الأصول في شرح ثلاثة الأصول ويليله فوائد نفيسة ()

 

|

 الأصول في شرح ثلاثة الأصول ويليله فوائد نفيسة

عبد الله بن محمد اليحيى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة على ما لا نبيَّ بعده وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فإن كتاب الأصول في شرح ثلاثة الأصول حافلٌ في فنه قابلٌ في أسلوبه وشرحه، وهو أصل العقيدة والدين والناس إليه في دينهم محتاجون، وهو من كتب أهل السنة والجماعة والعقيدة المعروفين الذين سما ذكرهم في العالمين وذكرت في سنده اختصار بعض إسناده اقتداء ببعض العلماء المحققين الذين كانوا يختصرون السند؛ وهم البخاري ومسلم والشيخ ابن كثير وشيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض مشايخ أئمة الدعوة يذكرون أول السند وآخره إذا كان السند معروفًا والكتاب معروفًا، ومن أُسند إليه معروفًا، وسلكت مسلكهم من أجل الاختصار، وهم القدوة ونعم العلماء الفحول الخيار رحمهم الله أجمعين وسلك بنا وبهم الصراط المستقيم، إنه جواد كريم, وقد اجتهدت في جمعه وحرصت على تأليفه وضبطه، والتوفيق بيد الله، هو الموفق والهادي، وإن كان صواب فمن الله بتوفيقه، وإن كان فيه خطأ أو زلة فالمعصوم من عصمه الله، ونسأله جل وعلا التوفيق والإعانة؛ إنه جواد كريم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.


بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب الأصول في شـرح ثلاثة الأصول

الحمد لله الذي جعل في كل زمان وفترة من يجدد هذا الدين ويدعو لما دعا به سيد المرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهذه نعمة من الله على خلقه كما هو سابق ولاحق، وآخرهم الشيخ محمد بن عبد الوهَّاب أجزل الله له الأجر والثواب، ولا يزال هذا الدين بحفظ رب العالمين؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة حتى يأتي أمر الله تعالى».

فالشيخ محمد هو الإمام المجدد والعالم المحقق ولد عام ألف ومائة وخمسة عشر في بلد العيينة، وتوفى عام ألف ومائتين وست سنوات هجرية، وقام الشيخ بدعوة في هذا الدين الخالص من شوائب الشرك والبدع، وشمَّر عن ساعد الجد والاجتهاد يدعو بالحجة وبالدليل من القرآن وسنة سيد الأنام محمد - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة والموعظة الحسنة، وناصره على ذلك محمد بن سعود ساعدهم الله بالعز والتمكين ونصْرِ الدين، أولهم وآخرهم، وجعلهم صالحين ونصرة لهذا الدين، ووفقهم لحفظ الإسلام وقمع من خالف هدي سيد المرسلين، آمين؛ إنه جواد كريم.

وكانت دعوة الشيخ محمد زمامها القرآن وسنة سيد الأنام، ويحميها آل سعود بالسيف والسنان حتى انتشر التوحيد في كثير من البلدان، فرجع أهلها إلى دين الإسلام وسلامة العقيدة بعدما استحوذ عليهم الشيطان وأخرجهم الشيخ من الشرك وشُبَهِ الزائغين والمنحرفين، وانتشرت دعوة الشيخ إلى كثير من الأنام، فجدد رحمه الله ما اندرس من معالم الدين ودعا الناس إلى ما نسوه من التوحيد بعد تراكم البدع والجهالات، وما زالت هذه الدعوة في مزيد وانتشار على رغم من خالفها من أهل الشقاق والعناد.

وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود مجاهدين صابرين صادقين في الله بلسانهما وسنانهما، وكان الشيخ يقضي وقته في تدريس العلم والقرآن وفي إصلاح الدين والقيام في مصالح المسلمين من الإفتاء والقضاء والرد على شبهات المشبهين ونحل المبطلين والمعاندين، وكان للشيخ كتبه ورسائله ومؤلفاته توضح عن ذلك في بيان التوحيد والدعوة إليه وتفنيد ما وقع به الكثير من شبه وخرافات وثنية وبدع ما أنزل الله بها من سلطان، وكان الشيخ آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وكان يكاتب أهل البلدان ويكاتبونه، وكان سخيًّا كريمًا، وكان كما قال الشيخ حسن بن غنام:

وجرت به نجد ذيول افتخارها

وحُق لها بالألمعي ترفع

فأما نسبه؛ أي الشيخ، فهو الإمام العالم والقدوة البارع محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف، ولد رحمه الله سنة خمس عشرة بعد المائة والألف من الهجرة النبوية في بلد العيينة من أرض نجد.

ونشأ بها وقرأ القرآن بها حتى حفظ القرآن وأتقنه قبل بلوغه العشر، وكان حاد الفهم سريع الإدراك والحفظ يتعجب أهله من فطنته وذكائه وحفظه للقرآن، ثم اشتغل في طلب العلم وإدراك بعض الإرب، وكان سريع الكتابة ربما كتب الكراسة في المجلس الواحد.

قال أخوه سليمان: كان والده يتعجب من فهمه وذكائه ويعترف له بذلك ويستفيد منه مع صغر سنه، ووالده هو مفتي تلك البلاد، وجده مفتي البلاد النجدية، وآثار الشيخ محمد وتصنيفه وفتاواه تدل على علمه وفقهه، وكان جده إليه المرجع في الفقه والفتوى، وكان جده معاصرًا للشيخ منصور البهوتي الحنبلي خادم المذهب.

وبعد بلوغ الشيخ محمد سن الاحتلام قدَّمه والده في الصلاة لمَّا رآه أهلاً للائتمام، ثم طلب الشيخ من والده الحج إلى بيت الله الحرام فأجابه لذلك المقصد والمرام، وبادر الشيخ إلى قضاء فريضة الإسلام وأداء المناسك على التمام، ثم قصد المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأقام فيها قريبًا من شهرين، ثم رجع إلى وطنه قرير العين واشتغل في الفقه على مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

ثم بعد ذلك رحل يطلب العلم وذاق حلاوة التحصيل والفهم وزاحم العلماء الكبار، ورحل إلى البصرة والحجاز مرارًا واجتمع بمن فيها من العلماء والمشايخ الأخيار ثم إلى الإحساء، وهي آنذاك آهلة بالمشايخ والعلماء، فسمع وناظر وبحث واستفاد وساعدته الأقدار الربانية بالتوفيق والإمداد، وروى عن جماعة منهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المديني وساقه وأجازه من طريقين، وأول ما سمع منه الحديث المسلسل بالأولية في كتاب السماع بالسند المتصل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». وسمع منه المسلسل للحنابلة بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أراد الله بعبده خيرًا استعمله قالوا كيف يستعمله قال يوفقه لعمل صالح قبل موته». وهذا الحديث من ثلاثيات أحمد رحمه الله.

وطالت إقامة الشيخ محمد ورحلته بالبصرة وقرأ بها كثيرًا من الحديث والفقه والعربية وكتب من الحديث والفقه واللغة ما شاء الله في تلك الأوقات، وكان يدعو إلى التوحيد ويظهره بين الناس ويدعو إليه الكثير ممن يخالطه ومع مجالسيه، ويظهر ما عنده من العلم وما لديه، وكان يقول: إن الدعوة كلها لله من جميع أنواع العبادات لا يجوز صرف شيء منها إلى غير الله وحده لا شريك له، ولم يزل على ذلك رحمه الله.

ثم رجع إلى وطنه فوجد والده قد انتقل إلى بلدة حريملا فاستقر معه فيها يدعو إلى السنة المحمدية ويبديها ويناصح من خرج عنها ويفشيها، حتى رفع الله شأنه ورفع ذكره ووضع له القبول، وشهد له بالفضل ذووه من أهل المعقول والمنقول وصنف كتابه المشهور في التوحيد وأعلن بالدعوة إلى صراط العزيز الحميد وقرأ عليه هذا الكتاب المفيد، وسمعه كثير ممن لديه من طالب ومستفيد وشاع نسخه في البلاد، وطار ذكره بين العباد والأنجاد، وفاز بصحبته واستفاد من جرد القصد لله وسلم من الأَشَر والبغي والفساد والعناد، وكثر - بحمد الله - محبوه من أهل الإيمان وصار معه عصابة من فحول الرجال وأهل السمة الحسن والكمال يسلكون معه الطريق ويجاهدن كل فاسق وزنديق، وكان أهل مصره وعصره في تلك الأزمان قد اشتد فيهم غربة الإسلام وعفت بينهم آثار الدين، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية وسفت عليها السوافي وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية وانطمست أعلام الشريعة المحمدية في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن، وشب عليه الصغير وهرم عليه الكبير وهو لا يعرف الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان وما تلقوه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة عندهم مطموسة، ونصوص التنزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة مهضومة، وطريقة الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

وأدلة ما دعا إليه الشيخ محمد رحمه الله من التوحيد في الكتاب والسنة أظهر شيء وأبينه، اقرأ كتاب الله من أوله إلى آخره تجد بيان التوحيد والأمر به وبيان الشرك والنهي عنه مقررًا في كل سورة، يعلم ذلك من له بصيرة ومبدأ؛ ففي فاتحة الكتاب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نوعا توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وفي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ النوعان: قصر العبادة والاستعانة على الله عز وجل؛ أي لا نعبد غيرك ولا نستعين إلا بك، ثم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ فأمرهم بتوحيد الألوهية واستدل عليهم بالربوبية ونهاهم عن الشرك به وأمرهم بخلع الأنداد التي يعبدها المشركون من دون الله، وافتتح سبحانه وتعالى كثيرًا من سور القرآن بهذا التوحيد؛ كقوله تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾... إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ. ..﴾ الآية؛ أي هو المألوه المعبود في السموات والمألوه المعبود في الأرض، وفي هذه السورة من أدلة التوحيد ما لا يحصر، وفيها من بيان الشرك والنهي عنه كذلك، يعلمه من نور الله ببصيرته والله أعلم.

وقد عرف الشيخ محمد بن عبد الوهاب واشتهر واستفاض عنه مِن تعليمه وتقاريره ومراسلاته ومصنفاته المسموعة والمقروءة عليه وما كتبه بخطه وعرف به واشتهر من أمره ودعوته وما عليه الفضلاء من أصحابه وتلامذته على ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الدين أهل التوحيد والفقه والفتوى في العلم في معرفة الله وإثبات صفاته وكماله ونعوت جلاله التي نطق بها الكتاب العزيز وصحت بها الأخبار النبوية وتلقاها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقبول والتسليم يثبتونها لله ويؤمنون بها ويأمرون بها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وقد درج عليها الصحابة والتابعون وأهل العلم والإيمان من سلف الأمة؛ كسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وكمجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح والحسن وابن سيرين والشعبي وأمثالهم، وكعلي بن الحسين وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن مسلم الزهري ومالك بن أنس وابن أبي ذئب، وكحماد بن سلمة وحماد بن زيد والفضيل بن عياض وابن المبارك وأبي حنيفة والنعمان بن ثابت والشافعي وأحمد وإسحاق والبخاري ومسلم ونظرائهم من أهل الفقه والأثر؛ لم يخالف هذا الشيخ ما قالوه ولم يخرج عما دعوا إليه واعتقدوه – رحمهم الله أجمعين. انتهى من الدرر السنية.

وقال أيضًا: إذا أمر الله العبد بأمر وجب عليه؛ فيه سبع مراتب:

الأولى: العلم به.

الثانية: محبته.

الثالثة: العزم على الفعل.

الرابعة: العمل.

الخامسة: كونه يقع المشروع خالصًا لله صوابًا على السنة.

السادسة: التحذير على من فعل ما يحبطه.

السابعة: الثبات عليه.

إذا عرف الإنسان أن الله أمر بالتوحيد ونهى عن الشرك، وعرف أن الله أحل البيع وحرم الربا، وعرف أن الله حرم أكل مال اليتيم وأحل لوليه أن يأكل بالمعروف إن كان فقيرًا؛ حينئذ يجب عليه أن يعلم المأمور به ويسأل عنه إلى أن يعرفه، ويعلم المنهي عنه ويسأل عنه إلى أن يعرفه ويحذر من الجهل ومن الوقوع فيه.

المرتبة الثانية: محبة ما أنزل الله والعمل به والحكم بكفر من كرهه لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ فأكثر الناس لم يحب الرسول؛ بل أبغضه وأبغض ما جاء به أو بغضه ولو عرف أن الله أنزله.

المرتبة الثالثة: العزم على الفعل وكثير من الناس عرف وأحب ولكن لم يعزم خوفًا من تغير دنياه أو نقصها.

المرتبة الرابعة: العمل بما جاء به الرسول وكثير من الناس إذا عزم وعمل وتبين له من يعْظُمُه من شيوخ أو غيرهم ترك العمل.

المرتبة الخامسة: أن كثيرًا مما يعمل لا يقع خالصًا؛ فإن وقع خالصًا لم يقع صوابًا على السنة.

المرتبة السادسة: أن الصالحين يخافون من حبوط العمل؛ لقوله تعالى: ﴿أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾، وهذا من الخوف من سوء الخاتمة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن منكم من يعمل بعمل أهل الجنة ويختم له بعمل أهل النار وبضده».

وهذا أيضًا من أعظم ما يخاف منه الصالحون، وهو قليل في زماننا، والله الموفق.

 فتفكر في حال الذي تعرف من الناس في هذا الزمان وغيره يدلك على شيء كثير تجهله، والله أعلم. انتهى من الدرر السنية.

* * * وقال الشيخ في الدرر السنية على قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه...﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾: قيل إنها آخر آية نزلت وفسرها نبي الله - صلى الله عليه وسلم - الإسلام لجبريل عليه السلام، وبناه على خمسة أركان، وتضمن كل ركن علمًا وعملاً فرضًا على كل ذكر وأنثى، وحرًّا وعبدًا؛ لقوله - أي الشيخ: لا ينبغي لأحد يقدم على شيء حتى يعلم حكم الله فيه، وأعلم أن أهمها وأُولاها الشهادتان وما تضمنتاه من النفي والإثبات من حق الله على عبيده ومن حق الرسالة على الأمة؛ فإن بان لك شيء من ذلك وارتعت وعرفت ما الناس فيه من الجهل والغفلة والإعراض عما خُلِقُوا له، وعرفت ما هم عليه من دين الجاهلية وما معهم من الدين النبوي، وعرفت أنهم بنوا دينهم على ألفاظ وأفعال أدركوا عليها أسلافهم نشأ عليها الصغير وهرم عليها الكبير، ويؤيد ذلك أن الولد إذا بلغ عشر سنين غسلوا له أهله وعلموه ألفاظ الصلاة، ولا له خبرة في العقيدة وحيا على ذلك ومات عليه - أتظن من كان حاله كذلك هل شم لدين الإسلام الموروث عن محمد - صلى الله عليه وسلم - شيئًا؛ فما ظنك به إذا وضعوه في قبر وأتاه الملكان وسألاه عن ربه ودينه ونبيه؛ الله أعلم بما يجيب: هاها، لا أدري. سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته. وما ظنك إذا وقف بين يدي الله وسأله: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ بماذا يجيب؟! رزقنا الله وإياكم علمًا نبويًّا وعملًا خالصًا في الدنيا ويوم نلقاه، آمين.

فانظر يا رجل حالك وحال أهل هذا الزمان والمكان وما جاز عندهم ودانوا به، وما لا فلا؛ فأنت وذاك، فإن كانت نفسك عليك عزيزة فلا ترضى لها بالهلاك فانتبه لما تضمنته أركان الإسلام من العلم والعمل خصوصًا بالشهادتين من النفي والإثبات؛ وذلك ثابت في كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ قيل أن أول آية نزلت قوله تعالى ﴿اقرأ﴾، و: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾؛ قف عندهم ثم قف ترى العجب العجاب ويتبين لك ما أضاع الناس من أصل الدين، وكذلك قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً...﴾ الآية وكذلك قوله: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾، وغير ذلك من النصوص الدالة على حقيقة التوحيد الذي هو مضمون ما تقدم.

والشيخ محمد هو الذي قرأ التوحيد وثلاثة الأصول وصنَّفها، انظر توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات والولاء والبراء، وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي بعث به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولكن قف عند هذه الألفاظ وانظر ما تضمنته من العلم والعمل تعلم معنى لا إله إلا الله، وكذلك محاسن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتعلم حقًّا أنهم على الحق الواضح كلهم والكف عن ذكر مساويهم وما شجر بينهم؛ فمن سب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أحدًا منهم أو تنقصهم أو طعن عليهم أو عرَّض بغيبتهم أو عاب أحدًا منهم، فهو مبتدع رافضيٌّ خبيث لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا؛ بل حبهم سنة، والدعاء لهم والترضي عنهم قربة، والاقتداء بهم وحبهم سنة والأخذ بآثارهم فضيلة، وأفضل الأمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر ثم عمر الفاروق ثم عثمان ثم علي، وفي عثمان وعلي خلاف بتقديم، وهم الخلفاء الراشدون المهديون، ثم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص؛ فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه؛ فإن تاب قبل منه وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يتوب أو يرجع عن قوله، ونعرف للعرب حقها وسابقتها وفضلها ونحبهم؛ لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حب العرب من الإيمان وبغضهم نفاق». انتهى من الدرر.

وقول الشيخ محمد في الأصول الثلاثة – رحمه الله – هذا أولها:


(اعلم - رحمك الله - أنه يجب علينا تعلُّم أربع مسائل: الأولى العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.

الثانية: العمل به. الثالثة: الدعوة إليه. الرابعة: الصبر على الأذى فيه).

الشـرح

 وقوله - رحمه الله: (اعلم): افهم واعقل ما تقرأ ويلقى عليك من أمر دينك، وهو الأصل العظيم النافع.

 وقوله: (رحمك الله): هذا دعاء لك من هذا العلم الناصح يدعو لك - أي الطالب للعلم - بالرحمة والرشد والهداية، ما النصح للمسلمين رحمه الله.

 وقول الشيخ: (أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل): وهذا متعين على كل أحد النصح، وبيانه من الواجب، وعلى أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، واجب على كل مسلم ذكرًا أو أنثى حرًّا وعبدًا، ولا يعذر أحد بتركه في أمر دينه؛ مثل معرفة لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ثم الصلاة وما يتعلَّق بها من وضوء وشرطه، وأركان الصلاة، وواجباتها ومُبطلاتها، وما يلحق الصلاة من سهوٍ وغيره، ومثل الزكاة والصوم والحج، وما يلزم من أمر الدين وتزيد النساء؛ مثل الحيض والنفاس والاستحاضة وجميع أمر العبادة كلها؛ قال تعالى: ﴿فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال». والعي الجهل، وشفاؤه سؤال العلماء ولا يعذر أحد في جهل دينه مع وجود العلماء؛ لأن الله أنزل الكتب وأرسل الرسل وأقام الحجة على الخلق، وتركنا - صلى الله عليه وسلم - على المحجة البيضاء ليلها كنهارها كالشمس في نحر الظهيرة، لا يزيغ عنها إلا هالك.

وقول الشيخ: (الأولى العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة): قلت: أي العلم: هو كما قال تعالى: ﴿أنزله بعلمه﴾، وهو العلم الذي عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؛ أي بما أنزل على محمد؛ وهو القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلًا من حكيم حميد، وقوله تعالى: ﴿أنزله بعلمه﴾ وهو العلم الذي عليه النبي وأصحابه؛ أي: بما أنزل على محمد وهو القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وقوله تعالى: ﴿أنزله بعلمه﴾: أي بعلمه الذي أوحاه إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - من البينات والهدى والفرقان؛ أي من الفرق بين الحق والباطل، وما يحبه الله ويرضاه وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة وأسمائه التي لا يعلمها أحد إلا بما أخبر تعالى بها، أو أخبر بها نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ قال تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾، وقال تعالى: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾. انتهى من: ابن كثير.

وقال في مجموعة الحديث: ومن فضل العلم والحرص على طلبه والمشي في طلب العلم، ويروى: أن الله سبحانه أوحى إلى داود عليه السلام أن خذ عصا من حديد ونعلين من حديد وامش في طلب العلم حتى تنخرق النعلان وتنكسر العصا. وفيه دليل على خدمة العلماء وملازمتهم والسفر إليهم ومجالستهم والحرص على اكتساب العلم منهم؛ قال تعالى حاكيًا عن موسى عليه السلام: ﴿هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا﴾.

 واعلم أن هذا الحديث له شرائط: منها العمل بما يعلمه، قال أنس – رضي الله عنه -: «العلماء همتهم الرعاية والسفهاء همتهم الرواية». قال في العلم: «مواعظ الواعظ لن تقبل حتى يعيها قلبه أولاً، يا قوم من أظلم من واعظ خالف ما قد قاله في الملأ، أظهر بين الخلق إحسانه، وخالف الرحمن لما خلا».

 ومن شرائط العلم نشره؛ قال تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم...﴾ الآية، وروى عن أنس – رضي الله عنه – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: «ألا أخبركم عن أجود الأجود؟ ». قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الله أجود الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي رجل علم علمًا فنشره يبعث يوم القيامة أمة وحدَه، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله حتى قتل».

ومن شرائطه ترك المباهات والممارات، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من طلب العلم لأربعة دخل النار؛ ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يأخذ به الأموال أو يصرف به وجوه الناس إليه»، فهذا شرط ومن شرائطه الاحتساب في نشره وترك البخل به؛ قال الله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا...﴾ الآية.

ومن شرائطه ترك الأنفة والتكبر من قول لا أدري؛ قال - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن الساعة: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». وسئل عن الروح فقال: «لا أدري» ومن شرائطه التواضع، قال الله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ الآية.

قال - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: «يا أبا ذر احفظ وصية نبيك عسى أن ينفعك الله بها، تواضع لله عز وجل عسى الله أن يرفعك يوم القيامة».

ومن شرائطه احتمال الأذى في بذل النصيحة والاقتداء بالسلف الصالح في ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك...﴾ الآية. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت».

ومن شرائطه أن يقصد بعلمه من كان أحوج إلى التعليم كما يقصد بالصدقة بالمال الأحوج فالأحوج؛ فمن أحيا جاهلاً بتعليم العلم فكأنما أحيا الناس جميعًا ومما قيل في تنبيه الغافل ورده إلى طاعة الله شعرا:

من رد عبدًا أبقى شاردًا

عفا عن الذنب له الغافر

ومن فضل العلم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إلا نزلت عليهم السكينة»: هي "فَعَلَتْ" من السكون؛ أي الطمأنينية من الله تعالى... إلى آخر الحديث. قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، وكفى بذكر الله شرفًا؛ فذكر الله للعبد في الملأ الأعلى أعلى من ذكر العبد لله». انتهى من مجموعة الحديث.

وقال بعضهم:

وساعة الذكر فأعلم ثروة وغنى

وساعة اللهو إفلاس وفاقات

وقال الشيخ عبد اللطيف: أما كيفية طلب العلم ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذًا إلى اليمن فقال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه... » الحديث: فيه بيان الكيفية والبداءة بالأهم فالأهم من واجبات الإيمان وأركان الإسلام، وينتقل من درجة إلى درجة؛ من الأعلى إلى ما دونه ثم بعد ذلك يتعلم ما يجب عليه من حقوق الإسلام بخلاف ما يفعله بعض الطلبة من الاشتغال بالفروع والذيول، وفي كلام شيخ الإسلام محمد رحمه الله: "من ضيع الأصول حُرم الوصول ومن ترك الدليل ضل السبيل". ومن السبب في تحصيل العلم؛ فلا أعلم سببًا أعظم وأنفع وأقرب في تحصيل المقصود من التقوى؛ قال تعالى: ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا...﴾ الآية، وفي الأثر: "من عمل بما علم أورثه الله علمَ ما لم يعلم". قال الشافعي:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال اعلم بأن العلم نور

ونور الله لا يؤتاه عاص

ومن الأسباب الموجبة لتحصيل العلم الحرص والاجتهاد؛ قال الله تعالى: ﴿ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم...﴾ الآية، ومنها إصلاح النية وإرادة وجه الله تعالى والدار الآخرة؛ فإن النية عليها مدار الأعمال ولا يتم أمر ولا تحصيل علم ولا عمل إلا بصلاح القصد والنية.

وهناك أسباب أخرى تذكر في الكتب المؤلفة في آداب العلم والتعلم ليس هذا محل بسطها، وقال أيضًا فيما كتبه لبعض إخوانه يحرضه على العلم فقال: "وما تيسر لك من الكتب المفيدة الشرعية فخذ بها، جعلك الله من وعاة العلم ورواته الفائزين بحسن ثوابه ومرضاته؛ فإياك إياك والبطالة والإهمال والاشتغال بتحصيل عرض من الدنيا ومال، وقد قيل في المثل: «ومن خَطَب الحسناء لم يغله المهر». والله المستعان. انتهى كلام الشيخ عبد اللطيف من الدرر.

وقال الشيخ حمد بن عتيق في الدرر - رحمه الله: "العلم يحفظ بأمرين: تذكر وفهم ورغبة، وأحدهما للعمل يحصل به المقصود؛ فمن عمل بما علم حفظ الله عليه علمه وأثابه علمًا آخر ما يعرفه؛ لأن التعطيل ينسي التحصيل؛ فإذا عمل الإنسان بعلمه بأن حافظ على فرائض الله ولازم السنن الرواتب والوتر وتلاوة القرآن والاستغفار بالأسحار وعزَّر نفسه ساعة يجلسها في المسجد للذِّكر، وأحسن ما يكون بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس؛ فقد تسبب للعمل بعلمه، وكذلك يجتنب مجالس اللغو والغفلة وأهل الغيبة والنميمة وساقط الكلام، ويحفظ لسانه مما لا يعنيه، ثم يقبل على تذكر العلم وقيده بالكتابة، والحرص على تحصيل الكتب المفيدة أعظم من حرص أهل التمروقة الجذاذ، وأعظم من حرص أهل العيش على جمعه وقت الحصاد؛ فهذا يسمى طالب علم، وهو على سبيل نجاة إذا كان مخلصًا في ذلك لله، وأكثر علامات ذلك أن يكون له حال يتميز بها عن الناس حتى تعرفه، وتميزه بانفراده عن الناس، إلا من دخل معه على طريقه، وأما إذا تسمى الإنسان بالقراءة فإذا تأملت حاله إذا هو مثل حالهم، ولا محافظة على ذلك؛ فقد نام جميع ليله وجميع نهاره وصار له مع كل الناس مخالطةٌ، وليس هناك إلا أنه بعض المرات يأخذ الكتاب ويقرأ في المجلس، ولو سألته عن بابه الذي قرأه ما عرفه، ولو طلبت منه مسألة مما يقرأ لم يجب عنها، وربع ريال أحب عنده من كتابين، قد خلا منه المسجد وامتلأت منه مجالس الغفلة، وعطل لسانه من الذكر وسؤاله في الخوض في أحوال الناس وما يجرى بينهم وتعرف دنياهم؛ فهذا من العلم النافع بعيد ولا يفيد، ولا يستفيد، ومن حكمة الرب سبحانه أن مثل هذا لا يوفق، وأدلة هذه الأمور في كتاب الله وسنة رسوله.

وكلام سلف الأمة وأئمتها كثيرٌ معروف، ومن تأمل أحوال العالم وجد ما يشهد لذلك؛ فتجد من يشب ويشيب وهو يقرأ ولم يحصل شيئًا من العلم؛ لمانع قام به وحائل من نفسه لا من ربه ﴿فلا يظلم ربك أحدًا﴾، حكمة بالغة فما تغني النذر.

وقال أيضًا: وأوصيك بالحرص على تعلُّم العلم وتعليمه الموروث من كتاب الله وسنة رسوله، ثم اعلم أن ذلك لن ينال إلا على جسر من التعب والمشقة تحت ظلم الليل، وذلك بشيئين: شيء في أول الليل وشيء في آخره؛ فالذي في أوله إدامة المطالعة والحفظ لذلك والذي في آخره الوقوف في مواقف الابتهال والانطراح بين يدي ذي العزة والجلال والتضرع بالأسحار وتلاوة القرآن بالتدبير والتفكير؛ فهذا عنوان السعادة وسمة أهل الولاية والزهادة، اللهم ألحقنا بآثارهم.

وقال الشيخ ابن سحمان:

تعلم ففي العلم الشريف فوائد

يحن لها القلب السليم الموفق

فمنهن رضوان الإله وجنة

وفوز وعز دائم متحقق

وعن زمرة الجهال إن كنت صادقًا

بعلمك تنجو يا أخي وتسمق

فكن طالبًا للعلم إن كنت حازمًا

وإياك أن رمت الهدى تتفوق

ففي العلم ما تهواه من كل مطلب

وطالبه بالنور والحق يشرق

فإن رمت جاها وارتفاعًا ورتبة

ففي العلم ما تهدى له ويشوق

وإن رمت مالا كان في العلم كسبه

ففز بالرضا واختر لما هو أوفق

وأحسن في الدارين عقبى ورفعة

فبادر فإني صادق ومصدق

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله

ويوم اللقا نار تلظى وتحرق

انتهى من الدرر.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن لبعض إخوانه من طلبة العلم: "الذي أوصيكم به جميعًا ونفسي تقوى الله والإخلاص لوجه الله الكريم في طلب العلم وغيره من الأعمال لتفوزوا بالأجر العظيم، وليحذر كل عاقل أن يطلب العلم للممارات والمباهات؛ فإن في ذلك خطرًا عظيمًا، ومن ذلك طلب العلم لغرض الدنيا والجاه والترؤس بين أهلها وطلب المحمدة، وذلك هو الخسران العظيم، ولو لم يكن في الزجر عن ذلك إلا قول الله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾، وفي حديث أنس مرفوعًا: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليجاري به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه» فهو في النار، وهذا القدر كاف في النصيحة، وفقنا الله وإياكم لحسن القبول. من الدرر. قال بعضهم:

فلا تسأم من العلم واسهر لنيله

بلا ضجر تحمد سرى السير في غد

ولا يذهبن العمر منك سبهللا

ولا تغبنن في النعمتين بل اجتهد

آخر العلم قال الله قال رسوله

قال الصحابة ليس خلف فيه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة

بين الرسول وبين رأي فقيه

وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: "وانشر العلم الذي تفهم سواء كان في أصل الدين أو في فروعه واحرص على تعليم الناس ما أوجب الله عليهم من أصول الدين وهي العقيدة في دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وكرر القراءة عليهم في نسخ الأصول والتوحيد خصوصًا مختصرات الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وكذلك السِّير واحرص على تعليم العامة أصل دين الإسلام ومعرفة أدلته ولا تكتف بالتعليم؛ بل اسألهم واجعل لهم وقتًا تسألهم فيه عن أصل دينهم ولا تغفل عن استحضار النية؛ فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى والله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا؛ فالصواب ما وافق سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والخالص ما أريد به وجه الله؛ قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾".

قال بعضهم:

قد هيؤوك لأمر لو فطنت له

فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

وقال الشيخ محمد: (وهو معرفة الله): أي معرفة الله علم على الرب تبارك وتعالى، يقال إنه الاسم الأعظم؛ لأنه وصف له، ويوصف بجميع الصفات، لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وقوله تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وغير ذلك في القرآن كثير، والأسماء الباقية كلها صفات له تعالى؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة». وجاء تعدادها في رواية الترمذي وابن ماجه وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان، وقد ذكر الرازي في تفسيره عن بعضهم: إن لله خمسة آلاف اسم، ألف في الكتاب والسنة الصحيحة وألف في التوراة وألف في الإنجيل وألف في الزبور وألف في اللوح المحفوظ، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ...﴾ الآية وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾؛ أي الصمد الذي لم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا يلد ويموت، وليس شيء يموت إلا يورث، والله عز وجل حي لا يموت ولا يورث.

 ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: أي لم يكن له شبيه ولا عديل وليس كمثله شيء وهو القادر على كل شيء، وهو القاهر لكل شيء. انتهى من تفسير ابن كثير.

 وقال أيضًا: "﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يعني: هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا نديد، ولا شبيه، ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله عز وجل؛ لأنه الكامل في جميع صفاته، وأفعاله".

 ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾: قال عكرمة عن ابن عباس: "يعني الذي يصمد إليه الخلائق في أحوالهم وحوائجهم ومسائلهم". وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "هو السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في جميع أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفاته لا تنبغي إلا له، ليس له كفوٌ، وليس كمثله شيء، سبحانه هو الله الواحد القهار".

 وقال مالك عن زيد بن أسلم: "«الصمد» السيد". وقال الحسن وقتادة: "هو الباقي بعد خلقه". وقال الحسن أيضًا: "«الصمد» الحي القيوم الذي لا زوال له". انتهى من ابن كثير.

وقول الشيخ محمد: (ومعرفة نبيه): وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم. وهاشم من قريش، وقريش من كنانة، وكنانة من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، وإسماعيل من نسل إبراهيم، وإبراهيم من ذرية نوح عليهم الصلاة والسلام، عمره ثلاث وستون سنة، بلده مكة، أقام فيها قبل النبوة أربعين سنة، وبعدها نبئ، وأقام في مكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، وهاجر إلى المدينة وأقام فيها بعد الهجرة عشر سنين، وبعدها توفي ودفن فيها صلوات الله وسلامه عليه نبئ بـ"اقرأ" وأرسل بـ"المدثر"، والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾.

 ومعنى ﴿قم فأنذر﴾: ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد.

 ﴿وربك فكبر﴾: أي عظِّمه بالتوحيد.

 ﴿وثيابك فطهر﴾: أي طهر عملك عن الشرك.

 ﴿والرجز فاهجر﴾: الرجز: الأصنام وهجرها وتركها والبراءة منها وأهلها، أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد وبعد العشر عرج به إلى السماء وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعد لما اشتد عليه أذى المشركين أمر بالهجرة إلى المدينة، والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة، ويأتي بيان ذلك إن شاء الله.

 ومن الدليل على رسالته - صلى الله عليه وسلم - هذا القرآن الذي عجزت جميع الخلائق أن يأتوا بسورة من مثله؛ فلم يستطيعوا ذلك مع فصاحتهم وحذاقتهم وشدة عداوتهم له ولمن اتبعه، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.

وقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.

وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وهذه الآيات تدل على أنه نبي وأنه خاتم الأنبياء، وأول الرسل نوح عليه السلام, وآخرهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو أفضلهم، وما من أمة من الأمم إلا بعث الله فيها رسولاً، يأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ...﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وأعظم ما أمروا به توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له وإخلاص العبادة له، وأعظم ما نهوا عنه الشرك في العبادة. انتهى. الدرر السنية.

وأما صفته - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان ربعة ليس بالطويل ولا القصير، أزهر اللون، رجل شعر الرأس، أدعج العينين، وكان - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس وأصدقهم لهجة، وأكرمهم عشيرة، وبعث لأربعين من عمره، فنزل الملك عليه بحراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، وبقي ثلاث سنين يستتر بالنبوة، ثم أنزل الله عليه: فاصدع بما تؤمر. أي: فأعلن الدعوة. ولقي الشدائد من قومه وهو صابر.

 وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا يئسوا لواء الحمد بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر». قال الأنباري: أراد: ألا أتبجح بهذه الأوصاف لكن أقولها شكرًا أو تنبيهًا على إنعام ربي علي، وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه بها عشر صلوات وحَطَّ عنه عشر خطيئات».

وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن لله عز وجل في الأرض ملائكة سياحين يبلِّغوني عن أمتي الصلاة والسلام علي»... إلى آخره، فالحمد لله الذي جعلنا من أمته، وحشرنا الله وإياكم على كتابه وسنة رسوله. انتهى من التبصرة.

 وقوله: (ومعرفة دين الإسلام بالأدلة): من الكتاب والسنة؛ لأنه هو الأصل: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، يقول تعالى منكرًا على من أراد دينًا غير دين الله الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله - وهو عبادة الله وحده لا شريك له الذي له أسلم من في السموات والأرض؛ أي استسلم له من فيها طوعًا وكرهًا - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا...﴾ الآية.

وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرهًا، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخاف ولا يمانع، وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية.

 قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾: أي من في السموات الملائكة ومن في الأرض؛ فمن ولد على الإسلام، وأما كرهًا فمن أتى به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون.

وقد ورد في الصحيح: «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في سلاسل». وسيأتي له شاهد من وجه آخر، وعن مجاهد عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا...﴾ الآية، قال: حين أخذ الميثاق، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾: أي يوم المعاد سيجازي كلا بعمله... إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ...﴾ الآية؛ أي من سلك طريقًا سوى ما شرعه الله فلن يقبل منه، ﴿وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»".

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عباد بن راشد حدثنا الحسن حدثنا أبو هريرة إذ ذاك ونحن بالمدينة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول يا رب أنا الصلاة فيقول إنك على خير وتجيء الصدقة فتقول يا رب أنا الصدقة فيقول إنك على خير ثم يجيء الصيام فيقول يا رب أنا الصيام فيقول إنك على خير ثم تجيء الأعمال كل ذلك يقول إنك على خير ثم يجيء الإسلام فيقول يا رب أنت السلام وأنا الإسلام فيقول الله إنك على خير بك اليوم آخذ وبك أعطى قال الله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ». تفرَّد به أحمد.

وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. ..﴾ الآية: يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام الذي هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها؛ فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، وفي الحديث: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم»، وفي الحديث: «إن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية والنصرانية والمجوسية والوثنية وغيرهم من الأديان الباطلة». انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾: يعني لله؛ أي يخلص دينه لله ويفوض أمره إلى الله، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: أي في عمله لله، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾؛ أي اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه. انتهى.

* * *


فصـل

 قال الشيخ رحمه الله:

 (الثانية: العمل به.

الثالثة: الدعوة إليه.

الرابعة: الصبر على الأذى فيه".

 والدليل قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾).

 وقال البغوي: قال ابن عباس: أقسم الله بالعصر وهو الدهر لأن الله يقسم بما شاء لأن فيه عبرة للناظرين، وقيل: معناه: ورب العصر. وكذلك في أمثاله، وقال ابن كيسان: أراد بالعصر الليل والنهار. وقال الحسن: من بعد زوال الشمس إلى غروبها.

 وقوله: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾: أي خسران ونقصان. قيل: أراد به الكافر. بدليل أنه استثنى المؤمنين، والخسران ذهاب رأس المال والإنسان في هلاك نفسه وعمره بالمعاصي وهما أكبر رأس ماله في حياته وبعده، ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ فإنهم ليسوا في خسران، ﴿وتواصوا﴾: أوصى بعضهم بعضًا ﴿بالحق﴾؛ أي القرآن؛ قاله حسن وقتادة، وقال مقاتل: بالإيمان والتوحيد، ﴿وتواصوا بالصبر﴾: على أداء الفرائض وإقامة أمر الله، وروى ابن عوف عن إبراهيم قال: أراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم في نقص وتراجع إلا المؤمنين؛ فإنهم تكتب لهم أجورهم ومحاسن أعمالهم التي كانوا يفعلونها في شبابهم وصحتهم، وهذه نعمة ولله الحمد. انتهى من البغوي.

 وقال في الدرر السنية: "وكتب رجل لأخيه: يكفيك لطلب العلم سورة العصر؛ فإنها كما قال الشافعي: لو فكر الناس فيها لكفتهم. فوقع في يد الشيخ عبد اللطيف فكتب: أعلم أن قول الشافعي – رحمه الله تعالى – فيه دلالة ظاهرة على وجوب طلب العلم مع القدرة في أي مكان، ومن استدل به على ترك الرحلة والاكتفاء بمجرد التفكير في هذه السورة فهو خليُّ الذهن من تحصيل الأرباح ووقع في زمن الشقاء والخسران للمعرضين الضالين، وطلب العلم ومعرفته ما قصد به العبد من الخطاب الشرعي أفضل الأرباح وعنوان الفلاح، والإعراض عن ذلك علامة الإفلاس والإبلاس؛ فلا ينبغي للعاقل العارف أن يضيع أوقات عمره وساعات دهره إلا في طلب العلم النافع والميراث المحمود النبوي".

وقوله: ﴿إن الإنسان﴾: تنبيه على أن الجنس كله كذلك إلا من استثنى، وهذا يوجب الهرب والفرار إلى الله بمعرفته وتوحيده والإنابة إليه، ومتى حصل هذا للعبد ربح، وفي قوله: ﴿لفي خسر﴾ تنبيه على عدم اختصاص خسره بنوع دون نوع؛ بل هو قد تَوَجَّه إليه الخسران بحذافيره من جميع جهاته إلا من استثنى الله، وهذا يدخل في المستثنى من زهد في العلم، وآثر وطنه وأهله على الميراث النبوي وتجرع كأس الجهل طول حياته حتى آل من أمره أنه يستدل على ترك الطلب للعلم بالدليل على وجوب الطلب، وفي قوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ ما يوجب الجد والاجتهاد في معرفة الإيمان والتزامه لينجو من الخسار ويلتحق بالأبرار والأخيار، وقد اختلف الناس في الإيمان ومسمَّاه، ولا سبيل إلى معرفة مراد الله به وما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله في ذلك إلا بطلب العلم النافع ومعرفة ما عليه سلف الأمة وأئمتها، ثم له شعب وحقائق وأصول وفروع لا تعرف إلا بطلب العلم وبذل الجهد والتشمير عن ساق الاجتهاد.

 ومن آثر الوطن والرفاهية، فإنه كثير من ذلك أو أكثر بل ربما فاته كله نعوذ بالله، ولذلك تجد من يرغب عن طلب العلم، وعمدته في هذه المباحث تقليد المشايخ والآباء وما كان عليه أهل محلته، وهذا لا يمكن في باب الإيمان ومعرفته، ولو كنت تدري ما قلت لم تبده.

 وفي قوله ﴿وعملوا الصالحات﴾: حث وحض على طلب العلم، وطلبه: أي العلم النافع؛ لأن العمل بغير علم وبصيرة ليس من عمله على طلائل؛ بل ربما جاءه الهلاك والآفة من جهة عمله؛ كالحاطب في ظَلْماء والسالك في عمياء، ولا سبيل إلى العمل إلا بالعلم النافع وبصيرته.

 وقوله: ﴿وتواصوا بالحق﴾: محتاج مريده وفاعله إلى العلم النافع وحاجته وضرورته ظاهرة؛ لأن الحكم على الشيء بكونه حقًّا يتوقف على الدليل والبرهان، وإذا كانت في الحق للاستغراق فالأمر أعم وأجل وأشمل، وأما الصبر فمعرفة حَدِّه وتعريفه ومعرفة حكمه وجوبًا واستحبابًا ومعرفة أنواعه وأقسامه ومحله من الإيمان - من أهم ما يجب على العبد ويلزمه. انتهى من الدرر.

وقال سعد بن عتيق:

نور الشريعة يهدي قلب ملتمس

للحق من ساطع الأنوار مقتبس

والجهل والصرف عن نهج الهدى كفلا

لا شك للشخص بالخذلان والفلس

وبالشقا والردى والبعد عن سبل

تفضي إلى جنة المأوى بملتمس

فخذ بنص من التنزيل أو سنن

جاءت عن المصطفى الهادي بلا لبس

وسنة الخلفاء الراشدين فهم

أكرم بهم لمريد الحق من قبس

فإن خير الأمور السالفات على

نهج الهدى والهدى يبدو لمقتبس

والشر في بدع في الدين منكرة

تحلو لدى كل أعمى القلب منتكس

فاصفح للحق واردد ما سواه على

أربابه من أخي نطق وذي خرس

فصـل

قال الشيخ رحمه الله:

 (وقال البخاري رحمه الله: باب العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾؛ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل).

شـرح

قوله: (فبدأ بالعلم): بأن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإنما وَرَّثوا العلم، وأن مراده بيان تقدم العلم على القول والعمل شرفًا ورتبة؛ من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقًا يطلب به علمًا سَهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وقال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من يرد الله به خيرًا يفقهه ويفهمه في الدين وإنما العلم بالتعلم». وقال أبو ذر: "لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفِّذ كلمة سمعتُها من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها". وقال ابن عباس: "كونوا ربانيين حلماء فقهاء". ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا. انتهى من البخاري.

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "ينبغي للمعلم أن يعلم الإنسان على قدر فهمه؛ فإن كان ممن يقرأ القرآن أو عرف أنه ذكي، فيعلم أصل الدين وأدلته والشرك وأدلته ويقرأ عليه القرآن ويجتهد أنه يفهم القرآن فَهْمَ قلب، وإن كان رجلاً متوسطًا ذكر له بعض هذا، وإن كان مثل غالب الناس ضعيف الفهم فيصرح له بحق الله على العبيد مثل ما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ ويصف له حقوق الخلق؛ مثل حق المسلم على المسلم وحق الأرحام وحق الوالدين، وأعظم من ذلك حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأَفْرَضُه شهادتك له أنه رسول الله وأنه خاتم النبيين، وتعلم أنك لو ترفع واحدًا من الصحابة في منزلة النبوة صرت كافرًا؛ فإذا فُهم هذا فقل: حق الله عليك أعظم وأعظم. فإذا سئل عن حق الله فاذكر له أنك تعبده ولا تصير مثل بعض الجاهلين الذين لا همة لهم في الدين، وأيضًا تخلص له العبادات، لا تكون مثل من يدعوه ويدعو غيره أو يذبح له ولغيره أو يتوكل عليه وعلى غيره، وكل العبادات كذلك وتعرِّفه أن من أخل بهذا حرمت عليه الجنة ومأواه النار، ولو قدرنا أنه ما يشرك فإذا عرف التوحيد ولا عمل به ولا أحبه وأبغض فيه ما دخل الجنة، ولو ما أشرك؛ لأن فائدة ترك الشرك تصحيح التوحيد، ومن أعظم ما تنبه عليه التضرع عند الله والنصيحة وإحضار القلب في الدعاء دائمًا، وفي الصلاة إذا صلى والله أعلم، اللهم اهدنا بهداك ووفِّقْنا لرضاك، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

* * *


فصـل

قال الشيخ رحمه الله:

(اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلُّم هذه ثلاث المسائل والعمل بهن).

شـرح

وهذا من الواجب، والذي ما يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا من المتعين على كل إنسان من المسلمين من ذكور وإناث، مثل أول شيء معرفة التوحيد لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم الصلاة وما يجب فيها من الطمأنينة والقيام بحقوقها وأركانها وشروطها وواجباتها، وما يلزمه من شروط الوضوء وفروضه ونواقضه، وكذلك مبطلات الصلاة ثم الزكاة إن كان من أهلها - من بلوغ الحول وقدر النصاب ومعرفة صرفها كما أمر الله تعالى - ثم الصيام وحكمه، وأنه متى كان الإطلاق لزمه الصيام ومعرفة المفطرات في الصيام وصونه عن الغيبة والنميمة وقول الفحش وقبحه، ثم الحج - وهو الركن الخامس - وأنه مرة في عمر الإنسان لمن استطاع إليه سبيلًا، ومعرفة ما يفعله ويجتنبه إن كان بمعرفة الدليل من الكتاب والسنة؛ وإلا فليسألوا العلماء؛ قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال». العي: الجهل، وشفاؤه سؤال العلماء، وهذا لا يعذر أحد بجهله، وكذلك النساء تزيد مما ذكر في مسائل الحيض والنفاس والاستحاضة؛ إما بمعرفة أو سؤال العلماء الموثوق بهم، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك». حيث بلَّغ الأمة ونصح.

* * *

(الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً بل أرسل إلينا رسولاً فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.

 والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾).

الشـرح

 قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: ﴿أخذًا وبيلاً﴾: أي شديدًا؛ فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول فيصيبكم ما أصاب فرعون؛ حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى﴾، وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم رسولكم؛ لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران، وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾.

 وحكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود: فكيف تخافون أيها الناس يومًا يجعل الولدان شيبا إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به؛ أي كيف يحصل لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم؛ أي كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم بيوم القيامة وجحدتموه؛ أي من شدة أهواله وزلازله وبلابله؛ وذلك حين يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. فقال: من كلٍّ؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي عن قوله تعالى: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾: أي شديدًا ثقيلاً؛ يعني: عاقبناه عقوبة غليظة يخوف كفار مكة. ﴿فكيف تتقون إن كفرتم﴾: أي كيف لكم بالتقوى يوم القيامة إذ كفرتم في الدنيا؛ يعني: لا سبيل لكم إلى التقوى إذا وافيتم يوم القيامة. وقيل: معناه كيف تنجون منه إذا كفرتم ﴿يوما يجعل الولدان شيبا﴾: أي شمطًا من هوله وشدته؛ وذلك حين يقال لآدم: قم فابعث بعث النار من ذريتك. ثم وصف هول ذلك اليوم. انتهى من البغوي.

وقال في الدرر: ولما أراد سبحانه إظهار توحيده وإكمال دينه وأن تكون كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى من بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - وحبيب رب العالمين وما زال في كل جيل مشهورًا، وفي توراة موسى وإنجيل عيسى مذكورًا، إلى أن أخرج الله تلك الدرة بين بني كنانة وبني زهرة فأرسله على حين فترة من الرسل وهداه إلى أقوم السبل، فكان له - صلى الله عليه وسلم - من الآيات والدلالات على نبوته قبل مبعثه ما يعجز أهل عصره؛ فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى من أرض الشام»، وولد - صلى الله عليه وسلم - ليلة الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل... " إلى أن قال:

 "والدليل على أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العقل والنقل؛ أما النقل فواضح، وأما العقل فنبه عليه القرآن، من ذلك: ما ترك الله خلقه بلا أمر ولا نهي، ولا يناسب في حق الله؛ بل من حكمته أرسل الرسل وأنزل الكتب وأقام الحجة على الحق؛ منهم من هداه الله ومنهم من حقت عليه الضلالة، ونبه عليه في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى...﴾ الآية، إلى قوله: وهي أعظم الآيات العقلية هذا القرآن الذي تحداهم الله بسورة من مثله، ونحن إن لم نعلم وجه ذلك من جهة العربية فنحن نعلمها من معرفتنا بشدة عداوة أهل الأرض له؛ علمائهم وفصحائهم، وتكريره هذا أو استعجازهم به، ولم يتعرضوا لذلك على شدة حرصهم على تكذيبه وإدخال الشبه على الناس، ومنها تمام ما ذكرنا وهو إخباره سبحانه أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسورة مثله إلى يوم القيامة، فكان كما ذكر مع كثرة أعدائه في كل عصر وما أعطوا من الفصاحة والكمال والعلوم، ومنها نصرة من اتبعه ولو كانوا أضعف الناس، ومنها خذلان من عاداه وعقوبته في الدنيا ولو كانوا أكثر الناس وأقواهم، ومنها أنه رجل أمي لا يخط ولا يقرأ الخط ولا أخذ عن العلماء؛ بل وحي من الله، ولا ادعى ذلك أحد من أعدائه مع كثرة كذبهم وبهتانهم، ومع هذا أتى بالعلم الذي في الكتب الأولى كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. انتهى من الدرر السنية.

* * * فصـل

قال الشيخ رحمه الله:

(الثانية: إن الله لا يرضى أن يُشرك معه أحدٌ في عبادته؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل.

 والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾).

شـرح

قال تعالى آمرًا عباده أن يوحدوه في جميع عبادته، ولا يدعى معه أحد ولا يشرك به؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. و"أحد" نكرة تعم كل أحد. وقال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يوحدوه وحده.

 وقال ابن عباس: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا بيت المقدس. وقال الأعمش: قالت الجن: يا رسول الله ائذن لنا فنشهد معك الصلوات في مسجدك. فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾: أي يقول: صلوا لا تخالطوا الناس. انتهى من ابن كثير.

وقال في الدرر: فيا رجل ألق سمعك لما فرض الله عليك، خصوصًا الشهادتين وما تضمنتا من النفي والإثبات، ولا تغتر باللفظ والفطرة وما كان عليه أهل الزمان والمكان فتهلك؛ فاعلم أن أهم ما فرض الله على العباد هو معرفة أن الله ربُّ كل شيء ومليكه ومدبره بإرادته وحكمته، فإذا عرفت هذا فانظر ما حق مَنْ هذه صفاته عليك بالعبودية بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء والتوكل والدعاء والنذر والذبح والتأله المتضمن للذل والخضوع لأمره ونهيه، وذلك قبل فرض الصلاة والزكاة، ولذلك يعرِّف عباده بتقرير ربوبيته ليرتقوا بها إلى معرفة إلاهيته التي هي مجموع عبادته على مراده نفيًا وإثباتًا علمًا وعملاً جملة وتفصيلاً، وأن الله لما أرسل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق، وأن أول كلمة أرسله الله بها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، ومعنى قوله فأنذر: الإنذار عن الشرك بالله. وكانوا يجعلونه دينًا يتقربون به إلى الله تعالى مع أنهم يفعلون من الظلم والفواحش ما لا يحصى ويعلمون أنه معصية لله؛ فمن فهم فهمًا جيدًا أن الله أمره بالإنذار عن دينهم الذي يتقربون به إلى الله قبل الإنذار عن الزنا ونكاح الأمهات والأخوات، ومن عرف الشرك الذي يفعلونه رأى العجب العجاب خصوصًا أن عُرِفَ أنَّ شركهم دون شرك كثير من الناس اليوم، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لما أنذرهم عن الشرك أمرهم بالتوحيد الذي هو إخلاص الدين لله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾: يعني عظِّمه بالإخلاص، وليس المراد تكبير الأذان وغيره؛ فإنه لم يشرع إلا في المدينة؛ فإذا عرف الإنسان أن ترك الشرك لا ينفع إلا إذا لبس ثوب الإخلاص، وفهم الإخلاص فهمًا جيدًا، وعرف ما عليه كثير من الناس من ظنهم أن ترك دعوة الصالحين نقْصٌ لهم؛ كما قالت النصارى: إن محمدًا يشتم عيسى؛ لما ذكر أنه عبد الله ورسوله، ليس يُعْبَدُ مع الله تعالى؛ فمن فهم هذا عرف غربة الإسلام.

وأيضًا أن تحظر بقلبك أن الله سبحانه لم يرسل الرسول إلا ليصدق ويتبع، ولم يرسله ليكذب ويعصى، فإذا تأملت إقرار من يدعي أنه من العلماء بالتوحيد وأنه دين الله ورسله، لكن من فهم هذا فهمًا جيدًا انفتح له معرفة قدر التوحيد عند الله عز وجل وقدر الشرك، ولكن إن عرفت هذا فنعما لك؛ أعني المعرفة التامة كما تعرف أن القطرة من البول تنقض الوضوء الكامل إذا خرجت ولو بغير اختيارك لوجدت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار.

* * *


فصـل

قال الشيخ - رحمه الله:

(الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب.

والدليل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾).

شـرح

أي: لا يوادُّون المحادين لله ورسوله ولو كانوا من الأقربين كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ...﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ. ..﴾ الآية.

قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله﴾: الآية في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة رضي الله عنهم: (ولو كان أبو عبيدة حيًّا لاستخلفته).

 وقيل في قوله تعالى: ﴿ولو كانوا آباءهم﴾: نزلت في أبي عبيدة عندما قتل أباه يوم بدر كما تقدم.

 ﴿أو أبناءهم﴾: في الصِّدِّيق هَمَّ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن.

 ﴿أو إخوانهم﴾: في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ.

 ﴿أو عشيرتهم﴾: في عمر قتل قريبًا له يومئذ أيضًا، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ. فالله أعلم.

ومن هذا القَبيل حين استشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين في أسارى بدر فأشار الصديق بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم، وقال عمر: "لا أرى ما الرأي يا رسول الله، هل تمكنني من فلان - قريب لعمر – فأقتله، وتمكن عليًّا من عقيل وتمكن فلانًا من فلان؛ ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا مودَّة للمشركين... " إلى آخره.

 وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾: أي من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان؛ أي كتب الله له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته.

 وقال السدي: ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾: أي جعل في قلوبهم الإيمان. كذا قال ابن عباس؛ أي قواهم الله.

 وقوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ...﴾ الآية: هذا سر بديع؛ وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم.

 وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أي هؤلاء حزب الله، أي عباد الله وأهل كرامته، وهذا تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة، ضد ما ذكر عن أولئك بأنهم حزب الشيطان، ثم قال: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: مخبرًا عن الكفار المعاندين المحادين لله ورسوله؛ يعني الذين هم في حدود الشرع في حد؛ أي مجانبون للحق مشاقون له؛ هم في ناحية والهدى في ناحية؛ أي في الأشقياء المبعدين المطرودين عن الصواب الأذلين في الدنيا والآخرة، نعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه، وكتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: اعلم أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله تعالى على أيدي أوليائه لأوليائه، وأنهم الخامل ذكرهم الخفية شخوصهم، ولقد جاءت صفتهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفقدوا، وإذا حضروا لم يدعوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة؛ فهؤلاء أولياء الله تعالى: ﴿أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون﴾، وقال الحسن: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدًا ولا نعمة فإني وجدت فيما أوحيته إليَّ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. ..﴾ الآية». انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...﴾ الآية: أخبر أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكفار، وأن من كان مؤمنًا لا يوالي من كفر وإن كان من عشيرته. انتهى من البغوي.

وقال في الدرر: " والمقصود أن كل خير ونصر وعز وسرور حصل فهو بسبب متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتقديم أمره في الفروع والأصول، وقد من الله عليكم في هذه الأوقات بما لم يعط سواكم في غالب البلاد والجهاد من النعم الدينية والدنيوية والأمن في الأوطان، فاذكروا الله يذكركم واشكروا نعمه يزدكم.

 وقوله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: أي بمعرفة الله ومحبته وطاعته وتعظيمه وتعليم أصول الدين وتعظيم ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأمر والنهي والتزامه والمحافظة على توحيد الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك الفواحش الباطنة والظاهرة وسد الوسائل التي توقع في المحذور وتفضي إلى ارتكاب الآثام والشرور والأحاديث النبوية هي المبيِّنة للأحكام القرآنية وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله في باب معرفة حدود ما أنزل الله؛ كمعرفة المؤمن والكافر والمشرك والموحد والفاجر والبر والظالم والتقي وما يراد بالموالاة والتولي، وأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله.

 وقد جرى كما ترى من أناس يقرؤون القرآن ويدعون أنهم من أتباع الرسول، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الضلال بعد الهدى ومن الغي بعد الرشاد؛ لأنهم بعد الاستقامة رجعوا القهقرى وصار سيرهم إلى وراء وغفلوا عن القرآن وسنة المصطفى وعكفوا على الملاهي والغناء وعدموا تجريد متابعة الرسول في الأصول، وكثير منهم يدعي العلم والدين ولو تكلم على أحد منهم - بل أنكر عليه - لعد عندهم من البله والمجانين، فهل ترى فوق هذا غاية في غربة الحق والدين، فعليك بالجد والاجتهاد في معرفة الإيمان وقبوله وإيثاره والتواصي به؛ لعلك أن تنجو من شرك هذا الشرك والتعطيل الذي طبق الأرض إلا القليل وهلك به أكثر الخلق جيلاً بعد جيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل. انتهى من الدرر.

ثم افهم فواتح سور القرآن بهذا التوحيد منها ومن زعم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يبين للأمة ما يراد من هذا الكتاب والسنة وما يعتقدونه في ربهم فهو من أضل الناس وأجهلهم؛ بل هذا محال شرعًا وعقلاً كيف يبين كل شيء حتى الخرأة ويدع أصل الأصول ملتبسًا لا يبينه ولا يعلمه أمته؛ يجيء بعض الخلف في هذا الزمان يبينون للأمة العقيدة الصحيحة والرسول وأصحابه قد أعرضوا عن ذلك ولم يبينوه، سبحانك هذا بهتان عظيم فقد علمت كلام الصادق المصدوق فلا يكون قول الغير في نفسك أعظم من كلام الله سبحانه وكلام نبيك؛ فما حجتك يوم القيامة؟ ! أعد للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا؛ قال عمر رضي الله عنه في بعض خطبه: "لتسألُنَّ عن الرسول ومن أرسله وما جاء به وما قد قال".

 وفي بعض الآثار كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين؟

ويكفيك الميزان السويّ العادل في كل فعل وقول صدر من الناس؛ وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وهذا الحديث أصل من أصول الدين فمن تأمل ما في مطاويه وتفهم أصوله ومعانيه ومبانيه استوحش من كثير من أفعال لم يشرعها الله ورسوله من بعض الخلق، فإذا كان كل عمل ليس عليه أمره - صلى الله عليه وسلم - فهو مردود على صاحبه لا يقبله الله تبين لك غربة الدين وظهور البدع والمحدثات، وقد أخبر أنها تقع بعده خلوف يفعلون ما لا يؤمرون؛ أفتظن أنه كان فبان وسلمت منه هذه الأزمان؟! أتظن أن كلام الصادق المصدوق لا يوجد مصداقه ولا يسلم من المحدثات إلا من وُفِّق للكتاب والسنة وجعلهما الميزان لمن حسن عمله وزان العلماء يجري عليهم الخطأ والصواب وليسوا بمعصومين، ومن أحسن الظن بهم من دون نظر في الكتاب والسنة هلك. انتهى من الدرر.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين واجعلنا من أنصار دينك يا رب العالمين، اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك، اللهم نور على أهل القبور من المسلمين قبورهم، اللهم أصلح الأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم أصلح إمام المسلمين واجعله ناصر الدين وارزقه البطانة الصالحة يا رب العالمين، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض وزد نبينا صلاةً وتسليمًا، آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، اللهم صل على محمد وآله وصحبه أجمعين.

فصـل

قال الشيخ - رحمه الله:

(اعلم - أرشدك الله لطاعته - أن الحنيفية ملة إبراهيم؛ أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ومعنى يعبدون: يوحدونني، وأعظم ما أمر الله به التوحيد وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾).

شـرح

قوله: (اعلم أرشدك الله لطاعته):

هذا دعاء من الشيخ للطالب المسترشد يدعو له بالهداية وأن الله يرشده، وهذا يدل على نصحه وشفقته وحرصه على العلم وتعليمه.

 (إن الحنيفية ملة إبراهيم): إبراهيم الخليل إمام الحنفاء ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين ومن اليهودية والنصرانية فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾، قال ابن كثير: أما الأمة فهو الإمام الذي يقتدى به، والقانت هو الخاشع المطيع والحنيف المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، قال سفيان الثوري وساقه عن ابن مسعود: الأمة القانت، فقال: الأمة معلم الخير، والقانت المطيع لله ورسوله.

وعن مالك قال: "قال ابن عمر: الأمة الذي يعلم الناس دينهم". وقال الأعمش عن يحيى عن ابن العبيديين: إنه جاء إلى عبد الله فقال من نسأل إذا لم نسألك؟! فكأنَّ ابن مسعود رَقَّ له، فقال: أخبرني عن الأمة. فقال: الذي يعلم الناس الخير. وقال مجاهد: " كان إبراهيم أمة: أي مؤمنًا وحده والناس كلهم إذا ذاك كفار ". وقال قتادة: كان إمام هدى، والقانت المطيع لله، وقوله: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾: أي قائمًا بشكر نعم الله عليه، كقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: أي قام بجميع ما أمره الله تعالى به، وقوله: ﴿اجْتَبَاهُ﴾: أي اختاره واصطفاه؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرعٍ مرضيٍّ، وقوله: ﴿وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: أي: جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إمكان حياته الطيبة، ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾: أي: ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ كقوله في الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾: قال ابن مسعود: الأمة معلم الخير؛ أي كان معلم الخير يأتم به أهل الدنيا وقد اجتمع فيه من الخصال الحميدة ما اجتمع في أمة. قال مجاهد: كان مؤمنًا وحده والناس كلهم كفار. قال قتادة: ليس من أهل دين إلا يتولونه ويرضونه. ﴿قانتًا لله﴾ مطيعًا. وقيل: قائمًا بأوامر الله تعالى، ﴿حنيفًا﴾: مستقيمًا على دين الإسلام وقيل مخلصًا، ﴿ولم يك من المشركين شاكرًا لأنعمه اجتباه﴾: أي اختاره ﴿وهداه إلى صراط مستقيم﴾: أي إلى دين الحق ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة﴾: يعني الرسالة والخلة. وقيل: لسان الصدق والثناء الحسن. وقال مقاتل ابن حيان: يعني الصلاة عليه في قول هذه الأمة: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم" وقيل: أولادًا أبرارًا على الكبر. وقيل: القبول العام في جميع الأمم. ﴿وأنه في الآخرة لمن الصالحين﴾: مع آبائه الصالحين في الجنة. ثم أوحينا إليك يا محمد ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ حاجًّا مسلمًا ﴿وما كان من المشركين﴾، وقال أهل الأصول: كان - صلى الله عليه وسلم - مأمورًا بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ في شريعته وما لم ينسخ صار شرعًا. انتهى من البغوي.

وقال في تيسير العزيز الحميد على قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين﴾: مناسبة الآية أن الله وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجة تحقيق التوحيد ترغيبًا في اتباعه في التوحيد وتحقيق العبودية باتباع الأوامر وترك النواهي؛ فمن اتبعه في ذلك فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وأيضًا أنه كان أمة: أي قدوة وإمامًا معلمًا للخير وإمامًا يُقتدى به.

 وروى عن ابن مسعود: وما كان كذلك إلا لتكمله مقام الصبر واليقين اللذين بهما الإمامة تُنال في الدين؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا...﴾ الآية، وقوله: ﴿ما كان من المشركين﴾: أي موحد خالص من شوائب الشرك مطلقًا فنفي عنه الشرك على أبلغ وجوه النفي بحيث لا ينسب إليه شرك وإن قل؛ تكذيبًا لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام.

 وقال المصنف على هذه الآية ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾: "لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين. ﴿قانتًا لله﴾ لا للملوك ولا للتجار المترفين ﴿حنيفًا﴾ لا يميل يمينًا ولا شمالاً كفعل العلماء المفتونين. ﴿ولم يك من المشركين﴾ خلافًا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين".

 قلت: وهو من أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية، لكنه ينبه بالأدنى على الأعلى، وقوله "لئلا يستوحش": تنبيه على بعض معنى الآية وهو المنفرد وحده في الخير. انتهى كلام الشيخ سليمان.

وقال ابن كثير على قوله تعالى: "وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها".

وقوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، ولهذا قال: ﴿حُنَفَاءَ﴾؛ أي: مجتنبين عن الشرك إلى التوحيد؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقد تقدم تفسير الحنيف. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وهي أشرف عبادات البدن، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج، ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: أي الملة القائمة العادلة أو الأمة المستقيمة المعتدلة. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي: "قال ابن عباس: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بإخلاص العبادة لله موحدين، ﴿حنفاء﴾ مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، ﴿ويقيموا الصلاة﴾ المكتوبة في أوقاتها ﴿ويؤتوا الزكاة﴾ عند محلها ﴿وذلك﴾ لذا أمروا به ﴿دين القيمة﴾ أي الملة الشريعة المستقيمة، أضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف اللفظين وأنَّث القيمة ردًّا إلى الملة الشريعة، وقيل: الهاء فيه للمبالغة، وقيل: القيمة وهي الكتب التي جرى ذكرها: أي وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. انتهى من البغوي.

وقال ابن كثير: "﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾: أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم. وقال علي عن ابن عباس: إلا ليعبدون: أي ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا. وهذا اختيار ابن جرير، وقال جريج: إلا ليعرفون. وقال الربيع ابن أنس: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾: أي: إلا للعبادة طوعًا وكرهًا. وهذا اختيار ابن جرير. وقال السدي: من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك. وقال الضحاك: أراد بذلك المؤمنين". انتهى ابن كثير.

وقال البغوي: "﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾: قال الكلبي والضحاك وسفيان: هذا خاص لأهل طاعته من الفريقين. يدل عليه قراءة ابن عباس: وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون. ثم قال الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ...﴾ الآية". وقال بعضهم: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي والأشقياء منهم إلا لمعصيتي. وهذا معنى قول زيد بن أسلم: فهم على ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إلا ليعبدون أي: إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم لعبادتي. يؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾. وقال مجاهد: إلا ليعرفوني. وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده؛ دليله قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.

 وقيل: معناه: إلا ليخضعوا إليَّ ويتذللوا. ومعنى العبادة في اللغة التذليل والانقياد؛ فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله ومتذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه قدر ذرة من نفع ولا ضر.

 وقيل: إلا ليعبدون: إلا ليوحِّدون؛ فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء؛ بيانَ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...﴾ الآية. انتهى من البغوي.

وقال الشيخ في تيسير الحميد: "قال شيخ الإسلام: العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل". وقال أيضًا: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة".

 قال ابن القيم: "ومدارها على خمس عشرة قاعدة، مَنْ كَمَّلها كمل مراتب العبودية، وبيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح، وهن لكل واحد من القلب واللسان والجوارح".

وقال القرطبي: أصل العبادة التذلل والخضوع وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى.

وقال ابن كثير: "العبادة في اللغة من الذلة. يقال: طريق معبد وغير معبد: أي مذلل. وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف".

 وهكذا ذكر غيرهم من العلماء وعبادته هي طاعته بفعل المأمور وترك المحظور وذلك هو حقيقة دين الإسلام ومعنى الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد المتضمن غاية الانقياد في غاية الذل والخضوع. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الآية: "إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي".

 والآية دالة على وجوب اختصاص الخالق تعالى بالعبادة؛ لأنه سبحانه هو ابتدأك بخلقك والأنعام عليك بقدرته ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلاً، وما فعله بك لا يقدر عليه غيره، ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضر فهو الذي يأتي به سبحانه لا يأتي به غيره وهو الذي يدفع الضر لا يدفعه غيره. انتهى كلام الشيخ.

* * *


فصـل

(ومعنى «يعبدون»: يوحدونني. وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه. والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾).

شـرح

وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول "لا إله إلا الله"؛ فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية والإجلال والتعظيم وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار، والتوحيد أول ما يدخل به الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: « من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ». حديث صحيح.

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله». متفق عليه.

وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح وأبدأ فيه وأعاد وضرب لذلك الأمثال بحيث إن كل سورة في القرآن فيها الدلالة على هذا التوحيد، ويسمى هذا النوع توحيد الإلهية؛ لأنه مبنيٌّ على إخلاص التألُّه وهو أشد المحبة لله وحده، وذلك يستلزم إخلاص العبادة لله وتوحيد العبادة لله وتوحيد الإرادة لله؛ لأنه مبني على إرادة وجه الله بالأعمال وتوحيد القصد؛ لأنه مبني على إخلاص العمل لله وحده؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾.

 وكل سورة في القرآن؛ بل كل آية في القرآن فهي داعية إلى هذا التوحيد شاهدة به متضمنة له؛ لأن القرآن إما خبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات؛ فذاك مستلزم لهذا متضمن له.

* * *

فائدة

قال ابن القيم: "وإما دعاء إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، أو أمر بأنواع من العبادات ونهي عن المخالفات؛ فهذا هو توحيد الإلهية والعبادة، وهو مستلزم للنوعين الأولين متضمن لهما أيضًا".

وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة؛ فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من الوبال؛ فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.

وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإٍسلام الذي لا يقبل الله من أحد سواه؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت». رواه البخاري ومسلم. فأخبر أن دين الإسلام على هذه الأركان الخمسة وهي الأعمال، فدل على أن الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له بفعل المأمور وترك المحظور والإخلاص في ذلك لله وحده، وقد تضمن ذلك جميع أنواع العبادة، فيجب إخلاصها لله تعالى وحده؛ فمن أشرك بين الله تعالى وبين غيره في شيء من ذلك فليس بمسلم. انتهى من تيسير الحميد.

وقوله: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا﴾:

قال ابن كثير: يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحدَه لا شريك له؛ فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات؛ فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل: «أتدري ما حق الله على العباد؟ قال الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا. ثم قال: أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم».

 ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين: قال: لأن الله سبحانه جعلهما سببًا لخروجك من العدم إلى الوجود وكثيرًا ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين؛ كقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

 ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء كما في الحديث: «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم صدقة وصلة». ثم قال: واليتامى. وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم؛ فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم. ثم قال: والمساكين. وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون من يقوم بكفايتهم وتزول به ضرورتهم، وقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: والجار ذي القربى يعني الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب الذي ليس بينك وبينه قرابة. وقيل: الجار ذي القربى يعني المسلم والجار الجنب يعني أهل الكتاب. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله: "﴿واعبدوا الله﴾: أي وحدوه وأطيعوه، ﴿ولا تشركوا به شيئًا﴾ أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي وساقه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي - صلى الله عليه وسلم -: فقال: «يا معاذ هل تدري ما حق الله على الناس. قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإن حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله؟ إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم». قلت: وليس حقَّ واجبٍ؛ بل هو الذي أوجبه على نفسه تفضلاً منه وإحسانًا. قال: "قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ ". قال: «دعهم يعملون».

قوله: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ برهما وعطفًا عليهما ﴿وبذي القربى﴾ أي أحسنوا بذي القربى ﴿واليتامى والمساكين﴾: أخبرنا عبد الواحد وساقه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا». وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئًا. وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمر عليها يده حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين ». وقرن بين أصبعيه.

 قوله: ﴿والجار ذي القربى﴾ أي ذي القرابة وقوله ﴿والجار الجنب﴾ أي البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي. قال: «إلى أقربهما منك». انتهى من البغوي.

فائدة

قال ابن القيم: "لشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت تأثير عظيم في تكفير السيئات وإحباطها؛ لأنها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها، قد ماتت منه الشهوات ولانت نفسه المتمردة وانقادت بعد إبائها واستعصائها، وأقبلت بعد إعراضها وذلت بعد عزها، وخرج منها حرصها على الدنيا وفضولها، واستخذلت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق، أذل ما كانت له، وأرجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته، وتجردت منها كلمة التوحيد بانقطاع أسباب الشرك وتحقق بطلانه، فزالت تلك المنازعات التي كانت مشغولة بها، واجتمع همها على من أيقنه بالقدوم عليه والمصير إليه، فوجه العبد وجهه بكليته إليه وأقبل بقلبه وروحه وهمه عليه فاستسلم لله وحده ظاهرًا وباطنًا واستوى سره وعلانيته، فقال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه، وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره، وقد خرجت الدنيا كلها من قلبه، وشارف القدوم على ربه، فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله، فطهرته من ذنوبه وأدخلته على ربه؛ لأنه لقي ربه بشهادة صادقة خالصة وافق ظاهرها باطنها وسرها علانيتها؛ فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في أيام الصحة لاستوحش من الدنيا وأهلها وفر إلى الله من الناس وأنس به دون ما سواه.

وقال علماء السوء: جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم؛ كلما قالت أقوالهم للناس هلموا قالت أفعالهم لا تسمعوا منهم؛ فلو كان ما دعوا إليه حقًّا كانوا أول المستجيبين له؛ فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطريق، وأعلى الهمم في طلب العلم النافع طلب علم الكتاب والسنة، أعني القرآن وسنة سيد الأنام، والفهم عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته، وإذ تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط أمله وقوي طمعه وسار إلى ربه وحادى الرجاء يحدو ركاب سيره، وكلما قوى الرجاء جد في العمل، وإذا ضعف رجاؤه قصر في العمل.

 اجتنِبْ من يعادي أهل الكتاب والسنة؛ لئلا يعديك خسرانه، احترز من عدوين هلك بهما أكثر الخلق: صادٌّ عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله، ومفتون بدنياه ورياسته.

 أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة: تعلق القلب بغير الله وطاعة القوة الغضبية والقوة الشهوانية؛ وهي الشرك والظلم والفواحش؛ فغاية التعليق بغير الله شرك؛ إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمَّله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إلى نفسه.

* * *

فائدة

قال ابن القيم: "الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح، وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته؛ فلا ينفع ظاهر لا باطن له وإن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية، ولا يجزئ باطن لا ظاهر له؛ فتخلُّف العمل ظاهرًا مع عدم المنافع دليل على فساد الباطن وخلوه من الإيمان، ونقصه دليل نقصه، وقوته دليل قوته؛ فالإيمان قلب الإسلام ولبه، واليقين قلب الإيمان ولبه، وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوة فمدخول، وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول؛ التوكل على الله نوعان: أحدهما: توكُّل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية، أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية، والثاني: التوكل عليه في حصول ما يحب الله ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدعوة إليه، وبين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله؛ فأعظم التوكل على الله التوكل في الهداية وتجريد التوحيد". انتهى.

فائدة

قال ابن القيم في "الإغاثة": "فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له جميع ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن إليها، ولم يسكن إليها؛ بل لا تزيده إلا فاقة وقلقًا حتى يظفر بما خلق له، وما هي له من كون الله وحده نهاية مراده وغاية مطلوبه؛ فإن فيه فقرًا ذاتيًّا إلى ربه، والهدى من حيث هو معبوده ومحبوبه وإلهه ومطلوبه؛ كما أن فيه فقرًا ذاتيًّا إليه من حيث هو ربه وخلقه ورازقه ومدبره، وكلما تمكنت محبة الله من القلب وقويت فيه أخرجت منه تألهه لما سواه.

وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبة الله وطمأنينة بذكره وتنعم بمعرفته ولذة وسرور بذكره وشوق إلى لقائه وأنس بقربه، ومتى لم يكن الله وحده غاية مراد العبد ونهاية مقصوده لم يكن قد حقق شهادة أن لا إله إلا الله، وكان فيه من النقص والعيب بقدر ما فيه، ولهذا تجد العبد إذا كان مخلصًا لله منيبًا إليه مطمئنًا بذكره مشتاقًا قلبه إلى لقائه منصرفًا عن هذه المحرمات لا يلتفت إليها ولا يعول عليها، ويرى استبداله بها عما هو فيه كاستبداله البعر الخسيس بالجوهر النفيس؛ فالنفوس ثلاثة؛ نفس مطمئنة إلى ربها وهي أشرف النفوس وأزكاها، ونفس مجاهدة صابرة، ونفس مفتونة بالشهوات والهوى، وهي النفس الشقية التي حظُّها الألم والعذاب والبعد عن الله والحجاب العظيم؛ وهو أن الإنسان مدني بالطبع لا بد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات واعتقادات؛ فيطلبون منه أن يوافقهم عليها؛ فإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب من وجه آخر؛ فلا بد له من الناس ومخالطتهم، ولا ينفك عن موافقتهم أو مخالفتهم، وفي الموافقة ألم وعذاب إذا كانت على باطل، وفي المخالفة ألم وعذاب إذا لم يوافق أهواءهم واعتقاداتهم وإراداتهم، ولا ريب أن ألم المخالفة لهم في باطلهم أسهل وأيسر من الألم المترتب على موافقتهم، واعتبر هذا بمن يوافقهم بما يطلبون منه الموافقة على ظلم أو فاحشة أو شهادة زور أو معاونة على محرم؛ فإن لم يوافقهم آذوه وظلموه وعادوه ولكن له العاقبة والنصرة عليهم إن صبر واتقى الله، وإن وافقهم فرارًا من ألم المخالفة مما فر منه أعقبه ذلك من الألم أعظم أضعاف ما ناله من اللذة أولاً بموافقتهم نعوذ بالله.

 وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾؛ أي: لو أخرناهم وأنظرناهم وأمليناهم برهة من الدهر وحينًا من الزمان وإن طال، ثم جاءهم أمر الله، أيُّ شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعيم؟ ! وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾، وقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾. وفي الحديث الصحيح: «يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له هل رأيت خيرًا قط، هل رأيت نعيمًا قط، فيقول لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا كان في الدنيا فيصبغ في الجنة صبغة ثم يقال له هل رأيت بؤسًا قط فيقول لا والله يا رب أي ما كان شيئًا كان»، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:

كأنك لم تؤثر من الدهر ليلة

إذا أنت أدركت الذي أنت تطلب

 ثم قال تعالى مخبرًا عن عدله في خلقه أنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم والإنذار لهم وبعثة الرسل إليهم وقيام الحجة عليهم؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، وغير ذلك كثير. انتهى من تفسير ابن كثير.

اللهم أصلح ما فسد من المسلمين، وثبت من هو متمسك بالدين، اللهم نور على أهل القبور من المسلمين قبورهم، اللهم أصلح الأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم أعذنا من نزغات الشياطين، وارزقنا التمسك بسنة سيد المرسلين، اللهم أحينا مسلمين وتوفَّنا مؤمنين وتب علينا أجمعين، واغفر لنا ولكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

* * *


فصـل

قال الشيخ رحمه الله:

(فإذا قيل ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم -.

فإذا قيل: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته، وهو معبود ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكل ما سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم).

شـرح

وقال الشيخ في تيسير الحميد: "توحيد الربوبية والملك؛ وهو الإقرار بأن الله رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار وغير الاضطرار، الذي له الأمر كله وبيده الخير كله القادر على ما يشاء ليس له في ذلك شريك ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر، وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام وحده؛ بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية؛ لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده ولم يدخلهم في الإسلام، كما قص الله على نبيه في القرآن كثيرًا من ذلك؛ فهم كانوا يعلمون أن جميع ذلك لله وحده ولم يكونوا بذلك مسلمين؛ بل قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.

وعن ابن عباس والضحاك وعطاء نحو ذلك فتبين أن الكفار يعرفون الله ويعرفون ربوبيته وملكه وقهره وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون له أنواعًا من العبادات؛ كالحج والصدقة والذبح والنذر والدعاء وقت الاضطرار ونحو ذلك، ويدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وأما توحيد الأسماء والصفات وهو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، وأنه سميع بصير رؤوف رحيم على العرش استوى، وعلى الملك احتوى وأنه الملك القدوس السلام المؤمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العلى.

وهذا أيضًا لا يكفي في حصول الإسلام؛ بل لابد مع ذلك من الإتيان بلازمه من توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية في أنواع التوحيد الثلاثة، والكفار يقرون بجنس هذا النوع؛ توحيد الربوبية، وإن كان بعضهم قد ينكر بعض ذلك؛ إما جهلاً وإما عنادًا؛ كما قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة. فأنزل فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾.

وأما توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله لله تعالى من المحبة والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والدعاء لله وحده والخوف والإنابة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر لله وحده لا شريك له - لا يجعل فيها شيئًا لغير الله؛ لا لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهما، وهذا متضمن لقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾". انتهى من تيسير الحميد.

والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ...﴾ الآية. يخبر تعالى أنه خالق العالم سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام كما أخبر بذلك في غير آية من القرآن، وقوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾؛ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًّا ليس هذا موضع بسطها؛ وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله تعالى وتقدس علوًّا كبيرًا؛ فإن الله لا يشبه شيئًا من خلقه وليس كمثله شيء وهو السميع البصير؛ بل الآمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري؛ قال: من شبَّه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه؛ فمن أثبت لله تعالى ما وردت الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى.

 وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾: أي يذهب ظلام هذا بضياء هذا أو ضياء هذا بظلام هذا، أو كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا؛ أي سريعًا لا يتأخر عنه؛ بل إذا ذهب هذا جاء هذا أو عكسه؛ كقوله: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾؛ أي لا يفوته بوقت يتأخر عنه؛ بل هو في أثره بلا واسطة بينهما؛ ولهذا قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾؛ أي لا يتأخر عن ما قدر لهما؛ فمنهم من نصب ومنهم من رفع، وكلاهما قريب المعنى؛ أي الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته، ولهذا قال منبِّهًا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾: أي له الملك والتصرف، ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.

 قال جرير: حدثني المثنى وساقه عن العزيز الشافي عن أبيه، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله، ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾».

 وفي الدعاء المأثور عن أبي الدرداء وروي مرفوعًا: «اللهم لك الملك كله ولك الحمد كله وإليك يرجع الأمر كله أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله»". انتهى من ابن كثير.

وقال الشيخ أبو بطين في الدرر السنية في الحديث المروي: «يأتي على الناس زمان يذوب فيه قلب المؤمن»... الحديث: "فهذه الأزمنة والله كذلك، ولكن لضعف الإيمان ما نحس بذلك على حقيقته، وقد اشتدت والله غربة الإسلام، وأي غربة أعظم من غربة من وفقه الله لمعرفة التوحيد الذي اتفقت عليه جميع الرسل، الذي هو حق الله على عباده مع جهل أكثر الناس اليوم وإنكارهم له، والأمر كما قال الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، نسأل الله لنا ولكم الوفاة على التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده". وقول الحسن رحمه الله؛ فما أحسن ذلك وأحلاه وتوجعه وتأوهه مما رأى في زمانه المثني على أهله: "ولا يأتي زمان إلا وما بعده شر منه". كما قال الصادق والمصدوق؛ ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم وإلف العادة ضعف استنكار المنكر وعدم، فالله المستعان.

 اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك اللهم نور قلوبنا بالإيمان وأعذنا من نزغات الشيطان، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وزد نبينا محمدًا صلاة وتسليمًا، وآته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، اللهم صل على محمد وآله وصحبه أجمعين.

* * *


فصـل

قال الشيخ رحمه الله:

(فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته. ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما.

والدليل: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.

 والرب هو المعبود. والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير - رحمه الله: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة).

شـرح قوله

 ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة بأن جعل لهم الأرض فراشًا - أي مهدًا كالفراش - مقررة مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناء - وهو السقف - كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، والمراد به السحاب ههنا في وقته عند احتياجهم إليه؛ فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهَد؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن، ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنها ورازقهم؛ فبهذا يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.  وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك... » الحديث، وقوله: وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا.

 وهذه الآية دالة على توحيد الله بأنواع العبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثيرٌ من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع تعالى، وهي دالة على ذلك بطريق الأَوْلَى؛ فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمةً - عَلِمَ قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه؛ كما قال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان الله: إن البعرة ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام ليدل على المسير؛ فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير.

وحكى الرازي عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات، وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه؛ ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص عنها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع؟ ! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.

وعن الشافعي أنه سئل عن ذلك؛ عن وجود الصانع فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد تأكله الدود فيخرج منه الأبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه بعرًا وروثًا وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد، كله بتصريف القادر على كل شيء.

 وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال: ههنا حصن حصين أملس ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينما هو كذلك إذا انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح؛ يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة؛ ذلك تقدير العزيز الحكيم.

 وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد:

تأمل في نبات الأرض وانظر

إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات

بأحداق هي الذهب السبيك

على قضب الزبرجد شاهدات

بأن الله ليس له شريك

 وقال ابن المعتز:

فيا عجبا كيف يعصى الإلـ

ـه أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه واحد

انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى ﴿يا أيها الناس﴾: "قال ابن عباس: ﴿يا أيها الناس﴾: خطاب أهل مكة، و﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ خطاب أهل المدينة، وهو ههنا عام إلا من حيث إنه لا يدخله الصغار والمجانين.

 ﴿اعبدوا﴾: وحدوا. قال ابن عباس: كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد. ﴿ربكم الذي خلقكم﴾: والخلق اختراع الشيء على غير مثال سبق. ﴿والذين من قبلكم﴾ أي وخلق الذين من قبلكم، ﴿لعلكم تتقون﴾ لكي تنجوا من العذاب وقيل معناه كونوا على رجاء التقوى بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله، وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء". انتهى من البغوي.

وقال ابن كثير: "يقول تعالى منبهًا خلقه على قدرته العظيمة وأنه لا نظير له وأنه على ما يشاء قادر: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر﴾: أي إنه خلق الليل بظلامه والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفتران، والشمس ونورها وإشراقها والقمر وضياؤه وتقدير منازله في فلكه واختلاف سيره في سمائه؛ ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار والجمع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق وأوقات العبادات والمعاملات.

ثم لما كانت الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي نبَّه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده وتحت قهره وتسخيره فقال: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾؛ أي لا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره؛ فإنه لا يغفر أن يشرك به، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن إفراد العبادة لله وأبوا إلا أن يشركوا معه غيره. ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: يعني الملائكة، ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، كقوله عز وجل: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: " ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر...﴾ الآية؛ أي: إنما خلقهن لأنه أجراها على طريق جمع التكسير ولم يجرها على طريق التغليب للمذكر على المؤنث، ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾، ﴿فإن استكبروا﴾ عن السجود ﴿فالذين عند ربك﴾ - يعني الملائكة - ﴿يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون﴾؛ أي لا يملون ولا يفترون". انتهى من البغوي.

 أراد في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء، وقيل: ستة أيام كأيام الآخرة وكل يوم كألف سنة. وقيل: كأيام الدنيا. قال سعيد بن جبير كان الله عز وجل قادرًا على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة فخلقهن في ستة أيام تعليمًا لخلقه التثبت والتأني في الأمور، وقد جاء الحديث: « التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان ».

 ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: قال الكلبي ومقاتل: استقر؛ فأما أهل السنة يقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف، ويجب على الرجل الإيمان به ويَكِلُ العلم فيه إلى الله عز وجل.

وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليًّا وعَلَاه الرحضاء، ثم قال: الاستوى غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أظنك إلا ضالًّا. ثم أُمِرَ به فأخرج.

 وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهات، أَمرُّوها كما جاءت بلا كيف. انتهى من البغوي. قال ابن كثير رحمه الله: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة. انتهى.

اللهم نور قلوبنا بالإيمان وتوفنا على طاعة الرحمن ووفقنا للتمسك بسنة سيد الأنام، اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك، اللهم نور على أهل القبور من المسلمين قبورهم، اللهم أصلح الأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم من أراد المسلمين بسوء فاشغله بنفسه وشتت شمله، وأعم بصره وأخرس لسانه وأبن أركانه وعجل زواله، اللهم احفظ إمام المسلمين واجعله ناصرًا لدينه وارزقه البطانة من المسلمين، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاة وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وزد نبينا صلاة وتسليمًا وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، اللهم صل على محمد وصحبه أجمعين.

* * *


فصـل

(وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر، وغير ذلك من العبادة التي أمر الله بها كلها لله.

 والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾؛ فمن صرف عنها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، والدليل: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾).

شـرح

يقول تعالى متوعدًا من أشرك به غيره وعبد معه سواه ومخبرًا أن من أشرك بالله لا برهان له - أي لا دليل له على قوله - فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، وهذه جملة معترضة، وجواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: أي الله يحاسبه على ذلك، ثم أخبر أنه لا يفلح الكافرون؛ أي لديه يوم القيامة، لا فلاح لهم ولا نجاة.

 قال قتادة: ذكر لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: ما تعبد؟ قال: أعبد الله وكذا وكذا. حتى عد أصنامًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك؟ » قال: الله عز وجل. قال: «أيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟ » قال: الله عز وجل. قال: «فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه أم حسبت أن تغلب عليه؟ » فقال الرجل بعدما أسلم: لقيت رجلاً خصمني. هذا مرسل من هذا الوجه، وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسندًا عن عمران بن حصين عن أبيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو ذلك.

 وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾: هذا إرشاد من الله تعالى إلى هذا الدعاء؛ فالغفر إذا أطلق معناه محو الذنوب وستره عن الناس، والرحمة معناها أن يسدِّده ويوفِّقه في الأقوال والأفعال، وقال ابن أبي حاتم وساقه عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كانت آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز: حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثًا ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادًا ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم فخاب وخسر، وشقي عبد أخرجه الله من رحمته وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدًا، إلا مَنْ حذر اليوم وخافه وباع نافذًا بباق وقليلًا بكثير وخوفًا بأمان؛ ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون مَنْ بعدكم الباقين، حتى تردون إلى خير الوارثين، ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله عز وجل، قد قضى نحبه وانقضى أَجَلُه حتى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير ممهد ولا موسَّد، قد فارق الأحباب وباشر التراب وواجه الحساب، مرتهن بعمله غني عما ترك، فقير إلى ما قَدَّم، فاتقوا الله قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم". ثم جعل رداءه على وجهه فبكى وأبكى من حوله. انتهى من ابن كثير.

وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة"، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.

هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه؛ أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما كان سفيان الثوري يقول: "يا مَنْ أَحَبُّ عبادِه إليه مَنْ سألَه فأكثرَ سؤالَه، ويا مَنْ أبغضُ عباده إليه مَنْ لم يسأله، وليس أحد كذلك غيرك يا رب". رواه ابن أبي حاتم.

 وفي هذا المعنى قال بعضهم:

الله يغضب إن تركت سؤاله

وبني آدم حين يسأل يغضب

وقال قتادة: "قال كعب الأحبار: أعطيت هذه الأمة ثلاثًا لم تعطهن أمة قبلها؛ كان إذا أرسل الله نبيًّا قال له: أنت شاهد على أمتك وجعلكم شهداء على الناس. وكان يقال له: ليس عليك في الدين من حرج. وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وكان يقال له: ادعني استجب لك، وقال لهذه الأمة: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. رواه ابن أبي حاتم.

وقال الإمام الحافظ أبو يعلى وساقه عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه عز وجل – قال: «أربع خصال، واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي؛ فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئًا، وأما التي لك عليَّ فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليَّ الإجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك».

 وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الدعاء هو العبادة». ثم قرأ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ...﴾ الآية. من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله: ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم﴾: أي اعبدوني دون غيري أحبكم وأثبكم وأغفر لكم، فلما عَبَّر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة.

أخبرنا عبد الواحد المليحي وساقه عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر: « إن الدعاء هو العبادة ». ثم قرأ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.

 أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد وساقه عن أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لم يَدْعُ اللهَ غضب الله عليه». وقيل: الدعاء هو الذكر والسؤال. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، ومعنى داخرين: صاغرين ذليلين. انتهى من البغوي.

* * *


(ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾؛ أي يخوفكم أولياءه ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾).

شـرح

أي: إذا سوَّل لكم وأوهمكم فتوكَّلوا عليَّ والجؤوا إليَّ. قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.

وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ...﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾؛ فَدَلَّت هذه الآيات على أن العز والتمكين في طاعة رب العالمين. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي: "قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ يعني ذلك الذي قال لكم: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم من فعل الشيطان، ألقى في أفواههم لترهبوهم وتجبئوا عنهم، ﴿يخوف أولياءه﴾: أي يخوفكم بأوليائه، وكذلك هو في قراءة أبي ابن كعب؛ يعني يخوف المؤمنين بالكافرين". قال السدي: "يعظم أولياءه في صدورهم ليخافوهم. يدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود يخوفكم أولياءه، ﴿فلا تخافوهم وخافون﴾ في ترك فعل أمري ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ مصدقين بوعدي؛ لأني متكفل لكم بالنصر والظفر". انتهى من البغوي.

* * *

(ودليل الرجاء قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾).

شـرح

أي ثوابه وجزاءه الصالح، ﴿فليعمل عملاً صالحًا﴾؛ أي ما كان موافقًا لشرع الله، ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾، وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبَّل؛ لابد أن يكون خالصًا لله صوابًا على شريعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد روى ابن أبي حاتم وساقه قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف المواقف أريد وجه الله وأحب أن يرى موطني. فلم يرد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

 وقال الأعمش: حدثنا حمزة أبو عمارة وساقه عن عبادة بن الصامت فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد ويصوم يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد ويتصدق يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد ويحج يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس له شيء؛ إن الله تعالى يقول: «أنا خير شريك فمن كان له معي شرك فهو له كله لا حاجة لي فيه».

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النظر وساقه بسند، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: « من الشهوة الخفية الشرك ». فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: اللهم غفرًا، ألم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب.

 أما الشهوة الخفية فقد عرفناها: هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها فما هذا الشرك الذي يخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلاً يصلي لرجل أو يصوم لرجل أو يتصدق أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم، والله إن من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك. قال عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يحمد الله على ما ابتغى به وجهه من ذلك العمل كله، فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به! فقال شداد عند ذلك: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله يقول أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئًا فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني». انتهى من التفسير.

وقال الحافظ أبو بكر البزار وساقه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله يوم القيامة أنا خير شريك من أشرك بي أحدًا فهو له كله»، وعن أبي هريرة أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرويه عن الله عز وجل أنه قال: « أنا خير الشركاء فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري فأنا بريء منه وهو للذي أشرك». تَفَرَّدَ به من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، وساقه عن محمود بن لبيد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: « الرياء؛ يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء».

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكير وساقه عن أبي سعيد أبي فضالة أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى منادى: من كان الشرك في عمل عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك». أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث محمود وهو البرساني به، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من سمَّع سمَّع الله به ومن راءى راءى الله به». وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد وساقه عن ابن عمر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من سمع الناس بعمله سمع الله به مسامع خلقه وصغره وحقره». فذرفت عينا عبد الله.

 وقال الحافظ أبو بكر البزار وساقه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة في صحف مختمة فيقول الله: ألقوا هذا واقبلوا هذا. فتقول الملائكة: يا رب، والله ما رأينا منه إلا خيرًا فيقول: إن عمله كان لغير وجهي ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي». وقال وهب: حدثني يزيد بن عياض عن عبد الله بن قيس الخزاعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قام رياء وسمعة لم يزل في مقت الله حتى يجلس».

وقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، وساقه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه عز وجل». انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾: "أي يخاف المصير إليه. وقيل: يأمل رؤية ربه؛ فالرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعًا. قال بعضهم:

ولا كل ما ترجو من الخير كائن كائن

ولا كل ما ترجو من الشر واقع واقع

فجمع بين المعنيين: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾؛ أي لا يرائى بعمله.

 أخبرنا عبد الواحد المليحي وساقه عن جندب بأنه يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من سمَّع سمَّع الله به ومن يرائى يرائى الله به». وروينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء».

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي وساقه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله تبارك وتعالى يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء للذي عمله». أخبرنا عبد الواحد بن المليحي وساقه عن أبي الدرداء يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال». وعن سهل - هو ابن معاذ - عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورًا من قدميه إلى رأسه ومن قرأها كلها كانت له نورًا من الأرض إلى السماء»". انتهى من البغوي.

وقال في الدرر السنية: فهل بعد هذا البيان زجر وإنذار لمن له فهم ودين؟ وهل يشك بهذا من له فطرة وبصر وبصيرة؟ اللهم إلا مَنْ ركن إلى الدنيا وطلب إصلاحها ونسي الآخرة؛ فهذا لا عبرة به؛ لأنه أعمى القلب مطموس البصر والبصيرة، لقد والله لعب الشيطان بأكثر الخلق وغيَّر فطرهم وشككهم في ربهم وخالقهم ودينهم حتى ركنوا إلى الدنيا وإلى أهل الكفر ورضوا بطرائقهم عن طرائق أهل الإسلام، وكنا نظن قبل وقوع هذه الفتن وترادف هذه المحن أن في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا يغارون على دينهم ويحمونه عما يفسده، ويبذلون أنفسهم وأموالهم لصالح دينهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، وخذ في هذا الأصل وهي ملة إبراهيم والقيام بحقوقها، وهي لا إله إلا الله؛ بالقول والعمل والصدق والإخلاص؛ ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني؛ ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، واحذروا غاية الحذر من سطوة الله وغضبه؛ فحقيقة الدين هي المعاملة لله بصدق وإخلاص، ومتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهي سبيل اليقين، وهي الطريقة الفاضلة، ومن حرم التوفيق فقد عظمت مصيبته واشتدت هلكته. انتهى من الدرر.

اللهم اجعل عملنا خالصًا لوجهك وعلى سنة رسولك، اللهم صل على محمد وآله وصحبه.

* * *

(ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾).

شـرح

أي إن توكلتم على الله واتبعتم أمره ووافقتم رسوله نصركم الله على أعدائكم وأيدكم بهم. انتهى من ابن كثير.

 (﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾)

قال الإمام أحمد حدثنا يونس وساقه عن عبد الله بن عباس أنه ركب خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف». وقد رواه الترمذي.

وقال الإمام أحمد: "حدَّثنا وكيع وساقه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من نزل به حاجة فأنزلها بالناس كان قمن أن لا تسهل حاجته، ومن أنزلها بالله تعالى أتاه الله برزق عاجل أو بموت آجل».

 وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾: أي منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاء. انتهى من ابن كثير. والآية قبلها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾: أي: ومن يتق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ أي من جهة لا تخطر بباله.

 قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، وساقه عن أبي ذر، قال: جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو عليَّ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ حتى فرغ من الآية، ثم قال: «يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم»: قال: فجعل يتلوها ويرددها علي حتى نعست، ثم قال: «يا أبا ذر كيف تصنع إذا أخرجت من المدينة؟ » قلت: إلى السعة والدعة، أنطلق فأكون حمامة من حمام مكة: قال: «كيف تصنع إذا أخرجت من مكة؟ » قلت: إلى السعة والدعة، إلى الشام والأرض المقدسة. قال: «وكيف تصنع إذا أخرجت من الشام؟ » قلت: إذًا والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي. قال: «أو خير من ذلك؟ » قلت: أو خير من ذلك. قال: «تسمع وتطيع وإن كان عبدًا حبشيًّا».

وفي المسند حدثني مهدي وساقه عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب».

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾: يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة. ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾، وقال الربيع بن خشيم: ﴿يجعل له مخرجًا﴾: أي من كل شيء ضاق على الناس.

وقال قتادة: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾: أي من شبهات الأمور والكرب عند الموت، ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾: من حيث لا يرجو ولا يأمل. وقال السدي: ﴿ومن يتق الله﴾ يطلق للسنة ويراجع للسنة، وزعم أن رجلاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقال له عوف بن مالك الأشجعي كان له ابن، وأن المشركين أسروه، فكان فيهم، وكان أبوه يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيشكو إليه مكان ابنه وحالته التي هو بها وحاجته، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمره بالصبر ويقول له: «سيجعل الله لك فرجًا»، فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرًا أن انفلت ابنه من أيدي العدو فمر بغنم من أغنام العدو فاستاقها فجاء بها إلى أبيه وجاء معه بغنم قد أصابه من المغنم، فنزلت فيه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، رواه ابن جرير وغيره مرسلاً نحوه. انتهى من ابن كثير.

* * *

فائدة

 ومما ينبغي للمسلم أن يلقي سمعه، ويعي قلبه، ويعمل به: لا تؤخر عمل اليوم إلى غد؛ فربما يكون غد وأنت فقيد. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اغتنم خمسًا قبل خمس؛ صحتك قبل مرضك ووجودك قبل عدمك وغناك قبل فقرك وشبابك قبل ضعفك وحياتك قبل موتك».

ومنها: حبَّ لأخيك ما تحب لنفسك. قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، ومعناه - والله أعلم - الإيمان الكامل.

ومنها: لا تعد بما لا تقدر عليه. قال - صلى الله عليه وسلم -: «والعدة دين».

ومنها: قل الحق ولو على نفسك. كما في الحديث: «قل الحق ولو كان مرًّا».

ومنها: أن يد الله مع الجماعة، رواه الترمذي والطبراني عن ابن عباس، وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا...﴾ الآية. «وأمر النبي في الاجتماع ونهى عن الفرقة».

ومنها: أن الوحدة خيرٌ من جليس السوء؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مثل الجليس الصالح مثل حامل المسك، إما أن يحذيك أو تجد منه ريحًا طيبة، ومثل جليس السوء كمثل الكير، إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحًا خبيثة».

ومنها: أصلح عيوب نفسك قبل أن تصلح عيوب غيرك. إن حصل وإلا ما يمنعك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الحديث: «يود الشيطان أن ما يؤمر إلا معصوم». ولو ما أمر إلا معصوم لترك الأمر، والعصمة للرسل؛ وهو إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر إما أن يهدي الله أحدًا على يده أو يكون تخفيفًا له إن شاء الله.

ومنها: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك». رواه الترمذي وأبو داود وصححه الحاكم. والأمانة أمرها عظيم والخيانة شرٌّ كبيرٌّ.

ومنها: التأني فيه السلامة، وفي العجلة الندامة. قال - صلى الله عليه وسلم -: «مهلاً يا عائشة عليك بالرفق فإن الرفق كله خير، الرفق ما جاء في شيء إلا زانه والعنف ما جاء في شيء إلا شانه».

ومنها: بر الوالدين، ومن عظمته قَرَنَ الله حق الوالدين مع حقه؛ قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ...﴾ الآية.

 والبر دين؛ من بر أباه بره أولاده، والضد في الضد، وهذا مشاهد عاجل في كثير من الناس وكفى به عقوبة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة عاقٌّ ولا قاطع رحم».

ومنها: حبس النفس عن الفساد وصيانة الأنساب.

 وفي الحديث: «عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم». رواه الطبراني بإسناد حسن.

ومنها: القصد في مأكلك ومشربك وملبسك ونومك، وفي أحوالك كلها، وفي حديث: «ما افتقر من اقتصد». ونهى الله عن الإسراف وعن التبذير، وخيار الأمور أوسطها.

ومنها: الاستعانة على طاعة الله وترك السهر على الملاهي والغيبة وغيرها مما هو معصية لله وسبب لترك الصلاة وفعل الخيرات، نم مبكرًا واستيقظ مبكرًا واجعل لك وردًا في آخر الليل؛ فإنه سير الصالحين، وتخلو برب العالمين وقت النزول الإلهي آخر الليل هداك الله.

ومنها: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن». رواه الترمذي.

 وتقوى الله تجلب لك محبة أهل الدين وتسوقك على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبغض المنحرفين والكافرين، وتكون على بصيرة في الدين، وهذا هدي نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -.

ومنها: «احفظ الله يحفظك». رواه الترمذي. والمعنى: احفظ أوامره وأتِ منها ما استطعت وتباعد عن نواهيه كلها؛ لأن طريق المأمورات واسع وطريق المنهيات ضيق جدًّا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وما نهاكم عنه فانتهوا».

وقال الإمام أحمد: "حدثنا وكيع وساقه عن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر». رواه النسائي وابن ماجه.

 وقال محمد بن إسحاق: جاء مالك الأشجعي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: «أسر ابني عوف. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرسل إليه: إن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله». وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه فصاح بهم، فاتبع أولها آخرها، فلم يفاجأ أبوه إلا وهو ينادي بالباب، فقال أبوه: عوف ورب الكعبة. فقالت أمه: واسوأتاه وعوف كيف يقدم لما هو فيه من القد؟ ! فاستبقا الباب والخادم فإذا قد ملأ الفناء إبلاً فقص على أبويه أمره وأمر الإبل فقال أبوه: قف حتى آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: «ادع بها ما أُحْييت وما كنت صانعًا بمالك». ونزل ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾». رواه ابن أبي حاتم. انتهى من ابن كثير.

 وقال في الدرر السنية: والمقصود أن الإنسان يفهم الخير ويحذر الشر. من هذا من شاع وذاع من أعراض بعض المنتسبين إلى الإسلام وأنهم من أمة الإجابة وقد غفلوا عن دينهم وما خلقوا له، وقامت عليهم الأدلة من القرآن والسنة ولزوم الإسلام ومعرفته والبراءة من أهل الشرك والقيام بحقوق الإسلام؛ حتى آل الأمر بأكثر الخلق إلى عدمٍ من نفرة أهل ملل الكفر وعدم بغضهم حتى أن بعضهم دخلوا في طاعتهم واطمأنوا إليهم، وجعلوهم خدمًا لهم؛ يتولون من تحت أيديهم من أهل وأولاد وطلبوا صلاح دنياهم بذهاب دينهم وتركوا أوامر القرآن ونواهيه وهم يدرسونه آناء الليل والنهار، وهذا لا شك أنه من أعظم أنواع الشرور وتحسين غير ملة الإسلام عياذًا بالله من ذلك، وهذا خلاف التقوى، والله حذرنا؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ...﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ...﴾ الآية، وغير ذلك كثير في القرآن والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في تحريم موالاة الكفار والدخول في طاعتهم، أكثر من أن تحصر، ومن الشهرة مِنْ أن تذكر، ومن تدبر القرآن وفهم معناه ورام الهدى واعتقد أنه كلام الله المنزل غير المخلوق واقتبس الهدى والنور منه تمسك به في أمر دينه، وعرَفْتَ ذلك إجمالاً وتفصيلاً.

قال جندب بن عبد الله – رضي الله عنه: "عليكم بالقرآن فإنه نور بالليل وهدى بالنهار فاعملوا به على ما كان من فقر وفاقة؛ فإنْ عَرَضَ بلاء فقدم ملك دون نفسك، فإن تجاوز البلاء فقدم نفسك دون دينك؛ فإن المحروم من حُرم دينه والمسلوب من سلب دينه، وإنه لا فاقة بعد الجنة ولا غناء بعد النار؛ إن النار لا يستغني فقيرها ولا يفك أسيرها". انتهى من الدرر.

وقال أيضًا: قال الشيخ – رحمه الله – يوضح ذلك: إن أصل الإسلام وقاعدته شهادة أن لا إله إلا الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان، وهذا الأصل لا بد فيه من العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين، ومدلوله وجوب عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه كائنًا من كان، وهذه هي الحكمة التي خلقت لها الجن والإنس وأرسلت لها الرسل وأنزلت بها الكتب، وهي تضمن كمال الذل والحب وتضمن كمال الطاعة والتعظيم، وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينًا سواه؛ لا من الأولين ولا من الآخرين. انتهى من الدرر.

اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك، آمين.


فصل

قال الشيخ:

 (ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾).

شـرح

أي في عمل القربات والطاعات.

﴿ويدعوننا رغبًا ورهبًا﴾: قال الثوري: رغبًا فيما عندنا ورهبًا مما عندنا. ﴿وكانوا لنا خاشعين﴾: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي مصدقين بما أنزل الله. وقال مجاهد: مؤمنين حقًّا، أيضًا خاشعين أي متواضعين. وقال الحسن وقتادة والضحاك: خاشعين أي متذللين لله عز وجل، وكل هذه الأقوال متقاربة. وقال ابن أبي حاتم وساقه عن عبد الله بن الحكم: قال: خطبنا أبو بكر رضي الله عنه ثم قال: "أما بعد؛ فإني أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة وتجمعوا الإلجاء بالمسألة؛ فإن الله عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾". انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى ﴿إنهم﴾: "يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾؛ أي طمعًا ورهبًا، خوفًا: أي رغبًا في رحمة الله ورهبًا من عذاب الله".

 ﴿وكانوا لنا خاشعين﴾: أي متواضعين. قال قتادة: "ذلاًّ لأمر الله". قال مجاهد: الخشوع هو الخوف اللازم في القلب. انتهى من البغوي.

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا...﴾ الآية: أي حين توعدهم الناس بالجموع وخَوَّفوهم بكثرة الأعداء فما اكترثوا لذلك بل توكلوا على الله واستعانوا به ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

 وقال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس وساقه عن ابن عباس: قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم. فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.

ورواه البخاري أيضًا عن أبي غسان مالك بن إسماعيل وساقه عن ابن عباس قال: كان آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه قيل له يوم أحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل». انتهى من ابن كثير.

وقال ابن القيم: "فأخبر سبحانه أن طاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - توجب مرافقة المنعم عليهم، وهم أهل السعادة الكاملة، وهم أربعة أصناف: النبيون وهم أفضلهم، ثم الصديقون وهم من بعدهم في الدرجة، ثم الشهداء ثم الصالحون؛ فهؤلاء المنعم عليهم النعمة التامة وهم السعداء الفائزون، ولا فلاح لأحد إلا بموافقتهم والكون معهم، ولا سبيل إلى مرافقتهم إلا بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا سبيل إليها إلا بمعرفة سنته وما جاء به؛ فدل على أن مَنْ عَدِمَ العلمَ بسنَّتِه وما جاء به فليس له إلى مرافقة هؤلاء سبيل؛ بل هو ممن يعض على يديه يوم القيامة ويقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً. فأخبر تعالى أنهم لو فعلوا ما يعظهم به الرسول وهو أمره ونهيه المقْرون بوعده ووعيده، لكان فعل أمره وترك نهيه خيرًا لهم في دينهم ودنياهم وأشد تثبيتًا لهم على الحق وتحقيقًا لإيمانهم وقوة لعزائمهم وإراداتهم وثباتًا لقلوبهم عند جيوش الباطل وعند واردات الشبهات المضلة والشهوات المردية؛ فطاعة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ثمرة الهداية وثبات القلب عليها ومخالفته ثمرة زيغ القلب واضطرابه وعدم ثباته. انتهى كلام ابن القيم.

