن قول أبي سعيد: سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عائدٌ إلى كل ما ذكره، ويكون تقديره: سمعتُ كل ما ذكرتُ لك من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فحينئذ يصح ما أوردوه باعتبار المعنى لا بصورة اللفظ. ولا يخفى ما في هذا الجواب من الكلفة. [راجع "نتائج الأفكار" 311/1، 312] .

 46- بابُ صِفَةِ الأَذان:

196- اعلم أن ألفاظه مشهورةٌ، والترجيعُ عندنا سنةٌ، وهو أنهُ إذا قال بعالي صوته: اللَّهُ أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبرُ، قال سِرّاً بحيثُ يُسمع نفسَه، ومَن بقربه: أشهدُ أنْ لا إله إله إلاّ الله، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، أشهد أن محمدا رسولُ الله، أشهدُ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ؛ ثم يعودُ إلى الجهر وإعلاء الصوت، فيقول: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، أشهد أن محمدا رسولُ اللهِ، أشهدُ أن محمدا رسول الله. 197- والتثويبُ أيضاً مسنون عندنا، وهو أن يقول في أذان الصبح خاصة بعد فراغه من حيّ على الفلاح: الصلاةُ خيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم. وقد جاءت الأحاديثُ بالترجيع والتثويب، وهي مشهورة.

198- واعلم أنَّه لو تَرَكَ الترجيعَ والتثويبَ صحّ أذانهُ، وكان تاركاً للأفضل. 199- ولا يصحّ أذان مَن لا يُميِّزُ، ولا المرأة، ولا الكافر. ويصحّ أذان الصبيّ المميز. 200- وإذا أذّن الكافر، وأتى بالشهادتين كان ذلك إسلاماً على المذهب الصحيح المختار. وقال بعض أصحابنا: لا يكون إسلاماً؛ ولا خلاف أنه لا يصحّ أذانه؛ لأن أوّله كان قبل الحكم بإسلامه. وفي الباب فروع كثيرة مقرّرة في كتب الفقه، ليس هذا موضع إيرادها.

بابُ صِفَةِ الإِقامة فصل في حكم الأذان والإقامة

  47- بابُ صِفَةِ الإِقامة:

201- المذهب الصحيح المختار الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة أن الإِقامة إحدى عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، أشهدُ أن محمدا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.

  48- فصل [في حكم الأذان والإقامة]

202- واعلم أنَّ الأذانَ والإِقامةَ سنّتان عندنا على المذهب الصحيح المختار، سواءٌ في ذلك أذان الجمعة وغيرها. وقال بعض أصحابنا: هما فرض كفاية. وقال بعضهم: هما فرضُ كفاية في الجمعة دون غيرها. فإن قلنا: فرض كفاية، فلو تركه1 أهل البلد أو محلةٍ قُوتلوا على تركه. وإن قلنا: سنّة، لم يُقاتلوا على المذهب الصحيح المختار، كما لا يُقاتَلون على سنّة الظهر وشبهها. وقال بعض أصحابنا: يُقاتَلون، لأنه شعارٌ ظاهرٌ. __________ 1 في نسخة: "فتركه" بدلًا من: "فلو تركه".

 49- فصل [في آداب الأذان والإقامة]

203- ويُستحبُّ ترتيل الأذان، ورفع الصوت به، ويستحب إدارج الإقامة، ويكون صوتها أخفض من الأذان؛ ويستحبّ أن يكون المؤذنُ حسن الصوت، ثقةً، مأموناً، خبيراً بالوقت، متبرعاً؛ ويستحبّ أن يؤذّن، ويقيم قائماً على طهارة، وموضع عالٍ، مستقبل القبلة، فلو أذّن أو أقام مستدبر القبلة، أو قاعداً، أو مضطجعًا؛ ومحدثًا، أو جُنباً؛ صحّ أذانه وكان مكروهاً، والكراهة في الجُنب أشدّ من المحدث، وكراهة الإِقامة أشد.

 50- فصل [أنه لا يُشرع الأذان إلا للصلوات المكتوبات]

204- لا يُشرع الأذان إلا للصلوات الخمس: الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء؛ وسواءٌ فيها الحاضرة والفائتة، وسواء الحاضر والمسافر، وسواءٌ من صلَّى وحدهُ أو في جماعةٍ، وإذا أذّن واحدٌ كفى عن الباقين. وإذا قضى فوائت في وقت واحد أذّن للأولى وحدها، وأقام لكلّ صلاةٍ. وإذا جمع بين الصلاتين أذّن للأولى وحدها، وأقام لكل واحدةٍ. وأما غير الصلوات الخمس، فلا يؤذّن لشيء منها بلا خلاف. 205- ثم منها ما يستحبّ أن يقال عند إرادة صلاتها في جماعة: الصلاة جامعة؛ مثل العيد، والكسوف، والاستسقاء؛ ومنها ما لا يستحب ذلك فيه، كسنن الصلوات، والنوافل المطلقة؛ ومنها ما اختلف فيه، كصلاة التراويح، والجنازة، والأصحّ أنه يأتي به في التراويح دون الجنازة.

 51- فصل [في وقت الإقامة والأذان]

206- ولا تصحّ الإِقامة إلا في الوقت، وعند إرادة الدخول في الصلاة، ولا يصحّ الأذان إلا بعد دخولِ وقت الصلاة، إلا الصبح، فإنه يجوز الأذان لها قبل دخول الوقت، واختُلف في الوقت الذي يجوز فيه، والأصحّ أنه يجوز بعد نصف الليل، وقيل: عند السَّحَر؛ وقيل: في جميع الليل، وليس بشيء، وقيل: بعد ثلثي الليل، والمختار الأول.

 52- فصل [في حكم أذان المرأة وإقامتها]

207- وتقيم المرأة والخنثى المشكل، ولا يؤذّنان؛ لأنهما منهيّان عن رفع الصوت.

 53- بابُ ما يقولُ مَنْ سمعَ المؤذّنَ والمقيمَ:

208- يُستحبّ أن يقول من سمع المؤذّن والمقيم مثل قوله، إلا في قوله: "حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح" فإنه يقول في دُبُرِ كُلّ لفظة منهما: "لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ". 209- ويقول في قوله: "الصلاة خير من النوم": صدقتَ وبررتَ؛ وقيل: يقول: صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاةُ خيرٌ من النوم. 210- ويقول في كلمتي1 الإِقامة: أقامها الله وأدامها؛ ويقول عقيب قوله: "أشهدُ أنَّ محمداً رسولُ الله": وأنا أشهد أن محمداً رسول الله؛ ثم يقول: رضيتُ بالله ربّاً، وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولا، وبالإِسلام ديناً. 211- فإذا فَرغَ من المتابعة في جميع الأذان صلَّى وسلَّم على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: اللَّهُمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته. [البخاري، رقم: 614] . 212- ثم يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا. 213- وروينا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال __________ 1 في نسخة: "كلمة".

رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذَا سَمِعْتُمُ النِّداءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ المُؤَذّنُ". رواه البخاري [رقم: 611] ، ومسلم [رقم: 383] في "صحيحيهما". 214- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عَليَّ، فإنَّهُ مَنْ صَلَّى عَليَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا الله لِي الوَسِيلَةَ، فإنها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبادِ الله، وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا هُوَ، فَمَنْ سألَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفاعَةُ". رواه مسلم في "صحيحه" [رقم: 384، وسيرد برقم: 634] . 215- وعن عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذَا قالَ المُؤَذّنُ: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، فَقالَ أحَدُكُمْ: اللهُ أكبر الله أكبرُ، ثم قال: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، قال: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، ثُمَّ قالَ: أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، قالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الفَلاح، قالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللهُ أكبرُ، قالَ: اللَّهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، ثمَّ قالَ: لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ، قالَ: لا إِلهَ إِلاَّ الله؛ مِنْ قَلْبه دَخَلَ الجنَّة". رواه مسلم في "صحيحه" [رقم: 385] . 216- وعن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذّنَ: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ باللَّهِ رَبّاً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولا، وبالإسلام دِيناً؛ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ". وفي رواية: "مَنْ قَالَ حِينَ يسمعُ المُؤَذّنَ:" وأنا أشهدُ" رواه مُسلمٌ في "صحيحه" [رقم: 386] .

217- وروينا في "سنن أبي دواد" [رقم: 526] ، عن عائشة رضي الله عنها، بإسناد صحيح، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سمع المؤذّن يتشهد، قال: "وأنا، وأنا". 218- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قال حين يسمع النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبِّ هَذهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابْعَثْهُ مَقاماً محموداً الذي وعدتهُ؛ حَلَّتْ لَهُ شَفاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ". رواه البخاري في "صحيحه" [رقم: 614] . 219- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 90] ، عن معاوية رضي الله عنهُ، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سمع المؤذّن يقولُ: حيّ على الفلاح، قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مُفْلِحِين". 220- وروينا في "سنن أبي دواد" [رقم: 528] ، عن رجل، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي أمامة الباهلي، أو عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ بلالاً أخذ في الإقامة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم: "أقامَها اللَّهُ وأدَامَها"، وقال في سائر ألفاظ الإِقامة، كنحو حديث عمر في الأذان. [مر برقم: 215] . 221- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 103] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه كان إذا سمع المؤذّن يُقيم، يقول: اللهمّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صلِّ على محمَّد، وآته سؤلَه يومَ القيامة. 54- فصل [في حكم إجابة المؤذن في حالات خاصة] : 222- إذا سمع المؤذنَ أو المقيم، وهو يصلي لم يجبه في الصلاة، فإذا سلَّم منها، أجابه كما يجيبه مَن لا يُصلي، فلو أجابه في الصلاة كُرِه ولم تبطلْ صلاتُه، وهكذا إذا سمعهُ وهو على الخلاء لا يُجيبه في الحال، فإذا خرج أجابه، فأما إذا كان يقرأ القرآن أو يسبّح أو يقرأ حديثاً أو عِلْمَاً آخر أو غير ذلك، فإنه يقطع جميع هذا، ويجيب المؤذِّنَ، ثم يعود إلى ما كان فيه؛ لأن الإِجابة تفوت، وما هو فيه لا يفوت غالباً، وحيثُ لم يتابعهُ حتى فرغ المؤذنُ يستحب له أن يتدارك المتابعة ما لم يطل الفصل. والله أعلمُ.

بابُ الدُّعاء بعد الأذان: 223- روينا عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا يُرَدُّ الدُّعاءُ بَينَ الأذَانِ والإِقامَةِ" رواه أبو داود [رقم: 521] ، والترمذي [رقم: 212] ، والنسائي [رقم: 67 في "عمل اليوم والليلة"، وفي "الكبرى" كما قال ابن حجر 364/1] ، وابن السني [رقم: 100] ، وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسنٌ صحيح1، وزاد الترمذي في روايته في كتاب الدعوات من "جامعه" [رقم: 3594] : قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: "سَلُوا اللهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ". 224- وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! إن المؤذّنين يفضُلُوننا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "قُل كما يَقُولونَ، فإذَا انْتَهَيْتَ، فَسَلْ تعطهُ". رواه أبو داود [رقم: 524] ولم يضعفه. 225- وروينا في "سنن أبي داود" أيضاً [رقم: 2540] ، في كتاب الجهاد، بإسناد صحيح، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ثنتان لا تُرَدَّانِ، -أوْ قَلَّما تُرَدَّانِ 2: الدُعاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ البأْسِ حِينَ يُلْحِمُ3 بعضهم بعضًا". [سيرد برقم: 1082] . قلت: في بعض النسخ المعتمدة: "يلحمُ" بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهرٌ. والله أعلم. __________ 1 قال ابن حجر في "نتائج الأفكار" 364/1: وقد نقل المصنف أن الترمذي صححه، ولم أر ذلك في شيء من النسخ التي وقفت عليها، ومنها بخط الحافظ أبي على الصدفي [في المطبوع: الصيرفي] ، ومنها بخط أبي الفتح الكروخي. اهـ. واقتصر النووي نفسه في "رياض الصالحين" رقم: 1042 على الحسن. 2 وحدت في بعض نسخ "الأذكار"، وكذلك في بعض نسخ "سنن أبي داود": "قالَ ما تُرَدَّانِ" بدلاً من "قلما تردان". 3 وتضبط أيضًا: "يُلْحِمُ".

 باب ما يقولُ بعدَ ركعتي سنّة الصبح:

226- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 101] ، عن أبي المُلَيْح، واسمه عامر بن أُسامة، عن أبيه رضي الله عنه، أنه صلّى ركعتيّ الفجر، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى قريباً منه ركعتين خفيفتين، ثم سمعهُ يقولُ وهو جالس: "اللَّهُمَّ رَبّ جِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمِيكائِيلَ ومحمدٍ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أعُوذُ بِكَ مِنَ الن ار 1 "، ثلاثَ مرّاتٍ. 227- وروينا فيه [رقم: 82] ، عن أنس، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "من قال صبيحة يوم الجمعة قبل صَلاةِ الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتوب إليه؛ ثلاث مرات، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ". [سيرد برقم: 468 و890] . والله أعلم. __________ 1 رواه الطبراني في الكبير ["مجمع الزوائد" رقم: 3311، 464/2؛ و"الجامع الكبير" 196/1 بلفظ: "اللَّهُمَّ رَبّ جِبْرِيلَ وميكائيل وإسرافيل" بتقديم ميكائيل على إسرافيل.

بابُ ما يقولُ إذا انتهى إلى الصَّفّ: 228- روَينا عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن رجلاً جاءَ إلى الصلاةِ ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهمّ آتني أفضل ما تُؤتي عبادك الصالحين؛ فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاة، قال: "مَنِ المُتَكَلِّمُ آنِفاً"؟ قَالَ: أنا يا رَسُولَ الله! قال: "إذَنْ يُعْقَر جَوَادُكَ، وَتَسْتَشْهِد في سَبِيلِ الله تَعَالى". رواه النسائي [في "عمل اليوم والليلة"، رقم: 93] ، وابن السني [رقم: 104] ، ورواه البخاري في "تاريخ" [222/1] في ترجمة محمد بن مسلم بن عائذ.

 باب ما يقولُ عند إرادته القيامَ إلى الصَّلاة:

229- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 105] ، عن أُمّ رافعٍ -رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله! دُلَّني على عملٍ يأجرُني الله عزّ وجلّ عليه، قال: "يا أم رافع! إذَا قُمْتِ إلى الصَّلاةِ فَسَبِّحِي اللَّهَ تَعَالى عَشْراً، وَهَلِّلِيهِ عَشْراً، واحْمَدِيهِ عَشْراً، وكَبِّرِيهِ عَشْراً، وَاسْتَغْفِرِيهِ عَشْراً؛ فإنَّكِ إذَا سَبَّحْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا هَلَّلْتِ قالَ: هَذَا لِي، وَإذَا حَمِدْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا كَبَّرْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا اسْتَغْفَرْتِ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ" 1. __________ 1 قال الحافظ في أماليه: أطلق في الحديث موضع القول، والشيخ حملهُ على الإرادة. ووقع لنا من وجه آخر ما يدل على أنه داخل الصلاة، فأخرجه ابنُ منده في "المعرفة" عن أُمّ رافعٍ؛ أنها قالت: يا رسول الله! أخبرني بشيء أفتتح به صلاتي، فذلك الحديث نحوه. وأخرجه الترمذي [رقم: 481] ، وصححه، عن أنس؛ أن أم سليم، قالت: يا رسول الله! علمني كلماتٍ أقولُهُنَّ في صلاتي. فذكر نحوه. وأخرجه أبو يعلى من وجهٍ آخر عن أنسٍ بلفظ: "إذا صليت المكتوبة". ["نتائج الأفكار" 381/1] . رسالة الحافظ ابن حجر العسقلاني في حديث أم رافع: وقال الحافظ أيضًا في رسالة له: الحمدُ لله وكفى، وسلامٌ على عبادهِ الذين اصطفى. أما بعد؛ فقد سئلتُ عن ما أحدثهُ بعضُ المشايخ في مسجده من الاجتماع على ذكر الباقيات الصالحات، وهي: سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله والله أكبر؛ عشرًا عشرًا. عند إرادة إقامة الصلاة، بحيث يشرع المؤذن في الإقامة عند انتهائه. فهل لهذا الذي أحدثه الشيخ أصل من السنة في هذا المحل أم لا؟. وهل يعد ذلك من البدع الحسنة التي يثابُ فاعلها أم لا؟. =

.............................................. __________ = فأجبت وبالله التوفيق: بلغني أنه تمسك بما وقع في كتاب "الأذكار" لشيخ الإسلام النووي -نفع الله تعالى به- فإنه قال ما نصه: باب ما يقول عند إرادته القيام إلى الصلاة. روينا في كتاب ابن السني [رقم: 105] ، عن أم رافع رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله! دُلّني على عمل يأجرني الله عليه. قال: "يا أم رافع! إذا قمت إلى الصلاة، فسبحي الله تعالى عشرًا، وهلليه عشرًا، وأحمديه عشرًا، وكبريه عشرًا، واستغفريه عشرًا؛ فإنك إذا سبحت قال: هذا لي، وإذا هللت قال: هذا لي، وإذا كبرت قال: هذا لي، وإذا استغفرت قال: قد فعلت". انتهى كلامه. فكأنه فهم من قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قمت للصلاة" إذا أردت القيام إلى الصلاة، وهو محتمل. ويحتمل أيضًا أن المراد أن يقال ذلك بعد الدخول في الصلاة. وقد عينه بعض أهل العلم في دعاء الافتتاح، وعينه آخر في صلاة مخصوصة، وهي صلاة التسبيح؛ فقد جاء التصريح بقول نحو ذلك في الأذكار كلها إلا التشهد. وعينه آخر في التشهد؛ إذا انتهى التشهد أتى بالذكر المأثور وبما شاء، ثم سلم. فاقتضى اختلافهم النظر في الأقوى من ذلك، وذلك يحصل إن شاء الله تعالى بجمع طرق هذا الحديث، وبيان اختلاف ألفاظه، فإنها ترشدُ الناظر إلى أقوى الاحتمالات التي تنشأ عن الفكر قبل النظر فيها، وذلك يستدعِي ذكر ثلاثة فصول، تشتمل على مقدمة، ونتيجة، وخاتمة. فالمقدمة في الكلام على حال الحديث فيما يرجعُ إلى الصحةِ وغيرها، والنتيجة فيما يستفاد منه للعمل، وهو المقصودُ بالسؤال، والخاتمة في التنبيه على الراجح من ذلك. الفصل الأول: المقدمة هذا الحديث أخرجه الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الدينوري، المعروف بابن السني، في كتاب "عمل اليوم والليلة" له، [رقم: 105] فقال: باب ما يقول إذا قام إلى الصلاة. فلم يتصرف في لفظ الخبر كما تصرف الشيخ محيي الدين، ثم ساق من طريق علي بن عياش، عن عطاف بن خالد، عن زيد بن أسلم، عن أم رافع؛ أنها قالت ... فذكره، وقال في آخره: "قد غفرت لك" بدل: "قد فعلت". فلعل النسخ اختلفت. وفي هذا السند علتان: إحداهما: أن بَيْنَ زيد بن أسلم وأم رافع واسطة؛ كما سأبينه، فهو منقطع. والثانية: أن عطاف بن خالد مختلف في توثيقه وتجريحه. وأما سائر رواته فهم من =

....................... __________ = رجال الصحيح. وعطاف: بفتح العين المهملة، وتشديد الطاء المهملة أيضًا، وآخره فاء، هو مخزومي مدني. قال فيه مالك -وهو ممن عاصره- لما بلغه أنه يحدث: ليس هو من أهل الثقة. وهذه العبارة يؤخذ منها؛ أنه يروى حديثه ولا يحتاج به؛ لما لا يخفى من الكتابة المذكورة. وحاصل نظر أهل النقد فيه؛ أنه يكتب حديثه، ولا يحتج بما ينفرد به. وقد خولف في سند هذا الحديث، وفي سياق متنه. أما السند، فأخرجه أبو عبد الله ابن مَنْدَه في كتاب "معرفة الصحابة" من طريق هاشم بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبيد الله -بالتصغير- بن وهب، عن أم رافع. فزاد فيه رجلًا، ولا بد منه. وأما المتن؛ فوقع في رواية هشام أيضًا أن أم رافع قالت: يا رسول الله! أخبرني بشيء أفتتح به صلاتي. قال: "إذا قمت إلى الصلاة فقولي: الله أكبر عشرًا، فإنك كلما قلت قال الله عز وجل: هذا لي. ثم قولي: سبحان الله وبحمده عشرًا، فإنك إذا قلت، قال الله: هذا لي. واحمدي الله عشرًا، فإنك إذا قلت، قال الله: هذا لي. واستغفري الله عشرًا، فإنك إذا قلت ذلك، قال الله: قد غفرت لك": فزاد في المتن ألفاظًا: منها مطابقة الجواب لسؤالها، ومنها الترتيب في الكلمات المذكورة، ومنها زيادة "وبحمده". وقد وجدناه من رواية راوٍ ثالث، وهو بكير بن مسمار، فأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" [ج24، رقم: 766] من طريقه، عن زيد بن أسلم، فوافق عطافًا في حذف الواسطة، واختصر المتن، ولفظه: أنها قالت: يا رسول الله! أخبرني بكلمات ولا تكثر علي، فقال: "قولي: الله أكبر عشر مرار، يقول الله: هذا لي. وقولي: سبحان الله عشر مرار، يقول الله: هذا لي. وقولي: اللهم اغفر لي، يقول: قد فعلت، فتقولين عشر مرار، ويقول: قد فعلت". هكذا اقتصر فيه على التكبير والتسبيح فقط، وأطلق محل القول. وبكير وهشام من رجال مسلم. والذي يقتضيه النظر ترجيح رواية هاشم؛ لما اشتملت عليه روايته من تحرير سياق في السند والمتن معًا. وقد جاء نحو هذه القصة، عن أم سليم الأنصارية، وهي والدةُ أنس بن مالك: أخرجه الترمذي [رقم: 481] من رواية عبد الله بن المبارك، عن عكرمة بن عمار، حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك؛ أن أم سليم عدت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله! علمني كلمات أقولهن في صلاتي. فقال: "كبري الله عشرًا، وسبحي الله عشرًا، واحمديه عشرًا، ثم سلي الله حاجتك، يقول: نعم، نعم". =

....................... __________ وأخرجه النسائي [رقم: 1299] ، من طريق وكيع، عن عكرمة بن عمار، ولفظه: علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي. قال: "سبحي الله عشرًا، واحمديه عشرًا، وكبريه عشرًا، ثم سلي حاجتك، يقول: نعم نعم". وقد أخرجه الحاكم [317/1] في صحيحه "المستدرك"، من طريق عبد الله بن المبارك، وقال: على شرط مسلم. وقد عين ابن خزيمة محل هذا الذكر المصخصوص في افتتاح الصلاة، لكن بغير هذا العدد، فأخرج في دعاء الافتتاح حديث جبير بن مطعم؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال: "الله أكبر كبيرًا؛ ثلاث مرات، والحمد لله كثيرًا، ثلاث مرات، وسبحان الله بكرة وأصيلاً؛ ثلاث مرات". قلت: وأخرجه أبو داود [رقم: 764] وابن حبان في "صحيحه"، ولفظ ابن حبان؛ أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة، فقال: "الله أكبر كبيرًا؛ ثلاثًا، الحمد لله كثيرًا؛ ثلاثًا، سبحان الله بكرة وأصيلاً؛ ثلاثًا، أعوذ بالله ... " الحديث. (ولفظ ابي داود: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل الصلاة قال: "الله أكبر كبيرًا، ثلاثًا ... " الحديث) . وقد جاء نحو ذلك في هذا المحل من غير تقييد بعدد، وذلك فيماأخرجه مسلم في "صحيحه" [رقم: 601] ، والنسائي [رقم: 885] والطبراني، من طريق عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عمر، قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من القائل كلمة كذا وكذا"؟، فقال الرجل: أنا. فقال: "لقد رأيت أبواب السماء فتحت لها". وفي الباب عن عبد الله ابن أبي أوفى عند أحمد [4/ 355] والطبراني بسند حسن، ولفظه نحو حديث ابن عمر، لكن في آخره، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من هذا العالي الصوت؟ "، فقالوا: هو هذا. فقال: "لقد رأيت كلامه يصعد في السماء حتى فتح له باب، فدخل فيه". وعن وائل بن حجر، أخرجه مسدد في "مسنده"، والطبراني نحو حديث ابن عمر، لكن قال في آخره: فقال: "من صاحب الكلمات؟ "، قال الرجل: أنا، وما أردت إلا خيرًا. قال: "لقد رأيت أبواب السماء فتحت لما تناهت دون العرش". ويؤيد مشروعية هذا الذكر في دعاء الافتتاح حديث عائشة؛ فإنه ورد مقيدًا بالعدد الذي ورد في حديثي أم رافع وأم سليم. وذلك فيما أخرجه أبو داود [رقم: 766] والنسائي [رقم: 1617] وابن ماجه [رقم: 1356] ، وجعفر الفريابي، من طريق معاوية بن صالح، عن أزهر بن سعيد، عن عاصم بن حميد، قال: سألت عائشة: بم كان يستفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل؟ =

....................... __________ = قالت: كان إذا قام من الليل استفتح الصلاة، وكبر عشرًا، وسبح عشرًا، وحمد عشرًا، وقال: "اللهم اغفر لي واهدني" عشرًا، ثم يتعوذ. هذا لفظ جعفر. وفي رواية أبي داود: إذا قام كبر عشرًا، وحمد عشرًا، وهلل واستغفر عشرًا، وقال: "اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني" ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة. وفي رواية ابن حبان في "صحيحه"، أن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة، فقالت: كان يستفتح إذا قام من الليل يصلي، يكبر عشرًا، ثم يسبح عشرًا، ثم يحمدُ عشرًا، ويهلل عشرًا، ويستغفر عشرًا ... الحديث. قال أبو داود [رقم: 766] بعد تخريجه: رواه خالد بن معدان، عن ربيعة الجرشي، قلت: ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول إذا قام يُصلي من الليل؟ أو بم كان يستفتح؟ فقال: كان يُكبر عشرًا ... الحديث. وأخرجه أبو داود [رقم: 767] والنسائي [رقم: 1625] ، من وجه آخر، عن عائشة، وأوله: سألتها: ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفتتح الصلاة إذا قام من الليل ... ؟ الحديث. فهذه الأحاديث عمدة من جعل محل الذكر المذكور عند دعاء الافتتاح وقبل القراءة. وأما ما ذهب إليه الترمذي [رقم: 481] ، حيث أدخل حديث أنس في قصة أم سليم، في باب صلاة التسبيح، فقد تعقبه شيخنا [عبد الرحيم بن الحسين العراقي] ، في "شرح الترمذي" فقال: فيه نظرٌ، فإن المعروف أنه ورد في الذكر في الدعاء، كلاهما من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن حسين بن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، قال: صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيتنا تطوعًا، فقال: "يا أم سليم! إذا صَلَّيتِ المكتوبة، فقولي: سبحان الله عشرًا، والحمدُ لله عشرًا، ولا إله إلا الله والله أكبر عشرًا؛ ثم سلي ما شئت، فإنه يقول لك: نعم". هذا لفظ الطبراني. وفي رواية أبي يعلى ["المسند"، رقم: 4292؛ "مجمع الزوائد" 101/10] : "قولي: سبحان الله عشرًا، والحمد لله عشرًا، والله أكبر عشرًا؛ فإنه يقول لك: نعم، نعم". وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه أصحاب السنن الأربعة [الترمذي، رقم: 3410 و3411؛ النسائي، رقم: 1348؛ أبو داود، رقم: 1502 و5065؛ ابن ماجه، رقم: 926] ، وصححه ابن حبان؛ من رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل، يسبح الله أحدكم في دبر كل صلاة عشرًا، ويحمدُ عشرًا، ويكبر عشرًا، فهن خمسون ومائة باللسان، وألف وخمس مائة في الميزان"، قال: فأنا رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعدهن بيده. وعن علي رضي الله عنه؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له ولفاطمة كلماتٍ علمهن له جبريل =

...................................................... __________ = عليه السلام: "تسبحان في دُبُرِ كُلّ صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا" أخرجه أحمد [106/1] بسند حسن. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، في قصة فقراء المهاجرين مع أهل الدثور، ففي بعض طرقه عند البخاري [رقم: 6329] ، فقال: "تسبحون عشرًا وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا بعد كل صلاة" أورده في كتاب الدعوات من الصحيح. وفي الباب عن أم سلمة؛ أخرجه البزار، وعن أم مالكٍ؛ أخرجه الطبراني؛ وفي كل منهما أن الذكر المذكور عقب الصلاة عشرًا عشرًا. الفصل الثاني: النتيجة في بيان الراجح في محل الذكر، وإنما يُصارُ إلى الترجيح عند تعذر الجمع، والجمع في هذا ممكن؛ بأن يقال: يشرع هذا الذكر في كل محل عينه فيه إمام من الأئمة، ويؤيد ذلك اختلاف الألفاظ الواردة فيه مع الاختلاف في العدد، وكذا اختلاف الصلاة التي يقالُ فيها؛ هل يعم جميع الصوات؟ أو يخص كل صلاةٍ بخصوص؟ والثاني أولى في طريق الجمع، فنقول: - يشرعُ قول الباقياتُ الصالحات عشرًا عشرًا عند إرادة الصلاةِ في الليل، ويُضافُ إليها سؤال المغفرة، ويشرعُ أيضًا في دُعاء الافتتاح. وقد تنزلُ على حالين؛ فمن يذكرها قبل الدخول في الصلاة قالها خارجها، ومن نسيها استدركها بين دُعاء الافتتاح والقراءة، وهذا ينطبق على قوله: "إذا قمت إلى الصلاة" فإنه يفهم منه ما قبل الدخول على تقدير الإرادة، ويفهمُ منه ما بعد الدخول فيها. - ويشرع أيضًا في صلاة التسابيح، التي لها هيئة مخصوصة؛ وإليه جنح الترمذي. - ويشرع أيضًا عند الفراغ من التشهد والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- فيذكر الذكر المذكور، فإذا فرغ منه دعا بما ورد مأثورًا، وما كان له من طلب، ثم يسلم، وإلى هذا جنح النسائي، فإنه ترجم: باب الذكر بعد التشهد؛ وأورد حديث أنس في سؤال أم سليم المذكور، ولعله أخذه من قوله في الحديث الآخر، عن عبد الله بن عمرو وغيره في دبر كل صلاة، فإن دبر الشيء حقيقة حيثية، هو جزءٌ منهُ مؤخرٌ، ويطلقُ أيضًا على ما يلحقه ولا تخلل بينهما، فعلى الأول أليق المواضع به ما بين التشهد والسلام؛ فإنه الجزء الأخيرُ من الصلاة اتفاقًا؛ إن كان المرادُ بدُبُر الصلاة الحقيقة. وعلى الثاني فهو موافق لما ورد به الحديث الآخر، عن أبي ذر في الصحيحين، في قصة فقراء المهاجرين، وقولهم: ذهب أهل الدثور بالأجور، وفيه: "تسبحون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" فقد وقع الاتفاق على أن المراد بدبر الصلاة هنا ما بعد السلام، بخلاف =

 بابُ الدعاءِ عندَ الإِقامة:

230- روى الإِمام الشافعي رحمه الله، بإسناده في "الأُمّ" [223/1 - 224] حديثاً مرسلاً، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "اطْلُبُوا اسْتِجابَةَ الدعاء عند __________ = قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "لا تدعن دُبُرِ كُلّ صَلاةٍ أنْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ"، فإنهم اختلفوا: هل يقالُ في الجلوس الأخير قبل السلام؟ أو يقالُ بعد السلام؛ كما في حديث أهل الدثور؟ فلعلّ النسائي ممن رجح قول: "اللهم أعني.." قبل السلام. فهذا طريق الجمع بين ما وقع فيه الاختلاف في المحل. - وأما إذا احتجنا إلى الترجيح، فإنا نقول: يمكن رد الجميع إلى ما بعد السلام من الصلاة، ويكونُ قوله: "إذا قمت إلى الصلاة" أي: إذا صليتِ وفرغتِ، فقولي..، ويحمل قوله: "أفتتح به صلاتي.." أي: دُعائي إذا فرغتُ من الصلاة المكتوبة، أو غيره. ويُحمل قولهُ: "في الصلاة" أي: عقبها، ويكونُ أطلق ذلك مجازًا للمجاورة، ولا يخفى تكلفُ ذلك كله، فالأولى ما تقدم. الفصل الثالث: الخاتمة - تحرر من الذي ذكرته من طريق التجريح أنه لا مدخل لذلك في القول قبل الدخول في الصلاة أصلًا. - وتحرر من الذي ذكرته من طريق الجمع أنه يشرع قبل الصلاة، لكنه مخصوص بصلاة قيام الليل، وهو منزل على الحالتين اللتين ذكرتهما من حال المستحضر للذكر المذكور عند إرادة الدخول في صلاة الليل، ومن حال من نسي ذلك، فيستدركه في الافتتاح. هذا الذي يقتضيه النظر فيما دل عليه اختلاف ألفاظ هذا الحديث من حمل مطلقها على مقيدها، ورد مجملها إلى مبينها. وأما تنزيله منزلة الذكر المذكور والمشهور في قصة أهل الدثور، واجتماع المصلي عليه قبل الشروع في الصلاة؛ كما يجتمعون عليه بعد الفراغ من الصلاة، فلا يحفظ ذلك من صنع أحد من السلف، لا عن الصحابة الأطهار، ولا من التابعين لهم بإحسان، وهم الأئمة الأبرارُ، ولا من جاء بعدهم من فقهاء الأمصار، ولا المشايخ المقتدى بهم في الأعصار، فالأولى لمن أراد المواظبة على هذه الأذكار أن يقولها في نفسه، فأفضل الذكر ما يلحق بالسرائر. "تمت رسالة الحافظ ابن حجر".

التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزلو الغيث" 1 [وسيأتي برقم: 957 و1088] . 231- وقال الشافعي رحمه الله ["الأم" 224/1] : وقد حفظت عن غير واحد طلب الإِجابة عند نزول الغيث، وإقامة الصلاة. __________ 1 قال الحافظ: أخرجه في أواخر الاستسقاء عمن لا يتهم، عن عبد العزيز بن عثمان، عن مكحول. وهو مرسل أو معضل؛ لأن جلّ رواية مكحول عن التابعين، وله شاهد أخرجه سعيد بن منصور، عن عطاء، مثله. وهو مقطوع جيدٌ له حكم المرسل؛ لأن مثله لا يُقال من قبل الرأي. ["نتائج الأفكار" 382/1 و383] .

 كتاب أذكارِ الصّلاة

 بابُ ما يقولُه إذا دخلَ في الصَّلاة:

232- اعلم أن هذا الباب واسعٌ جداً، وجاءت فيه أحاديث صحيحة كثيرة من أنواع عديدة، وفيه فروع كثيرة في كتب الفقه، ننبّه هنا منها على أصولها ومقاصدِها دون دقائقها ونوادرها، وأحذفُ أدلّة معظمها إيثاراً للاختصار، إذ ليس هذا الكتاب موضوعاً لبيان الأدلة، إنما هو لبيان ما يُعمل به؛ والله الموفق. __________ 1 قال ابن علاّن في نسخة: "كتاب الصلاة"؛ وأما في النسخ المصححة فلا وجود لهذا التقسيم.

 باب تكبيرة الإحرام مدخل بابُ تكبيرةِ الإِحْرام

233- اعلم أن الصَّلاة لا تصحّ إلا بتكبيرة الإِحرام، فريضة كانت أو نافلة. والتكبيرةُ عند الشافعي والأكثرين جزءٌ من الصلاة، وركن من أركانها. وعند أبي حنيفة هي شرطٌ ليست من نفس الصلاة. 234- واعلم أن لفظ التكبير أن يقول: الله أكبر، أو يقول: الله الأكبر؛ فهذان جائزان عند الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، ومنع مالك الثاني، فالاحتياط أن يأتي الإِنسان بالأوّل ليخرج من الخلاف؛ ولا يجوز التكبير بغير هذين اللفظين. فلو قال: الله العظيم، أو الله المتعالي؛ أو اللهُ أعظمُ،

أو أعزّ، أو أجلّ؛ وما أشبه هذا، لم تصحّ صلاته عند الشافعي والأكثرين، وقال أبو حنيفة: تصحّ، ولو قال: أكبرُ الله، لم تصحّ على الصحيح عندنا، وقال بعض أصحابنا: تصح، كما لو قال في آخر الصلاة: عليكم السلام، فإنه يصحّ على الصحيح. 235- واعلم أنه لا يصحّ التكبير، ولا غيره من الأذكار حتى يتلفظ بلسانه بحيثُ يُسمعُ نفسَه إذا لم يكن له عارضٌ، وقد قدّمنا بيان هذا في الفصول التي في أوّل الكتاب [الفصل رقم: 5] فإن كان بلسانه خرسٌ أو عيبُ حركهُ بقدرِ ما يقدرُ عليه، وتصحُّ صلاتهُ. 236- واعلم أنه لا يصحُّ التكبير بالعجمية لمن قدر عليه بالعربية، وأما من لا يقدر فيصحّ، ويجب عليه تعلّم العربية، فإن قصَّرَ في التعلم لم تصحّ صلاته، وتجب إعادة ما صلاَّه في المدة التي قصَّرَ فيها عن التعلم. 237- واعلم أن المذهب الصحيح المختار أن تكبيرة الإِحرام لا تمدّ، ولا تمطّط، بل يقولها مدرجة مسرعة، وقيل: تمدّ، والصواب الأوّل. وأما باقي التكبيرات، فالمذهب الصحيح المختار استحباب مدّها إلى أن يصل إلى الركن الذي بعدها. وقيل: لا تمدّ، فلو مدّ ما لا يمدّ أو ترك مدّ ما يمدّ لم تبطل صلاتُه، لكن فاتته الفضيلة. 238- واعلم أن محلّ المدّ بعد اللام من "الله"، ولا يمدّ في غيره.

فصل حكم الجهر بالتكبير ومده

 62- فضل [حكم الجهر بالتكبير ومدِّه]

239- والسنّة أنَّ يجهر الإِمام بتكبيرة الإِحرام وغيرها ليسمعَه المأمومُ، ويسرّ المأموم بها بحيثُ يُسمعُ نفسَه، فإن جهر المأموم أو أسرّ الإِمام لم تفسد صلاته. 240- وليحرص على تصحيح التكبير، فلا يمدّ في غير موضعه، فإن مدّ الهمزة من الله، أو أشبع فتحة الباء من "أكبر" بحيث صارت على لفظ: "أكبار" لم تصحّ صلاته.

فصل عدد تكبيرات الصلاة وحكمها

  63- فضل [عدد تكبيرات الصلاة وحكمها]

241- اعلم أن الصلاة التي هي ركعتان شُرِع فيها إحدى عشرة تكبيرة، والتي هي ثلاث ركعات سبع عشرة تكبيرة، والتي هي أربع ركعات اثنتان وعشرون تكبيرة؛ فإن في كل ركعة خمس تكبيرات: تكبيرة1 للركوع، وأربعاً للسجدتين والرفع منهما، وتكبيرة الإِحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأوّل. 242- ثم اعلم أن جميع هذه التكبيرات سنّة، لو تركها عمداً أو سهوا لا تبطل صلاته، ولا تحرم عليه، ولا يسجد للسهو إلا تكبيرة الإِحرام، فإنها لا تنعقد الصلاة إلا بها بلا خلاف؛ والله أعلم. __________ 1 ساقطة في الأصول.

بابُ ما يقوله 1 بعد تكبيرة الإِحرام: 243- اعلم أنه قد جاءت فيه أحاديث كثيرة، يقتضي مجموعها أن يقول: "اللَّهُ أكبرُ كَبِيراً، والحمدُ لِلَّه كَثِيراً، وسبحان الله بُكْرَةً وَأصِيلاً؛ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً مُسْلِماً، وما أنا من المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ، لا شَرِيكَ لهُ، وَبِذَلِكَ أمرتُ وأنَا مِنَ المُسْلِمينَ؛ اللَّهُمَّ أنْتَ المَلكُ، لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وأنا عَبْدُكَ، ظلمتُ نَفْسِي واعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فاغْفِرْ لي ذُنُوبِي جَمِيعاً؛ فإنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، وَاهْدِني لأحْسَنِ الأخْلاقِ لا يَهْدِي لأحْسَنها إلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَها لا يصرف عني سَيِّئَها إِلاَّ أَنْتَ، لبيك __________ 1 في نسخ: "ما يقول".

وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أنا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبارَكْتَ وَتعالَيْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ". 244- ويقول: "اللَّهُمَّ باعِد بَيْني وبَيْنَ خَطايايَ كما بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ؛ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطايايَ كما يُنَقّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ؛ اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطايايَ بالثَّلْجِ والماء والبرد". [البخاري، رقم: 744؛ مسلم، رقم: 598] . فكل هذا المذكور ثابت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [راجع مسلم، رقم: 601 و771] . 245- وجاء في الباب أحاديث أُخرُ، منها: حديث عائشة رضي الله عنها: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا افتتح الصلاة قال: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعالى جَدُّكَ، وَلاَ إلهَ غَيْرُكَ" رواه الترمذي [رقم: 243] وأبو داود [رقم: 776] وابن ماجه [رقم: 806] بأسانيد ضعيفة1، وضعفهُ أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم2؛ ورواهُ أبو داود [رقم: 775] والترمذي [رقم: __________ 1 قال الحافظ: لس له عند هؤلاء الثلاثة سوى إسنادين: أخرج أحدهُما أبو داود، والآخر عند الآخرين، وقد أخرجه الحاكم [235/1] في "المستدرك"، من الطريق الأول، وقال: صحيح على شرط الشيخين. وقال العراقي في "مستخرجه" على "المستدرك": رجاله ثقات. وأخرجه من الطريق الثاني شاهدًا للأول. وأخرجه أيضًا ابن خزيمة [رقم: 470] في "صحيحه"، وله طرق أخرى عن عائشة ضعيفة، ساقها البيهقي في "الخلافيات". ["نتائج الأفكار" 397/1 و399] . 2 قال الحافظ: لم يصرح أبو داود بضعفه، وإنما أشار إلى غرابته، فقال بعد تخريجه: هذا الحديث ليس بالمشهور، ولم يروه إلا طلق بن غنام، عن عبد السلام. وأما الترمذي والبيهقي؛ فروياه من الطريق الثاني وضعفاه بحارثة بن محمد؛ وكذا الدارقطني، ولو وقعت له الطريق الأولى لكان على شرطه في الحسن. قال: وأما قوله: وغيرهم. فقد يوهم الاتفاق على تضعيفه، وليس كذلك، بل هم مختلفون. ["نتائج الأفكار" 401/1] .

242] والنسائي [رقم: 899 و 900] وابن ماجه [رقم: 804] والبيهقي [34/2] من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وضعفوه1. 246- قال البيهقي [34/2] : وروي الاستفتاح بـ"سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ ... " عن ابن مسعود مرفوعاً، وعن أنسٍ مرفوعاً؛ وكلها ضعيفة2. __________ 1 قال الحافظ: لم أر عن واحدٍ منهم التصريح بتضعيفه، وهو حديث حسن. أما أبو داود، فأخرجه من طريق جعفر بن سليمان، عن علي بن علي، عن أبي المتوكل الباجي، عن أبي سعيد، وقال: يقولون: عن علي بن علي، عن الحسن (ملاسلاً) ، الوهم فيه من جعفر. وأما الترمذي، فقال: حديثُ أبي سعيد أشهرُ شيءٍ في هذا الباب، وبه يقول أكثر أهل العلم، وقد تكلم بعضهم في سنده؛ كان يحيى بن سعيد يتكلم (في علي بن علي الرفاعي. وأما النسائي فسكت عليه؛ فاقتضى أنه لا علة له عنده، وأما ابن ماجه فلم يتكلم) عليه أصلاً كعادته. وأما البيهقي، فحاصل كلامه في "السنن الكبير" [34/2] وفي "الخلافيات"؛ أن حديث علي في "وجهت.." أرجح من هذا الحديث، لكون حديث علي مخرجًا في الصحيح، ولكن هذا وإن جاء من طرق متعددة، لكن لا يخلو سند منها من مقال، وإن أفاد مجموعها القوة. وهذا أيضًا حال كلام ابن خزيمة في "صحيحه" [رقم: 462 و463] ، وأشار إلى أن حديث أبي سعيد أرجح طرقه. وقال العقيلي [617/2] بعد أن أخرجه من طرق حارثة، في ترجمته، في الضعفاء: هذا الحديثُ روي بأسانيد حسان غير هذا، وقد وثق علي بن علي يحيى بن معين وأحمد وأبو حاتم، وسائر رواته رواة الصحيح. ["نتائج الأفكار" 401/1 - 404] . 2 قال الحافظ: عبارة البيهقي بعد حديث ابن مسعود [34/2] : "رواه ليث، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، وليس بالقوي، وروي عن حميد، عن أنسٍ مرفوعًا"، ثم ساقهُ بسنده إليه. ولم أر الكلام الأخير في كلامه. وقد أخرج الطبراني في "الدعاء" حديث ابن مسعود بسندين آخرين، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن حُميد، ومن وجه ثالث عن أنس، وأخرجه في "المعجم الكبير" [22/رقم: 155] من حديث واثلة بن الأسقع، ومن حديث الحكم بن عُمير، ومن حديث عمرو بن العاص، وأخرجه البيهقي بسند جيد عن جابر بن عبد الله، ["نتائج الأفكار" 404/1 و405] وأخرجه الدارقطني [299/2] عن عمر موقوفًا ومرفوعًا، وصححه ابن الجوزي في "التحقيق".

247- قال [36/2] : وأصحُّ ما روي فيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم رواه بإسناده عنه، أنه كَبَّر، ثم قال: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" [راجع مسلم، رقم: 399] ؛ والله أعلم. 248- وروينا في "سنن البيهقي" [33/2] ، عن الحارث، عن علي رضي الله عنهُ، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا استفتح الصلاة قالَ: "لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَعَمِلْتُ سُوءاً، فاغْفِرْ لي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَجَّهْتُ وَجْهيَ ... " إلى آخِرِه. وهو حديث ضعيف، فإن الحارث1 الأعور متفق على ضعفه، وكان الشعبيّ يقول: الحارث كذّاب2؛ والله أعلم. 249- وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الشر لَيْسَ إلَيْكَ"، فاعلم أن مذهبَ أهل الحق من المحدّثين والفقهاء والمتكلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين أن جميع الكائنات، خيرها وشرَّها، نفعَها وضَرّها، كلها __________ 1 في النسخة: "قال: الحارث ... ". 2 قال الحافظ -بعد تخريجه بنسد لهُ- بلفظ: قال البيهقي: ذكره الشافعي عن هشيم بلا رواية، لكن قال: عن أبي الخليل، بدل الحارث؛ قال: فيحتمل أن يكون لأبي إسحاق فيه شيخان. قال الحافظ: وعلى هذا الاحتمال يكون الحديث صحيحًا، ويقوي ذلك أن الرواية الصحيحة الماضية عن علي بطولها، تشتمل على ألفاظ هذا الطريق، وليس فيها إلا الاختصار وتأخير: "وجهت ... ". قال: وأما قول المصنف: إن الحارث متفق على ضعفه، فهو متعقب، فقد وثّقه يحيى بن معين في سؤالات عثمان الدارمي [صفحة: 90] ، وفي تاريخ عباس الدوري [361/3] . وأما ما نقلهُ عن الشعبي فقد أوضح أحمد بن صالح ذلك، إذ قال: الحارث صاحب علي ثقة، ما أحفظه، وما أحسن ما روى عن علي. قيل له: فما يقوله الشعبي فيه؟ قال: لم يكن يكذب في حديثه، وإنما كان يكذب في رأيه. ["الثقات" لابن شاهين، ص: 71 و72] . وأبى الذهبي ذلك احتمالًا، والمرادُ بالرأي المذكور التشيع، وبسببه ضعفه الجمهور. ["نتائج الأفكار" 407/1 و408] .

من الله سبحانه وتعالى، وبإرادته وتقديره؛ وإذا ثبت هذا فلا بدّ من تأويل هذا الحديث، فذكر العلماءُ فيه أجوبة، أحدها: وهو أشهرها، قالهُ النصرُ بن شُمَيْلِ والأئمة بعدهُ، معناه: والشرّ لا يتقرّب به إليك؛ والثاني: لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلمُ الطيب؛ والثالثُ: لا يضافُ إليك أدباً، فلا يقالُ: يا خالق الشر! وإن كان خالقه، كما لا يقالُ: يا خالق الخنازير! وإن كان خالقها؛ والرابع، ليس شرّاً بالنسبة إلى حكمتك، فإنك لا تخلقُ شيئاً عبثاً؛ والله أعلمُ. 65- فصل [عن دعاء التوجه] : 250- هذا ما ورد من الأذكار في دعاء التوجه، فيستحبّ الجمع بينها كلها لمن صلى منفرداً، وللإِمام إذا أذنَ لهُ المأمومون. فأما إذا لم يأذنوا له، فلا يطوِّل عليهم، بل يقتصر على بعض ذلك، وحَسُنَ اقتصارُه على: "وجّهت وجهي ... " إلى قوله: ".. من المسلمين" وكذلك المنفرد الذي يُؤثر التخفيف. 251- واعلم أن هذه الأذكار مستحبّة في الفريضة والنافلة، فلو تكره في الركعة الأولى عامداً أو ساهياً لم يفعله فيما بعدَها لفوات محله، ولو فعله كان مكروهاً، ولا تبطل صلاتهُ، ولو تركهُ عقيب التكبيرةِ حتى شرع في القراءة أو التعوّذ فقد فات محلهُ، فلا يأتي به، فلو أتى بهِ لم تبطُل صلاتهُ، ولو كان مسبوقاً أدرك الإِمام في إحدى الركعات أتى به، إلا أن يخاف من اشتغاله به فوات الفاتحة، فيشتغل بالفاتحة، فإنها آكدُ؛ لأنها واجبةٌ وهذا سنّة. ولو أدرك المسبوقُ الإِمامَ في غير القيام، وإما في الركوع، وإما في السجود، وإما في التشهد؛ أحرم معهُ، وأتى بالذكر الذي يأتي به الإِمام، ولا يأتي بدعاءِ الاستفتاحِ في الحالِ، ولا فيما بعدُ. 252- واختلف أصحابنا في استحباب دعاءِ الاستفتاح في صلاة الجنازة، والأصحُّ أنه لا يستحبّ؛ لأنها مبنية على التخفيف. 253- واعلم أن دعاء الاستفتاح سنةٌ ليس بواجب، ولو تركهُ لم يسجدْ للسهو، والسنّة فيه الإسرارُ، فلو جهر به كان مكروهاً، ولا تبطلُ صلاته. والله أعلم.

بابُ التعوّذ بعد دعاء الاستفتاح مدخل

  بابُ التعوّذ بعد دعاء الاستفتاح:

254- اعلم أن التعوّذ بعد دُعاء الاستفتاح سنةٌ بالاتفاق، وهو مقدمةٌ للقراءة، قال الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] . معناهُ عند جماهير العلماء: إذا أردت القراءة فاستعذ. ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 167] . 255- واعلم أن اللفظ المختار في التعوّذ: أعوذُ بالله مِنَ الشيطان الرجيم؛ وجاء: أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ ولا بأس به، ولكن المشهور المختار هو الأوّل. ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 168] . 256- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 764 و775] ، والترمذي [رقم: 242] ، والنسائي [في "الكبرى"، انظر "تحفة الأشراف"، رقم: 4252] ، وابن ماجه [رقم: 807] ، والبيهقي [35/2 - 36] ، وغيرها؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال قبل القراءة في الصلاة: "أعُوذُ باللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، من نفحه وَنَفْثِهِ وهَمْزِهِ". 257- وفي رواية: "أعُوذُ بالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرََّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ". وجاء تفسيره1 في الحديث، أن همزهُ: الموتهُ2، وهي: الجنون؛ ونفخه: الكبر؛ ونفثه: الشعرُ؛ والله أعلم. __________ 1 في نسخة: "في تفسيره". 2 ووردت: "المؤتة" أيضًا.

 67- فصل [في حكم التَّعوُّذ]

258- اعلم أن التعوّذ مستحبّ ليس بواجب، لو تركه لم يأثم، ولا تبطلُ صلاته سواء تركه عمداً أو سهواً، ولا يسجد للسهو، وهو مستحبّ في جميع الصلوات: الفرائض والنوافل كلها، ويستحبّ في صلاة الجنازة على الأصحّ؛ ويستحبّ للقارئ خارج الصلاة بإجماع أيضاً؛ والله أعلم [راجع "التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 166 - 169] .

 68- فصل [في محل التعوذ وصفته]

259- واعلم أن التعوّذ مستحبّ في الركعة الأولى بالاتفاق، فإن لم يتعوّذ في الأولى أتى به في الثانية، فإن لم يفعل ففيما بعدها؛ فلو تعوّذ في الأولى، هل يستحبّ في الثانية؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما أنه يستحبّ. لكنه في الأولى آكد ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 169؛ وراجع رقم: 348] . 260- وإذا تعوّذ في الصلاة التي يُسِرُّ فيها بالقراءة أسرّ بالتعوّذ، فإن تعوّذ في التي يجهرُ فيها بالقراءة، فهل يجهر؟ فيه خلافٌ لأصحابنا، منهم مَن قال: يُسرّ1، وقال الجمهور: للشافعي في المسألة قولان: أحدهما يستوي الجهر والإِسرار، وهو نصُّه في "الأم" [107/1] . والثاني يُسنّ الجهر، وهو نصُّه في "الإِملاء". ومنهم مَن قال: فيه قولان: أحدهما يجهر؛ صححه الشيخ أبو حامد الإسفراييني إمامُ أصحابنا العراقيين وصاحبهُ المحاملي وغيرهما، وهو الذي كان يفعلهُ أبو هريرة رضي الله عنهُ. [والثاني: يسر] 2، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يُسِرّ، وهو الأصحّ عند جمهور أصحابنا، وهو المختار؛ والله أعلمُ. __________ 1 في نسخة: "فيه خلاف؛ من أصحابنا من قال: يسر". 2 في نسخة: "فيه قولان: أحدهما يجهر، والثاني: يُسِرُّ، والصحيح من حيث الجملة أنه يُستحبُّ الجهر، صححه الشيخ أبو حامد الإسفراييني إمام أصحابنا العراقيين وصاحبه المحاملي وغيرهما، وهو الذي كان يفعله أبو هريرة رضي الله عنه".

بابُ القراءةِ بعدَ التعوذ مدخل

  بابُ القراءةِ بعدَ التَّعوُّذ:

261- اعلم أن القراءة واجبةٌ في الصلاةِ بالإِجماع مع النصوص المتظاهرةِ، وأن مذهبنا1 ومذهب الجمهور أن قراءة الفاتحة واجبةٌ لا يجزئ غيرها لمن قدر عليها، للحديث الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: $"لا تجزئ صلاةٌ لا يُقْرأُ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ". رواه ابن خزيمة [رقم: 490] ، وأبو حاتم وابن حبان، بكسر الحاء، [رقم: 1789] في "صحيحهما"2، بالإِسناد الصحيح، وحَكما بصحته ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 305] . 262- وفي "الصحيحين" [البخاري، رقم: 756؛ ومسلم، رقم 394] ، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: $"لا صَلاَة إِلاَّ بِفَاتِحَة الكِتابِ"3. 263- ويجب قراءة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وهي آية كاملة من أوّل الفاتحة. وتجب قراءة جميع الفاتحة بجميع تشديداتها، وهي أربع عشرة تشديدة: ثلاث في البسملة، والباقي بعدها، فإن أخلّ بتشديدة واحدة بطلت قراءته. 264- ويجب أن يقرأها مرتبة متواليةٌ، فإن تركَ ترتيبها أو موالاتها لم تصحُّ قراءتهُ، ويعذرُ في السكوتِ بقدرِ التنفسِ. 265- ولو سجد المأموم مع الإِمام للتلاوة، أو سمع تأمين الإِمام، فأمَّن لتأمينه، أو سأل الرحمة، أو استعاذ من النار لقراءة الإِمام ما يقتضي ذلك، والمأموم في أثناء الفاتحة؛ لم تنقطع قراءته على أصحّ الوجهين؛ لأنه معذور. __________ 1 في نسخة: "ومذهبنا". 2 في نسخة: "صحيحهما". 3 قال الحافظ: لم أر هذا اللفظ في "الصحيحين"، ولا في أحدهما، والذي فيهما [البخاري، رقم: 756؛ مسلم، رقم: 394] حديث عبادة بن الصامت بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". ["نتائج الأفكار" 422/1] .

فصل في حكم اللحن في قراءة الفاتحة

  70- فضل [في حكم اللحن في قراءة الفاتحة]

266- فإن لحن في الفاتحة لحناً يخلّ المعنى بطلت صلاته، وإن لم يخلّ المعنى صحّت قراءته، فالذي يخلّه مثل أن يقول: أنعمتُ بضم التاء أو كسرها، أو يقول: إياكِ نعبدُ بكسر الكاف؛ والذي لا يخلّ مثل أن يقول: ربُّ العالمين، بضم الباء أو فتحها، أو يقولُ: نستعين بفتح النون الثانية أو كسرها، ولو قال: ولا الضّالّين بالظاء بطلت صلاته على أرجح الوجهين، إلا أن يعجزَ عن الضاد بعد التعلم، فيُعذر.

 71- فصل [في حكم من لم يحسن قراءة الفاتحة]

267- فإن لم يُحسن الفاتحة قرأ بقدرها من غيرها، فإن لم يُحسن شيئاً من القرآن أتى من الأذكار، كالتسبيح والتهليل ونحوهما بقدرٍ آياتِ الفاتحة، فإن لم يحسن شيئاً من الأذكار، وضاق الوقتُ عن التعلّم، وقف بقدر القراءة، ثم يركع، وتُجزئه صلاتهُ إن لم يكن فرّط في التعلم، فإن كان فرّط في التعلم وجبت الإِعادة؛ وعلى كلّ تقدير، متى تمكَّن من التعلم وجب عليه تعلّم الفاتحة، أما إذا كان يُحسنُ الفاتحة بالعجمية ولا يحسنُها بالعربية، فلا يجوزُ له قراءتُها بالعجمية، بل هو عاجزٌ، فيأتي بالبدل على ما ذكرناهُ.

 72- فصل [في حكم قراءة السورة بعد الفاتحة]

268- ثم بعد الفاتحة يقرأ سورة، أو بعض سورة، وذلك سنّة، لو تركه صحَّتْ صلاتُه، ولا يسجد للسهو، وسواءٌ كانت الصلاة فريضة أو نافلة، ولا يستحبّ قراءة السورة في صلاة الجنازة على أصحّ الوجهين، لأنها مبنية على التخفيف، ثم هو بالخيار؛ إن شاء قرأ سورة، وإن شاء قرأ بعض سورة، والسورة القصيرة أفضلُ من قدرها من الطويلةِ. ويستحبّ أن يقرأ السورة على ترتيبِ المصحفِ، فيقرأ في الثانية سورة بعد السورة الأولى، وتكون تليها، فلو خالف هذا جاز؛ والسنّة أن تكون السورة بعد الفاتحة، فلو قرأها قبل الفاتحة لم تحسب له قراءةُ السورة ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 306] . 269- وَاعْلَمْ أنَّ ما ذكرناهُ من استحباب السورة هو للإِمام والمنفرد وللمأموم فيما يسرّ به الإِمام، أما ما يجهر به الإِمام فلا يزيد المأموم فيه على الفاتحة إن سمع قراءة الإِمام، فإن لم يسمعها، أو سمع همهمة لا يفهمها، استحبّت له السورة على الأصحّ، بحيث لا يشوِّشُ على غيره ["التبيان في آدب حملة القرآن"، رقم: 310] .

