التأصيل مبدأ وغاية

عمر بن حمود بن فضالة عسيري


 المقدمة

الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه العزيز: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]، فمهما أصابكم أيها الناس من المصائب والمحن، فاعلموا أنها عن سيئات تقدمت لكم، وروي أنه قال - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت هذه الآية: «والذي نفس محمد بيده، ما من خدش عود، ولا اختلاج عرق، ولا عثرة قدم، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر»([1]) وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: دخل عليه بعض أصحابه، وقد كان ابتلي في جسده، فقال له بعضهم: إنا لنبأس لك لما نرى فيك، قال: فلا تبتئس بما ترى؛ فإن ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر ([2]) قيل لأبي سليمان الداراني رحمه الله: ما بال الفضلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ قال: لأنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم([3]).

 انظر إلى كلام هؤلاء الأخيار، عندما تنزل بهم المصائب، يردون اللوم على أنفسهم، ويعترفون بالتقصير والتفريط، مع تقواهم وسابقتهم في الإسلام، ونحن مع إساءتنا وتقصيرنا وكثرة ذنوبنا نعد أنفسنا من المحسنين، فكثير من المسلمين اليوم يشتكون من وقوع الحوادث والنوازل التي تفاجئهم ما بين فينة وأخرى، ونسوا أو تناسوا أن ذلك بأسباب ما قدمت أيديهم من السيئات، لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41] فالله سبحانه وتعالى لم يسلط على العباد من يقهرهم ويذلهم إلا بسبب ذنوبهم التي ارتكبوها، من ترك الأوامر وفعل المناهي، فكان العقاب لهم علامة على سوء أعمالهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: يتعظون ويصلحون أحوالهم وأعمالهم السيئة، فإن كل ما أصاب الناس من المصائب ونكبات في أبدانهم وأموالهم وأولادهم، وفيما يحبون، فإن ذلك كله بأسباب الذنوب والمعاصي التي وقع فيها كثير من الناس، وأعظم الأسباب التي أوقعت الناس في الذنوب والمعاصي من وجهين: إما من جهة الاعتقاد الباطل، وإما من جهة العمل بخلاف الاعتقاد، فالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات، والخلاص من ذلك لا يكون إلا بتقوى الله عز وجل التي أوصى بها الأولين والآخرين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أن اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»([4]) هذه الوصية جامعة شاملة لمن عقلها وعمل بمقتضاها، وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث بين تقوى الرب عز وجل، وحسن الخلق، فتقوى الرب تصلح ما بين العبد وربه، وحسن الخلق يصلح ما بين العبد والخلق، فالتقوى توجب محبة الرب للعبد، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبة العبد؛ فإذا كان الأمر كذلك، فإن أنفع ما للخاصة والعامة العلم الشرعي الذي يخلص النفوس من الورطات والنكبات التي ابتليت بها، ولهذا لا بد من تأصيل المبدأ طلبًا في تحصيل الغاية، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 112] أمر الله سبحانه وتعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المؤمنين أن يستقيموا، فيسلكوا ما شرعه الله، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ونهى عن تجاوز ما حده: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، وحذر من الميل عن طريق الاستقامة: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «قل: آمنت بالله ثم استقم»([5]) قال ابن القيم رحمه الله: فإن كل عمل لا بد له من مبدأ وغاية، فلا يكون العمل طاعة وقربة حتى يكون مصدره عن الإيمان، فيكون الباعث عليه هو الإيمان المحض، لا العادة ولا الهوى ولا طلب المحمدة والجاه وغير ذلك، بل لا بد أن يكون مبدؤه محض الإيمان، وغايته ثواب الله عز وجل ([6])، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بترو من العلم والاتباع، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص، لا ليقال فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي اجتنابها يحتاج إلى معرفتها، ويكون الترك خوفًا من الله، لا ليمدح بتركها، فمن داوم على هذه الوصية فقد فاز ([7])، فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعًا لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يتقدم بين يديه، بل ينظر ما قال، فيكون قوله تبعًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -، وعلمه تبعًا لأمره - صلى الله عليه وسلم -، فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس دينًا غير ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه، نظر فيما قاله الله والرسول - صلى الله عليه وسلم -، فمنه يتعلم، وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر، وبه يستدل، فهذا أصل أهل السنة([8]) فإذا ثبت الأصل في القلب ظهرت ثماره على الجوارح، كالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت، وفرعها في السماء، فثمرها ظاهر وأكلها دائم بإذن الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: 24-25]، فالكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد، والشجرة الطيبة هي المسلم، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحت ورقها» فلما لم يتكلما قال - صلى الله عليه وسلم -: «هي النخلة»([9]) فإذا رسخت كلمة التوحيد في قلب المسلم أثمرت الطاعة والانقياد؛ قولاً وعملاً واعتقادًا.

 إذًا فالمسلم لا بد له من أصل يعتمد عليه، ومن مبدأ يسير عليه، ومن غاية يطلبها، فالأصل هي كلمة التوحيد كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ لما بعثه إلى اليمن «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ...»([10]) فبدأ - صلى الله عليه وسلم - بتأصيل الأصل الذي لا يقبل عمل إلا به ثم ثنى بشرائع الإسلام إذا هم استجابوا لكلمة التوحيد، أما المبدأ فهو: محض الإيمان أي: خالصه، بعد ثبوت أصل التوحيد كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً»([11]) لا شك أن من كانت هذه صفته، فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه، وسهلت عليه الطاعات، ولذت له الأعمال الصالحات، أما الغاية فهي: طلب الثواب من الله عز وجل الذي أخفاه لعباده الطائعين، والذي من أجله وقع العمل، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]، وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»([12]) هذه هي الغاية التي كل مؤمن يطلبها والتي من أجلها حصل العمل، وحيث إن هذه الأمور الثلاثة - التأصيل والمبدأ والغاية - هي أهم أسباب ترسيخ العقيدة الصافية الصحيحة في قلوب المسلمين، فالمسلم الذي ليس له أصل يعتمد عليه، فهو كمن يزرع نخلة في كبوة([13])، فالنخلة طيبة في نفسها، ولكن الأصل الذي وضعت فيه ليس بذاك، فقد تتأثر بالعوامل الطبيعية، وتسقط من تلقاء نفسها أو تجتث، فلا يكون لها قرار، لأن الأصل أساسه فاسد، فأثر على الفرع، فكذلك المسلم إذا لم يكن له أصل ثابت، مبني على أساس قوي، فإن أي شبهة تعرض له تزعزعه، وتأثر فيه، فيرجع عقبًا على رأس، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 109]، فمن كان له أصل ثابت كان مبدؤه مستقيمًا، موصلاً إلى الغاية المحمودة، ومن لم يكن له أصل ثابت كان مبدؤه سقيمًا عقيمًا، ولم يصل به إلى الغاية المحمودة، كما هو حال أهل الأهواء والبدع والشبهات الذين أحدثوا أصولاً بلا أساس، فخالفوا بها ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من صحيح المنقول وصريح المعقول، فعوقبوا بأن حُرموا الوصول، وهذا جزاء من خالف الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد ضمنت هذا الكتاب فصولاً تتحدث عن هذه الأمور، والذي أسميته: (التأصيل مبدأً وغاية)، وهذه التسمية أخذتها من محتوى الكتاب، ليكون الاسم على المسمى، هذا، وأسأل الله تعالى أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأسأله أن ينفع به، وأن يجعله حجة لنا لا علينا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

قاله وكتبه:

عمر بن حمود بن فضالة آل فضالة عسيري

الأحد 13/5/1424هـ مدينة، بريدة.