فائدة

 قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: وهي أن محبة الله سبحانه والأنس به والشوق إلى لقائه والرضا به وعنه أصل الدين وأصل أعماله وإراداته، كما أن معرفته والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجلُّ المقاصد وعلوم الدين كلها؛ فمعرفته أَجَلُّ المعارف وإرادة وجهه أجل المقاصد وعبادته أشرف الأعمال والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه وتمجيده أشرف الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم، وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوصي أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: "أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين»، وذلك حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وعليها قام دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء والمرسلين، وليس لله دين سواه ولا يَقْبل من أحد دينًا غيره؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ فمحبته تعالى بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق من أعظم واجبات الدين وأكبر أصوله وأَجَلِّ قواعده، ومن أحب معه مخلوقًا مثل ما أحبه فهو من الشرك الذي لا يغفر لصاحبه ولا يقبل معه عمل؛ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ...﴾ الآية.

 وإذا كان العبد لا يكون من أهل الإيمان حتى يكون عبْدَ الله ورسوله أحب إليه من نفسه، وأهله، وولده، والناس أجمعين، ومحبته تَبَع لمحبة الله - فما الظن بمحبته سبحانه وهو سبحانه لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته التي تتضمن كمال محبته وكمال تعظيمه والذل له، ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه، وعلى ذلك وضع الثواب والعقاب وأسست الجنة والنار وانقسم الناس إلى شقي وسعيد، وكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء فليس كمحبته وإجلاله وخوفه محبة وإجلال ومخافة.

فالمخلوق كلما خفتَه استوحشتَ منه وهربت منه، والله سبحانه كلما خفتَه أنست به وفررت إليه، والمخلوق يُخاف ظلمه وعدوانه، والرب سبحانه إنما يُخاف عدله وقسطه، وكذلك المحبة؛ فإن محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهي عذاب للمحب ووبال عليه وما يحصل له بها من التألم أعظم مما يحصل له من اللذة، وكلما كانت أبعد عن الله كان ألمها وعذابها أعظم.

وأما محبة الرب سبحانه فشأنُها غير هذا الشأن؛ فإنه لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها؛ فهو إلهها ومعبودها ووليها ومولاها وربها ومدبرها ورازقها ومميتها ومحييها؛ فمحبته نعيم النفوس وحياة الأرواح وسرور النفوس وقوت القلوب ونور العقول وقُرَّة العيون وعمارة الباطن؛ فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الذكية أحلى ولا ألذ ولا أسر ولا أطيب ولا أنعم من محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه، والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة؛ كما أخبر بعض الواجدين بقوله: "إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب". وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربًا بأنسه بالله وحبه له. وقال آخر: مساكين أهل الغفلة خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. فمَن كان بالله حبُّه وأسمائه وصفاته كان فيه أعرف وفيه أرغب وله أحب وإليه أقرب. انتهى.

وقال ابن رجب: أما معنى الحديث: «من أحب لله وأبغض لله... ». فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأوامر والنواهي وغيرها؛ فيحب ما أمر به الله تعالى ويكره ما كره الله؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه وأن يكره ما كرهه الله كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه؛ فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب ذلك له أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى بما يرضى به الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض.

فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة؛ فعليه أن يتوب من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة؛ فجميع المعاصي تنشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾.

 وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا سمي أهلها أهل الأهواء، وكذلك حب الأشخاص؛ الواجب فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فيجب على المؤمن من محبة الله ما يحبه الله من الملائكة والرسل والصديقين والأنبياء والشهداء والصالحين عمومًا، ولهذا كان علامة وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وتحريم موالاة أعداء الله ومن يكرهه الله عمومًا، وبهذا يكون الدين كله لله، ومن أحب لله وأبغض وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان، ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصًا في إيمانه الواجب؛ فتجب عليه التوبة من ذلك والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومرادها. انتهى كلام ابن رجب.

وقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾، وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾: أي خائفون وجلون، ثم قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ يعني القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد... انتهى من ابن كثير.

وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾: أي من خاف الله خاليا ففاضت عيناه، ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾: أي: ولقي الله عز وجل يوم القيامة بقلب منيب سليم إليه خاضع لديه. انتهى من ابن كثير.

وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾؛ يقول تعالى مخبرًا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه، إذا كان غائبًا عن الناس فينكف عن المعاصي ويقوم بطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى بأنه له مغفرة وأجر كبير؛ أي تكفر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل، كما ثبت في الصحيحين: «سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله»؛ فذكر منهم رجلًا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، و: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه... » إلى آخر الحديث. انتهى من ابن كثير.

* * *

(ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾).

شـرح

الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير التوبة من أي ذنب كان؛ حتى من الشرك.

وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى وساقه عن ابن عباس – رضي الله عنهما: «إن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أنَّ لِما عملنا كفارة فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ...﴾» الآية. وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا...﴾ الآية.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون وساقه عن أسماء بنت يزيد – رضي الله عنها – قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ أنه عملٌ غير صالح، وسمعته - صلى الله عليه وسلم - يقول: «﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ...﴾» الآية، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يبالي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾». رواه أبو داود والترمذي. فهذه الآيات كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنط عبد من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه وكثرت؛ فإن باب الرحمة والتوبة واسع؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وقال جل وعلا في حق المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا...﴾ الآية، وقال جل جلاله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ...﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ انظروا إلى الكرم والجود؛ قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.

وقال ابن عباس – رضي الله عنه: «من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله عز وجل، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه». انتهى من ابن كثير.

وروى الطبراني من طريق الشعبي وساقه عن ابن مسعود يقول: إن أعظم آية في كتاب الله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ...﴾ الآية، وإن أكثر آية في القرآن فرحًا هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وإن أشد آية في كتاب الله تفويضًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، فقال له مسروق: صدقت.

وقال الإمام أحمد وساقه عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله تعالى لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون ثم يستغفرون فيغفر لهم». تفرد به أحمد وقال: الإمام أحمد وساقه عن أبي أيوب الأنصاري – رضي الله عنه – أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت منكم شيئا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لولا أنكم تذنبون لخلق الله عز وجل قومًا يذنبون فيغفر لهم». وأخرجه مسلم والترمذي وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا ثابت وحميد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: «إن إبليس لعنه الله قال: يا رب إنك أخرجتني من الجنة من أجل آدم وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك. قال: فأنت مسلَّط. قال: يا رب زدني. قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله. قال: يا رب زدني. قال: أجعل صدورهم مساكن لكم وتجرون منهم مجرى الدم. قال: يا رب زدني. قال: ﴿أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، فقال آدم عليه الصلاة والسلام: يا رب قد سلطتَه عليَّ، وإني لا أمتنع إلا بك. قال تبارك وتعالى: لا يولد لك ولد إلا وكَّلت به من يحفظه من قرناء السوء. قال: يا رب زدني. قال: الحسنة عشرًا وأزيد، والسيئة واحدة أو أمحوها. قال: يا رب زدني. قال: باب التوبة مفتوح ما كانت الروح في الجسد. قال: يا رب زدني. قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾». انتهى من ابن كثير.

وقال محمد بن إسحاق وساقه عن عمر – رضي الله عنهما – في حديثه قال: كنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفًا ولا عدلاً ولا توبة ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. قال: فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلى قوله وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. قال عمر – رضي الله عنه: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص – رضي الله عنه – قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوت ولا أفهمها حتى قلت، فألقى الله عز وجل في قلبي: إنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، ثم استحث تبارك وتعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة فقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ...﴾ الآيات؛ أي بادروا بالتوبة إلى العمل الصالح قبل أن يأتيكم العذاب؛ أي حلول النقمة؛ أي من حيث لا تعلمون ولا تشعرون، ثم قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾؛ أي: يوم القيامة يتحسر المجرم والمفرِّط في التوبة والإنابة ويودُّ لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله عز وجل، وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾: أي: إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي تود لو أعيدت إلى الدنيا؛ لتحسن العمل. انتهى من ابن كثير.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس – رضي الله عنهما: أخبر الله سبحانه وتعالى ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾.. إلى قوله: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فأخبر الله عز وجل أن لو ردُّوا لما قدروا على الهدى فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي: ورواه مسلم بن الحجاج عن محمد بن محمد بن المثنى العبري عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة بهذا الإسناد وقال: فَدُلَّ على راهب فأتاه فقال أنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة. فقال: لا. فقتله وكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فَدُلَّ على رجل عالم. فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة. فقال: نعم؛ ومن يحول بينه وبين التوبة. انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا كان نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم حكمًا، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة. وقال البغوي أيضًا: أخبرنا أبو الحسن السرخسي وساقه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال رجل لم يعمل خيرًا قط لأهله إذا مات فحرقوه: ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر؛ فوالله لئن قدر الله عليه لَيُعَذِّبَنَّه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين. قال: فلما مات فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب، وأنت أعلم. فغفر له... »، وقال أيضًا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة وساقه عن ضمضم بن جوسى قال: دخلت المدينة فناداني شيخ فقال: يا يماني تعالى. وما أعرفه، فقال: لا تقولَنَّ لرجل: والله لا يغفر الله لك أبدًا، ولا يدخلك الله الجنة. قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال أبو هريرة: قال: فقلت: إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمه. قال: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابَّيْن أحدهما مجتهد في العبادة والآخر كان مذنبًا فجعله يقول له: أقصر عما أنت فيه. قال: فيقول خَلِّني وربي. قال: حتى وجده يومًا على ذنب استعظمه. فقال: أقصر. فقال: خلني وربي أبُعثت عليَّ رقيبًا. فقال: والله لا يغفر الله لك أبدًا ولا يدخلك الله الجنة أبدًا. قال فبعث الله إليهما ملكًا لقبض أرواحهما فاجتمعا عنده. فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي. فقال لا يا رب. فقال: اذهبوا به إلى النار». قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.

 قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر القفال إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾: أقبلوا وارجعوا إليه بالطاعة ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾: وأخلصوا له التوحيد ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ...﴾ الآية. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: التزموا طاعته واجتنبوا معصيته؛ فإن في القرآن ذكر القبيح لنجتنبه وذكر الأدنى لئلا ترغب فيه وذكر الأحسن لتؤثره. قال السدي: الأحسن ما أمر به في الكتاب، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا﴾: يعني: لئلا تقول نفس. أي بادروا واحذروا أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون هذا القول؛ أي يا ندامتا، والتحسر الاغتمام على ما فات، وقيل: معنى قوله: يا حسرتا: يا أيتها الحسرة هذا وقتك، ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾، قال الحسن: قصرت في طاعة الله. وقال مجاهد: في أمر الله. وقال سعيد بن جبير: في حق الله. وقيل: ضيعت في ذات الله. وقيل: معناه قصَّرت في الجانب الذي يردُّني إلى رضا الله، والعرب تسمى الجنب جانبًا. انتهى من البغوي.

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾: المستهزئين بدين الله وكتابه ورسوله والمؤمنين. قال قتادة: لم يَكْفِه أن ضَيَّع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعته. انتهى من البغوي.

* * *


فصـل

 قال الشيخ رحمه الله:

(ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وفي الحديث: «إذا استعنت فاستعن بالله»).

شـرح

والعبادة في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبَّد وبعير معبَّد: أي مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، وقدّم المفعول وهو "إياك" وكُرِّر للاهتمام والحصر؛ أي لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة والدين، كله يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ فالأول تبرؤٌ من الشرك. والثاني: تبرؤٌ من الحول والقوة والتفويض إلى الله عز وجل، وهذا المعنى في غير آية من القرآن؛ كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، وكذلك هذه الآية الكريمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وتحوّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبة؛ لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك، ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه؛ كما جاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وفي صحيح مسلم من حديث العلاء وساقه عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الله تعالى: «قَسَمْت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل؛ إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال: أثنى عليَّ عبدي. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجَّدَني عبدي. وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».

وقال الضَّحاك عن ابن عباس – رضي الله عنهما: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعني إياك نوحد ونخاف ونرجوك يا ربنا لا غيرك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على طاعتك وعلى أمورنا كلها. وقال قتادة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: يأمركم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أموركم، وإنما قدَّم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن العبادة له هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم والله أعلم.

فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؟ فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام، وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم؛ فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها وتوسط لهم بخير، ومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم؛ كأن العبد قيل له: إذا كنت داخل العبادة فأنت شريف وجاهك عريض فقل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وإن كنت خارج العبادة فلا تقل نحن ولا فعلنا، ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف؛ لاحتياج الجميع إلى الله عز وجل وفقرهم إليه، ومنهم من قال: "إياك نعبد" ألطف في التواضع من إياك عبدنا؛ لما في الثاني من تعظيم نفسه من جعله نفسه وحده أهلاً لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته ولا يثني عليه كما يليق به، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد؛ لانتسابه إلى جناب الله تعالى.

وقد سمى الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعبده في أشرف مقاماته فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾؛ فسماه عبدًا عند إنزاله عليه وعند قيامه في الدعوة وأسرى به وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين؛ حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، وقد حكى الرازي في تفسيره عن بعضهم أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة؛ لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من الحق إلى الخلق؛ قال: ولأن الله يتولى مصالح عبده. انتهى من ابن كثير.

وقال الشيخ في الدرر السنية: وقد تبَيَّن أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والحكمة ومعرفة ما أراد بذلك كما كان عليه الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم؛ فكل ما يحتاج إليه الناس فقد بيَّنه الله ورسوله بيانًا شافيًا كافيًا؛ فكيف أصول التوحيد والإيمان، ثم إذا عرف ما بيَّنه الرسول نظر في أقوال الناس وما أرادوا بها فعرضت على الكتاب والسنة والعقل الصريح الذي هو موافق للرسول؛ فإنه الميزان مع الكتاب، فهذا سبيل الهدى؛ فهو الميزان لمن حسن عمله وزان.

 وأما سبيل الضلال والبدع والجهل فعَكْسُه؛ أن تبدع بدعة بآراء رجال وتأويلاتهم، ثم تجعل ما جاء به الرسول تبعًا لها، وتحرف ألفاظه وتأويله على وفق ما ابتدعت، وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول ولا يتلقون منه الهدى؛ ولكن ما وافقهم منه قبلوه وجعلوه حجة لا عمدة، وما خالفهم منه تأولوه كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه؛ فمن تدبر ما أخبر الله به رسوله رأى أنه قد وقع من ذلك أمور كثيرة، ومن زاد في الدين بشيء ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - وليس عليه الصحابة والتابعون فكأنما نَقَّص.

وعن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أُخْبِروا كأنهم تقالُّوها؛ قالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ! فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد. وقال أحدهم: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء ولا أتزوج. فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكن أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني». رواه البخاري. انتهى من الدرر.

فأما اشتمال الفاتحة على الشفاءين شفاء القلوب وشفاء الأبدان قال ابن القيم: فإنها عليه أتم اشتمال؛ فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم وفساد القصد، ويترتب عليهما داءان قاتلان وهما الضلال والغضب؛ فالضلال نتيجة فساد العلم والغضب نتيجة فساد القصد، وهذان المرضان هما مِلاك أمراض القلوب جميعها؛ فهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال، ولذلك كان سؤال هذه الهداية أفرض دعاء على كل عبد وأوجبه عليه كل يوم وليلة في كل صلاة؛ لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة، ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه، والتحقيق بـ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: علمًا ومعرفة وعملاً وحالاً؛ يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد؛ فإن فساد القصد يتعلق بالغايات والوسائل؛ فمن طلب غاية منقطعة مضمحلة فانية وتوسَّل إليها بأنواع الوسائل الموصلة إليها كان كلا نوعي قصده فاسدًا، وهذا شأن كلِّ من كان غاية مطلوبه غيرَ الله، وعبوديته لغير الله، وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبرياء.

فإذا عوفى من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن مرض الكبرياء والعجب بـ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومن مرض الضلال والجهل بـ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ عوفي من أمراضه وأسقامه ورفل في أثواب العافية وتمت عليه النعمة وكان من المنعَم عليهم، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه و﴿الضَّالِّينَ﴾ وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه، وحق السورة تشتمل على هذين الشفاءين؛ أن يستشفى بها من كل مرض. انتهى من الدرر.

واشتمال الفاتحة على الرَّدِّ على جميع المبطلين من أهل الملل والنحل والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة، وهذا يعلم بطريقين مجمل ومفصل.

أما المجمل فهو أن الصراط المستقيم متضمن معرفة الحق وإيثاره وتقديمه على غيره ومحبته والانقياد له والدعوة إليه وجهاد أعدائه بحسب الإمكان، والحق هو ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وما جاء به علمًا وعملاً في باب صفات الرب سبحانه وأسمائه وتوحيده وأمره ونهيه ووعده ووعيده، وفي حقائق الإيمان التي هي منازل السائرين إلى الله تعالى، وكل ذلك مسلَّمٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون آراء الرجال وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم؛ فكل علم أو عمل أو حقيقة أو حال أو مقام خرج من مشكاة نبوته وعليه السَّكَّة المحمدية بحيث يكون فهو من الصراط المستقيم، وما لم يكن كذلك فهو من صراط أهل الغضب والضلال؛ فما ثَمَّ خرج عن هذه الطرق الثلاث؛ طريق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به، وطريقة أهل الغضب وهي طريقة من عرف الحق وعانده، وطريق أهل الضلال وهي طريق من أضله الله عنه، نعوذ بالله من ذلك، وأما المفصل فبمعرفة المذاهب الباطلة واشتمال كلمات الفاتحة على أبطالها؛ فبهذين الطريقين يعلم أن كل ما خالف الحق فباطل، وهو من صراط الأمتين الأمة الغاضبية وأمة أهل الضلال.

وبني ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح؛ فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع؛ فأصحاب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هم أصحابها، وأعمال الجوارح كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك، فـ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ التزام لأحكام هذه الأربع وإقرار بها، و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ طَلَبُ الإعانة عليها والتوفيق لها، و﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ متضمنٌ للتعريف بالأمرين على التفصيل، وإلهام القيام بهما وسلوك طريق السالكين إلى الله بها، وفي مراتب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ علمًا وعملاً للعبودية مراتب بحسب العلم والعمل؛ فأما مراتبها العلمية فمرتبتان: إحداهما العلم بالله والثانية العلم بدينه؛ فأما العلم به سبحانه فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به.

والعلم بدينه مرتبتان: إحداهما: دينه الأمري الشرعي وهو الصراط المستقيم الموصل إليه، والثانية دينه الجزائي المتضمن ثوابه وعقابه، وقد دخل في هذا العلم العلمُ بملائكته وكتبه ورسله، وأما مراتبها العلمية فمرتبتان: مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين المقربين؛ فأما مرتبة أصحاب اليمين فأداء الواجبات وترك المحرمات مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات وترك بعض المستحبات.

فائدة:

من علامات المحبة

وأما مرتبة المقربين فالقيام بالواجبات والمندوبات وترك المحرمات والمكروهات زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم متورعين عما يخافون ضرره، وخاصتهم قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات، ورحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة من كملها كمَّل مراتب العبودية، وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب واللسان والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة؛ واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح، وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح؛ فواجب القلب كالإخلاص والتوكل والمحبة والصبر والإنابة والخوف والرجاء والتصديق الجازم والنية في العبادة وهو تميز العبادة عن العادة، ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ التي ينتقل فيها القلب منزلة في حال سيره إلى الله، فإذا صحت فكرته أوجبت له البصيرة؛ فهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار وما أعد الله في هذه لأوليائه وفي هذه لأعدائه، فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق وقد نزلت ملائكة السموات فأحاطت بهم، وقد جاء الله، وقد نصب كرسيه لفصل القضاء وقد أشرقت الأرض بنوره ووضع الكتاب وجاء بالنبيين والشهداء وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمعت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه ولاح الحوض وأكوابه عن كثب وكثر العطاش وقل الوارد ونصب الجسر للعبور ولُزّ الناس إليه، وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه والنار يحطم بعضها تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين، فينفتح في قلبه عين يرى بها ذلك، ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة ودوامها والدنيا وسرعة انقضائها. انتهى كلام ابن القيم، مدارج.

وقال ابن القيم: ولما كانت التوبة هي رجوع العبد إلى الله ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضالين، وذلك لا يحصل إلا بهداية الله إلى الصراط المستقيم، ولا تحصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده - فقد انتظمتها سورة الفاتحة أحسن انتظام وتضمنتها أبلغ تضمن؛ فمن أعطى الفاتحة حقها علمًا وشهودًا وحالاً ومعرفة علم أنه لا تصلح له قراءتها على العبودية إلا بالتوبة النصوح؛ فإن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب ولا مع الإصرار عليها؛ فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى، والثاني غيّ ينافي قصده وإرادته؛ فلذلك لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب والاعتراف به وطلب التخلص من سوء عواقبه أولاً وأخرًا، والفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها والجهل بقدر من عصاه، وفرحه بها أشد ضرارًا عليه من مواقعتها، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدًا، ولا يكمل بها فرحه؛ بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه، ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور بها، ومتى خلى قلبه من هذا الحزن واشتدت غبطته فَلْيَتَّهم إيمانه وليبك على موت قلبه؛ فإنه لو كان حيًّا لأحزنه ارتكابه للذنب وغاظه وصعب عليه؛ فحيث لم يحسس به فما لجرح بميت إيلام؛ فالإصرار على المعصية معصية أخرى، والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها وطمأنينة إليها، وذلك علامة الهلاك، وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الرب جل جلاله من فوق عرشه إليه؛ فإن آمن بنظره إليه وأقدم على المجاهرة فعظيم، وإن لم يؤمن بنظره إليه واطلاعه عليه فكفر وانسلاخ من الإسلام بالكلية؛ فهو دائب بين أمرين بين قلة الحياء ومجاهرة نظر الله إليه وبين الكفر والانسلاخ من الدين؛ فلذلك يشترط في صحة التوبة تيقُّنه أن الله ناظرٌ إليه ولا يزال مطلعًا عليه، يراه جهرةً عند مواقعة الذنب؛ لأن التوبة لا تصح إلا من مسلم إلا أن يكون كافرًا بنظر الله إليه جاحدًا له فتوبته دخوله في الإسلام وإقراره بصفات الرب جل جلاله.

وشروط التوبة ثلاثة:

الندم على ما مضى.

والإقلاع عن المعصية.

والعزم أن لا يعود إليها.

وشرط رابع إن كان حقٌّ لإنسان رده عليه أو استحلَّ منه.

وكانت عامة يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ومقلب القلوب». وقال: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل؛ إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه»، ثم قال: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك». انتهى كلام ابن القيم. مدارج السالكين.

* * *


فصـل

قال الشيخ رحمه الله:

(ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾).

شـرح

قال ابن كثير: هذه ثلاث صفات من صفات الرب عز وجل؛ الربوبية والملك والإلهية؛ فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه؛ فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة عبيد له؛ فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات من شر الوسواس الخناس؛ وهو الشيطان الموكَّل بالإنسان؛ فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش، ولا يألوه جهدًا في الخبال، والمعصوم من عصمه الله، وقد ثبت في الصحيح أنه ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرينه. قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم؛ إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير».

وقد ثبت في الصحيحين عن أنس في قصة زيارة صفية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو معتكف وخروجه معها ليلاً ليردها إلى منزلها فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسرعا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله يا رسول الله. فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا - أو قال - شرًّا». وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي كما صح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس». غريب.

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وساقه عن رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: عثر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حماره فقلت: تعس الشيطان. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم. وقال: بقوتي صرعته وإذا قلت بسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب». تفرد به أحمد.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر الحنفي وساقه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أحدكم إذا كان في المسجد جاء الشيطان فأبس به كما يأبس الرجل بدابته، فإذا سكن له زنقه أو ألجمه». قال أبو هريرة – رضي الله عنه: وأنتم ترون ذلك؛ أما المزنوق فتراه مائلاً كذا، لا يذكر الله، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله عز وجل. تفرد به أحمد.

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾: قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس فإذا ذكر الله خنس. وكذا قال مجاهد وقتادة وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه، ذكر لي أن الشيطان الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح فإذا ذكر الله خنس.

وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾، قال: هو الشيطان يأمر، فإذا أطيع خنس. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ هل يختص هذا ببني آدم كما هو الظاهر أو يَعُمُّ بني آدم والجن؟ فيه قولان، ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبًا، وقال ابن جرير: وقد استعمل فيهم رجال من الجن فلا يدع في إطلاق الناس عليهم.

وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ هل هو تفصيل لقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾؟ ثم بيَّنهم فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، وهذا يقوي القول الثاني، وقيل: قوله ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ تفسير للذي يوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وساقه عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد فجلست فقال: «يا أبا ذر هل صليت؟ » قلت: لا. قال: قم فصل. قال: فقمت فصليت ثم جلست: فقال: «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن». قال: فقلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: «نعم». فقال: فقلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: «خير موضوع من شاء أقل ومن شاء أكثر». قلت: يا رسول الله، فالصوم؟ قال: «فرض مجزي وعند الله مزيد». قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: «أضعاف مضاعفة». قلت: يا رسول الله أيها أفضل؟ قال: «جهد من مقل أو سر إلى فقير». قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: «آدم». قلت: يا رسول الله، ونبيًّا كان؟ قال: «نعم نبي مكلم». قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: «ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرًا». وقال مرة: «خمسة عشر». قلت: يا رسول الله، أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾». رواه النسائي وغيره مطولاً.

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وساقه عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني لأحدث نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة». رواه أبو داود والنسائي وغيرهم. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾... إلى آخرها: يعني الشيطان. قال الزجاج: يعني الشيطان؛ ذا الوسواس الخناس الرجاع؛ وهو الشيطان جاثم على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس. قال قتادة: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربَّه خنس، ويقال: رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يُمَنِّيه ويحدِّثه، فإذا ذكر الله خنس وإذا لم يذكر الله يرجع ويضع رأسه؛ فذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾: بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾: يعني يدخل في الجني كما يدخل الإنسي، ويوسوس الجني كما يوسوس الإنسي، قاله الكلبي.

وقوله تعالى: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾: أراد بالناس ما ذكر من بعد؛ وهو الجنة والناس؛ فسمى الجن ناسًا كما سماهم رجالاً فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ...﴾ الآية.

وقد ذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدث: جاء قوم من الجن فوقعوا فقيل من أنتم؟ قالوا: أناس من الجن. وهذا معنى قول الفراء، قال بعضهم: ثبت أن الوسواس للإنسان كالوسوسة للشيطان من الشيطان، فجعل الوسواس من فعل الجنة والناس جميعًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾؛ كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس جميعًا.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر وساقه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تر آيات أنزلت لم ير مثلهن قط: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾».

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنبأنا أبو إسحاق وساقه عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا أخبرك بأفضل ما تَعَوَّذ به المتعوذون: قلت: بلى. قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾».

 وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجرجاني وساقه عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده؛ يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.

وأخبرنا أبو الحسن السرخسي وساقه عن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوِّذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها.

وأخبرنا الإمام أبو علي الحسيني وساقه عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار». انتهى من البغوي.

وقال في العراف: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قلت: حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمزغ غضبًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». فقيل له فقال: ما بي من جنون. وأصل النـزغ الفساد؛ إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾، والعياذ الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر، وأما الملاذ ففي طلب الخير. انتهى.

وقال في سورة فصلت: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ...﴾ الآية؛ أي إن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، فإذا استعذت بالله والتجأت إليه كَفَّه عنك ورد كيده، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه إلى آخره». انتهى من ابن كثير.

وقال في الدرر السنية: وفي الحديث: «شركم من اتقاه الناس خشية فحشه». وعن عائشة رضي الله عنها قالت أنه استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: «بئس أخو العشيرة هو». فلما دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ألان له الكلام، فقالت عائشة: قلت فيه يا رسول الله ما قلت؟ فقال: «إن الله يبغض الفحش والتفحش».

وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف – رحمه الله: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، ولزوم طاعته، وتقديم كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما عداهما؛ فإن من ظفر بهما فقد نجا، ومن تركهما فقد ضل وغوى، وأوصيكم بالبصيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا أمر الإنسان بأمر من أمور الخير نظر؛ فإن كان يترتب على ذلك الأمر خير في العاجل والآجل وسلامة في الدين وكان الأصلح الأمر به مضى فيه بعلم ونية صالحة مضى، وإن كان يترتب على ذلك الأمر شر وفتن وتفريق كلمة في العاجل والآجل ومضرة في الدين والدنيا وكان الصلاح في تركه - وجب تركه ولم يأمر به؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأيضًا ينبغي لمن قصد الخير والدعوة إلى الله التواضع في الأمور والتثبت وعدم الطيش والعجلة، والحرص على الرفق والملاطفة في الدعوة؛ فإن في ذلك خيرًا كثيرًا، وينبغي له أن يعرف من له قدم صدق ومعرفة راسخة فيسأله ويستفتيه، ولا ينظر إلى الأشخاص، ولا من ليس له بصيرة في الدين.

 وهجران أهل المعاصي يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يستقيم إلا بالبصيرة والمعرفة التامة، وأقلُّ الأحوال إذا لم يحصل للعبد ذلك أن يقتصر على نفسه؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيت شُحًّا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك». وإذا رأى الإنسان يعمل شيئًا من المعاصي أبغضه على ما فيه من الشر وأحبه على ما فيه من الخير، ولا يجعل بغضه على ما معه من الشر قاطعًا وقاضيًا على ما معه من الخير فلا يحبه؛ بل إن كان بغضه يزجره ويزجر أمثاله راعى ما فيه الأصلح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هجر من علم أن الهجر يزجره ويردعه، وقبل معذرة من علم أن الهجر لا ينجع فيه شيئًا، ووكل سرائرهم إلى الله، ويلزم هذه الطريقة مع النية الصالحة وبه تندفع المضار وتأتلف القلوب ويكون على الآمر والناهي الوقار والمحبة. والله الموفِّق. انتهى من الدرر السنية.

وقال أيضًا: فاجتهدوا فيما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة، واعلموا أنه لا ينجي عند اختلاف الناس وكثرة الفتن إلا البصيرة، وليس كل من انتسب إلى العلم وتزيَّا بزيِّه يسأل ويستفتي وتأمنونه على دينكم. قال بعضُ السَّلف: إن هذا العلم دِين فانظروا عمَّن تأخذون دِينَكم، ولا تأخذوا عمَّن هَبَّ ودَبَّ وحُرِمَ الفقه والبصيرة؛ فإنكم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة. نسأل الله لنا ولكم العافية في الدنيا والآخرة، والتوفيق لما يحبه ويرضاه، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه وهو يقول الحق ويهدي السبيل وهو الهادي للصواب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. انتهى من الدرر.

* * *


فصـل

(ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾).

شـرح

قال شيخ الإسلام - رحمه الله - في كتاب التوحيد: "الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار: طلب النصر، والاستعانة طلب العون؛ فبين الاستغاثة والدعاء عمومٌ وخصوصٌ مطلق يجتمعان في مادة وهو دعاء المستغيث، وينفرد الدعاء الذي هو مطلق الطلب والسؤال من غير المستغيث، وقد نهى تعالى عن دعاء الأخص والأعم في كتابه في مواضع كثيرة؛ فكل ما قصد به غير الله مما لا يقدر عليه إلا الله؛ كدعوة الأموات والغائبين، فهو من الشرك الذي لا يغفره الله، والأدلة على ذلك من القرآن والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، والدين هو طاعة الله فيما أمر به وشرعه ونهى عنه وحرمه، وأعظم ما أمر به التوحيد والإخلاص، ونهى عن الشرك والتنديد، وأن لا يقصد العبد بشيء من عمله وعلمه سوى الله تعالى الذي خلقه لعبادته وأرسل بذلك رسله وأنزل به كتبه؛ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وأعظم ما نهى عنه الشرك به في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته ونعوت جلاله.

وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا المنافق. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله». وهذه عادة المنافقين؛ شرُّهم قديم، وكل قوم لهم وارث لا أكثرهم الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقدر أن يزجره فينزجر أو يردعه فيرتدع، فلعله أراد - صلى الله عليه وسلم - في تركه المنافقين أن يفعل بهم ما يستحقونه مخافة أن يفتتن بعض المؤمنين من قبيلة المنافق، وفي السنة ما يدل على ذلك، كما فعل مع ابن أبي، وقيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقدر أن يغيثهم من ذلك المنافق، فيكون نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الاستغاثة به حماية لجناب التوحيد وسدًّا لذرائع الشرك، كنظائره مما للمستغاث به قدرة عليه مما كان يستعمل لغة وشرعًا؛ مخافة أن يقع من أمته الاستغاثة بمن لا يضر ولا ينفع ولا يسمع ولا يستجيب من الأموات والغائبين والطواغيت والشياطين والأصنام وغير ذلك، وقد وقع من هذا الشرك العظيم ما عَمَّت به البلوى كما تقدم ذكره حتى أنهم أشركوا مع الله في ربوبيته وتدبير أمر خلقه، كما أشركوهم معه في إلهيته وعبوديته، والوسائل لها حكم الغايات في النهي والأمر فيها وتركها، والله أعلم. انتهى من التوحيد.

وقال في تيسير الحميد: وقال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه: "إني لا أحمل هَمَّ الإجابة، ولكن هَمَّ الدعاء، فإذا أُلهمت علمت أن الإجابة معه... ". وقال ابن عباس – رضي الله عنهما: "أفضل العبادة الدعاء". وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. رواه ابن المنذر والحاكم وصححه. وقال مطرف: تذكرت ما جماع الخير فإذا الخير كثير؛ الصلاة والصيام والزكاة والحج، وألزمها وأولها شهادة لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، ثم نظرة، وإذا هو في يد الله تعالى، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله أن تسأله فيعطيك ذلك. رواه أحمد والأحاديث والآثار في ذلك لا يحيط بها إلا الله تعالى.

فثبت بهذا أن الدعاء عبادة، ومن أجَلِّ العبادات؛ بل هو مخ العبادة وأكرمها على الله كما تقدم، وقوله: «من لم يدع الله يغضب عليه». رواه أحمد. وقوله: «سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل». رواه الترمذي. وقوله: «الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض». رواه الحاكم، وفي حديث آخر: «الدعاء مخ العبادة». رواه الترمذي. وقوله لما سئل: أي العبادة أفضل؟ قال: «دعاء المرء لنفسه». رواه البخاري في الأدب. وقوله: «لن ينفع حذر من قدر ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم بالدعاء يا عباد الله». رواه أحمد. وقوله: «سلوا الله كل شيء حتى الشسع إذا انقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر». رواه أبو يعلى بإسناد صحيح. وقوله: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع وحتى يسأله الملح». رواه البزار بإسناد صحيح. انتهى تيسير الحميد. التوحيد.

وقال الشيخ في الدرر السنية: ومن ذلك ما يفعله بعض الناس من المداهنة والمعاشرة وحسن السلوك وحسن الخلق وميله مع الجاهلين ومحبة المبطلين ولا يبالي في سخط رب العالمين، وهذا أعظم ضررًا وأكبر إثمًا من تركه لمجرد الجهالة؛ فإن هذا الصنف رأوا أن السلوك وحسن الخلق مع من هب ودرج، ونيل المعيشة لا يحصل إلا بذلك، ولم يبالوا أسخط الله أم رضي؛ فخالفوا الرسول وأتباعُهم وخرجوا عن سبيلهم ومنهاجهم لا يرون العقل إلا رضاء الناس على ما هم في طبقاتهم، ويسالمونهم ويستجلبون مودتهم ومحبتهم، وهذا مع أنه لا سبيل إليه إلا برضا الله، كما في حديث: «من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس»؛ فهو إيثار للحظوظ النفسانية والدعة ومسالمة الناس وترك المعاداة في الله والموالاة لله وتحمُّل الأذى في ذات الله، وهذا في الحقيقة هو الهلكة في الآجلة؛ فما ذاق طعم الإيمان من لم يوال في الله ويعاد لله ويعط لله ويمنع لله؛ فالعقل كل العقل ما أوصل إلى رضا الله ورسوله، وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله وإيثار مرضاته والغضب إذا انتهكت محارم الله، والغضب ينشأ من حياة القلب وغيرته وتعظيمه لأمر الله، وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم لأمر الله وعدم الغضب لله والاشمئزاز وسوَّى بين الخبيث والطيب في معاملاته وموالاته ومعاداته فأي خير يبقى في قلب هذا.

وفي بعض الآثار أن الله أوحى إلى جبرائيل أن اخسف بقرية كذا وكذا، فقال: يا رب إن فيهم فلانًا العابد. قال: به فابدأ؛ فإنه لم يتمعر وجهه فيَّ قط.

وذكر ابن عبد البر: إن الله بعث ملكين إلى قرية ليدمرها فوجدا فيها رجلاً قائمًا يصلي في مسجد فقالا: يا رب إن فيها عبدك فلانًا يصلي. فقال الله عز وجل: دمِّرها ودَمِّرْه معهم؛ فإنه ما تمعَّر وجهه فيَّ قط. ومَنْ له علم بأحوال القلوب وما يوجبه الإيمان ويقتضيه من الغضب لله والغيرة لحرمات الله وتعظيم أمره ونهيه، يعرف من تفاصيل ذلك فوق ما ذكرنا، ولو لم يكن إلا مشابهة المغضوب عليهم والضالين والأنس بأهل المعاصي ومواكلتهم ومشاربتهم ومجالستهم لكفى بذلك عيبًا ونقصًا. والله الموفق والهادي لا إله غيره ولا رب سواه.

 وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: وأما الفرق بين المداراة والمداهنة فالمداهنة ترك ما يحب الله من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي وهوى نفساني؛ كما في حديث: «إن من كان قبلكم كانوا إذا فعلت فيهم الخطيئة أنكروها ظاهرًا ثم أصبحوا من الغد يجالسون أهلها ويواكلونهم ويشاربونهم كأن لم يفعلوا شيئًا بالأمس». فالاستئناس والمعاشرة لأهل المعاصي مع القدرة على الإنكار عليهم، ولم ينكروا عليهم - هي المداهنة، وأما المداراة فهي درء الشر بالمفسدة بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عنه إذا خيف شره، أو يحصل منه أكبر مما هو ملابس له. انتهى من الدرر. اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاة وتسليمًا دائمين متتابعين وزد نبينا صلاة وتسليمًا، وآته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، واغفر اللهم لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.


 فصـل

 قال الشيخ رحمه الله:

(ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.

 ومن السنة: «لعن الله من ذبح لغير الله»).

شـرح

يأمر تعالى نبيه أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك؛ فإن صلاته لله ونسكه على اسم الله وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾: أي: أخلص له صلاتك وذبحك؛ فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمر الله تعالى نبيه بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى، قال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾: النُّسُك: الذبح في الحج والعمرة. وقال الثوري عن السدي عن سعيد بن جبير: ﴿وَنُسُكِي﴾: قال: ذبحي.

وقال ابن أبي حاتم وساقه عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله قال: ضحَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم عيد النحر بكبشين، وقال حين ذبحهم: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: قال قتادة: أي من هذه الأمة؛ لأن كل نبي إسلامه قبل أمته، وهو كما قال؛ فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقد أخبر تعالى عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، والآيات في ذكر الأنبياء كثيرة جدًّا.

فأخبر تعالى أنه بعث رسله بالإسلام ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا إلى أن نسخت بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي لا تنسخ أبد الآبدين ولا تزال قائمة منصورة وأعلامها منشورة إلى قيام الساعة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «نحن معاشر الأنبياء أولاد عَلَّات ديننا واحد». فإن أولاد العَلَّات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى؛ فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا؛ بنو الأم الواحدة من آباء شتى والإخوة الأعيان الأشقاء من أب وأم واحدة، والله أعلم.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد وساقه عن علي رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كبر استفتح ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآية، «اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك». ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد من التسبيح فيهما والدعاء. رواه مسلم في صحيحه. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾: قيل: أراد بالنسك الذبيحة في الحج والعمرة. وقال مقاتل: نسكي حجي. وقيل: ديني. ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾: أي حياتي ووفاتي، ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: هو يحييني ويميتني. وقيل: محياي بالعمل الصالح ومماتي إذا مت على الإيمان لله رب العالمين. وقيل: طاعتي في حياتي لله وجزائي بعد مماتي من الله رب العالمين. قرأ أهل المدينة "محياي" بسكون الياء ومماتي بفتحها، وقراءة العامة: "محياي" - بفتح الياء - لئلا يجتمع ساكنان، وقوله تعالى: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال قتادة: وأنا أول المسلمين من هذه الأمة. انتهى من البغوي.

وقال ابن كثير على قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾: أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك، فاعبده وحده لا شريك له وانحر على اسمه وحده لا شريك له.

 قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وغيرهم: يعني بذلك نحر البدن ونحوها، وغيرهم من السلف، وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله والذبح على غير اسمه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ...﴾ الآية، وقيل: المراد بقوله: "وانحر" وضعُ اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر. يروى هذا عن علي ولا يصح، وعن أبي جعفر الباقر ﴿وانحر﴾ يعني رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. وقيل: ﴿وانحر﴾: أي استقبل بنحرك القبلة. ذكره ابن جرير، والصحيح القول الأول: أن المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له». فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم. قال: «شاتك شاة لحم». قال: فإن عندي عناقًا هي أحب إليَّ من شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: «تجزئك ولا تجزي عن أحدٍ بعدك».

وقال أبو جعفر بن جرير: والصواب قول من قال: إن معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصًا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله لله دون الأوثان؛ شكرًا على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفاء له وخصك به، وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾: أي: إن مبغضيك يا محمد ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكره.

 قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: نزلت في العاص بن وائل. انتهى من ابن كثير.

وقال الشيخ في تيسير الحميد على قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾: قال شيخ الإسلام: أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين - وهما الصلاة والنسك - الدالتين على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته، عكس حال أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر، ولهذا جمع بينهما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي...﴾ الآية، والنسك الذبيحة لله ابتغاء وجهه؛ فإنها أَجَلُّ ما يتقرب به إلى الله؛ فإنه أتى فيهما بالفاء الدالة على السبب للقيام بشكر ما أعطاه الله من الكوثر، وأجل العبادات البدنية الصلاة وأجل العبادات المالية النحر، وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها كما عرفه أرباب القلوب الحية، وما يجتمع له في النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص من قوة اليقين وحسن الظن أمر عجيب، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - كثير الصلاة كثير النحر.

وقال غيره: أي فاعبد ربك الذي أَعَزَّك بإعطائه وشَرَّفَك وصانك من منن الخلق مراغمًا لقومك الذين يعبدون غير الله وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفًا لهم في النحر للأوثان، وأنت مخلصًا للواحد المنان وهذا هو الصحيح في تفسيرها.

وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من لعن والديه ولعن الله من آوى محدثًا ولعن الله من غَيَّرَ منار الأرض»... رواه مسلم.

قوله: «لعن الله»: قالوا: اللعنة البعد عن مظان الرحمة ومواطنها. قيل: واللعين والملعون من حقت عليه اللعنة أو دعي عليه بها... قال أبو السعادات: أصل اللعنة الطرد والإبعاد من الله، ومن أخلقه السب والدعاء.

 قوله "من ذبح لغير الله": قال النووي: المراد به أن يذبح باسم غير اسم الله تعالى؛ كمن يذبح للصنم أو الصليب أو مخلوق كائنًا ما كان، أو للكعبة ونحو ذلك، وكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًّا أو يهوديًّا، نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار الذابح مرتدًّا. ذكره في شرح مسلم ونقله غير واحد من الشافعية وغيرهم.

وقال شيخ الإسلام: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: ظاهره أنه ما ذبح لغير الله؛ مثل أن يقال: هذه الذبيحة لكذا. وإذا كان هو المقصود فسواءٌ لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا ظاهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحنا للحم وقلنا عليه بسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة لغير الله والنسك لغير الله أعظم من الاستعانة باسم غير الله في فواتح الأمور؛ فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين قد يتقربون به إلى الكواكب بالذبح لها ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال؛ لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون من الذبح للجن، ولهذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن ذبائح الجن، وله شواهد كثيرة من فتح المجيد.

وقال النووي: وذكر الشيخ إبراهيم المروذي من أصحابنا أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه - أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أهل به لغير الله.

وقال الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشارًا بقدومه، فهو كذبح قصد به غير الله فهو داخل في الحديث؛ أي في التحريم.

وقوله: لعن الله من لعن والديه قال بعضهم: يعني أباه وأمه وإن علوا... وفي الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه. قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه». فإذا كان هذا حال المتسبب فما ظنك بالمباشر؟ قوله: «ولعن الله من آوى محدثًا»: فقال أبو السعادات: يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول؛ فمعنى الكسر: من نصر جانيًا وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه، والفتح هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضا به والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر عليها فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه.

وقوله: «لعن الله من غيَّر منار الأرض»: قال المصنف: هي المراسيم التي تفرق بينك وبين جارك. وقال النووي: منار الأرض - بفتح الميم - علامات حدودها، والمعنى واحد. قيل: وتغييرها أن يقدمها أو يؤخرها؛ فيكون هذا من ظلم الأرض الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: «من ظلم شبرًا من الأرض طُوِّقَه يوم القيامة من سبع أرضين». رواه البخاري ومسلم.

وفي الحديث دليل على جواز لعن أنواع الفساق؛ كقوله «لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه». ونحو ذلك؛ فأما لعن المعين الفاسق ففيه قولان ذكرهما شيخ الإسلام: أحدهما: أنه جائز، اختاره ابن الجوزي وغيره، والثاني: لا يجوز، اختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام، قال: والمعروف عند أحمد كراهة لعن المعين كالحجاج وأمثاله، وأن يقول كما قال الله ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.

وعن طارق بن شهاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب». قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرب. قال: ما عندي شيء. قالوا: قرب ولو ذبابًا. فقرب ذبابًا فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله عز وجل. فضربوا عنقه فدخل الجنة.. » رواه أحمد.

 قوله: «دخل الجنة رجل في ذباب»: أي من أجل ذباب.

 قوله: وكيف ذلك يا رسول الله؟ سألوا عن هذا الأمر العجيب لأنهم قد علموا أن الجنة لا يدخلها أحد إلا بالأعمال الصالحة، وأن النار لا يدخلها أحد إلا بالأعمال السيئة؛ فكأنهم تقالُّوا ذلك وتعجبوا واحتقروه، فبَيَّن لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صَيَّرَ هذا الأمر الحقير عندهم عظيمًا؛ يستحق هذا عليه الجنة ويستحق الآخر عليه النار.

 قال المصنف ما معناه: وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده؛ بل فعله تخلصًا من شرهم، وفيه أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافرًا لم يقل: دخل النار في ذباب، وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان.

 قوله: وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله عز وجل... إلى آخره: في هذا بيان فضيلة التوحيد والإخلاص، وفيه معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين؛ كيف صبر على القتل ولم يوافقهم على طلبهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر، وفيه شاهد للحديث الصحيح: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك». قلت: وفيه التنبيه على سعة مغفرة الله وشدة عقوبته وأن الأعمال بالخواتيم. انتهى من تيسير الحميد.


 فصـل

 قال الشيخ رحمه الله:

(ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾).

شـرح

هذا من صفاتهم في الدنيا، كذلك قال قتادة: أراد يوفون بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وغيرها من الواجبات، ومعنى النذر الإيجاب، وقال مجاهد وعكرمة: إذا نذروا في طاعة الله وفوا به. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، وساقه عن القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، قوله: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾: فاشيًا ممتدًّا، يقال: استطار الصبح: إذا امتد وانتشر.

 قال مقاتل: كان شره فاشيًا في السموات، فانشقت وتناثرت الكواكب وكورت الشمس والقمر وفزعت الملائكة وفي الأرض نسفت والجبال فنسفت وغارت المياه، وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء؛ هذا من شر ذلك اليوم وهو له. انتهى من البغوي.

وقال ابن كثير: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾: أي: يتعبدون الله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة عليهم بأصل الشرع وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر. قال الإمام مالك وساقه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». رواه البخاري. ويتركون المحرمات التي نهاهم الله عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شره مستطير؛ أي منتثر عام على الناس إلا من رحم الله. قال ابن عباس: فاشيًا. وقال قتادة: استطاروا الله شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض. قال ابن جرير: ومنه قولهم: استطار الصدع في الزجاجة واستطال. انتهى من ابن كثير.

وقال في تيسير الحميد شرح التوحيد: وعن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا لا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم». رواه أبو داود وإسناده على شرطهما. قوله: فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. وقد جاء عن السلف ما يدل على ذلك، وفيه المنع من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان وثن من أوثانهم ولو بعد زواله. ذكره المصنف.

 قوله: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال شيخ الإسلام: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدًا؛ إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك، والمراد به هنا الاجتماع المعتاد من اجتماع الجاهلية؛ فالعيد يجمع أمورًا منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع الجاهلية؛ فالعيد يجمع أمورًا منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات، وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقًا، وكلٌّ من هذه الأمور قد تسمى عيدًا؛ فالزمان كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم الجمعة: «إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدًا». أو الاجتماع والأعمال؛ كقول ابن عباس: شهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والمكان كقوله: «لا تتخذوا قبري عيدًا». قال المصنف: وفيه استفصال الفتيا والمنع من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان عيد من أعياد الجاهلية ولو بعد زواله، والحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم وأفعالهم ولو لم يقصده. انتهى.

قوله: فأوفِ بنذرك. هذا يدل على أن الذبح لله في المكان الذي يذبح فيه المشركون لغير الله أو في محل أعيادهم معصية لا يجوز الذبح فيه، وذلك يدل على أن الوصف سبب الحكم؛ فيكون سبب الأمر بالوفاء، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به؛ لوجود النذر خاليًا عن هذين الوصفين، فيكونان مانعين من الوفاء، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به، ولأنه عقَّبه بقوله: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» وفيه أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع.

وقد أجمع العلماء على ذلك لهذا الحديث وحديث عائشة الآتي وما في معناهما، واختلفوا: هل تجب به كفارة يمين على قولين هما روايتان عن أحمد أحدهما: تجب. وهو المذهب المشهور عن أحمد، وروي عن ابن مسعود وابن عباس وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.

 الحديث عن عائشة مرفوعًا: «لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين». رواه أحمد وأهل السنن، واحتج به أحمد وإسحاق، والثاني لا كفارة عليه، روي ذلك عن مسروق والشعبي والشافعي؛ لحديث الباب وحديث عائشة الآتي، ولم يذكر فيهما كفارة، وجوابه أن عدم ذكر الكفارة لا يدل على عدم وجوبها، قوله: ولا فيما لا يملك ابن آدم. قال في شرح المصابيح: يعني إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه بأن قال: إن شفى الله مريضا فلله عليَّ أن أعتق عبد فلان أو أتصدق بثوبه. ونحو ذلك؛ فأما إذا التزم في الذمة شيئًا لا يملكه فيصح نذره؛ مثاله: إن شفى الله مريضا فلله عليَّ أن أعتق رقبة، وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها؛ فيصح نذره، وإذا شفي ثبت النذر في ذمته. انتهى من تيسير الحميد.

قال ابن كثير على قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ...﴾ الآية: يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك؛ ابتغاء وجهه ورجاء موعده، وتوعد من لا يعمل بطاعته بل خالف أمره وكذب خبره وعبد معه غيره فقال: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: أي يوم القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾: فيما فرض الله عليكم، ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾: أي: ما أوجبتم أنتم على أنفسكم في طاعة الله فوفيتم به: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾: أي يحفظه حتى يجازيكم به، وإنما قال: يعلمه. ولم يقل: يعلمها. لأنه رده إلى الآخر منهما؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا...﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾: الواضعين الصدقة في غير موضعها بالرياء، أو يتصدقون من الحرام. ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾: من أعوان يدفعون عذاب الله عنهم، وهي جمع نصير؛ مثل: شريف وأشراف. انتهى من البغوي.

وقال الشيخ محمد في الدرر السنية: ينبغي للمعلم أن يعلم الإنسان على قدر فهمه؛ فإن كان ممن يقرأ القرآن أو عرف أنه ذكي فيعلمه أصل الدين وأدلته والشرك وأدلته، ويقرأ عليه القرآن ويجتهد أنه يفهم القرآن فهم قلب، وإن كان رجلاً متوسطًا ذكر له بعض هذا، وإن كان مثل غالب الناس ضعيف الفهم فيصرح له بحق الله على العبيد؛ مثل ما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ، ويصف له حقوق الخلق مثل حق المسلم على المسلم وحق الأرحام وحق الوالدين، وأعظم من ذلك حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأفرضه شهادتك له أنه رسول الله وأنه خاتم النبيين، وتعلُّم أنك لو ترفع واحدًا من الصحابة في منزلة النبوة صرت كافرًا، فغير ذلك بطريق الولاء، فإذا فهم هذا فقل حق الله عليك أعظم وأعظم، فإذا سأل عن حق الله فاذكر له أنك تعبده ولا تصير مثل بعض الجاهلين، وأيضًا تخلص له العبادة؛ لا تكون مثل من يدعوه ويدعو غيره، أو يذبح له ولغيره، أو يتوكل عليه وعلى غيره، وكل العبادات كذلك تخلصها لله، وتعرفه أن من أخل بهذا أي شيء من أنواع العبادة حرمت عليه الجنة ومأواه النار، ولو قدرنا أنه ما أشرك وعرف التوحيد ولا عمل به ولا أحبه وأبغض فيه ما دخل الجنة، ولو ما أشرك؛ لأن فائدة ترك الشرك تصحيح التوحيد، ومن أعظم ما تنبه عليه التضرع عند الله دائمًا والنصيحة وإحضار القلب عند تلاوة القرآن، وخصوصًا الدعاء عند قراءة الفاتحة في كل صلاة إذا صلى. والله الهادي، انتهى من الدرر. اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك.

وقد ذكر محيي السنة البغوي كلامًا يحسن ذكره ههنا؛ قال: فأما هجر أهل العصيان وأهل الريب في الدين فيشرع إلى أن تزول الريبة عن حالهم وتظهر توبتهم. قال كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك: ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا، وذكر خمسين ليلة، وجعل محمد بن إسماعيل رحمه الله: حتى تبين توبة العاصي. وقال عبد الله بن عمر: لا تسلموا على شربة الخمر... وقال أبو الدرداء: لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله، ثم تقبل على نفسك فتكون لها أشد مقتًا. انتهى كلامه من الدرر.

والأصل الجامع لهذا أن معرفة استحقاقه سبحانه وتعالى أن يُعبد خوفًا ورجاء وإجلالاً ومحبة وتعظيمًا لا تبقي في القلب السليم محبة لأعدائه ومودة؛ لأن المحبة أصل كل عمل من حق وباطل؛ فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله؛ فلما غلب على الناس حب الدنيا وإيثارها أنكروا هذا ونسوا ما كانوا عليه أولاً، ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾؛ جهلاً منهم بحقيقة الإسلام ولوازمه وقواعده العظام، ولو لم يكن في هذا إلا سد الذرائع المفضية إلى عقد المصالحة بين المسلم والمشرك لكان كافيًا؛ ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم وإيثار الدنيا فتح بعض المنتسبين أبوابًا على حصن الإسلام؛ إيثارا لموافقة العوام، وليت هؤلاء احتاطوا لأديانهم بعض ما احتاطوا إلى رياساتهم وأموالهم، وقد يحمل بعض الناس ذلك على أن يأمر بالباطل ويرتضيه، ومن لم يأمر به منهم لم ينه عنه؛ بل يقره ولا ينفيه، وقد يرجح أهل الشرك والمعاصي على الموحدين، وهذا مما يبتلى به أهل الأهواء، والمعافى من عافاه الله من إيثار أمر دنياه على أخراه، وهذا هو الواقع من بعض هؤلاء، وقد ذكر أئمتنا من أهل السنة رحمهم الله تعالى أنه وقع من أناس في زمانهم وما قبله لا يبلغه هؤلاء معشار ما عندهم من الفهم والعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولقد أحسن من قال:

يقضى على المرء في أيام محنته

حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن

 والبصير لا يغتر باستحسان هؤلاء وأمثالهم ما ركَّبوه وزيَّنوه من باطلهم، ولا بتركهم الحق واستهجانهم له ولأهله؛ فإن الله تعالى ميَّز الخلق بإراداتهم وأعمالهم وأقوالهم، وبيَّن الصادق من الكاذب، وتدبَّر كتاب الله وتفكر في آياته وحججه وبيناته:

فالحق شمس والعيون نواظر

لكنها تخفى على العميان

انتهى من الدرر.