272- والسنّة أن يقرأ في صلاة العيد والاستسقاء في الركعة الأولى بعد الفاتحة: [سورة] {ق} ، [سورة ق] وفي الثانية: [سورة] {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [سورة القمر] ، [بكمالهما] وإن شاء قرأ في الأولى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [سورة الأعلى] ، وفي الثانية: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [سورة الغاشية] ، فكلاهما سنّة ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 454] . 273- والسنّة أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة [62] سورة الجمعة [بكمالها] ، وفي الثانية: [63 سورة] المنافقون [بكمالها] ، وإن شاء في الأولى: [سورة] {سَبِّحِ} وفي الثانية: [سورة] : {هَلْ أَتَاكَ} ، فكلاهما سنة ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 453] . 274- وليحذر الاقتصار على بعض السورة في هذه المواضع، فإن أراد التخفيف أدرج قراءتهُ من غير هذرمة1 ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 453] . 275- والسنّة أن يقرأ في ركعتي سنّة الفجر في الأولى بعد الفاتحة: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الآية [سورة البقرة: 136] ، وفي الثانية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا} الآية [سورة آل عمران: 64] ، وإن شاء في الأولى [109 سورة] : {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، وفي الثانية: [112 سورة] {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، فكلاهما صحّ في "صحيح مسلم" [رقم: 727 و726] أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعله ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 455] . 276- ويقرأ في ركعتي سنّة المغرب وركعتي الطواف والاستخارة في الأولى: [109 سورة] : {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، وفي الثانية: [114 سورة] __________ 1 "الهذرمة": سرعة الكلام الخفي.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 1 ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 456] . 277- وأما الوترُ، فإذا أوتر بثلاث ركعات قرأ في الأولى بعد الفاتحة: [87 سورة] {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، وفي الثانية: [109 سورة] {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، وفي الثالثة: [112 سورة] {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، مع المعوّذتين؛ وكل هذا الذي ذكرناه جاءت به أحاديث في الصحيح [أبو داود، رقم: 1423 و1424] وغيره مشهورةٌ، استغنينا بشُهرتها عن ذكرها، ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 457] والله أعلمُ. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار" 495/1: وأما القراءة في ركعتي الاستخارة فلم أقف عليها في شيء من الأحاديث. وقد ذكر شيخنا [زين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي] في "شرح الترمذي" كلام النووي، وقال: سيفه إليه الغزالي في "الإِحياء" [272/1] ولم أجد لذلك أصلًا، ولكنه حسن؛ لأن المقام يناسب الإخلاص، قال: ولو قرأ فيهما بمثل قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 86] وبمثل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ، [الأحزاب: 36] لكان مناسبًا. قلت [والقائل ابن حجر] : قرأتُ في كتاب جمعه الحافظ أبو المحاسن عبد الرزاق الطبسي -بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة بعدها سين مهملة، ثم بالنسب- فيما يقرأ في الصلوات، أن الإمام أبا عثمان الصابوني ذكر في أماليه عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه زين العابدين أنه كان يقرأ في ركعتي الاستخارة بسورة الرحمن، وسورة الحشر. قال الصابوني: وأنا أقرأ فيهما: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1] لأن فيها {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} [الأعلى:8] ؛ وفي الثانية: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1] لأن فيها {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: 7] . قال الطبسي: وحكى شيخنا طريف بن محمد الحيري، عن بعض السلف أنه كان يقرأ في الأولى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} إلى قوله: {وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 36، 37] والثانية فيها: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} [الأحزاب: 36، 37] ولم يذكر الصابوني ولا الطبسي لما كان يقرأه زين العابدين مناسبة، ويحتمل أن يكون لَحَظَ قوله تعالى في أوله: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] وفي الثانية الأسماء الحسنى التي في آخرها ليدعو بها في الأمر الذي يريده، والعلم عند الله تعالى. اهـ.

 فصل في تدارك ما فاته من القراءة المسنونة في الركعة الأولى في الركعة الثانية 74- فضل [في تدارك ما فاته من القراءة المسنونة في الركعة الأولى في الركعة الثانية]

278- لو تركَ سورة الجمعة في الركعة الأولى من صلاة الجمعة قرأ في الثانية سورة الجمعة مع سورة المنافقين، وكذا صلاةُ العيد والاستسقاء والوتر وسنّة الفجر وغيرها مما ذكرناه مما هو في معناه، إذا ترك في الأولى ما هو مسنون أتى به في الثانية بالأوّل والثاني، لئلا تخلو صلاته من هاتين السورتين، ولو قرأ في صلاة الجمعة في الأولى سورة المنافقين، قرأ في الثانية سورة الجمعة، ولا يعيد [سورة] المنافقين؛ وقد استقصيتُ دلائلَ هذا في "شرح المهذب"1. __________ 1 قال ابن علاّن: قال الحافظ [ابن حجر "نتائج الأفكار" 501/1] : قد راجعتُ الشرح فلم أجد ذكرًا لذلك [أو: لم أجده ذكر ذلك، أو: فلم أجده ذكر لذلك] مستندًا من الحديث، وكذا الثلاثة الأمور التي في الفصل قبله، لم يذكر لها مستندًا من الحديث في الشرح المذكور. اهـ.

فصل في تطويل القراءة في الركعة الأولى

  75- فضل [في تطويل القراءة في الركعة الأولى]

279- ثبتَ في الصحيح [البخاري، رقم: 759؛ مسلم، رقم: 451] أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يطوِّل في الركعة الأولى من الصبح وغيرها ما لا يطوّل في الثانية، فذهب أكثر أصحابنا إلى تأويل هذا، وقالوا: لا يطوّل الأولى على الثانية، وذهب المحققون منهم إلى استحباب تطويل الأولى لهذا الحديث الصحيح. واتفقوا على أن الثالثة والرابعة تكونان أقصرُ من الأولى والثانية، والأصحُّ أنه لا تستحبّ السورة فيهما [ولا في ثالثة المغرب] ، فإن قُلنا باستحبابها، فالأصحّ أن الثالثة كالرابعة، وقيل بتطويلها عليها.

 76- فصل [في مكان الجهر والإسرار في الصَّلاة]

280- أجمع العلماءُ على الجهر بالقراءة في صلاة الصبح والأوليين من المغرب والعشاء، وعلى الإِسرار في الظهر والعصر والثالثة من المغرب والثالثة والرابعة من العشاء، وعلى الجهر في صلاة الجمعة والعيدين والتراويح والوتر عقبها، وهذا مستحبّ للإِمام والمنفرد فيما ينفرد به منها؛ وأما المأموم فلا يجهر في شيء من هذا بالإجماع. ["التبيان في آداب حملة القرآن" رقم: 314] . 281- ويسنّ الجهر في صلاة كسوف القمر1، والإِسرار في صلاة كسوف الشمس، ويجهر في صلاة الاستسقاء، ويسر في صلاة الجنازة إذا صلاّها في النهار، وكذا إذا صلاّها بالليل على الصحيح المختار، ولا يجهر في نوافل النهار غير ما ذكرنا من العيد والاستسقاء. [" التبيان في آداب حملة القرآن" رقم: 315] . 282- واختلف أصحابنا في نوافل الليل، فقيل: لا يجهر، وقيل: يجهر. والثالث، وهو الأصح، وبه قطع القاضي حسين والبغوي: يقرأ بين الجهر والإِسرار، ولو فاتته صلاة بالليل فقضاها في النهار، أو بالنهار فقضاها بالليل، فهل يعتبر في الجهر والإِسرار وقت الفوات أو وقت القضاء؟ فيه وجهان: أظهرهما يعتبر وقت القضاء؛ وقيل: يسر مطلقًا ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 316؛ وراجع الفصل رقم 135 التالي: أيها أفضل رفع الصوت بالقرآن أو خفضه؟] . 283- واعلم أن الجهر في مواضعه والإِسرار في مواضعه سنّة ليس بواجب، فلو جهر موضع الإِسرار أو أسرّ موضع الجهر، فصلاته صحيحة، ولكنه ارتكب المكروه كراهة تنزيه، ولا يسجد للسهو. ["التبيان في آداب حملة القرآن" رقم: 317] . 284- وقد قدمنا [رقم: 66] أن الإِسرار في القراءة والأذكار المشروعة في الصلاة لا بد فيه من أن يسمع نفسه، فإن لم يسمعها من غير عارضٍ لم تصحّ قراءته ولا ذكره. ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 318] . __________ 1 الأجود أن يقال: خسوف القمر. قال ثعلب: كسفت الشمس وخسفت القمر، هذا أجود الكلام.

 77- فصل [في بيان سكتات الإمام]

285- قال أصحابنا: يستحبّ للإِمام في الصلاة الجهرية أن يسكت أربع سكتات، إحداهنّ: عقيب تكبيرة الإِحرام ليأتي بدعاء الاستفتاح؛ والثانية: بعد فراغه من قراءة الفاتحة، سكتة لطيفة جداً بين آخر الفاتحة وبين "آمين" ليعلم أن "آمين" ليست من الفاتحة؛ والثالثة: بعد "آمين" سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة1؛ والرابعة: بعد الفراغ من السورة، يفصل بها بين القراءة وتكبيرة الهوي إلى الركوع. ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 319] . __________ 1 قال ابن علاّن: قال الحفاظ [ابن حجر "نتائج الأفكار" 25/2] : دليل استحباب تطويل هذه السكتة حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن: إن للإمام سكتتين، فاغتنموا القراءة فيهما" أخرجه البخاري في كتاب "القراءة خلف الإمام" صفحة: 66؛ وأخرج فيه أيضاً: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة صفحة: 66؛ وأخرج البخاري فيه أيضًا صفحة: 66 و67، عن عروة بن الزبير، "قال: يا بنيّ! اقرءوا إذا سكت الإمام، واسكتوا إذا جهر، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". اهـ.

 78- فصل [في استحباب "آمين" وصيغتها]

286- فإذا فَرغَ من الفاتحة اسْتُحِبَّ له أن يقول: "آمين"، والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة مشهورة في كثيرة فضله وعظيم أجره، وهذا التأمين مستحبّ لكل قارئ، سواءٌ كان في الصلاة، أم خارجاً منها، وفيه أربع لغات: أفصحهن وأشهرهنّ: "آمين" بالمدّ والتخفيف؛ والثانية بالقصر والتخفيف؛ والثالثة بالإِمالة؛ والرابعةُ بالمدّ والتشديد. فالأوليان مشهورتان، والثالثة والرابعة حكاهما الواحدي في أوّل "البسيط"، والمختار الولى؛ وقد بسطت القول في بيان هذه اللغات وشرحها وبيان معناها ودلائلها وما يتعلق بها في كتاب "تهذيب الأسماء واللغات" [2/ 11 - 14؛ و"التبيان في آداب حَمَلة القرآن"، رقم: 320 و321] . 287- ويستحبّ التأمين في الصلاة للإِمام والمأموم والمنفرد، ويجهر به الإمام والمنفرد في الصلاة الجهرية، والصحيح أن المأموم والمنفرد، ويجهر به الإمام والمنفرد في الصلاة الجهرية، والصحيح أن المأموم أيضًا يجهر به، سواء كان الجمع قليلاً أو كثيراً. ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 323] . 288- ويستحبّ أَنْ يكون تأمين المأموم مع تأمين الإِمام، لا قبله ولا بعده، وليس في الصلاة موضع يستحب أن يقترن فيه قول المأموم بقول الإِمام إلا في قوله: "آمين"، وأما باقي الأقول1 فيتأخر قول المأموم. ["التبيان في آداب حملة القرآن" رقم 325] . __________ 1 في نسخة: "وأما في باقي الأقول".

 79- فصل [في إذا مرّ بآية رحمة أو عذاب في الصلاة]

289- يسنّ لكل مَن قرأ في الصلاة أو غيرها إذا مرّ بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مرّ بآية عذاب أن يستعيذ به من النار، أو من العذاب، أو من الشرّ، أو من المكروه، أو يقول: اللهمّ إني أسألك العافية، أو نحو ذلك، وإذا مرّ بآية تنزيه لله سبحانهُ وتعالى نزَّهَ، فقال: سبحانهُ وتعالى، أو: تبارك اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، أو: جلَّت عظمة ربنا، أو نحو ذلك. ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 203] .

290- روينا عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: صَلَّيْتُ مع النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يرجع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يرجع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسّلاً، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبَّحَ، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذٍ تعوّذ. رواهُ مُسلمُ في "صحيحه" [رقم: 772] . [وكانت سورة النساء في ذلك الوقت متقدمة على سورة آل عمران. "التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 204] . 291- قال أصحابنا: يستحبّ هذا التسبيح، والسؤال والاستعاذة للقارئ في الصلاة وغيرها، وللإِمام والمأموم والمنفرد؛ لأنه دعاءٌ، فاستووا فيه كالتأمين [عقب الفاتحة. "التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 205] . [وهذا الذي ذكرناهُ من استحباب السؤال والاستعاذة هو مذهب الشافعي وجماهير العلماء رحمهم الله، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يستحب ذلك بل يكرهُ في الصلاة، والصواب قول الجماهير لما قدمناهُ. "التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 205] . 292- ويُستحبّ لكل مَن قرأ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8] أن يقول: بلى! وأنا على ذلك من الشاهدين؛ وإذا قرأ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] قال: بلى! أشهد؛ وإذا قرأ: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 184] قال: آمنت بالله؛ وإذا قرأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1] قال: سُبحان ربي الأعلى؛ ويقول هذا كله في الصلاة وغيرها، وقد بينت أدلته في كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" [الأرقام: 285 - 295] .

 باب أذكار الركوع مدخل بابُ أذكار الركوع

293- قد تظاهرت الأخبارُ الصحيحةُ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يُكَبِّر للركوع، وهو سنّة، ولو تكره كان مكروهاً كراهة تنزيه، ولا تبطلُ صلاتُه، ولا يسجدُ للسهو، وكذلك جميع التكبيرات التي في الصلاة هذا حكمُها، إلا تكبيرة الإِحرام، فإنها ركن لا تنعقد الصلاة إلا بها، وقد قدّمنا عدد تكبيرات الصلاة في أوّل أبواب الدخول في الصلاة. [رقم: 241 و242] . 294- وعن الإِمام أحمد رواية: أن جميع هذه التكبيرات واجبة. وهل يستحبّ مدُّ هذا التكبير؟ فيه قولان للشافعي رحمه الله، أصحُّهما وهو الجديد: يستحبّ مدّه إلى أن يصل إلى حدّ الراكعين، فيشتغل بتسبيح الركوع، لئلا يخلو جزءٌ من صلاته عن ذكرٍ، بخلاف تكبيرة الإِحرام، فإن الصحيح استحباب ترك المدّ فيها؛ لأنه يحتاج إلى بسط النيّة عليها، فإذا مدّها شقّ عليه، وإذا اختصرها سهل عليه، وهكذا حكم باقي التكبيرات، وقد تقدم إيضاحُ هذا في باب تكبيرة الإحرام [رقم: 237 - 240] ؛ والله أعلم.

 81- فصل [في التسبيح في الركوع]

295- فإذا وصل إلى حدّ الراكعين اشتغل بأذكار الركوع، فيقول: سُبْحَانَ رَبيَ العَظِيمِ، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم. 296- فقد ثبت في "صحيح مُسلم" [رقم: 772] من حديث حذيفة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في ركوعه الطويل الذي كان قريباً من قراءة البقرة والنساء وآل عمران: "سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ". ومعناه. كرّر سبحان ربي العظيم فيه، كما جاء مبيِّناً في "سنن أبي داود" [رقم: 871] وغيره. 297- وجاء في كتب "السنن" [أبو داود، رقم: 886؛ الترمذي،

رقم: 261؛ ابن ماجه، رقم: 890] أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا قالَ أحَدُكُمْ: سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ ثَلاثاً فَقَدْ تَمَّ ركوعه". 298- وثبت في "الصحيحين" [البخاري، رقم: 794؛ ومسلم، رقم: 484] ، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقولُ في ركوعهِ وسجودهِ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي". يتأول القرآن. [راجع "رياض الصالحين" رقم: 114 حيث قال: معنى "يتأول القرآن" أي: يعمل ما أمر به في القرآن في قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} "سورة النصر: 3"؛ وسيرد برقم: 321] . 299- وثبت في "صحيح مسلم" [رقم: 771] عن عليّ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ركع يقول: "اللهمَّ لكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسلمت؛ خضع لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي ومُخِّي وَعَظْمِي وَعَصبِي". 300- وجاء في كتب "السنن" [أبو داود، رقم: 760؛ الترمذي، رقم: 3421؛ النسائي، رقم: 1050] : "خَشَعَ سَمْعِي وَبَصَرِي ومُخِّي وَعَظْمِي، ومَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ". 301- وثبت في "صحيح مسلم" [رقم: 487] ، عن عائشة رضي الله عنها, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقولُ في ركوعه وسجوده: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ". 302- قال أهل اللغة: سبوح قدوس، بضم أولهما، وبالفتح أيضاً، لغتان، أجودهما وأشهرهما وأكثرهما الضمُّ. 303- وروينا عن عوف بن مالك رضي الله عنه، قال: قمتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةَ، فقام، فقرأ سورة البقرة، لا يمرّ بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمرّ بآية عذابٍ إلا وقف وتعوّذ قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول

في ركوعه: "سُبْحانَ ذِي الجَبَرُوتِ وَالمَلَكوتِ، والكبرياء والعظمة" ثم قال في سجوده مثل ذلك. هذا حديث صحيح رواه أبو داود [رقم: 873] ، والنسائي [رقم: 1049] في "سننهما"، والترمذي في كتاب "الشمائل" [رقم: 271] بأسانيد صحيحه1 [وراجع رقم: 324 التالي] . 304- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 479] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأمَّا الرُّكُوعُ، فَعَظِّمُوا فِيهِ الرب". [سيرد برقم: 328] . 305- واعلم أن هذا الحديث الأخير هو مقصودُ الفصل، وهو تعظيم الربّ سبحانه وتعالى في الركوع بأيّ لفظ كان، ولكن الأفضل أن يجمعَ بين هذه الأذكار كلها إن تمكن من ذلك، بحيث لا يشقّ على غيره، ويقدم التسبيح منها، فإن أراد الاقتصارَ، فيستحبُّ التسبيح، وأدنى الكمال منه ثلاث تسبيحات، ولو اقتصر على مرّة كان فاعلاً لأصل التسبيح، ويُستحبّ إذا اقتصر على البعض أن يفعل في بعض الأوقات بعضها، وفي وقت آخر بعضاً آخر، وهكذا يفعل في الأوقات، حتى يكون فاعلاً لجميعها، وكذا ينبغي أن يفعل في أذكار جميع الأبواب. 306- واعلم أن الذكرَ في الركوع سنّةٌ عندنا وعند جماهير العلماء، __________ 1 قال الحافظ: فيه نظر من وجهين: أحدهما: الحكم بالصحة؛ فإن عاصم بن حميد، أحد رواته، ليس من رجال الصحيحين، وهو صدوق مقل. الثاني: أن الحديث ليس له في هذه الكتب الثلاثة طرقٌ إلا واحدة، ومدارُه عندهم على: معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حُميد، عن عوف بن مالك. فليس له ثَمّ أسانيد صحيحة، بل ولا دونها. ومعاوية بن صالح؛ وإن كان من رجال مُسلم مختلف فيه، فغاية ما يوصف به أن يعد ما ينفرد به حسنًا، وتعدد الطرق إليه لا يستلزم مع تفرده تعدد الأسانيد للحديث. ["نتائج الأفكار" 75/2] .

فلو تركه عمداً أو سهواً لا تبطلُ صلاته، ولا يأثمُ، ولا يسجد للسهو. وذهب الإِمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه واجبٌ، فينبغي للمصلي المحافظة عليه للأحاديث الصريحة الصحيحة في الأمر به، كحديث ابن عباس رضي الله عنهما: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" [مسلم، رقم: 479] وغيره مما سبق [في هذا الفصل] ، وليخرج عن خلاف العلماء رحمهم اللَّهِ؛ والله أعلم.

 82- فصل [في حكم القراءة في الركوع]

307- تكره قراءةُ القرآن في الركوع والسجود، فإن قرأ غير الفاتحة لم تبطل صلاتُه، وكذا لو قرأ الفاتحة لا تبطل صلاته على الأصحّ؛ وقال بعض أصحابنا: تبطلُ. 308- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 480] ، عن علي رضي الله عنه، قال: نهاني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ راكعاً أو ساجداً. 309- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 479] أيضاً، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ألا وَإني نهيتُ أنْ أقْرأ القُرآنَ رَاكِعاً أوْ ساجدًا".

 باب ما يقوله في [حال] رفعِ رأسِه من الركوع، وفي اعتدالِه

310- والسنَّة أن يقول حال رفع رأسه: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حمدهُ؛ ولو قال: من حمدَ الله سمع لهُ؛ جاز، نصَّ عليه الشافعي في "الأمّ" [112/1] ؛ فإذا استوى قائماً، قالَ: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبارَكاً فِيهِ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأرْضِ، وَمِلْءَ ما بَيْنَهُما، وَمِلْءَ ما شئت من شيء بعدُ،

أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العَبْدُ، وكلنا لَكَ عَبْدٌ، لا مانِعَ لما أعطيت، ولا مُعْطِيَ لِمَا منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجد منك الجد. 311- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: 874] ، ومسلم [رقم: 392] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سَمِعَ اللََّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: "رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ". وفي روايات: "ولَكَ الحَمْدُ" بالواو، وكلاهما حسن. وروينا مثله في "الصحيحين" عن جماعة من الصحابة. 312- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 476] ، عن عليٍّ وابن أبي أوفى رضي الله عنهم؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه قال: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد". 313- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 477] ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَمِلْءَ ما شئت من شيء بَعْدُ، أهْلَ الثَّناءِ والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لَكَ عَبْدٌ؛ اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعطيت، ولا معطي لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ". 314- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 478] أيضاً، من رواية ابن عباس رضي الله عنهما: "ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيءٍ بعد".

315- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 779] ، عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه، قال: كنا يوماً نصلي وراء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة، قال: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حمدهُ"، فقال رجل وراءه: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبارَكاً فِيهِ، فلما انصرف، قال: "مَن المُتَكَلِّمُ"؟ قال: أنا، قال: "رأيتُ بضعة وثلاثين ملكًا يَبْتَدِرُونَها، أيُّهُمْ يَكْتُبُها أول".

  84- فصل [في الجمع بين الأذكار الواردة]

316- اعلم أنه يُستحبّ أن يجمع بين هذه الأذكار كلها على ما قدّمناه في أذكار الركوع [رقم: 305] ، فإن اقتصر على بعضها، فليقتصرْ على: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد. فإن بالغَ في الاقتصار اقتصر على: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. فلا أقلّ من ذلك. 317- واعلم أن هذه الأذكار كلها مستحبة للإِمام والمأموم والمنفرد، إلا أن الإِمام لا يأتي بجميعها، إلا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يُؤثرون التطويل. 318- واعلم أن هذا الذكر سنّة ليس بواجب، فلو تركه كُرِهَ له كراهةَ تنزيه، ولا يسجدُ للسهو، ويُكره قراءةُ القرآن في هذا الاعتدال، كما يُكره في الركوع والسجود؛ والله أعلم.

بابُ أَذْكَارِ السُّجودِ مدخل

  بابُ أَذْكَارِ السُّجودِ

319- فإذا فَرغَ من أذكار الاعتدال كبَّرَ، وهوى ساجداً، ومدّ التكبير إلى أن يضع جبهته على الأرض. وقد قدَّمنا حُكم هذه التكبيرة [رقم: 242] ، وأنها سنّة، لو تركها لم تبطلْ صلاتُه، ولا يسجد للسهو، فإذا سجد أتى بأذكار السجود، وهي كثيرة. 320- فمنها ما رويناه في "صحيح مسلم" [رقم: 772] ، من رواية حذيفة المتقدمة [رقم: 290] في الركوع في صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قرأ البقرة والنساء وآل عمران في الركعة الواحدة، لا يمرّ بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا استعاذ؛ قال: ثم سجد، فقال: "سُبحان ربي الأعلى" فكان سجوده قريباً من قيامه. 321- وروينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 794] ومسلم [رقم: 484] ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُكثرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي". [راجع "رياض الصالحين " رقم: 114؛ ومر برقم: 298] . 322- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 487] ، عن عائشة رضي الله عنها، ما قدمناهُ في الركوع [رقم: 301] أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوحٌ قُدُّوس، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ". 323- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 771] أيضاً، عن عليّ رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سجد قال: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقين". 324- وروينا في الحديث الصحيح في كتب "السنن" [أبو داود رقم: 873؛ النسائي، رقم: 1049] ، عن عوف بن مالك، ما قدّمناه في

فصل الركوع [رقم: 303] ، أن رسول الله -صلى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسلم- ركعَ ركوعَه الطويل يقول فيه: "سُبْحانَ ذِي الجَبُروتِ والمَلَكُوتِ وَالكِبْرِياء والعظمة" ثم قال في سجوده مثل ذلك. 325- وروينا في كتب "السنن" [أبو داود، رقم: 886؛ الترمذي، رقم: 261؛ ابن ماجه، رقم: 890] ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَإذا سَجَدَ -أي: أحدكم- فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ رَبيَ الأعْلى ثلاثاً، وذلك أدْناهُ" [وراجع رقم: 303 السابق] . 326- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 485] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: افتقدت النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ذاتَ ليلة، فتحسست، فإذا هو راجع، أو ساجدٌ، يقول: "سُبْحَانَكَ وبِحَمْدِكَ، لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ". وفي رواية في مسلم [رقم: 486] : فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللَّهمّ أعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخطِكَ، وبِمُعافاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نَفْسِكَ". 328- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 479] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "فأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وأمَّا السُّجُودُ فاجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ 1، فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لكم". [مر برقم: 304] . يُقالُ: "قَمِنٌ" بفتح الميم وكسرها، ويجوز في اللغة: قمين؛ ومعناه: حقيق وجدير. __________ 1 في نسخة: "فيه بالدعاء".

329- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 482] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ ساجدٌ، فأكْثِرُوا الدُّعاء". [وسيرد برقم: 335] . 330- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 443] ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أيضاً، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في سجوده: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وأوّلَهُ وآخِرَهُ، وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّه". "دِقه وجِلّه"، بكسر أولهما، ومعناه: قليله وكثيره. 331- واعلم أنه يُستحبّ أن يجمع في سجوده جميع ما ذكرناه، فإن لم يتمكن منه في وقت أتى به في أوقات، كما قدّمناه في الأبواب السابقة [رقم: 305 و316] ، وإذا اقتصر يقتصر على التسبيح مع قليل من الدعاء، ويُقدِّمُ التسبيحَ، وحكمه ما ذكرناهُ في أذكار الركوع من كراهة قراءة القرآن فيه [رقم: 307] ، وباقي الفروع [راجع الفصل رقم: 80 وما بعده] .

 86- فصل [في أيهما أفضل: القيام أم السجود؟]

332- اختلف العلماء في السجود في الصلاة والقيام، أيُّهما أفضل؟ فمذهب الشافعي ومن وافقه القيام أفضل. 333- لقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح في "صحيح مسلم" [رقم: 756] : "أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القنوت". ومعناه: القيام. 334- ولأن ذكر القيام هو القرآن، وذكر السجود هو التسبيح، والقرآن أفضل، فكان ما طَوَّلَ به أفضل. 335- وذهب بعض العلماء إلى أن السجود أفضل، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدّم [برقم: 329] : "أقرب ما يكون العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وهو ساجدًا".

336- قال الإِمام أبو عيسى الترمذي في "كتابه" [232/2] : اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: طولُ القيام في الصلاة أفضل من كثيرة الركوع والسجد. وقال بعضهم: كثرةُ الركوع والسجود أفضلُ من طول القيام. وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: روي فيه حديثان عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولم يقض أحمد فيه بشيء. وقال إسحاق: أما بالنهار، فكثرةُ الركوع والسجود، وأما بالليل فطولُ القيام، إلا أن يكون رجلٌ له جزءٌ بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحبُّ إليّ؛ لأنه يأتي على جزئه1 وقد ربح كثرة الركوع والسجود. 337- قال الترمذي [233/2] : وإنما قال إسحاق هذا لأنه كذا وصفَ صلاة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بالليل، ووصفَ طول القيام. وأما بالنهار، فلم يُوصف من صلاته صلى الله عليه وسلم من طول القيام ما وُصف بالليل. __________ 1 في نسخة "حزبه"؛ وأما في أصول الترمذي، فكلها: "جزئه".

 87- فصل [في أذكار سجود التلاوة]

338- إذا سجد للتلاوة استُحبّ أن يقول في سجوده ما ذكرناهُ في سجود الصلاة [الفصل رقم: 85] . 339- ويستحبّ أن يقول معهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْها لي عِنْدَكَ ذُخْراً، وأعْظِمْ لي بِهَا أجْراً، وَضَعْ عَنِّي بِها وِزْراً، وَتَقَبَّلْها مِنِّي كما تَقَبَّلْتَها مِنْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السلام. [راجع الترمذي، رقم: 579 و3420؛ "التبيان"، رقم: 367] . 340- ويُستَحبّ أن يقول أيضاً: {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} [الإِسراء: 108] نصّ الشافعي رحمه الله على هذا الأخير

أيضًا1. [راجع "التبيان"؛ رقم: 368، حيث قال: وهذا النقل عن الشافعي غريب جدًّا] . 341- روينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1414] ، والترمذي [رقم: 580] ، والنسائي [رقم: 1129] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في سجود القرآن: "سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خلقهُ، وَشَقَّ سمعهُ وبصرهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ" 2. قال الترمذي: حديث صحيح؛ زاد الحاكم [220/1] : "فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ" قال: وهذه الزيادة صحيحة على شرط "الصحيحين". 342- وأما قوله: "اللَّهمّ اجعلها لي عندك ذخراً ... " الخ، فرواهُ الترمذي [رقم: 579 و3424] مرفوعاً من رواية ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد حسن. وقال الحاكم [219/1] : حديثٌ صحيح. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 120/2: قد سبق الشافعي إلى ذلك سعيد بن أبي عروبة، وكان أحد فقهاء البصرة، وأدرك بعض الصحابة؛ أخرجه ابن أبي شيبة من طريقه اهـ. قال محقق "نتائج الأفكار": رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 20و21 ولكن عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، فالذي سبق الشافعي هو قتادة لا سعيد. اهـ. ثم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ولا يعترض بالنهي عن القراءة في السجود، لأنه يحملُ على عدم إرادة التلاة كما في الذي قبله. اهـ. 2 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 119/2: تنبيه: لم أرَ في النسخ المعتمدة من "الأذكار" في آخر الحديث: "بحوله وقوته" وهو ثابت في الكتب الثلاثة التي نسب إليها. اهـ.

 بابُ ما يقولُ في رفعِ رأسه من السجود، وفي الجلوس بين السجدتين:

343- السنّة أن يُكَبِّرَ من حين يبتدئ بالرفع، ويمدّ التكبير إلى أن يستويَ جالساً، وقد قدَّمنا بيانَ عدد التكبيرات، والخلاف في مدّها، والمدّ المبطل لها [الفصل رقم: 63] . 344- فإذا فَرغَ من التكبير، واستوى جالساً، فالسنّة أن يدعو بما رويناه في "سنن أبي داود" [رقم: 874] ، والترمذي [رقم: 262، مختصرًا] ، والنسائي [رقم: 1665] ، والبيهقي [2/122] ، "وغيرهم من حديث حذيفة"1 رضي الله عنه في حديثه المتقدم [رقم: 290] في صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم في الليل وقيامه الطويل بـ[سورة] البقرة والنساء وآل عمران، وركوعه نحو قيامه، وسجوده نحو ذلك، قال: وكان يقول بين السجدتين: "رَبّ اغْفِرْ لي، رَبّ اغفر لي" وجلس بقدر سجوده. 345- وربما رويناهُ في "سنن البيهقي" [122/2] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في حديث مبيته عند خالته ميمونة رضي الله عنها وصلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم في الليل، فذكره، قال: وكان إذا رفع رأسه من السجدة قال: "رَبّ اغْفِرْ لي وارْحَمْنِي واجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِني". وفي رواية أبي داود [رقم: 850] : "وعافني" 2 وإسناده حسنٌ؛ والله علم.

  89- فصل [في حكم جلسة الاستراحة والتكبير معها]

346- فإذا سجد السجدة الثانية قال فيها ما ذكرناهُ في الأولى سواء [راجع رقم: 344 و345] ، فإذا رفعَ رأسه منها رفع مكبّراً، وجلس للاستراحة جلسة لطيفة بحيث تسكنُ حركتُه سكوناً بيِّناً، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، ويمدّ التكبيرة التي رفع بها من السجود إلى أن ينتصب قائماً، ويكون المدّ بعد اللام من "الله"، هذا أصحّ الأوجه لأصحابنا، ولهم وجه أنه يرفع __________ 1 في نسخة: "وغيرها عن حذيفة". 2 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 122/2: وقول الشيخ بعد ذلكَ: وفي رواية أبي داود: "وعافني" يوهم أنه زادها، وهو كذلك، لكنه نقص ثنتين: "أجبرني وارفعني". اهـ.

بغير تكبير؛ ويجلس للاستراحة، فإذا نهض كبَّر؛ ووجه ثالث: أنه يرفع من السجود مكَبِّرًا، فإذا جلس قطع التكبير، ثم يقومُ بغير تكبير. ولا خلاف أنه لا يأتي بتكبيرتين في هذا الموضوع1، وإنما قال أصحابنا: الوجه الأوّل أصحّ، لئلا يخلو جزءٌ من الصلاة عن ذكر. 347- واعلم أن جلسة الاستراحة سنّة صحيحة ثابتةٌ في "صحيح البخاري" [رقم: 823] وغيره [مثل الترمذي، رقم: 287] من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومذهبنا استحبابها لهذه الأحاديث الصحيحة2، ثم هي مستحبّة عقيب السجدة الثانية من كل ركعةٍ يقوم عنها، ولا تستحبّ في سجود التلاوة في الصلاة؛ والله أعلم ["التبيان في آداب حملة القرآن" للنووي، رقم: 373] . __________ 1 يقع في نفسي الخلاف للرافعي، وقد قال الشيخ تاج الدين ابن الفركاح في "الإقليد" في بعض التعاليق: إنه يكبرُ تكبيرة يفرغ منها في الجلوس، ثم يبتدئ أخرى للنهوض قال: وهذا وجه غريب أنكره الرافعي، وقال: لا خلاف فيه. وقال ولده الشيخ برهان الدين في تعليقه على "التنبيه": إن هذا الوجه متجه قوي، وينبغي أن يكون هو الراجح؛ لحديث: كان يكبر في كل خفض ورفع. [الترمذي، رقم: 253؛ النسائي، رقم: 1083 و1142 و1149 و1319؛ والدارمي، رقم: 1249] . 2 في نسخة: "لهذه السنّة الصحيحة".

 بابُ أذكارِ الرَّكْعةِ الثانية:

348- اعلم أن الأذكار التي ذكرناها في الركعة الأولى يفعلها كلَّهَا في الثانية على ما ذكرناه في الأولى من الفرض والنفل وغير ذلك من الفروع المذكورة، إلا في أشياء: أحدُها: أن الركعة الأولى فيها تكبيرة الإِحرام، وهي ركن، وليس كذلك الثانية، فإنه لا يكبِّر في أوَّلها، وإنما التكبيرة التي قبلها للرفع من السجود مع أنها سنّة. الثاني: لا يُشرع دعاءُ الاستفتاح في الثانية بخلاف الأولى. الثالث: قدمنا [رقم: 259] أنه يتعوّذ في الأولى بلا خلاف، وفي الثانية خلافٌ، الأصحُّ أنه يتعوذ. الرابع: المختار أن القراءة في الثانية تكون أقلّ من الأولى، وفيه الخلاف الذي قدَّمناه؛ والله أعلم.

بابُ القُنوتِ في الصبح مدخل

  بابُ القُنوتِ في الصُّبح:

349- اعلم أن القنوتَ في صلاة الصبح سنّة، للحديث الصحيح فيه؛ عن أنس رضي الله عنهُ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا. رواه الحاكم أبو عبد الله في كتاب "الأربعين" ["مجمع الزوائد"، رقم: 2835] ؛ وقال: حديث صحيح [وكذلك الخطيب البغدادي في كتابه "القنوت"؛ وعبد الرزاق في "المصنف" 110/3، رقم: 4964؛ والإِمام أحمد في "مسنده" 162/3، رقم: 12246] . 350- واعلم أن القنوت مشروع "عندنا في الصبح، وهو سنّة متأكدة"1، لو تركهُ لم تبطُل صلاتُه، لكن يسجدُ للسهو، سواءٌ تركهُ عمداً أو سهواً. وأما غير الصبح من الصلوات الخمس، فهل يقنت فيها؟ فيه ثلاثة أقوال للشافعي رحمه الله تعالى: الأصحُّ المشهورُ منها أنه إن نزل بالمسلمين نازلة قنتوا "في ذلك لجميع الصلوات"2، وإلا فلا. والثاني: يقنتون مطلقاً. والثالث: لا يقنتون مطلقاً؛ والله أعلم. 351- ويستحبُّ القنوت عندنا في النصف الأخير من شهر رمضان في الركعة الأخيرة من الوتر، ولنا وجه أن يقنت فيها في جميع شهر رمضان، ووجه ثالثٌ في جميع السنة، وهو مذهبُ أبي حنيفة؛ والمعروف من مذهبنا هو الأوّل؛ والله أعلم. __________ 1 في نسخة: "هو سنة عندنا في الصبح متأكدة". 2 سقطت من بعض النسخ.

 92- فصل [في موضع دعاء القنوت، والألفاظ المشروعة فيه]

352- اعلم أن محل القنوت عندنا في الصبح بعد الرفع من الركوع في الركعة الثانية. وقال مالك رحمه الله: يقنت قبل الركوع. قال أصحابنا: فلو قنت شافعي قبل الركوع لم يُحسبْ له على الأصحّ، ولنا وجه أنه يحسب، وعلى الأصحّ يعيده بعد الركوع ويسجد للسهو، وقيل: لا يسجد. 353- وأما لفظه، فالاختيار أن يقول فيه ما رويناه في الحديث الصحيح في "سنن أبي داود" [رقم: 1425 و1426] ، والترمذي [رقم: 464] ، والنسائي [رقم: 1745] ، وابن ماجه [رقم: 1178] ، والبيهقي [209/2] وغيرها، بالإِسناد الصحيح، عن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلماتٍ أقولُهُنَّ في الوتر: "اللَّهُمَّ اهدني في من هديت وعافني في من عافيت، وتولني في من تَوَلَّيْتَ، وبَارِكْ لِي في ما أَعْطَيْتَ، وَقِني شَرَّ ما قَضَيْتَ، فإنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، [ولا يعز من عاديت] 1، تَبَارَكْتَ رَبَّنا وَتَعالَيْتَ". قال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: ولا نعرف عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في القنوت شيئاً أحسن من هذا. وفي رواية ذكرها البيهقي [209/2] ، أن محمد بن الحنفية، وهو ابن __________ 1 زيادة على الأصل من النسائي وغيره.

علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: إن هذا الدعاء هو الدعاءُ الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته. 354- ويستحبُّ أن يقولَ عقيب هذا الدعاء: اللَّهُمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد وَسَلِّم؛ فقد جاء في رواية النسائي [رقم: 1746] في هذا الحديث بإسناد حسن: "وَصَلَى اللَّهُ على النَّبِيّ". 355- قال أصحابنا: وإن قنت بما جاءَ عن عُمر بن الخطاب رضي الله عنه كان حسنًا [البيهقي 210/2 و211] وهو أنه قنت في الصبح بعد الركوع، فقال: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ؛ اللَّهُمَّ إيَّاكَ نعبدُ، ولَكَ نُصلي وَنَسْجُد، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بالكُفَّارِ مُلْحِقٌ. اللَّهُمَّ عَذّبِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، ويُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقاتِلُونَ أوْلِيَاءَكَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ للْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات والمسلمين والمُسْلِماتِ، وأصْلِح ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِم الإِيمَانَ وَالحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ على مِلَّةِ رسولِك1 صلى الله عليه وسلم، وَأَوْزِعْهُمْ أنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذي عاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرْهُمْ على عَدُّوَكَ2 وَعَدُوِّهِمْ، إِلهَ الحَقّ، وَاجْعَلْنا منهم. واعلم أن المنقول عن عمر رضي الله عنه: عذِّب الكفرة أهل الكتاب3؛ لأن قتالهم ذلك الزمان كان مع كفرة أهل الكتاب؛ وأما اليوم، فالاختيار أن يقول: عذّب الكفرة؛ فإنه أعمّ. وقوله: "نخلع" أي: نترك؛ وقوله: "يفجرك" أي: يلحد في صفاتك؛ __________ 1 في نسخ: "رسولُ الله". 2 لم ترد كلمة: "عدوك" في بعض النسخ. 3 في نسخة: "عذب كفرة أهل الكتاب".

وقوله: "نَحْفِدُ" بكسر الفاء، أي: نُسارع؛ وقوله: "الجِدّ" بكسر الجيم، أي: الحقُ؛ وقوله: "مُلْحِق" بكسر الحاء على المشهور، ويقال بفتحها، ذكره ابن قتيبة وغيرها؛ وقوله: "ذات بينهم" أي: أمورهم ومواصلاتهم؛ وقوله: "والحكمة" هي: كل ما منع من القبيح؛ وقوله: "وأوزعهم" أي: ألهمهم؛ وقوله: "واجعلنا منهم" أي: ممّن هذه صفته. 356- قال أصحابنا: يستحبّ الجمع بين قنوت عُمر رضي الله عنه وما سبق [رقم: 353] ، فإن جمع بينهما فالأصحّ تأخير قنوت عمر، وإن اقتصر، فليقتصر على الأوّل، وإنما يُستحبّ الجمع بينهما إذا كان منفرداً، أو إمامَ محصورين يرضون بالتطويل؛ والله أعلمُ. 357- واعلم أن القنوت لا يتعين فيه دعاء على المذهب المختار، فأيّ دعاء دعا به حصل القنوت، ولو قَنَتَ بآيةٍ أو آياتٍ من القرآن العزيز، وهي مشتملة على الدعاء، حصل القنوت، ولكن الأفضل ما جاءت به السنّة. وقد ذهب جماعةٌ من أصحابنا إلى أنه يتعين، ولا يجزئ غيره. 358- واعلم أنه يُستحبّ إذا كان المصلِّي إماماً أن يقول: اللَّهمّ اهدِنا؛ بلفظ الجمع، وكذلك الباقي؛ ولو قال: اهدني؛ حصل القنوت، وكان مكروهاً؛ لأنه يكره للإِمام تخصيص نفسه بالدعاء. 359- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 90] ، والترمذي [رقم: 357] ، عن ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤم عَبْدٌ قَوْماً فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بدعوةٍ دُونَهُمْ، فإنْ فَعَلَ فَقَدْ خانهم" وقال الترمذي: حديث حسن.

 93- فصل [في حكم رَفعِ اليدين في دعاء القنوت، ومسح الوجه بهما، والجهر به]

360- اختلف أصحابُنا في رَفعِ اليدين في دعاء القنوت ومسح الوجه بهما على ثلاثة أوجه، أصحّها: أنه يستحبّ رفعهما ولا يمسح الوجه1. والثاني: يرفع ويمسحه. والثالثُ، لا يمسحُ ولا يرفع. واتفقوا على أنه لا يمسح غير الوجه من الصدر ونحوه، بل قالوا: ذلك مكروه. 361- وأما الجهرُ بالقنوت والإِسرار به، فقال أصحابنا: إن كان المصلي منفرداً أسرّ به، وإن كان إماماً جهر به على المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الأكثرون. والثاني: أنه يسرّ كسائر الدعوات في الصلاة. وأما المأموم، فإن لم يجهر الإِمام قنت سرّاً كسائر الدعوات، فإنه يوافق فيها الإمام سرّاً. وإن جهر الإِمام بالقنوت، فإن كان المأموم يسمعه أمَّن على دعائه، وشاركه في الثناء في آخره، وإن كان لا يسمعه قنت سرّاً، وقيل: يؤمِّن، وقيل: له أن يشاركه مع سماعه، والمختار الأوّل. 362- وأما غير الصبح إذا قنت فيها حيثُ نقولُ به، فإن كانت جهريّة، وهي المغرب والعشاء، فهي كالصبح على ما تقدّم، وإن كانت ظهراً أو عصراً، فقيل: يُسر فيها بالقنوت، وقيل: إنها كالصبح. 363- والحديث الصحيح في قنوت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الذين قَتلوا القرَّاء ببئر معونة يتقضى ظاهرُه الجهرَ بالقنوت في جميع الصلوات. ففي "صحيح البخاري" [رقم: 4560] في باب تفسير قول الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جَهَرَ بالقنوت في قنوت النازلة؛ ["المجموع شرح المهذب" 482/3] والله أعلم. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 168/2: المراد بالرفع هنا بسطهما، لا الرفع الذي في الافتتاح. اهـ. ثم قال: قال البيهقي في مسح الوجه [أي: بعد القنوت] لم أرَ فيه شيئاً داخل الصلاة، وأنكره في رسالته إلى أبي محمد الجويني. اهـ.

بابُ التشهّدِ في الصلاة مدخل

  بابُ التشهّدِ في الصَّلاة

364- اعلم أن الصلاة إن كانت ركعتين فحسب، كالصبح والنوافل، فليس فيها إلا تشهّدٌ واحدٌ، وإن كانت ثلاث ركعات، أو أربعاً، ففيها تشهّدان: أوّل، وثانٍ، ويتصوّر في حقّ المسبوقِ ثلاثةٌ تشهداتٍ، ويتصورُ في حقهِ في صلاةِ المغربِ أربعةُ تشهداتٍ، مثل أن يُدركَ الإِمام بعد الركوع في الثانية، فيتابعه في التشهّد الأوّل والثاني، ولم يحصل له من الصلاة إلا ركعة، فإذا سلَّم الإِمام قام المسبوق ليأتي بالركعتين الباقيتين عليه، فيُصلي ركعة؛ ويتشهد عَقِيبَها؛ لأنها ثانيته، ثم يصلِّي الثالثة، ويتشهد عقيبها. أما إذا صلَّى نافلة، فنوى أكثر من أربع ركعاتٍ، بأن نوى مائة ركعةٍ، فالاختيارُ أن يقتصر فيها على تشهّدين، فيُصلي ما نواهُ إلا ركعتين، ويتشهد، ثم يأتي بالركعتين، ويتشهد التشهد الثاني، ويسلِّم. 365- قال جماعة من أصحابنا: لا يجوز أن يزيد على تشهدين، ولا يجوز أن يكون بين التشهد الأوّل والثاني أكثر من ركعتين، ويجوز أن يكون بينهما ركعةٌ واحدةٌ، فإن زادَ على تشهدين، أو كان بينهما أكثر من ركعتين، بطلت صلاته. 366- وقال آخرون: يجوز أن يتشهد في كل ركعةٍ، والأصحّ جوازه في كل ركعتين، لا في كل ركعة؛ والله أعلمُ. 367- واعلم أن التشهد الأخير واجب عند الشافعي وأحمد وأكثر العلماء، وسنّة عند أبي حنيفة ومالك، وأما التشهد الأوّل، فسنةٌ عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة والأكثرين، وواجب عند أحمد، فلو تركه عند الشافعي صحَّت صلاته، ولكن يسجد للسهو، سواءٌ تركهُ عمداً أو سهواً؛ والله أعلمُ.

 95- فصل [في ألفاظ التَّشَهد]

368- وأما لفظ التشهد، فثبت فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة تشهدات: أحدها: رواية ابن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" رواه البخاري [رقم: 831] ، ومسلم [رقم: 402] في "صحيحيهما". الثاني: رواية ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "التَّحِيَّاتُ المُبارَكاتُ الصَّلَواتُ الطَّيِّباتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النبي ورحمة ُ الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، وأشهد أن محمدٌ رسولُ الله" رواه مسلم [رقم: 403] في "صحيحه". الثالث: رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التَّحِيَّاتُ الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، وأنَّ محَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" رواه مسلم [رقم: 404] في "صحيحه". 369- وروينا في "سنن البيهقي" [144/2 و145] بإسناد جيد، عن القاسم، قال: علمتني عائشةُ رضي الله عنها، قالت: هذا تشهُّدُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلامُ عليك أيها النبي

ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، وأشهد أن محمدا عَبْدُهُ وَرَسُولُه". وفي هذا فائدة حسنة، وهي أن تشهُّدَه صلى الله عليه وسلم بلفظ تشهُّدُّنا. 370- وروينا في "موطأ مالك" [90/1] ، و"سنن البيهقي" [144/2] وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، عن عبد الرحمن بن عبد1 القاريِّ -وهو بتشديد الياء- أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو على المنبر، وهو يعلِّم الناس التشهد، يقول: "قولوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ". 371- وروينا في "الموطأ" [91/1] و"سنن البيهقي" [144/2] وغيرهما أيضاً، بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها، أنها كانت تقول إذا تشهَّدتْ: "التَّحِيَّاتُ الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، وأن محمدا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ". وفي رواية عنها في هذه الكتب: "التَّحِيَّاتُ الصَّلَوَاتُ الطَيِّباتُ الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ". 372- وروينا في "الموطأ" [91/1] و"سنن البيهقي" [142/2] أيضاً، بالإِسناد الصحيح، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله __________ 1 كذا أغلب النسخ، وفي بعضها: "عمر" بدلاً من: "عبد".

عنهما، أنه كان يتشهد، فيقول: "بسم اللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيات لِلَّهِ، السَّلامُ على النَّبِيّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، شَهِدْتُ أنْ لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ، شَهِدْتُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ"؛ والله أعلم. 373- فهذه أنواعٌ من التشهد. قال البيهقي [146/2] : والثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أحاديث: حديث ابن مسعود، وابن عباس، وأبي موسى، هذا كلام البيهقي. وقال غيره: الثلاثة صحيحة، وأصحّها حديث ابن مسعود. 374- واعلم أنه يجوز التشهّد بأيّ تشهّد شاء من هذه المذكورات، هكذا نصّ عليه إمامنا الشافعي ["اختلاف الحديث" على هامش "الأم" 118/1 و119] وغيره من العلماء رضي الله عنهم. وأفضلُها عند الشافعي حديث ابن عباس، للزيادة التي فيه من لفظ: "المباركات". قال الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله: ولكون الأمر فيها على السعة والتخيير اختلفت ألفاظ الرواة؛ والله أعلم.

 96- فصل [في ما يجزئ في التشهد]

375- الاختيار أن يأتي بتشهد من الثلاثة الأُول بكماله، فلو حذفَ بعضَه فهل يجزئه؟ فيه تفصيل: فاعلم أن لفظ "المباركات والصلوات والطيبات والزاكيات" سنّة ليس بشرط في التشهّد، فلو حذفها كلَّها، واقتصر على قوله: "التحيات للَّه، السلام عليك أيُّها النبيّ...." إلى آخره أجزأه. وهذا لا خلاف فيه عندنا. وأما باقي الألفاظ1 من قوله: "السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله __________ 1 في بعضه النسخ: "وأما في الألفاظ".

وبركاته"1، إلى آخره، فواجب، لا يجوز حذف شيء منه، إلا لفظ: "ورحمة الله وبركاته"، ففيهما ثلاثة أوجه لأصحابنا، أصحها: لا يجوز حذف واحدةٍ منهما، وهذا هو الذي يقتضيه الدليل لاتفاق الأحاديث عليهما. والثاني: يجوز حذفهما. والثالث: يجوز حذف: "وبركاته" دون: "ورحمة الله". وقال أبو العباس ابن سُريْج من أصحابنا: يجوز أن يقتصر على قوله: "التحيات للَّه، سلامٌ عليك أيّها النبيّ، سلامٌ على عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، وأنَّ محمداً رسول الله". وأما لفظ السلام، فأكثر الروايات: "السلام عليك أيُّها النبيّ" وكذا: "السلام علينا" بالألف واللام فيهما. وفي بعض الروايات: "سلامٌ" بحذفهما فيهما. قال بعض2 أصحابنا: كلاهما جائز، ولكن الأفضل: "السلام" بالألف واللام لكونه الأكثر، ولما فيه من الزيادة والاحتياط. وأما التسمية قبل التحيات فقد روينا حديث مرفوعاً في "سنن النسائي" [رقم: 1175 و1281] والبيهقي [141/2 و142] وغيرهما بإثباتها، وقد تقدم إثباتها في تشهّد ابن عمر [رقم: 372] ، لكن قال البخاري والنسائي وغيرهما من أئمة الحديث: إن زيادة التسمية غير صحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم. فلهذا قال جمهور أصحابنا: لا تستحب التسمية، وقال بعض أصحابنا: تستحب، والمختار أنه لا يأتي بها. لأن جمهور الصحابة الذين رووا التشهّد لم يرووها. __________ 1 سقطت: "ورحمة الله وبركاته" من بعض النسخ. 2 سقطت كلمة: "بعض" من بعض النسخ.

 97- فصل [في حكم ترتيب ألفاظ التشهّد]

376- اعلم أن الترتيب في التشهد مستحبٌّ ليس بواجب، فلو قدم بعضه على بعض جاز على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الجمهور، ونصَّ عليه الشافعي رحمه الله في "الأم" [118/1] ؛ وقيل: لا يجوز كألفاظ الفاتحة، ويدلّ للجواز تقديم السلام على لفظ الشهادة في بعض الروايات، وتأخيره في بعضها؛ كما قدّمناه. وأما الفاتحة، فألفاظها وترتيبها معجزٌ، فلا يجوز تغييره؛ ولا يجوز التشهّد بالعجمية لمن قدر على العربية، ومن لم يقدر يتشهد بلسانه، ويتعلم كما ذكرنا في تكبيرة الإحرام.

 98- فصل [في الإسرار في التشهد]

377- السنّة في التشهد الإسرارُ، لإِجماع المسلمين على ذلك، ويدلُّ عليه من الحديث ما رويناه في "سنن أبي داود" [رقم: 986] ، والترمذي [رقم: 291] ، والبيهقي [146/2] ؛ عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: من السنة أن تخفي التشهد. قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم [230/1] : صحيح. وإذا قال الصحابي: من السنّة كذا، كان بمعنى قوله: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا هو المذهب الصحيحُ المختارُ الذي عليه جمهورُ العلماء من الفقهاء والمحدّثين وأصحاب الأصول والمتكلمين رحمهم الله؛ فلو جهر به كره، ولم تبطل صلاته، ولا يسجد للسهو.

 بابُ الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد التشهّد:

378- اعلم أن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- واجبةٌ عند الشافعي رحمه الله بعد التشهّد الأخير، فلو تركها فيه لم تصحّ صلاته، ولا تجب الصلاة على آل النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فيه على المذهب الصحيح المشهور، لكن تستحبُّ. وقال بعض أصحابنا: تجب. والأفضل أن يقول: اللَّهُمَّ صلِّ على مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ

وَرَسُولِكَ النَّبِيّ الأُمِّي، وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وَأزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِه، كما صَلَّيْتَ على إِبْرَاهِيمَ، وَعلى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبارِكْ على مُحَمَّدٍ النبي الأمي وعلى آلِ مُحَمَّدٍ وَأزْوَاجِهِ وَذُرّيَّتِهِ كما بارَكْتَ على إ براهيم وَعَلى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وروينا هذه الكيفية في "صحيح البخاري" [رقم: 6357] ، ومسلم1 [رقم: 406] ، عن كعب بن عُجْرَة، عن رسول الله -صلى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسلم- إلا بعضها، فهو صحيح من رواية غير كعب. وسيأتي تفصيله في كتاب الصلاة على محمد -صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم- إن شاء الله تعالى [رقم: 150] ؛ والله أعلم. 379- والواجب منه: "اللَّهمّ صَلِّ على النبي"، وإن شاء قال: "صلى الله على محمد"، وإن شاء قال: "صلى الله على رسوله" أو: "صلى الله على النبي". ولنا وجه أنه لا يجوز إلا قوله: "اللَّهم صلِّ على محمد". ولنا وجه أنه يجوز أن يقول: "وصلى الله على أحمد". ووجه أنه يقول: "صلَّى الله عليه"؛ والله أعلم. 380- وأما الشتهد الأوَّل، فلا تجب فيه الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- بلا خلاف، وهل تستحبّ؟ فيه قولان، أصحُّهما تستحبُّ. 381- ولا تستحبُّ الصلاة على الآل على الصحيح، وقيل: تستحبُّ؛ ولا يُستحبّ الدعاء في التشهّد الأول عندنا، بل قال أصحابنا: يُكره؛ لأنه مبني على التخفيف، بخلاف التشهد الأخير؛ والله أعلمُ. __________ 1 في نسخة: "في صحيحي البخاري ومسلم".

بابُ الدُّعَاء بعدَ التشهّدِ الأخير:

  382- اعلم أنَّ الدعاء بعد التشهّد الأخير مشروعٌ بلا خلاف

روينا في "صحيحي البخاري" [رقم: 835] ، ومسلم [رقم: 402] ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهُ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علّمهم1 التشهّد، ثم قال في آخره: "ثُمَّ يتخير منَ الدُّعَاءِ". وفي رواية البخاري: " [ثُمَّ ليخير من الدعاء] أعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدعو". وفي روايات لمسلم: "ثم ليتخير [بعد] مِنَ المَسْأَلَةِ ما شاء [أو أَحَبَّ] ". 384- واعلم أن هذا الدعاء مستحبٌّ ليس بواجب، ويستحبُّ تطويلُه، إلا أن يكون إماماً، وله أن يدعوَ بما شاء من أمور الآخرة والدنيا، وله أن يدعوَ بالدعوات المأثورة، وله أن يدعو بدعوات يخترعها، والمأثورة أفضل. ثم المأثورة منها ما وردَ في هذا الموطن، ومنها ما وردَ في غيره، وأفضلُها هنا ما ورد هنا. 385- وثبت في هذا الموضع أدعية كثيرة، منها ما رويناه في صحيح البخاري [رقم: 1377] ومسلم2 [رقم: 588] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذَا فَرَغَ أحَدُكُمْ مِنَ التشهد الأخير ليعوذ بِاللَّهِ مِنْ أرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، ومن عذاب القبر، ومن فِتْنَةِ المَحيَا وَالمَماتِ، ومن شر المسيح الدجال"، ورواه مسلم من طرق كثيرة، وفي رواية منها: "إِذَا تَشَهَّدَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحيَا وَالمَماتِ، ومن شَرِّ فِتْنَة المَسِيحِ الدجال". __________ 1 في نسخة: "علمه". 2 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 216/2: تنبيه: وقع في بعض نسخ "الأذكار": روينا في صحيحي البخاري ومسلم، وفي بعضها: في صحيح مسلم؛ والسبب في ذلك أن اللفظ الذي ذكره لمسلم وحده كاللفظ الثاني؛ وأما البخاري، فأخرج أصل الحديث، لكن ليس فيه التقييد بالتشهد ولا صيغة الأمر، فحيث جمع بينهما أرادا أصل الحديث، وحيث أفراد أراد اللفظ المخصوص. وقد ذكره في "شرح المهذب" [452/3] فقال: رواه البخاري ومسلم، واللفظ له. اهـ.

386- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: 832] ومسلم [رقم: 589] ، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو في الصلاة: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسيحِ الدَّجَّال، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ من المأثمِ والمَغْرَمِ". 387- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 771] ، عن علي رضي الله عنه، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهّد والتسليم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ، وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ، وَما أعْلَنْتُ، وَمَا أسرفتُ، وَمَا أنْتَ أعلمُ بِهِ مِنِّي؛ أنْتَ المقدمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ". 388- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: 834] ومسلم [رقم: 2705] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم؛ أنه قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: علّمني دُعاءً أدعوا به في صَلاتي، قال: "قُل: اللَّهُمَّ إنِّي ظلمتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، فاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْني، إنَّكَ أنْتَ الغفور الرحيم". [سيرد برقم: 1982] . هكذا ضبطناه: "ظُلْمًا كَثِيرًا" بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم: "كَبِيراً" بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، فينبغي أن يُجمع بينهما، فيُقال: "ظُلْماً كَثِيراً كَبِيراً". 389- وقد احتجّ البخاري في "صحيحه" [رقم: 834] ، والبيهقيّ [154/2] ، وغيرهما من الأئمة؛ بهذا الحديث للدعاء في آخر الصلاة، وهو استدلال صحيح، فإن قوله: "في صلاتي" يعمّ جميعها، ومن مظانّ الدعاء في الصلاة هذا الموطن.

390- وروينا بإسناء صحيح في "سنن أبي داود" [رقم: 792 و793] ، عن أبي صالح ذكوان، عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لرجُل: "كَيْفَ تقولُ فِي الصَّلاةِ"؟ قال: أتشهدُ وأقولُ: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الجَنَّةَ، وأعوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ؛ أما إني لا أحسنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ معاذ؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "حَوْلَهَا نُدَنْدِن". "الدندنة": كلامٌ لا يُفهم معناهُ؛ ومعنى: "حولها ندنان" أي: حول الجنة والنار، أو حول مسألتهما: إحداهما: سؤال طلب، والثانية: سؤال استعاذة؛ والله أعلم. 391- ومما يُسْتَحَبُّ الدعاء به في كل موطن: "اللَّهمّ إني أسألك العفو والعافية" [الترمذي، رقم: 3512؛ وسيرد برقم 2006] ، "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الهُدَى، والتُّقَى، وَالعَفَافَ، والغنى". [مسلم، رقم: 2721؛ الترمذي، رقم 3489؛ وسيرد برقم: 1977] والله أعلم.