فصل

 كمال الهداية في فعل الواجبات

قال الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 105]، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين القائل: «من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»([14]) قال ابن أبي حازم رحمه الله: قام أبو بكر رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه أوشك الله أن يعمهم بعقابه»([15]) وعن أبي أمية الشعباني رحمه الله قال:أتيت أبا ثعلبة الخشني رضي الله عنه، فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: أما والله، لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم» قيل: يا رسول الله، أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم»([16]) في هذه الآية وهذه الأحاديث والآثار إشارة صريحة واضحة، بأن الاهتداء الكامل لا يتم إلا بأداء الواجبات، واجتناب المنكرات، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يقوم بغيره من الواجبات، وامتثل ذلك في نفسه، فإنه لا يضره ضلال من ضل.

أقسام الناس في هذا الجانب:

لقد انقسم الناس في هذا الأمر العظيم إلى خمسة أقسام:

القسم الأول: لا يأمرون، ولا ينهون إلا بما يكون تبعًا لأهوائهم، فلا يرضون إلا بما يحبون، ولا يغضبون إلا عندما يخالفون، وهؤلاء شر الأقسام، وهم أصحاب الأهواء والبدع، وإن كان فيهم تعبد وتزهد، فهم جهال بحقيقة الأمر لماذا؟ لأن كثير من العباد والزهاد قد يكون فيهم شعبة من الخوارج أو من المرجئة، وإن كانوا يخالفونهم في شعب أخرى، ولذلك فكل من خرج عن موجب الكتاب والسنة من المنسوبين إلى العلماء والعباد، فإنهم ينسبون إلى أهل الأهواء، لأنه من لم يتبع العلم الصحيح، فقد اتبع هواه، والعلم بالدين الصحيح لا يكون إلا بهداية الله تعالى وتوفيقه أولاً، وإرشاد نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ثانيًا، فمن ابتغى إلى غير ذلك سبيلاً، فقد عصى ربه، واتخذ إله هواه.

القسم الثاني: قوم أصحاب دين وعقيدة صحيحة، يحبون ما يحبه الله، ويبغضون ما يبغضه الله، وهؤلاء هم خير الأقسام، وهم الذين آمنوا بالله تعالى، وعملوا الصالحات، من أمر بمعروف ونهي عن منكر، وهم الموصوفون بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].

القسم الثالث: قوم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ تأويلاً لهذه الآية، بأن الإنسان إذا كان صالحًا في نفسه كفاه ذلك، وهؤلاء حصل منهم تقصير وقصور: تقصير في البحث، وقصور في الفهم، وتأويلهم قريب، نسأل الله أن يعفو عنها وعنهم.

القسم الرابع: قوم يريدون أن يأمروا، وينهوا؛ إما باليد، وإما باللسان مطلقًا من غير فقه، ولا علم، ولا نظر فيما يصلح من ذلك، وما لا يصلح، وهؤلاء وقعوا في الخلل والغلط من ناحية المفهوم الصحيح للأمر والنهي.

القسم الخامس: قوم اجتمع فيهم هذا وذاك، وهم غالب المسلمين، وهؤلاء خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، فكم من الناس من لم يرد خيرًا، ولا شرًا، حتى رأى غيره يفعل ذلك الفعل، من خير أو شر، فاستحسنه منه، لا سيما إذا كان الفاعل من له أتباع، فإن الناس كأسراب القطا، مجبولون على التشبه بعضهم ببعض، وشبيه الشيء منجذب إليه، وهذه صفة سليمي الصدر الغافلين.

أحوال أهل الشهوات:

كثير من أهل المعاصي والمنكرات يحبون من يوافقهم على ما هم فيه، ويغضبون ممن لا يوافقهم وممن ينكر عليهم، وقد وقع في شراك هؤلاء كثير من الغافلين سليمي الصدر، حيث زينوا لهم ارتكاب المعاصي والمنكرات، بعبارات جذابة وأمانٍ كذابة، فجعلوا ذلك ربقًا في أعناقهم، يتصرفون بهم كيف شاؤوا، وهذا أمر ظاهر في أهل الديانات الفاسدة، وأهل الرئاسات الظالمة وأصحاب الشهوات الساقطة، فكثيرًا ما يختار أهلها، ويؤثرون من يوافقهم، ويشاركهم في أمورهم وشهواتهم؛ إما بالموافقة على الاعتقاد الفاسد، أو بالعمل بخلاف الاعتقاد، كما في حال أصحاب الديانات الفاسدة والأهواء الضالة، وإما بالمعاونة والمسايرة كما في أحوال المتغلبين من أصحاب الرئاسات، وإما بالتلذذ والموافقة، كما في حال أهل المعاصي والمنكرات، فهؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم، أو يأمرون من يخالطهم بذلك الفعل، ويستعينون به على ما يريدونه، ومتى شاركهم، وعاونهم، وأطاعهم انتقصوه، واستخفوا به، وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى، وإن لم يشاركهم عادوه وآذوه، وهذه حالة غالب الظالمين القادرين الذين يدعون في الظاهر بأنهم من أهل الصلاح والإصلاح، وأنهم يحبون الإحسان إلى الناس، فكم من رجل نطق بالحق، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وأحسن إلى الناس فيسلط الله عليه من يؤذيه، لسوء قصده وحبه للرئاسة الدينية، فهذا داء خفي سار في نفوس بعض المتعلمين، وفي نفوس بعض الأغنياء والمنفقين، فعلى الإنسان أن يحسن النية، ويفعل الواجبات، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويجتنب المعاصي والمنكرات، حتى يحظى برضا الرب عز وجل، ويكون في زمرة المهتدين الأخيار الذين لا يضرهم ضلال من ضل.


فصل

 التلازم بين الشريعة والعقيدة

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110] قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.