وقد ورد في الحديث: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله»؛ فمن لم يحب أهل التوحيد والإيمان ويبغض أهل البدع والضلال فقد نقض أوثق عرى الإسلام، وقد جاءت الأحاديث والآثار بالتحذير من أهل البدع والترغيب في هجرهم والبعد عنهم؛ فمن ذلك ما روى اللالكائي في كتاب السنة عن الفضيل بن عياض: مَن أتاه رجل فدله على مبتدع فقد غش الإسلام. فاحذروا الدخول على أصحاب البدع؛ فإنهم يصدون عن الحق، وقال أيضًا: لا تجلس مع صاحب بدعة؛ فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة، ومن أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه، وصاحب البدعة لا تأمنه على دينك ولا تشاوره في أمرك ولا تجلس إليه؛ فمن جلس إلى صاحب بدعة أورثه الله العمى، وأخرج اللالكائي عن عطاء الخراساني ما يكاد الله أن يأذن لصاحب بدعة بتوبة، وأمثال هذا كثير عن السلف والأئمة، ولو تتبعناه لطال الجواب. انتهى من الدرر السنية.

 اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين... اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين وتب علينا أجمعين... اللهم من أراد المسلمين بسوء فأشغله بنفسه، وشتت شمله وعمِّ بصره وأخرس لسانه وأيبس أركانه وأرح المسلمين من شره... اللهم احفظ إمام المسلمين واجعله ناصر الدين، وارزقه البطانة الصالحة من المسلمين... اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وزد نبينا محمدًا صلاةً وتسليمًا وآته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات. وصلى الله على محمد.

* * *


فصل في الأصل الثاني

قال الشيخ رحمه الله:

(معرفة دين الإسلام بالأدلة؛ وهو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك.

وهو ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، وكل مرتبة لها أركانها.

فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام).

شـرح

قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: قال ابن كثير: يقول تعالى منكرًا على من أراد دينًا سوى دين الله الذي أنزل به كتبه وأرسل رسله - وهو عبادة الله وحده لا شريك له الذي له أسلم من في السموات والأرض؛ أي استسلم له من فيهما طوعًا وكرهًا: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا...﴾ الآية؛ فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرهًا؛ فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع، وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية وساقه عن عطاء بن أبي رباح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...﴾ الآية؛ أما من في السموات فالملائكة وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام، وأما كرهًا فمن أتي به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون في بدء الأمر.

 وقد ورد في الصحيح: «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل». وقوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾: قال حين أخذ الميثاق: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾؛ أي يوم المعاد؛ فيجازي كلًّا بعمله، وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾؛ فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك؛ بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ...﴾ الآية؛ أي من سلك طريقًا سوى ما شرعه الله فلن يقبل منه، ﴿وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ».

قال الإمام أحمد وساقه عن أبي هريرة: إذ ذاك ونحن بالمدينة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة. فيقول: إنك على خير. وتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا الصدقة. فيقول: إنك على خير. ثم يجيء الصيام فيقول يا رب أنا الصيام فيقول إنك على خير ثم تجيء الأعمال كل ذلك يقول الله إنك على خير ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام. فيقول الله تعالى: إنك على خير بك اليوم آخذ وبك أعطي. قال الله في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾». تفرَّد به أحمد... انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ...﴾ الآية: نزلت في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة، وأتوا مكة كفارًا؛ منهم الحارث بن سويد الأنصاري، فنزلت فيهم: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ...﴾ الآية. انتهى من البغوي.

 وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ...﴾ الآية. وقال أبو العالية والربيع: ﴿بلى من أسلم﴾: أخلص، ﴿وجهه﴾: قال: دينه، ﴿وهو محسن﴾: أي اتبع فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما أن يكون خالصًا لله وحده، والآخر أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة؛ فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ». رواه مسلم من حديث عائشة عنه عليه الصلاة والسلام؛ فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله، فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعًا للرسول - صلى الله عليه وسلم - المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وغير ذلك كثير في القرآن والسنة، وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله، فهو أيضًا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين.

 وقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وأمنهم مما يخافونه من المحذور، ﴿فلا خوف عليهم﴾ فيما يستقبلونه ﴿ولا هم يحزنون﴾ على ما مضى مما يتركونه؛ كما قال سعيد بن جبير: ﴿فلا خوف عليهم﴾ يعني في الآخرة ﴿ولا هم يحزنون﴾ يعني لا يحزنون للموت. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي: ﴿بلى من أسلم وجهه لله﴾: أي ليس كما قالوا؛ بل الحكم للإسلام، وإنما يدخل الجنة من أسلم وجهه لله؛ أي أخلص دينه لله، وقيل: خضع وتواضع لله، وأصل الإسلام الاستسلام والخضوع، وخص الوجه لأنه إذا جاء بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه، ﴿وهو محسن﴾ في عمله، وقيل مؤمن. وقيل مخلص. ﴿فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. انتهى من البغوي.

وقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً...﴾ الآية؛ يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك؛ قال العوفي عن ابن عباس وغيره: ﴿ادخلوا في السلم﴾: يعني الطاعة. وقال قتادة أيضًا: الموادعة، وقوله: ﴿كافة﴾: قال ابن عباس وجماعة من الصحابة: جميعا. وقوله: ﴿كافة﴾: أي حالاً من الداخلين: أي ادخلوا في الإسلام كلكم، والصحيح الأول؛ وهو أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جدًّا ما استطاعوا منها؛ كما قال ابن أبي حاتم وساقه عن عكرمة عن أبي عباس: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾؛ يعني أهل الكتاب؛ فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم؛ فقال الله: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾: يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا تدعوا منها شيئا، وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها. انتهى من ابن كثير.

 وقال البغوي: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾: أي في الإسلام. قال مجاهد: في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم، ﴿كافة﴾: أي جميع. وقيل: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه كافين عن المجاوزة إلى غيره، وأصل السلم من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح سلم. قال حذيفة بن اليمان في هذه الآية: الإسلام ثمانية أسهم. فعَدَّ الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال: قد خاب من لا سهم له. انتهى من البغوي.

وقال ابن كثير: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: أي بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾: أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم وفضَّلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول وأكمل شرع، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجًا ومخرجًا؛ فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعًا وفي السفر تقصر إلى اثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة كما ورد به الحديث، وتصلى رجالاً وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط لعذر المرض؛ فيصليها المريض جالسًا؛ فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات، ولهذا قال عليه السلام: «بعثت بالحنيفية السمحة». وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن: «بشِّرا ولا تنفِّرا ويسِّرا ولا تعسِّرا». والأحاديث في هذا كثيرة.

 ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: يعني من ضيق. وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾: قال ابن جرير: نصب على تقدير: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾: أي من ضيق؛ بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم... قال: ويحتمل أنه منصوب على تقدير: الزموا ملة أبيكم إبراهيم. قلت: وهذه الآية كقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، وفي هذا قال مجاهد وساقه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿هو سماكم المسلمين﴾: يعني إبراهيم، وذلك لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾، قال ابن جرير: ومن المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن "مسلمين" من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر، وفي هذا يعني القرآن، وكذا قال غيره.

 قلت: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه ملة أبيهم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نَوَّه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان؛ فقال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: من قبل هذا القرآن. وفي هذا روى النسائي عن تفسيره هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار وساقه عن الحارث الأشعري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم». قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: «نعم، وإن صام وصلى؛ فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله».

 وقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: أي إنما جعلناكم هكذا أمة وسطًا عدولًا خيارًا مشهودًا بعدالتكم عند جميع الأمم؛ لتكونوا يوم القيامة ﴿شهداء على الناس﴾؛ لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا...﴾ الآيات، وقوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾: أي قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها؛ فأدُّوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ وهو الإحسان إلى خلق الله بما أوجب للفقير على الغني؛ من إخراج جزءِ نزرٍ من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج؛ كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة في سورة التوبة. وقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾: أي اعتضدوا بالله واستعينوا به وتوكلوا عليه وتأيدوا به، ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾: أي حافظكم وناصركم ومضفركم على أعدائكم؛ ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: يعني: نعم الولي ونعم الناصر على الأعداء.

 قال وهيب بن الورد: يقول الله تعالى: "ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر، وارض بنصرتي فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك». رواه ابن أبي حاتم. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: قيل جاهدوا في سبيل الله أعداء الله. ﴿حق جهاده﴾: هو استفراغ الطاقة فيه، قاله ابن عباس، وعنه أيضًا أنه قال: لا تخافون لومة لائم. فهو حق الجهاد؛ كما قال تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، ثم قال الضحاك ومقاتل: اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته، وقال مقاتل بن سليمان: نسخها قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال أكثر المفسرين: حق الجهاد أن تكون نيته خالصة صادقة لله عز وجل.

وقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى. وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى؛ وهو الجهاد الأكبر، وهو حق الجهاد، وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من غزوة تبوك قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، وأراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار، وبالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس. ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾: يعني اختاركم لدينه، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: أي ضِيق. معناه أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل لله له منه مخرجًا؛ بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص، وبعضها بأنواع الكفارات؛ فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العقاب فيه، وقيل: من ضيق في أوقات فروضكم. مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج؛ إذا التبس ذلك عليكم وسع الله عليكم حتى تتيقنوا. وقال مقاتل: يعني الرخص عند الضرورات؛ كقصر الصلاة في السفر والتيمم عند فقد الماء وأكل الميتة عند الضرورة والإفطار بالسفر والمرض والصلاة قاعدًا عند العجز عن القيام. وهو قول الكلبي.

 وروي عن ابن عباس أنه قال: "الحرج" ما كان على بني إسرائيل من الأعمال التي كانت عليهم وضعها الله عن هذه الأمة، ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾: يعني كلمة أبيكم؛ نصب بنزع حرف الصفة، وقيل نصب على الإغراء؛ يعني: اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم. وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم؛ لأنها داخلة في ملة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن قيل: فما وجه قوله ملة أبيكم وليس كل المسلمين يرجع نسبهم إلى إبراهيم؟ قيل: خاطب به العرب وهم كانوا من نسل إبراهيم. وقيل: خاطب به جميع المسلمين وإبراهيم أبًا لهم على معنى وجوب احترامه وحفظ حقه كما يجب احترام الأب. وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده». وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾: يعني أن الله تعالى سماكم ﴿الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾: يعني من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة، ﴿وَفِي هَذَا﴾: يعني وفي هذا الكتاب. هذا قول أكثر المفسرين، وقال ابن زيد: هو يرجع إلى إبراهيم، سماكم المسلمين في أيامه من قبل هذا الوقت وفي هذا الوقت؛ وهو قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.

 ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾: يوم القيامة أن قد بلغكم؛ ﴿وَتَكُونُوا﴾: أنتم ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: أن رسلهم قد بلغتهم، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾: ثقوا بالله وتوكلوا عليه. قال الحسن: تمسَّكوا بدين الله. وروي عن ابن عباس قال: سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره. وقيل: معناه ادعوه ليثبتكم على دينه. وقيل: الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة، ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾: وليكم وناصركم وحافظكم، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: الناصر لكم. انتهى من البغوي.

اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين، اللهم أصلح ما فسد من المسلمين وثبت من هو متمسك بهذا الدين، اللهم اجعلنا لك مخلصين ولنبيك متبعين وعلى حوضه من الواردين، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وزد نبينا محمدًا صلاةً وتسليمًا وآته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، اللهم صل على محمد وآله وصحبه أجمعين.


 فصل

 قال الشيخ رحمه الله:

(ودليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

ومعناه: لا معبود بحق إلا الله.

﴿لا إله﴾: نافيًا جميع ما يُعبد من دون الله، إلا الله، مثبتًا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه ليس له شريك في ملكه، وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾).

شـرح

وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ تعالى، وكفى به شهيدًا وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه، وهو الغني عما سواه؛ كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ...﴾ الآية، ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.

 ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك، ﴿لا إله إلا هو﴾: تأكيد لما سبق، ﴿العزيز الحكيم﴾: العزيز الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد وساقه عن الزبير بن العوام؛ قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفة يقرآ هذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: قال: وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب، وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا علي بن حسين وساقه عن الزبير عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قرأ هذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾: قال: «وأنا أشهد»: أي رب، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير وساقه عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبًا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر فقام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: قالها مرارًا، قلت: لقد سمع فيها شيئًا فغدوت إليه فودَّعته ثم قلت: يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية. قال: أوما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لأحدثك بها إلى سنة. فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة. قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إليَّ، وأنا أحق من وَفَّى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة.

 وقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾: إخبار أمته تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام؛ وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فمن لقي الله بعد بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - وبدين على غير شريعته فليس بمتقبَّل؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ...﴾ الآية.

وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل منه عند الله في الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: بكسر إن وفتح أن الدين عند الله الإسلام: أي شهد هو والملائكة وأولوا العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام، والجمهور قرؤوها بالكسر على الخبر، وكلتا القراءتين صحيح؛ ولكن على قول الجمهور أظهر، والله أعلم. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: قيل: نزلت هذه الآية في نصارى نجران. وقال الكلبي: قدم حبران من أحبار الشام على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة فقالا له: أنت محمد؟ قال: «نعم». قالا له: وأنت أنت أحمد. قال: «أنا محمد وأحمد». قالا له: فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك. فقال: «نعم». قالا: فأخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل. فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأسلم الرجلان. قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾: أي بيَّن الله؛ لأن الشهادة تبيِّن... وقال مجاهد: حكم الله. وقيل: علم الله أنه لا إله إلا هو. قال ابن عباس - رضي الله عنهما: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد بنفسه لنفسه قبل أن يخلق شيئًا حين كان الله ولم تكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾: أي شهدت الملائكة. قيل: معنى شهادة الله الإخبار والإعلام، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار، ﴿وأولو العلم﴾: يعني الأنبياء عليهم السلام. وقال ابن كيسان: يعني المهاجرين والأنصار. وقال مقاتل: علماء مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. قال السدي والكلبي: يعني جميع علماء المؤمنين، ﴿قائمًا بالقسط﴾: أي بالعدل، ونظم الآية: "شهد الله قائمًا بالقسط": نصبٌ على الحال. وقيل: نصب على القطع. ومعنى قائمًا بالقسط: أي قائمًا بتدبير الخلق؛ كما يقال: فلان قائم بأمر فلان: أي مدبر له ومتعهد لأسبابه، وفلان قائم بحق فلان: أي مجاز له؛ فالله تعالى مدبر ورازقٌ ومجازٍ بالأعمال.

 ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: يعني الدين المرضي لله، الصحيح؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، وفتح الكسائي الألف من ﴿أن الدين﴾: ردًّا على أن الأولى تقديره: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهد أن الدين عند الله الإسلام، أو شهد الله أن الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو، وكسر الباقون الألف على الابتداء، والإسلام هو الدخول في السلم، وهو الانقياد لطاعته؛ يقال: أسلم: أي دخل في السلم واستسلم. قال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: قال: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى، وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه؛ فلا يقبل غيره ولا يجزي إلا به، أخبرنا أبو سعيد الشريحي، إلى قوله: حدثنا أبو وائل عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: إن لعبدي هذا عندي عهدًا وأنا أحق من وفَّى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة». وهي هذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. انتهى من البغوي.

 وقال ابن كثير على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: " هذه آية الكرسي ولها شأن عظيم؛ قد صح الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنها أفضل آية في كتاب الله، وعن أبي ذر جندب بن جنادة، إلى أن قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد فجلست، فقال: «يا أبا ذر هل صليت؟ » قلت: لا. قال: «قم فصل». قال: فقمت فصليت ثم جلست. فقال: «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن». قال: قلت: يا رسول الله، أوللإنس شياطين؟ قال: «نعم». قال: قلت: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: «خير موضوع من شاء أكثر». قال: قلت: يا رسول الله، فالصوم؟ قال: «فرض مجزيٌّ، وعند الله مزيد». قلت: يا رسول الله، فالصدقة؟ قال: «أضعاف مضاعفة». قلت: يا رسول الله، فأيها أفضل؟ قال: «جهد من مقل، أو سِرٌّ إلى فقير». قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: «آدم». قلت: يا رسول الله، ونبيًّا كان؟ قال: «نعم، نبيٌّ مكلم». قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: «ثلاثمائة وبضعة عشر جمًّا غفيرًا». وقال مرة: «وخمسة عشر». قلت: يا رسول الله، أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي». ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾». رواه النسائي.

 وفيها اسم الله الأعظم؛ قال الإمام أحمد وساقه عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في هاتين الآيتين: «اسم الله الأعظم ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وكذا عن أبي أمامة يرفعه؛ قال: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور؛ سورة البقرة وآل عمران وطه... قال هشام خطيب دمشق: أما البقرة فـ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي آل عمران ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي طه ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.

وعن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة قال أبو بكر بن مردويه وساقه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت». وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن الحسن بن بشر، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، إلى أن قال: على شرط البخاري.

وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة؛ قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو﴾: إخبار بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، ﴿الحي القيوم﴾: أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا القيم لغيره، وكان عمر يقرؤها في القيام؛ فجميع الموجدات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره؛ كقوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾، وقوله ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾؛ أي لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه؛ بل هو قائم على كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم؛ فقوله: ﴿لا تأخذه﴾: أي لا تغلبه سنة، وهي الوسن والنعاس، ولهذا قال: ولا نوم؛ لأنه أقوى من السنة، وفي الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربع كلمات فقال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل وعمل الليل قبل النهار حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر وساقه عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أن موسى عليه السلام سأل الملائكة: هل ينام الله عز وجل؟ فأوحى الله إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثًا فلا يتركوه ينام، ففعلوا ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما، قال: فجعل ينعس وهما في يده في كل يد واحدة، قال: فجعل ينعس وينبه وينعس وينبه حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما، قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله عز وجل، يقول: فكذلك السموات والأرض في يده. وهكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق، وهو من أخبار بني إسرائيل، وهو مما يعلم أن موسى عليه السلام لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله عز وجل، وأنه منزه عنه، وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه؛ كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾، وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، وكقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل؛ أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذن له في الشفاعة؛ كما في حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش فأخر ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع. قال: فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة».

 وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

 وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾: أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه؛ كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وقوله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: قال علمه. وعن ابن عباس قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: قال: كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل. انتهى من ابن كثير.

 وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: إخبار بتوحيده وتفرُّده بالإلهية لجميع المخلوقات، وتضمَّن قَسَمًا لقوله: ﴿ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه﴾، وهذه اللام موطئة للقسم؛ فقوله: الله لا إله إلا هو: خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾: أي لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده؛ فلا إله إلا هو ولا رب سواه. انتهى من ابن كثير.

 وقوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾: قال ابن عباس وغير واحد: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت القيوم الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء يدبره ويحفظه؛ فهو الكامل في نفسه الذي كل شيء فقير إليه لا قوام له إلا به. انتهى من ابن كثير.

اللهم نوِّر قلوبنا بالإيمان وأعذنا من نزغات الشيطان، اللهم من أراد المسلمين بسوء فأشغله بنفسه وشتت شمله وأعم بصره وأخرس لسانه وأيبس أركانه وعجِّل زواله، اللهم أصلح ما فسد من المسلمين وثبت من هو متمسك بهذا الدين، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا يا كريم، اللهم صلِّ على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وآت محمدًا الوسيلة والفضيلة وزده صلاةً وتسليمًا وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

فصل

قال الشيخ رحمه الله:

(ودليل شهادة أن محمدًا رسول الله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع).

شـرح

قال ابن كثير رحمه الله:

 يقول تعالى ممتنًّا على المؤمنين بما أرسل إليهم: ﴿رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: من جنسهم وعلى لغتهم؛ كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: منكم وبلغتكم. كما قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولاً منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته، وذكر الحديث. وقال سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ – قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح». وقد وصل هذا من وجه آخر كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرمهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي: حدثنا أبو أحمد، وساقه عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، ولم يمسني من سفاح الجاهلية شيء».

وقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾: أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمَّتَه ويشق عليها، ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة». وفي الصحيح: «إن هذا الدين يُسر». وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يَسَّرَها الله عليه.

 قوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم. قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي وساقه عن أبي ذر قال: تَرَكَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علمًا. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم».

وقال الإمام أحمد وساقه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم وأنتم في النار تتهافتون تهافة الفراش أو الذباب». وقال الإمام أحمد وساقه عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه ملكان فيما يرى النائم، فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته. فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وَرَدْتُ بكم رياضًا معشبة وحياضًا رواء، تتبعوني؟ فقالوا: نعم. قال: فانطلق بهم فأوردهم رياضًا معشبة وحياضًا رواءً فأكلوا وشربوا وسمنوا. فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي أن وردتُ بكم رياضًا معشَّبة وحياضًا رواء أن تتبعوني؟ فقالوا: بلى. فقال: فإن بين أيديكم رياضًا هي أعشب من هذه، وحياضًا هي أروى من هذه، فاتبعوني. فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه. وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه. انتهى.

وقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ كقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾، وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة، ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: أي الله الكافي لا إله إلا هو عليه توكلت، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، وهو رب العرش العظيم؛ أي: هو مالك كل شيء وخالقه؛ لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء وهو على كل شيء وكيل.

وقد روى أبو داود عن يزيد بن محمد وساقه عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: «حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم» سبع مرات إلا كفاه الله ما أهمه. انتهى من ابن كثير.

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ...﴾ الآية: قال البخاري: ﴿استجيبوا﴾: أي لما يصلحكم: حدثني إسحاق حدثنا روح وساقه عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كنت أصلي فمر بي النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج، فذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخرج فذكرت له: وقال معاذ: حدثنا شعبة وساقه عن عاصم سمع أبو سعيد رجلاً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: السبع المثاني، وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾: قال ابن عباس: يحول بين المرء المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. رواه الحاكم في مستدركه. وفي رواية عن مجاهد في قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾: أي: حتى يتركه لا يعمل. وقال السُّدِّيُّ: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه... وقال قتادة: هو كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.

 وقد وردت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما يناسب هذه الآية؛ قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية وساقه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». قال: فقلنا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها». وهذا رواه الترمذي في كتاب القدر من جامعه.

وقال الإمام أحمد في مسنده: عن بلال رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»...

وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم وساقه النواس بن سمعان الكلابي رضي الله عنه يقول: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين؛ إذا شاء أن يقيمه أقامه وإذا شاء أن يزيغه أزاغه»، وكان يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». قال: «والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه». وهكذا رواه النسائي وابن ماجه.

وحدثنا الإمام أحمد وساقه عن عائشة قالت: دعوات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو بها: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». قالت: فقلت: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء. فقال: «إن قلب الآدمي بين أصبعين من أصابع الله فإذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه»... وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، وساقه عن أم سلمة تحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر في دعائه يقول: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». قالت: فقلت: يا رسول الله، وأن القلوب لتقلب. قال: «نعم، ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله عز وجل فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه». فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. قالت: فقلت يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي. قال: «بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني».

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن وساقه عن عبد الله بن عمر وأنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد؛ يُصَرِّفُها كيف شاء»، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك». انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري. انتهى من ابن كثير.

ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، قال الشيخ سليمان بن سمحان:

ونشهد أن المصطفى سيد الورى

محمدًا المعصوم أكمل مرشد

وأفضل من يدعو إلى الدين والهدى

رسول من الله العظيم الممجد

إلى كل خلق الله  طُرًّا وأنه

يطاع فلا يعصى بغير تردد

ونأتي من المأمور ما نستطيعه

ونجتنب المنهي من كل مفسد

وقال الشيخ عبد الرحمن في شرح تيسير الحميد على ما يتعلق به: ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين - أي لا إله إلا الله - ونطق بها، ونطق أيضا بشهادة أن محمدًا رسول الله، ولم يعرف معنى الرسول وما أرسل به وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك ولم يعرف معناها، إلا أنه رأى الناس يفعلون فتابعهم من غير إخلاص ولا متابعة لهدي الرسول ولم يفعل شيئًا من الشرك فإنه لا يشك في عدم إسلامه، وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك، كما ذكره صاحب الدر الثمين في المرشد المعين من المالكية، ثم قال شارحه: وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء لا يمكن أن يختلف فيه اثنان. انتهى قوله.

 وأن محمدًا عبده ورسوله: أي: وشهد بذلك، وهو معطوف على ما قبله؛ فتكون الشهادة واقعة على هذه الجملة وما قبلها وما بعدها؛ فإن العامل في المعطوف وما عطف عليه واحد، ومعنى العبد هنا يعني المملوك العابد؛ أي مملوك لله تعالى وليس له من الربوبية شيء؛ إنما هو عبد مقرب عند الله ورسول أرسله الله، وأشرف مقاماته العبودية؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾، وقدم العبد هنا على الرسول ترقِّيًا من الأدنى إلى الأعلى، وجمع بينهما لدفع الإفراط والتفريط الذي وقع في شأن عيسى عليه السلام، وقد أكد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى بقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله»، وذلك يتضمن تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع؛ فلا يكون كامل الشهادة له بالرسالة مَنْ تَرَكَ أمره وارتكب نهيه ولم يصدقه وأطاع غيره وعصى ربه. انتهى كلامه.

وقال أيضًا: وروى الدارمي في مسنده عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه كان يقول: إنا نجد صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها؛ ولكن يعفو ويتجاوز، ولن أقبضه حتى يقيم الملة المعوجة؛ بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله، يفتح به أعينا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا... قال عطاء بن يسار: وأخبرني أبو واقد الليثي أنه سمع كعبًا يقول مثل ما قال ابن سلام.

وقال شمس الدين بن القيم في "الهدي": ومن هنا تعلم اضطرارًا أن العبادة فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم؛ فلا طيب من الأعمال والأقوال والأخلاق إلا هديهم وما جاؤوا به؛ فهم الميزان الراجح لمن حسن عمله وزان فعل أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم؛ توزن الأقوال والأعمال والأخلاق وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال؛ فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه والعين إلى نورها والروح إلى حياتها؛ فأي ضرورة وحاجة فرضت عليه؛ فضرورة العبد وحاجته إلى الرسول فوق كل ضرورة بكثير، وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة؛ فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسول كهذه الحال؛ بل أعظم وأشد، ولكن لا يحسُّ بهذا إلا قلب حيٌّ: وما لجرح بميت إيلام، وإنما كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين ويدخل به في إعداد أتباعه وشيعته وحزبه المفلحين، والناس في هذا بين مقل ومستكثر ومعط ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وهو خير أهل الأرض نسبًا على الإطلاق فلنسبه من الشرف أعلى ذروة وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك، ولهذا شهد له عدوه آنذاك قبل إسلامه أبو سفيان بين يدي ملك الروم؛ فأشرف القوم قومه وأشرف القبائل قبيلته وأشرف الأفخاذ فخذه، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة».

وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر وأول مشفع».

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا أول الناس خروجًا إذا بُعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا لواء الحمد بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر... ». قال ابن الأنباري: أراد: لا أتبجح بهذه الأوصاف؛ لكن أقولها شكرًا وتنبيهًا على إنعام ربي عليَّ... وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات».

وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن لله عز وجل في الأرض ملائكة سيَّاحين يبلغوني عن أمتي الصلاة والسلام عليَّ... إلى آخره»، فالحمد لله الذي جعلنا من أمته وحشرنا الله على كتابه وسنته وفي زمرته - صلى الله عليه وسلم -. انتهى من التبصرة.

اللهم نور على أهل القبور من المسلمين قبورهم وأصلح الأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا والمسلمين أجمعين، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وزد نبيَّنا صلاةً وتسليمًا، وابعثه مقامًا محمودًا، وآته الوسيلة والفضيلة، اللهم صل على محمد واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين آمين.

* * *


فصـل

(ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قولُه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾).

شـرح

كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، ولهذا قال: ﴿حنفاء﴾؛ أي مجتنبين من الشرك إلى التوحيد؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وهي أشرف عبادة البدن، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾: وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج، ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: أي الملة القائمة العادلة والأمة المستقيمة المعتدلة، وقد استدل كثير من الأئمة كالزهري والشافعي بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلةٌ في الإيمان في هذه الآية. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله: ﴿وما أمروا﴾: يعني هؤلاء الكفار، ﴿إلا ليعبدوا الله﴾: يعني إلا أن يعبدوا الله، ﴿مخلصين له الدين﴾، قال ابن عباس: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بإخلاص العبادة لله موحدين، ﴿حنفاء﴾: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، ﴿ويقيموا الصلاة﴾ المكتوبة في أوقاتها، ﴿ويؤتوا الزكاة﴾ عند محلها، وذلك الذي أمروا به، ﴿دين القيمة﴾: أي الملة والشريعة المستقيمة؛ أضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف اللفظين، وأنث القيمة ردًّا بها إلى الملة، وقيل: الهاء فيه للمبالغة، وقيل: القيمة: هي الكتب التي جرى ذكرها؛ أي وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به، وذلك دين القائمين لله بالتوحيد. انتهى من البغوي.

وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: قال ابن عباس: ويقيمون الصلاة: أي يقيمون الصلاة بفروضها. وقال الضحاك عن ابن عباس: إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والخشوع والإقبال عليها فيها. وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها والتشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فهذا إقامتها. انتهى من ابن كثير.

وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾: يحثهم الله على الاشتغال بما ينفعهم وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة؛ مِن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: يعني أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه؛ سواء كان خيرًا أو شرًّا؛ فإنه سيجازي كل عامل بعمله. انتهى من ابن كثير.

وقوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾: أي: وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي، وقوله: ﴿وآتى الزكاة﴾ يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة؛ كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، وقال موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال، وهذا يدل على عظم التزكية في جميع الأعمال. انتهى من ابن كثير.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: أي لا خوف عليهم فيما هم يستقبلون، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا.

 وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي من أكبر أركان الإسلام؛ وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين، ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين. انتهى من ابن كثير.

وقوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾: أي: وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال، ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: أي يوم القيامة. انتهى من ابن كثير.

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾: قرأ أبو بكر عن عاصم: ﴿يُمْسكون﴾ بالتخفيف، وقرأة العامة بالتشديد؛ لأنه يقال: مسكت بالشيء. ولا يقال: أمسكت بالشيء. إنما يقال: أمسكته. وقرأ أبي بن كعب: ﴿تَمَسَّكوا بالكتاب﴾ على الماضي، وهو جيد لقوله تعالى: ﴿وأقاموا الصلاة﴾؛ إذ قل ما يُعطف ماضٍ على مستقبل إلا في المعنى، وأراد: الذين يعملون بما في الكتاب... قال مجاهد: هم المؤمنون من أهل الكتاب... وعبد الله بن سلام وأصحابه تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة... وقال عطاء: هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. انتهى من البغوي.

وقوله في سورة الأنفال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: ينبه تعالى بذلك على أعمالهم بعدما ذكر اعتقادهم، وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو إقامة الصلاة، وهو حق الله تعالى.

 وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظةُ على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. هذا إقامتها، والإنفاق مما رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعبادة من واجب ومستحب، والخلق كلهم عيال الله؛ فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه. وقال قتادة في قوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾: فأنفقوا مما أعطاكم؛ فإنما هذه الأموال عوار وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها.

 ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: أي المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان، وعن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: «كيف أصبحت يا حارث؟ » قال: أصبحت مؤمنًا حقًّا. قال: «انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ » فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال: «يا حارث عرفت فالزم»، ثلاثًا. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: يعني: يقينًا. قال ابن عباس: برؤوا من الكفر. قال مقاتل: حقًّا لا شك في إيمانهم، وفيه دليل على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنًا حقًّا، لا؛ إن الله تعالى إنما وصف بذلك قومًا مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه.

 وقال ابن أبي نجيح: سأل رجل الحسن فقال: أمؤمن أنت؟ فقال: إن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا بها مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...﴾ الآية. فلا أدري أمنهم أنا أم لا. انتهى من البغوي.

وقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها؛ حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها؛ فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله عز وجل، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعدٍّ إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلِّقة بالمخلوقين، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة، وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة»... الحديث... وقال أبو إسحاق وساقه عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يُزَكِّ فلا صلاة له... وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أبى اللهُ أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة... وقال: يرحم الله أبا بكر؛ ما كان أفقهه. انتهى من ابن كثير.

وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾: فشهد الله الإيمان لعمَّار المساجد، كما قال الإمام أحمد وساقه إلى أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان». قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾.

ورواه الترمذي وساقه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما عُمَّار المساجد هم أهل الله»... وعن أنس بن مالك مرفوعًا: إذا أراد الله بقوم عاهة نظر إلى أهل المساجد فصرف عنهم... وعن أنس أيضًا مرفوعًا: يقول الله: «وعزتي وجلالي إني لأهم بأهل الأرض عذابًا فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين في وإلى المستغفرين بالأسحار صرفت ذلك عنهم»... وقال الإمام أحمد: حدثنا روح وساقه عن معاذ بن جبل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد...».

وعن عمرو بن ميمون الأوديّ قال: أدركت أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وهم يقولون: المساجد بيوت الله في أرضه، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها... وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ولم يأت المسجد ويصلي فلا صلاة له وقد عصى الله ورسوله... قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ...﴾ الآية.

وقد روي مرفوعًا من وجه آخر وله شواهد من وجوه، وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ التي هي أكبر عبادة للبدن، ﴿وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾: أي التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق، وقوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾: أي: ولم يخف إلا من الله تعالى، ولم يخش سواه... انتهى من ابن كثير.

وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً...﴾ الآية، يقول تعالى آمرًا عباده بطاعته والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه بأن يقيموا الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكاة والنفقة على القرباء والإحسان إلى الأجانب، والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها، وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر؛ أي في الخفية والعلانية وهي الجهر وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾، وهو يوم القيامة؛ أي: ولا يقبل من أحد فدية؛ بأن تباع نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولا خلال... قال ابن جرير: يقول: ليس هناك مخالة خليل فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالته؛ بل هناك العدل والقسط... انتهى من ابن كثير.

وقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾: أي محافظًا عليها مقيمًا لحدودها، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: أي واجعلهم كذلك مقيمين لها... انتهى. وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ...﴾ الآية: يقول تبارك وتعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - آمرًا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها... وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: قيل: لغروبها... قاله ابن مسعود ومجاهد وساقه عن ابن عباس. دلوكها: زوالها. ورواه نافع عن ابن عمر وعن جماعة كثيرين عن جابر بن عبد الله؛ قال: دعوتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي وخرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «اخرج يا أبا بكر». فهذا حين دلكت الشمس، ثم رواه عن سهل بن بكار، وساقه عن جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه؛ فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلوات الخمس، فمن قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، وهو ظلامه، وقيل: غروب الشمس أخَذَ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

 وقوله ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾ يعني صلاة الفجر، وقد أثبتته السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تواترًا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم مما تلقوه خلفًا عن سلف وقرنًا بعد قرن؛ كما هو مقرر في مواضعه، ولله الحمد والمنة... وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، وساقه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فضل صلاة الرجل في جماعة على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر». يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، وساقه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾: قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، ورواه الترمذي. وفي لفظ في الصحيحين من طريق مالك وساقه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون... ». وقال عبد الله بن مسعود: يجتمع الحرسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء... إلى أن قال: وذكر حديث النزول وأنه تعالى يقول: «من يستغفرني أغفر له، من سألني أعطيه، من يدعوني فأستجيب له. حتى يطلع الفجر... ». انتهى من ابن كثير.

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾: هذا أيضًا من الثناء الجميل والصفة الحميدة والخلَّة السَّديدة؛ حيث كان صابرًا على طاعة ربه عز وجل آمرًا بها لأهله... كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا...﴾ الآية.

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: أي مروهم بالمعروف وانهوههم عن المنكر ولا تدعوهم هملاً فتأكلهم النار يوم القيامة... وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رحم اللهُ رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ أهله – أي امرأته – فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء.. » أخرجه أبو داود وابن ماجه.

وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصلَّيا ركعتين كُتِبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات... ». رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه واللفظ له. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي في قوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾: أي قومه. وقيل: أهله جميع أمته. ﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾: قال ابن عباس: يريد التي افترضها الله عليهم وهي الحنيفية التي افترضت علينا، ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾: أي قائمًا لله بطاعته. قيل: رضيه الله عز وجل لنبوته ورسالته... انتهى من البغوي.

اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك وقومنا على الأعمال الصالحة إلى يوم لقاك، اللهم اعصمنا من الخطأ واغفر لنا يوم اللقاء، اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين وألحقنا بالصالحين، اللهم اسلك بنا صراطك المستقيم واجعلنا لنبيك متبعين وعلى حوضه من الواردين، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وزد نبينا محمدًا صلاةً وتسليمًا، وآته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين وصلى الله على محمد.

فصل في قوله تعالى

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾: لما ذكر تعالى حزبه السعداء - وهم الأنبياء عليهم السلام ومن تبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره المؤدين فرائض الله التاركين لزواجره - ذكر أنه ﴿خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: أي قرون أخرى، ﴿أضاعوا الصلاة﴾، وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الوجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد هي الصلاة مع بقية المأمورات بعد الشهادتين، وأقبلوا على الشهوات الدنيا وملاذِّها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها؛ فهؤلاء سيلقون غيًّا؛ أي خسارًا يوم القيامة.

وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة ههنا؛ فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية. قال محمد بن كعب القرظي وغيره: ولهذا ذهب من السلف والخلف والأئمة - كما هو المشهور عن الإمام أحمد وقول الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة؛ للحديث: «بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة»، والحديث الآخر: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». انتهى من ابن كثير.

وقال الأوزاعي وساقه عن القاسم بن مخيمرة في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾: قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركا كان كفرًا. وقال وكيع عن المسعودي وساقه عن ابن مسعود أنه قيل له: أنه يكثر ذكر الصلاة في القرآن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، إلى غير ذلك كثير؛ فقال ابن مسعود على مواقيتها قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك قال: ذلك الكفر. وقال مسروق لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن إضاعتهن عن وقتهن.

وقال الأوزاعي عن إبراهيم بن زيد أن عمر بن عبد العزيز قرأ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها ولكن أضاعوا الوقت. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾: قال: عند قيام الساعة وذهاب صالحي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ينزو بعضهم على بعض في الأزقة، وكذا قال ابن جرير كما صح عن مجاهد في هذه الآية. قال: هم في هذه الأمة يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحون من الناس في الأرض.

 وقال ابن أبي حاتم وساقه عن أبي سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يكون خلف بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًّا ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم ويقرأ القرآن ثلاثة مؤمن ومنافق وفاجر». وقال بشير: قولوا للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المؤمن مؤمن به والمنافق كافر به والفاجر يأكل به. وقال أيضًا: حدثني أبي حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك عن الوليد بن جرير عن شيخ من أهل المدينة أنه سمع محمد بن كعب القرضي يقول في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ...﴾ الآية: قال: هم أهل الغرب يملكون، وهم شر من ملك. وقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله عز وجل شرابين للقهوات؛ يعني الخمور، تراكين الصلوات، لعابين بالكعبات؛ يعني القمار، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للجماعات. قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ...﴾ الآية.

 وقال الحسن البصري: عَطَّلوا المساجد وَلَزِموا الضيعات. وقال أبو الأشهب العطاردي: أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات؛ فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته أن أَحْرِمَه طاعتي.

 وقال الإمام أحمد وساقه عن عقبة بن عامر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن؛ فيتبعون الريف ويتبعون الشهوات ويتركون الصلاة، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين». ورواه عن حسن بن موسى وغيره. انتهى من ابن كثير.

وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾: أي استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصبر أنت على فعلها؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، وقال ابن أبي حاتم وساقه عن عمر بن الخطاب قال: كنت عنده أنا ويرفاء، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم، فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ أقام - يعني أهله – وقال: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها.

 وقوله: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾: يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.

وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾... إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، ولهذا قال: لا نسألك رزقًا نحن نرزقك. وقال الثوري: لا نسألك رزقًا؛ أي لا نكلفك الطلب. وقال ابن أبي حاتم وساقه عن هشام عن أبيه أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفًا، فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾... إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾، ثم يقول: الصلاة الصلاة رحمكم الله.

وقال ابن أبي حاتم وساقه عن جعفر عن ثابت، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أصابه خصاصة نادى أهله: يا أهلاه صلوا صلوا. قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة. وقد روى الترمذي وساقه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك».

وروى ابن ماجه وساقه عن ابن مسعود: سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من جعل الهموم همًّا واحدًا همَّ المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك». وروى أيضًا من حديث شعبة وساقه عن ثابت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من كانت الدنيا همَّه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة».

وقال البغوي في قوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: قال أبو رافع نزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضيف فبعثني إلى يهودي فقال لي: قل له إن رسول الله يقول لك: بعني كذا وكذا من الدقيق، وأسلفني إلى هلال رجب. فأتيته فقلت له ذلك، فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن. فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فقال: «والله لئن باعني وأسلفني لقضيته، وإني لأمين في السماء وأمين من في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه». فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: أي: لا تنظر، ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾: أي أعطيناهم، ﴿أَزْوَاجًا﴾ أي أصنافًا، ﴿مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي زينتها وبهجتها، ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: أي لنجعل ذلك فتنة لهم؛ بأن أزيد لهم النعمة فيزيدوا كفرًا وطغيانًا. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ في المعاد يعني الجنة ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.

 قال أبي بن كعب: من لم يستعز بعز الله تقطعت نفسه حسرات ومن يتبع بصره فيما في أيدي الناس يطول حزنه، ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه.

 وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ أي قومك. وقيل: ما كان على دينك. وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾. وقوله: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ أي اصبر على الصلاة؛ فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾: أي لا نكلفك أن ترزق أحدًا من خلقنا ولا أن ترزق نفسك وإنما نكلفك عملاً، ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ﴾: أي الخاتمة الجميلة المحمودة، ﴿لِلتَّقْوَى﴾: أي لأهل التقوى. قال ابن عباس: يعني الذين صدقوك واتبعوك، واتقوني. وفي بعض المسانيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية. انتهى من البغوي.

وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾: أي من باب عطف الخاص على العام، ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾: أي فاعلين لما يأمرون الناس به. من ابن كثير.

 وقال البغوي: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾: يعني العمل بالشرائع. وقوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾: يعني المحافظة عليها. وقوله: ﴿وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾: أي إعطاءها أهلها، ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾: أي موحدين. انتهى من البغوي.

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ...﴾ الآية. قال ابن أبي حاتم وساقه عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: فينا نزلت: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ فأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا: ربنا الله. ثم مُكِّنَّا في الأرض فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر ولله عاقبة الأمور. فهي لي ولأصحابي، وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقال الصباح بن سواده الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ...﴾ الآية، ثم قال: ألا إنها الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه إن لكم على الوالي من ذلك أن يأخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وأن عليكم من ذلك الطاعة غير المبززة ولا المستنكرة بها، ولا المخالف سرها علانيتها

 وقال عطية العوفي: هذه الآية كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: قال زيد بن أسلم: ولله عاقبة الأمور، وعند الله ثواب ما صنعوا. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: قال الزجاج: هذا من صفة ناصرية، ومعنى مكناهم: نصرناهم على عدوهم حتى يتمكنوا في البلاد؛ قال: هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -.

قال الحسن: هذه الأمة ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: يعني آخر أمور الخلق، ومصيرهم إليه؛ يعني: يبطل كل ملك سوى ملكه جل وعلا؛ فتصير الأمور إليه بلا منازع ولا مدع، لا إله إلا هو ولا رب سواه. انتهى من البغوي.

وقوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾: أي قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها؛ فأدُّوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعته فيما أوجب وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ وهو الإحسان إلى خلق الله بما أوجب للفقراء على الأغنياء من إخراج جزء نزر من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج؛ كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة التوبة. وقوله: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾: أي اعتضدوا بالله واستعينوا به وتوكلوا عليه وتأيدوا به. ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾: أي حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: يعني: نعم الولي ونعم الناصر من الأعداء. قال وهيب بن الورد: يقول الله تعالى: ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر وارض بنصرتي؛ فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. رواه ابن أبي حاتم. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾: أي ثقوا بالله وتوكلوا عليه. قال الحسن: تمسكوا بدين الله. وروى عن ابن عباس قال: سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره. وقيل معناه: ادعوه ليثبتكم على دينه. وقيل: الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة. ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾: أي وليكم وناصركم وحافظكم. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: أي الناصر لكم. انتهى من البغوي.

وقال ابن كثير على قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح، وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿خَاشِعُونَ﴾: خائفون ساكنون.

وعن علي بن أبي طالب: ﴿خَاشِعُونَ﴾: قال: الخشوع خشوع القلب. وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضُّوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح.

وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾: خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه.

وعن عطاء بن أبي رباح أيضًا مرسلاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك حتى نزلت هذه الآية، والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة». وقال الإمام أحمد: وفي رواية أخرى: يقول: «أرحنا يا بلال بالصلاة».

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾: أي عن الباطل؛ وهو يشمل الشرك كما قاله بعضهم والمعاصي كما قاله آخرون وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال؛ كقوله ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقفهم عن ذلك، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾: الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال؛ مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة؛ قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.

 وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ههنا زكاة النفس من الشرك والدنس كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، وكقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ على أحد القولين في تفسيره، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال؛ فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا، والله أعلم. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي: عن أبي الأحوص عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه».

وقال عمرو بن دينار: هو السكون وحسن الهيئة. وقال ابن سيرين وغيره: هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك. وقال أبو هريرة: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ رموا بأبصارهم إلى موضع السجود.

 أخبرنا عبد الواحد المليحي وساقه عن قتادة عن أنس بن مالك حدثهم قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم». فاشتد قوله حتى قال: «لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم».

وقال عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه». أخبرنا أبو عثمان الضَّبي، وساقه عن أبي الأحوص عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى؛ فإن الرحمة تواجهه»، وقيل: الخشوع في الصلاة هو جمع الهمة والإعراض عما سواها والتدبر فيما يجرى على لسانه من القراءة والذكر، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾: قال عطاء عن ابن عباس: عن الشرك. وقال الحسن: عن المعاصي كلها. وقال الزجاج: عن كل باطل ولهو وما لا يجمل من القول والفعل معرضون. كقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾: أي: إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن حضوره والدخول فيه. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾: أي للزكاة الواجبة مؤدون؛ فعبر عن التأدية بالفعل؛ لأنها فعل. وقيل: الزكاة ههنا هو العمل الصالح؛ أي والذين هم للعمل الصالح فاعلون. وهو عام، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾: الفَرْجُ اسم يجمع سوءة الرجل والمرأة، وحفظ الفرج: التعفف عن الحرام. ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: أي من أزواجهم. "على" بمعنى "من" يعني: "أو مما ملكت أيمانهم"، والمرأة لا يجوز لها أن تستمتع بفرج مملوكها... إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي: صلاتهم على التوحيد، والآخرون على صلواتهم على الجمع: ﴿يُحَافِظُونَ﴾: أي يداومون على حفظها ويراعون أوقاتها؛ كرر ذكر الصلاة ليبين أن المحافظة عليها واجبة، كما أن الخشوع فيها واجب. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾: هذه الصفة: يرثون منازل أهل النار من الجنة، وروي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله». وقال مجاهد: لكل واحد منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار؛ فأما المؤمن فيبنى منزله الذي له في الجنة، ويهدم منزله الذي له في النار، وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة ويبنى منزله الذي في النار. وقال بعضهم: معنى الوراثة هو أنه يولى أمرهم إلى الجنة وينالونها؛ كما يولى أمر الميراث إلى الوارث. انتهى من البغوي.

وقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾... الآيات: أي: أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها مما يخالف الشرع. وقال قتادة: هي هذه المساجد؛ أمر الله سبحانه وتعالى ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها. وقد ذُكر لنا أن كعبًا كان يقول: مكتوب في التوراة أن بيوتي في الأرض المساجد، وأنه من توضأ فأحسن وضوءه ثم زارني في بيتي أكرمته، وحق على المزور كرامة الزائر... وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة». أخرجاه في الصحيحين.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد. رواه أحمد وأهل السنن.

وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر مرفوعًا قال: «خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقًا ولا يشهر فيه سلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل ولا يمر فيه بلحم نيئ ولا يضرب فيه حد ولا يقتص فيه حد ولا يتخذ سوقًا». أي طريقًا.

وفي الحديث الثاني: «جنِّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم»؛ وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم. وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رأى صبيانًا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقا؛ وهي الدرة، وكان يفتش المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدًا، ومجانينكم: يعني لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم؛ فيؤدي إلى اللعب فيها، ولما يخشى من تقذيرهم المسجد ونحو ذلك، وبيعكم وشراؤكم كما تقدم.

 وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة الرجل في الجماعة تُضعَّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه... اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة». وفي السنن: «بشر المشائين إلى المساجد في الظُلَم بالنور التام يوم القيامة».

وروى مسلم بسند وساقه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم أسألك من فضلك». رواه النسائي... وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل وساقه عن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: كان رسول الله إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال: «اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك». وإذا خرج قال: «اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك». رواه الترمذي وابن ماجه.

ولهذا قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾: أي: يقدمون طاعة الله ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم. قال هشيم عن شيبان عن ابن مسعود أنه رأى قومًا من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله بن مسعود: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ...﴾ الآية.

وكذلك قال سعيد بن أبي الحسن والضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع عن ذكر الله أن يأتوا الصلاة في وقتها... وقال مطر الوراق: كانوا يبيعون ويشترون ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة... وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ – يقول: عن الصلاة المكتوبة... وكذا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أنس، وقال السدي عن الصلاة في جماعة... وقال مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها.

وقوله: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾: أي يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار. أي من شدة الفزع وعظمة الأهوال... وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا سويد وساقه عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. فيقوموا وهم قليل، ثم يحاسَب سائر الخلائق... ». انتهى من ابن كثير.

وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتبعه وصدقه وعمل بما فيه وأقام الصلاة المكتوبة وآتى الزكاة المفروضة وأيقن بالدار الآخرة والبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال خيرها وشرها والجنة والنار... انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: أي يؤدون الصلاة بأركانها وشروطها. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: يعطون ما وجب عليهم من زكاة أموالهم لأربابها، ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.. انتهى من البغوي. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: يعني: إن الصلاة تشتمل على شيئين؛ على ترك الفواحش والمنكرات؛ أي مواظبتها يحمل على ترك ذلك... وقال ابن جرير: وحدثنا عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة لمن لم يطع الصلاة». وطاعة الصلاة أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر. قال سفيان: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ...﴾ الآية. قال: فقال سفيان: أي والله، تأمره وتنهاه.

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى وساقه عن الأعمش قال: قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن فلانًا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق. قال: سينهاه ما تقول. وتشتمل الصلاة أيضًا على ذكر الله تعالى وهو المطلوب الأكبر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ أي أعظم من الأول، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾: أي يعلم جميع أعمالكم وأقوالكم... انتهى من ابن كثير.

وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ – قال: إن الصلاة فيها ثلاث خصال؛ فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة الإخلاص. الثاني: الخشية. الثالث: ذكر الله. وهذا هو كمال الصلاة؛ فالإخلاص يأمر بالمعروف، والخشية تنهى عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه، وقال ابن عون الأنصاري: إذا كنت في صلاة فأنت في معروف وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر... وقال ابن أبي حاتم وساقه عن ابن عباس: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: قال: ذكر الله عند طعامك، عند منامك، وغير ذلك، قلت: فإن صاحبًا لي في المنزل يقول غير الذي تقول. قال: وأي شيء يقول؟ قلت: قال: يقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؛ فلذكر الله إيانا أكبر من ذكرنا إياه. قال: صدق.

 قال: وحدثنا أبي، حدثنا النفيلي وساقه عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: قال: لها وجهان؛ ذكر الله عندما حرمه عليك. قال: وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه... وقال ابن جرير: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، وساقه عن ربيعة قال: قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ؟ قال: قلت: نعم. قال: فما هو؟ قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك. قال: لقد قلتَ قولًا عجيبًا وما هو كذلك؛ ولكنه إنما يقول: ذكر الله إياكم عند ما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم إياه. وروي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين... انتهى من ابن كثير.

وقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾: قال ابن زيد وابن جريح: أي راجعين إليه. ﴿وَاتَّقُوهُ﴾: أي خافوه وراقبوه وأقيموا الصلاة؛ وهي الطاعة العظيمة. ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أي بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة لا يريدون بها سواه.

قال ابن جرير: حدثني يحيى بن واضح وساقه عن معاذ قال: مر عمر رضي الله عنه بمعاذ بن جبل فقال عمر: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص، وهي الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت... انتهى من ابن كثير.

وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ...﴾ الآية: أي لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم - أي بدلوه وغيروه - وآمنوا ببعض وكفروا ببعض. وقرأ بعضهم: فارقوا دينهم؛ أي تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام. وقوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ...﴾ الآية؛ فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء وملل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه. انتهى من ابن كثير.

وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صمَّاء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنًا ما كان». ثم قال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: أي بحدودها وفروضها وأوقاتها، ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: أي بحسب طاقتك وجهدك، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾: اعلم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى؛ فأمره بالصبر، وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور. وقال البغوي: يريد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى فيها من الأمور الواجبة التي أمر الله بها، أو من الأمور التي يعزم عليها لوجوبها. انتهى من ابن كثير والبغوي.

اللهم نوِّر قلوبنا بالإيمان وأعذنا من نزغات الشيطان، اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك، اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وزد نبينا محمدًا صلاةً وتسليمًا، وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.

فصل

قال الشيخ رحمه الله:

(ودليل الصيام قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾).

شـرح

يقول تعالى مخاطبًا المؤمنين من هذه الأمة وآمرًا لهم بالصيام - وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع - بنية خالصة لله عز وجل لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم؛ فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك؛ كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا...﴾ الآية، ولهذا قال ههنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ لأن الصومَ فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا أثبت في الصحيحين: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء». ثم بَيَّن مقدار الصوم وأنه ليس في كل يوم؛ لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه؛ بل في أيام معدودات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان كما سيأتي بيانه.

 وقد روى أن الصيام كان أولاً كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهر ثلاثة أيام؛ عن معاذ وابن عباس وعطاء وقتادة والضحاك وابن مزاحم وزاد: لم يزل هذا مشروعًا من زمن نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.

وقال عباد بن منصور عن الحسن البصري على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ...﴾ الآية. فقال: نعم، والله لقد كتب الصيام على كل أمة قد خلت كما كتبه علينا شهرًا كاملاً وأيامًا معدودات عددًا معلومات، وروي عن السدي ونحوه.

وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقري وساقه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم» في حديث طويل اختصر منه ذلك. قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عمن حدثه عن ابن عمر قال: أنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.

قال البخاري أيضًا: أخبرنا إسحاق، حدثنا روح وساقه عن ابن عباس: كان يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: قال ابن عباس: ليست منسوخة؛ هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. وهذا روي عن غير واحد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه.

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه وساقه عن أبي ليلى - قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية: ﴿يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، فنسخت الأولى للكبير الفاني؛ إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر؛ فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه؛ لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وأما الشيخ الفاني الهرِم الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه؛ لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن: هل يجب عليه إطعام لأنه ضعيف عنه لسنه فلم يجب عليه فدية كالصبي؟ لا، إن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي، ولكن: هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف لسنه كما تقدم.

القول الثاني: وهو الصحيح وعليه أكثر العلماء أنه يجب عليه فدية عن كل يوم مسكينًا كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: أي يتجشمونه؛ كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاري؛ فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام؛ فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين عن كل يوم مسكينًا خبزًا أو لحمًا وأفطر، وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده وساقه عن أيوب بن أبي تميمة؛ قال: ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم. ورواه عبد بن حميد عن جماعة، ورواه عبد أيضًا من حديث ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه، وهو الأحوط.