 بابُ السَّلام لِلتحلُّل من الصَّلاة:

392- اعلم أن السلام للتحلّل من الصلاة ركنٌ من أركانها، وفرضٌ من فروضها، لا تصحُّ إلا به؛ هذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهيرِ السلف والخلف، والأحاديثُ الصحيحةُ المشهورة مُصرّحة بذلك. 393- واعلم أن الأكمل في السلام أن يقول عن يمينه: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، وَعَنْ يَسارِهِ: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، ولا يُستحبّ أن يقول معه: "وبركاته" لأنه خلاف المشهور عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن كان قد جاء في رواية لأبي داود [رقم: 997] ، وقد قال به جماعة1 من __________ 1 في نسخة: "وقد ذكره جماعة".

أصحابنا، منهم: إمام الحرمين، وزاهر السرخسي، والرويّاني في "الحلية" ولكنه شاذ، والمشهور ما قدّمناه1؛ والله أعلمُ. 394- وسواءٌ كان المُصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً، في جماعة قليلة أو كثيرة، في فريضة أو نافلة، ففي كل ذلك يُسلِّم تسليمتين كما ذكرنا، ويلتفتُ بهما إلى الجانبين، والواجب تسليمة واحدةٌ، وأما الثانية فسنّة، لو تركها لم يضرّه. 395- ثم الواجب من لفظ السلام أن يقول: "السلام عليكم"، ولو قال: "سلام عليكم" لم يجزئه على الأصح؛ ولو قال: "عليكم السَّلام" أجزأه على الأصح؛ فلو قال: "السلام عليكَ"، أو "سلامي عليك" أو __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: قد وردت عدة طرق ثبت فيها "وبركاته" بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ؛ أنها رواية فردة. ["نتائج الأفكار" 238/2] . قال الأذرعي في "المتوسط": المختار استحبابها في التسليمتين، فقد قال في "شرح المهذب" إن حديث أبي داود [رقم: 997] إسناده صحيح. وثبت ذلك أيضًا من حديث ابن مسعود، رواه ابن ماجه في "سنته" [رقم: 914] ، وابن حبّان في "صحيحه" [رقم: 1990 و1991 و1993] . قال: والعجب من الشيخ -مع شدة ورعه- كيف يصوب تركه مع ثبوت السنة، وحكمه بصحة إسناد الحديث الأول، وزيادة الثقة مقبولة عند الفقهاء. وقد استحسنها أيضًا الدارمي في "الاستذكار" وغيره من المتقدمين، من أصحابنا، ويؤيده إثباتها في التشهد وفاقًا. واختار الشيخ تقي الدين السبكي أيضًا استحبابها في التسليمتين، وله في ذلك تأليف. وقال الكمال الدميري في "شرح المنهاج": حديث إثباتها صحيح، فلا يحسن تركها. وقال الغزي في "شرح المنهاج": ثبت في رواية أبي داود زيادة: "وبركاته: في التسليمة الأولى، فيتعين العمل بها. وقال الشيخ ولي الدين العراقي في "شرح سنن أبي داود": وقد ذلك النووي في "الخلاصة" أن حديث أبي داود إسناده صحيح، والموجود في أصولنا من سنن أبي داود ذكرها في التسليمة الأولى دون الثانية. وعن أم جماعة [كذا] إليه بذكرها في التسليمتين. ووردت أيضًا من حديث زيد بن أرقم عند الطبراني ["مجمع الزوائد" 146/2] في "الكبير".

"سلامي عليكم"، أو "سلام الله عليكم"، أو "سلامُ عليكم" بغير تنوين، أو قال: "السلام عليهم"؛ لم يجزئه شيء من هذا بلا خلاف، وتبطل صلاته إن قاله عامداً عالماً في كل ذلك، إلا في قوله: "السلام عليهم"، فإنه لا تبطل صلاته به، لأنه دعاءٌ، وإن كان ساهياً لم تبطل، ولا يحصلُ التحلّل من الصلاة، بل يحتاج إلى استئناف سلامٍ صحيح؛ ولو اقتصر الإِمام على تسليمة واحدةٍ أتى المأموم بالتسليمتين. 396- قال القاضي أبو الطيب الطبري من أصحابنا وغيره: إذا سلَّم الإمامُ فالمأمومُ بالخيار، إن شاء سلَّم في الحال، وإن شاء استدام الجلوس للدعاء، وأطال ما شاء؛ والله أعلم.

 بابُ ما يقولُه الرجلُ إذا كلمهُ إنسانٌ وهو في الصلاة:

397- وروينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 1218] ومسلم [رقم: 421] ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ نابهُ شيءٌ فِي صلاتهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ اللَّهِ". 398- وفي روايةٍ في "الصحيح" [البخاري، رقم: 7190] : "إِذَا نَابَكُمْ أمْرٌ فليُسبح الرِّجالُ، ولْتُصَفِّقِ النِّساءُ". 399- وفي رواية1 [البخاري، رقم: 1204؛ مسلم، رقم: 422] : "التَّسْبِيحُ للرّجالِ وَالتَّصْفِيقُ للنساء"؛ والله أعلم. __________ 1 في بعض النسخ: "وفي رواية فيه".

 بابُ الأذكارِ بعدَ الصَّلاة:

400- أجمع العلماءُ على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع منه متعدّدة، فنذكرُ أطرافاً، من أهمها: 401- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3499] ، عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: أيّ الدعاء أسمعُ؟ قال: "جوفُ اللَّيْلِ الآخِر، ودبرُ الصلواتِ المَكْتوبات" قال الترمذي: حديث حسن. 402- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 842] ومسلم [رقم: 583] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنتُ أعرفُ انقضاء صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالتكبير. وفي رواية مسلم: "كنّا". 403- وفي رواية في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: 841؛ مسلم، رقم: 122/853] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رفعَ الصوت بالذكر حين ينصرفُ النَّاسُ من المكتوبة كانَ على عهدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: كنتُ أعلمُ إذا انصرفوا بذلك إذا سمعتُه. 404- وروينا في "صحيح مُسلم" [رقم: 591] ، عن ثوبان رضي الله عنهُ، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: "اللَّهُمَّ أنْتَ السلامُ، وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبارَكْتَ يا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرامِ". قيل للأوزاعي، وهو أحد رواة هذا الحديث: كيف الاستغفار؟ قال: تقولُ: اسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ. 405- وروينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 844] ومسلم [رقم: 593] ، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا فرغ من الصلاة وَسَلَّم قال: "لا إلهَ إِلاَّ الله وحدهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وَهُوَ على كُلّ شيءٍ قديرٌ؛ اللَّهُمَّ لا مانعَ لِمَا أعطيتَ، ولا معطي لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ". 406- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 594] ، عن عبد الله بن الزبير

رضي الله عنهما، أنه كان يقول في دُبُرِ كُلّ صلاة1 حين يلم: "لا إله إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قديرٌ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إيَّاهُ، لَهُ النعمةُ، ولَهُ الفضلُ، ولهُ الثناءُ الحسنُ، لا إلهَ إِلاَّ الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". قال ابن الزبير: وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يهلّل بهنّ دُبُرِ كُلّ صَلاةٍ. 407- وروينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 843] ومسلم [رقم: 595] ، عن أبي هريرة رضي الله عنهُ، أن فقراء المهاجرين أتوْا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: ذهبَ أهل الدُّثُور بالدرجات العلا، والنعيم المقيم، يُصَلُّون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجّون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدّقون، فقال: "ألا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُِمْ، وَلاَ يَكُونُ أحَدٌ أفْضَلَ مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ صَنَع مِثْلَ ما صَنَعْتُمْ"؟ قالوا: بلى! يا رسول الله، قال: "تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلّ صلاةٍ ثَلاثاً وَثَلاثينَ". قال أبو صالح الراوي عن أبي هريرة، لما سئل عن كيفية ذكره2؟ قال: يقول: سبحان اللَّه، والحمدُ للَّه، واللَّه أكبر؛ حتى يكون منهنّ كلُّهن ثلاث وثلاثون. و"الدثور" جمع دَثْر، بفتح الدال وإسكان الثاء المثلثة، وهو: المال الكثير. 408- وروينا في "صحيح مُسلم" [رقم: 596] ، عن كعب بن عُجْرَة رضي الله عنه، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مُعقبات لاَ يَخِيبُ قائلهن -أو __________ 1 في نسخة: "كان يقول دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ". 1 في نسخة: "كيفية ذكرها".

فاعِلُهُن- دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلاثاً وَثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً، وَثَلاثاً وَثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً، وأرْبعاً وَثَلاثِينَ تَكْبِيرةً". 409- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 595] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ في دُبُرِ كُلّ صَلاةٍ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثاً وَثَلاثينَ، وكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ، وَقالَ تَمامَ المائة: لا إله إلا الله وحدهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خطاياه وإن كانت مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ". 410- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 6374] ، في أوائل كتاب الجهاد، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يتعوّذ دُبُرَ الصلاة بهؤلاء الكلماتِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأعُوذُ بِكَ أنْ أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العمُرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فتْنَةِ الدُّنْيا، وأعُوذُ بِكَ منْ عَذَابِ القَبْرِ". 411- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5065] والترمذي [رقم: 3407] والنسائي [رقم: 1348] ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خصلتان -أوْ خَلَّتانِ- لا يُحافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، هُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ: يُسَبِّحُ اللَّهُ تَعالى دُبُرَ كُلّ صلاةٍ عَشْراً، ويحمدُ عَشْراً، ويكبرُ عَشْراً، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمس مائة في الميزان. وَيُكَبِّرُ أرْبَعاً وَثَلاثِينَ إذَا أخَذَ مَضْجَعَةُ، وَيحْمَدُ ثَلاثاً وَثَلاثينَ، وَيُسَبِّحُ ثَلاثاً وَثَلاثينَ، فذلك مائة باللِّسانِ، وألفٌ بالميزَانِ"، قال: فلقد رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله! كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؟ قال: "يأتِي أحدكم -يعيني الشيطان- في مَنامِهِ فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أنْ يقول، ويأتِيهِ في صَلاتِهِ فيذكره حاجته 1 قبل أن __________ 1 في نسخة "حاجة".

يَقُولَهَا" إسناده صحيح، إلا أن فيه عطاء بن السائب، وفيه اختلاف بسب اختلاطه1؛ وقد أشار أيوبُ السختياني إلى صحة حديثه هذا. 412- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1523] والترمذي [رقم: 2903] والنسائي [رقم: 1336] وغيرهم، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقرأ بالمعوذتين في دُبُر كُل صلاةٍ2. ["التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: 461] . وفي رواية أبي داود [والنسائي] : المعوذات، فينبغي أن يقرأ [سورة] {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و [سورة] {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} ، و [سورة] {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} 3. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 282/2: وقل الشيخ: إن عطاء بن سائب مختلف فيه من أجل اختلاطه، لا أثر لذلك؛ لأن شعبة والثوري وحمادَ بن زيد سمعُوا منه قبل اختلاطه، وقد اتفقوا على أن الثقة إذا تميز ما حدث به قبل اختلاطه مما بعده قبل، وهذا من ذلك. وأيد ذلك ما ذكره الشيخ عن أيوب. اهـ. 2 في نسخة: "أن أقرأ بالمعوّذتين دُبُرِ كُلّ صَلاةٍ". 3 روي الطبراني رحمه الله في كتابه "الدعاء"، رقم: 674 عن علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَرأ آية الكرسي في دُبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله حتى الصلاة الأخرى". قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 296/2 بعد أن أورد الحديث السابق: تنبيه: ذكر الشيخ في شرح "المهذب" [468/3] : إن الطبراني روي في معجمه أحاديث في فضل آية الكرسي عقب الصلاة، ولكنها ضعيفة. كذا أطلق، وحديث الذي قدمته صحيح أو حسن. اهـ. وحديث أبي أمامة هو ما رواه الطبراني في "الكبير" رقم: 7532، عن أبي مامة الباهلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من قرأ آية الكرسي"، وزاد محمد بن إبراهيم في روايته: و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} " ثم اتفقوا: "دبر كل صلاةٍ مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت". ورواه الطبراني في "الدعاء" رقم: 675؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: هذا حديث حسن غريب، أخرجه النسائي في "الكبرى" عن الحسين بن بشر. اهـ. رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم: 100، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" رقم: 124 راجع "نتائج الأفكار" 294/2 و296.

413- وروينا بإسناء صحيح في "سنن أبي داود" [رقم: 1522] والنسائي [رقم: 1303] ، عن معاذ رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ بيده وقال: "يا مُعَاذُ! وَاللَّهِ إني لأُحِبُّكَ" ثم قال1: "أُوصِيكَ يا مُعاذُ، لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلّ صَلاةٍ تقولُ: اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وحسن عبادتك" 2. [سيرد برقم: 1559] . 414- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 110] ، عن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله -صلى الله وسلم- إذا قَضى صلاتَه مسحَ جبهتَه بيده اليمنى، ثم قال: "أشهدُ أنْ لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنِّي الهَمَّ والحزنَ". 415- وروينا فيه [رقم: 114] ، عن أبي أمامة رضي الله عنهُ، قال: ما دنوتُ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في دُبُر صلاة مكتوبة، ولا تطوُّع إلا سمعتُه يقولُ: "اللَّهمّ اغْفِرْ لي ذُنُوبي وَخَطايايَ كُلَّها، اللَّهُمَّ انْعِشْنِي 3، واجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي لِصَالِح الأعْمالِ وَالأخْلاقِ، إنَّهُ لاَ يَهْدِي لِصَالِحها، وَلاَ يَصْرِفُ سَيِّئَها إِلاَّ أنت". 416- وروينا فيه [رقم: 117] ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كن إذا فرغ من صلاته، لا أدري قبل أن يسلِّم أو بعد أن يسلِّم، يقول: "سُبْحانَ ربِّكَ رَبِّ العزةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ على المُرْسَلِينَ، والحمدُ لله رب العالمين". __________ 1 في بعض النسخ: "فقال" بدلاً من: "ثم قال". 2 هَذَا الحديث من الأحاديث المسلسلة بالمحبة. 3 في نسخ عديدة: "ابعثني"؛ وراجعت الكثير من الأصول، ووجدت المناوي في "فيض القدير شرح الجامع الصغير: قد شرحه بقوله: اللهم انعشني، أي: ارفعني وقوّ جأشي، وفي "الصحاح": نعشه الله: رفعه، وبابه قطع، ولا يقال: أنعشه. قال الزمخشري: من المجاز: نعشه فانتعش: إذا تداركه من ورطه ... إلخ.

417- وروينا فيه [رقم: 119] ، عن أنس رضي الله عنه، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول إذا انصرف من الصلاة: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ عُمُرِي آخِرَهُ، وَخَيْرَ عَمَلِي خَواتِمَهُ، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَيَّامي يَوْمَ ألْقاكَ". 418- وروينا فيه [رقم: 109] ، عن أبي بكرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دُبر الصلاة: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالفَقْرِ وَعَذَابِ القَبْرِ". 419- وروينا فيه [رقم: 111] بإسناء ضعيف، عن فَضَالة بن عُبيد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ تَعالى، وَالثَّناء عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يدعو بما شاء" 1؛ والله أعلمُ. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 213/2: وقد ذكره المصنف في شرح "المهذب" [446/3] ، وقال: رواه أبو داود [رقم: 1481] ، والترمذي [رقم: 4377] ،والنسائي [1284] ، وابن حبّان [رقم: 1960] ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم [230/1] : صحيح على شرط مسلم. انتهى. فكأنه لم يستحضر ذلك هنا. اهـ.

 بابُ الحثِّ على ذكرِ اللَّه تعالى بعدَ صَلاةِ الصُّبح:

420- اعلم أن أشرفَ أوقات الذكر في النهار الذكرُ بعد صلاة الصبح. 421- روينا عن أنس رضي الله عنه في كتاب الترمذي [رقم: 586] وغيره، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى الفَجْرِ في جماعةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يذكرُ اللَّهَ تَعالى حتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ، ثُمَّ صَلَّى ركعتين، كانت له كأجْرِ حَجَّةٍ وعمرةٍ تامةٍ تامةٍ تامةٍ". قال الترمذي: حديث حسن. 422- وروينا في كتاب الترمذي [رقم: 3470] وغيره، عن أبي ذرّ رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قالَ فِي دُبُر صَلاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ ثانٍ رِجْلَيهِ قَبْلَ أنْ يَتَكَلَّمَ: لا إِلهَ إِلاَّ الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ

الحمدُ، يُحيي ويميتُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ، ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ، وكانَ يَوْمَهُ ذلكَ فِي حِرْزٍ مِنْ كُلّ مَكْرُوهٍ وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطانِ، ولَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أنْ يُدْرِكَهُ في ذلكَ اليَوْمِ إِلاَّ الشِّرْكَ باللَّهِ تَعالى"، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ: صحيح1. 423- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5079] ، عن مسلم بن الحارث التميمي الصحابي رضي الله عنه، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه أسرّ إليه، فقال: "إذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلاةِ المغرب فقال: اللَّهُمَّ أجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذلكَ ثُمَّ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْها، وإذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كذَلِكَ، فإنَّكَ إنْ مُتَّ مِنْ يومك كتب له جوارٌ مِنْها". 424- وروينا في "مسند الإِمام أحمد" [294/6] و"سنن ابن ماجه" [رقم: 925] وكتاب ابن السني [رقم: 108] ، عن أُمّ سلمة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى الصبح قال: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ عِلْماً نافِعاً، وعَمَلاً مُتَقَبَّلاً، وَرِزْقاً طَيِّباً". 425- وروينا فيه [ابن السني، رقم: 115] ، عن صُهيب رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يحرّك شفتيه بعد صلاة الفجر بشيء، فقلتُ: يا رسولَ الله! ما هذا الذي تقول؟ قال: "اللَّهُمَّ بِكَ أحاولُ، وَبِكَ أُصَاوِلُ، وَبِكَ أُقاتل". 426- والأحاديثُ بمعنى ما ذكرته كثيرةٌ، وسيأتي في الباب الآتي من بيان الأذكار التي تقال في أوّل النهار ما تقرّ به العيون إن شاء الله تعالى. 427- وروينا عن أبي محمد البغوي في "شرح السنّة" [222/3] قال: قال علقمة بن قيس: بلغنا أن الأرض تعجّ إلى الله تعالى من نومة العالِم بعد صلاة الصبح؛ والله أعلم. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 322/2: وهي رواية أبي يعلى السنجي عن المحبوبي، وهي غلط؛ لأن سنده مضطرب، وشهر بن حوشب [أحد رواته] مختلف في توثيقه. اهـ.

 كتاب أذكار اليوم والليلة

 بابُ ما يُقالُ عند الصَّباحِ وعندَ المساءِ:

428- اعلم أن هذا البابَ واسعٌ جداً ليس في الكتاب بابٌ أوسعَ منه، وأنا أذكرُ إن شاء الله تعالى فيه جملاً من مختصراته، فمن وُفِّق للعمل بكلّها فهي نعمة وفضل من الله تعالى عليه، وطوبى له؛ ومن عجز عن جميعها فليقتصرْ من مختصراتها على ما شاء، ولو كان ذكراً واحداً. 429- والأصلُ في هذا الباب من القرآن العزيز قولُ الله سبحانه وتعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [سورة طه: 131] وقال تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55] وقال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الأعراف: 205] قال أهل اللغة: "الآصال" جمع أصيل، وهو: ما بين العصر والمغرب. وقال تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] . قال أهل اللغة: "العشيّ": ما بين زوال الشمس وغروبها. وقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 36، 37] . وقال تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} [سورة ص: 18] . 430- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 6323] ، عن شداد بن

أوس رضي الله عنه، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبّي، لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا على عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأبوء [لك] بِذَنْبي، فاغْفِرْ لي، فإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، أعوذُ بِكَ مِنْ شَرّ مَا صنعتُ؛ إذا قال ذلك حين يُمسي فمات داخل الجنة -أو كانَ من أهل الجنة- وإذا قال حين يُصبح فمات من يؤمه ... مثلهُ" معنى "أبوء": أقر وأعترف [وسيأتي برقم: 2044] . 431- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2691] ، عن أبي هريرة رضي الله عنهُ، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبحُ، وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحانَ الله وبحمده، مائة مَرَّةٍ، لَمْ يأْتِ أحَدٌ يَوْمَ القِيامَةِ بأفْضَلَ مِمَّا جاءَ بِهِ، إِلاَّ أحَدٌ قالَ مثْلَ ما قالَ، أوْ زَادَ عَلَيْهِ". وفي رواية أبي داود [رقم: 5091] : "سُبْحانَ اللَّهِ العَظيمِ وبِحَمْدِهِ". 432- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5082] والترمذي [رقم: 3575] والنسائي [رقم: 5428] وغيرها، بالأسانيد الصحيحة، عن عبد الله بن خُبيب -بضم الخاء المعجمة- رضي الله عنه، قال: خرجنا في ليلة مطر، وظلمةٍ شديدةٍ، نطلب النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ليُصلي لنا، فأدركناهُ، فقال: "قُل"، فلم أقل شيئاً، ثم قال: "قُل"، فلم أقل شيئاً، ثم قال: "قُل"، فقلتُ: يا رسول الله! ما أقولُ؟ قال: " [قُل:] قُل هُو اللَّهُ أحَدٌ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي، وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كلِّ شيءٍ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. 433- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5068] والترمذي [رقم 3388] ، وابن ماجه [رقم: 3868] وغيرها، بالأسانيد الصحيحة، عن أبي هريرة رضي الله عنهُ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقولُ إذا أصبح: "اللَّهُمَّ بِكَ أصْبَحْنا، وَبِكَ أمْسَيْنا، وَبِكَ نَحْيا وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ". وإذا أمسى

قال: "اللَّهُمَّ بِكَ أمسينا وبك أصحبنا، وَبِكَ نَحْيا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ" قال الترمذي: حديث حسن. 434- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2718] ، عن أبي هريرة رضي الله عنهُ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا كان في سفر، وأسحر، يقول: "سَمَّعَ سامعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَحُسْنِ بَلائِهِ عَلَيْنا، رَبَّنا صَاحِبْنا، وأفْضِلْ عَلَيْنا، عائدًا باللَّهِ منَ النَّارِ". قال القاضي عياضٌ، وصاحبُ "المطالع" وغيرهما: "سمع الله" بفتح الميم المشدّدة، ومعناهُ: بلّغ سامعٌ قولي هذا لغيره، تنبيهاً على الذكر في السحَر، والدعاءِ في ذلك الوقت؛ وضبطهُ الخطابي ومغيره "سَمِعَ" بكسر الميم المخففة؛ قال الإِمام أبو سليمان الخطابي [323/5] : "سَمِعَ سامعٌ" معناهُ: شهدَ شاهدٌ. وحقيقته:" ليسمعِ السامعُ، وليشهد الشاهد على حَمْدنا الله تعالى على نعمته، وحسن بلائه. 435- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2723] ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أمسى قال: "أمْسَيْنا، وأمْسَى المُلْكُ لِلَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، لا إله إلا الله وحدهُ لا شَرِيكَ لَهُ" قال الراوي: أراهُ قال فيهنٌ: "لهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قديرٌ، رَبّ أسألُكَ خَيْرَ ما فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَها، وأعُوذ بِكَ مِنْ شَرّ ما في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرّ مَا بَعْدَهَا، رَبّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَل، وَالهَرَمِ، وَسُوءِ الكِبَرِ، رَبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ، وَعَذَابٍ في القَبْرِ". وَإذَا أصْبَحَ قالَ ذلكَ أيْضاً: "أصْبَحْنا وأصْبَحَ المُلْكُ لِلَّهِ". 436- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2709] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! ما لقيتُ من عقرب لدغتني البارحة! قال: "أما لَوْ قُلْتَ حِينَ أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم تضرك". [و] ذكره مسلم [رقم:

2708] متصلاً بحديثٍ لخولة بنتِ حكيم رضي الله عنها هكذا. ورويناه في كتاب ابن السني [رقم: 533] ، وقال فيه: "أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرّ ما خَلَقَ ثَلاثاً لَمْ يضره شيء" [راجع رقم: 511 و512] . 437- وروينا بالإِسناد الصحيح في "سنن أبي داود" [رقم: 5067] والترمذي [رقم: 3392] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا رسول الله! مُرْني بكلمات أقولهنّ إذا أصبحتُ، وإذا أمسيت؛ فقال: "قُل اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشَّيْطانِ وَشِرْكِهِ" قالَ: "قُلْها إذَا أصْبَحْتَ، وَإذَا أمْسَيْتَ، وَإذَا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. 438- وروينا نحوه في "سنن أبي داود" [رقم: 5083] ، من رواية أبي مالك الأشعري -رضي الله عنهم- أنهم قالوا: يا رسول الله! علِّمنا كلمة نقولها إذا أصبحنا وإذا أمسينا واضطجعنا، فذكرهُ، وزاد فيه بعد قوله: "وَشِرْكِهِ": "وأنْ نَقْتَرِفَ سُوءاً عَلى أنْفُسِنا، أوْ نجرُّه إلى مُسْلِمٍ". قوله صلى الله عليه وسلم: "وشركه" رُوي على وجهين، أظهرهما، وأشهرهما بكسر الشين مع إسكان الراء، من الإِشراك، أي: ما يدعو إليه، ويوسوس به من الإِشراك بالله تعالى. والثاني: "شَرَكه" بفتح الشين والراء؛ أي: حبائله ومصايده، واحدُها "شَرَكة" بفتح الشين والراء وآخره هاء. 439- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5088] والترمذي [رقم: 3388] ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ في صَباحِ كُلّ يَوْمٍ وَمَساءِ كُلّ لَيْلَةٍ: باسْمِ اللَّهِ الَّذي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا في السَّماءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيم، ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَمْ

يَضُرَّه شيءٌ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، هذا لفظ الترمذي. وفي رواية أبي داود: "لَم تُصِبْهُ فَجْأةُ 1 بلاء [حتى يُمسي] ". 440- وروينا في كتاب الترمذي [رقم: 3389] ، عن ثوبان رضي الله عنهُ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قالَ حِينَ يُمْسِي: رَضِيتُ بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد -صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَبِيَّاً؛ كانَ حَقّاً على الله تعالى أنْ يُرضيه". في إسناده سعيد بن المزبان أبو سعد البقال -بالباء- الكوفيّ مولى حذيفة بن اليمان، وهو ضعيف باتفاق الحفاظ، وقد قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب2 من هذا الوجه؛ فلعله صحّ عنده من طريق آخر. وقد رواه أبو داود [رقم: 5072] ، والنسائي [رقم: 4 في "عمل اليوم والليلة"] ، بأسانيد جيدة، عن رجلٌ خدمَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بلفظه، ثبت أصل الحديث؛ وللَّه الحمد. وقد رواه الحا كم أبو عبد الله في "المستدرك على الصحيحين" [518/1] وقال: حديث صحيح الإسناد. ووقع في رواية أبي داود وغيره: "وبمحمدٍ رسولاً" وفي رواية الترمذي: "نبيّاً" فيستحبُّ أن يجمع الإنسان بينهما، فيقول: "نبيّاً ورسولاً" ولو اقتصر على أحدهما كان عاملًا بالحديث. __________ 1 قال ابن علاّن رحمه الله: هو بضم الفاء ممدود، كما في أصل مصحح، وقبل: بفتح الفاء وإسكان الجيم، وكذا هو مضبوط في أصل معتمد مقابل على نسخة ابن العطار ... إلخ. 2 قال الحفاظ ابن حجر رحمه الله، في "نتائج الأفكار" 371/2: ووقع في كلام الشيخ أنه قال: حسن صحيح غريب، ولم أر لفظة "صحيح" في كتاب الترمذي، لا بخط الكروخي الذي اشتهرت روايته من طريقه، ولا بخط الحافظ أبي علي الصدفي من طريق أبي على السنجي، ولا غيرهما من النسخ، ولا في الأطراف؛ فكأن الشيخ رآه في نسخة ليست معتمدة. اهـ.

441- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5078] ، بإسناد جيد لم يضعفهُ، عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قالَ حينَ يُصْبحُ أوْ يُمْسِي: اللَّهُمَّ إِنِّي أصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ، وأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلائِكَتَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ؛ أنك أنتَ الله الذي لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ؛ أعْتَقَ اللَّهُ ربعهُ مِنَ النَّارِ، فَمَنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أعْتَقَ اللَّهُ نصْفَهُ مِنَ النَّار، وَمَنْ قَالَها ثَلاثاً أَعْتَقَ اللَّهُ تَعالى ثَلاثَةَ أرْبَاعِهِ، فإنْ قالَهَا أَرْبَعاً أعْتَقَه اللَّهُ تَعالى مِنَ النَّارِ". وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5073] ، بإسناد جيد1 لم يضعفه، عن عبيد الله بن غنَّام -بالغين المعجمة، والنون المشددة- البياضي الصحابي رضي الله عنه، أن رسول الله عليه وعلى آله وسلم قال: "مَنْ قال حين يصبح: اللَّهُمَّ ما أصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ، لا شريك لك، فلك الحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكْرُ؛ فَقَدْ أدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذلكَ حِينَ يُمْسِي فَقَد أدَّى شُكْرَ لَيلَتِهِ". 443- وروينا بالأسانيد الصحيحة في "سنن أبي داود" [رقم: 5074] والنسائي [في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، رقم: 6673] وابن ماجه [رقم: 3871] ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: لم يكن النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدَعُ هؤلاء الدعوات حين يُمسي وحين يُصبح: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ العافِيَةَ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إني أسألُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ في دِيني وَدُنْيَايَ، وأهْلِي ومَالِي؛ اللَّهُمََّ استر عوارتي، وآمِنْ رَوْعاتِي؛ اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْن يَدَيَّ، ومِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغتال مِنْ تَحْتِي". قال وكيع: يعني الخسف. قال الحاكم أبو عبد الله [1/ 517] : هذا حديث صحيح الإِسناد. __________ 1 سقت كلمة: "جيد" من بعض النسخ.

444- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5052] والنسائي [في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، رقم: 10038 و10252] وغيرهما، بالإِسناد الصحيح، عن عليّ رضي الله عنه، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول عند مضجعه: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بوجهك الكَرِيمِ، وَبِكَلِماتِكَ التَّامَّةِ، مِنْ شَر ما أنت آخذ بناصيته؛ اللهم أنت تكشف المَغْرَمَ والمَأثمَ، اللَّهُمَّ لا يُهْزَمُ جُنْدُكَ، وَلا يُخْلَفُ وَعْدُكَ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك". [سيرد برقم: 502] . 445- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5077] ، وابن ماجه [رقم: 3867] ، بأسانيد جيدة، عن أبي عياش، بالشين المعجمة، رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قالَ إذَا أصْبَحَ: لا إلهَ إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قديرٌ؛ كانَ لَهُ عِدْلُ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ صلى الله عليه وسلم، وكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ، وكانَ فِي حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطانِ حتى يُمْسِيَ، وَإنْ قَالَهَا إِذَا أمْسَى كانَ له مِثْلُ ذلكَ حتَّى يُصْبحَ". 446- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5084] ، بإسناد لم يضعفه1، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا أصْبَحَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وأصْبَحَ المُلْكُ لِلَّهِ رَبّ العالمين؛ اللهم إني أسألُكَ خَيْرَ هَذَا اليَوْمِ فَتْحَهُ ونصرهُ وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَر ما فِيهِ وَشَرِّ ما بَعْدَهُ، ثُمَّ إذا أمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذلكَ". 447- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5090] ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه قال لأبيه: يا أبتِ! إني أسمعك تدعو كلّ __________ 1 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 389/3: وقول الشيخ: إن أبا داود لم يضعفه، كأنه يريد عقب تخريجه في السنن، وإلا فقد ضعفه خارجها.

غداة: "اللَّهُمَّ عافِني فِي بَدَني، اللَّهُمَّ عافِنِي في سَمْعِي، اللَّهُمَّ عافِني في بَصَري، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالفَقْرِ، اللَّهُمَّ إني أعُوذَ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبرِ، لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ"، تُعيدها حين تصبح ثلاثاً، وثلاثاً حين تُمسي، فقال: إني سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو بهنّ، فأنا أُحبّ أن أستن بسنّته. 448- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5076] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبحُ: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [الروم: 17 - 19] ، فقد أدرك ما فاتَهُ فِي يَوْمِهِ ذلكَ، وَمَنْ قالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ ما فَاتَهُ في لَيْلَتِهِ" لم يُضَعِّفه أبو داود، وقد ضعفه البخاري في "تاريخه الكبير" [460/3] ، وفي كتابه "كتاب الضعفاء" [130] . 449- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5075] ، عن بعض بنات النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ورضي عنهنّ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعلمُها، فيقول: "قُولي حينَ تُصْبحينَ: سُبْحانَ اللَّه وبحمدهِ، لا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، أعلم أنَّ الله على كل شيء قديرٌ، وأن الله قد أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً؛ فإنَّهُ مَنْ قالَهُنَّ حِينَ يُصبح حُفِظَ حتَّى يُمْسِيَ، ومن قالهن حين يمسي حفظ حتَّى يُصْبحَ". 450- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1555] ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهُ، قال: دخلَ رسولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- ذاتَ يوم المسجد، فإذا هو برجلٍ من الأنصار يُقالُ لهُ: أبو أمامةَ، فقالَ لهُ: "يا أبا أُمامَةَ! مالي أرَاكَ جالِساً في المجسد فِي غَيْرِ وَقْتِ الصلاة"؟ 1. قال: هموم لزمتني وديون، يا __________ 1 في بعض النسخ: "صلاة".

رَسُولِ الله! قال: "أفَلا أُعَلِّمُكَ كَلاماً إذَا قُلْتَهُ أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ، وقضى عَنْكَ دَيْنَكَ"؟ قلتُ: بلى، يا رسول الله! قال: "قُل إذَا أصْبَحْتَ وَإذَا أمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمّ والحُزن، وأعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، وأعوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ والبُخلِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرّجالِ" قال: ففعلتُ ذلك، فأذهبَ الله تعالى همّي وغمّي، وقضى عني ديني. 451- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 33] ، بإسناد صحيح، عن عبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنه، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أصبح قال: "أصْبَحْنَا على فِطْرَةِ الإِسْلامِ وكَلِمَةِ الإِخْلاصِ ودين نبيّنا محمّدٌ -صلى الله عليه وسلم- وعلى 1 ملة أبينا إِبْرَاهِيمَ -صلى الله عليه وسلم- حَنِيفاً مُسْلِماً ومَا أنا مِنَ المُشْرِكِينَ". قلتُ: كذا وقع في كتابه: "ودين نبيّنا محمّدٌ -صلى الله عليه وسلم" وهو غير ممتنع، ولعلَّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك جهراً ليسمعَه غيره فيتعلمه؛ والله أعلم. 452- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 38] ، عن عبد الله بن أوفى رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أصبح قال: "أصْبَحْنا وأصْبَحَ المُلْكُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلُّ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالكِبْرِياءُ وَالعَظَمَةُ لِلَّهِ، وَالخَلْقُ وَالأمْرُ وَاللَّيْلُ والنهارُ وَما سَكَنَ فِيهما لِلَّهِ تَعالى؛ اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَوَّلَ هَذَا النَّهارِ صَلاحاً، وأوسطهُ نَجاحاً، وآخرهُ فَلاحاً، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". 453- وروينا في كتابي الترمذي [رقم: 2922] وابن السني [رقم: 79] بإسناد فيه ضعفٌ، عن مَعقل بن يسار رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم: "من قال حِينَ يُصْبِحُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ: أعُوذُ باللَّهِ السَّمِيع العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ وَقَرَأَ ثَلاثَ آياتٍ مِنْ سُورَةِ الحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّهُ تَعالى به سبعين ألف __________ 1 "على" غير موجودة في بعض النسخ. 2 في بعض النسخ: "متبع".

مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإنْ ماتَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ ماتَ شَهِيداً، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمسي كانَ بِتلْكَ المنزلة". [والآيات هي: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} "سورة الحشر: 22 - 24"] . 454- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 76] ، عن محمد بن إبراهيم، عن أبيه رضي الله عنه، قال: وجّهَنَا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في سرية، فأمَرَنَا أن نقرأ إذا أمسينا وأصبحنا: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} [المؤمنون: 115] فقرأنا، فغنمنا1، وسلمنا. 455- وروينا فيه [رقم: 39] ، عن أنس رضي الله عنهُ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو بهذه الدعوة إذا أصبح وإذا أمسى: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ منْ فَجْأةِ الخَيْرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فَجأةِ الشَّرّ" 2. 456- وروينا فيه [رقم: 48] ، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة رضي الله عنها: "ما يَمْنَعُكِ أنْ تَسْمَعِي ما أُوصِيكِ بِهِ؟ تَقُولِينَ إذَا أصْبَحْتِ وَإذَا أمْسَيْتِ: يا حيُّ يَا قَيُّومُ! بِكَ أستغيثُ، فأصْلِحْ لي شأنِي كُلَّهُ وَلاَ تَكِلْني إلى نفسي طرفة عين". 457- وروينا فيه [رقم: 50] بإسناد ضعيف، عن ابن عباس __________ 1 كذا أغلب النسخ، ووجدت في بعضها: "فقمنا". 2 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في "نتائج الأفكار" 410/2: تنبيه: وقع هذا الحديث في أكثر النسخ سابقًا على الذي قبله، وفي بعضها كما أمليته. اهـ.

رضي الله عنهما، أن رجلاً شكا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه تُصيبُه الآفاتُ، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قُلْ إذَا أصْبَحْتَ: باسمِ اللَّهِ على نَفْسِي وأهْلي ومَالي، فإنَّهُ لا يَذْهَبُ لَكَ شَيْءٌ" فقالهنّ الرجل، فهذبت عنه الآفاتُ. 458- وروينا في "سنن ابن ماجه" [رقم: 925] وكتاب ابن السني [رقم: 53] ، عن أُمّ سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أصبح قال: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ عِلْماً نافعاً، وَرِزْقاً طَيِّباً، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً". 459- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 54] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال إذَا أصْبَحَ: اللَّهُمَّ إني أصْبَحُتُ منْكَ في نِعْمَةٍ وَعافِيَةٍ وَسَتْرٍ، فأتِمَّ نِعْمَتَكَ عَليَّ وَعَافِيَتَكَ وَسَتْرَكَ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ثَلاثَ مراتٍ إِذَا أصْبَحَ، وَإِذَا أَمْسَى، كان حَقّاً على اللَّهِ تَعالى أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ [نعمته] ". 460- وروينا في كتابي الترمذي [رقم: 3569] وابن السني [رقم: 61] ، عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "ما مِنْ صَباحٍ يُصْبِحُ العِبادُ إِلاَّ منادٍ يُنادِي: سُبْحانَ المَلكِ القُدُّوس". وفي رواية ابن السني: "إلاَّ صَرَخَ صَارِخٌ: أيُّها الخلائقُ! سَبِّحوا المَلكَ القُدُّوسَ". 461- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 42] ، عن بريدة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قالَ إذَا أصْبَحَ وَإِذَا أمْسَى: رَبِّيَ اللَّهُ، توكلت على اللَّهُ 1، لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَهُوَ رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إله إلا الله __________ 1 في نسخ: "توكلت عليه".

العَلِيُّ العَظِيمُ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لم يشأ لم يكن، أعلم أنَّ الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيءٍ عِلْماً؛ ثُمَّ مَاتَ، دَخَلَ الجَنَّة". 462- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 64] ، عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يَكُونَ كأبِي ضَمْضَمٍ"؟ قالُوا: وَمَنْ أبُو ضَمْضَمٍ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: "كَانَ إِذَا أصْبَحَ قالَ: اللَّهُمَّ إِني قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي وَعِرْضِي لَكَ؛ فَلا يَشْتُمُ مَنْ شَتَمَهُ، وَلاَ يَظْلِمُ مَنْ ظَلَمَهُ، وَلا يَضْرِبُ من ضربه" 1 [سيرد برقم: 1758] . 463- وروينا فيه [رقم: 70] ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن قالَ فِي كُلّ يَوْمٍ حِينَ يُصْبحُ وَحِينَ يُمْسِي: حَسْبِيَ اللَّهُ، لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَهُوَ رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ؛ سَبْعَ مَرَّاتٍ، كَفَاهُ اللَّهُ تَعالى ما أهمَّهُ مِنْ أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ". 464- وروينا في كتابي الترمذي [رقم: 2879] وابن السني [رقم: 75] ، بإسناد ضعيف، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَرأ: {حم} المؤمن، إلى: {إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [سورة غافر: 1- 3] ، وآيةَ الكُرْسِيّ [سورة البقرة: 255] حِينَ يُصْبحُ حُفِظَ بِهِمَا حتَّى يُمْسِي، وَمَنْ قَرأهُما حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِما حَتَّى يُصْبحَ". فهذه جملةٌ من الأحاديثِ التي قصدنا ذكرَها، وفيها كفايةٌ لمن وفّقه الله تعالى، نسألُ اللَّه العظيم التوفيقَ للعمل بها، وسائر وجوه الخير. __________ 1 قال الحافظ: في بعض طرقه: "إنه كان مثلكم ... " وزعم ابن عبد البرّ أنه صحابي، وذكره في "الاستيعاب".

465- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 56] ، عن طلق بن حبيب، قال: جاء رجلٌ إلى أبي الدرداء، فقال: يا أبا الدرداء! قد اخترق بيتُك، فقال: ما احترق، لم يكن الله عز وجل ليفعل ذلك، لكلماتٍ سمعتهنّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قالها أوّل نهاره لم تصبْه مصيبةٌ حتى يُمسي، ومَنْ قالها آخرَ النهار لم تصبْه مصيبةٌ حتى يُصبحَ: "اللَّهُمََّ أنْتَ رَبّي، لا إِلهَ إِلاََّ أَنْتَ، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وأنْتَ رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ، ما شاءَ اللَّهُ كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَلِيّ العَظِيمِ، أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كل شيء قديرٌ، وأن الله قد أحَاطَ بِكُلِّ شيءٍ عِلْماً؛ اللَّهُمَّ إِني أعوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرّ كُلّ دابةٍ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتها، إنَّ رَبِّي على صراطٍ مُسْتَقِيمٍ". 466- ورواه من طريق آخر [رقم: 57] ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقل عن أبي الدرداء؛ وفيه: أنه تكرّر مجيء الرجل إليه يقولُ: أدرِك دارَك، فقد احترقتْ. وهو يقول: ما احترقتْ، لأني سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن قال حين يُصبح هذه الكلمات" وذكر هذه الكلمات "لم يُصبه في نفسه، ولا أهله، ولا ماله شيء يكرهه"، وقد قلتها اليوم، ثم قال: انهضوا بنا! فقام، وقاموا معه، فانتهوا إلى داره، وقد احترق ما حولها، ولم يصبها شيء.

 بابُ ما يُقالُ في صَبيحةِ الجمعة:

467- اعلم أن كلَّ ما يُقال في غير يوم الجمعة يقال فيه، ويزداد استحبابُ كثرة الذكر فيه على غيره، ويزداد كثرةُ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. 468- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 82] ، عن أنسٍ رضي الله

عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قال صبيحة 1 يوم الجمعة قبل صلاة الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ، وأتوب إليه، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ 2 وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البحر" [مر برقم: 227؛ وسيرد برقم: 890] . 469- ويُستحبّ الإكثارُ من الدعاء في جميع يوم الجمعة، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، رَجاءَ مصادفة ساعة الإِجابة، فقد اختُلف فيها على أقوال كثيرةٍ، فقيل: هي بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس، وقيل: بعد طلوع الشمس، وقيل: بعد الزوال، وقيل: بعد العصر، وقيل: غير ذلك3. والصحيحُ، بل الصوابُ الذي لا يجوز غيرُه4 ما ثبت فيه "صحيح مسلم" [رقم: 853] ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنها ما بينَ جلوس الإِمام على المنبر إلى أن يُسَلِّم من الصلاة. __________ 1 في نسخة: "في صبيحة". 2 في نسخة: "غفر الله له ذنوبه". 3 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 429/2: القولان الأولان لا أصل لهما ثابت، والقولان الآخران هما أصح ما وردَ في ذلك، ووصف الشيخ الأقوال بأنها كثيرة جمع منها ابن القيم في "الهدي النبوي" أحد عشر قولاً، واجتمع لي منها نحو الأربعين، لكن بعضها يمكن تداخله، وقد بينتها في "فتح الباري" ناسبًا كل قولٍ لقائله مع بيان الكتاب الذي ذكر فيه مبينًا لحاله. اهـ. 4 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "نتائج الأفكار" 431/2: ومقتضى تعبير الشيخ بالصواب أن جميع ما ورد بخلاف ذلك خطأ، وفيه نظر، فإن بعضه صحيح أيضًا. وقد ذكر البيهقي في "فضائل الأوقات" أن مسلمًا رجح ما في حديث أبي موسى، ووافقه البيهقي ["السنن الكبرى" 250/3] وطائفة. ورجح آخرون ما في حديث عبد الله بن سلام، منهم أحمد وإسحاق كما نقله الترمذي عنهما، ونقل أيضًا عن أحمد قال: أكثر الأحاديث على أنها بعد العصر، قال: وترجى بعد الزوال. [الترمذي 361/2] . وفي هذا الكلام: إشارة إلى الجمع، وهو أولى من الترجيح فضلًا عن التخطئة. اهـ.

 بابُ ما يَقولُ إذا طلعتِ الشَّمس:

470- روينا في كتاب ابن السني [رقم: 146] بإسناد ضعيف، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلعت الشمس قال: "الحمدُ لِلَّهِ الَّذي جَلَّلَنا اليَوْمَ عافِيَتَهُ، وَجاءَ بالشَمْسِ مِنْ مَطْلَعِها؛ اللَّهُمَّ أصْبَحْتُ أشْهَدُ لَكَ بِما شَهِدْتَ بِهِ لِنَفْسِكَ، وَشَهِدَتْ بِهِ مَلائِكَتُكَ، وحَمَلَةُ عَرْشِكَ، وَجَمِيعُ خَلْقِكَ إنَّكَ أنتَ اللَّهُ، لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ القائِمُ بالقِسْطِ، لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، اكْتُبْ شَهادَتي بَعْدَ شَهادَةِ مَلائِكَتِكَ، وأُولِي العِلْمِ؛ اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ، وَمِنْكَ السَّلامُ، وَإِلَيْكَ السَّلامُ، أسألُكَ يا ذَا الجَلالِ والإِكْرَامِ أنْ تَسْتَجِيبَ لَنا دَعْوَتَنَا، وأنْ تُعْطِيَنَا رَغْبَتَنا، وأنْ تُغْنِينَا عَمَّنْ أغنينته عَنَّا مِنْ خَلْقِكَ؛ اللَّهُمَّ أصْلِحْ لي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أمْرِي، وأصْلِحْ لي دُنْيايَ الَّتِي فِيها مَعِيشَتِي، وأصْلِحْ لي آخِرَتِي الَّتِي إلَيْها مُنْقَلَبِي". 471- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 147] أيضًا، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، موقوفاً عليه، أنه جعلَ من يَرْقبُ له طلوع الشمس، فلما أخبره بطلوعها قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لَنَا هَذَا اليَوْمَ، وأقالَنا فِيهِ من1 عثراتنا". __________ 1 في نسخة بإسقاط: "من".

باب ما يقول إذا استقلت 1 الشَّمس: 472- روينا في كتاب ابن السني [رقم: 148] ، عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "ما تستقلُ الشمسُ فَيَبْقَى شَيْءٌ مِنْ خلقِ اللهِ تَعَالى إِلاَّ سَبَّحَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وحمدهُ إِلاَّ ما كانَ من الشيطان، وأعتى بَنِي آدَمَ" فَسألْتُ عن أعتي بَنِي آدَمَ؟ فَقالَ: "شرارُ الخلق". __________ 1 أي: ارتفعت. وفي مطبوع "عمل اليوم والليلة" لابن السني: "استعلت".

 بابُ ما يقولُ بعدَ زَوَال الشَّمسِ إلى العصر:

473- قد تقدم ما يقولُه إذا لبس ثوبه [رقم: 20] ، وإذا خرجَ مِنْ بَيْتِهِ [رقم: 25] ، وإذا دخلَ الخلاءَ [رقم: 28] ، وإذا خرج منهُ [رقم: 31] ، وإذا توضأ [الأرقام: 32-36] ، وإذا قصدَ المسجدَ [رقم: 39] ، وإذا وصلَ بابَه [رقم: 40] ، وإذا صارَ فيه [رقم: 41] ، وإذا سمع المؤذِّن والمقيم [رقم: 53] ، وما بين الأذان والإقامة [الأرقام: 54 - 57] ، وما يقولُه إذا أرادَ القيام للصلاة [رقم: 58] ، وما يقولُه في الصلاة من أوّلها إلى آخرها [الأرقام: 60 - 102] ، وما يقوله بعدها [رقم: 103] ، وهذا كلُّه يشتركُ فيه جميعُ الصلوات. 474- ويستحبّ الإِكثار من الأذكار وغيرها من العبادات عقبَ الزوال، لما روينا في كتاب الترمذي [رقم: 478] ، عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي أربعاً بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: "إنَّها ساعةٌ تُفْتَحُ فِيها أبْوَابُ السَّماءِ، فأُحِبُّ أنْ يَصْعَدَ لي فِيها عَمَلٌ صَالِحٌ" قال الترمذي: حديث حسن. 475- ويُستحبّ كثرةُ الأذكار بعد وظيفة الظهر، لعموم قول الله تعال: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55] . 476- قال أهل اللغة: "العشيُّ": من زوال الشمس إلى غروبها. قال الإِمام أبو منصور الأزهري: العشيّ عند العرب: ما بين أن تزولَ الشمس إلى أن تغرب.

 بابُ ما يقولُه بعدَ العصرِ إلى غُروبِ الشَّمس:

477- قد تقدم ما يقولُه بعدَ الظهر والعصر كذلك، ويُستحبُّ الإِكثارُ من الأذكار في العصر استحباباً متأكداً، فإنها الصلاة الوسطى على قول جماعات من السلف والخلف، وكذلك تُستحبُّ زيادةُ الاعتناء بالأذكار في الصبح. فهاتان الصلاتان أصحُّ ما قيل في الصلاة الوسطى. 478- ويُستحبُّ الإِكثارُ من الأذكار بعد العصر، وآخر النهار أكثر، قال الله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [سورة طه: 130] وقال الله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [سورة غافر: 55] وقال الله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [سورة الأعراف: 204] وقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 36، 37] وقد تقدم أن الآصال: ما بين العصر والمغرب. 479- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 675] بإسناد ضعيف، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلى أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أحَبَّ إِليَّ مِنْ أَنْ أعْتِقَ ثَمَانِيَةً من ولد إسماعيل". والله أعلم.

 بابُ ما يقولهُ إذا سمعَ أذانَ المغرب:

480- روينا في "سُنن أبي داود" [رقم: 530] ، والترمذي [رقم: 3589] ، عن أُمّ سلمة رضي الله عنها، قالت: علَّمني رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، أن أقول عند أذان المغرب: "اللَّهُمَّ هَذَا إقْبالُ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارُ نَهارِكَ، وأصْوَاتُ دُعاتِكَ، فاغفر لي".

 باب ما يقولُ بعدَ صَلاةِ المغرب:

481- قد تقدم قريباً أنه يقول عقيب كل الصلوات الأذكارَ المتقدمة، ويُستحبّ أن يزيدَ، فيقول بعد أن يصلّي سنّة المغرب ما رويناه في كتاب ابن السني [رقم: 663] ، عن أُمّ سلمة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاة المغرب يدخل فيصلي ركعتين، ثم يقول فيما يدعو: "يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا على دينك" [سيرد برقم: 2002] . 482- وروينا في كتاب الترمذي [رقم: 3534] ، عن عمارة بن شبيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قالَ لا إِلهَ إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحمدُ، يُحْيِي ويميتُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قديرٌ؛ عَشْرَ مَرَّاتٍ على أثَرِ المَغْرِبِ، بَعَثَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مسلحة يتكفلونه مِنَ الشَّيْطانِ حَتَّى يُصْبحَ، وَكَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِها عَشْرَ حَسَناتٍ مُوجِبات، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئاتٍ مُوبِقاتٍ، وكانَتْ لَهُ بِعِدْلِ عَشْرِ رِقابٍ مُؤْمناتٍ"، قال الترمذي: [هذا حديثٌ حسنٌ، و] لا نعرفُ لعمارة بن شبيب سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم. 483- قلتُ: وقد رواه النسائي في كتاب "عمل اليوم والليلة" من طريقين: أحدهما: [رقم: 577] هكذا، والثاني: [رقم: 578] عن عمارة، عن رجل من الأنصار. قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: هذا الثاني هو الصواب. 484- قلتُ قوله: "مَسلحة" بفتح الميم، وإسكان السين المهملة، وفتح اللام، وبالحاء المهملة، وهم: الحرس.

 بابُ ما يقرؤُه في صَلاةِ الوترِ وما يقوله بعدها:

485- والسنة لمن أوترَ بثلاث ركعات أن يقرأ في الأولى بعد [سورة] الفاتحة: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} وفي الثانية [سورة] : {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثالثة [سورة] : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمُعَوَّذَتَيْنِ، فإن نسي [سورة] : {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} في الأولى، أتى بها مع [سورة] : {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} في الثانية، وكذا إن نسيَ في الثانية [سورة] : {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} أتى بها في الثالثة مع [سورة] : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوّذتين. 486- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1423] ، النسائي [رقم: 729 في "عمل اليوم والليلة"] ، وغيرهما، بالإِسناد الصحيح، عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سلَّم من الوتر قال: "سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ". وفي رواية النسائي، وابن السني [رقم: 711] : "سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ" ثلاثَ مرّاتٍ. 487- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1427] ، والترمذي [رقم: 3566] والنسائي [رقم: 1747] ، عن عليّ رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في آخر وتره: "اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بك بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وأعُوذُ بِمُعافاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نَفْسِك". قال الترمذي: حديث حسن.

 بابُ ما يقولُ إذا أرادَ النومَ، واضطجعَ على فراشِه:

488- قال الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا

سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 190-194] . 489- وروينا في "صحيح البخاري" رحمه الله [رقم: 6324 و6325] ، من رواية حذيفة وأبي ذرّ رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه، قال: "باسمك اللهم أحيا وأموت" [مر برقم: 106] . 490- ورويناه في "صحيح مسلم" [رقم: 2711] ، من رواية البراء بن عازب رضي الله عنهما. 491- وروينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 6318] ومسلم [رقم: 2727] ، عن عليّ رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له ولفاطمة رضي الله عنهما: "إذَا أوَيْتُما إلى فِرَاشِكُما، أوْ إذَا أخَذْتُما مَضَاجِعَكُما، فَكَبِّرَا ثَلاثاً وَثَلاثِينَ، وَسَبِّحا ثَلاثاً وثَلاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاَثاً وَثَلاثِينَ". وفي رواية: "التَّسْبِيحُ أرْبَعاً وَثِلاثِينَ". وَفي رواية: "التَّكْبيرُ أرْبعاً وَثَلاثِينَ". قالَ عليّ: فما تركته منذ سمعتُه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قيل لهُ: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفّين. 492- وروينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 6320] ، ومسلم [رقم: 2714] ، عن أبي هريرة رضي الله عنهُ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا أوَى أحَدُكُمْ إلى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخلَةِ إِزَارِهِ، فإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَه عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: باسْمِكَ رَبي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أرفعه، إن أمسكت نَفْسِي فارْحَمْها، وَإِنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصالحين". وفي رواية: "ينفضه ثلاثة مرات". [داخلة الإزار: طرف الثوب، وراجع رقم: 532 التالي] .

493- وروينا في "الصحيحين" [البخاري، رقم: 6319؛ ومسلم، رقم: 2192] ، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه، وقرأ بالمعوّذات، ومسح بهما جسده. 493- وفي "الصحيحين" [البخاري، رقم: 5017؛ ومسلم، رقم: 2192] عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفّيه، ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما [سورة] {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و [سورة] {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و [سورة] {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ، ثُم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه، ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاثَ مرّاتٍ. 495- قال أهل اللغة: النفث: نفخ لطيفٌ بلا ريقٍ. [" التبيان في آداب حملة القرآن" للنووي، رقم: 445 و464] . 496- وروينا في "الصحيحين" [البخاري، رقم: 5009؛ ومسلم، رقم: 808] عن أبي مسعود الأنصاري البدري: عقبة بن عمرو رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الآيَتانِ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مَنْ قَرأهُما1 في ليلةٍ كَفَتاهُ"، [وهما قوله سبحانه وتعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} ، "التبيان" للنووي، رقم: 462؛ وسيرد برقم 1966] . __________ 1 في نسخة: "قرأ بهما".

497- اختلف العلماء في معنى "كفتاهُ" فقيل: كفتاه من الآفات في كل ليلته، وقيل: كفتاه من قيام ليلته. قُلت: ويجوز أن يُراد الأمران1. 498- وروينا في "الصحيحين" [البخاري، رقم: 6313 و6315؛ ومسلم، 2710] عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ على شِقِكَ الأيْمَنِ، وقُل: اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إِلَيْكَ، وَألجأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةَ وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا ملجأ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِليْكَ، آمَنْتُ بِكِتابِكَ الَّذي أنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذي أَرْسَلْتَ؛ فإنْ مِتَّ مِتَّ على الفِطْرَةِ، واجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَقُولُ". هذا لفظ إحدى روايات البخاري، __________ 1 قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في "فتح الباري" عند الحديث رقم 5009: قوله: "كفتاه" أي: أجزأنا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقًا، سوءًا كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل: معناه أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالًا، وقيل: معناه: كفتاه كل سوء، وقيل: كفتاه شر الشيطان، وقيل دفعتا عنه شر الإنس والجن، وقيل: معناه: كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، وكأنهما اختصتا بذلك لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم، وذكر الكرماني عن النووي أنه قال: كفتاه عن قراءة سورة الكهف وآية الكرسي، كذا نقل عنه جازمًا به، ولم يقل ذلك النووي، وإنما قال ما نصه: قيل: معناه كفتاه من قيام الليل، وقيل: من الشيطان، وقيل: من الآفات، ويحتمل من الجميع. وهذا آخر كلامه. وكأن سبب الوهم أن عند النووي عقب هذا باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، فلعل النسخة التي وقعت للكرماني سقط منها لفظ "باب" وصحفت "فضل" فصارت: "وقيل،" واقتصر النووي في "الأذكار" على الأول والثالث نقلاً، ثم قال: قلت: ويجوز أن يراد الأولان. انتهى. وعلى هذا فأقول: يجوز أن يراد جميع ما تقدم؛ والله أعلم. والوجه الأول ورد صريحًا من طريق عاصم، عن علقمة، عن أبي مسعود رفعهُ: "إن الله كتب كتابًا وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، لا يقرآن في دار فيقربهما الشيطان ثلاث ليالٍ" أخرجه الحاكم [562/1، رقم: 2065] وصححه، وفي حديث معاذ لما أمسك الجني وآية ذلك "لا يقرأ أحد منكم خاتمة سورة البقرة فيدخل أحدٌ منا بيته تلك الليلةٌ" أخرجه الحاكم أيضًا [563/1، رقم: 2068] .

وباقي رواياته وروايات مسلم مقاربة لَهَا. 499- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 2311] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: وكَّلني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ، فجعل يحثو على الطعام؛ وذكر الحديث، وقال في آخره: إذا أويتَ إلى فراشِكَ فاقرأ آيةَ الكرسي، فإنه لن يزالَ معكَ من الله تعالى حافظٌ، ولا يقرُبك شيطانٌ حتى تُصْبِحَ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيطانٌ". أخرجهُ البُخاري في "صحيحه"، فقال: وقال عثمانُ بن الهيثم: حدّثنا عوفٌ، عن محمدِ بن سيرين، عن أبي هريرة؛ وهذا مُتصلٌ، فإن عُثمان بن الهيثمِ أحدِ شيوخِ البخاري الذين روى عنهم في "صحيحه". وأما قول أبي عبد الله الحميدي في "الجمع بين الصحيحين": إن البخاري أخرجه تعليقاً، فغير مقبولٍ؛ فإن المذهب الصحيح المختار عند العلماء، والذي عليه المحقّقون؛ أن قول البخاري وغيره: "وقال فلانٌ" محمولٌ على سماعه منه، واتصاله إذا لم يكن مدلِّساً، وكان قد لقيَه، وهذا من ذلك. وإنما المعلَّقُ ما أسقط البخاري منه شيخه أو أكثر بأن يقول في مثل هذا الحديث: وقال عوف، أو: قال محمد بن سيرين، أو: أبو هريرة؛ والله أعلم1. 500- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5045] ، عن حفصة أُمّ المؤمنين رضي الله عنها، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أرادَ أن يرقدَ وضعَ يدَه اليمنى __________ 1 قال الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" 47/3: والذي ذكره الشيخ [النووي] عن الحميدي ونازعه فيه لم ينفرد به الحميدي، بل تبع فيه الإسماعيلي والدراقطني والحاكم وأبا نعيم وغيرهم، وهو الذي عليه كل المتأخرين من الحفاظ، كالضياء المقدسي، وابن القطان، وابن دقيق العيد والمزي. وقد قال الخطيب في "الكفاية" [صفحة: 289] : لفظه "قال" لا تحملُ على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه يقولها إلا في موضوع السماع، والله أعلم. اهـ.