 والعمل الصالح هو الإحسان، وهو فعل الحسنات، وهو ما أمر الله به، والذي أمر الله به هو الذي شرعه الله، وهو الموافق لكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقد أخبر الله تعالى أنه من أخلص قصده لله، وكان محسنًا في عمله، فإنه مستحق للثواب، سالم من العقاب .. وقد روى ابن شاهين واللالكائي عن سعيد بن جبير (أنه) قال: لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة ([17]) وهذا فيه رد على المرجئة الذين يجعلون مجرد القول كافيًا ([18] قلت: وفيه رد على الخوارج أيضًا الذين يجعلون مجرد العمل كافيًا، وكلا الفريقين على غير طريق السلف الصالح، لأنه لا بد من قول وعمل واعتقاد، فالإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وحيث قد شاع عند بعض الناس أن أهل البلد الفلاني أو القطر الفلاني، أصحاب عقيدة صحيحة وطريقة سليمة، فاغتر أولئك بما نسب إليهم من الأقوال، فتساهلوا في الأعمال الصالحة، وارتكبوا بعض المخالفات، لماذا؟ لأنهم كما يزعمون أصحاب عقيدة صحيحة، فاتخذوا من هذه الكلمة سُلمًا يعبرون به إلى التساهل في ترك الواجبات، وارتكاب بعض المخالفات، وهذا جهل عظيم بحقيقة العقيدة الصافية الصحيحة، وأي جهل أعظم من الرضا بالقول دون الفعل. قال أحدهم:

لا ترض بالقول دون الفعل منقبة

فإن ذاك خسيس الحظ نازله

فارجع إلى الله عما فات من زلل

وانهض لتصلح منه ما يقابله

واربح أواخر عمر لا بقاء له

فقد نقضت بخسران أوائله

صفة صاحب العقيدة الصحيحة:

العقيدة الصحيحة إذا قويت في قلب المؤمن، زاد في العمل الصالح، واجتنب المخالفات، وابتعد عنها، أما الذين يدعون أنهم أصحاب عقيدة صحيحة، فلو صحت عقيدتهم لصحت أعمالهم، لأن العمل الصالح إذا ضعف، ضعف الإيمان، وإذا قوي العمل الصالح قوي الإيمان، وعقيدة أهل السنة والجماعة، أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، قال ابن بطال: مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها، أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه([19]) قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124]، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: 82] فالتوبة تكون بالقول والاعتقاد والإيمان يكون بالاعتقاد والقول والعمل الصالح يشتمل على الاعتقاد والقول وعمل الجوارح كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»([20]) وقوله - صلى الله عليه وسلم - لحنظلة رضي الله عنه: «والذي نفسي بيده أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة»([21]) هذه النصوص الصحيحة الصريحة فيها أكبر دلالة على زيادة الإيمان ونقصانه، وبيان ذلك أنه من لم يحصل له الزيادة في الإيمان، فإيمانه ناقص، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: 31] فإذا ترك شيئًا من كمال الإيمان، فهو نقص، أما بيان أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، فكما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: 60] فكلمة لا إله إلا الله من الإيمان، وهي قول باللسان، وإماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، وهي عمل من أعمال البدن، والحياء من الإيمان، وهو اعتقاد من أعمال القلب، وكان السلف الصالح ينكرون قول من يقول: إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان، ومن هذا يُعلم قوة الترابط والتلازم بين عمل الجوارح وعمل القلب، فإذا صدق عمل القلب ظهر ذلك على الجوارح، لأن القلب ملك الجوارح، فإذا صلح صلحت، وإذا فسد فسدت، كما جاء في الحديث الصحيح «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»([22]) فإذا صلحت أعمال القلوب صلحت أعمال الجوارح، وإذا فسدت القلوب فسدت الجوارح.

المجازاة على البواطن:

قد يستطيع أو يحاول الإنسان التصنع والتظاهر بصلاح الأعمال والقلب فاسد مولع بالشهوات الخفية، ولكن من كان حاله هكذا لا بد له من يوم يأتي عليه يظهر فيه ما كان يخفيه، من سوء السرية، وقد لا يظهر ذلك إلا في أصعب الحالات التي تمر بالإنسان، وذلك عند سكرات الموت، فكم من إنسان عاش وظاهره الصلاح، ولكنه يخفي دسيسة سوء، لا يعلم بها الناس، فتظهر تلك الدسيسة السيئة في حال فراقه الدنيا، وإقباله على الآخرة، فتكون تلك هي خاتمة السوء، وفي ذلك عبرة وموعظة لمن كان له قلب سليم، فعلى المسلم ألا يغتر بظواهر الأمور، ويهمل أعمال القلوب، فإن المجازاة إنما تكون على ما تُخفي القلوب، لا على الظواهر والظنون، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9] أي: تظهر وتبدو ويبقى السر علانية والمكنون مشهور، وقال تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: 10] أي: أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم، وقد ذكر أهل العلم أحوال كثير ممن يغترون بالظواهر، ويهملون أعمال البواطن، وكيف كان حالهم عند الاحتضار، فكم من شخص فارق الدنيا، وهو يلهج بالمعاصي التي كان يخفيها عن أعين الناس، فعند الموت بانت الخفايا، فليحذر الإنسان من عاقبة الأمور.

إذا صح الاعتقاد حسن العمل:

العقيدة الصحيحة يا أهل العقيدة، إذا صحت في القلوب صار لها أثر على الجوارح، أما الذين يدعون أنهم أصحاب عقيدة صحيحة، وأنهم متبعون لطريق السلف الصالح، وألسنتهم ولاغة في أعراض المسلمين، من غيبة ونميمة وإفك وافتراء وبهتان، وآذانهم إلى ما حرم الله مصغية، وأبصارهم إلى المحرمات ناظرة، هؤلاء لا شك عندهم نقص في الاعتقاد، ولا يصح أن ينسبوا إلى طريقة السلف الصالح بالإطلاق بل لا بد من القيد، فما حققوه من معتقد أهل السنة والجماعة نسبوا إليه، وينقصون بقدر ما نقصوا من ذلك، وهذا من باب العدل والإنصاف، لأنه يوجد في الناس من يعظمون العمل، ولكنهم في جانب العقيدة ليسوا على شيء، وهؤلاء لهم سلف في الأمة، وهم الخوارج، فهم يعظمون جانب بالعمل، ويهملون جانب العقيدة، كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»([23]) هذه طائفة، وطائفة أخرى يعظمون جانب بالعقيدة كما يعمون، ويهملون جانب بالعمل، وهؤلاء لو صح منهم الاعتقاد، لصح منهم العمل، لأن الاعتقاد والعمل قرينان متلازمان، لا يقبل من أحدهما دون الآخر، وأصحاب هذا المنهج هم المرجئة، ومن حذا حذوهم، حيث يقولون: إنه لا يضر ذنب مع إيمان، فسهل لهم هذا الاعتقاد الفاسد ارتكاب المعاصي والمنكرات والتهاون في الحقوق والواجبات.