ومما يتعلق بهذا المعنى الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما؛ ففيهما خلاف كثير بين العلماء؛ فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان. وقيل: يفديان فقط ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: يفطران ولا فدية ولا قضاء. ومن أراد توضيح ذلك ففي كتب الفقه. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي رحمه الله: والفدية الجزاء، ويجب أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا مُدًّا من الطعام بمُدِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ورطل وثلث من غالب قوت البلد، هذا قول فقهاء الحجاز. وقال بعض فقهاء أهل العراق: عليه لكل مسكينٍ نصف صاع لكل يوم يفطر. وقال بعضهم: نصف صاع من قمح أو صاع من غيره. وقال بعض الفقهاء: ما كان المفطر يتقوته يومه الذي أفطره. وقال ابن عباس: يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره.

وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾: أي على المسكين واحد، فأطعم مكان كل يوم مسكينين فأكثر. قال مجاهد وعطاء وطاوس: وقيل من زاد على قدر الواجب عليه فأعطى صاعًا وعليه مدّ فهو خير له... وقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: فمن ذهب إلى النسخ قال: معناها الصوم خيرٌ من الفدية. وقيل: هذا في الشيخ الكبير لو تكلف الصوم، وإن شق عليه فهو خير له من أن يفطر ويفدي. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

 واعلم أنه لا رخصة لمؤمن مكلف في إفطار رمضان إلا لثلاثة أحدهم يجب عليه القضاء والكفارة، والثاني عليه القضاء دون كفارة، والثالث عليه الكفارة دون القضاء؛ أما الذي عليه القضاء والكفارة الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما؛ فإنهما تفطران وتقضيان وعليهما مع القضاء الفدية. وهذا قول ابن عمر وابن عباس وبه قال مجاهد وإليه ذهب الشافعي رحمه الله.

وقال قوم: لا فدية عليهما. وبه قال الحسن وعطاء وإبراهيم النخعي والزهري، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي، وأما الذي عليه القضاء دون الكفارة فالمريض والمسافر والحائض والنفساء، وأما الذي عليه الكفارة دون القضاء فالشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى زوال مرضه. انتهى من البغوي.

وقال ابن كثير على قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ...﴾ الآية؛ أي الذي أنزل فيه القرآن. وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقد نزل في سائر الشهور، وقال عز وجل: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ﴾ فقال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نجومًا في ثلاث وعشرين سنة؛ فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. قال داود بن أبي هند: قلت للشعبي: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أما كان ينزل في سائر الشهور؟ قال: بلى؛ ولكن جبرائيل كان يعارض محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في رمضان ما أنزل الله إليه؛ فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء.

وروي عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من رمضان. ويروى: في أول ليلة من رمضان. وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل الزبور على داود في ثمان عشرة مضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد - صلى الله عليه وسلم - في الرابعة والعشرين من شهر رمضان لست بقين بعدها. انتهى من ابن كثير والبغوي.

وقال ابن كثير على هذه الآية: يمدح الله تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، اختصه بذلك، وقد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حدثنا أبو سعيد عن واثلة - يعني ابن الأسقع - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان». وقد روي من حديث جابر بن عبد الله: وفيه أن الزبور أنزل لثنتي عشرة خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم. ورواه ابن مردويه، وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه... كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ثم نزل بعده مفرَّقًا بحسب الوقائع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ هكذا روي من غير وجه عن ابن عباس.

 كما قال إسرائيل عن السدي عن محمد بن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عباس أنه سأل عطية بن الأسود فقال: أوقع في قلبي الشك قول الله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقد أنزل في شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي محرم وصفر وشهر ربيع. فقال ابن عباس أنه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة. ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلاً في الشهور والأيام رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه، وهذا لفظه. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى السماء الدنيا فجعل في بيت العزة ثم أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاث وعشرين سنة لجواب كلام الناس.

 وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه؛ وذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾: هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدَّقه واتبعه، ﴿وبينات﴾: أي: ودلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال والرشد المخالف للغي، ومفرقًا بين الحق والباطل والحلال والحرام. انتهى من ابن كثير.

اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك، اللهم ارزقنا قبول العمل ووفقنا التمسك بسنة سيد الأنام محمد - صلى الله عليه وسلم -، اللهم أصلح ما فسد من المسلمين وثبت من هو متمسك بالدين، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا يا كريم، اللهم نور على أهل القبور من المسلمين قبورهم، اللهم أصلح الأحياء ويسر لهم أمورهم، واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

* * *


 فصـل

(ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾).

شـرح

هذه آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل: بل هي قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، والأول أظهر... وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا ضروريًّا، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع.

قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد بن هارون وساقه عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا». فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه». ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن جماعة وساقه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج». فقام الأقرع بن حابس فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فقال: «لو قلتها لوجبت ولو جبت لم تعملوا بها، ولن تستطيعوا أن تعملوا بها الحج مرة فمن زاد فهو تطوع». رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وغيرهم.

وفي الصحيحين من حديث ابن جريج عن عطاء عن جابر عن سراقة بن مالك قال: يا رسول الله، متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «لا؛ بل للأبد». وفي رواية: «بل لأبد الأبد». وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لنسائه في حَجته: «هذه ثم ظهور الحصر». يعني ثم الْزَمْنَ ظهور الحصر، ولا تخرجن من البيوت. وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعًا بنفسه، وتارة بغيره؛ كما هو مقرر في كتب الفقه.

قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الزراق، أخبرنا إبراهيم بن يزيد قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قام رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: «الشعث التفل». فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: «العج والثج... ». فقام آخر: فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: «الزاد والراحلة... » إلى آخره.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق وساقه عن فضيل - يعني ابن عمرو - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تعجلوا إلى الحج – يعني الفريضة – فإن أحدًا لا يدري ما يعرض له...».

وقال الإمام أحمد أيضًا وساقه عن ابن عباس - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أراد الحج فليتعجل». وقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلاً. وعن عكرمة مولاه أنه قال: السبيل الصحة... وروى وكيع بن الجراح وساقه عن ابن عباس: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: قال الزاد والبعير.

وقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي: ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه، وقال سعيد بن منصور عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن عكرمة - قال: لما نزلت ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾: قالت اليهود: فنحن مسلمون. قال الله عز وجل: «فخاصمهم فحجهم». يعني: فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله فرض على الناس حج البيت ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾». فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وروى ابن نجيح عن مجاهد نحوَه، وقال أبو بكر بن مردويه: وساقه عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ملك زادا وراحلة ولم يحج بيت الله فلا يضره مات يهوديًّا أو نصرانيًّا». وذلك بأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، ورواه ابن جرير من حديث مسلم بن إبراهيم وغيره.

وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي وساقه عن عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه مات يهوديًّا أو نصرانيًّا. وهذا إسناد صحيح إلى عمر رضي الله عنه.

 وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا إلى من كان عنده جدة فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين. انتهى من ابن كثير. رحمه الله.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: أي: ولله فرض واجب على الناس حج البيت، والحج أحد أركان الإسلام، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي وساقه عن عكرمة عن خالد بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان».

وقال أهل العلم: ولوجوب الحج خمسة شروط: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة؛ فلا يجب على الكافر ولا على المجنون؛ ولو حجا بأنفسهما لا يصح؛ لأن الكافر ليس من أهل القربة، ولا حكم لفعل المجنون، ولا يجب على الصبي ولا على العبد، ولو حج الصبي أو العبد يصح حجمهما تطوعًا، ولكن لا يسقط به فرض الإسلام عنهما؛ فلو بلغ الصبي أو أعتق العبد بعدما حج واجتمع في حقه شرائط وجوب الحج، عليه أن يحج ثانيًا، ولا يجب على غير المستطيع؛ لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؛ غير أنه لو تكلف فحج فإنه يسقط عنه فرض الإسلام، والاستطاعة نوعان: أحدهما أن يكون قادرًا بنفسه على الذهاب ووجدان الزاد والراحلة مستطيعًا، والآخر أن يكون مستطيعًا بغيره؛ أما الاستطاعة بنفسه فأن يكون قادرًا بنفسه على الذهاب وغيره... إلى آخره.

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب وساقه عن محمد بن عباد بن جعفر قال: قعدنا إلى عبد الله بن عمر فسمعته يقول: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما الحاج؟ قال: «الشعث التفل». فقام رجل آخر فقال: «يا رسول الله أي الحج أفضل». قال: «العج والثج». فقام آخر فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: «زاد وارحلة». وتفصيله: أن لا يجد راحلة تصلح لمثله ووجد الزاد للذهاب والرجوع فاضلًا نفقته لعياله ومن تلزمه نفقتهم وكسوتهم لذهابه ورجوعه، وعن دين يكون عليه، ووجد رفقة يخرجون في وقت جرت عادة أهل بلده بالخروج في ذلك الوقت؛ فإن خرجوا قبله أو أخروا الخروج إلى وقت لا يصلون إلا أن يقطعوا كل يوم أكثر من مرحلة لا يلزمهم الخروج في ذلك الوقت، ويشترط أن يكون الطريق آمنًا؛ فإن كان فيه خوف من عدو مسلم أو كافر أو من رصديٍّ يطلب شيئًا لا يلزمه، ويشترط أن تكون المنازل الممرورة معمورة يجد فيها الزاد والماء؛ فإن كانت زمانَ جدوبة تفرق أهلها أو غارت مياهها؛ فلا يلزمه الحج، ولو لم يجد الراحلة لكنه قادر على المشي أو لم يجد الزاد ولكن يمكنه أن يكتسب في الطريق لا يلزمه الحج، ويستأجر لو فعل، وعند مالك يلزمه، وأما الاستطاعة بالغير فهي أن يكون عاجزًا بنفسه؛ بأن كان زمنًا أو به مرض غير مرجوٍّ لزوال؛ لكن له مال يمكنه أن يستأجر به من يحج عنه - يجب عليه أن يستأجر، ولو لم يكن له مال - بل بذل له ولده أو أجنبي الطاعة في أن يحج عنه - يلزمه أن يأمره إذا كان يعتمد صدقه؛ لأن وجوب الحج يتعلق بالاستطاعة، ويقال في العرف: فلان مستطيع لبناء دار. وإن كان لا يفعله بنفسه وإنما يفعله بماله وبأعوانه... وعند أبي حنيفة لا يجب الحج ببذل الطاعة... وعند مالك لا يجب على المعضوب في المال، وحُجَّةُ من أوجبه ما أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي وساقه عن ابن عباس أنه قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم». انتهى من البغوي.

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: قال ابن عباس والحسن وعطاء: جحد فرض الحج... وقال مجاهد: من كفر بالله واليوم الآخر... وقال سعيد بن المسيب: نزلت في اليهود؛ حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب. وقال السدي: هو من وجد ما يحج به ثم لم يحج حتى مات فهو كفر به... أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم وساقه عن أبي إمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء الله يهوديًّا أو نصرانيًّا... » انتهى من البغوي رحمه الله.

 وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: يقول: من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل. وقال قتادة: عن زرارة عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة والعمرة الطواف. وقد وردت أحاديث كثيرة عن طرق متعددة عن أنس وجماعة من الصحابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: ومن كان معه هدي فليهل بحج وعمرة. وقال في الصحيح أيضًا: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. وفي الصحيحين عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة فقال له: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جُبة وخلوق؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم جاء الوحي، ثم رفع رأسه فقال: «أين السائل؟ » فقال: ها أنا ذا. فقال: «أما الجبة فأنزعها، وأما الطيب الذي بك فأغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك.. » انتهى.

وقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست؛ أي عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكاملها وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي، وكان سبعين بدنة، وأن يحلقوا رؤوسهم، وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم عليه السلام بأن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا فلم يفعلوا، انتظارًا للنسخ حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس، وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم ارحم المحلِّقين». قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الثالثة: «والمقصرين»، وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة وكانوا ألفًا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم وقيل بل كانوا على طرف الحرم فالله أعلم.

والقول الثاني: إن الحصر أعمُّ من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال رحاله أو عن الطريق أو نحو ذلك. وعن عكرمة عن الحجاج بن عمر والأنصاري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من كسر أو وجع أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى». وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به. وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: «من عرج أو كسر أو مرض». فذكر معناها... وروى عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة وغيرهم جماعة من الصحابة أنهم قالوا: لا حصار من عدو أو مرض أو كسر... وقال الثوري: إلا حصار من كل شيء آذاه.

وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج وأنا شاكَّة. فقال: «حجِّي واشترطي أن محلي حيث حبستني». رواه مسلم عن ابن عباس بمثله، فذهب من ذهب من العلماء بصحة هذا المذهب إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث... انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: أي ابتدئوهما؛ فإذا دخلتم فيهما فأتموهما؛ فهو أمر بالابتداء والإتمام؛ أي أقيموهما... أخبرنا عبد الواحد المليحي وساقه عاصم عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة»... وقال ابن عمر: ليس من خلق الله أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان إن استطاع إلى ذلك سبيلا. كما قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ فمن زاد بعد ذلك فهو خير وتطوع. واتفقت الأمة على أنه يجوز أداء الحج والعمرة على ثلاثة أوجه؛ الإفراد والتمتع والقران؛ فصورة الإفراد أن يفرد الحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر، وصورة التمتع أن يعتمر في أشهر الحج ثم بعد الفراغ من أعمال العمرة يحرم بالحج من مكة فيحج في هذا العام، وصورة القران أن يحرم بالحج والعمرة معًا، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل أن يفتتح الطواف فيصير قارنًا.

واختلفوا في الأفضل من هذا الوجه؛ فذهب جماعة إلى أن الإفراد أفضل ثم القران، وهو قول مالك والشافعي عن جماعة؛ لما ثبت عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج؛ فأما من أهل بالعمرة فحلوا، وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلن يحلوا، حتى كان يوم النحر أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب وساقه عن جابر وهو يحدث عن حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ننوي إلا الحج ولا نعرف غيره ولا نعرف العمرة... وروي عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج، وذهب قوم إلى أن القران أفضل، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي وساقه عن أنس بن مالك قال: أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لبيك بحج وعمرة. وذهب قوم إلى أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه واحتجوا بما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد وساقه عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر قال: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرمنه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر وليتحلل ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله فطاف حين قدم مكة واستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أشواط ومشى أربعًا فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط ثم لم يتحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهدى وساق الهدي من الناس». وعن عروة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تمتعه بالعمرة إلى الحج فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواء.

* * *

 فائدة في الحج والعمرة

الأنساك ثلاثة: التمتع والقران والإفراد في الحج، وأحسن ما يؤدي به المسلم مناسك الحج والعمرة: أولًا يحرم بالعمرة على الوجه الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - آمرًا به؛ لينال بذلك محبة الله ومغفرته؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وأكمل صفة في ذلك التمتع لمن لم يسق الهدي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به أصحابه وأكده عليهم وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولا حللت معكم.

والتمتع أن يأتي الحاج بالعمرة كاملة في أشهر الحج ويحل منها، ثم يحرم بالحج في عامه إذا أراد الإحرام بالعمرة، فاغتسل من الميقات كما تغتسل من الجنابة إن تيسر لك، ولا بأس من دون غسل، ثم البس ثياب الإحرام إزارًا ورداء، والمرأة تلبس ما شاءت من الثياب غير متبرجة بزينة، ثم يقول: لبيك عمرة لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك.

ومعنى لبيك: أجبتك إلى ما دعوتني إليه من الحج والعمرة، وإذا وصلت إلى مكة فطف بالبيت سبعة أشواط تبتدئ من الحجر الأسود وتنتهي إليه، تجعل البيت عن يسارك، وهذا طواف العمرة، ثم تصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم إن تيسر، وإلا في أي موضع في المسجد، فإذا صليت ركعتين اخرج إلى الصفا واسع بين الصفا والمروة وطف سبع مرات، وسعي العمرة تبتدئ بالصفا وتختتم بالمروة؛ ذهابك واحدة ورجوعك ثانية، فإذا تم السعي سبعة فقصر من شعر رأسك واجعل حلقه للحج، وبذلك تمت العمرة وحللت مما حرم عليك، والبس ثيابك.

وإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة فأحرم بالحج من مكانك الذي أنت نازل فيه، واغتسل عند الإحرام إن تيسر لك، والبس رداءً كما تقدم، ثم قل: لبيك حجًّا لبيك، اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك. ثم اخرج إلى منى، وصل بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصرًا بلا جمع، فإذا طلعت الشمس اليوم التاسع فسر إلى عرفة، وصل بها الظهر والعصر جمع تقديم في قصر الصلاة، وامكث فيها - أي عرفة - إلى غروب الشمس، وأكثر من الذكر والدعاء هناك في تضرع وخشوع مستقبل القبلة، ولا تنصرف قبل الغروب، فإن خرجت من حدود عرفة قبل الغروب فعليك دم، فإذا غربت الشمس فسر من عرفة إلى مزدلفة وصل بها المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، ثم صل الفجر فيها، ثم امكث فيها للدعاء والذكر إلى قرب طلوع الشمس وادفع قبل طلوع الشمس، وإن حصل معك ضعف وتخشى من ضرر فادفع من مزدلفة بعد ذهاب نصف الليل؛ لأنك لا تستطيع مزاحمة الناس؛ فلا بأس أن تسير إلى منى بعد نصف الليل لترمي جمرة العقبة قبل زحمة الناس، وهي أقرب الجمرات إلى مكة؛ ترميها بسبع حصوات متعاقبات واحدة بعد الأخرى وتكبر مع كل حصاة.

ثم اذبح الهدي بعد رميك وكل منه ووزع منه على الفقراء إن تيسر لك، والهدي واجب على المتمتع والقارن، وإن عجز عن الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، ثم بعد الرمي والهدي احلق رأسك أو قصره والحلق أفضل، والمرأة تقصر منه بقدر أنملة، وإن قدم شيء مما ذكر على شيء فلا حرج؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «افعل ولا حرج». وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو تقصير يحصل التحلل الأول فتلبس ثيابك ويحل لك جميع محظورات الإحرام إلا النساء، وإذا فاض إلى البيت وطاف وسعى يكون تمام الحج حل من كل شيء حتى النساء، ثم بقي عليه رمي الجمار والمبيت في منى ليلة إحدى عشرة والثانية عشرة، ويرمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر؛ يرمي أولًا التي تلي منى ثم الثانية ثم الثالثة ثم اليوم الثاني عشر يرميهن مثل ما فعل قبل ذلك في الحادي عشر؛ كل هذا بعد الزوال؛ كل واحدة بسبع حصوات متعاقبات ويكبر مع كل حصاة، ويقف بعد الأولى والوسطى يدعو الله إن تيسر له، فإذا أتممت الرمي في هذين اليومين فإن شئت أن تتعجل فاخرج من منى قبل غروب الشمس، أو شئت تتأخر، وهو أفضل؛ فبت في منى ليلة الثالثة عشرة وارم الجمرات الثلاث بعد الزوال كما رميتها في اليوم الثاني وقد انتهى الحج، فإذا أردت الخروج إلى بلدك فطف عند خروجك بالكعبة طواف الوداع سبعة أشواط، والحائض والنفساء ليس عليهما وداع، ويجب على المحرم بحج أو عمرة ما يلي: أن يكون ملتزمًا بما أوجب الله عليه من شرائع دينه كالصلاة في أوقاتها مع الجماعة، وأن يتجنب ما نهى الله عنه من الرفث والفسوق والعصيان، وأن يجتنب أذية المسلمين بالقول والفعل عند المشاعر وغيرها، وأن يجتنب جميع محظورات الإحرام، فلا يأخذ شيئًا من شعره أو ظفره؛ فأما نقش الشوكة ونحوه مثل شعر في عينيه يضر به فلا بأس به وإن خرج دم إن شاء الله.

ولا يتطيب بعد إحرامه في بدنه أو ثوبه أو مأكوله أو مشروبه، ولا يتنظف بصابون مطيب؛ فما بقي من أثر الطيب الذي قبل إحرامه فلا يضر، ولا يقتل الصيد - وهو الحيوان البري مما هو محرم - المتوحش أصلاً، ولا يباشر لشهوة بلمس أو تقبيل أو غيرهما، وأشد من ذلك الجماع، ولا يعقد النكاح لنفسه ولا لغيره، ولا يخطب امرأة لنفسه ولا لغيره، ولا يلبس القفازين - وهما شراب اليدين - وهذه محظورات على الذكور والإناث، ويختص الرجل بما يلي: لا يغطي رأسه بملاصق؛ فأما تظليله بالشمسية وتحته سقف أو سيارة أو خيمة فلا بأس، وكذلك حمل شيء على رأسه لحاجته فلا بأس به، ولا يلبس المحرم القميص ولا العمائم ولا البرانس ولا السراويل ولا الخفاف إلا إذا لم يجد إزارًا؛ فيلبس السراويل، أو لم يجد نعلين فيلبس خفين، ولا يلبس العباءة ولا القباء ولا الطاقية ولا الفَنِلة ونحوها.

ويجوز له أن يلبس النعلين والخاتم ونظارة العين وسماعة الأذن، ويلبس الهميان والمنطقة؛ وهما ما تجعل فيه النفقة، ويجوز له أن يتنظف بالماء بغير ما فيه طيب، وأن يغتسل ويحك رأسه برفق وبدنه، وإن سقط بذلك شعر بدون قصد فلا شيء عليه، والمرأة لا تلبس النقاب - وهو ما تستر به وجهها - منقوبًا لعينيها فيه، ولا تلبس البرقع، والسنة أن تكشف وجهها وكفيها إذا لم يراها غير محارمها، وإن كان عندها غير محرمها فيجب عليها ستر ما ذكر في إحرامها وغيره؛ لأنها عورة كلها.

* * *

فائدة

 ويجب بوطء في فرض الحج قبل التحلل الأول بدنة وبعده شاة؛ فإن لم يجد البدنة صام عشرة أيام؛ ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع؛ لقضاء الصحابة، ويجب بوطء في العمرة شاة، وإن طاوعته زوجته لزمها؛ أي ما ذكر من الفدية في الحج والعمرة، وقيل: لزمها - أي البدنة - في الحج وشاة في العمرة، والمكرهة لا فدية عليها، ومن كرر محظورًا من جنس واحد بأن حلق أو قلم أو لبس مخيطًا أو تطيب أو وطئ ثم أعاده ولم يفد كما سبق، فدى مرة؛ سواء فعله متتابعًا أو متفرقًا؛ لأن الله أوجب في حلق الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وضع في دفعة أو دفعات، وإن كفر عن السابق ثم أعاده لزمته كفارة ثانية؛ بخلاف الصيد؛ ففيه بعدده ولو في دفعة واحدة. انتهى من الروض المربع.

ومن فعل محظورًا من أجناس؛ بأن حلق وقلم أظفاره ولبس المخيط فدى لكل مرة - أي لكل جنس - الفدية الواجبة فيه، وإن فعله بنسيان فله حكمُ آخر الحديث: «عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ومتى ذكر أزاله في الحال، وفدية وطء وصيد وتقليم وحلق؛ فتجب مطلقًا؛ لأن ذلك إتلاف، فاستوى عمده وسهوه. انتهى من الروض.

* * *

فــائدة

فيجب من الصيد المثلُ من النَّعَم فيما له مثل؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الضبع كبشًا، ويرجع فيما قضت فيه الصحابة إلى ما قضوا به، وفيه في النعامة بدنة؛ روي عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم: وفي حمار الوحش بقرة... روي عن عمر: وفي بقرة الوحش بقرة... روى ابن مسعود: وفي الإبل بقرة... روي عن ابن عباس: وفي التيتل بقرة... قال الجوهري: التيتل: الوعل المسن - وفي الوعل بقرة... يروى عن ابن عمر أنه قال: في الأروى بقرة - وهو تيس الجبل - وفي الغزالة عنز... روي عن جابر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: في الظبي شاة وفي الوبر - وهو دويبة كحلاء دون السنور لا ذنب لها – جدي، وفي الضب جدي، قضى به عمر وزيد، والجدي الذكر من أولاد المعز له ستة أشهر، وفي اليربوع جفرة - لها أربعة أشهر... روي عن عمر وابن مسعود: وفي الأرنب عناق... روي عن عمر: والعناق الأنثى من أولاد المعز أصغر من الجفرة. وفي الحمامة شاة. حكم به عمر وعثمان وابن عمر وابن مسعود ونافع بن عبد الحارث في حمام الحرم، وقيس عليه حمام الإحرام، والحمام كل ما عب الماء وهدر، قال الجوهري: العب شرب الماء من غير مصٍّ، والحمام يشرب الماء عبًّا كما تعب الدواب. وهدر: أي صوت. وقال غيره: هدر غرد ورجَّع صوتَه كأنه يسجع؛ فيدخل فيه الفواخت والوراشين والقطا والقمري والدبسي، وما لم تقض فيه الصحابة يرجع فيه إلى قول عدلين خبيرين، وما لا مثل له كباقي الطيور - ولو أكبر من الحمام - فيه القيمة، وعلى جماعة اشتركوا في قتل صيدٍ جزاءٌ واحد. انتهى من الروض في اختصار.

قال شيخنا الإمام رضي الله عنه: قد اختلف الرواة في إحرام النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكرنا، وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الأحاديث كلامًا موجزًا؛ أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان منهم المفرد والقارن والمتمتع، وكل كان يأخذ منه أمر نسكه، ويصدر عن تعليمه؛ فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر به وأذن فيه؛ فيجوز في لغة العرب إضافة الفعل إلى الآمر به، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: اختلف العلماء في الإحصار الذي يبيح للمحرم التحلل من إحرامه؛ فذهب جماعة إلى أن كل مانع يمنعه عن وصول البيت الحرام والمضي في إحرامه من عدو أو مرض أو جرح أو ذهاب نفقته أو ضلال راحلة يبيح له التحلل بذلك كله. قلت: وذلك اليوم مثل الصدم المضر وقلب سيارة كذلك...

 ومما قال بالتحلل ابن مسعود، وهو قول إبراهيم النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير، وإليه ذهب سفيان الثوري وأهل العراق، وقالوا: إن الإحصار في كلام العرب هو حبس العلة أو المرض.

وقال الكسائي وأبو عبيدة: ما كان من مرض أو ذهاب نفقة يقال منه أحصر فهو محصور، وما كان من حبس عدو أو سجن يقال منه: حصر فهو محصور، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل». كما تقدم.

وقال ثعلب: تقول العرب: حصرتَ الرجل عن حاجته فهو محصور، وأحصره العدو، وإذا منع عن السير وهو محصور، واحتجوا بأن نزول هذه الآية في قصة الحديبية، وكان ذلك حبسًا من جهة العدو، ويدل عليه قوله تعالى في سياق الآية: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، وإلا من يكون من الخوف؟ ! وبما ثبت عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو. أو تأوله بعضهم على أنه إنما يحل بالكسر والعرج إذا كان قد شرط ذلك في عقد الإحرام؛ كما روي أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» ثم المحصر يتحلل بذبح الهدي وحلق الرأس والهدي بشاة؛ وهو المراد من قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾

 ومحل ذبحه حيث أحصر عند أكثر أهل العلم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح الهدي عام الحديبية بها. قلت: وهذا مما يؤكد التنبيه لهذا الشرط في هذا الوقت؛ لما يحصل من كثرة الحوادث في قصة ضباعة...

والقول الثاني له بدل فعلي؛ هذا اختلف القول فيه؛ ففي قوله: عليه صوم التمتع. وفي قول: تقوم الشاة بدراهم، يجعل الدراهم طعامًا فيتصدق به؛ فإن عجز عن الشاة وعن الإطعام صام عن كل مدٍّ من الطعام يومًا؛ كما في فدية الطيب واللبس؛ فإنَّ المحرم إذا احتاج إلى ستر رأسه لم يضره، وخاف على نفسه من مرض أو مداومته بدوام لبس – فعل، وعليه الفدية، وفديته على الترتيب؛ فعليه ذبح شاة، فإن لم يجد يُقَوِّمُ الشاة بدراهم يشتري بها طعامًا؛ فيتصدق به؛ فإن عجز صام عن كل مُدٍّ يومًا، ثم المحصر إن كان إحرامه بفرض قد استقر عليه فذلك الفرض في ذمته، وإن كان بحج تطوع فهل عليه القضاء؟ واختلفوا فيه؛ فذهب جماعة إلى أنه لا قضاء عليه. وهو قول مالك والشافعي، وذهب قوم إلى أن عليه القضاء وهو قول مجاهد والشعبي والنخعي وأصحاب الرأي.

 وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: اختلفوا في المحل الذي يحل المحصر ببلوغ هديه إليه؛ فقال بعضهم: هو ذبحه بالموضع الذي أحصر فيه؛ سواء كان في الحل أو في الحرم. ومعنى محله: حيث يحل ذبحه فيه. أخبرنا عبد الواحد المليحي وساقه عن المسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم حلقوا». فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات؛ فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنَك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك؛ قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا - أي ازدحامًا - غمًا». انتهى من البغوي رحمه الله.

اللهم نور قلوبنا بإيمان وعافنا من نزغات الشيطان، اللهم اسلك بنا صراطك المستقيم وجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين، اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين وألحقنا بالصالحين، واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

* * *


فصـل

 قال الشيخ رحمه الله:

(المرتبة الثانية: الإيمان.

وهو بضع وسبعون شعبة؛ فأعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان.

وأركانه ستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.

 والدليل على هذه الأركان الستة: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ...﴾ الآية.

ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾).

شـرح

وهذه الآية الكريمةُ اشتملت على جمل عظيمة وقواعد عميمة وعقيدة مستقيمة؛ كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وساقه عن مجاهد عن أبي ذر أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما الإيمان؟ فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ...﴾ إلى آخر الآية. قال: ثم سأله أيضًا، فتلاها عليه، ثم سأله، فقال: «إذا عملت حسنة أحبها قلبك وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك... » إلى آخره... وقال المسعودي: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذر فقال: ما الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾، حتى فرغ منها، فقال الرجل: ليس عن البر سألتك. فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عما سألت عنه فقرأ عليه هذه الآية. فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشار بيده: «المؤمن إذا عمل حسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها»... رواه ابن مردويه منقطعا. والله أعلم.

وقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله عز وجل... وقال الضحاك: ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها... وقال الثوري: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ...﴾ الآية. قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق رحمه الله؛ فإن من اتصف بهذه الآية فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله وهو الإيمان بالله وأنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله، ﴿وَالْكِتَابِ﴾ وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله تعالى: ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾، وأخرجه وهو محب له راغب فيه. نص على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر...» إلى آخره... إلى قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾، وعكس هذه الصفة النفاق؛ كما صح الحديث: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان». وقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: أي في حال الفقر - وهو البأساء - وفي حال المرض والأسقام - وهو الضراء. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: أي في حال القتال والتقاء الأعداء؛ قاله ابن مسعود وابن عباس وغيرهم كثير.

وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾: أي هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال؛ فهؤلاء هم الذين صدقوا، وأولئك هم المتقون؛ لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات. انتهى من ابن كثير.

وقال البخاري في صحيحه للإيمان قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بني الإسلام على خمس»، وهو قول وفعل ويزيد وينقص، والحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي أن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا؛ فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص... وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله... وقال ابن عمر: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان»... وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»... وعن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»... وعن قتادة عن أنس قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ومن والده وولده والناس أجمعين»... وعن أنس أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار». انتهى من البخاري.

والإيمان له أصول وشعب متعددة؛ كل شعبة منها تسمى إيمانًا؛ فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق؛ فمنها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعًا كإماطة الأذى عن الطريق، وبين هاتين الشعبتين شعب متفاوتة؛ منها ما يلحق بشعبة الشهادتين ويكون منهما، ومنها ما يلحق في إماطة الأذى عن الطريق ويكون إليها أقرب، والتسوية بين هذه الشعب في اجتماعها مخالف للنصوص وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، والإيمان مركب من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب وهو اعتقاده، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام، والعمل قسمان: عمل القلب وهو قصده واختياره ومحبته ورضاه وتصديقه وعمل الجوارح كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة، فإذا زال تصديق القلب ورضاه ومحبته لله وصدقه زال الإيمان بالكلية، وإذا زال شيء من الأعمال كالصلاة والحج والجهاد مع بقاء تصديق القلب وقبوله فهذا محل خلاف، والمعروف عند السلف تكفير من ترك شيئًا من مباني الإسلام كالصلاة والزكاة والصيام والحج.

ومنها أن الكفر نوعان: كفر عملي وكفر جحود وعناد؛ وهو أن يكفر بما علم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وهذا مضاد للإيمان من كل وجه.

وأما كفر العمل فمنه ما يضاد الإيمان كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل أحد من الأنبياء وسبهم، وكذلك الشرك شركان: شرك ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة، وهو الشرك الأصغر؛ كشرك الرياء. قال تعالى في الشرك الأكبر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ...﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ...﴾ الآية... وقال في شرك الرياء: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

وفي الحديث: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»... وفي الحديث: «من حلف بغير الله فقد أشرك»... ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل»، فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم إلى ما هو كفر ينقل عن الملة وإلى ما لا ينقل عن الملة، وكذلك النفاق نفاقان: اعتقادي ونفاق عملي، والنفاق الاعتقادي ستة أنواع تكذيب الرسول أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول أو بغض الرسول أو بغض بعض ما جاء به الرسول أو كراهية نصر دين الرسول أو المسرة في انخفاض دين الرسول؛ وهو مذكور في القرآن في مواضع معروفة، وقد أوجب الله لهم به العذاب في الدرك الأسفل من النار.

والنفاق العملي: قال - صلى الله عليه وسلم -: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا اؤتمن خان». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان»، وقال بعض الفضلاء: وهذا النفاق قد يجتمع من أصل الإسلام، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه من الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ فإن الإيمان ينهى عن هذه الخصال، فإذا أكملت هذه للعبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا يكون منافقًا خالصًا. انتهى من الدرر.

وقال الشيخ في تيسير الحميد شرح التوحيد على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾... وقال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في القرآن في تسعين موضعًا.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والصبر ضياء». رواه أحمد ومسلم. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر». رواه البخاري ومسلم. وقال عمر رضي الله عنه: وجدنا خير عيشنا بالصبر... رواه البخاري. وقال علي بن أبي طالب: ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بان الجسد. ثم رفع صوته فقال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له.

قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: قال ابن عباس: يهدي قلبه اليقين؛ فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه... وفي قوله: هو الرجل تصيبه المصيبة... إلى آخره: تفسير للإيمان المذكور في الآية... لكنه تفسير باللازم؛ وهو صحيح؛ لأن هذا اللازمُ للإيمان الراسخُ في القلب. وقريب منه تفسير سعيد بن جبير.

 ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: يعني يسترجع؛ يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وفي الآية أن الصبر سبب لهداية القلب. قال شيخ الإسلام: المصائب نعمة؛ لأنها مكفرات للذنوب، ولأنها تدعو إلى الصبر فيثاب عليها، ولأنها تقتضي الإنابة إلى الله والذل والإعراض عن الخلق... إلى غير ذلك من المصالح العظيمة؛ فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا، ومعلوم أن هذا من أعظم النعم، ولو كان رجلًا من أفجر الناس في معاصيه فإنه لا بد أن يخفف الله عنه عذابه بمصائبه؛ فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق من المسلمين، إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك فتكون شرًّا عليه من جهة ما أصابه في دينه؛ فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو جوع حصل له من الجزع والسخط والنفاق ومرض القلب أو الكفر الظاهر أو ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له ضررًا في دينه بحسب ذلك؛ فهذا كانت العافية خيرًا له من جهة ما أورثته المصيبة؛ لا من جهة المصيبة؛ كما أن من أوجبت له المصيبة صبرًا وطاعة كانت في حقه نعمة دينية؛ فهي بعينها فعل الرب عز وجل رحمة للخلق، والله تبارك وتعالى محمود عليها؛ فإن اقترن بها طاعة كان ذلك نعمة ثانية على صاحبها، وإن اقترن بها للمؤمن معصية فهذا مما تتنوع فيه أحوال الناس كما تتنوع أحوالهم في العافية؛ فمن ابتلي فرزق الصبر كان الصبر عليه نعمة في دينه وحصل له بعد ما كفر من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاة ربه عليه؛ حيث قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾؛ فحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات، وهذا من أعظم النعم؛ فالصبر واجب على كل مصاب؛ فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك. انتهى ملخصًا.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن عظم الجزاء مع البلاء وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط». حسنه الترمذي. انتهى التوحيد.

 ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.

 قال ابن كثير: يخبر تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق، وسعر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من سائر الفرق، ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: أي كما كانوا في سعر وشك وتردد أورثهم ذلك النار، وكما كانوا ضلالًا يسحبون فيها على وجوههم لا يدرون أين يذهبون، ويقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾: أي قدر قدرًا وهدى الخلائق إليه. ولهذا يَسْتَدِلُّ بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها، وأرادوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدرية الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة، كما ذكر في كتاب الإيمان من صحيح البخاري رحمه الله.

قال أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سفيان وساقه عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يخاصمونه في القدر فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وهكذا رواه مسلم والترمذي وغيرهم.

وقال ابن أبي حاتم وساقه عن ابن زرارة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه تلا هذه الآية: قوله تعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. قال: «نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله».

وحدَّثنا الحسن بن عرفه، وساقه عن عطاء بن رباح، قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت ثيابه من أسافل، فقلت له: قد تُكلِّم في القدر. فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾: أولئك شرار هذه الأمة فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدًا منهم فقأت عينه بأصبعيَّ هاتين، وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر عن محمد بن عبيد المكي عن عبد الله بن عباس قال: قيل له إن رجلاً قدم علينا يكذب بالقدر. فقال: دلوني عليه وهو أعمى. قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس. قال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدقنها؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطفق إلياتهن مشركات، هذا أول شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرًا كما أخرجوه من أن يكون قدر شرًّا». رواه أحمد وغيره.

وقال أحمد: حدثنا أنس بن عياض وساقه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون: لا قدر. إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم... » إلى آخره.

وقد ثبت في صحيح مسلم وساقه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة». زاد ابن وهب: وكان عرشه على الماء... ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب.

وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾: وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه، كما أخبر بنفوذ قدره فيهم فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾: أي: إنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إلى تأكيد بشأنه؛ فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلاً موجودًا ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ لا يتأخر طرفة عين. انتهى من ابن كثير رحمه الله.

فصل

قال الشيخ رحمه الله:

(المرتبة الثالثة: الإحسان ركن واحد، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

 والدليل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.

وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾.

 والدليل من السنة:

حديث جبريل المشهور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». قال: صدقت؛ فعجبنا له يسأله ويصدقه.

قال: أخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره»، قال: صدقت.

قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

قال: فأخبرني عن الساعة. قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل».

قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان».

قال: فمضى، فلبثنا مليًّا، فقال: «يا عمر، أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم»). رواه مسلم.

شـرح

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ قال ابن كثير: أي معهم بتأييده ونصره ومعونته وهديه وسعيه، وهذه معية خاصة؛ كقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، وقوله لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للصديق وهما في الغار: «لا تحزن إن الله معنا». وأما المعية العامة فبالسمع والبصر والعلم؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا...﴾ الآية. ومعنى الذين اتقوا: أي تركوا المحرمات. ﴿والذين هم محسنون﴾: أي فعلوا الطاعات؛ فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم وينصرهم ويؤيدهم ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم.

 وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار وغيرهم، عن محمد بن حاطب قال: كان عثمان رضي الله عنه من الذين اتقوا والذين هم محسنون... انتهى من ابن كثير.

وقال في شرح الأربعين في سؤال جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (أخبرني عن الإيمان). قال: الإيمان في اللغة: هو مطلق التصديق وفي الشرع عبارة عن تصديق خاص وهو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وأما الإسلام فهو عبارة عن فعل الواجبات، وهو الانقياد إلى عمل الظاهر، وقد غاير الله تعالى بين الإيمان والإسلام كما في الحديث؛ قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؛ وذلك أن المنافقين كانوا يصلون ويصومون ويتصدقون وبقلوبهم ينكرون، فلما ادعوا الإيمان كذبهم الله في دعواهم الإيمان؛ لإنكارهم بالقلوب، وصدقهم في دعوى الإسلام؛ لتعاطيهم إياه، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾... إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾: أي في دعواهم الشهادة بالرسالة مع مخالفة قلوبهم؛ لأن ألسنتهم لم تواطئ قلوبهم، وشرط الشهادة بالرسالة أن يواطئ اللسان القلب، فلما كذبوا في دعواهم بَيَّن الله تعالى كذبهم، ولما كان الإيمان شرطًا في صحة الإسلام استثنى الله تعالى من المسلمين المؤمنين؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ فهذا استثناء متصل؛ لما بين الشرط والمشروط من الاتصال، ولهذا سمى الله تعالى الصلاة إيمانًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾: أي الصلاة.

قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وتؤمن بالقدر خيره وشره... ».

بفتح الدال وسكونها لغتان: ومذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه أن الله سبحانه وتعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه وتعالى ما قدَّره.

وقال في شرح الأربعين: واعلم أن التقادير أربعة:

الأول: التقدير في العلم: ولهذا قيل: العناية قبل الولاية، والسعادة قبل الولادة، واللواحق مبنية على السوابق؛ قال الله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾: أي يصرف عن سماع القرآن وعن الإيمان به في الدنيا من صُرِفَ عنه في القدم؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يهلك على الله إلا هالك». أي من كتب في علم الله تعالى أنه هالك.

الثاني: التقدير في اللوح المحفوظ: وهذا التقدير يمكن أن يتغير قال الله تعالى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول في دعائه: اللهم إن كنت كتبتني شقيًّا فامحني واكتبني سعيدًا.

الثالث: التقدير، وهو سوق المقادير إلى المواقيت: والله تعالى خلق الخير والشر وقَدَّر مجيئه إلى العبد في أوقات معلومة، والدليل على أن الله تعالى خلق الخير والشر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ...﴾ إلى قوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾: نزلت هذه الآية في القدرية؛ يقال لهم ذلك في جهنم، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، وهذا القسم إذا حصل اللطف بالعبد صرف عنه قبل أن يصل إليه... وفي الحديث: «إن الدعاء والبلاء بين السماء والأرض يقتتلان ويدفع الدعاء البلاء قبل أن ينزل».

قوله: (فأخبرني عن الإحسان)، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه».

وهذا مقام المشاهدة؛ لأن من قدر أن يشاهد الملك استحى أن يلتفت إلى غيره في الصلاة، وأن يشتغل قلبه بغيره، ومقام الإحسان مقام الصديقين، وقد تقدم قوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه يراك غافلاً إن غفلت في الصلاة، وحديث النفس فيها قوله - صلى الله عليه وسلم -: فأخبرني عن الساعة. فقال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، هذا الجواب يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يعلم متى الساعة؛ بل علم الساعة مما استأثر الله تعالى به؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ...﴾ الآيات..

ومن ادعى أن عمر الدنيا سبعون ألف سنة وأنه بقي منها ثلاث وستون ألف سنة فهو قول باطل حكاه الطوخى في أسباب التنزيل عن بعض المنجمين وأهل الحساب الكذابين، ومن ادعى أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة فهذا قول باطل وتعسف على الغيب ولا يحل اعتقاده، وأمر ذلك إلى الله، والله أعلم.

قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فأخبرني عن أماراتها). قال: «أن تلد الأمة ربتها الأمارة».

والأمارة - بإثبات التاء وحذفها لغتان... وروي ربها وربتها، قال الأكثرون: هذا إخبار عن كثرة السراري وأولادهن؛ فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأن مال الإنسان سائر إلى ولده. وقيل: معناه الإماء يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته، ويحتمل أن يكون المعنى أن الشخص يشتري الجارية ثم يبيعها فيكبر الولد ويشتري أمه وهذا من أشراط الساعة.

قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان».

إذًا العالة هم الفقراء، والعائل الفقير، والعيلة الفقر، وعال الرجل يعيل عيلة: أي افتقر، والرعاء بكسر الراء وبالمد، ويقال: فيه رعاة - بضم الراء وزيادة تاء بلا مد - ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة يترقون في البنيان وتبسط لهم حتى يتباهوا في البنيان.

قوله: (فلبث مليًّا).

هو بفتح الثاء على أنه للغائب، وقيل: فلبثت - بزيادة تاء المتكلم. وكلاهما صحيح، وفي رواية أبي داود والترمذي: ثلاثة أيام، وقيل غير ذلك، ورواية أبي هريرة: ثم أدبر الرجل فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ردوا على الرجل». فأخذوا يردونه فلم يروا شيئًا فقال - صلى الله عليه وسلم -: «هذا جبريل». فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحاضرين في الحال وأخبر عمر بعد ثلاث؛ إذ لم يكن حاضرًا عند إخبار الباقين.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم».

فيه دليل على أن الإيمان والإسلام والإحسان تسمى كلها دينًا.

وفي الحديث دليل على أن الإيمان بالقدر واجب، وعلى ترك الخوض في الأمور، وعلى وجوب الرضا بالقضاء... دخل رجل على ابن حنبل رضي الله عنه فقال: عظني. فقال له: إن كان الله تعالى قد تكفل بالرزق فاهتمامك لماذا، وإن كان الخلف على الله حقًّا فالبخل لماذا، وإن كانت الجنة حقًّا فالراحة لماذا، وإن كانت النار حقًّا فالمعصية لماذا، وإن كان سؤال منكر ونكير حقًّا فالإيمان لماذا، وإن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة لماذا، وإن كان الحساب حقًّا فالجمع لماذا، وإن كان كل شيء بقضاء وقدر فالخوف لماذا.

فائدة

 ذكر صاحب مقامات العلماء أن الدنيا كلها مقسومة على خمسة وعشرين قسمًا؛ خمسة بالقضاء والقدر، وخمسة بالاجتهاد، وخمسة بالعبادة، وخمسة بالوراثة؛ فأما الخمسة التي فيها بالقضاء والقدر فالرزق والولد والأهل والسلطان والعمر، والخمسة التي بالاجتهاد فالجنة والنار والعفة والفروسية والكتابة، والخمسة التي بالعبادة فالأكل والنوم والمشي والنكاح والتغوط، والخمسة التي بالجوهر فالزهد والذكاء والبذل والجمال والهيبة، والخمسة التي بالوراثة فالخير والتواصل والسخاء والصدق والأمانة، وهذا كله لا ينافي في قوله - صلى الله عليه وسلم - «كل شيء بقضاء وقدر». وإنما معناه أن بعض هذه الأشياء يكون مرتبًا على سبب، وبعضها يكون بغير سبب، والجميع بقضاء الله وقدره والله أعلم. انتهى من شرح الأربعين.

* * *


فصـل

(الأصل الثالث: معرفة نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

وله من العمر ثلاث وستون سنة؛ منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًّا رسولاً.

نبئ بـ﴿اقرأ﴾، وأرسل بالمدثر، وبلده مكة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد.

 والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.

 ومعنى ﴿قم فأنذر﴾: ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد، ﴿وربك فكبر﴾ أي: عظمه بالتوحيد، ﴿وثيابك فطهر﴾ أي: طهر أعمالك من الشرك، ﴿والرجز فاهجر﴾ الرجز: الأصنام، وهجرها تركها وأهلها والبراءة منها وأهلها).

شـرح

وقال شمس الدين ابن القيم في زاد المعاد: ومن هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم، فما الطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق إلا هديهم وما جاؤوا به؛ فهم الميزان الراجح لمن حسن عمله، وبميزان أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال؛ فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها؛ فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، وما ظنك بمن إذا غاب عنه هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبه وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة؛ فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسول كهذه الحال؛ بل أعظم؛ ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي وما لجرح بميت إيلام، وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف هديه، وسيرته، وشأنه؛ ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه المفلحين، والناس في هذا بين مستقل، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وهو - صلى الله عليه وسلم - خير أهل الأرض نسبًا على الإطلاق فلنسبه من الشرف أعلى ذروة، وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك، ولهذا شهد له به عدوه آنذاك أبو سفيان بين ملك الروم؛ فأشرف القوم قومه وأشرف القبائل قبيلته وأشرف الأفخاذ فخذه فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن ملاك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، إلى ههنا معلوم الصحة متفق عليه بين النسابين ولا خلاف فيه البتة، وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا خلاف بينهم أن عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

 ومن سيرته - صلى الله عليه وسلم - وهديه وأخلاقه لا خلاف أنه ولد - صلى الله عليه وسلم - بجوف مكة وأن مولده عام الفيل، وكان أمر الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة إذ ذاك؛ لأنهم كانوا عباد أوثان فنصرهم الله على أهل الكتاب نصرًا لا صنع للبشر فيه؛ إرهاصًا وتقدمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - الذي خرج من مكة وتعظيمًا للبيت الحرام، بعثه الله على رأس أربعين وهي سن الكمال. قيل: ولها تبعث الرسل. وأول ما بدي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أمر النبوة الرؤيا؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، قيل: وكان ذلك ستة أشهر، ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة؛ فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة والله أعلم. انتهى من الهدى.

وقال ابن كثير: قال البخاري وساقه عن يحيى بن أبي كثير – قال: سألت أبا سلمة ابن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ما قلت لي، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماء باردًا. قال: فدثروني وصبوا علي ماء باردًا». قال: فنزلت ﴿يا أيها المدثر﴾... الآيات من هذا الوجه ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة.

كما قال الإمام أحمد وساقه عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثيت منه فرقًا حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم: زملوني زملوني. فزملوني». فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾... إلى قوله ﴿فاهجر﴾، ثم حمي الوحي وتتابع.

وقال الطبراني وساقه عن ابن أبي مليكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعامًا فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم ساحر، وقال بعضهم ليس بساحر، وقال بعضهم كاهن، وقال بعضهم ليس بكاهن، وقال بعضهم شاعر، وقال بعضهم ليس بشاعر، وقال بعضهم بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فحزن وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾... إلى قوله: ﴿ولربك فاصبر﴾.

وقوله تعالى: ﴿قم فأنذر﴾.

أي شمر عن ساق العزم وأنذر الناس - وبهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول النبوة، ﴿وربك فكبر﴾؛ أي عظم.

وقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾.

قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة. ثم قال: غيلان... فإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع، ﴿وثيابك فطهر﴾ قال في كلام العرب: نقي الثياب. وفي رواية بهذا الإسناد: فطهر من الذنوب... وعن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وثيابك فطهر﴾: قال: من الإثم. وقال مجاهد: ﴿وثيابك فطهر﴾: قال: نفسك؛ ليس ثيابه. وفي رواية عنه: ﴿وثيابك فطهر﴾: أي عملك فأصلح. وكذا قال أبو رزين. وقال في رواية أخرى: ﴿وثيابك فطهر﴾: أي لست بكاهن ولا ساحر فأعرض عما قالوا. وقال قتادة: ﴿وثيابك فطهر﴾: أي طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمى الرجل إذا نكث ولم يف بعهد الله: إنه لدنس الثياب، وإذا وفَّى وأصلح: إنه لمطهر الثياب... وقال عكرمة والضحاك: لا تلبسها على معصية..

وقال الشاعر:

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه

فكل رداء يرتديه جميل

 وقال محمد بن سيرين: ﴿وثيابك فطهر﴾: أي اغسلها بالماء... وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر، وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب؛ فإن العرب تطلق الثياب عليه.

وقال سعيد بن جبير: ﴿وثيابك فطهر﴾: وقلبك ونيتك فطهر. وقال محمد القرضي والحسن البصري: وخلقك فحسن.

وقوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: والرجز - وهو الأصنام – فاهجر، وكذا قال مجاهد وعكرمة غيرهم، وقال إبراهيم والضحاك: ﴿والرجز فاهجر﴾: أي اترك المعصية، وعلى كل تقدير فلا يلزم أن تلبسه بشيء من ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وقال موسى لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.

قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها، وكذا قال عكرمة ومجاهد وعطاء وغيرهم، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾: قال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره، وكذا قال الربيع بن أنس واختاره ابن جرير، وقال خصيف عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ – قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير. قيل: تمنن في كلام العرب تضعف. وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس تستكثرهم بها تأخذ عليه عوضًا من الدنيا؛ فهذه أربعة أقوال وإلا ظهر القول الأول والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.

أي اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل. قال مجاهد: وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك لله عز وجل. انتهى من ابن كثير رحمه الله.

وقال في الدرر السنية: ومن حكمة الرب أنه تعالى ابتلى عباده المؤمنين الذين يدعون الناس إلى ما دعى إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - من الدين بثلاثة أصناف من الناس، وكل صنف له أتباع: الصنف الأول: من عرف الحق فعاداه حسدًا وبغيًا كاليهود؛ فإنهم أعداء الرسول والمؤمنين. قال تعالى عنهم: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ...﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

الصنف الثاني: الرؤساء أهل الأموال الذين فتنتهم دنياهم وشهواتهم لما يعلمون أن الحق يمنعهم من كثير مما أحبوه وألفوه من شهواتهم الفاسدة؛ فلم يعبئوا بداعي الحق ولم يقبلوا منه.

الصنف الثالث: الذين نشؤوا في الباطل وما وجدوا عليه أسلافهم وهم يظنون أنهم على الحق وهم على الباطل؛ فهؤلاء لم يعرفوا إلا ما نشؤوا عليه ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، وكل هذه الأصناف الثلاثة وأتباعهم هم أعداء الرسل من نوح إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى أن تقوم الساعة؛ فأما الصنف الأول فقد عرفت ما قاله الله فيهم وهم اليهود وأتباعهم، وأما الصنف الثاني فقد قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

فمن رزقه الله فهمًا ثاقبًا وعقلًا كاملًا وبصرًا نافذًا مع توفيق الله له بذلك عرف الحق من الباطل، وأما الأعمى فلا يبصر للشمس ضياءً ولا للقمر نورًا. انتهى من الدرر.

 انظر قول عمرو بن عبسة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال له النبي: أنا نبي. فقال عمرو: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. قال: بأي شيء أرسلك؟ قال: بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحَّد الله لا يشرك به شيئًا. قال: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد. ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء». «الذين يصلحون إذا فسد الناس»، وفسر الغرباء أنهم «النزَّاع من القبائل»؛ فلا يقبل الحق من القبيلة إلا الواحد والاثنان، ولهذا قال بعض السلف: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين. وقال بعضهم: إنه ليس العجب ممن هلك كيف هلك؛ إنما العجب ممن نجا كيف نجا؟ فإذا كان الأمر كذلك فلا تعجبوا من كثرة المنحرفين الناكبين الزائغين عن الحق الواضح المجادلين في الباطل المسارعين إلى أبواب الفتن في أمر الدين؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾؛ فأعظم نعمة من الله على من رزقه الله معرفة الحق في بصيرة، وكذلك الاعتصام بكتاب الله والتمسك بتوحيده وشرعه المطهر، ولا ينظر لكثرة المخالفين والمجادلين بالباطل، ومن يهد الله فهو المهتدي، ومن يضل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وصلى الله على محمد. انتهى من الدرر السنية.

اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك، اللهم أصلح ما فسد من المسلمين، وثبت من هو متمسك بالدين، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض وزد نبينا صلاةً وتسليمًا، وآته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وصلى الله على محمد.

فصل

قال الشيخ رحمه الله:

(أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد.

وبعد العشر عرج به إلى السماء وفرضت عليه الصلوات الخمس وصلى في مكة ثلاث سنين.

وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة، والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة.

والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.

وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.

قال البغوي رحمه الله: سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان.

 والدليل على الهجرة من السنة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها»).

شـرح

وقال في الدرر السنية: وقد عرفت أرشدك الله أن لكل زمنٍ زمنَ فترة غلبت فيه العادات والأهواء العصبية. وقال: من يعرف الإسلام العتيق وما حرمه الله من موالاة أعدائه المشركين ومعرفة أقسامها، وأن منها ما يكفر به المسلم ومنها ما هو دونه وكذلك المداهنة والركون وما حرم الله تعالى ورسوله، وما الذي يوجب فسق فاعله أو ردته، وأين القلوب التي ملئت من الغيرة لله وتعظيمه وتوقيره عن كفر هؤلاء الملاحدة وتعطيلهم، وصار على نصيب وحظ وافر من مصادمة أعداء الله ومحاربتهم ونصر دين الله ورسوله، ومقاطعة من صد عنه وأعرض عن نصرته، وإن كان الحبيب المواتيا، فالحكم لله العلي الكبير.