تحتَ خَدِّهِ، ثم يَقَول: "اللَّهُمَّ قِني عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبادَكَ" ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ورواه الترمذي [رقم: 3398] من رواية حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: حديث حسن صحيح1. ورواه أيضاً [رقم: 3399، ومسلم، رقم: 709] من رواية البراء بن عازب، ولم يذكر فيها ثلاثَ مرّاتٍ. 501- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2713] ، و"سنن أبي داود" [رقم: 5051] ، والترمذي [رقم: 3400] ، والنسائي [في "عمل اليوم والليلة" رقم: 790] ، وابن ماجه [رقم: 2873] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقولُ إذا أوى إلى فراشه: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ، وَرَبَّ الأرْضِ، وَرَبََّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فالِقَ الحَبّ والنوى، منزل التوارة وَالإِنجِيلِ وَالقُرآنِ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ كُلّ ذِي شَرٍّ أنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عنا الدَّيْنَ، وأغْنِني مِنَ الفَقْرِ". وفي رواية أبي داود: "اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وأغْنِني مِنَ الفَقرِ". 502- وروينا -بالإِسناد الصحيح- في "سنن أبي داود" [رقم: 5052] والنسائي [في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، رقم: 10252] عن عليّ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند مضجعه: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِوَجْهِكَ الكَرِيمِ، وَكَلِماتِكَ التَّامَّة، من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللَّهُمّ أنْتَ تَكْشِفُ المَغْرَمَ والمَأثمَ، اللَّهُمَّ لا يُهْزَمُ جُنْدُكَ، وَلا يُخْلَفُ وَعْدُكَ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ" [مر برقم: 444] . 503- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2715] ، و"سنن أبي داود" __________ 1 وفي نسخة: "حديث صحيح حسن".

[رقم: 5053] والترمذي [رقم: 3396] ، عن أنس رضي الله عنهُ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَنا وَسَقَانا وكَفانا وآوَانا، فَكَمْ مِمَّنْ لا كافِيَ لَهُ وَلا مُؤْوِيَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. 504- وروينا - بالإِسناد الحسن - في "سنن أبي داود" [رقم: 5054] ، عن أبي الأزهر، -ويقالُ: أبو زهير- الأنماري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال: "باسْمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذنبي، وأخسئ شَيْطانِي، وَفُكَّ رِهانِي، وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيّ الأعْلَى". النديّ: بفتح النون، وكسر الدال، وتشديد الياء. وروينا عن الإِمام أبي سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي رحمه الله في تفسير هذا الحديث ["معالم السنن" 144/4] قال: النديّ: القوم المجتمعون في مجلس، ومثله النادي، وجمعه أندية. قال: يريدُ بالنديّ الأعلى: الملأ الأعلى من المَلائِكَةُ. 505- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5055] والترمذي [رقم: 3403] ، عن نوفل الأشجعي رضي الله عنهُ، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقْرأ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ثُمَّ نَمْ على خاتِمَتِها، فإنَّها بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ". 506- وفي "مسند أبي يعلى الموصلي، ["مجمع الزوائد" 121/10] عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " ألا أدُلُّكُمْ على كَلِمَةٍ تُنَجِّيكُمْ من الإشراك بالله عز وجل؟ تقرءون {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} عِنْدَ مَنَامِكُمْ".

507- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5057] ، والترمذي [رقم: 3406] ، عن عرباض بن ساريةَ رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد. قال الترمذي: حديث حسن. [والمسبحاتُ، هي السورُ التي تفتتح بقوله تعالى: {فَسَبِّحْ} أو {وَيُسَبِّحُونَهُ} وهي: الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى] . 508- وروينا عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا ينامُ حتى يقرأ بني إسرائيل [أي: سورة الإسراء] ، والزمر. قال الترمذي [رقم: 2920] : حديثٌ حسنٌ ["التبيان" رقم: 470] . 509- وروينا بالإِسناد الصحيح في "سنن أبي داود" [رقم: 5058] ، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقولُ إذا أخذ مضجعه: "الحمدُ لِلَّهِ الَّذي كفاني وآوَانِي وأطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَالَّذِي مَنَّ عَليَّ فأفْضَلَ، وَالَّذي أعطانِي فأجْزَل؛ الحمدُ لِلَّهِ على كُلّ حالٍ؛ اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ ومليكهُ، وَإِلهَ كُلِّ شَيْءٍ، أعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ". 510- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3397] ، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قَالَ حِينَ يَأوِي إلى فِرَاشِهِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتوب إليه، ثلاث مرات، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر، وَإِنْ كانَتْ عَدَدَ النُّجُومِ، وَإِنْ كانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عالجٍ، وَإِنْ كانَتْ عَدَدَ أيَّامِ الدُّنْيَا". 511- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3898] وغيره، بإسناد صحيح، عن رجل من أسلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: كنتُ جالساً عند

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاء رجلٌ من أصحابه، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! لُدِغْتُ الليلةَ فلم أنم حتى أصبحتُ، قال: "مَاذَا"؟ قال: عقربٌ، قال: "أما إنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أمْسَيْتَ: أعُوذُ بكلمات الله التامات من شر ما خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ إنْ شاءَ الله تعالى". 512- وروينا أيضاً في "سنن أبي داود" [رقم: 3899] وغيره من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وقد تقدم [رقم: 436] روايتنا له عن "صحيح مسلم" [رقم: 2709] في باب: ما يقالُ عند الصباح والمساء. 513- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 723] ، عن أنس رضي الله عنه، أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أُوصِي رجلاً إذا أخذ مضجعه أن يقرأ سورة الحشر، وقال: "إنْ مِتَّ مِتَّ شَهِيداً"، أو قال: "مِنْ أهْلِ الجَنَّةَ". 514- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2712] ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه أن يقول: "اللَّهُمَّ أنْتَ خَلَقْتَ نَفْسِي، وأنْتَ تَتَوَفَّاها، لَكَ مَمَاتُها وَمَحْياها، إنْ أحْيَيْتَها فاحْفَظْها، وَإنْ أمَتَّها فاغْفِرْ لَهَا؛ اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ العافِيَةَ". قال ابن عمر: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. 515- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5067] ، والترمذي [رقم: 3392] ، وغيرهما، بالأسانيد الصحيحة؛ حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي قدَّمناه في 105 - باب: ما يقول عند الصباح والمساء [رقم: 437] في قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ ومليكه، أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، أعوذ بك من شر نفسي، وَشَرّ الشَّيْطانِ وَشِرْكِهِ، قُلْها إذَا أَصْبَحْتَ وَإذَا أَمْسَيْتَ وَإذَا اضْطَجَعْتَ".

516- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3407] ، وابن السني [رقم: 751] ، عن شداد بن أوسٍ رضي الله عنهُ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ مُسْلِمٍ يأوي إلى فِرَاشِهِ، فَيَقْرأُ سُورَةً مِنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى حِينَ يأخذُ مضجعهُ إِلاَّ وَكَّلَ اللَّهُ عز وجل بِهِ مَلَكاً لا يَدَعُ شَيْئاً يَقْرَبُهُ يُؤْذِيهِ حتَّى يَهُبَّ من نومه مَتَى هَبَّ" إسناده ضعيف. ومعنى هبّ: انتبه وقام. 517- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 750] ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ الرَّجُلَ إذَا أوَى إلى فِرَاشِهِ ابْتَدَرَهُ مَلَكٌ وشيطانٌ، فَقَالَ المَلَكُ: اللَّهُمَّ اخْتِمْ بِخَيْرٍ، وقال الشيطان: اللهم اخْتِمْ بِشَرّ؛ فإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى، ثُمَّ نامَ، باتَ المَلَكُ يَكْلَؤهُ". 518- وروينا فيه [رقم: 719] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقولُ إذا اضجع للنوم: "اللَّهُمَّ باسْمِكَ رَبي، وَضَعْتُ جَنْبِي، فاغْفِرْ لي ذَنْبِي". 519- وروينا فيه [رقم: 724] ، عن أبي أمامة رضي الله عنهُ، قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "مَنْ أوَى إلى فِرَاشِهِ طاهِراً، وَذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعاسُ، لَمْ ينقلب 1 ساعَةً مِنَ اللَّيْلِ يَسألُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيها خَيْراً مِنْ خَيْر الدُّنْيا والآخرَةِ إِلاَّ أعْطاهُ إيَّاهُ". 520- وروينا فيه [رقم: 739] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أوى فراشه، قال: "اللَّهُمَّ متعني 2 بِسَمْعِي وَبَصَرِي، وَاجْعَلْهُما الوَارِثَ مِنِّي، وَانْصُرْنِي على عَدُوِّي، وَأرِنِي منه ثَأْرِي، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَمِنَ الجُوعِ فإنَّهُ بِئْسَ الضجيع". __________ 1 في بعض النسخ: "يتقلب". 2 في بعض النسخ: "أَمْتِعْنِي".

قال العلماء: معنى "اجعلهما الوارث مني" أي: أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت، وقيل: "المرادُ بقاؤهما وقوتهما عند الكِبَر وضعف الأعضاء وباقي الحواس، أي: اجعلهما وارثيْ قوّة باقي الأعضاء، والباقِيَيْن بعدها؛ وقيل: المرادُ بالسمع: وعي ما يسمعُ والعملُ به، وبالبصر: الاعتبار بما يرى. وروي: "وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنِّي" فَرَدَّ الهاء إلى الإِمتاع، فوحَّدَه. 521- وروينا فيه [رقم: 741] ، عن عائشة -رضي الله عنها- أيضاً، قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، منذ صحبته ينامُ حتى فارقَ الدنيا، حتى يتعوّذ من الجبن والكسل والسآمة والبخلِ وسوءِ الكِبَر وسوء المنظر في الأهل والمال، وعذاب القبر، ومن الشيطان وشَرَكِه. 522- وروينا فيه [رقم: 748] ، عن عائشة [رضي الله عنها أيضاً] ، أنها كانتْ إذا أرادتْ النومَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ رُؤْيا صَالِحَةً صَادِقَة غَيْرَ كاذبةِ، نافِعَةً غَيْرَ ضارةٍ. وكانتْ إذا قالت هذا قد عرفُوا أنها غيرُ متكلمةٍ بشيءٍ حتى تُصبح، أو تستيقظَ من الليل. 523- وروى الإِمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود [في كتاب "شريعة القارئ" كما نقله ابن علان 170/3] بإسناده عن علي رضي الله عنهُ: قال: ما كنتُ أرى أحداً يعقلُ ينامُ قبل أن يقرأ الآيات الثلاث الأواخر من سورة البقرة. إسنادهُ صحيحٌ على شرط البخاري ومسلمٍ. ["التبيان" للنووي، رقم: 466] . 524- وروي1 أيضاً عن عليّ رضي الله عنهُ: ما أرى أحداً يعقلُ، دخلَ في الإِسلام، ينامُ حتى يقرأ آيةَ الكرسي [سورة البقرة: 255] ["التبيان" للنووي، رقم: 462 و465] . __________ 1 جاء الضبط في بعض النسخ: "ورُوي"؛ فليحرر.

525- وعن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يُعلّمونهم إذا أووا إلى فراشهم أن يقرءوا المعوذتين. [سورة الفلق، وسورة الناس] ، ["التبيان"، رقم: 469] . وفي رواية: كانوا يستحبون أن يقرءوا هؤلاء السور في كلّ ليلة ثلاثَ مرات: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوّذتين [سورة الفلق، وسورة الناس] . إسناده صحيح على شرط مسلم ["التبيان"، رقم: 468] . واعلم أن الأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرةٌ، وفيما ذكرناهُ كفاية لمن وُفِّق للعمل به، وإنما حذفنا ما زاد عليه خوفاً من الملل على طالبه، والله أعلم؛ ثم الأولى أن يأتيَ الإِنسانُ بجميع المذكور في هذا الباب، فإن لم يتمكن اقتصرَ على ما يقدرُ عليه من أهمه.

 بابُ كراهةِ النوْم مِن غيرِ ذِكْرِ اللَّه تَعالى:

526- روينا في "سنن أبي داود " [رقم: 5059] ، بإسناد جيد، عن أبي هريرة رضي الله عنهُ، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قَعَدَ مَقْعَداً لَمْ يَذْكُر اللَّهَ تَعَالى فِيهِ كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعاً لا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى فِيهِ كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى تِرَةٌ" [وسيرد برقم: 1546] . قلت: "الترة" بكسر التاء المثناة فوق وتخفيف الراء، ومعناهُ: نقص، وقيل: تبعة.

بابُ ما يقول إذا استيقظَ في الليل، وأرادَ النَّومَ بعدَه: 527- اعلم أن المستيقظ بالليل على ضربين: أحدهُما من لا ينام بعدَه، وقد قدَّمنا في أوّل الكتاب أذكارَه [الأرقام: 105 - 111] . والثاني من يُريد النوم بعدَه؛ فهذا يُستحبّ له أن يذكرَ الله تعالى إلى أن يغلبه النوم، وجاء فيه أذكار كثيرةٌ، فمن ذلك ما تقدم في الضرب الأوّل. 528- ومن ذلك ما رويناه في "صحيح البخاري" [رقم: 1154] ، عن عُبادة بن الصامت -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ تَعارَّ من اللَّيلِ فَقالَ: لا إِلهَ إِلاََّ اللَّهُ وحدهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحمد، وَهُوَ على كُلّ شيء قدير، والحمدُ لِلَّهِ، وَسُبْحانَ اللَّهِ، وَلا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أكْبَرُ، وَلا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله"، ثم قال: "اللَّهُمَّ اغْفرْ لي، أوْ دَعا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فإنْ تَوَضَّأ قُبِلَتْ صَلاتُهُ". هكذا ضبطناه في أصل سماعنا المحقق، وفي النسخ المعتمدة من البخاري، وسقط قول: "ولا إِله إلاّ الله" قبل: "والله أكبر" في كثير من النسخ، ولم يذكره الحميدي أيضاً في "الجمع بين الصحيحين" وثبت هذا اللفظ في رواية الترمذي [رقم: 3414] وغيره، وسقط في رواية أبي داود [رقم: 5060] . وقوله: "اغفر لي، أو دعا" هو شك من الوليد بن مسلم أحد الرواة، وهو شيخ شيوخ البخاري وأبي داود والترمذي وغيرهم في هذا الحديث. وقوله صلى الله عليه وسلم: "تعارّ" هو بتشديد الراء، ومعناه: استيقظ. 529- وروينا في "سنن أبي داود"، بإسناد لم يضعفه [رقم: 5061] ، عن عائشة -رضي الله عنها- أيضاً، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا استيقظ من الليل قالَ: "لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، سُبْحانَكَ؛ اللَّهُمَّ أسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وأسألُكَ رَحْمَتَكَ؛ اللَّهُمَّ زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لِي مِنْ لَدُنْكَ رحمة، إنك أنت الوهاب". [مر برقم: 111] . 530- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 762] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان -تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- إذا تعارّ من الليل قالَ: "لا

إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفَّارُ". 531- وروينا فيه [رقم: 758] ، بإسناد ضعيف، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا رَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلى العَبْدِ المُسْلِمِ نَفْسَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَسَبََّحَهُ وَاسْتَغْفَرَهُ ودعاهُ، تَقَبَّلَ مِنْهُ". 532- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3401] وابن ماجه [رقم: 3874] ، وابن السني [رقم: 770] ، بإسناد جيد، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحَدُكُمْ عَنْ فِرَاشِهِ مِنَ اللَّيْلِ ثم عادَ إِلَيْهِ، فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ إِزَارِهِ ثَلاث مَرَّاتٍ، فإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عَلَيْهِ، فإذَا اضْطَجَعَ فَلْيَقُلْ: باسْمِكَ اللَّهُمَّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أرفعهُ، إن أمسكت نَفْسِي فارْحَمْها، وَإِنْ رَدَدْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصَّالِحين". قال الترمذي: حديث حسن. قال أهل اللغة: "صَنِفة الإِزار" بكسر النون: جانبه الذي لا هدب فيه، وقيل: جانبه، أيّ جانب كان. [راجع رقم: 492 السابق] . 533- وروينا في "موطأ الإِمام مالك رحمه الله" [219/1] في باب الدعاء، آخر كتاب الصلاة؛ عن مالك، أنه بلغه عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه كان يقوم من جوف الليل، فيقول: نامَتِ العُيُونُ، وَغارَتِ النُّجُومُ، وأنْتَ حَيٌّ قَيُوم. قلتُ: معنى "غارت": غربت.

 بابُ ما يقولُ إذا قلقَ في فراشِه فلم ينمْ:

534- روينا في "كتاب ابني السني" [رقم: 754] ، عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: شكوتُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرَقاً أصابني، فقال: "قُل: اللَّهُمَّ غارَتِ النجومُ، وَهَدأتِ العيونُ، وأنْتَ حَيُّ قيومٌ، لا تَأخُذُكَ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ، يا حيُّ يا قيوم، أهدئ لَيْلي، وأنِمْ عَيْنِي"، فقلتُها، فأذهب اللَّه عزّ وجلّ عني ما كنتُ أجدُ. 535- وروينا فيه [رقم: 755] ، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان -بفتح الحاء وبالباء الموحدة- أن خالد بن الوليد رضي الله عنه أصابَه أرقٌ، فشكا ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمره أن يتعوّذ عند منامه بكلماتِ اللَّه التَّامَّات من غضبه، ومن شرّ عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون. هذا حديث مرسلٌ، محمد بن يحيى تابعي. قال أهل اللغة: "الأرقُ" هو: السهر. 536- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3523] ، بإسناد ضعيفٍ، وضعَّفه الترمذي، عن بُريدة -رضي الله عنه- قال: شكا خالد بن الوليد -رضي الله عنه- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! ما أنامُ الليل من الأرق؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَقُلْ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَما أظَلَّتْ، وَرَبَّ الأَرضينَ وَمَا أقَلَّتْ، وَرَبَّ الشَّياطِينِ وَمَا أضَلَّتْ، كُنْ لي جاراً من شر خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعاً أنْ يَفْرطَ عليّ أحد منهم، وأن يَبْغي عليَّ؛ عَزَّ جارُكَ، وَجَلَّ ثَناؤُكَ، وَلا إِلهَ غَيْرُكَ، وَلا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ". __________ 1 قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في "نتائج الأفكار" 3/ 111: هذا مرسل الإسناد، أخرجه ابن السني، عن علي بن محمد، عن محمد بن أحمد بن النضر، عن مسدد، عن سفيان بن عيينة؛ فوقع لنا عاليًا بدرجتين. وأيوب بن موسى ثقة من رجال الصحيحين، لكن خالفه يحيى بن سعيد الأنصاري؛ فرواه عن محمد بن يحيى، لكن جعل القصة للوليد بن الوليد، وهو أخو خالد بن الوليد. اهـ. ثم قال عن الرواية التي فيها ذكر الوليد بن الوليد: وهذا مرسل صحيح الإِسناد، أخرجه البغوي في "معجم الصحابة" من رواية أبي شهاب عن يحيى بن سعيد. وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" [75/4 و6/6] عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن يحيى؛ لكن قال في روايته: عن الوليد بن الوليد. وهكذا وقع عند البغوي من وجه آخر عن أبي شهاب، ولم يخرج السند بذلك من الانقطاع، فإن محمد بن يحيى من صغار التابعين، وجلّ روايته عن التابعين، والوليد بن الوليد مات في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا الذكر قد جاء في قصة أخرى لخالد بن الوليد كما سيأتي قريبًا [راجع رقم: 693 التالي] ، فيحتمل أن يكون وقع لكل من خالد والوليد وإن اتحد الدعاء المذكور؛ والله أعلم. اهـ.

 بابُ ما يقولُ إذا كانَ يفزعُ في منامه:

537- روينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3893] ، والترمذي [رقم: 3528] ، وابن السني [رقم: 753] ، وغيرها؛ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يعلمهم من الفزع كلمات: "أعوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّةِ من غضبه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون". قال [أبو داود] : وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه فعلَّقه عليه. قال الترمذي: حديث حسنٌ. 538- وفي رواية ابن السني [رقم: 753] : جاء رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فشكا أنه يفزعُ في منامه، فقالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: "إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فَقُلْ: أعوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غضبه، ومن شر عباده، ومن همزات الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضرُونِ"، فقالها، فذهب عنه. [وراجع الباب 162 التالي] .

 بابُ ما يقولُ إذا رَأى في منامِه ما يُحِبُّ أو يَكرهُ:

539- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: 6985] ، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذَا رَأى أحَدُكُمْ رُؤْيا يُحِبُّها، فإنَّمَا هِيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلْيَحْمَدِ اللَّه تَعالى عَلَيْها، وَلْيُحَدّثْ بِها". وفي رواية: "فَلا يُحَدِّثْ بِها إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ" - "وَإذَا رأى غَيْرَ ذلكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فإنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّها، وَلا يَذْكُرْها لأحَدٍ، فإنها لا تَضُّرُّهُ". 540- وروينا في "صحيحي البخاري" [رقم: 5747] ومسلمٍ [رقم:

2261] ، عن أبي قتادةٍ -رضي الله عنهُ- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: "الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ" - وفي رواية: "الرُّؤْيا الحسنةُ" - "مِنَ اللَّهِ، والحلمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَمَنْ رأى شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسارِهِ 1 ثَلاثاً، وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطان، فإنَّهَا لا تَضُرُّهُ". وفي رواية: "فَلْيَبْصُقْ" بدل: "فلينفثْ"، والظاهر أن المراد النفث، وهو: نفخٌ لطيفٌ لا ريق معهُ. 541- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2262] ، عن جابر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إِذَا رأى أحَدُكُمُ الرُّؤيا يَكْرَهُها فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسارِهِ ثَلاثاً، وَلْيَسْتَعِذْ باللَّه مِنَ الشَّيْطانِ ثَلاثاً، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الذي كان عليه". 542- وروى الترمذي [رقم: 2292] ، من رواية أبي هريرة مرفوعاً: "إذَا رأى أحَدُكُمْ رُؤْيا يَكْرهَها فَلا يُحَدِّثْ بها أحَداً، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ". 543- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 775] ، وقال فيه: "إذَا رَأى أحَدُكُمْ رُؤْيا يَكْرَهُها فَلْيَتْفُلْ عن يَسَارِهِ ثَلاث مراتٍ، ثُمَّ ليَقُلِ: اللَّهمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَمَل الشَّيْطانِ، وَسَيِّئاتِ الأحْلامِ؛ فإنَّهَا لاَ تَكُونُ شَيْئاً". __________ 1 في نسخة: "شماله".

بابُ ما يقولُ إذا قُصَّتْ عليه رُؤيا: 544- روينا في "كتاب ابن السني " [رقم: 778] ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمن قال لهُ: رأيت رؤيا، قال: "خَيْراً رَأيْتَ، وخَيْراً يَكُونُ". 545- وفي رواية [رقم: 777] : "خبر تلقاهُ، وشرٌ توقاهُ، خيرٌ لنا، وشرٌ على أعْدَائِنا، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ". والله أعلم.

بابُ الحَثّ على الدًّعاء والاستغفارِ في النصفِ الثاني من الليل كلِّ ليلة: 546- روينا في "صحيحي البخاري" [رقم: 7494] ومسلم [رقم: 758] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ينزلُ رَبُّنا كُلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنياء حِينَ يَبْقَى ثلثُ اللَّيْل الآخرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْألُني فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِر لَهُ"؟. وفي رواية لمسلم [رقم: 169/758] : "ينزلُ اللَّهُ سبحانهُ وَتَعالى إلى السَّماءِ الدُّنْيا كُلَّ ليلةٍ حِينَ يَمْضِي ثلثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ، فيقولُ: أنا الملكُ، أنا الملكُ، مَنْ ذَا الَّذي يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذي يَسألُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ لَهُ؟ فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ حتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ". وفي رواية [رقم: 171/758] : "إِذَا مَضَى شطرُ اللَّيْلِ أوْ ثُلثُاه". 547- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 875] والترمذي [رقم: 3574] ، عن عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أقْرَبُ ما يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخر، فإن اسْتَطَعْتَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح.

 بابُ الدُّعاءِ في جَميع ساعاتِ الليل كلِّه رجاءَ أن يُصادف ساعةَ الإِجابة:

548- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: 757] ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "إِنَّ في اللَّيْلِ لَساعَةً لا يُوافِقُها رجلٌ مسلمٌ يسألُ الله تعالى خيرًا مِنْ أمْرِ الدُنيا والآخِرَةِ إلاَّ أعْطاهُ اللَّهُ إياهُ، وَذلكَ كل ليلة".

 بابُ أسماء الله الحسنى:

قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] . 549- وعن أبي هريرة -رضي الله عنهُ- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ لِلَّهِ تَعالى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مائة إِلاَّ وَاحِداً، مَنْ أحْصَاها دَخَلَ الجَنَّةَ، إنه وترٌ يحبُ الوتر. هُوَ اللَّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، المَلِكُ، القُدُّوسُ، السلامُ، المؤمنُ، المهيمنُ، العَزِيزُ، الجَبَّارُ، المُتَكَبِّرُ، الخالِقُ، البارئ، المُصَوّرُ، الغفارُ، القهارُ، الوهابُ، الرزاقُ، الفتاحُ، العليمُ، القابضُ، الباسطُ، الخافضُ، الرافعُ، المُعِزُّ، المذلُ، السميعُ، البَصِيرُ، الحكمُ، العدلُ، اللطيفُ، الخبيرُ، الحليمُ، العظيمُ، الغفورُ، الشكورُ، العليُ، الكبيرُ، الحفيظُ، المغيثُ، الحَسِيبُ، الجليلُ، الكريمُ، الرقيبُ، المجيبُ، الواسعُ، الحكيمُ، الودودُ، المجيدُ، الباعثُ، الشهيدُ، الحقُ، الوكيلُ، القويُ، المتينُ، الوَليُّ، الحميدُ، المحصي، المبدئُ، المعيدُ، المُحْيِي، المميتُ، الحيُ، القَيُّومُ، الوَاجِدُ، الماجدُ، الواحدُ، الصمدُ، القادرُ، المقتدرُ، المقدمُ، المؤخرُ، الأولُ، الآخرُ، الظاهرُ، الباطنُ، الوَالي، المتعالِ، البَرُّ، التوابُ، المنتقمُ، العفوُ، الرؤوفُ، مالكُ الملكِ، ذُو الجلالِ وَالإِكْرَامِ، المقسطُ، الجامعُ، الغَنِيُّ، المُغْنِي، المانعُ، الضَّار، النافعُ، النورُ، الهَادِي، البديعُ، الباقِي، الوَارِثُ، الرشيدُ، الصَّبُورُ". هذا حديث [رواهُ] البخاري [رقم: 6410] ، ومسلم [رقم: 2677] إلى قوله: "يحبّ الوتر"، وما بعده حديثٌ حسنٌ، رواهُ الترمذي [رقم: 3507] وغيره [كابن ماجه، رقم: 3861] . قوله: "المغيثُ"، رُوي بدلهُ: "المقيتُ" بالقاف والمثناةِ، وروي:

"القريبُ" بدل: "الرقيب"، وروي: "المبين" بالموحدة بدل: "المتين" بالمثناة فوق، والمشهور: "المتين". ومعنى "أحصاها": حفظها، هكذا فسره البخاري والأكثرون، ويؤيده أن في رواية في "الصحيح" [عند مسلم، رقم: 5677] : "مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ". وقيل: معناه من عرف معانيها، وآمن بها، وقيل: معناه: من أطاقها1 يُحسن الرعاية لها، وتخلَّق بما يمكنه من العمل بمعانيها؛ والله أعلم2. __________ 1 في نسخة: "أحصاها". 2 كنت طبعت كتاب "المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" لحجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي، ومختصر له ليوسف بن إسماعيل النبهاني، اسمه "مختصر المقصد الأسني"؛ وكلاهما من منشروات الجفان والجابي للطباعة والنشر، لماسول، قبرص؛ فراجعهما فإنهما مفيدان.

كتاب تلاوة القرآن تلاوة القرآن فصل في المحافظة على قراءة القرآن

  كتاب تلاوة القرآن:

[تلاوة القرآن] : 550- اعلم أن تلاوة القرآن هي أفضل الأذكار، والمطلوب القراءة بالتدبر، وللقراءة آدابٌ ومقاصد، وقد جمعت قبل هذا فيها كتاباُ1 مختصرًا مشتملاً على نفائس من آداب القرّاء والقراءة، وصفاتها، وما يتعلق بها، لا ينبغي لحامل القرآن أن يخفى عليه مثله، وأنا أشيرُ في هذا الكتاب إلى مقاصدَ من ذلك مختصرة، وقد دللتُ من أراد ذلك، وإيضاحه على مظنته، وبالله التوفيق.

  125- فضل [في المحافظة على قراءة القرآن] :

551- ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلاً ونهاراً، سَفَرًا وحَضَرًا، وقد كانت للسلف رضي الله عنهم عاداتٌ مختلفةٌ في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعةٌ منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثماني ليالي ختمة، وآخرون في كل سبع ليالٍ ختمة، وهذا فعل الأكثرين من السلف، وآخرون في كل ستّ ليالٍ، وآخرون في خمس، وآخرون في أربع، __________ 1 هو "التبيان في آداب حملة القرآن"، وقد حققته وطبعته لدى الجفان ولجابي للطباعة والنشر، ليماوسل، قبرص؛ وكذلك مختصره الذي اختصره الإمام النووي نفسه رحمه الله تعالى.

وكثيرون في كل ثلاث ختمة1، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة، وختم جماعةٌ في كل يوم وليلةٍ ختمتين، وآخرون في كل يوم وليلةٍ ثلاث ختماتٍ، وختمُ بعضهم في اليوم والليلة ثماني ختماتٍ: أربعاً في الليل، وأربعاً في النهار. ["التبيان" للنووي، رقم: 99] . 552- وممّن ختم أربعاً في الليل وأربعاً في النهار السيدُ الجليلُ [أبو علي الحسنُ بن أحمد] ابن الكاتب الصوفي -رضي الله عنهُ- وهذا أكثرُ ما بلغنا في اليوم والليلة. ["التبيان" للنووي، رقم: 104] . 553- وروى السيد الجليل أحمد [بن إبراهيم] الدورقي -بإسناده- عن منصور بن زاذان من عباد التابعين -رضي الله عنه- أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر، ويختمه أيضاً فيما بين المغرب والعشاء، ويختمه فيما بين المغرب والعشاء في رمضان ختمتين وشيئاً، وكان يؤخر العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل ["حلية الأولياء" 57/3 و58؛ "مختصر قيام الليل" صفحة: 158؛ "التبيان" للنووي، رقم: 105] . 554- وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح، أنّ مجاهداً رحمه الله، كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء [في كل ليلة من رمضان] ["التبيان" للنووي، رقم: 106] . 555- وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يُحصون لكثرتهم، __________ 1 قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "نتائج الأفكار" 153/3: تنبيه: لم يذكر الشيخ من كان يقرؤه في ليلتين، وقد عقد له ابن أبي داود بابًا. اهـ. ثم أورد أن الأسود بن يزيد النخعي وسعيد بن جبير وعطاء بن السائب أنهم كانوا يختمون القرآن في كل ليلتين.

فمنهم عثمان بن عفان، وتميم الدّاري، وسعيد بن جبير رضي الله عنهم ["التبيان" للنووي، رقم: 109] . 556- والمختارُ أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصلُ له معهُ كمالُ فهم ما يقرأ، وكذا من كان مشغولاً بنشر العلم، أو فصل الحكومات بين المسلمين، أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامَّة للمسلمين، فليقتصر على قدرٍ لا يحصلُ بسببه إخلالٌ بما هو مرصدٌ لهُ، ولا فوات1 كماله، ومن لم يكون من هؤلاء المذكورين فليستكثْر ما أمكنه من غير خروج إلى حدّ الملل، أو الهذرمة2 في القراءة ["التبيان" للنووي، رقم: 111] . 557- وقد كره جماعةٌ من المتقدمين الختم في يوم وليلة، ويدلّ عليه ما رويناهُ بالأسانيد الصحيحة في "سنن أبي داود" [رقم: 1394] ، والترمذي [رقم: 2949] والنسائي [في "الكبرى" كما في "التحفة"، رقم: 8950] وغيرها [ابن ماجه، رقم: 1347] عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرأ القُرآنَ فِي أقَلّ مِنْ ثَلاثٍ" ["التبيان" للنووي، رقم: 112] . 558- وأما وقتُ الابتداء والختم فهو إلى خيرة القارئ، فإن كان ممّن يختمُ في الأسبوع مرّة، فقد كان عثمانُ رضي الله عنه يبتدئ ليلة الجمعة، ويختم ليلة الخميس ["التبيان" للنووي، رقم: 113] . 559- وقال الإِمام أبو حامد الغزالي3 في "الإحياء" [276/1] : الأفضل __________ 1 في نسخة: "فوت". 2 قال المؤلف في شرح "الهذرمة" في "التبيان" رقم: 84: الهذرمة، بالذات المعجمة: سرعة الكلام الخفي. اهـ. 3 قال المؤلف في ضبط كلمة "الغزالي" في "التبيان" رقم: 85: الغزالي، هو: محمد بن محمد بن أحمد، وهكذا يقال بتشديد الزاي، وقد رُوي عنه أنه أنكر هذا، وقال: إنما أنا الغزالي بتخفيف الزاي، منسوب إلى قرية من قرى طوس يقال له: غزالة. اهـ.

أن يختم ختمة بالليل وأخرى بالنهار، ويجعل ختمة النهار يوم الاثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما، ويجعل ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعتي المغرب أو بعدهما، ليستقبل أوّل النهار وآخره ["التبيان" للنووي، رقم: 114] . 560- وروى ابن أبي داود، عن عمرو بن مرة التابع الجليل رضي الله عنه، قال: كانوا يحبّون أن يختم القرآن من أوّل الليل، أو من أول النهار، ["التبيان" للنووي، رقم: 115] . 561- وعن طلحة بن مصرف1 التابعي الجليل الإِمام، قال: من ختم القرآن أية ساعةٍ كانت من النهار صلّتْ عليه الملائكةُ حتى يمسي، وأية ساعةٍ كانت من الليل صلَّت عليه الملائكةُ حتى يُصبح. وعن مجاهد نحوه. ["التبيان" للنووي، رقم: 116] . 562- وروينا في "مسند" الإِمام المجمع على حفظه وجلالته وإتقانه وبراعته: أبي محمد الدارمي رحمهُ الله [470/2] ، عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلّت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن وافق ختمه آخر الليل صلّت عليه الملائكة حتى يُمسي. قال الدارمي: هذا حسنٌ عن سعدٍ. ["التبيان" للنووي، رقم: 117] . __________ 1 قال المؤلف في "التبيان" الرقم: 86: طلحة بن مصرف، بضم الميم وفتح الصاد وكسر الراء، وقيل: يجوز فتح الراء وليس بشيء. اهـ.

 126- فصل في الأوقات المختارة للقراءة:

563- اعلم أن أفضل القراءة ما كَانَ في الصلاة، ومذهب الشافعي وآخرين رحمهم الله: أن تطويلَ القيام في الصلاة بالقراءة أفضلُ من تطويل السجود وغيره. 564- وأما القراءةُ في غير الصلاة، فأفضلُها قراءة الليل، والنصف الأخير من أفضل من الأوّل، والقراءةُ بين المغرب والعشاء محبوبة. 565- وأما قراءةُ النهار، فأفضلُها ما كان بعد صلاة الصبح، ولا كراهةَ في القراءة في وقت من الأوقات، ولا في أوقات النهي عن الصلاة. 566- وأما ما حكاهُ ابن أبي داود رحمه الله، عن مُعان بن رفاعة، رحمهُ الله، عن مشيخةٍ1 أنهم كرهوا القراءة بعدَ العصر، وقالوا: إنها دراسة يهود، فغير مقبول، ولا أصل له. 567- ويختارُ من الأيام: الجمعة، والاثنين، والخميس، ويوم عَرَفَة؛ ومن الأعشار: العشر الأوّل من ذي الحجة، والعشر الأخير من شهر رمضان؛ ومن الشهور: رمضان. __________ 1 في نسخة: "مشيخته".

 127- فصل في آداب الختم وما يتعلق به:

568- قد تقدَّم أن الختم للقارئ وحدَه يُستحب أن يكون في صلاة. 569- وأما من يختم في غير صلاةٍ، كالجماعةِ الذين يختمون مجتمعين، فيُستحبّ أن يكون ختمُهم في أوّل الليل، أو أوّل النهار، كما تقدم ["التبيان" للنووي، رقم: 385] . 570- ويُستحبّ صيامُ يومِ الختم إلا أن يُصادف يوماً نهى الشرعُ عن صيامه. وقد صحّ عن طلحة بن مصرّف، والمسيّب بن رافع، وحبيب بن أبي ثابت التابعيّينَ الكوفيّينَ -رحمهم الله أجمعين- أنهم كانوا يُصبحون صيامًا في اليوم الذي كانوا يختمون فيه ["التبيان" للنووي، رقم: 387] .

571- ويُستحبّ حضورُ مجلس الختم لمن يقرأ ولمن لا يُحسن القراءة. 572- فقد روينا في "الصحيحين" [البخاري، رقم: 324؛ ومسلم، رقم: 890] : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر الْحُيَّضْ بالخروج يومَ العيد، فيشهدْنَ الخيرَ، ودعوةَ المسلمين ["التبيان" للنووي، رقم: 388] . 573- وروينا في "مسند الدارمي" [468/2] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان يجعل رجلاً يراقبُ رجلاً يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختمَ أعلم ابنَ عباس رضي الله عنهما، فيشهد ذلك ["التبيان" للنووي، رقم: 389] . 574- وروى ابن أبي داود بإسنادين صحيحين، عن قَتادَة التابعيّ الجليل الإِمام صاحب أنس رضي الله عنه، قال: كان أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهلهُ ودعا [الدارمي، 469/2؛ و"حلية الأولياء" 260/7؛ "التبيان" للنووي، رقم: 390] . 575- وروَى بأسانيد صحيحة، عن الحكم بن عُتَيْبَةَ -بالتاء المثناة فوق، ثم المثناة تحت، ثم الباء الموحدة- التابعي الجليل الإِمام قال: أرسل إليّ مجاهد وعبدةُ ابن أبي لُبابة، فقالا: إنا أرسلنا إليك لأنّا أردنا أن نختم القرآن، والدعاءُ يستجابُ عند ختم القرآن [ورواه الدارمي، رقم: 3485؛ وابن الضريس في "فضائل القرآن" 49؛ "التبيان" للنووي، رقم: 391] . وفي بعض رواياته الصحيحة: أنه كان يقالُ: إن الرحمة تنزلُ عند خاتمةِ القرآن ["التبيان" للنووي، رقم: 392] . 576- وروى بإسناده الصحيح، عن مُجاهد، قال: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن ويقولون: إن الرحمة تنزل عند ختم القرآن ["نتائج الأفكار" 173/3؛ "التبيان" للنووي، رقم: 393] .

 128- فصل [في استحباب الدعاء بعد ختم القرآن]

577- ويستحب الدعاءُ عقيب1 الختم استحباباً متأكداً تأكيدًا شديداً لما قدّمناه ["التبيان" للنووي، رقم: 494] . 578- وروينا في "مسند الدارمي" [470/2] ، عن حُميد الأعرج رحمه الله، قال: مَن قرأ القرآن، ثم دعا؛ أمَّنَ على دعائه أربعةُ آلاف مَلَك ["التبيان" للنووي، رقم: 395] . 579- وينبغي أن يُلحّ في الدعاء؛ وأن يدعوَ بالأمور المهمة، والكلمات الجامعة، وأن يكون معظم ذلك، أو كله في أمور الآخرة، وأمور المسلمين، وصلاح سلطانهم، وسائر ولاة أمورهم، وفي توفيقهم للطاعات، وعِصمتهم من المخالفات، وتعاونهم على البرّ والتقوى، وقيامهم بالحقّ، واجتماعهم عليه، وظهورهم على أعداء الدين، وسائر المخالفين ["التبيان" للنووي، رقم: 396] . وقد أشرت إلى أحرف من ذلك من كتاب " [التبيان في] آداب [حملة] القرآن"2 [رقم: 397 - 410] وذكرتُ فيه دعوات وجيزة، من أرادها نقلَهَا منه. 580- وإذا فرغ من الختمة، فالمستحبّ أن يشرع في أخرى متصلاً بالختم، فقد استحبّه السَّلفُ، واحتجّوا فيه بحديث أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ الأعْمالِ الحَلُّ وَالرِّحْلَةُ" قيل: وما هما؟ قال: "افْتِتاحُ القرآن وختمه" ["التبيان" للنووي، رقم: 411] . [وروى الطبراني في "المعجم الكبير" [رقم: 12783] ، وعنه أبو نُعيم في "حلية الأولياء" 260/2؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رجل: يا رسول الله! أي العمل أفضلُ؟ قال: "عليك بالحال المرتحل" قال: وما الحال المرتحل؟ قال: "صاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره، ثم يضربُ من آخره إلى أوله، كلما حل ارتحل"] . __________ 1 في نسخة: "عند". 2 في الأصل: "كتاب آداب القرّاء".

 129- فصل في مَنْ نامَ عَنْ حزبه ووظيفته المعتادة:

581- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: 747] ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ، أوْ عَنْ شَيْءٍ منه، فقرأه ما بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل" ["التبيان" للنووي، رقم: 135] .

 130- فصل في الأمر بتعهد القرآن، والتحذير من تعريضه للنسيان:

582- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 5033] ، ومسلم [رقم: 791] ؛ عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهُ- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ، فَوَالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتاً مِنَ الإِبِلِ في عُقُلها" ["التبيان" للنووي، رقم: 131] . 583- وروينا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: 5031؛ ومسلم، رقم: 789] ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّمَا مَثَلُ صاحِبِ القُرآنِ كَمَثَلِ الإِبلِ المُعقَّلَةِ، إِنْ عاهَدَ عَلَيْها أمْسَكَها، وَإِنْ أطْلَقَها ذهبت" ["التبيان" للنووي، رقم: 132] . 584- وروينا في كتاب أبي داود [رقم: 461] ، والترمذي [رقم:

2916] ، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عُرضت عَلَيَّ أجورُ أُمتي، حتَّى القذاةُ يخرجُها الرجلُ مِن المَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذنوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَْنباً أعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ القُرآنِ، أوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَها" تكلم الترمذي فيه ["التبيان" للنووي، رقم: 133] . 585- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1474] ، و"مسند الدارمي" [437/2، رقم: 3343] ، عن سعد بن عبادة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "مَنْ قَرأ القُرآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالى يَوْمَ القِيامَةِ أجذم" ["التبيان" للنووي، رقم: 134] .

 131- فصل في مسائل وآداب ينبغي للقارئ الاعتناء بها:

586- وهي كثيرةٌ جداً، نذكرُ منها أطرافاً محذوفة الأدلة لشهرتها، وخوف الإِطالة المملّة بسببها. 587- فأوّل ما يُؤمر به الإِخلاص في قراءته، وأن يُريدَ بها وجه اللَّهَ سبحانه وتعالى، وأن لا يقصدَ بها توصلاً إلى شيء سوى ذلك، وأن يتأدَّبَ مع القرآن، ويستحضرَ في ذهنه أنه يناجي اللَّهَ سبحانه وتعالى، ويتلو كتابه، فيقرأ على حالِ مَن يرى الله تعالى، فإنه إن لم يره فإن اللَّه تعالى يراه ["التبيان" للنووي، رقم: 138] .

 132- فصل [في أحكام السواك]

588- وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظّفَ فمهُ بالسِّواك وغيره، والاختيار في السواك أن يكونَ بعود الأراك، ويجوزُ بغيره من العيدان، وبالسعد1، والأشنان2، والخرقة الخشنة، وغير ذلك مما ينظف. وفي حصوله بالأصبع الخشنة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي رحمه الله: أشهرُها عندهم: لا يحصل، والثاني: يحصلُ، والثالث: يحصل إن لم يجد غيرها، ولا يحصل إن وجد. ويستاك عرضاً مبتدئاً بالجانب الأيمن من فمه، وينوي به الإِتيان بالسنّة ["التبيان" للنووي، رقم: 139] . 589- قال بعض أصحابنا: يقولُ عند السواك: اللهمَّ بارك لي فيه يا أرحم الراحمين ["التبيان" للنووي، رقم: 140] . 590- ويَستاك في ظاهر الأسنان وباطنها، ويمرّ السواك على أطراف أسنانه، وكراسي أضراسه، وسقف حلقه، إمراراً لطيفاً ["التبيان" للنووي، رقم: 141] . 591- ويستاك بعود متوسط، لا شديد اليبوسة ولا شديد اللين، فإن اشتدّ يبسه ليَّنه بالماء. أما إذا كان فمه نجساً بدم أو غيره، فإنه يكره له قراءة القرآن قبل غسله، وهل يحرم؟ فيه وجهان: أصحُّهما لا يحرمُ؛ وسبقت المسألةُ أوّل الكتاب [رقم: 59؛ وراجع "التبيان" للنووي، رقم: 142] . وفي هذا الفصل بقايا تقدّم ذكرها في "الفصول" التي قدمتها في أوّل الكتاب [الفصول 8 - 12] . __________ 1 السعد، قال في "القاموس": نبات طيب معروف، فيه منفعة عجيبة في القروح التي عسر اندمالها. 2 نبات في بادية الشام، يستعملُ مطحونُ أوراقه الجافة في غسل الأيدي والشباب كالصابون، ,إذا حرق فرمادهُ مادة: القلي = ثاني كربونات الصوديوم.

 133- فصل [في آداب قراءة القرآن]

592- ينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، ودلائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تُذكر ["التبيان" للنووي، رقم: 171] . 593- وقد بات جماعة من السلف يتلو الواحد منهم آية واحدة ليلة كاملة، أو معظم ليلةٍ يتدبرها عند القراءة1. وصعق جماعةٌ منهم عند القراءة، ومات جماعاتٌ منهم [حال القراءة] ["التبيان" للنووي، رقم: 172] . 594- ويستحبّ البكاء والتباكي لمن لا يقدر على البكاء، فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين، وشعارُ عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، قال الله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء: 109] وقد ذكرتُ آثاراً كثيرة وردت في ذلك في "التبيان في آداب حملة القرآن" [الأرقام: 187 - 195] . 595- قال السيد الجليل صاحبُ الكراماتِ والمعارفِ والمواهب واللطائف إبراهيم الخواصُ رضي الله عنه دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السحر، ومجالسة الصالحين. ["الرسالة القشيرية" ضمن ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص] . __________ 1 قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في "نتائج الأفكار" 191/3: قلت: جاء ذلك عن تميم الداري وعبد الله عن مسعود، وعن أسماء وعائشة ابنتي أبي بكر الصديق رضي الله عنهم نحوه. اهـ.

 134- فصل [في فضل قراءة القرآن في المصحف]

596- قراءة القرآن في المصحف أفضل من القراءة من حفظه [راجع ما رواه الدارمي، رقم: 3354] ، هكذا قاله أصحابنا، وهو مشهورٌ عن السلف رضي الله عنهم؛ وهذا ليس على إطلاقه، بل إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكّر وجمع القلب والبصر أكثرُ مما يحصلُ له من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضلُ، وإن استويا فمن المصحف أفضل، وهذا مراد السلف.

 135- فصل [في أيهما أفضل: رفع الصوت بالقرآن أو خفضه]

597- جاءت آثارٌ بفضيلة رفع الصوت بالقراءة، وآثارٌ بفضيلة الإِسرار؛ قال العلماءُ: والجمع بينهما أن الإِسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل في حقّ مَن يخاف ذلك، فإن لم يَخَفِ الرياءَ، فالجهر أفضل، بشرط ألا يؤذي غيره من مصلٍّ، أو نائم، أو غيرهما. ودليل فضيلة الجَهْر أن العمل فيه أكبرُ؛ ولأنه يتعدى نفعه إلى غيره؛ ولأنه يُوقظ قلب القارئ، ويجمع همَّه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه؛ ولأنه يطردُ النومَ، ويزيد في النشاط، ويُوقظ غيره من نائمٍ وغافلٍ، وينشطهُ، فمتى حضرهُ شيءٌ من هذه النيّات، فالجهرُ أفضل.

 136- فصل [في تحسين الصوت عند قراءة القرآن]

598- ويستحبّ تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط، فإن أفرط حتى زاد حرفاً، أو أخفى حرفاً فهو حرام ["التبيان"، رقم: 260] . 599- وأما القراءة بالألحان، فهي على ما ذكرناهُ، إن أفرط فحرامٌ، وإلا فلا؛ والأحاديث بما ذكرناهُ من تحسين الصوت كثيرةٌ مشهورةٌ في الصحيح وغيره، وقد ذكرتُ في "آداب القراءة1" قطعة منها [التبيان"، الأرقام: 261 - 268] . __________ 1 في نسخة: "آداب القراء".

 137- فصل [في كيفية التلاوة]

600- ويستحب للقارئ إذا ابتدأ من وسط السورة أن يبتدئ من أوّل الكلام المرتبط بعضه ببعض، وكذلك إذا وقفَ يقفَ على المرتبط، وعند انتهاء الكلام، ولا يتقيّدُ في الابتداء ولا في الوقف بالأجزاء والأحزاب والأعشار، فإن كثيراً منها في وسط الكلام المرتبط بالكلام، ولا يغترُّ الإِنسانُ بكثرةِ الفاعلين لهذا الذي نهينا عنه ممّن لا يُراعِي هذه الآداب، وامتثِلْ ما قاله السيد الجليل أبو عليّ الفُضَيْل بن عياض رضي الله عنه: لا تستوحشْ طرقَ الهدى لقلّة أهلها، ولا تغترّ بكثرة الهالكين. [سيرد برقم: 835 و1362] ولهذا المعنى قال العلماءُ: قراءة سورةٍ بكمالها أفضل من قراءة قدرها من سورة طويلة؛ لأنه قد يخفى الارتباط على كثير من الناس أو أكثرهم في بعض الأحوال والمواطن ["التبيان" الأرقام: 275 - 277] .

 138- فصل [في بدع القراءة]

601- ومن البدع المنكرة ما يفعلُه كثيرون من جهلة المصلّين بالناس التراويحَ من قراءة سورة الأنعام بكمالها في الركعة الأخيرة منها في الليلة السابعة، معتقدين أنها مستحبة، زاعمين أنها نزلت جملة واحدة1، فيجمعون في فعلهم هذا أنواعاً من المنكرات، منها اعتقادها مستحبة، ومنها إيهام العوّام ذلك، ومنها تطويل الركعة الثانية على الأولى، ومنها التطويل على المأمومين، ومنها هذرمة القراءة، ومنها المبالغة في تخفيف الركعات قبلها ["التبيان"، رقم: 283] . __________ 1 قال الحافظ: ورد أنها نزلت جملة واحدة في عدة أحاديث [راجع "مجمع الزوائد" 19/7 و20] . فأخرجه أبو عبيد في "فضائله" [رقم: 430] ، وابن المنذر، والطبراني [في "المعجم الكبير"، رقم: 1293] ، عن ابن عباس بسند حسن. وأخرجه الطبراني [في "المعجم الكبير"، رقم: 1293] وابن مردويه وأبو نُعيم في "الحلية" [44/3؛ عن ابن عمر] بسند ضعيف. وأخرجه ابن مردويه، عن ابن مسعود بسند ضعيف. وأخرجه الدارقطني في "الأفراد" [راجع "شعب الإيمان" 2210 و2200] ، والطبراني في "الأوسط" ["مجمع البحرين" صفحة: 292] ، وابن مردويه، عن أنس بن مالك بسند حسن. وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده"، والطبراني ["المعجم الكبير": 450/24] عن أسماء بنت يزيد بسند حسن. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" [315/2] ، عن جابر؛ وقال: صحيح على شرط مسلم، وتعقبه الذهبي، فقال: أظن الحديث موضوعًا؛ وليس كما ظن لما قدمته من شواهده. وفي الباب غير هذا من الواهيات ضعفًا وانقطاعًا، وفيما ذكرته كفاية ولادلالة على أن لذلك أصلاً. ["نتائج الأفكار" 227/3 - 229] . قلتُ [والقول للسيوطي] : وقد استوفيت جميع ما ورد في " [الدر المنثور في] التفسير بالمأثور".

 139- فصل [في حكم تسمية السور]

602- يجوز أن يقولَ: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة العنكبوت، وكذلك الباقي، ولا كراهةَ في ذلك؛ وقال بعض السلف: يُكره ذلك1، وإنما يقالُ: السورة التي تُذكر فيها البقرة، والتي يُذكر فيها النساء، وكذلك الباقي، والصواب الأوّل، وهو قولُ جماهير علماء المسلمين من سلف الأمة وخلفها، والأحاديثُ فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر من أن تحصر، وكذلك عن الصحابة فمن بعدهم، وكذلك لا يُكره أن يُقال: هذه قراءةُ أبي عمرو، وقراءةُ ابن كثير، وغيرهما، هذا هو المذهب الصحيحُ المختارُ الذي عليه عمل السلف والخلف من غير إنكار، وجاء عن إبر اهيم النخعي رحمه الله أنه قال: كانوا يكرهون أن يقال: سنّة فلانٍ، وقراءةُ فلانٍ؛ والصوابُ ما قدّمناه. ["التبيان" الأرقام: 434 و439 و440] . __________ 1 قال الحافظ: مستند هذا القائل وورد النهي عن ذلك في حديث: "لا تقولوا: سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء؛ ولكن قولوا: السورة التي يُذكر فيها البقرة، والسورة التي يُذكر فيها آل عمران، والسورة التي يُذكر فيها النساء" أخرجه الطبراني ["مجمع الزوائد" 157/7] في الأوسط من حديث أنس، والجمع بينه وبين حديث: "من قرأ الآيتين مِنْ آخِرِ سُورَةِ البقرة.." [البخاري، رقم: 5009؛ مسلم، رقم: 808] ، يمكن بأن يكون هذا البيان للجواز، وصرف النهي عن التحريم، ولا سيما إذا قلت بما قال الشيخ: إنه يعملُ في الفضائل بالحديث الضعيف. ["نتائج الأفكار" 231/3 و234] .

 140- فصل [في النهي عن قول: نسيت آية كذا]

603- يُكره أن يقول: نسيتُ آية كذا، أو سورة كذا، بل يقول أُنسيتها، أو أسقطتها ["التبيان" للنووي، رقم الفقرة: 429] . 604- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 5032] ومسلم [رقم: 790] ، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَقُولُ أحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، بَلْ هُوَ نُسِّي" ["التبيان" للنووي، رقم الفقرة: 430] . 605- وفي رواية "الصحيحين" أيضًا: "بئس ما لأحَدِهِمْ أنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وكيت، بَلْ هُوَ نُسِّي" ["التبيان" للنووي، رقم الفقرة: 431] . 606- وروينا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: 5042 ورقم: 5038؛ ومسلم، رقم: 788] ، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقرأ، فقال: "رَحِمَهُ اللَّهُ، لَقَدْ أذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أسْقَطْتُهَا" 1. وفي رواية في الصحيح [البخاري، رقم: 5038] : "كنت أنسيتها" ["التبيان"، رقم: 432] . __________ 1 في نسخة: "أسقطتها".

 141- فصل [في آداب التلاوة]

607- اعلم أن آداب القارئ والقراءة لا يمكنُ استقصاؤها في أقلّ من مجلدات، ولكنا أردنا الإِشارة إلى بعض مقاصدها المهمات بما ذكرناه من هذه الفصول المختصرات، وقد تقدم في الفصول السابقة في أوّل الكتاب شيءٌ من آداب الذاكر والقارئ [رقم: 79] ، وتقدم أيضاً في أذكار الصلاة جملٌ من الآداب المتعلقة بالقراءة، وقد قدّمنا الحوالة على كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" لمن أراد مزيداً، وبالله التوفيقُ، وهو حسبي ونِعمَ الوكيل.

 142- فصل [في أن تلاوة القرآن أفضل الأذكار]

608- اعلم أن قراءة القرآن آكد الأذكار كما قدمناه1، فينبغي المداومة عليها، فلا يُخلي عنها يوماً وليلة، ويحصل له أصلُ القراءة بقراءة الآيات القليلة. __________ 1 في نسخة: "قدمنا".

609- وقد روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 676] ، عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قَرأ في يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسِينَ آيَةً لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافِلِينَ، ومن قرأ مائة آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القانِتِينَ، وَمَنْ قَرأ مائتي آيَةٍ لَمْ يُحاجهِ القُرآنُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومن قرأ خمس مائة آية كُتِبَ لَهُ قِنْطارٌ مِنَ الأجْرِ". وفي رواية [رقم: 677] : "مَنْ قَرأ أَرْبَعِينَ آيَةً" بدل: "خمسين". وفي رواية فيه [رقم: 703] : "عشرين آية". 610- وفي رواية فيه [رقم: 707] : عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَرأ عَشْرَ آياتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافلين". وجاء من الباب أحاديثُ كثيرةٌ بنحو هذا. 611- وروينا أحاديث كثيرة في قراءة سورة في اليوم والليلة، منها [سورة] "يس" و [سورة] {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} ، و [سورة] "الواقعة" و [سورة] "الدخان". 612- فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَرأ "يس" فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ غُفِرَ لَهُ" [ابن السني، رقم 679] . 613- وفي رواية له [ابن السني، رقم: 684] : "مَنْ قَرأ سُورَةَ "الدُّخانِ" فِي لَيْلَةٍ أصْبَحَ مَغْفُوراً لَهُ". 614- وفي رواية [لابن السني، رقم: 685] ، عن ابن مسعود رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ قَرأ سُورَةَ "الوَاقِعَةِ" فِي كُلّ ليلة لَمْ تُصِبْهُ فاقَة".

615- وعن جابر رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينامُ1 حتى يقرأ: {آلم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ} السجدة، و {تَبَارَكَ} الملك. 616- وعن أبي هريرة رضي الله عنه [عند ابن السني، رقم: 691] ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قَرَأ فِي لَيْلَة: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ} كانَتْ لَهُ كَعِدْلِ نِصْفِ القرآن، ومن قرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} كَانَتْ لَهُ كَعِدْل رُبْعِ القُرآنِ، وَمَنْ قَرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} كانَتْ لَهُ كَعِدْلِ ثُلُثِ القُرآن". 617- وفي رواية [لابن السني، رقم: 692] : "مَنْ قَرأ آيَة الكُرْسِيّ، وأوَّل {حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر: 1-3] عُصِمَ ذلكَ اليَوْمَ مِنْ كُلّ سُوءٍ". والأحاديث بنحو ما ذكرناهُ كثيرةٌ، وقد أشرنا إلى المقاصد، والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة. __________ 1 في نسخة: "لا ينام كل ليلة".

كتاب حمد الله تعالى حمد الله تعالى مدخل

  كتاب حمد الله تعالى:

[حَمْدِ اللَّهِ تعالى] : قال الله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59] . وقال الله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} [النمل: 93] . وقال تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} [الإِسراء: 111] وقال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] وقال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] والآيات المصرّحة بالأمر بالحمد والشكر، وبفضلهما كثيرة معروفة. 618- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 4840] ، وابن ماجه [رقم: 1894] ، و"مسند أبي عوانة الإسفراييني" المخرَّج على "صحيح مسلم" رحمهم الله، [في أول صحيحه في خطبته] عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "كُلُّ أمرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدأُ فِيه بالحَمْد لِلَّهِ فَهُوَ أقْطَعُ". وفي رواية [ابن حبان في "الموارد"، رقم: 578؛ وفي "صحيحه"، رقم: 1و 2؛ والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، رقم: 494] : "بَحَمْدِ اللَّهِ". وفي رواية [ابن ماجه، رقم: 1894] : "بالحَمْدِ فَهُوَ أقْطَعُ".