الدعاوى لها علامات:

وهناك طائفة ثالثة يقولون: نحن على العقيدة الصحيحة، عقيدة أهل السنة والجماعة، ولكن إذا رأيت أعمالهم لم تجدها من أعمال السلف الصالح، وإذا رأيت أخلاقهم لم تجدها من أخلاق السلف الصالح، وأهل السنة والجماعة يذكرون في عقائدهم فصلاً مستقلاً، يبينون فيه محاسن الأعمال ومكارم الأخلاق، يذكرون فيه ما كان عليه السلف الصالح من محاسن الأعمال ومكارم الأخلاق، قال ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر أصول أهل السنة والجماعة: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة ... ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال([24] فالمعروف هو: كل ما يحسن في الشرع، وهو اسم لكل خير، ومحبوب ومرغوب فيه عند أصحاب النفوس السليمة، والمنكر هو: كل ما خرج عن طاعة الله ومتابعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل، وهو اسم لكل شر تنكره النفوس الأبية، وتنفر منه الطباع الزكية، ومكارم الأخلاق هي الخصال التي يحبها الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد حث عليها الكتاب والسنة، ورغب فيها، كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34] وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا المؤطئون أكنافًا الذين يألفون، ويؤلفون، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة، الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون»([25]) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق»([26] والخلق هو: صورة الإنسان الباطنة، لأن كل إنسان له صورتان، صورة ظاهرة وهي: شكل خلقته التي جعل الله البدن عليها، وصورة باطنة وهي: حالة للنفس راسخة في القلب تصدر منها الأفعال من خير وشر، فالأولى تدرك بالنظر إليها، والثانية تدرك بالمخالطة والمعاملة، والكل منها منه الحسن الجميل ومنه السيء القبيح، ومكارم الأخلاق تحبها النفوس، ويمتدح فاعلها، وتُسمى معالي الأمور، لأنه لا يفعلها إلا أهل الكرم وأصحاب الهمم العالية، ومن مكارم الأخلاق طلاقة الوجه والتبسم عند اللقاء، ونفع المسلمين والسعي في حوائجهم وتفريج الكرب والكلمة الطيبة، الحاصل أن محاسن الأعمال ومكارم الأخلاق، تدعو إلى فعل كل حسن جميل، وتنهى عن كل فعل سيء قبيح، والمؤمن يفعل ذلك طاعة لله عز وجل ومتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وغير المسلم يفعل ذلك حبًا في المدح وخوفًا من الذم.

التباس الحق بالباطل:

اعلم أن: جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين: أن يُراد بها وجه الله، وأن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال، في الكلم الطيب والعمل الصالح، في الأمور العلمية والأمور العملية.. ومن هنا يتبين لك ما وقع فيه كثير من أهل العلم والمقال، وأهل العبادة والحال، وأهل الحرب والقتال، من لبس الحق بالباطل في كثير من الأصول، فكثير ما يقول هؤلاء من الأقوال ما هو خلاف الكتاب والسنة.. وكثير ما يتعبد هؤلاء بعبادات لم يأمر الله بها، بل قد نهى عنها أو ما يتضمن مشروعًا ومحظورًا، وكثيرًا ما يقاتل هؤلاء قتالاً مخالفًا للقتال المأمور به، أو متضمنًا لمأمور ومحظور، ثم كل من الأقسام الثلاثة: المأمور به، والمحظور، والمشتمل على الأمرين، قد يكون لصاحبه نية حسنة، وقد يكون متبعًا لهواه، وقد يجتمع له هذا وهذا.. وهذا كله من لبس الحق بالباطل، وخلط عمل صالح وآخر سيء([27] ومن هذا يُعلم أن حب طريقة السلف الصالح لها شواهد وهي: لزوم محجتهم مع استقامة قلب، وصحة علم، وصدق لسان، وحسن سريرة، في أمور الدنيا والآخرة، كما كان القوم عليه في هذه الأحوال، وهذا هو الذي يحقق صدق الدعوى لمحبتهم، والتمسك بطريقتهم، فإذا صحت من الإنسان، وفيه هذه الخصال كصحتها منهم وفيهم، كان صادقًا في حبه لهم، وإن كان مدعيًا لحبهم، وهو مخالف لطريقتهم، ومائل عن سبيل الاستقامة التي كانوا عليها، فهو كاذب في دعواه، متبعًا لهواه، فيا مدعي الصلاح والاستقامة لا تجمع على نفسك مخالفة طريق الصالحين، ودعوى إنك على سبيلهم، فمتى فعلت ذلك صح فيك جهل وكذب، جهل لحقيقة الأمر الذي هم عليه، وكذب في دعواك أنك محب للصالحين، لأن من صحت معرفته، وصدق حبه لقوم اتبع طريقهم، وحقق ذلك اعتقادًا وقولاً وعملاً، أما الدعوى بالأقوال الخالية من الأعمال والمخالفة للأفعال، فإن صاحبها قد عرض نفسه لمقت الرحمن، الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.


فصل

 أثر العلم على الأمن والإيمان

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83].

قيل: إن هذه الآية (نزلت) في المنافقين، وهم الذين كانوا يذيعون بمسائل الأمن والخوف ونحوها، مما ينبغي أن يترك لأهله، وقيل: هم ضعفاء المؤمنين.. ويجوز أن يكون الكلام في جمهور المسلمين من غير تعيين لعموم العبرة، ومن خبر أحوال الناس يعلم أن الإذاعة بمثل أحوال الأمن والخوف، لا تكون من دأب المنافقين خاصة، بل هي مما يلغط به أكثر الناس، وإنما تختلف النيات، فالمنافق قد يذيع ما يذيعه لأجل الضرر، وضعيف الإيمان قد يذيع ما يرى فيه الشبهة.. وأما غيرهما من عامة الناس فكثيرًا ما يولعون بهذه الأمور، لمحض الرغبة في ابتلاء أخبارها، وكشف أسرارها، أو لما عساه ينالهم منها، فخوض العامة في السياسة([28])، وأمور الحرب والسلم والأمن والخوف، أمر معتاد، وهو ضار جدًا، إذا اشغلوا به عملهم، ويكون ضرره أشد إذا وقفوا على أسرار ذلك وأذاعوا به ([29])، فلامهم الله، وعلمهم أن ينهوا الأمر إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجلة أصحابه قبل إشاعته؛ ليعلموا كنه الخبر وحاله من الصدق أو الكذب، ويأخذوا لكل حالة حيطتها، فيُسلم المؤمن من مكر المنافقين الذين قصدوه (حيث) كان المنافقون يختلقون الأخبار من الأمن أو الخوف، وهي مخالفة للواقع، ليظن المسلمون الأمن حين الخوف، فلا يأخذوا حذرهم، أو الخوف حين الأمن، فتضطرب أمورهم، وتختل أحوال اجتماعهم، فكان دهماء المسلمين إذا سمعوا ذلك من المنافقين راج عندهم، فأذاعوا به، فتم للمنافقين الدست وتمشت المكيدة([30]).