فمن هان عليه أمر الله تعالى فعصاه ونهيه فارتكبه وحقه فضيعه وذكره فأهمله وأغفل قلبه عنه وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعة ربه - فلله الفضيلة من قلبه وقوله وعمله وسواه المقدم في ذلك؛ فما قدره حق قدره وما عظمه حق عظمته، وهل قدره حق قدره من سالم أعداءه الجاحدين له المكذبين لرسله ولاقاهم بوجه منبسط ولسان عذب وصدر منشرح، ولم يراع ما وجب عليه من إجلال الله وتعظيمه وطاعته؛ جراءةً على ربه وتوثبًا على محض حقه واستهانة بأمره.

وقد قال بعض العلماء رحمهم الله: من اتبع القرآن والسنة وهاجر إلى الله بقلبه واتبع آثار الصحابة لم يسبقه الصحابة إلا بكونهم رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. انتهى من الدرر.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: أراد به ملك الموت وأعوانه، أو أراد ملك الموت وحده؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾، والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع، ﴿ظالمي أنفسهم﴾: بالشرك، وهو نصب على الحال؛ أي في حال ظلمهم، قيل: أي بالمقام في دار الشرك؛ لأن الله تعالى لم يقبل الإسلام بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بالهجرة، ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا هجرة بعد الفتح». وهؤلاء قتلوا يوم بدر، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم وقالوا لهم: فيم كنتم؟ فذلك قوله تعالى: ﴿قالوا فيم كنتم﴾؛ أي: في ماذا كنتم؟ أو: في أي الفريقين كنتم؟ أفي المسلمين أم في المشركين؟ سؤال توبيخ وتقريع؛ فأكذبهم بالضعف عن مقاومة أهل الشرك، ﴿قالوا كنا مستضعفين﴾؛ أي عاجزين ﴿في الأرض﴾؛ يعني أرض مكة، ﴿قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾؛ يعني إلى المدينة وتخرجوا من مكة من بين أهل الشرك؟ ! فاعتذروا الله تعالى وأعلمنا بكذبهم، وقال: ﴿فأولئك مأواهم﴾: منزلهم ﴿جهنم وساءت مصيرا﴾؛ أي بئس المصير إلى جهنم ثم استثنى أهل العذر منهم فقال: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة﴾ أي لا يقدرون على حيلة ولا على نفقة ولا على قوة الخروج منها، ﴿ولا يهتدون سبيلا﴾؛ أي: لا يعرفون طريقًا إلى الخروج، وقال مجاهد: لا يعرفون طريق المدينة. ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾: أي يتجاوز عنهم، وعسى من الله واجب؛ لأنه للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبدًا أوصله إليه، ﴿وكان الله عفوًّا غفورًا﴾: قال ابن عباس: كنت أنا وأمي ممن عذر الله؛ يعني من المستضعفين، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو لهؤلاء المستضعفين في الصلاة.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع؛ فربما قال: «سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد». في الركعة الآخرة من صلاة العشاء؛ «اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف». يجهر بذلك. انتهى من البغوي.

 وقال في شرح الأربعين: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». أصل المهاجرة المجافاة والترك؛ فاسم الهجرة يقع على أمور:

الأول: هجرة الصحابة رضي الله عنهم من مكة إلى الحبشة حين آذى المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففروا منهم إلى النجاشي، وكانت هذه الهجرة بعد البعثة بخمس سنين...

قال البيهقي: الهجرة الثانية من مكة إلى المدينة، وكانت هذه بعد البعثة بثلاث عشرة سنة، وكان يجب على كل مسلم بمكة أن يهاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وأطلق جماعة أن الهجرة كانت واجبة من مكة إلى المدينة، وهذا ليس على إطلاقه؛ فإنه لا خصوصية للمدينة، وإنما الواجب الهجرة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

قلت: وإلى سنته بعده ومتابعة لحفظ دينه.

قال ابن العربي: قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض هربًا وطلبًا؛ فالأول ينقسم إلى ستة أقسام:

الأول: الخروج من دار الحرب إلى دار السلام، وهي باقية إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا هجرة بعد الفتح». هي القصد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث كان...

الثاني: الخروج من أرض البدعة؛ قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف...

الثالث: الخروج من أرض يغلب عليها الحرام؛ فإن طلب الحلال فريضة على كل مسلم...

الرابع: الفرار من الأذية في البدن؛ وذلك فضل من الله تعالى أرخص فيه؛ فإذا أخشى على نفسه في مكان فقد أذن الله تعالى له في الخروج عنه، والفرار بنفسه يخلصها من ذلك المحذور، وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام حين خاف من قومه فقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾، وقال تعالى مخبرًا عن موسى عليه السلام: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾...

الخامس: الخروج خوف المرض في البلاد الوخمة إلى الأرض النزهة، وقد أذن - صلى الله عليه وسلم - للعرنيين في ذلك حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المرج...

السادس: الخروج خوفًا من الأذية في المال؛ فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه.

* وأما قسم الطلب فإنه ينقسم إلى عشرة:

- طلب دين.

- وطلب دنيا.

وطلب الدين ينقسم إلى تسعة أنواع:

الأول: سفر العبرة؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وقد طاف ذو القرنين في الدنيا ليرى عجائبها.

الثاني: سفر الحج.

الثالث: سفر الجهاد.

الرابع: سفر المعاش.

الخامس: سفر التجارة والكسب الزائد على القوت؛ وهو جائز؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

السادس: طلب العلم.

السابع: قصد البقاع الشريفة؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد».

الثامن: من قصد الثغور للرباط بها.

التاسع: زيارة الإخوان في الله تعالى؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «زار رجل أخًا له في قرية فأرسل الله ملكًا على مدرجته، فقال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية. فقال: هل لك عليه من نعمة تؤديها؟ قال: لا، إنني أحبه في الله تعالى. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله أحبك كما أحببته». رواه مسلم وغيره.

 الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليتعلموا الشرائع ويرجعوا إلى قومهم فيعلموهم...

الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يرجع إلى قومه...

الخامسة: الهجرة إلى بلاد الإسلام؛ فلا يحل للمسلم الإقامة بدار الكفر...

السادسة: هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة بغير سبب شرعي، وهي مكروهة في الثلاثة، وفيما زاد حرام إلا لضرورة في الدين...

السابعة: هجرة الزوج الزوجة إذا تحقق نشوزها؛ قال تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، ومن ذلك هجرة أهل المعاصي في المكان والكلام ووجوب السلام وابتدائه...

الثامنة: هجرة ما نهى الله عنه؛ وهي أعم الهجرة؛ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله - أي نيةً وقصدًا - فهجرته إلى الله ورسوله - حكمًا وشرعًا - ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها... إلى آخره».

ونقلوا أن رجلاً هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة؛ وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس؛ فسمي مهاجر أم قيس.

قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فهجرته إلى ما هاجر إليه... » الحديث، والنية بحر تختلف على ما قصده ونيته... انتهى من شرح النووي.

وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة؛ حيث يمكن إقامة الدين؛ بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾؛ قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه وساقه عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البلاد بلاد الله والعباد عباد الله فحيثما أصبت خيرًا فأقم»، ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها خرجوا منها مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا خير المنزلِين هناك؛ أصحمة النجاشي ملك الحبشة - رحمه الله - فآواهم وأيدهم بنصره وجعلهم سيومًا ببلاده، ثم بعد ذلك هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الباقون إلى المدينة النبوية يثرب. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾: قال مقاتل والكلبي: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة؛ يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من أظهر الإيمان فاخرجوا منها إلى أرض المدينة؛ إن أرضي - يعني المدينة - واسعة آمنة. قال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها. وقال سعيد بن جبير: إذا عمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها؛ فإن أرضي واسعة. وقال عطاء: إذا رأيتم المعاصي فاهربوا؛ فإن أرضي واسعة.

وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث تتهيأ له العبادة، وقيل: نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة وقالوا: نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة؛ فأنزل الله هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج. وقال مطرف بن عبد الله: أرضي واسعة؛ أي رزقي لكم واسع فاخرجوا... انتهى من البغوي.

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله علينا ملتبسًا فنضل؛ اللهم أصلح ما فسد من المسلمين، وثبت من هو متمسك بالدين، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا يا كريم، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وزد نبينا محمدًا صلاةً وتسليمًا وآته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.


 فصل

قال الشيخ رحمه الله:

(فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة والصوم والحج والأذان والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين.

وتوفي صلاة الله وسلامه عليه ودينه باق، وهذا دينه.

لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه.

والخير الذي دلها عليه التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذرها عنه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه.

بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض طاعته على جميع الثقلين الجن والإنس، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.

وكمل الله به الدين، والدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.

والدليل على موته - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.

والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾.

وبعد البعث محاسبون ومجازون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.

ومن كَذَّبَ بالبعث كَفَرَ، والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾).

شـرح

وقال في الأجوبة النجدية:

ومن أهم فرائض الدين الصلاة، وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الدين؛ كما في الحديث: «رأس هذا الأمر الإسلام وعموده الصلاة» وتركها - ولو تهاونًا وكسلاً - كفرٌ ناقل عن الملة ومبيح للدم والمال؛ كما في الحديث: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة».

وفيه أيضًا: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».

وفيه أيضًا: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»...

وقال الشيخ محمد أيضًا: ومما يجب للصلاة أداؤها في جماعة، وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه هَمَّ بالانطلاق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة في جماعة فيحرِّق عليهم بيوتهم بالنار... وفي رواية: «لولا ما فيها من النساء والذرية أحرقتها عليهم بالنار». ومن أهم واجبات الدين الزكاة، وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين ثم الصلاة ثم الزكاة وهي حق المال ويقاتل مانعها، وقال الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، ويلتزم فيها الإخلاص، وأن لا تعطى إلا مستحقها شرعًا؛ كما ذكر الله في سورة التوبة، والأفضل أن يخص بصدقته أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم؛ أما إعطاء الزكاة لمن لا يستحقها أو لأقاربه الذين تلزمه مؤونتهم فإنه لا تبرء به ذمته، ولا يجزيه في تأديتها، وتدفع زكاة الأموال الظاهرة إلى الساعي وتبرأ الذمة بذلك، وعلى الولاة في ذلك تقوى الله؛ بأن يصرفوا ما جَبَوْه من ذلك في مصارفه الشرعية.

والأموال التي تجب فيها الزكاة أنواع:

إحداها: سائمة بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم...

الثاني: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار وما يلحق بها كالعسل والعنب.

الثالث: الأثمان؛ وهي النقود من الذهب والفضة وما يقوم مقامها من فلوس وأوراق نقدية، وكذلك حلي الذهب والفضة إذا بلغ نصاب الذهب عشرين مثقالاً، وبالجنيه السعودي أحد عشر جنيهًا ونصفًا تقريبًا، وكذلك الأفرنجي أحد عشر جنيهًا ونصفًا تقريبًا، وأقل نصاب الفضة مائتي درهم، وبالريال العربي ستة وخمسون ريالاً، وبالفرنسي ثلاثة وعشرون ريالاً تقريبًا.

 الرابع: عروض التجارة؛ وهي كل ما أعد للبيع أو الشراء لأجل الربح والتكسب من جميع سلع التجارة كالمجوهرات ونحوها، وكذلك السيارات والمكائن وغيرها من المنقولات والثابتات والعقارات؛ من أراض وبيوت ونحوها؛ إذا تملكها بفعله بنية التجارة فإنها تعتبر سلعة تجارة، ويلزمه أن يقومها عند الحول بما تساوي من الثمن لدى أهل الصنف، ولا ينظر إلى رأس مالها الذي اشتراها به، وعليه أن يزكي قيمتها عند الحول إذا بلغت نصاب الذهب أو الفضة وغيرها؛ لعموم حديث سمرة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع... ». رواه أبو داود.

كما أن عليه أن يزكي الديون التي له في ذمم الناس إذا قبضها وإذا استفاد مالاً مستقلاًّ خارجًا عن ربح التجارة كالأجرة والراتب ونحوهما فإنه يبتدئ له حولاً من حين استفاده، ويزكيه إذا تم حوله...

وقال الشيخ أيضًا: ومن واجبات الدين صيام شهر رمضان وهو أحد أركان الإسلام الخمسة وتقدم، ومن واجبات الدين وأحد أركان الإسلام حج بيت الله الحرام على المستطيع وقد تقدم ذكره.

ومن أوجب الواجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الشرعي وإقامة الحدود والتعازير على المنهج الشرعي؛ فإن القيام بما فرض الله على العباد من فعل الطاعات وترك المعاصي والفساد وصلاح البلاد والعباد واستجلاب للبركات ودفع للنقمات وسبب إجابة الدعوات، وبالجملة فكل فساد ونقص في العلوم والأعمال والعقول والمعايش وغير ذلك فسببه المعاصي؛ قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

 ومن الواجب أيضًا رد المظالم إلى أربابها وتحللهم منها؛ فحقوق العباد أمرها عظيم، وهي مبنية على المشاحة والمضايقة، وهي الديون التي لا يترك الله منها شيئًا في الآخرة.

ومن فرائض الدين أيضًا اجتناب المحرمات من الزنا واللواط وشرب المسكرات والربا في المعاملات والعقود المحرمة والغش والخيانة في الأمانات والتطفيف في المكيال والميزان، واستعمال آلات الملاهي على اختلاف أنواعها وأجناسها، والمصورات وجعلها في البيوت، ومخالطة الرجال بالنساء والتبرج وخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية والسرقة وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وأكل أموال الناس بالباطل وأكل مال اليتيم والكذب والخديعة للمسلم والشحناء والسخرية بالمسلمين وإسبال الثياب على أنواعها والكبر والحسد وغير ذلك من المحرمات كلها منع الشرع عنها؛ لحرمتها وضررها على الناس.

ومنها أيضًا الاستهزاء بشيء من أمور الدين؛ بل ذلك من المكفرات، ومن المحرمات أيضًا التشبه بالكفار في أعمالهم وزيهم من لباس وغيره؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «من تشبه بقوم فهو منهم»، ومن أعظم الفروض وأهم ما يهتم به اعتناء المسلمين بنشئهم، وأن يوجهوهم التوجيه الديني النافع لهم في دنياهم وأخراهم، وأن يأخذوهم بالتزام أصولهم الدينية التي هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، واعتقاد ما اعتقده السلف الصالح مما نالوا به العزة والكرامة وحازوا به شرف الدنيا والآخرة، وأن يغلقوا عنهم جميع الأبواب العائدة بفساد عقائدهم وأخلاقهم؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. انتهى كلام الشيخ محمد من الرسائل – رحمه الله.

وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا...﴾ الآية. قال ابن كثير: يقول الله لنبيه ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -: قل يا محمد: ﴿يا أيها الناس﴾: وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي، ﴿إني رسول الله إليكم جميعًا﴾: أي جميعكم؛ وهذا من شرفه وعظمته - صلى الله عليه وسلم -: أنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة؛ كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾... والآيات في هذا كثيرة؛ كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة؛ أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم... إلى أن قال الإمام أحمد: حدثنا عبد وساقه عن ابن عباس مرفوعًا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي ولا أقوله فخرًا: بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي يوم القيامة؛ فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا». إسناد جيد ولم يخرجوه.

ومتابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجهاد أهل الباطل حق مع كل الرسل، وخاصة أتباعهم؛ وهو التوكل، وحقيقته هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب مع الاعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله: توكلت على الله. مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به؛ فتوكل اللسان شيء وتوكل القلب شيء، كما توبة اللسان مع إصرار القلب شيء وتوبة القلب وإن لم ينطق اللسان شيء؛ فقول العبد: توكلت على الله. مع اعتماد قلبه على غيره، مثل قوله: تبت إلى الله. وهو مصر على معصيته مرتكب لها؛ الجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذه غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه؛ فإنه لو عرف ربه لما شكاه ولو عرف الناس لما شكا إليهم، ورأى بعض السلف رجلاً يشكو إلى رجل فاقته وضرورته فقال: يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك!

 قال ابن القيم: والعارف إنما يشكو إلى الله وحده، وأعرف العارفين من جعل شكواه إلى الله من نفسه لا من الناس، ولا تتم رغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين: نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد، وآخر ذلك الزوال والانقطاع؛ مع ما يعقب من الحسرة والأسف؛ فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها؛ فهذا أحد النظرين.

الثاني: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولابُدَّ ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا؛ فهي كما قال سبحانه: ﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾؛ فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة، وهذا يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة؛ فإن الراغب في الدنيا الحريص عليها المؤثر لها إما أن يصدق بأن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى، وإما لا يصدق؛ فإن لم يصدق بذلك كان عادمًا للإيمان رأسًا، وإن صدَّق بذلك ولم يؤثره كان فاسد العقل سيئ الاختيار لنفسه.

أساس كل خير أن تعلم ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن؛ فتتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمة الله فتشكره عليها، وتتضرع إليه أن لا يقطعها عنك، وأن السيئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك، وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكل شر فأصله خذلانه لعبده، وهذا بيد الله لا بيد العبد؛ فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجوء والرغبة والرهبة إلى الله؛ فمتى أعطي العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يُفتح له ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجا دونه، وكل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه في خبره وإلزامه؛ لأن أحكام الرب سبحانه كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشبهات والشهوات؛ فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه، وأما الذين يتقون فيعلمون أن الدار الآخرة خير من الدنيا؛ فلا يحملهم حب الرياسة والشهوة على أن يؤثروا الدنيا على الآخرة، وأما العابد الجاهل فآفته من إعراضه عن العلم وأحكامه وغلبة خيله وذوقه ووجده وما تهواه نفسه... وقال سفيان بن عيينة وغيره: احذروا فتنة العالم الفاجر وفتنة العابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون؛ فهذا بجهله يصد عن العلم وموجبه، وذاك بغيِّه يدعو إلى الفجور... انتهى.

وقال أيضًا الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وساقه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من سمع بي من أمتي يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة»، وفي صحيح مسلم من وجه آخر عن أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار... ». وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن وساقه عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: هذه صفة الله تعالى في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي بيده الملك والإحياء والإماتة وله الحكم، وقوله ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾: أخبرهم أنه رسول الله إليهم، ثم أمرهم باتباعه والإيمان به، ﴿النبي الأمي﴾، وقوله: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾: أي يصدق قوله عمله، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه، وهو الذي وعدتم به وبشرتم به في الكتب المتقدمة؛ فإنه منعوت بذلك في كتبهم، وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾: أي اسلكوا طريقه واقتفوا أثره ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي إلى الصراط المستقيم. انتهى من ابن كثير.

 وكمل الله به الدين، والدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾: هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة؛ حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن؛ فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف؛ قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾: أي صدقًا في الأخبار وعدلاً في الأوامر والنواهي، فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة وهو الإسلام، أخبر نبيه - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا.

وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمات... وقال ابن جرير وغير واحد: مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد عرفة بأحد وثمانين يومًا، رواهما ابن جرير.

 قوله ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه؛ نزلت في يوم جمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد... وفي أخرى: فقال يهود: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا... فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد ويوم جمعة... انتهى من ابن كثير.

والدليل على موته - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾: هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق رضي الله عنه عند موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى تحقق الناس موته مع قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾؛ ومعنى هذه الآية: إنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة، وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل فيفصل بينكم ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين، ثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا؛ فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة، وقال الزبير رضي الله عنه: أي رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه. قال الزبير رضي الله عنه: والله إن الأمر لشديد... رواه الترمذي... وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، يقول: يخاصم الصادق الكاذب والمظلوم الظالم والمهتدي الضال والضعيف المستكبر.

وقد روى ابن منده في كتاب الروح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يختصم الناس يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد فتقول الروح للجسد: أنت فعلت. ويقول الجسد للروح: أنت أمرت وأنت سولت. فبعث الله تعالى ملكًا يفصل بينهما، فيقول لهما: إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير والآخر ضرير دخلا بستانًا، فقال المقعد للضرير: إني أرى ههنا ثمارًا ولكن لا أصل إليها. فقال له الضرير: اركبني فتناولها. فركبه، فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما. فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما؛ يعني أن الجسد للروح كالمطي وهو راكبه... انتهى من ابن كثير رحمه الله.

والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾؛ هذا اسم مصدره الإتيان به ههنا أحسن، ﴿ثم يعيدكم فيها﴾: أي إذا متم. ﴿ويخرجكم إخراجًا﴾: أي يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا﴾: أي أراد مبدأ خلق أبي البشر آدم؛ خلقه الله من الأرض والناس ولده، قوله: ﴿نباتا﴾: اسم جعل في موضع المصدر؛ أي إنباتًا، قال الخليل: مجازه فنبتم نباتا، ﴿ثم يعيدكم فيها﴾: أي بعد الموت، ﴿ويخرجكم﴾ منها بعد البعث أحياء إخراجًا. انتهى من البغوي.

 وبعد البعث محاسبون ومجزون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾: يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه الغني عما سواه الحاكم في خلقه بالعدل وخلق الخلق بالحق؛ ﴿ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾؛ أي يجازي كلا بعمله؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾: فاللام في قوله "ليجزي" متعلقة بمعنى الآية الأولى؛ لأنه إذا كان أعلم بهم جازى كلا بما يستحقه. الذين أساؤوا: أي أشركوا بما عملوا من الشرك، ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾: أي وحدوا ربهم بالحسنى بالجنة، وإنما من يقدر على مجازاة المحسن والمسيء هو الله القادر الملك جلا وعلا. انتهى من البغوي.

ومن كذب بالبعث كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾؛ يقول تعالى مخبرًا عن الكفار والمشركين والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾: أي لتخبرن بجميع أعمالكم جليلها وحقيرها صغيرها وكبيرها، ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أي بعثكم ومجازاتكم، وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقسم بربه عز وجل على وقوع المعاد ووجوده؛ فالأولى في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، والثانية في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ...﴾ الآية، والثالثة هي هذه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. انتهى من ابن كثير.

اللهم نور قلوبنا بالإيمان واعصمنا بتوفيقك يا رحمن، اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا يا كريم، اللهم نور على أهل القبور من المسلمين قبورهم، اللهم أصلح الأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم تب علينا أجمعين واغفر لنا ولكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.


 فصل

(وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين.

والدليل قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.

وأولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو خاتم النبيين.

والدليل على أن أولهم نوح قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وكل أمة بعث الله إليهم رسولاً من نوح إلى محمد يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة الطاغوت.

 والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾).

شـرح

قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.

أي يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب بالعقاب والعذاب.

وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.

أي إنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبيَّن ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذر عذر؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾.

 وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا أحد أغير من الله من أَجْل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين»، وفي لفظ آخر: «من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾... الآيات، وهذه الآية التي في سورة النساء مدنية، وهي رد عليهم لما سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينزل عليهم كتابًا من السماء؛ قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾، ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه وما هم عليه الآن من الكذب والافتراء، ثم ذكر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾... إلى قوله تعالى: ﴿وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، والزبور اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود عليه السلام، وقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي من قبل هذه الآية يعني في السور المكية وغيرها، وهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله على أسمائهم في القرآن، وهم آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب وموسى وهارون ويونس وداود وسليمان وإلياس واليسع وزكريا ويحيى وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين وسيدهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقوله: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾: أي خلقنا آخرين لم يذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا». قلت: يا رسول الله كم الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، جم غفير». قلت: يا رسول الله من كان أولهم؟ قال: «آدم». قلت: يا رسول الله أنبي مرسل؟ قال: «نعم، خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا». ثم قال: «يا أبا ذر، أربعة سريانيين آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم، وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وأول النبيين آدم وآخرهم نبيك... » إلى آخره. انتهى من ابن كثير.

وروي هذا الحديث من وجه آخر عن صحابي آخر وساقه عن القاسم عن أبي أمامة قال: قلت: يا نبي الله كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، من ذلك ثلاثمائة وثلاثة عشر جمًّا غفيرًا... » إلى آخره. وحديث أبي ذر الغفاري الطويل في عدد الأنبياء عليهم السلام.

قال محمد بن الحسين الآجري وساقه عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وحده فجلست إليه فقلت: يا رسول الله إنك أمرتني بالصلاة. قال: «الصلاة خير موضوع فاستكثر أو استقل». قال: قلت: يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيله». قلت: يا رسول الله فأي المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقًا» قلت: يا رسول الله فأي المسلمين أسلم؟ قال: «من سلم الناس من لسانه ويده». فقلت: يا رسول الله فأي الهجرة أفضل؟ قال: «من هجر السيئات». قلت: يا رسول الله أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت». قلت: يا رسول الله فأي الصيام أفضل؟ قال: «فرض مجزي وعند الله أضعاف كثيرة». قلت: يا رسول الله، فأي الجهاد أفضل؟ قال: «من عقر جواده وأهريق دمه». قلت: يا رسول الله، فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها». قلت: يا رسول الله، فأي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد من مقل وسر إلى فقير». قلت: يا رسول الله فأي آية ما نزل عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة». قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا». قال: قلت: يا رسول الله كم الرسل من ذلك؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير كثير طيب». قلت: فمن كان أولهم؟ قال: «آدم». قلت: أنبي مرسل؟ قال: «نعم، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه سواه قبيلا».

ثم قال: «يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث وخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بقلم ونوح، وأربعة من العرب هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر، وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وأول الرسل آدم وآخرهم محمد». قال: قلت: يا رسول الله كم كتاب أنزله الله؟ قال: «مائة كتاب وأربعة كتب؛ أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى خنوخ ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان». قال: قلت: يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «كانت كلها: يا أيها الملك المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر، وكان فيها مثال، وعلى العاقل أن يكون له ساعات؛ ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب بها نفسه وساعة يفكر في صنع الله وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أن لا يكون ضاغنًا إلا لثلاث؛ تزود لمعاد أو مرمة المعاش أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه مقبلاً على شأنه حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه». قال: قلت: يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم وموسى؟ قال: «كانت عبرًا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم هو لا يعمل». قال: قلت: يا رسول الله فهل في أيدينا شيء مما كان في أيدي إبراهيم وموسى وما أنزل الله عليك؟ قال: «نعم، اقرأ يا أبا ذر: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.

قال: قلت: يا رسول الله فأوصني. قال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأس أمرك». قال: قلت: يا رسول الله زدني. قال: «عليك بتلاوة القرآن وذكر الله؛ فإنه ذكر لك في السماء ونور في الأرض»، قال: قلت يا رسول الله زدني. قال: «إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه». قلت: يا رسول الله زدني. قال: «عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي». قلت: زدني. قال: «عليك بالصمت إلا من خير فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك». قلت: زدني. قال: «انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك؛ فإنه أجدر لك أن لا تزدري نعمة الله عليك». قلت: زدني. قال: «أحبب المساكين وجالسهم فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك». قلت: زدني. قال: «صل قرابتك وإن قطعوك». قلت: زدني. قال: «قل الحق وإن كان مرًّا». قلت: زدني. قال: «لا تخف في الله لومة لائم». قلت: زدني. قال: «ليردك عن الناس ما تعرف من نفسك ولا تجد عليهم فيما تحب، وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك، أو تجد عليهم فيما تحب»، ثم ضرب بيده صدري فقال: «يا أبا ذر لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق».

وروى الإمام أحمد عن أبي المغيرة وساقه عن أبي إمامة أن أبا ذر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر أمر الصلاة والصيام والصدقة، وفضل آية الكرسي ولا حول ولا قوة إلا بالله وأفضل الشهداء وأفضل الرقاب ونبوة آدم وأنه مكلم، وعدد الأنبياء والمرسلين كنحو ما تقدم... إلى أن قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني خاتم ألف نبي أو أكثر وما بعث الله نبيًّا يتبع إلا وقد حذر أمته الدجال، وإني قد بين لي فيه ما لم يبين وأنه أعور وأن ربكم ليس بأعور وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حايط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن...» إلى آخر الحديث... انتهى من ابن كثير رحمه الله.

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ...﴾ الآية.

قال ابن كثير: فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منتفية؛ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية وهي تمكينهم من ذلك قدرًا فلا حجة لهم فيها؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة، ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل؛ فلهذا قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾؛ أي اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها. من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾: أي كما بعثنا فيكم، ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾: وهو كل معبود من دون الله ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾؛ أي هداه الله إلى دينه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾؛ أي وجبت بالقضاء السابق حتى مات على كفره؛ ﴿فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾؛ أي كان مآل أمرهم. وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك. انتهى من البغوي.

اللهم ارزقنا الثبات في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم اعصمنا من الفتن والهوى ومن الشيطان المغوي والنفس الأمارة بالسوء والردى، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاة وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وزد نبينا محمدًا صلاةً وتسليمًا، وآته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وصل على محمد وآله وصحبه أجمعين.

* * *


 فصـل

 قال الشيخ رحمه الله:

 (وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: معنى الطاغوت ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله، والطواغيت كثيرون.

ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عبد وهو راض، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئًا من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله.

 والدليل قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.

وهذا هو معنى لا إله إلا الله.

وفي الحديث: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله». والله أعلم.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم).

شـرح

 قال الشيخ في تيسير العزيز الحميد: فلابد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - في موارد النزاع فقد كذب في شهادته. قال ابن القيم: والطاغوت كل من تعدى به حده من الطغيان؛ وهو مجاوزة الحد؛ فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو طاغوت؛ إذ قد تعدى به حدَّه، ومن هذا كل من عبد شيئًا دون الله فإنما عبد الطاغوت، وجاوز بمعبوده حدَّه فأعطاه العبادة التي لا تنبغي له؛ كما أن من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾: أي بالطاغوت، وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان مضاد له؛ فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به وترك التحاكم إليه؛ فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله؛ أي: لا إرادة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من طاعة الشيطان، وهو إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، وفي ذلك دليل على أن ترك التحاكم إلى الطاغوت الذي هو ما سوى الكتاب والسنة من الفرائض، وأن المتحاكم إليه غير مؤمن؛ بل ولا مسلم... إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، قال ابن كثير: أي: فكيف بهم إذا أصابتهم المقادير إليك في المصائب بسبب ذنوبهم واحتاجوا إليك في ذلك.

وقال ابن القيم: قيل: المصيبة فضيحتهم إذا أنزل الله القرآن بحالهم ولا ريب أن هذا أعظم المصيبة والأضرار؛ فالمصائب التي تصيبهم بما قدمت أيديهم في أبدانهم وقلوبهم وأديانهم بسبب مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأعظمها مصائب القلب والدين؛ فيرى المعروف منكرًا والهدى ضلالًا والرشاد غيًّا والحق باطلًا والصلاح فسادًا؛ وهذا من المصيبة التي أصيب بها في قلبه، وهو الطبع الذي أوجبه مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتحكيم غيره. قال سفيان الثوري في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ - قال: هي أن تطبع على قلوبهم...

وقال ابن القيم: أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيهم بثلاثة أشياء:

أحدها: الإعراض عنهم إهانة لهم وتحقيرًا لشأنهم وتصغيرًا لأمرهم؛ والأعراض عنهم وإهمالهم، فيعلم أنها غير منسوخة.

الثاني: قوله: ﴿وعظهم﴾: وهو تخويفهم عقوبة الله وبأسه ونقمته إن أصروا على التحاكم إلى غير رسوله - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل عليه.

الثالث: قوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾: أي يبلغ تأثيره إلى قلوبهم ليس قولًا لينًا لا يتأثر به المقول له، وهذه المادة تدل على بلوغ المراد بالقول؛ فهو قول يبلغ به مراد قائله من الزجر والتخويف، ويبلغ تأثيره إلى نفس المقول له؛ ليس هو كالقول الذي يمر على الأذن صفحًا.

وهذا القول البليغ يتضمن ثلاثة أمور:

أحدها: عظم معناه وتأثر النفوس به.

الثاني: ضخامة ألفاظه وجزالتها.

الثالث: كيفية القائل في إلقائه إلى المخاطب؛ فإن القول كالسهم والقلب كالقوس الذي يدفعه وكالسيف، والقلب كالساعد الذي يضرب به، وفي متعلق قوله ﴿في أنفسهم﴾ قولان:

أحدهما: بقوله ﴿بليغًا﴾: أي قولاً بليغًا في أنفسهم، وهذا حسن، والقول الثاني: أنه متعلق بقل، وفي المعنى على هذا قولان:

أحدهما: قل لهم في أنفسهم خاليًا بهم ليس معهم غيرهم بل مسرًّا لهم النصيحة.

والثاني: أن معناه: قل لهم في معنى أنفسهم؛ كما يقال: قل لفلان في كيت وكيت؛ أي في ذلك المعنى. قلت: وهذا القول أحسن. انتهى من التوحيد.

وقال ابن كثير على قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾: وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية. وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام، فإن أبى أحد منهم الدخول ولم ينقد له أو يبذل الجزية قوتل حتى يقتل، وهذا معنى "لا إكراه"؛ قال الله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»، والقرآن يدل على ذلك، ومنها: «كل معروف صدقة»: من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإحسان إلى عباد الله؛ خصوصًا أهل الدين والصلاح وصلة الأرحام واليتامى والمساكين والأرملة والمعوزين، والأعظم منه الأخذ بيد أخيك ونصحه وإنقاذه من زلة في المعاصي والمحرمات من الربا وما يلحق به، ومن الملاهي والغيبة والنميمة وقول الزور وشهادة الزور، ومنها: «كل معروف صدقة، والكلمة الطيبة صدقة» أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وصحَّحه. ومنها: «الدين النصيحة» رواه مسلم. وفي حديث: «النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». وعنه: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما»، قلنا: يا رسول الله، إذا كان ظالمًا؟ قال: «تحجزه وتمنعه عن الظلم».

ومنها: «من تواضع لله رفعه ومن تكبر وضعه». رواه ابن ماجه وصححه الحاكم، وفي الحديث: «كل متكبر في النار». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ابغوني في ضعفائكم إنما تنصرون وترزقون في ضعفائكم». ومنها: «الصمت حكمة». وقليل فاعله من قول لقمان الحكيم، وفيه: من صمت نجا، ومن تكلم زل إلا في خير. احذر عثرات اللسان، وفيه: اللسان إن أطلق في الخير فهو غنيمة، وإن أطلق بشر فهو قبيح وعاقبته وخيمة.

وفي حديث: «من صمت نجا». رواه الترمذي. وقال: غريب. «المؤمن يألف ويؤلف». رواه أحمد وغيره. وفيه: «يألف أهل الدين والصلاح، ويبغض أهل الكفر والنفاق، المرء مع من أحب». رواه البخاري ومسلم.

 ومعنى من أحب: فإذا أحب الصالحين عمل مثلهم، وإن قصَّر في بعضٍ نوى الخير بصدق وحصل له مانع شرعي يرجأ له إن شاء الله، ومنها: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». رواه ابن ماجه. والتوبة لها أربعة شروط: الأول: الإقلاع عن المعصية. الثاني: الندم على فعلها. الثالث: العزم على تركها. الرابع: إن كان حق لآدمي رده عليه، أو استحل منه. وليست قولًا بلسان فقط.

 انتبه لما تقدم هداك الله: «المؤمن مرآة المؤمن». رواه الطبراني وغيره، ومعناه: ينصحه، ويأمره بالخير ويدله عليه، وينصحه كلما رآه في زلة وهفوة، وفيه: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» رواه أبو داود والترمذي.

فعليك بصحبة الأخيار، وتباعد عن صحبة الأنذال؛ فهي شرٌّ وبلاء وخزي عاجل وآجل.

قال بعضهم:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يقتدي

 وقال غيره:

إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم

ولاتصحب الأردى فتردى مع الردي

«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». رواه الترمذي وغيره، وفيه: لا تأسف على ما فات؛ إذا عملت خيرًا فاحمد الله على توفيقه، لا تغتر بحلم الله؛ ما أُخِذَ قوم إلا عند غرتهم وغفلتهم، لا تستصغر الذنوب؛ فمعظم النار من مستصغر الشرر، لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، من عرف الله خافه؛ فعليك بالخوف والرجاء؛ فهما مثل جناحي الطائر يطير بهما والصبر رأسه؛ ففي الصحة غلِّب الخوف مع الرجاء، وفي حالة المرض غلب الرجاء مع الخوف، وأحسن الظن بربك؛ فهو جواد كريم عفو رحيم.

لا تضيع سعادة العمر إلا في خير وعمل صالح.

وفي حديث: «بقية عمر المؤمن جوهرة لا قيمة له». وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾: أي: ضياع عليه. لا تقدم على عمل لا تطيقه. انتهى.

وفي الصحيح: «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل»: يعني الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله ووحَّد الله فعبده وحدَه، وشهد أن لا إله إلا هو؛ ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾: أي: فقد ثبت في أمره واستقام على الطريق المثالي والصراط المستقيم؛ قال أبو القاسم البغوي وساقه - قال: قال عمر رضي الله عنه: إن الجبت والسحر والطاغوت الشيطان، وإن الشجاعة والجنس غرائز تكون في الرجال؛ يقاتل الشجاع من لا يعرف ويفر الجبان من أمه، وإن كرم الرجل دينُه، وحسبُه خلقُه، وإن كان فارسيًّا أو نبطيًّا.

وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وساقه عن حسان بن قائد العبسي عن عمر رضي الله عنه، فذكره، ومعنى قوله في الطاغوت: أنه الشيطان قوي جدًّا؛ فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها.

وقوله تعالى: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها﴾: أي: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم هي في نفسها، محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد، ولهذا قال: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها...﴾ الآية قال مجاهد: العروة الوثقى شديد. يعني الإيمان، وقال السدي: هو الإسلام. وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله. وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله والبغض في الله. وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تتنافى بينها. وقال معاذ بن جبل في قوله: ﴿لا انفصام لها﴾: دون الجنة. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها﴾، ثم قرأ: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف وساقه عن محمد بن قيس بن عبادة قال: كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر خشوع فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة. فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد قالوا كذا وكذا. قال: سبحان الله؛ ما ينبغي لأحد يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لِمَ: إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصصتها عليه؛ رأيت كأني في روضة خضراء، قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها وفي وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه. فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة. فاستيقظت وإنها لفي يدي، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصصتها عليه، فقال: «أما الروضة فروضة الإسلام وأما العمود فعمود الإسلام وأما العروة فهي العروة الوثقى؛ أنت على الإسلام حتى تموت». قال: وهو عبد الله بن سلام، أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون، وأخرجه البخاري من وجه آخر عن محمد بن سيرين به. انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾: اختلفوا فيهما؛ فقال عكرمة: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله. وقال أبو عبيدة: هما كل معبود يعبد من دون الله. قال الله تعالى: ﴿أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ قال عمر: الجبت السحر والطاغوت الشيطان. وهو قول الشعبي ومجاهد، وقيل: الجبت الأوثان والطاغوت شياطين الأوثان، ولكل صنم شيطان يعبر عنه فيغتر به الناس، وقال محمد بن سيرين: ومكحول الجبت الكاهن والطاغوت الساحر. وقال سعيد بن جبير وأبو العالية: الجبت الساحر بلسان الحبشة والطاغوت الكاهن. وروي عن عكرمة: الجبت بلسان الحبشة شيطان، وقال الضحاك: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف؛ دليله قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي وساقه عن قطن بن قبيصة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «العيافة والطرق والطيرة من الجبت». وقيل: الجبت كل ما حرم الله والطاغوت كل ما يطغي الإنسان. انتهى من البغوي.

وفي الحديث: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله». والله أعلم.

وقال السيوطي في الجامع الصغير: بلفظ رأس هذا الأمر الإسلام، ومن أسلم سلم، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، لا يناله إلا أفضلهم، وأشار إلى أنه صحيح، وقال المناوي في شرحه: وهو حسن. والمعنى أن رأس هذا الأمر المسؤول عنه الإسلام، ومن أسلم بأن نطق بالشهادتين وعمل بهما سلم في الدنيا بحقن دمه وحرز ماله، وفي الآخرة كل يجزأ بعمله؛ إن خيرًا وإن شرًّا وعموده الذي يقوم به الصلاة؛ فإن قيام شعائر الدين بها؛ كما أن العمود المحسوس هو الذي يقيم البيت، وذروة سنامه - أي أعلى مكان فيه   وأحسنه – الجهاد؛ فهو أعلى العبادة من حيث إن به ظهور الدين وحمايته من العابثين، ومن ثم كان لا يناله إلا أفضلهم دينًا وأجرؤهم إقدامًا وأصبرهم ثباتًا وأقواهم إيمانًا وأقربهم تصديقًا وأصلبهم في دين الله تعالى. ونحن اليوم في تأخر عن الدين وإقبال على الدنيا الدنية، ونحن بعض منا في إعراض عن العمل بما جاء به ديننا الحنيف والانكباب على المعاصي والملاهي والبدع الذميمة، إلا من هداه الله. اللهم شكرًا لك لا كفرًا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم احفظنا بحفظك التام نحن وإمام المسلمين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، واحرسنا بعينك التي لا تنام يا رب العالمين، اللهم احفظ إمام المسلمين وولي عهده واجعلهم من أنصار الدين، اللهم أصلح جميع المسلمين واجعلهم بهدى نبيك متمسكين، اللهم نور على أهل القبور من المسلمين قبورهم، اللهم أصلح الأحياء ويسر أمورهم، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين، وآت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. الحمد لله.

تمت الأصول الثلاثة وشرحها ويليها شروط الوضوء وشروط الصلاة والقواعد الأربعة للشيخ محمد المجدد رحمه الله مع ما تيسر من شرحه.   جمع في قلم: عبد الله المحمد الإبراهيم اليحيى

ملحــق فصـل

ومما يتعلق بالصلاة ويلزم ذكره وهي شروط الوضوء؛ لأن مفتاح الصلاة الطهور، وبذلك قدمت ذكره لشدة الاعتناء به.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

* وشروط الوضوء عشرة:

الأول: الإسلام، فلا يصح الوضوء إلا من مسلم لأنه عمل من العمل.

الثاني: العقل، فلا يصح إلا من عاقل وضد العقل الجنون وكذا مغمى عليه وسكران فلا يصح منهما حتى يفيقا.

الثالث: التمييز؛ فلا بد أن يكون مميزًا وضده الصغر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مروا أبناءكم للصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع»؛ أي لا يناما في لحاف واحد؛ بل كل واحد على فراش وحده.

الرابع: النية، وهي معيار لجميع الأعمال، ومحل لها القلب، والتلفظ يفضي بها بدعته؛ والدليل: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

* وصفة الوضوء بعد كل حدث:

فأولًا يسمي ثم يستنجي ويستجمر بيديه قبل أن يدخلهما في الإناء، وهي سنة إذا قام من نومِ ليل ناقضًا للوضوء، ثم ينوي بالوضوء وضوءه للصلاة قبل الغسل أو بعده.

وصفة غسل النبي - صلى الله عليه وسلم -:

توضأ ثم اغتسل من الجنابة ثم غسل رجليه بعد ذلك، ولو قدم أحدهما على الآخر فلا بأس؛ أي غسل الجنابة أو الوضوء.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكل من نقل غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر أنه غسل بدنه ثلاثًا، وإنما التثليث في الوضوء خاصة والسنة فرقت بينهما.

وقال شيخ الإسلام أيضًا: مقدار طهور النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغسل ما بين ثمانية أرطال عراقي إلى خمسة وثلث، وللوضوء ربع ذلك والحذر من الإسراف.

وأما التيمم:

فهو لفاقد الماء وللمرء يخاف على نفسه باستعمال الماء تلفًا أو مرضًا أو تأخر برء أو زيادة مرض؛ فهذا يجوز له التيمم إجماعًا، ومن خاف على نفسه أو بهائمه من العطش إذا توضأ تيمم... الحديث: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فدل على جواز التيمم كما تقدم.

وصفة التيمم:

ضربتان بيديه أو بيد واحدة، ثم يمسح وجهه وكفيه، والنية وهي معيار لجميع الأعمال.

وقوله: واستصحاب حكمها؛ بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة؛ يعني إذا نوى الوضوء لرفع الحدث وشرع يتوضأ أولا يسمي ويغسل يديه كما تقدم، ثم يغسل وجهه ويديه، ثم يمسح رأسه مع أذنيه، بقي عليه غسل قدميه، ثم أحس في جوفه ريحًا ونوى يحدث ولم يحدث - بطل وضوءه من أوله في قطع نيته؛ سواء في أول الوضوء أو في وسطه أو في آخره في مجرد النية، ولو لم يحدث ويعيد الوضوء، وهذا معنى قوله بـ: (ألا ينوى قطعها حتى تتم الطهارة)؛ فإذا تمت الطهارة ما يبطل الوضوء إلا بحدث أو نوم وغيره من مبطلات الوضوء.

الخامس: انقطاع موجب؛ أي الخارج الذي أوجب الوضوء من بول وريح وغيره من مبطلات الوضوء.

السادس: استنجاء في ماء أو استجمار في أحجار أو غيره مما عدا عظم أو روث؛ لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عنهما؛ فإنهما لا يطهران سواء الخارج من قبل أو دبر من بول أو غائط بعد الاستجمار الشرعي؛ فلا يعيد غسل الفرجين إلا إن عاد الخارج منهما، وأما الريح والرعاف وقيء ودم في بدن إذا كان فاحشًا فلا عليه إلا الوضوء فقط دون الفرجين؛ فلا يعد غسلهما، إلا إذا عاد الخارج منهما، ولو طالت المدة، وهو غسل الأطراف، وهو الجدود؛ أي تجديد الوضوء.

السابع: طهورية ماء؛ فلا بد أن يكون الماء طاهرًا لا نجسًا، أو فيه مانع من استعماله شرعًا ونحوه من الموانع.

الثامن: إباحته؛ فلا يكون مغصوبًا ونحوه.

التاسع: إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة؛ وهو جلد كل آدمي؛ مثل أن يكون على البشرة شيء يمنع وصول الماء إليه كجص وعجين ونحوه؛ فلابد من إزالته حتى يصل الماء إلى البشرة، ومن عليه ساعة يد لاصقة في ذارعه لابد من تحريكها حتى يبلغها الماء، أو امرأة عليها حلي لاصق ليديها، لابد من تحريكه؛ حتى يقع الماء على البشرة؛ فإن لم يفعل لم يصح الوضوء.

العاشر: دخول وقت على من حدثه دائم لفرضه؛ مثل من به سلس بول ونحوه كريح ورعاف وغيره لا يفارقه، يتوضأ بعد دخول الوقت ويصلي على حسب حاله وقدرته؛ لا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها.

وكذلك المستحاضة التي لا يقف دمها؛ وهو نوع من مرض ونحوه كما فعلت حمنة وغيرها؛ أمرهن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا تتوضأ إلا بعد دخول الوقت، ثم تفعل العبادات من صلاة وغيرها على قدرتها؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولو قطر الدم على الحصير».

 الحمد لله الذي يسر ولم يعسر والدم إذا حصل من الحامل بعض الوقت حكمها حكم المستحاضة تصلي وتصوم وفعلهن صحيح ولله الحمد والمنة.

وأما الحائض فلها أمور وطرق، وأقل سن تحيض بها المرأة تسع سنين والحامل لا تحيض إلا نادرًا، وإن حصل منها حيض فلا تجلس له، وأقل الحيض يوم وليلة؛ فلو انقطع لأقل منه فليس بحيض؛ بل دم فساد.

 وأكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا وغالبه ستة أيام أو سبعة، وأقل طهر بين حيضتين ثلاثة عشر يومًا، ولا حد لأكثر طهر، وإذا رأت الدم بعد دخول الوقت - يعني أول الحيض إذا طهرت - صلت هذا الوقت الذي دخل عليها وهي طاهرة فقط.

وإذا كان آخر الحيض وطهرت قبل طلوع الشمس صلت الفجر فقط، وإذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر؛ لأن الوقت تبعٌ لما جمع إليه، فصار وقتًا واحدًا، وقد أدركت جزأً من الوقت.

وقال في شرح أصول الأحكام: وليست المستحاضة كالحائض من كل وجه فتقاس عليها؛ بل فرق الشارع بينهما؛ لأن دم الحيض أعظم ودم الاستحاضة أضر من دم الحيض ودم الاستحاضة دم عرق، وهو من أدنى الرحم، وهو بمنزلة الرعاف وخروجه مضر وانقطاعه دليل على صحة المرأة المستحاضة.

قال جمهور العلماء: ليس لها وضوء قبل دخول الوقت كما تقدم؛ لأن طهارتها ضرورية؛ فليس لها تقديم الطهارة، وتغسل فرجها قبل الوضوء، وتحشوه بقطنة أو خرقة؛ دفعًا للنجاسة وتقليلًا لها؛ فإن لم يندفع الدم بذلك شدت مع ذلك على فرجها وتلجمت واستشفرت كما هو معروف عند أهل العلم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولو قطر الدم على الحصير». ثم تصلي على حسب حالها، والمستحاضة هي التي ترى دمًا لا يصلح أن يكون حيضًا ولا نفاسًا، وحكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات؛ تصلي ولو لم يقف الدم كما تقدم، وكذا من به سلس بول أو ريح أو جرح لا يرقى دمه أو رعاف مطبق - لا يتوضأ إلا إذا دخل الوقت، ثم يصلي على حسب حاله، وأما ذات العادة ترد إلى عادتها، والمميزة تعمل بالتمييز والفاقدة التمييز والعادة تحيض ستة أيام أو سبعة أيام، والمبتدأة بها الدم في سن الحيض؛ أي تحيض المرأة لمثله ولو صفرة أو كدرة؛ تجلس لمجرد ما تراه من الدم ولو قل، وإذا كان زمن العادة فتترك الصلاة والصوم أيام العادة. ومن محاسن مذهب أحمد بن حنبل جَمْعُه بين السنن الثلاث. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: للعلماء نزاع في الاستحاضة؛ فإن أمرها مشكل؛ لاشتباهها بدم الحيض بدم الاستحاضة؛ فلابد من فاصل بينهما أو العلامات التي قيل بها أنها تجلس المستحاضة ستة أيام أو سبعة أيام لعادتها؛ فإن العادة أقوى العلامات لأنه الأصل؛ فقام الحيض بدون غيره، وأما التميز إذا كان الدم أسود أو ثخنًا فهو أولاً: أن يكون حيضًا دون الأحمر، وأما اعتبار غالب النساء لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم؛ فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار، ويباح لها – المستحاضة - الجمع بين الصلاتين؛ لأنه نوع مرض، وأما الكدرة والصفرة في زمن الحيض فهو حيض، وأما في زمن الطهر فلا تعده شيئًا؛ بل هو طهر. انتهى من أصول الأحكام.

وقال في الإقناع: فإن انقطع الدم لأقل من يوم وليلة فليس بحيض، وتقضي ما هو واجب عليها من صلاة وصوم، فإن انقطع قبل مجاوزة أكثره اغتسلت وحكمها حكم الطاهرات، ويباح وطؤها؛ فإن عاد الدم فكما لو لم ينقطع الدم، وتغتسل عند انقطاعه ثانيةً، وتفعل ذلك ثلاثًا في كل شهر مرة؛ فإن كان في الثالثة متساويًا ابتداء وانتهاء تيقنت أنه حيض، وصارت انتقلت من عادتها الأولى إلى غيرها، فصارت هي عادتها. انتهى من الإقناع.

اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك وأرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وتب علينا أجمعين واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين وصلي الله على محمد وعلى صحبه أجمعين.

«والمستحاضة»: هي التي ترى دمًا لا يصلح أن يكون حيضًا ولا نفاسًا، وحكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات وفعلها إذا دخل الوقت توضأت وصلت ولو لم يقف الدم؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولو قطر الدم على الحصير». كما يأتي إن شاء الله تعالى.

« المبتدأة »: أي بدء بها الدم في سن تحيض المرأة لمثلها ولو صفرة أو كدرة، تجلس لمجرد ما تراه من الدم ولو قل إذا كان زمن العادة فتترك الصلاة والصوم أيام العادة، ومدة الحيض أقله يوم وليلة، وغالبه ستة أيام أو سبعة، وأكثره خمسة عشر يومًا؛ فإن انقطع في يوم أو أقل قبل مجاوزة أكثره اغتسلت وحكمها حكم الطاهرات ويباح وطؤها، فإن عاد الدم فكما لو لم ينقطع الدم، وتغتسل عند انقطاعه ثانية؛ ذلك ثلاثًا في كل شهر مرة؛ فإن كان في الثالثة متساويًا ابتداء وانتهاء تيقنت أنه حيض وصارت انتقلت من عادتها الأولى إلى غيرها فصار هو عادتها. انتهى من الإقناع.

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ولا تجعله علينا ملتبَسًا فنضل، واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.


 فصل

 قال الشيخ محمد:

 وفروض الوضوء ستة:

غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما من مسمى الوجه، وحدُّه طولًا من منبت شعر الرأس إلى الذقن، وعرضًا إلى فروع الأذنين.

الثاني: غسل اليدين إلى المرفقين، والمرفقان داخلان في الغسل.

الثالث: مسح جميع الرأس، ومنه الأذنان؛ لأنهما من مسمى الرأس.

الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين، والكعبان داخلان في الغسل.

الخامس: الترتيب؛ وهو ألا يغسل عضوًا قبل الآخر على الترتيب؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ...﴾ الآية.

ودليل الترتيب حديث ابدؤوا بما بدأ الله به، ودليل الموالاة حديث صاحب اللمعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه رأى رجلاً في قدمه لمعة قدْرَ الدرهم لم يصبها الماء فأمره بالإعادة؛ أي الوضوء، وواجبه التسمية مع الذكر وتسقط بالسهو.

قال في الإقناع: وإن كان أقطع وجب عليه غسل ما بقي من محل المفروض أصلاً، أو تبعًا كرأس عضد وساق لو قطع ساق مع الكعبين غَسَلَ رأس الساق منه، وإن كان القطع فوق المرفق وفوق الكعبين لم يغسله؛ لأنه زال حكم المفروض منه.

وقال ابن كثير: وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من توضأ وتمضمض واستنشق خرجت ذنوبه». ذكره من غير وجه في الصحاح وغيرها؛ أنه - صلى الله عليه وسلم -: «إذا توضأ تمضمض واستنشق». وفي رواية: إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر، والانتثار هو المبالغة في الاستنشاق.

وفي الصحيح عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار». وفي رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ويلٌ للأعقاب وبطون الأقدام من النار؛ لأنه كثيرًا ما ينبو الماء عنهما». فعلى المسلم أن يتعاهدهما، وفيه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه – فقال: إني قد رأيتك جئت آنفًا. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ الوضوء - ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخلها من أيها شاء». لفظ مسلم.

 وروى ابن جرير وساقه عن أبي إمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه». وروى مسلم في صحيحه... إلى أن قال: عن ابن مالك الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله والله أكبر تملآن ما بين السماء والأرض، والصوم جنة والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعلقها أو موبقها». انتهى من ابن كثير.

اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين واسلك بنا سنة سيد المرسلين واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

* * *


فصل

قال الشيخ محمد:

ونواقض الوضوء ثمانية:

الخارج من السبيلين؛ وهما القبل والدبر؛ سواء كان الخارج قليلاً أو كثيرًا رطبًا أو يابسًا أو ريحًا ينقض، ولو قليلاً مطلقًا.

الثاني: خروج النجاسة من بقية البدن، وأما جميع النجاسة لا يشترط لها عدد في الغسل غير نجاسة الكلب والخنزير في الغسل سبع مرات، وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «في دم الحيض تقرصه بالماء»: أي بطرف أصابعها، ثم تنضحه وتصلي فيه.