وفي رواية [أبي داود، رقم: 4840] : "كل كلام لا يُبْدأُ فِيهِ بالحَمْد لِلَّهِ فَهُوَ أجْذَمُ". وفي رواية ["الجامع لأخلاق الراوي والسامع" للخطيب البغدادي، 1232] : "كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبْدأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهوَ أقْطَعُ". روينا هذه الألفاظ كلها في "كتاب الأربعين" للحافظ عبد القادر الرهاوي، وهو حديث حسن، وقد رُوي موصولاً كما ذكرنا، ورُوي مرسلاً، ورواية الموصول جيدةُ الإِسناد، وإذا رُويَ الحديثُ موصولاً وملاسلًا فالحكم للاتصال عند جمهور العلماء؛ لأنها زيادة ثقةٍ، وهي مقبولة عند الجماهير. [سيرد برقم: 1443] . ومعنى "ذي بالٍ" أي: له حالٌ يهتمُ بهِ، ومعنى "أقطعُ" أي: ناقصٌ، قليلُ البركةِ، و"أجذمُ" بمعناهُ، وهُو بالذالِ المعجمةِ وبالجيم. 619- قال العلماء: فيُستحبّ البداءةُ بالحمدِ للَّه لكل مصنفٍ، ودارسٍ، ومدرسٍ، وخطيب، وخاطب، وبين يدي سائر الأمور المهمة. 620- قال الشافعي رحمه الله: أحبّ أن يقدّم المرء بين يدي خطبته، وكل أمرٍ طلبهُ: حمدَ الله تعالى، والثناءَ عليه سبحانهُ وتعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 144- فصل [في حمد الله في ابتداء كل أمرٍ]

621- اعلم أن الحمدَ مستحبٌّ في ابتداء كل أمرِ ذي بالٍ كما سبق. 622- ويستحبُ بعد الفراغ من الطعام والشراب، والعطاس، وعند خطبةِ المرأة -وهو طلب زواجها- وكذا عند عَقْدِ النِّكَاح، وبعد الخروج من الخلاء؛ وسيأتي بيانُ هذه المواضع في أبوابها بدلائلها، وتفريع مسائلها إن شاء الله تعالى، وقد سبق بيان ما يُقال بعد الخروج من الخلاء في بابه [رقم: 31] ، ويُستحبّ في ابتداء الكتب المصنفة كما سبق، وكذا في ابتداء دروس المدرّسين، وقراءة الطالبين، سواءٌ قرأ حديثاً، أو فقهاً، أو غيرهما، وأحسنُ العبارات في ذلك: الحمدُ لله رب العالمين.

 145- فصل [في أن الحمد ركنٌ في خطبة الجمعة]

623- حمدُ الله تعالى ركنٌ في خطبة الجمعة وغيرها، لا يصحّ شيء منها إلا به. وأقلُ الواجبِ: الحمدُ لله. والأفضلُ أن يزيد من الثناء، وتفصيلهُ معروفٌ في كُتُبِ الفقهِ، ويشترطُ كونُها بالعربية.

 146- فصل [في استحباب ختم الدعاءِ بحمدِ الله]

624- يُستحبّ أن يختم دعاءهُ بـ: الحمدُ لله ربّ العالمين، وكذلك يبتدئهُ بـ الحمدُ لله، قال الله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] . 625- وأما ابتداءُ الدُعاءِ بحمدِ الله وتمجيده، فسيأتي دليلهُ من الحديث الصحيح قريباً في كتابِ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم [برقم: 648] إن شاء الله تعالى.

 147- فصل [في حمد الله عند حدوث النعم وزوال النقم]

626- يُستحبّ حمدُ الله تعالى عند حصول نعمةٍ، أو اندفاع مكروهٍ، سواءٌ حصل ذلك لنفسه، أو لصاحبه، أو للمسلمين. 627- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: 168] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتيَ ليلة أُسري به بقدحين من خمرٍ ولبنٍ، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريلُ: "الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غَوَت أُمتك".

 148- فصل [في حمد الله عند موت قريب]

628- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 1021] وغيره، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهُ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات ولدُ العبدِ قالَ الله تعالى لملائكته: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فيقولون: نعم! فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم! فيقولُ: فماذا قال عبدي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فيقولُ اللَّهُ تَعالى: ابنوا لعبدي بَيْتاً في الجَنَّةِ وسموهُ بَيْتَ الحَمْدِ"، قال الترمذي: حديث حسن. [وسيرد برقم: 759] . 629- والأحاديث في فضل الحمد كثيرةٌ مشهورةٌ، وقد سبق في أوّل الكتاب جملةٌ من الأحاديث الصحيحة في فضل: سبحانَ الله، والحمدُ لله؛ ونحو ذلك. [الباب رقم: 18] .

 149- فصل [في بيان أفضل صيغ الحمد]

630- قال المتأخرون من أصحابنا الخراسانيين: لو حلف إنسان ليحمدنّ الله تعالى بمجامع الحمد -ومنهم مَن قال: بأجلّ التحاميد- فطريقه في برَ يمينه أن يقول: الحمدُ لله حمداً يوافي نعمهُ، ويكافئ مزيدهُ. ومعنى "يُوافي نعمه" أي: يُلاقيها، فتحصل معهُ؛ و"يكافئُ" بهمزةٍ في آخره، أي: يُساوي مزيدَ نعمه، ومعناهُ: يقوم بشكرِ ما زادهُ من النِعم والإِحسان.

631- قالوا: ولو حلف ليثنينَّ على الله تعالى أحسنَ الثناء، فطريق البرّ أن يقول: لا أحُصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك. وزاد بعضُهم في آخره: فلك الحمد حتى ترضى. 632- وَصَوَّر أبو سعد المتولي المسألة فيمن حلف: ليثنينّ على الله تعالى بأجلّ الثناء وأعظمه، وزاد في أوّل الذكر: سبحانك. 633- وعن أبي نصر التمار، عن محمد بن النضر رحمه الله تعالى، قال: قال آدم عليه السلام: يا رَبّ! شَغَلْتَنِي بِكَسْبِ يَدِي، فَعَلِّمْنِي شَيْئاً فِيهِ مجامعُ الحمدِ وَالتَّسْبِيحِ، فأوحى اللَّهُ تبارك وتعالى إليه: يا آدَمُ! إذَا أصْبَحْتَ فَقُلْ ثَلاثاً، وَإذَا أمْسَيْتَ فَقُلْ ثَلاثاً: الحمدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ حمدا يوافي نعمهُ، ويكافئُ مزيدهُ؛ فَذَلِكَ مجامعُ الحمدِ وَالتَّسْبِيحِ، والله أعلم1. __________ 1 قال ابن الصلاح في "مشكل الوسيط": هذا حديثٌ ضعيفُ منقطع الإسناد ["نتائج الأفكار" 289/3] . وقال الحافظ: رجالُ إسناده إلى محمد بن النضر ثقات، لكن محمد النضرب لم يكن صاحب حديث، ولم يجئ عنه شيء مسند. وقد روى عنه من كلامه جماعة، منهم: عبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن عبدُ الملك بن أبي غنية، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وقال: كان [من] أعبدِ أهل الكوفة. وأبو نصر التمار راوي هذا الأثر عنه، واسمُه عبدُ الملك بن عبد العزيز، ووهم من ز عم أنه داود بن صالح، ذاك شيخ قديمٌ مديني. وروى محمد بن النضر هذا، عن الأوزاعي، حديثين موقوفين بغير سندٍ من الأوزاعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويُستفاد من هذا معرفة طبقته، وأن شيوخهُ من أتباع التابعين، ولعله بلغه هذا الأثر عن بعض الإسرائيليات. ["نتائج الأفكار" 289/3] .

 كتاب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم] : قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] . والأحاديث في فضلها والأمر بها أكثرُ من أن تُحصر، ولكن نُشيرُ إلى أحرفٍ من ذلك تنبيهاً على ما سواها، وتبرّكاً للكتاب بذكرها. 634- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: 384] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "مَنْ صَلَّى عَليَّ صَلاةً صَلَّى الله عليه بها عشرًا". [راجع رقم: 214 السابق] . 635- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 408] أيضاً، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صَلَّى عَليَّ واحدةً صلى الله عليه عَشْراً". 636- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 484] ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أوْلى النَّاسِ بي يَوْمَ القِيامَةَ أَكْثَرُهُمْ عَليَّ صَلاةً" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. قال الترمذي، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوفٍ، وعامرِ بن ربيعة، وعمارٍ، وأبي طلحة، وأنسٍ، وأُبيّ بن كعبٍ رضي الله عنهم.

637- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1047] ، والنسائي [رقم: 1047] ، والنسائي [رقم: 1374] ، وابن ماجه [رقم: 1085 ورقم: 1636] بالأسانيد الصحيحة1، عن أوس بن أوس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مِنْ أفْضَلِ أيَّامِكُمْ يوم الجمعة، فأكثروا عَليَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فإنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَليَّ"، فقالوا: يا رسول الله! وكيف تعرضُ صلاتُنا عليك، وقد أرَمْتَ؟ -قال: يقولُ: بليت- قال: "إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ على الأرض أجْسادَ الأنْبِياءِ". قلتُ: "أرَمْتَ" بفتح الراء وإسكان الميم، وفتح التاء المخففة. قال الخطابي [في "معالم السنن" 635/1] : أصلهُ: أرممت، أي: صرت رميمًا، فحذفوا إحدى الميمين، وهي لغةٌ لبعض العرب، كما قالوا: ظلتُ أفعلُ كذا، أي: ظللتُ، في نظائر لذلك. وقال غيرهُ: إنما هو أرَمَّتْ، بفتح الراء والميم المشددة وإسكان التاء، أي: أرمَّت العظامُ، وقيل فيه أقوالٌ أُخر؛ والله أعلم. 638- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 2042] في آخر كتاب الحجّ، في باب زيارة القبور، بالإِسناد الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً، وَصَلُّوا عليَّ، فإنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ". 639- وروينا فيه [رقم: 2041] أيضاً بإسناد صحيح، عن أبي هريرة أيضاً، أن رسو الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحدٍ يُسلمُ علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام". __________ 1 قال الحافظ: في قوله: بالأسانيد الصحيحة نظر؛ لأنه يوهم أن للحديث في السنن الثلاثة طرقًا إلى أوس بن أوس، وليس كذلك؛ فإن مداره عندهم وعند غيرهم على حسين بن علي الجعفي، تفرد به عن شيخه، وكذا من فوقه، عن من فوقه، وكأنه قصد بالأسانيد شيوخهم خاصة [وراجع "جلاء الأفهام" لابن قيم الجوزية، الصفحة: 80 وما بعدها] .

151- بابُ أمرِ مَنْ ذُكِرَ عندَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالصَّلاة عليه والتسليم صلى الله عليه وسلم: 640- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3545] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسوُ الله صلى الله عليه وسلم: "رَغِمَ أنْفُ رجلٍ ذكرتُ عندهُ فَلَمْ يصلِّ عَليَّ" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. 641- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 382] بإسناد جيد، عن أنس رضي الله عنهُ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ذكرتُ عندهُ، فليصلُ عَليَّ، فإنَّهُ مَنْ صَلَّى عَليَّ مَرَّةً، صَلَّى اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَيْهِ عَشْراً". 642- وروينا فيه [رقم: 383] بإسناد ضعيف، عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَليَّ فَقَدْ شَقِيَ". 643- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3546] ، عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البخيلُ مَنْ ذكرتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يصلِّ عَليَّ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ [غريبٌ] ، ورويناه في كتاب النسائي ["عمل اليوم والليلة" رقم: 55 ورقم: 56] من رواية الحسين بن عليّ رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الإمام أبو عيسى الترمذي عند هذا الحديث: يروى عن بعض أهل العلم قال: إذا صلى الرجلُ على النبي صلى الله عليه وسلم مرّة في المجلس أجزأ عنه ما كَانَ في ذلك المجلس.

بابُ صفةِ الصَّلاة على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مدخل

  152- بابُ صفةِ الصَّلاة على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم

644- قد قدّمنا في كتاب أذكار الصلاة صفة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتعلَّقُ بها، وبيان أكملها وأقلها. [الأرقام: 378 - 381] وأمَّا ما قالهُ بعضُ أصحابنا، وابن أبي زيد المالكي [كما في "الثمر الداني" صفحة: 121] من استحباب زيادةٍ على ذلك، وهي: وَارْحَمْ مُحَمَّداً، وآلَ محمدٍ. فهذا بدعةٌ لا أصل لها. وقد بالغ الإمامُ أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه "شرح الترمذي" [271/2 - 272] في إنكار ذلك، وتخطئة ابن أبي زيد في ذلك، وتجهيل فاعله، قال: لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم علَّمنا كيفيةَ الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، فالزيادة على ذلك استقصار لقوله، واستدراك عليه صلى الله عليه وسلم؛ وبالله التوفيق1. __________ 1 هذه مسألة مهمة، وتكلم الناسُ فيها، وأنا أسوق كلامهم فيها ليستفاد. قال الإمام أبو الخطاب أبو دحية في كتاب "التنوير في كلام السراج المنير"، قالوا: إذا ذكر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ من أمته انبغى له أنّ يُصلِّيَ عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَليَّ مَرَّةً صلى اللهُ عليه عشرًا" [مسلم، رقم: 408] ، ولا يجوز أن يترتحم عليه؛ لأنه لم يقل: من ترحم عليّ، ولا من دعا لي؛ وإن كانت الصلاة بمعنى الرحمة؛ فكأنه خص بها اللفظ تعظيمًا له. قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] ، ولم يقل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يترحمون على النبي، وإن كان المعنى واحدًا. وقال الرافعي في "الشرح الكبير": قال الصيدلاني: ومن الناس من يزيد: وَارْحَمْ مُحَمَّداً وآلَ محمدٍ كما رحمت على إبراهيم، وربما يقولون: كما ترحمت على إبراهيم. قال: وهذا لم يرد في الخبر، وهو غير فصيح، فإنه لا يقالُ: رحمت عليه، وإنما يقالُ: رحمته. وأما الترحم، ففيه معنى التكلف والتصنع، فلا يحسن إطلاقه في حق الله تعالى. ونقل الأذرعي في "التوسط" مثل ذلك عن القفال والروياني، وقال الزركشي في "الخادم"، قال النووي في "شرح مسلم": المختار أنه لا يذكر الرحمة؛ لأنهُ عليه الصلاة والسلام علمهم الصلاة بدونها، وإن كان الدعاء الرحمة، فلا تفردُ بالذكر، وكذا قال القاضي عياضُ وغيره. =

.................................. __________ وممّن نصّ على إطلاق منع الرحمة في حق النبي صلى الله عليه وسلم على الانفراد الحافظ أبو عمر ابن عبد البر، وأبو القاسم الأنصاري شارح "الإرشاد" والقاضي عياش في "الإكمال" ونقله عن الجمهور. وقال الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي في "شرح الترمذي": اختلف في جواز ذلك أو مشروعيته، فمنع أبو عمر بن عبد البر الدعاء له بالرحمة والمغفرة، وذهب أبو محمد بن أبي زيد من المالكية إلى استحباب الإتيان في الصلاة عليه بالترحم. وكذلك اختلف أصحابُ الشافعي أيضًا في ذلك؛ فحكى الرافعي عن أبي بكر الصيدلاني.. وذكر ما تقدم. ثم قال: وقوله: إنه لم يرد في الخبر، ليس بجيد، فقد ورد، لكنه لم يصح، ويجوز أن يقال في الضعيف ورد. وهو ما رواه الإمام أحمد في "المسند" [353/5] من رواية أبي داود الأعمى، عن بريدة، قال: قلنا: يا رسول الله! قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحماتك وبركاتك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ". وأبو داود الأعمى اسمه نفيع ضعيف جدًّا، رافضي، متهم بوضع الحديث. وروى التيمي في مسلسلاته، والقاضي عياض في "الشفا" من طريق حرب بن الحسن الطحان، عن يحيى بن المساور، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، قال: عدهن في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "عدهن في يدي جبريل، وقال: هكذا نزلت من عند رب العزة: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدُ، اللهم وترحم على محمدٍ وعلى آل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدُ، اللهم وتحنن على محمدٍ وعلى آل محمد، كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، اللهم وسلم على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ". قال العراقي: وعمرو ويحيى كل منهما غير ثقةٍ، والإسنادُ ضعيف جدًّا، عمرو بن خالد الكوفي كذاب وضاع، ويحيى بن المساور كذبه الأزدي أيضًا، وحرب بن الحسن الطحان أورده الأزدي في الضعفاء، قال: وليس حديثه بذاك. ثم قال العراقي: وفي إنكار جواز الدعاء له بالرحمة نظر، فقد ثبت في التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ... "، ففي هذا الدعاء له بالرحمة. وقد ثبت في الصحيح، في قصة الأعرابي: "اللهم ارحمني ومحمدًا" [البخاري: رقم: 220] . ومن أنكر الإتيان بهذا اللفظ في التشهد فليس مدركه في ذلك أن الدعاء به له ممتنع؛ فقد قال ابن العربي =

................................... __________ = عَقِبَهُ: ويجوز أن يترحم عليه في كل وقت، وإنما مدركه أن هذا باب اتباع وتعبد، فيقتصر فيه على المنصوص، وتكون الزيادة فيه بدعة؛ لأنه إحداث عبادة في محل مخصوص لم يرد بها نص، وابن أبي زيد لم يقل هذا من عند نفسه من غير دليل ورد بجانبه، وإنما قاله اتباعًا لأحاديث وردت فيه، وإن كانت لم تصح، فلعل ابن أبي زيد رأى هذا من فضائل الأعمال التي يُتساهلُ فيها في الحديث الضعيف، لاندراجه في العمومات، ويكون صح عنده بعضها. فقد روي الحاكم في "مستدركه" [269/1] وصححه، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا تشهد أحدكم في الصلاة، فليقل: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدًا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ". فهذا أصح ما ورد في ذكر الرحمة في التشهد. وقد قال القاضي عياضُ في "الشفاء": ذهب أبو عمر بن عبد البر وغيره إلى أنه لا يدعى له بالرحمة، وإنما يدعى له بالصلاة والبركة التي تختص به، ويدعى لغيره بالرحمة والمغفرة. ثم نقل عن بكر القشيري قال: الصلاة من الله تعالى لمن دون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة، وله تشريف وزيادة مكرمة، فإذا عرفنا الخلاف في ذلك، فسواءٌ فسرنا الصلاة من الله بالرحمة أو المغفرة أو الثناء عليه عند الملائكة، أو التعظيم أو التشريف وزيادة المكرمة؛ لو أتينا عقب التشهد في الصلاة بأحد هذه الألفاظ لم يتم مقامُ الصلاة ولم يسقط بذلك فرضها، ولا حصلت سنتها عند من يراها سنة للتعبد بهذا اللفظ دون غيره من الألفاظ، وباب العبادات يُتلقى من الشارع على حسب ما ورد من غير رواية بالمعنى ولا زيادة ولا نقص، وهذا مدرك ابن العربي وغيره في إنكار لفظ الرحمة في هذا المحل الخاص، مع نقل ابن العربي عن علمائهم؛ أن الصلاة من الله الرحمة؛ فإن أتى بلفظ الرحمة بدل الصلاة فهذا يمنع اتفاقًا عند القائل به، ولعله أرجح لضعف الأحاديث في ذلك. وقال الشيخ بدر الدين ابن الدماميني في كتاب "حُسن الاقتصاص فيما يتعلق بالاختصاص": ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه لا يدعى له بالرحمة، وإنما يدعى له بالصلاة والبركة التي يختص بها، ويدعى لغيره بالرحمة والمغفرة؛ كذا قال ابن عبد البر وعد ذلك من خصائصه. قال: وقد رويت الصلاةُ على النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متواترة بألفاظ متقاربة، وليس في شيء منها "وارحم محمدًا وآل محمد" وإنما فيها لفظ الصلاة والبركة لا غير، ولا أحب لأحد أن يقول: وارحم محمدًا. والصلاة وإن كانت من الله الرحمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خص بهذا اللفظ. قال ابن الدماميني: وقد ذكر ابن أبي زيد في "رسالته" في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارحم محمدًا وآل محمد" وحجتهُ ما ثبت في التشهد: "السلام عليك أيها النبي =

.................................... __________ = ورحمة الله وبركاته" فلا معنى لإنكار الدعاء له بالرحمة بعد تعليمه إيّانا الدعاء بها له. قال الحافظ ابن حجر في "أماليه": قد سبق إلى إنكار ذلك من الفقهاء الشافعية: الصيدلاني، وحكاهُ عند الرافعي ولم يتعقبه. ومن المحدثين المالكية أبو عمر بن عبد البر في "الاستذكار" وليس يجيد منهم، فإنها وردت من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث بريدة: فحديث أبي هريرة أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" [رقم: 641] بسند عنه صلى الله عليه وسلم، قال: "من قال: اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وترحم على محمد وعلى آل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، شهدت له يوم القيامة بالشهادة، وشفعت له". وحديث ابن عباس أخرجهُ أبو جعفر الطبري بسند ضعيف عنه، قال: قالوا: يا رسول الله! قد علمنا السلام عليك، فيكف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيدًا". وحديث ابن مسعود وبريدة مرا. وروى أبو بكر بن أبي عاصم بسند ضعيف؛ عن أبي هريرة قال: يا رسول الله! أمرنا الله بالصلاة، فكيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ؛ كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وارحم محمدًا وآل محمدٍ كما رحمت على إبراهيم وآل إبراهيم، والسلامُ كما قد علمتُم". وروي ابن ماجه [رقم: 906] وغيرُه، بسندٍ حسن؛ عن ابن مسعودٍ، قال: إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرضُ عليه. قالوا له: فعلمنا. قال: قولوا: اللهم اجعل فضائل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين ... الحديث. ورواه بعضهم عن ابن مسعود مرفوعًا. وروى أبو القاسم البغوي في "فوائده" عن ثوير مولى بني هاشم، قال: قلت لابن عمر: كيف الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: اللهم اجعل ... فذكر نحوه. فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا، وأقواها أولها، ويدل مجموعها على أن للزيادة أصلاً. وأما حديثُ علي: "عدهن في يدي" فاعتقادي أنه موضوع. انتهى كلام الحافظ ابن حجر. وأقول: الذي دلت عليه هذه الأحاديثُ جوازُ الدعاء له بالرحمة على سبيل التبعية لذكر الصلاة والسلام، كما في سلام التشهد على وجه الإطناب والحكاية، وأما على وجه الإفراد، كأن يُقال: النبي رحمهُ الله! فلا شك في منعه، وهو خلاف الأدب، وخلاف المأمور به عند ذكره من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، ولا ورد ما يدل عليه البتة، ورب شيء يجوز تبعًا ولا يجوز استقلالًا، ونظيرهُ هنا الصلاة على غير الأنبياء؛ فإنها تجوز على وجه التبعية لهم، وتمتنع على وجه الاستقلال؛ والله أعلم.

 153- فصل [في الجمع بين الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم]

645- إذا صَلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم، فليجمعْ بين الصلاةٍ والتسليم، ولا يقتصرْ على أحدهما، فلا يقل: "صلّى الله عليه" فقط، ولا "عليه السلام" فقط.

 154- فصل [في رَفْعِ الصَّوْتِ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم]

646- يُستحب لقارئ الحديث وغيره ممّن في معناهُ، إذا ذُكر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، أن يرفَعَ صوتهُ بالصلاة عليه والتسليم، ولا يبالغ في الرفع مبالغة فاحشة. وممّن نصّ على رفع الصوت: الإمامُ الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي وآخرون، وقد نقلتُه إلى علوم الحديث ["تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي"، 136/2] . 647- وقد نصَّ العلماء من أصحابنا وغيرهم أنه1 يُستحبّ أن يرفع صوته بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في التلبية؛ "الأم" للشافعي 157/2] والله أعلمُ. __________ 1 في نسخة: "على أنهُ".

بابُ استفتاحِ الدُّعاء بالحمدِ لله تعالى والصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: 648- روينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1481] ، والترمذي [رقم: 3476 ورقم: 3477] ، والنسائي [رقم: 1284] ، عن فَضَالة بن عُبيد رضي الله عنه، قال: سمع رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلاً يدعو في صلاته لم يمجّدِ الله تعالى، ولم يصلِّ على النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "عَجِلَ هَذَا" ثم دعاهُ فقال لهُ، أو لغيره: "إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَبْدأ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وَالثَّناءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شاءَ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح. وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 486] ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعدُ منه شيءٌ حتى تُصلي على نبيّك صلى الله عليه وسلم. 650- قلتُ: أجمع العلماءُ على استحباب ابتداءِ الدعاِ بالحمد لله تعالى، والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك يختم الدعاء بهما؛ والآثارُ في هذا الباب كثيرٌ معروفة. [راجع رقم: 648 السابق] .

 بابُ الصَّلاة على الأنبياءِ وآلهم تبعاً لهم صلى الله عليهم وسلم مدخل بابُ الصَّلاة على الأنبياءِ وآلهم تبعاً لهم صلى الله عليهم وسلم

651- أجمعوا على الصلاة على نبيّنا محمّدٌ صلى الله عليه وسلم، وكذلك أجمع من يُعتّد به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالاً. وأما غيرُ الأنبياء، فالجمهور على أنه لا يُصلّى عليهم ابتداء، فلا يقالُ: أبو بكر صلى الله عليه وسلم. واختُلف في هذا المنع، فقال بعض أصحابنا: هو حرامٌ، وقال أكثرهم: مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ، وذهب كثيرٌ منهم إلى أنهُ خلافُ الأوْلَى، وليس مكروهاً، والصحيحُ الذي عليه الأكثرون أنه مكروهٌ كراهةَ تنزيه؛ لأنه شعارُ أهل البدع، وقد نُهينا عن شعارهم. والمكروهُ هو ما ورد فيه نهيٌ مقصود. 652- قال أصحابنا: والمعتمدُ في ذلك أن الصَّلاةَ صارتْ مخصوصةً في لسان السلف بالأنبياء صلواتُ الله وسلامُه عليهم، كما أن قولنا: عزَّ

وَجَلّ، مخصوصٌ بالله سبحانهُ وتعالى، فكما لا يقالُ: محمدٌ عز وجل -وإن كان عزيزاً جليلاً- لا يقالُ: أبو بكرٍ أو عليّ صلى الله عليه وسلم وإن كان معناهُ صحيحاً. 653- واتفقوا على جواز جعل غير الأنبياء تبعاً لهم في الصلاة، فيقالُ: اللَّهمّ صلّ على مُحمدٍ، وعلى آل محمدٍ، وأصحابه، وأزواجه، وذرِّيته، وأتباعه، للأحاديث الصحيحة في ذلك؛ وقد أُمرنا به في التشهد، ولم يزل السلفُ عليه خارج الصلاة أيضاً. 654- وأما السلامُ، فقال الشيخ أبو محمدٍ [عبد الله بن يوسف] الجويني [والدُ إمام الحرمين] من أصحابنا: هُو في معنى الصلاة، [فإن الله تعالى قرن بينهما] فلا يُستعملُ في الغائب، فلا يُفردُ به [غائبٌ] غير الأنبياء، فلا يقالُ: [أبو بكر وعمرُ و] عليّ عليه السلامُ؛ [, إنما يقول ذلك خطابًا للأحياء والأموات] وسواءٌ في هذا الأحياءُ والأمواتُ. وأما الحاضر، فيُخاطب به، فيقال: سلامٌ عليكَ أو: سلامٌ عليكم، [أو عليك] أو: السَّلام عليكَ أو عليكم؛ وهذا مجمع عليه. وسيأتي إيضاحه في أبوابه إن شاء الله تعالى1. __________ 1 الإضافات المحصورة بين معقوفين من "شرح صحيح مسلم" للنووي.

 157- فصل [في الترضي على الصحابة والترحم على التابعين]

655- يُسْتَحَبُّ الترضّي والترحّم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعبَّاد وسائر الأخيار، فيقال: رضي الله عنه، أو رحمهُ الله، ونحو ذلك. وأما ما قالهُ بعضُ العلماء: إن قوله رضي الله عنه مخصوص بالصحابة، ويقالُ في غيرهم: رحمهُ الله فقط؛ فليس كما قال، ولا يوافق عليه، بل الصحيحُ الذي عليه الجمهورُ استحبابهُ، ودلائله أكثر من أن تُحصر. فإن كان المذكور صحابياً ابن صحابي: قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما، وكذا ابن عباس، وابن الزبير، وابن جعفر، وأُسامة بن زيد، ونحوهم، لتشمله وأباه جميعاً.

 158- فصل [في حكم الصلاة على لقمان ومريم]

656- فإن قيل: إذا ذكر لقمان ومريم، هل يُصلّي عليهما كالأنبياء، أم يترضّى كالصحابة والأولياء، أم يقول: عليهما السلام؟ فالجواب: أن الجماهير من العلماء على أنهما ليسا نَبِيَّيْنِ، وقد شذَّ من قال: نبيّان، ولا التفات إليه، ولا تعريج عليه -وقد أوضحتُ ذلك في كتاب: "تهذيب الأسماء واللغات" فإذا عُرف ذلك، فقد قال بعضُ العلماء كلاماً يُفهم منه أنه يقول: قال لقمانُ، أو مريم صلَّى الله عليه الأنبياء وعليه، أو وعليها وسلم، قال: لأنهما يرتفعان من حال من يقالُ: رضي الله عنه، لما في القرآن مما يرفعهما: والذي أراهُ أن هذا لا بأس به، وأن الأرجح أن يُقال: رضي الله عنهُ، أو عنها؛ لأن هذا مرتبة غير الأنبياء، ولم يثبتْ كونهما نبيّين. وقد نقل إمام الحرمين إجماع العلماءُ على أن مريم ليست نبيّة -ذكره في "الإرشاد" [صفحة: 269]- ولو قال: عليه السلامُ، أو: عليها، فالظاهرُ أنه لا بأس به؛ والله أعلم.

كتاب الأذكار والدعوات للأمور العارضات الأذكار والدعوات للأمور العارضات

  كتاب الأذكار والدعوات للأمور العارضات

[الأذكار والدعوات للأمور العراضات] : 657- اعلم أنَّ ما ذكرته في الأبواب السابقة يتكرّرُ في كل يوم وليلة على حسب ما تقدَّم وتبين. وأما ما أذكرهُ الآن فهي أفكارٌ ودعواتٌ تكونُ في أوقاتٍ، لأسباب عارضاتٍ، فلهذا لا يُلتزم فيها ترتيب.

 بابُ دُعاءِ الاسْتِخَارة:

658- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: 6382] ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: "إذَا هَمَّ أحَدُكُمْ بالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فإنَّكَ تَقْدِرُ ولا أقدرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أعلمُ، وأنْتَ علامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ خيرٌ لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أمْرِي -أو قال: عاجلِ أمْرِي وآجِلِهِ- فاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لي، ثُم بارِكْ لي فِيهِ، وَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ شَرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجِلِ أمْرِي وآجِلِهِ- فاصْرِفْهُ عني واصرفني عنه، وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ"، قال: ويُسمِّي حاجَتَهُ.

659- قال العلماءُ: تستحبّ الاستخارة بالصلاة والدعاء المذكور، وتكون الصلاة ركعتين من النافلة، والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب، وبتحية المسجد وغيرها من النوافل1؛ ويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة [سورة] {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ،وفي الثانية [سورة] {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 2 ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء. __________ 1 قال الحافظ زين الدين العراقي في "شرح سنن الترمذي": هكذا أطلق النووي حصولها من غير تقييد بكونه ينوي بتلك الركعتين الاستخارة بعدها "أم لا"، وفيه نظرٌ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أمرهُ بذلك بعد حُصول الهم بالأمر، فإذا صلى راتبةً أو تحيةَ المسجد، ثم هم بأمر بعد الصلاة أو في أثناء الصلاة، فالظاهر أنه لا يحصلُ بذلك الإتيانُ بالصلاةِ المسنونة عند الاستخارة، "نعم إن كان هم بالأمر قبل الشروع في السنة الراتبة أو تحية المسجد، ثم صلاها من غير نية الاستخارة"، وبدا لهُ بعد الصلاة الإتيان بدُعاء الاستخارة، فالظاهر حصول ذلك، وقد يُقالُ: إن لم ينو بالركعتين الاستخارة بعدها لم يحصل سنتها بذلك، فإن نواهما معًا: التحية والاستخارة حصلتا؛ لأن التحية تحصلُ بشغل التبعية ولو بفريضة. وإن نوى بالراتبة سنة الصلاة وسنة الاستخارة فيحتمل حصولهما، ويحتمل ألا يحصلا "للتنزيل، ويحتمل أن يحصل" له ما قوي الحاملُ عليه في الإتيان شك من نية الصلاة أو الاستخارة. 2 قال العراقي: سبقه إلى ذلك الغزالي كما ذكره في "الإحياء"، ولم أجد في شيء من طرق أحاديث الاستخارة تعيين ما يقرأ فيهما، ولكنه مناسبٌ؛ لأنهما حوتا الإخلاص فيناسب الإتيان بهما في صلاةٍ المرادُ منها إخلاصُ الرغبة وصدق التفويض وإظهار العجز بالتبري من العلم والقدرة والحول والقوة. وإن قرأ بعد الفاتحة ما يُناسبُ الاستخارة فحسنٌ؛ كقولة تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} الآية [القصص: 68] ، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الآية [الأحزاب: 36] . وقال الحافظ ابن حجر: قرأت في كتاب جمعه الحافظ أبو المحاسن عبد الرزاق الطبسي فيما يقرأ في الصلوات؛ أن الإمام أبا عثمان [إسماعيل بن عبد الرحمن] الصابوني ذكر في أماليه، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه زين العابدين؛ أنه كان يقرأ في ركعتي الاستخارة بصورة الرحمن وسورة الحشر. قال الصابوني: وأنا أقرأ فيهما: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} في الأولى؛ لأن فيها: {وَنُيَسِرُكَ لِلْيُسْرَى} ، وفي الثانية: =

660- ويستحبّ افتتاح الدعاء المذكور وختمه بالحمد لله والصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن الاستخارة مستحبّة في جميع الأمور كما صرَّح به نصُّ هذا الحديث الصحيح، وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرحُ له صدره1، والله أعلم. 661- وروينا في كتاب الترمذي [رقم: 3516]- إبسناد ضعيف، ضعَّفه الترمذي وغيرهُ -عن أبي بكر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الأمر قال: "اللَّهُمَّ خِرْ لي وَاخْتَرْ لي". 662- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 603] ، عن أنس رضي الله عنهُ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يا أنسُ! إذَا هَمَمْتَ بأمرٍ فاسْتَخِرْ رَبَّكَ فيهِ، سَبْعَ مراتٍ، ثُمَّ انْظُرْ إلى الَّذي سَبَقَ إلى قَلْبِكَ، فإنَّ الخَيْرَ فِيهِ" إسنادهُ غريبٌ، فيه مَنْ لا أعرفهم2. والله أعلم. __________ = {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} لأن فيها: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} . [وقال ابن علان في "الفتوحات الربانية" 355/3: ولم يذكرا مناسبة لما كان يقرأ به زين العابدين منهما. ثم قال: قال الحافظ: ويجوز أن يكون لحظه في الأولى قوله: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} وفي الثانية الأسماء الحسنى التي في آخرها ليدعو بها في الأمر الذي يريده، والعلم عند الله. اهـ.] قال الطبسي: وحكى شيخنا طريف بن محمد الجبري، عن بعض السلف أنه كان يقرأ في الأولى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} إلى قوله: {وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 68] ، وفي الثانية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ} إلى قوله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُورًا} [الأحزاب: 36] . 1 قال العراقي: كأنه أخذهُ من حديث أنس الذي ذكرهُ بعده، وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، فلا حجة فيه، وقد خالفه الشيخ عز الدين بن عبد السلام فقال: إنه يفعلُ بعد الاستخارة ما أراد، وإن ما يقع بعد الاستخارة فهو الخيرة. وقد يستدل لما قاله الشيخ عز الدين بما في حديث ابن مسعود عند الطبراني، فإنه قال بعد ذكر دعاء الاستخارة: ثم يعزم، أي: يعزم على ما استخار عليه. وهو حديث ضعيف إلا أن راويه ضعيف لم يتهم بالوضع، فهو أصلح من راوي حديث أنس. قال: وإذا قلنا بما ذكره النووي من أنه يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له، فلا ينبغي أن يعتمد على انشراح كأن له فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك ااختياره رأسًا، وإلا فلا يكون مستخيرًا، بل يكون مستخيرًا لهواه، ويكون غير صادقٍ في طلب الخيرة، وفي التبري من العلم والقدرة وإثباتهما لله تعالى، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة، ومن اتباع هواه، ومن اختياره لنفسه، ولذلك وقع في آخر حديث أبي سعيد بعد دُعاء الاستخارة: "لا حول ولا قوة إلا بالله" وهو حديثٌ صحيحٌ، فمن لم يكن حاله في الاستخارة ترك هواه واختياره لنفسه لم يكن مستخيرًا لله، بل هو تابعٌ لهواه. 2 قال العراقي: وهم معروفون، لكن فيهم من هو معروف بالضعف الشديد، وهو إبراهيم بن البراء، فقد ذكره في الضعفاء ابن عدي [254/1] وابن حبان [في "المجروحين" 117/1] وغيرهم، وقالوا: إنه كان يحدثُ بالأباطيل عن الثقات. زاد ابن حبان: لا يحل ذكره إلا سبيل القدح فيه. قال الحافظ ابن حجر: والراوي عنه في هذا السند عبيد الله بن الموصل الحميري، لم أقف له على ترجمة، والراوي عن عبيد الله: أبو العباس بن قتيبة؛ اسمه محمد بن الحسن، وهو ابن أخي بكار بن قتيبة قاضي مصر، وكان ثقة، أكثر عنه ابن حبان في صحيحه.

أبواب الأذكار التي تُقال في أوقات الشِّدَّة وعلى العَاهات: 161- بابُ دعاءِ الكَرْبِ والدعاءُ عندَ الأمورِ المهمّة: 663- روينا في صحيحي البخاري [رقم: 6345] ومسلم [رقم: 2730] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقولُ عند الكرب: "لاَ إله إلا الله العظيم الحليمُ، لا إله إلا اللَّه رَبّ العَرْشِ العظيم، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمُ". وفي رواية لمسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حَزَبَه أمرٌ قال ذلك. قوله: "حزبهُ أمرٌ" أي: نزل به أمر مهم، أو أصابه غمّ. 664- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3524] ، عن أنس رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. أنه كان إذا كربه أمرٌ قال: "يا حيُّ يا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أستغيثُ". قال الحاكم [509/1] : هذا حديثُ صحيحُ الإِسناد.

665- وروينا في [رقم: 3436] : عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أهمّه الأمر رفع رأسَه إلى السماء، فقال: "سُبْحانَ الله العَظِيمِ" وإذا اجتهد في الدعاء، قال: "يا حيُّ يا قَيُّومُ". 666- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: 6389] ومسلم [رقم: 2690] ، عن أنس رضي الله عنهُ، قال: كان أكثرُ دُعاءِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ [ربنا] آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ". زاد مُسلم في روايته، قال: وكان أنسُ إذا أرادَ أن يدعوَ بدعوةٍ دعا بها، فإذا أرادَ أن يدعوَ بدعاءٍ دعا بها فيه. 667- وروينا في "سنن النسائي" [بل في "عمل اليوم والليلة"، رقم: 630 ورقم: 631] و"كتاب ابن السني" [رقم: 343] ، عن عبد الله بن جعفر، عن عليّ رضي الله عنهم، قال: لَقَّنني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات، وأمرني إن نزل بي كرب، أو شدّة أن أقولها: "لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الكَرِيمُ العَظِيمُ، سبحانهُ تَبارَكَ اللَّه رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحمدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ". وكان عبد الله بن جعفر يلقنها، وينفثُ بها على الموعوك، ويعلِّمها المغتربة من بناته. قلت: الموعوك: المحموم، وقيل: هو الذي أصابه مغثُ الحمى. والمغتربة من النساء: التي تُزوَّج إلى غير أقاربها. 668- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5090] ، عن أبي بكرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دَعَوَاتُ المَكْرُوب: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أرْجُو، فَلا تَكِلْنِي إلى نَفْسي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأصْلِحْ لي شَأنِي كُلَّهُ، لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ".

669- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1535] ، وابن ماجه [رقم: 3882] ، عن أسماء بنت عُمَيْس رضي الله عنها، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ تَقُولِيْنَهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ -أو: في الكرب: اللَّهُ اللَّهُ رَبي، لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً". 670- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 346] ، عن أبي قتادة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَرأ آيَة الكُرْسِيِّ، وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ الكَرْبِ؛ أغاثَهُ الله عز وجل". 671- وروينا فيه [رقم: 345] ، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إِني لأَعْلَمُ كَلِمَةً لا يَقُولُهَا مَكْرُوبٌ إِلاَّ فرج الله عَنْهُ: كَلِمَةَ أخي يُونُسَ صَلَّى الله عليه وسلَّمَ {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] ". 672- ورواهُ الترمذي [رقم: 3505، والحاكم 583/2] من سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوةُ ذِي النُّونِ إذْ دَعا ربهُ وَهُوَ في بَطْنِ الحُوتِ: لا إِلهَ إلا أنت سحبانك إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، لَمْ يَدْعُ بِها رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْء قَطُّ إِلاَّ استجاب الله له". [سيرد برقم: 2005] .

 162- بابُ ما يقولُه إذا راعهُ شيءٌ أو فَزِعَ:

673- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 337] ، عن ثوبانَ رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا راعَه شيءٌ، قال: "هُوَ اللَّهُ، الله ربي لا شريك له" [ورواه النسائي، رقم: 657] . 674- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3893] ، والترمذي [رقم: 3528] ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الفزع كلمات: "أعوذ بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّةِ من غضبه وشر عباده، ومن همزات الشَّيَاطِينِ، وأنْ يَحْضُرُونِ". وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه فعلقه عليه. قال الترمذي: حديث حسن [راجع الباب 118 السابق] .

163- بابُ ما يَقُولُ إذا أصابهُ همٌّ أو حَزَن: 675- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 341] ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهُ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أصَابَهُ هَمٌّ أوْ حَزَنٌ فَلْيَدْعُ بِهَذِهِ الكَلِماتِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنَا عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبدِكَ، وابْنُ أَمَتِكَ، فِي قَبْضَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عدلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أسألُكَ بِكُلّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ فِي كِتابِكَ، أوْ عَلَّمْتَه أحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أوِ اسْتَأثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أنْ تجعل القرآن العظيم نُورَ صَدْرِي، وَرَبِيعَ قَلْبِي، وَجلاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمّي" فقال رجلٌ من القوم: يا رسول الله! إن المغبونَ لمن غبن في هؤلاء الكلمات؛ فقال: "أجَلْ، فَقُولُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ، فإنَّهُ مَنْ قَالَهُنَّ الْتِماسَ ما فِيهِنَّ أذْهَبَ اللَّهُ تَعالى حُزنهُ، وأطالَ فرحهُ"؛ والله أعلمُ.

 164- بابُ ما يقولهُ إذا وقعَ في هلكةٍ:

676- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 338] ، عن علي رضي الله عنهُ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "يا عَلِيُّ! ألا أُعَلِّمُكَ كلماتٍ، إِذَا وَقَعْتَ فِي وَرْطَةٍ قُلْتَها"؟ قلتُ: بلى! جعلني الله فداك؛ قال: " إذَا وَقَعْتَ فِي وَرْطَةٍ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله العلي العظيم: فإنَّ اللَّهَ تَعالى يَصْرِفُ بها ما شاءَ مِنْ أنْوَاعِ البَلاءِ". قلت: "الورطةُ" بفتح الواو وإسكان الراء، وهي: الهلاكُ؛ واللهُ أعلمُ.

 165- بابُ ما يقولُ إذا خافَ قوماً:

677- روينا بالإِسناد الصحيح في "سنن أبي داود" [رقم: 1537] والنسائي [في "السنن الكبرى"، "تحفة الأشراف"، رقم: 9128، وفي "عمل اليوم والليلة"، رقم: 601] ؛ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوما قال: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شروروهم" [وسيرد برقم: 1084 و1151] .

 166- بابُ ما يقولُ إذا خافَ سُلْطاناً:

678- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 347] ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا خِفْتَ سُلْطاناً أوْ غَيْرَهُ، فَقُلْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الحليمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّهِ رَبّ السَّمَوَاتِ السبع ورب العرش العظيم، لا إله إِلاَّ أنْتَ، عَزَّ جارُكَ، وَجَلَّ ثَناؤُكَ". [وسيرد برقم: 1088 و1098] . 679- ويستحبُّ أن يقول ما قدَّمناه في الباب السابق [برقم: 165] من حديث أبي موسى [رقم: 677] .

 167- بابُ ما يَقولُ إذا نظرَ إلى عدوّه:

680- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 336] ، عن أنس رضي الله عنهُ، قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ، فلقي العدو، فسمعته يقولُ: "يا مالك يوم الدين، إياك أعبدُ، وإيَّاكَ أسْتَعِينُ" فلقد رأيتُ الرجالَ تصرع، تضربها الملائكةُ من بين أيديها ومن خلفها. [سيرد برقم: 1087] . 681- ويُستحبُّ ما قدَّمناه في الباب السابق [رقم: 165] من حديث أبي موسى [برقم: 677] .

 168- باب ما يقول إذا عرضَ له شيطانٌ أو خافهُ:

682- قال الله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [فصلت: 200] . وقال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً} [الإِسراء: 45] ، فينبغي أن يتعوّذ، ثم يقرأ من القرآن ما تيسَّر. 683- وروينا في صحيح مسلم [رقم: 542] ، عن أبي الدرداء رضي الله عنهُ، قال: قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّي، فسمعناهُ يقولُ: "أعوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ"، ثم قال: "ألْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ" ثَلاثاً، وبسطَ يدهُ كأنَّه يتناول شيئاً، فلما فرغَ من الصلاة، قلنا: يا رسول الله! سمعناك تقول في الصلاةِ شيئاً لم نسمعْكَ تقولهُ قبلَ ذلك، ورأيناكَ بسطتَ يدَكَ، قال: "إنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جاءَ بِشِهابٍ مِنْ نارٍ ليجعلهُ في وَجْهِي، فقلتُ: أعوذُ باللَّهِ مِنْكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قلتُ: أعلنك بلعنة الله التامة، فاسْتأخَرَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أرَدْتُ أنْ آخذهُ، وَاللَّهِ لَوْلا دعوةُ أخي سُلَيْمانَ لأصْبَحَ مُوثَقاً تَلْعَبُ بِهِ ولدانُ أهلِ المَدِينَةِ". 684- قلت: وينبغي أن يُؤَذَّن أذان الصلاة. 685- فقد روينا في صحيح البخاري، رقم: 608 وصحيح مسلم رقم: 389، عن سهيل ابن أبي صالح أنه قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، ومعي غلامٌ لنا، أو صاحبٌ لنا، فناداهُ منادٍ من حائطٍ باسمه، وأشرف الذي معي على الحائط، فلم يرَ شيئاً، فذكرتُ ذلك لأبي، فقال: لو شعرتُ أنك تَلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتاً فنادِ بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يحدثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنَّ الشَّيْطانَ إذَا نُودِيَ بالصلاة أدبر [وله حصاص] ".

 169- بابُ ما يَقُولُ إذا غلبَه أمرٌ:

686- روينا في صحيح مسلم [رقم: 2664] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المُؤْمِنُ القَوِيُّ خيرٌ وأحبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خيرٌ، احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بالله ولا تعجزْ 1، وإنْ أصابَكَ شيءٌ فَلاَ تقُل: لَوْ أَني فعلتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، ولكن قُل: قَدَّرَ اللَّهُ وَما شاء فَعَلَ، فإنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ". 687- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3627] ، عن عوف بن مالك رضي الله عنهُ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين، فقال المقضيّ عليه لمّا أدبر: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعمَ الوَكِيلُ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ تَعالى يلومُ على العَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بالكَيْسِ، فإذَا غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعمَ الوَكِيلُ". قلت: "الكَيْس" بفتح الكاف، وإسكان الياء؛ ويطلقُ على معانٍ، منها: الرفق، فمعناهُ، والله أعلم: عليك بالعمل في رفقٍ بحيثُ تُطيق الدوام عليه. __________ 1 في بعض النسخ من "الأذكار": "ولا تعجزن".

 170- بابُ ما يقولُ إذا استصعبَ عليه أمرٌ:

688- رَوَينا في كتاب ابن السني [رقم: 353] ، عن أنس رضي الله عنهُ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللَّهُمَّ لا سَهْلَ إِلاَّ ما جَعَلْتَهُ سَهْلاً وأنْتَ تَجْعَلُ الحَزْنَ إذَا شِئْتَ سَهْلاً". قُلتُ: "الحزنُ" بفتح الحاء المهملة وإسكان الزاي، وهو: غليظ الأرض، وخشنها.

 171- بابُ ما يقولُ إذا تَعَسَّرَتْ عليه معيشتُه:

689- روينا في كتاب ابن السني [رقم: 352] ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما يمْنَعُ أحَدَكُمْ إذَا عَسُرَ عَلَيْهِ أمْرُ مَعِيشَتِهِ أنْ يَقُولَ إذَا خَرَجَ مِنْ بيته: باسمِ اللَّهِ على نَفْسِي ومَالي ودِينِي، اللَّهُمَّ رضني بقضائي، وباركْ لي فِيما قُدر لي حتَّى لا أُحِبَّ تَعْجِيلَ ما أخَّرْتَ، ولا تأخيرَ ما عَجَّلْتَ".

 172- بابُ ما يقولُه لدفعِ الآفَاتِ:

690- روينا في كتاب ابن السني [رقم: 359] ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ على عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ ومالٍ وَوَلَدٍ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، لا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، فَيَرَى فِيها آفَةً دونَ الموت". والله أعلمُ.

 173- بابُ ما يقولُه إذا أصابتهُ نكبةٌ قليلةٌ أو كثيرة:

قال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155-157] . 691- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 354] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِيَسْتَرْجِعْ أحَدُكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ حتَّى فِي شِسْعِ نَعْلِهِ، فإنَّها مِنَ المَصَائِبِ". قلتُ: "الشسعُ" بكسر الشين المعجمة، ثم بإسكان السين المهملة، وهُو: أحد سيورِ النعلِ التي تشدُ إلى زمامها.

 174- بابُ ما يقولُه إذا كان عليه دينٌ عَجَزَ عنه:

692- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3563] ، عن عليّ رضي الله عنه، أن مُكاتباً1 جاءه، فقال: إني عجزتُ عن كتابتي، فأعنِّي؛ قال: ألا أُعلّمُك كلماتٍ عَلمنيهنّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، لو كانَ عَليكَ مثلُ جبل [صِيْرٍ] دَيْناً أداهُ عنك؟ قال: قُل: "اللَّهُمَّ اكْفِني بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأغْنِني بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِواكَ" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ [غريبٌ] . [سيرد برقم: 1999] . وقد قدَّمنا في 105 - باب ما يُقال عند الصباح والمساء [برقم: 150/ 450] حديث أبي داود [رقم: 1555] ، عن أبي سعيد الخدري في قصة الرجل الصحابي الذي يُقال له: أبو أمامة، وقوله: هموم لزمتني وديوان. والله أعلم. __________ 1 الكاتب: السيد، والمكاتب: العبد.

 175- باب ما يقوله من بُلي بالوَحْشة:

693- روينا في كتاب ابن السني [رقم: 643] ، عن الوليد بن الوليد رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله! إني أجدُ وحشةً؛ قال: "إذَا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلْ: أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، ومن هَمَزَاتِ الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضُرُونِ، فإنَّها لا تَضُرُّكَ، أوْ لا تَقْرَبُكَ". 694- وروينا فيه [رقم: 644] ، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ يشكو إليه الوحشة، فقال: "أكْثِرْ مِنْ أنْ تَقُولَ: سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ، ربِّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ، جَلَّلْتَ السموات والأرض بالعِزَّةِ والجبَرُوتِ"، فقالها الرجلُ، فذهبتْ عنه الوحشة. والله أعلم.

 176- بابُ ما يقولُه مَنْ بُلي بالوَسْوَسَة:

695- قال الله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [فصلت: 36] فأحسنُ ما يقالُ ما أدَّبَنا اللَّهُ تَعالى به، وأمرَنا بقوله. 696- وروينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 3276] ، ومسلم [رقم: 134] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتِي الشَّيْطانُ أحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فإذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بالله، وَلْيَنْتَهِ". وفي رواية في الصحيح مسلم [رقم: 134] : " لا يَزالُ النَّاسُ يَتَساءلُونَ حتَّى يُقالَ هَذَا: خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلكَ شَيْئاً فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ باللَّهِ وَرُسُلِهِ". 697- وروينا في ابن السني [رقم: 631] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَجَدَ مِنْ هَذَا الوَسْوَاسِ فَلْيَقُلْ: آمَنَّا باللَّهِ وَبِرُسُلِهِ ثَلاثاً، فإنَّ ذلكَ يَذْهَبُ عَنْهُ". 698- وروينا في صحيح مسلم [رقم: 2203] ، عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يَلْبِسُهَا عليّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلكَ شيطانٌ يُقالُ لهُ: خِنْزَبٌ، فإذَا أحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بالله منه، واتفل على يَسارِكَ ثَلاثاً" ففعلتُ ذلك، فأذهبهُ الله تعالى عني. قلتُ: "خِنْزب" بخاء معجمة، ثم نون ساكنة، ثم زايٌ مفتوحةٌ، ثم باءٌ موحدةٌ؛ واختلف العلماءُ في ضبط الخاء منهُ، فمنهم من فتحها، ومنهم

من كَسَرَها، وهذان مشهوران، ومنهم من ضمَّها؛ حكاهُ ابنُ الأثير في "نهاية الغريب" [2/ 83] والمعروف الفتح والكسرُ. 699- وروينا في سنن أبي داود [رقم: 5110] بإسناد جيد، عن أبي زُمَيْل، قال: قلتُ لابن عباس: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به؛ فقال لي: أشيءٌ من شكّ؟ وضحك، وقال: ما نجا منهُ أحدٌ، حتى أنزل الله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} [يونس: 94] فقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئاً فقُل: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] . 700- وروينا بإسنادنا الصحيح في "رسالة" الأستاذ أبي القاسم القُشيري رحمه الله، عن أحمد بن عطاء الروذباري السيد الجليل رضي الله عنه ["شرح الرسالة" 16/2] ، قال: كان لي استقصاءٌ في أمر الطهارة، وضاق صدري ليلة لكثرة ما صببتُ من الماء ولم يسكنْ قلبي، فقلت: يا ربّ! عفوك عفوك؛ فسمعتُ هاتفاً يقولُ: العفو في العلم، فزال عني ذلك. وقال بعض العلماء: يستحبّ قول: "لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ" لمن ابتلي بالوسوسة في الوضوء، أو في الصلاة، أو شبههما، فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس، أي: تأخر وبعد؛ و"لا إِله إِلاَّ اللَّه" رأسُ الذكر، ولذلك اختار السادة الأجلةُ من صفوة هذه الأمة، أهل تربية السالكين وتأديب المريدين، قول: "لا إِله إِلاَّ الله" لأهل الخلوة، وأمروهم بالمداومة عليها، وقالوا: أنفعُ علاج في دفع الوسوسة الإِقبال على ذكر الله تعالى، والإِكثار منه. وقال السيد الجليل أحمد بن أبي الحواري -بفتح الراء وكسرها: شكوتُ إلى أبي سليمان الدارني الوسواس: فقال: إذا أردت أن ينقطع عنك، فأيّ وقت أحْسَسْتَ به فافرح، فإنك إذا فرحتَ به انقطع عنك؛ لأنه ليس شيءٌ أبغض إلى الشيطان من سرور المؤمن؛ وإن اغتممت زادك. قلتُ: وهذا مما يُؤيد ما قاله بعض الأئمة: إن الوسواس إنما يُبتلى به من كمل إيمانهُ، فإن اللصّ لا يقصد بيتًا خربًا.

باب ما يقرأ على المعتوه والملدوع

  177- بابُ ما يقرأُ على المَعْتُوهِ والمَلْدُوغ:

701- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 5749] ومسلم [رقم: 2201] ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهُ، قال: انطلق نفرٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرةٍ سافروها، حتى نزلوا على حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافُوهم، فأبوا أن يُضيِّفوهم، فلُدغ سيِّدُ ذلك الحيّ، فسعَوْا له بكل شيء، لا ينفعُه شيءٌ، فقال بعضُهم: لو أتيتم هؤلاء الرَّهَطَ الذين نزلوا، لعلَّهم أن يكونَ عندهم بعضُ شيءٍ، فأتوهُم، فقالوا: يا أيُّها الرَّهط! إنَّ سيدنا لُدغ، وسعينا له بكل شيء، لا ينفعه شيءٌ، فهل عندَ أحدٍ منكم من شيءٍ؟ قال بعضُهم: إني والله لأَرْقي، ولكنْ، والله لقد استضفناكم فلم تضيِّفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فصالحُوهم على قطيع من الغنم، فانطلقَ يتفلُ عليه ويقرأُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، فكأنما نَشِطَ من عقال، ناطلق يمشي وما به قَلَبَة، فأوفوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه، وقال بعضُهم: اقسموا؛ فقال الذي رَقَى: لا تفعلوا حتى نأتيَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنذكرَ له الذي كان، فننظر الذي يأمرنا؛ فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا له، فقال: "وَما يُدْرِيكَ أنها رُقْيَةٌ"؟ ثم قال: "قَدْ أصَبْتُمُ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لي مَعَكُم سَهماً" وضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم. هذا لفظ رواية البخاري، وهي أتمّ الروايات. وفي رواية: فجعل يقرأُ أُمّ الكتاب، ويجمعُ بزاقهُ ويتفلُ، فبرأ الرجلُ. وفي روايةٍ: فأمر له بثلاثين شاة.

قلت: قوله: وما به قلبةٌ وهي بتفح القاف واللام والباء الموحدة، أي: وجع. التبيان، [رقم: 473] . 702- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 637] ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أخي به وجعٌ، فقال: "وَما وَجَعُ أخِيكَ"؟ قال: به لممٌ، قال: "فابْعَث بِهِ إليَّ" فجاء، فجلس بين يديه، فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب وأربع آياتٍ من أوّل سورة البقرة وآيتين من وسطها: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 163، 164] حتى فرغَ من الآية، وآية الكرسي، وثلاث آيات مِنْ آخِرِ سُورَةِ البقرة، وآية من أوّل سورة آل عمران و {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} إلى آخر الآية [آل عمران: 18] ، وآية من سورة الأعراف: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأعراف: 54] ، وآية من سورة المؤمنين: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116] ، وآية من سورة الجنّ: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً} [الجن: 3] ، وعشر آيات من سورة الصّافّات من أوّلها، وثلاثاً مِنْ آخِرِ سُورَةِ الحشر، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوّذتين. قلت: قال أهل اللغة: اللمم: طرف من الجنون يلمّ بالإِنسان ويعتريه.

703- وروينا في سنن أبي داود [رقم: 3896] بإسناد صحيح، عن خارجة بن الصلت، عن عمّه، قال: أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأسلمت، ثم رجعتُ، فمررتُ على قوم عندهم رجلٌ مجنونٌ موثقٌ بالحديد، فقال أهلهُ: إنا قد حُدِّثنا أن صاحبَك هذا قد جاء بخير، فهل عندك شيءٌ تُداويه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوني مائة شاة، فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرتُه، فقال: "هَلْ إِلاَّ هَذَا"؟ -وفي رواية: "هَلْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا"؟ - قلتُ: لا، قال: "خُذْها، فَلَعَمرِي لَمَنْ أكَلَ بِرُقْيَةِ باطلٍ، لقد أكلت برقية حَقٍّ". 704- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 635] بلفظٍ آخر، وهي روايةٌ أخرى لأبي داود [رقم: 3897] ، قال فيها عن خارجة، عن عمّه، قال: أقبلنا من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتينا على حيّ من العرب، فقالوا: عندكم دواءٌ؟ فإن عندنا معتوهاً في القيود؛ فجاءوا بالمعتوه في القيود، فقرأتُ عليه فاتحةَ الكتاب ثلاثةَ أيامٍ غدْوةً وعشيّةً أجمع بزاقي ثم أتفلُ، فكأنما نَشِطَ من عِقال، فأعطوني جُعْلاً، فقلتُ: لا، فقالوا: سلِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فسألته، فقال: "كُلْ، فَلَعَمْرِي مَنْ أكَلَ بِرُقْيَةِ باطلٍ، لَقَدْ أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ". قلت: هذا العمّ اسمه علاقة بن صحارٍ، وقيل: اسمه عبد الله. 705- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 636] ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه قرأ في أُذن مبتلى فأفاق، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا قَرأتَ في أُذُنِهِ"؟ قال: قرأت: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} [المؤمنون: 115] حتى فرغَ من آخر السورة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أنَّ رَجُلاً مُوقِناً قَرأ بِها على جَبَلٍ لَزَالَ".