إسناد الأمر إلى أهله:

ومعنى الآية واضح جلي، وهو أن بعض المسلمين من الضعفاء أو المنافقين أو العامة مطلقًا يخوضون في أمر الأمن والخوف يذيعون ما يصل إليهم منه على ما في الإذاعة به من الضرر، والواجب تفويض مثل هذه الأمور العامة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلى أولي الأمر من أهل الحل والعقد، ورجال الشورى؛ لأنهم هم الذين يستخرجون خفايا هذه الأمور، ويعرفون مصلحة الأمة، وما ينبغي إذاعته، وما لا ينبغي([31])، وفي الآية الإنكار على من يبادر بنشر كل خبر يتلقاه قبل التحقق من صحته، سواء كان ذلك الخبر مما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو ما يتعلق بالخوف الذي به مصيبة المؤمنين.

قاعدة مهمة يجب التنبه لها:

هذه قاعدة مهمة يجب التنبه لها وهي: (إنه إذا حصل أمر من الأمور المهمة المتعلقة بمصالح البلاد والعباد، فإنه يجب الرجوع في ذلك إلى ولاة الأمر من العلماء والأمراء، فالعلماء يبينون أحكام الشرع، وما ينبغي اتخاذه لدفع الشر والفساد عن البلاد والعباد، ويبينون أسباب استقرار الأمن وإزالة الخوف، والأمراء ينفذون أوامر الشرع فيمن تصدر في حقهم الأحكام، وبذلك يتحقق الأمن والإيمان).

التلازم بين الأمن والإيمان:

من هذه القاعدة يتبين لك مكانة العلماء والأمراء، فمتى وجدت قوة إيمانية وقوة سلطانية تحقق الإيمان الكامل والأمن التام، لأنه لا يمكن أن يتحقق كمال الإيمان إلا بالأمن التام، والأمن والإيمان لا يتحقق إلا بالعلم الشرعي، ومن هذا يتضح أثر العلم على الأمن والإيمان، إذ لا إيمان إلا بعلم، ولا أمن إلا بإيمان، فحفظ شريعة الإيمان من جهة العلماء، وحفظ أمن البلاد من جهة الحكام، فالعلماء والحكام هم ولاة الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم مقرونة مع طاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] فبهذه الطاعة يغرس الإيمان في القلوب، ويستقر الأمن في البلاد، وإذا تأملنا أحوال الدول والشعوب التي لم تمتثل لهذه الطاعة، وجدنا أن الأمن فيها مفقود مع وجود قوة السيطرة والتسلط، وهذا دليل على قوة التلازم بين الأمن والإيمان.

العلماء سراجًا للعباد:

لقد أمر الله سبحانه وتعالى الجهال بسؤال أهل العلم والرجوع إليهم في حال الحوادث والنوازل، وكل ما يحتاج إليه المسلم من أمور دينه ودنياه، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ أن كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] وقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعض أصحابه أشد الإنكار عندما أفتوا في الدين بلا علم، وذلك عندما أصاب أحد الصحابة جنابة، وبه جراحات فأفتوه بأن يغتسل، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: «قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال»([32]).

 في هذا الحديث من العلم إنه عابهم بالفتوى بغير علم، وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم، وجعلهم في الإثم قتلة له([33])، فإذا كان هذا الإنكار من الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الصحابة الأخيار، أهل السابقة في العلم والإيمان، فالإنكار على من هو أقل منهم علمًا وإيمانًا من باب أولى، وهنا يتبين الفرق بين العلماء والجهال، وقد أشار الله عز وجل إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9] هذا استفهام استنكاري، أي: أنه لا يستوي العالم بدين الله عز وجل والجاهل بذلك؛ فالعلماء أصحاب عقول زكية ذكية، نظروا إلى عواقب الأمور، فآثروا العلم على الجهل، والطاعة على المخالفة، بخلاف الجهال الذين لم ينظروا إلى عواقب الأمور، فوقعوا في المخالفة، وجانبوا الطاعة، إذًا فالعلم هو الطريق الموصل إلى الإيمان والعمل الصالح، والعلماء هم الذين يخشون ربهم؛ لأن معرفتهم بالله زادتهم خشية، قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»([34])، فلما أراد الله (بالعلماء) خيرًا فقههم في الدين، وعلمهم الكتاب والحكمة، وصاروا سراجًا للعباد ومنارًا للبلاد([35]).

الفرق بين العلماء والمتعالمين:

العلماء الربانيون حقًا هم الذين يعلمون الناس شريعة ربهم، وماذا أراد منهم، وحيث قد تشبه بالعلماء من ليس منهم، فتجد من يتشبه بهم في المظهر والمنظر، والمقال والفعال، وإذا تأملت حالهم وجدتهم مخالفين لهم في النصيحة للعباد، وإرادة الحق، والتميز بين هؤلاء وأولئك يتبين فيما يأتي بيانه:

 أولاً: العلم ليس بكثرة الرواية، وسعة الهذر، وكثرة السرد، وإنما العلم نور يقذفه الله في قلوب من يشاء من عباده، فيحصل بذلك الفقه في الدين الذي يدعو إلى الخشية والطاعة، وينهى عن الغفلة والمخالفة، هذا هو العلم الشرعي الذي أمر الله تعالى بتعلمه بقوله عز وجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]؛ فبدأ بالعلم قبل العمل، وقد بوب البخاري في صحيحه في كتاب العلم باب: العلم قبل القول والعمل.

 ثانيًا: أن كثيرا من العامة والجهال، يظنون أن القراء والوعاظ والخطباء والمتعالمين هم العلماء الذين يجب الرجوع إليهم عند النوازل والحوادث والفتن، وهذا خطأ فادح وقع فيه كثير من الناس، فحصل الخلل والتخبيط، والشطط والتضليل لماذا؟ لأنه ليس كل من حمل العلم عالمًا، بل قد يحمله من ليس من أهله، كما جاء في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5] وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «... فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه»([36]) هذه النصوص الصحيحة الصريحة فيها بيان للناس بأن ليس كل من حمل العلم كان عالمًا، وإنما العلم الحقيقي هو: ما وقر في القلب، وظهرت ثمراته على الجوارح: قولاً وفعلاً واعتقادًا في العبادات والمعاملات والأخلاق والآداب الظاهرة والباطنة.