وقال أحمد وغيره: قالت خولة: يا رسول الله فإن لم يذهب؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره ويحكم بطهارته اتفاقًا، ومن حديث عليٍّ عند أحمد والترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ينضح من بول الغلام ويغسل من بول الجارية». وفي رواية: «إذا كان رضيعين»، قال قتادة: وهذا ما لم يطعما؛ فإذا طعما غسلا جميعًا. حسنه الترمذي، وفيه دليل على أن منيَّ الآدمي طاهر؛ سواء كان مستجمرًا أو مستنجيًا بالماء، ومن قال: مني المستجمر نجس لملاقاته رأس الذكر. فقوله ضعيف؛ فإن الصحابة كان عامتهم يستجمرون، ولم يؤمروا بذلك، ومع ذلك فلم يكن - صلى الله عليه وسلم - يأمر واحدًا منهم بغسل ذلك.

 وأما المذي والودي فهما نجسان إجماعًا ويعفى عن يسيرهما، والمذي أبيض رقيق يحصل قبل الجماع وبعده، وأما الودي فهو أصفر غليظ يحصل من برد أو مرض، وعليه غسلهما إذا حصل له أولاً بالتخفيف من بول الغلام ومن أسفل النعل.

 وفي حديث علي رضي الله عنه أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المذي، قال النبي له: «انضح ثوبك بالماء». وفيه دليل على استحباب فرك يابس المني وغسل رطبه، دال على أنه ليس بنجس. انتهى من أصول الأحكام.

 وكذلك إن كان الخارج غائطَ بول ينقض ولو قليلاً؛ إذا كان من تحت المعدة أو فوقها، وأما القيء والدم والقيح اليسير جدًّا لم ينقض منه إلا إذا فحش وهو ما فحش في نفس كل أحد في حسبه ولا عبرة في أهل الجفاء ولا في أهل التشديد والغلو؛ العبرة في الوسط.

الثالث: زوال العقل من جنون أو سكر أو نوم كثير، والقليل من راكع وساجد أو محتبٍ ومضطجع ينقض؛ لا من جالس يسير؛ كما صح أن الصحابة يجلسون حتى تخفق رؤوسهم ولا يتوضؤون.

الرابع: مس قبل أو دبر من آدمي مطلقًا صغيرًا أو كبيرًا؛ بيده ببطن كفه أو بظهره أو بحرفه من دون حائل، وفرج كذلك ينقض بمسه أيها، ولا ينقض وضوء ملموس ذكره أو دبره أو فرجها أو دبر هابل، ينقض اللامس دون الملموس؛ سواء كان صغيرًا أو كبيرًا أو من نفسه من ذكره أو دبره دون حائل ينقض ذكرًا أو أنثى كلهم سواء.

الخامس: مس بشرته بشرة أنثى أو مس بشرتها بشرته بشهوة من غير حائل؛ سواء زوجته أو زوج أو غيرهما؛ بالشهوة ينقض أما من دون شهوة فلا ينقض كما تقدم.

السادس: غسل ميت أو بعضه ولو في قميص، لا تيمم لتعذر غاسل ينقض، وغاسل الميت من يقلبه ويباشره، ومن يصب عليه الماء إن كان ما يمس الميت فلا وضوء عليه، وإن أعانه على تقليبه فعليه الوضوء.

السابع: أكل لحم الجزور؛ سواء كان نيئًا أو ناضجًا قليلاً أو كثيرًا ينقض على ما صح في الحديث: « أنتوضأ من لحم الغنم؟». قال النبي: «لا». قال: « أنتوضأ من لحم الإبل». قال: «نعم».

الثامن: موجب الغسل؛ كإسلام كافر وردة وغير ذلك مما يوجب الوضوء ونحوه، وأما المخصوص كمبطلاته في مدة المسح بفارغ بفراغ مدته، وبخلع حائل ونحوه؛ كخفين وجوربين ونحوه؛ فالحكم للفوقان. انتهى من الإقناع.

* * *


فصل

وقال الشيخ محمد:

وشروط الصلاة تسعة:

الإسلام، وضده الكفر، والكافر عمله مردود ولو عمل أي عمل.

 والدليل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾، وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.

الثاني: العقل؛ وضده الجنون، والمجنون مرفوع عنه القلم حتى يفيق والدليل الحديث: «رفع القلم عن ثلاثة النائم حتى يستيقظ والصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق».

الثالث: التمييز؛ وضده الصغر وحدُّه سبع سنين ثم يؤمر بالصلاة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع». أي كل منهما على فراش وحده، ولأنه إذا بلغ سبع سنين يخشى عليهم من العبث ومضنة شر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو المربي الكبير الناصح الذي مع نصحه ورأفته في أمته - هو الآمر بذلك والأمر يقتضي الوجوب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه».

فأمره - صلى الله عليه وسلم - وتعاليمه وإرشاداته كلها خير وبركة ومصلحة عاجلة وآجلة؛ فعليك يا أخي بالاتباع واحذر الابتداع، هداك الله ووفق الجميع لما يحبه الله ويرضاه آمين.

وقال في الإقناع: وهي الصلاة؛ أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وهي آكد فروض الإسلام بعد الشهادتين؛ سميت صلاة لاشتمالها على الدعاء وفرضت ليلة الإسراء قبل الهجرة بنحو خمس سنين، والصلوات الخمس فرض عين على كل مسلم مكلف ولو لم يبلغه الشرع؛ كمن أسلم في دار حرب ونحوه ولم يسمع بالصلاة فيقضيها، إلا حائضًا ونفساء، وتجب على نائم ويجب إعلامه إذا ضاق الوقت، وتجب على من تغطى عقله بمرض أو إغماء أو دواء مباح أو بمحرم؛ كمسكر؛ فيقضي ولا تجب على كافر أصلى؛ بمعنى أنا لا نأمره بها في كفره ولا بقضائها إذا أسلم ولا تصح منه وتجب عليه بمعنى العقاب؛ لأن الكفار ولو مرتدين مخاطبون بفروع الإسلام ولا تجب على مجنون لا يفيق ولا تصح منه ولا قضاء، ولا تجب على صغير لم يبلغ ولا تصح منه إلا من مميز؛ وهو من بلغ سبع سنين، ويشترط لصحة صلاته ما يشترط لصحة صلاة الكبير إلا في السترة على ما يأتي والثواب له، وكذا أعمال البر كلها؛ فهو يكتب له ولا يكتب عليه، ويلزم الولي أمره بها إذن وتعليمه إياها وتعليم طهارة نصًّا، ويضرب ولو رقيقًا على تركها لعشر وجوبًا، وإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها لزمه إعادتها، ويلزمه إتمامها إذا بلغ فيها، ولا يجوز لمن وجبت عليه تأخيرُها أو بعضها عن وقت الجواز إن كان ذاكرًا لها قادرًا على فعلها، إلا لمن ينوي الجمع أو المشتغل بشرطها الذي يحصله قريبًا؛ كالمشتغل بالوضوء والغسل ونحوه... إلى آخره.

 ومن جحد وجوبها - أي الصلاة - كفر إن كان ممن لا يجهله؛ كمن نشأ بدار الإسلام وإن كان ممن يجهله كحديث عهد بالإسلام، أو من نشأ ببادية عرف وجوبها ولم يحكم بكفره؛ فإن أصر كفر، فإن تركها تهاونًا وكسلاً دعاه إمام أو نائبه إلى فعلها فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله، ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام كمرتد نصًّا فإن تاب وفعلها وإلا قتل بضرب عنقه لكفره... وقال الشيخ ابن تيمية، وتنبغي الإشاعة عنها؛ بتركها حتى يصلي، ولا ينبغي السلام عليه ولا إجابة دعوته. انتهى من الإقناع.

الرابع: رفع الحدث؛ وهو الوضوء المعروف، وموجبه الحدث، وتقدم تفصيله في الوضوء.

الخامس: إزالة النجاسة من البدن والثوب والبقعة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: أي أعمالك. وقال في الإقناع: طهارة بدن المصلي وثيابه وموضع صلاته، وهو محل بدنه وثيابه من نجاسة غير معفى عنها شرط لصحة الصلاة، وإن حمل عنقود عنب حباته مستحيلة خمرًا قادرًا على اجتنابها لم تصح صلاته. انتهى من الإقناع.

السادس: ستر العورة: أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عريانًا؛ وهو يقدر، وحدُّ عورة الرجل من السرة إلى الركبة والأمة كذلك والحرة كلها عورة إلا وجهها في الصلاة إذا لم يرها الرجال الأجانب، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أي عند كل صلاة، وقال في الإقناع، والعورة سوءة الإنسان، وكل ما يستحى منه؛ فمعنى ستر العورة تغطية ما يقبح ظهوره ويستحى منه، وسترها في الصلاة عن النظر حتى عن نفسه، وابن سبع إلى عشر عورته الفرجان فقط، والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها وشعرها إلا وجهها، قال جمع: وكفيها. والوجه عورة خارجها؛ أي الصلاة؛ باعتبار النظر؛ كبقية بدنها، ويسن للمرأة الحرة أن تصلي في درع، وهو القميص وخمار؛ وهو غطاء رأسها وملحفة وهي الجلباب، ولا تضم ثيابها في حال قيامها، ويكره في نقاب وبرقع بلا حاجة.

ويكره في الصلاة السدل؛ سواء كان تحته ثوب أو لا؛ وهو أن يطرح ثوبًا على كتفيه، ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى؛ فإن رد أحد طرفيه على الكتف الأخرى، أو ضم طرفيه بيديه لم يكره، وإن طرح القباء على الكتفين من غير أن يدخل يديه في الكمَّين فلا بأس بذلك باتفاق الفقهاء، وليس من السدل المكروه.

 وقال الشيخ ابن تيمية: ويكره اشتمال الصماء وتغطية الوجه والتلثم على الفم والأنف ولف الكم بلا سبب، وشد الوسط بما يشبه الزنار ولو في غير صلاة؛ لأنه يكره التشبه بالكفار كل وقت

 قال الشيخ: التشبه بهم منهي عنه إجماعًا، ويكره لبس ما يصف البشرة للرجل والمرأة ولو في بيتها إن رآها غير زوجها.

ويحرم على ذكر وأنثى لبس ما فيه صورة حيوان وتعليقه وستر الجدر به وتصويره؛ حتى في ستر وسقف وحائط وسرير ونحوها، وتكره الصلاة على ما فيه صورة؛ ولو على ما يداس، والسجود عليها أشد كراهة، ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة إلى آخره. انتهى من الإقناع متن.

السابع: دخول الوقت، والدليل من السنة حديث جبريل عليه السلام أنه أم النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الوقت وفي آخره، فقال: يا محمد الصلاة ما بين هذين الوقتين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾: أي مفروضًا في الأوقات، ودليل الوقت قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، وقال في الروض المربع: ومنها الوقت؛ قال عمر: الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به؛ وهو حديث جبريل حين أَمَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في الصلوات الخمس، ثم قال: يا محمد؛ هذا وقت الأنبياء من قبلك؛ فالوقت سبب وجود الصلاة؛ لأنها تضاف إليه وتتكرر بتكرره. انتهى من الروض.

الثامن: استقبال القبلة، والدليل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ...﴾ الآية، وصلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس عشر سنين بمكة، وستة عشر شهرًا بالمدينة، ثم أمر بالتوجه إلى الكعبة، وهو شرط لصحة الصلاة؛ فلا تصح بدونه إلا لمعذور؛ كالتحام حرب وهرب من سيل أو نار أو سبع ونحوه، وكمريض عجز عنه وعمن يديره إليها ومربوط ونحوه؛ فتصح إلى غير القبلة منهم بلا إعادة. انتهى من الإقناع.

التاسع: النية؛ ومحلها القلب، والتلفظ بها بدعة، واحذر من التقليد كما يفعله بعض المغرورين، ويأتي بيان ذلك إن شاء الله.

* * *

 فصل

قال الشيخ محمد رحمه الله:

وأركان الصلاة أربعة عشر:

القيام مع القدرة وتكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة والركوع والرفع منه والسجود على الأعضاء السبعة والاعتدال منه والجلسة بين السجدتين والطمأنينة في جميع الأركان والترتيب والتشهد الأخير والجلوس له والصلاة على النبي والتسليمتان والنية قبل الدخول فيها، والنية محلها القلب والتلفظ بها بدعة، والدليل حديث: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

 وكثير ممن يجهله بعض العلم بها - من المغرورين؛ يقول: "نويت أن أصلي كذا وكذا". وهذا بدعة؛ بل النية محلها القلب؛ وهو قصدك الشيء وعزمك على فعله.

وقال في شرح الأربعين النووية: دل الحديث على أن النية معيار لتصحيح الأعمال كلها؛ فحيث صلحت النية صلح العمل، وحيث فسدت النية فسد العمل، وإذا وجد العمل وقارنته النية فله ثلاثة أحوال:

الأول: أن يفعل ذلك خوفًا من الله، وهذه عبادة العبيد.

الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الجنة والثواب وهذه عبادة التجار.

الثالث: أن يفعل ذلك حياء من الله وتأدية لحق العبودية وتأدية للشكر ويرى نفسه مع ذلك مقصرًا، أو يكون مع ذلك قلبه خائفًا؛ لأنه لا يدري هل قبل عمله مع ذلك أم لا، وهذه عبادة الأحرار، وإليها أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قالت له عائشة رضي الله عنها حين قام من الليل حتى تورمت قدماه: يا رسول الله، تتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا».

* * *

فائدة

فإن قيل: هل الأفضل العبادة مع الخوف أو مع الرجاء؟

 قيل: قال الغزالي رحمه الله: العبادة مع الرجاء أفضل؛ لأن الرجاء يورث المحبة والخوف يورث القنوط، وهذه الأقسام الثلاثة في حق المخلصين، وأعلم أن الإخلاص قد يعرض له آفة العجب؛ فمن أعجب بعمله حبط عمله، وكذلك من استكبر حبط عمله.

الحال الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الدنيا والآخرة جميعًا؛ فذهب بعض العلماء إلى أن عمله مردود، واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الخبر الرباني: يقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء؛ فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه». وإلى هذا ذهب الحارث المحاسبي في كتابه الرعاية فقال: الإخلاص أن تريد بطاعتك وجه الله ولا تريد سواه. انتهى من الأربعين.

وقوله: القيام مع القدرة؛ خلاف النفل وقول مع القدرة؛ فمن قدر على بعض القيام أتى به؛ كمن وجد بعض ما يكفي بعض الطهارة استعمله ويتيمم للباقي.

 والدليل على القيام قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. والقنوت: طول القيام.

الثاني: تكبيرة الإحرام؛ لأنها ركن لا يجزئه غيرها، ومن تمامها أنه يقول: الله أكبر. وهو واقف مع السكون وإن قل؛ مثل أن يدرك الإمام راكعًا لا يكبر وهو منحدر للركوع؛ فإن فعل لم يجزئه؛ لأنه يلزم تكميلها - أي تكبيرة الإحرام - وهو واقف وإن قل، وإذا كبَّر تكبيرة الإحرام انحط لركوع في تكبير آخر، وإن نوى عند تكبيرة الإحرام أنه يكفيه للركوع فإنه يجزئه؛ لأنه يدخل المسنون في الواجب؛ فانتبه - هداك الله - لهذا الركن، والإمام راكع؛ والدليل الحديث: «تحريمها التكبير، وتحليها التسليم». وبعدها - أي تكبيرة الإحرام – الاستفتاح؛ وهو سنة.

قول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك: ومعنى سبحانك اللهم: أي: أنزهك التنزيه اللائق بجلالك وبحمدك؛ أي ثناء عليك، وتبارك اسمك: أي البركة تنال بذكرك. وتعالى جدك: أي جلَّت عظمتُك، ولا إله غيرك: أي: لا معبود في الأرض ولا في السماء بحق سواك يا الله، ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم المطرود المبعد عن رحمة الله؛ لا يضرني في ديني ولا في دنياي، ثم يقرأ الفاتحة، وقراءة الفاتحة ركن في كل ركعة كما في الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وهي أم القرآن: بسم الله الرحمن الرحيم: بركة واستعانة. الحمد لله: الحمد ثناء والألف واللام لاستغراق جميع المحامد لله وأما الجميل الذي لا صنع له فيه مثل الجمال ونحوه فالثناء به يسمى مدحًا لا حمدًا، رب العالمين: الرب هو المعبود الخالق الرازق الملك المتصرف مربي جميع الخلق بالنعم، العالمين: كل ما سوى الله عالَم وهو رب الجميع، الرحمن رحمة عامة جميع المخلوقات، الرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين؛ والدليل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، مالك يوم الدين: يوم الجزاء والحساب، يوم كلٌّ يجازى بعمله؛ إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.

 والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، والحديث عنه - صلى الله عليه وسلم -: «الكَيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتْبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني»، إياك نعبد: أي لا نعبد غيرك؛ عهدٌ بين العبد وبين ربه أن لا يعبد إلا إياه، وإياك نستعين: عهد بين العبد وبين ربه أن لا يستعين بأحد غير الله. اهدنا الصراط المستقيم: معنى اهدنا: دلنا وأرشدنا وثبتنا، والصراط الإسلام، وقيل: الرسول، وقيل: القرآن، والكل حق، والمستقيم الذي لا اعوجاج فيه، صراط الذين أنعمت عليهم: طريق المنعَم عليهم؛ والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ غير المغضوب عليهم؛ وهم اليهود معهم علم ولم يعملوا به؛ نسأل الله أن يجنبك طريقهم، ولا الضالين: وهم النصارى يعبدون الله على جهل وضلال، نسأل الله أن يجنبك طريقهم، ودليل الضالين قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، والحديث عنه - صلى الله عليه وسلم -: «لتتبعن سَنَنَ من قبلكم حذو القذة بالقذة؛ حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: «فمن». أخرجاه.

والحديث الثاني: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». قلنا: يا رسول الله من هي؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي».

الركن الرابع: الركوع...

الركن الخامس: الرفع منه...

الركن السادس: السجود على الأعضاء السبعة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أسجد على الأعضاء السبعة». وأشار إلى الجبهة والأنف واليدين والركبتين وأطراف القدمين.

الركن السابع: الاعتدال منه.

الركن الثامن: الجِلسة بين السجدتين؛ والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، قال البغوي على هذه الآية: يعني صلوا؛ لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾: أي وحدوه، ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾: قال ابن عباس: صلة الرحم ومكارم الأخلاق، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لكي تسعدوا وتفوزوا بالجنة. انتهى.

والحديث عنه - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم». وتقدم.

الركن التاسع والعاشر: الطمأنينة في جميع الأفعال والترتيب بين الأركان، والدليل حديث المسيء في صلاته؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوسٌ عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ دخل رجل فصلَّى فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، فعلها ثلاثًا: قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا لا أحسن غير هذا فعلمني. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».

الركن الحادي عشر: التشهد الأخير ركن مفروض؛ كما في الحديث: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده السلام على جبريل وميكائيل. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقولوا السلام على الله من عباده؛ فإن الله هو السلام؛ ولكن قولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله». ومعنى التحيات جميع التعظيمات لله ملكًا واستحقاقًا؛ مثل الانحناء والركوع والسجود والبقاء والدوام؛ وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله؛ فمن صرف منه شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، والصلوات معناها جميع الدعوات، وقيل: الصلوات الخمس والطيبات لله، الله طيب ولا يقبل من الأقوال والأعمال إلا طيبها. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته: تدعو للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالسلامة والرحمة والبركة، والذي يدعو له ما يدعو مع الله. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين: تسلم على نفسك، وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض، والسلام دعاء، والصالحون يدعى لهم ولا يدعون مع الله.

الركن الثاني عشر: الجلوس له؛ أي التشهد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: تشهد شهادة اليقين بأن لا يعبد في الأرض ولا في السماء بحق إلا الله.

الركن الثالث عشر: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وشهادة أن محمدًا رسول الله بأنه عبد لا يعبد ورسول لا يكذب؛ بل يطاع ويتَّبع، شرَّفه الله بالعبودية، والدليل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد: الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى؛ كما حكى البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى. وقيل: الرحمة، والصواب الأول، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء.

الركن الرابع عشر: التسليمتان وبارك وما بعدها سنن أقوال وأفعال وسنن الأقوال والأفعال؛ إن أتى بها حسن، وإن تركها فلا حرج.

وقال الإمام أحمد في كتاب الصلاة: ولما كانت العبودية غاية كمال الإنسان وقربه من الله بحسب نصيبه من عبوديته، وكانت الصلاة جامعة لمتفرق العبودية متضمنة لأقسامها كانت أفضل أعمال العبد ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه، وكان السجود أفضل أركانها الفعلية وسرَّها الذي شرعت لأجله، وكان تكرره في الصلاة أكثر من تكرار سائر الأركان؛ فهذا الركن مقصود والدعاء فيه فهو ركن وضع للرغبة وطلب العفو والمغفرة والرحمة؛ فإن العبد لما أتى بالقيام والحمد لله والثناء ثم كمَّل ذلك بغاية التذلل والخضوع والاستكانة بقي سؤالُ حاجتِه واعتذاره وتنصُّله فشرع له أن يتمثل في الخدمة فيقعد فعل العبد الذليل جاثيًا على ركبتيه؛ كهيئة الملقي نفسه بين يدي سيده راغبًا راهبًا معتذرًا إليه مستعديًا إليه على نفسه الأمارة بالسوء، ثم شرع له تكرير هذه العبودية مرة بعد مرة إلى إتمام الأربع؛ كما شرع له تكرير الذكر مرة بعد مرة؛ لأنه أبلغ في حصول المقصود وأدعى إلى الاستكانة والخضوع؛ فلما أكمل ركوع الصلاة وسجودها وقراءتها وتسبيحها وتكبيرها شرع له أن يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشع المتذلل المستكين؛ جاثيًا على ركبتيه، ويأتي في هذه الجلسة بأكمل التحيات وأفضلها كما تقدم.

قال في الإقناع: ورفع اليد عند تكبيرة الإحرام إشارة إلى رفع الحجاب بينه وبين ربه، وللمصلي عند رفعه من الركوع قول: "ربنا لك الحمد" بلا واو، وبها أفضل، وإن شاء قال: "اللهم ربنا لك الحمد" بلا واو، وهو أفضل، وإن شاء بواو، وإن عطس حال رفعه فحمد لهما جميعا لم يجزئه نصًّا، ومثل ذلك لوارد الشروع في الفاتحة فعطس فقال: الحمد لله. ينوي بذلك عن العطاس والقراءة - لم يجزئه، ورفع اليدين في مواضعه من تمام الصلاة أتم صلاة ممن لم يرفع، ويكره عبثُه في الصلاة وتقليبُه الحصى ومسُّه ووضعُ يده على خاصرته، وفرقعة أصابعه، وتشبيكها، ولمس لحيته، والعبث فيها، ونفخه، واعتماده على يديه في جلوسه من غير حاجته، وصلاته مكتوفًا وعقص شعره وكفه... إلى آخره. قلت: عقص الشعر مثل ما يجعل خلف الظهر ويجعله واحدة. ويكره التمطي، وإن تثاءب كظم عليه ندبًا؛ فإن غلبه استحب وضع يده على فمه... إلى آخره. انتهى من الإقناع، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: تبع مثل ذلك.

وقال ابن القيم في كتاب الصلاة: وههنا عجيبة: يحصل لمن تفقه قلبه في معاني القرآن وعجائب الأسماء والصفات وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعًا من صلاته ومحلاًّ منها؛ فإنه إذا انتصب قائمًا بين يدي الرب تبارك وتعالى شاهد بقلبه قيوميته، وإذا قال: الله أكبر شاهد كبرياءه، وإذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. شاهد بقلبه ربًّا منزَّهًا عن كل عيب سالمًا من كل نقصٍ محمودًا بكل حمد، وحمده يتضمن وصفَه بكل كمال، وذلك يستلزم براءته من كل نقص؛ تبارك اسمه؛ فلا يذكر على قليل إلا كثَّره وعلى خيرٍ إلا أنماه وبارك فيه، وعلى آفة إلا أذهبها وعلى شيطان إلا ردَّه خاسئًا داحرًا، وكمال الاسم من كمال مسماه؛ فإذا كان هذا شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء فشأن المسمَّى أعلى وأجلُّ، وتعالى جَدُّه أي: ارتفعت عظمته وجلت فوق كل عظمة، وعلا شأنُه على كل شأن، وقهر سلطانه على كل سلطان؛ فتعالى جده أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيته أو في إلهيته أو في أفعاله أو في صفاته؛ كما قال مؤمن الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾؛ فكم في هذه الكلمات من تجلي لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها غير المعطِّل لحقائقها.

وإذا قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقد آوى إلى ركنه الشديد واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربه ويباعده عن قربه ليكون أسوأ حالاً.

فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: وقف هنيهة يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله: حمدني عبدي. فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: انتظر الجواب بقوله: أثنى عليَّ عبدي. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: انتظر جوابه، قال: مجدني عبدي. فيا لذة قلبه وقرة عينه وسرور نفسه بقول ربه: "عبدي" ثلاث مرات؛ فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات وغيم النفوس لطارت فرحًا وسرورًا بقول ربها وفاطرها ومعبودها: حمدني عبدي. و: أثنى عليَّ عبدي. و: مجَّدني عبدي. ثم يكون لقلبه مجال من شهود هذه الأسماء الثلاثة التي هي أصول الأسماء الحسنى، وهي الله والرب والرحمن؛ فشاهد قلبه من ذكر اسم الله تبارك وتعالى إلهًا معبودًا موجودًا مخوفًا لا يستحق العبادة غيره، ولا تنبغي إلا له؛ قد عنت له الوجوه وخضعت له الموجودات وخشعت له الأصوات.

﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: وكذلك خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلق الجن والإنس والطير والوحش والجنة والنار، وكذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع وألزم العباد الأمر والنهي، وشاهد مَن ذكر اسمه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قيوم قام بنفسه، وقام به كل شيء؛ فهو قائم على كل نفس بخيرها وشرها، قد استوى على عرشه وتفرد بتدبير ملكه؛ فالتدبير كله بيديه ومصير الأمور كلها إليه؛ فمن شأنه التدبيرات نازلة من عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع والخفض والرفع والإحياء والإماتة والتوبة والعزل والقبض والبسط وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقب لحكمه، ولا راد لأمره، ولا مبدل لكلماته، تعرج الملائكة والروح إليه، وتعرض الأعمال أول النهار وآخره عليه؛ فيقدر المقادير ويوقت المواقيت ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها قائمًا بتدبير ذلك كله، وحفظه ومصالحه بيديه وفي أمره وقضاه.

ثم يشهد عند ذكر اسم الرحمن جل جلاله ربًّا محسنًا إلى خلقه بأنواع الإحسان متحببًا إليهم بصنوف النعم، وسع كل شيء رحمة وعلمًا وأوسع كل مخلوق نعمة وفضلاً؛ فوسعت رحمته كل شيء ووسعت نعمته كل حي؛ فبلغت رحمته حيث بلغ علمه، فاستوى على عرشه برحمته، وخلق خلقه برحمته، وأنزل كتبه برحمته، وأرسل رسله برحمته، وشرع شرائعه برحمته، وخلق الجنة برحمته، والنار أيضًا برحمته؛ فإنها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنته، ويطهر بها أدران الموحدين من أهل معصيته، وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته؛ فتأمل ما في أمره ونهيه ووصاياه ومواعظه من الرحمة البالغة والنعمة السابغة، وما في حشوها من الرحمة والنعمة؛ فالرحمة هي السبب المتصل منه بعباده كما أن العبودية هي السبب المتصل منهم؛ فمنهم إليه العبودية ومنه إليهم الرحمة.

ومن أخص مشاهد هذا الاسم شهود المصلي نصيبَه من الرحمة الذي أقام بها بين يدي ربه وأهَّله لعبوديته ومناجاته، وأعطاه ومنع غيره، وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره؛ وذلك من رحمته به.

فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين؛ فيشهد ملكًا قاهرًا قد دانت له الخليقة وعنت له الوجوه وذلت لعظمته الجبابرة وخضع لعزته كل عزيز... إلى آخره.

فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: ففيها سر الخلق والأمر والدنيا والآخرة، وهي متضمنة لأجل الغايات وأفضل الوسائل؛ فأجل الغايات عبوديته وأفضل الوسائل إعانته؛ فلا معبود يستحق العبادة إلا هو، ولا معين على عبادته غيره؛ فعبادته أعلى الغايات وإعانته أجل الوسائل، وقد أنزل الله سبحانه مائة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في أربعة؛ وهي التوراة والإنجيل والقرآن والزبور، وجمع معانيها في القرآن وجمع معانيه في المفصل، وجمع معانيه في الفاتحة، وجمع معانيها في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد وهما: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، وتضمنت التعبد باسم الرب واسم الله؛ فهو يعبد بألوهيته ويستعان بربوبيته ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته، فكان أول السورة ذكر اسم الله والرب والرحمن؛ تطابقًا لأجلِّ المطالب من عبادته وإعانته وهدايته، وهو المنفرد بإعطاء ذلك كله، لا يعين على عبادته سواه، ولا يهدي سواه، ثم يشهد الداعي بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ شدة فاقته وضرورته إلى هذه المسألة التي ليس هو إلى شيء أشد فاقة وحاجة منه إليها البتة؛ فإنه محتاج إليه في كل نفس وطرفة عين، وهذا المطلوب من هذا الدعاء لا يتم إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، والهدى فيه؛ وهي هداية التفصيل وخلق القدرة على الفعل وإرادته وتكوينه وتوقيعه؛ لإيقاعه له على الوجه المرضي المحبوب للرب سبحانه وتعالى، وحفظه عليه من مفسداته حال فعله وبعد فعله... إلى آخره، ثم بين أن أهل هذه الهداية هم المختصمون بنعمته دون المغضوب عليهم، وهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، ودون الضالين؛ وهم الذين عبدوا الله بغير علم؛ فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم؛ فسبيل المنعم عليهم مغايرة لسبيل أهل الباطل كلها علمًا وعملاً.

 فلما فرغ من هذا الثناء والدعاء والتوحيد شرع له أن يطبع على ذلك بطابع من التأمين يكون كالخاتم له، وإذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين الملائكة في السماء غفر لهم، وهذا التأمين زينة الصلاة؛ كرفع اليدين هو زينة الصلاة، واتباع لسنة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتعظيم لأمر الله، وعبودية لدين الله، وشعار الانتقال من ركن إلى ركن. انتهى من كتاب الصلاة.

* * *

فائدة

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جزء 22 في صفحة 44: إن البسملة من الفاتحة دون غيرها. وهذا مذهب طائفة من أهل الحديث، والثاني: أنها ليست من الفاتحة كما أنها ليست من غيرها. وهذا أظهر؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ نصفها إليَّ، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل». يقول: «إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول الله حمدني عبدي... إلى آخرها؛ فلو كانت البسملة من الفاتحة لذكرها كما ذكر غيرها.

وقال أيضًا في صفحة 294: ومنها تنازعهم في قراءة الفاتحة خلف الإمام حال الجهر؛ فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: قيل: ليس له أن يقرأ حال جهر الإمام إذا كان يسمعه لا بالفاتحة ولا غيرها، وهذا قول الجمهور من السلف والخلف، وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو القول الأخير للشافعي، وقيل: بل يجوز الأمران والقراءة أفضل. ويروى هذا عن الأوزاعي وأهل الشام والليث بن سعد، وهو اختيار طائفة من أصحاب أحمد وغيره، وقيل: بل القراءة واجبة. وهو القول الأخير للشافعي.

وقول الجمهور هو الصحيح في عدم القراءة؛ فإن الله سبحانه قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال أحمد: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا؛ فالإمام يركع ويرفع قبلكم؛ فتلك بتلك... » الحديث إلى آخره، وروي هذا من حديث أبي هريرة أيضًا، وذكر مسلم أنه ثابت؛ فقد أمر الله رسوله بالإنصات للإمام إذا قرأ، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من جملة الإتمام به؛ فمن لم ينصت له لم يكن قد ائتم به.

وسئل الشيخ ابن تيمية فأجاب في جزء 22 في صفحة 236 عن النية: الجهر بلفظ النية ليس مشروعًا عند أحد من علماء المسلمين، ولا فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب، فإنه يجب تعريفه الشريعة واستتابته من هذا القول؛ فإن أصر على ذلك قتل؛ بل النية الواجبة في العبادات كالوضوء والغسل والصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك محلها القلب باتفاق أئمة المسلمين، والنية هي القصد والإرادة، ومحلها القلب دون اللسان باتفاق العقلاء والعلماء؛ فلو نوى بقلبه صحت نيته عند الأئمة الأربعة وسائر المسلمين من الأولين والآخرين، وليس في ذلك خلاف عند من يُقتدى به ويُفتى بقوله.

وقال أيضًا: وأما رافع اليدين في كل تكبيرة وفي السجود والرفع منه فليس هو من السنة التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعلها ولا أصحابه، ولكن الأمة متفقة على أنه ترفع اليدان مع تكبيرة الافتتاح، وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع ولا فعل ذلك في السجود ولا غير، وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا رأى من يصلي ولا يرفع يديه في الصلاة حصبه، وقال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات. انتهى.

وقال الشيخ أيضًا: وسواء رفع يديه أو لم يرفع يديه في التكبير لا يقدح في صلاته، ولا يبطلها لا إمام ولا مأموم، وقال أيضًا في جزء 22 في صفحة 378: فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أما الركوع فعظِّموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه الدعاء فقمن أن يستجاب لكم». ففيه الأمر في الركوع بالتعظيم، وأمره بالدعاء في السجود بيانٌ أن الدعاء في السجود أحقُّ بالإجابة من الركوع، ولهذا قال: «فقمن أن يستجاب لكم». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء».

وإن كان التسبيح أفضل فإنه ليس من شرط المأمور به أن يكون غيره أفضل منه؛ لأن الدعاء بحسب مطلوب العبد، ولم يذكر دعاء معينًا، أمر به، كما أمر بالفاتحة، وقال في صفحة 385: وأما الداعي إذا كان مهتمًّا بما هو محتاج إليه من جلب منفعة أو دفع مضرة؛ كحاجته إلى الرزق والنصر الضروري كان سواء لنفسه، أو صار عن غيره؛ فإذا دعا الله سبحانه فقد يحصل له بالدعاء من معرفة الله ومحبته والثناء عليه والعبودية له والافتقار إليه ما هو أفضل وأنفع من مطلوبه ذلك. انتهى.

وقال الشيخ في جزء 22 في صفحة 452: ولا ينبغي للإمام أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة إلا مقدار ما يستغفر ثلاثًا ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ولا يقوم مأموم قبل انفتاله؛ فإنه أحسن؛ فمن أراد أن يقوم بعدُ قام، ومن أحب أن يجلس يذكر الله – فَعَلَ، وهو أحسن.

 وقال الشيخ في جزء 22 في صفحة 538: فإن الصلاة قوت القلوب؛ كما أن الغذاء قوت الجسد، فإذا كان الجسد لا يتغذى باليسير من الأكل فالقلب لا يقتات بالنقر في الصلاة؛ بل لا بد من صلاة تامة تقيت القلوب .

وقال أيضًا في صفحة 606: فإن القلب الذي ما فيه من معرفة الله ومحبته وخشيته وإخلاص الدين لله ورجائه وخوفه والتصديق بأخباره، وغير ذلك مما يتباين الناس فيه ويتفاضلون به تفاضلاً عظيمًا - ويقوى ذلك كلما ازداد العبد تدبرًا للقرآن وفهمًا ومعرفة بأسماء الله وصفاته وعظمته، وفقره إليه في عبادته واشتغاله بذكره ومحبته؛ بحيث يجد اضطراره إلى أن الله ربَّه ومعبودَه ومستغاثَه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب - فإنه لا صلاح له إلا أن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه ويأنس به ويلتذ بذكره ويستريح به، ولا حصول لهذا إلا بإعانة الله له، ومتى كان للقلب إله غير الله فسد أو هلك هلاكًا لا صلاح بعده، ومتى لم يعينه الله على ذلك لم يصلح ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. انتهى.

وقال أيضًا في جزء 23 في صفحة 174: ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء فنهيُه مردودٌ عليه من وجوه: أحدها: أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفًا من الرياء؛ بل يؤمر بها وبالإخلاص فيها، ونحن إذا رأينا من يفعلها أقررناه، وإن جزمنا أنه يفعلها رياء فالمنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ - فهؤلاء كان النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يقرُّونهم على ما يظهرونه من الدين وإن كانوا مرائين، ولا ينهونهم عن الظاهر؛ لأن الفساد في ترك إظهار الإيمان والصلوات أعظم من الفساد في إظهار ذلك رياء، ولأن الإنكار إنما يقع على الفساد في إظهار ذلك رياء الناس.

الثاني: لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم». وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من أظهر لنا خيرًا أحببناه وواليناه عليه، وإن كانت سريرته بخلاف ذلك، ومن أظهر لنا شرًّا بغضناه عليه، وإن زعم أن سريرته صالحة.

الثالث: أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمرًا مشروعًا مسنونًا قالوا: هذا مُراءٍ. فيترك أهل الصدق والإخلاص إظهار الأمور المشروعة؛ حذرًا من لمزهم وذمهم؛ فيعطل الخير ويبقى لأهل الشرك شوكة يظهرون الشر ولا أحد ينكر عليهم، وهذا من أعظم المفاسد.

الرابع: أن مثل هذا من شعائر المنافقين، ويطعن على من يظهر الأعمال المشروعة؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. والله أعلم.

فصل

قال الشيخ محمد رحمه الله:

والواجبات ثمانية:

جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وقول سبحان ربي العظيم في الركوع، وقول سمع الله لمن حمده للإمام والمنفرد، وقول ربنا ولك الحمد للكل، وقول سبحان ربي الأعلى في السجود، وقول: "رب اغفر لي". بين السجدتين، والتشهد الأول، والجلوس له؛ فالأركان ما سقط منها عمدًا أو سهوًا بطلت الصلاة بتركه، والواجبات ما سقط منها عمدًا بطلت الصلاة بتركه، ويكون منه تلاعبُه فيها؛ فتبطل، وإن تركه سهوًا جبره السجود؛ للسهو. والله أعلم.

شـرح

وأما سجود السهو فقال أحمد: يحفظ فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة أحاديث؛ سلم من اثنتين فسجد وسلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة والنقصان، وقام من اثنتين فلم يتشهد فسجد؛ قال الخطابي: المعتمَدُ عليه عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة؛ يعني حديث ابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وابن بحينة، وسجود السهو يشرع للزيادة والنقصان، وشك في فرض ونفل؛ إلا أن يكثر فيصير كوسواس فيطرحه؛ فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قيامًا أو قعودًا أو ركوعًا أو سجودًا عمدًا بطلت الصلاة؛ لأنه تلاعب، وسهو يسجد له؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا زاد الرجل أو نقص في صلاته فليسجد سجدتين». رواه مسلم، ومتى ذكر عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير؛ لأنه في تكميلها، وإن زاد ركعة قطع الركعة الزائدة وبنى على فعله قبلها، ولا يتشهد إن كان قد تشهد ثم سجد لسهو وسلم، ولا يعتد مسبوق بالركعة الزائدة، ولا يدخل معه من عَلِمَ أنها زائدة، وإن كان إمامًا أو منفردًا فنبهه اثنان لزمه الرجوع، ولا يرجع إن نبهه واحد إلا أن يتيقن صوابه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يرجع إلى قول ذي اليدين، وينبغي السجود لسهوه؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا نسي أحدكم فلم يدر كم صلى فليبنِ على ما استيقن ويسجد سجدتين». وإن سَلَّم قبل إتمامها عمدًا بطلت، وإن كان سهوًا ثم ذكر قريبًا أتمَّها، ولو خرج من المسجد ولم يُطِل الفضل أو تكلم يسيرًا لمصلحتها، وإن تكلم سهوًا أو نام فتكلم أو سبق على لسانه حال قراءته كلمة من غير القرآن لم تبطل، وإن قهقه بطلت إجماعًا؛ لأنه تبسَّمَ، وإن نسي ركنًا غير التحريمة فذكره في قراءة الركعة التي بعدها بطلت التي تركه منها، وصارت الأخرى عوضًا عنها. قاله في الإقناع.

 وقال أيضًا: ولا يعيد الاستفتاح. قال أحمد: وإن ذكره قبل الشروع في القراءة عاد فأتى به وبما بعده، وإن شرع في القراءة حرم الرجوع وقامت الأخرى مقامها، وإن نسي التشهد الأول ونهض ولم يستتم قائمًا لزمه الرجوع والإتيان به، وإن استتم قائمًا ولم يشرع في القراءة خُيِّر بين الرجوع وعدمه، وإن شرع في القراءة حرم عليه الرجوع، وعليه السجود لكلٍّ؛ لحديث المغيرة. رواه أبو داود.

وكذا حكم تسبيح الركوع والسجود، و: "رب اغفر لي" بين السجدتين، وكل واجب تركه سهوًا ثم ذكره فيرجع إلى تسبيح ركوع قبل اعتدال؛ لا بعده، وإن ترك ركنًا لا يعلم موضعه بنى على الأحوط؛ فلو ذكر في التشهد أنه ترك سجدة لا يعلم من الأولى أم من الثانية جعلها من الأولى وأتى بركعة، وإن ترك سجدتين لا يعلم من ركعة أو من ركعتين سجد سجدة، وحصلت له ركعة، وإن ذكره بعد شروعه في قراءة الثالثة ألغيت الركعة وقامت هذه مقامها، وإن ترك سجدة لا يعلم من أي ركعة أتى بركعة كاملة، ولو جهل عين الركن المتروك بنى على الأحوط، وكل عبادة فابنها على الأحوط أيضًا، فإن شكَّ في القراءة والركوع جعله قراءة، وإن شك في الركوع والسجود جعله ركوعًا، وهذا حكم من نسي أو شك؛ بنى على الأحوط. انتهى من الإقناع.

ويلزم المأموم متابعة إمامه، ويسقط عنه التشهد، ويسجد للسهو، ومن شكَّ في عدد الركعات بنى على اليقين، ويأخذ مأموم عند شكه بفعل إمامه، ولو أدرك الإمام راكعًا وشكَّ: هل رفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعًا لم يعتد بتلك الركعة، وإذا بنى على اليقين أتى بما بقي، ويأتي به المأموم بعد سلام إمامه، ويسجد للسهو، وليس على المأموم سجود سهو إلا أن يسهو إمامه فيسجد معه؛ ولو لم يتم التشهد، ثم يتمه بعد سجوده ويسجد مسبوقًا لسلامه مع إمامه؛ لسهوه ولسهو من معه، وفيما انفرد به، ومحله قبل السلام؛ إلا إذا سلَّم عن نقص ركعة فأكثر؛ لحديث عمران وذي اليدين، وإلا فيما إذا بنى على غالب ظنه أن قلنا به؛ فيسجد ندبًا بعد السلام؛ لحديث علي وابن مسعود، وإن نسيه قبل السلام أو بعده أتى به ما لم يطل الفصل، وسجود السهو وما يقول فيه وبعد رفعه كسجود الصلاة.

فصل

قال الشيخ:

ومبطلات الصلاة ثمانية:

الكلام العمد والضحك والأكل والشرب وكشف العورة والانحراف عن جهة القبلة والعبث الكثير وحدث النجاسة.

شـرح

 قوله: (والأكل):

أي: يحذر الإنسان من التهاون في أكل أو شرب.

وقوله: (والانحراف عن القبلة):

لو حصل منه غفلةَ سهو - فإنه يرجع ولا يضره إن شاء الله. والعبث القليل غير المتوالي لا يضر إذا كان لحاجة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - فتح الباب وهو يصلي لعائشة، وحمل أمامة إذ قام، وإذا سجد وضعها، وكان الحسن والحسين يعلوان على ظهره وهو يصلي، ويبطل الصلاة حدوث نجاسة وحدث.


فائدة

ويسن للإمام والمأموم القيام عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك وأصحابه، ويكمَّل الصف الأول ثم الأول، وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها إذا كانتا مع الرجال، وكل ما قرب الرجل من الإمام فهو أفضل، ويقول المأموم قائمًا: الله أكبر. بعد تكبير الإمام، لا يجزئه غيرها؛ للحديث: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم». وتكبيرات البواقي: يبدأ التكبير أول تكبيرة الإحرام؛ يرفع يديه مضمومة الأصابع، وما بعدها يبتدئ من حين ينوي الركوع، وينقطع مع انحداره للركوع، والباقي يبتدئ من حين ينوي السجود، وينقطع مع وصوله الأرض، ولا يمد التكبير؛ لأنه يضر على من خلفه، ويوقعهم في المسابقة للإمام، وهو مسؤول عنهم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته». وإذا رفع رأسه من ركوع أو سجود يبتدئ من رفعه، وينقطع صوته حال اعتداله، وإذا أراد التسليم يبتدئ قبل أن يلتفت، وينتهي مع الالتفاتة على المأمومين، ويحذف التكبير خشية أن يقعوا في المسابقة للإمام أو موافقته؛ لأن المسابقة تبطل الصلاة، والموافقة على خطر.

وعلى الجميع - إمامًا ومأمومًا - الطمأنينة في جميع الصلاة فرضًا ونفلًا؛ لأنها ركنٌ، كما صَحَّ في صلاة المسيء؛ أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة ولم يعذره بجهله، ويحذَّر الإمام من السرعة التي تخل فيمن خلفه؛ لأن فيهم الضعيف والمريض والكبير؛ فعليه مراعاة من خلفه؛ لأن الإمام ضمن ويعلم أنه مسؤول: «كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته». وربما يلحقهم ضرر في الصلاة بسبب العجلة، وعلى الجميع تمكين الأعضاء في السجود؛ فلو رفع عضوا من أحد أعضائه عن الأرض ما صح سجوده، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فهو القدوة والأسوة - صلى الله عليه وسلم -.

ويجعل الإمام قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته» نصب عينيه، ولا يغفل عن جماعته في القراءة عليهم الحديث والنصح لهم في أمر صلاتهم وتعليمهم شروط الوضوء وفرضه وما يتعلق به وشروط الصلاة وأركانها وما يتعلق بها وما يلزم فيها، وفي الوضوء ما يلزم به، وعليك بالأوراد؛ فإنه حصن حصين صباحًا ومساء وعقب الصلاة.

ويحذر وهو في الصلاة من رفع بصره إلى السماء؛ فإنه سرقة يسرقها الشيطان واختلاس؛ كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن لحظه بصره يمنة ويسرة، ويحذر من كثرة الحركة في الصلاة، ومن فرقعة أصابعه، ونظره في ساعته، وتعديل عمامة أو عقال؛ لأن لُبَّ الصلاة الخشوع، ولو خشع قلبه خشعت جوارحه، كما مدح الله الخشوع في القرآن ومدحه النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة؛ فاتق الله يا أخي في رأس مالك وهي الصلاة، وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، ومن شرع في نفل ثم أقيمت الصلاة أتمها خفيفة ولا يقطعها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، ولا يدخل في نفل والصلاة تقام؛ لأنه خلاف السنة، والعمل ما يقبل حتى يكون خالصًا لوجه الله صوابًا على سنة رسول الله، وما سواه فمردود عليه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية لما سئل عن المصافحة بعد الصلاة والسلام بعد الصلاة على من هو على يمينك ويسارك، فأجاب:

الحمد لله، السلام بعد الصلاة والمصافحة عقب الصلاة ليس مسنونًا؛ بل هو بدعة، والله أعلم.

وقال في الإقناع: ويكره السدل في الصلاة؛ سواء تحته ثوب أو لا؛ وهو أن يطرح ثوبًا على كتفه، ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الآخر؛ فإن رد أحد طرفيه على الآخر أو ضم طرفيه بيديه لم يكره، وإن طرح القباء على الكتف ولم يدخل يديه في الكمين فلا بأس باتفاق الفقهاء، وليس من السدل المكروه. قاله شيخ الإسلام ابن تيمية. ذكره في الإقناع.

وبعد السلام يقول الأذكار بعد أن استغفر ثلاثًا قبل أن يستقبل المأمومين، ثم ينصرف إلى المأمومين، ولا يطيل اللبث مستقبلًا القبلة إلا بقدر الاستغفار، وقوله: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. وهذا هديه - صلى الله عليه وسلم - وفعله.

وقال أيضًا في الإقناع: ويسن ذكر الله والدعاء والاستغفار عقب الصلاة كما ورد؛ فيقول بعد السلام: "أستغفر الله" – ثلاثًا - اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. ويسبح ويحمد ويكبر كل واحد منهن ثلاثًا وثلاثين. والأفضل أن يفرغ منهن معًا؛ أي جميعًا، وتمام المائة يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ويعقد التهليل والاستغفار بيده؛ أي عداده بأصبعه كما يأتي.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويستحب الجهرُ بالتسبيح والتحميد والتكبير عقب كل صلاة. انتهى.

ويخص من ذلك بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب؛ يقول وهو ثاني رجليه قبل أن يتكلم بعد السلام منهما – يقول: أستغفر الله. ثلاثًا، ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ثلاثًا، ثم يهلل عشر مرات، ثم إذا فرغ من التهليل قال: أستغفر الله. ثلاثًا، ثم قال: رب أجرني من النار. سبع مرات، ثم يسبح ويحمد ويكبر من كل واحدة ثلاثًا وثلاثين، ويقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. والتهليل العشر.

 وقول: رب أجرني من النار. هذا خاصٌّ في المغرب والفجر، وبقية الصلوات يقول ما تيسر، وأما التسبيح والتكبير والتحميد: هذا عامٌّ في جميع الصلوات، وبعد كل صلاة يستحب له أن يقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين؛ لأنه جاء في الحديث: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت». ويدعو بعد الفجر والعصر؛ لحضور الملائكة فيهما؛ فيؤمِّنون، وكذا غيرهما من الصلوات، ويبدأ بالحمد لله والثناء عليه في دعائه، ويختم به، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله في أول الدعاء وآخره. انتهى من الإقناع.

وقال مسلم في صحيحه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. قال: كان الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهلل بهن دبر كل صلاة. رواه مسلم.

 وقال البخاري في صحيحه في كتاب إلى معاوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد». رواه البخاري. وقال أبو عبد الله الإمام أحمد في كتابه الرسالة في الصلاة: ويستحب له ذكر الله فيما بين ركعتي الفجر وبين الصلاة، ومن الخطأ الكلام بينهما إلا واجبًا لازمًا، وهو أعظم أجرًا من ذكر الله تطوعًا، ولا يقبل حتى يؤدي الواجب اللازم.

 وقد جاء الحديث: «لا يقبل الله نافلة حتى تؤدى الفريضة». ويستحب للرجل إذا أقبل إلى المسجد أن يُقبِل بخوف ووجل وخشوع، وأن يكون عليه السكينة والوقار؛ فما أدرك صلى وما فاته قضى؛ بذلك جاء الأمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر بتقارب الخطا إلى المساجد، ولا بأس إذا طمع أن يدرك تكبيرة الإحرام أن يسرع شيئًا ما لم يكن عجلة؛ جاء في الحديث عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كانوا يعجلون شيئًا إذا تخوفوا فوات تكبيرة الإحرام وطمعوا في إدراكها.

فإذا خرج من منزله فليحدث نفسه تفكُّرًا وأدبًا غير ما كان فيه قبل ذلك من حالات الدنيا وإشغالها، وليخرج بسكينة ووقار؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك، وليخرج برغبة ورهبة وبخوف ووجل وخضوع وذل وتواضع لله عز وجل؛ فإن كل من تواضع لله عز وجل وخشع وخضع وذل لله عز وجل كان أزكى لصلاته وأحرى لقبولها وأشرف وأقرب له من الله، وإذا تكبر قصمه الله عز وجل ورد عمله، وليس يقبل من المتكبر عملاً؛ فاحذروا رحمكم الله من الكبر؛ فإنه لا يقبل مع الكبر عمل وتواضعوا بصلاتكم؛ فإذا قام أحدكم في صلاته بين يدي الله عز وجل فما يعرف الله عز وجل في قلبه بكثرة نعمه عليه وإحسانه إليه، وأن الله عز وجل قد وقره نعمًا، وأنه أوقر نفسه ذنوبًا، فليبالغ في الخشوع والخضوع لله عز وجل.

وقد جاء في الحديث أن الله أوحى إلى عيسى ابن مريم: «إذا قمت بين يدي فقم مقام الحقير الذليل الذام لنفسه؛ فإنها أولى بالذَّمِّ، فإذا دعوتني فادعني وأعضاؤك تنتفض». وجاء الحديث أن الله أوحى إلى موسى نحو هذا؛ فما أحقك يا أخي وأولاك بالذم لنفسك إذا قمت بين يدي الله عز وجل، وجاء الحديث عن ابن سيرين أنه إذا قام في الصلاة ذهب دم وجهه؛ خوفًا من الله عز وجل وفرقًا منه.

وجاء عن سعيد بن معاذ أنه قال: ما صليت صلاة قط فحدَّثت فيها شيئًا من أمر الدنيا حتى انصرفت. وجاء عن أبي الدرداء أنه قال: في حديث هذا بعضه، وتعفيري وجهي لربي عز وجل في التراب؛ فإنه مبلغ العبادة من الله تعالى؛ فلا يتقي أحدكم التراب ولا يكرهن السجود عليه؛ فلابد لأحدكم منه، ولا يلتقي أحدكم المبالغة؛ فإنه إنما يطلب بذلك فكاك رقبته وخلاصها من النار التي لا تقوم لها الجبال الصُّمُّ الشوامخ البواذخ التي جعلت للأرض أوتادًا، ولا تقوم لها الأرض التي جعلت للخلق دارًا، ولا تقوم لها البحار السبعة التي لا يدرك قعرها ولا يعرف قدرها إلا الذي خلقها؛ فكيف بأبداننا الضعيفة وعظامنا الدقيقة وجلودنا الرقيقة؛ نستجير بالله من النار نستجير بالله من النار نستجير بالله من النار؛ فإن استطاع أحدكم رحمه الله إذا قام في صلاته أن ينظر إلى الله عز وجل؛ فإن لم يكن يراه فإنه يراه.

وقد جاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أوصى رجلاً فقال له في وصيته: «اتقِ الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فهذه وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - للعبد في جميع حالاته؛ فكيف بالعبد في صلاته إذا قام بين يدي الله عز وجل في موضع خاص ومقام خاص يريد الله ويستقبله بوجهه؛ ليس موضعه ومقامه وحاله في صلاته كغير ذلك من حالاته.

 وجاء الحديث أن العبد إذا افتتح الصلاة استقبله الله بوجهه فلا يصرفه عنه حتى يكون هو الذي ينصرف ويلتفت يمينًا وشمالاً، وجاء الحديث أن العبد ما دام في صلاته فله ثلاث خصال: البر يتناثر عليه من عنان السماء إلى مفرق رأسه، وملائكة يحفونه من لدن قدميه إلى عنان السماء، ومناد يقول له: لو يعلم العبد ما انفتل. فرحم الله من أقبل على الصلاة خاشعًا خاضعًا ذليلاً لله عز وجل خائفًا مذاعنًا راغبًا وجلاً مشفقًا راجيًا، وجعل أكثر همه في صلاته لربه ومناجاته إياه، وانتصابه بين يديه قائمًا وقاعدًا وراكعًا وساجدًا، وفرغ لذلك قلبه وثمرة فؤاده، واجتهد في أداء فرائضه؛ فإنه لا يدري: هل يصلي صلاة بعد التي هو فيها أو يعاجل قبل مقامه بين يدي ربه عز وجل؛ محرومًا مشفقًا يرجو قبولها ويخاف ردها، إن قبلها سعد، وإن ردها شقي؛ فما أعظم خطرك يا أخي في هذه الصلاة وفي غيرها من عملك؛ في أوزارك بالهم والحزن والخوف والوجل فيها، وفيما سواها مما افترض الله عليك؛ إنك لا تدري: هل تقبل منك صلاة قط أم لا، ثم أنت مع هذا تضحك وتغفل وينفعك العيش، وقد جاءك اليقين أنك وارد النار، ولم يأتك اليقين أنك صادر عنها؛ فمن أحق بالبكاء وطول الحزن منك حتى يتقبل الله منك؟ ! ثم مع هذا لا تدري: لعلك لا تصبح إذا أمسيت ولا تمسي إذا أصبحت؛ فمبشر بالجنة أو مبشر بالنار، وإنما ذكرتك يا أخي هذا الخطر العظيم؛ إنك لمحقوق أن لا تفرح بأهل ولا مال.