باب ما يعود به الصِّبْيَانُ وغيرُهم

  178- بابُ ما يُعَوَّذُ به الصِّبْيَانُ وغيرُهم:

706- روينا في صحيح البخاري [رقم: 3371] رحمه الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعوِّذ الحسن والحسين: "أعيذُكُما بكلماتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شيطانٍ وهامةٍ، وَمِنْ كُلّ عَيْنٍ لامَّةٍ" ويقولُ: "إنَّ أباكُما كان يُعَوِّذُ بِها إسْماعِيلَ وَإسْحاقَ" صلى الله عليهم أجمعين وسلم [وسيرد برقم: 1633] . قلتُ: قال العلماء: الهامَّة بتشديد الميم، وهي: كلّ ذات سمّ يقتلُ، كالحيّة وغيرها، والجمعُ الهوامّ، قالوا: وقد يقع الهوامّ على ما يدبّ من الحيوان، وإن لم يقتل، كالحشرات. ومنه حديث كعب بن عجرة رضي الله عن البخاري، [رقم: 4190؛ مسلم، رقم: 1201] : "أيؤذيك هوام رأس"؟ أي: القمل. وأما العين اللامة فهي بتشديد الميم، وهي: التي تُصيب ما نظرت إليه بسوء.

 179- بابُ ما يقالُ على الخُرَّاجِ والبَثَرَةِ ونحوهما:

707- في الباب حديث عائشة الآتي قريبًا [رقم: 711] في باب [رقم: 183 ما يقوله المريض ويقرأ عَلَيْهِ. 708- وروينا في كتاب ابن السنيّ [رقم: 640] ، عن بعض أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، قلت: دخل عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقد خرجَ في أصبعي بثرة، فقال: "عِنْدَكِ ذَرِيرَةٌ" فوضعها عليها، وقال: "قُولي: اللَّهُم مُصَغِّرَ الكَبِيرِ، وَمُكَبِّرَ الصَّغِيرِ، صَغِّرْ ما بِي" فطفئت. قلتُ: البثرة بفتح الباء الموحدة، وإسكان الثاء المثلثة وبفتحها

أيضاً، لغتان؛ وهو: خُرَّاجٌ صغارٌ، ويقالُ: بَثِر وجهه، وبثر1، بكسر الثاء وفتحها وضمّها، ثلاث لغات. وأما الذَّريرة فهي: فتات قَصَبٍ من قصب الطبيب يُجاء به من الهند. __________ 1 بثر: علو وزن فعل؛ على صيغة الفعل الذي لم يسم فاعله مثل: ذُهل - وهرع.

 كتاب أذكار المرض والموت وما يتعلق بهما:

  بابُ اسْتحبابِ الإِكْثارِ من ذِكْرِ الموْت:

709- روينا بالأسانيد الصحيحة في كتاب الترمذي [رقم: 3308] ، وكتاب النسائي [رقم: 1824] ، وكتاب ابن ماجه [رقم: 4258] ، وغيرها؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "أكثروا ذكر هادم اللَّذَّاتِ" يعني: الموت، قال الترمذي، حديثٌ حسن.

 بابُ اسْتحبابِ سؤالِ أهلِ المريضِ وأقَاربهِ عنه وجواب المسئول:

710- روينا في صحيح البخاري [رقم: 6266] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، خرجَ من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعهِ الذي تُوفي فيه، فقال الناسُ: يا أبا حسنٍ! كيف أصبحَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبحَ بِحَمْدِ الله تعالى بارئًا.

 بابُ ما يَقولُه المريضُ، ويقالُ عندَه، ويُقرأ عليه، وسؤالُه عن حالِه:

711- روينا في صحيحي البخاري [رقم: 5017] ومسلم [رقم: 2192] ، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفّيه ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} ، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ، ثم يمسحُ بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعلُ ذلك ثلاثَ مرّاتٍ، قالت عائشة: فلما اشتكى، كان يأمرني أن أفعل ذلك به. [راجع التبيان للنووي، الفقرات رقم: 444-449] . وفي رواية في الصحيح البخاري، [رقم: 5751] ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي تُوفي فيه بالمعوّذات، قالت عائشة: فلما تقل كنت أنفس عليه بهن، وأمس بيد نفسه لبركتها. وفي رواية البخاري، [رقم: 5016] ، ومسلم، [رقم: 2192] : كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفثُ. قيل للزهري، أحد رواة هذا الحديث: كيف ينفث؟ فقال: كان ينفثُ على يديه ثم يمسحُ بهما وجهَه. [راجع التبيان، رقم: 448] . 712- قلت: وفي الباب الأحاديث [رقم: 701-705] التي تقدمت في 177 - باب ما يُقرأ على المعتوه، وهو قراءة الفاتحة وغيرها. 713- وروينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 5745] ومسلم [رقم: 2194] ، و"سنن أبي داود" [رقم: 3895] وغيرها، عن عائشة رضي الله عنها؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإِنسان الشيء منه، أو كانت به قرحةٌ، أو جرحٌ، قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بأصبعهِ هكذا، ووضع سفيان بن عيينة الراوي

سبّابته بالأرض، ثم رفعها، وقال: "باسم اللَّهِ، تُرْبَةُ أرْضِنا، بِرِيقَةِ بَعْضِنا، يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنا، بإذْنِ رَبِّنا". وفي رواية [البخاري، رقم: 5746] : "تُرْبَةُ أرْضِنا وَرِيقَةُ بَعْضِنا". قلتُ: قال العلماء: معنى: بريقة بعضنا، أي: ببُصاقه، والمراد: بصاقُ بني آدم. قال ابن فارس [في "المجمل" صفحة: 410] : الريقُ: ريق الإِنسان وغيره، وقد يؤنث، فيقالُ: ريقةُ. وقال الجوهري في صِحاحه [4/ 1488] : الريقة أخصّ من الريق. 714- وروينا في صحيحهما [البخاري، رقم: 5743؛ ومسلم، رقم: 2191] عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعَوِّذُ بعضَ أهله، يمسَحُ بيده اليمنى ويقول: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أذْهِبِ البأسَ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي، لا شِفاءَ إِلاَّ شِفاؤُكَ شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَماً". قُلتُ: معنى لا يغادر أي: لا يترك. والبأس: الشدّة والمرض. 716- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 2202] رحمه الله، عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ضَعْ يَدَكَ على الَّذِي يألمُ مِنْ

جسدك، وقل: باسم اللَّهِ، ثَلاثاً: وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرّ ما أجِدُ وأُحاذِرُ". 717- وروينا في صحيح مسلم [رقم: 1628] ، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: عادني النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً". 718- وروينا في سنن أبي داود [رقم: 3106] ، والترمذي [رقم: 2083] بالإِسناد الصحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "مَنْ عادَ مَرِيضاً لَمْ يحضُر أجلهُ، فَقالَ عندهُ سَبْعَ مراتٍ: أسالُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ أنْ يَشْفِيكَ، إلاَّ عافاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالى مِن ذلِك المَرَضِ". قال الترمذي: حديث حسن. وقال الحاكم أبو عبد الله في كتابه المستدرك على الصحيحين [1/ 342] : هذا حديث صحيح على شرط البخاري. قلت: يَشفيك بفتح أوله. 719- وروينا في سنن أبي داود [رقم: 3107] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءَ الرجلُ يعودُ مَرِيضاً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكأ لَكَ عَدُوّاً، أوْ يَمْشي لَكَ إلى صلاةٍ" لم يُضَعِّفه أبو داود. قلتُ: يَنكأ بفتح أوله وهمز آخره، ومعناه: يؤلمه ويوجعه. 720- وروينا في "كتاب الترمذي [رقم: 3564] ، عن علي رضي الله عنه: قال: كنتُ شاكياً، فمرَّ بي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أقول: اللَّهمّ إن كان أجلي قد حضرَ فأرحني، وإنْ كانَ متأخرًا فارفعه عني، وإن كان بلاءً فصبِّرني؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ قُلت"؟ فأعاد عليه ما قالهُ،

فضربه برجله، وقال: "اللَّهُمَّ عافِهِ، أو اشْفِهِ" -شك شعبة- قال: فما اشتكيتُ وجعي بعدُ. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. 721- وروينا في كتابي الترمذي [رقم: 3430] وابن ماجه [رقم: 3794] ، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهما، أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن قَالَ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أكْبَرُ؛ صدَّقه رَبُّهُ، فَقالَ: لا إِلهَ إِلاَّ أنا، وأنا أكْبَرُ؛ وَإذَا قالَ: لا إِلهَ إِلاَّ الله وحده لا شريك له، قال: يقولُ: لا إِله إِلاَّ أنا وَحْدِي لا شَرِيكَ لي. وَإذَا قالَ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، قالَ: لا إِلهَ إِلاَّ أنا لي المُلْكُ ولِي الحمد؛ وَإذَا قالَ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قالَ: لا إِلهَ إِلاَّ أنا، وَلا وحول وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِي" وكان يقولُ: "مَنْ قالَهَا في مَرَضِهِ ثُمَّ مَات لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. 722- وروينا في صحيح مسلم [رقم: 2186] وكتب الترمذي [رقم: 972] والنسائي [في عمل اليوم والليلة، رقم 3523] ، بالأسانيد الصحيحة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ قال: "نَعَمْ" قال: "باسم اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أو عَيْنٍ حاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، باسم اللَّهِ أرْقِيكَ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. 723- وروينا في صحيح البخاري [رقم: 5656] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابيّ يعودهُ، قال: وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مَن يعُودُه قال: "لا بأسَ، طهورٌ إنْ شاءَ اللَّهُ". 742- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 540] ، عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله عليه وسلم دخلَ على أعرابيّ يعودُه وهو محموم، فقال: "كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ".

725- وروينا في "كتابي1 الترمذي" [رقم: 2731] وابن السني [رقم: 541] ، عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تمَامُ عِيادَةِ المَرِيضِ أنْ يَضَعَ أحَدُكُمْ يَدَهُ على جَبْهَتِهِ، أوْ على يَدِهِ فَيَسألَهُ كَيْفَ هُوَ". هذا لفظ الترمذي. وفي رواية ابن السني [رقم: 541] : "مِنْ تَمَامِ العِيادَة أنْ تَضَعَ يَدَكَ على المَرِيضِ: فَتَقُولَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ أوْ كَيْفَ أَمْسَيْتَ"؟. قال الترمذي: ليس إسناده بالقويّ2. 726- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 553] ، عن سلمان رضي الله عنه، قال: عادني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض، فقال: "يا سَلْمانُ! شَفَى اللَّهُ سَقَمَكَ، وَغَفَرَ ذَنْبَكَ، وَعافاكَ فِي دِيْنِكَ وَجِسْمِكَ إلى مُدَّةِ أجَلِكَ". 727- وروينا فيه [رقم: 558] ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: مرضت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذني، فعوذتي يوماً، فقال: "بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أُعِيذُكَ بالله الأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كفوًا أحدًا، مِنْ شَرّ ما تَجِدُ"، فلما استقلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً قال: "يا عُثْمَانُ! تَعَوَّذْ بِها، فَمَا تَعَوَّذْتُمْ بِمِثْلِها". __________ 1 في نسخة: "كتاب" 2 في بعض النسخ: "ليس إسناده بذاك".

 بابُ استحباب وصيّة أهلِ المريضِ وَمَنْ يَخدمه بالإِحسانِ إِليه واحتمالِه والصبرِ على ما يَشُقُّ من أمْرِه وكذلك الوصيّة بمن قَرُبَ سببُ موته بحدٍّ أو قَصَاصٍ أو غيرهما:

728- وروينا في صحيح مسلم [رقم: 1696] ، عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما، أن امرأةً من جهينة أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله! أصبتُ حَدّاً، فأقمْه عليَّ؛ فدعا نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وليَّها، فقال: "أحْسِنْ إِلَيْها، فإذَا وَضَعَتْ حملها، فأتني بِهَا"، ففعلَ، فأمرَ بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم فشُدَّتْ عليها ثيابُها، ثم أمرَ بها فرُجمت، ثم صلَّى عليها.

 بابُ ما يقولُه مَنْ به صُداعٌ أو حُمَّى أو غيرهما من الأَوْجَاع:

729- روينا في كتاب ابن السني [رقم: 571] ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلِّمهم من الأوجاع كلِّها، ومن الحمّى أن يقول: "باسم اللَّهِ الكَبِيرِ، نعوذُ باللَّهِ العَظِيمِ منْ شَرّ عرقٍ نعارٍ، وَمنْ شَرّ حَرّ النَّارِ". 730- وينبغي أن يَقرأ على نفسه سورة الفاتحة وسورة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوّذتين، وينفث في يديه كما سبق بيانه [رقم: 711] وراجع [رقم: 667] وأن يدعو بدعاء الكربِ الذي قدمناهُ، [برقم: 663] وما بعده؛ والله أعلمُ. الزنا، فقالت: يا رسول الله! أصبتُ حَدّاً، فأقمْه عليَّ؛ فدعا نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وليَّها، فقال: "أحْسِنْ إِلَيْها، فإذَا وَضَعَتْ حملها، فأتني بِهَا"، ففعلَ، فأمرَ بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم فشُدَّتْ عليها ثيابُها، ثم أمرَ بها فرُجمت، ثم صلَّى عليها.

  باب جواز قَوْل المريض: أنا شديدُ الوجَع، أو مَوْعوكٌ، أو وَارأسَاهُ، ونحو ذلك؛ وبيانُ أنه لا كراهة على ذلك إذا لم يكن شيءٌ من ذلك على سبل التَّسَخُّطِ وإظهارِ الجَزَعِ:

731- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: 5647] ومسلم [رقم: 2571] ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: دخلتُ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يُوعَكُ، فمسسْتُه، فقلت: إنك لتُوعك وعكاً شديداً، قال: "أجل! إني أوعك كما يُوعك رَجُلانِ منكم" [رياض الصالحين، رقم: 38] . 732- وروينا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم 5668؛ ومسلم، رقم: 1628] ، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: جاءني

رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودُني من وَجَعٍ اشتدّ بي، فقلتُ: بلغ بي ما ترى وأنا ذو مالٍ ولا يرثني إلا ابنتي؛ وذكرَ الحديث. 733- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 7217] ، عن القاسم بن محمد، قال: قالت عائشة رضي الله عنها: وارأساه! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل أنا وارأساهُ" وذكر الحديث، هذا الحديث بهذا اللفظ مرسل1. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: يريدُ أن القاسم ساق قصةً ما أدركها، ولا قال: إن عائشة أخبرته بها، لكن اعتمد البخاري على شهرةِ القاسم لصحبته عمّته، وكثرة روايته عنها، وهي التي تولت تربيته "بعد موت أبيه" حتى ماتت. وقد قال ابن عبد البرّ: العبرة باللقاء والمجالسة وعدم التدليس، لا بالألفاظ، يعني في الاتصال. ["الفتوحات الربانية" 78/4] .

بابُ كراهية تمنِّي الموت لضُرٍّ نزلَ بالإِنسان وجوازُه إذا خاف فتنةً في دينهِ: 734- روينا في صحيحي البخاري [رقم: 5671] ومسلم [رقم: 2680] ، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضرٌ أصابهُ، فإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلاً فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ! أحْيِني ما كانَتِ الحَياةُ خَيْراً لي، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتِ الوفاةُ خَيْراً لِي". 735- قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: هذا إذا تمنى لضرّ ونحوه، فإن تمنى الموت خوفاً على دينه لفساد الزمن ونحو ذلك لم يكره.

 بابُ استحبابِ دُعاء الإِنسانِ بأنْ يكونَ موتهُ في البلدِ الشريف:

736- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: 1890] ، عَنْ أمِّ المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما، قالت: قال عمرُ رضي الله عنهُ: اللَّهمّ ارزقني شهادة في سبيلك، واجعلْ موتي في بلدِ رسولِك صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: أنَّى يكونُ هذا؟ قال: يأتيني الله به إذا شاء.

 بابُ استحباب تَطْييبِ نفس المريضِ:

737- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 2087] وابن ماجه [رقم: 1438] بإسناد ضعيف، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهُ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخلتُم على مريضٍ فنفسُوا لهُ فِي أجلهِ، فإنَّ ذلكَ لا يردُ شَيْئاً، وَيُطَيِّبُ نفسهُ". 738- ويغني عنه حديثُ ابن عباسٍ رضي الله عنهما السابق [برقم: 723] : في 183 - باب ما يُقال للمريض: "لا بأسَ، طهورٌ إنْ شاءَ اللَّهُ" عند البخاري، [رقم: 5656] .

  باب الثاء على المريضِ بمحَاسِن أعمالِه ونحوها إذا رأى منه خوفاً ليذهبَ خوفُه ويُحَسِّن ظنَّه بربهِ سبحانَه وتعَالى:

739- روينا في صحيح البخاري [رقم: 3692] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أنه قال لعمرَ بن الخطاب رضي الله عنه حين طُعن، وكأنه يُجزِّعه: يا أميرَ المؤمنين! ولا كلّ ذلك، قد صحبتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنتَ صحبتَه، ثم فارقَكَ وهو عنك راضٍ، ثُم صحبتَ أبا بكرٍ، فأحسنتَ صحبتَه، ثم فارقَكَ وهو عنك راضٍ، ثم صحبتَ المسلمين فأحسنتَ صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنَّهم وهم عنك راضون. وذكر تمام الحديث. وقال عمر رضي الله عنه: ذلك مَنٌّ مِن1 الله تعالى. __________ 1 وردت في بعض النسخ: "مِنْ مَنِّ الله".

740- وروينا في صحيح مسلم [رقم: 121] ، عن ابن شُماسة -بضم الشين وفتحها- قال: حضرنا عمرو بن العاص رضي الله عنهُ وهو في سِياقة الموت، فبكى طويلاً، وحوّل وجههُ إلى الجدارِ، فجعل ابنهُ يقولُ: يا أبتاه! أما بَشَّرَكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بشِّرك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ فأقبلَ بوجهه، فقال: إنَّ أفضلَ ما نُعِدُّ شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ الله، ثم ذكرَ تمامَ الحديث. 741- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 3771] ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنهم، أن عائشة رضي الله عنها اشتكت، فجاء ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: يا أُمّ المؤمنين! تقدَمين على فَرْطِ صدقٍ: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكرٍ رضيَ الله عنهُ. ورواه البخاري [رقم: 4753] أيضاً من رواية ابن أبي مليكةَ، أن ابن عباس استأذن على عائشة رضي الله عنها قبل موتها وهي مغلوبة، قالت: أخشى أن يثني عليّ، فقيل لها: ابن عَمَّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، قال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير إن اتقيتُ، قال: فأنتِ بخيرٍ إن شاءَ اللهُ: زوجةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكح بِكراً غيرك، ونزلَ عذرُك من السماء.

 بابُ ما جَاءَ في تَشْهيةِ المريضِ:

742- روينا في "كتابي" ابن ماجه [رقم: 3441] وابن السني [رقم: 545] بإسناد ضعيف، عن أنس رضي الله عنهُ، قال: دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم على رجلٍ يعودهُ، فقال: "هَلْ تَشْتَهِي شيئاً؟ تشتهي كَعْكاً؟ " قال: نعم؛ فطلبهُ له. 743- وروينا في كتابي الترمذي [رقم: 2040] وابن ماجه [رقم: 3444] ، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ على الطَّعامِ والشَّرابِ، فإنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ

 بابُ طلبِ العُوَّادِ الدعاءَ مِنَ المريضِ:

744- روينا في سُنن ابن ماجه [رقم: 1441] وكتاب ابن السني [رقم: 562] بإسناد صحيح أو حسن، عن ميمون بن مهران، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهُ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا دَخَلْتَ على مَرِيضٍ فَمُرْهُ فَلْيَدْعُ لَكَ، فإنَّ دعاءهُ كَدُعاءِ المَلائِكَةِ". لكن ميمون بن مهران لم يدرك عمر1. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: فلا يكون صحيحًا، ولو اعتضد لكان حسنًا، لكن لم نجد له شاهدًا يصلحُ للاعتبار، فقد جاءَ من حديث أنس، ومن حديث أبي أمامة، ومن حديث جابر، وفي سند كل منهم من نسب إلى الكذب. قال: ثم وجدت في سند ميمون علة خفية تمنع من الحكم بصحته وحسنه؛ وذلك أن ابن ماجه أخرجه عن جعفر بن مسافر، وهو شيخ وسط، قال فيه أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: صالح. وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ؛ رواه عن كثير بن هشام، وهو ثقة من رجال مسلم. عن جعفر بن برقان -بضم الموحدة- وهو من رجال مسلم أيضًا، لكنه مختلف فيه، والراجح أنه ضعيف في الزهري خاصة، وهذا من حديثه عن غير الزهري وهو ميمون بن مهران. وأخرجه ابن السني من طريق الحسن بن عرفة، وهو أقوى من جعفر بن مسافر، عن كثير بن هشام، فأدخل بين كثير وجعفر بن برقان: عيسى بن إبراهيم الهاشمي، وهو ضعيف جدًّا، نسبوه إلى الوضع، فهذه علةٌ قادحة تمنع من الحكم بصحته لو كان متصلًا، وكذا بحسنه.

  باب وعظم المريضِ بعدَ عافيتِه وتذكيره الوفاءَ بما عاهدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ من التوبة وغيرِها:

قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإِسراء: 34] وقال تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} الآية [البقرة: 177] والآياتُ في الباب كثيرةٌ معروفةٌ. 745- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 563] ، عن خوّات بن جُبير رضي الله عنه، قال: مرضتُ، فعادَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "صَحَّ الجِسْمُ يا خَوَّاتُ" قلت: وجسمُك يا رسول الله! قال: "فَفِ الله بِمَا وعدته" قلت: ما وعدتُ الله عَزّ وجلَّ شيئاً، قال: "بَلى، إنَّهُ مَا مِنْ عَبْدٍ يَمْرَضُ إِلاَّ أحْدَثَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً، فَفِ الله بما وعدته".

 بابُ ما يقولُه من أَيِسَ من حَياتِه:

746- روينا في كتاب الترمذي [رقم: 978] و"سنن ابن ماجه" [رقم: 1623] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو بالموت، وعندهُ قدحٌ فيه ماءٌ، وهو يدخلُ يدهُ في الدقحِ، ثم يمسحُ وجههُ بالماءِ، ثم يقولُ: "اللَّهُمَّ أعِنِّي على غمراتِ الموتِ، وسكراتِ الموتِ". 747- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: 4440] ومسلم [رقم: 2444] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستندٌ إلَيَّ يقولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، وَارْحَمْنِي، وألحِقْني بالرَّفِيقِ الأعْلَى". 748- ويستحبّ أن يكثرَ من القرآن والأذكار، ويكرهُ له الجزعُ، وسوءُ الخلُق، والشتمُ، والمخاصمةُ، والمنازعةُ في غير الأمور الدينية. ويُستحبّ أن يكونَ شاكراً لله تعالى بقلبه ولسانه، ويستحضر في ذهنه أن هذا آخرُ أوقاتِه من الدنيا، فيجتهدُ على ختمها بخير، ويبادر إلى أداء الحقوق إلى أهلها، من ردّ المظالم والودائع والعواري، واستحلال أهله: من

زوجته، ووالديه، وأولاده، وغلمانه، وجيرانه، وأصدقائه، وكل من كانت بينه وبينه معاملةٌ، أو مصاحبةٌ، أو تعلقٌ في شيءٍ. وينبغي أن يُوصي بأمورِ أولادِه، إن لم يكن لهم جدٌّ يَصلحُ للولاية، ويُوصي بما لا يتمكن من فعله في الحال: من قضاء بعض الديون، ونحو ذلك. وأن يكون حسنَ الظنّ بالله سبحانه وتعالى أنه يرحمهُ، ويستحضر في ذهنه أن حقيرٌ في مخلوقات الله تعالى، وأنْ الله تعالى غنّي عن عذابه، وعن طاعته، وأنه عبدُه، ولا يطلبُ العفوَ والإحسان والصفح والامتنان إلا منه. ويستحبّ أن يكون مُتعاهداً نفسه بقراءة آياتٍ من القرآن العزيز في الرجاء، ويقرؤُها بصوتٍ رقيق، أو يقرؤُها له غيره وهو يستمع. وكذلك يستقرئ أحاديث الرجاء، وحكاياتِ الصالحين وآثارَهم عند الموت، وأن يكونَ خيرهُ مُتزايداً، ويُحافظ على الصلوات واجتناب النجاسات وغير ذلك من وظائف الدين، ويصبر على مشقة ذلك؛ وليحذرْ من التساهلُ في ذلك، فإن من أقبح القبائح أن يكونَ آخِرُ عهده من الدنيا التي هي مزرعة الآخرة التفريط فيما وجب عليه، أو ندب إليه. وينبغي له ألا يقبل قول من يخذله عن شيء مما ذكرناهُ، فإن هذا مما يُبتلى به، وفاعلُ ذلك هو الصديق الجاهل، العدوّ الخفيّ، فلا يقبل تخذيله، وليجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال. ويستحبّ أن يوصي أهله وأصحابهُ بالصبر عليه في مرضه، واحتمال ما يصدر منه، ويوصيهم أيضاً بالصبر على مصيبتهم به، ويجتهد في وصيتهم بترك البكاء عليه، ويقول لهم: صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الميتُ يعذبُ ببكاءِ أهله عليه" [البخاري، رقم: 1286؛ مسلم، رقم: 927] فإيَّاكم -يا أحبائي- وَالسَّعيَ في أسباب عذابي، ويُوصيهم بالرفق بمن يخلفه

من طفل وغلام وجارية ونحوهم، ويوصيهم بالإِحسان إلى أصدقائه، ويعلّمهم أنه صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قال: "إِنَّ مِنْ أبَرّ البِرّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلَ وُدِّ أبيه" [مسلم، رقم: 2552؛ الترمذي، رقم: 1903] وصحّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكرمُ صواحبات خديجة رضي الله عنها بعد وفاتها [راجع البخاري، رقم: 3816؛ وكذلك مسلم، رقم: 2435] . ويستحب له استحباباً مؤكداً1 أن يوصيهم باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز، ويؤكد العهد بذلك. ويُوصيهم بتعاهده بالدعاء، وألا ينسوه لطول الأمد. ويُستحبّ له أن يقولَ لهم في وقت بعد وقتٍ: متى رأيتم مني تقصيراً في شيء فنبّهوني2 عليه برفقٍ، وأدّوا إلَيَّ النصيحة في ذاك، فإني معرّض للغفلة والكسل والإِهمال. فإذا قصَّرْتُ فنشِّطوني، وعاونوني على أُهبة سفري هذا البعيد. دلائل ما ذكرته في هذا الباب معروفة مشهورة، حذفتها اختصاراً، فإنها تحتمل كراريس. وإذا حَضَرَهُ النَّزع3، فليكثرْ من قول: لا إله إلا الله، ليكون آخرَ كلامِه. 749- فقد روينا في الحديث المشهور في "سنن أبي داود" [رقم: 3116] وغيره، عن معاذ بن جبل رضي الله عنهُ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَان آخِرَ كَلامِه: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ". قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك على الصحيحين" [1/ 351] : هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد. __________ 1 في نسخة: "متأكدًا". 2 في نسخة: "تنهوني؟ " 3 في نسخة: "حَضَرَ النَّزْعَ".

750- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 916] ، و"سنن أبي داود" [رقم: 117] والترمذي [رقم: 976] ، والنسائي [رقم: 1826] وغيرها؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهُ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَقِّنُوا مَوْتاكُمْ: لا إِلهَ إِلاَّ الله"، قال الترمذي: هذا حديثٌ حسن صحيحٌ. ورويناه في "صحيح مسلم" [رقم: 917] أيضاً، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. 751- قال العلماءُ: فإن لم يقل هو: "لا إِله إِلاَّ الله" لقَّنَهُ مَنْ حضرَه، ويلقنه برفقٍ مخافةَ أن يضجرَ فيردها، وإذا قالها مرّة لا يُعيدها عليه إلا أن يتكلم بكلامٍ آخر. قال أصحابُنا: ويستحبّ أن يكون الملقن غير متّهم1، لئلا يُحرج الميتَ، ويتهمهُ. واعلم أن جماعة من أصحابنا قالوا: نُلَقِّنُ، ونقولُ: لا إِله إلاَّ الله محمدٌ رسولُ الله. واقتصر الجمهور على قول: لا إِله إِلاَّ الله؛ وقد بسطتُ ذلك بدلائله وبيان قائليه في كتاب الجنائز من "شرح المهذب" [5/ 101] . __________ 1 في نسخة: "وارث متهم".

 بابُ ما يقولُه بعد تَغميضِ الميّت:

752- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: 920] ، عن أُمّ سلمة، واسمها هند، رضي الله عنها، قالت: دخلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شَقَّ بصرُه، فأغمضَه، ثم قال: "إن الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبعَهُ البَصَرُ"، فَضجّ ناسٌ من أهلِه، فقال: "لا تَدْعُوا على أنْفُسكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ، فإنَّ المَلائِكَةَ يُؤمِّنُونَ على ما تَقُولُونَ" ثم قال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَة، وَارْفَعْ درجتهُ في المَهْدِيَّينَ، وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنا

وَلَهُ يا رَبَّ العالَمِينَ، وَافْسحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ". قلتُ: قولها: "شقَّ بصرُه" وهو بفتح الشين، وبصرُه برفع الراء، فاعل شقّ، هكذا الرواية فيه باتفاق الحفاظ وأهل الضبط. قال صاحب "الأفعال" [أبو عثمان سعيد بن محمد المعافري السرقسطي 2/ 364] : يُقال شقّ بصرُ الميت و [ولا يقال] شقّ الميتُ بصرَه: إذا شخص. 753- وروينا في "سنن البيهقي" [3/ 385] بإسناد صحيح، عن بكر بن عبد الله التابعي الجليل: إذا أغمضتَ الميّتَ فقل: بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلى ملّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ وإذا حملته فقل: بِاسْمِ الله؛ ثم سبِّحْ ما دمتَ تحملُه.

 بابُ ما يُقالُ عندَ الميّت:

754- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: 919] ، عن أُمّ سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ أَوِ المَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْراً، فإنَّ المَلائكَةَ يُؤَمِّنُونَ على ما تَقُولُونَ". قالت: فلما مات أبو سلمة أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: يا رسولَ الله! إن أبا سلمةَ قد ماتَ، قال: "قُولي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَلَهُ، وَأعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً"، فقلتُ: فأعقبني الله مَن هو خيرٌ لي منهُ: محمداً صلى الله عليه وسلم. قُلتُ: هكذا وقع في "صحيح مسلم"، وفي الترمذي [رقم: 977] : "إذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ، أوِ المَيِّتَ" على الشكّ. وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3115] وغيره [ابن ماجه، رقم: 1447 و1598] : "الميّتَ" من غير شك. 755- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1321] وابن ماجه [رقم: 1448] عن معقل بن يسار الصحابي رضي الله عنه، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "اقرءوا {يس} على مَوْتاكُمْ". قلتُ: إسناده ضعيف، فيه مجهولان، لكن لم يُضَعِّفه أبو داود [التبيان للنووي، رقم: 477] . 756- وروى ابن أبي داود، عن مُجالد، عن الشعبيّ، قال: كانت الأنصارُ إذا حضروا قرءوا عند الميت سورة البقرة. مُجالد ضعيف؛ والله أعلم ["التبيان" للنووي، رقم: 478] .

 بابُ ما يقولُه مَنْ مَاتَ له ميّت:

757- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: 4918] ، عن أُمّ سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أجُرْنِي فِي مُصِيبَتي، وأخْلِفْ لي خَيْراً مِنْها؛ إلاَّ أَجَرَهُ اللَّهُ تَعالى في مُصِيبَتِهِ، وأخْلَفَ لَهُ خَيْراً مِنْها". قالت: فلما توفي أبو سلمة، قلتُ كما أمرني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله تعالى لي خيراً منهُ: رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. 758- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3119] ، عن أُمّ سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أصَابَ أحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فليقل: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أحْتَسِبُ مُصِيبَتِي، فأْجُرْنِي فِيها، وأبْدِلْنِي بِها خَيْراً مِنها". 759- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 1021] وغيره، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات وَلَدُ العَبْدِ قالَ الله تعالى لملائكته: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فيقولون: نعم! فيقول: قبتضم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم! فيقول: فماذا قالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ابْنُوا لعبدي بَيْتاً في الجَنَّةِ، وسموه بيت الحَمْدِ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. [مر برقم: 628] . 760- وفي معنى هذا ما رويناه في "صحيح البخاري" [رقم: 6424] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ما لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جزاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إلا الجنة". والله أعلم.

 بابُ ما يقولُه مَنْ بَلَغَهُ مَوْتُ صَاحِبِهِ:

761- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 566] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المَوْتُ فَزَعٌ، فإذَا بَلَغَ أحَدَكُمْ وَفاةُ أخِيهِ، فَلْيَقُلْ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] ، {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 14] ، اللَّهُمَّ اكْتُبْهُ عِنْدَكَ من الْمُحْسِنِينَ، وَاجْعَلْ كِتابَهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي أَهْلِهِ فِي الغابِرِينَ، وَلا تَحْرِمْنا أجره، ولا تفتنا بعده".

 بابُ ما يقولُه إذا بلَغه موتُ عدوِّ الإِسلام:

762- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 567] ، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: يا رسولَ الله! قد قتلَ الله عزّ وجلّ أبا جهلٍ، فقال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَ عبده، وأعز دينه".

 بابُ تحريمِ النياحَةِ على الميِّتِ والدُّعَاءِ بدعوَى الجاهليّة:

763- أجمعت الأمّةُ على تحريم النياحة، والدعاء بدعوى الجاهلية، والدعاء بالويل والثبور عند المصيبة. 764- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 1294] ومسلم [رقم: 103] ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ". وفي رواية لمسلم: "أوْ دَعا" "أوْ شَقَّ" بـ"أو". 765- وروينا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: 1296؛ ومسلم رقم: 104] ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، برىءَ من الصَّالقةِ، والحَالقةِ، والشاقة. ["رياض الصالحين"، رقم 1659] . قلتُ: الصالقة: التي ترفع صوتها بالنياحة، والندب، والحالقة: التي تخلق شعرها عند المصيبة، والشَّاقةُ: التي تشقُّ ثيابَها عند المصيبة؛ وكل هذا حرامٌ باتفاق العلماء، وكذلك يحرم نشرُ الشعر، ولطم الخدود، وخمش الوجه، والدعاء بالويل. [راجع رقم: 1583 اللاحق] . 766- وروينا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: 1306؛ ومسلم، رقم: 936] عن أُمّ عطيةَ [نسيبة] رضي الله عنها، قالت: أخذَ علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في البيعة ألا ننوح. [رياض الصالحين، رقم: 1661] . وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 67] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اثْنَتانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، وَالنِّياحَةُ على الميت". ["رياض الصالحين"، رقم: 1667؛ وسيرد برقم: 1761] . 768- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3128] ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة. 769- واعلم أن النياحة: رفع الصوت بالندب، والندب: تعديد النادبة بصوتها محاسن الميت، وقيل: هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه.

قال أصحابنا: ويحرم رفع الصوت بإفراط في البكاء. 770- وأما البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحةٍ فليس بحرام. فقد روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 1304] ، ومسلم [رقم: 924] ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد سعد بن عبادة، ومعه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعودٍ، فبكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القومُ بكاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكَوْا، فقال: "ألا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللَّهَ لا يُعذب بِدَمْعِ العَيْنِ ولا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذّبُ بِهَذَا أَوْ يَرْحَمُ" وأشار إلى لسانه صلى الله عليه وسلم. 771- وروينا في صحيحيهما [البخاري، رقم 1284؛ ومسلم، رقم: 923] ، عن أسامة بن زيدٍ رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رُفِعَ إليه ابنُ ابنته وهو في الموت، ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هَذِهِ رحمةٌ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى في قُلوبِ عِبَادِهِ، وإنمَا يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ". قلتُ: "الرحماء" رُوي بالنصب والرفع، فالنصبُ على أنه مفعول يرحم، والرفعُ على أنه خبر "إنّ"، وتكون "ما" بمعنى "الذي". 772- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 1303] ، عن أنس رضي الله عنهُ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ابنه إبراهيم رضي الله عنه، وهو يجود بنفسه، فجعلتْ عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسولَ الله؟ فقال: "يا ابن عَوْفٍ! إِنَها رَحْمَةٌ" ثم أتبعها بأخرى، فقال: "إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرضي رَبَّنا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إبراهيم لمحزونون" [وروى مسلم، رقم: 2315، بعضه] .

والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة مشهورة. 773- وأما الأحاديث الصحيحة أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فليست على ظاهرها وإطلاقها، بل هي مُئَوَّلَةٌ. واختلف العلماء في تأويلها على أقوال: أظهرها -والله أعلم- أنها محمولة على أن يكون له سبب في البكاء، إما بأن يكون أوصاهم به، أو غير ذلك، وقد جمعت كل ذلك، أو معظمه في كتاب الجنائز من "شرح المهذب" [6/ 277] ؛ والله أعلمُ. 774- قال أصحابنا: ويجوز البكاء قبل الموت، وبعده، ولكن قبله أولى للحديث الصحيح: "فإذَا وَجَبَتْ فلا تَبكِيَنَّ باكية" [مالك رقم، 552؛ أبو داود، رقم: 3111؛ النسائي، رقم: 1846؛ ابن ماجه، رقم: 2803] وقد نصّ الشافعي -رحمه الله- والأصحاب على أنه يُكره البكاءُ بعد الموت كراهة تنزيه، ولا يحزمُ، وتأوّلوا حديث: "فَلاَ تَبْكينَّ بَاكِيَةٌ" على الكراهة [انظر الأم 1/ 279، 280] .

  بابُ التَّعْزِيَة:

775- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 1073] ، و"السنن الكبرى" للبيهقي 4/ 59، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "مَنْ عَزَّى مُصَاباً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ". وإسناده ضعيف. 776- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 1076] أيضاً، عن أبي برزة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْداً في الجَنَّةِ". قال الترمذي: ليس إسناده بالقويّ. 777- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3123] والنسائي [رقم: 1880] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، حديثاً طويلاً فيه

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: "ما أخْرَجَكِ يَا فاطِمَةُ مِنْ بَيْتكِ"؟ قالَت: أتيتُ أهلَ هذا الميت؛ فترحمتُ إليهم ميّتهم، أو عزَّيْتُهم به. 778- وروينا في سنن ابن ماجه [رقم: 1601] والبيهقي [4/ 459] بإسناد حسن، عن عمرو بن حزم رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ما مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أخاهُ بِمُصِيْبَتِهِ إِلاَّ كَساهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيامَةِ". 779- واعلم أن التعزية هي: التصبير، وذكرُ ما يسلّي صاحب الميت، ويخفّف حزنه، ويهوّن مصيبته؛ وهي مستحبة؛ فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي داخلة أيضاً في قول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] وهذا من أحسن ما يُستدلّ به في التعزية. 780- وثبت في الصحيح [عند مسلم، رقم 2699] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْن أخيه". 781- واعلم أن التعزية مستحبّة قبل الدفن وبعده، قال أصحابنا: يدخل وقت التعزية من حين يموتُ، ويبقى إلى ثلاثة أيام بعد الدفن. والثلاثة على التقريب لا على التحديد، كذا قال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا. قال أصحابنا: وتُكره التعزية بعد ثلاثة أيام؛ لأن التعزية لتسكين قلب المُصاب، والغالب سكون قلبه بعد الثلاثة، فلا يجدّد له الحزن، هكذا قال الجماهير من أصحابنا. وقال أبو العباس ابن القاص من أصحابنا: لا بأس بالتعزية بعد

الثلاثة، بل يبقى أبداً، وإن طال الزمان؛ وحكى هذا أيضاً إمام الحرمين عن بعض أصحابنا، والمختار أنها لا تفعل بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين استثناهما أصحابنا أو جماعة منهم، وهما: إذا كان المعزِّي، أو صاحب المصيبة غائباً حال الدفن، واتفق رجوعه بعد الثلاثة. قال أصحابنا: التعزية بعد الدفن أفضلُ منها قبلهُ؛ لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه، ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، هذا إذا لم يرَ منهم جزعاً شديداً، فإن رآهُ قدّم التعزية ليسكِّنهم؛ والله تعالى أعلم.

 202- فصل في تعميم التعزية:

782- ويستحبّ أن يعمَّ بالتعزية جميعَ أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار والرجال والنساء، إلا أن تكون امرأةً شابّةً، فلا يعزّيها إلا محارمُها، وقال أصحابنا: وتعزيةُ الصلحاء، والضعفاء على احتمال المصيبة، والصبيان آكد.

 203- فصل في الجلوس للتعزية:

783- قال الشافعي وأصحابنا رحمهم الله: يكرهُ الجلوس للتعزية، قالوا: يعني بالجلوس: أن يجتمعَ أهلُ الميت في بيت ليقصدَهم مَن أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، ولا فرقَ بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها؛ صرَّحَ به [الحسين بن إسماعيل] المحاملي، ونقله عن نصّ الشافعي رضي الله عنه، وهذه كراهةُ تنزيه إذا لم يكن معها مُحدَثٌ آخر، فإن ضُمَّ إليها أمرٌ آخر من البدع المحرمة، كما هو الغالب منها في العادة، كان ذلك حراماً من قبائح المحرمات، فإنه محدثٌ. 784- وثبت في الحديث الصحيح: [مسلم، رقم: 867؛ النسائي، رقم: 1578؛ أبو داود، رقم: 2954 و2956؛ ابن ماجه، رقم: 45 و2416؛ وعند ابن حبان، رقم: 5] : "إن كل محدثةٍ بدعةٌ، وكلّ بدعةٍ ضلالته". ["الأربعون النووية" الحديث، رقم: 28، وسيرد برقم: 2085] .

 204- فصل [في ألفاظ التعزية]

785- وأما لفظ التعزية فلا حجرَ فيه، فبأيّ لفظ عزَّاه حصلت. واستحبَّ أصحابُنا أن يقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعْظَمَ اللَّهُ أجْرَكَ، وأحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لمَيِّتِكَ, وفي تعزية المسلم بالكافر: أعظم الله أجرَك. وأحسن عزاءَك. وفي الكافر بالمسلم: أَحسن الله عزاءك، وغفر لميّتك. وفي الكافر بالكافر: أخلف الله عليك. 786- وأحسن ما يُعزَّى به: ما روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 1284] ومسلم [رقم: 923] ، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: أرسلتْ إحدى بنات النبيِّ صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه وتخبره أنّ صبياً لها أو ابناً في الموت، فقال للرسول: "ارْجعْ إلَيْها فأخْبرْها أنَّ لِلَّهِ تَعالى ما أخَذَ، وَلَهُ ما أعْطَى، وكُلُّ شيءٍ عِنْدَهُ بأجَلٍ مُسَمَّى؛ فمُرْها فَلْتَصْبرْ، وَلْتَحْتَسبْ" وذكر تمام الحديث. 787- قلتُ: فهذا الحديثُ من أعظم قواعدِ الإسلامِ المشتملة على مهماتٍ كثيرةٍ من أول الدين وفروعه، والآداب والصبر على النوازل كلِّها، والهموم والأسقام وغير ذلك من الأعراض؛ ومعنى "إنَّ لِلَّهِ تَعالى ما أخذ": أن العالم كله ملكٌ للهِ تعالى، فلم يأخُذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية؛ ومعنى "وله ما أعطى": أن ما وهبه لكم ليس خارجاً عن ملكه، بل هو له سبحانهُ، يفعل فيه ما يشاء، "وكل شيءٍ عندهُ بأجلٍ مسمّى" فلا

تجزعوا، فإن من قبضه قد انقضى أجَله المسمَّى، فمحالٌ تأخرهُ، أو تقدمه عنه، فإذا علمتُم هذا كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم، والله أعلم. 788- وروينا في "كتاب النسائي" [رقم: 1870 و2088] ، بإسناد حسن، عن معاوية بن قرّة بن إياس، عن أبيه رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم فقدَ بعضَ أصحابه، فسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله! بُنَيُّهُ الذي رأيته هلك؛ فلقيهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسأله عن بنيّه، فأخبره أنه هلك، فعزاهُ عليه، ثم قال: "يا فُلانُ! أيُّما كانَ أحَبَّ إلَيْكَ؟ أَنْ تَمتَّع بِهِ عُمُرَكَ، أوْ لا تَأتِي غَداً باباً مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ إِلاَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ"؟، قال: يا نبيّ الله! بل يسبقني إلى الجنة، فيفتحها لي، لهو أحبّ إليّ، قال: "فَذَلِكَ لَكَ". 789- وروى البيهقي بإسناده، في مناقب الشافعي [2/ 90 و91] ، أن الشافعي بلغه أن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله، مات له ابن فجَزعَ عليه عبد الرحمن جزعاً شديداً، فبعثَ إليه الشافعي رحمه الله: يا أخي! عزِّ نفسك بما تَعَزَّى به غيرُك، واستقبحْ من فعلك ما تستقبحُه من فعل غيرك. واعلم أن أمضَّ المصائب فقدُ سرورٍ، وحرمانُ أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتِساب وزر؟ فتناول حظَّكَ يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبَه وقد نأى عنك، ألهمك اللَّهُ عند المصائب صبراً، وأحرزَ لنا ولك بالصبر أجراً؛ وكتب إليه [من البسيط] : إنّي مُعَزِّيكَ لا أني على ثِقَةٍ ... مِنَ الخُلُودِ وَلَكِنْ سُنَّةُ الدّينِ فَمَا المُعَزَّى بباقٍ بَعْدَ مَيِّتِهِ ... وَلا المُعَزِّي وَلَوْ عاشا إلى حِينِ 790- وكتبَ رجلٌ إلى بعض إخوانه يعزُّيه بابنه: أما بعدُ، فإنَّ الولدَ على والده ما عاش حزنٌ وفتنةٌ، فإذ قدّمه فصلاةٌ ورحمةٌ، فلا تجزعْ على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيّع ما عوّضك الله عز وجل من صلاته ورحمته.

791- وقال موسى بن المهدي لإِبراهيم بن سالم، وعزَّاه بابنه: أسَرَّك وهو بليّة وفتنةٌ، وأحزنَك وهو صلوات ورحمة؟! يعني بالأول قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] وبالثاني قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] عن "برد الأكباد عن فقد الأولاد" لابن ناصر الدين الدمشقي. 792- وعزَّى رجل رجلاً، فقال: عليك بتقوى الله والصبر، فبه يأخذ المحتسب، وإليه يرجع الجازع. 793- وعزَّى رجلٌ رجلاً، فقال: إن من كان لك في الآخرة أجراً، خيرٌ ممّن كان لك في الدنيا سروراً. 794- وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه دفن ابناً لهُ، وضحك عند قبرهِ، فقيلَ لهُ: أتضحك عند القبر؟ قال: أردت أن أرغم أنف الشيطان. 795- وعن ابن جُرَيْجٍ رحمه الله، قال: من لم يتعزّ عند مصيبته بالأجر والاحتساب، سَلاَ كما تَسْلُو البهائم. 796- وعن حميدٍ الأعرج، قال: رأيت سعيدَ بن جُبير رحمه الله يقول في ابنه، ونظر إليه: إني لأعلم خير خلةٍ فيك، قيل: ما هي؟ قال: يموت، فأحتسبه. 797- وعن الحسن البصري رحمه الله، أن رجلاً جَزِع على ولده، وشكا ذلك إليه؛ فقال الحسن: كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم، كانت غيبته أكثر من حضوره، قال: فاتركه غائباً، فإنه لم يغبْ عنك غيبة الأجْرُ لك فيها أعظم من هذه، قال: يا أبا سعيد! هوَّنت عنّي وجْدي على ابني. ["التعازي والمراثي" للمبرد، صفحة: 198] .

798- وعن ميمون بن مهران، قال: عزَّى رجل عمرَ بن عبد العزيز رضي الله عنهُ على ابنه عبد الملك رضي الله عنه، فقال عمر: الأمر الذي نزل بعبد الملك أمرٌ كنّا نعرفهُ، فلما وقع لم ننكره. 799- وعن بشر بن عبد الله قال: قام عمرُ بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك، فقال: رحمك الله يا بني، فقد كنت سارًّا مولدًا، وبارًّا ناشئًا، وما أحبّ أني دعوتك فأجبتني. 800- وعن مسلمة، قال: لما ماتَ عبدُ الملك بن عمر، كشفَ أبوه عن وجهه، وقال: رحمك الله يا بني! فقد سررت بك يوم بُشِّرْتُ بك، ولقد عُمِّرت مسروراً بك، وما أتت عليّ ساعةٌ أنا فيها أسرُ من ساعتي هذه، أما والله إن كنتَ لتدعو أباك إلى الجنة. 801- قال أبو الحسن المدائني: دخل عمرُ بنُ عبد العزيز على ابنه في وجعه، فقال: يا بني! كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحقّ؟ قال: يا بنيّ! لأن تكون في ميزاني أحَبَّ إلَيّ مِنْ أن أكون في ميزانك، فقال: يا أبتِ! لأن يكون ما تُحبُّ أحَبَّ إِليَّ مِنْ أن يكون ما أحب. 802- وعن جُويرية بن أسماء، عن عمّه، أن إخوة ثلاثة شهدوا يوم تُسْتَرَ، فاسْتشهدوا، فخرجتْ أُمُّهم يومًا إلى السوق لبعض شأنها، فتلقاها رجلٌ حضرَ تُسْتَرَ، فعرفتْه، فسألته عن أمور بَنِيها، فقال: اسْتُشهدوا؛ فقالت: مُقبلين أو مُدبرين؟ قال: مُقبلين؛ قالت: الحمدُ لله، نالوا الفوزَ، وحاطوا الذِّمار، بنفسي هم وأبي وأمي. قلت: "الذِّمار" بكسر الذال المعجمة، وهم: أهل الرجل وغيرهم مما يحقّ عليه أن يحميهُ، وقولها: "حاطوا"، أي: حفِظوا ورعوا. 803- ومات ابن الإِمام الشافعي رضي الله عنهُ، فأنشد من الطويل:

وما الدّهرُ إِلاّ هكذا فاصْطبرْ لهُ ... رزِيَّةُ مالٍ، أو فراقُ حبيبِ1 804- قال أبو الحسن المدائني: مات الحسنُ والدُ عُبيد الله بن الحسنِ، وعبيدُ الله يومئذٍ قاضي البصرةٍ وأميرُها، فكثر من يعزّيه، فذكروا ما يتبيّنُ به جزعُ الرجل من صبره، فأجمعوا على أنه إذا ترك شيئاً كان يصنعه فقد جزع. قلت: والآثارُ في هذا الباب كثيرةٌ، وإ نما ذكرتُ هذه الأحرف لئلا يخلو هذا الكتابُ من الإِشارة إلى طرفٍ من ذلك، والله أعلم. __________ 1 في نسخة زيادةٌ، وهي بيت آخر بعد هذا البيت كما في "الفتوحات الربانية" 151/4: وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأغيا دواءُ الموت كل طبيب وفي "برد الأكباد" لابن ناصر الدين الدمشقي، بيت آخر، صفحة: 110: وإن امرأ قد جرب الدهر لم يخف ... تقلب عصريه لغير لبيب

205- فصل في الإِشارة إلى بعض ما جرى من الطاعون في الإِسلام: والمقصود بذكره هنا التصبّر، والتحمل على التأسي بغيره، وأن مصيبة الإنسانية قليلة بالنسبة إلى ما جرى قبله على غيره. 805- قال أبو الحسن المدائني: كانت الطواعين المشهورة العظام في الإِسلام خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ستّ من الهجرة، ثم طاعونُ عمواس في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بالشام، مات فيه خمسةٌ وعشرون ألفاً، ثم طاعونُ الجارف في زمن ابن الزبير في شوّال سنة تسع وستين، مات في ثلاثة أيام في كلّ يوم سبعون ألفاً، مات فيه لأنس بن مالك رضي الله عنه ثلاثة وثمانون ابناً، وقيل: ثلاثة وسبعون ابناً، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابناً، ثم طاعون الفتيات في شوّال سنة سبع وثمانين، ثم طاعون في سنة إحدى

وثلاثين ومائة في رجب، واشتدّ في رمضان، وكان يُحصى في سكة المِربد في كل يوم ألف جنازة، ثم خفّ في شوّال. وكان بالكوفة طاعون سنة خمسين، وفيه توفي المغيرة بن شعبة؛ هذا آخر كلام المدائني [راجع شرح صحيح مسلم للنووي، شرح مقدمة مسلم 105/1] . 806- وذكر ابن قُتيبة في كتابه "المعارف" [صفحة: 601 و 602] عن الأصمعي في عدد الطواعين نحو هذا، وفيه زيادة ونقص. قال: وسمي طاعون الفتيات؛ لأنه بدأ في العذارى [والجواري] بالبصرة، وواسط، والشام، والكوفة، ويقال له: طاعون الأشراف لِما مات فيه من الأشراف. قال: ولم يقع بالمدينة، ولا مكة طاعون قطّ [راجع "شرح صحيح مسلم" للنووي، شرح مقدمة مسلم 1/ 105] . وهذا الباب واسع، وفيما ذكرته تنبيهٌ على ما تركته، وقد ذكرتُ هذا الفصل بأبسط من هذا في أو "شرح صحيح مسلم" رحمه الله [1/ 105] ، وبالله التوفيق.

 بابُ جَواز إعلامِ أصحاب الميّتِ وقرابتِه بموتِه وكراهةِ النَّعي:

827- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 986] ، وابن ماجه [رقم: 1476] ، عن حذيفة رضي الله عنهُ، قال: إذا مِتُّ فلا تُؤذنوا بي أحداً، إني أخافُ أن يكون نعياً، فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي. قال الترمذي: حديث حسن [صحيح] . 808- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 984] ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ، فإنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ".

وفي رواية [رقم: 985] عن عبد الله ولم يرفعه، قال الترمذي: هذا أصحّ من المرفوع، وضعَّف الترمذي الروايتين. 809- وروينا في "الصحيحين" [البخاري، رقم: 1333؛ ومسلم، رقم: 951] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعى النجاشي إلى أصحابه. 810- وروينا في "الصحيحين" [البخاري، رقم: 1333؛ ومسلم، رقم: 956] أن النبي صلى الله عليه وسم قال في ميت دفنوه بالليل ولم يعلم به: "أفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ"؟. 811- قال العلماء المحققون والأكثرون من أصحابنا وغيرهم: يُستحبّ إعلامُ أهل الميت وقرابته وأصدقائه لهذين الحديثين. قالوا. والنعي المنهي عنهُ إنما هو نعي الجاهلية، وكانت عاداتهم إذا مات منهم شريفٌ بعثوا راكباً إلى القبائل يقولُ: نعايا فلانٍ، أو يا نعايا العرب! أي: هلكت العرب بمهلك فلان، ويكون مع النعي ضجيج وبكاءٌ. وذكر الإمام الماوردي صاحب الحاوي من أصحابنا، وجهين لأصحابنا في استحباب الإِيذان بالميت، وإشاعة موته بالنداء والإِعلام، فاستحبّ ذلك بعضهُم للميت الغريب والقريب، لما فيه من كثرة المصلّين عليه والدّاعين له. وقال بعضُهم: يُستحبّ ذلك للغريب، ولا يُستحبّ لغيره. قلتُ: والمختارُ استحبابه مطلقاً إذا كان مجرد إعلام.

 بابُ ما يُقالُ في حَالِ غَسل الميّتِ وتَكفِينه:

812- يُستحبّ الإِكثارُ من ذكر الله تعالى والدعاء للميت في حال غسله وتكفينه. قال أصحابنا: وإذا رأى الغاسلُ من الميّت ما يُعجبه: من استنارة وجهه، وطبيب ريحه، ونحو ذلك، استُحبَّ له أن يحدّثَ الناسَ بذلك، وإذا رأى ما يَكره من سوادِ وجهه، ونتن رائحته، وتغيّر عضوٍ، وانقلاب صورة، ونحو ذلك، حرّم عليه أن يحدّث أحداً به، واحتجوا. 813- بما رويناه في سنن أبي داود [رقم: 4900] والترمذي [رقم: 1019] ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتاكُمْ، وكُفُّوا عَنْ مَساوِيهِمْ". ضعفه الترمذي [وسيرد برقم: 871] . 814- وروينا في "السنن الكبير" [3/ 395] للبيهقي، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسم قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتاً، فَكَتَمَ عَلَيْهِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ أرْبَعِينَ مَرَّةً". ورواه الحاكم أبو عبد الله في "المستدرك على الصحيحين" [1/ 354 و362] وقال: حديثٌ صحيح على شرط مسلم. 815- ثم إن جماهير أصحابنا أطلقوا المسألة كما ذكرته. وقال أبو الخير [يحيى بن سالم] اليمني [العمراني] صاحب "البيان" منهم: لو كان الميت مبتدعاً مظهراً للبدعة، ورأى الغاسلُ منه ما يكره، فالذي يقتضيه القياسُ أن يتحدّث به في الناس، ليكونَ ذلك زجراً للناس عن البدعة ["البيان" 3/ 38] .

 بابُ أَذْكَارِ الصَّلاة على الميّت:

816- اعلم أن الصلاة على الميت فرض كفاية، وكذلك غسله وتكفينه ودفنه، وهذا كلُّه مجمع عليه. وفيما يسقط به فرض الصلاة أربعة أوجه: أصحّها عند أكثر أصحابنا يسقط بصلاة رجل واحدٍ. والثاني: يُشترط اثنان. والثالث: ثلاثة. والرابع: أربعةٌ؛ سواءٌ صلُّوا جماعةٌ، أو فُرادى. 817- وأما كيفية هذه الصلاة، فهي: أن يكبرَ أربعَ تكبيرات، ولا بُدَّ منها، فإن أخلَّ بواحدة لم تصحّ صلاتهُ، وإن زاد خامسة ففي بطلان صلاته

وجهان لأصحابنا: الأصحّ لا تبطلُ، ولو كان مأموماً فكبَّر إمامهُ خامسة، فإن قلنا: إن الخامسة تبطل الصلاة فارقه المأموم، كما لو قام إلى ركعة خامسةٍ، وإن قلنا بالأصحّ: أنها لا تبطل لم يفارقه، ولا يتابعه على الصحيح المشهور، وفيه وجه ضعيف لبعض أصحابنا أنه يتابعه، فإذا قلنا بالمذهب الصحيح: أنه لا يتابعه، فهل ينتظره ليسلّم معه، أم يسلّم في الحال؟ فيه وجهان: الأصحّ ينتظره، وقد أوضحتُ هذا كلَّه بشرحه ودلائله في "شرح المهذّب" [5/ 186] . ويستحبّ أن يرفعَ اليد مع كل تكبيرة. وأما صفة التكبير، وما يستحبّ فيه وما يبطله وغير ذلك من فروعه فعلى ما قدمته في باب صفة الصلاة وأذكرها. 818- وأما الأذكارُ التي تقالُ في صلاةِ الجنازة بين التكبيرات، فيقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة، وبعد الثانية يُصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد الثالثة يدعو للميت، والواجب منه ما يقع عليه اسم الدعاء، وأما الرابعة فلا يجب بعدها ذكرٌ أصلاً، ولكن يُستحبّ ما سأذكره إن شاء الله تعالى. 819- واختلف أصحابنا في استحباب التعوّذ، ودعاء الافتتاح عُقيب التكبيرة الأولى قبل الفاتحة، وفي قراءة السورة بعد الفاتحة، على ثلاثة أوجه: أحدها يُستحبّ التعوّذ دون الافتتاح والسورة. واتفقوا على أنه يُستحبّ التأمين عقيب الفاتحة. 820- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 1335] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه صلى على جنازةٍ، فقرأ فاتحة الكتاب، وقال: "لتعلموا أنها سنّة"، وقوله: "سنّة"، في معنى قول الصحابي: من السنة كذا. 821- وكذا جاء في "سنن أبي داود" [رقم: 3198] ، قال: "إنها من

السنّة" فيكون مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما تقرّر وعُرف في كتب الحديث والأصول. 822- قال أصحابنا: والسنّة في قراءتها الإسرارُ دون الجهر، سواءٌ صُلِّيت ليلاً أو نهاراً، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي قاله جماهير أصحابنا. وقال جماعةٌ منهم: إن كانت الصلاة في النهار أسرّ، وإن كانت في الليل جهر. وأما التكبيرة الثانية فأقل الواجب عقبيها أن يقول: اللهم صل على محمدٍ، ويُستحبّ أن يقول: وعلى آلِ محمدٍ، ولا يجبُ ذلك عند جماهير أصحابنا. وقال بعض أصحابنا: يجب، وهو شاذّ ضعيفٌ؛ ويُستحبّ أن يدعوَ فيها للمؤمنين والمؤمنات إن اتسع الوقت لهُ، نصّ عليه الشافعي [في "الأم" 1/ 271] ، واتفق عليها الأصحاب، ونقل المزني في "المختصر" [صفحة: 38] عن الشافعي: إنه يُستحبّ أيضاً أن يحمد الله عزّ وجلّ، فقال باستحبابه جماعات من الأصحاب، وأنكره جمهورهم، فإذا قلنا باستحبابه بدأ بالحمد لله تعالى، ثم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو للمؤمنين والمؤمنات؛ فلو خالف هذا الترتيب جاز، وكان تاركاً للأفضل. وجاءت أحاديث بالصَّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رويناها في "سنن البيهقي" [4/ 40] ، ولكني قصدتُ اختصار1 هذا الباب، إذ موضعُ بسطه كتب الفقه، وقد أوضحته في "شرح المهذب" [5/ 193] . وأما التكبيرة الثالثة فيجب فيها الدعاءُ للميت، وأقلهُ ما ينطلق عليه الاسم، كقولك: رحمه الله، أو: غفر الله له، أو: اللهمَّ اغفرْ له، أو: ارحمهُ، أو: الطفْ به، ونحو ذلك. __________ 1 في نسخة: "اقتصار".