 ثالثًا: أن الذين اهتموا بحفظ المسائل وكثرة الرواية، دون تبصر ودراية، فهؤلاء الصنف من الناس إنما يستفتون بالشكل والمظاهر، لا بالفضل والمخابر، فاغتروا بكثرة العكوف عليهم ومسارعة أجهل الناس إليهم، فدعاهم ذلك إلى الجراءة على الإفتاء والتصدر للتدريس، وهم غير أهل لذلك، ومن هذا الباب استحقوا اسم الذم، فالذين تعلموا العلم ليقال لهم علماء، ولم يعلموا حقيقة العلم، وما يدعون إليه، فهم كما شبههم الله تعالى بالحمار الذي يحمل الأثقال على ظهره، ولا يعلم حقيقة ما يحمله، قال قائلهم:

فلو لبس الحمار ثياب غز = لقال الناس: يا لك من حمار

العلماء ثلاثة أقسام:

قال أبو مسلم الخولاني رحمه الله: العلماء ثلاثة: رجل عاش بعلمه، وعاش به الناس، ورجل عاش بعلمه، ولم يعش به الناس، ورجل عاش الناس بعلمه، وهلك هو([37]). وقد أجاد وأفاد عبد الملك الحريري الوزير عندما قال: ([38])

والعلم ليس بنافع أربابه = ما لم يفد عملاً وحسن تبصر سيان عندي علم من لم يستفد = عملاً به وصلاة من لم يتطهر فاعمل بعلمك توفَّ نفسك وزنها=لا ترضى بالتضييع وزن المخسر

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا حملة العلم، اعملوا به، فإنما العالم من علم ثم عمل، ووافق عملُه علمَه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حلقًا، فيباهي بعضهم بعضًا، حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله عز وجل([39]).

 في قول علي رضي الله عنه: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] قال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله، فإذا كان كلام طيب وعمل سيء رد القول على العمل، وكان عملك ألحق بك من قولك([40] وقال سفيان ابن عُيينة رحمه الله تعالى: كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله، وعالم بأمر الله، وعالم بالله وبأمر الله، فأما العالم بالله فهو يخاف الله، ولا يعلم السنة، وأما العالم بأمر الله فهو الذي يعلم السنة، ولا يخاف الله، وأما العالم بالله وبأمر الله، فهو الذي يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات([41]).

ما هي حقيقة العلم:

اعلم أن حقيقة العلم تنحصر في أمرين: الأمر الأول: المعرفة، والأمر الثاني: الخشية، فمن كان أعرف بالله كان أشد خشية له، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ أن اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28] كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن الفقه ليس بكثرة السرد وسعة الهذر، وكثرة الرواية، إنما الفقه خشية الله عز وجل ([42]). قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلاً ([43])، وأنشد عبد الله بن أحمد ابن حنبل عن أبيه رحمهما الله هذه الأبيات([44]):

دين النبي محمد أخبارًا

نعم المطية للفتى آثارًا

لا ترغبن عن الحديث وآله

فالرأي ليل والحديث نهارا

ولربما جهل الفتى أثر الهدى

والشمس بازغة لها أنوارا

وقال آخر:

إذا اتضح الصواب فلا تدعه = فإنك كلما ذقت الصوابا

وجدت له على اللهوات بردًا = كبرد الماء حين صفا وطابا

وليس بحاكم من لا يبالي = أأخطاء في الحكومة أم أصابا


فصل

 المداهنة من صفات المشركين

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9] أراد المشركون من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يوافقهم على ما هم عليه من الباطل، إما بالقول، وإما بالفعل، وإما بالسكوت عما يتعين فيه الكلام، وهذه هي المداهنة التي برأ الله عز وجل منها نبيه - صلى الله عليه وسلم - فالمداهنة لا تخرج من هذه الأمور الثلاثة، قول أو فعل أو سكوت، والمداهنة هي: أن ترى منكر تقدر على دفعه، ولم تدفعه حفظًا لجانب مرتكبه، أو جانب غيره، أو لقلة مبالاة في الدين، وقد ظن من لم يؤتَ حظًا من الفقه في الدين أن المداراة هي المداهنة، وهذا غلط فاحش، فإن المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وسل السخيمة، وهي مندوب إليها، ومرغب فيها، أما المداهنة فهي من أخلاق المشركين والمنافقين، اشتق اسمها من الدهان الذي يظهر على ظواهر الأشياء، ويستر بواطنها، فالمداهن يلقى الفاسق المظهر لفسقه، فيألفه ويؤاكله، ويشاربه، ويرى أفعاله المنكرة، ويرضى بها، ولا ينكرها عليه.

الخلط بين المداراة والمداهنة:

المداهنة داء خطير، وقد أصيب بهذا الداء الخفي كثير من الناس، اتخذوه سلمًا للصعود إلى مآربهم، فتجد أحدهم يداهن، ويبالغ في ذلك من أجل أن يحظى بمكانه عند رؤسائه وقرنائه وجلسائه، فيوافقهم على ما أرادوا؛ إما بالقول، وإما بالفعل، وأقل أحواله السكوت عندما يتعين في حقه الكلام، وحيث إن هذا الأمر الخطير قد وقع فيه بعض من يدعون الصلاح والاستقامة، وينتسبون إلى أهل العلم والفقه، وهؤلاء قد يكون قصدهم حسن، ظنًا بأن هذا من باب المداراة المندوب إليها، قال أبو بكر الطرطوشي: من دارى سلم، ومن داهن أثم، وهذا باب اختلط على معظم الخلق، فداهنوا، وهم يحسبون أنهم يدارون، واعلم أنه إذا سقمت ([45]) المداراة صارت مداهنة([46]) وهناك قسم آخر، وهم الذين اتبعوا الهوى حبًا في المدح والثناء، وطلبًا للحظوة عند من يخالطونهم، فلا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، وإن أمروا ونهوا أمروا بالمسموح، ونهوا عن الممنوع؛ نظامًا أو قانونًا، لا شرعًا وعقيدة، وهذا أمر خطير ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] أي: عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان، فليحذر وليخشَ من مخالفة شريعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - باطنًا وظاهرًا([47])، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»([48]) فمن ترك الإنكار بمراتبه الثلاث فقد وقع في المداهنة، قد يقول قائل: أنا لا أستطيع الإنكار في بعض الأحيان باليد، ولا باللسان، فهل يسقط عنه الإنكار؟ الإنكار بالقلب لا يسقط عن أحد من المسلمين، وعلامة الإنكار بالقلب بحيث يعرف أثر ذلك على وجهه، ويفارق المكان الذي فيه المنكر، أما إذا كان لا يقدر على مفارقة المكان لسبب من الأسباب، فيكفيه الإنكار بالقلب، وإظهار عدم رضاه بذلك المنكر، لأن هذا هو الذي يستطيعه، فيكون معذورًا مأجورًا، أما الذي يترك الإنكار بمراتبه الثلاث مع استطاعته، حفاظًا على جانبه أو جانب غيره، ولم يُحرَّك منه ساكنًا، فقد وقع في المداهنة المحرمة المنهي عنها.