فرحم الله رجلاً رأى أخاه يسابق الإمام فيركع أو يسجد معه أو يصلي وحده فيسيء في صلاته فينصحه ويأمره وينهاه، ولم يسكت عنه؛ فإن نصيحته واجبة عليه لازمة له، وسكوته عنه إثم ووزر، وإن الشيطان يريد أن تسكتوا عن الكلام بما أمركم الله به، وأن تدعوا التعاون على البر والتقوى الذي أوصاكم الله به والنصيحة التي عليكم بعضكم لبعض لتكونوا مأثومين مأزورين، وأن لا يضمحل الدين ويذهب وأن لا تحيوا سنته ولا تميتوا بدعة؛ فأطيعوا الله بما أمركم به من التناصح والتعاون على البر والتقوى، ولا تطيعوا الشيطان؛ فإن الشيطان لكم عدو مبين؛ بذلك أخبركم الله فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ...﴾ الآية.

واعلموا أنه ما جاء هذا النقص إلا من المنسوبين إلى العقل، المكبرين في الجماعات فيمن بالمشرق والمغرب من أهل الإسلام؛ ليسكت أهل العلم والفقه والبصر عنهم؛ فتركهم وما لزمهم من النصيحة والتعليم والأدب والأمر والنهي والإنكار والتغيير؛ فلم يروا آمرًا ولا ناهيًا ولا ناصحًا ولا مؤدبًا ولا معلمًا ولا منكرًا ولا مغيرًا إلا ما شاء الله، فجرى أهل الجهالة على المسابقة للإمام، وجرى معهم كثير ممن ينسب إلى العلم والفقه والبصر والنظر؛ استخفافًا منهم بالصلاة، والعجب كل العجب من اقتداء أهل العلم بأهل الجهل ومجراهم معهم في المسابقة للإمام في الركوع والسجود والرفع والخفض، وفعلهم معه وتركهم ما حملوا أو سمعوا من الفقهاء والعلماء، وإنما الحق الواجب على العلماء أن يعلموا الجاهل وينصحوه ويأخذوا على يديه؛ فهم فيما تركوا آثمون عصاة خائنون، ولجريانهم معهم في ذلك وفي كثير من مساوئهم من الغش والنميمة ومجاراة الفقر والمستضعفين، وغير ذلك من المعاصي مما يكثر تعداده.

وجاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ويل للعالم من الجاهل». حيث لا يعلِّمه؛ فتعليم الجاهل واجب على العالم لازم له لا بد له؛ لأنه لا يكون الويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه من تطوع؛ لأن الله لا يؤاخذ على ترك التطوع وإنما يؤاخذه على ترك الفرائض.

وقد جاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أسوأ الناس سرقةً الذي يسرق من صلاته». قالوا: يا رسول الله كيف يسرق من صلاته؟ قال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها». فسارق الصلاة قد وجب الإنكار عليه ممن رآه والنصيحة له؛ أرأيت لو أن سارقًا سرق درهمًا؛ ألم يكن ذلك منكرًا، ويجب الإنكار عليه ممن رآه؛ فسارق الصلاة أعظم سرقة من سرقة الدرهم...

 وجاء الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من رأى مَن يسيء في صلاته فلم ينهه شاركه في وزرها وعارها... وجاء الحديث عن بلال بن سعد أنه قال: الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها؛ فإذا ظهرت ولم تغير ضرت العامة، وإنما تضر العامة لتركهم لما يجب عليهم من الإنكار والتغيير على الذي ظهرت منه الخطيئة؛ فلو أن عبدًا صلى حيث لا يراه الناس فضيع صلاته ولم يتم الركوع ولا السجود كان وزرُ ذلك عليه، وإن صلَّى حيث يراه الناس وضيع صلاته؛ فلم يتم ركوعها ولا سجودها - كان وزرُ ذلك عليهم؛ إذ لم ينهَوه؛ فاتقوا الله عباد الله في أموركم عامة وفي صلاتكم خاصة، واحكموها في أنفسكم وانصحوا فيها إخوانكم؛ فإنها آخر دينكم؛ فتمسكوا بآخر دينكم وما وصى به ربكم خاصة من بين الطاعات التي أوصى بها عامة.

وتمسكوا بما عهد إليكم نبيكم - صلى الله عليه وسلم - من بين عهوده إليكم فيما افترض عليكم ربكم عامة...

وجاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان آخر وصيته لأمَّته عند خروجه من الدنيا أنه قال: «الصلاة وما ملكت أيمانكم... ». وفي رواية: «اتقوا الله في الصلاة وفيما ملكت أيمانكم»... وجاء الحديث: إنها آخر وصية كل نبي لأمته وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا، وهي آخر ما يذهب من الإسلام، ليس بعد ذهابها إسلام ولا دين، وهي أول ما يسألُ عنه العبد يوم القيامة من عمله، وهي عمود الإسلام إذا سقط الفسطاط؛ فلا ينتفع بالأطناب والأوتاد، وكذلك الصلاة: إذا ذهبت فقد ذهب الإسلام، وقد خصها الله بالذكر من بين الطاعات واجتناب جميع المعصية لله ورسوله؛ فأْمروا رحمكم الله بالصلاة في المساجد مَنْ تَخَلَّفَ عنها، وعاتبوهم إذا تخلفوا عنها، وأنكروا عليهم بأيديكم؛ فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم، واعلموا أنه لا يسعكم السكوت عنهم؛ لأن المتخلِّفَ عن الصلاة عظيم المعصية؛ فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى قوم في منازلهم لا يشهدون الصلاة في جماعة فأحرقها عليهم». فهددهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بحرق منازلهم؛ فلولا أن تخلُّفهم عن الصلاة في المسجد معصية كبيرة عظيمة لما هددهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بحرق منازلهم... وجاء الحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». وجار المسجد الذي بينه وبين المسجد أربعون دارًا؛ فالصلاة أول فريضة فرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي آخر ما أوصى بها أمته عند خروجه من الدنيا، وهي آخر ما يذهب من الإسلام؛ ليس بعد ذهابها إسلام ولا دين.

وجاء الحديث قال: «من سمع المؤذن فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر... ». وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه فقد رجلاً في الصلاة فأتى منزله فصوَّت به فخرج الرجل، قال: ما حبسك عن الصلاة. قال: علة يا أمير المؤمنين، ولولا أني سمعت صوتك ما خرجت. أو قال: ما استطعت أن أخرج. فقال عمر: لقد تركت دعوة من هو أوجب عليك إجابة مني؛ منادي الله إلى الصلاة، وجاء عن عمر أنه فقد أقوامًا في الصلاة فقال: ما بال أقوام يتخلفون عن الصلاة فيتخلف لتخلفهم آخرون، ليحضرن المسجد أو لأبعثن إليهم من يجافي رقابهم. ثم يقول: احضروا الصلاة احضروا الصلاة احضروا الصلاة... وجاء الحديث عن عبد الله بن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، إني شيخ ضرير البصر شاسع الدار، بيني وبين المسجد نخل وواد، فهل من رخصة إن صليت في منزلي؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألم تسمع النداء» قال: نعم. قال: «أجب» ولم يرخص له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للرجل ضرير البصر ضعيف البدن شاسع الدار بينه وبين المسجد نخل وواد في التخلف عن الصلاة؛ فلو كان لأحد عذرٌ في التخلُّف لرخَّص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لشيخ ضعيف البدن ضرير البصر شاسع الدار بينه وبين المسجد نخل وواد؛ فأنكروا على المتخلفين عن الصلاة؛ فإن ذنوبهم في تخلفهم عظيمة، وأنتم شركاؤهم في عظم تلك الذنوب إن تركتم نصيحتهم والإنكار عليهم، وأنتم تقدرون على ذلك.

وجاء عن أبي الدرداء عن ابن مسعود أن الله تبارك وتعالى سَنَّ لكل نبي سنة وسن لنبيكم؛ فمن سنة نبيكم هذه الصلوات الخمس في جماعة، ولو صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، فاتقوا الله وأمروا بالصلاة في جماعة من تخلف، وإن لم تفعلوا تكونوا آثمين، ومن أوزارهم غير سالمين؛ لوجوب النصيحة لإخوانكم عليكم، ولوجوب إنكار المنكر عليكم بأيديكم؛ فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم، وقد جاء الحديث قال: «يجيء الرجل يوم القيامة متعلقًا بجاره فيقول: يا رب، هذا خانني. فيقول: يا رب، وعزتك ما خنته في أهل ولا مال. فيقول: صدق يا رب ولكنه رآني على معصية فلم ينهني عنها». والمتخلف عن الصلاة عظيم المعصية؛ فاحذر تعلقه بك غدًا وخصومته إياك بين يدي الجبار، ولا تدع نصيحته اليوم وإن شتمك وآذاك وعاداك؛ فإن معاداته لك اليوم أهون من تعلُّقه بك غدًا، وخصومته إياك بين يدي الجبار ودحضه حجتك في ذلك المقام العظيم، فاحتمل الشتيمة اليوم ومعاداته لله وفي الله؛ لعلك تفوز غدًا من النبيين والتابعين لهم في الدين؛ فإن رأيتم من يصلي تطوعًا ولا يقيم صلبَه بين الركوع والسجود فقد وجب عليكم أمره ونهيه ونصيحته؛ فإن لم تفعلوا كنتم شركاء في الإساءة والوزر والإثم والتضييع.

واعلموا أن مما جهله الناس أن يصلي أحدهم متطوعًا ولا يتم الركوع ولا السجود ولا يقيم صلبه؛ لأنه تطوع؛ فيظن أن ذلك يجزئه، وليس يجزئه ذلك التطوع؛ لأنه مَنْ دخل في التطوع فقد صار واجبًا عليه إتمامه وأحكامه؛ كما أن الرجل لو أحرم بحجة تطوعًا وجب عليه قضاؤها، وإن أصاب فيها صيدًا وجبت عليه الكفارة؛ فكل تطوع دخل فيه لزمه ووجب عليه أداؤه تامًّا محكمًا؛ لأنه حين دخل فيه فقد أوجبه على نفسه، ولو لم يدخل فيه لم يكن عليه شيء؛ فإذا رأيتم من يصلي تطوعًا أو فريضة فأمروه بتمام ذلك وأحكامه؛ إن لا تفعلوه تكونوا آثمين؛ عصمنا الله وإياكم أجمعين.

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمَا يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار». لم يقل إلا أن يكون ساهيًا، ولم يأمره بسجدتي السهو؛ بل أمره أن يعيد الصلاة... وقول ابن مسعود: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت. لم يقل إلا أن يكون ساهيًا ولم يأمره بسجدتي السهو. وقول ابن عمر: ما صليت وحدك ولا صليت مع الإمام. ولم يقل: إلا أن يكون ساهيًا، ولم يأمره بسجدتي السهو ولكن ضربه وأمره بالإعادة، هذا كله ما يجبره السهو؛ لعدم صحة صلاته... وقول سلمان: الذي يرفع رأسه قبل الإمام ويخفضه قبله ناصيته بيد الشيطان يخفضه ويرفعه. ولم يقل: إلا أن يكون ساهيًا. ولم يأمره بسجدتي السهو؛ لعدم صحة صلاته.

وقد سها النبي - صلى الله عليه وسلم - وسها عمر رضي الله عنه وسها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فمنهم من سها وترك القراءة في الركعتين الأوليين ثم قرأ في الأخريين، ومنهم من سها فقام فيما ينبغي له أن يجلس فيه، وجلس فيما ينبغي أن يقوم فيه؛ ففي هذا كله وفيما أشبهه سجدتا السهو؛ بذلك جاءت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، وذلك هو السنة؛ فأما سبق الإمام في الصلاة والمسيء في صلاته فإنما جاء عنهم أنه لا صلاة له على ما فسرت لك من قولهم: من سابق الإمام فلا صلاة له ساهيًا كان أو غير ساه. وليس للسهو هاهنا موضع يعذر فيه صاحبه، وكيف يجوز السهو هاهنا وهو إذا رأى الإمام قد هوى من قيامه بادره؛ فيسجد قبله أو ينظر إلى الإمام ساجدًا بعده، وهو قد رفع رأسه، أو ينظر إليه يريد أن يسجد، فيبادر قبله، أو ساعة يفرغ الإمام من القراءة يبادر فيركع قبله من قبل أن يكبر الإمام فيركع، وإنما ينبغي في هذا كله أن ينتظر حتى يركع أو يسجد أو يرفع أو يخفض أو ينقطع تكبيره في ذلك كله، ثم يتبعه بعد فعل الإمام وبعد انقطاع تكبيره، وليس للسهو هاهنا موضع يعذر به صاحبه، ولم يعذره النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه رضي الله عنهم، ولا أمروه بسجدتي السهو؛ ولكن أمروه بالإعادة، وخوَّفه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحوَّل رأسه رأس حمار إنما لاستخفافه بالصلاة واستهانته بها وصغر خطرها في قلبه، فليحذر جاهل أن يعذر نفسه فيما لا عذر له فيه، فيحمل وزر نفسه فيما لا عذر له فيه، فيحمل وزر نفسه ووزر من يفتيه بحجة داحضة لم يحتج بها أحد من الأبرار.

وقال الشيخ ابن تيمية في جزء 23 في ص 177 - قال في دعاء الاستخارة: يجوز الدعاء في الصلاة وغيرها، وأكثر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل السلام... وقال الشيخ أيضًا في جزء 23 ص338: فإن الصحابة قالوا للمسابق: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت، ومن لم يصلِّ وحده ولا ائتم بإمامه فلا صلاة له؛ فعلى المسابق أن يتوب إلى الله من المسابقة، ومن نَقَرَ الصلاة وترك الطمأنينة - وإن لم ينتهِ - فعلى الناس كلِّ من رآه أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر الذي نهى الله عنه، وإن قام بذلك بعضهم؛ وإلا أثموا كلهم.

ومن كان قادرًا على تعزيره وتأديبه على الوجه المشروع فعلى ذلك، ومن لم يمكنه إلا هجره وكان ذلك مؤثرًا فيه هجره حتى يتوب. والله أعلم.

وقال الشيخ أيضًا في جزء 23 في ص252: ومَن أصر على ترك الصلاة في الجماعة فهذا رجل سوء ينكر عليه ويزجر على ذلك؛ بل يعاقب عليه، وتُردُّ شهادته، وإن قيل أنها سنة مؤكدة، وأما من كان معروفًا بالفسق مضيِّعًا للصلاة فهذا داخل في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ...﴾ الآية، وتجب عقوبته على ذلك بما يدعوه إلى ترك المحرمات وفعل الواجبات، ومن عُرف منه التظاهر بترك الواجبات أو فعل المحرمات فإنه يستحق أن يُهجر ولا يُسلم عليه؛ تعزيرًا له على ذلك حتى يتوب، ومن اعتقد أن الصلاة في بيته أفضل من صلاة الجماعة في مساجد المسلمين فهو ضال مبتدع باتفاق المسلمين؛ فإن صلاة الجماعة إما فرض على الأعيان وإما فرض على الكفاية، والأدلة من الكتاب والسنة واجبة على الأعيان، ومن قال: إنها سنة مؤكدة. ولم يوجبها - فإنه يُذمُّ من داوم على تركها؛ حتى إن من داوم على ترك السنن التي هي دون الجماعة سقطت عدالته عندهم، ولم تقبل شهادته؛ فكيف بمن يداوم على تركها؛ فإنه يؤمر بها باتفاق المسلمين، ويلام على تركها؛ فلا يُمَكَّنُ من حكم ولا شهادة ولا فتيا مع إصراره على ترك السنن الراتبة التي هي دون الجماعة. وقال الشيخ أيضًا في جزء 22 في ص50: ومن يمتنع عن الصلاة الفرض فإنه يستحق العقوبة الغليظة باتفاق أئمة المسلمين؛ بل يجب عند جمهور الأمة كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم - أن يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل؛ بل تاركُ الصلاة شرٌّ من السارق والزاني وشارب الخمر وآكل الحشيشة، ويجب على كل مطاع أن يأمر من يطيعه بالصلاة من له سبع سنين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مروا أبناءكم للصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع». ومن كان عنده عمال وخدم وزوجة وبنات وبنون يأمرهم بالصلاة، وإذا لم يأمرهم فإنه يعاقب الكبير إذا لم يأمرهم، ويعزَّر الكبير تعزيرًا بليغًا؛ لأنه عاصٍ لله ولرسوله بتركهم، ولم يستحق هذا أن يكون من جد المسلمين؛ بل من جد التتار؛ يتكلمون بالشهادتين، ومع هذا فقتالهم واجب بإجماع المسلمين، وكل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة أو الباطنة المعلومة يجب قتالها؛ فلو قالوا: نشهد ولا نصلي. قوتلوا، ولو جحدوا أحد أركان الإسلام قتلوا عليه؛ قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. انتهى.

فاعتنوا عباد الله بصلاتكم؛ فإنها آخر دينكم، وليحذر امرؤٌ أن يظن أنه قد صلى وهو لم يصل؛ فإنه جاء الحديث: «إن الرجل يصلي ستين سنة وما له صلاة». قيل: وكيف ذلك؟ قال: «يتم الركوع ولا يتم السجود ويتم السجود ولا يتم الركوع... ». وجاء الحديث عن حذيفة أنه رأى رجلاً يصلي ولا يتم ركوعه ولا سجوده فقال حذيفة: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين سنة... قال حذيفة: ما صليت، ولو مت لمت على غير الفطرة. وجاء الحديث عن ابن مسعود أنه بينما يحدِّث أصحابه إذ قطع حديثه، فقالوا: مالك يا أبا عبد الرحمن قطعت حديثك؟ قال: إني أرى عجبًا؛ أرى رجلين؛ أما أحدهما فلا ينظر الله إليه، وأما الآخر فلا يقبل الله صلاته. قالوا: من هما؟ قال: أما الذي لا ينظر الله إليه فذلك الذي يمشي يختال في مشيته، وأما الذي لا يتقبل الله صلاته فذلك الذي يصلي ولا يتم ركوعه ولا سجوده...

 وجاء الحديث أن رجلاً دخل المسجد فصلَّى، ثم جلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبي: «صليت يا فلان؟ ». قال: نعم يا رسول الله. قال: «ما صليت قم فأعدها». فأعادها ثم جلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «صليت يا فلان؟ ». قال: نعم يا رسول الله. قال: «ما صليت قم فأعدها». فأعادها، فلما كانت الثالثة والرابعة علَّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف يصلي، فصلَّى كما علَّمه النبي - صلى الله عليه وسلم -... انتهى من كتاب أبي عبد الله أحمد بن حنبل «الرسالة السَّنِيَّة في الصلاة».

فرحم الله امرأً تيقن وأيقن وعلم وعمل وفهم وأفهم وتمسك بالسنة ودعا إليها وفهم البدعة وحذر منها، وصار القرآن والسنة قائدَه وإمامَه، وهديُ النبي - صلى الله عليه وسلم - بضاعتَه وزمامَه، اللهم اسلك بنا صراطك المستقيم، وجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين، واجعلنا من حزبك المفلحين، اللهم نور على أهل القبور من المسلمين قبورهم، اللهم أصلح الأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم أصلح إمام المسلمين واجعله ناصرًا لدينه وارزقه البطانة الصالحة من المسلمين، اللهم صلِّ على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وزد نبيَّنا محمدًا صلاةً وتسليمًا، وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، اللهم احفظنا وإمام المسلمين بحفظك التام، واحرسنا بعينك التي لا تنام يا رب العالمين، واغفر لنا ولكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وصلِّ على محمد وآله وصحبه أجمعين.

القواعد الأربعة


فصل

قال الشيخ رحمه الله:

(بسم الله الرحمن الرحيم

أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر؛ فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.

اعلم أرشدك الله لطاعته؛ أن الحنيفية ملة إبراهيم: أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته فاعلم أن العبادة لا تُسمى عبادةً إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تُسمى صلاةً إلا مع الطهارة؛ فإذا دخل الشرك في العبادة فَسَدَتْ؛ كالحدث إذا دخل في الطهارة.

فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار - عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك؛ لعل اللهَ أن يُخَلِّصَك من هذه الشبكة، وهي الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه).

شـرح

وقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾: أي إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي؛ لا لاحتياجي إليهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إلا ليعبدون: أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا، وهذا اختيار ابن جرير... وقال ابن جريج: إلا ليعرفون. وقال الربيع بن أنس: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾: أي: إلا للعبادة طوعًا وكرهًا. وهذا اختيار ابن جرير... وقال ابن أنس، وقال السدي: من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. وهذا منهم عبادة، وليس ينفعهم مع الشرك عمل... وقال الضحاك: المراد بذلك المؤمنون. انتهى من ابن كثير.

 وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾: أي إذا أمر بأمر فإنه لا يخالَف ولا يمانَع، ثم أخبر تعالى أنه لا يَغْفِرُ أن يُشرَكَ به: أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، ويغفر ما دون ذلك - أي من الذنوب - لمن يشاء: أي من عباده.

قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، وساقه عن عائشة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله؛ فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...﴾ الآية، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فظلم العبد نفسَه فيما بينه وبين الله؛ فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء الله، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فظُلْمُ العباد بعضِهم بعضًا: القصاص لا محالة» تفرد به أحمد.

قال عبد بن حميد في مسنده وساقه عن جابر قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا وجبت له الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا وجبت له النار». تفرد به من هذا الوجه - قال: حدثنا ابن أبي حاتم حدثنا الحسن وساقه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئًا إلا حلَّت لها المغفرة إن شاء الله عذبها وإن شاء غفر لها؛ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء». إلى أن قال: عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تزال المغفرة على العبد من الله ما لم يقع الحجاب». قيل: يا نبي الله، وما الحجاب؟ قال: «الإشراك بالله». قال: «ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئًا إلا حلت لها المغفرة من الله؛ إن الله إن شاء يعذبها، وإن شاء أن يغفر لها. ثم قرأ: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾». انتهى من ابن كثير.

قال الإمام أحمد: حدَّثَنا حسن بن موسى وساقه عن أبي أيوب الأنصاري يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج ذات يوم إليهم فقال لهم: «إن ربَّكم عز وجل خيَّرني بين سبعين ألفًا يدخلون الجنة عفوًا بغير حساب وبين الخبيئة عنده لأمتي». فقال بعض الصحابة: يا رسول الله، يخبئ ذلك ربك؟ فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم خرج وهو يكبر فقال: «إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفًا، والخبيئة عنده». قال أبو رهم: يا أبا أيوب، وما تضمن خبيئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال أبو أيوب: دعوا الرجل عنكم، أخبركم عن خبيئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أظن؛ بل كالمستيقنين أن خبيئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله مصدقًا لسانه قلبُه دخل الجنة... قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر حدثنا عكرمة اليمامي قال: قال لي أبو هريرة: يا يمامي، لا تقولن لرجل: لا يغفر الله لك. أو: لا يدخلك الجنة أبدًا. فقلت: يا أبا هريرة، إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب. قال: لا تقلها؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كان في بني إسرائيل رجلان: أحدهما مجتهد في العبادة، وكان الآخر مسرفًا على نفسه، وكانا متآخين، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على الذنب فيقول: يا هذا أقصر. فيقول: خَلِّني وربي؛ أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رقيبًا؟ إلى أن رآه يومًا على ذنب استعظمه، فقال له: ويحك، أقصر. قال: خَلِّني وربي؛ أبعثتَ عليَّ رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة أبدًا. قال: فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما، واجتمعا عنده، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أكنت عالمًا؟ أكنت على ما في يدي قادرًا؟ اذهبوا به إلى النار». قال: «والذي نفس أبي القاسم بيده، إنه لتَكَلَّم بكلمةٍ أَوْبَقَتْ دنياه وآخرتَه». ورواه أبو داود وغيره. انتهى من ابن كثير. قلت: هذه عثرات اللسان، وكون الشخص ديدنه ليله ونهاره مطلقَ عنانِ لسانه، ولا ينتبه لما أمامه؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وقال الشيخ في كشف الشبهات:

اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده؛ فأَوَّلهم نوح عليه السلام؛ أرسله الله إلى قومه لمَّا غلوا في الصالحين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وآخرُ الرسلِ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين؛ أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله؛ يقولون نريد منهم التقرب إلى الله ونريد شفاعتهم عند الله؛ مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين، فبعث الله إليهم محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محضُ حقِّ الله، لا يصلح منه شيء؛ لا لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهما، وإلا فهؤلاء المشركون مقرون يشهدون أن الله هو الخالق الرازق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو ولا يحيي ولا يميت إلا هو ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره، فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾... وغير ذلك من الآيات.

فإذا تحقَّقْتَ أنهم مقرُّون بهذا، أو أنه لم يدخلهم في التوحيد الذي جحدوه وهو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد؛ كما كانوا يَدْعُون اللهَ ليلاً ونهارًا، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقُرْبِهم من الله ليشفعوا له، أو يدعو رجلاً صالحًا مثل اللات، أو نبيًّا مثل عيسى، وعرفت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وكما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾، وتحققتَ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم؛ ليكون الدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادة كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء يردُّون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك - هو الذي أحل دماءهم وأموالهم عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون.

وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله؛ فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور؛ سواء كان ملكًا أو نبيًّا أو وليًّا أو شجرة أو قبرًا أو جنيًّا؛ لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر؛ فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد؛ فأتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، والمراد من هذه الكلمة معناها؛ لا مجرد لفظِها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى؛ بالتعلق بالله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه؛ فإنه لما قال لهم: قولوا: لا إله إلا الله. قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾؛ فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار؛ بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر؛ فلا خير في رجل، جهَّالُ الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.

وإذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أوَّلِهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا - أفادك فائدتين؛ الأولى الفرح بفضل الله وبرحمته؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، وأفادك أيضًا الخوف العظيم؛ فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل؛ فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله كما ظن المشركون؛ خصوصًا إن ألهمك الله تعالى ما قَصَّ الله عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ...﴾ الآية؛ فحينئذ يعظم خوفُك وحرصُك على ما يخلصك من هذا وأمثاله...انتهى كشف الشبهات.

اللهم نور قلوبنا بالإيمان، وأعذنا من نزغات الشيطان، اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

* * *


فصـل

قال الشيخ رحمه الله:

(القاعدة الأولى: أن تَعْلَمَ أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقرُّون بأن الله تعالى: هو الخالق الرازق المدبر، وأن ذلك لم يُدْخِلْهم في الإسلام.

والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾).

شـرح

قال ابن كثير على هذه الآية: يَحْتجُّ تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانية ربوبيته على وحدانية إلهيته؛ فقال تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض﴾؛ أي: من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر فيشق الأرض شقًّا بقدرته ومشيئته؛ فيخرج منها: ﴿حبًّا وعنبًا وقضبًا وزيتونًا ونخلاً وحدائق غلبا وفاكهة وأَبًّا﴾، ﴿أئلهٌ مع الله﴾، ﴿فسيقولون الله﴾، ﴿أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه﴾، وقوله: ﴿أمن يملك السمع والأبصار﴾: أي الذي وهبكم هذه القوة السامعة والقوة الباصرة، ولو شاء لذهب بها وسلبكم إياها؛ لقوله تعالى: ﴿قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار...﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم...﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾: أي بقدرته العظيمة ومِنَّتِه العميمة، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وأنَّ الآيةَ عامَّةٌ لذلك كله.

 وقوله تعالى: ﴿ومن يدبر الأمر﴾: أي من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقِّبَ لحكمه، ولا يُسْأل عما يَفْعَلُ وهم يسألون: ﴿يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن﴾؛ فالمُلك كلُّه العلوي والسفلي وما فيهما من ملائكة وإنس وجان فقيرون إليه عبيد له خاضعون لديه، وقوله: ﴿فسيقولون الله﴾: أي: هم يعلمون ذلك ويعترفون به، ﴿فقل أفلا تتقون﴾: أي أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم. انتهى من ابن كثير.

وقال الشيخ في كشف الشبهات:

واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيًّا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، وقد يكون لأعداء التوحيد علومٌ كثيرةٌ وكتبٌ وحججٌ؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾.

 قال الشيخ في كشف الشبهات: إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله تعالى لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج؛ فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير سلاحًا لك تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾؛ ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حجج الله وبيِّناته فلا تخف ولا تحزن ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.

والعاميُّ من الموحدين يغلب الألفَ من علماء هؤلاء المشركين؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾؛ فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد مَنَّ الله علينا بكتابه الذي جعله تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين؛ فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما يناقضها ويبين بطلانها؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.

فائدة

ابن آدم، ما أغفلك، وعن الصواب ما أبعدك؛ كأنك بالموت قد فاجأك وملك الموت قد وافاك، فيئس منك الطبيب، وفارقك الحبيب، وتفجع لفقدك كل قريب؛ فوقعت في الحسرة وجفتك العبرة، وبطل منك اللسان بعد الفصاحة والبيان، وأدرجت في الأكفان، وأزعجك عن الأوطان، وصار القبر مأواك وإلى يوم القيامة مثواك، وفارقك الأهل والإخوان، وواقع بهم عنك السلو والنسيان؛ فإن كان لك منزل سكنوه أو كنت ذا مال اقتسموه، فالله الله؛ بادر العمر اليسير والأجل القصير قبل نزول ملك الموت بالهول العظيم الكبير؛ فالموت يقصم الأصلاب ويذل الرقاب ويرد كل مخلوق إلى التراب، ويقرب المؤمن الطائع إلى الجنة وحسن المآب، ويسوق الفاجر العاصي إلى أليم العذاب، فتفكروا في الموت أهل الفناء والذهاب، فابكوا معاشر المذنبين على ساعة لا بد منها؛ أما ترون الموت قد أفنى الأمم الماضية وقتل القرون الخالية وهدم القصور العالية؛ عطل عشارهم وخرب ديارهم وهدم منازلهم وقطع آثارهم وقطف أعمارهم ولم ينفعهم ما جمعوا ولم يحصنوا ما بنوا وصنعوا؛ قد صاروا في القبور رميمًا، ولقوا من الموت والأهوال أمرًا عظيمًا؛ فهذا دليل على أن الموت لا يترك أحدًا من المخلوقين حتى يتوفاهم وينقلهم إلى التراب أجمعين؛ فالله الله عباد الله، اتعظوا بآبائكم وأحبابكم وإخوانكم وجيرانكم وخذوا لأنفسكم حذرها؛ فإن في ذلك بلاغًا لمن تذكر وعبرة لمن تفكر وتبصرة لمن تبصر؛ إخوانكم كانوا بالأمس معكم يأكلون مما تأكلون ويلبسون مما تلبسون، فأصبحوا اليوم وقد صارت القبور لهم بيوتًا وصاروا بين أطباق التراب خفوتًا، قد اقتسمت الوراث أموالهم ونكح العدو أو الصديق نساءهم وأهان العدو أطفالهم، قد هتكت منهم الأستار واستوحشت منهم الديار وتحدثت عنهم الأخبار، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فاحذروا لا تغتروا، واذكروا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾؛ قال ابن كثير: أي يراهم ويفر منهم ويبتعد منهم؛ لأن الهول عظيم والخطب جليل.

قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أيُّ بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت. وتثنى بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين. فتقول له: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به فيقول: يا بني، أي والد كنت لك؟ فيثنى بخير، فيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى؟ فيقول ولده: "يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا؛ يقول الله تعالى: ﴿يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه﴾".

وقوله تعالى: ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾: أي: هو في شغل شاغل عن غيره، قال ابن أبي حاتم وساقه عن ابن عباس - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تحشرون حفاة عراة مشاة غرلاً». قال: فقالت زوجته: يا رسول الله، ننظر أو يرى بعضنا عورة بعض. قال: ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾، أو قال: ما يشغله عن النظر؟ وقال النسائي: أخبرني عمر وابن عثمان وساقه عن عروة عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُعْرَضُ الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً». فقالت عائشة: يا رسول الله فكيف بالعورة؟ فقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. انفرد به النسائي من هذا الوجه.

قال ابن أبي حاتم أيضًا وساقه عن أنس بن مالك قال: سألت عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث فتخبرني أنت به. قال: «إن كان عندي منه علم». قالت: يا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال: «حفاة عراة». ثم انتظرت ساعة فقالت: يا رسول الله كيف يحشر النساء؟ قال: «كذلك حفاة عراة». قالت: واسوءتاه من يوم القيامة. قال: «وعن ذلك؟ »: أي تسألين، إنه قد نزل عليَّ آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون. قالت: أية آية يا نبي الله؟ ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾: أي يكون الناس هنالك فريقين: وجوه مسفرة؛ أي مستنيرة. ﴿ضاحكة مستبشرة﴾: أي مسرورة فرحة من السرور في قلوبهم، قد ظهر البِشْرُ على وجوههم، وهؤلاء هم أهل الجنة، ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾: أي يعلوها وتغشاها قترة؛ أي سواد.

قال ابن أبي حاتم وساقه عن جعفر بن محمد عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُلْجِمُ الكافرَ العرقُ ثم تقع الغبرة على وجوههم». قال: فهو قوله تعالى: ﴿ووجوه يومئذ عليها غبرة﴾، وقال ابن عباس: ﴿ترهقها قترة﴾: أي يغشاها سواد الوجوه، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾: أي الكفرة قلوبهم الفجرة في أعمالهم. قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾. انتهى من ابن كثير.

اللهم إنا نعوذ بك من الشرك والشك والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر وسوء المنقلب في الأهل والولد والمال، اللهم أصلح لنا الأعمال وتوفَّنا على الإيمان، واحفظنا من نزغات الشيطان، واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

فصل

قال الشيخ رحمه الله:

(القاعدة الثانية: أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة.

فدليل القربة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾.

ودليل الشفاعة قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.

والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة.

- فالشفاعة المنفية: ما كانت تُطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.

والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

- والشفاعة المثبتة: هي التي تطلب من الله، والشافع مكرِمٌ بالشفاعة، والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله بعد الإذن كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾).

شـرح

قال ابن كثير على قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم أخبر عز وجل عن عبَّاد الأصنام من المشركين: أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم؛ فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا؛ فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به، نعوذ بالله.

قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: إلا ليقربونا إلى الله زلفى: أي ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به؛ بل أبغضه ونهى عنه؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وأخبر أن الملائكة التي في السموات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيراً.

وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: أي يوم القيامة، ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أي سيفصل بين الخلائق يوم معادهم ويجزي كل عامل بعمله، ﴿ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾.

وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾: أي لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه، ثم بَيَّنَ تعالى أنه لا ولدَ له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى؛ فقال تبارك وتعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ظانين أن تلك الألهة تنفعهم شفاعتها عند الله؛ فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئًا ولا يقع شيء مما يزعمون فيها، ولا يكون هذا أبدًا، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: يأمر تعالى بالإنفاق مما رزقهم في سبيل الخير ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾: يعني يوم القيامة، ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: أي لا يباع أحد من نفسه ولا يفادى بمال لو بذله ولو جاء بملء الأرض ذهبًا، ولا تنفعه خلة أحد؛ يعني صداقته؛ بل ولا نسابته؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ولا شفاعة؛ أي ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره؛ أي ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرًا... وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾، ولم يقل: والظالمون هم الكافرون، وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وكقوله ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾؛ وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل؛ أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة.

كما في حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش فأخر ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع. قال: فَيُحدُّ لي حَدًّا فأدخلهم الجنة». انتهى من ابن كثير.

وقال الشيخ في كشف الشبهات:

وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابًا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا، فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين؛ مجمل ومفصل؛ أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها؛ وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.

وقد صَحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». مثال ذلك: إذا قال لك بعضُ المشركين: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أو أن الشفاعة حق، أو أن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلامًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - يستدل به على باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه: ﴿إن الذين في قلوبهم زيغ﴾ يتركون المحْكَمَ ويتبعون المتشابه، وما ذَكَرْتُه لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأنَّ كفرَهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: هذا أمرٌ محكمٌ بَيِّنٌ لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرتُه لي أيها المشرك من القرآن أو كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخالف كلام الله عز وجل، وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى فلا تستهن به؛ فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.

وأما الجواب المفصل فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه؛ منها قولهم: نحن لا نشرك بالله بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؛ فضلاً عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم فجاوبه بما تقدم وهو أن الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقرون بما ذكرت، ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئًا؛ وإنما أرادوا الجاه والشفاعة؛ واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه.

فإن قال هؤلاء: الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام: كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصنامًا؟ فجاوبه بما تقدم؛ فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ...﴾ الآية، ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، واذكر له قوله تعالى: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، فقل له: أعرفت أن الله كفَّر من قصد الأصنام وكفَّر أيضًا من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

فإن قال الكفار: يريدون منهم، وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء؛ ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم. فالجواب أن هذا قول الكفار؛ سواء بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه وفهمتها فهمًا جيدًا فما بعدها أيسر منها.

فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله. وهذا الالتجاء إليهم، ودعاؤهم ليس بعبادة. فقل له: أنت تقر أن الله افترض عليك إخلاص العبادة لله. فإذا قال: نعم. فقل له: بَيِّنْ لي هذا الذي فرضه الله عليك، وهو إخلاص العبادة لله، وهو حقه عليك. فإن كان لا يعرف العبادةَ ولا أنواعها، فَبَيِّنْها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادةً لله؟ فلا بد أن يقول: نعم، والدعاء مع العبادة؛ بل هو مخ العبادة. فقل له: إذا أقررت أنها عبادة ودعوت الله ليلاً ونهارًا خوفًا وطمعًا ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًّا أو غيره - هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بُدَّ أن يقول: نعم. فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وأطعت الله ونحرت له - هل هذا عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم. فقل له: فإن نحرت لمخلوق نبيٍّ أو جنيٍّ أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر ويقول: نعم. وقل له أيضًا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلابد أن يقول: نعم. فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك؟ وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر؛ ولكن دعوهم والتجئوا إليهم للجاه والشفاعة وهذا ظاهر جدًّا؛ فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها؛ بل هو - صلى الله عليه وسلم - الشافع المشفع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ولا تكون إلا من بعد إذن الله؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ...﴾ الآية؛ فإذا كانت الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا من بعد إذنه ولا يشفع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن الله تعالى إلا لأهل التوحيد - تبين لك أن الشفاعة كلها لله واطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه فيَّ، وأمثال هذا؛ فإن قال: النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطي الشفاعة وأنا أطلب مما أعطاه الله. فالجواب أن الله تعالى أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا فقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾؛ فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك فأطلعه في قوله: ﴿فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾، وأيضًا فإن الأولياء يشفعون؛ أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة؟ فاطلبها منهم، فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه، وإن قلت: لا. بطل قولُك: أعطاه الله الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله.

فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا، حاشا وكلا؛ ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك. فقل له: إذا كنت تقرُّ أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقرُّ أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري، فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يحرمه ولا يبين لنا؟ فإن قال: الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام. فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؛ فهذا أيكذبه القرآن؟ وإن قال: هو مَنْ قَصَدَ خشبة أو حجرًا أو بنية على قبر أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع الله عنا ببركته، أو يعطينا ببركته. فقل له: صدقت. وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها، فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، فهو المطلوب.

نعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن العماء والجهل وعدم البصيرة، اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم نَوِّر قلوبَنا بالإيمان، وأعذنا من نزغات الشيطان، اللهم نَوِّر على أهل القبور من المسلمين قبورَهم، اللهم أصلح الأحياء ويَسِّرْ لهم أمورهم، اللهم أصلح نِيَّاتِنا وذرياتِنا وذراري المسلمين يا رب العالمين، اللهم صل على جميع أنبيائك ورسلك صلاةً وتسليمًا دائمين متتابعين ما دامت السموات والأرض، وزد نبينا محمدًا صلاةً وتسليمًا، وآته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، اللهم صل على محمد وآله وصحبه أجمعين.

فصل

قال الشيخ رحمه الله:

(القاعدة الثالثة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ظهر على أناس متفرقين في عبادتهم؛ منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، وقاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يفرق بينهم.

والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾

ودليل الشمس والقمر قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.

ودليلُ الملائكة قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا...﴾ الآية.

ودليل الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.

ودليل الصالحين قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ...﴾ الآية.

ودليل الأشجار والأحجار قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى...﴾ الآية.

وحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها‏:‏ ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا‏:‏ يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط،الحديث

شـرح

قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.

قال ابن كثير: وروى حماد بن سلمة وساقه عن ابن عمر رضي الله عنهما: فأتاه رجل فقال قوله: ﴿وقاتلوهم...﴾ الآية، قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله، وكذا رواه حمَّاد بن سلمة، فقال ابن عمر: قاتلتُ أنا وأصحابي حتى كان الدين كله لله، وذهب الشرك، ولم تكن فتنة؛ ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. رواهما ابن مردويه وغيره.

وقوله: ﴿ويكون الدين كله لله﴾.

قال الضحاك وابن عباس – قال: يخلص التوحيد لله. وقال الحسن وقتادة وابن جرير: أن يقال: لا إله إلا الله. وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد. انتهى من ابن كثير.

وقوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾.

أي: إنه خلق الليل بظلامه والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفتران، والشمس ونورها وإشراقها، والقمر وضياءه وتقديرَ منازلِه في فلكه، واختلاف سيره في سمائه؛ ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار والجُمَع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق وأوقات العبادات والمعاملات، ثم لما كانت الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي نَبَّه تعالى أنهما مخلوقان عبدان من عبيده تحت قهره وتسخيره فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾؛ أي لا تشركون به؛ فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره؛ فإنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾.

أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله؛ لا نبيٍّ مرسل ولا ملك مقرب، ﴿أيأمركم بالكفر بَعْدَ إذ أنتم مسلمون﴾: أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ومن دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يؤمرون بالإيمان؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، ونظير ذلك كثير في القرآن.

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.

وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد. هكذا قاله قتادة وغيره، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾. قال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا. قال ابن جرير: هذا هو الصواب. وقيل: إن ذلك كائن يوم القيامة. ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.

وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾.

هذا توفيق للتأدّب في الجواب الكامل؛ كما قال ابن أبي حاتم وساقه عن أبي هريرة - قال: يلقي عيسى حجته. ودليل إلقائه حجته أمام الله تعالى قوله: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾. قال أبو هريرة: فأخبر الله سبحانه بقوله: ﴿سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق...﴾ إلى آخر الآية.

وقوله: ﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾.

أي إن كان صَدَرَ مني هذا فقد علمتَه يا رب؛ فإنه لا يخفى عليك شيء فيما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرتُه. ولهذا قال: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب﴾، ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾: أي بإبلاغه؛ أي هذا هو الذي قلت لهم. انتهى من ابن كثير.

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ...﴾.

الآية: قال ابن كثير: روى البخاري وساقه عن أبي معمر عن عبد الله في قوله على هذه الآية – قال: أناس من الجن كانوا يُعبدون فأسلموا. وفي رواية قال: كان أناسٌ من الإنس يعبدون أناسًا من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم.

وقال قتادة عن معبد بن عبد الله، وساقه عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ...﴾ الآية – قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية، وفي رواية عن ابن مسعود: كانوا يعبدون صنفًا من الملائكة يقال لهم: الجن. فذكره، وقال مغيرة عن إبراهيم: كان ابن عباس يقول في هذه الآية: هم عيسى وعزير والشمس والقمر. وقال مجاهد: هم عيسى والعزير والملائكة. واختار ابن جرير قول ابن مسعود وقال: والوسيلة هي القربة؛ كما قال قتادة، ولهذا قال: ﴿أيهم أقرب﴾، وقوله: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾: لا تنفع العبادة إلا بالخوف والرجاء؛ فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات.

 وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾: أي ينبغي أن يحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله عياذًا بالله منه... انتهى من ابن كثير. وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾: وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة وعليها بيت بالطائف له أستار سدنة، وحوله فناء عظيم عند أهل الطائف - وهم ثقيف ومن تابعها - يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش.

قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله فقالوا: اللات. يعنون مؤنثه منه؛ تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا، وحكى ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرؤوا اللات بتشديد التاء، وفسره بأنه كان رجلاً يلت للحجيج في الجاهلية السويق، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقال البخاري: حدثنا مسلم، وساقه عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ – قال: كان اللات رجلًا يلت السويق للحاج. قال ابن جرير: وكذا العزى من العزيز؛ وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف، كانت قريش يعظمونها؛ كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم».

وروى البخاري من حديث الزهري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك. فليتصدق». فهذا محمولٌ على من سبق على لسانه في ذلك، كما كانت ألسنتهم قد اعتادته من زمن الجاهلية، وأما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظِّمونها ويُهِلُّون منها للحج إلى الكعبة.

وروى البخاري عن عائشة نحوه، وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظِّمها العرب؛ كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز؛ وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها.

وقال النسائي: أخبرنا علي بن المنذر وساقه عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات، وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: «ارجع فإنك لم تصنع شيئًا». فرجع، فلما أبصرته السدنة - وهم حجبتها - أمعنوا في الحيل وهم يقولون: يا عزى يا عزى. فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثوا التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: تلك العزى... قال إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني مغيث. قلت: وقد بعث إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب، فهدماها وجعلا مكانها مسجدًا بالطائف.

قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية الشمال بقديد، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها، ويقال عليّ بن أبي طالب، قال: وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة. قلت: وكان يقال لها الكعبة اليمانية، وللكعبة التي بمكة الكعبة الشامية، فبعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرير بن عبد الله البجلي فهدمه... قال: وكانت قيس لطي ومن يليها بجبل طي بين سلمى وأجاء...

 قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه، واصطفى منه سيفين؛ الرسوب والخزم؛ فنفله إياهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهما سيفا علي... قال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له ريام، وذكر أنه كان به كلب أسود، وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه وهدما البيت... انتهى من ابن كثير.

 وحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط... الحديث.

وقال الشيخ في كشف الشبهات:

ويقال له أيضًا: قولك: الشرك عبادة الأصنام. هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعائهم لا يدخل في ذلك؟ فهذا يردُّه ما ذكره الله في كتابه: من تعلَّق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين فلابد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصالحين فهذا هو الشرك المذكور في القرآن، وهذا هو المطلوب؛ نعوذ بالله من ذلك.

وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي. فإن قال: هو عبادة الأصنام. فقل: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي. فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله. فقل: ما معنى عبادة الله؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بيَّنه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئًا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بيَّنَتْ له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان أنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم؛ حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.

فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء، وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله. فإنا لم نقل: عبد القادر ابن الله ولا غير. فالجواب: إن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، والأحد الذي لا نظير له، والصمد المقصود في الحوائج؛ فمن جحد هذا فقد كفر، ولو لم يجحد السورة، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ...﴾ الآية؛ ففرق بين النوعين وجعل كلا منهما كفرًا مستقلًّا؛ وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ ففرق بين كفرين، والدليل على هذا أيضًا أن الذين كفروا بعبادة اللات مع كونه رجلاً صالحًا لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك، وكذلك أيضًا العلماء في جميع المذاهب الأربعة يذكرون في باب حكم المرتد أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا فهو مرتد، ويفرقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح.

وإن قال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: فقل: هذا هو الحق ولكن لا يعبدون. ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله وشركهم معهم، وإلا فالواجب عليك حبهم واتباعهم في الدين والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كراماتهم إلا أهل البدع والضلال، ولا يدعى مع الله أحد؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ فضل غيرهم، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين؛ فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد هو الشرك الذي نزل فيه القرآن وقاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس عليه، فاعلم أن شرك الأولين أخفُّ من شرك أهل زماننا بأمرين: أحدهما أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه - وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعون الله تعالى ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له وينسون ساداتهم - تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا والله المستعان.

الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقرَّبين عند الله؛ إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أحجارًا أو أشجارًا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، والذي يعتقد في الصالح، أو الذي لا يعصي؛ مثل الخشب والحجر - أهون ممن يعتقد فيمن يشاهَد فسقه وفساده ويشهد به، كله شرك بالله نعوذ بالله من ذلك.

اللهم نوِّر قلوبنا بالإيمان وأعذنا من نزغات الشيطان، اللهم اهدنا بهداك ووفقنا لرضاك، اللهم إننا نعوذ بك من الشرك والشك والنفاق وسوء الخلاق ومن الحور بعد الكور، اللهم نور على أهل القبور من المسلمين قبورهم، اللهم أصلح الأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم أصلح إمام المسلمين واجعله ناصر الدين، وارزقه البطانة الصالحة من المسلمين، واغفر لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

* * *


فصل

 قال الشيخ رحمه الله:

(القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركًا من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائمًا في الرخاء والشدة.

والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾...

تمت، وصلى الله على محمد وصحبه).

شـرح

وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ - قال ابن كثير رحمه الله على هذه الآية: كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ...﴾ الآية. وقال ههنا: ﴿نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، وقد ذكر محمد بن إسحاق عن عكرمة بن أبي جهل أنه لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة ذهب فارًّا منها، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة، فقال أهلها: يا قوم أخلصوا لربكم الدعاء؛ فإنه لا ينجي ههنا إلا هو. فقال عكرمة: والله لئن كان لا ينجي في البحر غيره، فإنه لا ينجي في البر أيضًا غيره، اللهم لك علي عهد: لئن خرجت لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رؤوفًا رحيمًا. فكان كذلك... انتهى من ابن كثير.

وقال البغوي على هذه الآية: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾: وخافوا الغرق، ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وتركوا الأصنام، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ هذا خبر عن عنادهم، وإنهم عند الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله عز وجل وحده، فإذا زالت عادوا إلى كفرهم؛ قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتد بهم الريح ألقوها في البحر وقالوا: يا رب يا رب... انتهى من البغوي.

وقال الشيخ في كشف الشبهات:

إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فأصغ سمعك لجوابها وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول - صلى الله عليه وسلم - وينكرون البعث ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ونصدق بالقرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم؛ فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ فالجواب أن لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، ولما لم ينقد أناس في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - للحج أنزل الله في حقهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع وحل دمه وماله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا...﴾ الآية. فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقًّا - زالت هذه الشبه؛ وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا.

ويقال أيضًا: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول في كل شيء وجحد وجوب الصلاة فهو كافر حلال الدم والمال بالإجماع؛ وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله لا يجحد هذا، ولا تختلف المذاهب فيه - أي وجوبه - قد نطق به القرآن كما قدمنا؛ فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله، ما أعجب هذا الجهل.

ويقال أيضًا: هؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤذنون ويصلون، فإن قال: إنهم يقولون أن مسيلمة نبي قلنا: هذا هو المطلوب؛ إذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي - صلى الله عليه وسلم - كفر وحَلَّ دمه وماله ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة؛ فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف أو صحابيًّا إلى رتبة جبار السماوات والأرض؟ سبحان الله، ما أعظم شأنه؛ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

ويقال أيضًا: الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي رضي الله عنه، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما؛ فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم، أتظنون الصحابة يكفرون المسلمين؟ أتظنون الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفر؟

ويقال أيضًا: بنو عبيد القادح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمن بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويدَّعون الإسلام ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنفذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين، ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يكفروا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب: باب حكم المرتد؛ وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعًا كثيرة كلُّ نوع منها يكفر، ويحل دم الرجل وماله، حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزاح واللعب.

ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾، أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يجاهدون معه ويصلون معه ويزكون ويحجون ويوحدون؟ وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ فهؤلاء الذين صرَّح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك قالوا: كلمة. ذكروا أنهم قالوها على وجه المزاح؛ فتأمل هذه الشبهة؛ وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلُّون ويصومون؟ ثم تأمَّل جوابها؛ فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق، ومن الدليل على ذلك أيضًا ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ...﴾ الآية.

وقول أناس من الصحابة: اجعل لنا ذات أنواط. فحلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن هذا مثل قول بني إسرائيل لموسى: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾. ولكن للمشركين شبهة يدلُّون بها عند هذه القصة تفيد أن المسلم - بل العالم - قد يقع في أنواع من الشرك ولا يدري عنها؛ فتفيد التعلم والتحرُّز ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيد فهمناه - أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان، وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد إذا تكلَّم بكلام كفر وهو لا يدري فنُبِّه على ذلك من ساعته - أنَّه لا يُكَفَّر؛ كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات أنواط؛ لأنهم لم يفعلوا، ولو فعلوا لكفروا، وتفيد أيضًا أنه لو لم يكفر فإنه يغلَّظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ولهم شبهة أخرى: يقولون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر على أسامة قَتْلَ من قال: لا إله إلا الله. وقال: أقتلتَه بعد ما قال: لا إله إلا الله، وأحاديث أخرى في الكف عمَّن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يُكفر ولا يقتل، ولو فعل ما فعل؛ فيقال لهؤلاء المشركين الجهال: معلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويدَّعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب، وهؤلاء الجهلة مقرُّون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قالها؛ أي لا إله إلا الله وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها؛ فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئًا من الفروع، وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؛ ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث؛ فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعاه إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾؛ فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت؛ فإن تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل؛ لقوله: ﴿فتبينوا﴾، ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى، وكذلك الحديث الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه: أن من أظهر الإسلام والتوحيد وجب الكف عنه إلا إن تبين منه ما يناقض ذلك، والدليل على هذا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال: أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله. وقال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا "لا إله إلا الله". هو الذي قال في الخوارج: أينما لقيتموهم، لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قتلَ عاد؛ مع كونهم من أكثر الناس عبادةً وتهليلاً؛ حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة؛ فلم تنفعهم "لا إله إلا الله" ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام؛ لمَّا ظهر منهم مخالفة الشريعة، وكذلك أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يغزو بني المصطلق لمَّا أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة؛ حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وكان الرجل كاذبًا عليهم؛ فكل هذا يدل على أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه، ولهم شبهة أخرى؛ وهي ما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى؛ فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.

فالجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه؛ فإن الاستغاثة بالمخلوق على ما يقدر عليه في حياته لا ننكرها؛ كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيرها في الأشياء التي يقدر عليها المخلوق في حياته، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.

إذا ثبت ذلك فالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس؛ حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة؛ أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك، وتقول له: ادع الله لي. كما كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره. بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره؛ فكيف دعاؤه بنفسه - صلى الله عليه وسلم -.

 ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم عليه السلام؛ لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم عليه السلام: أما إليك فلا. قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم. فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى؛ فإن جبريل عَرَضَ عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه بأمر الله؛ فإنه كما قال تعالى فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾؛ فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم عليه السلام في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلاً محتاجًا فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهب له شيئًا يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر حتى يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون.

ولنختم الكلام إن شاء الله بمسألة عظيمة مهمة جدًّا تُفْهَمُ مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها، أو لكثرة الغلط فيها؛ فنقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل؛ فإن اختل شيء من هذا لم يكن مسلمًا؛ فإن عَرَف التوحيد، ولم يعمل به، فهو كافر معاند؛ مثل كفر فرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس؛ يقولون: هذا حق ونحن نفهم هذا أو نشهد أنه الحق ولكن لا نقدر أن نفعله. ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم وغير ذلك من الأعذار ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار؛ كما قال تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا...﴾ الآية. وغير ذلك من الآيات؛ كقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ...﴾ الآية؛ فإن عَمِلَ بالتوحيد عملاً ظاهرًا وهو لا يفهمه أو لا يعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ...﴾ الآية.

وهذه المسألة مسألة كبيرة طويلة تبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس؛ ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنيا أو جاه أو مداراة، وترى من يعمل به ظاهرًا لا باطنًا؛ فإذا سألته عما يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه، ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله: أولهما ما تقدم من قوله تعالى: ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم...﴾ الآية. فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب تبيَّن لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفًا من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد أعظم ممن تكلم بكلمة يمزح بها، والآية الثانية قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان...﴾ الآية. فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًّا بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفًا أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله أو فعله على وجه المزح أو غير ذلك من الأغراض، إلا المكره؛ والآية تدل على هذا من جهتين: الأولى: قوله تعالى: ﴿إلا من أكره﴾؛ فلم يستثن الله إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على العمل أو الكلام، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها، والثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾.

تمت القواعد مع كشف الشبهات. وصلى الله على محمد. انتهى كلام الشيخ في ثلاثة الأصول والقواعد الأربع والشرح عليها، ويليه فصول وفوائد نافعة لتمام الفائدة.

فصل في العبادة والإيمان وضدهما

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله:

أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:

الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه.

 وأدلة هذا في