وأما المستحبّ فجاءت فيه أحاديث وآثارك فأما الأحاديث فأصحّها: 823- ما رويناه في "صحيح مسلم" [رقم: 963] ، عن عوف بن مالك رضي الله عنه، قال: صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازةٍ، فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لهُ، وارحمهُ، وعافهِ، واعفُ عنهُ، وأكْرِمْ نزله، ووسغ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بالمَاءِ والثَّلْجِ وَالبَرَدِ، ونَقِّهِ منَ الخَطايا كما نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وَأهْلاً خَيْراً مِنْ أهْلِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وأدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وأعِذْهُ مِنْ عذابِ القبرِ، ومن عَذَابِ النَّارِ"، حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. وفي رواية لمسلم [رقم: 86/963] : $"وقه فتنة القبر، وَعَذَابِ القَبْرِ". 824- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3201] ، والترمذي [رقم: 10234] ، والبيهقي [4/ 41] ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه صلّى على جنازةٍ فقال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرنا، وَذَكَرِنا وأُنْثانا، وشَاهِدِنا وغائِبِنا، اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَه مِنَّا فأحْيِهِ على الإِسْلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ على الإِيمان؛ اللَّهُمَّ لا تحرمنا أجرهُ، ولا تفتنا بعده" قال الحاكم أبو عبد الله [1/ 358] : هذا حديثُ صحيحٌ على شرط البخاري ومسلم. [وسيرد برقم: 866] . ورويناه في "سنن البيهقي" [4/ 41] وغيره من رواية أبي قتادة. ورويناه في "كتاب الترمذي" من رواية أبي إبراهيم الأشهليّ، عن أبيه؛ وأبوه صحابي، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل - يعني: البخاري: أصحُّ الروايات في حديث: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا" رواية أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه. قال البخاري: وأصحُّ شيء في الباب

حديثُ عوف بن مالك. ووقع في رواية أبي داود [رقم: 3201] : "فأحْيِهِ على الإِيمَانِ، وتوفه على الإِسْلامِ" والمشهور في معظم كتب الحديث: "فأحْيِهِ على الإِسْلامِ، وَتَوَفَّهُ على الإِيمَانِ" كما قدمناهُ. 825- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3199] وابن ماجه [رقم: 1497] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "إذا صَلَّيْتُمْ على المَيِّتِ فأخْلِصُوا لَهُ الدُّعاءَ". 826- وروينا في سنن أبي داود [رقم: 3200] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في الصلاة على الجنازة: "اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّهَا، وأنْتَ خَلَقْتَها، وأنْتَ هَدَيْتَهَا للإِسْلام، وأنْتَ قَبَضْتَ رُوحَها، وأنْتَ أعْلَمُ بِسِرّها وعلانيتها، جئناك شُفَعاءَ، فاغْفِرْ لَهُ". 827- وروينا في سنن أبي داود [رقم: 3202] وابن ماجه [رقم: 1499] ، عن واثلةَ بن الأسقع رضي الله عنه، قال: صلى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: "اللَّهُمَّ! إنَّ فلان بن فلانةٍ فِي ذِمَّتِكَ، وحبل جوارك، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْر وَعَذَاب النَّارِ، وأنْتَ أهْلُ الوَفاءِ وَالحَمْدِ؛ اللَّهُمَّ فاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرحيم". 828- واختبار الإِمام الشافعي رحمه الله دعاءً التقطه من مجموعة هذه الأحاديث وغيرها1، فقال: يقول: "اللَّهُمَّ هذا عبدك وابن عبدك، خرج من __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: أكثره من غيرها، وبعضه موقوف على صحابي أو تابعي، وبعضه ما رأيته منقولًا. فقوله: "اللهم إن هذا عبدك وابن عبدك" وقع في أثر عن إبراهيم النخعي، عند سعيد بن منصور. وفي حديث يزيد بن ركانة عند الطبراني: "اللهم عَبدِكَ وابْنُ أمَتِكَ" وفي حديث الحارث عنده: "اللهم عبدك فلان". =

رَوْحِ الدُّنْيا وَسَعَتِها، ومَحْبُوبُهُ وأحِبَّاؤُهُ فيها، إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ ومَا هُوَ لاقيهِ، وكان يَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وأنْتَ أعْلَمُ به؛ اللهم نَزَلَ بِكَ وأنْتَ خيرٌ مَنْزُولٍ به، وأصْبَحَ فَقيراً إلى رَحْمَتِكَ وأنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاكَ رَاغِبِينَ إليك، شُفَعَاءَ لَهُ؛ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِناً فَزِدْ في إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئاً فَتَجاوَزْ عَنْهُ، وَلَقِّه بِرَحْمَتِكَ رِضَاكَ، وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَهُ، وافسخ لَهُ في قَبْرِهِ، وَجافِ الأرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ __________ = وقوله: "خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدنيا" إلى قوله "لاقيه" لم أره منقولًا، وفي أثرٍ عن عمر عند ابن أبي شيبة ["المصنف" 3/ 292] : "تخلى من الدنيا وتركها لأهلها". وقوله: "كان يشهد" إلى قوله: "أعلم به" وقع في حديث أبي هريرة موقوفًا عند مالك؛ ومرفوعًا عند أبي يعلى وابن حبّان في "صحيحه"، ووقع في حديث الحارث: "لا نعلم إلا خيرًا، وأنْتَ أعْلَمُ بِهِ". وقوله: "اللَّهُمَّ إنَّهُ نَزَلَ بِكَ، وأنْتَ خَيْرُ منزول به" لم أره منقولاً في دعاء الجنازة، بل في القول عند التدلية. [راجع رقم: 839 التالي] . وقوله: "أصبح فقيرًا" إلى قوله: "عذابه" وقع في حديث يزيد بن ركانة نحوه: "احتاج إلى رحمتك" والباقي سواء. وفي أثر عمر: "افتقر إليك وأنت مستغن عنه". وقوله: "وقد جئناك راغبين إليك، شفعاء له" بعضه في حديث واثلة عند أبي داود [رقم: 3202] وابن ماجه [رقم: 1499] . وقوله: "إن كان محسنًا" إلى قوله: "فتجاوز عنه" وقع في حديث أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا، وفي حديث يزيد بن ركانة. وقوله: "ولقه برحمتك رضاك: لم أره منقولاً في دعاء الجنازة، ولا في القول عند التدلية أيضًا. وقوله: "وقه فتنة القبر وعذابه" وقع في حديث عوف بن مالك عند مسلم [رقم: 963] . وقوله: "وافسح له في قبره" إلى قوله: "جنبيه" لم أره منقولاً بهذا اللفظ. وفي أثر مجاهد عند عبد الرزاق "المصنف" [3/ 490] : ووسع عن جسده الأرض؛ ثم وجدت عن أنس أنه دفن ابنًا له فقال: اللهم جاف الأرض عن جسده، وافتح أبواب السماء لروحه. أخرجه الطبراني. وفي مسند الحارث من وجهٍ آخر عن أنسٍ: اللهم جاف الأرض عن جنبيه، ووسع عليه حفرته. وقوله: "ولقه برحمتك" لم أره منقولاً. [راجع "الفتوحات الربانية" 4/ 177] .

الأمْنَ مِنْ عَذَابِكَ حتَّى تَبْعَثَهُ إلى جَنَّتِكَ، يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". هذا نصّ الشافعي في "مختصر المزني" [1/ 183] رحمهما الله. 829- قال أصحابنا: فإن كان الميتُ طفلاً دعا لأبوبه، فقال: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَهُما فَرَطاً، واجْعَلْهُ لَهُما سَلَفاً، واجْعَلْهُ لَهُما ذُخْراً، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُما، وأفرغ الصَّبْرَ على قُلوبِهِما، وَلا تَفْتِنْهُما بعدهُ، وَلا تَحْرِمْهُما أجْرَهُ. هذا لفظ ما ذكره أبو عبد الله أحمد بن سليمان البصري الزبيري من أصحابنا في كتابه الكافي، وقاله الباقون بمعناه، وبنحوه قالوا. ويقول معهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا،.... إلى آخره. قال الزبيري: فإن كانتْ امرأةً، قال: اللَّهُمَّ هَذِهِ أَمَتُكَ، ... ثم ينسقُ الكلام؛ والله أعلمُ. 830- وأما التكبيرة الرابعة، فلا يجبُ بعدها ذكرٌ بالاتفاق، ولكن يُستحبّ أن يقول ما نصّ عليه الشافعي رحمه الله في "كتاب البويطي"، قال: يقول في الرابعة: اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنا أجرهُ، وَلا تَفْتِنّا بَعْدَهُ. قال أبو عليّ ابن أبي هريرة من أصحابنا: كان المتقدمون يقولون في الرابعة: رَبَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عَذَابَ النَّارِ. قال: وليس ذلك بمحكيّ عن الشافعي، فإنه فعله كان حسناً. قُلتُ: يكفي في حسنه ما قد قدّمناه في حديث أنس في باب دعاء الكرب [برقم: 666] ؛ والله أعلم. 831- قلتُ: ويُحتجّ للدعاء في الرابعة بما رويناه في السنن الكبير [4/ 42] للبيهقي، عن عبد الله ابن أبي أوفى رضي الله عنهما، أنه كبّر على جنازة ابنة له أربع تكبيراتٍ، فقام بعد الرابعة كقدرِ ما بين التكبيرتين،

يستغفر لها ويدعو، ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هكذا. وفي رواية: كبَّرَ أربعاً، فمكثَ ساعةً حتى ظننا أنه سيكبّر خمساً، ثم سلَّم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف، قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يصنع، أو قال: هكذا صنعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. قال الحاكم أبو عبد الله [1/ 360] : هذا حديثٌ صحيحٌ. 209- فصل في حكم السلام في صلاة الجنازة وحكم المسبوق: 832- وإذا فرغَ من التكبيرات وأذكارها، سلَّمَ تسليمتين كسائر الصلوات، لما ذكرناه من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وحكمُ السلام على ما ذكرناه في التسليم في سائر الصلوات، [الباب، رقم: 101] ، هذا هو المذهب الصحيح المختار، ولنا فيه هنا خلافٌ ضعيفٌ تركته لعدم الحاجة إليه في هذا الكتاب. 833- ولو جاء مسبوقٌ، فأدرك الإِمامَ في بعض الصلاة، أحرمَ معه في الحال، وقرأ الفاتحة، ثم ما بعدها على ترتيب نفسه، ولا يُوافق الإِمام فيما يقرؤه، فإن كبَّرَ، ثم كبَّرَ الإِمامُ التكبيرة الأخرى قبل أن يتمكن المأموم من الذكر، سقطَ عنه كما تسقط القراءةُ عن المسبوق في سائر الصلوات؛ وإذا سلَّمَ الإِمامُ، وقد بقي على المسبوق في الجنازة بعضُ التكبيرات لزمه أن يأتي بها مع أذكرها على الترتيب، هذا هو المذهبُ الصحيح المشهور عندنا. ولنا قولٌ ضعيفٌ: إنه يأتي بالتكبيرات البقايات متواليات بغير ذكرٍ؛ والله أعلم.

 بابُ ما يقولُه الماشي مع الجَنَازة:

834- يُستحبّ له أن يكون مشتغلاً بذكر الله تعالى، والفكر فيما يلقاهُ الميتُ، وما يكونُ مصيرهُ، وحاصلُ ما كان فيه، وأن هذا آخرُ الدنيا، ومصيرُ أهلها؛ وليحذرْ كلَّ الحذرِ من الحديث بما لا فائدةَ فيه، فإن هذا وقتُ فِكر وذكر يقبح فيه الغفلةُ واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلامَ بما لا فائدة فيه منهيٌّ عنهُ في جميع الأحوال، فكيف في هذا الحال. 835- واعلم أن الصوابَ المختارَ ما كان عليه السلفُ رضي الله عنهم: السكوتُ في حال السير مع الجنازة، فلا يُرفع صوتٌ بقراءة، ولا ذكر، ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة؛ وهي أنهُ أسكنُ لخاطره، وأجمعُ لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوبُ في هذا الحال. فهذا هو الحقّ، ولا تغترَّنَّ بكثرة من يُخالفه، فقد قال أبو عليّ الفُضَيْل بن عِياض رضي الله عنه ما معناه: الزمْ طرقَ الهدَى، ولا يضرُّكَ قلّةُ السالكين، وإياك وطريق الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين [مر برقم: 600، وسيرد برقم: 1362] . وقد روينا في سنن البيهقي [4/ 74] ما يقتضي ما قلته. 836- وأما ما يفعله الجهلةُ من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط، وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه، وغلظ تحريمه، وفسق من تمكّن من إنكاره فلم ينكره في كتاب "آداب القرّاء" ["التبيان"، رقم: 264] والله المستعان، وبه التوفيق.

 بابُ ما يقولُه مَنْ مرَّتْ به جنازة أو رآها:

837- يُستحبّ أن يقول: سُبْحانَ الحَيِّ الَّذي لاَ يَمُوتُ. وقال القاضي الإمام أبو المحاسن الروياني من أصحابنا في كتابه "البحر": يُستحبّ أن يدعوَ ويقول: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الحَيُّ الَّذي لاَ يَمُوتُ، فيستحبّ أن يدعوَ لها، ويثني عليها بالخير إن كانت أهلاً للثناء، ولا يجازفُ في ثنائه.

 بابُ ما يقولُه مَن يُدْخِلْ الميّتَ قبرَه:

838- روينا في سنن أبي داود [رقم: 3213] ، والترمذي [رقم: 1046] ، والبيهقي [4/ 55] وغيرها، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في القبر، قال: "بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلى سُنَّة رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله: يُستحب أن يدعو للميت مع هذا. ["الأم" 1/ 246] . 839- ومن أحسن الدعاء ما نصّ عليه الشافعي رحمه الله في "مختصر المزني" [1/ 185] ، قال: يقول الذين يدخلونه القبر: [بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلى ملّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم] ، اللهم سلمه1 إليك الأشِحاء من ولده وأهله وَقَرابَتِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَفَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الدُّنْيا وَالحَياةِ إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ وَضِيقِهِ، وَنَزَلَ بِكَ وأنْتَ خيرُ مَنْزُولٍ بِهِ، إنْ عاقَبْتَهُ فبذنبه2، وإنْ عَفَوتَ عَنْهُ فأنْتَ أهْلُ العَفْوِ، أنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إلى رَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ اشكر حسناته، واغفر سيئاته3، وأعذهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَاجْمَعْ لَهُ بِرَحْمَتِكَ الأمْنَ منْ عَذَابِكَ، واكْفِهِ كل هولٍ دُونَ الجَنَّةِ، اللَّهُمَّ اخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الغابِرِينَ، وَارْفَعْهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَعْدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ، يا أرْحَمَ الراحمين. ["البيان" 3/ 105] . __________ 1 في نسخة: "أسلمه". 2 في نسخة: "فبذنب". 3 في نسخة: "اللَّهُمَّ اشْكُرْ حَسَنَتَهُ، واغفر سيئته".

 بابُ ما يقولُه بعدَ الدَّفْن:

840- السُّنَّة لمن كان على القبر أن يحثي في القبر ثلاث حثيات بيديه جميعاً من قِبل رأسه. قال جماعةٌ من أصحابنا: يُستحبّ أن يقول في الحثية الأولى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} ، وفي الثانية: {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} ، وفي الثالثة: {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [سورة طه: 56] . 841- ويُستحبّ أن يقعد عنده بعد الفراغ ساعة قدر ما يُنحر جزور ويقسم لحمها [مسلم، رقم: 121] ، ويشتغل القاعدون بتلاوة القرآن، والدعاء للميت، والوعظ، وحكايات أهل الخير، وأحوال الصالحين. 842- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 1362] ، ومسلم [رقم: 2647] ؛ عن علي رضي الله عنه، قال: كنّا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقعدَ وقعدنا حولَه، ومعه مخصرةٌ، فنكسَ، وجعلَ ينكتُ بمحصرته، ثم قال: "ما مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ إِلاَّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ" فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتكلُ على كتابنا؟ فقال: "اعلموا! فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". وذكر تمام الحديث. 843- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 121] ، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: إذا دفنتموني أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها حتى أستأنسَ بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسُل ربي. 844- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3221] والبيهقي [4/ 56] ، بإسناد حسنٍ، عن عثمان رضي الله عنه، قال: كان النبي إذا فرغَ من دفن الميت وقفَ عليه، فقال: "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فإنَّهُ الآنَ يُسْألُ". 845- قال الشافعي والأصحاب: يُستحب أن يقرؤوا عنده شيئاً من القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآن كلَّه كان حسناً. ["الجموع" 5/ 294؛ وفيه

أن هذا قول الأصحاب، وفي رياض الصالحين، رقم: 947 أن هذا قول الشافعي] . 846- وروينا في "سنن البيهقي" [4/ 56] بإسناد حسن، أن ابن عمر استحبَّ أن يقرأ على القبر بعد الدفن أوّل سورة البقرة وخاتمتها.

  214- فصل [في تلقين الميت]

847- وأما تلقينُ الميّت بعد الدفن، فقد قال جماعة كثيرون من أصحابنا استحبابه، وممّن نصَّ على استحبابه: القاضي حسين في "تعليقه"، وصاحبه أبو سعد المتولي في كتابه التتمة، والشيخ الإِمام الزاهد أبو الفتح، نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي، والإِمام أبو القاسم الرافعي وغيرهم، ونقله القضاي حسين عن الأصحاب. وأما لفظه، فقال الشيخ نصر: إذا فرغ من دفنه يقف عند رأسه، ويقولُ: يا فلانُ بن فلانٍ، اذكر العهد الذي خرجتَ عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَن في القبور، قُل: رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيّاً، وبالكعبة قبلة، وبالقرآن إماماً، وبالمسلمين إخواناً، ربّي الله لا إِلهَ إِلا هو، وهو رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ. هذا لفظ الشيخ نصر المقدسي في كتابه "التهذيب" ولفظ الباقين بنحوه، وفي لفظ بعضهم نقص عنه، ثم منهم مَن يقول: يا عبد الله ابن أمة الله، ومنهم مَن يقول: يا عبد الله ابن حوّاء، ومنهم من يقول: يا فلان -باسمه- ابن أمة الله، أو يا فلانُ ابن حوّاء، وكله بمعنى. 848- وسُئل الشَّيخ الإِمام أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله، عن هذا التلقين، فقال في "فتاويه" [1/ 261] : التلقين هو الذي نختاره، ونعمل به، وذكره جماعة من أصحابنا الخراسانيين، قال: وقد روينا فيه حديثاً من حديث أبي أمامة

ليس بالقائم إسناده1، ولكن اعتضد بشواهد، وبعمل أهل الشام به قديماً. قال: وأما تلقين الطفل الرضيع فما له مُستند يعتمدُ، ولا نراهُ، والله أعلمُ. قلتُ: الصوابُ أنه لا يلقنُ الصغيرُ مُطلقًا، سواءٌ كانَ رضيعاً، أو أكبر منه ما لم يبلغ ويَصِر مكلفاً؛ والله أعلم. __________ 1 أخرجه الطبراني في "الكبير" 8/ 298 وفي الدعاء "1214"، وإسناده ضعيف جداً، فيه محمد بن إبراهيم بن العلاء، وهو منكر الحديث، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 45: في إسناده جماعة لم أعرفهم، وقال ابن القيم في "زاد المعاد": فهذا حديث لا يصح رفعه. ولفظ الحديث: عن أبي أمامة، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشد رحمك الله، ولكن لا تشعرون فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إمامًا؛ فإن منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه، ويقول: انطلق، ما نقعد عند من قد لقن حجته؛ فيكون الله عز وجل حجيجه دونهما؛ فقال رجل: يا رسول الله! فإن لم يعرف أمه؟ قال: "ينسبه إلى حواء عليها السلام، يا فلان ابن حواء".

  بابُ وصيّةِ الميّتِ أنّ يُصلي عليه إنسانٌ بعينه أو أن يُدفن على صفةٍ مخصوصةٍ وفي مَوْضعٍ مَخصوص، وكذلك الكفنُ وغيرُه من أمورِه التي تُفعل والتي لا تُفعل:

849- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: 1387] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخلت على أبي بكر رضي الله عنه -يعني: وهو مريض- فقال: في كم كفّنتم النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: في ثلاثة أثوابٍ، قال: في أيّ يوم تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: يوم الاثنين، قال: فأيّ يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه،

به رَدْع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفِّنوني فيها، قلتُ: إن هذا خلقٌ، قال: إن الحيّ أحقُ بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة؛ فلم يتوفّ حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودُفن قَبْلَ أنْ يُصبحَ. قلت: قولها: "رَدْع"، بفتح الراء، وإسكان الدال، وبالعين المهملات؛ وهو: الأثر. وقوله: "للمهلة"، روي بضم الميم وفتحها وكسرها، ثلاث لغات، والهاء ساكنةٌ؛ وهو: الصديد الذي يتحلل من من بدن الميت. 850- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 1392] ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لما جُرح: إذا أنا قُبِضتُ فاحملوني، ثم سلموا، وقولوا: يستأذنُ عمرُ، فإن أذنتْ لي -يعني عائشةَ- فأدخلوني، وإن ردّتني فردّوني إلى مقابر المُسْلِمِينَ. 851- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 966] ، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص، قال: قال سعد: الحدوا لي لحداً، وانصبوا عليَّ اللبنَ نصباً كما صُنع برسول الله صلى الله عليه وسلم. 852- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 121] ، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أنه قال، وهو في سياقة الموت: إذا أنا متّ فلا تصحبني نائحةٌ، ولا نارٌ، فإذا دفنتموني فشنّوا عليَّ التراب شناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنسَ بكم، وأنظر ماذا أراجع به رُسُل ربي. قلت: قوله: "شنوا"، روي بالسين المهملة وبالمعجمة، ومعناهُ: صبوهُ قليلاً قليلاً. وروينا في هذا المعنى حديث حذيفة المتقدم [رقم: 807] في باب جاوز إعلام أصحاب الميت بموته، وغير ذلك من الأحاديث، وفيما ذكرناه كفايةٌ، وبالله التوفيق.

853- قلتُ: وينبغي ألا يقلد الميتُ، ويتابع في كلّ ما وصَّى به، بل يعرضُ ذلك على أهل العلم، فما أباحوهُ فُعل، وما لا فلا. وأنا أذكرُ من ذلك أمثلة: 854- فإذا أوصى بأن يدفن في موضع من مقابر بلدته، وذلك الموضع معدنُ الأخيار، فينبغي أن يُحافظ على وصيته. 855- وإذا أوصى بأن يصلِّي عليه أجنبي، فهل يُقَدَّم في الصلاة على أقارب الميت؟ فيه خلافٌ للعلماء، والصحيح في مذهبنا أن القريب أولى، لكن إذا كان الموصَى له ممّن يُنسب إلى الصلاح، أو البراعة في العلم مع الصيانة والذكر الحسن، استحبّ للقريب الذي ليس هو في مثل حاله إيثاره رعاية لحقّ الميت. 856- وإذا أوصى بأن يُدفن في تابوت لم تنقذ وصيته إلا أن تكون الأرض رخوة، أو نديّة يحتاجُ فيها إليه، فتُنفذ وصيّته فيه، ويكون من رأس المال، كالكفن. 857- وإذا أوصى بأن يُنقل إلى بلد آخر لا تنفّذ وصيّته، فإن النقلّ حرامٌ على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، وصرّح به المحققون، وقيل: مكروه. قال الشافعي رحمه الله: إلا أن يكون بقرب مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس، فيُنقل إليها لبركتها. 858- وإذا أوصى بأن يُدفَن تحته مِضربة أو مخدة تحتَ رأسه، أو نحو ذلك لم تُنفذ وصيّته. 859- وكذا إذا أوصى بأن يُكفن في حرير، فإن تكفينَ الرجال في الحرير حرامٌ، وتكفينُ النساء فيه مكروهٌ وليس بحرامٍ، والخنثى في هذا كالرجل. 860- ولو أوصى بأن يُكفن فيما زاد على عدد الكفن المشروع، أو في ثوب لا يَستر البدن لا تنفذ وصيّته. 861- ولو أوصى بأن يُقرأ عند قبره، أو يُتصدّق عنه، وغير ذلك من أنواع القرب، نفذت وصيته إلا أن يقترن بها ما يمنع الشرع منها بسببه. 862- ولو أوصى بأن تُؤَخَّرَ جنازته زائداً على المشروع لم تنفذ. 863- ولو أوصى بأن يُبنى عليه في مقبرة مسبلةٍ للمسلمين لم تنفّذ وصيته، بل ذلك حرامٌ؛ والله أعلم.

 بابُ ما ينفعُ الميّتَ من قَوْل غيره:

864- أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم، ويَصلُهم ثوابه. واحتجوا بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10] وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها. 865- وبالأحاديث المشهورة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بقيع الغرقد" [أخرجه مسلم، رقم: 974، وسيرد برقم: 873] . 866- وكقوله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لحينا وميتنا" [رواه الترمذي، رقم، 1024؛ والنسائي، رقم: 1986 ومر برقم: 824] وغير ذلك. 867- واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يصلُ. وذهب أحمل بن حنبل وجماعةٌ من العلماء وجماعةٌ من أصحاب الشافعي إلى أنه يَصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهمّ أوصلْ ثوابَ ما قرأته إلى فلانٍ؛ والله أعلم. ويُستحبّ الثناء على الميت وذكر محسانه. 868- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: 1367] ومسلم [رقم: 949] ، عن أنس رضي الله عنه، قال: مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "وَجَبَتْ" ثم مرّوا بأخرى أثنوا عليها شرّاً، فقال: "وَجَبَتْ"،

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: "هَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرَاً فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّاً فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ؛ أنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّه في الأرْضِ". 869- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 1368] ، عن أبي الأسود، قال: قدمتُ المدينةَ، فجلستُ إلى عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، فمرّتْ بهم جنازةٌ، فأُثني على صاحبها خيرًا، فقال عمرُ: وجبتْ؛ ثم مُرّ بأخرى، فأُثني على صاحبها خيرًا، فقال عمرُ: وجبتْ؛ ثم مُرّ بالثالثة، فأُثني على صاحبها شرًّا، فقالَ عمرُ: وجبتْ. قال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أميرَ المؤمنين؟ قال: قلتُ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أيُّمَا مسلمٌ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ"، فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وَثَلاَثَةٌ"، فقلنا: واثنان، قال: "وَاثْنانِ" ثم لم نسأله عن الواحد. والأحاديث بنحو ما ذكرنا كثيرةٌ؛ والله أعلمُ.

 بابُ النهي عن سب الأموات بغير حق ومصلحة شرعية:

870- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: 1393] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَسُبُّوا الأمْوَاتَ فإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا". 871- وروينا في سنن أبي داود [رقم: 4900] ، والترمذي [رقم: 1019] بإسناد ضعيف ضعَّفه الترمذي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم". [مر برقم: 813] .

872- قلتُ: قال العلماءُ: يَحرم سبُّ الميت المسلمَ الذي ليس معلناً بفسقه. وأما الكافرُ، والمُعلِنُ بفسقه من المسلمين، ففيه خلاف للسلف، وجاءت فيه نصوص متقابلة، وحاصلُه أنه ثبت في النهي عن سبّ الأموات ما ذكرناهُ في هذا الباب. وجاء في الترخيص في سبّ الأشرار أشياء كثيرةٌ، منها: ما قصَّه الله تعالى علينا في كتابه العزيز، وأمرنا بتلاوته وإشاعة قراءته؛ ومنها: أحاديثُ كثيرة في الصحيح، كالحديث الذي ذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمروَ بن لحيّ [البخاري، رقم: 4624؛ مسلم، رقم: 2856] وقصة أبي رِغال، [أبو داود، رقم: 3088، وراجع رقم: 1528 التالي] والذي كان يسرقُ الحاجَّ بمحجنه1، وقصة ابن جُدْعان [مسلم، رقم: 214] وغيرهم، ومنها الحديث الصحيح الذي قدّمناه [رقم: 868] لَمَّا مرّت جنازة فأثنوا عليها شرّاً، فلم ينكر عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، بل قال: "وجبتْ". واختلف العلماءُ في الجمع بين هذه النصوص على أقوال: أصحُّها وأظهرُها أن أمواتَ الكفاء يجوز ذكر مساويهم؛ وأما أمواتُ المسلمين المعلنين بفسق، أو بدعةٍ، أو نحوهما، فيجوز ذكرُهم بذلك إذا كان فيه مصلحة لحاجة إليه للتحذير من حالهم، والتنفيذ من قبول ما قالوه، والاقتداء بهم فيما فعلوه، وإن لم تكن حاجةٌ لم يجزْ؛ وعلى هذا التفصيل تُنَزَّلُ هذه النصوص، وقد أجمعَ العلماءُ على جرح المجروح من الرواة، والله أعلمُ. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: كذا وقع في عدة نسخ من "الأذكار" [أي: دون حرف واو بين "رغال" و"الذي"] ؛ ولم أرَ في شيء من الروايات وصف أبي رغال بذلك، ولعلها كانت "والذي" فسقطت واو العطف، فأما قصة أبي رغال، وهو بكسر الراء وتخفيف الغين المعجمة وآخره لام؛ فأخرج أحمد ["المسند" 3/ 296] عن جابر قال: لما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: "لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح، فكانت -يعني: الناقة- ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، فعقورها، فأخذتهم صيحة، أهمد الله بها من كان تحت أديم السماء منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في الحرم، فلما خرج منه أصابه ما أصاب قومه"، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: "أبو رغال". وأما قصة الذي كان يسرق الحاج بمحجنه، فأخرجها مسلم [رقم: 10/ 904] من حديث جابر في صلاة الكسوف، ولفظه: "حتى رأيت فيها صاحب المحجن، كان يسرق الحاج بمحجنه، فإذا فطن له، قال: إنما تعلق بمحجني، وإذا غفل عنه ذهب به". ["الفتوحات الربانية" 4/ 215] .

 بابُ ما يقولُه زائرُ القبور:

873- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: 974] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّمَا كان ليلتُها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجُ من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ، وَأتاكُمْ ما تُوعدُون، غَداً مُؤَجَّلُونَ، وَإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحقُونَ؛ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ". [مر برقم: 865] . 874- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: 974] ، عن عائشة رضي الله عنها أيضاً، أنها قالت: كيف أقولُ يا رسولَ الله؟ -تعني: في زيارة القبور- قال: "قُولي: السَّلامُ على أهْلِ الدّيارِ مِنَ المُؤْمنينَ وَالمُسْلمينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ المستقدمين منّا والمستأخرين، إنا إن شاء الله بكم لاحقون". 875- وروينا بالأسانيد الصحيحة في "سنن أبي داود" [رقم: 3237] ، والنسائي [رقم: 2037] ، وابن ماجه [رقم: 4306] ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج إلى المقبرة، فقال: "السلامُ عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون".

876- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 1053] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة1، فأقبلَ عليهم بوجهه، فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنا وَلَكُمْ، أنْتُمْ سَلَفُنا وَنَحْنُ بالأثَرِ" قال الترمذي: حديثٌ حسن. 877- وروينا في "صحيح مسلم" رحمه الله [رقم: 975] ، عن بريدة رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدّيارِ مِنَ المؤْمِنِينَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ، أسألُ اللَّهُ لَنَا ولَكُمُ العافيَةَ". 878- ورويناه في "كتاب النسائي" [رقم: 2040] وابن ماجه [رقم: 1547] هكذا، وزاد بعد قوله: "للاحقون": "أنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ". 879- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 596] ، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي البقيعَ، فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ دار قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، أنْتُمْ لَنا فَرَطٌ، وإنَّا بِكُمْ لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَهُمْ، وَلا تُضِلَّنا بَعْدَهُمْ". 880- ويُستحب للزائر الإِكثار من قراءة القرآن والذكر والدعاء لأهل تلك المقبرة وسائر الموتى والمسلمين أجميع. 881- ويُستحبّ الإِكثار من الزيارة، وأن يكثرَ الوقوفَ عند قبور أهل الخير والفضل. __________ 1 في نسخة: "بقبور المدينة".

  219- بابُ نهي الزائر مَنْ رآه يبكي جزعاً عند قبر وأمرِه إِيَّاه بالصبرِ ونهيِهِ أيضاً عن غير ذلك مما نهى الشرعُ عنه:

882- روينا في صحيحي البخاري [رقم: 1252] ومسلم [رقم: 826] ، عن أنس رضي الله عنه، قال: مرّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بامرأةٍ تبكي عند قبرٍ، فقال: "اتَّقي اللَّهَ وَاصْبِرِي". 883- وروينا في سنن أبي داود [رقم: 3230] ، والنسائي [رقم: 2048] ، وابن ماجه [رقم: 1568] بإسناد حسن، عن بَشير بن معبد المعروف بابن الخَصَاصِيَة رضي الله عنه، قال: بينما أنا أُماشي النبيَّ صلى الله عليه وسلم نظرَ، فإذا رجلٌ يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: "يا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ! ألْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ" وذكر تمام الحديث [راجع رقم: 814؛ وسيرد رقم 1493] . قلت: السِّبتية: النعل التي لا شعرَ عليها، وهي بكسر السين المهملة وإسكان الباء الموحدة. 884- وقد أجمعت الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودلائله في الكتاب والسنّة مشهورةٌ؛ والله أعلمُ.

  220- باب بالبكاء والخوف عند المرور بقبول الظالمين وبمصارعهم، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك:

885- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: 433] ؛ ومسلم، [رقم: 2980] ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يعني: لما وصلوا الْحِجر: ديارَ ثمود: "لا تَدْخُلُوا على هَؤُلاءِ المُعَذَّبينَ إِلاَّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فإنْ لَمْ تَكُونُوا باكينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لا يُصيبكم ما أصابهم".

 كتاب الأذكار في صلوات مخصوصة:

  بابُ الأذكارِ المستحبّةِ يومَ الجمعة وليلتها والدُّعاء:

886- يُستحبّ أن يُكثر في يومها وليلتها من قراءة القرآن، والأذكار والدعوات، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرأ سورة الكهف في يومها. قال الشافعي رحمه الله في كتاب "الأُم" [1/ 208] : وأستحبُّ قراءتَها أيضاً في ليلة الجمعة. ["التبيان"، رقم: 458 و459] . 887- روينا في صحيحي البخاري [رقم: 935] ومسلم [رقم: 852] ، عن أبي هريرة رضي الله عنهُ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكرَ يومَ الجمعة، فقال: "فيهِ ساعةٌ لا يُوافقها عَبْدٌ مسلمٌ، وَهُوَ قائمٌ يُصلي، فيسألُ اللَّهَ تَعالى شَيْئاً إِلاَّ أعطاهُ إيَّاهُ". وأشار بيده يُقللها. قُلتُ: اختلفَ العلماءُ من السلف والخلف في هذه الساعة على أقوال كثيرة منتشرة غاية الانتشار، وقد جمعتُ الأقوالَ المذكورةَ فيها كلها في "شرح المهذّب" [4/ 42] وبيّنتُ قائلها، وأن كثيراً من الصحابة على أنها بعد العصر. والمراد بقائمٍ يُصلي: من ينتظرُ الصلاة فإنه في صلاةٍ، وأصحّ ما جاء فيها:

888- ما رويناه في "صحيح مسلم" [رقم: 853] ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هيَ ما بَيْنَ أنْ يَجْلِس الإِمامُ إلى أن تُقْضَى الصَّلاةَ" يعني: يجلسُ على المنبر. 889- أما قراءةُ سورة الكهف، والصلاةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فجاءتْ فيهما أحاديث مشهورةٌ تركتُ نقلَها لطول الكتاب، لكونها مشهورة، وقد سبق جملةٌ منها في بابها [الأرقام: 467 و469 و637، وراجع "التبيان"، الأرقام: 458-460] . 890- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 82] ، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من قال صبيحة يوم الجمعة قبل صَلاةِ الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتوب إِلَيْهِ؛ ثَلاثَ مراتٍ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ". [مر برقم: 227 و468] . 891- وروينا فيه [رقم: 376] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد يومَ الجمعة أخذ بعضادتي الباب، ثم قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْني أوْجَهَ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وأقْرَبَ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْكَ، وأفْضَلَ مَنْ سألَكَ وَرَغِبَ إِلَيْكَ". 892- قلتُ: يُستحب لنا نحن أن نقول: اجْعَلْني مِنْ أوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْكَ، وَمِنْ أقْرَبِ، وَمِنْ أَفْضَلِ، فنزيد لفظة "مِن". 893- وأما القراءة المستحبة في صلاة الجمعة، وفي صلاة الصبح يوم الجمعة، فتقدّم بيانها في باب أذكار الصلاة [رقم: 60 وما بعده] . 894- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: 377] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَرأ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [سورة الإخلاص] و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ

الْفَلَقِ} [سورة الفَلَقِ] و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [سورة النَّاسِ] سَبْعَ مَرَّاتٍ، أعاده اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِها مِنَ السُّوءِ إلى الجُمُعَةِ الأُخْرَى".

  223- فصل [الإكثار من الذكرُ بعد صلاة الجمعة]

895- يُستحبّ الإِكثارُ من ذكر الله تعالى بعد صلاة الجمعة: قال الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] .

  بابُ الأذْكَارِ المشروعةِ في العِيدين:

896- اعلم أنه يُستحبّ إحياء ليلتي العيدين بذكر الله تعالى والصلاة وغيرهما من الطاعات للحديث الوارد في ذلك: 897- "مَنْ أَحْيا لَيْلَتي العِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ القُلُوبُ". 898- ورُوي: "مَنْ قَامَ لَيْلَتي العيدين محتسبًا لله1 لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حينَ تَمُوتُ القُلُوبُ". هكذا جاء في رواية الشافعي ["الأم" 1/ 231] وابن ماجه [رقم: 1782] وهو حديثٌ ضعيفُ، رويناهُ من رواية أبي أمامة مرفوعاً وموقوفاً، وكلاهما ضعيفُ، لكن أحاديثَ الفضائل يُتسامح فيها كما قدمناه في أول الكتاب. [رقم: 27] . 899- واختلف العلماءُ في القدر الذي يَحصل به الإِحياءُ، فالأظهرُ أنه لا يحصل إلا بمعظم الليل، وقيل: يَحصل بساعة. __________ 1 في نسخة: "لله محتسبًا".

 225- فصل [استحباب التكبير ليلتي العيدين]

900- ويستحبّ التكبير ليلتي العيدين، ويُستحبّ في عيد الفطر من غروب الشمس إلى أن يُحرم الإِمام بصلاة العيد، ويُستحبّ ذلك خلفَ الصلواتِ وغيرها من الأحوال. ويُكثر منه عند ازدحام الناس، ويُكَبِّر ماشياً وجالساً ومضطجعاً، وفي طريقه، وفي المسجد، وعلى فراشه. وأما عيدُ الأضحى، فيُكَبِّر فيه من بعد صلاة الصبح مِنْ يَوْمِ عَرَفة إلى أن يصليَ العصر من آخر أيام التشريق، ويكبرُ خلفَ هذه العَصْرِ، ثم يقطع، هذا هو الأصحّ الذي عليه العمل، وفيه خلافٌ مشهورٌ في مذهبنا ولغيرنا، ولكن الصحيح ما ذكرناهُ، وقد جاء فيه أحاديث رويناها في "سنن البيهقي" [3/ 278-280] ، وقد أوضحتُ ذلك كلَّه من حيث الحديث، ونقل المذهب في "شرح المهذّب" [3/ 45-48] ، وذكرتُ جميعَ الفروع المتعلقة به، وأنا أشيرُ هنا إلى مقاصده مختصرة. 901- قال أصحابنا: لفظ التكبير أن يقول: الله أكبر، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، هكذا ثلاثاً متواليات: ويكرّر هذا على حسب إرادته. قال الشافعي والأصحاب: فإن زادَ، فقال: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ لِلَّه كَثِيراً، وَسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلاً، لا إِلهَ إلا الله، ولا نعبدُ إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وعدهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إله إلا الله والله أكبر؛ كانَ حَسَناً. 902- وقال جماعة من أصحابنا: لا بأسَ أن يقول ما اعتاده الناسُ، وهو: اللَّهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إله إلا الله، والله أكبر اللَّهُ أكْبَرُ، ولِلَّهِ الحمدُ.

 226- فصل مواضع التكبير:

903- اعلم أن التكبير مشروعٌ بعد كلّ صلاة تُصلَّى في أيام التكبير، سواءٌ كانت فريضة، أو نافلة، أو صلاة جنازةٍ، وسواءٌ كانت الفريضةُ مؤدّاة، أو مقضية، أو منذورة، وفي بعض هذا خلافٌ ليس هذا موضع بسطه، ولكن الصحيح ما ذكرته، وعليه الفتوى، وبه العمل؛ ولو كبَّرَ الإِمامُ على خلاف اعتقاد المأموم بأن كان يَرى الإِمامُ التكبيرَ يوم عرفة، أو أيام التشريق، والمأموم لا يراهُ، أو عكسَه، فهل يتابعه، أو يعمل باعتقاد نفسه؟ فيه وجهان لأصحابنا: الأصحُّ يَعمل باعتقاد نفسه؛ لأن القدوة انقطعتْ بالسلام من الصلاة بخلاف ما إذا كبَّر في صلاة العيد زيادة على ما يراهُ المأمومُ، فإنه يُتابعهُ من أجل القُدوة.

 227- فصل التكبير في صلاة العيد:

904- والسُّنّة أن يُكبر في صلاة العيد قبل القراءة تكبيراتٍ زوائد، فيُكَبِّر في الركعة الأولى سبعَ تكبيرات سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية خمسَ تكبيرات سوى تكبيرة الرفع من السجود، ويكونُ التكبيرُ في الأولى بعد دعاء الاستفتاح وقبل التعوّذ، وفي الثانية قبل التعوّذ: ويستحبّ أن يقولَ بين كل تكبيرتين: سُبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ هكذا قال جمهور أصحابنا. وقال بعض أصحابنا: يقول: لا إِله إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ. 905- وقال أبو نصرٍ ابن الصباغ وغيره من أصحابنا: إن قال ما اعتاده الناسُ فحسنٌ، وهو: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيراً، والحمدُ لِلَّه كَثِيراً، وسبحان الله وبحمده بُكْرَةً وأصِيلاً. وكل هذا على التوسعة، ولا حَجْرَ في شيء منه،

ولو ترك جميع هذا الذكر، وترك التكبيرات السبع والخمس، صحَّتْ صلاته، ولا يسجد للسهو، ولكن فاتته الفضيلة؛ ولو نسي التكبيرات حتى افتتح القراءة لم يرجع إلى التكبيرات على القول الصحيح. وللشافعي قول ضعفٌ: أنه يرجعُ إليها. 906- وأما الخطبتان في صلاة العيد، فيُستحبّ أن يُكَبِّرَ في افتتاح الأولى تسعاً، وفي الثانية سبعاً. 907- وأما القراءة في صلاة العيد، فقد تقدَّم بيانُ ما يُستحبّ أن يقرأ فيها في باب صفة أذكار الصلاة، وهو أنه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة {ق} ، وفي الثانية {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [أي: سورة القمر] ؛ وإن شاء في الأولى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [أي: سورة الأعلى] ، وفي الثانية سورة: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [أي: سورة الغاشِيَةِ] .

  باب الذكر في العَشْر الأوّلِ من ذي الحِجّة:

908- قال الله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} الآية [الحج: 28] . قال ابن عباس والشافعي والجمهور: هي أيامُ العشر. 909- واعلم أنه يُستحبّ الإِكثار من الأذكار في هذا العشر زيادةً على غيره، ويُستحب من ذلك في يوم عَرَفة أكثر من باقي العشر. 910- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: 969] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ مِنْها في هَذِهِ"، قالوا: وَلا الجهادُ فِي سَبيل الله؟ قال: "وَلا الجِهادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطرُ بنَفْسِهِ وَمالِه، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ". هذا لفظ رواية البخاري، وهو صحيح.

وفي رواية الترمذي [رقم: 757] : "ما مِنْ أيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهنَّ أحَبُّ إلى الله تعالى مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ" وفي رواية أبي داود [رقم: 2438] : "مثل هذه"، إلا أنه قال: "مِنْ هَذِهِ الأيَّام" يعني: العشر. 911- ورويناه في "مسند" الإِمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي [2/ 25] بإسناد الصحيحين، قال فيه: "ما العَمَلُ فِي أيَّامٍ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ في أيام عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ"، قيل: ولا الجهاد؟ وذكر تمامه، وفي رواية [2/ 26] : "عَشْرِ الأضْحَى". 912- وروينا في كتاب الترمذي [رقم: 3585] ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: "خَيْرُ الدُّعاءِ دُعاء يوم عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلهَ إِلاَّ الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قديرٌ". ضعَّفَ الترمذي إسنادَه. 913- ورويناه في "موطأ" الإِمام مالك [رقم: 500 و955] بإسناد مرسل، وبنقصان في لفظه، ولفظه: "أفْضَلُ الدُّعاءِ دعاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وأفْضَلُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ لَهُ". 914- وبلغنا عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، أنه رأى سائلاً يسألُ الناسَ يوم عَرَفَةَ، فقال: يا عاجزُ! في هذا اليوم يُسألُ غيرُ الله عز وجل!؟ 915- وقال البخاري في "صحيحه" [تعليقًا في 13 كتاب العيدين: باب رقم: 12] : كان عمرُ رضي الله عنه يكبرُ في قُبَّتِهِ بمنى، فيسمعه أهلُ المسجد، فيُكبِّرون ويُكَبِّر أهلُ الأسواق حتى ترتجّ مِنىً تكبيراً. 916- قال البخاري [في 13 كتاب العيدين: باب رقم: 11] : وكان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم يَخرجان إلى السوق في أيام العشر يُكَبِّران، ويُكَبِّر الناسُ بتكبيرهما.

 بابُ الأَذْكارِ المشروعةِ في الكُسُوف:

917- اعلم أنه يُسنُّ في كسوف الشمس والقمر الإكثار من ذكر الله تعالى، ومن الدعاء. وتُسَنّ الصلاةُ لهُ بإجماع المسلمين. 918- روينا في "صحيحي" البخاري، [رقم: 1044] ، ومسلم [رقم: 901، 902، 903] ؛ عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ، لا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلا لِحياتِهِ، فإذَا رأيْتُمْ ذلكَ، فادْعُوا اللَّهَ تَعالى، وكَبِّرُوا، وَتَصَدَّقُوا". وفي بعض الروايات في صحيحيهما: "فإذَا رأيْتُم ذلكَ فاذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى". وكذلك رويناه [البخاري، رقم، 1052؛ مسلم، رقم: 907] من رواية ابن عباس. 919- ورويناه في صحيحيهما [البخاري، رقم: 1059؛ ومسلم، رقم: 912] من رواية أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذّا رأيْتُمْ شَيْئاً مِنْ ذلك فافْزَعُوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره". 920- وَرَويناه في صحيحيهما [عند البخاري، رقم: 1060؛ ومسلم، رقم: 915] من رواية المغيرة بن شعبة: "فإذَا رأيْتُموها فادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا".

وكذلك رواه البخاري [رقم: 1040] من رواية أبي بكرة أيضاً؛ والله أعلمُ. 921- وفي صحيح مسلم [رقم: 913] ، من رواية عبد الرحمن بن سمرة، قال: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وقد كُسفت الشمسُ، وهو قائمٌ في الصلاة رافعٌ يديه، فجعلَ يُسَبِّحُ ويُهَلِّلُ ويُكَبِّر ويحمَد ويدعو حتى حُسِرَ عنها، فلما حُسر عنها قرأ سورتين، وصلَّى ركعتين. قُلت: "حُر" بضم الحاء، وكسر السين المهملتين، أي: كشف وجلي.

  230- فصلُ [تطويل القراءة في صلاة الكسوف]

ويُستحبّ إطالة القراءة في صلاة الكسوف، فيقرأ في القومة الأولى نحو سورة البقرة، وفي الثانية نحو مائتي آية، وفي الثالثة نحو مائة وخمسين آية، وفي الرابعة نحو مائة آية، ويسبحُ في الركوع الأوّل بقدر مائة آية، وفي الثاني سبعين، وفي الثالث كذلك، وفي الرابع خمسين؛ ويُطوِّل السجود كنحو الركوع، والسجدة الأولى نحو الركوع الأول، والثانية نحو الركوع الثاني، هذا هو الصحيح. وفيه خلافٌ معروفٌ للعلماء، ولا تَشُكَّنَّ فيما ذكرته من استحباب تطويل السجود، لكن المشهور في أكثر كتب أصحابنا أنه لا يُطوَّل، فإن ذلك السجود غلط وضعيف، بل الصواب تطويله، وقد ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرةٍ، وقد أوضحته بدلائله وشواهده في "شرح المهذب" [4/ 51-55] وأشرتُ هنا إلى ما ذكرت لئلا تغترّ بخلافه. وقد نصّ الشافعي رحمه الله في مواضع على استحباب تطويله [انظر "الأم" 1/ 245] ؛ والله أعلمُ.

923- قال أصحابنا: ولا يُطَوِّلُ الجلوسَ بين السجدتين، بل يأتي به على العادة في غيرها، وهذا الذي قالوه فيه نظرٌ، فقد ثبت في حديثٍ صحيح إطالتهُ، وقد ذكرتُ ذلك واضحاً في "شرح المهذب" [4/ 51-55] فالاختيار استحباب إطالته، ولا يُطَوِّلُ الاعتدالَ عن الركوع الثاني، ولا التشهّد وجلوسه؛ والله أعلمُ. 924- ولو ترك هذا التطويل كلهُ، واقتصر على الفاتحة صحَّت صلاتهُ، ويُستحبّ أن يقول في كل رفع من الركوع: سمع الله لمن حمدهُ، ربّنا لك الحمد؛ فقد روينا ذلك في الصحيح [البخاري، رقم: 1065] . ويُسنّ الجهر بالقراءة في كسوف القمر، ويُستحبّ الإِسرار في كسوف الشمس، ثم بعد الصلاة يخطب خطبتين يُخوِّفهم فيهما بالله تعالى، ويَحثّهم على طاعة الله تعالى، وعلى الصدقة والإِعتاق، فقد صحّ ذلك في الأحاديث المشهورة، ويَحثّهم أيضاً على شكرِ نعمِ الله تعالى، ويحذّرهم الغفلة والاغترار؛ والله أعلمُ. 925- روينافي "صحيح البخاري" [رقم: 1054] وغيره، عن أسماء رضي الله عنها، قالت: لقد أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالعَتَاقة في كسوف الشمس، والله أعلمُ.

 231- بابُ الأذْكَار في الاسْتسقَاءِ:

926- يُستحب الإكثارُ فيه من الدعاء والذكر والاستغفار بخضوع وتذلل، والدعوات المذكورة فيه مشهورةٌ، منها: اللَّهُمَّ اسْقِنا غَيْثاً مُغِيثاً هَنِيئاً مَرِيئاً1 غدقًا مجللاً سحًا عامّاً طَبَقاً دَائِماً؛ اللَّهُمَّ على الظِّرَابِ ومنابت __________ 1 في نسخة: "مريعًا"، أي: خصيبًا نافعًا. وفي نسخة: "مُربِعًا" من قولهم: ارتبع البعير وتربع، إذا أكل الربيع. وفي نسخة: "مُرتعًا" من ارتع الغيث: أنبت ما ترتع فيه الماشية.

الشَّجَرِ، وَبُطُونِ الأوْدِيَةِ؛ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفّاراً، فأرْسلِ السَّماءَ عَلَيْنا مِدْرَاراً؛ اللَّهُمَّ اسْقِنا الغيث ولا تجعلنا مِنَ القَانِطِينَ؛ اللَّهُمَّ أنْبِتْ لَنا الزَّرْعَ، وَأدِرَّ لَنا الضَّرْعَ، وَاسْقِنا مِنْ بَرَكاتِ السَّماءِ، وأنْبِتْ لَنا مِنْ بَرَكاتِ الأرْضِ؛ اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الجَهْدَ وَالجُوعَ والعُرْيَ، واكْشِفْ عَنَّا مِنَ البَلاءِ ما لا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ. 927- ويُستحبّ إذا كان فيهم رجلٌ مشهورٌ بالصلاح أن يستسقوا به، فيقولوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَسْقِي وَنَتَشَفَّعُ إِلَيْكَ بعبدك فُلانٍ. 928- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: 1010] ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قُحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللَّهمّ إنّا كنّا نتوسلُ إليك بنبيّنا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنّا نتوسلُ إليك بعمّ نبيّنا صلى الله عليه وسلم، فاسقنا؛ فيُسقون. 929- وجاء الاستسقاء بأهل الصلاح عن معاوية وغيره. 930- والمستحبّ أن يقرأُ في صلاة الاستسقاء ما يقرأ في صلاة العيد، وقد بيناه [راجع رقم: 907 و272] ؛ ويكبرُ في افتتاح الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسَ تكبيرات كصلاة العيد، وكل الفروع والمسائل التي ذكرتها في تكبيرات العيد السبع والخمس يجيءُ مثلها هنا، ثم يخطبُ خطبتين يكثرُ فيهما من الاستغفار والدعاء. 931- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 1169] بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: أَتَتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم بَوَاكٍ، فقال: "اللَّهُمَّ اسْقِنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا نافعاً غَيْرَ ضارٌ، عاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ"؛ فأطْبَقَتْ علَيْهِمُ السَّماءُ. 932- وروينا فيه [رقم: 1176] بإسناد صحيح، عن عمرو بن شعيب،

عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استسقى قال: "اللَّهُمَّ اسْقِ عِبادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وأحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ". 933- وروينا في فيه [رقم: 1176] بإسناد صحيح، قال أبو داود في آخره: هذا إسنادٌ جيدٌ؛ عن عائشة رضي الله عنها، قالت: شكا الناسُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوطَ المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى، ووعد الناسَ يوماً يخرجون فيه، فخرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم حين بَدَا حاجبُ الشمس، فقعدَ على المنبر صلى الله عليه وسلم، فكبَّرَ وحَمِد الله عز وجل، ثم قال: "إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيارِكُمْ، وَاسْتِئْخارَ المَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمانِه عَنْكُمْ، وَقَدْ أمَرَكُمُ اللَّهُ سبحانه وتعالى أنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ"، ثم قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدَّينِ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أنْتَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْت الغَنِيُّ، وَنَحْنُ الفُقَراءُ، أنْزِلْ عَلَيْنا الغَيْثَ، وَاجْعَلْ ما أنْزَلْتَ لَنا قُوَّةً وَبَلاغاً إلى حِينٍ". ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياضُ إبطيه؛ ثم حوّل إلى الناس ظهرَه، وقَلبَ، أو حَوّل رداءَه، وهو رافعٌ يديه، ثم أقبلَ على الناس، ونزلَ فصلى ركعتين، فأنشأ اللَّه عزّ وجلّ سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله. تعالى، فلم يأتِ مسجدَه حتى سالت السيولُ، فلما رأى سرعتَهم إلى الكِنِّ ضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فقال: "أشْهَدُ أنَّ اللَّهُ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". قلتُ: "إبّان الشيء": وقته، وهو بكسر الهمزة وتشديد الباء الموحدة. و"قحوط المطر" بضم القاف والحاء: احتباسه. والجدب بإسكان الدال المهملة: ضد الخصب. وقوله: ثم أمطرت هكذا هو بالألف، وهما لغتان: مطرت، وأمطرت، ولا التفات إلى مَن قال: لا يُقال: أمطر،

بالألف إلا في العذاب. وقوله: "بدتْ نواجذه" أي: ظهرت أنيابه، وهي بالذال المعجمة. واعلم أن في هذا الحديث التصريح بأن الخطبة قبل الصلاة، وكذلك هو مصرّح به في صحيحي البخاري ومسلم، وهذا محمولٌ على الجواز، والمشهور في كتب الفقه لأصحابنا وغيرهم أنه يُستحبّ تقديمُ الصلاة على الخطبة لأحاديث أُخر، أن رسو الله صلى الله عليه وسلم قدَّمَ الصلاةَ على الخطبة؛ والله أعلمُ. 935- ويُستحبّ الجمع في الدعاء بين الجهر والإِسرار، ورفع الأيدي فيه رفعاً بليغاً. 936- قال الشافعي رحمه الله في "الأُم" [1/ 250-251] : وليكن من دعائهم: اللَّهُمَّ أمَرْتَنا بِدُعائِكَ، وَوَعَدْتَنا إِجابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْناكَ كما أمَرْتَنا، فأجِبْنا كما وَعَدْتَنا؛ اللَّهُمَّ امْنُنْ عَلَيْنا بِمَغْفِرَةِ ما قارَفْنا، وإِجابَتِكَ في سُقْيانا وَسَعَةِ رِزْقِنا؛ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويُصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقرأ آيةً، أو آيتين ويقولُ الإمامُ: أستغفرُ الله لي ولكم. وينبغي أن يدعوَ بدعاءِ الكرب [المتقدم بالباب رقم: 161] ، وبالدعاء الآخر: "اللَّهُمَّ [ربنا] آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" وغير ذلك من الدعوات التي ذكرناها في الأحاديث الصحيحة. 937- قال الشافعي في "الأم" [1/ 250] : يخطبُ الإِمامُ في الاستسقاء خطبتين كما يخطبُ في صلاةِ العيد، يكبرُ الله تعالى فيهما، ويحمدهُ، ويُصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويكثرُ فيهما الاستغفار حتى يكون أكثر كلامه، ويقول كثيراً: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [سورة نوح: 10] . 938- ثم رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن استسقى، فكان أكثر دعائه الاستغفار. 939- قال الشافعي [في "الأمّ" 1/ 250، 251] : ويكون أكثر دعائه الاستغفار، يبدأ به دعاءَه، ويفصلُ به بين كلامه، ويختم به، ويكون هو أكثر كلامه حتى ينقطع الكلام، ويحثّ الناس على التوبة والطاعة والتقرّب إلى الله تعالى.