شر الناس ذو الوجهين:

أن حال الكثير من الناس في هذا الزمان هو المداهنة، لماذا؟ لأن الغالب عند الناس حب أن يحمدوا ويؤلفوا، ولو يكون ذلك على حساب الدين، ومتى حُمد الإنسان في جميع أحواله وعند جلسائه وجيرانه، فاعلم إنه مداهن، لماذا؟ لأن ذلك متعذر في حق الصالحين، أما إذا كان الإنسان كالحرباء مع الصالحين صالح ومع المنافقين منافق، ومع كل صنف من البشر حسب ما يتطلبه هواه، فهذا شر الناس، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «تجدون من شرار الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه»([49]) لأنه نفاق محض، وكذب وخداع، وتحيل على إطلاعه على أسرار الطائفتين، وهو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، ويظهر لها أنه منها في خير أو شر، وهي مداهنة محرمة([50])، وقد يسمي هذه الطريقة بعض الجهال دبلوماسية لاكتساب قلوب الناس، ولو كان أحد من الصالحين بعد الأنبياء يحب في جميع أحواله، وبين أقرانه وجلسائه، لكان أولى بذلك الصحابة الأطهار رضي الله عنهم والتابعين الأخيار رحمهم الله، ولذلك يروى أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله عمر يقول الحق، وإن كان مرًا تركه الحق وما له من صديق»([51]). قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إذا رأيت الرجل محببًا في جيرانه، محمودًا عند إخوانه، فاعلم أنه مداهن ([52]). وقال سفيان الثوري رحمه الله: إذا أثنى على الرجل جيرانه أجمعون، فهو رجل سوء، لأنه ربما رآهم يعصون، فلا ينكر، ويلقاهم ببشر ([53]).


فصل

 الدعاء للأهل والولد سبب للهداية

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74] أي: يا رب، اجعل لنا من أزواجنا وأولادنا أهل طاعة، تقربهم أعيننا في الدنيا بصلاحهم، وفي الآخرة بدخولهم الجنة، هذا هو حال المؤمنين مع أهليهم، فالإنسان إذا منّ الله عليه بالهداية، فإنه يحب أن يرى أهله وولده يشاركونه في هذه السعادة، لتقر عينه بهم في الدنيا والآخرة، وأي شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وولده، وهم يشاركونه في طاعة الله عز وجل؟ وقرة العين هي: أن تصادف العين ما يرضيها فتقر على النظر إليه دون غيره، فالدعاء للأهل والولد من أسباب الهداية والصلاح، وهذا هو مبدأ عباد الله الصالحين، فاحرص أن تكون منهم.

احذر الدعاء بالشر حال الغضب:

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11] يخبر الله عز وجل من عجلة الإنسان ودعاءه في بعض الأحيان على نفسه وولده وماله بالشر، أي: يدعو بالموت والهلاك والدمار، ونحو ذلك، فلو استجاب الله له دعاءه بالشر في حال غضبه واستعجاله، لهلك بأسباب ذلك، وكان من النادمين، والذي يحمل الإنسان على الدعاء بالشر، هو القلق والضجر الذي يحصل من المتاعب والمشاق بأسباب الأولاد والأهل والمال، ولعجلة الإنسان وجهله حقيقة العواقب المترتبة على ذلك، فتجده يبادر بالدعاء بالشر على نفسه وأولاده وماله، في حالة الغضب، ولكن الله سبحانه وتعالى بلطفه ورحمته لا يعجل الاستجابة للإنسان بالشر لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: 11]. يخبر الله عز وجل عن حلمه ولطفه بعباده، وأنه لا يعجل للناس دعاءهم بالشر في حال ضجرهم وغضبهم، لأنه سبحانه يعلم منهم عدم قصد الشر، فلذلك لا يستجيب لهم والحالة هذه؛ لطفًا ورحمة منه، ولو استجاب الله لهم كلما دعوه بالشر لأهلكهم، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله وولده لعنكم الله، ولا بارك الله فيكم ([54]) وقال مجاهد هذه الآية نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده، إذا غضب (يقول): اللهم، أهلكه، اللهم، لا تبارك فيه والعنه أو نحو هذا، فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب في الخير لقُضي إليهم أجلهم (أي: لقضى عليهم بالموت والهلاك) فالآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في بعض الناس، يدعون في الخير، فيريدون تعجيل الإجابة، ثم يحملهم أحيانًا سوء الخلق على الدعاء في الشر، فلو تعجل لهم لهلكوا ([55]).

ماذا يجب على الإنسان حال الغضب:

يجب على المسلم أن يضبط نفسه في حالة الغضب على الأولاد والأهل، ولا يستعجل بالدعاء بالشر عليهم، فربما صادفت دعوته عليهم ساعة إجابة، فيكون بذلك تسبب في تعاستهم وهلاكهم، وهو لا يرغب في ذلك، وقد جاء في الحديث «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده»([56]) والقصد بالولد هنا: الأب والأم، والقصص في ذلك كثيرة مشهورة منها على سبيل المثال: قصة جريج أحد عباد بني إسرائيل، عندما دعت عليه أمه بقوله: اللهم، لا تمته حتى تريه المومسة (أي الزانية)، ولو دعت عليه أن يفتتن لافتتن ([57])، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدعاء على النفس والمال والولد، خشية أن يوافق ساعة إجابة فيقع، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم»([58]). صحيح أن بعض الناس إذا غضبوا على الأهل والمال والولد، يفقدون السيطرة على تصرفاتهم من أقوال وأفعال، فربما دعا أحدهم بالشر على الأولاد والأهل لو استجيب له لهلكوا ولأضره ذلك ولحقه بسببه غاية الضرر، وكم من إنسان دعا على أهله وولده بالشر فعندما حدث لهم الضرر، أصبح يتجرع مرارة الألم الذي يعتصر قلبه طول حياته، وربما تمنى أن ما أصابهم أصابه هو من الشفقة والرحمة بهم، وهذا واقع ومشاهد.

سُبل النجاة والسلامة:

اعلم أن طريق السلامة والخلاص من هذا الخلق الذميم تكون في ثلاثة أمور:

 الأمر الأول: الخوف من الله عز وجل، ويعلم كل إنسان أن أولاده وأهله أمانة في عنقه، يُسأل عنهم يوم القيامة، فليتق الله فيهم، فلا يدعو عليهم بالشر، بل يجتهد في الدعاء لهم بالهداية والصلاح، فإن هدايتهم وصلاحهم ينتفع بها الوالد بعد موته، كما جاء في الحديث «إذا مات الإنسان انقطع عن عمله إلا من ثلاثة، وذكر منها ولد صالح يدعو له»([59]) فعلى الإنسان أن يحرص على أن يكون له أولاد صالحين يدعون له بعد مماته.

 الأمر الثاني: إذا صدرت أخطاء من الأولاد والأهل، وهذا لا بد منه، فليعالج الأمر بما يتناسب مع حال المخطئ، إما بالهجر وإما بالزجر وإما بالضرب، وإما بأي وسيلة من وسائل التأديب التي يكون بها صلاح المخطئ مع الأخذ بالاعتبار بأن هذه الوسائل الإصلاحية إنما القصد منها التأديب، لا التعذيب، فلا يكون الضرب إلا بعد استنفاذ جميع وسائل التأديب، ويكون الضرب بقدر الحاجة، دون التجاوز، ويتجنب الوجه، ولا يقبح، ولا يحقر، بل يرشد المخطئ بأن هذا الجزاء لسوء تصرفه، طلبًا في استقامته، وبهذا يصلح الأهل والولد.

 الأمر الثالث: على الإنسان أن يكون قدوة حسنة لأهله وولده، في الأقوال والأفعال، فلا يأمرهم بفعل وهو تاركه، ولا ينهاهم عن أمر وهو فاعله، فإن هذا تناقض، فلا يُقبل منه، وإن قُبل لقوة بأسه وشدة جأشه كان ذلك في حضوره، وإذا غاب عاد الأمر كما كان، والسبب أن تأثير الأفعال أقوى في القبول من تأثير الأقوال.

حافظ على الأمانة:

أيها الراعي حافظ على الأمانة التي كلفك الله بالمحافظة عليها، واجعل هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث الشريف نصب عينيك، في كل أحوالك مع أولادك وأهلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ...»([60]) فالرعية أمانة تلزم من استُرعِى عليها، والراعي هو المحافظ والمؤتمن والملتزم بصلاح ما قام عليه، مما هو تحت يده ونظره، فيكون مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحة في أمور دينه ودنياه.



([1]) ذكره ابن كثير في التفسير عن الحسن البصري مرسلاً.

([2]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ج2، ص126.

([3]) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي.

([4]) أخرجه أحمد والترمذي عن معاذ بن جبل وأبي ذر رضي الله عنهم.

([5]) أخرجه أحمد ومسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي.

([6]) الرسالة التبوكية لابن القيم الجوزية.

([7]) سير أعلام النبلاء للذهبي، ج4ص601 ترجمة طلق بن حبيب العنزي.

([8]) الفرقان بين الحق والباطل لشيخ الإسلام ابن تيمية, وهو ضمن مجموع الفتاوى، ج13.

([9]) أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, واللفظ للبخاري.

([10]) أخرجه مسلم في صحيحه عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.

([11]) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([12]) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([13]) الكبوة: هي الكناسة.

([14]) رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

([15]) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان, واللفظ لأحمد.

([16]) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان, وقال الترمذي: حديث حسن غريب.

([17]) أخرجه ابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف عن إياس عن أنس عن رسول الله ﷺ‬, وتعقبه ابن عبد الهادي في "تنقيح أحاديث التعليق" بقوله: هذا حديث منكر، وإسناده مظلم، وقوله في الإسناد عن إياس خطأ، والصواب عن أبان, وهو ابن عياش، وهو متروك, وقد حسن هذا الحديث الحافظ أبو القاسم بن عساكر فوهم، فإن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا، وإنما هو من كلام الثوري. والله أعلم.اهـ.

([18]) كتاب الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية.

([19]) شرح صحيح البخاري لابن بطال، ج1، ص56، كتاب الإيمان.

([20]) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب: بيان عدد شعب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([21]) أخرجه مسلم في كتاب التوبة باب: فضل دوام الذكر والفكر عن حنظلة الأسدي.

([22]) أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

([23]) أخرجه البخاري في فضائل القرآن, ومسلم في الزكاة وابن أبي عاصم في السنة عن ابن سعيد الخدري.

([24]) العقيدة الواسطية, وهي ضمن مجموع الفتاوى، ج3.

([25]) أخرجه الطبراني في مكارم الأخلاق، باب ما جاء في حسن الخلق عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

([26]) أخرجه الطبراني في مكارم الأخلاق، فضل الانبساط إلى الناس ولقائهم بطلاقة الوجه عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([27]) كتاب الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية.

([28]) لقد اختلطت المفاهيم عند كثير من الناس في مفهوم السياسة وحقيقتها، وهذا مقام ضنك, ومعترك صعب، زلت فيه الأقدام, وظلت فيه الأفهام، حيث ظنوا أن السياسة ليست موافقة للشريعة, وهذا غلط في الفهم، فإن السياسة جاءت بها الشريعة المطهرة, كما في قوله ﷺ‬: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي, وإنه لا نبي بعدي». أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

 هذا هو حقيقة السياسة، أما مفهوم السياسة فهي: ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ﷺ‬, ولا نزل به وحي، وفي الحديث دلالة على أنه من يتولى سياسة الناس بعد الرسول ﷺ‬ هم الخلفاء والملوك والأمراء، لأنه لا نبي بعده, والناس يحتاجون إلى من يقوم على مصالحهم وتدبير أمورهم.

([29]) تفسير القرآن الحكيم المعروف بتفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا، ج5، ص241-244.

([30]) التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور، ج4، 202.

([31]) تفسير القرآن الحكيم المعروف بتفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا، ج5، ص244.

([32]) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

([33]) معالم السنن, شرح سنن أبي داود لأبي سليمان الخطابي.

([34]) متفق عليه عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

([35]) أخلاق العلماء للآجري.

([36]) أخرجه أبو عمر وأحمد المديني عن عدد من الصحابة منهم أنس بن مالك وجبير بن مطعم وغيرهم, وللحديث عدة طرق في جزء «نضر الله امرأً سمع مقالتي فأداها».

([37]) سنن الدارمي, باب التوبيخ لمن طلب العلم لغير الله.

([38]) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر, باب القول في العمل بالعلم.

([39]) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب القول في العمل بالعلم, وما ينبغي في روايته.

([40]) تفسير القرآن عبد الرزاق بن همام الصنعاني.

([41]) سنن الدارمي, باب التوبيخ لمن طلب العلم لغير الله، وشعب الإيمان للبيهقي باب نشر العلم.

([42]) أخلاق العلماء للآجري.

([43]) أخلاق العلماء للآجري.

([44]) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر, باب معرفة أصول العلم وحقيقته.

([45]) أي: طالت وزادت.

([46]) سراج الملوك: فصل في الفرق بين المداهنة والمداراة.

([47]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

([48]) أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

([49]) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([50]) المنهاج شرح صحيح مسلم للإمام النووي.

([51]) رواه الترمذي من حديث علي بن أبي طالب الطويل، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

([52]) معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الإخوة.

([53]) سير أعلام النبلاء للذهبي، ج7، ص278 ترجمة سفيان الثوري.

([54]) معالم التنزيل، البغوي.

([55]) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي.

([56]) أخرجه أحمد في المسند والبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه, واللفظ لأحمد.

([57]) البداية والنهاية لابن كثير ج2ص136 طبعة دار الوليد جدة سنة 1414هـ.

([58]) أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله كتاب الزهد والرقائق باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، وأبو داود في سننه, كتاب الصلاة, باب النهي, أن يدعو الإنسان على أهله وماله, واللفظ لمسلم، وزاد أبو داود «ولا تدعوا على خدمكم» وقال: هذا الحديث متصل الإسناد.

([59]) أخرجه مسلم عن أبي هريرة, كتاب الوصية, باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.

([60]) أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.