 بابُ ما يقولُه إذا هَاجَتِ الرِّيح:

940- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: 899] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: "اللَّهُمَّ إِني أسألُكَ خَيْرَها وَخَيْرَ ما فِيها، وَخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ ما فيها، وَشَرّ ما أُرسِلَتْ بِهِ". 941- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5097] ، وابن ماجه [رقم: 3737] ؛ بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللِّهِ تَعالى، تأتي بالرَّحْمَةِ، وَتأتِي بالعَذَابِ، فإذا رأيْتُمُوها فَلا تَسُبُّوها، وسلوا خَيْرَها، وَاسْتَعِيذُوا باللَّهِ مِنْ شَرّها". قلتُ: قوله صلى الله عليه وسلم: "مِنْ رَوْحِ الله" هو بفتح الراء، قال العلماءُ: أي: من رحمة الله بعباده. 942- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 5099] ، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف، [رقم: 16146] ، وابن ماجه [رقم: 3889] ؛ عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ناشئاً في

أفُق السماء، تركَ العملَ، وإن كان في صلاة، ثم يقول: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها" فإن مُطِرَ قال: "اللَّهُمَّ صيِّبًا هَنِيئاً". قلتُ: ناشئاً بهمز آخره، أي: سحاباً لم يتكامل اجتماعه. والصيِّب بكسر الياء المثناة تحت المشددة، وهو: المطرُ الكثيرُ، وقيل: المطرُ الذي يجري ماؤه، وهو منصوب بفعل محذوف، أي: أسألك صيّباً، أو اجعله صيّباً. 943- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 2252] وغيره، عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَسُبُّوا الرّيحَ، فإنْ رأيْتُمْ ما تَكْرَهُونَ فَقُولوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرّيحِ وخَيْرِ ما فِيها، وَخَيْرِ ما أُمرت بِهِ؛ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذِهِ الرّيحِ، وَشَرّ ما فِيهَا، وَشَرّ ما أُمِرَتْ بِهِ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها، وأبي هريرة، وعثمان ابن أبي العاص، وأنسٍ، وابن عباسٍ، وجابر. 944- وروينا بالإِسناد الصحيح في "كتاب ابن السني" [رقم: 300] ، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتدّتِ الريحُ يقولُ: "اللَّهُمَّ لَقْحاً لا عَقِيماً". قلتُ: لَقْحَاً أي: حاملاً للماء، كاللقحة من الإِبل. والعقيم: التي لا ماء فيها، كالعقيم من الحيوان، لا ولد فيها. 945- وروينا فيه [رقم: 285] ، عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم؛ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إذا وقعتْ كبيرةٌ، أو

هاجتْ ريحٌ عظيمةٌ، فعليكم بالتكبير، فإنه يجلو العَجَاجَ الأسْوَدَ". 946- وروى الإِمام الشافعيُّ رحمه الله في كتابه "الأُمّ" [1/ 253] بإسناده، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ما هبَّت الريح إلاّ جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً وَلا تَجْعَلْها عَذَاباً، اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحاً، وَلا تَجْعَلْها رِيحاً". 947- قال ابن عباس: والله إن تفسير ذلك في كتاب الله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} [القمر: 19] و {أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} [الذاريات: 41] وقال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: 22] وقال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: 46] . 948- وذكر الشافعي رحمه الله [في "الأم" 1/ 253] حديثاً منقطعاً عن رجل، أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الفقرَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَعَلَّكَ تَسُبُّ الرّيحَ". 949- قال الشافعي رحمه الله [في "الأُم" 1/ 253] : لا ينبغي لأحدٍ أن يسبَّ الرياحَ، فإنها خلقٌ لله تعالى ميطعٌ، وجندٌ من أجنادهِ، يجعلُها رحمةً ونقمةً إذا شاء.

 بابُ ما يقولُ إذا انقضّ الكَوْكَب:

950- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 658] ، عن ابن مسعود رضي الله عنهُ، قال: أمرنا ألا نُتبع أبصارَنا الكوكبَ إذا انقضّ، وأن نقولَ عند ذلك: ما شَاءَ اللَّهُ، لا قُوَّةَ إِلاَّ بالله؛ والله أعلمُ.

 بابُ تركِ الإِشارةِ والنَّظرِ إلى الكَوْكَبِ والبَرْق:

فيه الحديث المتقدم [رقم: 950] في الباب قبلَه: 951- وروى الشافعي رحمه الله في "الأم" [1/ 253] بإسناده، عن من لا يتّهم، عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما، قال: إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يُشِرْ إليه، وليصفْ ولينعتْ ["المراسيل" لأبي داود، [رقم: 529، وسنن البيهقي 3/ 362] . قال الشافعي: ولم تزل العرب تكرهه.

 بابُ ما يقولُ إذا سمعَ الرَّعْدَ:

952- روينا في كتاب الترمذي [رقم: 3450] بإسناد ضعيف، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوتَ الرعد والصَّواعق قال: "اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنا بِعَذَابِكَ، وَعافِنا قَبْلَ ذلكَ". 953- وروينا بالإِسناد الصحيح في "الموطأ" [2/ 992] ، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، أنه كان إذا سمع الرعدَ تركَ الحديثَ وقال: "سُبْحانَ الَّذي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ". 954- وروى الإِمام الشافعي رحمه الله [في "الأُمّ" 1/ 253] بإسناده الصحيح، عن طاوس الإِمام التابعي الجليل رضي الله عنه، أنه كان يقول إذا سمع الرعد: سبحانَ مَنْ سَبَّحَتْ له. قال الشافعي: كأنه يذهب إلى قول الله تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} [الرعد: 13] . 955- وذكروا عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنّا مع عمر رضي الله عنه في سفر، فأصابنا رعدٌ وبرقٌ وبردٌ، فقال لنا كعبُ: مَن قال حين يسمع الرعد: سُبْحَانَ مَنْ يسبحُ الرعدُ بحمدهِ، وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ؛ ثلاثاً، عُوفي مِنْ ذلكَ الرعد، فقلنا فعوفينا ["الدعاء" للطبراني، رقم: 985] .

 بابُ ما يقولُ إذا نزلَ المطرُ:

956- روينا في "صحيح البخاري" رقم: 1032، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر، قال: "اللَّهُمَّ صيبًا نافعًا". ورويناهُ في سنن ابن ماجه [راجع رقم: 3889 و3890، وقال فيه: "اللهم صيبًانافعًا" مرّتين، أو ثلاثاً. 957- وروى الشافعي رحمه الله في "الأُمّ" [1/ 223-224] بإسناده حديثاً مرسلاً، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "اطْلُبُوا اسْتِجابَةَ الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث". [مر برقم: 230؛ وسيرد برقم: 1088] . قال الشافعي: وقد حفظتُ عن غير واحدٍ طَلبَ الإِجابة عند نزول الغيث وإقامة الصلاة.

 بابُ ما يقولهُ بعدَ نزولِ المطر:

958- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: 846] ، ومسلم [رقم: 71] ؛ عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنهُ، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ الصبح بالحديبية في إثر سماءٍ كانتْ من الليل، فلما انصرفَ، أقبلَ على الناس، فقال: "هَلْ تَدْرُونَ ماذَا قالَ رَبُّكُمْ"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: "قالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافرٌ، فأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مؤمنٌ بِي كافرٌ بالكَوْكَبِ؛ وأمَّا مَنْ قال: مُطرنا بنوْء كَذَا

وكَذّا؛ فَذَلِكَ كافرٌ بِي مؤمنٌ بالكَوْكَبِ". [راجع رقم: 1809] . قلت: الحديبية معرفة، وهي بئر قريبة من مكة دون مرحلة، ويجوز فيها تخفيف الياء الثانية وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعي وأهل اللغة، والتشديد قول ابن وهب، وأكثر المحدثين. و"السماء" هنا: المطر. و"إثر" بكسر الهمزة، وإسكان التاء، ويقال فتحهما، لُغتان. قال العلماء: إن قال مسلمٌ: مُطرنا بنوءِ كذا، مريداً أن النوءَ هُو الموجدُ والفاعل المحدثُ للمطر، صارَ كفارًا مرتدّاً بلا شكّ. وإن قالهُ مُريدًا أنه علامةٌ لنزول المطر، فينزل المطر عند هذه العلامة، ونزوله بفعل الله تعالى وخلقه سبحانه لم يكفر. واختلفوا في كراهته؛ والمختارُ أنه مكروهٌ، لأنه من ألفاظ الكفّار، وهذا ظاهرُ الحديثِ، ونصَّ عليه الشافعي رحمه الله في "الأمّ" [1/ 252] وغيره؛ والله أعلم. ويُستحبّ أن يشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، أعني: نُزول المطر.

 بابُ ما يقولُه إذا نزلَ المطرُ وخِيفَ منه الضَّرَر:

959- روينا في صحيحي البخاري [رقم: 1013] ، ومسلم [رقم: 897] ؛ عن أنس رضي الله عنهُ، قال: دخل رجلٌ المسجدَ يوم جمعةٍ، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يخطبُ، فقال: يا رسُول الله! هلكتِ الموالُ وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا1، فرفعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يديْهِ، ثم قال: "اللَّهُمَّ أغِثْنا، اللَّهُمَّ أغِثْنا، اللَّهُمَّ أغِثْنا"؛ قال أنس: واللهُ ما نرى في السماء من سحابٍ __________ 1 وردت في بعض النسخ: يُغثنا؛ جواب الطلب بالجزم وهو أفصح لغة.

ولا قزعةٍ، وما بيننا وبين سلع -يعني: الجبل المعروف بقرب المدينة- من بيتٍ ولا دارٍ، فطلعتْ من ورائه سحابةٌ مثل الترسِ، فلما توسطت السماءَ انتشرتْ، ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سَبْتَاً، ثم دخلَ رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يخطبُ، فقال: يا رسول الله! هلكتِ الأموالُ، وانقطعتِ السبلُ، فادع الله يمكسها عنّا؛ فرفعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنا ولاَ عَلَيْنا، اللَّهُمَّ على الآكام والظارب وبطون الأودية ومَنَابِتِ الشَجَرِ"، فانقلعتْ، وخرجنا نمشي في الشمس. هذا حديثٌ لفظه فيهما، إلا أن في رواية البخاري: "اللَّهُمَّ اسْقِنا". بدل: "أغِثْنا". وما أكثر فوائده؛ وبالله التوفيق.

 بابُ أذكارِ صَلاة التَّراويْح:

960- اعلم أن صلاة التراويح سُنّة باتفاق العلماء، وهي عشرون ركعة، يسلمُ من كل ركعتين، وصفةُ نفس الصلاةِ كصفة باقي الصلوات على ما تقدم بيانهُ، ويَجيء فيها جميعُ الأذكار المتقدمة: كدعاء الافتتاح، وإستكمال الأذكار الباقية، واستيفاء التشهد، والدعاء بعده، وغير ذلك مما تقدم، وهذا وإن كان ظاهراً معروفاً، فإنما نبَّهتُ عليه لتساهل أكثر الناس فيه، وحذفهم أكثر الأذكار؛ والصوابُ ما سبق. 961- وأما القراءةُ، فالمختارُ الذي قالهُ الأكثرون، وأطبقَ الناسُ على العمل به، أن تقرأ الختمةُ بكمالها في التراويح جميع الشهر، فيقرأ في كل ليلة نحو جزء من ثلاثين جزءاً. ويُستحبّ أن يرتل القراءة، ويبيِّنها، وليحذرْ من التطويل عليهم بقراءة أكثر من جزءٍ، وليحذرْ كلَّ الحذرِ مما اعتاده جهلةُ أئمة كثير من المساجد من قراءة سورة الأنعام بكمالها في الركعة الأخيرة في الليلة السابعة من شهر رمضان، زاعمين أنها نزلتْ جملةً، وهذه بدعة قبيحة، وجهالة ظاهرةٌ مشتملةٌ على مفاسد كثيرةٍ، سبق بيانها [رقم: 601] ، وقد أوضحتها في كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" [رقم: 283] ؛ وبالله التوفيق.

 بابُ أذكارِ صَلاةِ الحَاجة:

962- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 479] ، وابن ماجه [رقم: 1384] ؛ عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، أوْ إلى أحدٍ مِن بَني آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأ، وليُحسن الوُضُوءِ، ثُمَّ ليُصَلّ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ لِيُثْنِ على الله عَزَّ وَجَلَّ، وَلْيُصَلّ على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ ليَقُلْ: لا إِلهَ إِلاَّ الله الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّه رَبّ العَرْشِ العظيم، الحمدُ لله رب العالمين، أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلّ بِرّ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلّ إثْمٍ، لا تَدَعْ لِي ذَنْباً إِلاَّ غفرتهُ، وَلا هَمَّاً إِلاَّ فرجتهُ، وَلا حاجَةً هِيَ لَكَ رِضاً إِلاَّ قَضَيْتَها يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". قال الترمذي: في إسناده مقالٌ. 963- قُلتُ: ويستحبُ أن يدعوَ بدُعاء الكرب، وهُو: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" لما قدمناه [برقم: 666] عن الصحيحين فيهما. 964- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3573] ، وابن ماجه [رقم: 1385] ؛ عن عثمان بن حُنَيْف رضي الله عنهُ، أن رجلاً ضريرَ البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ادعُ اللَّهَ تعالى أن يعافيني، قال: "إنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبرْتَ، فَهُوَ خيرٌ لَكَ"، قال: فادعهُ؛ فأمرهُ أن يتوضأَ فيُحسنَ وضوءهُ، ويدعوَ بهذا الدعاء: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ وأتوجهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ محمدٍ نَبِيّ الرَّحْمَةِ صلى الله عليه وسلم، يا مُحَمَّدُ! إني تَوَجَّهْتُ بكَ إلى رَبّي في حاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لي: اللَّهُمَّ فشعفه فِيّ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

 بابُ أَذْكَار صَلاةِ التَّسبيحِ

965- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 2/ 348] ، عنهُ، قال: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم غيرُ حديثٍ في صلاة التسبيح، ولا يصح منه كبير شيءٍ، قال: وقد رأى ابنُ المبارك وغيرُ واحدٍ من أهل العلم صلاة التسبيح، وذكروا الفضل فيه. 966- قال الترمذي [2/ 348، 349] : حدّثنا أحمد بن عبدة، قال: __________ 1 قال الإسنوي في "المهمات": اختلف كلام النووي في استحباب صلاة التسبيح، وفي صحة الحديث الوارد فيها، فقال في "شرح المهذب" [3/ 504] : قال القاضي حسين وصاحبا "التهذيب" و"التتمة" والروياني: يستحب؛ للحديث الوارد فيها، وفي هذا الاستحباب نظر؛ لأن حديثها ضعيف، وفيها تغيير لنظم الصلاة المعروف، فينبغي ألا يُفعل لغير حديث صحيحُ، وليس حديثها بثابت. وذكر في "التحقيق" مثلهُ، فقال: وحديثها ضعيف. وخالف في تهذيب "الأسماء واللغات" [3/ 144] فقال: وأما صلاة التسبيح المعروفة؛ فسميت بذلك لكثرة التسبيح فيها، بخلاف العادة وغيرها، وقد جاء فيها حديث حسن في كتاب الترمذي وغيره. وذكرها المحاملي وصاحب "التتمة" وغيرهما من أصحابنا. وهي سنة حسنة. هذا لفظه. وقال ابن الصلاح: إنها سنة، وإن حديثها حسنٌ، وله طرق يعضدُ بعضها بعضًا، فيعمل به سيما في العبادات. انتهى ما في "المهمات". وكما اختلف فيها كلام النووي، كذلك اختلف فيها كلام الحافظ ابن حجر، فحسن حديثها في كتاب "الخصال المكفرة" [الصفحة: 42] ، وفي أماليه ذكر طرفه في تسعة مجالس، وأفردها تصنيفًا، وضعفه في تخريج أحاديث الرافعي [2/ 7] . والواجب لهذا الاختلاف ما أشار إليه الحافظ الذهبي، حيث قال في "الموقظة" [صفحة: 28] : الحسنُ ما قصر سندُه قليلًا عن رتبةِ الصحيح، ثم لا تطمع أن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على بأس من ذلك، فكم من حديث قد تردد فيه الحفاظ على هو حسنٌ أو ضعيف أو صحيح؟ والحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد، فيومًا يصفه بالصحة، ويومًا يصفه بالحسن، ويومًا يصفه بالضعف، وهذا حقٌ، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحفاظ عن أن يرقوه إلى رتبة الصحيح، فبهذا الاعتبار فيه ضعف، ولو ارتقى عن ذلك وصح لصح باتفاق.

حديثنا أبو وهب، قال: سألتُ عبد الله بن المبارك عن الصلاة التي يسبّح فيها، قال: يكبرُ، ثم يقولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تبارك اسمك وتعالى جدك وَلا إِلهَ غَيْرُكَ؛ ثم يقولُ خمس عشرة مرّة: سُبحانَ الله والحمدُ لِلَّهِ ولا إله إلا الله والله أكبرُ، ثم يتعوذُ، ويقرأُ: بسم الله الرحمن الرحيم؛ وفاتحة الكتاب، وسورة؛ ثم يقول عشر مرات: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ ثم يركع، فيقولها عشراً؛ ثم يرفع رأسه، فيقولها عشراً؛ ثم يسجدُ، فيقولها عشراً؛ ثم يرفع رأسه، فيقولها عشراً؛ ثم يسجدُ السجدة الثانية، فيقولها عشراً، يُصلي أربع ركعات على هذا، فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة يبدأ بخمس عشرة تسبيحة، ثم يقرأ ثم يسبّح عشراً؛ فإن صلى ليلاً فأحبّ إليّ أن يسلّم في ركعتين؛ وإن صلّى نهاراً، فإن شاء سلّم، وإن شاء لم يسلم ["المستدرك للحاكم" 3/ 30] . وفي رواية فيه [1/ 349] ، عن عبد الله بن المبارك، أنه قال: يبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم، وفي السجود بسبحان ربي الأعلى ثلاثاً، ثم يُسبِّح التسبيحات. وقيل لابن المبارك فيه أيضًا [2/ 350] : إن سها في هذه الصلاة، هل يُسبِّح في سجدتي السهو عشراً عشراً؟ قال: لا، إنما هي ثلاث مائة تسبيحة. 967- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 82] وابن ماجه [رقم: 1386] ؛ عن أبي رافع رضي الله عنهُ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للعباس: "يا عَمُّ! ألا أصلُك، ألا أحبُوك، ألا أنفعُك"؟ قال: بلى! يا رسول الله، قال: "يا عَمّ؟! صَلّ أرْبَعَ رَكعَاتٍ، تَقْرأُ فِي كُلّ رَكْعَةٍ بِفاتِحَةِ القُرآنِ وَسُورَةٍ، فإذَا انْقَضَتِ القِرَاءةُ فَقُلِ: اللَّهُ أكبرُ، والحمدُ لِلَّهِ، وسبحانَ اللَّهِ، وَلا إِلهَ إِلاَّ اللَّهِ؛ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أنْ تَرْكَعَ، ثُمَّ ارْكَعْ، فَقُلْها عَشْراً، ثُمَّ افرع رأسَكَ، فَقُلْها

عَشْراً، ثُمَّ اسْجُدْ، فَقلْها عَشْراً، ثُمَّ ارْفَعْ رأسَكَ، فَقُلْها عَشْراً، ثُمَّ اسْجُدْ الثانية فقلها عشرا، ثم ارْفَعْ رأسَكَ، فَقُلْها عَشْراً قَبْلَ أنْ تَقُومَ، فَتِلْكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلّ ركعة، وهي ثلاث مائة في أرْبَعِ رَكَعاتٍ، فَلَوْ كانَتْ ذُنُوبُكَ مِثْلَ رَمْلِ عالِجٍ غَفَرَهَا اللَّهُ تَعالى لَكَ"، قال: يا رَسولَ الله! مَن يستطيع أن يقولها في كل يوم؟ قال: "إنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَقُولَهَا في كل يومٍ فَقُلْها فِي جمعةٍ، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أن تقولها في كل جمعةٍ، فَقُلْها فِي كل شهرٍ"، فلم يزل يقولُ له حتى قال: "قُلْها في سَنَةٍ". قال الترمذي: هذا حديثٌ غريبٌ. 968- قلتُ: قال الإمامُ أبُو بكرٍ بنُ العربي في كتابه "الأحوذيّ في شرح الترمذي" [رقم: 2/ 266، 267] : حديثُ أبي رافع هذا ضعيف ليس له أصل في الصحة، ولا في الحسن، قال: وإنما ذكره الترمذي لينبّه عليه لئلا يغترّ به. قال: وقول ابِن المبارك ليس بحجةٍ؛ هذا كلامُ أبي بكر بن العربي. وقال العُقَيْلي: ليس في صلاة التسبيح وطرقها، ثم ضعَّفها كلَّها، وبيّن ضعفَها؛ ذكرهُ في كتابهِ في "الموضوعات"1 [1/ 143] . __________ 1 قلت رد الأئمةُ والحفاظ على ابن الجوزي في ذلك، وقد سقت كلامهم في كتاب "اللآلئ الموضوعة في الأحاديث المصنوعة". قال الحافظ ابن حجر في كتاب "الخصال المكفرة" [الصفحة: 43] : قد أساء ابن الجوزي بذكره إياه في الموضوعات. وقال في "أماليه": وردت صلاةُ التسبيح من حديث عبد الله بن عباس، وأخيه الفضل، وأبيهما العباس، وعبد الله بن عمرو، وأبي رافع، وعلى بن أبي طالب، وأخيه جعفر، وابنه عبد الله بن جعفر، وأم سلمة، والأنصاري غير مسمى. وقد صححه ابن خزيمة، والحاكم، وابن منده وألف فيه كتابًا، والآجري، والخطيب، وأبو سعيد السمعاني، وأبو موسى المديني، والديلمي، وأبو الحسن ابن المفضل، وابن الصلاح، والمنذري، والنووي في "تهذيب الأسماء واللغات" والسبكي، وآخرون. وقال الرزكشي في "تخريج أحاديث الرافعي": غلِطَ ابن الجوزي بلا شك في إخراج حديثُ صلاة التسبيح في الموضوعات، وهو صحيح وليس بضعيف، فضلًا عن أن يكون موضوعًا، وابن الجوزي يتساهل في الحكم بالوضع. وصححه أيضًا الحافظ صلاح الدين العلائي، والشيخ سراج الدين البلقيني في "التدريب". وأفردتُ فيه تأليفًا سميتهُ: "التصحيح في صلاة التسبيح".

969- وبلغنا عن الإِمام الحافظ أبي الحسن الدارقطني رحمه الله، أنه قال: أصحُّ شيء في فضائل السور فضل سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ؛ وأصحّ شيء في فضائل الصلوات فضل صلاة التسبيح. وقد ذكرتُ هذا الكلامَ مسنداً في كتاب طبقات الفقهاء في ترجمة أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني [ترجمة رقم: 240، الصفحات: 616، 619] ، ولم يُذكر فيها شيء عن صلاة التسبيح في النسخة المطبوعة، ولا يلزمُ من هذه العبارة أن يكونَ حديثُ صلاةِ التسبيح صحيحاً، فإنهم يقولون: هذا أصحُّ ما جاء في الباب، وإن كان ضعيفاً؛ ومرادهُم: أرجحُه وأقلهُ ضعفاً. قلتُ: وقد نصَّ جماعةٌ من أئمة أصحابنا على استحباب صلاة التسبيح هذه، منهم أبو محمد البغوي [في شرح السنّة 4/ 158] وأبو المحاسن الروياني1. قال الروياني في كتابه البحر في آخر كتاب الجنائز منه: اعلم أن صلاة التسبيح مُرَغَّب فيها، يُستحبّ أن يعتادها في كل حين، ولا يتغافل عنها، قال: هكذا قال عبد الله بن المبارك، وجماعة من العلماء. قال: وقيل لعبد الله بن المبارك: إن سهَا في صلاة التسبيح أيسبحُ في سجدتي السهو __________ 1 وقد ألف علماء آخرون غير ابن حجر العسقلاني رحمه الله والسيوطي رحمه الله وغير الذين ذُكروا، في صلاة التسبيح، مثل: ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه: "الترجيح لحديث صلاة التسبيح" طبع في دار البشائر الإسلامة، بيروت عام 1985؛ وابن طولون الدمشقي الصالحي في كتابه: "الترشيح لبيان صلاة التسبيح" طبع ببيروت في دار الكتب العلمية، عام 1995.

عشراً عشراً؟ قال: لا، وإنما هي ثلاث مائة تسبيحة؛ وإنما ذكرتُ هذا الكلام في سجود السهو، وإن كان قد تقدم لفائدة لطيفة، وهي أن مثل هذا الإِمام إذا حكى هذا، ولم ينكرهُ أشعر بذلك بأنه يوافقه، فيكثر القائل بهذا الحكم، وهذا الروياني من فضلاء أصحابنا المطّلعين؛ والله أعلم.

 كتاب أذكار الزكاة

 بابُ الأذكارِ المتعلّقةِ بالزَّكَاة:

قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] . 970- وروينا في "صحيحي البخاري" [رقم: 1497] ، ومسلم [رقم: 1078] ؛ عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أتاهُ قومٌ بصدقةٍ، قال: "اللَّهُمَّ صَلّ عَلَيْهِمْ" فأتاهُ أبو أوفى بصدقته1، فقال: "اللهم صلى على آلِ أبي أوْفَى". 971- قال الشافعي [في "الأم" 2/ 60] والأصحاب رحمهم الله: الاختيارُ أن يقول آخذ الزكاة لدافعها: آجَرَكَ اللَّهُ فِيما أعطيت، وجعلها لَكَ طَهُوراً، وَبَارَكَ لَكَ فِيما أَبْقَيْتَ. وهذا الدعاء مستحبّ لقابض الزكاة، سواءٌ كان الساعي أو الفقراء، وليس الدعاءُ بواجب على المشهور من مذهبنا ومذهب غيرنا. وقال بعض أصحابنا: إنه واجب لقول الشافعي [2/ 60] : فحقّ على الوالي أن يدعوَ له، ودليلُه ظاهر الأمر في الآية. __________ 1 في نسخة: "بصدقة".

972- قال العلماءُ: ولا يُستحبّ أن يقولَ في الدّعاء: اللَّهُمّ صلي على فلانٍ، والمراد بقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أي: ادْع لهم، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ صَلّ عليهم" فقاله: لكون لفظ الصلاة مختصّاً به، فله أن يُخاطب به مَنْ يشاءُ، بخلافنا نحن. 973- قالوا: وكما لا يقالُ: مُحمدٌ عز وجل، وإن كان عزيزا جليلا، فكذا لا يقالُ: أبو بكر أو عليّ صلى الله عليه وسلم، بل يُقال: عليّ رضي الله عنه، أو رضوان الله عليه، وشبه ذلك، فلو قال: صلى الله عليه وسلم، فالصحيح الذي عليه جمهور أصحابنا أنه مكروه كراهة تنزيه، وقال بعضهم: هو خلافُ الأولى، ولا يقالُ: مكروهٌ. وقال بعضهم: لا يجوزُ، وظاهرةُ التحريمُ، ولا ينبغي أيضاً في غيرِ الأنبياءِ أن يُقالُ: عليه السلامُ، أو نحو ذلكَ، إلا إذا كان خطاباً أو جواباً، فإن الابتداءَ بالسلام سنةٌ، وردهُ واجبٌ، ثم هذا كلهُ في الصلاةِ والسلام على غير الأنبياء مقصوداً. أما إذا جُعل تبعاً، فإنه جائزٌ بلا خلافٍ، فيقالُ: اللهم صلى على محمدٍ، وعلى آله، وأصحابه، وأزواجه، وذرّيته، وأتباعه؛ لأن السَّلفَ لم يمتنعوا من هذا، بل قد أُمرنا به في التشهد وغيره، بخلاف الصلاة عليه منفرداً، وقد قدَّمْتُ ذكرَ هذا الفصل مبوسطًا في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم [الأرقام: 651، 656] .

 243- فصل [حكم النية عند إخراج الزكاة]

974- اعلم أن نيّة الزكاة واجبةٌ، ونيّتها تكون بالقلب كغيرها من العبادات، ويستحبّ أن يضمّ إليه التلفظ باللسان كما في غيرها من العبادات، فإن اقتصر على لفظ اللسان دون النيّة بالقلب، ففي صحته خلافٌ؛ الأصحّ أنه لا يصحّ، ولا يجب على دافع الزكاة إذا نوى أن يقول مع ذلك: هذه زكاةٌ، بل يكفيه الدفع إلى مَن كان من أهلها، ولو تلفظ بذلك لم يضرهُ؛ والله أعلم.

 244- فصل [الدعاء عند إخراج الزكاة]

975- يُستحبّ لمن دفع زكاةً أو صدقةً أو نذراً أو كفّارةً ونحوَ ذلك أن يقول: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] ، فقد أخبرَ الله سبحانهُ وتعالى بذلك عن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم، وعن امرأة عمران. وهو قولها: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران: 35] .

 كتاب أذكار الصّيام:

  بابُ ما يقوله إذا رأى الهلالَ، وما يقولُ إذا رأى القمرَ:

976- روينا في "مسند الدارمي" [2/ 4] ، و"كتاب الترمذي" [رقم: 3451] ، عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهُ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال، قال: "اللَّهُمَّ أهلهُ عَلَيْنا باليمنِ وَالإِيمانِ، وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلامِ، رَبِّي وربك الله [هلالُ رشدٍ وخيرٍ] ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. 977- وروينا في "مسند الدارمي" [2/ 3، 4] ، عن ابن عمر رضي الله عنهما: قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال: "اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ أهلهُ عَلَيْنا بالأمْنِ والإِيْمَانِ، والسَّلامَةِ والإِسلامِ، وَالتَّوْفِيقِ لما يحب ربنا ويرضى، رَبُّنا وَرَبُّكَ اللَّهُ". 978- وروينا في سنن أبي داود [رقم: 5092] ، في كتاب الأدب، عن قتادة، أنه بلغه أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: "هِلالٌ خَيْرٍ ورشدٍ، هلالُ خيرٍ ورشدٍ، هلالُ خيرٍ ورشدٍ، آمنتُ بالله الَّذي خَلَقَكَ" ثَلاث مراتٍ، ثم يقول: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا، وجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا". وفي رواية عن قتادة [رقم: 5093] ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى

الهلال صرف وجهَه عنه، هكذا رواهما أبو دواد مُرسَلَين. وفي بعض نسخ أبي داود، قال أبو داود: ليس في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثٌ مسندٌ صحيحٌ. 979- ورويناهُ في "كتاب ابن السني" [رقم: 647] ، عن أبي سعيدٍ الخدري رضي اللهُ عنهُ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما رؤيةُ القمرِ فروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 653] ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فإذا القمر حين طلع، فقال: "تَعَوَّذِي بالله مِنْ شَرّ هَذَا الغاسقِ إذَا وَقَبَ". 980- وروينا في "حلية الأولياء" [6/ 269] بإسناد فيه ضعفٌ، عن زيادٍ النميري، عن أنس رضي الله عنهُ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في رَجَبَ وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنا رَمَضَانَ". ورويناه أيضاً في "كتاب ابن السني" [رقم: 664] بزيادة. والله أعلم.

 بابُ الأذكارِ المستحبّة في الصَّوْم:

981- يُستحبُّ أن يجمعَ في نيّة الصوم بين القلب واللسان، كما قلنا في غيره من العبادات، فإن اقتصر على القلب كفاهُ، وإن اقتصرَ على اللسان لم يجزئه بلا خلاف. 982- والسُّنّة إذا شتمَه غيرُه، أو تَسَافَه عليه في حال صومه، أن يقول: إني صائمٌ، إني صائمٌ؛ مرتين أو أكثر. 983- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: 1894] ، ومسلم [رقم: 1151] ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنهُ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصِّيَامُ

جنةٌ، فإذَا صامَ أحَدُكُمْ فَلا يَرْفُثْ، ولا يجهل، وَإِنِ امْرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إني صَائِمٌ، إني صَائِمٌ؛ مَرَّتَيْن". قلتُ: قيل: إنه يقول بلسانه، ويُسمع الذي شاتمه، لعلّه ينزجر، وقيل: يقوله بقلبه لينكفّ عن المسافهة، ويحافظ على صيانة صومه، والأوّل أظهر. ومعنى شاتمه: شتمه متعرضاً لمشاتمته؛ والله أعلم. 984- وروينا في كتابي الترمذي [رقم:] 592 وابن ماجه [رقم: 1752] ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُم: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمامُ العادِلُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. قلتُ: هكذا الرواية "حتى" بالتاء المثناة فوق. والله أعلم1. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: كأنه يريدُ الإشارة إلى أنها وردت بلفظ "حين" بدل "حتى" وهو كذلك عند الطبراني [راجع "الجامع الصغير" رقم: 3520 وشرحه "فيض القدير". ["الفتوحات الربانية" 4/ 338] .

 بابُ ما يقولُ عندَ الإِفْطَار:

985- روينا في "سنن أبي داود" [رقم: 2357] ، والنسائي في اليوم والليلة، [رقم: 299] ؛ عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: "ذَهَبَ الظَّمأُ، وابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأجْرُ إِنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى". قلت: الظمأ مهموز الآخر مقصور، وهو: العطش. قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} [التوبة: 120] ، وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهراً، لأني رأيتُ مَن اشتبه عليه، فتوهمه ممدوداً.

986- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: 2358] ، عن معاذ بن زهرةَ، أنهُ بلغهُ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال: "اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلى رِزْقِكَ أفْطَرْتُ" هكذا رواه مرسَلاً. 987- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 470] ، عن معاذ بن زهرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر، قال: "الحمدُ لِلَّهِ الَّذي أعانَنِي فصمتُ، وَرَزَقَنِي فأفطرت". 988- ورويناه في "كتاب ابن السني" [رقم: 481] ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: "اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنا، وَعلى رِزْقِكَ أَفْطَرْنا، فَتَقَبَّلْ مِنَّا، إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ". 989- وروينا في كتابَيْ ابن ماجه [رقم: 1753] وابن السني [رقم: 482] ، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إنَّ للصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً ما تُرَدُّ". 990- قال ابن أبي مُليكة: سمعتُ عبد الله بن عمرو إذا أفطرَ يقول: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء أنْ تَغْفِرَ لي.

 بابُ ما يَقُولُ إذا أفطرَ عندَ قوم:

991- روينا في "سنن أبي داود" [رقم: 3854] وغيره، بالإِسناد الصحيح؛ عن أنس رضي الله عنهُ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة، فجاء بخير وزبيب1، فأكل، ثم قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ طَعَامَكُمُ الأبْرَارُ، وَصَلَّتْ عليكم الملائكة". [وسيرد برقم: 1207] . 992- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: 483] ، عن أنس رضي الله عنهُ، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر عند قومٍ دعا لهم، فقال: "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ" إلى آخره. __________ 1 جاءت بعض الروايات: "بخز وزيت" قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وما أظن الزيت إلا تصحيفًا عن الزبيب". "الفتوحات الربانية" 4/ 343.

  بابُ ما يَدعُو به إذا صَادَفَ ليلةَ القَدْر:

993- روينا بالأسانيد الصحيحة في كتب الترمذي [رقم: 3513] ، والنسائي [رقم: 872] ، في اليوم والليلة وابن ماجه [رقم: 3850] وغيرها، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلتُ يا رسول اللَّه! إن علمتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قُولي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي". قال الترمذي، حديث حسن صحيح. 994- قال أصحابَنا رحمهم الله: يُستحبّ أن يُكثِر فيها من هذا الدعاء، ويُستحبّ قراءةُ القرآن، وسائر الأذكار والدعوات المستحبة في المواطن الشريفة، وقد سبقَ بيانها مجموعةً ومفرّقةً. 995- قال الشافعي رحمه الله: أستحبّ أن يكون اجتهادُه في يومها كاجتهاده في ليلتها. هذا نصّه. 996- ويستحبّ أن يُكثرَ فيها من الدعوات بمهمات المسلمين، فهذا شعارُ الصالحين، ودأب عباد الله العارفين؛ وبالله التوفيق.

 باب الأَذْكَارِ في الاعْتِكَاف:

997- يُستحبّ أن يُكثر فيه من تلاوة القرآن، وغيرِه من الأذكار.

 كتاب أذكار الحجّ

[أذكارِ الحجّ] : 998- اعلم أن أذكار الحجّ ودعواته كثيرةٌ لا تنحصر، ولكن نُشير إلى المهمّ من مقاصدها. والأذكارُ التي فيها على ضربين: أذكار في سفره، وأذكارٌ في نفس الحجّ. فأما التي في سفره، فنؤخرها لنذكرَها في أذكار الأسفار إن شاء الله تعالى. [الكتاب رقم: 286؛ والأرقام: 1102، 1167] . وأما التي في نفس الحج فنذكرُها على ترتيب عمل الحجّ إن شاء اللهُ تعالى، وأحذفُ الأدلة والأحاديث في أكثرها خوفاً من طولِ الكتابِ، وحصول السآمة على مُطالِعِهِ، فإن هذا البابَ طويلٌ جداً، فلهذا أسلكُ فيه طريق الاختصار، إن شاء الله تعالى. 999- فأول ذلك: إذا أراد الإِحرام اغتسل وتوضأ ولبس إزاره ورداءه، وقد قدمنا ما يقوله المتوضئ [الأرقام: 152، 168] والمغتسل [رقم: 169] ، وما يقولُه إذا لبس الثوب [الأرقام: 112، 117] ، ثم يُصلِّي ركعتين، وتقدمت أذكار الصلاة [الأبواب ذات الأرقام: 60، 113] ، ويُستحبّ أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة [سورة] {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثانية [سورة] {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، فإذا فَرغَ من الصلاة

استحبّ أن يدعوَ بما شاء، وتقدَّم ذكرُ جُملٍ من الدعواتِ والأذكار خلفَ الصلوات [الأرقام: 400، 427] ، فإذا أراد الإِحرام نواه بقلبه. ويُستحبُّ أن يساعدَ بلسانه قلبهُ، فيقولُ: نويتُ الحجَّ، وأحرمتُ به لله عز وجل، لبّيك اللَّهمَّ لبّيك.... إلى آخر التلبية. والواجب نيّة القلب، واللفظ سنّة، فلو اقتصرَ على القلب أجزأه، ولو اقتصر على اللسان لم يجزئه. 1000- قال الإِمام أبو الفتح سُليم بن أيوب الرازي: لو قال -يعني بعد هذا: اللَّهمّ لك أحرم نفسي وشعري وبشري ولحمي ودمي؛ كان حسناً. 1001- وقال غيره: يقولُ أيضًا: لبيكَ اللَّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلْك، لا شريك لك؛ هذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم. 1002- ويُستحبّ أن يقولَ في أوّل تلبية يلبّيها: لبّيك اللَّهمّ بحجة، إن كان أحرم بحجة؛ أو لبّيك بعمرةٍ، إن كان أحرم بها؛ ولا يُعيد ذكرَ الحجّ والعمرة فيما يأتي بعد ذلك من التلبية على المذهب الصحيح المختار. 1003- واعلم أن التلبيةَ سنَّة، لو تركها صحّ حجّه وعمرتُه، ولا شيء عليه، لكن فاتته الفضيلةُ العظيمة، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو الصحيح من مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، وقد أوجبها بعضُ أصحابنا، واشترطَها لصحة الحجّ بعضُهم. والصوابُ الأوّل، لكنْ تُستحبّ المحافظة عليها للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وللخروج من الخلاف؛ واللَّهُ أعلم. 1004- وإذا أحرمَ عن غيره، قال: نويتُ الحجَّ وأحرمتُ به لله تعالى عن فلان، لبّيك اللَّهمّ عن فلانٍ؛ إلى آخر ما يقوله مَن يحرمُ عن نفسه.

 253- فصل [من أحكام التلبية]

1005- ويُستحبّ أن يصلِّي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التلبية، وأن يدعوَ لنفسه ولمن أراد بأمور الآخرة والدنيا، ويسألُ الله تعالى رضوانَه والجنّة، ويستعيذُ به من النار، ويُستحبّ الإكثارُ من التلبية، ويستحبّ ذلك في كلّ حالٍ: قائِماً، وقاعداً، وماشياً، وراكباً، ومضطجعاً، ونازلاً، وسائراً، ومُحْدِثاً، وجنُبًا، وحائضاً، وعند تجدّد الأحوال، وتغايرها زماناً ومكاناً وغير ذلك، كإقبال الليل والنهار، وعند الأسحار، واجتماع الرِّفاق، وعند القيام والقعود، والصعود، والهبوط، والركوب والنزول، وأدبار الصَّلواتِ، وفي المساجد كُلها؛ والأصحُّ أنه لا يُلبّي في حال الطواف والسعي؛ لأن لهما أذكاراً مخصوصة، ويُستحبّ أن يرفعَ صوتَه بالتلبية بحيث لا يشقّ عليه، وليس للمرأة رفع الصوت؛ لأن صوتَها يخافُ الافتتانُ به. ويُستحبّ أن يُكرِّر التلبية كل مرةٍ ثلاث مراتٍ فأكثر، ويأتي بها متوالية لا يقطعها بكلامٍ ولا غيره. وإن سلَّم عليه إنسانٌ ردّ السلام، ويكرهُ السلام عليه في هذه الحالة، وإذا رأى شَيْئاً فأعجبهُ قال: لبّيك إن العيشَ عيشُ الآخرة؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم. 1006- واعلم أن التلبية لا تزالُ مستحبةً حتى يرميَ جمرةَ العقبةِ يومَ النحر، أو يطوفَ طوافَ الإفاضةِ إن قدَّمهُ عليها، فإذا بدأ بواحدٍ منهما قطعَ التلبية مع أول شروعه فيه واشتغلَ بالتكبير. قال الإِمام الشافعي رحمه الله: ويُلبّي المعتمرُ حتى يَستلم الركن.

 254- فصل [ما يقول إذا وصل إلى حرم مكة]

1007- إذا وصل المحرمُ إلى حرم مكة -زاده الله شرفاً- أستحبَّ له أن يقولَ: اللَّهُمَّ هَذَا حرمُك وأمْنُكَ فحرِّمني على النارِ، وأمنِّي مِن عَذَابِكَ يَومَ تَبْعَثُ عِبادَكَ، وَاجْعَلْنِي مِن أولِيائِك وَأهْلِ طَاعَتِكَ؛ ويدعُو بما أحب.

 255- فصل [ما يقولُ إذا وقعَ بصرهُ على الكعبة]

1008- فإذا دخل مكة، ووقع بصرهُ على الكعبة، ووصلَ المسجدَ؛ استحبّ له أن يرفع يديه ويدعو؛ فقد جاء أنه يُستجاب دعاءُ المسلمِ عندَ رؤيته الكعبة1، ويقول: اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا البَيْتَ تَشْريفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَمَهَابَةً، وَزِدْ مِن شَرَّفَهُ وكرمه وعظمه مِمَّنْ حَجَّه أو اعْتَمَرَه تَشْرِيفاً وَتَكْرِيماً وَتَعْظِيماً وَبِرّاً. 1009- ويقولُ: اللَّهُمَّ أنْتَ السلامُ، وَمِنْكَ السلامُ، حَيِّنا رَبَّنا بالسَّلامِ؛ ثم يدعو بما شاء من خيراتِ الآخرة والدنيا، ويقولُ عند دُخُولِ المسجدِ ما قدمناهُ في أول الكتاب [الباب رقم: 40] في جميع المساجد. __________ 1 ذكره صاحب "المهذب" من حديث أبي أُمامة، فلم يذكر المصنف في شرحه من خرجه، بل قال: حديثٌ غريبٌ غيرُ ثابت، وهو مخرج من "المعجم الكبير" للطبراني ["مجمع الزوائد" 10/ 155] . ["الفتوحات الربانية" 4/ 359] .

 256- فصل في أذكار الطواف:

1010- يُستحبّ أن يقول عند استلام الحجر الأسود أولاً، وعند ابتداء الطواف أيضًا: "باسم اللَّهِ، واللهُ أكْبَرُ؛ اللَّهُمَّ إيمَاناً بِكَ، وَتَصدِيقاً بِكِتابِكَ، وَوَفاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّباعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم". ويُستحبّ أن يكرِّر هذا الذكر عند محاذاة الحجر الأسود في كل طوفةٍ. 1011- ويقولُ في رملهِ في الأشواطِ الثلاثةِ: اللَّهُمَّ اجعلهُ حَجّاً مَبْرُوراً، وذنْباً مَغْفُوراً، وَسَعْياً مَشْكُوراً. 1012- ويقولُ في الأربعة الباقية من أشواطِ الطواف: اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمْ، إنَّكَ أنْتَ الأعَزُّ الأكْرَم؛ اللَّهُمَّ رَبَّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عَذَابَ النَّارِ.

1013- قال الشافعي رحمهُ الله: أحبُّ ما يُقال في الطواف: "اللَّهُمَّ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً، ... " إلى آخره. 1014- قال: وأُحِبُّ أن يُقال في كله ويُستحبّ أن يدعوَ فيما بين طوافه طوفاته بما أحبّ من دين ودُنيا، لنفسه ولغيره ولو دعا واحدٌ وأمن على دُعائه جماعةٌ فحسنٌ ["الإيجاز في المناسك" للمؤلف صفحة: 45] . 1015- وحُكي عن الحسن البصري رحمه الله، أن الدعاء يُستجاب هناك في خمسة عشر موضعاً: في الطواف، وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصفا، والمروة، وفي المسعى، وخلف المقام، وفي عرفات، وفي المزدلفة، وفي منى، وعند الجمرات الثلاث؛ فمحروم مَن لا يَجتهد في الدعاء فيها1 ["الإيجاز في المناسك" للمؤلف صفحة: 76] . 1016- ومذهب الشافعي وجماهيرُ أصحابه أن يُستحبّ قراءةُ القرآن في الطواف؛ لأنه موضعُ ذكرٍ، وأفضلُ الذكرِ قراءةُ القرآن. واختار أبو عبد الله الحليمي من كبار أصحاب الشافعي أنه لا يُستحبّ قراءةُ القرآن فيه؛ لأنه لو كانت القراءةُ أفضل من الذكر لما عدل النبي صلى الله عليه وسلم عنها، ولو فعل لنقل كما نقل الذكر؛ والصحيحُ هو الأول. 1017- قال أصحابنا: وقراءة القرآن في الطواف أفضلُ من الدعوات غير المأثورة، وأما المأثورةُ فهي أفضل من القراءة على __________ 1 للشيخ محمد سعيد بن عثمان بن محمد شطا المكي رحمه الله، إمام المقام الشافعي والخطيب بالمسجد الحرم، أحد علماء القرن الرابع عشر الهجري، رسالة في "مواطن إجابة الدعاء بمكة المكرمة" تسمى: "مجموع الذخائر المكية في أشرف البقاع الحرمية المدخرة في الكعبة المشرفة لإجابة الأدعية المسنونة المختصة فيها كما وردت الأحاديث في فضلها" حققها الدكتور عبد الله نذير أحمد، ونشرتها دار البشائر الإسلامية ببيروت سنة 1419 هـ = 1998م.

الصحيح1، وقيل: القراءة أفضل منها. 1018- قال الشيخ أبو محمدٍ الجويني رحمه الله: يُستحبّ أن يقرأ في أيام الموسم ختمةً في طوافه، فيعظم أجرها؛ واللهُ أعلمُ. 1019- ويُستحبّ إذا فرغَ من الطواف ومن صلاة ركعتي الطواف أن يدعوَ بما أحبّ، ومن الدعاء المنقول فيه2: اللَّهُمَّ أَنَا عبدُك وَابْنُ عبدكَ، أتيتُك بذُنُوب كثيرةٍ، وأعْمالٍ سَيِّئَةٍ، وَهَذَا مَقَامُ العائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ، فاغْفِرْ لي، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرحيم. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: المأثور يشمل المرفوع والموقوف على الصحابة والتابعين. 2 ذكر في شرح المهذب أن صاحب الحاوي قال: روي عن جابر مرفوعًا. قال الحافظ ابن حجر: ولم أظفر بسنده إلى الآن، وقد ذكره إبراهيم ابن إسحاق الحربي ولم يسق سنده. ["الفتوحات الربانية" 4/ 390] .

 257- فصل في الدعاء في الملتزم:

1020- وهو ما بين [باب] الكعبة والحجر الأسود، وقد قدمنا [رقم: 1015] أنه يُستجاب فيه الدعاء. 1021- ومن الدعوات المأثورة1: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ حَمْداً يُوَافِي نعمك، ويكافئ مَزِيدَكَ، أحْمَدُكَ بِجَمِيعِ مَحَامِدِكَ ما علمتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ على جَمِيعِ نِعَمِكَ ما عَلِمْتُ مِنْها وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَعَلى كُلّ حالٍ؛ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ على محمدٍ وَعَلى آلِ محمدٍ؛ اللَّهُمَّ أعِذنِي مِنَ الشيطانِ الرَّجِيمِ، وأَعِذْني مِنْ كُلِّ سوءٍ، وقَنِّعْنِّي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَبَارِكْ لِي فِيهِ؛ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَكْرَمِ وَفْدِكَ عَلَيْكَ، وألْزِمْنِي سَبِيلَ الاسْتِقَامَةِ حتَّى ألْقاكَ يا رب العالمين. ثم يدعو بما أحب. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: لم أقف له على أضل. ["الفتوحات الربانية" 4/ 391] .

258- فصل في الدعاء في الحِجْر: 1022- بكسر الحاء وإسكان الجيم، وهو محسوب من البيت. قد قدمنا [رقم: 1015] أنه يُستجاب الدعاءُ فيه. 1023- ومن الدعاء المأثورة فيه1: يا رَبّ أتَيْتُكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ مُؤَمِّلاً مَعْرُوفَكَ، فَأنِلْنِي مَعْرُوفاً مِنْ مَعْرُوفِكَ تُغْنِينِي بِهِ عَنْ مَعْرُوفِ مَنْ سِوَاكَ، يا مَعْرُوفاً بالمعروف. __________ 1 قال الحافظ ابن حجر: روينا الأثر المذكور في المنتظم لابن الجوزي، وفي مثير العزم له، بسند ضعيف، عن ملكية بنت المنكدر، أخت محمد بن المنكدر أحد أئمة التابعين. ["الفتوحات الربانية" 4/ 391] .

 259- فصل في الدعاء في البيت:

1024- قد قدّمنا [رقم: 1015] أنه يُستجاب الدعاءُ فيه. 1025- وروينا في "كتاب النسائي" [رقم: 2914] ، عن أسامة بن زيدٍ رضي اللهُ عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخلَ البيتَ أتى ما استقبلَ من دُبر الكعبة، فوضعَ وجهَه وخدّه عليه، وحمِدَ اللَّهَ تَعالى، وأثنى عليه، وسألَه واستغفرَه، ثم انصرفَ إلى كلِّ ركنٍ من أركانِ الكعبةِ، فاستقبلَه بالتكبير والتهليل والتسبيح والثناء على الله عز وجل والمسألة والاستغفار، ثم خرجَ.

 260- فصل في أذكار السعي:

1026- قد تقدم [رقم: 1015] أنه يستجابُ الدعاءُ فيه، والسنةُ أن يُطيل القيام على الصفا، ويستقبل الكعبة، فيُكبّر ويدعو، فيقول: اللَّهُ أكبرُ، اللَّهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، وللهِ الحمدُ، لا إِله إلا الله اللَّهُ أكْبَرُ على ما هَدَانا، والحمدُ لِلَّه على ما أولانا، لا إِلهَ إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ،

يُحْيِي ويميتُ، بِيَدِهِ الخيرُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قديرٌ، لا إِلهَ إِلاَّ الله وحده لا شريك له، أنجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلا نعبد إلا إياه، مُخلصين له الدين ولو كره الكافرون. ثم يدعو بما أحب من أمر الدين والدنيا، وحسنٌ أن يقول: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلت: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وَإِنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ، وإنِّي أسألُكَ كما هَدَيْتِني لِلإِسْلامِ ألا تنتزعه مِنِّي حتَّى تَتَوَفَّاني وأنَا مسلمٌ. ثم يدعو بخيرات الدنيا والآخرة؛ ويكرّر هذا الذكر والدعاء ثلاثَ مراتٍ، ولا يُلبّي ["الإيجاز في المناسك" للمؤلف، صفحة: 49] . وإذا وصل إلى المروة رَقَى عليها، وقال الأذكار والدعواتِ التي قالها على الصفا. 1027- وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه كان يقول على الصفا: اللهم اعصمنا بدينك، وطواعيتك، وطواعية رسولِك صلى الله عليه وسلم، وجنبنا حُدُودك؛ اللَّهُمَّ اجْعَلْنا نُحبك، ونُحِبُّ مَلائِكَتَكَ وأنْبِياءَكَ وَرُسُلَكَ، وَنُحِبُّ عِبادَكَ الصَّالِحِينَ؛ اللَّهُمَّ يَسِّرْنا لليُسْرَى، وَجَنِّبْنا العُسْرَى، واغْفِرْ لَنا في الآخِرَةِ والأولى، وَاجْعَلْنا مِنْ أئمَّةِ المُتَّقِينَ. ويقولُ في ذهابه ورجوعه بين الصفا والمروة: رَبّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتجاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، إنَّكَ أنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ، اللَّهُمَّ آتِنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار ["الإيجاز في المناسك"، صحفة، 44] . 1028- ومن الأدعية المختارة في السعي، وفي كل مكان: "اللَّهُمَّ يا مُقلبَ القلوبِ ثَبِّت قَلْبي على دينك". 1029- اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ،

وَالسَّلامَةَ، مِنْ كُلّ إثْمٍ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلّ بِرٍّ، وَالفَوْزَ بالجَنَّةِ، وَالنَّجاةَ من النار" [تقدم برقم: 962 نحوه، وسيأتي برقم 2012] . 1030- "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الهُدَى، والتُّقَى، وَالعَفَافَ، والغنى" [تقدم برقم: 391، وسيأتي برقم: 1977] . 1031- "اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عبادتك" [تقدم برقم: 413، وسيأتي برقم: 1560] . 1032- "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ، عاجله وآجله، ما علمتُ منهُ وما لَمْ أعْلَمُ؛ وأعوذُ بِكَ مِنَ الشَّرّ كُلِّهِ ما علمتُ منهُ وَمَا لَمْ أعْلَمْ؛ وأسألُكَ الجَنَّةَ، وَما قرَّب إِلَيْها مِنْ قولٍ أوْ عملٍ، وأعوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْها مِنْ قولٍ أو عمل" [وسيأتي برقم: 2011] . 1033- ولو قرأ القرآن كان أفضل [راجع "الإيجاز في المناسك"، [صفحة: 46] . 1034- وينبغي أن يجمع بين هذه الأذكار والدعوات والقرآن، فإن أراد الاقتصار أتى بالمهم.

261- فصل في الأذكار التي يقولها في خروجه 1 من مكة إلى عرفات: 1035- يُستحبّ إذَا خَرَجَ مِنْ مكة متوجهاً إلى مِنىً أن يقول: اللَّهُمَّ إيَّاكَ أرْجُو، وَلَكَ أدْعُو، فَبَلِّغْنِي صَالِحَ أمَلِي، واغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَامْنُنْ عَليَّ بِما مَنَنْتَ بِهِ على أهْلِ طاعَتِكَ، إنَّكَ على كل شيءٍ قدير2. 1036- وإذا سار من مِنىً إلى عَرَفَةَ استُحِبَّ أن يقول: اللَّهُمَّ إلَيْكَ تَوَجَّهتُ، وَوَجْهَكَ الكَرِيمَ أردتُ، فاجْعَلْ ذَنْبِي مَغْفُوراً، وَحَجِّي مَبْرُوراً، وارْحَمْنِي وَلاَ تُخَيِّبْني، إنَّكَ على كل شيء قدير. 1037- ويُلَبِّي ويقرأ القرآن، ويكثرُ من سائر الأذكار والدعوات، ومن قوله: اللَّهُمَّ آتِنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. __________ 1 في نسخة: "عند خروجه". 2 قال الحافظ ابن حجر: لم أره مرفوعاً، ووجدتهُ في كتاب "المناسك" للحافظ أبي إسحاق الحربي، لكنه لم ينسبه لغيره. ["الفتوحات الربانية" 4/ 405] .

 262- فصل في الأذكار والدعوات المستحبّات بعرفات:

1038- قد قدَّمنا في أذكار العيد حديث النبي صلى الله عليه وسلم [برقم: 912] : "خَيْرُ الدُّعاءِ دعاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وخيرُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إله إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" فيُستحبّ الإِكثارُ من هذا الذكر والدعاء، ويَجتهدُ في ذلك، فهذا اليوم أفضلُ أيام السنة للدعاء، وهو معظمُ الحج ومقصودُه والمعوّل عليه، فينبغي أن يستفرغَ الإنسانُ وسعهُ في الذكر والدعاءِ وفي قراءةِ القرآنِ، وأن يدعوَ بأنواع الأدعية، ويأتي بأنواع الأذكار، ويدعو لنفسه، ويذكر في كلّ مكانٍ، ويدعو مُنفردًا، ومع جماعةِ، ويدعو لنفسه ووالديه وأقاربه ومشايخه وأصحابه وأصدقائه وأحبابه، وسائر مَن أحسن إليه وجميع المسلمين؛ وليحذرْ كلَّ الحذرِ من التقصير في ذلك كله، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه، بخلاف غيره، ولا يتكلَّفُ السجعَ في الدعاء، فإنّه يشغلُ القلبَ، ويُذهبُ الانكسار والخضوعَ والافتقار والمسكنة والذلّة والخشوع، ولا بأس بأن يدعو بدعواتٍ محفوظة معه له أو غيره مسجوعةٍ، إذا لم يشتغل بتكلّف ترتيبها ومراعاة إعرابها. والسُّنّة أن يخفضَ صوتَه بالدعاء، ويُكثر من الاستغفار والتلفّظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الاعتقاد بالقلب، ويلحّ في الدعاء ويكرّره؛ ولا يستبطئ الإِجابة، ويفتح دعاءهُ ويختمه بالحمد لله تعالى والثناء عليه

سبحانه وتعالى، والصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليختمهُ بذلك، وليحرص على أن يكون مستقبلَ الكعبة وعلى طهارةٍ. 1039- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: 3520] ، عن علي رضي الله عنهُ، قال: أكثرُ دُعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم عَرَفة في الموقف: "اللَّهُمَّ لَكَ الحمدُ كالذي نقولُ1، وخيراً مما نقولُ، اللَّهُمَّ لَكَ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ ومماتي وإليك مآبي وَلَكَ رَبِّ تُرَاثي، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ، وَشَتاتِ الأمْرِ، اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ ما تجيءُ بهِ الرّيحُ". 1040- ويُستحبّ الإِكثار من التلبية فيما بين ذلك، ومن الصَّلاة والسلامُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن يكثرَ من البكاء مع الذكر والدعاء، فهنالك تُسكبُ العَبَرات، وتستقالُ العثراتُ، وترتجى الطلباتُ، وإنه لموقفٌ عظيم، ومجمعٌ جليلٌ، يجتمعُ فيه خيارُ عِبادِ اللهِ الصالحينَ المخلصينَ، وهو أعظمُ مجامعِ الدنيا. 1041- ومن الأدعية المختارة: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. [تقدم برقم: 666] ، [وسيرد برقم: 1360، 1976] . اللَّهُمَّ إنِّي ظلمتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، فاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْني إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. [تقدم برقم: 388] . اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَغْفِرَةً تُصْلِحْ بِها شأني فِي الدَّارَيْنِ، وارحمني رحمة أسعدُ بِهَا في الدَّارَيْنِ؛ وَتُبْ عليَّ تَوْبَةً نصُوحًا لا أنكُثها أبَداً، وألْزِمْنِي سبيل الاسْتِقَامَةِ لا أَزيغُ عَنْها أبَداً2. اللَّهُمَّ انْقُلْنِي مِنْ ذُلِّ المَعْصِيَةِ إلى عِزَّ الطَّاعَةِ، وأغْنِنِي بحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَبِطاعَتِكَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ، وَبِفَضْلِكَ عمن سواك. [راجع رقم: 692] . وَنَوِّرْ قَلْبِي وَقَبْرِي، وأعِذْنِي مِنَ الشَّرَّ كُلِّهِ، واجمع له الخير كلهُ. __________ 1 في نسخة: "تقول". 2 قال الحافظ: لم أقف عليه مُسندًا. ["الفتوحات الربانية" 5/ 8] .

  263- فصل في الأذكار المستحبّة في الإِفاضة من عَرَفَة إلى مزدلقة:

1042- قد تقدم أنه يُستحبّ الإكثارُ من التلبية في كل مواطنٍ، وهذا من آكدها. ويكثرُ من قراءة القرآنِ ومن الدعاء، ويُستحبّ أن يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر. ويكررُ ذلك، ويقولُ: إِلَيْكَ اللَّهُمَّ أرْغَبُ، وإيَّاكَ أرْجُو، فَتَقَبَّلْ نسُكي، وَوَفِّقْنِي وارْزُقْنِي فيهِ مِنَ الخَيْرِ أكْثَرَ ما أطْلُبُ، وَلا تُخَيِّبْني، إنَّكَ أنْتَ اللَّهُ الجَوَادُ الكَرِيمُ. 1043- وهذه الليلة هي ليلةٌ العيد، وقد تقد